ص مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ وَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَإِلَيَّ قَضَاؤُهُ وَ مَنْ مَاتَ وَ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ فَنَسَخَ هَذَا الْأَوَّلَ فَصَارَتِ الْمَوَارِيثُ لِلْقَرَابَاتِ الْأَدْنَى فَالْأَدْنَى ثُمَّ قَالَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً الْوَصِيَّةُ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْيَتِيمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ص عِنْدَ نُزُولِهَا أَ لَسْتُ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَا مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا وَلِيُّ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ الدُّعَاءَ أَلَا مَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيَّ وَ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ. تَفْسِيرُ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْإِمَامِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَكَانَتْ لِعَلِيٍّ عليه السلام مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص الْوَلَايَةُ فِي الدِّينِ وَ الْوَلَايَةُ فِي الرَّحِمِ فَهُوَ وَارِثُهُ كَمَا قَالَ أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ أَنْتَ وَارِثِي. السَّمْعَانِيُّ فِي الْفَضَائِلِ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ النَّبِيُّ ص لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيٌّ وَ وَارِثٌ وَ إِنَّ عَلِيّاً وَصِيِّي وَ وَارِثِي. و قالوا: و أما العباس فلم يرث لقوله تعالى وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ و بالاتفاق أنه لم يهاجر العباس ابن بطة في الإبانة أنه قيل لقثم بن العباس بأي شيء ورث علي النبي ص دون العباس قال لأنه كان أشدنا به لصوقا و أسرعنا به لحوقا. لم يكونا أخوين من النسب تحقيقا و إنما قال ذلك فيه إبانة لمنزلته و فضله و إمامته على سائر المسلمين لئلا يتقدمه أحد منهم و لا يتأمر عليه بعد ما آخى بينهم أجمعين الأشكال و جعله شكلا لنفسه و العرب تقول للشيء إنه أخو الشيء إذا أشبهه أو قاربه أو وافق معناه و منه قوله تعالى إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً و كانا جبرئيل و ميكائيل و كذا قوله تعالى يا أُخْتَ هارُونَ فلما كان علي وصي رسول الله في أمته كان أقرب الناس شبها في المنزلة به و الأخوة لا توجب ذلك لأنه قد يكون المؤمن أخا للكافر و المنافق فثبتت إمامته.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٣٨ - الصفحة ٣٣٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
فر، تفسير فرات بن إبراهيم مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ زَكَرِيَّا الدِّهْقَانُ مُعَنْعَناً عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَالَ
دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ هُوَ يَقْرَأُ سُورَةَ الْمَائِدَةِ فَقَالَ اكْتُبْ فَكَتَبْتُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص خَفَقَ بِرَأْسِهِ كَأَنَّهُ نَائِمٌ وَ هُوَ يُمْلِي بِلِسَانِهِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرِ السُّورَةِ ثُمَّ انْتَبَهَ فَقَالَ لِيَ اكْتُبْ فَأَمْلَى عَلِيٌّ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّتِي خَفَقَ عِنْدَهَا فَقُلْتُ أَ لَمْ تُمْلِ عَلَيَّ حَتَّى خَتَمْتُهَا فَقَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ ذَلِكَ الَّذِي أَمْلَى عَلَيْكَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام ثُمَّ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فَأَمْلَى عَلَيَ رَسُولُ اللَّهِ ص سِتِّينَ آيَةً وَ أَمْلَى عَلَيَّ جَبْرَئِيلُ أَرْبَعاً وَ سِتِّينَ آيَةً. بيان: هذا الخبر يخالف المشهور بوجهين الأول أنه على المشهور عدد الآيات مائة و عشرون و في الخبر زيد أربع و الثاني أن آية الولاية هي الخامسة و الخمسون لا الستون لكن لا اعتماد على ما هو المشهور في ذلك و أمثاله.
بحار الأنوار - ج ٣٩ - الصفحة ١١٢. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
بحار الأنوار - ج ٣٩ - الصفحة ٣١٦. — الإمام الصادق عليه السلام
أَقُولُ وَجَدْتُ فِي كِتَابِ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ رَوَى ابْنُ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً عليه السلام يَقُولُ
كَانَتْ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ عَشْرُ خِصَالٍ مَا يَسُرُّنِي بِإِحْدَاهُنَّ مَا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَ مَا غَرَبَتْ فَقِيلَ لَهُ سَمِّهَا لَنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ص أَنْتَ الْأَخُ وَ أَنْتَ الْخَلِيلُ وَ أَنْتَ الْوَصِيُّ وَ أَنْتَ الْوَزِيرُ وَ أَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ وَ الْمَالِ فِي كُلِّ غَيْبَةٍ أَغِيبُهَا وَ مَنْزِلَتُكَ مِنِّي كَمَنْزِلَتِي مِنْ رَبِّي وَ أَنْتَ الْخَلِيفَةُ فِي أُمَّتِي وَلِيُّكَ وَلِيِّي وَ عَدُوُّكَ عَدُوِّي وَ أَنْتَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ سَيِّدُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِي ثُمَّ أَقْبَلَ عَلِيٌّ عليه السلام عَلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الصَّحَابَةِ وَ اللَّهِ مَا تَقَدَّمْتُ عَلَى أَمْرٍ إِلَّا مَا عَهِدَ إِلَيَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ص فَطُوبَى لِمَنْ رَسَخَ حُبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فِي قَلْبِهِ فَوَ اللَّهِ مَا ذَكَرَ الْعَالِمُونَ ذِكْراً أَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص مِنِّي وَ صَلَّى الْقِبْلَتَيْنِ كَصَلَاتِي صَلَّيْتُ صَبِيّاً وَ لَمْ أَرْهَقْ حُلُماً وَ هَذِهِ فَاطِمَةُ (صلوات الله عليها) بَضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ تَحْتِي هِيَ فِي زَمَانِهَا كَمَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ فِي زَمَانِهَا وَ إِنَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ سِبْطَا هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ هُمَا مِنْ مُحَمَّدٍ كَمَكَانِ الْعَيْنَيْنِ مِنَ الرَّأْسِ وَ أَمَّا أَنَا فَكَمَكَانِ الْيَدِ مِنَ الْبَدَنِ وَ أَمَّا فَاطِمَةُ فَكَمَكَانِ الْقَلْبِ مِنَ الْجَسَدِ مَثَلُنَا مَثَلُ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ. بسمه تعالى و له الحمد إلى هنا انتهى الجزء التاسع و الثلاثون من كتاب بحار الأنوار من هذه الطبعة النفيسة و هو الجزء الخامس من المجلّد التاسع في تاريخ أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) حسب تجزءة المصنّف أعلى اللّه مقامه يحوي زهاء ألف حديث في أحد عشرين بابا غير ما حوى من المباحث العلميّة و الكلاميّة. و لقد بذلنا الجهد عند طبعها في التصحيح (إلّا من صفحة 1- إلى- 48) فخرج بعون اللّه و مشيّته نقيّاً من الأغلاط إلّا نزراً زهيداً زاغ عنه البصر و حسر عنه النظر. محمد باقر البهبودي. بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيّدنا محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين. و بعد: فإنّ اللّه المنّان قد وفّقنا لتصحيح هذا الجزء- و هو الجزء الخامس من أجزاء المجلّد التاسع من الأصل و الجزء التاسع و الثلاثون حسب تجزءتنا- من كتاب بحار الأنوار و تخريج أحاديثه و مقابلتها على ما بأيدينا من المصادر و بذلنا في ذلك غاية جهدنا على ما يراه المطالع البصير و قد راجعنا في تصحيح الكتاب و تحقيقه و مقابلته نسخاً مطبوعة و مخطوطة إليك تفصيلها:
بحار الأنوار - ج ٣٩ - الصفحة ٣٥٢. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
ج، الإحتجاج قَالَ سُلَيْمُ بْنُ قَيْسٍ سَأَلَ رَجُلٌ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فَقَالَ
وا إِنَّ رَجُلًا فَاخَرَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِعَلِيٍّ عليه السلام أَيْ أَخِي فَاخِرِ الْعَرَبَ فَأَنْتَ أَكْرَمُهُمْ ابْنَ عَمٍّ وَ أَكْرَمُهُمْ أَباً وَ أَكْرَمُهُمْ أَخاً وَ أَكْرَمُهُمْ نَفْساً وَ أَكْرَمُهُمْ زَوْجَةً وَ أَكْرَمُهُمْ وَلَداً وَ أَكْرَمُهُمْ عَمّاً وَ أَكْرَمُهُمْ غَنَاءً بِنَفْسِكَ وَ مَالِكَ وَ أَتَّمُهُمْ حِلْماً وَ أَكْثَرُهُمْ عِلْماً وَ أَنْتَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ وَ أَعْلَمُهُمْ بِسُنَنِ اللَّهِ وَ أَشْجَعُهُمْ قَلْباً وَ أَجْوَدُهُمْ كَفّاً وَ أَزْهَدُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ أَشَدُّهُمْ اجْتِهَاداً وَ أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً وَ أَصْدَقُهُمْ لِسَاناً وَ أَحَبُّهُمْ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَيَّ وَ سَتَبْقَى بَعْدِي ثَلَاثِينَ سَنَةً تَعْبُدُ اللَّهَ وَ تَصْبِرُ عَلَى ظُلْمِ قُرَيْشٍ ثُمَّ تُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِذَا وَجَدْتَ أَعْوَاناً تُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ تُقْتَلُ شَهِيداً تُخْضَبُ لِحْيَتُكَ مِنْ دَمِ رَأْسِكَ قَاتِلُكَ يَعْدِلُ عَاقِرَ النَّاقَةِ فِي الْبُغْضِ إِلَى اللَّهِ وَ الْبُعْدِ مِنَ اللَّهِ وَ يَعْدِلُ قَاتِلَ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا وَ فِرْعَوْنَ ذَا الْأَوْتَادِ. قال أبان و حدثت بهذا الحديث الحسن البصري عن أبي ذر قال صدق أبو ذر و لعلي بن أبي طالب عليه السلام السابقة في الدين و العلم و على الحكمة و الفقه و على الرأي و الصحبة و على الفضل في البسطة و في العشيرة و في الصهر و في النجدة و في الحرب و في الجود و في الماعون و على العلم بالقضاء و على القرابة و على البلاء إن عليا في كل أمره علي و صلى عليه ثم بكى حتى بل لحيته فقلت له يا أبا سعيد أ تقول ذلك لأحد غير النبي إذا ذكرته قال ترحم على المسلمين إذا ذكرتهم و تصلي على آل محمد ص و إن عليا خير آل محمد فقلت يا أبا سعيد خير من حمزة و جعفر و خير من فاطمة و الحسن و الحسين فقال إي و الله إنه لخير منهم و من يشك أنه خير منهم ثم إنه قال لم يجر عليهم اسم شرك و لا كفر و لا عبادة صنم و لا شرب خمر و علي خير منهم بالسبق إلى الإسلام و العلم بكتاب الله و سنة نبيه و - إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ لِفَاطِمَةَ زَوَّجْتُكِ خَيْرَ أُمَّتِي. فلو كان في الأمة خير منه لاستثناه و إن رسول الله ص آخى بين أصحابه و آخى بين علي و بين نفسه فرسول الله ص خيرهم نفسا و خيرهم أخا و نصبه يوم غدير خم للناس و أوجب له الولاية على الناس مثل ما أوجب لنفسه و قَالَ لَهُ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى. و لم يقل ذلك لأحد من أهل بيته و لا لأحد من أمته غيره في سوابق كثيرة ليس لأحد من الناس مثلها. فقلت له من خير هذه الأمة بعد علي قال زوجته و ابناه قلت ثم من قال ثم جعفر و حمزة خير الناس و أصحاب الكساء الذين نزلت فيهم آية التطهير ضم فيه ص نفسه و عليا و فاطمة و الحسن و الحسين ثم قال هؤلاء ثقلي و عترتي في أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا فقالت أم سلمة أدخلني معك في الكساء فقال لها يا أم سلمة أنت بخير و إلى خير و إنما نزلت هذه الآية في و في هؤلاء فقلت الله يا أبا سعيد ما ترويه في علي عليه السلام و ما سمعتك تقول فيه قال يا أخي احقن بذلك دمي بين هؤلاء الجبابرة الظلمة لعنهم الله يا أخي لو لا ذلك لقد شالت بي الخشب و لكني أقول ما سمعت فيبلغهم ذلك فيكفون عني و إنما أعني ببغض علي غير علي بن أبي طالب عليه السلام فيحسبون أني لهم ولي قال الله عز و جل ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ هي التقية.
بحار الأنوار - ج ٤٠ - الصفحة ٩٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بحار الأنوار - ج ٤١ - الصفحة ٣٠٥. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
نهج، نهج البلاغة مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ
عليه السلام أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ فَأَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ وَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا أَحَدٌ غَيْرِي بَعْدَ أَنْ مَاجَ غَيْهَبُهَا وَ اشْتَدَّ كَلَبُهَا فَاسْأَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونَنِي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ السَّاعَةِ وَ لَا عَنْ فِئَةٍ تَهْدِي مِائَةً وَ تُضِلُّ مِائَةً إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَ قَائِدِهَا وَ سَائِقِهَا وَ مُنَاخِ رِكَابِهَا وَ مَحَطِّ رِحَالِهَا وَ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَهْلِهَا قَتْلًا وَ يَمُوتُ مِنْهُمْ مَوْتاً وَ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَ نَزَلَتْ كَرَائِهُ الْأُمُورِ وَ حَوَازِبُ الْخُطُوبِ لَأَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ وَ ذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ وَ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ وَ ضَاقَتِ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ ضِيقاً تَسْتَطِيلُونَ أَيَّامَ الْبَلَاءِ عَلَيْكُمْ ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ مِنْكُمْ إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وَ إِذَا أَدْبَرَتْ نَبَّهَتْ يُنْكَرْنَ مُقْبِلَاتٍ وَ يُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ يَحُمْنَ حَوْمَ الرِّيَاحِ يُصِبْنَ بَلَداً وَ يُخْطِئْنَ بَلَداً إِلَّا أَنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ- فَإِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ عَمَّتْ خُطَّتُهَا وَ خَصَّتْ بَلِيَّتُهَا وَ أَصَابَ الْبَلَاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا وَ أَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ لَكُمْ أَرْبَابَ سَوْءٍ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعْذِمُ بِفِيهَا وَ تَخْبِطُ بِيَدِهَا وَ تَزْبِنُ بِرِجْلِهَا وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لَا يَتْرُكُوا مِنْكُمْ إِلَّا نَافِعاً لَهُمْ أَوْ غَيْرَ ضَائِرٍ وَ لَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ حَتَّى لَا يَكُونُ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلَ انْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ وَ الصَّاحِبِ مِنْ مُسْتَصْحِبِهِ تَرِدُ عَلَيْكُمْ فِتْنَتُهُمْ شَوْهَاءَ مَخْشِيَّةً وَ قِطَعاً جَاهِلِيَّةً لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى وَ لَا عَلَمٌ يُرَى نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ وَ لَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ ثُمَّ يُفَرِّجُهَا اللَّهُ عَنْهُمْ كَتَفْرِيجِ الْأَدِيمِ بِمَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَ يَسُوقُهُمْ عُنْفاً وَ يَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ لَا يُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ وَ لَا يُحْلِسُهُمْ إِلَّا الْخَوْفَ فَعِنْدَ ذَلِكَ تَوَدُّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنَنِي مَقَاماً وَاحِداً وَ لَوْ قَدْرَ جَزْرِ جَزُورٍ لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ مَا أَطْلُبُ الْيَوْمَ بَعْضَهُ فَلَا يُعْطُونَنِي. تبيين فقأ العين شقها و عدم اجترائهم كان لاستعظامهم قتال أهل القبلة لجهالتهم و الغيهب الظلمة و تموجه كناية عن عمومه و شموله للأماكن و اشتد كلبها أي شرها و أذاها يقال للقحط الشديد الكلب و كذلك للقر الشديد قوله بناعقها أي الداعي إليها يقال نعق ينعق بالكسر أي صاح و زجر و المناخ بضم الميم مصدر أو اسم مكان من أناخ البعير و الركاب الإبل التي تسار عليها الواحدة راحلة و لا واحد لها من لفظها و الكرائه جمع الكريهة و هي الشدة و قال الجزري الحوازب جمع حازب و هو الأمر الشديد قوله عليه السلام لأطرق كثير من السائلين أي لشدة الأمر و صعوبته حتى إن السائل ليبهت و يدهش فيطرق و لا يستطيع السؤال و الفشل الجبن. و قال ابن أبي الحديد قلصت يروى بالتشديد أي انضمت و اجتمعت فيكون أشد و أصعب من أن يتفرق في مواطن متعددة و بالتخفيف أي كثرت و تزايدت من قلصت البئر أي ارتفع ماؤها و روي إذا قلصت عن حربكم أي إذا قلصت كرائه الأمور و حوازب الخطوب عن حربكم أي انكشفت عنها. قوله عليه السلام و شمرت عن ساق أي كشفت عن شدة و مشقة كقوله تعالى يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ أو كناية عن قيام الحرب و تمام أسبابها فإنه كناية عن الاهتمام في الأمر قوله عليه السلام إذا أقبلت شبهت أي في ابتدائها تلتبس الأمور و لا يعلم الحق من الباطل إلى أن تنقضي فيظهر بطلانها لظهور آثار الفساد منها و حام الطائر حول الماء يحوم حوما و حومانا أي دار شبه عليه السلام الفتن في دورانها و وقوعها من دعاة الضلال في بلد دون بلد بالرياح و الخطة الحال و الأمر و عمومها لأنها كانت ولاية عامة و خصت بليتها بالصالحين و الأئمة من أهل البيت عليهم السلام و شيعتهم فالمبصر العارف للحق يصيبه البلاء لما يرى من الجور فيه و في غيره و أما الجاهل المنقاد لهم فهو في راحة و الناب الناقة المسنة و الضروس السيئة الخلق و العذم العض و الأكل بجفاء و الزبن الدفع و الدر في الأصل اللبن ثم أطلق على كل خير و هو كناية عن منع حقوق المسلمين و الاستبداد بأموالهم. قوله أو غير ضائر يعني من لا ينكر أفعالهم و الانتصار الانتقام و قد جاء في كلامه عليه السلام تفسير انتصار العبد من ربه في غير هذا الموضع حيث عقبه بقوله إذا شهد أطاعه و إذا غاب اغتابه و المراد بالصاحب هنا التابع و الشوهاء القبيحة و في بعض النسخ شوها بالضم بغير مد جمع الشوهاء. قوله عليه السلام و قطعا جاهلية شبهها بقطع السحاب لتراكمها أو قطع الحبل لورودها دفعات قوله عليه السلام بمنجاة أي بمعزل لا تلحقنا آثامها و لسنا من أنصار تلك الدعوة قوله كتفريج الأديم الأديم الجلد و وجه الشبه انكشاف الجلد عما تحته من اللحم قوله عليه السلام يسومهم خسفا أي يوليهم ذلا و الخسف النقصان و الهوان قوله عليه السلام مصبّرة أي ممزوجة بالصبر المر أو مملوءة إلى أصبارها أي جوانبها قوله عليه السلام و لا يحلسهم أي لا يلبسهم و الحلس كساء رقيق يكون تحت البرذعة و الجزور من الإبل يقع على الذكر و الأنثى و جزرها ذبحها. قال عبد الحميد بن أبي الحديد في شرح هذه الخطبة هذه الدعوى ليست منه عليه السلام ادعاء الربوبية و لا ادعاء النبوة و لكنه كان يقول إن رسول الله ص أخبره بذلك و لقد امتحنا أخباره فوجدناه موافقا فاستدللنا بذلك على صدق الدعوى المذكورة كإخباره عن الضربة التي يضرب في رأسه فتخضب لحيته و إخباره عن قتل الحسين عليه السلام ابنه و ما قاله في كربلاء حيث مر بها و إخباره بملك معاوية الأمر من بعده و إخباره عن الحجاج و عن يوسف بن عمر و ما أخبر به من أمر الخوارج بالنهروان و ما قدمه إلى أصحابه من إخباره بقتل من يقتل منهم و صلب من يصلب و إخباره بقاتل الناكثين و القاسطين و المارقين و إخباره بعدة الجيش الوارد إليه من الكوفة لما شخص عليه السلام إلى البصرة لحرب أهلها و إخباره عن عبد الله بن الزبير و قوله عليه السلام فيه خب صب يروم أمرا و لا يدركه ينصب حبالة الدين لاصطياد الدنيا و هو بعد مصلوب قريش و كإخباره عن هلاك البصرة بالغرق و هلاكها تارة أخرى بالزنج و هو الذي صحفه قوم فقالوا بالريح. و كإخباره عن الأئمة الذين ظهروا من ولده بطبرستان كالناصر و الداعي و غيرهما في قوله عليه السلام و إن لآل محمد بالطالقان لكنزا سيظهره الله إذا شاء دعاة حق تقوم بإذن الله فتدعو إلى دين الله و كإخباره عن مقتل النفس الزكية بالمدينة و قوله إنه يقتل عند أحجار الزيت و كقوله عن أخيه إبراهيم المقتول بباخمرا يقتل بعد أن يظهر و يقهر بعد أن يقهر و قوله عليه السلام فيه أيضا يأتيه سهم غرب يكون فيه منيته فيا بؤس الرامي شلت يده و وهن عضده و كإخباره عن قتلى فخ و قوله عليه السلام هم خير أهل الأرض أو من خير أهل الأرض و كإخباره عن المملكة العلوية بالغرب و تصريحه بذكر كتامة و هم الذين نصروا أبا عبد الله الداعي المعلم و كقوله و هو يشير إلى عبيد الله المهدي و هو أولهم ثم يظهر صاحب القيروان الفض البض ذو النسب المحض المنتجب من سلالة ذي البداء المسجى بالرداء و كان عبيد الله المهدي أبيض مترفا مشربا حمرة رخص البدن تار الأطراف و ذو البداء إسماعيل بن جعفر بن محمد عليه السلام و هو المسجى بالرداء لأن أباه أبا عبد الله جعفرا عليه السلام سجاه بردائه لما مات و أدخل إليه وجوه الشيعة يشاهدونه ليعلموا موته و تزول عنهم الشبهة في أمره. و كإخباره عن بني بويه و قوله فيهم و يخرج من ديلمان بنو الصياد إشارة إليهم و كان أبوهم صياد السمك يصيد منه بيده ما يتقوت هو و عياله بثمنه فأخرج الله تعالى من ولده لصلبه ملوكا ثلاثة و نشر ذريتهم حتى ضربت الأمثال بملكهم و كقوله عليه السلام فيهم ثم يستقوي أمرهم حتى يملكوا الزوراء و يخلعوا الخلفاء فقال له قائل فكم مدتهم يا أمير المؤمنين فقال مائة أو تزيد قليلا و كقوله فيهم و المترف ابن الأجذم يقتله ابن عمه على دجلة و هو إشارة إلى عز الدولة بختيار بن معز الدولة أبي الحسين و كان معز الدولة أقطع اليد قطعت يده التكوض في الحرب و كان ابنه عز الدولة بختيار مترفا صاحب لهو و شرب و قتله عضد الدولة فناخسره ابن عمه بقصر الجفن على دجلة في الحرب و سلبه ملكه فأما خلعهم للخلفاء فإن معز الدولة خلع المستكفي و رتب عوضه المطيع و بهاء الدولة أبا نصر بن عضد الدولة خلع الطائع و رتب عوضه القادر و كانت مدة ملكهم كما أخبر به عليه السلام و كإخباره عليه السلام لعبد الله بن العباس (رحمه الله) عن انتقال الأمر إلى أولاده فإن علي بن عبد الله لما ولد أخرجه أبوه عبد الله إلى علي عليه السلام فأخذه و تفل في فيه و حنكه بتمرة قد لاكها و دفعه إليه و قال خذ إليك أبا الأملاك هكذا الرواية الصحيحة و هي التي ذكرها أبو العباس المبرد في الكتاب الكامل و ليست الرواية التي يذكر فيها العدد بصحيحة و لا منقولة في كتاب معتمد عليه. و كم له من الإخبار عن الغيوب الجارية هذا المجرى مما لو أردنا استقصاءه لكرسنا كراريس كثيرة و كتب السير تشتمل عليها مشروحة ثم قال و هذا الكلام إخبار عن ظهور المسودة و انقراض ملك بني أمية و وقع الأمر بموجب إخباره (صلوات الله عليه) حتى لقد صدق قوله عليه السلام تود قريش إلى آخره فإن أرباب السيرة كلهم نقلوا أن مروان بن محمد قال يوم الزاب لما شاهد عبد الله بن علي بن عبد الله بن العباس بإزائه في صف خراسان لوددت أن علي بن أبي طالب تحت هذه الراية بدلا من هذا الفتى و القصة طويلة مشهورة. و هَذِهِ الْخُطْبَةُ ذَكَرَهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ السِّيرَةِ وَ هِيَ مُتَدَاوِلَةٌ مَنْقُولَةٌ مُسْتَفِيضَةٌ خَطَبَ بِهَا عَلِيٌّ عليه السلام بَعْدَ انْقِضَاءِ أَمْرِ النَّهْرَوَانِ وَ فِيهَا أَلْفَاظٌ لَمْ يُورِدْهَا الرَّضِيُّ (رحمه الله) مِنْ قَوْلِهِ عليه السلام وَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا غَيْرِي وَ لَوْ لَمْ أَكُ فِيكُمْ مَا قُوتِلَ أَصْحَابُ الْجَمَلِ وَ النَّهْرَوَانِ وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ لَا أَنْ تَتَّكِلُوا فَتَدَعُوا الْعَمَلَ لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا قَضَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ص لِمَنْ قَاتَلَهُمْ مُبْصِراً بِضَلَالَتِهِمْ عَارِفاً لِلْهُدَى الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَإِنِّي مَيِّتٌ عَنْ قَرِيبٍ أَوْ مَقْتُولٌ بَلْ قَتْلًا مَا يَنْتَظِرُ أَشْقَاهَا أَنْ يَخْضِبَ هَذِهِ بِدَمٍ وَ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَتِهِ. وَ مِنْهَا فِي ذِكْرِ بَنِي أُمَيَّةَ يَظْهَرُ أَهْلُ بَاطِلِهَا عَلَى أَهْلِ حَقِّهَا حَتَّى تُمْلَأَ الْأَرْضُ عُدْوَاناً وَ ظُلْماً وَ بِدَعاً إِلَى أَنْ يَضَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ جَبَرُوتَهَا وَ يَكْسِرَ عَمَدَهَا وَ يَنْزِعَ أَوْتَادَهَا أَلَا وَ إِنَّكُمْ مُدْرِكُوهَا فَانْصُرُوا قَوْماً كَانُوا أَصْحَابَ رَايَاتِ بَدْرٍ وَ حُنَيْنٍ تُؤْجَرُوا وَ لَا تُمَالِئُوا عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ فَيَصِيرَ عَلَيْهِمْ وَ يَحِلَّ بِكُمُ النَّقِمَةُ. وَ مِنْهَا إِلَّا مِثْلَ انْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ مَوْلَاهُ إِذَا رَآهُ أَطَاعَهُ وَ إِنْ تَوَارَى عَنْهُ شَتَمَهُ وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ حَجَرٍ لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ. وَ مِنْهَا فَانْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فَانْصُرُوهُمْ فَلَيُفَرِّجَنَّ اللَّهُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ بِأَبِي ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ لَا يُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ هَرْجاً هَرْجاً مَوْضُوعاً عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةً حَتَّى تَقُولَ قُرَيْشٌ لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ لَرَحِمَنَا يُغْرِيهِ اللَّهُ بِبَنِي أُمَيَّةَ حَتَّى يَجْعَلَهُمْ حُطَاماً وَ رُفَاتاً مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. بيان الخب الخداع و الصبابة الشوق و في بعض النسخ بالهمز فيهما فالخبء السر و هو أيضا كناية عن الغدر و الحيلة و صبأ كمنع و كرم صبأ خرج من دين إلى آخر و عليهم العدو دلهم قاله الفيروزآبادي و قال أصابه سهم غرب و يحرك و سهم غرب نعتا أي لا يدرى راميه و الفض الكسر بالتفرقة و النفر المتفرقون و البض الرخص الجسد الرقيق الجلد الممتلئ و التار المسترخى. أقول أوردت تمام تلك الخطبة برواية سليم بن قيس في كتاب الفتن.
أَ لَسْتُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِي وَ لِأَخِي- الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا قُلْتُ بَلَى- قَالَ فَأَنَا إِذَنْ إِمَامٌ لَوْ قُمْتُ وَ أَنَا إِمَامٌ إِذَا قَعَدْتُ- يَا بَا سَعِيدٍ عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ- عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص لِبَنِي ضَمْرَةَ وَ بَنِي أَشْجَعَ- وَ لِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ- أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ وَ مُعَاوِيَةُ وَ أَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ- يَا بَا سَعِيدٍ إِذَا كُنْتُ إِمَاماً مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ- لَمْ يجب [يَجُزْ أَنْ يُسَفَّهَ رَأْيِي فِيمَا أَتَيْتُهُ مِنْ مُهَادَنَةٍ أَوْ مُحَارَبَةٍ- وَ إِنْ كَانَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَيْتُهُ مُلْتَبِساً- أَ لَا تَرَى الْخَضِرَ عليه السلام لَمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ- وَ قَتَلَ الْغُلَامَ وَ أَقَامَ الْجِدَارَ سَخِطَ مُوسَى عليه السلام فِعْلَهُ- لِاشْتِبَاهِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ فَرَضِيَ- هَكَذَا أَنَا سَخِطْتُمْ عَلَيَّ بِجَهْلِكُمْ بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ- وَ لَوْ لَا مَا أَتَيْتُ لَمَا تُرِكَ مِنْ شِيعَتِنَا- عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ. قال الصدوق (رحمه الله) قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه في كتابه المعروف بكتاب الفروق بين الأباطيل و الحقوق في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية فذكر سؤال سائل عن تفسير - حديث يوسف بن مازن الراسبي في هذا المعنى و الجواب عنه و هو الذي رواه أبو بكر محمد بن الحسن بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال حدثنا أبو طالب زيد بن أحزم قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القاسم بن الفضل قال حدثنا يوسف بن مازن الراسبي قال بايع الحسن بن علي (صلوات الله عليه) معاوية على أن لا يسميه أمير المؤمنين و لا يقيم عنده شهادة و على أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام شيئا و على أن يفرق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل و أولاد من قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم و أن يجعل ذلك من خراج دارابجرد. قال و ما ألطف حيلة الحسن (صلوات الله عليه) في إسقاطه إياه عن إمرة المؤمنين قال يوسف فسمعت القاسم بن محيمة يقول ما وفى معاوية للحسن بن علي (صلوات الله عليه) بشيء عاهده عليه و إني قرأت كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية يعدد عليه ذنوبه إليه و إلى شيعة علي عليه السلام فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي و من قتلهم معه. فنقول رحمك الله إن ما قال يوسف بن مازن من أمر الحسن عليه السلام و معاوية عند أهل التميز و التحصيل تسمى المهادنة و المعاهدة أ لا ترى كيف يقول ما وفى معاوية للحسن بن علي بشيء عاهده عليه و هادنه و لم يقل بشيء بايعه عليه و المبايعة على ما يدعيه المدعون على الشرائط التي ذكرناها ثم لم يف بها لم يلزم الحسن ع. و أشد ما هاهنا من الحجة على الخصوم معاهدته إياه على أن لا يسميه أمير المؤمنين و الحسن عليه السلام عند نفسه لا محالة مؤمن فعاهده على أن لا يكون عليه أميرا إذ الأمير هو الذي يأمر فيؤتمر له. فاحتال الحسن (صلوات الله عليه) لإسقاط الايتمار لمعاوية إذا أمره أمرا على نفسه و الأمير هو الذي أمره مأمور من فوقه فدل على أن الله عز و جل لم يؤمره عليه و لا رسوله ص أمره عليه - فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ص لَا يَلِيَنَّ مُفَاءٌ عَلَى مُفِيءٍ.. يريد أن من حكمه حكم هوازن الذين صاروا فيئا للمهاجرين و الأنصار فهؤلاء طلقاء المهاجرين و الأنصار بحكم إسعافهم النبي فيئهم لموضع رضاعه و حكم قريش و أهل مكة حكم هوازن. فمن أمره رسول الله ص عليهم فهو التأمير من الله جل جلاله و رسوله ص. أو من الناس كما قالوا في غير معاوية إن الأمة اجتمعت فأمرت فلانا و فلانا و فلانا على أنفسهم فهو أيضا تأمير غير أنه من الناس لا من الله و لا من رسوله و هو إن لم يكن تأميرا من الله و من رسوله و لا تأميرا من المؤمنين فيكون أميرهم بتأميرهم فهو تأمير منه بنفسه. و الحسن (صلوات الله عليه) مؤمن من المؤمنين فلم يؤمر معاوية على نفسه بشرطه عليه ألا يسميه أمير المؤمنين فلم يلزمه ذلك الايتمار له في شيء أمره به و فرغ (صلوات الله عليه) إذ خلص بنفسه من الإيجاب عليها الايتمار له عن أن يتخذ على المؤمنين الذين هم على الحقيقة مؤمنون و هم الذين كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ و لأن هذه الطبقة لم يعتقدوا إمارته و وجوب طاعته على أنفسهم و لأن الحسن عليه السلام أمير البررة و قاتل الفجرة - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ص لِعَلِيٍّ عليه السلام عَلِيٌ أَمِيرُ الْبَرَرَةِ وَ قَاتِلُ الْفَجَرَةِ. فأوجب عليه السلام أنه ليس لبرّ من الأبرار أن يتأمر عليه و إن التأمير على أمير الأبرار ليس ببرّ هكذا يقتضي مراد رسول الله ص و لو لم يشترط الحسن بن علي عليه السلام على معاوية هذه الشروط و سماه أمير المؤمنين و قد قال النبي ص قريش أئمة الناس أبرارها لأبرارها و فجارها لفجارها.. و كل من اعتقد من قريش أن معاوية إمامه بحقيقة الإمامة من الله عز و جل و اعتقد الايتمار له وجوبا عليه فقد اعتقد وجوب اتخاذ مال الله دولا و عباده خولا و دينه دخلا و ترك أمر الله إياه إن كان مؤمنا فقد أمر الله عز و جل المؤمنين بالتعاون على البر و التقوى فقال وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ. فإن كان اتخاذ مال الله دولا و عباده خولا و دين الله دخلا من البر و التقوى جاز على تأويلك من اتخذه إماما و أمره على نفسه كما ترون التأمير على العباد. و من اعتمد أن قهر مال الله على ما يقهر عليه و دين الله على ما يسأم و أهل دين الله على ما يسأمون هو بقهر من اتخذهم خولا و إن الله من قبله مديل في تخليص المال من الدول و الدين من الدخل و العباد من الخول علم و سلم و آمن و اتقى إن البر مقهور في يد الفاجر و الأبرار مقهورون في أيدي الفجار بتعاونهم مع الفاجر على الإثم و العدوان المزجور عنه المأمور بضده و خلافه و منافيه. و قد سئل الثوري السفيان عن العدوان ما هو فقال هو أن ينقل صدقة بانقيا إلى الحيرة فتفرق في أهل السهام بالحيرة و ببانقيا أهل السهام و أنا أقسم بالله قسما بارا أن حراسة سفيان و معاوية بن مرة و مالك بن معول و خيثمة بن عبد الرحمن خشبة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام بكناس الكوفة بأمر هشام بن عبد الملك من العدوان الذي زجر الله عز و جل عنه و إن حراسه من سميتهم بخشبة زيد (رضوان اللّه عليه) الداعية بنقل صدقة بانقيا إلى الحيرة. فإن عذر عاذر عمن سميتهم بالعجز عن نصر البر الذي هو الإمام من قبل الله عز و جل الذي فرض طاعته على العباد على الفاجر الذي تأمر بإعانة الفجرة إياه قلنا لعمري إن العاجز معذور فيما عجز عنه و لكن ليس الجاهل بمعذور في ترك الطلب فيما فرض الله عز و جل عليه و إيجابه على نفسه فرض طاعته و طاعة رسوله ص و طاعة أولي الأمر و بأنه لا يجوز أن يكون سريرة ولاة الأمر بخلاف علانيتهم كما لم يجز أن يكون سريرة النبي ص الذي هم أصل ولاة الأمر و هم فرعه بخلاف علانيته. و إن الله عز و جل العالم بالسرائر و الضمائر و المطلع على ما في صدور العباد لم يكل علم ما لم يعلمه العباد إلى العباد جل و عز عن تكليف العباد ما ليس في وسعهم و طوقهم إذ ذاك ظلم من المكلف و عبث منه و إنه لا يجوز أن يجعل جل و تقدس اختيار من يستوي سريرته بعلانيته و من لا يجوز ارتكاب الكبائر الموبقة و الغضب و الظلم منه إلى من لا يعلم السرائر و الضمائر فلا يسع أحدا جهل هذه الأشياء. و إن وسع العاجز بعجزه ترك ما يعجز عنه فإنه لا يسعه الجهل بالإمام البر الذي هو إمام الأبرار و العاجز بعجزه معذور و الجاهل غير معذور فلا يجوز أن لا يكون للأبرار إمام و إن كان مقهورا في قهر الفاجر و الفجار فمتى لم يكن للبر إمام بر قاهر أو مقهور فمات ميتة جاهلية إذا مات و ليس يعرف إمامه. فإن قيل فما تأويل عهد الحسن عليه السلام و شرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة لإيجاب الله عليه عز و جل إقامة الشهادة بما علمه قبل شرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة قيل إن لإقامة الشهادة من الشاهد شرائط و هي حدودها التي لا يجوز تعديها لأن من تعدى حدود الله عز و جل فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ و أوكد شرائطها إقامتها عند قاض فصل و حكم عدل ثم الثقة من الشاهد أن يقيمها عند من يجر بشهادته حقا و يميت بها أثره و يزيل بها ظلما فإذا لم يكن من يشهد عنده سقط عنه فرض إقامة الشهادة. و لم يكن معاوية عند الحسن عليه السلام أميرا أقامه الله عز و جل و رسوله ص أو حاكما من ولاة الحكم فلو كان حاكما من قبل الله و قبل رسوله ثم علم الحسن عليه السلام أن الحكم هو الأمير و الأمير هو الحكم و قد شرط عليه الحسن أن لا يؤمر حين شرط ألا يسميه أمير المؤمنين فكيف يقيم الشهادة عند من أزال عنه الإمرة بشرط أن لا يسميه أمير المؤمنين و إذا زال ذلك عنه بالشرط أزال عنه الحكم لأن الأمير هو الحاكم و هو المقيم للحاكم و من ليس له تأمير و لا تحاكم فحكمه هذر و لا تقام الشهادة عند من حكمه هذر. فإن قال فما تأويل عهد الحسن عليه السلام على معاوية و شرطه عليه أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام شيئا قيل إن الحسن عليه السلام علم أن القوم جوزوا لأنفسهم التأويل و سوغوا في تأويلهم إراقة ما أرادوا إراقته من الدماء و إن كان الله عز و جل حقنه و حقن ما أرادوا حقنه و إن كان الله عز و جل أراقه في حكمه فأراد الحسن عليه السلام أن يبين أن تأويل معاوية على شيعة علي عليه السلام بتعقبه عليهم ما يتعقبه زائل مضمحل فاسد كما أنه أزال إمرته عنه و عن المؤمنين بشرط أن لا يسميه أمير المؤمنين و إن إمرته زالت عنه و عنهم و أفسد حكمه عليه و عليهم. ثم سوغ الحسن عليه السلام بشرطه عليه أن لا يقيم عنده شهادة للمؤمنين القدوة منهم به في أن لا يقيموا عنده شهادة فتكون حينئذ داره دائرة و قدرته قائمة لغير الحسن و لغير المؤمنين فتكون داره كدار بختنصر و هو بمنزلة دانيال فيها و كدار العزيز و هو كيوسف فيها. فإن قال دانيال و يوسف عليه السلام كانا يحكمان لبختنصر و العزيز قلنا لو أراد بختنصر دانيال و العزيز يوسف أن يريقا بشهادة عمار بن الوليد و عقبة بن أبي معيط و شهادة أبي بردة بن أبي موسى و شهادة عبد الرحمن بن أشعث بن قيس دم حجر بن عدي بن الأدبر و أصحابه رحمهم الله و أن يحكما له بأن زيادا أخوه و أن دم حجر و أصحابه مراقة بشهادة من ذكرت لما جاز أن يحكما لبخت نصر و العزيز و الحكم بالعدل يرمي الحاكم به في قدرة عدل أو جائر و مؤمن أو كافر لا سيما إذا كان الحاكم مضطر إلى أن يدين للجائر الكافر و المبطل و المحق بحكمه. فإن قال و لم خص الحسن عليه السلام عد الذنوب إليه و إلى شيعة علي عليه السلام و قدم أمامها قتله عبد الله بن يحيى الحضرمي و أصحابه و قد قتل حجرا و أصحابه و غيرهم قلنا لو قدم الحسن عليه السلام في عده على معاوية ذنوب حجر و أصحابه على عبد الله بن يحيى الحضرمي و أصحابه لكان سؤالك قائما فتقول لم قدم حجرا على عبد الله بن يحيى و أصحابه أهل الأخيار و الزهد في الدنيا و الإعراض عنها فأخبر معاوية بما كان عليه ابن يحيى و أصحابه من الخرق على أمير المؤمنين عليه السلام و شدة حبهم إياه و إفاضتهم في ذكره و فضله فجاء بهم و ضرب أعناقهم صبرا. و من أنزل راهبا من صومعته فقتله بلا جناية منه إلى قاتله أعجب ممن يخرج قسا من ديره فيقتله لأن صاحب الدير أقرب إلى بسط اليد لتناول ما معه من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء و الأرض فتقديم الحسن عليه السلام العباد على العباد و الزهاد على الزهاد و مصابيح البلاد على مصابيح البلاد لا يتعجب منه بل يتعجب لو قدم في الذكر مقصرا على مخبت و مقتصدا على مجتهد. فإن قال ما تأويل اختيار مال دارابجرد على سائر الأموال لما اشترط أن يجعله لأولاد من قتل مع أبيه (صلوات الله عليهم) يوم الجمل و بصفين قيل لدارابجرد خطب في شأن الحسن عليه السلام بخلاف جميع فارس. و قلنا إن المال مالان الفيء الذي ادعوا أنه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملة و عمارتها من تجييش الجيوش للدفع عن البيضة و لأرزاق الأسارى و مال الصدقة الذي خص به أهل السهام و قد جرى في فتوح الأرضين بفارس و الأهواز و غيرهما من البلدان فيما فتح منها صلحا و ما فتح منها عنوة و ما أسلم أهلها عليها هنات و هنات و أسباب و أسباب. و قد كتب ابن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن زيد بن الخطاب و هو عامله على العراق أيدك الله هاش في السواد ما يركبون فيه البراذين و يتختمون بالذهب و يلبسون الطيالسة و خذ فضل ذلك فضعه في بيت المال. و كتب ابن الزبير إلى عامله جنبوا بيت مال المسلمين ما يؤخذ على المناظر و القناطر فإنه سحت فقصر المال عما كان فكتب إليهم ما للمال قد قصر فكتبوا إليه أن أمير المؤمنين نهانا عما يؤخذ على المناظر و القناطر فلذلك قصر المال فكتب إليهم عودوا إلى ما كنتم عليه هذا بعد قوله إنه سحت. و لا بد أن يكون أولاد من قتل من أصحاب علي (صلوات الله عليه) بالجمل و بصفين من أهل الفيء و مال المصلحة و من أهل الصدقة و السهام - وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي الصَّدَقَةِ قَدْ أُمِرْتُ أَنْ آخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ- وَ أَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ. بالكاف و الميم ضمير من وجبت عليهم في أموالهم الصدقة و من وجبت لهم الصدقة فخاف الحسن عليه السلام أن كثيرا منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم و لا أكل صدقة كثير منهم إذ كانت غسالة ذنوبهم و لم يكن للحسن عليه السلام في مال الصدقة سهم. - رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْإِبِلِ ابْنَةُ لَبُونٍ- وَ لَا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا- مَنْ أَتَانَا بِهَا مُؤْتَجِراً فَلَهُ أَجْرُهَا- وَ مَنْ مَنَعَنَاهَا أَخَذْنَاهَا مِنْهُ وَ شَطْرُ إِبِلِهِ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا- وَ لَيْسَ لِمُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ فِيهَا شَيْءٌ- وَ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ خُمُسُ أَهْلِ الْخُمُسِ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنْ مُنِعُوا.. فخص الحسن عليه السلام ما لعله كان عنده أعف و أنظف من مال اردشيرخره و لأنها حوصرت سبع سنين حتى اتخذ المحاصرون لها في مدة حصارهم إياها مصانع و عمارات ثم ميزوها من جملة ما فتحوها بنوع من الحكم و بين الإصطخر الأول و الإصطخر الثاني هنات علمها الرباني الذي هو الحسن عليه السلام فاختار لهم أنظف ما عرف. - فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ - أَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ- عَنْ ثِيَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ وَ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ- وَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ جَمَعَهُ وَ فِيمَا أَنْفَقَهُ- وَ عَنْ حُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ. - وَ كَانَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ عليهما السلام يَأْخُذَانِ مِنْ مُعَاوِيَةَ الْأَمْوَالَ- فَلَا يُنْفِقَانِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا- وَ لَا عَلَى عِيَالِهِمَا مَا تَحْمِلُهُ الذُّبَابَةُ بِفِيهَا.. قال شيبة بن نعامة كان علي بن الحسين عليه السلام ينحل فلما مات نظروا فإذا هو يعول في المدينة أربعمائة بيت من حيث لم يقف الناس عليه.. فإن قال فإن هذا - محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال حدثنا أبو بشر الواسطي قال حدثنا خالد بن داود عن عامر قال بايع الحسن بن علي معاوية على أن يسالم من سالم و يحارب من حارب و لم يبايعه على أنه أمير المؤمنين.. قلنا هذا حديث ينقض آخره أوله و أنه لم يؤمره و إذا لم يؤمره لم يلزمه الايتمار له إذا أمره و قد روينا من غير وجه ما ينقض قوله يسالم من سالم و يحارب من حارب فلا نعلم فرقة من الأمة أشد على معاوية من الخوارج و خرج على معاوية بالكوفة جويرية بن ذراع أو ابن وداع أو غيره من الخوارج فقال معاوية للحسن أخرج إليهم و قاتلهم فقال يأبى الله لي بذلك قال فلم أ ليس هم أعداؤك و أعدائي قال نعم يا معاوية و لكن ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فوجده فأسكت معاوية.. و لو كان ما رواه أنه بايع على أن يسالم من سالم و يحارب من حارب لكان معاوية لا يسكت على ما حجه به الحسن عليه السلام و لأنه يقول له قد بايعتني على أن تحارب من حاربت كائنا من كان و تسالم من سالمت كائنا من كان و إذا قال عامر في حديثه و لم يبايعه على أنه أمير المؤمنين قد ناقض لأن الأمير هو الآمر و الزاجر و المأمور هو المؤتمر و المنزجر فأبى تصرف الأمر فقد أزال الحسن عليه السلام في موادعته معاوية الايتمار له فقد خرج من تحت أمره حين شرط أن لا يسميه أمير المؤمنين. و لو انتبه معاوية بحيلة الحسن عليه السلام بما احتال عليه لقال له يا با محمد أنت مؤمن و أنا أمير فإذا لم أكن أميرك لم أكن للمؤمنين أيضا أميرا و هذه حيلة منك تزيل أمري عنك و تدفع حكمي لك و عليك فلو كان قوله يحارب من حارب مطلقا و لم يكن شرطه إن قاتلك من هو شر منك قاتلته و إن قاتلك من هو مثلك في الشر و أنت أقرب منه إليه لم أقاتله و لأن شرط الله على الحسن و على جميع عباده التعاون عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى و ترك التعاون عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ و إن قتال من طلب الحق فأخطأه مع من طلب الباطل فوجده تعاون عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ. فإن قال هذا - حَدِيثُ ابْنِ سِيرِينَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام يَوْمَ كَلَّمَ- فَقَالَ مَا بَيْنَ جَابَرْسَ وَ جَابَلْقَ رَجُلٌ جَدُّهُ نَبِيٌّ غَيْرِي وَ غَيْرُ أَخِي- وَ إِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أُصْلِحَ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَ كُنْتُ أَحَقَّهُمْ بِذَلِكَ- فَإِنَّا بَايَعْنَا مُعَاوِيَةَ وَ لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ. قلنا أ لا ترى إلى قول أنس كيف يقول يوم كلم الحسن و لم يقل يوم بايع إذ لم يكن عنده بيعة حقيقة و إنما كانت مهادنة كما يكون بين أولياء الله و أعدائه لا مبايعة تكون بين أوليائه و أوليائه فرأى الحسن عليه السلام رفع السيف مع العجز بينه و بين معاوية كما رأى رسول الله ص رفع السيف بينه و بين أبي سفيان و سهيل بن عمرو و لو لم يكن رسول الله مضطرا إلى تلك المصالحة و الموادعة لما فعل. فإن قال قد ضرب رسول الله ص بينه و بين سهيل و أبي سفيان مدة و لم يجعل الحسن بينه و بين معاوية مدة قلنا بل ضرب الحسن عليه السلام أيضا بينه و بين معاوية مدة و إن جهلناها و لم نعلمها و هي ارتفاع الفتنة و انتهاء مدتها و هو مَتاعٌ إِلى حِينٍ فإن قال فإن الحسن قال لجبير بن نفير حين قال له إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت و يسالمون من سالمت تركتها ابتغاء وجه الله و حقن دماء أمة محمد ثم أثيرها يا تياس أهل الحجاز.. قلنا إن جبيرا كان دسيسا إلى الحسن عليه السلام دسه معاوية إليه ليختبره هل في نفسه الإثارة و كان جبير يعلم أن الموادعة التي وادع معاوية غير مانعة من الإثارة التي اتهمه بها و لو لم يجز للحسن عليه السلام مع المهادنة التي هادن أن يطلب الخلافة لكان جبير يعلم ذلك فلا يسأله لأنه يعلم أن الحسن عليه السلام لا يطلب ما ليس له طلبه فلما اتهمه بطلب ما له طلبه دس إليه دسيسة هذا ليستبرئ برأيه و علم أنه الصادق و ابن الصادق و أنه إذا أعطاه بلسانه أنه لا يثيرها بعد تسكينه إياها فإنه وفى بوعده صادق في عهده. فلما مقته قول جبير قال له يا تياس أهل الحجاز و التياس بياع عسب الفحل الذي هو حرام و أما قوله بيدي جماجم العرب فقد صدق عليه السلام و لكن كان من تلك الجماجم الأشعث بن قيس في عشرين ألفا و يزهدونهم. قال الأشعث يوم رفع المصاحف و وقع تلك المكيدة إن لم تجب إلى ما دعيت إليه لم يرم معك غدا يمانيان بسهم و لم يطعن يمانيان برمح و لا يضرب يمانيان بسيف و أومأ بيده إلى أصحابه أبناء الطمع و كان في تلك الجماجم شبث بن ربعي تابع كل ناعق و مثير كل فتنة و عمرو بن حريث الذي ظهر على علي صلوات عليه و بايع ضبة احتوشها مع الأشعث و المنذر بن الجارود الطاغي الباغي. و صدق الحسن (صلوات الله عليه) أنه كان بيده هذه الجماجم يحاربون من حارب و لكن محاربة منهم للطمع و يسالمون من سالم لذلك و كان من حارب لله جل و عز و ابتغى القربة إليه و الحظوة منه قليلا و ليس فيهم عدد يتكافى أهل الحرب لله و النزاع لأولياء الله و استمداد كل مدد و كل عدد و كل شدة على حجج الله عز و جل. بيان قوله ص قاما أو قعدا أي سواء قاما بأمر الإمامة أم قعدا عنه للمصلحة و التقية و يقال سفهه أي نسبه إلى السفه و تعقبه أي أخذه بذنب كان منه. قوله و المبايعة على ما يدعيه المدعون المبايعة مبتدأ و لم يلزم خبره أي لو كانت مبايعة على سبيل التنزل فهي كانت على شروط و لم تتحقق تلك الشروط فلم تقع المبايعة و يحتمل أن يكون نتيجة لما سبق أي فعلى ما ذكرنا لم تقع المبايعة على هذا الوجه أيضا. قوله على نفسه لعله متعلق بالإسقاط بأن يكون على بمعنى عن قوله هو الذي أمره مأمور الظاهر زيادة لفظ مأمور و على تقديره يصح أيضا إذ في العرف لا يطلق الأمير على النبي ص فيكون كل من نصب أميرا مأمورا. قوله يريد أن من حكمه لعل خبر أن محذوف بقرينة المقام و الإسعاف الإعانة و قضاء الحاجة. قوله لمن أمره رسول الله عليهم أي على هوازن أو على أهل مكة و المعنى كما أن هوازن لا يكونون أمراء على الذين أمرهم رسول الله ص على هوازن كذلك قريش و أهل مكة بالنسبة إلى من أمرهم الله عليهم و بعثهم لقتالهم. قوله فهو أي التأمير مطلقا أو تأمير معاوية قوله أن يتخذ أي عن أن يتخذ و هو متعلق بقوله فرغ أي لما خلص عليه السلام نفسه عن البيعة فرغ عن أن يتخذ بيعة الشقي على المؤمنين لأن بيعتهم كان تابعا لبيعته و لم يبايعوا أنفسهم بيعة على حدة و إليه أشار بقوله لأن هذه الطبقة و قوله و لأن الحسن دليل آخر على عدم تأميره على الحسن عليه السلام و قوله فقد اعتقد جزاء للشرط في قوله و لو لم يشترط. و - قَالَ الْجَزَرِيُّ وَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي الْعَاصِ ثَلَاثِينَ اتَّخَذُوا عِبَادَ اللَّهِ خَوَلًا. بالتحريك أي خدما و عبدا يعني أنهم يستخدمونهم و يستعبدونهم و قال الدخل بالتحريك الغش و العيب و الفساد و منه - الْحَدِيثُ إِذَا بَلَغَ بَنُو أَبِي الْعَاصِ ثَلَاثِينَ كَانَ دِينُ اللَّهِ دَخَلًا. و حقيقته أن يدخلوا في الدين أمورا لم تجر به السنة انتهى. و الدول بضم الدال و فتح الواو جمع دولة بالضم و هو ما يتداولونه بينهم يكون مرة لهذا و مرة لهذا قوله من اتخذه أي اتخاذ من اتخذه و هو فاعل جاز و قوله من اعتمد مبتدأ و قوله علم و سلم خبره. و يقال سأمه سوء العذاب أي حمله عليه قوله إن البر كأنه استئناف أو اللام فيه مقدر أي لأن البر مقهور و يمكن أن يكون اتقى تصحيف أتقن أو أيقن. و بانقيا قرية بالكوفة و الحيرة بلدة قرب الكوفة و الكناسة بالضم موضع بالكوفة. قوله الداعية هي خبر أن أي أمثال تلك المعاونات على الظلم صارت أسبابا لتغيير أحكام الله التي من جملتها نقل صدقة بانقيا إلى الحيرة. و الأثرة الاستبداد بالشيء و التفرد به و الهذر بالتحريك الهذيان و بالدال المهملة البطلان. قوله و من أنزل راهبا حاصله أن عبد الله كان من المترهبين المتعبدين و كان أقل ضررا بالنسبة إليهم من حجر و أصحابه فكان قتله أشنع فلذا قدمه و الإخبات الخشوع و التواضع قوله هنات و هنات أي شرور و فساد و ظلم. و قال الفيروزآبادي الهوشة الفتنة و الهيج و الاضطراب و الاختلاط و الهواشات بالضم الجماعات من الناس و الإبل و الأموال الحرام و المهاوش ما غصب و سرق و قال الهيش الإفساد و التحريك و الهيج و الحلب الرويد و الجمع. قوله مؤتجرا أي طالبا للأجر و الثواب و قال الجزري في حديث مانع الزكاة أنا آخذها و شطر ماله عزمة من عزمات الله أي حق من حقوق الله و واجب من واجباته. قال الحربي غلط الراوي في لفظ الرواية إنما هو شطر ماله أي يجعل ماله شطرين و يتخير عليه المصدق فيأخذ الصدقة من خير النصفين عقوبة لمنعه الزكاة فأما ما لا يلزمه فلا و قال الخطابي في قول الحربي لا أعرف هذا الوجه و قيل معناه أن الحق مستوفى منه غير متروك عليه و إن ترك شطر ماله كرجل كان له ألف شاة مثلا فتلفت حتى لم يبق إلا عشرون فإنه يؤخذ منه عشر شياه لصدقة الألف و هو شطر ماله الباقي و هذا أيضا بعيد لأنه قال أنا آخذها و شطر ماله و لم يقل أنا آخذ و أشطر ماله. و قيل إنه كان في صدر الإسلام يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ كقوله في الثمر المعلق من خرج بشيء فله غرامة مثليه و العقوبة و كقوله في ضالة الإبل المكتومة غرامتها و مثلها معها و كان عمر يحكم به و قد أخذ أحمد بشيء من هذا و عمل به. و قال الشافعي في القديم من منع زكاة ماله أخذت منه و أخذ شطر ماله عقوبة على منعه و استدل بهذا الحديث و قال في الجديد لا يؤخذ منه إلا الزكاة لا غير و جعل هذا الحديث منسوخا انتهى. قوله ينحل من النحلة بمعنى العطية أو النحول بمعنى الهزال و الثاني بعيد قوله عليه السلام ليس من طلب الحق المعنى أن هؤلاء الخوارج مع غاية كفرهم خير من معاوية و أصحابه لأن للخوارج شبهة و كان غرضهم طلب الحق فأخطئوا بخلاف معاوية و أصحابه فإنهم طلبوا الباطل معاندين فأصابوه لعنة الله عليهم أجمعين. قوله إليه أي إلى الشر و الجماجم جمع الجمجمة جمجمة الرأس و يكنى بها عن السادات و القبائل التي تنسب إليها البطون. و قال الفيروزآبادي التيس ذكر الظباء و المعز و التياس ممسكة و العسب ضراب الفحل أو ماؤه أو نسله و احتوش القوم على فلان جعلوه في وسطهم.
بحار الأنوار - ج ٤٤ - الصفحة ١. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
أَ لَسْتُ الَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِي وَ لِأَخِي- الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ إِمَامَانِ قَامَا أَوْ قَعَدَا قُلْتُ بَلَى- قَالَ فَأَنَا إِذَنْ إِمَامٌ لَوْ قُمْتُ وَ أَنَا إِمَامٌ إِذَا قَعَدْتُ- يَا بَا سَعِيدٍ عِلَّةُ مُصَالَحَتِي لِمُعَاوِيَةَ- عِلَّةُ مُصَالَحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص لِبَنِي ضَمْرَةَ وَ بَنِي أَشْجَعَ- وَ لِأَهْلِ مَكَّةَ حِينَ انْصَرَفَ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ- أُولَئِكَ كُفَّارٌ بِالتَّنْزِيلِ وَ مُعَاوِيَةُ وَ أَصْحَابُهُ كُفَّارٌ بِالتَّأْوِيلِ- يَا بَا سَعِيدٍ إِذَا كُنْتُ إِمَاماً مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ- لَمْ يجب [يَجُزْ أَنْ يُسَفَّهَ رَأْيِي فِيمَا أَتَيْتُهُ مِنْ مُهَادَنَةٍ أَوْ مُحَارَبَةٍ- وَ إِنْ كَانَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِيمَا أَتَيْتُهُ مُلْتَبِساً- أَ لَا تَرَى الْخَضِرَ عليه السلام لَمَّا خَرَقَ السَّفِينَةَ- وَ قَتَلَ الْغُلَامَ وَ أَقَامَ الْجِدَارَ سَخِطَ مُوسَى عليه السلام فِعْلَهُ- لِاشْتِبَاهِ وَجْهِ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ حَتَّى أَخْبَرَهُ فَرَضِيَ- هَكَذَا أَنَا سَخِطْتُمْ عَلَيَّ بِجَهْلِكُمْ بِوَجْهِ الْحِكْمَةِ فِيهِ- وَ لَوْ لَا مَا أَتَيْتُ لَمَا تُرِكَ مِنْ شِيعَتِنَا- عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ. قال الصدوق رحمه الله قد ذكر محمد بن بحر الشيباني رضي الله عنه في كتابه المعروف بكتاب الفروق بين الأباطيل و الحقوق في معنى موادعة الحسن بن علي بن أبي طالب لمعاوية فذكر سؤال سائل عن تفسير - حديث يوسف بن مازن الراسبي في هذا المعنى و الجواب عنه و هو الذي رواه أبو بكر محمد بن الحسن بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال حدثنا أبو طالب زيد بن أحزم قال حدثنا أبو داود قال حدثنا القاسم بن الفضل قال حدثنا يوسف بن مازن الراسبي قال بايع الحسن بن علي صلوات الله عليه معاوية على أن لا يسميه أمير المؤمنين و لا يقيم عنده شهادة و على أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام شيئا و على أن يفرق في أولاد من قتل مع أبيه يوم الجمل و أولاد من قتل مع أبيه بصفين ألف ألف درهم و أن يجعل ذلك من خراج دارابجرد . قال و ما ألطف حيلة الحسن صلوات الله عليه في إسقاطه إياه عن إمرة المؤمنين قال يوسف فسمعت القاسم بن محيمة يقول ما وفى معاوية للحسن بن علي صلوات الله عليه بشيء عاهده عليه و إني قرأت كتاب الحسن عليه السلام إلى معاوية يعدد عليه ذنوبه إليه و إلى شيعة علي عليه السلام فبدأ بذكر عبد الله بن يحيى الحضرمي و من قتلهم معه. فنقول رحمك الله إن ما قال يوسف بن مازن من أمر الحسن عليه السلام و معاوية عند أهل التميز و التحصيل تسمى المهادنة و المعاهدة أ لا ترى كيف يقول ما وفى معاوية للحسن بن علي بشيء عاهده عليه و هادنه و لم يقل بشيء بايعه عليه و المبايعة على ما يدعيه المدعون على الشرائط التي ذكرناها ثم لم يف بها لم يلزم الحسن ع. و أشد ما هاهنا من الحجة على الخصوم معاهدته إياه على أن لا يسميه أمير المؤمنين و الحسن عليه السلام عند نفسه لا محالة مؤمن فعاهده على أن لا يكون عليه أميرا إذ الأمير هو الذي يأمر فيؤتمر له. فاحتال الحسن صلوات الله عليه لإسقاط الايتمار لمعاوية إذا أمره أمرا على نفسه و الأمير هو الذي أمره مأمور من فوقه فدل على أن الله عز و جل لم يؤمره عليه و لا رسوله ص أمره عليه - فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ ص لَا يَلِيَنَّ مُفَاءٌ عَلَى مُفِيءٍ . . يريد أن من حكمه حكم هوازن الذين صاروا فيئا للمهاجرين و الأنصار فهؤلاء طلقاء المهاجرين و الأنصار بحكم إسعافهم النبي فيئهم لموضع رضاعه و حكم قريش و أهل مكة حكم هوازن. فمن أمره رسول الله ص عليهم فهو التأمير من الله جل جلاله و رسوله ص. أو من الناس كما قالوا في غير معاوية إن الأمة اجتمعت فأمرت فلانا و فلانا و فلانا على أنفسهم فهو أيضا تأمير غير أنه من الناس لا من الله و لا من رسوله و هو إن لم يكن تأميرا من الله و من رسوله و لا تأميرا من المؤمنين فيكون أميرهم بتأميرهم فهو تأمير منه بنفسه. و الحسن صلوات الله عليه مؤمن من المؤمنين فلم يؤمر معاوية على نفسه بشرطه عليه ألا يسميه أمير المؤمنين فلم يلزمه ذلك الايتمار له في شيء أمره به و فرغ صلوات الله عليه إذ خلص بنفسه من الإيجاب عليها الايتمار له عن أن يتخذ على المؤمنين الذين هم على الحقيقة مؤمنون و هم الذين كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ و لأن هذه الطبقة لم يعتقدوا إمارته و وجوب طاعته على أنفسهم و لأن الحسن عليه السلام أمير البررة و قاتل الفجرة - كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ص لِعَلِيٍّ عليه السلام عَلِيٌ أَمِيرُ الْبَرَرَةِ وَ قَاتِلُ الْفَجَرَةِ. فأوجب عليه السلام أنه ليس لبرّ من الأبرار أن يتأمر عليه و إن التأمير على أمير الأبرار ليس ببرّ هكذا يقتضي مراد رسول الله ص و لو لم يشترط الحسن بن علي عليه السلام على معاوية هذه الشروط و سماه أمير المؤمنين و قد قال النبي ص قريش أئمة الناس أبرارها لأبرارها و فجارها لفجارها. . و كل من اعتقد من قريش أن معاوية إمامه بحقيقة الإمامة من الله عز و جل و اعتقد الايتمار له وجوبا عليه فقد اعتقد وجوب اتخاذ مال الله دولا و عباده خولا و دينه دخلا و ترك أمر الله إياه إن كان مؤمنا فقد أمر الله عز و جل المؤمنين بالتعاون على البر و التقوى فقال وَ تَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى وَ لا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ. فإن كان اتخاذ مال الله دولا و عباده خولا و دين الله دخلا من البر و التقوى جاز على تأويلك من اتخذه إماما و أمره على نفسه كما ترون التأمير على العباد. و من اعتمد أن قهر مال الله على ما يقهر عليه و دين الله على ما يسأم و أهل دين الله على ما يسأمون هو بقهر من اتخذهم خولا و إن الله من قبله مديل في تخليص المال من الدول و الدين من الدخل و العباد من الخول علم و سلم و آمن و اتقى إن البر مقهور في يد الفاجر و الأبرار مقهورون في أيدي الفجار بتعاونهم مع الفاجر على الإثم و العدوان المزجور عنه المأمور بضده و خلافه و منافيه. و قد سئل الثوري السفيان عن العدوان ما هو فقال هو أن ينقل صدقة بانقيا إلى الحيرة فتفرق في أهل السهام بالحيرة و ببانقيا أهل السهام و أنا أقسم بالله قسما بارا أن حراسة سفيان و معاوية بن مرة و مالك بن معول و خيثمة بن عبد الرحمن خشبة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليه السلام بكناس الكوفة بأمر هشام بن عبد الملك من العدوان الذي زجر الله عز و جل عنه و إن حراسه من سميتهم بخشبة زيد رضوان اللّه عليه الداعية بنقل صدقة بانقيا إلى الحيرة. فإن عذر عاذر عمن سميتهم بالعجز عن نصر البر الذي هو الإمام من قبل الله عز و جل الذي فرض طاعته على العباد على الفاجر الذي تأمر بإعانة الفجرة إياه قلنا لعمري إن العاجز معذور فيما عجز عنه و لكن ليس الجاهل بمعذور في ترك الطلب فيما فرض الله عز و جل عليه و إيجابه على نفسه فرض طاعته و طاعة رسوله ص و طاعة أولي الأمر و بأنه لا يجوز أن يكون سريرة ولاة الأمر بخلاف علانيتهم كما لم يجز أن يكون سريرة النبي ص الذي هم أصل ولاة الأمر و هم فرعه بخلاف علانيته. و إن الله عز و جل العالم بالسرائر و الضمائر و المطلع على ما في صدور العباد لم يكل علم ما لم يعلمه العباد إلى العباد جل و عز عن تكليف العباد ما ليس في وسعهم و طوقهم إذ ذاك ظلم من المكلف و عبث منه و إنه لا يجوز أن يجعل جل و تقدس اختيار من يستوي سريرته بعلانيته و من لا يجوز ارتكاب الكبائر الموبقة و الغضب و الظلم منه إلى من لا يعلم السرائر و الضمائر فلا يسع أحدا جهل هذه الأشياء. و إن وسع العاجز بعجزه ترك ما يعجز عنه فإنه لا يسعه الجهل بالإمام البر الذي هو إمام الأبرار و العاجز بعجزه معذور و الجاهل غير معذور فلا يجوز أن لا يكون للأبرار إمام و إن كان مقهورا في قهر الفاجر و الفجار فمتى لم يكن للبر إمام بر قاهر أو مقهور فمات ميتة جاهلية إذا مات و ليس يعرف إمامه. فإن قيل فما تأويل عهد الحسن عليه السلام و شرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة لإيجاب الله عليه عز و جل إقامة الشهادة بما علمه قبل شرطه على معاوية بأن لا يقيم عنده شهادة قيل إن لإقامة الشهادة من الشاهد شرائط و هي حدودها التي لا يجوز تعديها لأن من تعدى حدود الله عز و جل فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ و أوكد شرائطها إقامتها عند قاض فصل و حكم عدل ثم الثقة من الشاهد أن يقيمها عند من يجر بشهادته حقا و يميت بها أثره و يزيل بها ظلما فإذا لم يكن من يشهد عنده سقط عنه فرض إقامة الشهادة. و لم يكن معاوية عند الحسن عليه السلام أميرا أقامه الله عز و جل و رسوله ص أو حاكما من ولاة الحكم فلو كان حاكما من قبل الله و قبل رسوله ثم علم الحسن عليه السلام أن الحكم هو الأمير و الأمير هو الحكم و قد شرط عليه الحسن أن لا يؤمر حين شرط ألا يسميه أمير المؤمنين فكيف يقيم الشهادة عند من أزال عنه الإمرة بشرط أن لا يسميه أمير المؤمنين و إذا زال ذلك عنه بالشرط أزال عنه الحكم لأن الأمير هو الحاكم و هو المقيم للحاكم و من ليس له تأمير و لا تحاكم فحكمه هذر و لا تقام الشهادة عند من حكمه هذر. فإن قال فما تأويل عهد الحسن عليه السلام على معاوية و شرطه عليه أن لا يتعقب على شيعة علي عليه السلام شيئا قيل إن الحسن عليه السلام علم أن القوم جوزوا لأنفسهم التأويل و سوغوا في تأويلهم إراقة ما أرادوا إراقته من الدماء و إن كان الله عز و جل حقنه و حقن ما أرادوا حقنه و إن كان الله عز و جل أراقه في حكمه فأراد الحسن عليه السلام أن يبين أن تأويل معاوية على شيعة علي عليه السلام بتعقبه عليهم ما يتعقبه زائل مضمحل فاسد كما أنه أزال إمرته عنه و عن المؤمنين بشرط أن لا يسميه أمير المؤمنين و إن إمرته زالت عنه و عنهم و أفسد حكمه عليه و عليهم. ثم سوغ الحسن عليه السلام بشرطه عليه أن لا يقيم عنده شهادة للمؤمنين القدوة منهم به في أن لا يقيموا عنده شهادة فتكون حينئذ داره دائرة و قدرته قائمة لغير الحسن و لغير المؤمنين فتكون داره كدار بختنصر و هو بمنزلة دانيال فيها و كدار العزيز و هو كيوسف فيها. فإن قال دانيال و يوسف عليه السلام كانا يحكمان لبختنصر و العزيز قلنا لو أراد بختنصر دانيال و العزيز يوسف أن يريقا بشهادة عمار بن الوليد و عقبة بن أبي معيط و شهادة أبي بردة بن أبي موسى و شهادة عبد الرحمن بن أشعث بن قيس دم حجر بن عدي بن الأدبر و أصحابه رحمهم الله و أن يحكما له بأن زيادا أخوه و أن دم حجر و أصحابه مراقة بشهادة من ذكرت لما جاز أن يحكما لبخت نصر و العزيز و الحكم بالعدل يرمي الحاكم به في قدرة عدل أو جائر و مؤمن أو كافر لا سيما إذا كان الحاكم مضطر إلى أن يدين للجائر الكافر و المبطل و المحق بحكمه. فإن قال و لم خص الحسن عليه السلام عد الذنوب إليه و إلى شيعة علي عليه السلام و قدم أمامها قتله عبد الله بن يحيى الحضرمي و أصحابه و قد قتل حجرا و أصحابه و غيرهم قلنا لو قدم الحسن عليه السلام في عده على معاوية ذنوب حجر و أصحابه على عبد الله بن يحيى الحضرمي و أصحابه لكان سؤالك قائما فتقول لم قدم حجرا على عبد الله بن يحيى و أصحابه أهل الأخيار و الزهد في الدنيا و الإعراض عنها فأخبر معاوية بما كان عليه ابن يحيى و أصحابه من الخرق على أمير المؤمنين عليه السلام و شدة حبهم إياه و إفاضتهم في ذكره و فضله فجاء بهم و ضرب أعناقهم صبرا. و من أنزل راهبا من صومعته فقتله بلا جناية منه إلى قاتله أعجب ممن يخرج قسا من ديره فيقتله لأن صاحب الدير أقرب إلى بسط اليد لتناول ما معه من صاحب الصومعة الذي هو بين السماء و الأرض فتقديم الحسن عليه السلام العباد على العباد و الزهاد على الزهاد و مصابيح البلاد على مصابيح البلاد لا يتعجب منه بل يتعجب لو قدم في الذكر مقصرا على مخبت و مقتصدا على مجتهد. فإن قال ما تأويل اختيار مال دارابجرد على سائر الأموال لما اشترط أن يجعله لأولاد من قتل مع أبيه صلوات الله عليهم يوم الجمل و بصفين قيل لدارابجرد خطب في شأن الحسن عليه السلام بخلاف جميع فارس. و قلنا إن المال مالان الفيء الذي ادعوا أنه موقوف على المصالح الداعية إلى قوام الملة و عمارتها من تجييش الجيوش للدفع عن البيضة و لأرزاق الأسارى و مال الصدقة الذي خص به أهل السهام و قد جرى في فتوح الأرضين بفارس و الأهواز و غيرهما من البلدان فيما فتح منها صلحا و ما فتح منها عنوة و ما أسلم أهلها عليها هنات و هنات و أسباب و أسباب. و قد كتب ابن عبد العزيز إلى عبد الحميد بن زيد بن الخطاب و هو عامله على العراق أيدك الله هاش في السواد ما يركبون فيه البراذين و يتختمون بالذهب و يلبسون الطيالسة و خذ فضل ذلك فضعه في بيت المال. و كتب ابن الزبير إلى عامله جنبوا بيت مال المسلمين ما يؤخذ على المناظر و القناطر فإنه سحت فقصر المال عما كان فكتب إليهم ما للمال قد قصر فكتبوا إليه أن أمير المؤمنين نهانا عما يؤخذ على المناظر و القناطر فلذلك قصر المال فكتب إليهم عودوا إلى ما كنتم عليه هذا بعد قوله إنه سحت. و لا بد أن يكون أولاد من قتل من أصحاب علي صلوات الله عليه بالجمل و بصفين من أهل الفيء و مال المصلحة و من أهل الصدقة و السهام - وَ قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي الصَّدَقَةِ قَدْ أُمِرْتُ أَنْ آخُذَهَا مِنْ أَغْنِيَائِكُمْ- وَ أَرُدَّهَا فِي فُقَرَائِكُمْ. بالكاف و الميم ضمير من وجبت عليهم في أموالهم الصدقة و من وجبت لهم الصدقة فخاف الحسن عليه السلام أن كثيرا منهم لا يرى لنفسه أخذ الصدقة من كثير منهم و لا أكل صدقة كثير منهم إذ كانت غسالة ذنوبهم و لم يكن للحسن عليه السلام في مال الصدقة سهم. - رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ الْقُشَيْرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ: فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ مِنَ الْإِبِلِ ابْنَةُ لَبُونٍ- وَ لَا تُفَرَّقُ إِبِلٌ عَنْ حِسَابِهَا- مَنْ أَتَانَا بِهَا مُؤْتَجِراً فَلَهُ أَجْرُهَا- وَ مَنْ مَنَعَنَاهَا أَخَذْنَاهَا مِنْهُ وَ شَطْرُ إِبِلِهِ عَزْمَةٌ مِنْ عَزَمَاتِ رَبِّنَا- وَ لَيْسَ لِمُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ فِيهَا شَيْءٌ- وَ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ خُمُسُ أَهْلِ الْخُمُسِ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنْ مُنِعُوا. . فخص الحسن عليه السلام ما لعله كان عنده أعف و أنظف من مال اردشيرخره و لأنها حوصرت سبع سنين حتى اتخذ المحاصرون لها في مدة حصارهم إياها مصانع و عمارات ثم ميزوها من جملة ما فتحوها بنوع من الحكم و بين الإصطخر الأول و الإصطخر الثاني هنات علمها الرباني الذي هو الحسن عليه السلام فاختار لهم أنظف ما عرف. - فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ - أَنَّهُ لَا يُجَاوِزُ قَدَمَا عَبْدٍ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعٍ- عَنْ ثِيَابِهِ فِيمَا أَبْلَاهُ وَ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ- وَ عَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ جَمَعَهُ وَ فِيمَا أَنْفَقَهُ- وَ عَنْ حُبِّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ. - وَ كَانَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ عليهما السلام يَأْخُذَانِ مِنْ مُعَاوِيَةَ الْأَمْوَالَ- فَلَا يُنْفِقَانِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى أَنْفُسِهِمَا- وَ لَا عَلَى عِيَالِهِمَا مَا تَحْمِلُهُ الذُّبَابَةُ بِفِيهَا. . قال شيبة بن نعامة كان علي بن الحسين عليه السلام ينحل فلما مات نظروا فإذا هو يعول في المدينة أربعمائة بيت من حيث لم يقف الناس عليه. . فإن قال فإن هذا - محمد بن إسحاق بن خزيمة النيسابوري قال حدثنا أبو بشر الواسطي قال حدثنا خالد بن داود عن عامر قال بايع الحسن بن علي معاوية على أن يسالم من سالم و يحارب من حارب و لم يبايعه على أنه أمير المؤمنين. . قلنا هذا حديث ينقض آخره أوله و أنه لم يؤمره و إذا لم يؤمره لم يلزمه الايتمار له إذا أمره و قد روينا من غير وجه ما ينقض قوله يسالم من سالم و يحارب من حارب فلا نعلم فرقة من الأمة أشد على معاوية من الخوارج و خرج على معاوية بالكوفة جويرية بن ذراع أو ابن وداع أو غيره من الخوارج فقال معاوية للحسن أخرج إليهم و قاتلهم فقال يأبى الله لي بذلك قال فلم أ ليس هم أعداؤك و أعدائي قال نعم يا معاوية و لكن ليس من طلب الحق فأخطأه كمن طلب الباطل فوجده فأسكت معاوية.. و لو كان ما رواه أنه بايع على أن يسالم من سالم و يحارب من حارب لكان معاوية لا يسكت على ما حجه به الحسن عليه السلام و لأنه يقول له قد بايعتني على أن تحارب من حاربت كائنا من كان و تسالم من سالمت كائنا من كان و إذا قال عامر في حديثه و لم يبايعه على أنه أمير المؤمنين قد ناقض لأن الأمير هو الآمر و الزاجر و المأمور هو المؤتمر و المنزجر فأبى تصرف الأمر فقد أزال الحسن عليه السلام في موادعته معاوية الايتمار له فقد خرج من تحت أمره حين شرط أن لا يسميه أمير المؤمنين. و لو انتبه معاوية بحيلة الحسن عليه السلام بما احتال عليه لقال له يا با محمد أنت مؤمن و أنا أمير فإذا لم أكن أميرك لم أكن للمؤمنين أيضا أميرا و هذه حيلة منك تزيل أمري عنك و تدفع حكمي لك و عليك فلو كان قوله يحارب من حارب مطلقا و لم يكن شرطه إن قاتلك من هو شر منك قاتلته و إن قاتلك من هو مثلك في الشر و أنت أقرب منه إليه لم أقاتله و لأن شرط الله على الحسن و على جميع عباده التعاون عَلَى الْبِرِّ وَ التَّقْوى و ترك التعاون عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ و إن قتال من طلب الحق فأخطأه مع من طلب الباطل فوجده تعاون عَلَى الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ. فإن قال هذا - حَدِيثُ ابْنِ سِيرِينَ يَرْوِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ قَالَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام يَوْمَ كَلَّمَ- فَقَالَ مَا بَيْنَ جَابَرْسَ وَ جَابَلْقَ رَجُلٌ جَدُّهُ نَبِيٌّ غَيْرِي وَ غَيْرُ أَخِي- وَ إِنِّي رَأَيْتُ أَنْ أُصْلِحَ بَيْنَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ وَ كُنْتُ أَحَقَّهُمْ بِذَلِكَ- فَإِنَّا بَايَعْنَا مُعَاوِيَةَ وَ لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ . قلنا أ لا ترى إلى قول أنس كيف يقول يوم كلم الحسن و لم يقل يوم بايع إذ لم يكن عنده بيعة حقيقة و إنما كانت مهادنة كما يكون بين أولياء الله و أعدائه لا مبايعة تكون بين أوليائه و أوليائه فرأى الحسن عليه السلام رفع السيف مع العجز بينه و بين معاوية كما رأى رسول الله ص رفع السيف بينه و بين أبي سفيان و سهيل بن عمرو و لو لم يكن رسول الله مضطرا إلى تلك المصالحة و الموادعة لما فعل. فإن قال قد ضرب رسول الله ص بينه و بين سهيل و أبي سفيان مدة و لم يجعل الحسن بينه و بين معاوية مدة قلنا بل ضرب الحسن عليه السلام أيضا بينه و بين معاوية مدة و إن جهلناها و لم نعلمها و هي ارتفاع الفتنة و انتهاء مدتها و هو مَتاعٌ إِلى حِينٍ فإن قال فإن الحسن قال لجبير بن نفير حين قال له إن الناس يقولون إنك تريد الخلافة فقال قد كان جماجم العرب في يدي يحاربون من حاربت و يسالمون من سالمت تركتها ابتغاء وجه الله و حقن دماء أمة محمد ثم أثيرها يا تياس أهل الحجاز. . قلنا إن جبيرا كان دسيسا إلى الحسن عليه السلام دسه معاوية إليه ليختبره هل في نفسه الإثارة و كان جبير يعلم أن الموادعة التي وادع معاوية غير مانعة من الإثارة التي اتهمه بها و لو لم يجز للحسن عليه السلام مع المهادنة التي هادن أن يطلب الخلافة لكان جبير يعلم ذلك فلا يسأله لأنه يعلم أن الحسن عليه السلام لا يطلب ما ليس له طلبه فلما اتهمه بطلب ما له طلبه دس إليه دسيسة هذا ليستبرئ برأيه و علم أنه الصادق و ابن الصادق و أنه إذا أعطاه بلسانه أنه لا يثيرها بعد تسكينه إياها فإنه وفى بوعده صادق في عهده. فلما مقته قول جبير قال له يا تياس أهل الحجاز و التياس بياع عسب الفحل الذي هو حرام و أما قوله بيدي جماجم العرب فقد صدق عليه السلام و لكن كان من تلك الجماجم الأشعث بن قيس في عشرين ألفا و يزهدونهم. قال الأشعث يوم رفع المصاحف و وقع تلك المكيدة إن لم تجب إلى ما دعيت إليه لم يرم معك غدا يمانيان بسهم و لم يطعن يمانيان برمح و لا يضرب يمانيان بسيف و أومأ بيده إلى أصحابه أبناء الطمع و كان في تلك الجماجم شبث بن ربعي تابع كل ناعق و مثير كل فتنة و عمرو بن حريث الذي ظهر على علي صلوات عليه و بايع ضبة احتوشها مع الأشعث و المنذر بن الجارود الطاغي الباغي. و صدق الحسن صلوات الله عليه أنه كان بيده هذه الجماجم يحاربون من حارب و لكن محاربة منهم للطمع و يسالمون من سالم لذلك و كان من حارب لله جل و عز و ابتغى القربة إليه و الحظوة منه قليلا و ليس فيهم عدد يتكافى أهل الحرب لله و النزاع لأولياء الله و استمداد كل مدد و كل عدد و كل شدة على حجج الله عز و جل.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٤ - الصفحة ١. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وَ اللَّهِ الَّذِي صَنَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام كَانَ خَيْراً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ- وَ وَ اللَّهِ لَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ- أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ- وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ - إِنَّمَا هِيَ طَاعَةُ الْإِمَامِ- وَ لَكِنَّهُمْ طَلَبُوا الْقِتَالَ- فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ مَعَ الْحُسَيْنِ عليه السلام قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ- لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ -... نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ - أَرَادُوا تَأْخِيرَ ذَلِكَ إِلَى الْقَائِمِ ع. توضيح قوله عليه السلام إنما هي طاعة الإمام أي المقصود في الآية طاعة الإمام الذي ينهى عن القتال لعدم كونه مأمورا به و يأمر بالصلاة و الزكاة و سائر أبواب البر و الحاصل أن أصحاب الحسن عليه السلام كانوا بهذه الآية مأمورين بطاعة إمامهم في ترك القتال فلم يرضوا به و طلبوا القتال فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ مع الحسين عليه السلام قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ أي قيام القائم ع. ثم اعلم أن هذه الآية كما ورد في الخبر ليست في القرآن ففي سورة النساء أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَ قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ و في سورة إبراهيم فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنا أَخِّرْنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ فلعله عليه السلام وصل آخر الآية بالآية السابقة لكونهما لبيان حال هذه الطائفة أو أضاف قوله نُجِبْ دَعْوَتَكَ بتلك الآية على وجه التفسير و البيان أي كان غرضهم أنه إن أخرتنا إلى ذلك نجب دعوتك و نتبع و يحتمل أن يكون في مصحفهم عليه السلام هكذا. أقول سيأتي بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في باب شهادته ع. قال السيد المرتضى في كتاب تنزيه الأنبياء فإن قال قائل ما العذر له عليه السلام في خلع نفسه من الإمامة و تسليمها إلى معاوية مع ظهور فجوره و بعده عن أسباب الإمامة و تعريه من صفات مستحقها ثم في بيعته و أخذ عطائه و صلاته و إظهار موالاته و القول بإمامته هذا مع توفر أنصاره و اجتماع أصحابه و مبايعة من كان يبذل عنه دمه و ماله حتى سموه مذل المؤمنين و عابوه في وجهه ع. الجواب قلنا قد ثبت أنه عليه السلام الإمام المعصوم المؤيد الموفق بالحجج الظاهرة و الأدلة القاهرة فلا بد من التسليم لجميع أفعاله و حملها على الصحة و إن كان فيها ما لا يعرف وجهه على التفصيل أو كان له ظاهر ربما نفرت النفس عنه و قد مضى تلخيص هذه الجملة و تقريرها في مواضع من كتابنا هذا. و بعد فإن الذي جرى منه عليه السلام كان السبب فيه ظاهرا و الحامل عليه بينا جليا لأن المجتمعين له من الأصحاب و إن كانوا كثيري العدد فقد كانت قلوب أكثرهم نغلة غير صافية و قد كانوا صبوا إلى دنيا معاوية من غير مراقبة و لا مساترة فأظهروا له عليه السلام النصرة و حملوه على المحاربة و الاستعداد لها طمعا في أن يورطوه و يسلموه فأحس بهذا منهم قبل التولج و التلبس فتخلى من الأمر و تحرز من المكيدة التي كادت تتم عليه في سعة من الوقت. و قد صرح بهذه الجملة و بكثير من تفصيلها في مواقف كثيرة و بألفاظ مختلفة و قال عليه السلام إنما هادنت حقنا للدماء و ضنا بها و إشفاقا على نفسي و أهلي و المخلصين من أصحابي فكيف لا يخاف أصحابه و يتهمهم على نفسه و أهله. و هو عليه السلام لما كتب إلى معاوية يعلمه أن الناس قد بايعوه بعد أبيه عليهما السلام و يدعوه إلى طاعته فأجابه معاوية بالجواب المعروف المتضمن للمغالطة منه و الموارية و قال له فيه لو كنت أعلم أنك أقوم بالأمر و أضبط للناس و أكيد للعدو و أقوى على جميع الأمور مني لبايعتك لأنني أراك لكل خير أهلا و قال في كتابه إن أمري و أمرك شبيه بأمر أبي بكر و أمركم بعد وفاة رسول الله ص. فدعاه ذلك إلى أن خطب أصحابه بالكوفة يحضهم على الجهاد و يعرفهم فضله و ما في الصبر عليه من الأجر و أمرهم أن يخرجوا إلى معسكرهم فما أجابه أحد فقال لهم عدي بن حاتم سبحان الله أ لا تجيبون إمامكم أين خطباء المصر فقام قيس بن سعد و فلان و فلان فبذلوا الجهاد و أحسنوا القول و نحن نعلم أن من يضن بكلامه أولى أن يضن بفعاله. أ و ليس أحدهم جلس له في مظلم ساباط و طعنه بمعول كان معه أصاب فخذه و شقه حتى وصل إلى العظم و انتزع من يده و حمل عليه السلام إلى المدائن و عليها سعد بن مسعود عم المختار و كان أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) ولاه إياها فأدخل منزله فأشار المختار على عمه أن يوثقه و يسير به إلى معاوية على أن يطعمه خراج جوحى سنة فأبى عليه و قال للمختار قبح الله رأيك أنا عامل أبيه و قد ائتمنني و شرفني و هبني بلاء أبيه أ أنسى رسول الله ص و لا أحفظه في ابن ابنته و حبيبته. ثم إن سعد بن مسعود أتاه عليه السلام بطبيب و قام عليه حتى برأ و حوله إلى بيض المدائن. فمن الذي يرجو السلامة بالمقام بين أظهر هؤلاء القوم فضلا على النصرة و المعونة و قد أجاب عليه السلام حجر بن عدي الكندي لما قال له سودت وجوه المؤمنين فقال عليه السلام ما كل أحد يحب ما تحب و لا رأيه كرأيك و إنما فعلت ما فعلت إبقاء عليكم.. وَ رَوَى عَبَّاسُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي مِخْنَفٍ عَنْ أَبِي الْكَنُودِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ الْحَسَنُ عليه السلام مُعَاوِيَةَ أَقْبَلَتِ الشِّيعَةُ تَتَلَاقَى بِإِظْهَارِ الْأَسَفِ وَ الْحَسْرَةِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَالِ فَخَرَجُوا إِلَيْهِ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ يَوْمَ بَايَعَ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ لَهُ سُلَيْمَانُ بْنُ صُرَدَ الْخُزَاعِيُّ مَا يَنْقَضِي تَعَجُّبُنَا مِنْ بَيْعَتِكَ مُعَاوِيَةَ وَ مَعَكَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ مُقَاتِلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كُلُّهُمْ يَأْخُذُ الْعَطَاءَ وَ هُمْ عَلَى أَبْوَابِ مَنَازِلِهِمْ وَ مَعَهُمْ مِثْلُهُمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَ أَتْبَاعِهِمْ سِوَى شِيعَتِكَ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَ الْحِجَازِ ثُمَّ لَمْ تَأْخُذْ لِنَفْسِكَ ثِقَةً فِي الْعَقْدِ وَ لَا حَظّاً مِنَ الْعَطِيَّةِ فَلَوْ كُنْتَ إِذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَشْهَدْتَ عَلَى مُعَاوِيَةَ وُجُوهَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ كَتَبْتَ عَلَيْهِ كِتَاباً بِأَنَّ الْأَمْرَ لَكَ بَعْدَهُ كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْنَا أَيْسَرَ وَ لَكِنَّهُ أَعْطَاكَ شَيْئاً بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ لَمْ يَفِ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ قَالَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ إِنِّي كُنْتُ شَرَطْتُ شُرُوطاً وَ وَعَدْتُ عِدَاةً إِرَادَةً لِإِطْفَاءِ نَارِ الْحَرْبِ وَ مُدَارَاةً لِقَطْعِ الْفِتْنَةِ فَلَمَّا أَنْ جَمَعَ اللَّهُ لَنَا الْكَلِمَ وَ الْأُلْفَةَ فَإِنَّ ذَلِكَ تَحْتَ قَدَمَيَّ وَ اللَّهِ مَا عَنَى بِذَلِكَ غَيْرَكَ وَ مَا أَرَادَ إِلَّا مَا كَانَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ وَ قَدْ نَقَضَ فَإِذَا شِئْتَ فَأَعِدِ الْحَرْبَ خُدْعَةً وَ ائْذَنْ لِي فِي تَقَدُّمِكَ إِلَى الْكُوفَةِ فَأُخْرِجَ عَنْهَا عَامِلَهُ وَ أُظْهِرَ خَلْعَهُ وَ تَنَبَّذْ إِلَيْهِ عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ وَ تَكَلَّمَ الْبَاقُونَ بِمِثْلِ كَلَامِ سُلَيْمَانَ. فَقَالَ الْحَسَنُ عليه السلام أَنْتُمْ شِيعَتُنَا وَ أَهْلُ مَوَدَّتِنَا فَلَوْ كُنْتُ بِالْحَزْمِ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا أَعْمَلَ وَ لِسُلْطَانِهَا أَرْكَضَ وَ أَنْصَبَ، مَا كَانَ مُعَاوِيَةُ بِأَبْأَسَ مِنِّي بَأْساً وَ لَا أَشَدَّ شَكِيمَةً وَ لَا أَمْضَى عَزِيمَةً وَ لَكِنِّي أَرَى غَيْرَ مَا رَأَيْتُمْ وَ مَا أَرَدْتُ بِمَا فَعَلْتُ إِلَّا حَقْنَ الدِّمَاءِ فَارْضُوا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَ سَلِّمُوا لِأَمْرِهِ وَ الْزَمُوا بُيُوتَكُمْ وَ أَمْسِكُوا. أَوْ قَالَ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ أَوْ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ. وَ هَذَا كَلَامٌ مِنْهُ عليه السلام يَشْفِي الصُّدُورَ وَ يَذْهَبُ بِكُلِّ شُبْهَةٍ فِي هَذَا الْبَابِ. وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ عليه السلام لَمَّا طَالَبَهُ مُعَاوِيَةُ بِأَنْ يَتَكَلَّمَ عَلَى النَّاسِ وَ يُعَلِّمَهُمْ مَا عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ قَامَ فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ أَكْيَسَ الْكَيْسِ التُّقَى وَ أَحْمَقَ الْحُمْقِ الْفُجُورُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّكُمْ لَوْ طَلَبْتُمْ بَيْنَ جَابَلَقَ وَ جَابَرَسَ رَجُلًا جَدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ ص مَا وَجَدْتُمُوهُ غَيْرِي وَ غَيْرَ أَخِي الْحُسَيْنِ وَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ هَدَاكُمْ بِأَوْلِيَاءِ مُحَمَّدٍ ص وَ إِنَّ مُعَاوِيَةَ نَازَعَنِي حَقّاً هُوَ لِي فَتَرَكْتُهُ لِصَلَاحِ الْأُمَّةِ وَ حَقْنِ دِمَائِهَا وَ قَدْ بَايَعْتُمُونِي عَلَى أَنْ تُسَالِمُوا مَنْ سَالَمْتُ فَقَدْ رَأَيْتُ أَنْ أُسَالِمَهُ وَ رَأَيْتُ أَنَّ مَا حَقَنَ الدِّمَاءَ خَيْرٌ مِمَّا سَفَكَهَا وَ أَرَدْتُ صَلَاحَكُمْ وَ أَنْ يَكُونَ مَا صَنَعْتُ حُجَّةً عَلَى مَنْ كَانَ يَتَمَنَّى هَذَا الْأَمْرَ وَ إِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ.. و كلامه عليه السلام في هذا الباب الذي يصرح في جميعه بأنه مغلوب مقهور ملجأ إلى التسليم و دافع بالمسالمة الضرر العظيم عن الدين و المسلمين أشهر من الشمس و أجلى من الصبح فأما قول السائل إنه خلع نفسه من الإمامة فمعاذ الله لأن الإمامة بعد حصولها للإمام لا يخرج عنه بقوله و عند أكثر مخالفينا أيضا في الإمامة أن خلع الإمام نفسه لا يؤثر في خروجه من الإمامة و إنما ينخلع من الإمامة عندهم بالأحداث و الكبائر و لو كان خلعه في نفسه مؤثرا لكان إنما يؤثر إذا وقع اختيارا فأما مع الإلجاء و الإكراه فلا تأثير له و لو كان مؤثرا في موضع من المواضع. و لم يسلم أيضا الأمر إلى معاوية بل كف عن المحاربة و المغالبة لفقد الأعوان و عوز الأنصار و تلاقي الفتنة على ما ذكرناه فيغلب عليه معاوية بالقهر و السلطان مع ما أنه كان متغلبا على أكثره و لو أظهر عليه السلام له التسليم قولا لما كان فيه شيء إذا كان عن إكراه و اضطهاد. فأما البيعة فإن أريد بها الصفقة و إظهار الرضا و الكف عن المنازعة فقد كان ذلك لكنا قد بينا جهة وقوعه و الأسباب المحوجة إليه و لا حجة في ذلك عليه (صلوات الله عليه) كما لم يكن في مثله حجة على أبيه (صلوات الله عليهما) لما بايع المتقدمين عليه و كف عن نزاعهم و أمسك عن غلابهم. و إن أريد بالبيعة الرضا و طيب النفس فالحال شاهد بخلاف ذلك و كلامه المشهور كله يدل على أنه أحوج و أحرج و أن الأمر له و هو أحق الناس به و إنما كف عن المنازعة فيه للغلبة و القهر و الخوف على الدين و المسلمين. فأما أخذ العطاء فقد بينا في هذا الكتاب عند الكلام فيما فعله أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) من ذلك أن أخذه من يد الجابر الظالم المتغلب جائز و أنه لا لؤم فيه على الأخذ و لا حرج و أما أخذ الصلات فسائغ بل واجب لأن كل مال في يد الغالب الجابر المتغلب على أمر الأمة يجب على الإمام و على جميع المسلمين انتزاعه من يده كيف ما أمكن بالطوع أو الإكراه و وضعه في مواضعه. فإذا لم يتمكن عليه السلام من انتزاع جميع ما في يد معاوية من أموال الله تعالى و أخرج هو شيئا منها إليه على سبيل الصلة فواجب عليه أن يتناوله من يده و يأخذ منه حقه و يقسمه على مستحقه لأن التصرف في ذلك المال بحق الولاية عليه لم يكن في تلك الحال إلا له ع. و ليس لأحد أن يقول إن الصلات التي كان يقبلها من معاوية أنه كان ينفقها على نفسه و عياله و لا يخرجها إلى غيره و ذلك أن هذا مما لا يمكن أن يدعي العلم به و القطع عليه و لا شك أنه عليه السلام كان ينفق منها لأن فيها حقه و حق عياله و أهله و لا بد من أن يكون قد أخرج منها إلى المستحقين حقوقهم و كيف يظهر ذلك و هو عليه السلام كان قاصدا إلى إخفائه و ستره لمكان التقية و المحوج له عليه السلام إلى قبول تلك الأموال على سبيل الصلة هو المحوج له إلى ستر إخراجها أو إخراج بعضها إلى مستحقيها من المسلمين و قد كان عليه و آله السلام يتصدق بكثير من أمواله و يواسي الفقراء و يصل المحتاجين و لعل في جملة ذلك هذه الحقوق. فأما إظهار موالاته فما أظهر عليه السلام من ذلك شيئا كما لم يبطنه و كلامه عليه السلام فيه بمشهد معاوية و مغيبه معروف ظاهر و لو فعل ذلك خوفا و استصلاحا و تلافيا للشر العظيم لكان واجبا فقد فعل أبوه (صلوات الله عليه و آله) مثله مع المتقدمين عليه. و أعجب من هذا كله دعوى القول بإمامته و معلوم ضرورة منه عليه السلام خلاف ذلك فإنه كان يعتقد و يصرح بأن معاوية لا يصلح أن يكون بعض ولاة الإمام و أتباعه فضلا عن الإمامة نفسها. و ليس يظن مثل هذه الأمور إلا عامي حشوي قد قعد به التقليد و ما سبق إلى اعتقاده من تصويب القوم كلهم عن التأمل و سماع الأخبار المأثورة في هذا الباب فهو لا يسمع إلا ما يوافقه و إذا سمع لم يصدق إلا بما أعجبه وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ انتهى كلامه رفع الله مقامه. و أقول بعد ما أسسناه في كتاب الإمامة بالدلائل العقلية و النقلية أنهم عليه السلام لا يفعلون شيئا إلا بما وصل إليهم من الله تعالى و بعد ما قرع سمعك في تلك الأبواب من الأخبار الدالة على وجه الحكمة في خصوص ما فعله عليه السلام لا أظنك تحتاج إلى بسط القول في ذلك وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
بحار الأنوار - ج ٤٤ - الصفحة ٢٥. — الإمام الباقر عليه السلام
ن، عيون أخبار الرضا ( عليه السلام قَالَ: سَمِعْتُ الرِّضَا عليه السلام يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ- أَنَّ إِسْمَاعِيلَ قَالَ
لِلصَّادِقِ عليه السلام يَا أَبَتَاهْ مَا تَقُولُ فِي الْمُذْنِبِ مِنَّا وَ مِنْ غَيْرِنَا- فَقَالَ عليه السلام لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ- مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ. تفسير قال البيضاوي أي ليس ما وعد الله من الثواب ينال بأمانيكم أيها المسلمون و لا بأماني أهل الكتاب و إنما ينال بالإيمان و العمل الصالح و قيل ليس الإيمان بالتمني و لكن ما وقر في القلب و صدّقه العمل. روي أن المسلمين و أهل الكتاب افتخروا فقال أهل الكتاب نبينا قبل نبيكم و كتابنا قبل كتابكم و نحن أولى بالله منكم فقال المسلمون نحن أولى منكم نبينا خاتم النبيين و كتابنا يقضي على الكتب المتقدمة فنزلت و قيل الخطاب مع المشركين و يدل عليه تقدم ذكره أي ليس الأمر بأماني المشركين و هو قولهم لا جنة و لا نار و قولهم إن كان الأمر كما يزعم هؤلاء لنكونن خيرا منهم و أحسن حالا وَ لا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ و هو قولهم لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى و قولهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً ثم قرر ذلك بقوله مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ عاجلا و آجلا.
بحار الأنوار - ج ٤٦ - الصفحة ١٧٥. — الإمام الرضا عليه السلام
التَّرْغِيبُ وَ التَّرْهِيبُ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْأَصْفَهَانِيِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَقَالَ عليه السلام
أَنْتَ رَجُلٌ مَطْلُوبٌ وَ لِلسُّلْطَانِ عَلَيْنَا عُيُونٌ- فَاخْرُجْ عَنَّا غَيْرَ مَطْرُودٍ الْقِصَّةَ. - وَ دَخَلَ عَلَيْهِ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ- فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى- أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ - مَنْ أُولُو الْأَمْرِ الَّذِينَ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِمْ- قَالَ الْعُلَمَاءُ فَلَمَّا خَرَجُوا- قَالَ الْحَسَنُ مَا صَنَعْنَا شَيْئاً إِلَّا سَأَلْنَاهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءِ- فَرَجَعُوا إِلَيْهِ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ الْأَئِمَّةُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ. وَ قَالَ نُوحُ بْنُ دَرَّاجٍ لِابْنِ أَبِي لَيْلَى أَ كُنْتَ تَارِكاً قَوْلًا قُلْتَهُ أَوْ قَضَاءً قَضَيْتَهُ لِقَوْلِ أَحَدٍ- قَالَ لَا إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ- قُلْتُ مَنْ هُوَ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ. الْحِلْيَةُ قَالَ عَمْرُو بْنُ أَبِي الْمِقْدَامِ كُنْتُ إِذَا نَظَرْتُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ- عَلِمْتُ أَنَّهُ مِنْ سُلَالَةِ النَّبِيِّينَ . و لا تخلو كتب أحاديث و حكمة و زهد و موعظة من كلامه يقولون قال جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ذكره النقاش و الثعلبي و القشيري و القزويني في تفاسيرهم و ذكر في الحلية و الإبانة و أسباب النزول و الترغيب و الترهيب و شرف المصطفى و فضائل الصحابة و في تاريخ الطبري و البلاذري و الخطيب و مسند أبي حنيفة و اللالكاني و قوت القلوب و معرفة علوم الحديث لابن البيع و قد روت الأمة بأسرها عنه دعاء أم داود. عَبْدُ الْغَفَّارِ الْحَازِمِيُّ وَ أَبُو الصَّبَّاحِ الْكِنَانِيُّ قَالَ عليه السلام إِنِّي أَتَكَلَّمُ عَلَى سَبْعِينَ وَجْهاً لِي مِنْ كُلِّهَا الْمَخْرَجُ . سُئِلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فَقَالَ عليه السلام مَا مِنْ نَبِيٍّ وَ لَا وَصِيٍّ وَ لَا مَلِكٍ- إِلَّا وَ هُوَ فِي كِتَابٍ عِنْدِي يَعْنِي مُصْحَفَ فَاطِمَةَ- وَ اللَّهِ مَا لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِيهِ اسْمٌ - وَ أَنْشَأَ الصَّادِقُ عليه السلام يَقُولُ- وَ فِينَا يَقِيناً يُعَدُّ الْوَفَاءُ* * * وَ فِينَا تُفَرِّخُ أَفْرَاخُهُ- رَأَيْتُ الْوَفَاءَ يُزَيِّنُ الرِّجَالَ* * * كَمَا زَيَّنَ الْعِذْقُ شِمْرَاخَهُ . وَ قَالَ الْمَنْصُورُ لِلصَّادِقِ عليه السلام قَدِ اسْتَدْعَاكَ أَبُو مُسْلِمٍ لِإِظْهَارِ تُرْبَةِ عَلِيٍّ عليه السلام فَتَوَقَّفْتَ تَعْلَمُ أَمْ لَا فَقَالَ إِنَّ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ- أَنَّهُ يَظْهَرُ فِي أَيَّامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْهَاشِمِيِّ- فَفَرِحَ الْمَنْصُورُ بِذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ عليه السلام أَظْهَرَ التُّرْبَةَ- فَأُخْبِرَ الْمَنْصُورُ بِذَلِكَ وَ هُوَ فِي الرُّصَافَةِ- فَقَالَ هَذَا هُوَ الصَّادِقُ- فَلْيَزُرِ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَقَّبَهُ بِالصَّادِقِ عليه السلام . و يقال إنما سمي صادقا لأنه ما جرب عليه قط زلل و لا تحريف.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٧ - الصفحة ٢٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بحار الأنوار - ج ٥٣ - الصفحة ٧١. — الإمام الباقر عليه السلام
مل، كامل الزيارات أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْجَامُورَانِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَضْرَمِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَال
ا فِي ذِكْرِ الْكُوفَةِ فِيهَا مَسْجِدُ سُهَيْلٍ الَّذِي لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا وَ قَدْ صَلَّى فِيهِ وَ مِنْهَا يَظْهَرُ عَدْلُ اللَّهِ وَ فِيهَا يَكُونُ قَائِمُهُ وَ الْقُوَّامُ مِنْ بَعْدِهِ وَ هِيَ مَنَازِلُ النَّبِيِّينَ وَ الْأَوْصِيَاءِ وَ الصَّالِحِينَ. بيان هذه الأخبار مخالفة للمشهور و طريق التأويل أحد وجهين. الأول أن يكون المراد بالاثني عشر مهديا النبي صلى الله عليه وآله وسلم و سائر الأئمة سوى القائم عليه السلام بأن يكون ملكهم بعد القائم عليه السلام و قد سبق أن الحسن بن سليمان أولها بجميع الأئمة و قال برجعة القائم عليه السلام بعد موته و به أيضا يمكن الجمع بين بعض الأخبار المختلفة التي وردت في مدة ملكه ع. و الثاني أن يكون هؤلاء المهديون من أوصياء القائم هادين للخلق في زمن سائر الأئمة الذين رجعوا لئلا يخلو الزمان من حجة و إن كان أوصياء الأنبياء و الأئمة أيضا حججا و الله تعالى يعلم.
بحار الأنوار - ج ٥٣ - الصفحة ١٤٨. — الإمام الصادق عليه السلام
[3/4] تموت في هذا المرض بل يشفيك الله تعالى و تعمر عمرا طويلا ثم ناولني قدحا كان في يده فشربت منه و أفقت في الحال و زال عني المرض بالكلية و جلست و تعجب أهلي و أقاربي و لم أحدثهم بما رأيت إلا بعد أيام. و حدثني الثقة الأمين آغا محمد المتقدم ذكره قال كان رجل من أهل سامراء من أهل الخلاف يسمى مصطفى الحمود و كان من الخدام الذين ديدنهم أذية الزوار و أخذ أموالهم بطرق فيها غضب الجبار و كان أغلب أوقاته في السرداب المقدس على الصفة الصغيرة خلف الشباك الذي وضعه هناك و من جاء من الزوار و يشتغل بالزيارة يحول الخبيث بينه و بين مولاه فينبهه على الأغلاط المتعارفة التي لا تخلو أغلب العوام منها بحيث لم يبق لهم حالة حضور و توجه أصلا. فرأى ليلة في المنام الحجة من الله الملك العلام عليه السلام فقال
له إلى متى تؤذي زواري و لا تدعهم أن يزوروا ما لك و للدخول في ذلك خل بينهم و بين ما تقولون فانتبه و قد أصم الله أذنيه فكان لا يسمع بعده شيئا و استراح منه الزوار و كان كذلك إلى أن ألحقه الله بأسلافه في النار. الشيخ الجليل أمين الإسلام فضل بن الحسن الطبرسي صاحب التفسير في كتاب كنوز النجاح قال دعاء علّمه صاحب الزمان عليه سلام الله الملك المنان أبا الحسن محمد بن أحمد بن أبي الليث رحمه الله تعالى في بلدة بغداد في مقابر قريش و كان أبو الحسن قد هرب إلى مقابر قريش و التجأ إليه من خوف القتل فنجي منه ببركة هذا الدعاء. قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَذْكُورُ إِنَّهُ عَلَّمَنِي أَنْ أَقُولَ اللَّهُمَّ عَظُمَ الْبَلَاءُ وَ بَرِحَ الْخَفَاءُ وَ انْقَطَعَ الرَّجَاءُ وَ انْكَشَفَ الْغِطَاءُ وَ ضَاقَتِ الْأَرْضُ وَ مَنَعَتِ السَّمَاءُ وَ إِلَيْكَ يَا رَبِّ الْمُشْتَكَى وَ عَلَيْكَ الْمُعَوَّلُ فِي الشِّدَّةِ وَ الرَّخَاءِ اللَّهُمَّ فَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ أُولِي الْأَمْرِ الَّذِينَ فَرَضْتَ عَلَيْنَا طَاعَتَهُمْ فَعَرَّفْتَنَا بِذَلِكَ مَنْزِلَتَهُمْ فَفَرِّجْ عَنَّا بِحَقِّهِمْ فَرَجاً عَاجِلًا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ يَا مُحَمَّدُ يَا عَلِيُّ اكْفِيَانِي فَإِنَّكُمَا كَافِيَايَ وَ انْصُرَانِي فَإِنَّكُمَا نَاصِرَايَ يَا مَوْلَايَ يَا صَاحِبَ الزَّمَانِ الْغَوْثَ الْغَوْثَ الْغَوْثَ أَدْرِكْنِي أَدْرِكْنِي أَدْرِكْنِي قال الراوي إنه عليه السلام عند قوله يا صاحب الزمان كان يشير إلى صدره الشريف. قال العالم النحرير النقاد البصير المولى أبو الحسن الشريف العاملي الغروي تلميذ العلامة المجلسي و هو جد شيخ الفقهاء في عصره صاحب جواهر الكلام من طرف أمه و ينقل عنه في الجواهر كثيرا صاحب التفسير الحسن الذي لم يؤلف مثله و إن لم يبرز منه إلا قليل إلا أن في مقدماته من الفوائد ما يشفي العليل و يروي الغليل و غيره قال في كتاب ضياء العالمين و هو كتاب كبير منيف على ستين ألف بيت كثير الفوائد قليل النظير قال في أواخر المجلد الأول منه في ضمن أحوال الحجة عليه السلام بعد ذكر قصة الجزيرة الخضراء مختصرا ما لفظه. ثم إن المنقولات المعتبرة في رؤية صاحب الأمر عليه السلام سوى ما ذكرنا كثيرة جدا حتى في هذه الأزمنة القريبة فقد سمعت أنا من ثقات أن مولانا أحمد الأردبيلي رآه عليه السلام في جامع الكوفة و سأل منه مسائل و أن مولانا محمد تقي والد شيخنا رآه في الجامع العتيق بأصبهان و الحكاية الأولى موجودة في البحار و أما الثانية فهي غير معروفة و لم نعثر عليها إلا ما ذكره المولى المذكور رحمه الله في شرح مشيخة الفقيه في ترجمة المتوكل بن عمير راوي الصحيفة. قال رحمه الله إني كنت في أوائل البلوغ طالبا لمرضاة الله ساعيا في طلب رضاه و لم يكن لي قرار بذكره إلى أن رأيت بين النوم و اليقظة أن صاحب الزمان (صلوات اللّه عليه) كان واقفا في الجامع القديم بأصبهان قريبا من باب الطنبي الذي الآن مدرسي فسلمت عليه و أردت أن أقبل رجله فلم يدعني و أخذني فقبلت يده و سألت عنه مسائل قد أشكلت علي. منها أني كنت أوسوس في صلاتي و كنت أقول إنها ليست كما طلبت مني و أنا مشتغل بالقضاء و لا يمكنني صلاة الليل و سألت عنه شيخنا البهائي رحمه الله تعالى فقال صل صلاة الظهر و العصر و المغرب بقصد صلاة الليل و كنت أفعل هكذا فسألت عن الحجة عليه السلام أصلي صلاة الليل فقال صلها و لا تفعل كالمصنوع الذي كنت تفعل إلى غير ذلك من المسائل التي لم يبق في بالي. ثم قلت يا مولاي لا يتيسر لي أن أصل إلى خدمتك كل وقت فأعطني كتابا أعمل عليه دائما فقال عليه السلام أعطيت لأجلك كتابا إلى مولانا محمد التاج و كنت أعرفه في النوم فقال عليه السلام رح و خذ منه فخرجت من باب المسجد الذي كان مقابلا لوجهه إلى جانب دار البطيخ محلة من أصبهان فلما وصلت إلى ذلك الشخص فلما رآني قال لي بعثك الصاحب عليه السلام إلي قلت نعم فأخرج من جيبه كتابا قديما فلما فتحته ظهر لي أنه كتاب الدعاء فقبلته و وضعته على عيني و انصرفت عنه متوجها إلى الصاحب عليه السلام فانتبهت و لم يكن معي ذلك الكتاب. فشرعت في التضرع و البكاء و الحوار لفوت ذلك الكتاب إلى أن طلع الفجر فلما فرغت من الصلاة و التعقيب و كان في بالي أن مولانا محمد هو الشيخ و تسميته بالتاج لاشتهاره من بين العلماء. فلما جئت إلى مدرسته و كان في جوار المسجد الجامع فرأيته مشتغلا بمقابلة الصحيفة و كان القاري السيد صالح أمير ذو الفقار الجرفادقاني فجلست ساعة حتى فرغ منه و الظاهر أنه كان في سند الصحيفة لكن للغم الذي كان لي لم أعرف كلامه و لا كلامهم و كنت أبكي فذهبت إلى الشيخ و قلت له رؤياي و كنت أبكي لفوات الكتاب فقال الشيخ أبشر بالعلوم الإلهية و المعارف اليقينية و جميع ما كنت تطلب دائما و كان أكثر صحبتي مع الشيخ في التصوف و كان مائلا إليه فلم يسكن قلبي و خرجت باكيا متفكرا إلى أن ألقي في روعي أن أذهب إلى الجانب الذي ذهبت إليه في النوم فلما وصلت إلى دار البطيخ رأيت رجلا صالحا اسمه آغا حسن و كان يلقب بتاجا فلما وصلت إليه و سلمت عليه قال يا فلان الكتب الوقفية التي عندي كل من يأخذه من الطلبة لا يعمل بشروط الوقف و أنت تعمل به و قال و انظر إلى هذه الكتب و كلما تحتاج إليه خذه فذهبت معه إلى بيت كتبه فأعطاني أول ما أعطاني الكتاب الذي رأيته في النوم فشرعت في البكاء و النحيب و قلت يكفيني و ليس في بالي أني ذكرت له النوم أم لا و جئت عند الشيخ و شرعت في المقابلة مع نسخته التي كتبها جد أبيه مع نسخة الشهيد و كتب الشهيد نسخته مع نسخة عميد الرؤساء و ابن السكون و قابلها مع نسخة ابن إدريس بواسطة أو بدونها و كانت النسخة التي أعطانيها الصاحب مكتوبة من خط الشهيد و كانت موافقة غاية الموافقة حتى في النسخ التي كانت مكتوبة على هامشها و بعد أن فرغت من المقابلة شرع الناس في المقابلة عندي و ببركة إعطاء الحجة عليه السلام صارت الصحيفة الكاملة في جميع البلاد كالشمس طالعة في كل بيت و سيما في أصبهان فإن أكثر الناس لهم الصحيفة المتعددة و صار أكثرهم صلحاء و أهل الدعاء و كثير منهم مستجابو الدعوة و هذه الآثار معجزة لصاحب الأمر عليه السلام و الذي أعطاني الله من العلوم بسبب الصحيفة لا أحصيها و ذكرها العلامة المجلسي رضوان الله عليه في إجازات البحار مختصرا. حدث السيد الجليل و المحدث العليم النبيل السيد نعمة الله الجزائري في مقدمات شرح العوالي قال حدثني و أجازني السيد الثقة هاشم بن الحسين الأحسائي في دار العلم شيراز في المدرسة المقابلة للبقعة المباركة مزار السيد محمد عابد عليه الرحمة و الرضوان في حجرة من الطبقة الثانية على يمين الداخل قال حكى لي أستاذي الثقة المعدل الشيخ محمد الحرفوشي قدس الله تربته قال لما كنت بالشام عمدت يوما إلى مسجد مهجور بعيد من العمران فرأيت شيخا أزهر الوجه عليه ثياب بيض و هيئة جميلة فتجارينا في الحديث و فنون العلم فرأيته فوق ما يصفه الواصف ثم تحققت منه الاسم و النسبة ثم بعد جهد طويل قال أنا معمر بن أبي الدنيا صاحب أمير المؤمنين و حضرت معه حروب صفين و هذه الشجة في رأسي و في وجهي من زجة فرسه. ثم ذكر لي من الصفات و العلامات ما تحققت معه صدقه في كل ما قال ثم استجزته كتب الأخبار فأجازني عن أمير المؤمنين و عن جميع الأئمة عليهم السلام حتى انتهى في الإجازة إلى صاحب الدار (عجل الله فرجه) و كذلك أجازني كتب العربية من مصنفيها كالشيخ عبد القاهر و السكاكي و سعد التفتازاني و كتب النحو عن أهلها و ذكر العلوم المتعارفة. ثم قال السيد رحمه الله إن الشيخ محمد الحرفوشي أجازني كتب الأحاديث الأصول الأربعة و غيرها من كتب الأخبار الإجازة و كذلك أجازني الكتب المصنفة في فنون العلوم ثم إن السيد رضوان الله عليه أجازني بتلك الإجازة كلما أجازه شيخه الحرفوشي عن معمر بن أبي الدنيا صاحب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام و أما أنا فأضمن ثقة المشايخ السيد و الشيخ و تعديلهما و ورعهما و لكني لا أضمن وقوع الأمر في الواقع على ما حكيت و هذه الإجازة العالية لم تتفق لأحد من علمائنا و لا محدثينا لا في الصدر السالف و لا في الأعصار المتأخرة انتهى. و قال سبطه العالم الجليل السيد عبد الله صاحب شرح النخبة و غيره في إجازته الكبيرة لأربعة من علماء حويزة بعد نقل كلام جده و كأنه رضي الله عنه استنكر هذه القصة أو خاف أن تنكر عليه فتبرأ من عهدتها في آخر كلامه و ليست بذلك فإن معمر بن أبي الدنيا المغربي له ذكر متكرر في الكتب و قصة طويلة في خروجه مع أبيه في طلب ماء الحياة و عثوره عليه دون أصحابه مذكورة في كتب التواريخ و غيرها و قد نقل منها نبذا صاحب البحار في أحوال صاحب الدار عليه السلام و ذكر الصدوق في كتاب إكمال الدين أن اسمه علي بن عثمان بن خطاب بن مرة بن مؤيد الهمداني إلا أنه قال معمر أبي الدنيا بإسقاط بن و الظاهر أنه هو الصواب كما لا يخفى و ذكر أنه من حضرموت و البلد الذي هو مقيم فيه طنجة و روى عنه أحاديث مسندة بأسانيد مختلفة. و أما ما نقله الشيخ في مجالسه عن أبي بكر الجرجاني أن المعمر المقيم ببلدة طنجة توفي سنة سبع عشرة و ثلاثمائة فليس بمناف شيئا لأن الظاهر أن أحدهما غير الآخر لتغاير اسميهما و قصتيهما و أحوالهما المنقولة و الله يعلم انتهى و شرح حال المعمر مذكور في آخر فتن البحار. و قال السيد الجليل المعظم و الحبر المكرم السيد حسين ابن العالم العليم السيد إبراهيم القزويني رحمه الله في آخر إجازته لآية الله بحر العلوم و للعبد طريق آخر إلى الكتب الأربعة و غيرها لم يسمح الأعصار بمثلها و هو ما أجاز لي السيد السعيد الشهيد السيد نصر الله الحائري عن شيخه مولانا أبي الحسن عن شيخه الفاضل السيد نعمة الله عن شيخه السيد هاشم الأحسائي إلى آخر ما نقلناه. و الشيخ محمد الحرفوشي من الأجلاء قال الشيخ الحر في أمل الآمل الشيخ محمد بن علي بن أحمد الحرفوشي الحريري العاملي الكركي الشامي كان فاضلا عالما أديبا ماهرا محققا مدققا شاعرا أديبا منشيا حافظا أعرف أهل عصره بعلوم العربية و ذكر له مؤلفات في الأدبية و شرح قواعد الشهيد و غيرها و ذكره السيد عليخان في سلافة العصر و بالغ في الثناء عليه و قال إنه توفي سنة 1059. حدثني سيد الفقهاء و سناد العلماء العالم الرباني المؤيد بالألطاف الخفية السيد مهدي القزويني الساكن في الحلة السيفية صاحب التصانيف الكثيرة و المقامات العالية أعلى الله تعالى مقامه فيما كتب بخطه قال حدثني والدي الروحاني و عمي الجسماني جناب المرحوم المبرور العلامة الفهامة صاحب الكرامات و الإخبار ببعض المغيبات السيد محمد باقر نجل المرحوم السيد أحمد الحسيني القزويني أن في الطاعون الشديد الذي حدث في أرض العراق من المشاهد و غيرها في عام ست و ثمانين بعد المائة و الألف و هرب جميع من كان في المشهد الغروي من العلماء المعروفين و غيرهم حتى العلامة الطباطبائي و المحقق صاحب كشف الغطاء و غيرهما بعد ما توفي منهم جم غفير و لم يبق إلا معدودين من أهله منهم السيد رحمه الله. قال و كان يقول كنت أقعد اليوم في الصحن الشريف و لم يكن فيه و لا في غيره أحد من أهل العلم إلا رجلا معمما من مجاوري أهل العجم كان يقعد في مقابلي و في تلك الأيام لقيت شخصا معظما مبجلا في بعض سكك المشهد ما رأيته قبل ذلك اليوم و لا بعده مع كون أهل المشهد في تلك الأيام محصورين و لم يكن يدخل عليهم أحد من الخارج قال و لما رآني قال ابتداء منه أنت ترزق علم التوحيد بعد حين. و حدثني السيد المعظم عن عمه الجليل أنه رحمه الله بعد ذلك في ليلة من الليالي قد رأى ملكين نزلا عليه بيد أحدهما عدة ألواح فيها كتابة و بيد الآخر ميزان فأخذا يجعلان في كل كفة من الميزان لوحا يوزنونها ثم يعرضون الألواح المتقابلة علي فأقرؤها و هكذا إلى آخر الألواح و إذا هما يقابلان عقيدة كل واحد من خواص أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم و خواص أصحاب الأئمة عليهم السلام مع عقيدة واحد من علماء الإمامية من سلمان و أبي ذر إلى آخر البوابين و من الكليني و الصدوقين و المفيد و المرتضى و الشيخ الطوسي إلى بحر العلوم خالي العلامة الطباطبائي و من بعده من العلماء. قال فاطلعت في ذلك المنام على عقائد جميع الإمامية من الصحابة و أصحاب الأئمة عليهم السلام و بقية علماء الإمامية و إذا أنا محيط بأسرار من العلوم لو كان عمري عمر نوح عليه السلام و أطلب هذه المعرفة لما أحطت بعشر معشار ذلك و ذلك بعد أن قال الملك الذي بيده الميزان للملك الآخر الذي بيده الألواح اعرض الألواح على فلان فإنا مأمورون بعرض الألواح عليه فأصبحت و أنا علامة زماني في العرفان. فلما جلست من المنام و صليت الفريضة و فرغت من تعقيب صلاة الصبح فإذا بطارق يطرق الباب فخرجت الجارية فأتت إلي بقرطاس مرسول من أخي في الدين المرحوم الشيخ عبد الحسين الأعشم فيه أبيات يمدحني فيها فإذا قد جرى على لسانه في الشعر تفسير المنام على نحو الإجمال قد ألهمه الله تعالى ذلك و أما أبيات المدح فمنها قوله شعرا. نرجو سعادة فالي إلى سعادة فالك* * * بك اختتام معال قد افتتحن بخالك. و قد أخبرني بعقائد جملة من الصحابة المتقابلة مع بعض العلماء الإمامية و من جملة ذلك عقيدة المرحوم خالي العلامة بحر العلوم في مقابلة عقيدة بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذين هم من خواصه و عقيدة علماء آخرين الذين يزيدون على السيد المرحوم المذكور أو ينقصون إلا أن هذه الأمور لما كانت من الأسرار التي لا يمكن إباحتها لكل أحد لعدم تحمل الخلق لذلك مع أنه رحمه الله أخذ علي العهد إلا أبوح به لأحد و كانت تلك الرؤيا نتيجة قول ذلك القائل الذي تشهد القرائن بكونه المنتظر المهدي. قلت و هذا السيد المبجل كان صاحب أسرار خاله العلامة بحر العلوم و خاصته و صاحب القبة المواجهة لقبة شيخ الفقهاء صاحب جواهر الكلام في النجف الأشرف و حدثني السيد المعظم المزبور و غيره بجملة من كراماته ذكرناها في دار السلام. حدثني جماعة من الأفاضل الكرام و الصلحاء الفخام منهم السيد السند و الحبر المعتمد زبدة العلماء الأعلام و عمدة الفقهاء العظام حاوي فنون الفضل و الأدب و حائز معالي الحسب و النسب الآميرزا صالح دام علاه ابن سيد المحققين و نور مصباح المجاهدين وحيد عصره و فريد دهره سيدنا المعظم السيد مهدي المتقدم ذكره أعلى الله مقامه و رفع في الخلد أعلامه و قد كنت سألت عنه سلمه الله أن يكتب لي تلك الحكايات الآتية المنسوبة إلى والده المعظم التي سمعتها من الجماعة فإن أهل البيت أدرى بما فيه مع ما هو عليه من الإتقان و الحفظ و الضبط و الصلاح و السداد و الاطلاع و قد صاحبته في طريق مكة المعظمة ذهابا و إيابا فوجدته أيده الله بحرا لا ينزح و كنزا لا ينفد فكتب إلي مطابقا لما سمعته من تلك العصابة. و كتب أخوه العالم النحرير و صاحب الفضل المنير السيد الأمجد السيد محمد سلمه الله تعالى في آخر ما كتبه سمعت هذه الكرامات الثلاثة سماعا من لفظ الوالد المرحوم المبرور عطر الله مرقده صورة ما كتبه. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ حدثني بعض الصلحاء الأبرار من أهل الحلة قال خرجت غدوة من داري قاصدا داركم لأجل زيارة السيد أعلى الله مقامه فصار ممري في الطريق على المقام المعروف بقبر السيد محمد ذي الدمعة فرأيت على شباكه الخارج إلى الطريق شخصا بهي المنظر يقرأ فاتحة الكتاب فتأملته فإذا هو غريب الشكل و ليس من أهل الحلة. فقلت في نفسي هذا رجل غريب قد اعتنى بصاحب هذا المرقد و وقف و قرأ له فاتحة الكتاب و نحن أهل البلد نمر و لا نفعل ذلك فوقفت و قرأت الفاتحة و التوحيد فلما فرغت سلمت عليه فرد السلام و قال لي يا علي أنت ذاهب لزيارة السيد مهدي قلت نعم قال فإني معك. فلما صرنا ببعض الطريق قال لي يا علي لا تحزن على ما أصابك من الخسران و ذهاب المال في هذه السنة فإنك رجل امتحنك الله بالمال فوجدك مؤديا للحق و قد قضيت ما فرض الله عليك و أما المال فإنه عرض زائل يجيء و يذهب و كان قد أصابني خسران في تلك السنة لم يطلع عليه أحد مخافة الكسر فاغتممت في نفسي و قلت سبحان الله كسري قد شاع و بلغ حتى إلى الأجانب إلا أني قلت له في الجواب الحمد لله على كل حال فقال إن ما ذهب من مالك سيعود إليك بعد مدة و ترجع كحالك الأول و تقضي ما عليك من الديون. قال فسكت و أنا مفكر في كلامه حتى انتهينا إلى باب داركم فوقفت و وقف فقلت ادخل يا مولاي فأنا من أهل الدار فقال لي ادخل أنت أنا صاحب الدار فامتنعت فأخذ بيدي و أدخلني أمامه فلما صرنا إلى المسجد وجدنا جماعة من الطلبة جلوسا ينتظرون خروج السيد (قدّس سرّه) من داخل الدار لأجل البحث و مكانه من المجلس خال لم يجلس فيه أحد احتراما له و فيه كتاب مطروح. فذهب الرجل و جلس في الموضع الذي كان السيد (قدّس سرّه) يعتاد الجلوس فيه ثم أخذ الكتاب و فتحه و كان الكتاب شرائع المحقق (قدّس سرّه) ثم استخرج من الكتاب كراريس مسودة بخط السيد (قدّس سرّه) و كان خطه في غاية الضعف لا يقدر كل أحد على قراءته فأخذ يقرأ في تلك الكراريس و يقول للطلبة أ لا تعجبون من هذه الفروع و هذه الكراريس هي بعض من جملة كتاب مواهب الأفهام في شرح شرائع الإسلام و هو كتاب عجيب في فنه لم يبرز منه إلا ست مجلدات من أول الطهارة إلى أحكام الأموات. قال الوالد أعلى الله درجته لما خرجت من داخل الدار رأيت الرجل جالسا في موضعي فلما رآني قام و تنحى عن الموضع فألزمته بالجلوس فيه و رأيته رجلا بهي المنظر وسيم الشكل في زي غريب فلما جلسنا أقبلت عليه بطلاقة وجه و بشاشة و سؤال عن حاله و استحييت أن أسأله من هو و أين وطنه ثم شرعت في البحث فجعل الرجل يتكلم في المسألة التي نبحث عنها بكلام كأنه اللؤلؤ المتساقط فبهرني كلامه فقال له بعض الطلبة اسكت ما أنت و هذا فتبسم و سكت. قال رحمه الله فلما انقضى البحث قلت له من أين كان مجيئك إلى الحلة فقال من بلد السليمانية فقلت متى خرجت فقال بالأمس خرجت منها و ما خرجت منها حتى دخلها نجيب باشا فاتحا لها عنوة بالسيف و قد قبض على أحمد باشا الباباني المتغلب عليها و أقام مقامه أخاه عبد الله باشا و قد كان أحمد باشا المتقدم قد خلع طاعة الدولة العثمانية و ادعى السلطنة لنفسه في السليمانية. قال الوالد (قدّس سرّه) فبقيت مفكرا في حديثه و أن هذا الفتح و خبره لم يبلغ إلى حكام الحلة و لم يخطر لي أن أسأله كيف وصلت إلى الحلة و بالأمس خرجت من السليمانية و بين الحلة و السليمانية ما تزيد على عشرة أيام للراكب المجد. ثم إن الرجل أمر بعض خدمة الدار أن يأتيه بماء فأخذ الخادم الإناء ليغترف به ماء من الحب فناداه لا تفعل فإن في الإناء حيوانا ميتا فنظر فيه فإذا فيه سام أبرص ميت فأخذ غيره و جاء بالماء إليه فلما شرب قام للخروج. قال الوالد (قدّس سرّه) فقمت لقيامه فودعني و خرج فلما صار خارج الدار قلت للجماعة هلا أنكرتم على الرجل خبره في فتح السليمانية فقالوا هلا أنكرت عليه. قال فحدثني الحاج علي المتقدم بما وقع له في الطريق و حدثني الجماعة بما وقع قبل خروجي من قراءته في المسودة و إظهار العجب من الفروع التي فيها. قال الوالد أعلى الله مقامه فقلت اطلبوا الرجل و ما أظنكم تجدونه هو و الله صاحب الأمر روحي فداه فتفرق الجماعة في طلبه فما وجدوا له عينا و لا أثرا فكأنما صعد في السماء أو نزل في الأرض. قال فضبطنا اليوم الذي أخبر فيه عن فتح السليمانية فورد الخبر ببشارة الفتح إلى الحلة بعد عشرة أيام من ذلك اليوم و أعلن ذلك عند حكامها بضرب المدافع المعتاد ضربها عند البشائر عند ذوي الدولة العثمانية. قلت الموجود فيما عندنا من كتب الأنساب أن اسم ذا الدمعة حسين و يلقب أيضا بذي العبرة و هو ابن زيد الشهيد بن علي بن الحسين عليه السلام و يكنى بأبي عاتقة و إنما لقب بذي الدمعة لبكائه في تهجده في صلاة الليل و رباه الصادق عليه السلام فأرثه علما جما و كان زاهدا عابدا و توفي سنة خمس و ثلاثين و مائة و زوج ابنته بالمهدي الخليفة العباسي و له أعقاب كثيرة و لكنه سلمه الله أعرف بما كتب. قال سلمه الله و حدثني الوالد أعلى الله مقامه قال لازمت الخروج إلى الجزيرة مدة مديدة لأجل إرشاد عشائر بني زبيد إلى مذهب الحق و كانوا كلهم على رأي أهل التسنن و ببركة هداية الوالد (قدّس سرّه) و إرشاده رجعوا إلى مذهب الإمامية كما هم عليه الآن و هم عدد كثير يزيدون على عشرة آلاف نفس و كان في الجزيرة مزار معروف بقبر الحمزة بن الكاظم يزوره الناس و يذكرون له كرامات كثيرة و حوله قرية تحتوي على مائة دار تقريبا. قال (قدّس سرّه) فكنت أستطرق الجزيرة و أمر عليه و لا أزوره لما صح عندي أن الحمزة بن الكاظم مقبور في الري مع عبد العظيم الحسني فخرجت مرة على عادتي و نزلت ضيفا عند أهل تلك القرية فتوقعوا مني أن أزور المرقد المذكور فأبيت و قلت لهم لا أزور من لا أعرف و كان المزار المذكور قلت رغبة الناس فيه لإعراضي عنه. ثم ركبت من عندهم و بت تلك الليلة في قرية المزيدية عند بعض ساداتها فلما كان وقت السحر جلست لنافلة الليل و تهيأت للصلاة فلما صليت النافلة بقيت أرتقب طلوع الفجر و أنا على هيئة التعقيب إذ دخل علي سيد أعرفه بالصلاح و التقوى من سادة تلك القرية فسلم و جلس. ثم قال يا مولانا بالأمس تضيفت أهل قرية الحمزة و ما زرته قلت نعم قال و لم ذلك قلت لأني لا أزور من لا أعرف و الحمزة بن الكاظم مدفون بالري فقال رب مشهور لا أصل له ليس هذا قبر الحمزة بن موسى الكاظم و إن اشتهر أنه كذلك بل هو قبر أبي يعلى حمزة بن القاسم العلوي العباسي أحد علماء الإجازة و أهل الحديث و قد ذكره أهل الرجال في كتبهم و أثنوا عليه بالعلم و الورع. فقلت في نفسي هذا السيد من عوام السادة و ليس من أهل الاطلاع على الرجال و الحديث فلعله أخذ هذا الكلام عن بعض العلماء ثم قمت لأرتقب طلوع الفجر فقام ذلك السيد و خرج و أغفلت أن أسأله عمن أخذ هذا لأن الفجر قد طلع و تشاغلت بالصلاة. فلما صليت جلست للتعقيب حتى طلع الشمس و كان معي جملة من كتب الرجال فنظرت فيها و إذا الحال كما ذكر فجاءني أهل القرية مسلمين علي و في جملتهم ذلك السيد فقلت جئتني قبل الفجر و أخبرتني عن قبر الحمزة أنه أبو يعلى حمزة بن القاسم العلوي فمن أين لك هذا و عمن أخذته فقال و الله ما جئتك قبل الفجر و لا رأيتك قبل هذه الساعة و لقد كنت ليلة أمس بائتا خارج القرية في مكان سماه و سمعنا بقدومك فجئنا في هذا اليوم زائرين لك. فقلت لأهل القرية الآن لزمني الرجوع إلى زيارة الحمزة فإني لا أشك في أن الشخص الذي رأيته هو صاحب الأمر عليه السلام قال فركبت أنا و جميع أهل تلك القرية لزيارته و من ذلك الوقت ظهر هذا المزار ظهورا تاما على وجه صار بحيث تشد الرحال إليه من الأماكن البعيدة. قلت في رجال النجاشي حمزة بن القاسم بن علي بن حمزة بن الحسن بن عبيد الله بن العباس بن علي بن أبي طالب عليه السلام أبو يعلى ثقة جليل القدر من أصحابنا كثير الحديث له كتاب من روى عن جعفر بن محمد عليه السلام من الرجال و هو كتاب حسن. و ذكر الشيخ الطوسي أنه يروي عن سعد بن عبد الله و يروي عنه التلعكبري رحمه الله إجازة فهو في طبقة والد الصدوق. قال أيده الله و حدثني الوالد أعلى الله مقامه قال خرجت يوم الرابع عشر من شهر شعبان من الحلة أريد زيارة الحسين عليه السلام ليلة النصف منه فلما وصلت إلى شط الهندية و عبرت إلى الجانب الغربي منه وجدت الزوار الذاهبين من الحلة و أطرافها و الواردين من النجف و نواحيه جميعا محاصرين في بيوت عشيرة بني طرف من عشائر الهندية و لا طريق لهم إلى كربلاء لأن عشيرة عنزة قد نزلوا على الطريق و قطعوه عن المارة و لا يدعون أحدا يخرج من كربلاء و لا أحدا يلج إلا انتهبوه. قال فنزلت على رجل من العرب و صليت صلاة الظهر و العصر و جلست أنتظر ما يكون من أمر الزوار و قد تغيمت السماء و مطرت مطرا يسيرا. فبينما نحن جلوس إذ خرجت الزوار بأسرها من البيوت متوجهين نحو طريق كربلاء فقلت لبعض من معي اخرج و اسأل ما الخبر فخرج و رجع إلي و قال لي إن عشيرة بني طرف قد خرجوا بالأسلحة النارية و تجمعوا لإيصال الزوار إلى كربلاء و لو آل الأمر إلى المحاربة مع عنزة. فلما سمعت قلت لمن معي هذا الكلام لا أصل له لأن بني طرف لا قابلية لهم على مقابلة عنزة في البر و أظن هذه مكيدة منهم لإخراج الزوار عن بيوتهم لأنهم استثقلوا بقاءهم عندهم و في ضيافتهم. فبينما نحن كذلك إذ رجعت الزوار إلى البيوت فتبين الحال كما قلت فلم تدخل الزوار إلى البيوت و جلسوا في ظلالها و السماء متغيمة فأخذتني لهم رقة شديدة و أصابني انكسار عظيم و توجهت إلى الله بالدعاء و التوسل بالنبي و آله و طلبت إغاثة الزوار مما هم فيه. فبينما أنا على هذا الحال إذ أقبل فارس على فرس رابع كريم لم أر مثله و بيده رمح طويل و هو مشمر عن ذراعيه فأقبل يخب به جواده حتى وقف على البيت الذي أنا فيه و كان بيتا من شعر مرفوع الجوانب فسلم فرددنا عليه السلام ثم قال يا مولانا يسميني باسمي بعثني من يسلم عليك و هم كنج محمد آغا و صفر آغا و كانا من قواد العساكر العثمانية يقولان فليأت بالزوار فإنا قد طردنا عنزة عن الطريق و نحن ننتظره مع عسكرنا في عرقوب السليمانية على الجادة فقلت له و أنت معنا إلى عرقوب السليمانية قال نعم فأخرجت الساعة و إذا قد بقي من النهار ساعتان و نصف تقريبا فقلت بخيلنا فقدمت إلينا فتعلق بي ذلك البدوي الذي نحن عنده و قال يا مولاي لا تخاطر بنفسك و بالزوار و أقم الليلة حتى يتضح الأمر فقلت له لا بد من الركوب لإدراك الزيارة المخصوصة. فلما رأتنا الزوار قد ركبنا تبعوا أثرنا بين حاشر و راكب فسرنا و الفارس المذكور بين أيدينا كأنه الأسد الخادر و نحن خلفه حتى وصلنا إلى عرقوب السليمانية فصعد عليه و تبعناه في الصعود ثم نزل و ارتقينا على أعلى العرقوب فنظرنا و لم نر له عينا و لا أثرا فكأنما صعد في السماء أو نزل في الأرض و لم نر قائدا و لا عسكرا. فقلت لمن معي أ بقي شك في أنه صاحب الأمر فقالوا لا و الله و كنت و هو بين أيدينا أطيل النظر إليه كأني رأيته قبل ذلك لكنني لا أذكر أين رأيته فلما فارقنا تذكرت أنه هو الشخص الذي زارني بالحلة و أخبرني بواقعة السليمانية. و أما عشيرة عنزة فلم نر لهم أثرا في منازلهم و لم نر أحدا نسأله عنهم سوى أنا رأينا غبرة شديدة مرتفعة في كبد البر فوردنا كربلاء تخب بنا خيولنا فوصلنا إلى باب البلاد و إذا بعسكر على سور البلد فنادوا من أين جئتم و كيف وصلتم ثم نظروا إلى سواد الزوار ثم قالوا سبحان الله هذه البرية قد امتلأت من الزوار أجل أين صارت عنزة فقلت لهم اجلسوا في البلد و خذوا أرزاقكم و لمكة رب يرعاها. ثم دخلنا البلد فإذا أنا بكنج محمد آغا جالسا على تخت قريب من الباب فسلمت عليه فقام في وجهي فقلت له يكفيك فخرا أنك ذكرت باللسان فقال ما الخبر فأخبرته بالقصة فقال لي يا مولاي من أين لي علم بأنك زائر حتى أرسل لك رسولا و أنا و عسكري منذ خمسة عشر يوما محاصرين في البلد لا نستطيع أن نخرج خوفا من عنزة ثم قال فأين صارت عنزة قلت لا علم لي سوى أني رأيت غبرة شديدة في كبد البر كأنها غبرة الظعائن ثم أخرجت الساعة و إذا قد بقي من النهار ساعة و نصف فكان مسيرنا كله في ساعة و بين منازل بني طرف و كربلاء ثلاث ساعات ثم بتنا تلك الليلة في كربلاء. فلما أصبحنا سألنا عن خبر عنزة فأخبر بعض الفلاحين الذين في بساتين كربلاء قال بينما عنزة جلوس في أنديتهم و بيوتهم إذا بفارس قد طلع عليهم على فرس مطهم و بيده رمح طويل فصرخ فيهم بأعلى صوته يا معاشر عنزة قد جاء الموت الزؤام عساكر الدولة العثمانية تجبهت عليكم بخيلها و رجلها و ها هم على أثري مقبلون فارحلوا و ما أظنكم تنجون منهم. فألقى الله عليهم الخوف و الذل حتى أن الرجل يترك بعض متاع بيته استعجالا بالرحيل فلم تمض ساعة حتى ارتحلوا بأجمعهم و توجهوا نحو البر فقلت له صف لي الفارس فوصف لي و إذا هو صاحبنا بعينه و هو الفارس الذي جاءنا و الحمد لله رب العالمين و الصلاة على محمد و آله الطاهرين حرره الأقل ميرزا صالح الحسيني قلت و هذه الحكاية سمعتها شفاها منه أعلى الله مقامه و لم يكن هذه الكرامات منه ببعيدة فإنه ورث العلم و العمل من عمه الأجل الأكمل السيد باقر القزويني خاصة السيد الأعظم و الطود الأشيم بحر العلوم أعلى الله تعالى درجتهم و كان عمه أدبه و رباه و أطلعه على الخفايا و الأسرار حتى بلغ مقاما لا يحوم حوله الأفكار و حاز من الفضائل و الخصائص ما لم يجتمع في غيره من العلماء الأبرار. منها أنه بعد ما هاجر إلى الحلة و استقر فيها و شرع في هداية الناس و إيضاح الحق و إبطال الباطل صار ببركة دعوته من داخل الحلة و أطرافها من الأعراب قريبا من مائة ألف نفس شيعيا إماميا مخلصا مواليا لأولياء الله و معاديا لأعداء الله. بل حدثني طاب ثراه أنه لما ورد الحلة لم يكن في الذين يدعون التشيع من علائم الإمامية و شعارهم إلا حمل موتاهم إلى النجف الأشرف و لا يعرفون من أحكامهم شيئا حتى البراءة من أعداء الله و صاروا بهدايته صلحاء أبرار أتقياء و هذه منقبة عظيمة اختص بها من بين من تقدم عليه و تأخر. و منها الكمالات النفسانية من الصبر و التقوى و تحمل أعباء العبادة و سكون النفس و دوام الاشتغال بذكر الله تعالى و كان رحمه الله لا يسأل في بيته عن أحد من أهله و أولاده ما يحتاج إليه من الغداء و العشاء و القهوة و الغليان و غيرها عند وقتها و لا يأمر عبيده و إماءه بشيء منها و لو لا التفاتهم و مواظبتهم لكان يمر عليه اليوم و الليلة من غير أن يتناول شيئا منها مع ما كان عليه من التمكن و الثروة و السلطنة الظاهرة و كان يجيب الدعوة و يحضر الولائم و الضيافات لكن يحمل معه كتبا و يقعد في ناحية و يشتغل بالتأليف و لا خبر له عما فيه القوم و لا يخوض معهم في حديثهم إلا أن يسأل عن أمر ديني فيجيبهم. و كان دأبه في شهر الصيام أن يصلي المغرب في المسجد و يجتمع الناس و يصلي بعده النوافل المرتبة في شهر رمضان ثم يأتي منزله و يفطر و يرجع و يصلي العشاء بالناس ثم يصلي نوافلها المرتبة ثم يأتي منزله و الناس معه على كثرتهم فلما اجتمعوا و استقروا شرع واحد من القراء فيتلو بصوت حسن رفيع آيات من كتاب الله في التحذير و الترغيب و الموعظة مما يذوب منه الصخر الأصم و يرق القلوب القاسية ثم يقرأ آخرا خطبة من مواعظ نهج البلاغة ثم يقرأ آخرا تعزية أبي عبد الله عليه السلام ثم يشرع أحد من الصلحاء في قراءة أدعية شهر رمضان و يتابعه الآخرون إلى أن يجيء وقت السحور فيتفرقون و يذهب كل إلى مستقره. و بالجملة فقد كان في المراقبة و مواظبة الأوقات و النوافل و السنن و القراءة مع كونه طاعنا في السن آية في عصره و قد كنا معه في طريق الحج ذهابا و إيابا و صلينا معه في مسجد الغدير و الجحفة و توفي رحمه الله الثاني عشر من ربيع الأول سنة ألف و ثلاث مائة قبل الوصول إلى سماوة بخمس فراسخ تقريبا و قد ظهر منه حين وفاته من قوة الإيمان و الطمأنينة و الإقبال و صدق اليقين ما يقضي منه العجب و ظهر منه حينئذ كرامة باهرة بمحضر من جماعة من الموافق و المخالف ليس هنا مقام ذكرها. و منها التصانيف الرائقة الكثيرة في الفقه و الأصول و التوحيد و الكلام و غيرها و منها كتاب في إثبات كون الفرقة الناجية فرقة الإمامية أحسن ما كتب في هذا الباب طوبى له و حسن مآب. حدثني العالم الجليل و الحبر النبيل مجمع الفضائل و الفواضل الصفي الوفي المولى علي الرشتي طاب ثراه و كان عالما برا تقيا زاهدا حاويا لأنواع العلم بصيرا ناقدا من تلامذة السيد السند الأستاذ الأعظم دام ظله و لما طال شكوى أهل الأرض حدود فارس و من والاه إليه من عدم وجود عالم عامل كامل نافذ الحكم فيهم أرسله إليهم عاش فيهم سعيدا و مات هناك حميدا رحمه الله و قد صاحبته مدة سفرا و حضرا و لم أجد في خلقه و فضله نظيرا إلا يسيرا. قال رجعت مرة من زيارة أبي عبد الله عليه السلام عازما للنجف الأشرف من طريق الفرات فلما ركبنا في بعض السفن الصغار التي كانت بين كربلاء و طويرج رأيت أهلها من أهل حلة و من طويرج تفترق طريق الحلة و النجف و اشتغل الجماعة باللهو و اللعب و المزاح رأيت واحدا منهم لا يدخل في عملهم عليه آثار السكينة و الوقار لا يمازح و لا يضاحك و كانوا يعيبون على مذهبه و يقدحون فيه و مع ذلك كان شريكا في أكلهم و شربهم فتعجبت منه إلى أن وصلنا إلى محل كان الماء قليلا فأخرجنا صاحب السفينة فكنا نمشي على شاطئ النهر. فاتفق اجتماعي مع هذا الرجل في الطريق فسألته عن سبب مجانبته عن أصحابه و ذمهم إياه و قدحهم فيه فقال هؤلاء من أقاربي من أهل السنة و أبي منهم و أمي من أهل الإيمان و كنت أيضا منهم و لكن الله من علي بالتشيع ببركة الحجة صاحب الزمان عليه السلام فسألت عن كيفية إيمانه فقال اسمي ياقوت و أنا أبيع الدهن عند جسر الحلة فخرجت في بعض السنين لجلب الدهن من أهل البراري خارج الحلة فبعدت عنها بمراحل إلى أن قضيت وطري من شراء ما كنت أريده منه و حملته على حماري و رجعت مع جماعة من أهل الحلة و نزلنا في بعض المنازل و نمنا و انتبهت فما رأيت أحدا منهم و قد ذهبوا جميعا و كان طريقنا في برية قفر ذات سباع كثيرة ليس في أطرافها معمورة إلا بعد فراسخ كثيرة. فقمت و جعلت الحمل على الحمار و مشيت خلفهم فضل عني الطريق و بقيت متحيرا خائفا من السباع و العطش في يومه فأخذت أستغيث بالخلفاء و المشايخ و أسألهم الإعانة و جعلتهم شفعاء عند الله تعالى و تضرعت كثيرا فلم يظهر منهم شيء فقلت في نفسي إني سمعت من أمي أنها كانت تقول إن لنا إماما حيا يكنى أبا صالح يرشد الضال و يغيث الملهوف و يعين الضعيف فعاهدت الله تعالى إن استغثت به فأغاثني أن أدخل في دين أمي. فناديته و استغثت به فإذا بشخص في جنبي و هو يمشي معي و عليه عمامة خضراء قال رحمه الله و أشار حينئذ إلى نبات حافة النهر و قال كانت خضرتها مثل خضرة هذا النبات. ثم دلني على الطريق و أمرني بالدخول في دين أمي و ذكر كلمات نسيتها و قال ستصل عن قريب إلى قرية أهلها جميعا من الشيعة قال فقلت يا سيدي أنت لا تجيء معي إلى هذه القرية فقال ما معناه لا لأنه استغاث بي ألف نفس في أطراف البلاد أريد أن أغيثهم ثم غاب عني فما مشيت إلا قليلا حتى وصلت إلى القرية و كان في مسافة بعيدة و وصل الجماعة إليها بعدي بيوم فلما دخلت الحلة ذهبت إلى سيد الفقهاء السيد مهدي القزويني طاب ثراه و ذكرت له القصة فعلمني معالم ديني فسألت عنه عملا أتوصل به إلى لقائه عليه السلام مرة أخرى فقال زر أبا عبد الله عليه السلام أربعين ليلة الجمعة قال فكنت أزوره من الحلة في ليالي الجمع إلى أن بقي واحدة فذهبت من الحلة في يوم الخميس فلما وصلت إلى باب البلد فإذا جماعة من أعوان الظلمة يطالبون الواردين التذكرة و ما كان عندي تذكرة و لا قيمتها فبقيت متحيرا و الناس متزاحمون على الباب فأردت مرارا أن أتخفى و أجوز عنهم فما تيسر لي و إذا بصاحبي صاحب الأمر عليه السلام في زي لباس طلبة الأعاجم عليه عمامة بيضاء في داخل البلد فلما رأيته استغثت به فخرج و أخذني معه و أدخلني من الباب فما رآني أحد فلما دخلت البلد افتقدته من بين الناس و بقيت متحيرا على فراقه عليه السلام و قد ذهب عن خاطري بعض ما كان في تلك الحكاية. حدثني العالم الجليل و المولى النبيل العدل الثقة الرضي المرضي الآميرزا إسماعيل السلماسي و هو من أوثق أهل العلم و الفضل و أئمة الجماعة في مشهد الكاظم عليه السلام عن والده العالم العليم المتقدم ذكره المولى زين العابدين السلماسي أو عن أخيه الثقة الصالح الأكبر منه في السن الآميرزا محمد باقر رحمه الله قال سلمه الله و الترديد لتطاول الزمان لأن سماعي لهذه الحكاية يقرب من خمسين سنة قال قال والدي مما ذكر من الكرامات للأئمة الطاهرين عليه السلام في سرمنرأى في المائة الثانية و الظاهر أنه أواخر المائة أو في أوائل المائة الثالثة بعد الألف من الهجرة أنه جاء رجل من الأعاجم إلى زيارة العسكريين عليه السلام و ذلك في زمن الصيف و شدة الحر و قد قصد الزيارة في وقت كان الكليددار في الرواق و مغلقا أبواب الحرم و متهيئا للنوم عند الشباك الغربي. فلما أحس بمجيء الزوار فتح الباب و أراد أن يزوره فقال له الزائر خذ هذا الدينار و اتركني حتى أزور بتوجه و حضور فامتنع المزور و قال لا أخرم القاعدة فدفع إليه الدينار الثاني و الثالث فلما رأى المزور كثرة الدنانير ازداد امتناعا و منع الزائر من الدخول إلى الحرم الشريف و رد إليه الدنانير. فتوجه الزائر إلى الحرم و قال بانكسار بأبي أنتما و أمي أردت زيارتكما بخضوع و خشوع و قد اطلعتما على منعه إياي فأخرجه المزور و غلق الأبواب ظنا منه أنه يرجع إليه و يعطيه بكل ما يقدر عليه و توجه إلى الطرف الشرقي قاصدا السلوك إلى الشباك الذي في الطرف الغربي. فلما وصل إلى الركن و أراد الانحراف إلى طرف الشباك رأى ثلاثة أشخاص مقبلين صافين إلا أن أحدهم متقدم على الذي في جنبه بيسير و كذا الثاني ممن يليه و كان الثالث هو أصغرهم و في يده قطعة رمح و في رأسه سنان فبهت المزور عند رؤيتهم فتوجه صاحب الرمح إليه و قد امتلأ غيظا و احمرت عيناه من الغضب و حرك الرمح مريدا طعنه قائلا يا ملعون بن الملعون كأنه جاء إلى دارك أو إلى زيارتك فمنعته. فعند ذلك توجه إليه أكبرهم مشيرا بكفه مانعا له قائلا جارك ارفق بجارك فأمسك صاحب الرمح ثم هاج غضبه ثانيا محركا للرمح قائلا ما قاله أولا فأشار إليه الأكبر أيضا كما فعل فأمسك صاحب الرمح. و في المرة الثالثة لم يشعر المزور أن سقط مغشيا عليه و لم يفق إلا في اليوم الثاني أو الثالث و هو في داره أتوا به أقاربه بعد أن فتحوا الباب عند المساء لما رأوه مغلقا فوجدوه كذلك و هم حوله باكون فقص عليهم ما جرى بينه و بين الزائر و الأشخاص و صاح أدركوني بالماء فقد احترقت و هلكت فأخذوا يصبون عليه الماء و هو يستغيث إلى أن كشفوا عن جنبه فرأوا مقدار درهم منه قد أسود و هو يقول قد طعنني صاحب القطعة. فعند ذلك أشخصوه إلى بغداد و عرضوه على الأطباء فعجز الأطباء من علاجه فذهبوا به إلى البصرة و عرضوه على الطبيب الأفرنجي فتحير في علاجه لأنه جس يده فما أحس بما يدل على سوء المزاج و ما رأى ورما و مادة في الموضع المذكور فقال مبتدئا إني أظن أن هذا الشخص قد أساء الأدب مع بعض الأولياء فاشتد بهذا البلاء فلما يئسوا من العلاج رجعوا به إلى بغداد فمات في الرجوع إما في الطريق أو في بغداد و الظاهر أن اسم هذا الخبيث كان حسانا. بغية المريد في الكشف عن أحوال الشهيد للشيخ الفاضل الأجل تلميذه محمد بن علي بن الحسن العودي قال في ضمن وقائع سفر الشهيد رحمه الله من دمشق إلى مصر ما لفظه. و اتفق له في الطريق ألطاف إلهية و كرامات جلية حكى لنا بعضها. منها ما أخبرني به ليلة الأربعاء عاشر ربيع الأول سنة ستين و تسعمائة أنه في الرملة مضى إلى مسجدها المعروف بالجامع الأبيض لزيارة الأنبياء و الذين في الغار وحده فوجد الباب مقفولا و ليس في المسجد أحد فوضع يده على القفل و جذبه فانفتح فنزل إلى الغار و اشتغل بالصلاة و الدعاء و حصل له إقبال على الله بحيث ذهل عن انتقال القافلة فوجدها قد ارتحلت و لم يبق منها أحد فبقي متحيرا في أمره مفكرا في اللحاق مع عجزه عن المشي و أخذ أسبابه و مخافته و أخذ يمشي على أثرها وحده فمشى حتى أعياه التعب فلم يلحقها و لم يرها من البعد فبينما هو في هذا المضيق إذ أقبل عليه رجل لاحق به و هو راكب بغلا فلما وصل إليه قال له اركب خلفي فردفه و مضى كالبرق فما كان إلا قليلا حتى لحق به القافلة و أنزله و قال له اذهب إلى رفقتك و دخل هو في القافلة قال فتحريته مدة الطريق أني أراه ثانيا فما رأيته أصلا و لا قبل ذلك. قال الشيخ الأجل الأكمل الشيخ علي ابن العالم النحرير الشيخ محمد بن المحقق المدقق الشيخ حسن بن العالم الرباني الشهيد الثاني في الدر المنثور في ضمن أحوال والده الأمجد و كان مجاورا بمكة حيا و ميتا أخبرتني زوجته بنت السيد محمد بن أبي الحسن رحمه الله و أم ولده أنه لما توفي كن يسمعن عنده تلاوة القرآن طول تلك الليلة. و مما هو مشهور أنه كان طائفا فجاءه رجل بورد من ورد شتاء ليست في تلك البلاد و لا في ذلك الأوان فقال له من أين أتيت فقال من هذه الخرابات ثم أراد أن يراه بعد ذلك السؤال فلم يره. قلت و نقل نظيره في البحار عن شيخه و أستاذه السيد المؤيد الأمجد الآميرزا محمد الأسترآبادي صاحب الكتب في الرجال و آيات الأحكام و غيرها و يحتمل الاتحاد و كون الوهم من الراوي لاتحاد الاسم و المكان و العمل و الله العالم و هذا المقام من الشيخ المزبور غير بعيد فقد رأينا في ظهر نسخة من شرحه على الاستبصار و كانت من متملكاته و كان في مواضع منها خطه و في ظهره خط ولده المذكور ما صورته انتقل مصنف هذا الكتاب و هو الشيخ السعيد الحميد بقية العلماء الماضين و خلف الكملاء الراسخين أعني شيخنا و مولانا و من استفدنا من بركاته العلوم الشرعية من الحديث و الفروع و الرجال و غيره الشيخ محمد بن الشهيد الثاني من دار الغرور إلى دار السرور ليلة الاثنين العاشر من شهر ذي القعدة الحرام سنة ألف و ثلاثين من هجرة سيد المرسلين و قد سمعت منه (قدس الله روحه) قبيل انتقاله بأيام قلائل مشافهة و هو يقول لي إني أنتقل في هذه الأيام عسى الله أن يعينني عليها و كذا سمعه غيري و ذلك في مكة المشرفة و دفناه برد الله مضجعه في المعلى قريبا من مزار خديجة الكبرى حرره الفقير إلى الله الغني حسين بن حسن العاملي المشغري عامله الله بلطفه الخفي و الجلي بالنبي و الولي و الصحب الوفي في التأريخ المذكور و نقل في الدر المنثور هذه العبارة عن النسخة المذكورة التي كانت عنده و رزقنا الله زيارته. و في أمل الآمل الشيخ حسين بن الحسن العاملي المشغري كان فاضلا صالحا جليل القدر شاعرا أديبا قرأ علي. ما في كتاب الدمعة الساكبة لبعض الصلحاء من المعاصرين في آخر اللمعة الأولى من النور السادس منه في معجزات الحجة ع. قال فالأولى أن يختم الكلام بذكر ما شاهدته في سالف الأيام و هو أنه أصاب ثمرة فؤادي و من انحصرت فيه ذكور أولادي قرة عيني على محمد حفظه الله الفرد الصمد مرض يزداد آنا فآنا و يشتد فيورثني أحزانا و أشجانا إلى أن حصل للناس من برئه اليأس و كانت العلماء و الطلاب و السادات الأنجاب يدعون له بالشفاء في مظان استجابة الدعوات كمجالس التعزية و عقيب الصلوات. فلما كانت الليلة الحادية عشرة من مرضه اشتدت حاله و ثقلت أحواله و زاد اضطرابه و كثر التهابه فانقطعت بي الوسيلة و لم يكن لنا في ذلك حيلة فالتجأت بسيدنا القائم عجل الله ظهوره و أرانا نوره فخرجت من عنده و أنا في غاية الاضطراب و نهاية الالتهاب و صعدت سطح الدار و ليس لي قرار و توسلت به عليه السلام خاشعا و انتدبت خاضعا و ناديته متواضعا و أقول يا صاحب الزمان أغثني يا صاحب الزمان أدركني متمرغا في الأرض و متدحرجا في الطول و العرض ثم نزلت و دخلت عليه و جلست بين يديه فرأيته مستقر الأنفاس مطمئن الحواس قد بله العرق لا بل أصابه الغرق فحمدت الله و شكرت نعماءه التي تتوالى فألبسه الله تعالى لباس العافية ببركته ع. العالم الفاضل السيد عليخان الحويزاوي في كتاب خير المقال عند ذكر من رأى القائم عليه السلام قال فمن ذلك ما حدثني به رجل من أهل الإيمان ممن أثق به أنه حج مع جماعة على طريق الأحساء في ركب قليل فلما رجعوا كان معهم رجل يمشي تارة و يركب أخرى فاتفق أنهم أولجوا في بعض المنازل أكثر من غيره و لم يتفق لذلك الرجل الركوب فلما نزلوا للنوم و استراحوا ثم رحلوا من هناك لم يتنبه ذلك الرجل من شدة التعب الذي أصابه و لم يفتقدوه هم و بقي نائما إلى أن أيقظه حر الشمس. فلما انتبه لم ير أحدا فقام يمشي و هو موقن بالهلاك فاستغاث بالمهدي عليه السلام فبينما هو كذلك فإذا هو برجل في زي أهل البادية راكب ناقته قال فقال يا هذا أنت منقطع بك قال فقلت نعم قال فقال أ تحب أن ألحقك برفقائك قال قلت هذا و الله مطلوبي لا سواه فقرب مني و أناخ ناقته و أردفني خلفه و مشى فما مشينا خطا يسيرة إلا و قد أدركنا الركب فلما قربنا منهم أنزلني و قال هؤلاء رفقاؤك ثم تركني و ذهب. و فيه و من ذلك ما حدثني به رجل من أهل الإيمان من أهل بلادنا يقال له الشيخ قاسم و كان كثير السفر إلى الحج قال تعبت يوما من المشي فنمت تحت شجرة فطال نومي و مضى عني الحاج كثيرا فلما انتبهت علمت من الوقت أن نومي قد طال و أن الحاج بعد عني و صرت لا أدري إلى أين أتوجه فمشيت على الجهة و أنا أصيح بأعلى صوتي يا أبا صالح قاصدا بذلك صاحب الأمر عليه السلام كما ذكره ابن طاوس في كتاب الأمان فيما يقال عند إضلال الطريق. فبينا أنا أصيح كذلك و إذا براكب على ناقة و هو على زي البدو فلما رآني قال لي أنت منقطع عن الحاج فقلت نعم فقال اركب خلفي لألحقك بهم فركبت خلفه فلم يكن إلا ساعة و إذا قد أدركنا الحاج فلما قربنا أنزلني و قال لي امض لشأنك فقلت له إن العطش قد أضر بي فأخرج من شداده ركوة فيها ماء و سقاني منه فو الله إنه ألذ و أعذب ماء شربته. ثم إني مشيت حتى دخلت الحاج و التفت إليه فلم أره و لا رأيته في الحاج قبل ذلك و لا بعده حتى رجعنا.. قلت إن الأصحاب ذكروا أمثال هذه الوقائع في باب من رآه عليه السلام بناء منهم على أن إغاثة الملهوف كذلك في الفلوات و صدور هذه المعجزات و الكرامات لا يتيسر لأحد إلا لخليفة الله في البريات بل هو من مناصبه الإلهية كما يأتي في الفائدة الأولى و أبو صالح كنيته عند عامة العرب يكنونه به في أشعارهم و مراثيهم و ندبهم و الظاهر أنهم أخذوه من الخبر المذكور و أنه عليه السلام المراد من أبي صالح الذي هو مرشد الضال في الطريق و لو نوقش في ذلك و ادعي إمكان صدورها من بعض الصلحاء و الأولياء فهو أيضا يدل على المطلوب إذ لا يستغيث شيعته و مواليه عليه السلام إلا من هو منهم و واسطة بينهم و بين إمامهم الغائب عنهم بل هو من رجاله و خاصته و حواشيه و أهل خدمته فالمضطر رأى من رآه ع. و قال الشيخ الكفعمي رحمه الله في هامش جنته عند ذكر دعاء أم داود قيل إن الأرض لا يخلو من القطب و أربعة أوتاد و أربعين أبدالا و سبعين نجيبا و ثلاثمائة و ستين صالحا فالقطب هو المهدي عليه السلام و لا يكون الأوتاد أقل من أربعة لأن الدنيا كالخيمة و المهدي كالعمود و تلك الأربعة أطنابها و قد يكون الأوتاد أكثر من أربعة و الأبدال أكثر من أربعين و النجباء أكثر من سبعين و الصلحاء أكثر من ثلاث مائة و ستين و الظاهر أن الخضر و إلياس من الأوتاد فهما ملاصقان لدائرة القطب. و أما صفة الأوتاد فهم قوم لا يغفلون عن ربهم طرفة عين و لا يجمعون من الدنيا إلا البلاغ و لا تصدر منهم هفوات الشر و لا يشترط فيهم العصمة من السهو و النسيان بل من فعل القبيح و يشترط ذلك في القطب. و أما الأبدال فدون هؤلاء في المراقبة و قد تصدر منهم الغفلة فيتداركونها بالتذكر و لا يتعمدون ذنبا. و أما النجباء فهم دون الأبدال. و أما الصلحاء فهم المتقون الموفون بالعدالة و قد يصدر منهم الذنب فيتداركونه بالاستغفار و الندم قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذا مَسَّهُمْ طائِفٌ مِنَ الشَّيْطانِ تَذَكَّرُوا فَإِذا هُمْ مُبْصِرُونَ جعلنا الله من قسم الأخير لأنا لسنا من الأقسام الأول لكن ندين الله بحبهم و ولايتهم و من أحب قوما حشر معهم. و قيل إذا نقص أحد من الأوتاد الأربعة وضع بدله من الأربعين و إذا نقص أحد من الأربعين وضع بدله من السبعين و إذا نقص أحد من السبعين وضع بدله من الثلاثمائة و ستين و إذا نقص أحد من الثلاثمائة و ستين وضع بدله من سائر الناس. حدثني العالم الفاضل الصالح الورع في الدين الآميرزا حسين اللاهيجي المجاور للمشهد الغروي أيده الله و هو من الصلحاء الأتقياء و الثقة الثبت عند العلماء قال حدثني العالم الصفي المولى زين العابدين السلماسي المتقدم ذكره (قدس الله روحه) أن السيد الجليل بحر العلوم أعلى الله مقامه ورد يوما في حرم أمير المؤمنين عليه آلاف التحية و السلام فجعل يترنم بهذا المصرع. چه خوش است صوت قرآن* * * ز تو دل ربا شنيدن. فسئل رحمه الله عن سبب قراءته هذا المصرع فقال لما وردت في الحرم المطهر رأيت الحجة عليه السلام جالسا عند الرأس يقرأ القرآن بصوت عال فلما سمعت صوته قرأت المصرع المزبور و لما وردت الحرم ترك قراءة القرآن و خرج من الحرم الشريف. رأيت في ملحقات كتاب أنيس العابدين و هو كتاب كبير في الأدعية و الأوراد ينقل عنه العلامة المجلسي في المجلد التاسع عشر من البحار و الآميرزا عبد الله تلميذه في الصحيفة الثالثة ما لفظه نُقِلَ عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ (رحمه اللّه) أَنَّهُ سَمِعَ سَحَراً فِي السِّرْدَابِ عَنْ صَاحِبِ الْأَمْرِ عليه السلام أَنَّهُ يَقُولُ اللَّهُمَّ إِنَّ شِيعَتَنَا خُلِقَتْ مِنْ شُعَاعِ أَنْوَارِنَا وَ بَقِيَّةِ طِينَتِنَا وَ قَدْ فَعَلُوا ذُنُوباً كَثِيرَةً اتِّكَالًا عَلَى حُبِّنَا وَ وَلَايَتِنَا فَإِنْ كَانَتْ ذُنُوبُهُمْ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ فَقَدْ رَضِينَا وَ مَا كَانَ مِنْهَا فِيمَا بَيْنَهُمْ فَأَصْلِحْ بَيْنَهُمْ وَ قَاصَّ بِهَا عَنْ خُمُسِنَا وَ أَدْخِلْهُمُ الْجَنَّةَ وَ زَحْزِحْهُمْ عَنِ النَّارِ وَ لَا تَجْمَعْ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ أَعْدَائِنَا فِي سَخَطِكَ قلت و يوجد في غير واحد من مؤلفات جملة من المتأخرين الذين قاربنا عصرهم و المعاصرين هذه الحكاية بعبارة تخالف العبارة الأولى و هي هكذا اللهم إن شيعتنا منا خلقوا من فاضل طينتنا و عجنوا بماء ولايتنا اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبنا و ولائنا يوم القيامة و لا تؤاخذهم بما اقترفوه من السيئات إكراما لنا و لا تقاصهم يوم القيامة مقابل أعدائنا فإن خففت موازينهم فثقلها بفاضل حسناتنا. و لم نجد أحدا منهم إلى الآن أسند هذه الحكاية إلى أحد رواها عن السيد أو رآها في واحد من كتبه و لا نقله العلامة المجلسي و معاصروه و من تقدم عليه إلى عهد السيد و لا يوجد في شيء من كتبه الموجودة التي لم يكن عندهم أزيد منها نعم الموجود في أواخر المهج و قد نقله في البحار أيضا هكذا كنت أنا بسرمنرأى فسمعت سحرا دعاء القائم عليه السلام فحفظت منه من الدعاء لمن ذكره الأحياء و الأموات و أبقهم أو قال و أحيهم في عزنا و ملكنا و سلطاننا و دولتنا و كان ذلك في ليلة الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة سنة ثمان و ثلاثين و ستمائة. و أظن و إن كان بعض الظن إثما أن ما نقلناه أولا مأخوذ من كلام الحافظ الشيخ رجب البرسي و نقل كلماته بالمعنى فإنه قال في أواخر مشارق الأنوار بعد نقل كلام المهج إلى قوله ملكنا ما لفظه و مملكتنا و إن كان شيعتهم منهم و إليهم و عنايتهم مصروفة إليهم فكأنه عليه السلام يقول. اللهم إن شيعتنا منا و مضافين إلينا و إنهم قد أساءوا و قد قصروا و أخطئوا رأونا صاحبا لهم رضا منهم و قد تقبلنا عنهم بذنوبهم و تحملنا خطاياهم لأن معولهم علينا و رجوعهم إلينا فصرنا لاختصاصهم بنا و اتكالهم علينا كانا أصحاب الذنوب إذ العبد مضاف إلى سيده و معول المماليك إلى مواليهم. اللهم اغفر لهم من الذنوب ما فعلوه اتكالا على حبنا و طمعا في ولايتنا و تعويلا على شفاعتنا و لا تفضحهم بالسيئات عند أعدائنا و ولنا أمرهم في آخره كما وليتنا أمرهم في الدنيا و إن أحبطت أعمالهم فثقل موازينهم بولايتنا و ارفع درجاتهم بمحبتنا انتهى.. و هذه الكلمات كما ترى من تلفيقاته شرحا لكلمات الإمام عليه السلام تقارب العبارة الشائعة و عصره قريب من عصر السيد و حرصه على ضبط مثل هذه الكلمات أشد من غيره فهو أحق بنقلها من غيره لو صحت الرواية و صدقت النسبة و إن لم يكن بعيدا من مقام السيد بعد كلام مهجه بل له في كتاب كشف المحجة كلمات تنبئ عن أمر عظيم و مقام كريم. منها قوله و اعلم يا ولدي محمد ألهمك الله ما يريده منك و يرضى به عنك أن غيبة مولانا المهدي (صلوات اللّه عليه) التي تحيرت المخالف و بعض المؤالف هي من جملة الحجج على ثبوت إمامته و إمامة آبائه الطاهرين صلوات الله على جده محمد و عليهم أجمعين لأنك إذا وقفت على كتب الشيعة و غيرهم مثل كتاب الغيبة لابن بابويه و كتاب الغيبة للنعماني و مثل كتاب الشفاء و الجلاء و مثل كتاب أبي نعيم الحافظ في أخبار المهدي و نعوته و حقيقة مخرجه و ثبوته و الكتب التي أشرت إليها في الطوائف وجدتها أو أكثرها تضمنت قبل ولادته أنه يغيب عليه السلام غيبة طويلة حتى يرجع عن إمامته بعض من كان يقول بها فلو لم يغب هذه الغيبة كان طعنا في إمامة آبائه و فيه فصارت الغيبة حجة لهم عليه السلام و حجة له على مخالفيه في ثبوت إمامته و صحة غيبته مع أنه عليه السلام حاضر مع الله على اليقين و إنما غاب من لم يلقه عنهم لغيبتهم عن حضرة المتابعة له و لرب العالمين. و منها قوله فيه و إن أدركت يا ولدي موافقة توفيقك لكشف الأسرار عليك عرفتك من حديث المهدي (صلوات اللّه عليه) ما لا يشتبه عليك و تستغني بذلك عن الحجج المعقولات و من الروايات فإنه صلى الله عليه وآله وسلم حي موجود على التحقيق و معذور عن كشف أمره إلى أن يأذن له تدبير الله الرحيم الشفيق كما جرت عليه عادة كثير من الأنبياء و الأوصياء فاعلم ذلك يقينا و اجعله عقيدة و دينا فإن أباك عرفه أبلغ من معرفة ضياء شمس السماء. و منها قوله و اعلم يا ولدي محمد زين الله جل جلاله سرائرك و ظواهرك بموالاة أوليائه و معاداة أعدائه أنني كنت لما بلغتني ولادتك بمشهد الحسين عليه السلام في زيارة عاشوراء قمت بين يدي الله جل جلاله مقام الذل و الانكسار و الشكر لما رأفني به من ولادتك من المسار و المبار و جعلتك بأمر الله جل جلاله عبد مولانا المهدي عليه السلام و متعلقا عليه و قد احتجنا كم مرة عند حوادث حدث لك إليه و رأيناه في عدة مقامات في مناجات و قد تولى قضاء حوائجك بإنعام عظيم في حقنا و حقك لا يبلغ وصفي إليه. فكن في موالاته و الوفاء له و تعلق الخاطر به على قدر مراد الله جل جلاله و مراد رسوله و مراد آبائه عليهم السلام و مراده عليه السلام منك و قدم حوائجه على حوائجك عند صلاة الحاجات و الصدقة عنه قبل الصدقة عنك و عمن يعز عليك و الدعاء له قبل الدعاء لك و قدمه عليه السلام في كل خير يكون وفاء له و مقتضيا لإقباله عليك و إحسانه إليك و اعرض حاجاتك عليه كل يوم الإثنين و يوم الخميس من كل أسبوع بما يجب له من أدب الخضوع. و منها قوله بعد تعليم ولده كيفية عرض الحاجة إليه عليه السلام و اذكر له أن أباك قد ذكر لك أنه أوصى به إليك و جعلك بإذن الله جل جلاله عبده و أنني علقتك عليه فإنه يأتيك جوابه صلوات الله و سلامه عليه. و مما أقول لك يا ولدي محمد ملأ الله جل جلاله عقلك و قلبك من التصديق لأهل الصدق و التوفيق في معرفة الحق إن طريق تعريف الله جل جلاله لك بجواب مولانا المهدي صلوات الله و سلامه عليه على قدرته جل جلاله و رحمته. فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ فِي كِتَابِ الْوَسَائِلِ عَمَّنْ سَمَّاهُ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام أَنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى إِمَامِهِ مَا يُحِبُّ أَنْ يُفْضِيَ بِهِ إِلَى رَبِّهِ قَالَ فَكَتَبَ إِنْ كَانَتْ لَكَ حَاجَةٌ فَحَرِّكْ شَفَتَيْكَ فَإِنَّ الْجَوَابَ يَأْتِيكَ. وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ الرَّاوَنْدِيُّ فِي كِتَابِ الْخَرَائِجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَرَجِ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ عليه السلام إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَسْأَلَ مَسْأَلَةً فَاكْتُبْهَا وَ ضَعِ الْكِتَابَ تَحْتَ مُصَلَّاكَ وَ دَعْهُ سَاعَةً ثُمَّ أَخْرِجْهُ وَ انْظُرْ فِيهِ قَالَ فَفَعَلْتُ فَوَجَدْتُ مَا سَأَلْتُهُ عَنْهُ مُوَقَّعاً فِيهِ وَ قَدِ اقْتَصَرْتُ لَكَ عَلَى هَذَا التَّنْبِيهِ وَ الطَّرِيقُ مَفْتُوحَةٌ إِلَى إِمَامِكَ لِمَنْ يُرِيدُ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ عِنَايَتَهُ بِهِ وَ تَمَامَ إِحْسَانِهِ إِلَيْهِ. و منها قوله في آخر الكتاب ثم ما أوردناه بالله جل جلاله من هذه الرسالة ثم عرضناه على قبول واهبه صاحب الجلالة نائبه عليه السلام في النبوة و الرسالة و ورد الجواب في المنام بما يقتضي حصول القبول و الإنعام و الوصية بأمرك و الوعد ببرك و ارتفاع قدرك انتهى. و عليك بالتأمل في هذه الكلمات التي تفتح لك أبوابا من الخير و السعادات و يظهر منها عدم استبعاد كل ما ينسب إليه من هذا الباب و الله الموفق لكل خير و ثواب. قال العالم الفاضل المتبحر النبيل الصمداني الحاج المولى رضا الهمداني في المفتاح الأول من الباب الثالث من كتاب مفتاح النبوة في جملة كلام له في أن الحجة عليه السلام قد يظهر نفسه المقدسة لبعض خواص الشيعة أنه عليه السلام قد أظهر نفسه الشريفة قبل هذا بخمسين سنة لواحد من العلماء المتقين المولى عبد الرحيم الدماوندي الذي ليس لأحد كلام في صلاحه و سداده. قال و قال هذا العالم في كتابه إني رأيته عليه السلام في داري في ليلة مظلمة جدا بحيث لا تبصر العين شيئا واقفا في جهة القبلة و كان النور يسطع من وجهه المبارك حتى أني كنت أرى نقوش الفراش بهذا النور. في كتاب المقامات للعالم الجليل المحدث السيد نعمة الله الجزائري حكاية أخرى حدثني رجل من أوثق إخواني في شوشتر في دارنا القريبة من المسجد الأعظم قال لما كنا في بحور الهند تعاطينا عجائب البحر فحكى لنا رجل من الثقات قال روى من أعتمد عليه أنه كان منزله في بلد على ساحل البحر و كان بينهم و بين جزيرة من جزائر البحر مسير يوم أو أقل و في تلك الجزيرة مياههم و حطبهم و ثمارهم و ما يحتاجون إليه فاتفق أنهم على عادتهم ركبوا في سفينة قاصدين تلك الجزيرة و حملوا معهم زاد يوم. فلما توسطوا البحر أتاهم ريح عدلهم عن ذلك القصد و بقوا على تلك الحالة تسعة أيام حتى أشرفوا على الهلاك من قلة الماء و الطعام ثم إن الهوى رماهم في ذلك اليوم على جزيرة في البحر فخرجوا إليها و كان فيها المياه العذبة و الثمار الحلوة و أنواع الشجر فبقوا فيها نهارا ثم حملوا منها ما يحتاجون إليه و ركبوا سفينتهم و دفعوا. فلما بعدوا عن الساحل نظروا إلى رجل منهم بقي في الجزيرة فناداهم و لم يتمكنوا من الرجوع فرأوه قد شد حزمة حطب و وضعها تحت صدره و ضرب البحر عليها قاصدا لحوق السفينة فحال الليل بينهم و بينه و بقي في البحر. و أما أهل السفينة فما وصلوا إلا بعد مضي أشهر فلما بلغوا أهلهم أخبروا أهل ذلك الرجل فأقاموا مأتمه فبقوا على ذلك عاما أو أكثر ثم رأوا أن ذلك الرجل قدم إلى أهله فتباشروا به و جاء إليه أصحابه فقص عليهم قصته. فقال لما حال الليل بيني و بينكم بقيت تقلبني الأمواج و أنا على الحزمة يومين حتى أوقعتني على جبل في الساحل فتعلقت بصخرة
بحار الأنوار - ج ٥٣ - الصفحة ١٩٧. — الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
أَتَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَبْلَ مَقْتَلِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ رَجُلٌ مِنْ أَشْرَافِ تَمِيمٍ يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنِي عَنْ أَصْحَابِ الرَّسِّ فِي أَيِّ عَصْرٍ كَانُوا وَ أَيْنَ كَانَتْ مَنَازِلُهُمْ وَ مَنْ كَانَ مَلِكُهُمْ وَ هَلْ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ رَسُولًا أَمْ لَا وَ بِمَا ذَا أُهْلِكُوا فَإِنِّي أَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ ذِكْرَهُمْ وَ لَا أَجِدُ خَبَرَهُمْ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ عليه السلام لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ حَدِيثٍ مَا سَأَلَنِي عَنْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ وَ لَا يُحَدِّثُكَ بِهِ أَحَدٌ بَعْدِي إِلَّا عَنِّي وَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ آيَةٌ إِلَّا وَ أَنَا أَعْرِفُ تَفْسِيرَهَا وَ فِي أَيِّ مَكَانٍ نَزَلَتْ مِنْ سَهْلٍ أَوْ جَبَلٍ وَ فِي أَيِّ وَقْتٍ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ وَ إِنَّ هَاهُنَا لَعِلْماً جَمّاً وَ أَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ وَ لَكِنَّ طُلَّابَهُ يَسِيرٌ وَ عَنْ قَلِيلٍ يَنْدَمُونَ لَوْ قَدْ فَقَدُونِي كَانَ مِنْ قِصَّتِهِمْ يَا أَخَا تَمِيمٍ أَنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً يَعْبُدُونَ شَجَرَةَ صَنَوْبَرٍ يُقَالُ لَهَا شَاهْدِرَخْتُ كَانَ يَافِثُ بْنُ نُوحٍ غَرَسَهَا عَلَى شَفِيرِ عَيْنٍ يُقَالُ لَهَا وَشْنَابُ كَانَتْ أُنْبِطَتْ لِنُوحٍ عليه السلام بَعْدَ الطُّوفَانِ وَ إِنَّمَا سُمُّوا أَصْحَابَ الرَّسِّ لِأَنَّهُمْ رَسُّوا نَبِيَّهُمْ فِي الْأَرْضِ وَ ذَلِكَ بَعْدَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ عليه السلام وَ كَانَتْ لَهُمُ اثْنَتَا عَشْرَةَ قَرْيَةً عَلَى شَاطِئِ نَهَرٍ يُقَالُ لَهُ الرَّسُّ مِنْ بِلَادِ الْمَشْرِقِ وَ بِهِمْ سُمِّيَ ذَلِكَ النَّهَرُ وَ لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ فِي الْأَرْضِ نَهَرٌ أَغْزَرُ مِنْهُ وَ لَا أَعْذَبُ مِنْهُ وَ لَا قُرًى أَكْثَرُ وَ لَا أَعْمَرُ مِنْهَا تُسَمَّي إِحْدَاهُنَّ آبَانَ وَ الثَّانِيَةُ آذَرَ وَ الثَّالِثَةُ دِي وَ الرَّابِعَةُ بَهْمَنَ وَ الْخَامِسَةُ إِسْفَنْدَارَ وَ السَّادِسَةُ فَرْوَرْدِينَ وَ السَّابِعَةُ أُرْدِيبِهِشْتَ وَ الثَّامِنَةُ أَرْدَادَ وَ التَّاسِعَةُ مُرْدَادَ وَ الْعَاشِرَةُ تِيرَ وَ الْحَادِيَةَ عَشَرَ مِهْرَ وَ الثَّانِيَةَ عَشَرَ شَهْرِيوَرَ وَ كَانَتْ أَعْظَمَ مَدَائِنِهِمْ إِسْفَنْدَارُ وَ هِيَ الَّتِي يَنْزِلُهَا مَلِكُهُمْ وَ كَانَ يُسَمَّى تُرْكُوزَ بْنَ غَابُورَ بْنِ يَارِشَ بْنِ سَازَنَ بْنِ نُمْرُودَ بْنِ كَنْعَانَ فِرْعَوْنَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام وَ بِهَا الْعَيْنُ وَ الصَّنَوْبَرَةُ وَ قَدْ غَرَسُوا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ مِنْهَا حَبَّةً مِنْ طَلْعِ تِلْكَ الصَّنَوْبَرَةِ وَ أَجْرَوْا إِلَيْهَا نَهَراً مِنَ الْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَ الصَّنَوْبَرَةِ فَنَبَتَتِ الْحَبَّةُ وَ صَارَتْ شَجَرَةً عَظِيمَةً وَ حَرَّمُوا مَاءَ الْعَيْنِ وَ الْأَنْهَارِ فَلَا يَشْرَبُونَ مِنْهَا وَ لَا أَنْعَامُهُمْ وَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَتَلُوهُ وَ يَقُولُونَ هُوَ حَيَاةُ آلِهَتِنَا فَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ حَيَاتِهَا وَ يَشْرَبُونَ هُمْ وَ أَنْعَامُهُمْ مِنْ نَهَرِ الرَّسِّ الَّذِي عَلَيْهِ قُرَاهُمْ وَ قَدْ جَعَلُوا فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنَ السَّنَةِ فِي كُلِّ قَرْيَةٍ عِيداً يَجْتَمِعُ إِلَيْهِ أَهْلُهَا فَيَضْرِبُونَ عَلَى الشَّجَرَةِ الَّتِي بِهَا كِلَّهٌ مِنْ حَرِيرٍ فِيهَا مِنْ أَنْوَاعِ الصُّوَرِ ثُمَّ يَأْتُونَ بِشَاهٍ وَ بَقَرٍ فَيَذْبَحُونَهَا قُرْبَاناً لِلشَّجَرَةِ وَ يُشْعِلُونَ فِيهَا النِّيرَانَ بِالْحَطَبِ فَإِذَا سَطَعَ دُخَانُ تِلْكَ الذَّبَائِحِ وَ قُتَارُهَا فِي الْهَوَاءِ وَ حَالَ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ النَّظَرِ إِلَى السَّمَاءِ خَرُّوا لِلشَّجَرَةِ سُجَّداً وَ يَبْكُونَ وَ يَتَضَرَّعُونَ إِلَيْهَا أَنْ تَرْضَى عَنْهُمْ فَكَانَ الشَّيْطَانُ يَجِيءُ فَيُحَرِّكُ أَغْصَانَهَا وَ يَصِيحُ مِنْ سَاقِهَا صِيَاحَ الصَّبِيِّ أَنْ قَدْ رَضِيتُ عَنْكُمْ عِبَادِي فَطِيبُوا نَفْساً وَ قَرُّوا عَيْناً فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ وَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَ يَضْرِبُونَ بِالْمَعَازِفِ وَ يَأْخُذُونَ الدَّسْتْبَنْدَ فَيَكُونُونَ عَلَى ذَلِكَ يَوْمَهُمْ وَ لَيْلَتَهُمْ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ وَ إِنَّمَا سَمَّتِ الْعَجَمُ شُهُورَهَا بِآبَانْ مَاهْ وَ آذَرْ مَاهْ وَ غَيْرِهِمَا اشْتِقَاقاً مِنْ أَسْمَاءِ تِلْكَ الْقُرَى لِقَوْلِ أَهْلِهَا بَعْضٍ لِبَعْضٍ هَذَا عِيدُ شَهْرِ كَذَا وَ عِيدُ شَهْرِ كَذَا حَتَّى إِذَا كَانَ عِيدُ قَرْيَتِهِمُ الْعُظْمَى اجْتَمَعَ إِلَيْهِمْ صَغِيرُهُمْ وَ كَبِيرُهُمْ فَضَرَبُوا عِنْدَ الصَّنَوْبَرَةِ وَ الْعَيْنِ سُرَادِقاً مِنْ دِيبَاجٍ عَلَيْهِ مِنْ أَنْوَاعِ الصُّوَرِ لَهُ اثْنَا عَشَرَ بَاباً كُلُّ بَابٍ لِأَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهُمْ وَ يَسْجُدُونَ لِلصَّنَوْبَرَةِ خَارِجاً مِنَ السُّرَادِقِ وَ يُقَرِّبُونَ لَهَا الذَّبَائِحَ أَضْعَافَ مَا قَرَّبُوا لِلشَّجَرَةِ فِي قُرَاهُمْ فَيَجِيءُ إِبْلِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيُحَرِّكُ الصَّنَوْبَرَةَ تَحْرِيكاً شَدِيداً فَيَتَكَلَّمُ مِنْ جَوْفِهَا كَلَاماً جَهْوَرِيّاً وَ يَعِدُهُمْ وَ يُمَنِّيهِمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا وَعَدَتْهُمْ وَ مَنَّتْهُمُ الشَّيَاطِينُ كُلُّهَا فَيَرْفَعُونَ رُءُوسَهُمْ مِنَ السُّجُودِ وَ بِهِمْ مِنَ الْفَرَحِ وَ النَّشَاطِ مَا لَا يُفِيقُونَ وَ لَا يَتَكَلَّمُونَ مِنَ الشُّرْبِ وَ الْعَزْفِ فَيَكُونُونَ عَلَى ذَلِكَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْماً وَ لَيَالِيَهَا بِعَدَدِ أَعْيَادِهِمْ سَائِرَ السَّنَةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ فَلَمَّا طَالَ كُفْرُهُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ عِبَادَتُهُمْ غَيْرَهُ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ نَبِيّاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ وُلْدِ يَهُودَا بْنِ يَعْقُوبَ فَلَبِثَ فِيهِمْ زَمَاناً طَوِيلًا يَدْعُوهُمْ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ فَلَا يَتَّبِعُونَهُ فَلَمَّا رَأَى شِدَّةَ تَمَادِيهِمْ فِي الْغَيِّ وَ الضَّلَالِ وَ تَرْكَهُمْ قَبُولَ مَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الرُّشْدِ وَ النَّجَاحِ وَ حَضَرَ عِيدُ قَرْيَتِهِمُ الْعُظْمَى قَالَ يَا رَبِّ إِنَّ عِبَادَكَ أَبَوْا إِلَّا تَكْذِيبِي وَ الْكُفْرَ بِكَ وَ غَدَوْا يَعْبُدُونَ شَجَرَةً لَا تَنْفَعُ وَ لَا تَضُرُّ فَأَيْبِسْ شَجَرَهُمْ أَجْمَعَ وَ أَرِهِمْ قُدْرَتَكَ وَ سُلْطَانَكَ فَأَصْبَحَ الْقَوْمُ وَ قَدْ يَبِسَ شَجَرُهُمْ كُلُّهَا فَهَالَهُمْ ذَلِكَ وَ قُطِعَ بِهِمْ وَ صَارُوا فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةٌ قَالَتْ سَحَرَ آلِهَتَكُمْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ رَسُولُ رَبِّ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ لِيَصْرِفَ وُجُوهَكُمْ عَنْ آلِهَتِكُمْ إِلَى إِلَهِهِ وَ فِرْقَةٌ قَالَتْ لَا بَلْ غَضِبَتْ آلِهَتُكُمْ حِينَ رَأَتْ هَذَا الرَّجُلَ يَعِيبُهَا وَ يَقَعُ فِيهَا وَ يَدْعُوكُمْ إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِهَا فَحَجَبَتْ حُسْنَهَا وَ بَهَاءَهَا لِكَيْ تَغْضَبُوا لَهَا فَتَنْتَصِرُوا مِنْهُ فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى قَتْلِهِ فَاتَّخَذُوا أَنَابِيبَ طِوَالًا مِنْ رَصَاصٍ وَاسِعَةَ الْأَفْوَاهِ ثُمَّ أَرْسَلُوهَا فِي قَرَارِ الْعَيْنِ إِلَى أَعْلَى الْمَاءِ وَاحِدَةً فَوْقَ الْأُخْرَى مِثْلَ الْبَرَابِخِ وَ نَزَحُوا مَا فِيهَا مِنَ الْمَاءِ ثُمَّ حَفَرُوا فِي قَرَارِهَا بِئْراً ضَيِّقَةَ الْمَدْخَلِ عَمِيقَةً وَ أَرْسَلُوا فِيهَا نَبِيَّهُمْ وَ أَلْقَمُوا فَاهَا صَخْرَةً عَظِيمَةً ثُمَّ أَخْرَجُوا الْأَنَابِيبَ مِنَ الْمَاءِ وَ قَالُوا نَرْجُو الْآنَ أَنْ تَرْضَى عَنَّا آلِهَتُنَا إِذَا رَأَتْ أَنَّا قَدْ قَتَلْنَا مَنْ كَانَ يَقَعُ فِيهَا وَ يَصُدُّ عَنْ عِبَادَتِهَا وَ دَفَنَّاهُ تَحْتَ كَبِيرِهَا يَتَشَفَّى مِنْهُ فَيَعُودُ لَنَا نُورُهَا وَ نَضْرَتُهَا كَمَا كَانَ فَبَقُوا عَامَّةَ يَوْمِهِمْ يَسْمَعُونَ أَنِينَ نَبِيِّهِمْ عليه السلام وَ هُوَ يَقُولُ سَيِّدِي قَدْ تَرَى ضِيقَ مَكَانِي وَ شِدَّةَ كَرْبِي فَارْحَمْ ضَعْفَ رُكْنِي وَ قِلَّةَ حِيلَتِي وَ عَجِّلْ بِقَبْضِ رُوحِي وَ لَا تُؤَخِّرْ إِجَابَةَ دَعْوَتِي حَتَّى مَاتَ عليه السلام فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ لِجَبْرَئِيلَ عليه السلام يَا جَبْرَئِيلُ أَ يَظُنُّ عِبَادِي هَؤُلَاءِ الَّذِينَ غَرَّهُمْ حِلْمِي وَ أَمِنُوا مَكْرِي وَ عَبَدُوا غَيْرِي وَ قَتَلُوا رَسُولِي أَنْ يَقُومُوا لِغَضَبِي أَوْ يَخْرُجُوا مِنْ سُلْطَانِي كَيْفَ وَ أَنَا الْمُنْتَقِمُ مِمَّنْ عَصَانِي وَ لَمْ يَخْشَ عِقَابِي وَ إِنِّي حَلَفْتُ بِعِزَّتِي وَ جَلَالِي لَأَجْعَلَنَّهُمْ عِبْرَةً وَ نَكَالًا لِلْعَالَمِينَ فَلَمْ يَرُعْهُمْ وَ هُمْ فِي عِيدِهِمْ ذَلِكَ إِلَّا بِرِيحٍ عَاصِفٍ شَدِيدَةِ الْحُمْرَةِ فَتَحَيَّرُوا فِيهَا وَ ذُعِرُوا مِنْهَا وَ تَضَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ ثُمَّ صَارَتِ الْأَرْضُ مِنْ تَحْتِهِمْ حَجَرَ كِبْرِيتٍ يَتَوَقَّدُ وَ أَظَلَّتْهُمْ سَحَابَةٌ سَوْدَاءُ فَأَلْقَتْ عَلَيْهِمْ كَالْقُبَّةِ جَمْراً يَلْتَهِبُ فَذَابَتْ أَبْدَانُهُمْ كَمَا يَذُوبُ الرَّصَاصُ فِي النَّارِ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ مِنْ غَضَبِهِ وَ نُزُولِ نَقِمَتِهِ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. بيان: قال الجوهري رسست رسا أي حفرت بئرا و رس الميت أي قبر انتهى و الكلة بالكسر الستر الرقيق يخاط كالبيت يتوقى فيه من البق و القتار بالضم ريح البخور و القدر و الشواء و المعازف الملاهي و كأن المراد بالدستنبد ما يسمى بالفارسية بالسنج أيضا أو المراد التزين بالأسورة و يقال كلام جهوري أي عال و في القاموس قطع بزيد كعني فهو مقطوع به عجز عن سفره بأي سبب كان أو حيل بينه و بين ما يؤمله و البربخ بالباءين الموحدتين و الخاء المعجمة ما يعمل من الخزف للبئر و مجاري الماء. الأولى اعلم أن الأسماء المذكورة في خبر المعلى لأيام الشهر أكثرها موافق لما نقله المنجمون عن الفرس و ظاهر في أن المراد بالشهور الواردة فيه هي شهور الفرس القديم لا الشهور العربية و قد تقدم القول فيه و سموا كل يوم من أيام الخمسة المسترقة أيضا باسم الأول أهنود و الثاني أشنود و الثالث إسفندمذ و الرابع دهشت و الخامس هشتويش هذا هو المشهور و ذكروا فيها أسماء أخر و ذكروا أن كلا منها اسم ملك موكل بذلك اليوم. ثم إن المحققين اختلفوا في هؤلاء الملائكة فمنهم من حملوها على ظواهرها و قالوا إن الله وكل بكل شيء من المخلوقات ملكا يحفظه و يربيه و يصرفه إلى ما خلق له كما ورد في الأخبار الملك الموكل بالبحار و الملك الموكل بالجبال و الملائكة الموكلة بالأشجار و سائر النباتات و الملائكة الموكلة بالسحب و البروق و الصواعق و بكل قطرة من الأمطار و الملائكة الموكلة بالأيام و الليالي و الشهور و الساعات و به يوجه ما ورد من كلام اليوم و الشهر و الأرض و القبر و غيرها بأن المراد به كلام الملائكة الموكلة بها و منهم من حملوها على أرباب الأنواع المجردة التي أثبتها أفلاطون و من تابعه من الإشراقيين فإنهم أثبتوا لكل نوع من أنواع الأفلاك و الكواكب و البسائط العنصرية و المواليد ربا يدبره و يربيه و يوصله إلى كماله المستعد له و الأول هو الموافق لمسلك المليين و أرباب الشرائع و الثاني طريقة من لا يثبت الصانع و يقول بتأثير الطبائع و إن تابعهم بعض من يظهر القول بالصانع أيضا و ليس هذا مقام تحقيق هذا الكلام. قال أبو ريحان كل واحد من شهور الفرس ثلاثون يوما و لكل يوم منها اسم مفرد بلغتهم و هي 1 هرمز 2 بهمن 3 أرديبهشت 4 شهريور 5 إسفندارمذ 6 خرداد 7 مرداد 8 دي 9 باذر 10 آذر 11 آبان 12 خرماه 13 تير 14 جوش 15 ديبمهر 16 مهر 17 سروش 18 رشن 19 فروردين 20 بهرام 21 رام 22 باد 23 ديبدين 24 دين 25 أرد 26 أشتاد 27 آسمان 28 رامياد 29 مارسفند 30 أنيران لا اختلاف بينهم في أسماء هذه الأيام و هي لكل شهر كذلك و على ترتيب واحد إلا في هرمز فإن بعضهم يسميه فرخ و في أنيران فإن بعضهم يسميه بهروز و يكون مبلغ جميعها ثلاثمائة و ستين يوما و قد تقدم أن السنة الحقيقية هي ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما و ربع يوم فأخذوا الخمسة الأيام الزائدة عليها و سموها بأسماء غير الموضوعة لأيام كل شهر و هي أهشدگاه اشتدكاه إسفندكاه إسفندمذگاه بهشيشگاه. أقول ثم ذكر ما مر مع وجوه كثيرة أخرى فصار مبلغ أيامهم ثلاث مائة و خمسة و ستين يوما و أهملوا ربع يوم حتى اجتمع من الأرباع أيام شهر تام و ذلك في مائة و عشرين سنة فألحقوه بشهور السنة حتى صار شهور تلك السنة ثلاثة عشر و سموها كبيسة و سموا أيام الشهر الزائد بأسماء أيام سائر الشهور و على ذلك كانوا يعملون إلى أن زال ملكهم و باد دينهم و أهملت الأرباع بعدهم و لم يكبس بها السنون حتى يعود إلى حالها الأولى و لا يتأخر عن الأوقات المحمودة كثير تأخر من أجل أن ذلك أمر كان يتولاه ملوكهم بمحضر الحساب و أصحاب الكتاب و ناقلي الأخبار و الرواة و مجمع الهرابذة و القضاة و اتفاق منهم جميعا على صحة الحساب بعد استحضار من بالآفاق من المذكورين إلى دار الملك و مشاورتهم حتى يتفقوا و اتفاق الأموال الجمة حتى قال المقل في التقدير إنه كان ينفق ألف ألف دينار و كان يتخذ ذلك اليوم أعظم الأعياد قدرا و أشهرها حالا و أمرا و يسمى عيد الكبيسة و يترك الملوك لرعيته خراجها. و الذي كان يحول بينهم و بين إلحاق ربع يوم في كل أربع سنين يوما واحدا بأحد الشهور أو الخمسة قولهم إن الكبس يقع على الشهور لا على الأعوام لكراهتهم الزيادة في عدتها و امتناع ذلك في الزمزمة لما وجب في الدين من ذكر اليوم الذي يزمزم فيه ليصح إذا زيد في عدد الأيام يوم زائد و كانت الأكاسرة رسمت لكل يوم نوعا من الرياحين و الزهر يوضع بين يديه و لونا من الشراب على رسم منتظم لا يخالفونه في الترتيب و السبب في وضعهم هذه الأيام الخمسة اللواحق في آخر آبان ماه ما بينه و بين آذر ماه أن الفرس زعموا أن مبدأ سنتهم من لدن خلق الإنسان الأول و أن ذلك كان روزهرمز و ماه فروردين و الشمس في نقطة الاعتدال الربيعي متوسطة السماء و ذلك أول الألف السابع من ألوف سني العالم عندهم و بمثله قال أصحاب الأحكام من المنجمين إن السرطان طالع العالم و ذلك أن الشمس في أول أدوار السند هند هي في أول الحمل على منتصف نهايتي العمارة و إذا كانت كذلك كان الطالع السرطان و هو لابتداء الدور و النشوء عندهم كما قلنا. و قد قيل إنه سمي بذلك لأنه أقرب البروج رأسا من الربع المعمور و فيه شرف المشتري المعتدل المزاج و النشوة لا يكون إلا إذا عملت الحرارة المعتدلة في الرطوبة فهو إذن أولى أن يكون طالع نشوء العالم و قيل إنما سمي بذلك لأن بطلوعه تتم طلوع الطبائع الأربع و بتمامها تم النشوء و أمثال ذلك من التشبيهات. قال ثم لما أتى زرادشت و كبس السنين بالشهور المجتمعة من الأرباع عاد الزمان إلى ما كان عليه و أمرهم أن يفعلوا بها بعده كفعله و ائتمروا بأمره و لم يسموا شهر الكبيسة باسم على حدة و لم يكرروا اسم شهر بل كانوا يحفظونه على نوب متوالية و خافوا اشتباه الأمر عليهم في موضع النوب فأخذوا ينقلون الخمسة الأيام و يضعونها عند آخر الشهر الذي انتهت إليه نوبة الكبيسة و لجلالة هذا الأمر و عموم المنفعة فيه للخاص و العام و الرعية و الملك و ما فيه من الأخذ بالحكمة و العمل بموجب الطبيعة كانوا يؤخرون الكبس إذا جاء وقته و أمر المملكة غير مستقيم لحوادث و يهملونه حتى يجتمع منه شهران و يتقدمون بكبسها بشهرين إذا كانوا يتوقعون وقت الكبس المستأنف ما يشغل عنه كما عمل في زمن يزدجرد بن شابور أخذا بالاحتياط و هو آخر الكبائس المعمولة تولاه رجل من الدستورين يقال له يزدجرد الهزاري و كانت النوبة في تلك الكبيسة لآبان ماه فألحق الخمسة بآخره و بقيت فيه لإهمالهم الأمر انتهى و إنما أوردت هذا الكلام لما فيه من تأسيس ما سنورده في الفائدة التالية و مزيد توضيح ما مر في خبر الرضا عليه السلام في تقدم النهار على الليل و غير ذلك. الفائدة الثانية اعلم أن الشيخ الطوسي (قدّس سرّه) القدوسي و سائر من تأخر عنه ذكروا النيروز و الأعمال المتعلقة به الغسل و الصوم و الصلاة و غيرها و لم يحققوا تعيين اليوم فلا بد من التعرض له و الإشارة إلى الأقوال الواردة فيه قال فحل الفقهاء المدققين محمد بن إدريس ره في السرائر قال شيخنا أبو جعفر في مختصر المصباح يستحب صلاة أربع ركعات و شرح كيفيتها في يوم نيروز الفرس و لم يذكر أي يوم هو من الأيام و لا عينه بشهر من الشهور الرومية و لا العربية و الذي قد حققه بعض محصلي الحساب و علماء الهيئة و أهل هذه الصنعة في كتاب له أن يوم النيروز يوم العاشر من أيار و شهر أيار أحد و ثلاثون يوما فإذا مضى منه تسعة أيام فهو يوم النيروز يقال نيروز و نوروز لغتان انتهى و فسره الشهيد ره بأول سنة الفرس أو حلول الشمس برج الحمل أو عاشر أيار. قال جمال السالكين أحمد بن فهد الحلي ره في كتاب المهذب البارع في شرح المختصر النافع يوم النيروز يوم جليل القدر و تعيينه من السنة غمض مع أن معرفته أمر مهم من حيث إنه تعلق به عبادة مطلوبة للشارع و الامتثال موقوف على معرفته و لم يتعرض لتفسيره أحد من علمائنا سوى ما قاله الفاضل المنقب محمد بن إدريس و حكايته و الذي قد حققه بعض محصلي أهل الحساب و علماء الهيئة و أهل هذه الصنعة في كتاب له أن يوم النيروز يوم العاشر من أيار. و قال الشهيد و فسر بأول سنة الفرس أو حلول الشمس في برج الحمل أو عاشر أيار و الثالث إشارة إلى قول ابن إدريس و الأول إشارة إلى ما هو مشهور عند فقهاء العجم في بلادهم فإنهم يجعلونه عند نزول الشمس الجدي و هو قريب مما قاله صاحب كتاب الأنواء و حكايته اليوم السابع عشر من كانون الأول هو صوم اليهود و فيه ترجع الشمس مصعدة إلى الشمال و يأخذ النهار من الليل ثلاث عشرة ساعة و هو مقدار ما يأخذ في كل يوم و ينزل الشمس برج الجدي قبله بيومين و بعض العلماء جعله رأس السنة و هو النيروز فجعله حكاية عن بعض العلماء و قال بعد ذلك اليوم التاسع من شباط و هو يوم النيروز و يستحب فيه الغسل و صلاة أربع ركعات لما رواه المعلى بن خنيس عن الصادق عليه السلام ثم ذكر الخبر فاختار التفسير الأخير و جزم به و الأقرب من هذه التفاسير أنه يوم نزول الشمس برج الحمل لوجوه. الأول أنه أعرف بين الناس و أظهر في استعمالهم و انصراف الخطاب المطلق الشامل لكل مكلف إلى معلوم في العرف و ظاهر في الاستعمال أولى من انصرافه إلى ما كان على الضد من ذلك و لأنه المعلوم من عادة الشرع و حكمته أ لا ترى كيف علق أوقات الصلاة بسير الشمس الظاهر و صوم شهر رمضان برؤية الهلال و كذا أشهر الحج و هي أمور ظاهرة يعرفها عامة الناس بل الحيوانات. فإن قلت استعماله في نزول الشمس برج الحمل غير ظاهر الاستعمال في بلاد العجم حتى أنهم لا يعرفونه و ينكرون على معتقده فلم خصصت ترجيح العرف الظاهر في بعض البلاد دون بعض و أيضا فإن ما ذكرته حادث و يسمى النيروز السلطاني و الأول أقدم حتى قيل إنه منذ زمان نوح ع. فالجواب عن الأول أن العرف إذا تعدد انصرف إلى العرف الشرعي فإن لم تكن فإلى أقرب البلاد و اللغات إلى الشرع فيصرف إلى لغة العرب و بلادها لأنها أقرب إلى الشرع و عن الثاني بأن التفسيرين معا متقدمان على الإسلام. الثاني أنه مناسب لما ذكره صاحب الأنواء من أن الشمس خلقت في الشرطين و هما أول الحمل فيناسب ذلك إعظام هذا اليوم الذي عادت فيه إلى مبدإ كونها. الثالث أنه مناسب لما ذكره السيد رضي الدين علي بن طاوس أن ابتداء العالم و خلق الدنيا كان في شهر نيسان و لا شك أن نيسان يدخل و الشمس في الحمل و إذا كان ابتداء العالم في مثل هذا اليوم يناسب أن يكون يوم عيد و سرور و لهذا ورد استحباب التطيب فيه بأطيب الطيب و لبس أنظف الثياب و مقابلته بالشكر و الدعاء و التأهب لذلك بالغسل و تكميله بالصوم و الصلاة المرسومة له حيث كان فيه ابتداء النعمة الكبرى و هي الإخراج من حيز العدم إلى الوجود ثم تعريض الخلق لثوابه الدائم و لهذا أمرنا بتعظيم يوم المبعث و الغدير حيث كان فيه ابتداء منصب النبوة و الإمامة و كذا المولدين. فإن قلت نسبته إلى الفرس يؤيد الأول لأنهم واضعوه و الثاني وضعه قوم مخصوصون و لن يوافقهم الباقون. قلنا يكفي في نسبته إليهم أن يقول به طائفة منهم و إن قصروا في العدد عمن لم يقل به أ لا ترى إلى قوله تعالى وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ و ليس القائل بذلك كل اليهود و لا كل النصارى و مثله قوله تعالى وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ ليس إشارة إلى أهل الكتاب بأجمعهم بل إلى عبد الله بن سلام و أصحابه. زيادة و مما ورد في فضله و يعضد ما قلناه ما حدثني به - الْمَوْلَى السَّيِّدُ الْمُرْتَضَى الْعَلَّامَةُ بَهَاءُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ النَّسَّابَةُ دَامَتْ فَضَائِلُهُ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّ يَوْمَ النَّيْرُوزِ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخَذَ فِيهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام الْعَهْدَ بِغَدِيرِ خُمٍّ فَأَقَرُّوا لَهُ بِالْوَلَايَةِ فَطُوبَى لِمَنْ ثَبَتَ عَلَيْهَا وَ الْوَيْلُ لِمَنْ نَكَثَهَا وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي وَجَّهَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلِيّاً عليه السلام إِلَى وَادِي الْجِنِّ فَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْعُهُودَ وَ الْمَوَاثِيقَ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي ظَفِرَ فِيهِ بِأَهْلِ النَّهْرَوَانِ وَ قَتَلَ ذَا الثُّدَيَّةِ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي يَظْهَرُ فِيهِ قَائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ وُلَاةَ الْأَمْرِ وَ يُظْفِرُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالدَّجَّالِ فَيَصْلِبُهُ عَلَى كُنَاسَةِ الْكُوفَةِ وَ مَا مِنْ يَوْمِ نَوْرُوزٍ إِلَّا نَحْنُ نَتَوَقَّعُ فِيهِ الْفَرَجَ لِأَنَّهُ مِنْ أَيَّامِنَا حَفِظَتْهُ الْفُرْسُ وَ ضَيَّعْتُمُوهُ ثُمَّ إِنَّ نَبِيّاً مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ سَأَلَ رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَ الْقَوْمَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ فَأَوْحَى إِلَيْهِ أَنْ صُبَّ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ فِي مَضَاجِعِهِمْ فَصَبَّ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ فِي هَذَا الْيَوْمِ فَعَاشُوا وَ هُمْ ثَلَاثُونَ أَلْفاً فَصَارَ صَبُّ الْمَاءِ فِي يَوْمِ النَّيْرُوزِ سُنَّةً مَاضِيَةً لَا يَعْرِفُ سَبَبَهَا إِلَّا الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَ هُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ سَنَةِ الْفُرْسِ قَالَ الْمُعَلَّى وَ أَمْلَى عَلَيَّ ذَلِكَ وَ كَتَبْتُهُ مِنْ إِمْلَائِهِ وَ عَنِ الْمُعَلَّى أَيْضاً قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي صَبِيحَةِ يَوْمِ النَّيْرُوزِ فَقَالَ يَا مُعَلَّى أَ تَعْرِفُ هَذَا الْيَوْمَ قُلْتُ لَا لَكِنَّهُ يَوْمٌ يُعَظِّمُهُ الْعَجَمُ يَتَبَارَكُ فِيهِ قَالَ كَلَّا وَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ الَّذِي بِبَطْنِ مَكَّةَ مَا هَذَا الْيَوْمُ إِلَّا لِأَمْرٍ قَدِيمٍ أُفَسِّرُهُ لَكَ حَتَّى تَعْلَمَهُ قُلْتُ تَعَلُّمِي هَذَا مِنْ عِنْدِكَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعِيشَ أَبَداً وَ يُهْلِكُ اللَّهُ أَعْدَاءَكُمْ قَالَ يَا مُعَلَّى يَوْمُ النَّيْرُوزِ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ أَنْ يَدِينُوا بِرُسُلِهِ وَ حُجَجِهِ وَ أَوْلِيَائِهِ وَ هُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ وَ هَبَّتْ فِيهِ الرِّيَاحُ اللَّوَاقِحُ وَ خُلِقَتْ فِيهِ زَهْرَةُ الْأَرْضِ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي اسْتَوَتْ فِيهِ سَفِينَةُ نُوحٍ عليه السلام عَلَى الْجُودِيِ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي أَحْيَا اللَّهُ فِيهِ الْقَوْمَ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ اللَّهُ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي هَبَطَ فِيهِ جَبْرَئِيلُ عليه السلام عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَرَ فِيهِ إِبْرَاهِيمُ (عليه السلام) أَصْنَامَ قَوْمِهِ وَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي حَمَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَتَّى رَمَى أَصْنَامَ قُرَيْشٍ مِنْ فَوْقِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَ هَشَّمَهَا الْخَبَرَ بِطُولِهِ. و الشاهد في هذين الحديثين من وجوه. الأول قوله إنه اليوم الذي أخذ فيه العهد بغدير خم و هذا تاريخ و كان ذلك سنة عشرة من الهجرة و حسب فوافق نزول الشمس الحمل في التاسع عشر من ذي الحجة على حساب التقويم و لم يكن الهلال رئي بمكة ليلة الثلاثين فكان الثامن عشر من ذي الحجة على الرؤية. الثاني كون صب الماء في ذلك اليوم سنة شائعة و الظاهر أن مثل هذه السنة العامة الشاملة لسائر المكلفين أن يكون صب الماء في وقت لا ينفر منه الطبع و يأباه و لا يتصور ذلك مع كون الشمس في الجدي لأنه غاية القر في البلاد الإسلامية. الثالث قوله في الحديث الثاني و هو أول يوم خلقت فيه الشمس و هو مناسب لما قيل إن الشمس خلقت في الشرطين الرابع قوله و فيه خلقت زهرة الأرض و هذا إنما يكون في الحمل دون الجدي و هو ظاهر انتهى كلامه ره. و أقول تحقيق الكلام في هذا المقام هو أنك قد عرفت فيما مضى أن السنة الشمسية عبارة عن مدة دورة الشمس بحركتها الخاصة من أي مبدإ فرض و تلك المدة على ما استقر عليه رصد أبرخس و من وافقه من المتقدمين ثلاثمائة و خمسة و ستون يوما و ربع تام من يوم و على سائر الإرصاد المشهورة لا يبلغ الكسر إلى الربع بل أقل منه بدقائق معدودة و هي على ما فصله البيرجندي في شرح التذكرة على رصد التباني ثلاث عشرة دقيقة و ثلاثة أخماس دقيقة و على حساب المغربي اثنتا عشرة دقيقة و على رصد مراغة إحدى عشرة دقيقة و على رصد بعض المتأخرين تسع دقائق و ثلاثة أخماس دقيقة و على رصد بطلميوس أربع دقائق و أربعة أخماس دقيقة فالفرس من زمان جمشيد أو قبله و الروم من عهد إسكندر أو بعده كانوا يعتبرون الكسر ربعا تاما موافقا لرصد أبرخس. و إنما الفرق بينهما أن الروم كانوا يكبسون الربع المذكور في كل أربع سنين فيزيدون على الرابعة يوما تصير به ثلاثمائة و ستة و ستين و أن الفرس إلى عهد يزدجرد آخر ملوك العجم أو بعض الأكاسرة السابقة عليه كانوا يكبسونه في كل مائة و عشرين سنة فيزيدون على الأخيرة ثلاثين يوما تصير به ثلاثمائة و خمسة و تسعين يوما و قد كان يتفق لهم تجديد التاريخ و إسقاط ما مضى من السنة عند جلوس ملك جديد منهم و أما بعد ذلك العهد فكانوا لا يلتفتون إلى كبس الكسر المذكور أصلا فكانت سنوهم دائما ثلاثمائة و خمسة و ستين فمبدأ سني كل من هذه الطوائف كأول تشرين الأول للروم و أول فروردين ماه المسمى بالنيروز لطوائف الفرس و كذا كل جزء من شهورهم كان غير مطابق لمبدإ سني الأخرى و لا لجزء معين منها دائما بل كل جزء من كل من هذه التواريخ لاختلاف طريق حسابهم دائر في كل جزء من الآخر بمرور الأيام و أيضا لم يكن شيء من تلك المبادي و لا سائر الأجزاء مطابقا دائما لمبدإ فصل من الفصول و لا لشيء من أجزائها بل كل منها دائر في أجزاء الفصول و بالعكس هكذا الحال إلى عهد السلطان جلال الدين ملك شاه السلجوقي فأحب أن يوضع تاريخ في زمانه باسمه ممتازا عن التواريخ المشهورة فأمر من بحضرته من أهل الخبرة بذلك فبنوا الحساب على رصد بطلميوس أو من وافقه في نقصان الكسر عن الربع اعتقادا منهم أنه أصح من الرصد المبني عليه التواريخ المذكورة ثم اعتبروا أول السنة حفظا من أن يدور في الفصول يوم انتقال الشمس إلى الاعتدال الربيعي قبل نصف النهار فكان حينئذ قد اتفق ذلك الانتقال يوم الجمعة عاشر شهر رمضان سنة إحدى و سبعين و أربعمائة و كان مطابقا للثامن عشر من فروردين ماه اليزدجردي أول سنتهم فجعلوا اليوم المذكور أول فروردين ماه من السنة الجلالية و أسقطوا الأيام السابقة عليه من درجة الاعتبار و سموا هذا اليوم بالنوروز السلطاني فاستقر الأمر في حساب السنين الشمسية على أن يعدوا من النيروز المذكور ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما فيجعلون اليوم السادس نيروز السنة الآتية ثم يكبسون الكسر لكونه أقل من الربع في كل أربع سنين أو خمس سنين فتصير سنة الكبيسة ثلاثمائة و ستة و ستين يوما و هذه الطريقة مستمرة إلى زماننا. إذا عرفت هذا فنقول أولا أن ما يلوح من توقع ابن إدريس عن الشيخ أن يعين نيروز الفرس بيوم من الشهور العربية أو الرومية و كذا ما نقله عن بعض المحصلين من تعيينه بعاشر أيار من الشهور الرومية غريب جدا لما عرفت من دوران أيام شهور الفرس قديمهم و حديثهم في العربية و الرومية و بالعكس لاختلاف اعتباراتهم في حساب السنين فكيف يتصور تعيين يوم معين أو شهر معين من إحداها بيوم أو شهر من الأخرى على وجه مصون من التغيير و التبديل بمر الدهور فليس لتعيينه بعاشر أيار من بعض المحصلين وجه محصل سوى أنه وجده مطابقا له في بعض الأزمنة السابقة كزمان الصادق عليه السلام المستند إليه الروايات الواردة في النيروز فتوهم لزوم حفظ تلك المطابقة له دائما فإنه يستنبط مما سيتضح عن قريب من التواريخ أن اتفاق المطابقة المذكورة كان في أواسط المائة الثانية من الهجرة و هو قريب من أواخر زمان الصادق عليه السلام و مثل هذا التوهم غير عزيز من الناس كما أورد الكفعمي ره في بيان الأعمال المتعلقة بشهر شعبان أن الثالث و العشرين منه هو النيروز المعتضدي مضبوطا بالحادي عشر من حزيران تاسع شهور الروم كما هو مذكور في سرائر ابن إدريس مع وجهه و معلوم أن مثل ذلك لا يمكن أن ينضبط بالشهور العربية لدوران كل منهما في الأخرى. و ثانيا أن ترديد الشهيد ره نيروز الفرس بين أول يوم من سنتهم و بين غيره كأول الحمل و عاشر أيار ترديد غريب شبيه بترديد مبتدإ السنة المعمولة عند العرب بين أول المحرم و بين غيره و ذلك لأن كون النيروز أول يوم من سنة الفرس أمر في غاية الظهور و مع ذلك منصوص عليه في أكثر أسانيد الرواية فإنما المطلوب هنا تعيين أول يوم من سنتهم بيوم معروف في زماننا هل هو أول الحمل أو غيره. و ثالثا أن ما ذكره ابن فهد ره من شهرة كونه أول سنة الفرس بين فقهاء العجم حق موافق للرواية و لكن جعلهم ذلك عند نزول الشمس الجدي مبني على ما ذكرنا من توهم المطابقة الدائمة من اتفاق الموافقة في بعض الأزمنة غفلة عن دورانه في الفصول كما بينا و هكذا حال ما نسبه صاحب كتاب الأنواء إلى بعض العلماء من أنه السابع عشر من كانون الأول المطابق لما بعد نزول الشمس الجدي بيومين و كذا ما اختاره من أنه اليوم التاسع من شباط. و بالجملة البناء على الغفلة المذكورة من الأعراض العامة لجميع هذه التفسيرات فمنشأ توهم بعض العلماء الذي نقل مقالته صاحب كتاب الأنواء يمكن أن يكون اتفاق الموافقة المذكورة في زمانه إن كان في أواسط المائة الثامنة من الهجرة فإن الضوابط الحسابية كما سيتضح دالة على أن أول فروردين ماه الفرس الموسوم بالنيروز عندهم كان في السنة العاشرة من الهجرة قريبا من نزول الشمس أول برج الحمل و كان ذلك موافقا لأواسط آذار من الرومية و مطابقا لثامن عشر ذي الحجة من العربية يوم عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لأمير المؤمنين عليه السلام بالولاية في غدير خم بعد الرجوع عن حجة الوداع كما صرح به في الرواية ثم في السنة الحادية عشر منها بعد رحلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم انتقلت سلطنة العجم إلى يزدجرد آخر ملوكهم فأسقط ما مضى من السنة و جعل يوم جلوسه أول فروردين و يوم النيروز كما كان رسمهم و كان ذلك موافقا لأواسط حزيران و مطابقا للثاني و العشرين من ربيع الأول و قد عرفت أن بناء حساب الفرس في عهد يزدجرد بل قبيله في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أيضا على أخذ كل سنة ثلاثمائة و خمسة و ستين يوما بدون رعاية الكبائس التي كانت متداولة بين قدمائهم فلا محالة كان ينتقل نيروزهم في كل أربع سنين إلى يوم آخر من أيام الشهور الرومية قبل اليوم الذي كان فيه لاعتبارهم الكبيسة في كل أربع و قس عليه حال انتقاله بالنسبة إلى موضع الشمس من البروج أيضا فإن التفاوت لو كان لكان في كل سنة بقدر نقصان الكسر عن الربع في الواقع و هو قليل جدا كما مر. و بالجملة انتقاله من أواسط حزيران و أواخر الجوزاء التي كان فيها في السنة الحادية عشر من الهجرة إلى أواسط كانون الأول و أوائل الجدي و هو مدة ستة أشهر تقريبا إنما هو في قريب من سبعمائة و ثلاثين سنة فيكون في أواسط المائة الثامنة كما ذكرنا و أما منشأ توهم صاحب كتاب الأنواء فلا يمكن أن يكون مثله من وقوع الموافقة المذكورة في زمانه لئلا يلزم تقدم زمان الناقل على زمان المنقول عنه فإن انتقاله إلى بعض أيام شباط إنما يكون قبل انتقاله إلى بعض أيام كانون لما عرفت من أن انتقالاته في تلك الشهور و كذا في البروج على خلاف تواليهما لزيادة قدرهما على قدره بمقدار ربع يوم أو قريب منه فغاية توجيهه أن يقال يجوز أن يكون منشأ توهمه موافقا لما مر نقله من بعض المحصلين في اعتبار زمان الصادق عليه السلام فيه و الفرق أن بناء حساب بعض المحصلين كان على اعتبار الإسقاط اليزدجردي لوقوعه على طبق عادتهم المستمرة و بناء حساب صاحب كتاب الأنواء على عدم اعتباره لوقوعه بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم و كونه بمنزلة سائر التغيرات الواقعة في السنن و الآداب المعروفة في زمانه فإن ما بين تاسع شباط و عاشر أيار قريب من المدة التي أسقطها يزدجرد كما عرفت. و رابعا بأن ما استدل أولا على ما اختاره من التفاسير الستة و هو كونه يوم نزول الشمس برج الحمل بأنه أعرف بين الناس إلى آخره دعوى بين البطلان عند أهل الخبرة بالحساب و التواريخ فإن كون نيروز الفرس دائرا في الفصول سيما من زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى زمان ملكشاه أمر لم يسمع خلافه من أحد منهم بل صرح في شروح التذكرة و غيرها بأن الروم و الفرس كانوا لم يلاحظوا في مبدإ سنيهم موضع الشمس و أن جعل الاعتدال الربيعي مبدأ السنة مخصوص بالتاريخ الملكي و لا يوافقه شيء من التواريخ المشهورة فكيف يمكن أن يجعل مثل ذلك مناطا للأحكام الشرعية الثابتة قبل زمان ملكشاه بقريب من خمسمائة سنة و إن ما ذكره من انصراف اللفظ عند فقدان العرف الشرعي إلى لغة العرب مسلم و لكن أين إطلاق لفظ النيروز عند العرب على أول يوم نزول الشمس برج الحمل بل إن بعض أهل اللغة فسره على طبق ما في الرواية بأول سنة الفرس اعتمادا على الشهرة و بعضهم كأحمد بن محمد الميداني و هو من أقدمهم و أتقنهم لم يكتف به بل صرح في كتابه المسمى بالسامي في الأسامي بعد ذكر أسامي شهور الفرس و أيامهم المشهورة بترجمة النيروز بنخست روز از فروردين ماه ثم إن أغمضنا عن مثل تلك الحقيقة و التجأنا إلى حمله على العرف فلا شك لمن تتبع من مظانه أن العرف فيه لم يكن متعددا في زمان الخطاب بل إنما تجدد بعده بدهور طويلة فسمى ملكشاه يوم نزول الشمس برج الحمل بالنوروز السلطاني و خوارزم شاه يوم نزولها الدرجة التاسعة عشر منه و هي شرفها عند المنجمين بالنوروز الخوارزم شاهي و آخر يوما آخر بالنوروز المعتضدي و هكذا و إنكار الحدوث في الأول منها بل دعوى التقدم على الإسلام و الإغماض عن تقييده تارة بالسلطاني و تارة بالجلالي و تارة بالملكي نسبة إلى كل من ألقاب السلطان جلال الدين ملكشاه كما هو مضبوط في الدفاتر و التقاويم و محفوظ في مدونات أهل الهيئة و التنجيم مما يقضى منه العجب. فإن قيل لعل دعوى التقدم على الإسلام مبنية على ما اشتهر أن مبدأ تاريخهم في عهد جمشيد أو غيره كان موافقا لأول الحمل و انتقاله منه و دورانه في الفصول إنما هو بسبب الكبائس و الإسقاطات التي مر ذكرها قلنا لو سلمنا ذلك فلا ريب أن المراد بنيروزهم يوم يتجدد في كل سنة يعتبرونه أولها لا ما لا يتفق وقوعه إلا نادرا كما يلزم من التزام مطابقته لأول الحمل. فإن قلت لا يخرج عن ثلاثة احتمالات إما أول الحمل مطلقا و إما فروردينهم مطلقا و إما أول فروردينهم المطابق لأول الحمل و الثالث ساقط بأنه لا يتفق إلا في مدة مديدة و معلوم أن المراد به ما يتجدد في كل سنة و الثاني أيضا ساقط من جهة الحساب فإنا إذا جمعنا الأيام من فروردينهم المضبوط في تقاويم زماننا إلى ثامن عشر شهر ذي الحجة من السنة العاشرة من الهجرة المنصوص في الرواية أنه كان مطابقا لنيروزهم فقسمنا على أيام سنتهم الخالية من الكبائس من زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى زماننا و هو ثلاثمائة و خمسة و ستون يبقى اثنان و تسعون أو ثلاث و تسعون فيظهر أن فروردينهم كان بعد التاريخ المذكور بمثل هذه الأيام فإذا سقط الاحتمالان تعين الاحتمال الأول و هو المطلوب مع أنه مؤيد أيضا بالحساب الدال على أن التاريخ المذكور كان قريبا من أول الحمل بيوم أو يومين مع احتمال المطابقة أيضا بنحو المسامحة. قلنا سقوط الثاني ممنوع و البيان الحسابي المذكور مبني على غفلة أو تغافل عن الإسقاط اليزدجردي الواقع في السنة الحادية عشر من الهجرة كما مر فإنه لو اعتبر الإسقاط المذكور في الحساب لظهر أن مطابقة فروردينهم اليزدجردي المضبوط في التقاويم لما بعد التاريخ المذكور لا ينافي أن يكون التاريخ المذكور أيضا مطابقا لفروردينهم المتداول قبل يزدجرد فإن جلوس يزدجرد كان في يوم الثلاثاء الثاني و العشرين من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشر كما مر و تفاوت التاريخين موافق للمدة المذكورة فتبين أن الحساب لو جعل دليلا على كون المراد به أول فروردين لكان أوفق للمطابقة من جعله دليلا على أول الحمل للتفاوت بيوم أو يومين فإنه قادح و لو كان قليلا و لو فرضنا مطابقته أيضا لكان غاية الأمر أن يكون في يوم الغدير اتفق الأمر أن الغير المتفقين إلا في مدة مديدة فلا يفيد المطلوب على أن مطابقة يوم الغدير للنيروز بأي معنى كان لا ينفع في المطلوب بدون مطابقة سائر الأيام المذكورة في الروايتين موافقتها له و ستتضح عن قريب استحالة مطابقتها لأول الحمل دون فروردين. فإن قيل يظهر من كلام كوشيار و أبي ريحان في بعض تصانيفهما أن الاعتدال الربيعي معتبر عند الأحكاميين في طالع السنة و حساب الأدوار و فيهم المشهورون من أهل الفرس كزردشت و جاماسب فعلى ذلك يمكن أن يكون المراد بالنيروز المعتبر بأول سنة الفرس في الرواية ذلك الوقت بالاعتبار المذكور. قلنا أولا سلمنا اعتبار الوقت المذكور عندهم فيما اعتبروه فيه و لكن لم ينقل أنهم يعبرون عنه بالنيروز أو يتباركون فيه و يجعلونه عيدا كما يفهم من الرواية. و ثانيا إن التعبير عن الأحكاميين بالفرس بمحض كون بعضهم منهم بعيد جدا بل معلوم لأهل اللسان أن إطلاق الفرس المستعمل في مقابل الروم و العرب ليس إلا على الطائفة العظيمة التي من رعايا الملوك المشهورة من جمشيد و أفريدون إلى كسرى و يزدجرد فالمراد بنيروزهم و أول سنتهم يوم كان جعله عيدا في كل سنة معمولا عند الملوك المذكورة في زمانهم و لا خلاف بين أهل الخبرة في أنه كان أول فروردينهم الدائر في الفصول بالأسباب التي قررنا. و ثالثا أن من تأمل و أنصف علم أن التعبير عن ذلك اليوم بنيروز الفرس تارة و أول سنتهم أخرى لأجل أنه ليس يوما معينا بحسب الفصل و إلا فما المانع من التعبير عنه بأول الربيع و أول الحمل المعلوم لكل أحد بدون احتياج إلى تفسير أصلا. و رابعا أن أهل اللغة صرحوا بتفسير النيروز بأول يوم من فروردين الفرس و إطلاقه على أول الربيع من زمان ملك شاه و في زماننا مجاز بعلاقة ما التزموه من موافقة أول فروردينهم لأول الربيع دائما و وجوب انصراف اللفظ إلى الحقيقة سيما المستعمل منه قبل حدوث المجاز مما أطبق عليه أهل اللسان و العلامات المذكورة في الروايتين للنيروز لا يمكن تطبيقها على أول الربيع فيجب حمله على أول فروردين لإمكان التطبيق. و خامسا أن ما ذكره بقوله و لأنه المعلوم من عادة الشرع و حكمته إلخ قيام مع الفارق فإن انتقال الشمس من برج الحوت إلى برج الحمل ليس كوصولها إلى نصف النهار و أمثاله المعلومة بالحس و العيان بل محتاج إلى رصد و حساب لا يتيسر تحقيقه لأكثر مهرة فن الهيئة و الحساب فضلا عن غيرهم و كفى بذلك عدم توافق رصدين فيه فإن اليوم المذكور على ما يقتضيه رصد المتأخرين المبني عليه أكثر التقاويم في زماننا مقدم على ما يقتضيه رصد أبرخس بأيام و على ما يقتضيه رصد بطلميوس بأقل منها و مؤخر عما يقتضيه رصد المحقق الطوسي بقليل و عما يقتضيه رصد التباني و المغربي بأكثر فهل يجوز من له أدنى معرفة بعادة الشرع في التكليفات أن نكون لمعرفة النيروز مكلفين بتتبع آراء هؤلاء ثم التمييز بين الحق و الباطل منها أو العمل بمقتضى كل منها مع ظهور التناقض أو اختيار ما شئنا منها أو الاتكال على ما اشتهر في زماننا سيما مع علمنا بأنه غير مشهور بل غير مذكور أصلا في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم و الأئمة عليهم السلام و لهذا ما وقع في أحكام الشريعة من أمثاله ككراهة النكاح و السفر في زمان كون القمر في العقرب حمله المحققون على زمان كونه في صورتها المعلوم لأكثر عوام المكلفين لا في برجها المحتاج إلى استخراج تقويمه فعلى هذا يكون المناسب لعادة الشرع و حكمته التفسير الأول من التفسيرات المذكورة لخلوه عن الكبائس و غنائه عن الاحتياج إلى الإرصاد و تيسر حسابه على عامة المكلفين. و سادسا أن ما ذكره من مناسبة كون الشمس خلقت في الشرطين على ما نقله من صاحب كتاب الأنواء على تقدير حجية المنقول عنه لا يفيد إلا كونها حين الخلقة في أوائل صورة الحمل فإنهما نجمان قريبان من رأسها يعدان منزلا من منازل القمر فلو كان ذلك مناسبا لإعظام اليوم الذي عادت الشمس فيه إلى هذا الموضع لكان ينبغي إعظام يوم كونها فيه و هو في زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان في أواسط برج الحمل و في زماننا انتقل إلى أواخره بناء على أن حركة الثوابت و منها كواكب الصور في كل سبعين سنة درجة كما هو المشهور بين أهل الإرصاد و بهذا ظهر حال ما ذكره من مناسبة ما قيل من ابتداء خلق العالم في شهر نيسان لعدم مطابقة شيء من أيام شهر نيسان من زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى زماننا لأول الحمل الذي هو المطلوب إثباته فتأمل أولا في حاصل قوله و لا شك أن نيسان يدخل و الشمس في الحمل ثم فيما أتبعه تفريعا عليه بقوله و إذا كان إلخ فتحير و اعتبر. و سابعا أن ما ذكره من نزول الشمس الحمل في التاسع عشر إلخ فقد عرفت عدم دلالته على المطلوب على تقدير مطابقته بحسب الحساب أيضا فضلا عن المخالفة. و ثامنا أن ما ذكره من كون صب الماء المسنون في ذلك اليوم أوفق لأول الحمل لا الجدي لو ساغ مثله في إثبات مناط الأحكام الشرعية لكان مؤيدا لعاشر أيار لا لأول الحمل فإنه أوفق لذلك من كل من الجدي و الحمل لكونه بعد أول الحمل بقريب من شهرين و كونه أقرب إلى اليوم المرسوم في زماننا آب پاشان هذا إذا كان المراد بصب الماء في الرواية رشه على طريق الرسم الجاري في بعض البلاد و لكن يظهر من ابن جمهور أنه حمل سنة صب الماء فيها على استحباب الغسل في النيروز و ذلك ليس ببعيد. و تاسعا أن ما ذكره من أن طلوع الشمس فيه كما في الرواية مناسب لأول الحمل بناء على مناسبة خلقها في الشرطين مبني كما مر على الخلط بين صورة الحمل و برجه على أن ما قدمناه من حديث الرضا عليه السلام يدل على أن أول خلق الشمس في موضع شرفها و هو الدرجة التاسعة عشر من الحمل و لا يبعد أن يكون الشرطان أيضا حينئذ في تلك الدرجة فلا يكون ما ذكره صاحب كتاب الأنواء مخالفا للحديث المذكور فيكونان متفقين في عدم مطابقتهما لأول الحمل كما هو المطلوب ثم إن خلق الشمس غير طلوعها فلما كانت حين خلقها في وسط السماء كما في الحديث المذكور فالظاهر أنه أشار به هاهنا إلى موافقة اليوم التالي لخلقها للنيروز لا يوم خلقها فتدبر. و عاشرا أن ما ذكره من مناسبة ما في الرواية من خلق زهرة الأرض فيه لأول الحمل دون الجدي غير ظاهر إذ لقائل أن يقول لعل مبدأ خلقها أول الجدي و ظهورها على وجه الأرض بعده مع أن ذلك متفاوت بحسب البلاد جدا و أيضا كونه غير مناسب للجدي لا يدفع سائر التفسيرات المذكورة للنيروز و لا يتعين بدونه المطلوب فيجوز أن يكون خلق زهرة الأرض و كذا خلق الشمس أو طلوعها في يوم يكون موافقا من جهة الحساب المتداول بين الفرس في سنيهم لأول فروردينهم فجعل يدور في الفصول على طبق دورانه فيها بالأسباب التي ذكرناها غير مرة فلو فرضناه في أول الخلق مطابقا لأول نزول الشمس برج الحمل أيضا لكان مثل مطابقته حينئذ لسائر الأوضاع الغير المطلوبة كمواضع سائر الكواكب فحفظ تلك المطابقة فيه غير لازم لئلا يختل به ما هو المطلوب مما استقر بينهم إلى زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم و استمر بعده إلى زماننا من ضوابط حساب السنين. فإن قلت رعاية الكبيسة كما نقل عن الفرس دالة على أن مقصود أقدميهم منها محافظة وضع معين للشمس بالنسبة إلى مبدإ سنيهم في الجملة فالمظنون أنهم كانوا عينوا لذلك أول الربيع كما قيل لظهور امتيازه عن غيره بالحسن و اعتدال الهواء و قوة النشوء و النماء في معظم المعمورة فبمحض حدوث دورانه في الفصول بحسب تجدد الرسوم الاصطلاحية كيف سقط مقصودهم الأصلي عن درجة الاعتبار بالكلية و صار المعتبر مقتضى ما استقر بينهم من الرسوم الحادثة. قلنا سلمنا قصدهم بدون مضايقة في تعيينهم أول الربيع لذلك أيضا مع أن ما يحصل من ضبط كبيستهم في مائة و عشرين سنة يحصل بدونها أيضا في مدة أكثر منه و الفرق بين القلة و الكثرة في مثلها مشكل و مع أن الروم أيضا مشاركون لهم في رعاية الكبيسة بل أضبط منهم فيها بدون التعيين المذكور و لكن نعلم أن المصالح متغيرة بتغير الأزمنة و الطبائع و العادات فلعل الباعث لهم على الاتفاق على خلاف ما سبق من بعضهم عروض مصلحة أهم منه لهم و الباعث لاعتبار مقتضى مصلحتهم في نظر الشارع مصلحة و حكمة أخرى خفية محجوبة عن عقولنا فنحن الآن مكلفون في الأحكام بتتبع آثار الصادقين من ظواهر ما نقل إلينا عنهم و الاحتياط عن الوقوع في متابعة آرائنا بأمثال تلك الاستحسانات. قال بعض الأفاضل بعد إيراد جملة مما ذكرنا فتبين أن المراد بنيروز الفرس لا بد أن يكون أول سنتهم الذي هو أول فروردينهم بلا خلاف و أنه دائر في الفصول من قديم الأيام بأسباب شتى و خصوصا من زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بسبب إهمال معاصريهم منهم في حفظ الكبيسة و استقرار أمرهم عليه إلى الآن فيكون أيام سنتهم دائما ثلاثمائة و خمسة و ستين بلا عروض و تفاوت فيه قط و أن يوم الغدير في السنة العاشرة من الهجرة كان مطابقا له فإن اعتبر بما وقع بعدها في جلوس يزدجرد من إسقاط ما مضى من سنتهم و تجديد فروردينهم في التاريخ المذكور كما هو الظاهر بناء على أنه على طبق رسمهم المتداول بينهم و أن النيروز مبني على مقتضى رسمهم يكون النيروز المعتبر شرعا هو ما يضبطه المنجمون في التقاويم من أول فروردينهم في كل سنة و هو فيما نحن فيه من الزمان سنة ثمان و ثمانين و ألف من الهجرة مطابق ليوم الجمعة عاشر شهر شعبان و موافق للثامن و العشرين من أيلول الرومي و الثالث و العشرين من مهر ماه الجلالي و إن لم يعتبر بالإسقاط اليزدجردي بناء على أنه وقع بعد زمان النبي صلى الله عليه وآله وسلم و إكمال الدين و أن مثل ذلك في حكم المبتدعات الغير المعتبرة في الشرع يكون النيروز المذكور قبل فروردينهم المضبوط عند المنجمين بقدر الأيام الساقطة و على كل من الاحتمالين يتقدم في كل أربع سنين بيوم على اليوم المطابق له من أيام شهور الروم و في كل أربع سنين أو خمس سنين بيوم على ما كان مطابقا له من أيام الشهور الجلالية و يتأخر في كل سنة بأحد عشر يوما غالبا و بعشرة أيام في سني كبائس العرب عما كان موافقا له من أيام الشهور العربية و أيضا يتأخر في كل سنة بيوم عما كان مطابقا له من أيام الأسبوع دائما. فظهر من هذا التصوير أن ما اشتهر من مطابقة نيروزهم ليوم انتقال الخلافة الصورية أيضا إلى أمير المؤمنين عليه السلام بعد قتل عثمان كمطابقته ليوم الغدير إن كان مستندا إلى نص كما قيل يؤيد الاحتمال الأول فإن كلا من الواقعتين كان في أواخر شهر ذي الحجة الحرام و بينهما خمس و عشرون سنة و لا يمكن أن يتفق ذلك بدون إسقاط إلا في نيف و ثلاثين سنة فالنص على كون كل من اليومين مطابقا للنيروز هو في حكم النص على اعتبار الإسقاط المذكور و أيضا ثبوت الواقعتين المذكورتين في النيروز من أوضح الدلائل على بطلان كون المراد به يوم نزول الشمس ببرج الحمل فإن اتفاق نيروزين بهذا المعنى في شهر من الشهور العربية بفاصلة المدة المذكورة غير ممكن قطعا فمن استدل بثبوت الواقعتين المذكورتين في النيروز على كون المراد به الاعتدال الربيعي فقد جعل ما يدل صريحا على بطلان شيء دليلا على صحته انتهى. و أقول مما يؤيد ما مر ما ذكره أبو ريحان في كتاب الآثار الباقية من القرون الخالية حيث قال في عداد التواريخ المشهورة ثم تاريخ ملك يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز و هو على سني الفرس غير مكبوسة و قد استعمل في الأزياج لسهولة العمل به و إنما اشتهر تاريخ هذا الملك من بين سائر ملوك فارس لأنه قام بعد تبدد الملك و استيلاء النساء عليه و المتغلبة ممن لا يستحقه و كان مع ذلك آخر ملوكهم و جرت على يده أكثر الحروب المذكورة و الوقائع المشهورة مع عمر بن الخطاب حتى زالت الدولة و انهزم فقتل بمرو الشاهجان. ثم قال ثم تاريخ أحمد بن طلحة المعتضد بالله و هو على سني الروم و شهور الفرس بمأخذ آخر و هو أنها تكبس في كل أربع سنين بيوم و كان السبب في ذلك على ما ذكر أبو بكر الصولي و حمزة بن الحسن الأصبهاني أن المتوكل بينا هو يطوف في متصيد له إذ رأى زرعا لم يدرك بعد و لم يستحصد فقال استأذنني عبيد الله بن يحيى في فتح الخراج و أرى الزرع أخضر فمن أين يعطى الناس الخراج فقيل له إن هذا قد أضر بالناس فهم يقترضون و يتسلفون و ينجلون عن أوطانهم و كثرت لهم شكاياتهم فقال هذا شيء حدث في أيامي أم لم يزل كذا فقيل له بل هو جار على ما أسسه ملوك الفرس من المطالبة بالخراج في إبان النيروز و صاروا به قدوة لملوك العرب فأحضر المؤبد و قال له قد كثر الخوض في هذا و لست أتعدى رسوم الفرس فكيف كانوا يفتحون الخراج على الرعية مع ما كانوا عليه من الإحسان و النظر و لم استجازوا المطالبة في هذا الوقت الذي لم تدرك فيه الغلات و الزروع فقال المؤبد و إنهم و إن كانوا يفتحونها في النيروز فما كان يجبى إلا وقت إدراك فقال و كيف ذلك فبين له حال السنين و كمياتها و احتياجها إلى الكبس ثم عرف أن الفرس كانوا يكبسونها فلما جاء الإسلام عطل فأضر ذلك بالناس و اجتمع الدهاقنة زمن هشام بن عبد الملك إلى خالد القسري فشرحوا له هذا و سألوه أن يؤخروا النوروز شهرا فأبى و كتب إلى هشام بذلك فقال إني أخاف أن يكون هذا من قول الله إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ فلما كان أيام الرشيد اجتمعوا إلى خالد بن يحيى بن برمك و سألوه أن يؤخروا النوروز نحو الشهرين فعزم على ذلك فتكلم أعداؤه فيه و قالوا إنه يتعصب للمجوسية فأضرب عن ذلك و بقي الأمر على حاله فأحضر المتوكل إبراهيم بن العباس الصولي و أمره أن يوافق المؤبد على ما ذكره من النيروز و يحسب الأيام و يجعل له قانونا غير متغير و ينشئ عنه كتابا إلى بلدان المملكة في تأخير النوروز فوقع العزم على تأخيره إلى سبعة عشر يوما من حزيران ففعل ذلك و نفذت الكتب إلى الآفاق في المحرم سنة ثلاث و أربعين و مائتين فقال البختري في ذلك قصيدة يمدح فيها المتوكل و قتل المتوكل و لم يتم له ما دبر حتى قام المعتضد بالخلافة و استرد بلدان المملكة من المتغلبين عليها و تفرغ للنظر في أمور الرعية فكان أهم شيء إليه أمر الكبيسة و إتمامه فاحتذى ما فعله المتوكل في تأخير النوروز غير أنه نظر من جهة أخرى و ذلك أن المتوكل أخذ ما بين سنته و بين أول تاريخ الملك يزدجرد و أخذ المعتضد ما بين سنته و بين السنة التي زال فيها ملك الفرس بهلاك يزدجرد ظنا منه أو ممن تولى ذلك له أن إهمالهم أمر الكبس هو من لدن ذلك الوقت فوجده مائتين و ثلاثا و أربعين سنة و حصتها من الأرباع ستون يوما و كسر فزاد ذلك على النوروز في سنة و جعله منتهى تلك الأيام و هو أول يوم من خرداد ماه في تلك السنة و كان يوم الأربعاء وافقه اليوم الحادي عشر من حزيران ثم وضع النوروز على شهور الروم لتنكبس شهوره إذا كبست الروم شهورها و كان المتولي لإمضاء ما أمر وزيره أبو القاسم عبيد الله بن سليمان بن وهب و قال علي بن يحيى في ذلك شعر. يوم نيروزك يوم واحد لا يتأخر* * * من حزيران يوافي أبدا في أحد عشر. و هذا و إن دقق في تحصيله فلم يعد به النوروز إلى ما كان عليه عند الكبس في دولة الفرس و ذلك أن إهمال كبسهم كان قبل هلاك يزدجرد بقريب من سبعين سنة لأنهم كانوا كبسوا السنة في زمان يزدجرد بن شابور بشهرين أحدهما لما لزم السنة من التأخر و هو الواجب و وضعوا اللواحق خلفه علامة له و كانت النوبة لآبان ماه كما سنذكره و الشهر الآخر للمستأنف ليكون مفروغا منه إلى مدة طويلة فإذا أسقط عن السنين التي بين يزدجرد بن شابور و بينه مائة و عشرون سنة بقي بالتقريب سبعون سنة لا بالتحقيق فإن تواريخ الفرس مضطربة جدا و تكون حصة هذا السبعين سنة من الأرباع قريبا من سبعة عشر يوما فكان يجب بالتحليل من القياس أن يؤخر سبعة و سبعين يوما لا ستين يوما حتى يكون النوروز في ثمانية و عشرين من حزيران و لكن المتولي لذلك ظن أن طريقة الفرس في الكبس كانت شبيهة بالتي يسلكه الروم فيه فحسب الأيام من لدن زوال ملكهم و الأمر فيها على خلاف ذلك كما بينا و سنبين. ثم قال هذا التاريخ آخر المشهورة و لعل أن يكون للأمم الشاسعة ديارها من ديارنا تواريخ لم تتصل بنا أو متروكة كالمجوس في مجوسيتها فإنها كانت تؤرخ بقيام ملوكهم أولا فأولا فإذا مات أحدهم تركوا تاريخه و انتقلوا إلى تاريخ القائم بعد منهم انتهى ما أردت إيراده من كتابه و هذا و إن كان مؤيدا لترك الكبس في زمان يزدجرد و دوران النيروز في الفصول لكن لا يدل على الإسقاط و ينافي بعض الضوابط المتقدمة و سيأتي مما سننقل عنه ما يؤيد ذلك أيضا. و بالجملة الأمر في الأخبار الواردة في ذلك مردد بين أمور الأول أن يكون بناؤها على إسقاط الأرباع و الخمسة أيضا كما كانت سنة الملوك البيشدادية أو بعض ملوك الهند كما أومأنا إليهما سابقا و يومي إليه قوله (عليه السلام) في خبر المعلى هي أيام قديمة من الشهور القديمة كل شهر ثلاثون يوما بلا زيادة فيه و لا نقصان و يؤيده الأخبار الكثيرة الدالة على أن السنة ثلاثمائة و ستون يوما فيكون أول الفروردين على هذا الحساب نوروزا. و يرد عليه أن حوالة النيروز و السنة على اصطلاح متروك لا يعلم تعيينه و لا ابتداء شهورها بعيد عن مقنن القوانين كما عرفت. الثاني أن تكون مبنية على الفرس القديم الذي مر ذكره و هو قوي لكن بناء أمر من الأمور الشرعية على اصطلاح متبدل متغير يتبع في كل زمان رأى سلطان من سلاطين الجور أو غفلتهم أو عدم تمكنهم من الكبس كما وقع بعد يزدجرد بعيد جدا و أيضا الظاهر أن فضل هذا اليوم إما بسبب الأمور المقارنة له و الأحوال الواقعة فيه و كثير من الأمور متعلقة بما قبل زمان يزدجرد و كان قبل ذلك مبنيا على الكبس و بعده سقط ذلك و إما بسبب بعض الأوضاع الفلكية أو الأرضية كدخول برج من البروج أو درجة من درجاتها أو ظهور الأزهار و نبات النباتات و الأشجار و نحو ذلك و شيء منها غير منضبط في النيروز بهذا المعنى و مع جميع ذلك فهو بحسب الدليل كأنه أقوى من الجميع. الثالث أن يكون المراد بها النيروز القديم المبني على الكبس في كل مائة و عشرين سنة كما عرفت لأنه الأصل عند الفرس و إنما طرأ إسقاط الكبس لاختلال أحوالهم و عدم تمكنهم من ضبط قواعدهم و يرد عليه ما مر من أن بناء تكليف عام يشترك فيه عوامهم و خواصهم على أمر غامض لا يطلع عليه إلا الأوحدي من المنجمين و الهيويين بل لا يمكن معرفته على التحقيق لأحد كما مر بعيد غاية البعد إلا أن يقال أنه عليه السلام علم قاعدته المعلى و لم يروها أو ترك الناس روايتها و هو أيضا بعيد. الرابع أن يكون المراد ما اصطلح عليه الآن المنجمون و هو دخول الشمس برج الحمل بأن يكون عليه السلام علم أن قاعدة الفرس في القديم كان كذلك فتركت و أخروا الكبس إلى المائة و العشرين تسهيلا للأمر أو يقال إن نيروز الفرس هو أول فروردين مع رعاية الكبس بأي وجه كان في زمان قصير أو زمان طويل فيشمل النيروز الجلالي عموما و إن لم يحدث بعد خصوص هذا النوع و يؤيده أن الأحكاميين من الفرس و غيرهم جعلوا مبدأ السنة تحويل الشمس إلى الحمل كما قال كوشيار في كتاب مجمل الأصول معلوم أن تحويل سنة العالم هو حلول الشمس أول ثانية من الحمل و طالع ذلك طالع السنة و أمثال ذلك من كلماتهم و قد اشتمل الخبر على أن النيروز أول سنة الفرس و أيد أيضا بما ورد أن ابتداء خلق العالم كان الشمس في الحمل و بأنا إذا حسبنا على القهقرى وجدنا عيد الغدير في السنة العاشرة من الهجرة مطابقا لنزول الشمس أول الحمل و الظاهر أن ذلك مبني على بعض الإرصاد و على بعضها يتقدم بيوم كما أومأ إليه ابن فهد رحمه الله و على بعضها بيومين كما أشار إليه غيره و موافقته على بعض الإرصاد كاف في ذلك و بأنه أول نمو أبدان الحيوانات و الأشجار و النباتات كما قال سبحانه أ لم تر أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها و عنده تظهر قدرة الصانع و حكمته و لطفه و رحمته فهو أولى بأن يشكر فيه الرب الكريم و أن يجعل مبدأ السنة و العيد العظيم و قد مر الكلام في أكثر ذلك فيما مضى. و مما يدل على عدم كونه مرادا أنه معلوم أنه لم يكن هذا مشهورا في زمان الصادق (عليه السلام) و قد قال المعلى دخلت على الصادق عليه السلام يوم النيروز فلا بد من أن يكون يوما معروفا في ذلك الزمان و لم يكن إلا التاريخ اليزدجردي فلا يستقيم هذا إلا بتكلف أومأنا إليه في أول الكلام و الله يعلم حقائق الأمور. الفائدة الثالثة اعلم أنه قد يستشكل في الأحاديث بأن وقوع النيروز بأي تفسير كان في التواريخ الماضية المذكورة في الروايتين المضبوطة عند المؤرخين سنة و شهرا و يوما كيوم المبعث و فتح مكة و نص الغدير غير ممكن لعدم جواز اجتماع يومين في ذلك فضلا عن الجميع لأن المبعث كان قبل الهجرة بقريب من ثلاث عشرة سنة و فتح مكة في السنة الثامنة من الهجرة و نص الغدير في العاشرة منها فكان وضع الأول بالنسبة إلى كل من الأخيرين يقتضي أن تكون الفاصلة بين النيروزين الواقعين فيهما بحسب الشهور العربية أكثر من سبعة أشهر و وضع أحد الأخيرين بالنسبة
بحار الأنوار - ج ٥٦ - الصفحة ١٠٩. — الإمام الرضا عليه السلام
إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ جَبْرَئِيلَ وَ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرِقَ بِإِبْهَامِهِ ثَمَانِيَةَ أَنْهَارٍ فِي الْأَرْضِ مِنْهَا سَيْحَانُ وَ جَيْحَانُ وَ هُوَ نَهَرُ بَلْخَ وَ الْخشوعُ وَ هُوَ نَهَرُ الشَّاشِ وَ مِهْرَانُ وَ هُوَ نَهَرُ الْهِنْدِ وَ نِيلُ مِصْرَ وَ دِجْلَةُ وَ الْفُرَاتُ فَمَا سَقَتْ أَوِ اسْتَقَتْ فَهُوَ لَنَا وَ مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِشِيعَتِنَا وَ لَيْسَ لِعَدُوِّنَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَصَبَ عَلَيْهِ وَ إِنَّ وَلِيَّنَا لَفِي أَوْسَعَ مِمَّا بَيْنَ ذِهْ إِلَى ذِهْ يَعْنِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا الْمَغْصُوبِينَ عَلَيْهَا خالِصَةً لَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِلَا غَصْبٍ. توضيح لعل التبسّم لأجل من التبعيضية يخرق كينصر و يضرب أي يشقّ و يحفر و منهم من حمل الكلام على الاستعارة التمثيلية لبيان أن حدوث الأنهار و نحوها مستندة إلى قدرة الله تعالى ردا على الفلاسفة الذين يسندونها إلى الطبائع و في أكثر النسخ هنا جيحان بالألف و في بعضها بالواو و هو أصوب لما عرفت أن نهر بلخ بالواو و على الأول إن كان التفسير من بعض الرواة فيمكن أن يكون اشتباها منه و لو كان من الإمام عليه السلام و صح الضبط كان الاشتباه من اللغويين و الشاش بلد بما وراء النهر كما في القاموس و نهره على ما ذكره البرجندي بقدر ثلثي الجيحون و منبعه من بلاد الترك من موضع عرضه اثنتان و أربعون درجة و طوله إحدى و سبعون درجة و يمر إلى المغرب مائلا إلى الجنوب إلى خجند ثم إلى فاراب ثم ينصب في بحيرة خوارزم و تسميته بالخشوع غير مذكور فيما رأينا من كتب اللغة و غيرها فما سقت أي سقته من الأشجار و الأراضي و الزروع أو استقت أي منه أي أخذت الأنهار منه و هو بحر المطيف بالدنيا أو بحر السماء فالمقصود أن أصلها و فرعها لنا أو ضمير استقت راجع إلى ما باعتبار تأنيث معناه و التقدير استقت منها و ضمير منها المقدر للأنهار فالمراد بما سقت ما جرت عليها من غير عمل و بما استقت ما شرب منها بعمل كالدولاب و شبهه و نسبة الاستسقاء إليها على المجاز كذا خطر بالبال و هو أظهر و قيل ضمير استقت راجع إلى الأنهار على الإسناد المجازي لأن الاستقاء فعل لمن يخرج الماء منها بالحفر و الدولاب يقال استقيت من البئر أي أخرجت الماء منها و بالجملة يعتبر في الاستقاء ما لا يعتبر في السقي من الكسب و المبالغة في الاعتمال إلا ما غصب عليه على بناء المعلوم و الضمير للعدو أي غصبنا عليه أو على بناء المجهول أي إلا شيء صار مغصوبا عليه يقال غصبه على الشيء أي قهره و الاستثناء منقطع إن كان اللام للاستحقاق و إن كان للانتفاع فالاستثناء متصل و ذه إشارة إلى المؤنث أصلها ذي قلبت الياء هاء المغصوبين عليها الحاصل أن خالصة حال مقدرة من قبيل قولهم جاءني زيد صائدا صقره غدا قال في مجمع البيان قال ابن عباس يعني أن المؤمنين يشاركون المشركين في الطيبات في الدنيا ثم يخلص الله الطيبات في الآخرة للذين آمنوا و ليس للمشركين فيها شيء انتهى. ثم اعلم أنه عليه السلام ذكر في الأول ثمانية و إنما ذكر في التفصيل سبعة فيحتمل أن يكون ترك واحدا منها لأنه لم يكن في مقام تفصيل الجميع بل قال منها سيحان الخبر و قيل لما كان سيحان اسما لنهرين نهر بالشام و نهر بالبصرة أراد هنا كليهما من قبيل استعمال المشترك في معنييه و هو بعيد و لعله سقط واحد منها من الرواة و كأنه كان جيحان و جيحون فظن بعض النساخ و الرواة زيادة أحدهما فأسقطه و حينئذ يستقيم التفسير أيضا. فائدة قال النيسابوري في تفسير قوله تعالى وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ قد سلف أن الماء المحيط بأكثر جوانب القدر المعمور من الأرض فذلك هو البحر المحيط و قد دخل في ذلك الماء من جانب الجنوب متصلا بالمحيط الشرقي و منقطعا عن الغربي إلى وسط العمارة أربعة خليجات الأول إذا ابتدأ من المغرب الخليج البربري لكونه في حدود بربر من أرض الحبشة طوله من الجنوب إلى الشمال مائة و ستون فرسخا و عرضه خمسة و ثلاثون فرسخا و على ضلعه الغربي بلاد كفار الحبشة و بعض الزنج و على الشرقي بلاد مسلمي الحبشة و الثاني الخليج الأحمر طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة و ستون فرسخا و عرضه بقرب منتهاه ستون فرسخا و بين طرفه و فسطاط مصر الذي على شرق النيل مسيرة ثلاثة أيام على البر و على ضلعه الغربي بعض بلاد البربر و بعض بلاد الحبشة و على ضلعه الشرقي سواحل عليها فرضه مدينة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لقوافل مصر و الحبشة إلى الحجاز ثم سواحل اليمن ثم عدن على الذؤابة الشرقية منه الثالث خليج فارس طوله من الجنوب إلى الشمال أربعمائة و ستون فرسخا و عرضه قريب من مائة و ثمانين فرسخا و على سواحل ضلعه الغربي بلاد عمان و لهذا ينسب البحر هناك إليها و جملة ولاية الغرب و إحيائهم من الحجاز و اليمن و الطائف و غيرها و بواديهم بين الضلع الغربي من هذا البحر و الشرقي من الخليج الأحمر فلهذا سميت العمارة الواقعة بينهما جزيرة العرب و فيها مكة زادها الله شرفا و على سواحل ضلعه الشرقي بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران ثم سواحل السند الرابع الخليج الأخضر مثلث الشكل آخذ من الجنوب إلى الشمال ضلعه الشرقي بلاد فارس ثم هرموز ثم مكران متصل بالمحيط الشرقي و ضلعه الغربي خمسمائة فرسخ تقريبا و على سواحل هذا الضلع ولايات الصين و لهذا يسمى بحر الصين و من زاويته الغربية إلى زاوية من بحر فارس يسمى بحر الهند لكون بعض ولايتهم على سواحله و أيضا فقد دخل إلى العمارة من جانب الغرب خليج عظيم يمر من جانب الجنوب على كثير من بلاد المغرب و يحاذي أرض السودان و ينتهي إلى بلاد مصر و الشام و من جانب الشمال على بلاد الروس و الجلالقة و الصقالبة إلى بلاد الروم و الشام و يتشعب منه شعبة من شمال أرض الصقالبة إلى أرض مسلمي بلغار يسمى بحر ورنك طوله المعلوم مائة فرسخ و عرضه ثلاث و ثلاثون و إذا جاوز تلك النواحي امتد نحو المشرق عما وراء جبال غير مسلوكة و أرض غير مسكونة و تتشعب منه أيضا شعبة يسمى بحر طرابزون فهذه هي البحار المتصلة بالمحيط و أما غير المتصلة فأعظمها بحر طبرستان و جيلان و باب الأبواب و الخزر و أبسيكون لكون هذه الولايات على سواحله مستطيل الشكل آخذ من المشرق إلى المغرب بأكثر من مائتين و خمسين فرسخا و من الجنوب إلى الشمال بقرب من مائتين و من عجائب البحار الحيوانات المختلفة الأعظام و الأنواع و الأصناف و منها الجزائر الواقعة فيها فقد يقال في بحر الهند من الجزائر العامرة ألف و ثلاثمائة و سبعون منها جزيرة عظيمة في أقصى البحر مقابل أرض الهند في ناحية المشرق و عند بلاد الصين تسمى جزيرة سرانديب دورها ثلاثة آلاف ميل فيها جبال عظيمة و أنهار كثيرة و منها يخرج الياقوت الأحمر و حول هذه الجزيرة تسع عشرة جزيرة عامرة فيها مدائن و قرى كثيرة و من جزائر هذا البحر جزيرة كله التي يجلب منها الرصاص القلعي و جزيرة سريرة التي يجلب منها الكافور و غرائب البحر كثيرة و لهذا قيل حدث عن البحر و لا حرج و سئل بعض العقلاء ما رأيت من عجائب البحر قال سلامتي منه. تتمة قالت الحكماء في سبب انفجار العيون من الأرض أن البخار إذا احتبس في داخل من الأرض لما فيها من ثقب و فرج يميل إلى جهة فيبرد بها فينقلب مياها مختلطة بأجزاء بخارية فإذا كثر لوصول مدد متدافع إليه بحيث لا تسعه الأرض أوجب انشقاق الأرض و انفجرت منها العيون أما الجارية على الولاء فهي إما لدفع تاليها سابقها أو لانجذابه إليه لضرورة عدم الخلاء بأن يكون البخار الذي انقلب ماء و فاض إلى وجه الأرض ينجذب إلى مكانه ما يقوم مقامه لئلا يكون خلاء فينقلب هو أيضا ماء و يفيض و هكذا استتبع كل جزء منه جزء آخر و أما العيون الراكدة فهي حادثة من أبخرة لم تبلغ من كثرة موادها و قوتها أن يحصل منها معاونة شديدة أو يدفع اللاحق السابق و أما مياه القنى و الآبار فهي متولدة من أبخرة ناقصة القوة عن أن يشق الأرض فإذا أزيل ثقل الأرض عن وجهها صادفت منفذا تندفع إليه بأدنى حركة فإن لم يجعل هناك مسيل فهو البئر و إن جعل فهو القناة و نسبة القنى إلى الآبار كنسبة العيون السيالة إلى الراكدة و يمكن أن تكون هذه المياه متولدة كما قاله أبو البركات البغدادي من أجزاء مائية متولدة من أجزاء متفرقة في ثقب أعماق الأرض و منافذها إذا اجتمعت بل هذا أولى لكون مياه العيون و الآبار و القنوات تزيد بزيادة الثلوج و الأمطار قال الشيخ في النجاة و هذه الأبخرة إذا انبعثت عيونا أمدت البحار بصب الأنهار إليها ثم ارتفع من البحار و البطائح و الأنهار و بطون الجبال خاصة أبخرة أخرى ثم قطرت ثانيا إليها فقامت بدل ما يتحلل منها على الدور دائما. الآيات البقرة يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَ السَّماءَ بِناءً وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ الرعد وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَ أَنْهاراً وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ جَعَلَ فِيها زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ وَ جَنَّاتٌ مِنْ أَعْنابٍ وَ زَرْعٌ وَ نَخِيلٌ صِنْوانٌ وَ غَيْرُ صِنْوانٍ يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ إبراهيم اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دائِبَيْنِ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ الحجر وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها مَعايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ النحل هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَ مِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَ الزَّيْتُونَ وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ وَ سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ وَ ما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَ هُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيًّا وَ تَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَها وَ تَرَى الْفُلْكَ مَواخِرَ فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ أَنْهاراً وَ سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ إلى قوله تعالى وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ الكهف إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا طه لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى و قال تعالى الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْ نَباتٍ شَتَّى كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى مِنْها خَلَقْناكُمْ وَ فِيها نُعِيدُكُمْ وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى الأنبياء وَ جَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَ جَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ الشعراء أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَ ما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ و قال تعالى أَ تُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ وَ تَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ النمل أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَراراً وَ جَعَلَ خِلالَها أَنْهاراً وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أَ إِلهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ لقمان خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَ أَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ فاطر أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوانُها وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَ غَرابِيبُ سُودٌ وَ مِنَ النَّاسِ وَ الدَّوَابِّ وَ الْأَنْعامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ يس وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ وَ جَعَلْنا فِيها جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ وَ فَجَّرْنا فِيها مِنَ الْعُيُونِ لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَ ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَ فَلا يَشْكُرُونَ سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ المؤمن اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَراراً وَ السَّماءَ بِناءً السجدة وَ مِنْ آياتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَ رَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْياها لَمُحْيِ الْمَوْتى إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ حمعسق وَ مِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ ما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَ هُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ الزخرف الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً وَ جَعَلَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ الجاثية وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ق وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَ ذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ الذاريات وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الرحمن وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ وَ الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَ الرَّيْحانُ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ الحديد اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ الطلاق اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً الملك هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَ كُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَ إِلَيْهِ النُّشُورُ نوح وَ اللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِساطاً لِتَسْلُكُوا مِنْها سُبُلًا فِجاجاً المرسلات أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفاتاً أَحْياءً وَ أَمْواتاً وَ جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ النبأ أَ لَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهاداً وَ الْجِبالَ أَوْتاداً وَ خَلَقْناكُمْ أَزْواجاً وَ جَعَلْنا نَوْمَكُمْ سُباتاً وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً وَ جَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً وَ بَنَيْنا فَوْقَكُمْ سَبْعاً شِداداً وَ جَعَلْنا سِراجاً وَهَّاجاً وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَ نَباتاً وَ جَنَّاتٍ أَلْفافاً الطارق وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ الغاشية أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَ إِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَ إِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ الشمس 6 وَ الْأَرْضِ وَ ما طَحاها تفسير الَّذِي خَلَقَكُمْ قيل إنه تعالى عدّد في هذا المقام عليهم خمسة دلائل اثنين من الأنفس و هما خلقهم و خلق أصولهم و ثلاثة من الآفاق بجعل الأرض فراشا و السماء بناء و الأمور الحاصلة من مجموعهما و هي إنزال الماء من السماء و إخراج الثمرات بسببه و سبب هذا الترتيب ظاهر لأن أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه ثم مأمنه و منشؤه و أصله ثم الأرض التي هي مكانه و مستقرّه يقعدون عليها و ينامون و يتقلّبون كما يتقلّب أحدهم على فراشه ثم السماء التي كالقبّة المضروبة و الخيمة المبنية على هذا القرار ثم ما يحصل من شبه الازدواج بين المقلّة و المظلّة من إنزال الماء عليها و الإخراج به من بطنها أشباه النسل من الحيوان ألوان الغذاء و أنواع الثمار رزقا لبني آدم و أيضا خلق المكلفين أحياء قادرين أصل لجميع النعم و أما خلق الأرض و السماء فذلك إنما ينتفع به بشرط حصول الخلق و الحياة و القدرة و الشهوة و ذكر الأصول مقدّم على ذكر الفروع و أيضا كل ما كان في السماء و الأرض من الدلائل على وجود الصانع فهو حاصل في الإنسان بزيادة الحياة و القدرة و الشهوة و العقل و لما كانت وجوه الدلالة فيه أتم كان تقديمه في الذكر أهم. و الفراش اسم لما يفرش كالبساط لما يبسط و ليس من ضرورات الافتراش أن يكون سطحا مستويا كالفراش على ما ظنّ فسواء كانت كذلك و على شكل الكرة فالافتراش غير مستنكر و لا مدفوع لعظم جرمها و تباعد أطرافها و لكنه لا يتم الافتراش عليها ما لم تكن ساكنة في حيزها الطبيعي و هو وسط الأفلاك لأن الأثقال بالطبع تميل إلى تحت كما أن الخفاف بالطبع تميل إلى فوق و الفوق من جميع الجوانب ما يلي السماء و التحت ما يلي المركز فكما أنه يستبعد حركة الأرض في ما يلينا إلى جهة السماء فكذلك يستبعد هبوطها في مقابلة ذلك لأن ذلك الهبوط صعود أيضا إلى السماء فإذن لا حاجة في سكون الأرض و قرارها في حيزها إلى علاقة من فوقها و لا إلى دعامة من تحتها بل يكفي في ذلك ما أعطاها خالقها و ركز فيها من الميل الطبيعي إلى الوسط الحقيقي بقدرته و اختياره إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ و مما من الله على عباده في خلق الأرض أن لم تجعل في غاية الصلابة كالحجر و لا في غاية اللين و الانغمار كالماء ليسهل النوم و المشي عليها و أمكنت الزراعة و اتخاذ الأبنية منها و يتأتى حفر الآبار و إجراء الأنهار و منها أن لم تخلق في نهاية اللطافة و الشفيف لتستقر الأنوار عليها و تتسخن منها فيمكن جوازها. و منها أن جعلت بارزة بعضها من الماء مع أن طبعها الغوص فيها لتصلح لتعيش الحيوانات البرية عليها و سبب انكشاف ما برز منها و هو قريب من ربعها إن لم تخلق صحيحة الاستدارة بل خلقت هي و الماء بمنزلة كرة واحدة يدل على ذلك في ما بين الخافقين تقدم طلوع الكواكب و غروبها للمشرقيين على طلوعها و غروبها للمغربيين و في ما بين الشمال و الجنوب ازدياد ارتفاع القطب الظاهر و انحطاط الخفي للواغلين في الشمال و بالعكس للواغلين في الجنوب و تركب الاختلافين لمن يسير على سمت بين السمتين إلى غير ذلك من الأعراض الخاصة بالاستدارة يستوي في ذلك راكب البر و راكب البحر و هذه الجبال و إن شمخت لا تخرجها عن أصل الاستدارة لأنها بمنزلة الخشونة القادحة في ملاسة الكرة لا في استدارتها. و منها الأشياء المتولدة فيها من المعادن و النبات و الحيوان و الآثار العلوية و السفلية و لا يعلم تفاصيلها إلا موجدها و منها اختلاف بقاعها في الرخاوة و الصلابة و الدماثة و الوعورة بحسب اختلاف الحاجات و الأغراض وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ و منها اختلاف ألوانها وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَ حُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَ غَرابِيبُ سُودٌ و منها انصداعها بالنبات وَ الْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ و منها جذبها للماء المنزل من السماء وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ و منها العيون و الأنهار العظام التي فيها وَ الْأَرْضَ مَدَدْناها و منها أن لها طبع الكرم و السماحة تأخذ واحدة و ترد سبعمائة كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ و منها حياتها و موتها وَ آيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْناها و منها الدواب المختلفة وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ و منها النباتات المتنوعة وَ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ فاختلاف ألوانها دلالة و اختلاف طعومها دلالة و اختلاف روائحها دلالة فمنها قوت البشر و منها قوت البهائم كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ و منها الطعام و منها الإدام و منها الدواء و منها الفواكه و منها كسوة البشر نباتية كالقطن و الكتان و حيوانية كالشعر و الصوف و الإبريسم و الجلود و منها الأحجار المختلفة بعضها للزينة و بعضها للأبنية فانظر إلى الحجر الذي تستخرج منه النار مع كثرته و انظر إلى الياقوت الأحمر مع عزته و انظر إلى كثرة النفع بذلك الحقير و قلة النفع بهذا الخطير و منها ما أودع الله تعالى فيها من المعادن الشريفة كالذهب و الفضة. ثم تأمل أن البشر استنبطوا الحرف الدقيقة و الصنائع الجليلة و استخرجوا السمك من قعر البحر و استنزلوا الطير من أوج الهواء و عجزوا عن اتخاذ الذهب و الفضة و السبب فيه أن معظم فائدتهما ترجع إلى الثمنية و هذه الفائدة لا تحصل إلا عند العزة و القدرة على اتخاذهما تبطل هذه الحكمة فلذلك ضرب الله دونهما بابا مسدودا و من هاهنا اشتهر في الألسنة من طلب المال بالكيمياء أفلس. و منها ما يوجد على الجبال و الأراضي من الأشجار الصالحة للبناء و السقف و الحطب و ما اشتد إليه الحاجة في الخبز و الطبخ و لعل ما تركناه من الفوائد أكثر مما عددناه فإذا تأمل العاقل في هذه الغرائب و العجائب اعترف بمدبر حكيم و مقدر عليم إن كان ممن يسمع و يبصر و يعتبر. و أما منافع السماء فإن الله تعالى زينها بمصابيح وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ و بالقمر وَ جَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً و بالشمس وَ جَعَلَ الشَّمْسَ سِراجاً و بالعرش رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ و بالكرسي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ و باللوح فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ و بالقلم ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ و سماها سقفا محفوظا و سبعا طباقا و سبعا شدادا و ذكر أن خلقها مشتمل على حكم بليغة و غايات صحيحة رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا وَ ما خَلَقْنَا السَّماءَ وَ الْأَرْضَ وَ ما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا و جعلها مصعد الأعمال و مهبط الأنوار و قبلة الدعاء و محل الضياء و الصفاء و جعل لونها أنقع الألوان و هو المستنير و شكلها أفضل الأشكال و هو المستدير و نجومها رجوما للشياطين و علامات يهتدى بها في ظلمات البر و البحر و قيض للشمس طلوعا و سهل معه التقلب لقضاء الأوطار في الأطراف و غروبا يصلح معه الهدء و القرار في الأكناف لتحصيل الراحة و انبعاث القوة الهاضمة و تنفيذ الغذاء إلى الأعضاء و أيضا لو لا الطلوع لانجمدت المياه و غلبت البرودة و الكثافة و أفضت إلى جمود الحرارة الغريزية و انكسار سورتها و لو لا الغروب لحميت الأرض حتى يحترق كل من عليها من حيوان و نبات فهي بمنزلة السراج يوضع لأهل بيت بمقدار حاجتهم ثم يرفع عنهم ليستقروا و يستريحوا فصار النور و الظلمة مع تضادهما متظاهرين على ما فيه صلاح قطان الأرض. و أما ارتفاع الشمس و انحطاطها فقد جعله الله تعالى سببا لإقامة الفصول الأربعة ففي الشتاء تغور الحرارة في الشجر و النبات فيتولد منه مواد الثمار و يستكثف الهواء فيكثر السحاب و المطر و تقوى أبدان الحيوانات بسبب احتقان الحرارة الغريزية في البواطن و في الربيع تتحرك الطبائع و تظهر المواد المتولدة في الشتاء و ينور الشجر و يهيج الحيوان للسفاد و في الصيف يحتدم الهواء فتنضج الثمار و تتحلل فضول الأبدان و يجف وجه الأرض و يتهيأ للعمارة و الزراعة و في الخريف يظهر البرد و اليبس فتدرك الثمار و تستعد الأبدان قليلا قليلا للشتاء. و أما القمر فهو تلو الشمس و خليفتها و به يعلم عدد السنين و الحساب و تضبط المواقيت الشرعية و منه يحصل النماء و الرواء و قد جعل الله في طلوعه مصلحة و في غيبته مصلحة يحكى أن أعرابيا نام عن جمله ليلا ففقده فلما طلع القمر وجده فنظر إلى القمر و قال إن الله صورك و نورك و على البروج دورك فإذا شاء نورك و إذا شاء كورك فلا أعلم مزيدا أسأله لك فإن أهديت إلي سرورا فقد أهدى الله إليك نورا ثم أنشأ في ذلك أبياتا. و قال الجاحظ إذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كل ما يحتاج إليه فالسماء مرفوعة كالسقف و الأرض ممدودة كالبساط و النجوم منضودة كالمصابيح و الإنسان كما لك البيت المتصرف فيه و ضروب النبات مهيأة لمنافعه و صنوف الحيوان متصرفة في مصالحه فهذه جملة واضحة دالة على أن العالم مخلوق بتدبير كامل و تقدير شامل و حكمة بالغة و قدرة غير متناهية. ثم إنهم اختلفوا في أن السماء أفضل أم الأرض قال بعضهم السماء أفضل لأنها معبد الملائكة و ما فيها بقعة عصي الله فيها و لما أتى آدم بالمعصية أهبط من الجنة و قال الله لا يسكن في جواري من عصاني و قال تعالى وَ جَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً و قال تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً و ورد في الأكثر ذكر السماء مقدما على ذكر الأرض و السماوات مؤثرة و الأرضيات متأثرة و المؤثر أشرف من المتأثر. و قال آخرون بل الأرض أفضل لأنه تعالى وصف بقاعا من الأرض بالبركة إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً و فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَ مَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها يعني أرض الشام و وصف جملة الأرض بالبركة وَ بارَكَ فِيها وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ فإن قيل أي بركة في المفاوز المهلكة قلت إنها مساكن الوحوش و مراعيها و مساكن الناس إذا احتاجوا إليها و مساكن خلق لا يعلمهم إلا الله تعالى فلهذه البركات قال فِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ تشريفا لهم لأنهم هم المنتفعون بها كما قال هُدىً لِلْمُتَّقِينَ و خلق الأنبياء منها مِنْها خَلَقْناكُمْ و أودعهم فيها وَ فِيها نُعِيدُكُمْ و أكرم نبيه المصطفى فجعل الأرض كلها له مسجدا و طهورا. و معنى إخراج الثمرات بالماء و إنما خرجت بقدرته و مشيته أنه جعل الماء سببا في خروجها و مادة لها كالنطفة في خلق الولد و هو قادر على إنشاء الأشياء بلا أسباب و مواد كما أنشأ نفوس الأسباب و المواد و لكن له في هذا التدريج و التسبيب حكما يتبصر بها من يستبصر و يتفطن لها من يعتبر و من في مِنَ الثَّمَراتِ للتبعيض كما أنه قصد بتنكير السَّماءَ و رِزْقاً معنى البعضية فكأنه قيل و أنزلنا من السماء بعض الماء فأخرجنا به بعض الثمرات ليكون بعض رزقكم و يجوز أن يكون للبيان كقولك أنفقت من الدراهم ألفا و الند المثل المناوي وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ حال من ضمير فَلا تَجْعَلُوا و مفعول تَعْلَمُونَ مطروح أي حالكم أنكم من أهل العلم و النظر و أصابه الرأي فلو تأملتم أدنى تأمل اضطر عقلكم إلى إثبات موجد للممكنات منفرد بوجود الذات متعال عن مشابهة المخلوقات أو منوي و هو أنها لا تماثله و لا تقدر على مثل ما يفعله. وَ هُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ قال الرازي أي جعل الأرض بذلك المقدار المعين الحاصل لا أزيد و لا أنقص و الدليل عليه هو أن كون الأرض أزيد مقدارا مما هو الآن أو أنقص منه أمر جائز فاختصاصه بذلك المقدار المعين لا بد و أن يكون بتخصيص مخصص و بتقدير مقدر و قال أبو بكر الأصم المد البسط إلى ما يدرك منتهاه أي جعل حجمها عظيما و إلا لما كمل الانتفاع بها و قال قوم كانت الأرض مدورة فمدها و دحاها من مكة من تحت البيت فذهبت كذا و كذا و هذا إنما يتم إذا كانت الأرض مسطحة لا كرة و هو خلاف ما ثبت بالدليل و مد الأرض لا ينافي كونها كرة و لأن الكرة إذا كانت في غاية الكبر كان كل قطعة منها تشاهد كالسطح. وَ جَعَلَ فِيها رَواسِيَ أي جبالا ثابتة باقية في أحيازها غير منتقلة عن أمكنتها و الاستدلال بها على وجود الصانع القادر الحكيم من وجوه الأول أن طبيعة الأرض طبيعة واحدة فحصول الجبل في بعض جوانبها دون البعض لا بد و أن يكون بتخليق القادر الحكيم قال الفلاسفة هذه الجبال إنما تولدت لأن البحار كانت في هذا الجانب من العالم فكان يتولد من البحر طين لزج ثم يقوى تأثير الشمس فيها فينقلب حجرا كما نشاهد في كوز الفقاع ثم إن الماء كان يغور و يقل فيتحجر البقية فلهذا السبب تولدت هذه الجبال قالوا و إنما كانت البحار حاصلة في هذا الجانب من العالم لأن أوج الشمس و حضيضها متحركان ففي الدهر الأقدم كان حضيض الشمس في جانب الشمال و الشمس متى كانت في حضيضها كانت أقرب إلى الأرض فكان التسخين أقوى و شدة السخونة توجب انجذاب الرطوبات فحين كان الحضيض في جانب الشمال كانت البحار في جانب الشمال و الآن لما انتقل الأوج إلى جانب الشمال و الحضيض إلى جانب الجنوب انتقلت البحار إلى جانب الجنوب فبقيت هذه الجبال في الشمال هذا حاصل كلام القوم في هذا الباب و هو ضعيف من وجوه الأول أن حصول الطين في البحر أمر عام فلم حصل الجبل في بعض الجوانب دون بعض. الثاني هو أنا نشاهد في بعض الجبال كأن تلك الأحجار موضوعة سافا فسافا كان البناء بناه من لبنات كثيرة موضوع بعضها على بعض و يبعد حصول مثل هذا التركيب من السبب الذي ذكروه. الثالث أن أوج الشمس الآن قريب من أول السرطان فعلى هذا من الوقت الذي انتقل أوج الشمس إلى الجانب الشمالي مضى قريبا من تسعة آلاف سنة و بهذا التقدير إن الجبال كانت في هذه المدة الطويلة في التفتت فوجب أن لا يبقى من الأحجار شيء لكن ليس الأمر كذلك فعلمنا أن السبب الذي ذكروه ضعيف. و الوجه الثاني من الاستدلال بأحوال الجبال على وجود الصانع ذي الجلال ما يحصل فيها من معادن الفلزات السبعة و مواضع الجواهر النفيسة و قد يحصل منها معادن الزاجات و الأملاح و قد تحصل معادن النفط و القير و الكبريت فكون الأرض واحدة في الطبيعة و كون الجبل واحدا في الطبيعة و كون تأثير الشمس واحدا في الكل يدل دلالة ظاهرة على أن الكل بتقدير قادر قاهر متعال عن مشابهة الممكنات و المحدثات. و الوجه الثالث أن بسببها تتولد الأنهار على وجه الأرض و ذلك لأن الحجر جسم صلب فإذا تصاعدت الأبخرة من قعر الأرض و وصلت إلى الجبل احتبست هناك و لا يزال يتكامل الأمر فيحصل تحت الجبال مياه كثيرة ثم إنها لكثرتها و قوتها تنقب و تخرج و تسيل على وجه الأرض فمنفعة الجبال في تولد الأنهار هو من هذا الوجه و لهذا السبب في أكثر الأمر أينما ذكر الله تعالى الجبال قرن بها ذكر الأنهار مثل هذه الآية و مثل قوله وَ جَعَلْنا فِيها رَواسِيَ شامِخاتٍ وَ أَسْقَيْناكُمْ ماءً فُراتاً ثم استدل سبحانه بعجائب خلقة النبات بقوله وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إلخ فإن الحبة إذا وقعت في أرض و أثرت فيها نداوة الأرض ربت و كبرت و بسبب ذلك ينشق أعلاها و أسفلها فيخرج من الشق الأعلى الشجرة الصاعدة و من الشق الأسفل العروق الغائصة في أسفل الأرض و هذا من العجائب أن طبيعة تلك الحبة واحدة و تأثير الطبائع و الأفلاك و الكواكب فيها واحد ثم إنه خرج من الجانب الأعلى من تلك الحبة جرم صاعد إلى الهواء و من الجانب الأسفل منه جرم غائص في الأرض و من المحال أن يتولد من الطبيعة الواحدة طبيعتان متضادتان فعلمنا أن ذلك كان بسبب تدبير المدبر الحكيم و المقدر القديم لا بسبب الطبع و الخاصية. ثم إن الشجرة النابتة في تلك الحبة بعضها يكون خشبة و بعضها نورا و بعضها ثمرة ثم إن تلك الثمرة أيضا تحصل فيها أجسام مختلفة الطبائع فالجوز له أربعة أنواع من القشور القشر الأعلى و تحته القشرة الخشبية و تحته القشرة المحيطة باللب و تحت تلك القشرة قشرة أخرى في غاية الرقة تمتاز عما فوقها حال كون الجوز و اللوز رطبا و أيضا فقد تحصل في الثمرة الواحدة الطبائع المختلفة فالأترج قشره حار يابس و لحمه حار رطب و حماضه بارد يابس و بذره حار يابس و كذلك العنب قشره و عجمه باردان يابسان و لحمه و ماؤه حار رطب فتولد هذه الطبائع المختلفة من الحبة الواحدة مع تساوي تأثيرات الطبائع و تأثيرات الأنجم و الأفلاك لا بد و أن يكون لأجل الحكيم القديم. و المراد بزوجين اثنين صنفين اثنين و الاختلاف إما من حيث الطعم كالحلو و الحامض أو الطبيعة كالحار و البارد أو اللون كالأبيض و الأسود و فائدة قوله اثنين بيان أن كل نوع حصل من فردين كالإنسان من آدم و حواء و هكذا. إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ إنما قال ذلك لأن الفلاسفة يسندون الحوادث إلى اختلاف الأشكال الكوكبية فما لم تقم الدلالة على دفع هذا السؤال لا يتم المقصود و دفعه بوجهين الأول أنه إن سلمنا جواز ذلك فلا بد من استناد الأفلاك و أوضاعها إلى واجب الوجود بالذات القادر الحكيم و الثاني ما يذكر في الآيات الآتية حيث قال وَ فِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ الآية و تقريره من وجهين الأول أنه حصل في الأرض قطع مختلفة بالطبيعة و هي مع ذلك متجاورة فبعضها تكون سبخة و بعضها حرة و بعضها صلبة و بعضها حجرية أو رملية و بعضها طينا لزجا ثم إنها متجاورة و تأثير الشمس و سائر الكواكب في تلك القطع على السوية و دل هذا على اختلافها في صفاتها بتقدير المقدر العليم. و الثاني أن القطعة الواحدة من الأرض تسقى بماء واحد يكون تأثير الشمس فيها متشابها ثم إن تلك الثمار تجيء مختلفة في الطعم و اللون و الطبيعة و الخاصية حتى إنك قد تأخذ عنقودا من العنب و تكون جميع حباته حلوة نضيجة إلا الحبة الواحدة فإنها بقيت حامضة يابسة و نحن نعلم بالضرورة أن نسبة الطبائع و الأفلاك إلى الكل على السوية بل نقول هاهنا ما يعد أعجب منه و هو أنه يوجد في بعض أنواع الورد ما يكون أحد وجهيه في غاية الحمرة و الوجه الثاني في غاية السواد مع أن ذلك الورد في غاية الرقة و النعومة فيستحيل أن يقال وصل تأثير الشمس إلى أحد طرفيه دون الثاني و هذا يدل دلالة قطعية على أن الكل بتقدير الفاعل المختار لا بسبب الاتصالات الفلكية و هو المراد من قوله تعالى يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَ نُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ فبهذا تمت الحجة فإن هذه الحوادث السفلية لا بد لها من مؤثر و بينا أن ذلك المؤثر ليس هو الكواكب و الأفلاك و الطبائع فعند هذا يجب القطع بأنه لا بد من فاعل مختار آخر سوى هذه الأشياء فعند هذا يتم الدليل و لا يبقى بعده للتفكر مقام فلهذا قال هاهنا إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ لأنه لا دافع لهذه الحجة إلا أن يقال إنها حدثت لا لمؤثر و لا يقوله عاقل و الجنة البستان الذي يحصل فيه النخل و الكرم و الزرع و الصنوان جمع صنو مثل قنوان و قنو و الصنو أن يكون الأصل واحدا و تنبت منه النخلتان و الثلاثة و أكثر فكل واحد صنو و عن ابن الأعرابي الصنو المثل أي متشابهة و غير متشابهة و عن الزجاج الأكل الثمر الذي يؤكل و عن غيره الأكل المهيأ للأكل. و اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مبتدأ و خبر وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ امتن على عباده بتسخير الفلك لأن انتفاع العباد يتوقف عليها لأنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض بنوع آخر من النعمة حتى أن نعمة هذا الطرف إذا نقلت إلى الجانب الآخر من الأرض أو بالعكس كثر الربح في التجارات و لا يمكن هذا إلا بسفن البر و هي الجمال أو بسفن البحر و هي الفلك و نسبة التسخير إلى نفسه لأنه سبحانه خلق الأشجار الصلبة التي منها يمكن تركيب السفن و لو لا خلقه الحديد و سائر الآلات و لو لا تعريفه العباد كيف يتخذونه و لو لا أنه تعالى خلق الماء على صفة السلاسة التي باعتبارها يصح جري السفينة و لو لا خلقه تعالى الرياح و خلق الحركات القوية فيها و لو لا أنه وسع الأنهار و جعل لها من العمق ما يجوز جري السفن فيها لما وقع الانتفاع بالسفن فصار لأجل أنه تعالى هو الخالق لهذه الأحوال و هو المدبر لهذه الأمور و المسخر لها حسنت إضافته إليه و أضاف التسخير إلى أمره لأن الملك العظيم قل ما يوصف أنه فعل و إنما يقال فيه إنه أمر بكذا تعظيما لشأنه. وَ سَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهارَ لما كان ماء البحر قل ما ينتفع في الزراعات لعمقه و ملوحته ذكر تعالى إنعامه على الخلق بتفجير الأنهار و العيون حتى ينبعث الماء منها إلى مواضع الزروع و النباتات و أيضا ماء البحر لا يصلح للشرب وَ آتاكُمْ مِنْ كُلِّ ما سَأَلْتُمُوهُ قيل أي بلسان حالكم بحسب استعداداتكم و قابلياتكم وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها قال الرازي اعلم أن الإنسان إذا أراد أن يعرف أن الوقوف على أقسام نعم الله ممتنع فعليه أن يتأمل في شيء واحد ليعرف عجز نفسه و نحن نذكر منه مثالين المثال الأول أن الأطباء ذكروا أن الأعصاب قسمان منها دماغية و منها نخاعية أما الدماغية فإنها سبعة ثم أتعبوا أنفسهم في معرفة الحكم الناشئة من كل واحد من تلك الأرواح السبعة ثم مما لا شك فيه أن كل واحد من تلك الأرواح السبعة تنقسم إلى شعب كثيرة و كل واحد من تلك الشعب أيضا إلى شعب دقيقة أدق من الشعر و لكل واحد منها ممر إلى الأعضاء و لو أن شعبة واحدة اختلت إما بسبب الكمية و الكيفية أو بسبب الوضع لاختلت مصالح البنية ثم إن تلك الشعب الدقيقة تكون كثيرة العدد جدّا و لكل واحد منها حكمة مخصوصة فإذا نظر الإنسان في هذا المعنى عرف أن لله بحسب كل شظية من تلك الشظايا العصبية على العبد نعمة عظيمة لو فاتت لعظم الضرر عليه و عرف قطعا أنه لا سبيل له إلى الوقوف عليها و الاطلاع على أحوالها و عند هذا يقطع بصحة قوله تعالى وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها و كما اعتبرت هذا في الشظايا العصبية فاعتبر مثله في الشرايين و الأوردة في كل واحد من الأعضاء البسيطة و المركبة بحسب الكمية و الكيفية و الوضع و الفعل و الانفعال و أقسام هذا الباب بحر لا يساحل و إذا اعتبرت هذا في بدن الإنسان الواحد فاعرف أقسام نعم الله تعالى في نفسه و في روحه فإن عجائب عالم الأرواح أكثر من عجائب عالم الأجساد ثم لما اعتبرت حال الحيوان الواحد فعند ذلك اعتبر أحوال عالم الأفلاك و الكواكب و طبقات العناصر و عجائب البر و البحر و النبات و الحيوان و عند هذا تعرف أن عقول جميع الخلائق لو ركبت و جعلت عقلا واحدا ثم بذلك العقل يتأمل الإنسان في عجائب حكمة الله تعالى في أقل الأشياء لما أدرك منها إلا القليل فسبحانه و تقدس عن أوهام المتوهمين. المثال الثاني أنه إذا أخذت اللقمة الواحدة لتضعها في الفم فانظر إلى ما قبلها و ما بعدها أما الأمور التي قبلها إن تلك اللقمة من الخبز لا تتم و لا تكمل إلا إذا كان هذا العالم بكليته قائما على الوجه الأصوب لأن الحنطة لا بد منها و إنها لا تنبت إلا بمعونة الفصول الأربعة و تركيب الطبائع و ظهور الأرياح و الأمطار و لا يحصل شيء منها إلا بعد دوران الأفلاك و اتصال بعض الكواكب ببعض على وجوه مخصوصة في الحركات و في كيفيتها في الجهة و في السرعة و البطء ثم بعد تكون الحنطة لا بد من آلات الطحن و الخبز و هي لا تحصل إلا عند تولد الحديد في أرحام الجبال ثم إن الآلات الحديدية لا يمكن إصلاحها إلا بآلات أخرى حديدية سابقة عليها و لا بد من انتهائها إلى آلة حديدية هي أول هذه الآلات فتأمل أنها كيف تكونت على الأشكال المخصوصة ثم إذا حصلت تلك الآلات فانظر أنه لا بد من اجتماع العناصر الأربعة و هي الأرض و الماء و الهواء و النار حتى يمكن طبخ الخبز من ذلك الدقيق فهذا هو النظر في ما تقدم على هذه اللقمة. أما النظر في ما بعد حدوثها فتأمل في تركيب بدن الحيوان و هو أنه تعالى كيف خلق هذه الأبدان حتى يمكنها الانتفاع بتلك اللقمة و أنه كيف يتضرر الحيوان في الأكل و في أي الأعضاء تحدث تلك المضار و لا يمكنك أن تعرف القليل من هذه الأشياء إلا بمعرفة علم التشريح و علم الطب بالكلية فظهر بما ذكرنا أن الانتفاع باللقمة الواحدة لا يمكن معرفته إلا بمعرفة جملة هذه الأمور و العقول قاصرة عن إدراك ذرة من هذه المباحث فظهر بالبراهين الباهرة صحة قوله تعالى وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها انتهى كلامه. و أقول يمكن سلوك طريق آخر في ذلك أدق و أوسع مما ذكره بأن يقال بعد أن عرفت النعم التي على إنسان واحد كزيد مثلا من السماوات و الكواكب و العرش و الكرسي و جميع الأرضيات فإن لها جميعا مدخلا في وجوده و بقائه و نموه فنقول جميع هذه النعم متعلقة بعمرو أيضا لمدخليتها في وجوده و بقائه أيضا و كل هذه أيضا نعمة لزيد لتوقف وجود زيد و بقائه على وجود عمرو لكون الإنسان مدنيا بالنوع و كذا بالنسبة إلى بكر و خالد و كذا كل نعمة لله على كل حيوان من الحيوانات التي لها مدخل في نظام أحوال الإنسان فهي نعمة على زيد مرة بذاته و مرة باعتبار كونها نعمة على كل واحد واحد من أفراد البشر لمدخلية وجودهم في وجوده و نظام أحواله فيضرب عدد تلك النعم في عدد الأشخاص و الحيوانات مرات لا تتناهى. ثم لما كان وجود زيد موقوفا على وجود أبويه فكل نعمة على كل من أبويه و على كل من كان في عصر أبويه نعمة عليه و كذا كل نعمة على والدي بكر و خالد نعمة عليه لتوقف وجوده و بقائه و نظام أحواله على وجود بكر و وجوده متوقف على وجود والديه و وجودهما و بقاؤهما و سائر أمورهما متوقفة على جميع النعم على أهل عصرهما فمن هذه الجهة أيضا جميعها نعمة عليه فيضرب جميع هذه الأعداد الغير المتناهية في جميع تلك الأعداد الغير المتناهية مرات غير متناهية ثم ننقل الكلام في كل عصر من الأعصار و آباء كل منهم إلى أن ينتهي إلى آدم و حواء عليها السلام و يضرب كل من تلك المراتب في ما حصل من المراتب السابقة و هذا حساب لا يحيط به علم البشر و لو اجتمع جميع المحاسبين من الثقلين و أرادوا استيفاء حساب مرتبة من هذه المراتب لا يقدرون عليه مع أن كل قطرة من قطرات البحار و كل ذرة من ذرات الجو و الأرض نعمة على كل شخص من الأشخاص فسبحان من لا يقدر على إحصاء شعبة واحدة من شعب نعمه الغير المتناهية إلا هو و له الحمد بعدد كل نعمة له علينا و على كل خلق من مخلوقاته. إِنَّ الْإِنْسانَ لَظَلُومٌ يظلم النعمة بإغفال شكرها أو يظلم نفسه بأن يعرضها للحرمان كَفَّارٌ شديد الكفران و قيل ظلوم في الشدة يشكو و يجزع كفار في النعمة يجمع و يمنع. مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ قيل أي بميزان الحكمة و مقدر بقدر الحاجة و ذلك أن الوزن سبب معرفة المقدار فأطلق اسم السبب على المسبب و قيل أي له وزن و قدر في أبواب النعمة و المنفعة و قيل أراد أن مقاديرها من العناصر معلومة و كذا مقدار تأثير الشمس و الكواكب فيها و قيل أي متناسب محكوم عليه عند العقول السليمة بالحسن و اللطافة يقال كلام موزون أي متناسب و فلان موزون الحركات و قيل أراد ما يوزن من نحو الذهب و الفضة و النحاس و غيرها من الموزونات كأكثر الفواكه و النبات. وَ جَعَلْنا لَكُمْ فِيها أي في الأرض أو في الجبال أو في تلك الموزونات مَعايِشَ ما يتوصل به إلى المعيشة وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقِينَ عطف على محل لكم أو على معايش أي و جعلنا لكم من لستم له برازقين و أراد بهم العيال و المماليك و الخدم الذين رازقهم في الحقيقة هو الله وحده لا الآباء و السادات و المخاديم و يدخل فيه بحكم التغليب غير ذوي العقول من الأنعام و الدواب و الوحوش و الطير كقوله وَ ما مِنْ دَابَّةٍ... إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ الذي هو الغذاء الأصلي وَ الزَّيْتُونَ الذي هو فاكهة من وجه و غذاء من وجه لكثرة ما فيه من الدهن وَ النَّخِيلَ وَ الْأَعْنابَ اللتين هما أشرف الفواكه ثم أشار إلى سائر الثمرات بقوله وَ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ قال الزمخشري إنما لم يقل و كل الثمرات لأن كلها لا تكون إلا في الجنة و قيل قدم الغذاء الحيواني في قوله سبحانه وَ الْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَ مَنافِعُ وَ مِنْها تَأْكُلُونَ على الغذاء النباتي لأن النعمة فيه أعظم لأنه أسرع تشبها ببدن الإنسان و في ذكر الغذاء النباتي قدم غذاء الحيوان و هو الشجر على غذاء الإنسان و هو الزرع و غيره بناء على مكارم الأخلاق و هو أن يكون اهتمام الإنسان بحال من تحت يده أكمل من اهتمامه بحال نفسه. وَ ما ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي خلق فيها من حيوان و شجر و ثمر و غير ذلك مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ فإن ذرء هذه الأشياء على حاله اختلاف الألوان و الأشكال مع تساوي الكل في الطبيعة الجسمية و في تأثير الفلكيات فيها آية على وجود الصانع تعالى شأنه. رَواسِيَ أي جبالا ثوابت أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ أي كراهة أن تميد بكم و تضطرب وَ أَنْهاراً أي و جعل فيها أنهارا لأن ألقى فيه معناه وَ سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ لمقاصدكم أو إلى معرفة الله وَ عَلاماتٍ أي معالم تستدل بها السابلة من جبل و منهل و ريح و نحو ذلك وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ بالليل في البراري و البحار إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ حيث يتجاوز عن تقصيركم في أداء شكرها رَحِيمٌ لا يقطعها لتفريطكم فيه و لا يعاجلكم بالعقوبة على كفرانها. إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَها قيل ما على الأرض المواليد الثلاثة المعادن و النباتات و الحيوانات و أشرفها الإنسان و قيل لا يدخل المكلف فيه لأن ما على الأرض ليس زينة لها على الحقيقة و إنما هو لأهلها لغرض الابتلاء فالذي له الزينة يكون خارجا عن الزينة لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا في تعاطيه و هو من زهد فيه و لم يغتر به و قنع منه بالكفاف. لَهُ ما فِي السَّماواتِ قال الرازي مالك لما في السماوات من ملك و نجم و غيرهما و مالك لما في الأرض من المعادن و الفلزات و مالك لما بينهما من الهواء و مالك لما تحت الثرى فإن قيل الثرى هو السطح الأخير من العالم فلا يكون تحته شيء فكيف يكون الله تعالى مالكا له قلنا الثرى في اللغة هو التراب الندي فيحتمل أن تكون تحته شيء فهو إما الثور أو الحوت أو الصخرة أو البحر أو الهواء على اختلاف الروايات انتهى. و قال الطبرسي ره الثرى التراب الندي يعني و ما وارى الثرى من كل شيء و قيل يعني ما في ضمن الأرض من الكنوز و الأموات. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْداً أي كالمهد تتمهدونها وَ سَلَكَ لَكُمْ فِيها سُبُلًا أي و حصل لكم فيها سبلا بين الجبال و الأودية و البراري تسلكونها من أرض إلى أرض لتبلغوا منافعها وَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً أي مطرا فَأَخْرَجْنا بِهِ قيل عدل من لفظ الغيبة إلى التكلم على الحكاية لكلام الله تعالى تنبيها على ظهور ما فيه من الدلالة على كمال القدرة و الحكمة و إيذانا بأنه مطاع تنقاد الأشياء المختلفة بمشيّته أَزْواجاً أي أصنافا مِنْ نَباتٍ بيان و صفة لأزواجا و كذلك شَتَّى و يحتمل أن يكون صفة للنبات فإنه من حيث إنه مصدر في الأصل يستوي فيه الواحد و الجمع و هو جمع شتيت كمريض و مرضى أي متفرقات في الصور و الأعراض و المنافع يصلح بعضها للناس و بعضها للبهائم فلذلك قال كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ و هو حال من ضمير فَأَخْرَجْنا على إرادة القول أي أخرجنا أصناف النبات قائلين كُلُوا وَ ارْعَوْا أَنْعامَكُمْ و المعنى معدّيها لانتفاعكم بالأكل و العلف آذنين فيه لِأُولِي النُّهى أي لذوي العقول الناهية عن اتباع الباطل و ارتكاب القبائح جمع نهية - وَ عَنِ الصَّادِقِ (عليه السلام) نَحْنُ أُولُو النُّهَى. وَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم خِيَارُكُمْ أُولُو النُّهَى قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ أُولُو النُّهَى قَالَ هُمْ أُولُو الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ وَ الْأَحْلَامِ الرَّزِينَةِ وَ صِلَةِ الْأَرْحَامِ وَ الْبَرَرَةُ بِالْأُمَّهَاتِ وَ الْآبَاءِ وَ الْمُتَعَاهِدُونَ لِلْفُقَرَاءِ وَ الْجِيرَانِ وَ الْيَتَامَى وَ يُطْعِمُونَ الطَّعَامَ وَ يُفْشُونَ السَّلَامَ فِي الْعَالَمِ وَ يُصَلُّونَ وَ النَّاسُ نِيَامٌ غَافِلُونَ.. مِنْها خَلَقْناكُمْ فإن التراب أصل خلقه أول آبائكم و أول مواد أبدانكم و سيأتي وجه آخر في الخبر إن شاء الله وَ فِيها نُعِيدُكُمْ بالموت و تفكيك الأجزاء وَ مِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى بتأليف أجزائكم المتفتتة المختلطة بالتراب على الصور السابقة و رد الأرواح فيها. وَ جَعَلْنا فِيها أي في الأرض أو في الرواسي فِجاجاً سُبُلًا مسالك واسعة و إنما قدم فِجاجاً و هو وصف له ليصير حالا يدل على أنه حين خلقها كذلك أو ليبدل منها سُبُلًا فيدل ضمنا على أنه خلقها و وسعها للسابلة مع ما يكون فيه من التأكيد لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ إلى مصالحهم. أَ وَ لَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ أي أ و لم ينظروا في عجائبها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ أي محمود كثير المنفعة و هو صفة لكل ما يحمد و يرضى قيل و هاهنا يحتمل أن تكون مقيدة لما يتضمن الدلالة على القدرة و أن تكون مبينة منبهة على أنه ما من نبت إلا و له فائدة إما وحده أو مع غيره و كل لإحاطة الأزواج و كم لكثرتها إِنَّ فِي ذلِكَ أي في إثبات تلك الأصناف أو في كل واحد لَآيَةً على أن منبتها تام القدرة و الحكمة سابغ النعمة و الرحمة. أَ تُتْرَكُونَ إنكار لأن يتركوا كذلك أو تذكير بالنعمة في تخلية الله إياهم و أسباب تنعمهم آمنين ثم فسر بقوله فِي جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ نَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ أي لطيف لين للطف التمر أو لأن النخل أنثى و طلع إناث النخل ألطف و هو يطلع منها كنصل السيف في جوفه شماريخ القنو أو متدل منكسر من كثرة الحمل فارِهِينَ أي حاذقين أو بطرين حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ أي ذات منظر حسن يبتهج به من رآه و لم يقل ذوات بهجة لأنه أراد تأنيث الجماعة و لو أراد تأنيث الأعيان لقال ذوات قَوْمٌ يَعْدِلُونَ أي يشركون بالله غيره قَراراً أي مستقرا لا تميل و لا تميد بأهلها وَ جَعَلَ خِلالَها أي في وسط الأرض و في مسالكها و نواحيها أَنْهاراً جارية ينبت بها الزرع و يحيي به الخلق وَ جَعَلَ لَها رَواسِيَ أي ثوابت أثبتت بها الأرض وَ جَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حاجِزاً أي مانعا من قدرته بين العذب و المالح فلا يختلط أحدهما بالآخر مُخْتَلِفاً أَلْوانُها قيل أي أجناسها أو أوصافها على أن كلا منها لها أصناف مختلفة أو هيأتها من الصفرة و الخضرة و نحوهما وَ مِنَ الْجِبالِ جُدَدٌ أي ذو جدد و خطوط و طرائق يقال جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها بالشدة و الضعف وَ غَرابِيبُ سُودٌ عطف على بيض أو على جدد كأنه قيل و من الجبال ذو جدد مختلف اللون و منها غرابيب متحدة اللون و هو تأكيد مضمر يفسره فإن الغربيب تأكيد للأسود و حق التأكيد أن يتبع المؤكد مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ كَذلِكَ أي كاختلاف الثمار و الجبال إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ إذ شرط الخشية معرفة المخشي و العلم بصفاته و أفعاله فمن كان أعلم به كان أخشى منه إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب عن عصيانه. وَ أَخْرَجْنا مِنْها حَبًّا المراد جنس الحب فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ قيل قدم الصلة للدلالة على أن الحب معظم ما يؤكل و يعاش به مِنْ نَخِيلٍ وَ أَعْنابٍ أي من أنواع النخل و العنب مِنَ الْعُيُونِ أي شيئا من العيون و من مزيدة عند الأخفش مِنْ ثَمَرِهِ أي من ثمر ما ذكر و هو الجنات و قيل الضمير لله على طريقة الالتفات و الإضافة إليه لأن الثمر مخلوقة وَ ما عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ عطف على الثمر و المراد ما يتخذ منه العصير و الدبس و نحوهما و قيل ما نافية و المراد أن الثمر بخلق الله لا بفعلهم أَ فَلا يَشْكُرُونَ أمر بالشكر من حيث إنه إنكار لتركه خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها أي الأنواع و الأصناف مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ من النبات و الشجر وَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ الذكر و الأنثى وَ مِمَّا لا يَعْلَمُونَ أي و أزواجا مما لم يطلعهم الله عليه و لم يجعل لهم طريقا إلى معرفته. تَرَى الْأَرْضَ خاشِعَةً أي يابسة متطأمنة مستعار من الخشوع بمعنى التذلل اهْتَزَّتْ أي تحركت بالنبات وَ رَبَتْ أي انتفخت و ارتفعت قبل أن تنبت و قيل اهتزت بالنبات و ربت بكثرة ريعها وَ ما بَثَ عطف على السماوات أو الخلق مِنْ دابَّةٍ قيل أي من حي على إطلاق اسم السبب على المسبب أو مما يدب على الأرض و ما يكون في أحد الشيئين يصدق أنه فيهما في الجملة إِذا يَشاءُ أي في أي وقت يشاء قَدِيرٌ متمكن منه. وَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً بأن خلقها نافعة لكم مِنْهُ حال من ما أي سخر هذه الأشياء كائنة منه أو خبر لمحذوف أي هي جميعا منه أو لما في السماوات و سَخَّرَ لَكُمْ تكرير للتأكيد أو لما في الأرض مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ أي من كل صنف حسن لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ أي راجع إلى ربه متفكر في بدائع صنعه. وَ الْأَرْضَ فَرَشْناها أي مهدناها ليستقروا عليها فَنِعْمَ الْماهِدُونَ أي نحن وَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ أي نوعين لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ فتعلموا أن التعدد من خواص الممكنات و أن الواجب بالذات لا يقبل الانقسام و التعدد - وَ رُوِيَ عَنِ الرِّضَا (عليه السلام) فِي خُطْبَةٍ طَوِيلَةٍ قَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ مَشْرُوحاً وَ بِمُضَادَّتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا ضِدَّ لَهُ وَ بِمُقَارَنَتِهِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ عُرِفَ أَنْ لَا قَرِينَ لَهُ ضَادَّ النُّورَ بِالظُّلْمَةِ وَ الْيُبْسَ بِالْبَلَلِ وَ الْخَشِنَ بِاللَّيِّنِ وَ الصَّرْدَ بِالْحَرُورِ مُؤَلِّفاً بَيْنَ مُتَعَادِيَاتِهَا مُفَرِّقاً بَيْنَ مُتَدَانِيَاتِهَا دَالَّةً بِتَفْرِيقِهَا عَلَى مُفَرِّقِهَا وَ بِتَأْلِيفِهَا عَلَى مُؤَلِّفِهَا وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ وَ مِنْ كُلِ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَ الْأَرْضَ وَضَعَها أي حفظها مدحوّة لِلْأَنامِ للخلق و قيل الأنام كل ذي روح فِيها فاكِهَةٌ أي ضروب مما يتفكّه به وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ هي أوعية التمر جمع كمّ أو كل ما يكمّ أي يغطّى من ليف و سعف و كفرّى فإنه ينتفع به كالمكموم و كالجذع وَ الْحَبُ كالحنطة و الشعير سائر ما يتغذّى به ذُو الْعَصْفِ هو ورق النبات اليابس كالتين وَ الرَّيْحانُ يعني المشموم أو الرزق من قولهم خرجت أطلب ريحان الله - وَ عَنِ الرِّضَا عليه السلام وَ الْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ قَالَ لِلنَّاسِ فِيها فاكِهَةٌ وَ النَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ قَالَ يَكْبُرُ ثَمَرُ النَّخْلِ فِي الْقَمْعِ ثُمَّ يَطْلُعُ مِنْهُ قَوْلُهُ وَ الْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَ الرَّيْحانُ قَالَ الْحَبُّ الْحِنْطَةُ وَ الشَّعِيرُ وَ الْحُبُوبُ وَ الْعَصْفُ التِّينُ وَ الرَّيْحَانُ مَا يُؤْكَلُ مِنْهُ. فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ المخاطبة للثقلين - وَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ فِي الْبَاطِنِ مُخَاطَبَةٌ لِلْأَوَّلِينَ وَ الْمَعْنَى فَبِأَيِّ النِّعْمَتَيْنِ تَكْفُرَانِ بِمُحَمَّدٍ أَمْ بِعَلِيٍّ وَ فِي خَبَرٍ آخَرَ بِالنَّبِيِّ أَمْ بِالْوَصِيِّ.. وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ قال الطبرسي ره و في الأرض خلق مثلهن في العدد لا في الكيفية لأن كيفية السماء مخالفة لكيفية الأرض و ليس في القرآن آية تدل على أن الأرضين سبع مثل السماوات إلا هذه الآية و لا خلاف في السماوات أنها سماء فوق سماء و أما الأرضون فقال قوم إنها سبع أرضين طباقا بعضها فوق بعض كالسماوات لأنها لو كانت مصمتة لكانت أرضا واحدة و في كل أرض خلق خلقهم الله تعالى كيف شاء - و روى أبو صالح عن ابن عباس أنها سبع أرضين ليس بعضها فوق بعض تفرق بينهن البحار و تظل جميعهن السماء و الله سبحانه أعلم بصحة ما استأثر بعلمه و اشتبه على خلقه. وَ قَدْ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام قَالَ: بَسَطَ كَفَّيْهِ ثُمَّ وَضَعَ الْيُمْنَى عَلَيْهَا فَقَالَ هَذِهِ الْأَرْضُ الدُّنْيَا وَ السَّمَاءُ الدُّنْيَا عَلَيْهَا قُبَّةٌ وَ الْأَرْضُ الثَّانِيَةُ فَوْقَ سَمَاءِ الدُّنْيَا السَّمَاءُ الثَّانِيَةُ فَوْقَهَا قُبَّةٌ وَ الْأَرْضُ الثَّالِثَةُ فَوْقَ السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ وَ
بحار الأنوار - ج ٥٧ - الصفحة ٤٦. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
جَاءَتْ زَيْنَبُ الْعَطَّارَةُ الْحَوْلَاءُ إِلَى نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ بَنَاتِهِ وَ كَانَتْ تَبِيعُ مِنْهُنَّ الْعِطْرَ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ هِيَ عِنْدَهُنَّ فَقَالَ إِذَا أَتَيْتِنَا طَابَتْ بُيُوتُنَا فَقَالَتْ بُيُوتُكَ بِرِيحِكَ أَطْيَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ إِذَا بِعْتِ فَاحْشِي وَ لَا تَغُشِّي فَإِنَّهُ أَتْقَى وَ أَبْقَى لِلْمَالِ فَقَالَتْ مَا جِئْتُ لِشَيْءٍ مِنْ بَيْعِي وَ إِنَّمَا جِئْتُكَ أَسْأَلُكَ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ سَأُحَدِّثُكِ عَنْ بَعْضِ ذَلِكِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ بِمَنْ فِيهَا وَ مَنْ عَلَيْهَا عِنْدَ الَّتِي تَحْتَهَا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ هَاتَانِ وَ مَنْ فِيهِمَا وَ مَنْ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الَّتِي تَحْتَهُمَا كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ الثَّالِثَةُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّابِعَةِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ وَ مِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَ وَ السَّبْعُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ مَنْ عَلَيْهِنَّ عَلَى ظَهْرِ الدِّيكِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ الدِّيكُ لَهُ جَنَاحٌ بِالْمَشْرِقِ وَ جَنَاحٌ بِالْمَغْرِبِ وَ رِجْلَاهُ فِي التُّخُومِ وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ بِمَنْ فِيهِ وَ مَنْ عَلَيْهِ عَلَى الصَّخْرَةِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ وَ الصَّخْرَةُ بِمَنْ فِيهَا وَ مَنْ عَلَيْهَا عَلَى ظَهْرِ الْحُوتِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ وَ الصَّخْرَةُ وَ الْحُوتُ عِنْدَ الْبَحْرِ الْمُظْلِمِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ وَ الصَّخْرَةُ وَ الْحُوتُ وَ الْبَحْرُ الْمُظْلِمُ عِنْدَ الْهَوَاءِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ وَ الصَّخْرَةُ وَ الْحُوتُ وَ الْبَحْرُ الْمُظْلِمُ وَ الْهَوَاءُ عِنْدَ الثَّرَى كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ ما بَيْنَهُما وَ ما تَحْتَ الثَّرى ثُمَّ انْقَطَعَ الْخَبَرُ وَ السَّبْعُ وَ الدِّيكُ وَ الصَّخْرَةُ وَ الْحُوتُ وَ الْبَحْرُ الْمُظْلِمُ وَ الْهَوَاءُ وَ الثَّرَى بِمَنْ فِيهِ وَ مَنْ عَلَيْهِ عِنْدَ السَّمَاءِ الْأُولَى كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ هَذَا وَ السَّمَاءُ الدُّنْيَا وَ مَنْ فِيهَا وَ مَنْ عَلَيْهَا عِنْدَ الَّتِي فَوْقَهَا كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ هَذَا وَ هَاتَانِ السَّمَاوَانِ عِنْدَ الثَّالِثَةِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ هَذَا وَ هَذِهِ الثَّلَاثُ عِنْدَ الرَّابِعَةِ بِمَنْ فِيهِنَّ وَ مَنْ عَلَيْهِنَّ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّابِعَةِ وَ هَذِهِ السَّبْعُ وَ مَنْ فِيهِنَّ وَ مَنْ عَلَيْهِنَّ عِنْدَ الْبَحْرِ الْمَكْفُوفِ عَنْ أَهْلِ الْأَرْضِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الْبَحْرُ الْمَكْفُوفُ عِنْدَ جِبَالِ الْبَرَدِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ وَ هَذِهِ السَّبْعُ وَ الْبَحْرُ الْمَكْفُوفُ وَ جِبَالُ الْبَرَدِ عِنْدَ حُجُبِ النُّورِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ هُوَ سَبْعُونَ أَلْفَ حِجَابٍ يَذْهَبُ نُورُهَا بِالْأَبْصَارِ وَ هَذَا وَ السَّبْعُ وَ الْبَحْرُ الْمَكْفُوفُ وَ جِبَالُ الْبَرَدِ وَ الْهَوَاءُ وَ الْحُجُبُ عِنْدَ الْهَوَاءِ الَّذِي تَحَارُ فِيهِ الْقُلُوبُ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ السَّبْعُ وَ الْبَحْرُ الْمَكْفُوفُ وَ جِبَالُ الْبَرَدِ وَ الْهَوَاءُ وَ الْحُجُبُ فِي الْكُرْسِيِّ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ وَ لا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَ هُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ وَ هَذِهِ السَّبْعُ وَ الْبَحْرُ الْمَكْفُوفُ وَ جِبَالُ الْبَرَدِ وَ الْهَوَاءُ وَ الْحُجُبُ وَ الْكُرْسِيُّ عِنْدَ الْعَرْشِ كَحَلْقَةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى مَا تَحْمِلُهُ الْأَمْلَاكُ إِلَّا بِقَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ. الكافي، عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن صفوان عن خلف بن حماد مثله بيان فإنه أتقى أي أقرب إلى التقوى و أنسب بها أو احفظ لصاحبه عن مفاسد الدنيا و الآخرة و قال الجوهري الفلاة المفازة و قال القيّ بالكسر و التشديد فعل من القواء و هي الأرض القفر الخالية و قال التخم منتهى كلّ قرية أو أرض يقال فلان على تخم من الأرض و الجمع تخوم قوله عليه السلام ثم انقطع الخبر و في الكافي عند الثرى و المعنى أنا لم نخبر به أو لم نؤمر بالإخبار به قوله المكفوف عن أهل الأرض أي ممنوع عنهم لا ينزل منه ماء إليهم و في الكافي بعد قوله مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ هكذا و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد عند الهواء الذي تحار فيه القلوب كحلقة في فلاة قي و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد و الهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قي و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد و الهواء عند حجب النور كحلقة في فلاة قي و هذه السبع و البحر المكفوف و جبال البرد و الهواء و حجب النور عند الكرسي إلى قوله و تلا هذه الآية الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى ثم قال و في رواية الحسن الحجب قبل الهواء الذي تحار فيه القلوب أي كانت الرواية في كتاب الحسن بن محبوب هكذا موافقا لما نقله الصدوق. ثم اعلم أن الخبر يدل على أن الأرضين طبقات بعضها فوق بعض و قد يستشكل فيما اشتمل عليه هذا الخبر من أن الأرضين السبع و الديك و الصخرة و الحوت و البحر المظلم و الهواء و الثرى عند السماء الأولى كحلقة في فلاة قي فيدل على أن جميع ذلك ليس لها قدر محسوس عند فلك القمر مع أن الأرض وحدها لها قدر محسوس عنده بدلالة الخسوف و اختلاف المنظر و غير ذلك مما علم في الأبعاد و الأجرام و قد يجاب عن ذلك بأنه لما لم يمكن أن تحمل النسب التي ذكرت بين هذه الموجودات في هذا الحديث على النسب المقدارية التي اعتبر مثلها بين الحلقة و الفلاة اللتين هما المشبه بهما في جميع المراتب فإنه خلاف ما دل عليه العقول الصحيحة السليمة بعد التأمل في البراهين الهندسية و الحسابية التي لا يحوم حولها الشك أصلا و لا تعتريها الشبهة قطعا فيمكن أن يأول و يحمل على أن المعنى أن نسبة الحكم و المصالح المرعية في خلق كل من تلك المراتب إلى ما روعي فيما ذكر بعده كنسبة مقدار الحلقة إلى الفلاة ليدل على أن ما يمكننا أن نشاهد أو ندرك من آثار صنعه و عجائب حكمته في الشواهد ليس له نسبة محسوسة إلى أدنى ما هو محجوب عنا فكيف إلى ما فوقه و أجاب آخرون بأن المعنى ارتفاع ثقل كل من تلك الموجودات عما اتصل به فالطبقة الأولى من الأرض رفع الله ثقلها عن الطبقة الثانية فليس ثقلها عليها إلا كثقل حلقة على فلاة سواء كانت أكبر منها حجما أو أصغر و أقول على ما احتملنا سابقا من كون جميع الأفلاك أجزاء من السماء الدنيا داخلة فيها كما هو ظاهر الآية الكريمة يمكن حمل هذا التشبيه على ظاهره من غير تأويل و الله يعلم حقائق الموجودات.
بحار الأنوار - ج ٥٧ - الصفحة ٨٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
[1/3] 49- وَ عَنْ جُحَيْفَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي سَفَرِهِ الَّذِي نَامُوا فِيهِ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ ثُمَّ قَالَ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَرَدَّ اللَّهُ إِلَيْكُمْ أَرْوَاحَكُمْ. 50 شِهَابُ الْأَخْبَارِ، قَالَ النَّبِيُّ
صلى الله عليه وآله وسلم الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ مَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ. ضوء الشهاب هذا الحديث مما تسكب فيه العبرات و لا تؤمن في تفسيره العثرات و أنا مورد فيه بقدر ما رزقني الله تعالى من العلم به فأقول إن أصل كلمة روح موضوع للطيب و الطهارة فتسمى روح الإنسان روحا و الملائكة المطهرون أرواحا و روح القدس جبرئيل عليه السلام و الروح اسم ملك آخر قال تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا و عيسى عليه السلام روح الله و النسبة إلى الملائكة و الجن روحاني بالضم و هم الروحانيون و يقال لكل ذي روح روحاني قاله أبو عبيدة و الروح الراحة و مكان روحاني طيب و الريح واحدة الرياح و الأرواح أصلها روح فقلبت الواو ياء لمكان كسرة الراء و الراح و الرياح بفتح الراء الخمر و روح و ريحان أي رحمة و رزق و الروح و النسيم و الريحان المشموم و من ذلك الروح التي يحيا بها الإنسان سميت بذلك لطهارتها و طيبها في الخلقة و في مبدإ التكوين و قال أصحاب الأصول الروح النفس المتردد في مخارق الحي و على ذلك قال الشاعر فقلت له ارفعها إليك و أحيها.* * * بروحك و اجعلها له قبة قدرا. و ما يقوله قوم من أن الأرواح قائمة بالأجساد و أنها كانت قبل الأجساد بكذا و كذا عاما و أنها غير داخلة في الأجساد و لا خارجة منها و أنها تفنى إلى غير ذلك فنحن مستغنون عن ذكره فيما نحن بصدده و كتب الأصول و الجدل أولى بذكر ذلك فقال بعض من تكلم في هذا الحديث إنه على حذف المضاف و التقدير ذوو الأرواح و هذا قريب المأخذ و عند جماعة من محققي أصحاب الأصول أنه يجوز عقلا أن يكون الله تعالى إذا استشهد الشهيد أو توفي النبي أو الصالح من بني آدم ينتزع من جسده أجزاء بقدر ما تحل الحياة التي كانت الجملة بها حية فيها فيردها إلى تلك الأجزاء فتصير حيا و إن كانت جثة صغيرة فيرفعه إلى حيث شاء فإنه لا اعتبار في الحي بالجثة و ظاهر الكتاب يشهد بصحة ذلك حيث يقول تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ إلى قوله تعالى وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ و فِي الْحَدِيثِ أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعَلَّقُ مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالْعَرْشِ. و هذا الحديث مما يعضد هذه المقالة فعلى هذا تتعارف هذه الأجساد اللطيفة بعد موت صاحبها كما كانت في دار الدنيا تعرف بعضها بعضا فتتباشر فتأتلف و بالعكس. و رَوَتْ عَائِشَةُ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مُخَنَّثاً قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ عَلَى مُخَنَّثٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُخَنَّثٌ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ الْحَدِيثَ. - وَ رُوِيَ عَنْهُ صلى الله عليه وآله وسلم الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَتَشَامُّ كَمَا تَشَامُّ الْخَيْلُ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ فَلَوْ أَنَّ مُؤْمِناً جَاءَ إِلَى مَجْلِسٍ فِيهِ مِائَةُ مُنَافِقٍ لَيْسَ فِيهِمْ إِلَّا مُؤْمِنٌ وَاحِدٌ لَجَاءَ حَتَّى يَجْلِسَ إِلَيْهِ. أو كما قال وَ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَتِ امْرَأَةٌ بِمَكَّةَ تَدْخُلُ عَلَى نِسَاءِ قُرَيْشٍ تُضْحِكُهُنَّ فَلَمَّا هَاجَرْتُ إِلَى الْمَدِينَةِ دَخَلَتِ الْمَدِينَةَ فَدَخَلَتْ عَلَيَّ قُلْتُ فُلَانَةُ مَا أَقْدَمَكِ قَالَتْ إِلَيْكُنَّ قُلْتُ فَأَيْنَ نَزَلْتِ قَالَتْ عَلَى فُلَانَةَ امْرَأَةٍ مُضْحِكَةٍ بِالْمَدِينَةِ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ دَخَلَتْ فُلَانَةُ الْمُضْحِكَةُ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم فَعَلَى مَنْ نَزَلَتْ قُلْتُ عَلَى فُلَانَةَ قَالَ الْمُضْحِكَةِ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِنَّ الْأَرْوَاحَ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ الْحَدِيثَ.. و في كلام بعضهم الروح نقاب أي يعلم بالأشياء و هذه كناية عن العلم و الفطنة و الذكاء و المعرفة و الدهاء و العرب تعبر بالروح عن الحياة و الله الموفق. و أقول إن تحقيق أمر الروح عسير و لا يعلم حقيقة ذلك إلا من خلقه و أوجده و ركبه وَ ما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا و لو أراد الله تعالى أن يعلم حقيقته و ماهيته بكنهه لأعلمناه و قال وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي فقال حتى نسكت عما أسكت الله عنه و قد أوردت بعض ما سمعت فيه و علمت و أنت محكم فانظر فيه و احكم و التوقف فيه فرض من لا فرض له و الله أعلم و أحكم ثم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم و فائدة الحديث إعلام أن الجنس إلى الجنس أميل و إليه أسوق و أشوق و التعارف مما يجر الائتلاف و بالعكس و راوية الحديث عائشة. شِهَابُ الْأَخْبَارِ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَ الْفِضَّةِ. الضوء المعدن مستقر الجوهر من قولك عدن بالمكان إذا أقام فيه و منه جَنَّاتُ عَدْنٍ أي إقامة و الذهب الجسد المعروف الذي ذهب الناس فيه و القطعة ذهبة و ذهب الرجل إذا رأى القطعة الكبيرة من الذهب في المعدن فدهش و الفضة أحد الثمنين و هو أحد الأجساد أيضا فيقول صلى الله عليه وآله وسلم الناس متفاوتون كتفاوت المعادن متفاضلون كتفاضل الجواهر المجلوبة منها فمنها الذهب و الفضة و النحاس و الحديد و الأسرب و الرصاص و الزرنيخ و الفيروزج و غير ذلك و كان الغرض النبوي أن يعلمك أن الناس متفاوتون أمثال الفلز و الخرز ليسوا بأمثال و إن كانوا من جنس واحد و مورد هذا الحديث على العكس من مورد الحديث الذي قبله يعني قوله صلى الله عليه وآله وسلم الناس كأسنان المشط فكأنه صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا صادفت أحدا فتعرف أحواله و تجسس أفعاله و أقواله فإن كان صالحا فعليك به فهو من المعدن النفيس فإن كان طالحا فالهرب الهرب منه فهو من المعدن الخسيس و فائدة الحديث الإعلام بتفاوت الناس على أنهم بنو الرجل و راوي الحديث أبو هريرة و تمام الحديث خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا يعني أن الخيار منهم في الجاهلية إذا تفقهوا فهم الخيار في الإسلام و الله أعلم. بيان قال الطيبيّ هو تشبيه بليغ فكمعادن الذهب تأكيد أو مجاز عن التفاوت أي الناس متفاوتون في النسب بالشرف و الضعة كتفاوت المعدن في الذهب و الفضة و ما دونهما و تفاوتهم في الإسلام بالقبول لفيض الله بحسب العلم و الحكمة على مراتب و عدم قبوله و قيد إذا فقهوا يفيد أن الإيمان يرفع تفاوت الجاهلية فإذا تحلى بالعلم استجلب النسب الأصلي فيجتمع شرف النسب و الحسب و فيه أن الوضيع العالم أرفع من الشريف الجاهل. 52 الشِّهَابُ، النَّاسُ كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَا تَجِدُ فِيهَا رَاحِلَةً وَاحِدَةً. الضوء الناس أصله أناس فخفف و ليس الألف و اللام عوضا من الهمزة المحذوفة لأنهما تجتمعان مع الهمزة كقوله إن المنايا يطلعن على الأناس الآمنينا و الناس بن مضر بن نزار اسم قيس عيلان و الإبل البعران الكثيرة و لا واحد له من لفظه و أبل الوحشي يأبل أبولا و أبل يأبل إبلا اجتزأ عن الماء شبهت بالإبل في الصبر عن الماء و تأبل الرجل عن امرأته إذا ترك مقاربتها و رجل آبل و أبل حسن القيام على إبله و إبل مأبلة أي مجموعة و الراحلة البعير الذي يصلح للارتحال و راحله عاونه على رحلته و المعنى و الله أعلم أنه ذم للناس و أنه قلما يقع فيهم من هو كامل في بابه و قال أبو عبيد يعني أنهم متساوون ليس لأحد منهم فضل على أحد في النسب و لكنهم أشباه و أمثال كإبل مائة ليس فيها راحلة تتبين فيها و تتميز منها بالتمام و حسن المنظر و الراحلة عند العرب تكون الجمل النجيب و الناقة النجيبة يختارها الرجل لمركبه و دخول الهاء في الراحلة للمبالغة كما تقول رجل داهية و راوية للشعر و علامة و نسابة و يقال إنها إنما سميت راحلة لأنها ترحل كما قال تعالى فِي عِيشَةٍ راضِيَةٍ أي مرضية و كما قال تعالى مِنْ ماءٍ دافِقٍ أي مدفوق قال و يقال لفلان إبل إذا كانت له مائة من الإبل و إبلان إذا كانت له مائتان و يقال للمائة منها هنيدة معرفة لا تنصرف و قال أبو سليمان الخطابي يقال للمائتين هنيد بغير هاء و العهدة عليه و قال ابن قتيبة الراحلة هي التي يختارها الرجل لمركبه و رحله على النجابة و تمام الخلق و حسن المنظر فإذا كانت في جماعة الإبل عرفت يقول الناس متساوون ليس لأحد منهم فضل في النسب و لكنهم أشباه كإبل مائة ليس فيها راحلة و قد خطأه أبو منصور الأزهري لفظا و معنى أما اللفظة فمن حيث جعل الناقة هي الراحلة قال و ليس الجمل عنده راحلة و الراحلة عند العرب تكون الجمل النجيب و الناقة النجيبة و أما المعنى أنه يعز فيهم الكامل الفاضل زهدا في الدنيا و رغبة في الآخرة هذا معنى كلام الأزهري و فائدة الحديث ذم الناس و أن الكامل فيهم قلما يوجد و راوي الحديث عبد الله بن عمر. بيان قال في النهاية يعني أن المرضي المنتجب من الناس في عزة وجوده كالنجيب من الإبل القوي على الأحمال و الأسفار الذي لا يوجد في كثير من الإبل قال الأزهري الذي عندي فيه أن الله تعالى ذم الدنيا و حذر العباد سوء مغبتها و ضرب لهم فيها الأمثال ليعتبروا و يحذروا و كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحذرهم ما حذرهم الله و يزهدهم فيها فرغب أصحابه بعده فيها تنافسوا عليها حتى كان الزهد في النادر القليل منهم. - فَقَالَ صلى الله عليه وآله وسلم تَجِدُونَ النَّاسَ مِنْ بَعْدِي كَإِبِلٍ مِائَةٍ لَيْسَ فِيهَا رَاحِلَةٌ.. أي أن الكامل في الزهد في الدنيا و الرغبة في الآخرة قليل كقلة الراحلة في الإبل و الراحلة هي البعير القوي على الأسفار و الأحمال النجيب التام الخلق الحسن المنظر و يقع على الذكر و الأنثى و الهاء فيه للمبالغة انتهى و قال الكرماني و قيل أي الناس في أحكام الدين سواء لا فضل فيها لشريف على مشروف و لا لرفيع على وضيع كإبل لا راحلة فيها و هي التي ترحل لتركب أي كلها تصلح للجمل لا للركوب. أقول قد مر بعض الأخبار المناسبة لهذا الباب في أبواب المعاد و أبواب خلق أرواح النبي صلى الله عليه وآله وسلم و الأئمة عليهم السلام و سيأتي بعضها في الأبواب الآتية إن شاء الله تعالى. قال شارح المقاصد في بيان آراء الحكماء و المتكلمين في النفس لما عرفت أن الجوهر المجرد إن تعلق بالبدن تعلق التدبير و التصرف فنفس و إلا فعقل و قد يطلق لفظ النفس على ما ليس بمجرد بل مادي كالنفس النباتية التي هي مبدأ أفاعيله من التغذية و التنمية و التوليد و النفس الحيوانية التي هي مبدأ الحس و الحركة الإرادية و يجعل النفس الأرضية اسما لها و النفس الناطقة الإنسانية فيفسر بأنها كمال أول لجسم طبيعي إلى ذي حياة بالقوة ثم قال مقتضى قواعدهم أي الفلاسفة أن يكون في الإنسان نفس هي مبدأ تعقل الكليات و أخرى مبدأ الحركات و الإحساسات و أخرى مبدأ التغذية و التنمية و توليد المثل لكن ذكر في شرح الإشارات و غيره أن ليس الأمر كذلك بل المركبات منها ما له صورة معدنية يقتصر فعلها على حفظ المواد المجتمعة من الأسطقسات المتضادة بكيفياتها المتداعية إلى الانفكاك لاختلاف ميولها إلى أمكنتها المختلفة و منها ما له صورة تسمى نفسا نباتية يصدر عنها مع الحفظ المذكور جمع أجزاء أخر من الأسطقسات و إضافتها إلى مواد المركب و صرفها في وجوه التغذية و الإنماء و التوليد و منها ما له صورة تسمى نفسا حيوانية يصدر عنها مع الأفعال النباتية و الحفظ المذكور الحس و الحركة الإرادية و منها ما له نفس مجردة يصدر عنها مع الأفعال السابقة كلها النطق و ما يتبعه. ثم قال و لما يثبت عند المتكلمين اختلاف أنواع الأجسام و استناد الآثار إليها ليحتاج إلى فصول منوعة و مباد مختلفة بنوا إثبات النفس على الأدلة السمعية و التنبهات العقلية مثل أن البدن و أعضاءه الظاهرة و الباطنة دائما في التبدل و التحلل و النفس بحالها و أن الإنسان الصحيح العقل قد يغفل عن البدن و أجزائه و لا يغفل بحال عن وجود ذاته و أنه قد يريد ما يمانعه البدن مثل الحركة إلى العلو. و بالجملة قد اختلف كلمة الفريقين في حقيقة النفس فقيل هي النار السارية في الهيكل المحسوس و قيل الهواء و قيل الماء و قيل العناصر الأربعة و المحبة و الغلبة أي الشهوة و الغضب و قيل الأخلاط الأربعة و قيل الدم و قيل نفس كل شخص مزاجه الخاص و قيل جزء لا يتجزأ في القلب و كثير من المتكلمين على أنها الأجزاء الأصلية الباقية من أول العمر إلى آخره و كأن هذا مراد من قال هي هذا الهيكل المخصوص و البنية المحسوسة أي التي من شأنها أن يحس بها و جمهورهم على أنه جسم مخالف بالماهية للجسم الذي يتولد منه الأعضاء نوراني علوي خفيف حي لذاته نافذ في جواهر الأعضاء سار فيها سريان ماء الورد في الورد و النار في الفحم لا يتطرق إليه تبدل و لا انحلال بقاؤه في الأعضاء حياة و انتقاله عنها إلى عالم الأرواح موت و قيل إنها أجسام لطيفة متكونة في القلب سارية في الأعضاء من طريق الشرايين أي العروق الضاربة أو متكونة في الدماغ نافذة في الأعصاب الثابتة منه إلى جملة البدن. و اختار المحققون من الفلاسفة و أهل الإسلام إلى أنها جوهر مجرد في ذاته متعلق بالبدن تعلق التدبير و التصرف و متعلقه أولا هو ما ذكره المتكلمون من الروح القلبي المتكون في جوفه الأيسر من بخار الأغذية و لطيفه و يفيده قوة بها يسري في جميع البدن فيفيد كل عضو قوة بها يتم نفعه من القوى المذكورة فيما سبق احتج القائلون بأنها من قبيل الأجسام بوجوه الأول أن المدرك للكليات أعني النفس هو بعينه المدرك للجزئيات لأنا نحكم بالكلي على الجزئي كقولنا هذه الحرارة حرارة و الحاكم بين الشيئين لا بد أن يتصورهما و المدرك للجزئيات جسم لأنا نعلم بالضرورة أنا إذا لمسنا النار كان المدرك لحرارتها هو العضو اللامس و لأن غير الإنسان من الحيوانات يدرك الجزئيات مع أن الاتفاق على أنا لا نثبت لها نفوسا مجردة. و رد بأنا لا نسلم أن المدرك لهذه الحرارة هو العضو اللامس بل النفس بواسطته و نحن لا ننازع في أن المدرك للكليات و الجزئيات هو النفس لكن للكليات بالذات و للجزئيات بالآلات و إذا لم نجعل العضو مدركا أصلا لا يلزم أن يكون الإدراك مرتين و الإنسان مدركين على ما قيل. و يمكن دفعه بأنه يستلزم إما إثبات النفوس المجردة للحيوانات الأخر و إما جعل إحساساتها للقوى و الأعضاء و إحساسات الإنسان للنفس بواسطتها مع القطع بعدم التفاوت. الثاني أن كل واحد منا يعلم قطعا أن المشار إليه بأنا و هو النفس يتصف بأنه حاضر هناك و قائم و قاعد و ماش و واقف و نحو ذلك من خواص الأجسام و المتصف بخاصة الجسم جسم و قريب من ذلك ما يقال إن للبدن إدراكات هي بعينها إدراكات المشار إليه بأنا أعني النفس مثل إدراك حرارة النار و برودة الجمد و حلاوة العسل و غير ذلك من المحسوسات فلو كانت النفس مجردة أو مغايرة للبدن امتنع أن تكون صفتها غير صفته. و الجواب أن المشار إليه بأنا و إن كان هو النفس على الحقيقة لكن كثيرا ما يشار به إلى البدن أيضا لشدة ما بينهما من التعلق فحيث يوصف بخواص الأجسام كالقيام و القعود و كإدراك المحسوسات عند من يجعل المدرك نفس الأعضاء و القوى لا النفس بواسطتها فالمراد به البدن و ليس معنى هذا الكلام أنها لشدة تعلقها بالبدن و استغراقها في أحواله يغفل فيحكم عليها بما هو من خواص الأجسام كما فهمه صاحب الصحائف ليلزم كونها في غاية الغفلة. الثالث أنها لو كانت مجردة لكانت نسبتها إلى جميع البدن على السواء فلم يتعلق ببدن دون آخر و على تقدير التعلق جاز أن ينتقل من بدن إلى بدن آخر و حينئذ لم يصح الحكم بأن زيدا الآن هو الذي كان بالأمس. و رد بأنا لا نسلم أن نسبتها إلى الكل على السواء بل لكل نفس بدن لا يليق بمزاجه و اعتداله إلا لتلك النفس الفائضة عليه بحسب استعداده الحاصل باعتداله الخاص. الرابع النصوص الظاهرة من الكتاب و السنة تدل على أنها تبقى بعد خراب البدن و تتصف بما هو من خواص الأجسام كالدخول في النار و عرضها عليها و كالترفرف حول الجنازة و ككونها في قناديل من نور أو في جوف طيور خضر و أمثال ذلك و لا خفاء في احتمال التأويل و كونها على طريق التمثيل و لهذا تمسك بها القائلون بتجرد النفوس زعما منهم أن مجرد مغايرتها للبدن يفيد ذلك. و قد يستدل بأنه لا دليل على تجردها فيجب أن لا تكون مجردة لأن الشيء إنما يثبت بدليل و هو مع ابتنائه على القاعدة الواهية معارض بأنه لا دليل على كونها جسما أو جسمانيا فيجب أن لا يكون كذلك. ثم قال و احتج القائلون بتجرد النفس بوجوه الأول أنها تكون محلا لأمور يمتنع حلولها في الماديات و كل ما هو كذلك يكون مجردا بالضرورة أما بيان كونها محلا لأمور هذا شأنها فلأنها تتعقلها و قد سبق أن التعقل إنما يكون بحلول الصورة و انطباع المثال و المادي لا يكون صورة لغير المادي و مثالا له. و أما بيان تلك الأمور و امتناع حلولها في المادة فهو أن من جملة معقولاتها الواجب و إن لم تعقله بالكنه و الجواهر المجردة و إن لم نقل بوجودها في الخارج إذ ربما تعقل المعنى فتحكم عليه بأنه موجود أو ليس بموجود و لا خفاء في امتناع حلول صورة المجرد في المادي. و منها المعاني الكلية التي لا تمنع نفس صورها الشركة كالإنسانية المتناولة لزيد و عمرو فإنها يمتنع اختصاصها بشيء من المقادير و الأوضاع و الكيفيات و غير ذلك مما لا ينفك عنه الشيء المادي في الخارج بل يجب تجردها عن جميع ذلك و إلا لم تكن متناولة لما ليس له ذلك و الحاصل أن الحلول في المادة يستلزم الاختصاص بشيء من المقادير و الأوضاع و الكيفيات و الكلية تنافي ذلك فلو لم تكن النفس مجردة لم تكن محلا للصورة الكلية عاقلة لها و اللازم باطل. و منها المعاني التي لا تقبل الانقسام كالوجود و الوحدة و النقطة و غير ذلك و إلا لكان كل معقول مركبا من أجزاء غير متناهية بالفعل و هو محال و مع ذلك فالمطلوب و هو وجود ما لا ينقسم حاصل لأن الكثرة عبارة عن الوحدات و إذا كان من المعقولات ما هو واحد غير منقسم لزم أن يكون محله العاقل له غير جسم بل مجردا لأن الجسم و الجسماني منقسم و انقسام المحل مستلزم لانقسام الحال فيما يكون الحلول لذات المحل كحلول السواد و الحركة و المقدار في الجسم لا لطبيعة تلحقه كحلول النقطة في الخط لتناهيه و كحلول الشكل في السطح لكونه ذا نهاية أو أكثر و كحلول المحاذاة في الجسم من حيث وجود جسم آخر على وضع ما منه و كحلول الوحدة في الأجزاء من حيث هي مجموع. و منها المعاني التي لا يمكن اجتماعها إلا في المجردات دون الجسم كالضدين و كعدة من الصور و الأشكال فإنه لا تزاحم بينها في التعقل بل يتصورها و يحكم فيما بينها بامتناع الاجتماع في محل واحد من المواد الخارجية حكما ضروريا و هذا الوجه من الاحتجاج يمكن أن يجعل وجوها أربعة بأن يقال لو كانت النفس جسما لما كانت عاقلة للمجردات أو للكليات أو للبسائط أو للمتمانعين. و الجواب أن مبنى هذا الاحتجاج على مقدمات غير مسلمة عند الخصم منها أن تعقل الشيء يكون بحلول صورة في العاقل لا بمجرد إضافة بين العاقل و المعقول و منها أن النفس لو لم تكن مجردة لكانت منقسمة و لم يجز أن يكون جوهرا وضعيا غير منقسم كالجزء الذي لا يتجزى و منها أن الشيء إذا كان مجردا كانت صورته الإدراكية مجردة يمتنع حلولها في المادي و لم يجز أن تكون حاله في جسم عاقل لكنها إذا وجدت في الخارج كانت ذلك الشيء المجرد و منها أن صورة الشيء إذا اختصت بوضع و مقدار و كيفية بحلولها في جسم كذلك كان الشيء أيضا مختصا بذلك و لم يجز أن يكون في ذاته غير مختص بشيء من الأوضاع و الكيفيات و المقادير و منها أن الشيء إذا لم يقبل الانقسام كانت صورته الحاصلة في العاقل كذلك و لم يجز أن تكون منقسمة بانقسام المحل العاقل مع كون الشيء غير منقسم لذاته و لا لحلوله في منقسم و منها أن الشيئين إذا كانا بحيث يمتنع اجتماعهما في محل كالسواد و البياض كانت الصورتان الحاصلتان منهما في الجوهر العاقل كذلك و قد سبق أن صورة الشيء قد تخالفه في كثير من الأحكام و منها أن اجتماعهما في العاقل لا يجوز أن يكون بقيام كل منهما بجزء منه و منها أن انقسام المحل يستلزم انقسام الحال فيه لذاته ليمتنع حلول البسيط في العاقل الجسماني المنقسم البتة بناء على نفي الجزء الذي لا يتجزى و لا يخفى أن بعض هذه المقدمات مما قامت عليه الحجة أقول ثم ذكر حججا أخرى لهم أعرضنا عنها و عن أجوبتها حذرا من الإطناب. و قال شارح المواقف مذاهب المنكرين لتجرد النفس الناطقة كثيرة لكن المشهور منها تسعة الأول لابن الراوندي أنه جزء لا يتجزى في القلب بدليل عدم الانقسام مع نفي المجردات الممكنة. الثاني للنظام أنه أجزاء هي أجسام لطيفة سارية في البدن سريان ماء الورد في الورد باقية من أول العمر إلى آخره لا يتطرق إليها تحلل و تبدل حتى إذا قطع جزء من البدن انقبض ما فيه من تلك الأجزاء إلى سائر الأعضاء إنما المتحلل و المتبدل من البدن فضل ينضم إليه و ينفصل عنه إذ كل أحد يعلم أنه باق من أول عمره إلى آخره و لا شك أن المتبدل ليس كذلك. الثالث أنه قوة في الدماغ و قيل في القلب. الرابع أنه ثلاث قوى إحداها في القلب و هي الحيوانية و الثانية في الكبد و هي النباتية و الثالثة في الدماغ و هي النفسانية. الخامس أنه الهيكل المخصوص و هو المختار عند جمهور المتكلمين. السادس أنها الأخلاط الأربعة المعتدلة كما و كيفا. السابع أنه اعتدال المزاج النوعي. الثامن أنه الدم المعتدل إذ بكثرته و اعتداله تقوى الحياة و بالعكس. التاسع أنه الهواء إذ بانقطاعها طرفة عين تنقطع الحياة فالبدن بمنزلة الزق المنفوخ فيه. ثم قال و اعلم أن شيئا من ذلك لم يقم عليه دليل و ما ذكروه لا يصلح للتعويل عليه ثم قال تعلق النفس بالبدن ليس تعلقا ضعيفا يسهل زواله بأدنى سبب مع بقاء المتعلق بحاله كتعلق الجسم بمكانه و إلا تمكنت النفس من مفارقة البدن بمجرد المشيئة من غير حاجة إلى أمر آخر و ليس أيضا تعلقا في غاية القوة بحيث إذا زال التعلق بطل المتعلق مثل تعلق الأعراض و الصور المادية بمحالها لما عرفت من أنها مجردة بذاتها غنية عما يحل فيه بل هو تعلق متوسط بين بين كتعلق الصانع بالآلات التي يحتاج إليها في أفعاله المختلفة و من ثم قيل هو تعلق العاشق بالمعشوق عشقا جليا إلهاميا فلا ينقطع ما دام البدن صالحا لأن يتعلق به النفس أ لا ترى أنه تحبه و لا تمله مع طول الصحبة و تكره مفارقته و ذلك لتوقف كمالاتها و لذاتها العقلية و الحسية عليه فإنها في مبدإ خلقتها خالية عن الصفات الفاضلة كلها فاحتاجت إلى آلات تعينها على اكتساب تلك الكمالات و إلى أن تكون تلك الآلات مختلفة فيكون لها بحسب كل آلة فعل خاص حتى إذا حاولت فعلا خاصا كالإبصار مثلا التفتت إلى العين فتقوى بها على الإبصار التام و كذا الحال في سائر الأفعال و لو اتحدت الآلة لاختلطت الأفعال و لم يحصل لها شيء منها على الكمال و إذا حصلت لها الإحساسات توصلت منها إلى الإدراكات الكلية و نالت حظها من العلوم و الأخلاق المرضية و ترقت إلى لذاتها العقلية بعد احتظائها باللذات الحسية فتعلقها بالبدن على وجه التدبير كتعلق العاشق في القوة بل أقوى منه بكثير و إنما تتعلق من البدن أولا بالروح القلبي المتكون في جوفه الأيسر من بخار الغذاء و لطيفه فإن القلب له تجويف في جانبه الأيسر يجذب إليه لطيف الدم فيبخره بحرارته المفرطة فذلك البخار هو المسمى بالروح عند الأطباء و عرف كونه أول متعلق للنفس بأن شد الأعصاب يبطل قوى الحس و الحركة عما وراء موضع الشد و لا يبطلهما مما يلي جهة الدماغ و أيضا التجارب الطبية تشهد بذلك و تفيد النفس الروح بواسطة التعلق قوة بها يسري الروح إلى جميع البدن فيفيد الروح الحامل لتلك القوة كل عضو قوة بها يتم نفعه من القوى التي فصلناها فيما قبل و هذا كله عندنا للقادر المختار ابتداء و لا حاجة إلى إثبات القوى كما مر مرارا انتهى. و قال المحقق القاساني في روض الجنان اعلم أن المذاهب في حقيقة النفس كما هي الدائرة في الألسنة و المذكورة في الكتب المشهورة أربعة عشر مذهبا الأول هذا الهيكل المحسوس المعبر عنه بالبدن. الثاني أنها القلب أعني العضو الصنوبري اللحماني المخصوص. الثالث أنها الدماغ. الرابع أنها أجزاء لا تتجزى في القلب و هو مذهب النظام و متابعيه. الخامس أنها الأجزاء الأصلية المتولدة من المني. السادس أنها المزاج. السابع أنها الروح الحيواني و يقرب منه ما قيل إنها جسم لطيف سار في البدن سريان الماء في الورد و الدهن في السمسم. الثامن أنها الماء. التاسع أنها النار و الحرارة الغريزية. العاشر أنها النفس. الحادي عشر أنها هي الواجب تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. الثاني عشر أنها الأركان الأربعة. الثالث عشر أنها صورة نوعية قائمة بمادة البدن و هو مذهب الطبيعيين. الرابع عشر أنها جوهر مجرد عن المادة الجسمية و عوارض الجسم لها تعلق بالبدن تعلق التدبير و التصرف و الموت إنما هو قطع هذا التعلق و هذا هو مذهب الحكماء الإلهيين و أكابر الصوفية و الإشراقيين و عليه استقر رأي المحققين المتكلمين كالرازي و الغزالي و المحقق الطوسي و غيرهم من الأعلام و هو الذي أشارت إليه الكتب السماوية و انطوت عليه الأنباء النبوية و قادت عليه الأمارات الحدسية و المكاشفات الذوقية انتهى. و قال في الصحائف الإلهية النفس إما أن يكون جسما أو جسمانيا أو لا هذا و لا ذاك فإن كان جسما فإما أن يكون هذا الهيكل المحسوس و مال إليه كثير من المتكلمين و هو ضعيف و إما أن يكون جسما داخلا فيه و فيه عشر أقوال الأول قول أفلوطرخس أنه النار السارية فيه لأن خاصية النار الإشراق و الحركة و خاصية النفس الحركة و الإدراك و الإدراك إشراق و يتأيد بقول الأطباء مدبر البدن الحرارة الغريزية. الثاني قول ديوجامس أنه الهواء لأنه لطيف نافذ في المنافذ الضيقة قابل للأشكال المختلفة و يحرك الجسم الذي هو فيه كالزق المنفوخ فيه و النفس كذلك فالنفس الهواء. الثالث قول ثاليس الملطي أنه الماء لأن الماء سبب النمو و النشوء و النفس كذلك و هذه الوجوه ضعيفة لأنها مركبة من موجبتين في الشكل الثاني. الرابع قول أنباذقلس أنه العناصر الأربعة و المحبة و الغلبة. الخامس قول طائفة من الطبيعيين أنه الأخلاط الأربعة لأن بقاءها بكيفياتها و كمياتها المخصوصة سبب لبقاء الحياة بالدوران و هو ضعيف إذ الدوران لا يفيد اليقين. السادس أنه الدم لأنه أشرف الأخلاط. السابع أنه أجسام لطيفة حية لذواتها سارية في الأعضاء و الأخلاط لا يتطرق إليها انحلال و تبدل و بقاؤها فيها هو الحياة و انفصالها عنها هو الموت. الثامن أنه أجسام لطيفة متكونة في البطن يشوب القلب و ينفذ من الشرايين إلى جملة البدن. التاسع أنه أرواح متكونة في الدماغ تصلح لقبول قوى الحس و الحركة تنفذ في الأعصاب إلى جملة البدن. العاشر أنه أجزاء أصلية باقية من أول العمر إلى آخره و هو اختيار محققي المتكلمين. و إن كان جسمانيا ففيها أقوال الأول أنه المزاج و هو قول أكثر الأطباء. الثاني أنه صفة للحياة. الثالث أنه الشكل و التخطيط. الرابع أنه تناسب الأركان و الأخلاط. و إن لم يكن جسما و لا جسمانيا فهو إما متحيز و هو قول ابن الراوندي لأنه قال إنه جزء لا يتجزى في القلب أو غير متحيز و هو قول جمهور الفلاسفة و معمر من قدماء المعتزلة و أكثر الإمامية و الغزالي و الراغب و ذهب فرفوريوس إلى اتحاد النفس بالبدن. ثم قال بعد إيراد بعض الدلائل و الأجوبة من الجانبين فالحق أنها جوهر لطيف نوراني مدرك للجزئيات و الكليات حاصل في البدن متصرف فيه غني عن الاغتذاء بريء عن التحلل و النماء و لم يبعد أن يبقى مثل هذا الجوهر بعد فناء البدن و يلتذ بما يلائمه و يتألم بما يباينه هذا تحقيق ما تحقق عندي من حقيقة النفس انتهى و قال الصدوق رضي الله عنه في رسالة العقائد اعتقادنا في النفوس أنها الأرواح التي بها الحياة و أنها الخلق الأول - لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَوَّلُ مَا أَبْدَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى هِيَ النُّفُوسُ الْمُقَدَّسَةُ الْمُطَهَّرَةُ فَأَنْطَقَهَا بِتَوْحِيدِهِ ثُمَّ خَلَقَ بَعْدَ ذَلِكَ سَائِرَ خَلْقِهِ. و اعتقادنا فيها أنها خلقت للبقاء و لم تخلق للفناء - لِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مَا خُلِقْتُمْ لِلْفَنَاءِ بَلْ خُلِقْتُمْ لِلْبَقَاءِ وَ إِنَّمَا تُنْقَلُونَ مِنْ دَارٍ إِلَى دَارٍ. و أنها في الأرض غريبة و في الأبدان مسجونة و اعتقادنا فيها أنها إذا فارقت الأبدان فهي باقية منها منعمة و منها معذبة إلى أن يردها الله عز و جل بقدرته إلى أبدانها - وَ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ بِحَقٍّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لَا يَصْعَدُ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا مَا نَزَلَ مِنْهَا. و قال الله جل ثناؤه وَ لَوْ شِئْنا لَرَفَعْناهُ بِها وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ فما لم ترفع منها إلى الملكوت بقي هو في الهاوية و ذلك لأن الجنة درجات و النار دركات و قال الله عز و جل تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ و قال عز و جل إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَ نَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ و قال الله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ و قال الله تعالى وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ - وَ قَالَ النَّبِيُّ ص الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَ مَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَفَ. - وَ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى آخَى بَيْنَ الْأَرْوَاحِ فِي الْأَظِلَّةِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ الْأَبْدَانَ بِأَلْفَيْ عَامٍ فَلَوْ قَدْ قَامَ قَائِمُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَوَرِثَ الْأَخُ الَّذِي آخَى بَيْنَهُمَا فِي الْأَظِلَّةِ وَ لَمْ يَرِثِ الْأَخُ مِنَ الْوِلَادَةِ. - وَ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام إِنَّ الْأَرْوَاحَ لَتَلْتَقِي فِي الْهَوَاءِ فَتَتَعَارَفُ وَ تَسَاءَلُ فَإِذَا أَقْبَلَ رُوحٌ مِنَ الْأَرْضِ قَالَتِ الْأَرْوَاحُ دَعُوهُ فَقَدْ أَفْلَتَ مِنْ هَوْلٍ عَظِيمٍ ثُمَّ سَأَلُوهُ مَا فَعَلَ فُلَانٌ وَ مَا فَعَلَ فُلَانٌ فَكُلَّمَا قَالَ قَدْ بَقِيَ رَجَوْهُ أَنْ يَلْحَقَ بِهِمْ وَ كُلَّمَا قَالَ قَدْ مَاتَ قَالُوا هَوَى هَوَى.. ثم قال (قدّس سرّه) و الاعتقاد في الروح أنه ليس من جنس البدن فإنه خلق آخر لقوله تعالى ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ و اعتقادنا في الأنبياء و الرسل و الأئمة عليهم السلام أن فيهم خمسة أرواح روح القدس و روح الإيمان و روح القوة و روح الشهوة و روح المدرج و في المؤمنين أربعة أرواح روح الإيمان و روح القوة و روح الشهوة و روح المدرج و في الكافرين و البهائم ثلاثة أرواح روح القوة و روح الشهوة و روح المدرج و أما قوله تعالى يَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي فإنه خلق أعظم من جبرئيل و ميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و مع الأئمة عليهم السلام و هو من الملكوت. و قال الشيخ المفيد نور الله ضريحه في شرحه على العقائد كلام أبي جعفر في النفس و الروح على مذهب الحدس دون التحقيق و لو اقتصر على الأخبار و لم يتعاط ذكر معانيها كان أسلم له من الدخول في باب يضيق عنه سلوكه ثم قال رحمه الله النفس عبارة عن معان أحدها ذات الشيء و الآخر الدم السائل و الآخر النفس الذي هو الهواء و الرابع هو الهوى و ميل الطبع فأما شاهد المعنى الأول فهو قولهم هذا نفس الشيء أي ذاته و عينه و شاهد الثاني قولهم كلما كانت النفس سائلة فحكمه كذا و كذا و شاهد الثالث قولهم فلان هلكت نفسه إذا انقطع نفسه و لم يبق في جسمه هواء يخرج من حواسه و شاهد الرابع قول الله تعالى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ يعني الهوى داع إلى القبيح و قد يعبر عن النفس بالنقم قال الله تعالى وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ يريد نقمته و عقابه فأما الروح فعبارة عن معان أحدها الحياة و الثاني القرآن و الثالث ملك من ملائكة الله تعالى و الرابع جبرئيل عليه السلام فشاهد الأول قولهم كل ذي روح فحكمه كذا يريدون كل ذي حياة و قولهم فيمن مات قد خرجت منه الروح يعنون الحياة و قولهم في الجنين صورة لم يلجه الروح يريدون لم تلجه الحياة و شاهد الثاني قوله تعالى وَ كَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا يعني القرآن و شاهد الثالث قوله يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ الآية و شاهد الرابع قوله تعالى قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ يعني جبرئيل عليه السلام و أما ما ذكره أبو جعفر و رواه أن الأرواح مخلوقة قبل الأجساد بألفي عام فما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف فهو حديث من أحاديث الآحاد و خبر من طرق الأفراد و له وجه غير ما ظنه من لا علم له بحقائق الأشياء و هو أن الله تعالى خلق الملائكة قبل البشر بألفي عام فما تعارف منها قبل خلق البشر ائتلف عند خلق البشر و ما لم يتعارف منها إذ ذاك اختلف بعد خلق البشر و ليس الأمر كما ظنه أصحاب التناسخ و دخلت الشبهة فيه على حشوية الشيعة فتوهموا أن الذوات الفعالة المأمورة المنهية كانت مخلوقة في الذر و تتعارف و تعقل و تفهم و تنطق ثم خلق الله لها أجسادا من بعد ذلك فركبها فيها و لو كان ذلك كذلك لكنا نعرف نحن ما كنا عليه و إذا ذكرنا به ذكرناه و لا يخفى علينا الحال فيه أ لا ترى أن من نشأ ببلد من البلاد فأقام فيه حولا ثم انتقل إلى غيره لم يذهب عنه علم ذلك و إن خفي عليه لسهوه عنه فيذكر به ذكره و لو لا أن الأمر كذلك لجاز أن يولد منا إنسان ببغداد و ينشأ بها و يقيم عشرين سنة فيها ثم ينتقل إلى مصر آخر فينسى حاله ببغداد و لا يذكر منها شيئا و إن ذكر به و عدد عليه علامات حاله و مكانه و نشوئه و هذا ما لا يذهب إليه عاقل و الذي صرح به أبو جعفر رحمه الله في معنى الروح و النفس هو قول التناسخية بعينه من غير أن يعلم أنه قولهم فالجناية بذلك على نفسه و غيره عظيمة فأما ما ذكره من أن الأنفس باقية فعبارة مذمومة و لفظ يضاد ألفاظ القرآن قال الله تعالى كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ وَ يَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ و الذي حكاه من ذلك و توهمه هو مذهب كثير من الفلاسفة الملحدين الذين زعموا أن الأنفس لا يلحقها الكون و الفساد و أنها باقية و إنما تفنى و تفسد الأجسام المركبة و إلى هذا ذهب بعض أصحاب التناسخ و زعموا أن الأنفس لم تزل تتكرر في الصور و الهياكل لم تحدث و لم تفن و لن تعدم و أنها باقية غير فانية و هذا من أخبث قول و أبعده من الصواب و ما دونه في الشناعة و الفساد شنع به الناصبة على الشيعة و نسبوهم به إلى الزندقة و لو عرف مثبته ما فيه لما تعرض له لكن أصحابنا المتعلقين بالأخبار أصحاب سلامة و بعد ذهن و قلة فطنة يمرون على وجوههم فيما سمعوه من الأحاديث و لا ينظرون في سندها و لا يفرقون بين حقها و باطلها و لا يفهمون ما يدخل عليهم في إثباتها و لا يحصلون معاني ما يطلقونه منها. و الذي ثبت من الحديث في هذا الباب أن الأرواح بعد موت الأجساد على ضربين منها ما ينقل إلى الثواب و العقاب و منها ما يبطل فلا يشعر بثواب و لا عقاب - وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام مَا ذَكَرْنَا فِي هَذَا الْمَعْنَى وَ بَيَّنَّاهُ وَ سُئِلَ عَمَّنْ مَاتَ فِي هَذِهِ الدَّارِ أَيْنَ تَكُونُ رُوحُهُ فَقَالَ مَنْ مَاتَ وَ هُوَ مَاحِضٌ لِلْإِيمَانِ مَحْضاً أَوْ مَاحِضٌ لِلْكُفْرِ مَحْضاً نُقِلَتْ رُوحُهُ مِنْ هَيْكَلِهِ إِلَى مِثْلِهِ فِي الصُّورَةِ وَ جُوزِيَ بِأَعْمَالِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَإِذَا بَعَثَ اللَّهُ مَنْ فِي الْقُبُورِ أَنْشَأَ جِسْمَهُ وَ رَدَّ رُوحَهُ إِلَى جَسَدِهِ وَ حَشَرَهُ لِيُوَفِّيَهُ أَعْمَالَهُ فَالْمُؤْمِنُ يَنْتَقِلُ رُوحُهُ مِنْ جَسَدِهِ إِلَى مِثْلِ جَسَدِهِ فِي الصُّورَةِ فَيُجْعَلُ فِي جِنَانٍ مِنْ جِنَانِ اللَّهِ يَتَنَعَّمُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْمَآبِ وَ الْكَافِرُ يَنْتَقِلُ رُوحُهُ مِنْ جَسَدِهِ إِلَى مِثْلِهِ بِعَيْنِهِ وَ يُجْعَلُ فِي النَّارِ فَيُعَذَّبُ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. و شاهد ذلك في المؤمن قوله تعالى قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي و شاهد ما ذكرناه في الكافر قوله تعالى النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَ عَشِيًّا فأخبر سبحانه أن مؤمنا قال بعد موته و قد أدخل الجنة يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ و أخبر أن كافرا يعذب بعد موته غُدُوًّا وَ عَشِيًّا و يوم يقوم الساعة يخلد في النار. و الضرب الآخر من يلهى عنه و يعدم نفسه عند فساد جسمه فلا يشعر بشيء حتى يبعث و هو من لم يمحض الإيمان محضا و لا الكفر محضا و قد بين الله ذلك عند قوله إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْماً فبين أن قوما عند الحشر لا يعلمون مقدار لبثهم في القبور حتى يظن بعضهم أن ذلك كان عشرا و يظن بعضهم أن ذلك كان يوما و ليس يجوز أن يكون ذلك من وصف من عذب إلى بعثه و نعم إلى بعثه لأن من لم يزل منعما أو معذبا لا يجهل عليه حاله فيما عومل به و لا يلتبس عليه الأمر في بقائه بعد وفاته - وَ قَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا يُسْأَلُ فِي قَبْرِهِ مَنْ مَحَضَ الْإِيمَانَ مَحْضاً أَوْ مَحَضَ الْكُفْرَ مَحْضاً فَأَمَّا مَا سِوَى هَذَيْنِ فَإِنَّهُ يُلْهَى عَنْهُ. - وَ قَالَ فِي الرَّجْعَةِ إِنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى الدُّنْيَا عِنْدَ قِيَامِ الْقَائِمِ مَنْ مَحَضَ الْإِيمَانَ أَوْ مَحَضَ الْكُفْرَ مَحْضاً فَأَمَّا مَا سِوَى هَذَيْنِ فَلَا رُجُوعَ لَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْمَآبِ.. و قد اختلف أصحابنا فيمن ينعم و يعذب بعد موته فقال بعضهم المعذب و المنعم هو الروح التي توجه إليها الأمر و النهي و التكليف سموها جوهرا و قال آخرون بل الروح الحياة جعلت في جسد كجسده في دار الدنيا و كلا الأمرين يجوزان في العقل و الأظهر عندي قول من قال إنها الجوهر المخاطب و هو الذي يسميه الفلاسفة البسيط و قد جاء في الحديث أن الأنبياء خاصة و الأئمة من بعده ينقلون بأجسادهم و أرواحهم من الأرض إلى السماء فيتنعمون في أجسادهم التي كانوا فيها عند مقامهم في الدنيا و هذا خاص لحجج الله دون من سواهم من الناس - وَ قَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ عِنْدِ قَبْرِي سَمِعْتُهُ وَ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مِنْ بَعِيدٍ بُلِّغْتُهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ صَلَّى عَلَيَّ مَرَّةً صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْراً وَ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ عَشْراً صَلَّيْتُ عَلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ فَلْيُكْثِرِ امْرُؤٌ مِنْكُمُ الصَّلَاةَ عَلَيَّ أَوْ فَلْيُقِلَّ. فبين أنه صلى الله عليه وآله وسلم بعد خروجه من الدنيا يسمع الصلاة عليه و لا يكون كذلك إلا و هو حي عند الله تعالى و كذلك أئمة الهدى يسمعون سلام المسلم عليهم من قرب و يبلغهم سلامه من بعد و بذلك جاءت الآثار الصادقة عنهم و قد قال وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ الآية إلى آخر ما مر في كتاب المعاد أقول و قد تكلمنا عليه هناك فلا نعيده و قال المفيد (قدس الله روحه) في كتاب المسائل القول في تنعم أصحاب القبور و تعذيبهم على أي شيء يكون الثواب لهم و العقاب و من أي وجه يصل إليهم ذلك و كيف تكون صورهم في تلك الأحوال. و أقول إن الله تعالى يجعل لهم أجساما كأجسامهم في دار الدنيا ينعم مؤمنيهم فيها و يعذب كفارهم و فساقهم فيها دون أجسامهم التي في القبور يشاهدها الناظرون تتفرق و تندرس و تبلى على مرور الأوقات و ينالهم ذلك في غير أماكنهم من القبور و هذا يستمر على مذهبي في النفس و معنى الإنسان المكلف عندي و هو الشيء المحدث القائم بنفسه الخارج عن صفات الجواهر و الأعراض و مضى به روايات عن الصادقين من آل محمد عليهم السلام و لست أعرف لمتكلم من الإمامية قبلي فيه مذهبا فأحكمه و لا أعلم بيني و بين فقهاء الإمامية و أصحاب الحديث فيه اختلافا. و قال السيد المرتضى رضي الله عنه في أجوبة المسائل العكبرية حين سئل عن قول الله تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ و قال فهل يكون الرزق لغير جسم و ما صورة هذه الحياة فإنا مجمعون على أن الجواهر لا تتلاشى فما الفرق حينئذ في الحياة بين المؤمن و الكافر فأجاب قدس الله لطيفه أن الرزق لا يكون عندنا إلا للحيوان و الحيوان عندنا ليسوا بأجسام بل ذوات أخرجوا في هذه الدار إلى الأجساد و تعذر عليهم كثير من الأفعال إلا بها و صارت آلتهم في الأفعال الأجساد فإن أغنوا عنها بعد الوفاة جاز أن يرزقوا مع عدمها رزقا تحصل لهم اللذات و إن ردوا إليها كان الرزق لهم حينئذ بحسبه في الدنيا على السواء. فأما قوله ما صورة هذه الحياة فالحياة لا صورة لها لأنها عرض من الأعراض و هي تقوم بالذات الفعال دون الأجساد التي تقوم بها حياة النمو دون الحياة التي هي شرط في العلم و القدرة و نحوهما من الأعراض. و قوله إنا مجمعون على أن الجواهر لا تتلاشى فليس ذلك كما ظن و لو كان الأمر فيه ما توهم لامتنع أن يوجد الحياة لبعض الجواهر و يرفع عن بعض كما يوجد حياة النمو لبعض الأجساد و يرفع عن بعض على الاتفاق و لو قلنا إن الحياة بعد النقلة من هذه الدار يعم أهل الكفر و الإيمان لم يفسد ذلك علينا أصلا في الدين فكانت الحياة لأهل الإيمان شرطا في وصول اللذات إليهم و الحياة لأهل الكفر شرطا في وصول الآلام إليهم بالعقاب. و قال رضي الله عنه في أجوبة المسائل التي وردت عليه من الري حين سئل عن الروح الصحيح عندنا أن الروح عبارة عن الهواء المتردد في مخارق الحي منا الذي لا يثبت كونه حيا إلا مع تردده و لهذا لا يسمى ما يتردد في مخارق الجماد روحا فالروح جسم على هذه القاعدة. أقول وَ قَدْ رَوَى بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ فِي كُتُبِهِمْ عَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ مَوْلَانَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً عليه السلام فَقُلْتُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أُرِيدُ أَنْ تُعَرِّفَنِي نَفْسِي قَالَ يَا كُمَيْلُ وَ أَيَّ الْأَنْفُسِ تُرِيدُ أَنْ أُعَرِّفَكَ قُلْتُ يَا مَوْلَايَ هَلْ هِيَ إِلَّا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ قَالَ يَا كُمَيْلُ إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةٌ النَّامِيَةُ النَّبَاتِيَّةُ وَ الْحِسِّيَّةُ الْحَيَوَانِيَّةُ وَ النَّاطِقَةُ الْقُدْسِيَّةُ وَ الْكُلِّيَّةُ الْإِلَهِيَّةُ وَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ خَمْسُ قُوًى وَ خَاصِيَّتَانِ فَالنَّامِيَةُ النَّبَاتِيَّةُ لَهَا خَمْسُ قُوًى مَاسِكَةٌ وَ جَاذِبَةٌ وَ هَاضِمَةٌ وَ دَافِعَةٌ وَ مُرَبِّيَةٌ وَ لَهَا خَاصِيَّتَانِ الزِّيَادَةُ وَ النُّقْصَانُ وَ انْبِعَاثُهَا مِنَ الْكَبِدِ وَ الْحِسِّيَّةُ الْحَيَوَانِيَّةُ لَهَا خَمْسُ قُوًى سَمْعٌ وَ بَصَرٌ وَ شَمٌّ وَ ذَوْقٌ وَ لَمْسٌ وَ لَهَا خَاصِيَّتَانِ الرِّضَا وَ الْغَضَبُ وَ انْبِعَاثُهَا مِنَ الْقَلْبِ وَ النَّاطِقَةُ الْقُدْسِيَّةُ لَهَا خَمْسُ قُوًى فِكْرٌ وَ ذِكْرٌ وَ عِلْمٌ وَ حِلْمٌ وَ نَبَاهَةٌ وَ لَيْسَ لَهَا انْبِعَاثٌ وَ هِيَ أَشْبَهُ الْأَشْيَاءِ بِالنُّفُوسِ الْفَلَكِيَّةِ وَ لَهَا خَاصِيَّتَانِ النَّزَاهَةُ وَ الْحِكْمَةُ وَ الْكُلِّيَّةُ الْإِلَهِيَّةُ لَهَا خَمْسُ قُوًى بَهَاءٌ فِي فَنَاءٍ وَ نَعِيمٌ فِي شَقَاءٍ وَ عِزٌّ فِي ذُلٍّ وَ فَقْرٌ فِي غَنَاءٍ وَ صَبْرٌ فِي بَلَاءٍ وَ لَهَا خَاصِيَّتَانِ الرِّضَا وَ التَّسْلِيمُ وَ هَذِهِ الَّتِي مَبْدَؤُهَا مِنَ اللَّهِ وَ إِلَيْهِ تَعُودُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي وَ قَالَ تَعَالَى يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً وَ الْعَقْلُ فِي وَسَطِ الْكُلِّ.. أقول هذه الاصطلاحات لم تكد توجد في الأخبار المعتبرة المتداولة و هي شبيهة بأضغاث أحلام الصوفية و قال بعضهم في شرح هذا الخبر النفسان الأوليان في كلامه عليه السلام مختصان بالجهة الحيوانية التي هي محل اللذة و الألم في الدنيا و الآخرة و الأخيرتان بالجهة الإنسانية و هما سعيدة في النشأتين و سميا الأخيرة فإنها لا حظ لها من الشقاء لأنها ليست من عالم الشقاء بل هي منفوخة من روح الله فلا يتطرق إليها ألم هناك من وجه و ليست هي موجودة في أكثر الناس بل ربما لم يبلغ من ألوف كثيرة واحد إليها و كذلك الأعضاء و الجوارح بمعزل عن اللذة و الألم أ لا ترى إلى المريض إذا نام و هو حي و الحس عنده موجود و الجرح الذي يتألم به في يقظته موجود في العضو و مع هذا لا يجد ألما لأن الواجد للألم قد صرف وجهه عن عالم الشهادة إلى البرزخ فما عنده خير فإذا استيقظ المريض أي رجع إلى عالم الشهادة و نزل منزل الحواس قامت به الأوجاع و الآلام فإن كان في البرزخ في ألم كما في رؤيا مفزعة مولمة أو في لذة كما في رؤيا حسنة ملذة انتقل منه الألم و اللذة حيث انتقل و كذلك حاله في الآخرة انتهى. و قال العلامة الحلي نور الله مرقده في كتاب معارج الفهم اختلف الناس في حقيقة النفس ما هي و تحرير الأقوال الممكنة فيها أن النفس إما أن تكون جوهرا أو عرضا أو مركبا منهما و إن كانت جوهرا فإما أن تكون متحيزة أو غير متحيزة و إن كانت متحيزة فإما أن تكون منقسمة أو لا تكون و قد صار إلى كل من هذه الأقوال قائل و المشهور مذهبان أحدهما أن النفس جوهر مجرد ليس بجسم و لا حال في الجسم و هو مدبر لهذا البدن و هو قول جمهور الحكماء و مأثور عن شيخنا المفيد و بني نوبخت من أصحابنا و الثاني أنها جوهر أصلية في هذا البدن حاصلة فيه من أول العمر إلى آخره لا يتطرق إليها التغير و لا الزيادة و لا النقصان و عند المعتزلة عبارة عن الهيكل المشاهد المحسوس و هاهنا مذاهب أخرى منها أن النفس هو الله تعالى و منها أنها هي المزاج و منها أنها النفس و منها أنها النار و منها أنها الهواء و غير ذلك من المذاهب السخيفة انتهى. و قال المحقق الطوسي (قدس الله روحه) في التجريد هي جوهر مجرد و قال العلامة رفع الله مقامه في شرحه اختلف الناس في ماهية النفس و أنها هل هي جوهر أم لا و القائلون بأنها جوهر اختلفوا في أنها هل هي مجردة أم لا و المشهور عند الأوائل و جماعة من المتكلمين كبني نوبخت من الإمامية و المفيد منهم و الغزالي من الآشاعرة أنها جوهر مجرد ليس بجسم و لا جسماني و هو الذي اختاره المصنف انتهى. و قال المحقق الطوسي رحمه الله أيضا في كتاب الفصول الذي يشير إليه الإنسان حال قوله أنا لو كان عرضا لاحتاج إلى محل يتصف به لكن لا يتصف بالإنسان شيء بالضرورة بل يتصف هو بأوصاف هي غيره فيكون جوهرا و لو كان هو البدن أو شيء من جوارحه لم يتصف بالعلم لكنه يتصف به الضرورة فيكون جوهرا عالما و البدن و سائر الجوارح آلاته في أفعاله و نحن نسميه هاهنا الروح انتهى. و توقف رحمه الله في رسالة قواعد العقائد و اكتفى بذكر الأقوال حيث قال المسألة الثانية في أقوال الناس في حقيقة الإنسان و أنها أي شيء هي اختلفوا في حقيقة فبعضهم قالوا إن الإنسان هو الهيكل المشاهد و بعضهم قالوا هو أجزاء أصلية داخلية في تركيب الإنسان لا يزيد بالنمو و لا ينقص بالذبول و قال النظام هو جسم لطيف في داخل الإنسان سار في أعضائه فإذا قطع منه عضو تقلص ما فيه إلى باقي ذلك الجسم و إذا قطع بحيث انقطع ذلك الجسم مات الإنسان و قال ابن الراوندي هو جوهر لا يتجزى في القلب و بعضهم قالوا هو الأخلاط الأربعة و بعضهم قالوا هو الروح و هو جوهر مركب من بخارية الأخلاط و لطيفها مسكنه الأعضاء الرئيسة التي هي القلب و الدماغ و الكبد و منها ينفذ الروح في العروق و الأعصاب إلى سائر الأعضاء و جميع ذلك جواهر جسمانية و بعضهم قالوا هو المزاج المعتدل الإنساني و بعضهم قالوا تخاطيط الأعضاء و تشكيل الإنسان الذي لا يتغير من أول عمره إلى آخره و بعضهم قالوا العرض المسمى بالحياة و جميع ذلك أعراض و الحكماء و جمع من المحققين من غيرهم قالوا إنه جوهر غير جسماني لا يمكن أن يشار إليه إشارة حسية و هذه هي المذاهب و بعضها ظاهر الفساد انتهى. و قال الشيخ السديد المفيد طيب الله تربته حين سأله السائل في المسائل الرؤية ما قوله أدام الله تعالى علوه في الأرواح و مائيتها و حقيقة كيفياتها و ما لها عند مفارقتها الأجساد و هي حياة النمو و قبول الغذاء و الحياة التي في الذوات الفعالة هي معنى أم لا الجواب أن الأرواح عندنا هي أعراض لا بقاء لها و إنما عبد الله تعالى منها الحي حالا بحال فإذا قطع امتداد المحيي بها جاءت الموت الذي هو ضد الحياة و لم يكن للأرواح وجود فإذا أحيا الله تعالى الأموات ابتدأ فيهم الحياة التي هي الروح و الحياة التي في الذوات الفعالة هي معنى يصحح العلم و القدرة و هي شرط في كون العالم عالما و القادر قادرا و ليست من نوع الحياة التي تكون. ثم قال (قدّس سرّه) حين سأل السائل ما قوله حرس الله تعالى عزه في الإنسان أ هو هذا الشخص المرئي المدرك على ما يذكره أصحاب أبي هاشم أم جزء حال في القلب حساس دراك كما يحكى عن أبي بكر بن الأخشاد و الجواب أن الإنسان هو ما ذكره بنو نوبخت و قد حكي عن هشام بن الحكم و الأخبار عن موالينا عليه السلام تدل على ما أذهب إليه و هي شيء قائم بنفسه لا حجم له و لا حيز لا يصح عليه التركيب و لا الحركة و السكون و لا الاجتماع و لا الافتراق و هو الشيء الذي كانت تسميه الحكماء الأوائل الجوهر البسيط و كذلك كل حي فعال محدث فهو جوهر بسيط و ليس كما قال الجبائي و ابنه و أصحابهما إنه جملة مؤلفة و لا كما قال ابن الأخشاد إنه جسم متخلخل في الجملة الظاهرة و لا كما قال الأعوازي إنه جزء لا يتجزى و قوله فيه قول معمر من المعتزلة و بني نوبخت من الشيعة على ما قدمت ذكره و هو شيء يحتمل العلم و القدرة و الحياة و الإرادة و الكراهة و البغض و الحب قائم بنفسه محتاج في أفعاله إلى الآلة التي هي الجسد و الوصف له بأنه حي يصح عليه القول بأنه عالم قادر و ليس الوصف له بالحياة كالوصف للأجساد بالحياة حسب ما قدمناه و قد يعبر عنه بالروح و على هذا المعنى جاءت الأخبار أن الروح إذا فارقت الجسد نعمت و عذبت و المراد الإنسان الذي هو الجوهر البسيط يسمى الروح و عليه الثواب و العقاب و إليه يوجه الأمر و النهي و الوعد و الوعيد و قد دل القرآن على ذلك بقوله يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ فأخبر تعالى أنه غير الصورة و أنه مركب فيها و لو كان الإنسان هو الصورة لم يكن لقوله تعالى فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ معنى لأن المركب في الشيء غير الشيء المركب فيه و محال أن تكون الصورة مركبة في نفسها و عينها لما ذكرناه و قد قال سبحانه في مؤمن آل يس قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِما غَفَرَ لِي رَبِّي فأخبر أنه حي ناطق منعم و إن كان جسمه على ظهر الأرض أو في بطنها و قال تعالى وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ فأخبر أنهم أحياء و إن كانت أجسادهم على وجه الأرض مواتا لا حياة فيها - وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِينَ عليه السلام أَنَّهُمْ قَالُوا إِذَا فَارَقَتْ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْسَادَهُمْ أَسْكَنَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي مِثْلِ أَجْسَادِهِمُ الَّتِي فَارَقُوهَا فَيُنَعِّمُهُمْ فِي جَنَّةٍ وَ أَنْكَرُوا مَا ادَّعَتْهُ الْعَامَّةُ مِنْ أَنَّهَا تَسْكُنُ فِي حَوَاصِلِ الطُّيُورِ الْخُضْرِ وَ قَالُوا الْمُؤْمِنُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ. و لنا على المذهب الذي وصفناه أدلة عقلية لا يطعن المخالف فيها و نظائر لما ذكرناه من الأدلة السمعية و بالله أستعين انتهى كلامه رفع الله مقامه. و قال الغزالي في الأربعين الروح هي نفسك و حقيقتك و هي أخفى الأشياء عليك و أعنى بنفسك روحك التي هي خاصة الإنسان المضافة إلى الله تعالى بقوله قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي و قوله وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي دون الروح الجسماني اللطيف الذي هو حامل قوة الحس و الحركة التي تنبعث من القلب و تنتشر في جملة البدن في تجويف العروق و الضوارب فيفيض منها نور حس البصر على العين و نور السمع على الأذن و كذلك سائر القوى و الحركات و الحواس كما يفيض من السراج نور على حيطان البيت إذا أدير في جوانبه فإن هذه الروح تتشارك البهائم فيها و تنمحق بالموت لأنه بخار اعتدل نضجه عند اعتدال مزاج الأخلاط فإذا انحل المزاج بطل كما يبطل النور الفائض من السراج عند إطفاء السراج بانقطاع الدهن عنه أو بالنفخ فيه و انقطاع الغذاء عن الحيوان يفسد هذه الروح لأن الغذاء له كالدهن للسراج و القتل له كالنفخ في السراج و هذه الروح هي التي يتصرف في تقويمها و تعديلها علم الطب و لا تحمل هذه الروح المعرفة و الأمانة بل الحامل للأمانة الروح الخاصة للإنسان و نعني بالأمانة تقلد عهدة التكليف بأن تعرض لخطر الثواب و العقاب بالطاعة و المعصية. و هذه الروح لا تفنى و لا تموت بل تبقى بعد الموت إما في نعيم و سعادة أو في جحيم و شقاوة فإنه محل المعرفة و التراب لا يأكل محل المعرفة و الإيمان أصلا و قد نطقت به الأخبار و شهدت له شواهد الاستبصار و لم يأذن الشارع في تحقيق صفته إلى أن قال و هذه الروح لا تفنى و لا تموت بل يتبدل بالموت حالها فقط و لا يتبدل منزلها و القبر في حقها إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار إذ لم يكن لها مع البدن علاقة سوى استعمالها للبدن أو اقتناصها أوائل المعرفة بواسطة شبكة الحواس فالبدن آلتها و مركبها و شبكتها و بطلان الآلة و الشبكة و المركب لا يوجب بطلان الصائد نعم إن بطلت الشبكة بعد الفراغ من الصيد فبطلانها غنيمة إذ يتخلص من حمله و ثقله و لذا - قَالَ عليه السلام تُحْفَةُ الْمُؤْمِنِ الْمَوْتُ. و إن بطلت الشبكة قبل الصيد عظمت فيه الحسرة و الندامة و الألم و لذلك يقول المقصر رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صالِحاً فِيما تَرَكْتُ كَلَّا بل من كان ألف الشبكة و أحبها و تعلق قلبه بحسن صورتها و صنعتها و ما يتعلق بسببها كان له من العذاب ضعفين أحدهما حسرة فوات الصيد الذي لا يقتنص إلا بشبكة البدن و الثاني زوال الشبكة مع تعلق القلب بها و إلفه لها و هذا مبدأ من مبادئ معرفة عذاب القبر انتهى. أقول لما كانت رسالة الباب المفتوح إلى ما قيل في النفس و الروح للشيخ الفاضل الرضي علي بن يونس العاملي روح الله روحه جمة الفوائد كثيرة العوائد مشتملة على جل ما قيل في هذا الباب من غير إسهاب و إطناب أوردت هاهنا جميعها و هي هذه. الحمد لله الذي خلق النفوس و حجب حقيقتها عنا فإن العين تبصر غيرها و يتعذر إدراك نفسها منها فأوجب ذلك خبط العلماء فيها و لم يصل أكثرهم بدقيق الفكر إليها و قد قال العالم الرباني الذي أوجب الله حقه من عرف نفسه فقد عرف ربه أشار بامتناع معرفة نفسه مع قربه إلى امتناع الإحاطة بكنه ربه و ما قيل في تفسيره من عرفها بالمخلوقية عرفه بالخالقية لا يدفع ما قصدناه و لا يمتنع ما ذكرناه إذ معرفتها بصفة حدوثها لا يستلزم معرفة عينها فإن معرفتها ليست ضروريا بلا خلاف لوجود الخلاف فيها و لا كسبية لامتناع صدق الجنس و الفصل عليها بل الاعتراف بالعجز عن وجدانها أسهل من الفحص عن كنهها و برهانها و الإنسان ضعيف القوة محدود الجملة معلومه أقل من مظنونه و تخمينه أكثر من يقينه لكن من كان نظره أعلى و نقده أجلى و نوره أصنع و فكره أشيع كان من الشك أنجى و من الشبهة أنأى و ثاقب بصره الأسنى إلى النفس أدنى و هذا الإنسان الضعيف الصغير فيه ذلك البسيط اللطيف جزء يسير فكيف يدرك بجزء منه كله و يقبل منه جميعه و هذا يتعذر أن يكون معلوما و يبعد و إن لم يكن معدوما بل يكفي أن يعلم أنها قوة إلهية مسببة واسطة بين الطبيعة المصرفة و العناصر المركبة المثير لها الطالع عليها السائغ فيها الممتزج بها فالإنسان ذو طبيعة لآثارها البادية في بدنه و ذو نفس لآثارها الظاهرة في مطلبه و مأربه و ذو عقل لتميزه و غضبه و شكه و يقينه و ها أنا ذا واضع لك في هذا المختصر المسمى بالباب المفتوح إلى ما قيل في النفس و الروح ما بلغني من أقاويل الأوائل و ما أوردوا من الشبهات و الدلائل راج من واهب المواهب الإشارة إلى مأخذ تلك المذاهب مورد ما حضرني من دخل فيها. فهنا مقصدان. اسم النفس مشترك بالاشتراك اللفظي بين معان منها ذات الشيء فعل ذلك بنفسه و منها الأنفة ليس لفلان نفس و منها الإرادة نفس فلان في كذا و منها العين قال ابن القيس يتقي أهلها النفوس عليها* * * فعلى نحرها الرقى و التميم. و منها مقدار دبغة من الدباغ تقول أعطني نفسا أي قدر ما أدبغ به مرة و منها العيب إني لا أعلم نفس فلان أي عيبه و منها العقوبة وَ يُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ و منها ما يفوت الحياة بفواته كنفس الحيوان كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ و هذه هي المبحوث عنها المختلف فيها. و اعلم أن الاحتمالات التي اقتضاها التقسيم بمناسبة إما جوهر مادي أو جوهر مجرد أو مادي و عرض أو مجرد و عرض أو مادي و مجرد و عرض. قال به جماعة المعتزلة و كثير من المتكلمين ثم اختلفوا على مذاهب ذهب جمهور المسلمين إلى أنه مجموع الهيكل المحسوس و هذا كما ترى ليس هو جوهر فقط بل مضاف إليه عرض لأن الجسم كذلك و اختاره القزويني قال لإجماع أهل اللغة أنهم عند إطلاق نفسه يشيرون إليه و اتفاق الأمة على وقوع الإدراكات بالبصر عليه و نصوص القرآن أيضا واردة فيه مثل إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ و أنه هو الذي يمات و يقبر في قوله ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ فمن يخرج عن هذه النصوص إلى غير مدلولاتها كيف يكون مسلما و قد أجمعت الأمة على أن من رأى هذه البنية و حلف أنه ما رأى إنسانا حنث و لكن اختلف في أن الإنسان هل هو هذه الجملة أو شيء له هذه الجملة أو شيء له هذه الجملة قال الأقرب الثاني و الفائدة في الملك إذا جاء فيها فإنه ليس بإنسان و كذلك المصور
بحار الأنوار - ج ٥٨ - الصفحة ٦٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بحار الأنوار - ج ٥٨ - الصفحة ١٦٢. — الإمام الصادق عليه السلام
الطب، طب الأئمة ( عليهم السلام قَالَ
حَضَرْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقَ عليه السلام فَسَأَلَهُ رَجُلٌ بِهِ الْبَوَاسِيرُ الشَّدِيدُ وَ قَدْ وُصِفَ لَهُ دَوَاءٌ سُكُرُّجَةٌ مِنْ نَبِيذٍ صُلْبٍ لَا يُرِيدُ بِهِ اللَّذَّةَ وَ لَكِنْ يُرِيدُ بِهِ الدَّوَاءَ فَقَالَ لَا وَ لَا جُرْعَةً قُلْتُ لِمَ قَالَ لِأَنَّهُ حَرَامٌ وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَجْعَلْ فِي شَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَهُ دَوَاءً وَ لَا شِفَاءً خُذْ كُرَّاثاً بَيْضَاءَ فَتَقْطَعُ رَأْسَهُ الْأَبْيَضَ وَ لَا تَغْسِلُهُ وَ تَقْطَعُهُ صِغَاراً صِغَاراً وَ تَأْخُذُ سَنَاماً فَتُذِيبُهُ وَ تُلْقِيهِ عَلَى الْكُرَّاثِ تَأْخُذُ عَشْرَ جَوْزَاتٍ فَتُقَشِّرُهَا وَ تَدُقُّهَا مَعَ وَزْنِ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ جُبُنّاً فَارِسِيّاً وَ تَغْلِي الْكُرَّاثَ فَإِذَا نَضِجَ أَلْقَيْتَ عَلَيْهِ الْجَوْزَ وَ الْجُبُنَّ ثُمَّ أَنْزَلْتَهُ عَنِ النَّارِ فَأَكَلْتَهُ عَلَى الرِّيقِ بِالْخُبْزِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ سَبْعَةً وَ تَحْتَمِي عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الطَّعَامِ وَ تَأْخُذُ بَعْدَهَا أَبْهَلَ مُحَمَّصاً قَلِيلًا بِخُبْزٍ وَ جَوْزٍ مُقَشَّرٍ بَعْدَ السَّنَامِ وَ الْكُرَّاثِ تَأْخُذُ عَلَى اسْمِ اللَّهِ نِصْفَ أُوقِيَّةٍ دُهْنَ الشَّيْرَجِ عَلَى الرِّيقِ وَ أُوقِيَّةً كُنْدُرَ ذَكَرٍ تَدُقُّهُ وَ تَسْتَفُّهُ وَ تَأْخُذُ بَعْدَهُ نِصْفَ أُوقِيَّةِ شَيْرَجٍ آخَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَ تُؤَخِّرُ أَكْلَكَ إِلَى بَعْدِ الظُّهْرِ تَبْرَأُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. توضيح قال في النهاية فيه لا أكل في سكرجة هي بضم السين و الكاف و الراء و التشديد إناء صغير يؤكل فيه الشيء القليل من الأدم و هي فارسية قوله كراثا بيضاء كذا في أكثر النسخ و كأن المراد كون أصلها أبيض فإن بعضها أصله أحمر كالبصل و الظاهر نبطيا كما في بعض النسخ الصحيحة و كأن المراد بالجبن الفارسي المالح منه أو الذي يقال له التركي. و قال في القاموس أبهل شجر كبير ورقه كالطرفاء و ثمره كالنبق و ليس بالعرعر كما توهم الجوهري. و قال في القانون هو ثمرة العرعر يشبه الزعرور إلا أنها أشد سوادا حادة الرائحة طيبة و شجره صنفان صنف ورقه كورق السرو كثير الشوك يستعرض فلا يطول و الآخر ورقه كالطرفة و طعمه كالسرو و هو أيبس و أقل حرا و إذا أخذ منه ضعف الدارصيني قام مقامه و قال بعضهم حار يابس في الثالثة. و قال ابن بيطار نقلا عن إسحاق بن عمران هو صنف من العرعر كثير الحب و هو شجر كبير له ورق شبيه بورق الطرفاء و ثمرته حمراء دميمة يشبه النبق في قدرها و لونها و ما داخلها مصوف له نوى و لونه أحمر إذا نضج كان حلو المذاق و بعض طعم القطران. و قال إذا أخذ من ثمرة الأبهل وزن عشرة دراهم فجعل في قدر و صب عليه ما يغمره من سمن البقر و وضع على النار حتى ينشف السمن ثم سحق و جعل معه وزن عشرة دراهم من الفانيذ و شرب كل يوم منه وزن درهمين على الريق بالماء الفاتر فإنه نافع لوجع أسفل البطن من البواسير انتهى. و في القاموس حب محمص كمعظم مقلو. و تأخذ بعدها أي بعد الأيام الثلاثة أو السبعة بعد السنام و الكراث أي بعد ما أكلت الدواء المذكور الأيام المذكورة آخر ثلاثة أيام أي إلى آخر ثلاثة أيام و يحتمل أن يكون آخر صفة للنصف فالمعنى أنه يشرب الشيرج قبل السفوف و بعده. و قال في القانون الكندر أجوده الذكر الأبيض المدحرج الدبقي الباطن و الدهين المكسر حار في الثانية مجفف في الأولى.
بحار الأنوار - ج ٥٩ - الصفحة ١٩٧. — الإمام الصادق عليه السلام
[3/3] عَدَدُهُمْ مِنَ الْمَلَائِكَةِ حَتَّى إِذَا أَتَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فَهَبَطَ فِيهَا مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ خَلَقَ اللَّهُ أَوْ قَالَ قَيَّضَ اللَّهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ بِعَدَدِهِمْ ثُمَّ زَارُوا وَلِيَّ الضَّلَالَةِ فَأَتَوْهُ بِالْإِفْكِ وَ الْكَذِبِ حَتَّى لَعَلَّهُ يُصْبِحُ فَيَقُولُ رَأَيْتُ كَذَا وَ كَذَا فَلَوْ سَأَلَ وَلِيَّ الْأَمْرِ عَنْ ذَلِكَ لَقَالَ رَأَيْتَ شَيْطَاناً أَخْبَرَكَ بِكَذَا وَ كَذَا حَتَّى يُفَسِّرَ لَهُ تَفْسِيراً وَ يُعْلِمَهُ الضَّلَالَةَ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا. وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ صدق في ظنه و هو قوله لَأُضِلَّنَّهُمْ و لَأُغْوِيَنَّهُمْ و قرئ بالتشديد أي حققه إِلَّا فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أي إلا فريقا هم المؤمنون لم يتبعوه و تقليلهم بالإضافة إلى الكفار أو إلا فريقا من فرق المؤمنين لم يتبعوه في العصيان و هم المخلصون مِنْ سُلْطانٍ أي من تسلط و استيلاء إِلَّا لِنَعْلَمَ إلخ أي إلا ليتعلق علمنا بذلك تعلقا يترتب عليه الجزاء أو ليتميز المؤمن من الشاك و المراد من حصول العلم حصول متعلقه مبالغة. - وَ فِي الْكَافِي، عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام قَالَ
كَانَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ الظَّنُّ مِنْ إِبْلِيسَ حِينَ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّهُ يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى فَظَنَّ بِهِمْ إِبْلِيسُ ظَنّاً فَصَدَّقُوا ظَنَّهُ. وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم أَنْ يَنْصِبَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام لِلنَّاسِ فِي قَوْلِهِ يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ فِي عَلِيٍّ بِغَدِيرِ خُمٍّ قَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ فَجَاءَتِ الْأَبَالِسَةُ إِلَى إِبْلِيسَ الْأَكْبَرِ وَ حَثَوُا التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ إِبْلِيسُ مَا لَكُمْ قَالُوا إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ عَقَدَ الْيَوْمَ عُقْدَةً لَا يَحُلُّهَا شَيْءٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَقَالَ لَهُمْ إِبْلِيسُ كَلَّا إِنَّ الَّذِينَ حَوْلَهُ قَدْ وَعَدُونِي فِيهِ عِدَةً لَنْ يُخْلِفُونِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى رَسُولِهِ وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ الْآيَةَ. إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُمْ عَدُوٌّ عداوة عامة قديمة فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا في عقائدكم و أفعالكم و كونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم إِنَّما يَدْعُوا إلخ تقدير لعداوته و بيان لغرضه. أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ هو من جملة ما يقال لهم يوم القيامة تقريعا و إلزاما للحجة و عهده إليهم ما نصب لهم من الدلائل العقلية و السمعية الآمرة بعبادته الزاجرة عن عبادة غيره و جعلها عبادة الشيطان لأنه الآمر بها المزين لها. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ تعليل للمنع عن عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه وَ أَنِ اعْبُدُونِي عطف على أن لا تعبدوا هذا صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ إشارة إلى ما عهد إليهم أو إلى عبادته بالطاعة فيما يحملهم عليه و الجملة استئناف لبيان المقتضي للعهد وَ لَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيراً رجوع إلى بيان معاداة الشيطان مع ظهور عداوته و وضوح إضلاله لمن له أدنى عقل و رأي و الجبل الخلق. قوله سبحانه وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ قال البيضاوي حِفْظاً منصوب بإضمار فعله أو العطف على زينة باعتبار المعنى كأنه قال إنا خلقنا الكواكب زينة للسماء و حفظا من كل شيطان مارد خارج عن الطاعة برمي الشهب. قال الرازي قال ابن عباس يريد حفظ السماء بالكواكب من كل شيطان تمرد على الله قال المفسرون الشياطين يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة و عرفوا به ما سيكون من الغيوب و كانوا يخبرون به ضعفاءهم و يوهمونهم أنهم يعلمون الغيب فمنعهم الله تعالى عن الصعود إلى قرب السماء بهذه الشهب فإنه تعالى يرميهم بها فيحرقهم بها. و بقي هاهنا سؤالات الأول هذه الشهب هل هي من الكواكب التي زين الله السماء بها أم لا و الأول باطل لأن هذه الشهب تبطل و تضمحل فلو كانت هذه الشهب تلك الكواكب الحقيقية لوجب أن يظهر نقصان كثير في أعداد كواكب السماء و معلوم أن هذا المعنى لم يوجد البتة و أيضا فجعلها رجوما للشياطين مما يوجب النقصان في زينة السماء فكان الجمع بين هذين المقصودين كالمتناقض. و أما القسم الثاني و هو أن يقال هذه الشهب جنس آخر غير الكواكب المركوزة في الفلك فهذا أيضا مشكل لأنه تعالى قال في سورة تبارك وَ لَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَ جَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ و الضمير عائد إلى المصابيح. و الجواب أن هذه الشهب غير تلك الثواقب الباقية و أما قوله وَ لَقَدْ زَيَّنَّا إلخ فنقول كل منير يحصل في الجو العالي فهو مصباح لأهل الأرض إلا أن تلك المصابيح منها باقية على وجه الدهر آمنة من التغير و الفساد و منها ما لا يكون كذلك و هي هذه الشهب التي يحدثها الله تعالى و يجعلها رجوما للشياطين. الثاني كيف يجوز أن يذهب الشياطين إلى السماء حيث يعلمون بالتجربة أن الشهب تحرقهم و لا يصلون إلى مقصودهم البتة و هل يمكن أن يصدر مثل هذا الفعل عن عاقل فكيف من الشياطين الذين لهم مزية في معرفة الحيل الدقيقة و الجواب أن حصول هذه الحالة ليس له موضع معين و إلا لم يذهبوا إليه و إنما يمنعون من المصير إلى مواضع الملائكة و مواضعها مختلفة فربما أن صاروا إلى موضع تصيبهم الشهب و ربما صاروا إلى غيره و لا يصادفون الملائكة فلا تصيبهم الشهب فلما هلكوا في بعض الأوقات و سلموا في بعضها جاز أن يصيروا إلى مواضع يغلب على ظنونهم أنه لا تصيبهم الشهب فيها كما يجوز فيمن يسلك البحر أن يسلكه في موضع يغلب على ظنه حصول النجاة هذا ما ذكره الجبائي في تفسيره. و لقائل أن يقول إنهم إذا صعدوا فإما أن يصلوا إلى مواضع الملائكة أو إلى غير ذلك الموضع فإن وصلوا إلى مواضع الملائكة احترقوا و إن وصلوا إلى غيرها لم يفوزوا بمقصود أصلا فبعد هذه التجزئة وجب أن يمتنعوا عن هذا العمل. و الأقرب في الجواب أن نقول هذه الواقعة إنما تتفق في الندرة فلعلها لم يشتهر بين الشياطين. الثالث قالوا دلت التواريخ المتواترة على أن حدوث الشهب كان حاصلا قبل مجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم و لذلك فإن الحكماء الذين كانوا موجودين قبل مجيء النبي صلى الله عليه وآله وسلم بزمان طويل ذكروا ذلك و تكلموا في سبب حدوثه. و أجاب القاضي بأن الأقرب أن هذه الحالة كانت موجودة قبل النبي لكنها كثرت في زمانه صلى الله عليه وآله وسلم فصار بسبب الكثرة معجزا انتهى. و أقول يمكن أن يقال في الجواب عن السؤال الأول أما أولا فبأنه على تقدير كون المراد بالمصابيح الكواكب نمنع عدم التغير في أعدادها لأن جميعها غير مرصودة لا سيما على القول بأن المجرة مركبة من الكواكب الصغيرة. و أما ثانيا فبأن يقال يجوز أن يخلق الله تعالى في موضع الكوكب الذي يرمى به الشياطين كوكبا آخر فلا يحس بزواله. و أما ثالثا فبأن يقال لعله ينفصل من الكوكب جسم يحرق الشياطين و يهلكهم مع بقاء الكوكب كما ينفصل عن النار شعل محرقة مع بقائها و الشهاب في الأصل شعلة نار ساطعة و منه قوله تعالى آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ و أما السؤال الثاني فأجاب الشيخ رحمه الله في التبيان عنه بأنهم ربما جوزوا أن يصادفوا موضعا يصعدون منه ليس فيه ملك يرميهم بالشهب أو اعتقدوا أن ذلك غير صحيح و لم يصدقوا من أخبرهم أنهم رموا حين أرادوا الصعود. و قيل في الجواب إذا جاء القضاء عمي البصر فإذا قضى الله على شيطان بالحرق قبض الله من نفسه ما يبعثه على الإقدام على الهلكة و ربما غفل عن التجربة لشدة حرصه على درك المقصود و قد يقال في الجواب عن الثالث بأن ما حدث بولادته ص و بعثه هو طرد الشياطين بالشهب الثواقب لا وجودها مع أن طائفة زعموا أن هذه الشهب ما كانت موجودة قبل البعث و رووه عن ابن عباس و أبي بن كعب قالوا لم يرم بنجم منذ رفع عيسى ابن مريم عليها السلام حتى بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرمي بها فرأت قريش أمرا ما رأوه قبل ذلك فجعلوا يسيبون أنعامهم و يعتقون رقابهم يظنون إبان الفناء فبلغ ذلك بعض أكابرهم فقال لم فعلتم ذلك فقالوا رمي بالنجوم فرأينا تتهافت في السماء فقال اصبروا فإن تكن نجوم معروفة فهو وقت فناء الدنيا و إن كانت نجوم لا تعرف فهو أمر حدث فنظروا فإذا هي لا تعرف فأخبروه فقال في الأمر مهلة و هذا عند ظهور نبي فما مكثوا إلا يسيرا حتى قدم أبو سفيان على أخواله و أخبر أولئك الأقوام أنه ظهر محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم و يدعي أنه نبي مرسل و هؤلاء زعموا أن كتب الأوائل قد توالت عليها التحريفات فلعل المتأخرين ألحقوا هذه المسألة بها طعنا منهم في هذه المعجزة و كذا الأشعار المنسوبة إلى أهل الجاهلية لعلها مختلقة عليهم لذلك. قوله تعالى لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى قال البيضاوي كلام مبتدأ لبيان حالهم بعد ما حفظ السماء عنهم و لا يجوز جعله صفة ل كُلِّ شَيْطانٍ فإنه يقتضي أن يكون الحفظ من شياطين لا يسمعون و الضمير لكل باعتبار المعنى و تعدية السماع بإلى لتضمنه معنى الإصغاء مبالغة لنفيه و تهويلا لما يمنعهم و يدل عليه قراءة حمزة و الكسائي و حفص بالتشديد من التسمع و هو طلب السماع و الملأ الأعلى الملائكة أو أشرافهم وَ يُقْذَفُونَ يرمون مِنْ كُلِّ جانِبٍ من السماء إذا قصدوا صعوده دُحُوراً علة أي للدحور و هو الطرد أو مصدر لأنه و القذف متقاربان أو حال بمعنى مدحورين أو منزوع عنه الباء جمع دحر و هو ما يطرد به و يقويه القراءة بالفتح و هو يحتمل أيضا أن يكون مصدرا كالقبول أو صفة له أي قذفا دحورا وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ أي عذاب آخر دائم أو شديد و هو عذاب الآخرة إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ استثناء من واو يسمعون و من بدل منه و الخطف الاختلاس و المراد اختلاس كلام الملائكة مسارقة و أتبع بمعنى تبع و الثاقب المضيء. أقول و قد مر بعض الكلام في بعض هذه الآيات. و قال البيضاوي طَلْعُها أي حملها مستعار من طلع الثمر لمشاركته إياه في الشكل أو لطلوعه من الشجر كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ في تناهي القبح و الهول و هو تشبيه بالمتخيل كتشبيه الفائق في الحسن بالملك و قيل الشياطين حيات هائلة قبيحة المنظر لها أعراف و لعلها سميت بها لذلك. و قال وَ الشَّياطِينَ عطف على الريح كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ بدل منه وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ عطف على كل كأنه فصل الشياطين إلى عمله استعملهم في الأعمال الشاقة كالبناء و الغوص و مردة قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر و لعل أجسامهم شفافة صلبة فلا ترى و يمكن تقييدها هذا و الأقرب أن المراد تمثيل كفهم عن الشرور بالإقران في الصفد و هو القيد. و قال الرازي و هاهنا بحث و هو أن هذه الآيات دالة على أن الشياطين لها قوة عظيمة و بسبب تلك القوة قدروا على بناء الأبنية القوية التي لا يقدر عليها البشر و قدروا على الغوص في البحار و احتاج سليمان عليه السلام إلى قيدهم و لقائل أن يقول هذه الشياطين إما أن تكون أجسادهم كثيفة أو لطيفة فإن كان الأول وجب أن يراهم من كان صحيح الحاسة إذ لو جاز أن لا نراهم مع كثافة أجسادهم فليجز أن يكون بحضرتنا جبال عالية و أصوات هائلة لا نراها و لا نسمعها و ذلك دخول في السفسطة فإن كان الثاني و هو أن أجسادهم ليست كثيفة بل لطيفة رقيقة فمثل هذا يمتنع أن يكون موصوفا بالقوة الشديدة و أيضا لزم أن تتفرق أجسادهم و أن تتمزق بسبب الرياح القوية و أن يموتوا في الحال و ذلك يمنع وصفهم بالآلات القوية. و أيضا الجن و الشياطين إن كانوا موصوفين بهذه الشدة و القوة فلم لا يقتلون العلماء و الزهاد في زماننا و لم لا يخربون ديار الناس مع أن المسلمين مبالغون في إظهار لعنتهم و عداوتهم و حيث لا يحس شيء من ذلك علمنا أن القول بإثبات الجن و الشياطين ضعيف. و اعلم أن أصحابنا يجوزون أن تكون أجسامهم كثيفة مع أنا لا نراها و أيضا لا يبعد أن يقال أجسامهم لطيفة بمعنى عدم اللون و لكنها صلبة بمعنى أنها لا تقبل التفرق و أما الجبائي فقد سلم أنها كانت كثيفة الأجسام و زعم أن الناس كانوا يشاهدونهم في زمن سليمان عليه السلام ثم إنهم لما توفي سليمان عليه السلام أمات الله تلك الجن و الشياطين و خلق نوعا آخر من الجن و الشياطين و الموجود في زماننا ليس إلا من هذا الجنس و الله أعلم انتهى. قال الطبرسي رحمه الله وَ آخَرِينَ أي و سخرنا له آخرين من الشياطين مشددين في الأغلال و السلاسل من الحديد و كان يجمع بين اثنين و ثلاثة منهم في سلسلة لا يمتنعون عليه إذا أراد ذلك بهم عند تمردهم. و قيل إنه إنما كان يفعل ذلك بكفارهم فإذا آمنوا أطلقهم. بِنُصْبٍ وَ عَذابٍ أي بتعب و مكروه و مشقة و قيل بوسوسة فيقول له طال مرضك و لا يرحمك ربك انتهى. و قال البيضاوي في قوله تعالى فَإِذا سَوَّيْتُهُ عدلت خلقته اسْتَكْبَرَ تعظم و كانَ أي و صار أو في علم الله فَبِعِزَّتِكَ فبسلطانك و قهرك فَالْحَقُّ وَ الْحَقَّ أَقُولُ أي فأحق الحق و أقوله. و قيل الحق الأول اسم الله تعالى و نصب بحذف حرف القسم و جوابه لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَ مِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ و ما بينهما اعتراض و هو على الأول جواب محذوف و الجملة تفسير للحق المقول و قرأ عاصم و حمزة برفع الأول على الابتداء أي الحق يميني أو قسمي أو الخبر أي أنا الحق وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ أي نخس به شبه وسوسته لأنها بعث على ما لا ينبغي كالدفع بما هو أسوأ و جعل النزغ نازغا على طريقة جد جده أو أريد به نازغ وصفا للشيطان بالمصدر فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لاستعاذتك الْعَلِيمُ بنيتك أو بصلاحك وَ مَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ يتعامى و يعرض عنه لفرط اشتغاله بالمحسوسات أو انهماكه في الشهوات نُقَيِّضْ نقدر و نسبب لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ يوسوسه و يغويه دائما. أقول - وَ فِي الْخِصَالِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام مَنْ تَصَدَّى بِالْإِثْمِ أَعْشَى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَ مَنْ تَرَكَ الْأَخْذَ عَمَّنْ أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ قَيَّضَ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ سَوَّلَ لَهُمْ قيل أي سهل لهم اقتراف الكبائر و قيل حملهم على الشهوات وَ أَمْلى لَهُمْ أي و أمد لهم في الآمال و الأماني أو أمهلهم الله و لم يعاجلهم بالعقوبة اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ أي استولى عليهم و هو مما جاء على الأصل فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ لا يذكرونه بقلوبهم و لا بألسنتهم أُولئِكَ حِزْبُ الشَّيْطانِ جنوده و أتباعه أَلا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطانِ هُمُ الْخاسِرُونَ لأنهم فوتوا على أنفسهم النعيم المؤبد و عرضوها للعذاب المخلد. كَمَثَلِ الشَّيْطانِ قال البيضاوي أي مثل المنافقين في إغراء اليهود على القتال كمثل الشيطان إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ أغراه على الكفر إغراء الآمر المأمور فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ تبرأ عنه مخافة أن يشاركه في العذاب و لا ينفعه ذلك كما قال إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ إلى قوله جَزاءُ الظَّالِمِينَ و المراد من الإنسان الجنس و قيل أبو جهل قال له إبليس يوم بدر لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكُمْ الآية و قيل راهب حمله على الفجور و الارتداد. وَ لَقَدْ زَيَّنَّا أقول قد مر الكلام فيها في باب السماوات. مِنْ شَرِّ الْوَسْواسِ الْخَنَّاسِ قال الطبرسي رحمه الله فيه أقوال أحدها أن معناه من شر الوسوسة الواقعة من الجنة التي يوسوسها في صدور الناس فيكون فاعل يوسوس ضمير الجنة و إنما ذكر لأن الجنة و الجن واحد و جازت الكناية عنه و إن كان متأخرا لأنه في نية التقدم. و ثانيها أن معناه من شر ذي الوسواس و هو الشيطان كما جاء في الأثر أنه يوسوس فإذا ذكر ربه خنس. ثم وصفه الله تعالى بقوله الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ أي بالكلام الخفي الذي يصل مفهومه إلى قلوبهم من غير سماع ثم ذكر أن هذا الشيطان الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و هم الشياطين كما قال سبحانه إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِ ثم عطف بقوله وَ النَّاسِ على الوسواس و المعنى من شر الوسواس و من شر الناس كأنه أمر أن يستعيذ من شر الجن و الإنس. و ثالثها أن معناه من شر ذي الوسواس الخناس ثم فسره بقوله مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ كما تقول نعوذ بالله من شر كل مارد من الجن و الإنس و على هذا فيكون وسواس الجنة هو وسواس الشيطان و في وسواس الإنس وجهان أحدهما أنه وسوسة الإنسان نفسه. و الثاني إغواء من يغويه من الناس و يدل عليه قوله شَياطِينَ الْإِنْسِ وَ الْجِنِ فشيطان الجن يوسوس و شيطان الإنس يأتي علانية و يرى أنه ينصح و قصده الشر قال مجاهد الخناس الشيطان إذا ذكر الله سبحانه خنس و انقبض و إذا لم يذكر الله انبسط على القلب و يؤيده - مَا رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّ الشَّيْطَانَ وَاضِعٌ خَطْمَهُ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَنَسَ وَ إِنْ نَسِيَ الْتَقَمَ قَلْبَهُ فَذَلِكَ الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ.. و قيل الخناس معناه الكثير الاختفاء بعد الظهور و هو المستتر المختفي عن أعين الناس لأنه يوسوس من حيث لا يرى بالعين - وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ لِقَلْبِهِ فِي صَدْرِهِ أُذُنَانِ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْمَلَكُ وَ أُذُنٌ يَنْفُثُ فِيهَا الْوَسْوَاسُ الْخَنَّاسُ فَيُؤَيِّدُ اللَّهُ الْمُؤْمِنَ بِالْمَلَكِ وَ هُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ. 1- تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَوْلُهُ تَعَالَى وَ الشَّياطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَ غَوَّاصٍ أَيْ فِي الْبَحْرِ وَ آخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ يَعْنِي مُقَيَّدِينَ قَدْ شُدَّ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ هُمُ الَّذِينَ عَصَوْا سُلَيْمَانَ عليه السلام حِينَ سَلَبَهُ اللَّهُ مُلْكَهُ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام جَعَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُلْكَ سُلَيْمَانَ فِي خَاتَمِهِ فَكَانَ إِذَا لَبِسَهُ حَضَرَتْهُ الْجِنُّ وَ الْإِنْسُ وَ الشَّيَاطِينُ وَ جَمِيعُ الطَّيْرِ وَ الْوَحْشِ وَ أَطَاعُوهُ وَ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيَاحاً تَحْمِلُ الْكُرْسِيَّ بِجَمِيعِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَ الطَّيْرِ وَ الْإِنْسِ وَ الدَّوَابِّ وَ الْخَيْلِ فَتَمُرُّ بِهَا فِي الْهَوَاءِ إِلَى مَوْضِعٍ يُرِيدُهُ سُلَيْمَانُ وَ كَانَ يُصَلِّي الْغَدَاةَ بِالشَّامِ وَ الظُّهْرَ بِفَارِسَ وَ كَانَ يَأْمُرُ الشَّيَاطِينَ أَنْ يَحْمِلُوا الْحِجَارَةَ مِنْ فَارِسَ يَبِيعُونَهَا بِالشَّامِ فَلَمَّا مَسَحَ أَعْنَاقَ الْخَيْلِ وَ سُوقَهَا بِالسَّيْفِ سَلَبَهُ اللَّهُ مُلْكَهُ فَجَاءَ شَيْطَانٌ فَأَخَذَ مِنْ خَادِمِهِ خَاتَمَهُ حَيْثُ دَخَلَ الْخَلَاءَ وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ فَلَمَّا رَدَّ عَلَيْهِ الْخَاتَمَ وَ لَبِسَهُ حَوَتْ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ وَ الْجِنُّ وَ الْإِنْسُ وَ الطَّيْرُ وَ الْوُحُوشُ وَ رَجَعَ إِلَى مَا كَانَ فَطَلَبَ ذَلِكَ بِالشَّيْطَانِ وَ جُنُودِهِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَهُ فَقَيَّدَهُمْ وَ حَبَسَ بَعْضَهُمْ فِي جَوْفِ الْمَاءِ وَ بَعْضَهُمْ فِي جَوْفِ الصَّخْرِ بِأَسَامِي اللَّهِ فَهُمْ مَحْبُوسُونَ مُعَذَّبُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
بحار الأنوار - ج ٦٠ - الصفحة ١١٨. — الإمام الباقر عليه السلام
تَفْسِيرُ الْإِمَامِ، قَالَ عليه السلام قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٠ - الصفحة ٢٧٢. — الإمام الصادق عليه السلام
حَيَاةُ الْحَيَوَانِ، فِي الصَّحِيحِ عَنْ حرير [جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَلْوِي نَاصِيَةَ فَرَسٍ بِإِصْبَعِهِ وَ هُوَ يَقُولُ الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ الْأَجْرُ وَ الْغَنِيمَةُ. و معنى عقد الخير بنواصيها أنه ملازم لها كأنه معقود فيها و المراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة قاله الخطابي و غيره قال و كني بالناصية عن جميع ذات الفرس كما يقال فلان مبارك الناصية و ميمون الغرة أي الذات - وَ رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّهُ ص كَانَ يَكْرَهُ الشِّكَالَ مِنَ الْخَيْلِ. و الشكال أن يكون الفرس في رجله اليمنى بياض أو في يده اليسرى أو في يده اليمنى و رجله اليسرى بياض كذا وقع في تفسير صحيح مسلم و هذا أحد الأقوال في الشكال و قال أبو عبيدة و جمهور أهل اللغة و العرب أن يكون منه ثلاث قوائم محجلة و واحدة مطلقة تشبيها بالشكال الذي يشكل به الخيل فإنه يكون في ثلاث قوائم غالبا و قال ابن دريد هو أن يكون محجلا في شق واحد في يده و رجله فإن كان مخالفا قيل شكال مخالف و قيل الشكال بياض الرجلين و قيل بياض اليدين. قال العلماء و إنما كرهه لأنه على صورة المشكول و قيل يحتمل أن يكون جرب ذلك الجنس فلم تكن فيه نجابة و قال بعض العلماء فإذا كان مع ذلك أغر زالت الكراهة له بزوال شبه الشكال. - وَ رَوَى النَّسَائِيُّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ص لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ بَعْدَ النِّسَاءِ مِنَ الْخَيْلِ.. إسناده جيد. - وَ رَوَى الثَّعْلَبِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ فَرَسٍ إِلَّا وَ يُؤْذَنُ لَهُ عِنْدَ كُلِّ فَجْرٍ اللَّهُمَّ مَنْ خَوَّلْتَنِي مِنْ بَنِي آدَمَ وَ جَعَلْتَنِي لَهُ فَاجْعَلْنِي أَحَبَّ مَالِهِ وَ أَهْلِهِ إِلَيْهِ.. - وَ فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ بِسَنَدِهِ عَنْ غَرِيبٍ الْمُلَيْكِيِ أَنَّ النَّبِيَّ ص سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ سِرًّا وَ عَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ مَنْ هُمْ فَقَالَ ص أَصْحَابُ الْخَيْلِ ثُمَّ قَالَ الْمُنْفِقُ عَلَى الْخَيْلِ كَالْبَاسِطِ يَدَيْهِ بِالصَّدَقَةِ لَا يَقْبِضُهَا وَ أَبْوَالُهَا وَ أَرْوَاثُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَكِيِّ الْمِسْكِ.. و قال الفرس واحد الخيل و الجمع أفراس الذكر و الأنثى في ذلك سواء و أصله التأنيث و حكى ابن جني و الفراء فرسة و تصغير الفرس فريس و إن أردت الأنثى خاصة لم تقل إلا فريسة بالهاء و لفظها مشتق من الافتراس كأنها تفترس الأرض لسرعة مشيها و راكب الفرس فارس و هو مثل لابن و تامر و روى أبو داود و الحاكم عن أبي هريرة أن النبي ص كان يسمي الأنثى من الخيل فرسا. قال ابن السكيت يقال لراكب ذي الحافر من فرس أو بغل أو حمار فارس. و الفرس أشبه الحيوان بالإنسان لما يوجد فيه من الكرم و شرف النفس و علو الهمة و تزعم العرب أنه كان وحشيا و أول من ذلله و ركبه إسماعيل عليه السلام و من الخيل ما لا يبول و لا يروث ما دام عليه راكبه و منها ما يعرف صاحبه و لا يمكن غيره من ركوبه و كان لسليمان عليه السلام خيل ذوات أجنحة و الخيل جنسان عتيق و هجين فالعتيق ما أبواه عربيان و العتيق الكريم من كل شيء و الخيار من كل شيء. - قَالَ 17 الزَّمَخْشَرِيُ فِي الْحَدِيثِ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَقْرَبُ صَاحِبَ فَرَسٍ عَتِيقٍ وَ لَا دَاراً فِيهَا فَرَسٌ عَتِيقٌ.. - وَ فِي كِتَابِ الْخَيْلِ، أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَخْبُلُ أَحَداً فِي دَارٍ فِيهَا فَرَسٌ عَتِيقٌ. - وَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَ آخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ قَالَ هُمُ الْجِنُّ لَا يَدْخُلُونَ بَيْتاً فِيهَا فَرَسٌ عَتِيقٌ.. قال ابن عبد البر في التمهيد الفرس العتيق هو الفاره عندنا. و قال صاحب العين هو السابق. و في المستدرك من حديث معاوية بن حديج بالحاء المهملة المضمومة و الدال المهملة المفتوحة و بالجيم في آخره و هو الذي أحرق محمد بن أبي بكر بمصر * * * عَنْ أَبِي ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ فَرَسٍ عَرَبِيٍّ إِلَّا يُؤْذَنُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ بِدَعْوَتَيْنِ يَقُولُ اللَّهُمَّ كَمَا خَوَّلْتَنِي مَنْ خَوَّلْتَنِي فَاجْعَلْنِي مِنْ أَحَبِّ أَهْلِهِ وَ مَالِهِ إِلَيْهِ.. ثم قال صحيح الإسناد. و لهذا الحديث قصة ذكرها النسائي في كتاب الخيل من سننه فقال قال أبو عبيدة قال معاوية بن حديج لما افتتحت مصر كان لكل قوم مراغة يمرغون فيها دوابهم فمر معاوية بأبي ذر و هو يمرغ فرسا له فسلم عليه ثم قال يا أبا ذر ما هذا الفرس. قال هذا فرس لا أراه إلا مستجاب الدعاء قال و هل تدعو الخيل و تجاب قال نعم ليس من ليلة إلا و الفرس يدعو فيها ربه فيقول رب إنك سخرتني لابن آدم و جعلت رزقي في يده فاجعلني أحب إليه من أهله و ولده فمنها المستجاب و منها غير المستجاب و لا أرى فرسي هذا إلا مستجابا. و - رَوَى الْحَاكِمُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعاً قَالَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَغْزُوَ فَاشْتَرِ فَرَساً أَدْهَمَ مُحَجَّلًا طُلُقَ الْيُمْنَى فَإِنَّكَ تَغْنَمُ وَ تَسْلَمُ. ثم قال صحيح على شرط مسلم. و الهجين الذي أبوه عربي و أمه عجمية و المقرف بضم الميم و إسكان القاف و بالراء المهملة و بالفاء في آخره عكسه و كذلك في بني آدم. - وَ فِي كُتُبِ الْغَرِيبِ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرَّجُلَ الْقَوِيَّ الْمُبْدِئَ الْمُعِيدَ عَلَى الْفَرَسِ الْمُبْدِئِ الْمُعِيدِ. أي الذي أبدأ في غزوة و أعاد فغزا مرة أخرى بعد مرة أي جرب الأمور طورا بعد طور و الفرس المبدئ المعيد الذي غزا عليه صاحبه مرة بعد أخرى و قيل هو الذي قد ريض و أدب فصار طوع راكبه. - وَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ص رَكِبَ فَرَساً مَعْرُوراً لِأَبِي طَلْحَةَ وَ قَالَ إِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً. وَ فِي الْفَائِقِ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ فَزِعُوا مَرَّةً فَرَكِبَ ص فَرَساً عُرْياً وَ رَكَضَ فِي آثَارِهِمْ فَلَمَّا رَجَعَ ص قَالَ إِنْ وَجَدْنَاهُ لَبَحْراً.. قال حماد بن سلمة كان هذا الفرس بطيئا فلما قال ص هذا القول صار سابقا لا يلحق. وَ رَوَى النَّسَائِيُّ وَ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ أَخِي سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جُعَيْلٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ ص فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ وَ أَنَا عَلَى فَرَسٍ عَجْفَاءَ فَكُنْتُ فِي آخِرِ النَّاسِ فَلَحِقَنِي النَّبِيُّ ص فَقَالَ سِرْ يَا صَاحِبَ الْفَرَسِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهَا فَرَسٌ عَجْفَاءُ ضَعِيفَةٌ فَرَفَعَ ص بِمِخْصَرَةٍ كَانَتْ مَعَهُ فَضَرَبَهَا بِهَا وَ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُ فِيهَا فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي مَا أَمْلِكُ رَأْسَهَا حَتَّى صِرْتُ مِنْ قُدَّامِ الْقَوْمِ وَ لَقَدْ بِعْتُ مِنْ بَطْنِهَا بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً. - وَ رُوِيَ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرْكَبُ فِي الْقِتَالِ إِلَّا الْإِنَاثَ لِقِلَّةِ صَهِيلِهَا.. و قال ابن محيريز كان الصحابة يستحبون ذكور الخيل عند الصفوف و إناث الخيل عند البيات و الغارات. - وَ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَامِرِ الْهَوْزَنِيِ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ وَ اسْمُهُ أَصْرَمُ بْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ أَتَاهُ فَقَالَ أَطْرِقْنِي فَرَسَكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ مَنْ أَطْرَقَ فَرَساً فَعَقَبَ لَهُ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ سَبْعِينَ فَرَساً حَمَلَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ إِنْ لَمْ يَعْقُبْ لَهُ كَانَ لَهُ كَأَجْرِ فَرَسٍ حَمَلَ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. و في طبع الفرس الزهو و الخيلاء و السرور بنفسه و المحبة لصاحبه و من أخلاقه الدالة على شرف نفسه و كرمه أنه لا يأكل بقية علف غيره و من علو همته أن أشقر مروان كان سائسه لا يدخل عليه إلا بإذن و هو أن يحرك له المخلاة فإن حمحم دخل و إن دخل و لم يحمحم شد عليه و الأنثى من الخيل ذات شبق شديد و لذلك تطيع الفحل من غير نوعها و جنسها. قال الجاحظ و الحيض يعرض للإناث منهن و لكنه قليل و الذكر ينزو إلى تمام أربع سنين و ربما عمر إلى التسعين و الفرس يرى المنامات كبني آدم و في طبعه أنه لا يشرب الماء إلا كدرا فإذا أراه صافيا كدرة و يوصف بحدة البصر و إذا وطئ على أثر الذئب خدرت قوائمه حتى لا يكاد يتحرك و يخرج الدخان من جلده. قال الجوهري و يقال إن الفرس لا طحال له و هو مثل لسرعته و حركته كما يقال البعير لا مرارة له أي لا جسارة له و عن أبي عبيدة و أبي زيد قالا الفرس لا طحال له و لا مرارة للبعير و الظليم لا مخ له قال أبو زيد و كذلك طير الماء و حيتان البحر لا ألسنة لها و لا أدمغة و السمك لا رئة له و لذلك لا يتنفس و كل ذي رئة يتنفس. - وَ رَوَوْا أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: إِنْ يَكُنِ الْخَيْرُ فِي شَيْءٍ فَفِي ثَلَاثٍ الْمَرْأَةِ وَ الدَّارِ وَ الْفَرَسِ. - وَ فِي رِوَايَةٍ الشُّومُ فِي ثَلَاثٍ الْمَرْأَةِ وَ الدَّارِ وَ الْفَرَسِ. - وَ فِي رِوَايَةٍ الشُّومُ فِي الربع [أَرْبَعٍ... وَ الْخَادِمِ وَ الْفَرَسِ. و اختلف العلماء فيه فقيل معناه على اعتقاد الناس في ذلك وَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمْ يَحْفَظْ أَبُو هُرَيْرَةَ لِأَنَّهُ دَخَلَ وَ الرَّسُولُ ص يَقُولُ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ يَقُولُونَ الشُّومُ فِي ثَلَاثٍ إلخ فَسَمِعَ آخِرَ الْحَدِيثِ وَ لَمْ يَسْمَعْ أَوَّلَهُ.. و قال طائفة هي على ظاهرها فإن الدار قد يجعل الله سكناها سببا للضرر و الهلاك و كذلك الفرس و الخادم قد يجعل الله الهلاك عندهما بقضاء الله و قدره. و قال الخطابي و كثيرون هو في معنى الاستثناء من الطيرة أي الطيرة منهي عنها إلا أن يكون له دار يكره سكناها أو امرأة يكره صحبتها أو فرس أو خادم فليفارق الجميع بالبيع و نحوه و طلاق المرأة. و قال آخرون شوم الدار ضيقها و سوء جيرانها و شوم المرأة عدم ولادتها و سلاطة لسانها و تعرضها للريب و شوم الفرس أن لا يغزى عليها. و قيل حرانها و غلاء ثمنها و شوم الخادم سوء خلقه و قلة تعهده لما فوض إليه و قيل المراد بالشوم هنا عدم الموافقة و اعترض بعض الملحدة بحديث لا طيرة على هذا و أجاب ابن قتيبة و غيره بأن هذا مخصوص من حديث طيرة أي لا طيرة إلا في هذه الثلاثة - قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ رَوَيْنَا بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى الْقَطَّانِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: الْبَرَكَةُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْفَرَسِ وَ الْمَرْأَةِ وَ الدَّارِ. - قَالَ يُوسُفُ سَأَلْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ عَنْ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ سُفْيَانُ سَأَلْتُ عَنْهُ الزُّهْرِيَّ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ سَأَلْتُ عَنْهُ سَالِماً فَقَالَ سَالِمٌ سَأَلْتُ عَنْهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فَقَالَ سَأَلْتُ عَنْهُ النَّبِيَّ ص فَقَالَ إِذَا كَانَ الْفَرَسُ ضَرُوباً فَهُوَ مَشُومٌ وَ إِذَا كَانَتِ الْمَرْأَةُ قَدْ عَرَفَتْ زَوْجاً غَيْرَ زَوْجِهَا فَحَنَّتْ إِلَى الزَّوْجِ الْأَوَّلِ فَهِيَ مَشُومَةٌ وَ إِذَا كَانَتِ الدَّارُ بَعِيدَةً عَنِ الْمَسْجِدِ لَا يُسْمَعُ فِيهَا الْأَذَانُ وَ الْإِقَامَةُ فَهِيَ مَشُومَةٌ وَ إِذَا كُنَّ بِغَيْرِ هَذَا الْوَصْفِ فَهُنَّ مُبَارَكَاتٌ.. و قال البغل مركب من الفرس و الحمار و لذلك صار له صلابة الحمار و عظم آلات الخيل و كذلك شحيجه أي صوته تولد من صهيل الفرس و نهيق الحمار و هو عقيم لا يولد لكن في تاريخ ابن البطريق في حوادث سنة أربع و أربعين و أربعمائة أن بغلة بنابلس ولدت. و شر الطباع ما تجاذبته الأعراق المتضادة و الأخلاق المتباينة و العناصر المتباعدة و إذا كان الذكر حمارا يكون شديد الشبه بالفرس و إذا كان الذكر فرسا يكون شديد الشبه بالحمار و من العجب أن كل عضو فرضته منه يكون بين الفرس و الحمار و كذلك أخلاقه ليس له ذكاء الفرس و بلادة الحمار. و يقال إن أول من أنتجها قارون. و له صبر الحمار و قوة الفرس و يوصف برداءة الأخلاق و التلون لأجل التركيب لكنه يوصف مع ذلك بالهداية في كل طريق يسلكه مرة واحدة و هو مع ذلك مركب الملوك في أسفارها و قعيدة الصعاليك في قضاء أوطارها مع احتماله الأثقال و صبره على طول الأنقال و لذلك يقال مركب قاض و إمام عدل* * * و سيد و عالم و كهل يصلح للرجل و غير الرجل - وَ رَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام أَنَّ الْبِغَالَ كَانَتْ تَتَنَاسَلُ وَ كَانَتْ أَسْرَعَ الدَّوَابِّ فِي نَقْلِ الْحَطَبِ لِنَارِ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ فَدَعَا عَلَيْهَا فَقَطَعَ اللَّهُ نَسْلَهَا.. و عن إسحاق بن حماد بن أبي حنيفة أنه قال كان عندنا طحان رافضي له بغلان سمى أحدهما أبا بكر و الآخر عمر فرمحه أحدهما فقتله فأخبر جدي أبو حنيفة بذلك فقال انظروا الذي رمحه فهو الذي سماه عمر فوجدوه كذلك. - وَ فِي كَامِلِ ابْنِ عَدِيٍّ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ص رَكِبَ بَغْلَةً فَحَادَتْ بِهِ فحسبها [فَحَبَسَهَا وَ أَمَرَ رَجُلًا أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهَا قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ فَسَكَنَتْ. - وَ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَ النَّسَائِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زفيرٍ النَّافِعِيِ الْمِصْرِيِّ عَنْ عَلِيٍّ ع قَالَ: أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ص بَغْلَةٌ فَرَكِبَهَا فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام لَوْ حَمَلْنَا الْحَمِيرَ عَلَى الْخَيْلِ لَكَانَتْ لَنَا مِثْلُ هَذِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ.. قال ابن حبان معناه الذين لا يعلمون النهي عنه قال الخطابي يشبه أن يكون المعنى في ذلك و الله أعلم أن الحمير إذا حملت على الخيل تعطلت منافع الخيل و قل عددها و انقطع نماؤها و الخيل يحتاج إليها للركوب و الركض و الطلب و عليها يجاهد العدو و بها تحرز الغنائم و لحمها مأكول و يسهم للفرس كما يسهم للفارس و ليس للبغل شيء من هذه الفضائل فأحب النبي ص أن ينمو عدد الخيل و يكثر نسلها لما فيها من النفع و الصلاح فإذا كانت الفحول خيلا و الأمهات حميرا فيحتمل أن لا يكون داخلا في النهي إلا أن يتأول متأول أن المراد بالحديث صيانة الخيل عن مزاوجة الحمير و كراهة اختلاط مائها بمائها لئلا يكون منها الحيوان المركب من نوعين مختلفين فإن أكثر الحيوان المركب من جنسين من الحيوان أخبث طبعا من أصولها التي تتولد منها و أشد شراسة كالسِّمْع و نحوه. ثم إن البغل حيوان عقيم ليس لها نسل و لا نماء و لا يذكى و لا يزكى ثم قال و لا أرى هذا الرأي طائلا فإن الله تعالى قال وَ الْخَيْلَ وَ الْبِغالَ وَ الْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَ زِينَةً فذكر البغال و امتن علينا بها كامتنانه بالخيل و الحمير و أفرد ذكرها بالاسم الخاص الموضوع لها و نبه على ما فيها من الإرب و المنفعة و المكروه من الأشياء مذموم لا يستحق المدح و لا يقع الامتنان به و قد استعمل ص البغل و اقتناه و ركبه حضرا و سفرا و لو كان مكروها لم يقتنه و لم يستعمله انتهى. وَ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: بَيْنَمَا النَّبِيُّ ص فِي حَائِطٍ لِبَنِي النَّجَّارِ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ وَ نَحْنُ مَعَهُ إِذْ حَادَتْ بِهِ وَ كَادَتْ أَنْ تُلْقِيَهُ وَ إِذَا أَقْبُرٌ سِتَّةٌ أَوْ خَمْسَةٌ أَوْ أَرْبَعَةٌ فَقَالَ مَنْ يَعْرِفُ أَصْحَابَ هَذِهِ الْأَقْبُرِ قَالَ رَجُلٌ أَنَا فَقَالَ ص مَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ قَالَ مَاتُوا عَلَى الْإِشْرَاكِ فَقَالَ ص إِنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تُبْتَلَى فِي قُبُورِهَا فَلَوْ لَا أَنْ لَا تَدَافَنُوا لَدَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ الَّذِي أَسْمَعُ مِنْهُ ثُمَّ أَقْبَلَ ص بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ إِلَيْنَا فَقَالَ تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ ص تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ فَقَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَ مَا بَطَنَ فَقَالَ ص تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ فَقَالُوا نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. وَ فِي مَجْمَعِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ: انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَى بَغْلَتِهِ الشَّهْبَاءِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا دُلْدُلُ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ص دُلْدُلُ اسْدِي فَأَلْصَقَتْ بَطْنَهَا بِالْأَرْضِ حَتَّى أَخَذَ النَّبِيُّ حَفْنَةً مِنْ تُرَابٍ فَرَمَى بِهَا وُجُوهَهُمْ قَالَ حم لَا يُنْصَرُونَ قَالَ فَانْهَزَمَ الْقَوْمُ وَ مَا رَمَيْنَاهُمْ بِسَهْمٍ وَ لَا طَعَنَّاهُمْ بِرُمْحٍ وَ لَا ضَرَبْنَاهُمْ بِسَيْفٍ. وَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ لِعَمِّهِ عَبَّاسٍ يَوْمَ حُنَيْنٍ نَاوِلْنِي مِنَ الْبَطْحَاءِ فَأَفْقَهَ اللَّهُ الْبَغْلَةَ كَلَامَهُ فَانْخَفَضَتْ بِهِ حَتَّى كَادَ بَطْنُهَا يَمَسُّ الْأَرْضَ فَتَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنَ الْحَصْبَاءِ فَنَفَخَ فِي وُجُوهِهِمْ وَ قَالَ شَاهَتِ الْوُجُوهُ حم لَا يُنْصَرُونَ. وَ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَ أَبُو نُعَيْمٍ مِنْ طُرُقٍ صَحِيحَةٍ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: هَاجَرْتُ إِلَى النَّبِيِّ ص وَ قَدِمْتُ عَلَيْهِ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ مِنْ تَبُوكَ فَأَسْلَمْتُ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ هَذِهِ الْحِيرَةُ قَدْ رُفِعَتْ إِلَيَّ وَ إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَهَا وَ هَذِهِ الشَّيْمَاءُ بِنْتُ نُفَيْلَةَ الْأَسَدِيَّةُ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ مُعْتَجِرَةً بِخِمَارٍ أَسْوَدَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ دَخَلْنَا الْحِيرَةَ فَوَجَدْنَاهَا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ فَهِيَ لِي قَالَ هِيَ لَكَ فَأَقْبَلْنَا مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ نُرِيدُ الْحِيرَةَ فَلَمَّا دَخَلْنَاهَا كَانَ أَوَّلُ مَنْ تَلْقَانَا الشَّيْمَاءَ بِنْتَ نُفَيْلَةَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ مُعْتَجِرَةً بِخِمَارٍ أَسْوَدَ فَتَعَلَّقْتُ بِهَا فَقُلْتُ هَذِهِ وَهَبَهَا لِي رَسُولُ اللَّهِ ص وَ طَلَبَ مِنِّي خَالِدٌ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةَ فَأَتَيْتُهُ بِهَا فَسَلَّمَهَا إِلَيَّ وَ نَزَلَ إِلَيْنَا أَخُوهَا عَبْدُ الْمَسِيحِ فَقَالَ لِي أَ تَبِيعُنِيهَا قُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَاحْتَكِمْ بِمَا شِئْتَ فَقُلْتُ وَ اللَّهِ لَا أَنْقُصُهَا عَنْ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَدَفَعَ إِلَيَّ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ لِي لَوْ قُلْتَ مِائَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ فَقُلْتُ لَا أُحِبُّ مَالًا فَوْقَ أَلْفِ دِرْهَمٍ. قال الطبراني و بلغني أن الشاهدين كانا محمد بن مسلمة و عبد الله بن عمر. و قال في الحمار و ليس في الحيوان ما ينزو على غير جنسه و يلقح إلا الحمار و الفرس و هو ينزو إذا تم له ثلاثون شهرا و منه نوع يصلح لحمل الأثقال و نوع لين الأعطاف سريع العدو يسبق براذين الخيل. و من عجيب أمره إذا شم رائحة الأسد رمى نفسه عليه من شدة الخوف منه يريد بذلك الفرار و يوصف بالهداية إلى سلوك الطرقات التي مشى فيها و لو مرة واحدة و بحدة السمع. و للناس في مدحه و ذمه أقوال متباينة بحسب الأغراض فمن ذلك أن خالد بن صفوان و الفضل بن عيسى الرقاشي كانا يختاران ركوب الحمير على ركوب البراذين فأما خالد فلقيه بعض الأشراف بالبصرة على حمار فقال ما هذا يا با صفوان فقال هذا عير من نسل الكداد يحمل الرجلة و يبلغني العقبة و يقل داؤه و يخف دواؤه و يمنعني من أن أكون جبارا في الأرض و أن أكون من المفسدين. و أما الفضل فإنه سئل عن ركوبه فقال إنه أقل الدواب مئونة و أكثرها معونة و أخفضها مهوى و أقربها مرتقى فسمع أعرابي كلامه فعارضه بقوله الحمار شنار و العير عار منكر الصوت لا ترقأ به الدماء و لا تمهر به النساء و صوته أنكر الأصوات. قال الزمخشري الحمار مثل في الذم الشنيع و الشتمة و من استيحاشهم لذكر اسمه أنهم يكنون عنه و يرغبون عن التصريح به فيقولون الطويل الأذنين كما يكنى عن الشيء المستقذر و قد عد من مساوئ الآداب أن تجري ذكر الحمار في مجلس قوم أولي المروة. و من العرب من لا يركب الحمار استنكافا و إن بلغت به الرجلة الجهد. و المروءة بالهمز و تركه قال الجوهري هي الإنسانية و قال ابن فارس الرجولية و قيل إن ذا المروءة من يصون نفسه عن الأدناس و لا يشينها عند الناس و قيل من يسير بسيرة أمثاله في زمانه و مكانه قال الدارمي قيل المروءة في الحرفة و قيل في آداب الدين كالأكل و الصياح في الجم الغفير و انتهار الشائل و قلة فعل الخير مع القدرة عليه و كثرة الاستهزاء و الضحك و نحو ذلك انتهى. وَ رُوِيَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ كَانَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ رَجُلٌ صَالِحٌ وَ كَانَ لَهُ مَعَ اللَّهِ مُعَامَلَةٌ حَسَنَةٌ وَ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ وَ كَانَ ضَنِيناً بِهَا وَ كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ أَهْلِ زَمَانِهَا مُفْرِطَةً فِي الْجَمَالِ وَ الْحُسْنِ وَ كَانَ يُقْفِلُ عَلَيْهَا الْبَابَ فَنَظَرَتْ يَوْماً شَابّاً فَهَوَتْهُ وَ هَوَاهَا فَعَمِلَ لَهَا مِفْتَاحاً عَلَى بَابِ دَارِهَا وَ كَانَ يَخْرُجُ وَ يَدْخُلُ لَيْلًا وَ نَهَاراً مَتَى شَاءَ وَ زَوْجُهَا لَمْ يَشْعُرْ بِذَلِكَ فَبَقِيَا عَلَى ذَلِكَ زَمَاناً طَوِيلًا فَقَالَ لَهَا زَوْجُهَا يَوْماً وَ كَانَ أَعْبَدَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ أَزْهَدَهُمْ إِنَّكِ قَدْ تَغَيَّرْتِ عَلَيَّ وَ لَمْ أَعْلَمْ مَا سَبَبُهُ وَ قَدْ تُوَسْوِسُ قَلْبِي عَلَيَّ وَ كَانَ قَدْ أَخَذَهَا بِكْراً ثُمَّ قَالَ وَ أَشْتَهِي مِنْكِ أَنَّكِ تَحْلِفِي لِي أَنَّكِ لَمْ تَعْرِفِي رَجُلًا غَيْرِي وَ كَانَ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ جَبَلٌ يُقْسِمُونَ بِهِ وَ يَتَحَاكَمُونَ عِنْدَهُ وَ كَانَ الْجَبَلُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ عِنْدَهُ نَهَرٌ جَارٍ وَ كَانَ لَا يَحْلِفُ عِنْدَهُ أَحَدٌ كَاذِباً إِلَّا هَلَكَ فَقَالَتْ لَهُ وَ يُطَيِّبُ قَلْبَكَ إِذَا حَلَفْتُ لَكَ عِنْدَ الْجَبَلِ قَالَ نَعَمْ قَالَتْ مَتَى شِئْتَ فَعَلْتُ فَلَمَّا خَرَجَ الْعَابِدُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ دَخَلَ عَلَيْهَا الشَّابُّ فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا جَرَى لَهَا مَعَ زَوْجِهَا وَ أَنَّهَا تُرِيدُ أَنْ تَحْلِفَ لَهُ عِنْدَ الْجَبَلِ وَ قَالَتْ مَا يُمْكِنُنِي أَنْ أَحْلِفَ كَاذِبَةً وَ لَا أَقُولُ لِزَوْجِي فَبُهِتَ الشَّابُّ وَ تَحَيَّرَ وَ قَالَ فَمَا تَصْنَعِينَ فَقَالَتْ بَكِّرْ غَداً وَ الْبَسْ ثَوْبَ مُكَارٍ وَ خُذْ حِمَاراً وَ اجْلِسْ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ فَإِذَا خَرَجْنَا فَأَنَا أَدُعُّهُ يَكْتَرِي مِنْكَ الْحِمَارَ فَإِذَا اكْتَرَاهُ مِنْكَ بَادِرْ وَ احْمِلْنِي وَ ارْفَعْنِي فَوْقَ الْحِمَارِ حَتَّى أَحْلِفَ لَهُ وَ أَنَا صَادِقَةٌ أَنَّهُ مَا مَسَّنِي أَحَدٌ غَيْرُكَ وَ غَيْرُ هَذَا الْمُكَارِي فَقَالَ حُبّاً وَ كَرَامَةً وَ إِنَّهُ لَمَّا جَاءَ زَوْجُهَا قَالَ لَهَا قُومِي إِلَى الْجَبَلِ لِتَحْلِفِي بِهِ قَالَتْ مَا لِي طَاقَةٌ بِالْمَشْيِ فَقَالَ اخْرُجِي فَإِنْ وَجَدْتُ مُكَارِياً اكْتَرَيْتُ لَكِ فَقَامَتْ وَ لَمْ تَلْبَسْ لِبَاسَهَا فَلَمَّا خَرَجَ الْعَابِدُ وَ زَوْجَتُهُ رَأَتِ الشَّابَّ يَنْتَظِرُهَا فَصَاحَتْ بِهِ يَا مُكَارِي أَكْتَرِي حِمَارَكَ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ إِلَى الْجَبَلِ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ تَقَدَّمَ وَ رَفَعَهَا عَلَى الْحِمَارِ وَ سَارُوا حَتَّى وَصَلُوا إِلَى الْجَبَلِ فَقَالَتْ لِلشَّابِّ أَنْزِلْنِي عَنِ الْحِمَارِ حَتَّى أَصْعَدَ الْجَبَلَ فَلَمَّا تَقَدَّمَ الشَّابُّ إِلَيْهَا أَلْقَتْ بِنَفْسِهَا إِلَى الْأَرْضِ فَانْكَشَفَتْ عَوْرَتُهَا فَشَتَمَتِ الشَّابَّ فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا لِي ذَنْبٌ ثُمَّ مَدَّتْ يَدَهَا إِلَى الْجَبَلِ فَمَسَكَتْهُ وَ حَلَفَتْ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَمَسَّهَا أَحَدٌ وَ لَا نَظَرَ إِنْسَانٌ مِثْلَ نَظَرِكَ إِلَيَّ مُذْ عَرَفْتُكَ غَيْرُكَ وَ هَذَا الْمُكَارِي فَاضْطَرَبَ الْجَبَلُ اضْطِرَاباً شَدِيداً وَ زَالَ عَنْ مَكَانِهِ وَ أَنْكَرَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى وَ إِنْ كانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبالُ. و روى البيهقي في الشعب عن ابن مسعود أنه قال كانت الأنبياء يركبون الحمر و يلبسون الصوف و يحلبون الشاة و كان للنبي ص حمار اسمه عفير بضم العين المهملة و ضبطه القاضي عياض بالغين المعجمة و اتفقوا على تغليطه أهداه له المقوقس و كان فورة بن عمر الجذامي أهدى له حمارا يقال له يعفور مأخوذ من العفرة و هو لون التراب فنفق يعفور في منصرف النبي ص من حجة الوداع و ذكر السهيلي أن يعفورا طرح نفسه في بئر لما مات رسول الله ص. وَ ذَكَرَ ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِهِ بِسَنَدِهِ إِلَى مَنْصُورٍ وَ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ص خَيْبَرَ أَصَابَ حِمَاراً أَسْوَدَ فَكَلَّمَ الْحِمَارَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَالَ لَهُ مَا اسْمُكَ قَالَ يَزِيدُ بْنُ شِهَابٍ أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ نَسْلِ جَدِّي سِتِّينَ حِمَاراً لَا يَرْكَبُهَا إِلَّا نَبِيٌّ وَ قَدْ كُنْتُ أَتَوَقَّعُكَ لِتَرْكَبَنِي وَ لَمْ يَبْقَ مِنْ نَسْلِ جَدِّي غَيْرِي وَ لَا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرُكَ وَ قَدْ كُنْتُ قَبْلَكَ لِتَرْكَبَنِي عِنْدَ رَجُلٍ يَهُودِيٍّ وَ كُنْتُ أَتَعَثَّرُ بِهِ وَ كَانَ يُجِيعُ بَطْنِي وَ يَضْرِبُ ظَهْرِي فَقَالَ النَّبِيُّ ص فَأَنْتَ يَعْفُورٌ يَا يَعْفُورُ تَشْتَهِي الْإِنَاثَ قَالَ لَا فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَرْكَبُهُ فِي حَاجَتِهِ وَ كَانَ يَبْعَثُ بِهِ خَلْفَ مَنْ شَاءَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَيَأْتِي الْبَابَ فَيَقْرَعُهُ بِرَأْسِهِ فَإِذَا خَرَجَ صَاحِبُ الدَّارِ أَوْمَأَ إِلَيْهِ فَيَعْلَمُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ فَيَأْتِي النَّبِيَّ ص فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ص جَاءَ إِلَى بِئْرٍ وَ كَانَتْ لِأَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التَّيِّهَانِ فَتَرَدَّى فِيهَا جَزَعاً عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَصَارَتْ قَبْرَهُ. - وَ فِي كَامِلِ ابْنِ عَدِيٍّ فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ بَشِيرٍ وَ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَلَمَةَ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص تَعَبَّدَ رَجُلٌ فِي صَوْمَعَةٍ فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ وَ أَعْشَبَتِ الْأَرْضُ فَرَأَى حِمَاراً يَرْعَى فَقَالَ يَا رَبِّ لَوْ كَانَ لَكَ حِمَارٌ لَرَعَيْتُهُ مَعَ حِمَارِي فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيّاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ عَلَيْهِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ إِنَّمَا أُجَازِي الْعِبَادَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ. و هو كذلك في الحلية في ترجمة زيد بن أسلم. - وَ فِي كِتَابِ ابْتِلَاءِ الْأَخْيَارِ أَنَّ عِيسَى عليه السلام لَقِيَ إِبْلِيسَ وَ هُوَ يَسُوقُ خَمْسَةَ أَحْمِرَةٍ عَلَيْهَا أَحْمَالٌ فَسَأَلَهُ عَنِ الْأَحْمَالِ فَقَالَ تِجَارَةٌ أَطْلُبُ لَهَا مُشْتَرِينَ فَقَالَ وَ مَا هِيَ التِّجَارَةُ قَالَ أَحَدُهَا الْجَوْرُ قَالَ وَ مَنْ يَشْتَرِيهِ قَالَ السَّلَاطِينُ وَ الثَّانِي الْكِبْرُ قَالَ وَ مَنْ يَشْتَرِيهِ قَالَ الدَّهَاقِينُ وَ الثَّالِثُ الْحَسَدُ قَالَ وَ مَنْ يَشْتَرِيهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَ الرَّابِعُ الْخِيَانَةُ قَالَ وَ مَنْ يَشْتَرِيهَا قَالَ عُمَّالُ التُّجَّارِ وَ الْخَامِسُ الْكَيْدُ قَالَ وَ مَنْ يَشْتَرِيهِ قَالَ النِّسَاءُ. انتهى. - وَ رَوَى النَّسَائِيُّ وَ الْحَاكِمُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ نُبَاحَ الْكِلَابِ وَ نَهِيقَ الْحَمِيرِ مِنَ اللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ فَإِنَّهَا تَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَ أَقَلُّ الْخُرُوجِ إِذَا جَدَّتْ فَإِنَّ اللَّهَ يَبُثُّ فِي اللَّيْلِ مِنْ خَلْقِهِ مَا شَاءَ.. توضيح فرسا معرورا كذا في أكثر النسخ و المعرور الأجرب في النهاية فيه أنه ركب فرسا لأبي طلحة مقرفا المقرف من الخيل الهجين و هو الذي أمه برذونة و أبوه عربي و قيل بالعكس و قيل هو الذي دانى الهجنة و قاربها و قال إن وجدناه لبحرا أي واسع الجري و سمي البحر بحرا لسعته و قال إطراق الفحل إعارته للضراب.
بحار الأنوار - ج ٦١ - الصفحة ١٨٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الْفِرْدَوْسُ، عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
بحار الأنوار - ج ٦٣ - الصفحة ٣١٦. — الإمام الرضا عليه السلام
وَ فِي الْكَافِي عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام هِيَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. وَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام هِيَ مَوَدَّتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَا انْفِصامَ لَها لَا انْقِطَاعَ لَهَا. وَ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ عَنِ النَّبِيِ مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَمْسِكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى الَّتِي لَا انْفِصَامَ لَهَا فَلْيَسْتَمْسِكْ بِوَلَايَةِ أَخِي وَ وَصِيِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ لَا يَهْلِكُ مَنْ أَحَبَّهُ وَ تَوَلَّاهُ وَ لَا يَنْجُو مَنْ أَبْغَضَهُ وَ عَادَاهُ . وَ اللَّهُ سَمِيعٌ بِالْأَقْوَالِ عَلِيمٌ بِالْنِّيَّاتِ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا مُتَوَلٍّ أُمُورَهُمْ يُخْرِجُهُمْ بهدايته و توفيقه مِنَ الظُّلُماتِ أي ظلمات الجهل و الذنوب إِلَى النُّورِ أي نور الهدى و المغفرة و سيأتي عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَالَ
الْمُؤْمِنُ يَتَقَلَّبُ فِي خَمْسَةٍ مِنَ النُّورِ مَدْخَلُهُ نُورٌ وَ مَخْرَجُهُ نُورٌ وَ عِلْمُهُ نُورٌ وَ كَلَامُهُ نُورٌ وَ مَنْظَرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَى النُّورِ. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ فِي الْكَافِي، عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّوَاغِيتُ. وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ هُمُ الظَّالِمُونَ آلَ مُحَمَّدٍ- أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ وَ هُمُ الَّذِينَ تَبِعُوا مَنْ غَصَبَهُمْ- يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ قِيلَ مِنْ نُورِ الْفِطْرَةِ إِلَى فَسَادِ الِاسْتِعْدَادِ. وَ فِي الْكَافِي عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام النُّورُ آلُ مُحَمَّدٍ وَ الظُّلُمَاتُ عَدُوُّهُمْ . وَ فِي الْكَافِي وَ الْعَيَّاشِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ يَعْنِي ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ إِلَى نُورِ التَّوْبَةِ وَ الْمَغْفِرَةِ لِوَلَايَتِهِمْ كُلَّ إِمَامٍ عَادِلٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَالَ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ إِنَّمَا عَنَى بِهَذَا أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى نُورِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا أَنْ تَوَلَّوْا كُلَّ إِمَامٍ جَائِرٍ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ خَرَجُوا بِوَلَايَتِهِمْ مِنْ نُورِ الْإِسْلَامِ إِلَى ظُلُمَاتِ الْكُفْرِ فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ النَّارَ مَعَ الْكُفَّارِ . وَ زَادَ فِي الْعَيَّاشِيِّ قَالَ: قُلْتُ أَ لَيْسَ اللَّهُ عَنَى بِهَذَا الْكُفَّارَ حِينَ قَالَ- وَ الَّذِينَ كَفَرُوا قَالَ فَقَالَ وَ أَيُّ نُورٍ لِلْكَافِرِ فَأُخْرِجَ مِنْهُ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ - الْعَيَّاشِيُّ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام فَأَعْدَاءُ عَلِيٍّ هُمُ الْخَالِدُونَ فِي النَّارِ وَ إِنْ كَانُوا فِي أَدْيَانِهِمْ عَلَى غَايَةِ الْوَرَعِ وَ الزُّهْدِ وَ الْعِبَادَةِ . . إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا قيل أي بالله و رسله و بما جاءهم منه وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ عطفهما على ما يعمهما لإنافتهما على سائر الأعمال الصالحة وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من آت وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ على فائت إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي بقلوبكم فإن دليله امتثال ما أمرتم أقول تشعر بأن من يأتي بالذنوب الموبقة ليس بمؤمن. آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ قال البيضاوي شهادة و تنصيص من الله على صحة إيمانه و الاعتداد به و أنه جازم في أمره غير شاك فيه وَ الْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ لا يخلو من أن يعطف المؤمنون على الرسول فيكون الضمير الذي ينوب عنه التنوين راجعا إلى الرسول و المؤمنين أو يجعل مبتدأ فيكون الضمير للمؤمنين و باعتباره يصح وقوع كل بخبره خبر المبتدإ و يكون إفراد الرسول بالحكم إما لتعظيمه أو لأن إيمانه عن مشاهدة و عيان و إيمانهم عن نظر و استدلال. لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ أي يقولون لا نفرق و أحد في معنى الجمع لوقوعه في سياق النفي و لذلك دخل عليه بين و المراد نفي الفرق بالتصديق و التكذيب وَ قالُوا سَمِعْنا أجبنا وَ أَطَعْنا أمرك غُفْرانَكَ رَبَّنا أي اغفر لنا غفرانك أو نطلب غفرانك وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ أي المرجع بعد الموت و هو إقرار منهم بالبعث انتهى إِنَّ فِي ذلِكَ أي في إنبائكم بما تأكلون و ما تدّخرون في بيوتكم لَآيَةً و معجزة لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ أي مصدقين غير معاندين فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ الإيفاء و التوفية إعطاء الحق وافيا كاملا. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ أي أخصهم به و أقربهم منه من الولي و هو القرب لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ من أمته وَ هذَا النَّبِيُ خصوصا وَ الَّذِينَ آمَنُوا من أمته لموافقتهم له في أكثر ما شرع لهم على الأصالة. فِي الْكَافِي وَ الْعَيَّاشِيِ هُمُ الْأَئِمَّةُ وَ مَنِ اتَّبَعَهُمْ. وَ فِي الْمَجْمَعِ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِالْأَنْبِيَاءِ أَعْمَلُهُمْ بِمَا جَاءُوا بِهِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَ قَالَ إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ ص مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَ إِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ وَ إِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَ إِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ. وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ أي يتولّى نصرتهم قُلْ آمَنَّا أمر للرسول بأن يخبر عن نفسه و متابعيه بالإيمان وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ أي منقادون مخلصون في عبادته وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ يتفضّل عليهم بالعفو و غيره في الأحوال كلها فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ مخلصين وَ إِنْ تُؤْمِنُوا حقّ الإيمان وَ تَتَّقُوا النفاق فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ لا يقادر قدره لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا كما فعله المحرّفون من أحبارهم أُولئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ و يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ كما وعدوا في آية أخرى إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ لعلمه بالأعمال و ما يستوجبه كل عامل من الجزاء فيسرع في الجزاء و يوصل الأجر الموعود سريعا. أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ أي من الدماء و درن الدنيا و أنجاسها و قيل من الأخلاق السيئة وَ نُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا أي دائما لا تنسخه الشمس مشتق من الظل لتأكيده كما قيل ليل أليل وَعْدَ اللَّهِ قال الطبرسي رحمه الله أي وعد الله ذلك وعدا حَقًّا مصدر مؤكّد لما قبله كأنه قال أحقه حقا وَ مَنْ أَصْدَقُ استفهام فيه معنى النفي أي لا أجد أصدق من الله قولا فيما أخبر و وعدا فيما وعد. يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ أي آمنوا بألسنتهم و ظاهرهم آمنوا بقلوبكم و باطنكم ليوافق ظاهركم باطنكم فالخطاب للمنافقين و قيل الخطاب للمؤمنين على الحقيقة و المعنى اثبتوا على هذا الإيمان في المستقبل و داوموا عليه و اختاره الجبائي قال لأن الإيمان الذي هو التصديق لا يبقى و إنما يستمر بأن يجدده الإنسان حالا بعد حال. و قيل الخطاب لأهل الكتاب أمروا بأن يؤمنوا بالنبي و الكتاب الذي أنزل عليه كما آمنوا بما معهم من التوراة و الإنجيل و يكون وجه أمرهم بالتصديق بهما و إن كانوا مصدّقين بهما أحد أمرين. إما أن يكون لأن التوراة و الإنجيل فيهما صفات نبينا و تصحيح نبوّته فمن لم يصدقه و لم يصدق القرآن لا يكون مصدقا بهما لأن في تكذيبه تكذيب التوراة و الإنجيل. و إما أن يكون الله عز و جل أمرهم بالإقرار بمحمد و القرآن و بالكتاب الذي أنزل من قبله و هو الإنجيل و ذلك لا يصح إلا بالإقرار بعيسى عليه السلام أيضا و أنه نبي مرسل. وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ أي يجحده أو يشبهه بخلقه أو يرد أمره و نهيه وَ مَلائِكَتِهِ أي ينفيهم أو ينزلهم منزلة لا تليق بهم كما قالوا إنهم بنات الله وَ كُتُبِهِ فيجحدها وَ رُسُلِهِ فينكرهم وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ أي يوم القيامة فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً أي ذهب عن الحق و قصد السبيل ذهابا بعيدا. وَ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ بأن آمنوا بجميعهم أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أي يعطيهم أُجُورَهُمْ الموعودة لهم سمي الثواب أجرا للدلالة على استحقاقهم لها و التصدير بسوف للدلالة على أنه كائن لا محالة و إن تأخر وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً لم يزل يغفر ما فرط منهم من المعاصي رَحِيماً يتفضل بأنواع الإنعام. وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أي على ما كان وعدهم به من الجزاء وَ أَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا أي أنفوا عن الإقرار بوحدانيته وَ اسْتَكْبَرُوا أي تعظموا عن الإقرار له بالطاعة و العبودية وَلِيًّا ينجيهم من عذابه وَ لا نَصِيراً أي ناصرا ينقذهم من عقابه. وَ اعْتَصَمُوا بِهِ أي بحبل طاعته أو طاعة أنبيائه و حججه أو بدينه كما قال وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الِاعْتِصَامُ التَّمَسُّكُ بِهِ بِوَلَايَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ- وَ وَلَايَةِ الْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ. فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ أي ثواب مستحق أو نعمة منه و هي الجنة عن ابن عباس وَ فَضْلٍ أي إحسان زائد عليه و قيل أي ما يبسط لهم من الكرامة و تضعيف الحسنات و ما يزاد لهم من النعم على ما يستحقونه وَ يَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطاً مُسْتَقِيماً قال الطبرسي رحمه الله صراطا مفعول ثان ليهديهم فإنه على معنى يعرفهم أو حال من الهاء في إليه أي يوفقهم لإصابة فضله الذي يتفضل به على أوليائه و يسددهم لسلوك منهج من أنعم عليهم من أهل طاعته و اقتفاء آثارهم. و أقول فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الصِّرَاطُ الْمُسْتَقِيمُ عَلِيٌّ ع. لَهُمْ مَغْفِرَةٌ أي لذنوبهم وَ أَجْرٌ أي ثواب عَظِيمٌ قال الطبرسي رحمه الله الفرق بين الثواب و الأجر أن الثواب يكون جزاء على الطاعات و الأجر قد يكون على سبيل المعاوضة بمعنى الأجرة. وَ لَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ قال يعني اليهود و النصارى آمَنُوا بمحمد وَ اتَّقَوْا الكفر و الفواحش لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي سترناها عليهم و غفرناها لهم وَ لَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَ الْإِنْجِيلَ أي عملوا بما فيهما على ما فيهما دون أن يحرفوا شيئا منهما أو عملوا بما فيهما بأن أقاموهما نصب أعينهم وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ أي القرآن و قيل كل ما دل الله عليه من أمور الدين لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ بإرسال السماء عليهم مدرارا وَ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ بإعطاء الأرض خيرها و قيل لأكلوا ثمار النخيل و الأشجار من فوقهم و الزروع من تحت أرجلهم. و المعنى لتركوا في بلادهم و لم يجلوا عن بلادهم و لم يقتلوا فكانوا يتمتعون بأموالهم و ما رزقهم الله من النعم و إنما خص سبحانه الأكل لأن ذلك أعظم الانتفاع و قيل كناية عن التوسعة كما يقال فلان في الخير من قرنه إلى قدمه أي يأتيه الخير من كل جهة يلتمسه منها.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٤ - الصفحة ٢٢. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
وَ فِي الْكَافِي عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام مَيْتاً لَا يَعْرِفُ شَيْئاً وَ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ إِمَاماً يَأْتَمُّ بِهِ- كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ الَّذِي لَا يَعْرِفُ الْإِمَامَ. وَ فِي الْعَيَّاشِيِ عَنْهُ عليه السلام الْمَيِّتُ الَّذِي لَا يَعْرِفُ هَذَا الشَّأْنَ يَعْنِي هَذَا الْأَمْرَ- وَ جَعَلْنا لَهُ نُوراً إِمَاماً يَأْتَمُّ بِهِ يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع- كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا هَذَا الْخَلْقُ الَّذِينَ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئاً. - وَ فِي الْمَنَاقِبِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام كانَ مَيْتاً عَنَّا فَأَحْيَيْناهُ بِنَا. وَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَاهِلًا عَنِ الْحَقِّ وَ الْوَلَايَةِ فَهَدَيْنَاهُ إِلَيْنَا قَالَ النُّورُ الْوَلَايَةُ فِي الظُّلُماتِ يَعْنِي وَلَايَةَ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ ع وَ فِي الْمَجْمَعِ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَ أَبِي جَهْلٍ. وَ هذا صِراطُ رَبِّكَ قيل يعني طريقه و عادته في التوفيق و الخذلان و قيل الإسلام أو القرآن مُسْتَقِيماً لا اعوجاج فيه و النصب على الحال قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ أي بيناها و ميزناها لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ فيعلمون أن القادر هو الله و أن كل ما يحدث من خير أو شر فهو بقضائه و أنه عليم بأحوال العباد حكيم عدل فيما يفعل بهم لَهُمْ للذين تذكروا و عرفوا الحق دارُ السَّلامِ أي دار الله أو دار السلامة من كل آفة. و قال علي بن إبراهيم يعني في الجنة و السلام الأمان و العافية و السرور عِنْدَ رَبِّهِمْ أي في ضمانه يوصلهم إليها لا محالة وَ هُوَ وَلِيُّهُمْ قيل أي مولاهم و محبهم و قال علي بن إبراهيم أي أولى بهم بِما كانُوا يَعْمَلُونَ أي بسبب أعمالهم. وَ أَنَّ هذا صِراطِي أي و لأن تعليل للأمر باتباعه و قيل الإشارة فيه إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد و النبوة و بيان الشريعة و قرئ إن بالكسر على الاستئناف وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ أي الأديان المختلفة المتشعبة عن الأهوية المتباينة فَتَفَرَّقَ بِكُمْ أي فتفرقكم و تزيلكم عَنْ سَبِيلِهِ الذي هو اتباع الوحي و اقتفاء البرهان ذلِكُمْ الاتباع وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الضلال و التفرق عن الحق. وَ فِي رَوْضَةِ الْوَاعِظِينَ، عَنِ النَّبِيِّ ص فِي هَذِهِ الْآيَةِ سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهَا لِعَلِيٍّ فَفَعَلَ . وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ لِبُرَيْدٍ الْعِجْلِيِّ تَدْرِي مَا يَعْنِي بِ صِراطِي مُسْتَقِيماً قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ وَلَايَةُ عَلِيٍّ وَ الْأَوْصِيَاءِ قَالَ وَ تَدْرِي مَا يَعْنِي وَ لا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ وَلَايَةَ فُلَانٍ وَ فُلَانٍ قَالَ وَ تَدْرِي مَا مَعْنَى فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ قَالَ قُلْتُ لَا قَالَ يَعْنِي سَبِيلَ عَلِيٍّ عليه السلام . هَلْ يَنْظُرُونَ إنكار بمعنى ما ينتظرون إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أي ملائكة الموت أو العذاب أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أي أمره بالعذاب أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ فِي الْإِحْتِجَاجِ، عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّمَا خَاطَبَ نَبِيَّنَا ص هَلْ يَنْتَظِرُ الْمُنَافِقُونَ أَوْ الْمُشْرِكُونَ- إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ فيعاينوهم أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ يَعْنِي بِذَلِكَ أَمْرَ رَبِّكَ وَ الْآيَاتُ هِيَ الْعَذَابُ فِي دَارِ الدُّنْيَا كَمَا عَذَّبَ الْأُمَمَ السَّالِفَةَ وَ الْقُرُونَ الْخَالِيَةَ . يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ إلخ كأن المعنى أنه لا ينفع الإيمان حينئذ نفسا غير مقدمة إيمانها أو مقدمة إيمانها غير كاسبة في إيمانها خيرا و الآية تدل على أن الإيمان لا ينفع و لا يقبل عند معاينة أحوال الآخرة و مشاهدة العذاب كإيمان فرعون و قد مرّ تفسير الآية بتمامها في كتاب المعاد. وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام نَزَلَتْ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قَالَ إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها وَ فِي الْكَافِي وَ الْعَيَّاشِيِّ عَنِ الْبَاقِرِ وَ الصَّادِقِ عليه السلام فِي قَوْلِهِ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ قَالَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنَ الْمَغْرِبِ وَ خُرُوجُ الدَّجَّالِ وَ ظُهُورُ الدُّخَانِ وَ الرَّجُلُ يَكُونُ مُصِرّاً وَ لَمْ يَعْمَلْ عَمَلَ الْإِيمَانِ ثُمَّ تَجِيءُ الْآيَاتُ فَلَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ. وَ عَنْ أَحَدِهِمَا عليهما السلام فِي قَوْلِهِ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قَالَ الْمُؤْمِنُ الْعَاصِي حَالَتْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ إِيمَانِهِ كَثْرَةُ ذُنُوبِهِ وَ قِلَّةُ حَسَنَاتِهِ فَلَمْ يَكْسِبْ فِي إِيمَانِهِ خَيْراً . وَ فِي الْكَافِي عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام مِنْ قَبْلُ يَعْنِي فِي الْمِيثَاقِ- أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً قَالَ الْأَنْبِيَاءُ وَ الْأَوْصِيَاءُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام خَاصَّةً، قَالَ لَا يَنْفَعُ إِيمَانُهَا لِأَنَّهَا سُلِبَتْ . وَ فِي الْإِكْمَالِ عَنْهُ عليه السلام فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَعْنِي خُرُوجَ الْقَائِمِ الْمُنْتَظَرِ . وَ عَنْهُ عليه السلام قَالَ: الْآيَاتُ هُمُ الْأَئِمَّةُ عليهم السلام وَ الْآيَةُ الْمُنْتَظَرَةُ الْقَائِمُ عليه السلام فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَنَّهَا خُرُوجُ دَابَّةِ الْأَرْضِ مِنْ عِنْدِ الصَّفَا مَعَهَا خَاتَمُ سُلَيْمَانَ وَ عَصَا مُوسَى وَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا . قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ وعيد و تهديد أي انتظروا إتيان أحد الثلاثة فإنا منتظرون له و حينئذ لنا الفوز و لكم الويل. قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي أي بالوحي و الإرشاد و دِيناً أي هداني دينا قِيَماً فيعل من قام كالسيد و الهين مِلَّةَ إِبْراهِيمَ هداني و عرفني ملة إبراهيم في حال حنيفيته وَ فِي الْعَيَّاشِيِ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام مَا أَبَقَتِ الْحَنِيفِيَّةُ شَيْئاً حَتَّى إِنَّ مِنْهَا قَصَّ الْأَظْفَارِ وَ الْأَخْذَ مِنَ الشَّارِبِ وَ الْخِتَانَ. وَ عَنْهُ عليه السلام مَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَدِينُ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام غَيْرَنَا وَ غَيْرَ شِيعَتِنَا. وَ عَنِ السَّجَّادِ عليه السلام مَا أَحَدٌ عَلَى مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا نَحْنُ وَ شِيعَتُنَا وَ سَائِرُ النَّاسِ مِنْهَا بِرَاءٌ. . ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ أي من القرآن و الوحي مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ أي شياطين الجن و الإنس فيحملوكم على الأهواء و البدع و يضلوكم عن دين الله و عما أمرتم باتباعه قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ أي تذكرا قليلا تتذكرون لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها اعتراض بين المبتدإ و الخبر للترغيب في اكتساب النعيم المقيم بما يسعه طاقتهم و يسهل عليهم. وَ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ أي في الدنيا فما من مسلم و لا كافر و لا مطيع و لا عاص و هو متقلب في نعمتي أو في الدنيا و الآخرة إلا أن قوما لم يدخلوها لضلالهم فَسَأَكْتُبُها أي فسأثبتها و أوجبها في الآخرة لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ الشرك و المعاصي. وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ يستفاد من بعض الآيات تأويل الطيبات بأخذ العلم من أهله و الخبائث بقول من خالف و هو بطن من بطون الآية و قد مر تفسيرها في أبواب الأطعمة وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ أي يخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة و أصل الإصر الثقل و كذا الأغلال وَ عَزَّرُوهُ أي عظموه بالتقوية و الذب عنه و أصل التعزير المنع و أما النور فقيل هو القرآن و في كثير من الأخبار أنه علي ع. وَ هاجَرُوا أي فارقوا أوطانهم و قومهم حبا لله و لرسوله و هم المهاجرون من مكة إلى المدينة وَ الَّذِينَ آوَوْا أي آووهم إلى ديارهم وَ نَصَرُوا هم على أعدائهم و هم الأنصار أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لأنهم حققوا إيمانهم بالهجرة و النصرة و الانسلاخ من الأهل و المال و النفس لأجل الدين لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ لا تبعة له و لا منة فيه وَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَ هاجَرُوا وَ جاهَدُوا مَعَكُمْ يريد اللاحقين بعد السابقين فَأُولئِكَ مِنْكُمْ أي من جملتكم أيها المهاجرون و الأنصار و حكمهم حكمكم في وجوب موالاتهم و نصرتهم و إن تأخر إيمانهم و هجرتهم. أَعْظَمُ دَرَجَةً أي ممن لم يستجمع هذه الصفات وَ أُولئِكَ هُمُ الْفائِزُونَ أي المختصون بالفوز و نيل الحسنى عند الله. وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً أي يطيب فيها العيش فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ أي إقامة و خلود و قد مضت الأخبار في ذلك من باب وصف الجنة وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ يعني و شيء من رضوانه أكبر من ذلك كله لأن رضاه سبب كل سعادة و موجب كل فوز و به ينال كرامته التي هي أكبر أصناف الثواب ذلِكَ الرضوان هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ الذي يستحقر دونه كل لذة و بهجة. أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي سابقة و فضلا سميت قدما لأن السبق بها كما سميت النعمة يدا لأنها باليد تعطى و إضافتها إلى الصدق لتحققها و التنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول و النية وَ فِي الْمَجْمَعِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّ مَعْنَى قَدَمَ صِدْقٍ شَفَاعَةُ مُحَمَّدٍ ص. و في الكافي و العياشي هو رسول الله ص و فيهما بولاية أمير المؤمنين عليه السلام و هذا لأن الولاية من شروط الشفاعة و هما متلازمتان. بِإِيمانِهِمْ أي بسبب إيمانهم للاستقامة على سلوك الطريق المؤدي إلى الجنة فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ لأن التمسك بسبب السعادة كالوصول إليها أو يهديهم في الآخرة إليها. وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بالنصرة في الدنيا و الجنة في العقبى. آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ قال الطبرسي رحمه الله فيه إضمار أي قيل له آلآن آمنت حين لم ينفع الإيمان و لم يقبل لأنه حال الإلجاء و قد عصيت بترك الإيمان في حال ما ينفعك الإيمان فهلا آمنت قبل ذلك و إيمان الإلجاء لا يستحق به الثواب فلا ينفع انتهى. و ذكر الرازي لعدم قبول توبة فرعون وجوها منها أنه إنما آمن عند نزول العذاب و الإيمان في هذا الوقت غير مقبول لأنه عند نزول العذاب وقت الإلجاء و في هذا الحال لا تكون التوبة مقبولة. كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا أي مثل ذلك الإنجاء نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ منكم حين نهلك المشركين و حَقًّا عَلَيْنا اعتراض يعني حق ذلك علينا حقا وَ فِي الْمَجْمَعِ وَ الْعَيَّاشِيِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَشْهَدُوا عَلَى مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ كَذلِكَ حَقًّا عَلَيْنا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ وَ لكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ فإنه هو الحقيق بأن يخاف و يرجى و يعبد و إنما خص التوفي بالذكر للتهديد وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ المصدقين بالتوحيد فهذا ديني. وَ أَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ عطف على أن أكون غير أن صلة أن محكية بصيغة الأمر و المعنى أمرت بالاستقامة و السداد في الدين بأداء الفرائض و الانتهاء عن القبائح. وَ أَخْبَتُوا إِلى رَبِّهِمْ أي اطمأنوا إليه و خشعوا له مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ أي الكافر و المؤمن كَالْأَعْمى وَ الْأَصَمِ أي كالأعمى و كالأصم أو كالأعمى الأصم وَ الْبَصِيرِ وَ السَّمِيعِ أي كالبصير و كالسميع أو كالبصير السميع و ذلك لتعامي الكافر عن آيات الله و تصامه عن استماع كلام الله و تأبيه عن تدبّر معانيه أَ فَلا تَذَكَّرُونَ بضرب الأمثال و التأمل فيها. هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ قال علي بن إبراهيم يعني الكافر و المؤمن أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَ النُّورُ قال الكفر و الإيمان كَلِمَةً طَيِّبَةً قيل أي قولا حقا و دعاء إلى صلاح كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ يطيب ثمرها كالنخلة وَ فِي الْمَجْمَعِ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّ هَذِهِ الشَّجَرَةَ الطَّيِّبَةَ النَّخْلَةُ- أَصْلُها ثابِتٌ فِي الْأَرْضِ ضَارِبٌ بِعُرُوقِهِ فِيهَا- تُؤْتِي أُكُلَها أَيْ تُعْطِي ثَمَرَهَا كُلَّ حِينٍ أَيْ كُلَّ وَقْتِ وَقَّتَهُ اللَّهُ لِإِثْمَارِهَا- بِإِذْنِ رَبِّها أَيْ بِإِرَادَةِ خَالِقِهَا لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ لِأَنَّ فِي ضَرْبِ الْأَمْثَالِ تَذْكِيراً وَ تَصْوِيراً لِلْمَعَانِي بِالْمَحْسُوسَاتِ لِتَقْرِيبِهَا مِنَ الْأَفْهَامِ. وَ فِي الْعَيَّاشِيِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام هَذَا مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِأَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ وَ لِمَنْ عَادَاهُمْ. وَ فِي الْكَافِي، عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشَّجَرَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ- رَسُولُ اللَّهِ ص أَصْلُهَا وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَرْعُهَا وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أَغْصَانُهَا وَ عِلْمُ الْأَئِمَّةِ ثَمَرُهَا وَ شِيعَتُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَرَقُهَا. قال و الله إن المؤمن ليولد فتورق ورقة فيها و إن المؤمن ليموت فتسقط ورقة منها. و في الإكمال الحسن و الحسين ثمرها و التسعة من ولد الحسين أغصانها و في معاني الأخبار و غصن الشجرة فاطمة و ثمرها أولادها و ورقها شيعتنا و زاد في الإكمال تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ ما يخرج من علم الإمام إليكم في كل سنة من كل فجّ عميق. وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ قيل أي قول باطل و دعاء إلى ضلال أو فساد كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ لا يطيب ثمرها كشجرة الحنظل اجْتُثَّتْ أي استؤصلت و أخذت جثته بالكلية مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ لأن عروقها قريبة منه ما لَها مِنْ قَرارٍ أي استقرار وَ فِي الْمَجْمَعِ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام أَنَّ هَذَا مَثَلُ بَنِي أُمَيَّةَ. وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْهُ عليه السلام كَذَلِكَ الْكَافِرُونَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ وَ بَنُو أُمَيَّةَ لَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ فِي مَجْلِسٍ وَ لَا فِي مَسْجِدٍ وَ لَا تَصْعَدُ أَعْمَالُهُمْ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ. بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ قيل أي الذي ثبت بالحجة و البرهان عندهم و تمكن في قلوبهم و اطمأنت إليه أنفسهم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فلا يزلون إذا افتتنوا في دينهم وَ فِي الْآخِرَةِ فلا يتلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم وَ يُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ الذين ظلموا أنفسهم بالجحود و الاقتصار على التقليد فلا يهتدون إلى الحق و لا يثبتون في مواقف الفتن وَ فِي التَّوْحِيدِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام يَعْنِي يُضِلُّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ دَارِ كَرَامَتِهِ- وَ يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ مِنْ تَثْبِيتِ الْمُؤْمِنِينَ وَ خِذْلَانِ الظَّالِمِينَ. . و يظهر من كثير من الأخبار أن التثبيت في الدنيا عند الموت و في الآخرة في القبر أو الآخرة تشمل الحالتين و قد مضت الأخبار الكثيرة في تفسير الآيات المذكورة في كتب الإمامة و الفتن و المعاد و قد أوردنا وجوها كثيرة فيها فلا نعيدها. حَنِيفاً قال الراغب الحنف هو ميل عن الضلال إلى الاستقامة و الجنف بالعكس أَجْراً حَسَناً هو الجنة أَبَداً بلا انقطاع إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ إلا انتظار أن تأتيهم سنة الأولين و هي الإهلاك و الاستئصال أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ أي عذاب الآخرة قُبُلًا أي عيانا كانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ قال في المجمع أي كان في حكم الله و علمه لهم بساتين الفردوس و هو أطيب موضع في الجنة و أوسطها و أفضلها و أرفعها نُزُلًا أي منزلا و مأوى و قيل ذات نزل و قال الراغب النزل ما يعد للنازل من الزاد لا يَبْغُونَ عَنْها حِوَلًا أي تحولا إذ لا يجدون أطيب منها حتى تنازعهم إليه أنفسهم وَ لا يُظْلَمُونَ شَيْئاً قيل أي لا ينقصون شيئا من جزاء أعمالهم و يجوز أن ينتصب شيئا على المصدر. سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا قيل أي سيجعل لهم في القلوب مودة و قد مر في أخبار كثيرة أنها نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام حيث جعل الله له في قلوب المؤمنين ودا و فرض مودته و ولايته على الخلق قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ أي في الدنيا لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى أي المنازل الرفيعة جَنَّاتُ عَدْنٍ بدل من الدرجات مَنْ تَزَكَّى أي من تطهر من أدناس الكفر و المعاصي لِمَنْ تابَ أي من الشرك وَ آمَنَ بما يجب الإيمان به ثُمَّ اهْتَدى أي إلى ولاية أهل البيت عليهم السلام كما ورد في الأخبار الكثيرة التي قد مر بعضها و سيأتي بعضها إن شاء الله. وَ هُوَ مُؤْمِنٌ أي بالله و رسله فَلا كُفْرانَ لِسَعْيِهِ أي لا تضييع له استعير لمنع الثواب كما استعير الشكر لإعطائه وَ إِنَّا لَهُ أي لسعيه كاتِبُونَ أي مثبتون في صحيفة عمله يَفْعَلُ ما يُرِيدُ أي من إثابة الموحد الصالح و عقاب المشرك لا دافع له و لا مانع. مِنْ أَساوِرَ جمع أسورة و هي جمع سوار مِنْ ذَهَبٍ بيان له وَ لُؤْلُؤاً عطف عليها لا على ذهب إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ قيل هو قولهم الحمد لله الذي صدقنا وعده أو كلمة التوحيد و قال علي بن إبراهيم التوحيد و الإخلاص وَ هُدُوا إِلى صِراطِ الْحَمِيدِ قيل أي المحمود نفسه أو عاقبته و هو الجنة أو الحق أو المستحق لذاته الحمد و هو الله تعالى و صراطه الإسلام. وَ فِي الْمَحَاسِنِ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام هُوَ وَ اللَّهِ هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ. وَ فِي الْكَافِي عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ ذَاكَ حَمْزَةُ وَ جَعْفَرٌ وَ عُبَيْدَةُ وَ سَلْمَانُ وَ أَبُو ذَرٍّ وَ الْمِقْدَادُ وَ عَمَّارٌ هُدُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ. إِنَّ اللَّهَ يُدافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا أي غائلة المشركين وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ قيل الكريم من كل نوع ما يجمع فضائله إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ قالَ عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ إِلَى الْإِمَامِ الْمُسْتَقِيمِ. قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ فِي الْكَافِي عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام قَالَ: أَ تَدْرِي مَنْ هُمْ قِيلَ أَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الْمُسَلِّمُونَ إِنَّ الْمُسَلِّمِينَ هُمُ النُّجَبَاءُ. وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لَهَا تَكَلَّمِي فَقَالَتْ- قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الْآيَةَ. و أقول تدل الآيات على اشتراط تأثير الإيمان في دخول الجنة بالأعمال و إن أمكن تأويلها بما سيأتي و كذا قوله تعالى وَ يَقُولُونَ آمَنَّا إلى آخر الآيات تدل على بعض شرائط الإيمان و أن من لم يتحاكم إلى الرسول و لم يرض بحكمه فليس بمؤمن. إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ حمل على الكاملين في الإيمان الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ أي من صميم قلوبهم وَ إِذا كانُوا مَعَهُ عَلى أَمْرٍ جامِعٍ كالجمعة و الأعياد و الحروب و المشاورة في الأمور حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ أي الرسول ص إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أعاده مؤكدا على أسلوب أبلغ فإنه يفيد أن المستأذن مؤمن لا محالة و أن الذاهب بغير إذن ليس كذلك تنبيها على كونه مصداقا لصحة الإيمان و مميزا للمخلص عن المنافق و تعظيما للجرم. فَعَسى أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُفْلِحِينَ قيل عسى تحقيق على عادة الكرام أو ترجي من التائب بمعنى فليتوقع أن يفلح وَ هُمْ لا يُفْتَنُونَ أي لا يختبرون وَ فِي الْمَجْمَعِ عَنِ الصَّادِقِ ع مَعْنَى يُفْتَنُونَ يُبْتَلَوْنَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَ أَمْوَالِهِمْ. وَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ لَا بُدَّ مِنْ فِتْنَةٍ يُبْتَلَى بِهَا الْأُمَّةُ لِيَتَعَيَّنَ الصَّادِقُ مِنَ الْكَاذِبِ لِأَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ وَ بَقِيَ السَّيْفُ وَ افْتِرَاقُ الْكَلِمَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَ فِي الْكَافِي عَنِ الْكَاظِمِ عليه السلام أَنَّهُ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ثُمَّ قَالَ مَا الْفِتْنَةُ قِيلَ الْفِتْنَةُ فِي الدِّينِ فَقَالَ يُفْتَنُونَ كَمَا يُفْتَنُ الذَّهَبُ ثُمَّ يُخَلَّصُونَ كَمَا يُخَلَّصُ الذَّهَبُ. فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا أي في الوجود بحيث يتميز الذين صدقوا في الإيمان و الذين كذبوا فيه بعد ما كان يعلمهم قبل ذلك أنهم سيوجدون و يمتحنون وَ فِي الْمَجْمَعِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُمَا قَرَءَا بِضَمِّ الْيَاءِ وَ كَسْرِ اللَّامِ فِيهِمَا مِنَ الْإِعْلَامِ أَيْ لَيُعَرِّفَنَّهُمُ النَّاسَ. و أقول تدل على أن الإقرار الظاهري غير كاف في الإيمان الواقعي أَحْسَنَ الَّذِي كانُوا يَعْمَلُونَ أي أحسن جزاء أعمالهم. لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ أي في جملتهم أو في زمرتهم في الجنة وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ بلسانه فَإِذا أُوذِيَ فِي اللَّهِ أي في دينه أو في ذاته جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ أي تعذيبهم و أذيتهم كَعَذابِ اللَّهِ فيرجع عن الدين كما ينبغي للكافر أن يترك دينه مخافة عذاب الله وَ لَئِنْ جاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ أي فتح و غنيمة لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ في الدين فأشركونا فيه و المراد المنافقون أو قوم ضعف إيمانهم فارتدوا من أذى المشركين و يؤيد الأول أَ وَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِما فِي صُدُورِ الْعالَمِينَ أي من الإخلاص و النفاق وَ لَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بقلوبهم وَ لَيَعْلَمَنَّ الْمُنافِقِينَ فيجازي الفريقين. وَ قُولُوا أي لأهل الكتاب في المجادلة و في الدعوة إلى الدين فلا يدل على اشتراط الإيمان بالقول فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ أي علمه أي مؤمنو أهل الكتاب وَ مِنْ هؤُلاءِ يعني من العرب أو من أهل مكة أو ممن في عهد الرسول ص من أهل الكتاب مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ أي بالقرآن وَ ما يَجْحَدُ بِآياتِنا مع ظهورها و قيام الحجة عليها إِلَّا الْكافِرُونَ المتوغلون في الكفر. يُتْلى عَلَيْهِمْ أي تدوم تلاوته عليهم إِنَّ فِي ذلِكَ أي الكتاب الذي هو آية مستمرة و حجة مبينة لَرَحْمَةً أي لنعمة عظيمة وَ ذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ أي تذكرة لمن همّه الإيمان دون التعنّت لَنُبَوِّئَنَّهُمْ لَنُنْزِلَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ المخصوص بالمدح محذوف دل عليه ما قبله و هو الجنة أو الغرف الَّذِينَ صَبَرُوا على المحن و المشاق في الدين وَ عَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ أي لا يتوكلون إلا على الله فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ قيل أي أرض ذات أزهار و أنهار يُحْبَرُونَ أي يسرون سرورا تهللت له وجوههم و قال علي بن إبراهيم أي يكرمون. فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً قيل أي مائلا مستقيما عليه و قيل هو تمثيل للإقبال و استقامة عليه و الاهتمام به و قال علي بن إبراهيم أي طاهرا وَ رَوَى هُوَ وَ الْكُلَيْنِيُ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: هُوَ الْوَلَايَةُ. وَ فِي التَّهْذِيبِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: أَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ وَجْهَهُ لِقِبْلَةٍ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ. فِطْرَتَ اللَّهِ نصب على الإغراء أو المصدر لما دل عليه ما بعدها الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها أي خلقهم عليها قيل و هي قبولهم للحق و تمكنهم من إدراكه أو ملة الإسلام فإنهم لو خلوا و ما خلقوا عليه أدى بهم إليها. وَ فِي الْكَافِي عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ مَا تِلْكَ الْفِطْرَةُ قَالَ هِيَ الْإِسْلَامُ. فطرهم الله حين أخذ ميثاقهم على التوحيد قال أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ و فيهم المؤمن و الكافر. و في كثير من الأخبار فطرهم على التوحيد و في بعضها فطرهم على الولاية و في بعضها فطرهم على التوحيد و محمد رسول الله ص و آله و علي أمير المؤمنين عليه السلام. وَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمِيثَاقِ عَلَى مَعْرِفَةِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ قَالَ لَوْ لَا ذَلِكَ لَمْ يَعْلَمُوا مَنْ رَبُّهُمْ وَ لَا مَنْ رَازِقُهُمْ. و قد مضت الأخبار و الأقوال في ذلك في كتاب العدل. لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ أي لا يقدر أحد أن يغيره أو لا ينبغي أن يغير ذلِكَ إشارة إلى الدين المأمور بإقامة الوجه له أو الفطرة إن فسرت بالملة الدِّينُ الْقَيِّمُ أي المستوي الذي لا عوج فيه وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ أي استقامته مُنِيبِينَ إِلَيْهِ أي راجعين إليه مرة بعد أخرى مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ أي اختلفوا فيما يعبدونه على اختلاف أهوائهم و قرأ حمزة و الكسائي فارقوا أي تركوا وَ كانُوا شِيَعاً أي فرقا يشايع كل إمامها الذي أصل دينها كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي مسرورون ظنا بأنه الحق. لِلدِّينِ الْقَيِّمِ أي البليغ الاستقامة لا مَرَدَّ لَهُ لتحتم مجيئه يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ أصله يتصدعون أي يتفرقون فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ قيل أي لهم نعيم جنات فعكس للمبالغة خالِدِينَ فِيها حال من الضمير في لهم أو من جنات النعيم وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا مصدران مؤكدان الأول لنفسه و الثاني لغيره لأن قوله لَهُمْ جَنَّاتُ وعد و ليس كل وعد حقا وَ هُوَ الْعَزِيزُ الذي لا يغلبه شيء فيمنعه عن إنجاز وعده و وعيده الْحَكِيمُ الذي لا يفعل إلا ما تستدعيه حكمته بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً أي على سائر الأمم أو على أجر أعمالهم وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ أي لا تعب فيه و لا من عليه وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ أي الكافر و المؤمن وَ لَا الظُّلُماتُ وَ لَا النُّورُ أي و لا الباطل و لا الحق وَ لَا الظِّلُّ وَ لَا الْحَرُورُأي و لا الثواب و لا العقاب و لا لتأكيد نفي الاستواء و تكريرها على الشقين لمزيد التأكيد و الحرور من الحر غلب على السموم. و قال علي بن إبراهيم الظل الناس و الحرور البهائم و كأنهم إنما سموا ظلا لتعيشهم في الظلال و البهائم حرورا لتعيشهم فيها و في بعض النسخ للناس و للبهائم و هو أصوب و في بعضها و لا الحرور و الحرور السمائم و هو أظهر منهما وَ ما يَسْتَوِي الْأَحْياءُ وَ لَا الْأَمْواتُ تمثيل آخر للمؤمنين و الكافرين أبلغ من الأول و لذلك كرر الفعل و قيل للعلماء و الجهلاء إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ هدايته فيوفقه لفهم آياته و الاتعاظ بعظاته وَ ما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ أي المصرين على الكفر و قال علي بن إبراهيم قال هؤلاء الكفار لا يسمعون منك كما لا يسمع من في القبور. مَنْ كانَ حَيًّا قال ره يعني مؤمنا حي القلب و في المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام أي عاقلا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ أي تجب كلمة العذاب عَلَى الْكافِرِينَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أخبر عنهم بالإيمان إظهارا لفضله و تعظيما لأهله وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا في الأخبار الكثيرة للذين آمنوا بولايتهم عليه السلام رَبَّنا أي يقولون ربنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً أي وسعت رحمتك و علمك كل شيء فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ قيل أي للذين علمت منهم التوبة و اتباع سبيل الحق وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ أي إياها وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ عطف على هم الأول أي أدخلهم و معهم هؤلاء ليتم سرورهم أو الثاني لبيان عموم الوعد إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الذي لا يمتنع عليه مقدور الْحَكِيمُ الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته و من ذلك الوفاء بالوعد وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ أي العقوبات أو جزاء السيئات أو المعاصي في الدنيا لقوله وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ أي و من تقها في الدنيا فقد رحمته في الآخرة وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يعني الرحمة أو الوقاية أو مجموعهما. وَ مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيها بِغَيْرِ حِسابٍ قيل أي بغير تقدير و موازنة بالعمل بل أضعافا مضاعفة فضلا من الله و رحمة و لعل جعل العمل عمدة و الإيمان حالا للدلالة على أنه شرط في اعتبار العمل و أن ثوابه أعلى من ذلك. إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا قيل أي بالحجة و الظفر و الانتقام من الكفرة فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ الأشهاد جمع شاهد و المراد بهم من يقوم يوم القيامة للشهادة على الناس من الملائكة و الأنبياء و المؤمنين. و قال علي بن إبراهيم هو في الرجعة إذا رجع رسول الله ص و الأئمة ص وَ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: ذَلِكَ وَ اللَّهِ فِي الرَّجْعَةِ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ كَثِيرَةٌ لَمْ يُنْصَرُوا فِي الدُّنْيَا وَ قُتِلُوا وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِمْ قُتِلُوا وَ لَمْ يُنْصَرُوا وَ ذَلِكَ فِي الرَّجْعَةِ. وَ ما يَسْتَوِي الْأَعْمى وَ الْبَصِيرُ أي الجاهل و المستبصر وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ لَا الْمُسِيءُ أي و لا يستوي المؤمن المحسن و المسيء مؤمنا كان أو غيره قَلِيلًا ما تَتَذَكَّرُونَ أي تذكرا ما قليلا تتذكرون فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا أي عذابنا النازل بهم قال في المجمع أي عند رؤيتهم بأس الله و عذابه لأنهم يصيرون عند ذلك ملجئين و فعل الملجإ لا يستحق به المدح سُنَّتَ اللَّهِ نصبها على المصدر أي سن الله هذه السنة في الأمم الماضية كلها إذ لا ينفعهم إيمانهم إذا رأوا العذاب و المراد بالسنة هنا الطريقة المستمرة من فعله بأعدائه الجاحدين وَ خَسِرَ هُنالِكَ الْكافِرُونَ بدخول النار و استحقاق النقمة و فوت الثواب و الجنة وَ فِي الْعُيُونِ عَنِ الرِّضَا عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ لِأَيِّ عِلَّةٍ غَرَّقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وَ قَدْ آمَنَ بِهِ وَ أَقَرَّ بِتَوْحِيدِهِ قَالَ لِأَنَّهُ آمَنَ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ وَ الْإِيمَانُ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْبَأْسِ غَيْرُ مَقْبُولٍ وَ ذَلِكَ حُكْمُ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي السَّلَفِ وَ الْخَلَفِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا الْآيَتَيْنِ . . و قال الرازي في تفسيره فإن قيل اذكروا ضابطا في الوقت الذي لا ينفع الإتيان بالإيمان قلنا إنه الوقت الذي يعاين فيه نزول ملائكة الرحمة و العذاب لأن في ذلك الوقت يصير المرء ملجأ إلى الإيمان فذلك الإيمان لا ينفع إنما ينفع مع القدرة على خلافه حتى يكون المرء مختارا أما إذا عاينوا علامات الآخرة فلا ينفع قوله غَيْرُ مَمْنُونٍ أي لا يمن به عليكم أو غير مقطوع. شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ أي قرر لكم دين نوح و محمد و من بينهما من أرباب الشرائع عليه السلام و هو الأصل المشترك فيما بينهم المفسر بقوله أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ و هو الإيمان بما يجب تصديقه و الطاعة في أحكام الله وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ أي و لا تختلفوا في هذا الأصل أما فروع الشرائع فمختلفة كما قال لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أي عظم عليهم ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من التوحيد اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ أي يجتلب إليه و الضمير لما تدعوهم أو للدين وَ يَهْدِي إِلَيْهِ بالإرشاد و التوفيق مَنْ يُنِيبُ أي يقبل إليه و قال علي بن إبراهيم هم الأئمة الذين اختارهم و اجتباهم وَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ قَالَ الْإِمَامُ- وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كِنَايَةٌ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ- ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ مِنْ وَلَايَةِ عَلِيٍّ ع- مَنْ يَشاءُ كِنَايَةٌ عَنْ عَلِيٍّ ع. و سيأتي خبر طويل في تأويل هذه الآية فِي رَوْضاتِ الْجَنَّاتِ قيل أي في أطيب بقاعها و أنزهها لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ أي ما يشتهونه ثابت لهم عند ربهم ذلِكَ إشارة إلى ما للمؤمنين هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ الذي يصغر دونه ما لغيرهم في الدنيا ذلِكَ الَّذِي أي ذلك الثواب الذي يبشرهم الله به فحذف الجار ثم العائد أو ذلِكَ التبشير الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبادَهُ وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا قيل أي يستجيب الله لهم فحذف اللام و المراد إجابة الدعاء أو الإثابة على الطاعة أو يستجيبون الله بالطاعة إذا دعاهم إليها وَ فِي الْمَجْمَعِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّ الْأَنْصَارَ عَرَضُوا عَلَى النَّبِيِّ ص أَمْوَالَهُمْ فَنَزَلَتْ قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى فَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ مُسَلِّمِينَ وَ قَالَ الْمُنَافِقُونَ إِنَّ هَذَا الشَّيْءَ افْتِرَاءٌ وَ سَاقَ إِلَى قَوْلِهِ وَ قَالَ وَ يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ هُمُ الَّذِينَ سَلَّمُوا لِقَوْلِهِ. وَ فِي الْكَافِي عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام قَالَ: هُوَ الْمُؤْمِنُ يَدْعُو لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ فَيَقُولُ لَهُ الْمَلَكُ آمِينَ وَ يَقُولُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ وَ لَكَ مِثْلَا مَا سَأَلْتَ لِحُبِّكَ إِيَّاهُ. وَ فِي الْمَجْمَعِ عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: وَ يَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ الشَّفَاعَةَ لِمَنْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ مِمَّنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا. الَّذِينَ آمَنُوا صفة للمنادي في قوله يا عِبادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ تُحْبَرُونَ أي تسرون أو تزينون أو تكرمون إكراما يبالغ فيه فِي رَحْمَتِهِ التي من جملتها الجنة ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ لخلوصه عن الشوائب. قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا قيل أي جمعوا بين التوحيد الذي هو خلاصة العلم و الاستقامة في الأمور التي هي منتهى العمل و ثم للدلالة على تأخير رتبة العمل و توقف اعتباره على التوحيد و قال علي بن إبراهيم استقاموا على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ من لحوق مكروه وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ على فوات محبوب. وَ صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قال علي بن إبراهيم نزلت في أصحاب رسول الله ص الذين ارتدوا بعده و غصبوا أهل بيته حقهم و صدوا عن أمير المؤمنين و عن ولاية الأئمة عليهم السلام أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ أي أبطل ما كان تقدم منهم مع رسول الله ص من الجهاد و النصر - وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام فِي قَوْلِهِ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ قَالَ بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي عَلِيٍّ هَكَذَا نَزَلَتْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ قَالَ نَزَلَتْ فِي أَبِي ذَرٍّ وَ سَلْمَانَ وَ عَمَّارٍ وَ الْمِقْدَادِ لَمْ يَنْقُضُوا الْعَهْدَ قَالَ وَ آمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ أَيْ أُثْبِتُوا عَلَى الْوَلَايَةِ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ- وَ هُوَ الْحَقُ يَعْنِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ع- بالَهُمْ أَيْ حَالَهُمْ. ذلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْباطِلَ قال و هم الذين اتبعوا أعداء رسول الله و أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: فِي سُورَةِ مُحَمَّدٍ ص آيَةٌ فِينَا وَ آيَةٌ فِي أَعْدَائِنَا . مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا أي ناصرهم على أعدائهم و قال علي بن إبراهيم يعني الذين ثبتوا على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام لا مَوْلى لَهُمْ فيدفع العذاب عنهم. لِيُدْخِلَ قيل أي فعل ما فعل و دبر ما دبر ليدخل وَ يُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ أي يغطيها و لا يظهرها فَوْزاً عَظِيماً لأنه منتهى ما يطلب من جلب نفع أو دفع ضرر وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أي أنزل عليهم الثبات و الوقار وَ أَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى أي كلمة بها يتقى من النار أو هي كلمة أهل التقوى و قال الأكثر هي كلمة الشهادة و روي ذلك عن النبي ص وَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام هِيَ الْإِيمَانُ وَ عَنِ النَّبِيِّ ص فِي وَصْفِ عَلِيٍّ عليه السلام هُوَ الْكَلِمَةُ الَّتِي أَلْزَمْتُهَا الْمُتَّقِينَ . وَ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ عَنْهُمْ عليه السلام نَحْنُ كَلِمَةُ التَّقْوَى. أي ولايتهم وَ كانُوا أَحَقَّ بِها أي بتلك الكلمة من غيرهم وَ أَهْلَها أي المستأهل لها وَ كانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً فيعلم أهل كل شيء و ييسره له. حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ أي جعله أحب الأديان إليكم بأن أقام الأدلة على صحته و بما وعد من الثواب عليه وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ بالألطاف الداعية إليه و فيه إشعار بأن الإيمان من فعل القلب وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ بما وصف من العقاب عليه و بوجوه الألطاف الصارفة عنه وَ الْفُسُوقَ أي الخروج عن الطاعة إلى المعاصي وَ الْعِصْيانَ أي جميع المعاصي و قيل الفسوق الكذب و هو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وَ فِي الْكَافِي وَ غَيْرِهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّ الْإِيمَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ الثَّلَاثَةُ الثَّلَاثَةُ عَلَى التَّرْتِيبِ. وَ فِي الْمَحَاسِنِ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَ قِيلَ لَهُ هَلْ لِلْعِبَادِ فِيمَا حَبَّبَ اللَّهُ صُنْعٌ قَالَ لَا وَ لَا كَرَامَةَ. وَ فِي الْكَافِي عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْحُبِّ وَ الْبُغْضِ أَ مِنَ الْإِيمَانِ هُوَ فَقَالَ وَ هَلِ الْإِيمَانُ إِلَّا الْحُبُّ وَ الْبُغْضُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ. أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ يعني أولئك الذين فعل بهم ذلك هم الذين أصابوا الطريق السوي إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ أي في محمد ص شاعر أو مجنون أو منكم مكذب و منكم مصدق و منكم شاك أو في القرآن أنه سحر أو كهانة أو ما سطره الأولون يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ الضمير للرسول ص أو القرآن أو الإيمان أي من صرف عنه صرف عن الخيرات كلها أو لا صرف أشد منه فكأنه لا صرف بالنسبة إليه أو يصرف عنه من صرف في علم الله و قضائه تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ أي من قدر الله إيمانه أو من آمن فإنه يزداد بصيرة مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ أي من الأموال التي جعلكم الله خلفاء في التصرف فيها فهي حقيقة له لا لكم أو التي استخلفكم عمن قبلكم في تملكها و التصرف فيها وَ ما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ أي أيما عذر لكم في ترك الإيمان وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ إليه بالحجج و البينات وَ قَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ أي و قد أخذ الله ميثاقكم بالإيمان قبل ذلك إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ لموجب ما فإن هذا موجب لا مزيد عليه مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان يَسْعى نُورُهُمْ قيل أي ما يهتدون به إلى الجنة بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ بِأَيْمانِهِمْ من حيث يؤتون صحائف أعمالهم لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ أي يقولون لهم من يتلقاهم من الملائكة بُشْراكُمُأي المبشر به جنات أو بشراكم دخول جنات ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ إشارة إلى ما تقدم من النور و البشرى بالجنات المخلدة أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ فِي التَّهْذِيبِ عَنِ السَّجَّادِ عليه السلام إِنَّ هَذِهِ لَنَا وَ لِشِيعَتِنَا. وَ فِي الْمَحَاسِنِ عَنِ الصَّادِقِ عَنْ أَبِيهِ عليهما السلام قَالَ: مَا مِنْ شِيعَتِنَا إِلَّا صِدِّيقٌ شَهِيدٌ قِيلَ أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ وَ عَامَّتُهُمْ يَمُوتُونَ عَلَى فُرُشِهِمْ فَقَالَ أَ مَا تَتْلُوا كِتَابَ اللَّهِ فِي الْحَدِيدِ- وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءُ قَالَ لَوْ كَانَ الشُّهَدَاءُ لَيْسَ إِلَّا كَمَا يَقُولُونَ كَانَ الشُّهَدَاءُ قَلِيلًا.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٤ - الصفحة ٣٠. — الإمام الباقر عليه السلام
إِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمْ مَبَادِي طِينِهِمْ وَ ذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِلْقَةً مِنْ سَبَخِ أَرْضٍ وَ عَذْبِهَا وَ حَزْنِ تُرْبَةٍ وَ سَهْلِهَا فَهُمْ عَلَى حَسَبِ قُرْبِ أَرْضِهِمْ يَتَقَارَبُونَ وَ عَلَى قَدْرِ اخْتِلَافِهِمْ يَتَفَاوَتُونَ فَتَامُّ الرُّوَاءِ نَاقِصُ الْعَقْلِ وَ مَادُّ الْقَامَةِ قَصِيرُ الْهِمَّةِ وَ زَاكِي الْعَمَلِ قَبِيحُ الْمَنْظَرِ وَ قَرِيبُ الْقَعْرِ بَعِيدُ السَّبْرِ وَ مَعْرُوفُ الضَّرِيبَةِ مُنْكَرُ الْجَلِيبَةِ وَ نَائِرُ الْقَلْبِ مُتَفَرِّقُ اللُّبِّ وَ طَلِيقُ اللِّسَانِ حَدِيدُ الْجَنَانِ. . و قال ابن ميثم في قوله عليه السلام إنما فرق بينهم إلخ أي تقاربهم في الصور و الأخلاق تابع لتقارب طينهم و تقارب مباديه و هي السهل و الحزن و السبخ و العذب و تفاوتهم فيها لتفاوت طينهم و مباديه المذكورة. و قال أهل التأويل الإضافة بمعنى اللام أي المبادي لطينهم كناية عن الأجزاء العنصرية التي هي مبادي المركبات ذوات الأمزجة أو السبخ كناية عن الحار اليابس و العذب عن الحار الرطب و السهل عن البارد الرطب و الحزن عن البارد اليابس انتهى. و أقول لا يبعد أن يكون الماء العذب كناية عما خلق الله في الإنسان من الدواعي إلى الخير و الصلاح كالعقل و النفس الملكوتي و الماء الأجاج عما ينافي و يعارض ذلك و يدعو إلى الشهوات الدنية و اللذات الجسمانية من البدن و ما ركب فيه من الدواعي إلى الشهوات. و مزجهما كناية عن تركيبهما في الإنسان فقوله أخلق منك أي من أجلك جنتي و أهل طاعتي إذ لو لا ما في الإنسان من جهة الخير لم يكن لخلق الجنة فائدة و لم يكن يستحقها أحد و لم يصر أحد مطيعا له تعالى. و كذا قوله أخلق منك ناري إذ لو لا ما في الإنسان من دواعي الشرور لم يكن يعصي الله أحد و لم يحتج إلى خلق النار للزجر عن الشرور. ثم لإظهار إحاطة علمه بما سيقع من كل فرد من أفراد البشر للملائكة لطفا لهم و لبني آدم أيضا بعد إخبار الرسل بذلك جعلهم كالذر و ميز من علم منهم الإيمان ممن علم منهم خلافه و كلفهم بدخول النار ليعلموا قبل التكليف في عالم الأجساد أن ما علم منهم مطابق للواقع فثم ثبتت الطاعة و المعصية و علم الملائكة من يطيع بعد ذلك و من يعصي و أثبت ذلك في الألواح مطابقا لعلمه تعالى. و قوله فمن ذلك صار يلد المؤمن الكافر أي لأجل ما قرر في الإنسان من جهتي الخير و الشر ترى الأب يصير تابعا للعقل و مقويا لدواعي الخير و زاجرا للشهوات فيصير من الأخيار و الابن يتبع الهوى و الشهوات و يسلطها على العقل فيصير من الأشرار مع نهاية الارتباط بينهما و قوله و لا يستطيع هؤلاء أي لا يتخلف ما علم الله تعالى منهم لكن لا يختارونها إلا باختيارهم و إرادتهم و استطاعتهم هذا ما خطر بالبال على وجه الاحتمال و الله يعلم غوامض أسرارهم ع. و قال بعض أهل التأويل عبر عن المادة تارة بالماء و أخرى بالتربة لاشتراكهما في قبول الأشكال و لاجتماعهما في طينة الإنسان و تركيب خلقته و أديم الأرض وجهها و كأنه كناية عما ينبت منها مما يصلح أن يصير غذاء للإنسان و يحصل منه النطفة أو تتربى به و العرك الدلك و كأنه كناية عن مزجه بحيث يحصل منه المزاج و يستعد للحياة و الذر النمل الصغار و وجه الشبه الحس و الحركة و كونهم محل الشعور مع صغر الجثة و الخفاء. و هذا الخطاب إنما كان في عالم الأمر و لشدة ارتباط الملك بالملكوت و قوامه به جاز إسناد مادته إليه و إن كان عالم الأمر مجردا عن المادة و اجتماعهم في الوجود عند الله إنما هو لاجتماع الأجسام الزمانية عنده تعالى دفعة واحدة في عالم الأمر و إن كانت متفرقة مبسوطة متدرجة في عالم الخلق. و وجودهم في عالم الأمر وجود ملكوتي ظلي ينبعث من حقيقته هذا الوجود الخلقي الجسماني و هو صورة علمه سبحانه بها و عنه عبر بالظلال في حديث آخر. و أمره تعالى إياهم إلى الجنة و النار هدايته إياهم إلى سبيلهما ثم توفيقه أو خذلانه و لعل المراد بالنار المسعرة بعد ذلك التكاليف الشرعية و تحصيل المعرفة المحرقة للقلوب لصعوبة الخروج عن عهدتها. و استقالة أصحاب الشمال كناية عن تمنيهم الإطاعة و عدم قدرتهم التامة عليها لغلبة الشهوة عليهم و كونهم مسخرة تحت سلطان الهوى كما قالوا رَبَّنا غَلَبَتْ عَلَيْنا شِقْوَتُنا وَ كُنَّا قَوْماً ضالِّينَ انتهى. و لعل إبداء تلك التأويلات في الأخبار جرأة على الله و رسوله و الأئمة الأخيار إلا أن يكون على سبيل الاحتمال لكن بعد ثبوت ما بنوا عليه الكلام من المقدمات التي لم تثبت بالبرهان و اليقين بل بعضها مناف لما ثبت في الدين المبين.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٤ - الصفحة ٩٤. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَنَا مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِنَا مِمَّا خَلَقَنَا مِنْهُ وَ خَلَقَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ وَ قُلُوبُهُمْ تَهْوَى إِلَيْنَا لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِمَّا خُلِقْنَا ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ كَلَّا إِنَّ كِتابَ الْأَبْرارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَ ما أَدْراكَ ما عِلِّيُّونَ كِتابٌ مَرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ وَ خَلَقَ عَدُوَّنَا مِنْ سِجِّينٍ وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِهِمْ مِمَّا خَلَقَهُمْ مِنْهُ وَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَقُلُوبُهُمْ تَهْوَى إِلَيْهِمْ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِمَّا خُلِقُوا مِنْهُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ- كَلَّا إِنَّ كِتابَ الفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ وَ ما أَدْراكَ ما سِجِّينٌ كِتابٌ مَرْقُومٌ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ بيان قد مر الخبر و شرحه في باب خلق أبدان الأئمة عليهم السلام. و قال بعض أرباب التأويل كل ما يدركه الإنسان بحواسه يرتفع منه أثر إلى روحه و يجتمع في صحيفة ذاته و خزانة مدركاته و كذلك كل مثقال ذرة من خير أو شر يعمله يرى أثره مكتوبا ثمة و سيما ما رسخت بسبب الهيئات و تأكدت به الصفات و صار خلقا و ملكة. فالأفاعيل المتكررة و العقائد الراسخة في النفوس هي بمنزلة النقوش الكتابية في الألواح كما قال الله تعالى أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ و هذه الألواح النفيسة يقال لها صحائف الأعمال و إليه الإشارة بقوله سبحانه وَ إِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ و قوله عز و جل وَ كُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَ نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً فيقال له لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ فمن كان من أهل السعادة و أصحاب اليمين و كانت معلوماته أمورا قدسية و أخلاقه زكية و أعماله صالحة فقد أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ أعني من الجانب الأقوى الروحاني و هو جهة عليين و ذلك لأن كتابه من جنس الألواح العالية و الصحف المكرمة المرفوعة المطهرة بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ و من كان من الأشقياء المردودين و كانت معلوماته مقصورة على الجرميات و أخلاقه سيئة و أعماله خبيثة فقد أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ أعني من جانبه الأضعف الجسماني و هو جهة سجين و ذلك لأن كتابه من جنس الأوراق السفلية و الصحائف الحسية القابلة للاحتراق فلا جرم يعذب بالنار و إنما عود الأرواح إلى ما خلقت منه كما قال سبحانه كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ فما خلق من عليين فكتابه في عليين و ما خلق من سجين فكتابه في سجين انتهى. و سياق تلك التحقيقات على مذاقه من أصول الدين و لما لم يصرح بنفي ما حققه جماهير الإمامية من أصحاب اليقين لا أدري أنها ثبتت له في عليين أو سجين وفقنا الله لسلوك مسالك المتقين.
بحار الأنوار - ج ٦٤ - الصفحة ١٢٧. — الإمام الباقر عليه السلام
إِنَّا وَ شِيعَتَنَا خُلِقْنَا مِنْ طِينَةِ عِلِّيِّينَ وَ خَلَقَ اللَّهُ عَدُوَّنَا مِنْ طِينَةِ خَبَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ بيان: قال في النهاية فيه من شرب الخمر سقاه الله من طينة الخبال يوم القيامة جاء تفسيره في الحديث أن الخبال عصارة أهل النار و الخبال في الأصل الفساد و يكون من الأفعال و الأبدان و العقول. البقرة صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ الروم فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ صِبْغَةَ اللَّهِ قال البيضاوي أي صبغنا الله صبغته و هي فطرة اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها فإنها حلية الإنسان كما أن الصبغة حلية المصبوغ أو هدانا هدايته و أرشدنا حجته أو طهر قلوبنا بالإيمان تطهيره و سماه صبغة لأنه ظهر أثره عليهم ظهور الصبغ على المصبوغ و تداخل في قلوبهم تداخل الصبغ الثوب أو للمشاكلة فإن النصارى كانوا يغمسون أولادهم في ماء أصفر يسمونه المعمودية و يقولون هو تطهير لهم و به تحقق نصرانيتهم و نصبها على أنه مصدر مؤكد لقوله آمنا و قيل على الإغراء و قيل على البدل من ملة إبراهيم. وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً لا صبغة أحسن من صبغته وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ تعريض بهم أي لا نشرك به كشرككم. و أقول قد مضى تفسير الآية الثانية في باب فضل الإيمان. كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ جَمِيعاً عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً قَالَ الْإِسْلَامُ وَ قَالَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى قَالَ هِيَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ. بيان قيل على هذه الأخبار يحتمل أن تكون صبغة منصوبة على المصدر من مسلمون في قوله تعالى قبل ذلك لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ثم يحتمل أن يكون معناها و موردها مختصا بالخواص و الخلص المخاطبين ب قُولُوا في صدر الآيات حيث قال قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا دون سائر أفراد بني آدم بل يتعين هذا المعنى أن فسر الإسلام بالخضوع و الانقياد للأوامر و النواهي كما فعلوه و إن فسر بالمعنى العرفي فتوجيه التعميم فيه كتوجيه التعميم في فطرة الله كما سيأتي إن شاء الله. و قيل صبغة الله إبداع الممكنات و إخراجها من العدم إلى الوجود و إعطاء كل ما يليق به من الصفات و الغايات و غيرهما. قوله فَقَدِ اسْتَمْسَكَ قال تعالى فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لَا انْفِصامَ لَها و فسر الطاغوت في الأخبار بالشيطان و بأئمة الضلال و الأولى التعميم ليشمل كل من عبد من دون الله من صنم أو صاد عن سبيل الله و يُؤْمِنْ بِاللَّهِ بالتوحيد و تصديق الرسل و أوصيائهم. فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى أي طلب الإمساك من نفسه بالحبل الوثيق و هي مستعار لمتمسك الحق من النظر الصحيح و الدين القويم لَا انْفِصامَ لَها أي لا انقطاع لها و ما ورد في الخبر من تفسيره بالإيمان كأن المراد به أنه تعالى شبه الإيمان الكامل بالعروة الوثقى. و على ما ورد في كثير من الأخبار من أن المراد بالطاغوت الغاصبون للخلافة فالمعنى من رفض متابعة أئمة الضلال و آمن بما جاء من عند الله في علي و الأوصياء من بعده عليه السلام فقد آمن بالله وحده لا شريك له و إلا فهو مشرك - كَمَا رُوِيَ فِي مَعَانِي الْأَخْبَارِ، عَنِ النَّبِيِّ ص مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْتَمْسِكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى الَّتِي لَا انْفِصامَ لَها فَلْيَسْتَمْسِكْ بِوَلَايَةِ أَخِي وَ وَصِيِّي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَإِنَّهُ لَا يَهْلِكُ مَنْ أَحَبَّهُ وَ تَوَلَّاهُ وَ لَا يَنْجُو مَنْ أَبْغَضَهُ وَ عَادَاهُ. - وَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام أَنَّ الْعُرْوَةَ الْوُثْقَى هِيَ مَوَدَّتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ. 2- كا، الكافي عَنِ الْعِدَّةِ عَنْ سَهْلٍ عَنِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً قَالَ الصِّبْغَةُ هِيَ الْإِسْلَامُ.
بحار الأنوار - ج ٦٤ - الصفحة ١٢٩. — الإمام الباقر عليه السلام
وَ لِمَ يَا سَدِيرُ قُلْتُ لِكَثْرَةِ مَوَالِيكَ وَ شِيعَتِكَ وَ أَنْصَارِكَ وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام مَا لَكَ مِنَ الشِّيعَةِ وَ الْأَنْصَارِ وَ الْمَوَالِي مَا طَمِعَ فِيهِ تَيْمٌ وَ لَا عَدِيٌ فَقَالَ يَا سَدِيرُ كَمْ عَسَى أَنْ يَكُونُوا قُلْتُ مِائَةَ أَلْفٍ قَالَ مِائَةَ أَلْفٍ قُلْتُ نَعَمْ وَ مِائَتَيْ أَلْفٍ فَقَالَ وَ مِائَتَيْ أَلْفٍ قُلْتُ نَعَمْ وَ نِصْفَ الدُّنْيَا قَالَ فَسَكَتَ عَنِّي ثُمَّ قَالَ يَخِفُّ عَلَيْكَ أَنْ تَبْلُغَ مَعَنَا إِلَى يَنْبُعَ قُلْتُ نَعَمْ فَأَمَرَ بِحِمَارٍ وَ بَغْلٍ أَنْ يُسْرَجَا فَبَادَرْتُ فَرَكِبْتُ الْحِمَارَ فَقَالَ يَا سَدِيرُ تَرَى أَنْ تُؤْثِرَنِي بِالْحِمَارِ قُلْتُ الْبَغْلُ أَزْيَنُ وَ أَنْبَلُ قَالَ الْحِمَارُ أَرْفَقُ بِي فَنَزَلْتُ فَرَكِبَ الْحِمَارَ وَ رَكِبْتُ الْبَغْلَ فَمَضَيْنَا فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَقَالَ يَا سَدِيرُ انْزِلْ بِنَا نُصَلِّي ثُمَّ قَالَ هَذِهِ أَرْضٌ سَبِخَةٌ لَا يَجُوزُ الصَّلَاةُ فِيهَا فَسِرْنَا حَتَّى صِرْنَا إِلَى أَرْضٍ حَمْرَاءَ وَ نَظَرَ إِلَى غُلَامٍ يَرْعَى جِدَاءً فَقَالَ وَ اللَّهِ يَا سَدِيرُ لَوْ كَانَ لِي شِيعَةٌ بِعَدَدِ هَذِهِ الْجِدَاءِ مَا وَسِعَنِي الْقُعُودُ وَ نَزَلْنَا وَ صَلَّيْنَا فَلَمَّا فَرَغْنَا مِنَ الصَّلَاةِ عَطَفْتُ إِلَى الْجِدَاءِ فَعَدَدْتُهَا فَإِذَا هِيَ سَبْعَةَ عَشَرَ. بيان سدير كأمير ما يسعك القعود أي ترك القتال و الجهاد و في المصباح قعد عن حاجته تأخر عنها و الموالي الأحباء المخلصون من الشيعة و تيم قبيلة أبي بكر و عدي قبيلة عمر أي ما طمع من غصب خلافته التيمي و العدوي أو قبيلتهما قال مائة ألف على سبيل التعجب و الإنكار يخف عليك بكسر الخاء أي يسهل و لا يثقل و في القاموس خف القوم ارتحلوا مسرعين. و قال ينبع كينصر حصن له عيون و نخيل و زروع بطريق حاج مصر و في النهاية على سبع مراحل من المدينة من جهة البحر انتهى و قيل على أربع مراحل و هو من أوقاف أمير المؤمنين عليه السلام و هو عليه السلام أجرى عينه كما يظهر من الأخبار. أن يسرجا بدل اشتمال لقوله حمار و بغل أزين أي الزينة في ركوبه أكثر و عند الناس أحسن و في القاموس النبل بالضم الذكاء و النجابة نبل ككرم نبالة فهو نبيل و امرأة نبيلة في الحسن بينة النبالة و كذا الناقة أو الفرس و الرجل و الحاصل أني إنما اخترت لك البغل لأنه أشرف و أفضل و اختار عليه السلام الحمار لأن التواضع فيه أكثر مع سهولة الركوب و النزول و السير. فحانت الصلاة أي قرب أو دخل وقتها في القاموس حان يحين قرب و آن و كأن الأمر بالنزول أولا ثم الإعراض عنه للتنبيه على عدم جواز الصلاة فيها و في المشهور محمول على الكراهة إلا أن يحصل الاستقرار و سيأتي في كتاب الصلاة و كره الصلاة في السبخة إلا أن تكون مكانا لينا تقع عليه الجبهة مستويا و سنتكلم عليه إن شاء الله. و قال الجوهري الجدي من ولد المعز و ثلاثة أجد فإذا كثرت فهي الجداء و لا تقل الجدايا و لا الجدي بكسر الجيم و قال عطفت أي ملت و يومئ إلى أن الصاحب عليه السلام مع كثرة من يدعي التشيع ليست له شيعة واقعية بهذا العدد و قيل أي لا بد أن يكون في عسكر الإمام عليه السلام هذا العدد من المخلصين حتى يمكنه طلب حقه بهذا العسكر لا أن هذا العدد كاف في جواز الخروج. كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مَرْوَانَ عَنْ سَمَاعَةَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ: قَالَ لِي عَبْدٌ صَالِحٌ عليه السلام يَا سَمَاعَةُ أَمِنُوا عَلَى فُرُشِهِمْ وَ أَخَافُونِي أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كَانَتِ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا إِلَّا وَاحِدٌ يَعْبُدُ اللَّهَ وَ لَوْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ لَأَضَافَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ حَيْثُ يَقُولُ- إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَصَبَرَ بِذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ آنَسَهُ بِإِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ فَصَارُوا ثَلَاثَةً أَمَا وَ اللَّهِ إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَقَلِيلٌ وَ إِنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ كَثِيرٌ أَ تَدْرِي لِمَ ذَاكَ فَقُلْتُ لَا أَدْرِي جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَالَ صُيِّرُوا أُنْساً لِلْمُؤْمِنِينَ يَبُثُّونَ إِلَيْهِمْ مَا فِي صُدُورِهِمْ فَيَسْتَرِيحُونَ إِلَى ذَلِكَ وَ يَسْكُنُونَ إِلَيْهِ. بيان أخافوني أي بالإذاعة و ترك التقية و الضمير في أمنوا راجع إلى المدعين للتشيع الذين لم يطيعوا أئمتهم في التقية و ترك الإذاعة و أشار بذلك إلى أنهم ليسوا بشيعة لنا ثم ذكر لرفع استبعاد السائل عن قلة المخلصين بقوله لقد كانت الدنيا و ما فيها الواو للحال و ما نافية و لو كان معه غيره أي من أهل الإيمان لأضافه الله عز و جل إليه لأن الغرض ذكر أهل الإيمان التاركين للشرك حيث قال و لم يك من المشركين فلو كان معه غيره من المؤمنين لذكره معه. إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قال في مجمع البيان اختلف في معناه فقيل قدوة و معلما للخير قال ابن الأعرابي يقال للرجل العالم أمة و قيل أراد إمام هدى و قيل سماه أمة لأن قوام الأمة كان فيه و قيل لأنه قام بعمل أمة و قيل لأنه انفرد في دهره بالتوحيد فكان مؤمنا وحده و الناس كفار قانِتاً لِلَّهِ أي مطيعا دائما على عبادته و قيل مصليا حَنِيفاً أي مستقيما على الطاعة و طريق الحق و هو الإسلام وَ لَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بل كان موحدا انتهى. و قيل يحتمل أن يكون من للابتداء أي لم يكن في آبائه مشرك و هو بعيد و في النهاية في حديث قس أنه يبعث يوم القيامة أمة واحدة الأمة الرجل المتفرد بدين كقوله تعالى إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّهِ انتهى. و أقول كأن هذا كان بعد وفاة لوط عليه السلام أو أنه لما لم يكن معه و كان مبعوثا على قوم آخر لم يكن ممن يؤنسه و يقويه على أمره في قومه فغبر بذلك في أكثر النسخ بالغين المعجمة و الباء الموحدة أي مكث أو مضى و ذهب كما في القاموس فعلى الأول فيه ضمير مستتر راجع إلى إبراهيم و على الثاني فاعله ما شاء الله و في بعض النسخ فصبر فهو موافق للأول و في بعضها بالعين المهملة فهو موافق للثاني. و إن أهل الكفر كثير المراد بالكفر هنا مقابل الإيمان الكامل كما قال سبحانه وَ ما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ أ تدري لم ذاك هذا بيان لحقية هذا الكلام أي قلة عدد المؤمنين مع أنهم بحسب الظاهر كثيرون أو لأن الله تعالى لم جعل هؤلاء في صورة المؤمنين أو لم خلقهم و المعنى على التقادير أن الله جعل هؤلاء المتشيعة أنسا للمؤمنين لئلا يستوحشوا لقلتهم أو يكون علة لخروج هؤلاء عن الإيمان فالمعنى أن الله تعالى جعل المخالفين أنسا للمؤمنين فيبثون أي المؤمنون إلى المخالفين أسرار أئمتهم فبذلك خرجوا عن الإيمان. و يؤيد الاحتمالات المتقدمة خبر علي بن جعفر فيستريحون إلى ذلك إلى بمعنى مع أو ضمن في متعلقه معنى التوجه و نحوه.
بحار الأنوار - ج ٦٤ - الصفحة ١٦٠. — الإمام الصادق عليه السلام
عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ
بَعْدَ قِرَاءَةِ هَذِهِ الْآيَةِ فَمِنَّا النَّبِيُّ وَ مِنَّا الصِّدِّيقُ وَ الشُّهَدَاءُ وَ الصَّالِحُونَ. . و في تفسير علي بن إبراهيم قال النَّبِيِّينَ رَسُولُ اللَّهِ وَ الصِّدِّيقِينَ عَلِيٌ وَ الشُّهَداءِ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ الصَّالِحِينَ الْأَئِمَّةُ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً الْقَائِمُ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلوات الله عليهم. فلا يحتاج إلى ما قيل إن الظاهر أنه كان من النبيين لأن الصنف الأول إما نبي أو صديق أو شهيد أو صالح و الصنف الثاني يكون مع هؤلاء بشفاعتهم زلت به قدم كان الباء للتعدية أي أزلته قدم و إقدام على المعصية و قيل الباء للسببية أي زلت بسببه قدمه أي فعله عمدا من غير نسيان و إكراه و كيفما مركب من كيف للشرط نحو كيف تصنع أصنع و ما زائدة للتأكيد. و في النهاية يقال كفأت الإناء و أكفأته إذا كببته و إذا أملته و في القاموس كفاه كمنعه صرفه و كبه و قلبه كأكفأه و اكتفاه و انكفأ رجع و لونه تغير.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٤ - الصفحة ١٩٢. — الإمام الباقر عليه السلام
نهج، نهج البلاغة رُوِيَ أَنَّ صَاحِباً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَالَ
عليه السلام يَا هَمَّامُ اتَّقِ اللَّهَ وَ أَحْسِنْ فَ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَ الَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ فَلَمْ يَقْنَعْ هَمَّامٌ بِذَلِكَ الْقَوْلِ حَتَّى عَزَمَ عَلَيْهِ قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ حِينَ خَلَقَهُمْ غَنِيّاً عَنْ طَاعَتِهِمْ آمِناً مِنْ مَعْصِيَتِهِمْ لِأَنَّهُ لَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ مَنْ عَصَاهُ وَ لَا تَنْفَعُهُ طَاعَةُ مَنْ أَطَاعَهُ فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ مَعَايِشَهُمْ وَ وَضَعَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا مَوَاضِعَهُمْ فَالْمُتَّقُونَ فِيهَا هُمْ أَهْلُ الْفَضَائِلِ مَنْطِقُهُمُ الصَّوَابُ وَ مَلْبَسُهُمُ الِاقْتِصَادُ وَ مَشْيُهُمُ التَّوَاضُعُ غَضُّوا أَبْصَارَهُمْ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ وَقَفُوا أَسْمَاعَهُمْ عَلَى الْعِلْمِ النَّافِعِ لَهُمْ نُزِّلَتْ أَنْفُسُهُمْ مِنْهُمْ فِي الْبَلَاءِ كَالَّذِي نُزِّلَتْ فِي الرَّخَاءِ لَوْ لَا الْأَجَلُ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَمْ تَسْتَقِرَّ أَرْوَاحُهُمْ فِي أَجْسَادِهِمْ طَرْفَةَ عَيْنٍ شَوْقاً إِلَى الثَّوَابِ وَ خَوْفاً مِنَ الْعِقَابِ عَظُمَ الْخَالِقُ فِي أَنْفُسِهِمْ فَصَغُرَ مَا دُونَهُ فِي أَعْيُنِهِمْ فَهُمْ وَ الْجَنَّةُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُنَعَّمُونَ وَ هُمْ وَ النَّارُ كَمَنْ قَدْ رَآهَا فَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ قُلُوبُهُمْ مَحْزُونَةٌ وَ شُرُورُهُمْ مَأْمُونَةٌ أَجْسَادُهُمْ نَحِيفَةٌ وَ حَاجَاتُهُمْ خَفِيفَةٌ وَ أَنْفُسُهُمْ عَفِيفَةٌ صَبَرُوا أَيَّاماً قَصِيرَةً أَعْقَبَتْهُمْ رَاحَةً طَوِيلَةً تِجَارَةٌ مُرْبِحَةٌ يَسَّرَهَا لَهُمْ رَبُّهُمْ أَرَادَتْهُمُ الدُّنْيَا فَلَمْ يُرِيدُوهَا وَ أَسَرَتْهُمْ فَفَدَوْا أَنْفُسَهُمْ مِنْهَا أَمَّا اللَّيْلَ فَصَافُّونَ أَقْدَامَهُمْ تَالِينَ لِأَجْزَاءِ الْقُرْآنِ يُرَتِّلُونَهُ تَرْتِيلًا يُحَزِّنُونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ وَ يَسْتَثِيرُونَ بِهِ دَوَاءَ دَائِهِمْ فَإِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَشْوِيقٌ رَكَنُوا إِلَيْهَا طَمَعاً وَ تَطَلَّعَتْ نُفُوسُهُمْ إِلَيْهَا شَوْقاً وَ ظَنُّوا أَنَّهَا نُصْبَ أَعْيُنِهِمْ وَ إِذَا مَرُّوا بِآيَةٍ فِيهَا تَخْوِيفٌ أَصْغَوْا إِلَيْهَا مَسَامِعَ قُلُوبِهِمْ وَ ظَنُّوا أَنَّ زَفِيرَ جَهَنَّمَ وَ شَهِيقَهَا فِي أُصُولِ آذَانِهِمْ فَهُمْ حَانُونَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ مُفْتَرِشُونَ لِجِبَاهِهِمْ وَ أَكُفِّهِمْ وَ رُكَبِهِمْ وَ أَطْرَافِ أَقْدَامِهِمْ يَطْلُبُونَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فَكَاكَ رِقَابِهِمْ وَ أَمَّا النَّهَارَ فَحُلَمَاءُ عُلَمَاءُ أَبْرَارٌ أَتْقِيَاءُ قَدْ بَرَاهُمُ الْخَوْفُ بَرْيَ الْقِدَاحِ يَنْظُرُ إِلَيْهِمُ النَّاظِرُ فَيَحْسَبُهُمْ مَرْضَى وَ مَا بِالْقَوْمِ مِنْ مَرَضٍ وَ يَقُولُ قَدْ خُولِطُوا وَ لَقَدْ خَالَطَهُمْ أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَرْضَوْنَ مِنْ أَعْمَالِهِمُ الْقَلِيلَ وَ لَا يَسْتَكْثِرُونَ الْكَثِيرَ فَهُمْ لِأَنْفُسِهِمْ مُتَّهِمُونَ وَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ مُشْفِقُونَ وَ إِذَا زُكِّيَ أَحَدٌ مِنْهُمْ خَافَ مِمَّا يُقَالُ لَهُ فَيَقُولُ أَنَا أَعْلَمُ بِنَفْسِي مِنْ غَيْرِي وَ رَبِّي أَعْلَمُ مِنِّي بِنَفْسِي اللَّهُمَّ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا يَقُولُونَ وَ اجْعَلْنِي أَفْضَلَ مِمَّا يَظُنُّونَ وَ اغْفِرْ لِي مَا لَا يَعْلَمُونَ فَمِنْ عَلَامَةِ أَحَدِهِمْ أَنَّكَ تَرَى لَهُ قُوَّةً فِي دِينٍ وَ حَزْماً فِي لِينٍ وَ إِيمَاناً فِي يَقِينٍ وَ حِرْصاً فِي عِلْمٍ وَ عِلْماً فِي حِلْمٍ وَ قَصْداً فِي غِنًى وَ خُشُوعاً فِي عِبَادَةٍ وَ تَجَمُّلًا فِي فَاقَةٍ وَ صَبْراً فِي شِدَّةٍ وَ طَلَباً فِي حَلَالٍ وَ نَشَاطاً فِي هُدًى وَ تَحَرُّجاً عَنْ طَمَعٍ يَعْمَلُ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ وَ هُوَ عَلَى وَجَلٍ يُمْسِي وَ هَمُّهُ الشُّكْرُ وَ يُصْبِحُ وَ هَمُّهُ الذِّكْرُ يَبِيتُ حَذِراً وَ يُصْبِحُ فَرِحاً حَذِراً لِمَا حُذِّرَ مِنَ الْغَفْلَةِ وَ فَرِحاً بِمَا أَصَابَ مِنَ الْفَضْلِ وَ الرَّحْمَةِ إِنِ اسْتَصْعَبَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِيمَا تَكْرَهُ لَمْ يُعْطِهَا سُؤْلَهَا فِيمَا تُحِبُّ قُرَّةُ عَيْنِهِ فِيمَا لَا يَزُولُ وَ زَهَادَتُهُ فِيمَا لَا يَبْقَى يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْقَوْلَ بِالْعَمَلِ تَرَاهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ خَاشِعاً قَلْبُهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْزُوراً أَكْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَرِيزاً دِينُهُ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ مَكْظُوماً غَيْظُهُ الْخَيْرُ مِنْهُ مَأْمُولٌ وَ الشَّرُّ مِنْهُ مَأْمُونٌ إِنْ كَانَ فِي الْغَافِلِينَ كُتِبَ فِي الذَّاكِرِينَ وَ إِنْ كَانَ فِي الذَّاكِرِينَ لَمْ يُكْتَبْ مِنَ الْغَافِلِينَ يَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَ يُعْطِي مَنْ حَرَمَهُ وَ يَصِلُ مَنْ قَطَعَهُ بَعِيداً فُحْشُهُ لَيِّناً قَوْلُهُ غَائِباً مُنْكَرُهُ حَاضِراً مَعْرُوفُهُ مُقْبِلًا خَيْرُهُ مُدْبِراً شَرُّهُ فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ وَ فِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ وَ فِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ وَ لَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ لَا يُضِيعُ مَا اسْتُحْفِظَ وَ لَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ وَ لَا يُنَابِزُ بِالْأَلْقَابِ وَ لَا يُضَارُّ بِالْجَارِ وَ لَا يَشْمَتُ بِالْمَصَائِبِ وَ لَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ وَ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ وَ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ وَ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لِآخِرَتِهِ وَ أَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْرٍ وَ عَظَمَةٍ وَ لَا دُنُوُّهُ بِمَكْرٍ وَ خَدِيعَةٍ قَالَ فَصَعِقَ هَمَّامٌ صَعْقَةً كَانَتْ نَفْسُهُ فِيهَا فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ أَنْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عليه السلام وَيْحَكَ إِنَّ لِكُلِّ أَجَلٍ وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ وَ سَبَباً لَا يَتَجَاوَزُهُ فَمَهْلًا لَا تَعُدْ لِمِثْلِهَا فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ. تبيين قال الكيدري الهمام البعيد الهمة و كان السائل كاسمه و قال ابن أبي الحديد همام هو همام بن شريح بن يزيد بن مرة و كان من شيعة أمير المؤمنين عليه السلام و أوليائه و كان ناسكا عابدا و تثاقله عن جوابه لأنه علم أن المصلحة في تأخير الجواب و كأنه حضر المجلس من لا يحب عليه السلام أن يجيب و هو حاضر و لعله بتثاقله عليه السلام يشتد شوق همام إلى سماع الموعظة و لعله من باب تأخير البيان إلى وقت الحاجة لا عن وقت الحاجة. و قال ابن ميثم تثاقله عليه السلام لخوفه على همام كما يدل عليه قوله عليه السلام أما و الله لقد كنت أخافها عليه و أقول هذا أظهر. اتق الله و أحسن أي ليس عليك أن تعرف صفات المتقين على التفصيل و لعل الأصلح لك القناعة بما تعرفه مجملا من صفاتهم و مراعاة التقوى و الإحسان و كأن المراد بالتقوى الاجتناب عما نهى الله عنه و بالإحسان فعل ما أمر الله به فالكلمة جامعة لصفات المتقين و فضائلهم. حتى عزم عليه عزمت على فلان أقسمت عليه و عزمت على الأمر أي قطعت عليه و أردت فعله حتما فالضمير في عليه يحتمل عوده إليه عليه السلام و إلى ما سأله من الوصف على التفصيل و الأول أظهر و رواية الصدوق تعينه. و التعرض للغناء و الأمن لدفع توهم أن مدح المتقين و الترغيب في الطاعة و التخويف من المعصية لانتفاعه سبحانه و دفع المضرة عنه و ليس المعنى أن أفعال الله سبحانه ليست معللة بالأغراض كما زعمه الحكماء بل إشارة إلى ما ذكره المتكلمون من أن الغرض لا يعود إليه سبحانه بل إلى العباد لأنه أراد أن يثيبهم في الآخرة و الثواب هو النفع المقارن للتعظيم و الإجلال و فعله لمن لا يستحق أصلا قبيح عقلا فلذا كلفهم و بعث إليهم الرسل و وعدهم و أوعدهم و عرضهم للمثوبات الدائمة الجليلة و تفصيل ذلك في كتب الكلام. و المعايش بالياء جمع معيشة و هي ما يعاش به أو فيه و ما يكون به الحياة قال الله تعالى نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا و مواضع الخلق مراتبهم قال الله تعالى وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ و هي إشارة إلى الدرجات الدنيوية كالغناء و الفقر و الصحة و المرض أو الدينية لاختلاف استعداداتهم و قابلياتهم في العلم و العمل أو الأعم منهما و هو أظهر و التفريع يؤيد الأخيرين. منطقهم الصواب المنطق النطق أي لا يقولون إلا حقا و يحترزون عن الكذب و الفحش و الغيبة و سائر الأقاويل الباطلة و قيل أي لا يتكلمون إلا في مقام التكلم كذكر الله تعالى و إظهار حق و إبطال باطل و كأن الابتداء بالمنطق لكون النفع و الضرر في القول أكثر في الأغلب من أعمال سائر الجوارح. و الملبس بفتح الباء ما يلبس و الاقتصاد التوسط بين طرفي الإفراط و التفريط و المعنى أنهم لا يلبسون ما يلحقهم بدرجة المترفين و لا ما يلحقهم بأهل الخسة و الدناءة أو يصير سببا لشهرتهم بالزهد كما هو دأب المتصوفين أو المعنى أن الاقتصاد في الأقوال و الأفعال صار شعارا لهم محيطا بهم كاللباس للإنسان كما مر. و مشيهم التواضع أي لا يمشون مشي المختالين و المتكبرين كما قال عز و جل وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً الآية أو المراد أن سيرتهم و سلوكهم بين الخلق أو في سبيل الله بالتواضع و التذلل غضوا أبصارهم غض فلان طرفه كمد أي خفضه و كذلك غض من صوته و كل شيء كففته فقد غضضته. و وقفت كضربت أي دمت قائما و وقفته أنا وقفا أي فعلت به ما وقف و وقفت الرجل عن الشيء وقفا أي منعته عنه و وقفت الدار وقفا أي حبستها في سبيل الله و المراد الاقتصار على استماع العلم النافع و فيه إيماء إلى ذم الإصغاء إلى القصص الكاذبة بل و كثير من الصادقة كما سيأتي إن شاء الله. و الرخاء بالفتح سعة العيش قال القطب الراوندي (رحمه الله) يعني أن المتقين يتعبون أبدانهم في الطاعات فيطيبون نفسا بتلك المشقة التي يحتملونها مثل طيب قلب الذي نزلت نفسه في الرخاء و لا بد من تقدير مضاف لأن تشبيه الجمع بالواحد لا يصح أي كل واحد منهم إذا نزل في البلاء يكون كالرجل الذي نزلت نفسه في الرخاء و نحوه قوله تعالى مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ قال و يجوز أن يكون الذي بمعنى ما المصدرية كقوله تعالى وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا أي نزوله في البلاء كنزوله في الرخاء و قال ابن ميثم يحتمل أن يكون المراد بالذي الذين فحذف النون كما في قوله تعالى و خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا و قال ابن أبي الحديد موضع كالذي نصب لأنه صفة مصدر محذوف و المراد كالنزول الذي و قد حذف العائد إليه و هو الهاء في نزلته كقولك ضربت الذي ضربت أي ضربت الذي ضربته و تقدير الكلام نزلت أنفسهم منهم في حال البلاء نزولا كالنزول الذي نزلته منهم في حال الرخاء. و قال الكيدري (قدس سره) نزلت أنفسهم إلخ لأنهم كسروا سورة الشهوة البهيمية و طيبوا عن أنفسهم نفسا و وقفوا أشباحهم و أرواحهم على مرضاة الله و حبسوها في سبيله فلا مطمح لهم إلى ما فيه نصيب أنفسهم بل جل عنايتهم مصروفة إلى تحصيل ما خلقوا لأجله من إعداد زاد المعاد و الإقبال بكل الوجوه على عبادة رب العباد و التفاتهم إلى الأبدان يكون على طريق الطبع كالتفات سالك البادية للحج الحقيقي إلى رعي الجمل و علموا يقينا أن ما أصابهم من الكد في الطريق و إن كان عظيما فإنه كلا شيء في جنب ما يصلون به إليه من لقاء المحبوب و نيل المطلوب فالمحن عندهم كالملح و البلية كالنعم. و قوله كالذي نظير قوله تعالى وَ خُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا و بيت الحماسة عسى الأيام أن يرجعن يوما كالذي كانوا أي نزلت في البلاء كالنزول الذي نزلت في الرخاء انتهى. و المراد بالبلاء المرض و الضيق و نحوهما أو الأعم من احتمال المشقة أيضا و ليس مخصوصا به و طيب قلوبهم للرضا بقضاء الله كما في المجالس فصغر ما دونه في أعينهم في اختلاف التعبير دلالة على أن الخالق تمكن في قلوبهم بخلاف ما دونه فلم يتجاوز أعينهم. فهم و الجنة قال الراوندي (رحمه الله) الواو بمعنى مع و قال ابن أبي الحديد بنصب الجنة و قد روي بالرفع على أنه معطوف على هم و الأول أحسن و قوله كمن قد رآها و قوله فهم فيها منعمون إما كلاهما لقوة الإيمان و اليقين أو لشدة الخوف و الرجاء أو الرؤية إشارة إلى قوة اليقين و التنعم و العذاب أي شدة الرجاء و الخوف و هما أيضا من فروع اليقين و اختار الوالد (قدس سره) الأخير و قال الكيدري أي حصل لهم من العلوم اليقينية ما يجري مجرى الضرورية كما قال عليه السلام لَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ مَا ازْدَدْتُ يَقِيناً و روي و الجنة بالنصب فيكون الواو بمعنى مع و يكون خبر المبتدإ الكاف في كمن رآها. قلوبهم محزونة حزن قلوبهم للخوف من العقاب لاحتمال التقصير و عدم شرائط القبول كما قال عز و جل وَ الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ و الأمن من شرورهم لأنهم لا يهمون بظلم أحد كما ورد في الخبر الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَ يَدِهِ و قيل لأن أفعالهم حسنة في الواقع و إن كانت سيئة في الظاهر و هو بعيد. نحيفة أي مهزولة لكثرة الصيام و السهر و الرياضات أو للخوف أو لهما و خفة حاجاتهم لقلة الرغبة في الدنيا و ترك اتباع الهوى و قصر الأمل و قناعتهم بما رزقهم الله. و العفة كف النفس عن المحرمات بل عن الشبهات و المكروهات أيضا و جملة أعقبتهم صفة للأيام و تجارة عطف بيان للراحة أو بدل منه أو منصوب على المدح أو على الحال أو على تقدير فعل أي اتجروا تجارة. قال الراوندي (رحمه الله) نصب المصدر مع حذف فعله كثير في الكلام و ربح الرجل في تجارته كعلم و يسند إلى التجارة مجازا قال تعالى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ و قال الأزهري ربح الرجل في تجارته أي صادف سوقا ذات ربح و أربحت الرجل أرباحا أعطيته ربحا فالتجارة المربحة كأنها تعطي ربحا أو هي الرابحة من أفعل بمعنى فعل. و قال الكيدري تجارة انتصابه على المصدر من معنى الكلام السابق لأن مضمون قوله صبروا أياما إلخ يدل على أنهم اتجروا بذلك أو يكون منصوبا بفعل مضمر يفسره ما بعده أي يسر لهم ربهم تجارة أو على المدح أو التخصيص أي أعني تجارة أو أخص تجارة و جعلها بدلا من راحة على ما زعم صاحب المنهاج ليس بالقوي لأن التجارة المربحة ليست بنفس الراحة و إنما صبرهم المستعقب لتلك الراحة هي التجارة انتهى. أرادتهم الدنيا أي أقبلت إليهم من الوجوه المذمومة أو مطلقا و تمكنوا من تحصيلها بكسب المال و الجاه فلم يقبلوها و لم يسعوا في تحصيلها و قيل و يحتمل أن يراد أهل الدنيا و أسره كضربه أي شده و حبسه و الفدية زخارف الدنيا و ملاذها التي سلموها إلى الدنيا بالترك و الإعراض عنها. أقول و نقل الكيدري (قدس سره) رواية تمثل الدنيا لأمير المؤمنين عليه السلام و إعراضه عنها كما سننقلها عنه في باب ذم الدنيا ثم قال فهذا معنى قوله عليه السلام أرادتهم الدنيا و لم يريدوها و إذا تدبرت الخلال المذكورة في هذه الخطبة وجدت أمير المؤمنين عليه السلام هو الموصوف بها كلها و قد أوردت هذه الأبيات و أمثالها في أنوار العقول من أشعار وصي الرسول. فأما أسرها إياهم فلأن أرواح الأولياء قدسية و مقامها في العالم الجسد أي على خلاف مقتضى طبيعتها فهي غريبة في هذا العالم و صغوها بالكلية إلى عالمها فهي أسيرة هنا من حيث الغربة و عدم الملاءمة فدائما يستعد و يتهيأ للسفر الحقيقي و يزيل المثبطات و يرفعها من البين و ذلك فداؤها. أما الليل في بعض النسخ بالنصب على حذف حرف الجر أي أما حالهم في الليل فالمقصود تفصيل حالهم في الليل و النهار و في بعض النسخ بالرفع فالغرض تفصيل حال ليلهم و نهارهم و الصف ترتيب الجمع على صف و صف القدمين وضعهما في الصلاة بحيث يتحاذى الإبهامان و يتساوى البعد بين الصدر و العقب. و في بعض النسخ تالون مكان تالين يرتلونه أي القرآن و روي يرتلونها فالضمير لأجزاء القرآن وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا أي أحسن تأليفه وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَنَّهُ حِفْظُ الْوُقُوفِ وَ أَدَاءُ الْحُرُوفِ. و هو جامع لما يعتبره القراء. و الحزن الهم و حزنه الأمر كنصر أي جعله حزينا و حزن كعلم أي صار حزينا و حزنه تحزينا جعل فيه حزنا و في أكثر النسخ على التفعيل و في بعضها كينصرون و تحزين النفوس بآيات الوعيد ظاهر و أما آيات الوعد فللخوف من الحرمان و عدم الاستعداد. و ثار الغبار إذا سطع و هاج و ثار القطا إذا نهضت من موضعها و أثار الغبار و استثاره هيجه و لعل المراد بالدواء العلم و بالداء الجهل و استثارة العلم بالتدبر و التذكر قال في النهاية في الحديث أثيروا القرآن فإن فيه علم الأولين و الآخرين و يحتمل أن يراد استثارة العلم الكامنة في النفس على حسب الاستعداد و الكمال بالتدبر و التفكر و التذكر. و قال الوالد (قدس سره) المراد أنهم يداوون بآيات الخوف داء الرجاء الغالب الذي كاد أن يبلغ حد الاغترار و الأمن لمكر الله و بآيات الرجاء داء الخوف إذا قرب من القنوط و بما يستكمل اليقين داء الشبهة و بالعبر داء القسوة و بما ينفر عن الدنيا و الميل إليها داء الرغبة فيها و نحو ذلك. و ركن إلى الشيء كنصر كما في النسخ و كعلم أيضا أي مال و سكن و التطلع إلى الشيء الاستشراف له و الانتظار لوروده و نصب الشيء رفعه و أن يستقبل به شيء و الكلمة منصوبة على الظرفية أي ظنوا أنها فيما نصب بين أيديهم و في بعض النسخ مرفوعة على أنها خبر أن. و قال الكيدري و تطلعت نفوسهم إليها أي كادت تطلع شموس نفوسهم من أفق عوالم أبدانهم فتصعد إلى العالم العلوي شوقا إلى ما وعدوا به في تلك الآيات من أخائر الذخائر و عظائم الكرائم و انتصاب نصب أعينهم على الظرف أي في موضع يقابل أعينهم و يجوز فيه الرفع. و قال الراوندي (رحمه الله) الظن هنا بمعنى اليقين قال تعالى أَ لا يَظُنُّ أُولئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ أي أيقنوا أن الجنة معدة لهم بين أيديهم و قال ابن أبي الحديد و يمكن أن يكون على حقيقته. و صغي إليه كرضي أي مال و أصغى سمعه إليه أي أماله و زفير النار صوت توقدها و الزفير أيضا إخراج النفس بعد مدة فالمراد زفير أهل جهنم و الشهيق تردد البكاء في الصدر مع سماع الصوت من الحلق و شهيق الحمار صوته و كونهما في أصول الآذان كناية عن تمكنها في الآذان. حانون أوساطهم حنى ظهره يحنيه و يحنوه أي عطفه فانحنى و حنوهم على أوساطهم وصف لحال ركوعهم و الافتراش البسط على الأرض و هو وصف لحال سجودهم. قال الكيدري فهم حانون أي منعطفون للركوع و حنى قد جاء متعديا و لازما و تعديته أكثر فيكون تقديره حانون ظهورهم على أوساطهم. يطلبون إلى الله أي يسألونه راغبين و متوجهين إليه و فك الرقبة كمد أي أعتقها و الأسير خلصه و أما النهار بالنصب و الرفع كما تقدم قال الكيدري أما النهار انتصابه على الظرفية و تعلقه بما بعده من الصفات كحلماء و غيره و حلماء خبر مبتدإ محذوف أي فهم حلماء في النهار و يجوز فيه الرفع على تقدير أما النهار فهم حلماء فيه فيكون مبتدأ و الجملة بعده خبره و فيها ضمير مقدر يعود إليه و الحلماء ذوو الأناة أو العقلاء و بري السهم يبريه أي نحته و القداح جمع قدح بالكسر فيهما و هو السهم قبل أن يراش و ينصل و هو كناية عن نحافة البدن و ضعف الجسد أو زوال الآمال و المطالب الدنيوية. و خولط فلان في عقله إذا اختل عقله و صار مجنونا و خالطه أي مازجه و قال الراوندي و غيره المعنى يظن الناظر بهم الجنون و ما بهم من جنة بل مازج قلوبهم أمر عظيم و هو الخوف فتولهوا لأجله و قيل و لقد خالطهم أي صار سببا لجنونهم الذي يظنه الناظر أمر عظيم هو الخوف. و قال الكيدري قد براهم الخوف أي أنضاهم و أنحفهم خولطوا أي خالط عقولهم جنون. و الاستكثار عد الشيء كثيرا و اتهمت فلانا أي ظننت فيه ما نسب إليه و اتهمته في قوله أي شككت في صدقه و الاسم التهمة كرطبة و السكون لغة و أصل التاء واو و المراد أنهم يظنون بأنفسهم التقصير أو الميل إلى الدنيا أو عدم الإخلاص في النية أو الأعم أو يشكون في شأنها و نياتها و يخافون أن يكون مقصودها في العبادات الرئاء و السمعة و أن تجرها العبادة إلى العجب فلا يعتمدون عليها. و الإشفاق الخوف و إشفاقهم من السيئات و إن تابوا منها لاحتمال عدم قبول توبتهم و من الحسنات لاحتمال عدم القبول لاختلال بعض الشرائط و شوب النية أو للأعمال السيئة و قد قال الله عز و جل إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ إذا زكي أحدهم التزكية المدح و خوفهم من الوقوع في العجب و الاتكال على العمل و سؤال عدم المؤاخذة لذلك و يحتمل أن يكون كناية عن عدم الرضا بما يقولون و التبري من التزكية و ظن البراءة بالنفس فإن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله. و اجعلني أفضل مما يظنون أي وفقني لدرجة فوق ما يظنون بي من حسن العمل و القبول. و قال ابن أبي الحديد قد قاله لقوم مر عليهم و هم مختلفون في أمره فمنهم الحامد له و منهم الذام فقال عليه السلام اللهم إن كان ما يقوله الذامون حقا فلا تؤاخذني به و إن كان ما يقوله الحامدون حقا فاجعلني أفضل مما يظنون فمن علامة أحدهم أنك ترى له في بعض النسخ لهم فالضمير راجع إلى معنى أحدهم و القوة في الدين أن لا يتطرق إلى الإيمان الشك و الشبهات و إلى الأعمال الوساوس و الخطرات أو أن لا يدرك العزم في الأمور الدينية ونى و لا فتور للوم و غيره قال تعالى يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ لا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ و الحزم بالفتح ضبط الأمر و الأخذ فيه بالثقة و الحذر من فواته و كأن المعنى أنه لا يصير حزمه سببا لخشونته بل مع الحزم يداري الخلق و يلاينهم. و القصد التوسط بين طرفي الإفراط و التفريط و ترك الإسراف و التقتير أي يقتصد في حال الغنى أو في تحصيل الغنى أو في الإنفاق مع غنى النفس و التجمل التزين و تكلف الجميل و إظهاره و التجمل في الفاقة سلوك مسلك الأغنياء و المتجملين في حال الفقر و ذلك بترك الشكوى إلى الخلق و الابتهاج بما أعطى الله و إظهار الغنى عن الخلق أو التجمل و التزين في الفاقة بما أمكن و عدم إظهار الفاقة للناس إلا ما لا يمكن ستره أو زائدا على ما هو الواقع كالفقراء الطامعين فيما في أيدي الناس. و الصبر في الشدة الصبر على شدة الفقر أو العبادة أو المصائب أو الأعم و الطلب في الحلال الكسب من غير الطرق التي نهي عنها و النشاط بالفتح طيب النفس للعمل و غيره و الهدى الرشاد و الدلالة أي ينشط لهداية الناس أو لاهتدائه في نفسه و التحرج التأثم و المعنى جعل الطمع حرجا و عده إثما و عيبا. و قال ابن أبي الحديد حرف الجر في بعض هذه المواضع يتعلق بالظاهر فيكون موضعه نصبا بالمفعولية و في بعضها يتعلق بمحذوف فيكون موضعه أيضا نصبا على الصفة ففي قوله في دين يتعلق بالظاهر أي قوة يقال فلان قوي في كذا و على كذا و في لين يتعلق بمحذوف أي حزما كائنا في لين و في يقين و في علم يتعلق بالظاهر و في بمعنى على كقوله تعالى وَ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ و في غنى يتعلق بمحذوف و في عبادة يحتمل الأمرين و في فاقة بمحذوف و في شدة يحتمل الأمرين و في حلال يتعلق بالظاهر و في بمعنى اللام و في هدى يحتملهما و عن طمع بالظاهر. و الوجل الخوف و خوفهم من التقصير في العمل كما أو كيفا أو من عذاب الله إشارة إلى قوله سبحانه يُؤْتُونَ ما آتَوْا الآية و الهم أول العزم و ما قصده الإنسان و أضمره في نفسه و كأن تخصيص الشكر بالمساء لأن الرزق و إفاضة النعم و الفوز بالمكاسب يكون في اليوم غالبا و تخصيص الذكر بالصباح لأن الشواغل عن الذكر في اليوم أكثر و كل يوم كأنه وقت استئناف العمل. و الحذر و الفرح ككتف صفتان من الحذر و الفرح بالتحريك و المراد بالفضل و الرحمة التوفيق و الهداية أو ما يشمل النعم الدنيوية و هذا الفرح يعود إلى الشكر و قال بعض الشارحين ليس المقصود تخصيص البيات بالحذر و الصباح بالفرح بل كما يقول أحدنا يمسي و يصبح حذرا فرحا و كذلك تخصيص الشكر بالمساء و الذكر بالصباح و يحتمل أن لا يكون مقصودا. و الصعب نقيض الذلول و استصعبت على فلان دابته أي صعبت و استصعبت عليه نفسه أي لم تطعه في العبادات المكروهة للنفس و ترك المعاصي لأن النفس أمارة بالسوء إلا ما رحم الله. و لم يعطها سؤلها فيما تحب أي لم يطاوع النفس فيما تريده من هذا الأمر الذي استصعبت عليه أو في غيره من اللذات لتنقاد و تترك الاستصعاب إذ إطاعة النفس في لذاتها توجب طغيانها و قوتها في الباطل و بعدها عن الله و لذا ترى القوة على العبادة في المرتاضين و من أنحلتهم العبادة أكثر منها في الأقوياء و المترفين بالنعم. و قرت عين فلان و أقر الله عينه كفر و عض أي سر و فرح و معناه أبرد الله دمعة عينه لأن دمعة الفرح و السرور باردة و دمعة الحزن حارة و قيل معنى أقر الله عينك بلغك أمنيتك حتى ترضى نفسك و تسكن عينك فلا تستشرف إلى غيره و قيل معناه أبرد الله عينك بأن ينقطع بكاؤها و قرة عين كل أحد مأموله و منتهى رضاه. و ما لا يزول ما عند الله و الدار الآخرة و ما لا يبقى الدنيا و زخارفها يمزج الحلم بالعلم أي يحلم للعلم بفضله لا لضعف النفس و عدم المبالاة بما قيل له أو فعل به أو لا يطيش في المحاورات و المباحثات مع أنه يقول عن علم و قيل المراد بالحلم العقل أي يتعلم عن تفكر و تدبر و لا يعتمد على الظنون و الآراء الواهية أو يتفكر فيما علم و يحفظه حتى يتمكن في قلبه و القول بالعمل أي إذا أمر الناس بمعروف أو نهاهم عن منكر عمل به أو يفي بالوعد أو يقرن الإيمان بالأعمال الصالحة أو يجمع بين القول الجميل و الفعل الحسن. و النزر و المنزور القليل و الأكل كعنق الحظ من الدنيا و في بعض النسخ أكله بالفتح أي لا يمتلئ من الطعام لأنه من أسباب الكسل عن العبادة و كثرة النوم و الحرز الموضع الحصين و حرز حريز كحصن حصين و حرزه كنصره حفظه و المراد عدم إهماله في أمر دينه و عدم تطرق الخلل إليه و المأمول المرجو. إن كان في الغافلين لعل الغرض من القرينتين أنه لا يزال ذاكرا لله سواء كان مع الغافلين أو مع الذاكرين أما إذا كان في الغافلين فيذكر الله بقلبه أو بلسانه أيضا فيصير سببا لذكرهم أيضا فيكتب أنه في الذاكرين. و قوله عليه السلام لم يكتب من الغافلين كأنه تفنن في العبارة أو المعنى أنه ليس ذكره بمحض اللسان ليكتب من الغافلين بل قلبه أيضا مشغول بذكره تعالى. و الغالب في الصلة و القطع الاستعمال في الرحم و قد يستعملان في الأعم أيضا. و بعيدا عود إلى السياق السابق و الجمل معترضة أو حال عن فاعل يصل و قد يعبر بالبعد عن العدم و كذلك الغيبة و الحضور و الإقبال و الإدبار و يحتمل القلة فإن التقوى غير العصمة و يمكن أن يراد بالإقبال الازدياد و بالإدبار الانتقاص أي لا يزال يسعى فيزداد خيره و ينتقص شره. و قال الوالد (رحمه الله) يمكن أن يراد بالمعروف و المنكر الإحسان و الإساءة إلى الخلق. و الزلازل الشدائد و الوقور فعول من الوقار بالفتح و هو الحلم و الرزانة و الرخاء سعة العيش و الحيف الجور و الظلم و المراد بالإثم الميل عن الحق و الغرض أنه لا يترك الحق للعداوة و المحبة إذا كان حاكما أو لا يجور على العدو و لا يساعد المحب بما يخرج عن الحق. لا يضيع ما استحفظ أي ما أودع عنده من الأموال و الأسرار و التضييع في الأول بالخيانة و التفريط و في الثانية بالإذاعة و الإفشاء و يحتمل شموله لما استحفظه الله من دينه و كتابه و لا ينسى ما ذكر أي ما أمر بتذكره من آيات الله و عبره و أمثاله أو الأعم منها و من أحكام الله و الموت و المصير إلى الله و أهوال الآخرة. و النبز بالتحريك اللقب قيل و كثر فيما كان ذما و المنابزة و التنابز التعاير و التداعي بالألقاب و المضارة الإضرار و الجار المجاور في السكنى و من آجرته من أن يظلم و شمت كفرح شماتة بالفتح أي فرح ببلية العدو لا يدخل في الباطل أي في مجالس الفسق و اللهو و الفساد أو المراد عدم ارتكاب الباطل و كذا الخروج من الحق أي من مجالسه أو عدم ترك الحق. لم يغمه صمته لعلمه بمفاسد الكلام و عدم التذاذه بالباطل من القول أو لاشتغال قلبه حين الصمت بذكر الله لم يعل صوته أي لا يشتد صوته أو يكتفي بالتبسم إذ الخروج عنه يكون غالبا بالضحك بالصوت العالي و الواسطة نادرة و أراح الناس لاشتغاله بنفسه و الزهد خلاف الرغبة و كثيرا ما يستعمل في عدم الرغبة في الدنيا و النزاهة بالفتح التباعد عن كل قدر و مكروه و إنما كان تباعده زهدا و نزاهة لأنه إنما يرغب عن أهل الدنيا و أهل الباطل و قيل نزاهة عن تدنس العرض. و الخديعة ككريهة الاسم من خدعه أي ختله و أراد به المكروه من حيث لا يعلم و صعق كسمع أي غشي عليه من صوت شديد سمعه أو من غيره و ربما مات منه كانت نفسه فيها أي مات بها و يحتمل أن يراد بالصعقة الصيحة كما هو الغالب في هذا المقام و يراد بكون نفسه فيها خروج روحه بخروجها و ويح كلمة رحمة و يستعمل في التعجب كما مر مرارا و التلطف في مثل هذا المقام من قبيل الإحسان إلى من أساء و قد مر الكلام في هذا المقام و في بعض ما تقدم في شرح رواية الكافي فلا نعيده. و أقول روي في تحف العقول أيضا مثله. و أقول لما سلك قدوة المحققين ابن ميثم البحراني في شرح هذا الحديث مسلكا آخر أردت إيراده ليطلع الناظر في كتابنا على أكثر ما قيل في ذلك فأوردته. قال (قدس سره) وصف عليه السلام المتقين بالوصف المجمل فقال فالمتقون فيها هم أهل الفضائل أي الذين استجمعوا الفضائل المتعلقة بإصلاح قوتي العلم و العمل ثم شرع في تفصيل تلك الفضائل و نسقها. فالأولى الصواب في القول و هو فضيلة العدل المتعلقة باللسان و حاصله أن لا يسكت عما ينبغي أن يقال فيكون مفرطا و لا يقول ما ينبغي أن يسكت عنه فيكون مفرطا بل يضع كلا من الكلام في موضعه اللائق به و هو أخص من الصدق لجواز أن يصدق الإنسان فيما لا ينبغي من القول. الثانية و ملبسهم الاقتصاد و هو فضيلة العدل في الملبوس فلا يلبس ما يلحقه بدرجة المترفين و لا يلحقه بأهل الخسة و الدناءة مما يخرج به عن عرف الزاهدين في الدنيا. الثالثة مشي التواضع و التواضع ملكة تحت العفة يعود إلى العدل بين رذيلتي المهانة و الكبر و مشي التواضع مستلزم للسكون و الوقار. الرابعة غض الأبصار عما حرم الله و هو ثمرة العفة. الخامسة وقوفهم أسماعهم على سماع العلم النافع و هو فضيلة العدل في قوة السمع و العلوم النافعة ما هو كمال القوة النظرية من العلم الإلهي و ما يناسبه و ما هو كمال للقوة العملية و هي الحكمة العملية. السادسة نزول أنفسهم منهم في البلاء كنزولها في الرخاء أي لا تقنط من بلاء ينزل بها و لا تبطر برخاء يصيبها بل مقامها في الحالين مقام الشكر و الذي صفة مصدر محذوف و الضمير العائد إليه محذوف أيضا و التقدير نزلت كالنزول الذي نزلته في الرخاء و يحتمل أن يكون المراد بالذي الذين فحذف النون كما في قوله تعالى كَالَّذِي خاضُوا و يكون المقصود تشبيههم حال نزول أنفسهم منهم في البلاء بالذي نزلت أنفسهم منهم في الرخاء و المعنى واحد. السابعة غلبة الشوق إلى ثواب الله و الخوف من عقابه على نفوسهم إلى غاية أن أرواحهم لا تستقر في أجسادهم من ذلك لو لا الآجال التي كتبت لهم و هذا الشوق و الخوف إذا بلغ إلى حد الملكة فإنه يستلزم دوام الجد في العمل و الإعراض عن الدنيا و مبدؤهما تصور عظمة الخالق و بقدر ذلك يكون تصور عظمة وعده و وعيده و بحسب قوة ذلك التصور يكون قوة الخوف و الرجاء و هما بابان عظيمان للجنة. الثامنة عظم الخالق في أنفسهم و ذلك بحسب الجواذب الإلهية إلى الاستغراق في محبته و معرفته و بحسب تفاوت تصور عظمته تعالى يكون تصورهم لأصغرية ما دونه و نسبته إليه في أعين بصائرهم. و قوله فهم و الجنة كمن قد رآها إلى قوله معذبون إشارة إلى أن العارف و إن كان في الدنيا بجسده فهو في مشاهدته بعين بصيرته لأحوال الجنة و سعادتها و أحوال النار و شقاوتها كالذين شاهدوا الجنة بعين حسهم و تنعموا فيها و كالذين شاهدوا النار و عذبوا فيها و هي مرتبة عين اليقين فبحسب هذه المرتبة كانت شدة شوقهم إلى الجنة و شدة خوفهم من النار التاسعة حزن قلوبهم و ذلك ثمرة الخوف الغالب. العاشرة كونهم مأموني الشرور و ذلك أن مبدأ الشرور محبة الدنيا و أباطيلها و العارفون بمعزل عن ذلك. الحادية عشر نحافة أجسادهم و مبدأ ذلك كثرة الصيام و السهر و جشوبة المطعم و خشونة الملبس و هجر الملاذ الدنيوية. الثانية عشر خفة حاجاتهم و ذلك لاقتصارهم من حوائج الدنيا على القدر الضروري من ملبس و مأكل و لا أخف من هذه الحاجة. الثالثة عشر عفة أنفسهم و ملكة العفة فضيلة القوة الشهوية و هي الوسط بين رذيلتي خمود الشهوة و الفجور. الرابعة عشر الصبر على المكاره أيام حياتهم من ترك الملاذ الدنيوية و احتمال أذى الخلق و قد عرفت أن الصبر مقاومة النفس الأمارة بالسوء لئلا ينقاد إلى قبائح اللذات و إنما ذكر قصر مدة الصبر و استعقابه للراحة الطويلة ترغيبا فيه و تلك الراحة بالسعادة في الجنة كما قال تعالى وَ جَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَ حَرِيراً الآية و قوله تجارة مربحة استعار لفظ التجارة لأعمالهم الصالحة و امتثال أوامر الله و وجه المشابهة كونهم متعوضين بمتاع الدنيا و بحركاتهم في العبادة متاع الآخرة و رشح بلفظ الربح لأفضلية متاع الآخرة و زيادته في النفاسة على ما تركوه و ظاهر أن ذلك بتيسير الله لأسبابه و إعدادهم له بالجواذب الإلهية. الخامسة عشر عدم إرادتهم للدنيا مع إرادتها لهم و هو إشارة إلى الزهد الحقيقي و هو ملكة تحت العفة و كنى بإرادتها لهم عن كونهم أهلا لأن يكونوا فيها رءوسا و أشرافا كقضاة و وزراء و نحو ذلك و كونها بمعرض أن تصل إليهم لو أرادوها و يحتمل أن يريد أرادهم أهل الدنيا فحذف المضاف. السادسة عشر افتداء من أسرته لنفسه منها و هو إشارة إلى من تركها و زهد فيها بعد الانهماك فيها و الاستمتاع بها ففك بذلك الترك و الإعراض و التمرن على طاعة الله أغلال الهيئات الردية المتلبسة منها عن عنقه و لفظ الأسر استعارة في تمكن تلك الهيئات من نفوسهم و لفظ الفدية استعارة لتبديل ذلك الاستمتاع بها بالإعراض عنها و المواظبة على طاعة الله و إنما عطف بالواو في قوله و لم يريدوها و بالفاء في قوله ففدوا لأن زهد الإنسان في الدنيا كما يكون متأخرا عن إقبالها عليه كذلك قد يكون متقدما عليه لقوله ص وَ مَنْ جَعَلَ الْآخِرَةَ أَكْبَرَ هَمِّهِ جَمَعَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَمَّهُ وَ أَتَتْهُ الدُّنْيَا وَ هِيَ رَاغِمَةٌ فلم يحسن العطف هنا بالفاء و أما الفدية فلما لم يكن إلا بعد الأسر لا جرم عطفها بالفاء. السابعة عشر كونهم صافين أقدامهم بالليل يتلون القرآن و يرتلونه إلى قوله آذانهم و ذلك إشارة إلى تطويع نفوسهم الأمارة بالسوء بالعبادات و شرح لكيفية استيثارهم للقرآن العزيز في تلاوته و غاية ترتيلهم له بفهم مقاصده و تحزينهم لأنفسهم به عند ذكر الوعيدات من جملة استيثارهم لدواء دائهم و لما كان داؤهم هو الجهل و سائر الرذائل العملية كان دواء الجهل بالعلم و دواء كل رذيلة الحصول على الفضيلة المضادة لها فهم بتلاوة القرآن يستثيرون بالتحزين الخوف عن وعيد الله المضاد للانهماك في الدنيا و داؤه العلم الذي هو دواء الجهل و كذلك كل فضيلة حث القرآن عليها فهي دواء لما يضادها من الرذائل و باقي الكلام شرح لكيفية التحزين و التشويق. و قوله فهم حانون على أوساطهم ذكر لكيفية ركوعهم و قوله مفترشون لجباههم إلى قوله أقدامهم إشارة إلى كيفية سجودهم و ذكر الأعظم السبعة و قوله يطلبون إلى قوله رقابهم إشارة إلى غايتهم من عبادتهم تلك. الثامنة عشر من صفاتهم بالنهار كونهم حكماء و أراد الحكمة الشرعية و ما فيها من كمال القوة العلمية و العملية لكونها المتعارفة بين الصحابة و التابعين و روي حلماء و الحلم فضيلة تحت ملكة الشجاعة هي الوسط بين رذيلتي المهانة و الإفراط في الغضب و إنما خص الليل بالصلاة لكونها أولى بها من النهار. التاسعة عشر كونهم علماء و أراد كمال القوة النظرية بالعلم النظري و هو معرفة الصانع و صفاته. العشرون كونهم أبرارا و البر يعود إلى العفيف لمقابلته الفاجر. الحادية و العشرون كونهم أتقياء و المراد بالتقوى هاهنا الخوف من الله و قد مر ذكر العفة و الخوف و إنما كررهما هنا في عداد صفاتهم بالنهار و ذكرها هناك في صفاتهم المطلقة و قوله و قد براهم الخوف إلى قوله عظيم شرح لفعل الخوف الغالب بهم و إنما يفعل الخوف ذلك لاشتغال النفس المدبرة للبدن به عن النظر في صلاح البدن و وقوف القوة الشهوية و الغاذية عن أداء بدل ما يتحلل و شبه بري الخوف لهم ببري القداح و وجه التشبيه شدة النحافة و يتبع ذلك تغير السحنات و الضعف عن الانفعالات النفسانية من الخوف و الحزن حتى يحسبهم الناظر مرضى و إن لم يكن بهم مرض. و يقول قد خولطوا و ذلك إشارة إلى ما يعرض لبعض العارفين عند اتصال نفسه بالملإ الأعلى و اشتغالها عن تدبير البدن و ضبط حركاته أن يتكلم بكلام خارج عن المتعارف يستبشع بين أهل الشريعة الظاهرة فينسب ذلك منه إلى الاختلاط و الجنون و تارة إلى الكفر و الخروج عن الدين و قوله و لقد خالطهم أمر عظيم هو اشتغال أسرارهم بملاحظة جلال الله و مطالعة أنوار الملإ الأعلى. الثانية و العشرون كونهم لا يرضون من أعمالهم القليل إلى قوله الكبير و ذلك لتصورهم شرف غايتهم المقصودة بأعمالهم و قوله فهم لأنفسهم متهمون إلى قوله ما لا يعلمون فتهمتهم لأنفسهم و خوفهم من أعمالهم يعود إلى شكهم فيما يحكم به أوهامهم من حسن عبادتهم و كونها مقبولة أو واقعة على الوجه المطلوب الموصل إلى الله تعالى فإن هذا الوهم يكون مبدأ للعجب بالعبادة و التقاصر عن الازدياد عن العمل و التشكك في ذلك و تهمة النفس بانقيادها في ذلك الحكم للنفس الأمارة يستلزم خوفها أن يكون تلك الأعمال قاصرة عن الوجه المطلوب و غير واقعة عليه و ذلك باعث على العمل و كاسر للعجب به و قد عرفت أن العجب من المهلكات كَمَا قَالَ عليه السلام ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ شُحٌّ مُطَاعٌ وَ هَوًى مُتَّبَعٌ وَ إِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ.. و كذلك خوفهم من تزكية الناس لهم هو الدواء لما ينشأ من تلك التزكية من الكبر و العجب بما يزكون به فيكون جواب أحدهم عند تزكيته أني أعلم بنفسي من غيري إلى آخره. ثم شرع عليه السلام بعد ذلك في علاماتهم التي بجملتها يعرف أحدهم و الصفات السابقة و إن كان كثير منها مما يخص أحدهم و يعرف به إلا أن بعضها قد يدخله الرياء فلا يدل على التقوى الحقة فجمعها هاهنا و نسقها. فالأولى القوة في الدين و ذلك أن يقاوم في دينه الوسواس الخناس و لا يدخل فيه خداع الناس و هذا إنما يكون في الدين العالم. الثانية الحزم في الأمور الدنيوية و الدينية و التثبت فيها ممزوجا باللين للخلق و عدم الفضاضة عليهم كما في المثل لا تكن حلوا فتسترط و لا مرا فتلفظ و هي فضيلة العدل في المعاملة مع الخلق و قد علمت أن اللين قد يكون للتواضع المطلوب بقوله وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ و قد يكون من مهانة و ضعف يقين و الأول هو المطلوب و هو المقارن للحزم في الدين و مصالح النفس و الثاني رذيلة و لا يمكن معه الحزم لانفعال المهين عن كل جاذب. الثالثة الإيمان في اليقين و لما كان الإيمان عبارة عن التصديق بالصانع و بما وردت به الشريعة و كان ذلك التصديق قابلا للشدة و الضعف فتارة يكون عن التقليد و هو الاعتقاد المطابق لا لموجب و تارة يكون عن العلم و هو الاعتقاد المطابق لموجب هو الدليل و تارة عن العلم به مع العلم بأنه لا يكون إلا كذلك و هو علم اليقين و محققو السالكين لا يقفون عند هذه المرتبة بل يطلبون بعين اليقين بالمشاهدة بعد طرح حجب الدنيا و الإعراض عنها أراد أن علمهم علم اليقين لا يتطرق إليه احتمال. الرابعة الحرص في العلم و الازدياد منه. الخامسة مزج العلم و هو فضيلة القوة الملكية بالحلم و هو من فضائل القوة السبعية. السادسة القصد في الغنى و هو فضيلة العدل في استعمال متاع الدنيا و حذف الفضول عن قدر الضرورة. السابعة الخشوع في العبادة و هو من ثمرة الفكر في جلال المعبود و ملاحظة عظمته الذي هو روح العبادة. الثامنة التجمل في الفاقة و ذلك بترك الشكوى إلى الخلق و الطلب منهم و إظهار الغنى عنهم و ينشأ عن القناعة و الرضا و علو الهمة و يعين على ذلك ملاحظة الوعد العاجل و ما أعد للمتقين. التاسعة و كذلك الصبر في الشدة. العاشرة الطلب في الحلال و ينشأ عن العفة. الحادية عشر النشاط في الهدى و سلوك سبيل الله و ينشأ عن قوة الاعتقاد فيما وعد المتقون و تصور شرف الغاية. الثانية عشر عمل الصالحات على وجل أي من أن يكون على غير الوجه اللائق فلا يقبل كما روي عن زين العابدين عليه السلام أنه كان في التلبية و هو على راحلته و خر مغشيا عليه فلما أفاق قيل له في ذلك فقال خَشْيَةَ أَنْ يَقُولَ لِي لَا لَبَّيْكَ وَ لَا سَعْدَيْكَ. الثالثة عشر أن يكون همهم عند المساء الشكر على ما رزقوا بالنهار و ما لم يرزقوا و يصبحوا و همهم الذكر لله ليذكرهم الله فيرزقهم من الكمالات النفسانية و البدنية كما قال تعالى فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ الرابعة عشر أن يبيت حذرا و يصبح فرحا و قوله حذرا إلى قوله الرحمة تفسير للمحذور و ما به الفرح و ليس مقصوده تخصيص البيات بالحذر و الصباح بالفرح بل كما يقول أحدنا يمسي فلان و يصبح حذرا فرحا و كذلك تخصيصه الشكر بالمساء و الذكر بالصباح يحتمل أن لا يكون مقصودا. الخامسة عشر إن استصعبت إلى قوله تحب إشارة إلى مقاومته لنفسه الأمارة بالسوء عند استصعابها عليه و قهره لها على ما تكره و عدم متابعته لها في ميولها الطبيعية و محابها. السادسة عشر أن يرى قرة عينه فيما لا يزول أي من الكمالات النفسانية الباقية كالعلم و الحكمة و مكارم الأخلاق المستلزمة للذات الباقية و السعادة الدائمية و قرة عينه كناية عن لذته و ابتهاجه لاستلزامهما لقرار العين و بردها برؤية المطلوب و زهادته فيما لا يبقى من متاع الدنيا السابعة عشر أن يمزج العلم بالحلم فلا يجهل و يطيش و القول بالعمل فلا يقول ما لا يفعل فلا يأمر بمعروف فيقف دونه و لا ينهى عن منكر ثم يفعله و لا يعد فيخلف فيدخل في مقت الله كما قال تعالى كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ الثامنة عشر قصر أمله و قربه و ذلك لكثرة ذكر الموت و الوصول إلى الله. التاسعة عشر قلة زلله و قد عرفت أن زلل العارفين يكون من باب ترك الأولى لأن صدور الخيرات عنهم صار ملكة و الجواذب فيهم إلى الزلل و الخطيئات نادرة تكون لضرورة منهم أو سهو و لا شك في قلته. العشرون خشوع قلبه عن تصور عظمة المعبود. الحادية و العشرون قناعة نفسه و ينشأ عن ملاحظة حكمة الله في قدرته و قسمته الأرزاق و يعين عليها تصور فوائدها الحاضرة و غايتها في الآخرة. الثانية و العشرون قلة أكله و ذلك لما يتصور في البطنة من ذهاب الفطنة و زوال الرقة و حدوث القسوة و الكسل عن العمل. الثالثة و العشرون سهولة أمره أي لا يتكلف لأحد و لا يكلف أحدا. الرابعة و العشرون حرز دينه فلا يهمل منه شيئا و لا يطرق إليه خللا. الخامسة و العشرون موت شهوته و لفظ الموت مستعار لخمود شهوته عما حرم عليه و يعود إلى العفة. السادسة و العشرون كظم غيظه و هو من فضائل القوة الغضبية. السابعة و العشرون كونه مأمول الخير و ذلك لأكثرية خيريته مأمون الشرور و ذلك لعلم الخلق بعدم قصده للشرور. الثامنة و العشرون قوله إن كان من الغافلين إلى قوله الغافلين أي إن رآه الناس في أعداد الغافلين عن ذكر الله لتركه الذكر باللسان كتب عند الله من الذاكرين لاشتغال قلبه بالذكر و إن تركه بلسانه و إن كان من الذاكرين بلسانه بينهم فظاهر أنه لا يكتب من الغافلين و لذكر الله ممادح كثيرة و هو باب عظيم من أبواب الجنة و الاتصال بجناب الله و قد أشرنا إلى فضيلته و أسراره. التاسعة و العشرون عفوه عمن ظلمه و العفو فضيلة تحت الشجاعة و خص من ظلمه ليتحقق عفوه مع قوة الداعي إلى الانتقام. الثلاثون و يعطي من حرمه و هي فضيلة تحت السخاء. الحادية و الثلاثون و يصل من قطعه و المواصلة فضيلة تحت العفة. الثانية و الثلاثون بعد فحشه و أراد ببعد الفحش عنه أنه قلما يخرج في أقواله إلى ما لا ينبغي. الثالثة و الثلاثون لينه في القول عند محاورات الناس و وعظهم و معاملتهم و هو من أجزاء التواضع. الرابعة و الثلاثون غيبة منكره و حضور معروفه و ذلك للزومه حدود الله. الخامسة و الثلاثون إقبال خيره و إدبار شره و هو كقوله الخير منه مأمول و الشر منه مأمون و يحتمل بإقبال خيره أخذه في الازدياد من الطاعة و تشميره فيها و بقدر ذلك يكون إدباره عن الشر لأن من استقبل أمرا و سعى فيه بعد عما يضاده و أدبر عنه. السادسة و الثلاثون وقاره في الزلازل و كنى بها عن الأمور العظام و الفتن الكبار المستلزمة لاضطراب القلوب و أحوال الناس و الوقار ملكة تحت الشجاعة. السابعة و الثلاثون كثرة صبره في المكاره و ذلك عن ثباته و علو همته عن أحوال الدنيا. الثامنة و الثلاثون كثرة شكره في الرخاء و ذلك لمحبته المنعم الأول جلت قدرته فيزداد شكره في رخائه و إن قل. التاسعة و الثلاثون كونه لا يحيف على من يبغض و هو سلب للحيف و الظلم مع قيام الداعي إليهما و هو البغض لمن يتمكن من حيفه و ظلمه. الأربعون كونه لا يأثم فيمن يحب و هو سلب لرذيلة الفجور عنه باتباع الهوى فيمن يحب إما بإعطائه ما لا يستحق أو دفع ما يستحق عليه عنه كما يفعله قضاة السوء و أمراء الجور فالمتقي لا يأثم بشيء من ذلك مع قيام الداعي إليه و هو المحبة لمن يحبه بل يكون على فضيلة العدل في الكل على السواء. الحادية و الأربعون اعترافه بالحق قبل أن يشهد عليه و ذلك لتحرزه في دينه من الكذب إذ الشهادة إنما يحتاج إليها مع إنكار الحق و ذلك كذب. الثانية و الأربعون كونه لا يضيع أماناته و لا يفرط فيما استحفظه الله من دينه و كتابه و ذلك لورعه و لزوم حدود الله. الثالثة و الأربعون و لا ينسى ما ذكر من آيات الله و عبره و أمثاله و لا يترك العمل بها و ذلك لمداومة ملاحظتها و كثرة إخطارها بباله و العمل بها لعنايته المطلوبة منه. الرابعة و الأربعون و لا ينابز بالألقاب و ذلك لملاحظته النهي في الذكر الحكيم وَ لا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ و لسر ذلك النهي و هو كون ذلك مستلزما لإثارة الفتن و التباغض بين الناس و الفرقة المضادة لمطلوب الشارع. الخامسة و الأربعون و لا يضار بالجار لملاحظة وصية الله تعالى به وَ الْجارِ ذِي الْقُرْبى وَ الْجارِ الْجُنُبِ و وصية رسول الله ص في المرفوع إليه أوصاني ربي بالجار حتى ظننت أنه يورثه و لغاية ذلك و هي الألفة و الاتحاد في الدين. السادسة و الأربعون و لا يشمت بالمصائب و ذلك لعلمه بأسرار القدر و ملاحظته لأسباب المصائب و أنه في معرض أن تصيبه فيتصور أمثالها في نفسه فلا يفرح بنزولها على غيره. السابعة و الأربعون أنه لا يدخل في الباطل و لا يخرج عن الحق أي لا يدخل فيما يبعد عن الله تعالى من باطل الدنيا و لا يخرج عما يقرب إليه من مطالبه الحقة و ذلك لتصور شرف غايته. الثامنة و الأربعون كونه لا يغمه صمته لوضعه كلا من الصمت و الكلام في موضعه و إنما يستلزم الغم الصمت عما ينبغي من القول و هو صمت في غير موضعه. التاسعة و الأربعون كونه لا يعلو ضحكه و ذلك لغلبة ذكر الموت و ما بعده على قلبه و مما نقل من صفات الرسول ص كان أكثر ضحكه التبسم و قد يفتر أحيانا و لم يكن من أهل القهقهة و الكركرة و هما كيفيتان للضحك. الخمسون صبره في البغي عليه إلى غاية انتقام الله له و ذلك منه نظرا إلى ثمرة الصبر إلى الوعد الكريم ذلِكَ وَ مَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ الآية و قوله وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ الحادية و الخمسون كون نفسه منه في عناء أي نفسه الأمارة بالسوء لمقاومته لها و قهرها و مراقبته إياها و الناس من أذاه في راحة لذلك. الثانية و الخمسون كون بعده عمن تباعد عنه لزهده فيما في أيدي الناس و نزاهته عنه لا عن كبر و تعظم عليهم و كذلك دنوه ممن دنا منه عن لين و رحمة منه لهم لا لمكر بهم و خديعة لهم عن بعض المطالب كما هو عادة الخبيث المكار و هذه الصفات و العلامات قد يتداخل بعضها و لكن تورد بعبارة أخرى أو تذكر مفردة ثم تذكر ثانيا مركبة مع غيرها.
بحار الأنوار - ج ٦٤ - الصفحة ٣١٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
يَا ثَوْبَانُ مَا غَيَّرَ لَوْنَكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا بِي مِنْ مَرَضٍ وَ لَا وَجَعٍ غَيْرُ أَنِّي إِذَا لَمْ أَرَكَ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ حَتَّى أَلْقَاكَ ثُمَّ ذَكَرْتُ الْآخِرَةَ فَأَخَافُ أَنْ لَا أَرَاكَ هُنَاكَ لِأَنِّي عَرَفْتُ أَنَّكَ تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَ إِنِّي إِنْ أُدْخِلْتُ الْجَنَّةَ كُنْتُ فِي مَنْزِلَةٍ أَدْنَى مِنْ مَنْزِلَتِكَ وَ إِنْ لَمْ أُدْخَلِ الْجَنَّةَ فَلَا أَحْسَبُ أَنْ أَرَاكَ أَبَداً فَنَزَلَتِ الْآيَةُ ثُمَّ قَالَ ص وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُؤْمِنَنَّ عَبْدٌ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَ أَبَوَيْهِ وَ أَهْلِهِ وَ وُلْدِهِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ وَ قِيلَ إِنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالُوا مَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُفَارِقَكَ فَإِنَّا لَا نَرَاكَ إِلَّا فِي الدُّنْيَا فَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّكَ تُرْفَعُ فَوْقَنَا بِفَضْلِكَ فَلَا نَرَاكَ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ عَنْ قَتَادَةَ وَ مَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ. ثم قال و المعنى وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ بالانقياد لأمره و نهيه وَ الرَّسُولَ باتباع شريعته و الرضا بحكمه فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الجنة ثم بين المنعم عليهم فقال مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ يريد أنه يستمتع برؤيتهم و زيارتهم و الحضور معهم فلا ينبغي أن يتوهم من أجل أنهم في أعلى عليين أنه لا يراهم و قيل في معنى الصديق إنه المصدق بكل ما أمر الله به و بأنبيائه لا يدخله في ذلك شك و يؤيده قوله وَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَداءِ يعني المقتولين في الجهاد وَ الصَّالِحِينَ أي صلحاء المؤمنين الذين لم تبلغ درجتهم درجة النبيين و الصديقين و الشهداء وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً معناه من يكون هؤلاء رفقاؤه فأحسن بهم من رفيق أو فما أحسنهم من رفيق. ثم- روى ما سيأتي برواية العياشي عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام ثم قال ذلِكَ إشارة إلى الكون مع النبيين و الصديقين الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ ما تفضل الله به على من أطاعه وَ كَفى بِاللَّهِ عَلِيماً بالعصاة و المطيعين و المنافقين و المخلصين و قيل معناه حسبك الله عالما بكنه جزاء المطيعين على حقه و توفير الحظ فيه انتهى. و أقول قد مضت أخبار كثيرة في كتاب الإمامة في أن الصديقين و الشهداء هم الأئمة عليهم السلام بل الصالحين أيضا وَ قَدْ رَوَى الْكُلَيْنِيُّ ره فِي رَوْضَةِ الْكَافِي فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَ لَمْ تَسْمَعُوا مَا ذَكَرَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ الْهُدَاةِ وَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ قَالَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إِلَى قَوْلِهِ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً فَهَذَا وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ فَضْلِ أَتْبَاعِ الْأَئِمَّةِ فَكَيْفَ بِهِمْ وَ بِفَضْلِهِمْ. . و في تفسير علي بن إبراهيم النَّبِيِّينَ رسول الله وَ الصِّدِّيقِينَ علي وَ الشُّهَداءِ الحسن و الحسين وَ الصَّالِحِينَ الأئمة وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً القائم من آل محمد صلوات الله عليهم وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ هذه الآية بعد قوله سبحانه إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا و قد مر أن الذين آمنوا أمير المؤمنين و الأئمة صلوات الله عليهم بالروايات المتواترة من طرق العامة و الخاصة فمن تولاهم و نصرهم و اتخذهم أئمة فهم حزب الله و أنصاره و هم الغالبون في الدنيا بالحجة و في الآخرة بالانتقام من أعدائهم و ظهور حجتهم بل في الدنيا أيضا في زمن القائم ع. هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَ مَلائِكَتُهُ في المجمع الصلاة من الله تعالى المغفرة و الرحمة و قيل الثناء و قيل هي الكرامة و أما صلاة الملائكة فهي دعاؤهم و قيل طلبهم إنزال الرحمة من الله تعالى لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ أي من الجهل بالله سبحانه إلى معرفته فشبه الجهل بالظلمات و المعرفة بالنور لأن هذا يقود إلى الجنة و ذلك يقود إلى النار و قيل من الضلالة إلى الهدى بألطافه و هدايته و قيل من ظلمات النار إلى نور الجنة وَ كانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً خص المؤمنين بالرحمة دون غيرهم لأن الله سبحانه جعل الإيمان بمنزلة العلة في إيجاب الرحمة و النعمة العظيمة التي هي الثواب تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ أي يحيي بعضهم بعضا يوم يلقون ثواب الله بأن يقولوا السلامة لكم من جميع الآفات و لقاء الله سبحانه لقاء ثوابه عز و جل. و روي عن البراء بن عازب أنه قال يوم يلقون ملك الموت لا يقبض روح مؤمن إلا سلم عليه فعلى هذا يكون المعنى تحية المؤمن من ملك الموت يوم يلقونه أن يسلم عليهم و ملك الموت مذكور في الملائكة وَ أَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً أي ثوابا جزيلا انتهى تفسير و أقول - رَوَى الْعَامَّةُ بِأَسَانِيدَ جَمَّةٍ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: صَلَّتِ الْمَلَائِكَةُ عَلَيَّ وَ عَلَى عَلِيٍّ سَبْعَ سِنِينَ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ فِيهَا أَحَدٌ غَيْرِي وَ غَيْرُهُ . - وَ رَوَى الصَّدُوقُ فِي التَّوْحِيدِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام يَقُولُ فِيهِ وَ قَدْ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَمَّا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنَ الْآيَاتِ وَ اللِّقَاءُ هُوَ الْبَعْثُ فَإِنَّ جَمِيعَ مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ لِقَائِهِ فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ الْبَعْثَ وَ كَذَلِكَ قَوْلُهُ تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ يَعْنِي أَنَّهُ لَا يَزُولُ الْإِيمَانُ عَنْ قُلُوبِهِمْ يَوْمَ يُبْعَثُونَ. . و قال في المجمع في قوله تعالى الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ عبادة لله و امتثالا لأمره وَ مَنْ حَوْلَهُ يعني الملائكة المطيفين بالعرش و هم الكروبيون و سادة الملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي ينزهون ربهم عما يصفه به هؤلاء المجادلون و قيل يسبحونه بالتسبيح المعهود و يحمدونه على إنعامه وَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي و يصدقون به و يعترفون بوحدانيته وَ يَسْتَغْفِرُونَ أي يسألون الله المغفرة لِلَّذِينَ آمَنُوا من أهل الأرض أي صدقوا بوحدانية الله و اعترفوا بإلهيته و بما يجب الاعتراف به و يقولون في دعائهم لهم رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً أي وسعت رحمتك و علمك كل شيء. و المراد بالعلم المعلوم كما في قوله وَ لا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ أي بشيء من معلومه على التفصيل فجعل العلم في موضع المعلوم و المعنى أنه لا اختصاص لمعلوماتك بل أنت عالم بكل معلوم و لا يختص رحمتك حيا دون حي بل شملت جميع الحيوانات و في هذا تعليم الدعاء ليبدأ بالثناء عليه قبل السؤال فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا من الشرك و المعاصي وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ الذي دعوت إليه عبادك و هو دين الإسلام وَ قِهِمْ أي و ادفع عنهم عَذابَ الْجَحِيمِ و في هذه الآية دلالة على أن إسقاط العقاب عند التوبة تفضل من الله إذ لو كان واجبا لكان لا يحتاج فيه إلى مساءلتهم بل كان يفعله الله سبحانه لا محالة رَبَّنا وَ أَدْخِلْهُمْ مع قبول توبتهم و وقايتهم النار جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ على ألسن أنبيائك وَ مَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَ أَزْواجِهِمْ وَ ذُرِّيَّاتِهِمْ ليكمل أنسهم و يتم سرورهم إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ القادر على ما تشاء الْحَكِيمُ في أفعالك وَ قِهِمُ السَّيِّئاتِ أي و قهم عذاب السيئات و يجوز أن يكون العذاب هو السيئات و سماه السيئات اتساعا كما قال وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها وَ مَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ أي و من تصرف عنه شر معاصيه فتفضلت عليه يوم القيامة بإسقاط عقابها فقد أنعمت عليه وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ أي الظفر بالبغية و الفلاح العظيم انتهى. وَ أَقُولُ - رَوَى الصَّدُوقُ فِي الْعُيُونِ عَنِ الرِّضَا عليه السلام فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَخُدَّامُنَا وَ خُدَّامُ مُحِبِّينَا يَا عَلِيُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ... وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِوَلَايَتِنَا . - وَ فِي الْكَافِي بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ رَفَعَهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَعْطَى التَّائِبِينَ ثَلَاثَ خِصَالٍ لَوْ أَعْطَى خَصْلَةً مِنْهَا جَمِيعَ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ لَنَجَوْا بِهَا. قَوْلُهُ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَ مَنْ حَوْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ قد مر تفسيره في باب فضل الإيمان.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٥ - الصفحة ٢. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بحار الأنوار - ج ٦٥ - الصفحة ٣٥. — الإمام الصادق عليه السلام
فر، تفسير فرات بن إبراهيم عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيِّ مُعَنْعَناً عَنْ خَيْثَمَةَ الْجُعْفِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فَقَالَ
بحار الأنوار - ج ٦٥ - الصفحة ١٢٤. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
ف، تحف العقول دَخَلَ عَلَى الصَّادِقِ عليه السلام رَجُلٌ فَقَالَ
لَهُ مِمَّنِ الرَّجُلُ فَقَالَ مِنْ مُحِبِّيكُمْ وَ مَوَالِيكُمْ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ لَا يُحِبُّ اللَّهُ عَبْداً حَتَّى يَتَوَلَّاهُ وَ لَا يَتَوَلَّاهُ حَتَّى يُوجِبَ لَهُ الْجَنَّةَ ثُمَّ قَالَ لَهُ مِنْ أَيِّ مُحِبِّينَا أَنْتَ فَسَكَتَ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ سَدِيرٌ وَ كَمْ مُحِبُّوكُمْ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ طَبَقَةٌ أَحَبُّونَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَ لَمْ يُحِبُّونَا فِي السِّرِّ وَ طَبَقَةٌ يُحِبُّونَنَا فِي السِّرِّ وَ لَمْ يُحِبُّونَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَ طَبَقَةٌ يُحِبُّونَنَا فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ هُمُ النَّمَطُ الْأَعْلَى شَرِبُوا مِنَ الْعَذْبِ الْفُرَاتِ وَ عَلِمُوا تَأْوِيلَ الْكِتَابِ وَ فَصْلَ الْخِطَابِ وَ سَبَبَ الْأَسْبَابِ فَهُمُ النَّمَطُ الْأَعْلَى الْفَقْرُ وَ الْفَاقَةُ وَ أَنْوَاعُ الْبَلَاءِ أَسْرَعُ إِلَيْهِمْ مِنْ رَكْضِ الْخَيْلِ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا وَ فُتِنُوا فَمِنْ بَيْنِ مَجْرُوحٍ وَ مَذْبُوحٍ مُتَفَرِّقِينَ فِي كُلِّ بِلَادٍ قَاصِيَةٍ بِهِمْ يَشْفِي اللَّهُ السَّقِيمَ وَ يُغْنِي الْعَدِيمَ وَ بِهِمْ تُنْصَرُونَ وَ بِهِمْ تُمْطَرُونَ وَ بِهِمْ تُرْزَقُونَ وَ هُمُ الْأَقَلُّونَ عَدَداً الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْراً وَ خَطَراً وَ الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ النَّمَطُ الْأَسْفَلُ أَحَبُّونَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَ سَارُوا بِسِيرَةِ الْمُلُوكِ فَأَلْسِنَتُهُمْ مَعَنَا وَ سُيُوفُهُمْ عَلَيْنَا وَ الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ النَّمَطُ الْأَوْسَطُ أَحَبُّونَا فِي السِّرِّ وَ لَمْ يُحِبُّونَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَ لَعَمْرِي لَئِنْ كَانُوا أَحَبُّونَا فِي السِّرِّ دُونَ الْعَلَانِيَةِ فَهُمُ الصَّوَّامُونَ بِالنَّهَارِ الْقَوَّامُونَ بِاللَّيْلِ تَرَى أَثَرَ الرَّهْبَانِيَّةِ فِي وُجُوهِهِمْ أَهْلُ سِلْمٍ وَ انْقِيَادٍ قَالَ الرَّجُلُ فَأَنَا مِنْ مُحِبِّيكُمْ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ قَالَ جَعْفَرٌ عليه السلام إِنَّ لِمُحِبِّينَا فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا قَالَ الرَّجُلُ وَ مَا تِلْكَ الْعَلَامَاتُ قَالَ تِلْكَ خِلَالٌ أَوَّلُهَا أَنَّهُمْ عَرَفُوا التَّوْحِيدَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَ أَحْكَمُوا عِلْمَ تَوْحِيدِهِ وَ الْإِيمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا هُوَ وَ مَا صِفَتُهُ ثُمَّ عَلِمُوا حُدُودَ الْإِيمَانِ وَ حَقَائِقَهُ وَ شُرُوطَهُ وَ تَأْوِيلَهُ قَالَ سَدِيرٌ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا سَمِعْتُكَ تَصِفُ الْإِيمَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَالَ نَعَمْ يَا سَدِيرُ لَيْسَ لِلسَّائِلِ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْإِيمَانِ مَا هُوَ حَتَّى يَعْلَمَ الْإِيمَانَ بِمَنْ قَالَ سَدِيرٌ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُفَسِّرَ مَا قُلْتَ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ بِتَوَهُّمِ الْقُلُوبِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ بِالاسْمِ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ أَقَرَّ بِالطَّعْنِ لِأَنَّ الِاسْمَ مُحْدَثٌ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ الِاسْمَ وَ الْمَعْنَى فَقَدْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكاً وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ الْمَعْنَى بِالصِّفَةِ لَا بِالْإِدْرَاكِ فَقَدْ أَحَالَ عَلَى غَائِبٍ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ الصِّفَةَ وَ الْمَوْصُوفَ فَقَدْ أَبْطَلَ التَّوْحِيدَ لِأَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُضِيفُ الْمَوْصُوفَ إِلَى الصِّفَةِ فَقَدْ صَغَّرَ الْكَبِيرَ وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ قِيلَ لَهُ فَكَيْفَ سَبِيلُ التَّوْحِيدِ قَالَ بَابُ الْبَحْثِ مُمْكِنٌ وَ طَلَبُ الْمَخْرَجِ مَوْجُودٌ إِنَّ مَعْرِفَةَ عَيْنِ الشَّاهِدِ قَبْلَ صِفَتِهِ وَ مَعْرِفَةَ صِفَةِ الْغَائِبِ قَبْلَ عَيْنِهِ قِيلَ وَ كَيْفَ تُعْرَفُ عَيْنُ الشَّاهِدِ قَبْلَ صِفَتِهِ قَالَ تَعْرِفُهُ وَ تَعْلَمُ عِلْمَهُ وَ تَعْرِفُ نَفْسَكَ بِهِ وَ لَا تَعْرِفُ نَفْسَكَ بِنَفْسِكَ مِنْ نَفْسِكَ وَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا فِيهِ لَهُ وَ بِهِ كَمَا قَالُوا لِيُوسُفَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي فَعَرَفُوهُ بِهِ وَ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِغَيْرِهِ وَ لَا أَثْبَتُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِتَوَهُّمِ الْقُلُوبِ أَ مَا تَرَى اللَّهَ يَقُولُ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها يَقُولُ لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَنْصِبُوا إِمَاماً مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِكُمْ تُسَمُّونَهُ مُحِقّاً بِهَوَى أَنْفُسِكُمْ وَ إِرَادَتِكُمْ ثُمَّ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام ثَلَاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مَنْ أَنْبَتَ شَجَرَةً لَمْ يُنْبِتْهُ اللَّهُ يَعْنِي مَنْ نَصَبَ إِمَاماً لَمْ يَنْصِبْهُ اللَّهُ أَوْ جَحَدَ مَنْ نَصَبَهُ اللَّهُ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِهَذَيْنِ سَهْماً فِي الْإِسْلَامِ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ . صفة الإيمان قال عليه السلام معنى الإيمان الإقرار و الخضوع لله بذلك الإقرار و التقرب إليه به و الأداء له بعلم كل مفروض من صغير أو كبير من حد التوحيد فما دونه إلى آخر باب من أبواب الطاعة أولا فأولا مقرون ذلك كله بعضه إلى بعض موصول بعضه ببعض فإذا أدى العبد ما فرض عليه مما وصل إليه على صفة ما وصفناه فهو مؤمن مستحق لصفة الإيمان مستوجب للثواب و ذلك أن معنى جملة الإيمان الإقرار و معنى الإقرار التصديق بالطاعة فلذلك ثبت أن الطاعة كلها صغيرها و كبيرها مقرونة بعضها إلى بعض فلا يخرج المؤمن من صفة الإيمان إلا بترك ما استحق أن يكون به مؤمنا و إنما استوجب و استحق اسم الإيمان و معناه بأداء كبار الفرائض موصولة و ترك كبار المعاصي و اجتنابها و إن ترك صغار الطاعة و ارتكب صغار المعاصي فليس بخارج من الإيمان و لا تارك له ما لم يترك شيئا من كبار الطاعة و لم يرتكب شيئا من كبار المعاصي فما لم يفعل ذلك فهو مؤمن لقول الله إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً يعني المغفرة ما دون الكبائر فإن هو ارتكب كبيرة من كبائر المعاصي كان مأخوذا بجميع المعاصي صغارها و كبارها معاقبا عليها معذبا بها فهذه صفة الإيمان و صفة المؤمن المستوجب للثواب. صفة الإسلام و أما معنى الإسلام فهو الإقرار بجميع الطاعة الظاهر الحكم و الأداء له فإذا أقر المقر بجميع الطاعة في الظاهر من غير العقد عليه بالقلوب فقد استحق اسم الإسلام و معناه و استوجب الولاية الظاهرة و إجازة شهادته و المواريث و صار له ما للمسلمين و عليه ما على المسلمين فهذه صفة الإسلام و فرق ما بين المسلم و المؤمن أن المسلم إنما يكون مؤمنا بأن يكون مطيعا في الباطن مع ما هو عليه في الظاهر فإذا فعل ذلك بالظاهر كان مسلما و إذا فعل ذلك بالظاهر و الباطن بخضوع و تقرب بعلم كان مؤمنا فقد يكون العبد مسلما و لا يكون مؤمنا و لا يكون مؤمنا إلا و هو مسلم. صفة الخروج من الإيمان و قد يخرج من الإيمان بخمس جهات من الفعل كلها متشابهات معروفات الكفر و الشرك و الضلال و الفسق و ركوب الكبائر فمعنى الكفر كل معصية عصي الله بها بجهة الجحد و الإنكار و الاستخفاف و التهاون في كل ما دق و جل و فاعله كافر و معناه معنى كفر من أي ملة كان و من أي فرقة كان بعد أن تكون منه معصية بهذه الصفات فهو كافر. و معنى الشرك كل معصية عصي الله بها بالتدين فهو مشرك صغيرة كانت المعصية أو كبيرة ففاعلها مشرك. و معنى الضلال الجهل بالمفروض و هو أن يترك كبيرة من كبائر الطاعة التي لا يستحق العبد الإيمان إلا بها بعد ورود البيان فيها و الاحتجاج بها فيكون التارك لها تاركا بغير جهة الإنكار و التدين بإنكارها و جحودها و لكن يكون تاركا على جهة التواني و الإغفال و الاشتغال بغيرها فهو ضال متنكب طريق الإيمان جاهل به خارج منه مستوجب لاسم الضلالة و معناها ما دام بصفته التي وصفناه بها. فإن كان هو الذي مال بهواه إلى وجه من وجوه المعصية بجهة الجحود و الاستخفاف و التهاون كفر و إن هو مال بهواه إلى التدين بجهة التأويل و التقليد و التسليم و الرضا بقول الآباء و الأسلاف فقد أشرك و قل ما يلبث الإنسان على ضلالة حتى يميل بهواه إلى بعض ما وصفناه من صفته. و معنى الفسق فكل معصية من المعاصي الكبار فعلها فاعل أو دخل فيها داخل بجهة اللذة و الشهوة و الشوق الغالب فهو فسق و فاعله فاسق خارج من الإيمان بجهة الفسق فإن دام في ذلك حتى يدخل في حد التهاون و الاستخفاف فقد وجب أن يكون بتهاونه و استخفافه كافرا. و معنى راكب الكبائر التي بها يكون فساد إيمانه فهو أن يكون منهمكا على كبائر المعاصي بغير الجحود و لا التدين و لا لذة و لا شهوة و لكن من جهة الحمية و الغضب يكثر القرف و السب و القتل و أخذ الأموال و حبس الحقوق و غير ذلك من المعاصي الكبائر التي يأتيها صاحبها بغير جهة اللذة و من ذلك الأيمان الكاذبة و أخذ الربا و غير ذلك التي يأتيها من أتاها بغير استلذاذ الخمر و الزنا و اللهو ففاعل هذه الأفعال كلها مفسد للإيمان خارج منه من جهة ركوبه الكبيرة على هذه الجهة غير مشرك و لا كافر و لا ضال جاهل على ما وصفناه من جهة الجهالة فإن هو مال بهواه إلى أنواع ما وصفناه من حد الفاعلين كان من صفاته.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٥ - الصفحة ٢٧٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
ف، تحف العقول دَخَلَ عَلَى الصَّادِقِ عليه السلام رَجُلٌ فَقَالَ
لَهُ مِمَّنِ الرَّجُلُ فَقَالَ مِنْ مُحِبِّيكُمْ وَ مَوَالِيكُمْ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ لَا يُحِبُّ اللَّهُ عَبْداً حَتَّى يَتَوَلَّاهُ وَ لَا يَتَوَلَّاهُ حَتَّى يُوجِبَ لَهُ الْجَنَّةَ ثُمَّ قَالَ لَهُ مِنْ أَيِّ مُحِبِّينَا أَنْتَ فَسَكَتَ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ سَدِيرٌ وَ كَمْ مُحِبُّوكُمْ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ طَبَقَةٌ أَحَبُّونَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَ لَمْ يُحِبُّونَا فِي السِّرِّ وَ طَبَقَةٌ يُحِبُّونَنَا فِي السِّرِّ وَ لَمْ يُحِبُّونَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَ طَبَقَةٌ يُحِبُّونَنَا فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ هُمُ النَّمَطُ الْأَعْلَى شَرِبُوا مِنَ الْعَذْبِ الْفُرَاتِ وَ عَلِمُوا تَأْوِيلَ الْكِتَابِ وَ فَصْلَ الْخِطَابِ وَ سَبَبَ الْأَسْبَابِ فَهُمُ النَّمَطُ الْأَعْلَى الْفَقْرُ وَ الْفَاقَةُ وَ أَنْوَاعُ الْبَلَاءِ أَسْرَعُ إِلَيْهِمْ مِنْ رَكْضِ الْخَيْلِ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَ الضَّرَّاءُ وَ زُلْزِلُوا وَ فُتِنُوا فَمِنْ بَيْنِ مَجْرُوحٍ وَ مَذْبُوحٍ مُتَفَرِّقِينَ فِي كُلِّ بِلَادٍ قَاصِيَةٍ بِهِمْ يَشْفِي اللَّهُ السَّقِيمَ وَ يُغْنِي الْعَدِيمَ وَ بِهِمْ تُنْصَرُونَ وَ بِهِمْ تُمْطَرُونَ وَ بِهِمْ تُرْزَقُونَ وَ هُمُ الْأَقَلُّونَ عَدَداً الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللَّهِ قَدْراً وَ خَطَراً وَ الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ النَّمَطُ الْأَسْفَلُ أَحَبُّونَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَ سَارُوا بِسِيرَةِ الْمُلُوكِ فَأَلْسِنَتُهُمْ مَعَنَا وَ سُيُوفُهُمْ عَلَيْنَا وَ الطَّبَقَةُ الثَّالِثَةُ النَّمَطُ الْأَوْسَطُ أَحَبُّونَا فِي السِّرِّ وَ لَمْ يُحِبُّونَا فِي الْعَلَانِيَةِ وَ لَعَمْرِي لَئِنْ كَانُوا أَحَبُّونَا فِي السِّرِّ دُونَ الْعَلَانِيَةِ فَهُمُ الصَّوَّامُونَ بِالنَّهَارِ الْقَوَّامُونَ بِاللَّيْلِ تَرَى أَثَرَ الرَّهْبَانِيَّةِ فِي وُجُوهِهِمْ أَهْلُ سِلْمٍ وَ انْقِيَادٍ قَالَ الرَّجُلُ فَأَنَا مِنْ مُحِبِّيكُمْ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ قَالَ جَعْفَرٌ عليه السلام إِنَّ لِمُحِبِّينَا فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ عَلَامَاتٍ يُعْرَفُونَ بِهَا قَالَ الرَّجُلُ وَ مَا تِلْكَ الْعَلَامَاتُ قَالَ تِلْكَ خِلَالٌ أَوَّلُهَا أَنَّهُمْ عَرَفُوا التَّوْحِيدَ حَقَّ مَعْرِفَتِهِ وَ أَحْكَمُوا عِلْمَ تَوْحِيدِهِ وَ الْإِيمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا هُوَ وَ مَا صِفَتُهُ ثُمَّ عَلِمُوا حُدُودَ الْإِيمَانِ وَ حَقَائِقَهُ وَ شُرُوطَهُ وَ تَأْوِيلَهُ قَالَ سَدِيرٌ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا سَمِعْتُكَ تَصِفُ الْإِيمَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ قَالَ نَعَمْ يَا سَدِيرُ لَيْسَ لِلسَّائِلِ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ الْإِيمَانِ مَا هُوَ حَتَّى يَعْلَمَ الْإِيمَانَ بِمَنْ قَالَ سَدِيرٌ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُفَسِّرَ مَا قُلْتَ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ بِتَوَهُّمِ الْقُلُوبِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْرِفُ اللَّهَ بِالاسْمِ دُونَ الْمَعْنَى فَقَدْ أَقَرَّ بِالطَّعْنِ لِأَنَّ الِاسْمَ مُحْدَثٌ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ الِاسْمَ وَ الْمَعْنَى فَقَدْ جَعَلَ مَعَ اللَّهِ شَرِيكاً وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ الْمَعْنَى بِالصِّفَةِ لَا بِالْإِدْرَاكِ فَقَدْ أَحَالَ عَلَى غَائِبٍ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَعْبُدُ الصِّفَةَ وَ الْمَوْصُوفَ فَقَدْ أَبْطَلَ التَّوْحِيدَ لِأَنَّ الصِّفَةَ غَيْرُ الْمَوْصُوفِ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُضِيفُ الْمَوْصُوفَ إِلَى الصِّفَةِ فَقَدْ صَغَّرَ الْكَبِيرَ وَ ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ قِيلَ لَهُ فَكَيْفَ سَبِيلُ التَّوْحِيدِ قَالَ بَابُ الْبَحْثِ مُمْكِنٌ وَ طَلَبُ الْمَخْرَجِ مَوْجُودٌ إِنَّ مَعْرِفَةَ عَيْنِ الشَّاهِدِ قَبْلَ صِفَتِهِ وَ مَعْرِفَةَ صِفَةِ الْغَائِبِ قَبْلَ عَيْنِهِ قِيلَ وَ كَيْفَ تُعْرَفُ عَيْنُ الشَّاهِدِ قَبْلَ صِفَتِهِ قَالَ تَعْرِفُهُ وَ تَعْلَمُ عِلْمَهُ وَ تَعْرِفُ نَفْسَكَ بِهِ وَ لَا تَعْرِفُ نَفْسَكَ بِنَفْسِكَ مِنْ نَفْسِكَ وَ تَعْلَمُ أَنَّ مَا فِيهِ لَهُ وَ بِهِ كَمَا قَالُوا لِيُوسُفَ إِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قالَ أَنَا يُوسُفُ وَ هذا أَخِي فَعَرَفُوهُ بِهِ وَ لَمْ يَعْرِفُوهُ بِغَيْرِهِ وَ لَا أَثْبَتُوهُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ بِتَوَهُّمِ الْقُلُوبِ أَ مَا تَرَى اللَّهَ يَقُولُ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها يَقُولُ لَيْسَ لَكُمْ أَنْ تَنْصِبُوا إِمَاماً مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِكُمْ تُسَمُّونَهُ مُحِقّاً بِهَوَى أَنْفُسِكُمْ وَ إِرَادَتِكُمْ ثُمَّ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام ثَلَاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ مَنْ أَنْبَتَ شَجَرَةً لَمْ يُنْبِتْهُ اللَّهُ يَعْنِي مَنْ نَصَبَ إِمَاماً لَمْ يَنْصِبْهُ اللَّهُ أَوْ جَحَدَ مَنْ نَصَبَهُ اللَّهُ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ لِهَذَيْنِ سَهْماً فِي الْإِسْلَامِ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ. صفة الإيمان قال عليه السلام معنى الإيمان الإقرار و الخضوع لله بذلك الإقرار و التقرب إليه به و الأداء له بعلم كل مفروض من صغير أو كبير من حد التوحيد فما دونه إلى آخر باب من أبواب الطاعة أولا فأولا مقرون ذلك كله بعضه إلى بعض موصول بعضه ببعض فإذا أدى العبد ما فرض عليه مما وصل إليه على صفة ما وصفناه فهو مؤمن مستحق لصفة الإيمان مستوجب للثواب و ذلك أن معنى جملة الإيمان الإقرار و معنى الإقرار التصديق بالطاعة فلذلك ثبت أن الطاعة كلها صغيرها و كبيرها مقرونة بعضها إلى بعض فلا يخرج المؤمن من صفة الإيمان إلا بترك ما استحق أن يكون به مؤمنا و إنما استوجب و استحق اسم الإيمان و معناه بأداء كبار الفرائض موصولة و ترك كبار المعاصي و اجتنابها و إن ترك صغار الطاعة و ارتكب صغار المعاصي فليس بخارج من الإيمان و لا تارك له ما لم يترك شيئا من كبار الطاعة و لم يرتكب شيئا من كبار المعاصي فما لم يفعل ذلك فهو مؤمن لقول الله إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً يعني المغفرة ما دون الكبائر فإن هو ارتكب كبيرة من كبائر المعاصي كان مأخوذا بجميع المعاصي صغارها و كبارها معاقبا عليها معذبا بها فهذه صفة الإيمان و صفة المؤمن المستوجب للثواب. صفة الإسلام و أما معنى الإسلام فهو الإقرار بجميع الطاعة الظاهر الحكم و الأداء له فإذا أقر المقر بجميع الطاعة في الظاهر من غير العقد عليه بالقلوب فقد استحق اسم الإسلام و معناه و استوجب الولاية الظاهرة و إجازة شهادته و المواريث و صار له ما للمسلمين و عليه ما على المسلمين فهذه صفة الإسلام و فرق ما بين المسلم و المؤمن أن المسلم إنما يكون مؤمنا بأن يكون مطيعا في الباطن مع ما هو عليه في الظاهر فإذا فعل ذلك بالظاهر كان مسلما و إذا فعل ذلك بالظاهر و الباطن بخضوع و تقرب بعلم كان مؤمنا فقد يكون العبد مسلما و لا يكون مؤمنا و لا يكون مؤمنا إلا و هو مسلم. صفة الخروج من الإيمان و قد يخرج من الإيمان بخمس جهات من الفعل كلها متشابهات معروفات الكفر و الشرك و الضلال و الفسق و ركوب الكبائر فمعنى الكفر كل معصية عصي الله بها بجهة الجحد و الإنكار و الاستخفاف و التهاون في كل ما دق و جل و فاعله كافر و معناه معنى كفر من أي ملة كان و من أي فرقة كان بعد أن تكون منه معصية بهذه الصفات فهو كافر. و معنى الشرك كل معصية عصي الله بها بالتدين فهو مشرك صغيرة كانت المعصية أو كبيرة ففاعلها مشرك. و معنى الضلال الجهل بالمفروض و هو أن يترك كبيرة من كبائر الطاعة التي لا يستحق العبد الإيمان إلا بها بعد ورود البيان فيها و الاحتجاج بها فيكون التارك لها تاركا بغير جهة الإنكار و التدين بإنكارها و جحودها و لكن يكون تاركا على جهة التواني و الإغفال و الاشتغال بغيرها فهو ضال متنكب طريق الإيمان جاهل به خارج منه مستوجب لاسم الضلالة و معناها ما دام بصفته التي وصفناه بها. فإن كان هو الذي مال بهواه إلى وجه من وجوه المعصية بجهة الجحود و الاستخفاف و التهاون كفر و إن هو مال بهواه إلى التدين بجهة التأويل و التقليد و التسليم و الرضا بقول الآباء و الأسلاف فقد أشرك و قل ما يلبث الإنسان على ضلالة حتى يميل بهواه إلى بعض ما وصفناه من صفته. و معنى الفسق فكل معصية من المعاصي الكبار فعلها فاعل أو دخل فيها داخل بجهة اللذة و الشهوة و الشوق الغالب فهو فسق و فاعله فاسق خارج من الإيمان بجهة الفسق فإن دام في ذلك حتى يدخل في حد التهاون و الاستخفاف فقد وجب أن يكون بتهاونه و استخفافه كافرا. و معنى راكب الكبائر التي بها يكون فساد إيمانه فهو أن يكون منهمكا على كبائر المعاصي بغير الجحود و لا التدين و لا لذة و لا شهوة و لكن من جهة الحمية و الغضب يكثر القرف و السب و القتل و أخذ الأموال و حبس الحقوق و غير ذلك من المعاصي الكبائر التي يأتيها صاحبها بغير جهة اللذة و من ذلك الأيمان الكاذبة و أخذ الربا و غير ذلك التي يأتيها من أتاها بغير استلذاذ الخمر و الزنا و اللهو ففاعل هذه الأفعال كلها مفسد للإيمان خارج منه من جهة ركوبه الكبيرة على هذه الجهة غير مشرك و لا كافر و لا ضال جاهل على ما وصفناه من جهة الجهالة فإن هو مال بهواه إلى أنواع ما وصفناه من حد الفاعلين كان من صفاته. بيان حتى يتولاه أي يتولى الله و يطيعه أو يتولاه الله و في القاموس النمط محركة ضرب من البسط و الطريقة و النوع من الشيء و جماعة أمرهم واحد قوله عليه السلام من العذب الفرات أي من العلم الصافي من الشك و الشبهة و المراد بالعديم عادم المال أي الفقير بما هو و ما صفته أي التوحيد بتوهم القلوب أي بعقله فقط بدون معلم ينتهي علمه إلى الوحي و الإلهام أو بما تتوهمه الأوهام من الجسم و الصورة و المكان و أشباه ذلك فقد أقر بالطعن أي في الله و في ربوبيته لأنه جعله حادثا قوله عليه السلام بالصفة لا بالإدراك كأنه إشارة إلى نفي ما يقوله القائلون بالاشتراك اللفظي أي بأن يصفه بشيء لا يدرك معناه فقد أحال على غائب أي على شيء غاب عن ذهنه و لم يدركه بوجه أنه يعبد الصفة و الموصوف أي ذاتا موصوفة بصفات زائدة موجودة بأن يعبدهما معا و من زعم أنه يضيف الموصوف هو أن يقول بالصفات الزائدة لكن لم يعبد الصفات مع الذات بل الذات الموصوفة بها فهو و إن لم يشرك بالعبادة لكن صغر الكبير حيث جعل ذاته سبحانه محتاجة في كمالها أي غيرها و هي الصفات و كل محتاج ممكن. باب البحث ممكن أي طريق التفحص عن التوحيد ممكن و طلب المخرج عن الشبهات حاصل و الحاصل أن الله تعالى نصب لكم حجة يمكنكم أن تعرفوه و تتعلموا منه التوحيد ثم قال عليه السلام معرفة عين الحاضر قبل معرفة صفاته كما أن زيدا تراه أولا ثم تعرف أنه عالم أو جاهل و نسبه و سائر أحواله و معرفة صفة الغائب قبل عينه لأنه إنما يعرف بالصفات و يحتمل أن يكون المراد أن الإمام الذي يؤخذ منه التوحيد إن كان حاضرا يعرف عينه أولا ثم يعرف استحقاقه للإمامة بالدلائل و المعجزات و العلامات و الغائب بالعكس و يحتمل أن يراد بالشاهد الممكنات و المخلوقات و بالغائب الخالق. ثم سئل عليه السلام كيف تعرف عين الشاهد قبل صفته أي كيف يعرف عينه و صفاته قال تعرفه بالصفات التي تكون في الإمام و تعلم علمه أي تأخذ عنه العلم حتى إنك تعرف نفسك و صفاتها به و الحال أنك لا تعرف نفسك التي هي أقرب الأشياء منك بنفسك من قبل نفسك و هو يعرفك إياها أو المعنى تعلم كونه عالما بالسؤال عن غوامض العلوم و أنواعها و يعرف ما في نفسك أي يخبرك بما في قلبك و بما أنت غافل عنه من صفات نفسك و على الأول فيه إيماء إلى أنه إذا لم تعرف نفسك إلا ببيان الإمام و هي أقرب الأشياء منك تتوقع أن تعرف ربك بعقلك و تعلم أن ما فيه أي ما يدعيه من الإمامة له و به أي حاصلة له و مختصة به. ثم استشهد عليه السلام لكون معرفة عين الشاهد قبل صفته بقصة يوسف و إخوته حيث عرفوا ذاته أولا بالمشاهدة ثم عرفوا صفته و أنه أخوهم بما شاهدوا منه و سمعوا فعرفوا صفته أيضا بذاته كذلك الإمام تعرف صفته من ذاته و بما يسمع و يرى منه من علومه و معجزاته قوله عليه السلام و لا أثبتوه من أنفسهم بتوهم القلوب أي كما يعرف الأمور الغائبة بالدلائل العقلية أو النقلية. ثم أكد عليه السلام ما أومأ إليه سابقا من أن الإمام لا بد من أن يكون معروفا بصفات خاصة لا توجد في غيره و إن الإمامة لا تكون باختيار الأمة صرح بذلك بتأويل قوله تعالى ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَها بأن المراد بالشجر الإمام كما ورد في قوله تعالى و مثل شجرة طَيِّبَةً إن المراد بها شجرة النبوة و الإمامة و بإنباتها نصبه إماما بهوى أنفسهم و كأنه إشارة إلى أنه إذا لم يكن لهم القدرة و الاختيار في إنبات شجرة خلقها الله لمصلحة دينه من الأمور الدنيوية كيف يفوض إليهم و يمكنهم من نصب الإمام الذي هو مناط نظام العالم و علة خلقه و بقائه و به تناط مصالح الدين و الدنيا قوله و من زعم يدل على أن القول بعدم كفر المخالف كفر أو قريب منه و في الخبر فوائد جليلة ستعرف تفصيلها فيما سيأتي و تنتفع بها بعد التأمل فيها سيأتي و تنتفع بها بعد التأمل فيها في حل الأخبار الآتية.
بحار الأنوار - ج ٦٥ - الصفحة ٢٧٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
من الباطل إلى الحق أو الموافقة لملة إبراهيم عليه السلام قال
في النهاية الحنيف عند العرب من كان على دين إبراهيم و أصل الحنف الميل و منه الحديث بعثت بالحنيفية السمحة السهلة و في القاموس السمحة الملة التي ما فيها ضيق. و في النهاية فيه لا رهبانية في الإسلام و هي من رهبنة النصارى و أصله من الرهبة الخوف كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا و ترك ملاذها و الزهد فيها و العزلة عن أهلها و تعمد مشاقها حتى أن منهم من كان يخصي نفسه و يضع السلسلة في عنقه و غير ذلك من أنواع التعذيب فنفاها النبي ص عن الإسلام و نهى المسلمين عنها انتهى. و قال الطبرسي قدس سره في قوله تعالى وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها هي الخصلة من العبادة يظهر فيها معنى الرهبة إما في لبسه أو انفراد عن الجماعة أو غير ذلك من الأمور التي يظهر فيها نسك صاحبه و المعنى ابتدعوا رهبانية لم نكتبها عليهم و قيل إن الرهبانية التي ابتدعوها هي رفض النساء و اتخاذ الصوامع عن قتادة قال و تقديره و رهبانية ما كتبناها عليهم إلا أنهم ابتدعوها ابتغاء رضوان الله فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها و قيل إن الرهبانية التي ابتدعوها لحاقهم بالبراري و الجبال في خبر مرفوع عن النبي ص فما رعوها الذين بعدهم حق رعايتهم و ذلك لتكذيبهم بمحمد ص عن ابن عباس و قيل إن الرهبانية هي الانقطاع عن الناس للانفراد بالعبادة ما كَتَبْناها أي ما فرضناها عَلَيْهِمْ و قال الزجاج إن تقديره ما كتبناها عليهم إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ و ابتغاء رضوان الله اتباع ما أمر الله فهذا وجه قال و فيها وجه آخر جاء في التفسير أنهم كانوا يرون من ملوكهم ما لا يصبرون عليه و فاتخذوا أسرابا و صوامع و ابتدعوا ذلك فلما ألزموا أنفسهم ذلك التطوع و دخلوا عليه لزمهم إتمامه كما أن الإنسان إذا جعل على نفسه صوما لم يفرض عليه لزمه أن يتمه. قال و قوله فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها على ضربين أحدهما أن يكونوا قصروا فيما ألزموه أنفسهم و الآخر و هو الأجود أن يكونوا حين بعث النبي ص فلم يؤمنوا به و كانوا تاركين لطاعة الله فما رعوها أي تلك الرهبانية حق رعايتها و دليل ذلك قوله فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ يعني الذين آمنوا بالنبي ص وَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ أي كافرون انتهى كلام الزجاج. وَ يَعْضُدُ هَذَا مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ص عَلَى حِمَارٍ فَقَالَ يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ هَلْ تَدْرِي مِنْ أَيْنَ أَحْدَثَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ الرَّهْبَانِيَّةَ فَقُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ ظَهَرَتْ عَلَيْهِمُ الْجَبَابِرَةُ بَعْدَ عِيسَى عليه السلام يَعْمَلُونَ بِمَعَاصِي اللَّهِ فَغَضِبَ أَهْلُ الْإِيمَانِ فَقَاتَلُوهُمْ فَهُزِمَ أَهْلُ الْإِيمَانِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ فَقَالُوا إِنْ ظَهَرَنَا هَؤُلَاءِ أَفْنَوْنَا وَ لَمْ يَبْقَ لِلدِّينِ أَحَدٌ يَدْعُو إِلَيْهِ فَتَعَالَوْا نَتَفَرَّقْ فِي الْأَرْضِ إِلَى أَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ الَّذِي وَعَدَنَا بِهِ عِيسَى عليه السلام يَعْنُونَ مُحَمَّداً ص فَتَفَرَّقُوا فِي غِيرَانِ الْجِبَالِ وَ أَحْدَثُوا رَهْبَانِيَّةً فَمِنْهُمْ مَنْ تَمَسَّكَ بِدِينِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ وَ رَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَى آخِرِهَا ثُمَّ قَالَ يَا ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ أَ تَدْرِي مَا رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي قُلْتُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ الْهِجْرَةُ وَ الْجِهَادُ وَ الصَّلَاةُ وَ الصَّوْمُ وَ الْحَجُّ وَ الْعُمْرَةُ. - وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ص قَالَ: مَنْ آمَنَ بِي وَ صَدَّقَنِي وَ اتَّبَعَنِي فَقَدْ رَعَاهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا وَ مَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِي فَأُولَئِكَ هُمُ الْهَالِكُونَ انْتَهَى. . و قال في النهاية فيه لا سياحة في الإسلام يقال ساح في الأرض يسيح سياحة إذا ذهب فيها و أصله من السيح و هو الماء الجاري المنبسط على الأرض أراد مفارقة الأمصار و سكنى البراري و ترك شهود الجمعة و الجماعات و قيل أراد الذين يسيحون في الأرض بالشر و النميمة و الإفساد بين الناس و من الأول الحديث سياحة هذه الأمة الصيام قيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدا يسيح و لا زاد معه و لا ماء فحين يجد يطعم و الصائم يمضي نهاره لا يأكل و لا يشرب شيئا فشبه به انتهى. قوله عليه السلام أحل فيها الطيبات إشارة إلى قوله تعالى في الأعراف الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ الآية قال الطبرسي قدس سره وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ معناه يبيح لهم المستلذات الحسنة و يحرم عليهم القبائح و ما تعافه الأنفس و قيل يحل لهم ما اكتسبوه من وجه طيب و يحرم عليهم ما اكتسبوه من وجه خبيث و قيل يحل لهم ما حرمه عليهم رهابينهم و أحبارهم و ما كان يحرمه أهل الجاهلية من البحائر و السوائب و غيرها و يحرم عليهم الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما ذكر معها وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ أي ثقلهم شبه ما كان على بني إسرائيل من التكليف الشديد بالثقل و ذلك أن الله سبحانه جعل توبتهم أن يقتل بعضهم بعضا و جعل توبة هذه الأمة الندم بالقلب حرمة للنبي ص عن الحسن و قيل الإصر هو العهد الذي كان الله سبحانه أخذه على بني إسرائيل أن يعملوا بما في التوراة عن ابن عباس و الضحاك و السدي و يجمع المعنيين قول الزجاج الإصر ما عقدته من عقد ثقيل وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ معناه و يضع عنهم العهود التي كانت في ذمتهم و جعل تلك العهود بمنزلة الأغلال التي تكون في الأعناق للزومها كما يقال هذا طوق في عنقك و قيل يريد بالأغلال ما امتحنوا به من قتل نفوسهم في التوبة و قرض ما يصيبه البول من أجسادهم و ما أشبه ذلك من تحريم السبت و تحريم العروق و الشحوم و قطع الأعضاء الخاطئة و وجوب القصاص دون الدية عن أكثر المفسرين انتهى. و أقول استدل أكثر أصحابنا على تحريم كثير من الأشياء مما تستقذره طباع أكثر الخلق بهذه الآية و هو مشكل إذ الظاهر من سياق الآية مدح النبي ص و شريعته بأن ما يحل لهم هو طيب واقعا و إن لم نفهم طيبه و ما يحرم عليهم هو الخبيث واقعا و إن لم نعلم خبثه كالطعام المستلذ الذي يكون من مال اليتيم أو مال السرقة تستلذه الطبع و هو خبيث واقعا و أكثر الأدوية التي يحتاج الناس إليها في غاية البشاعة و تستقذرها الطبع و لم أر قائلا بتحريمها فالحمل على المعنى الذي لا يحتاج إلى تخصيص و يكون موافقا لقواعد الإمامية من الحسن و القبح العقليين أولى من الحمل على معنى لا بد فيه من تخصيصات كثيرة بل ما يخرج منهما أكثر مما يدخل فيهما كما لا يخفى على من تتبع مواردهما. و يمكن أن يقال هذه الآية كالصريحة في الحسن و القبح العقليين و لم يستدل بها الأصحاب رضي الله عنهم و قيل الإصر الثقل الذي يأصر حامله أي يحبسه في مكانه لفرط ثقله و قال الزمخشري هو مثل لثقل تكليفهم و صعوبته نحو اشتراط قتل الأنفس في صحة توبتهم و كذلك الأغلال مثل لما كان في شرائعهم من الأشياء الشاقة نحو بت القضاء بالقصاص عمدا كان أو خطأ من غير شرع الدية و قطع الأعضاء الخاطئة و قرض موضع النجاسة من الجلد و الثوب و إحراق الغنائم و تحريم العروق في اللحم و تحريم السبت و عن عطا كانت بنو إسرائيل إذا قامت تصلي لبسوا المسوح و غلوا أيديهم إلى أعناقهم و ربما ثقب الرجل ترقوته و جعل فيها طرف السلسلة و أوثقها إلى السارية يحبس نفسه على العبادة انتهى. قوله عليه السلام ثم افترض عليه أي على نبينا ص فيها أي في الفطرة التي هي ملته و كان ثم للتفاوت في الرتبة و قيل المراد و بالحلال ما عدا الحرام فيشمل الأحكام الأربعة و المراد بالفرائض المواريث ذكرت تأكيدا أو مطلق الواجبات و قيل الفرائض ما له تقدير شرعي من المواريث و هي أعم منها و من غيرها مما ليس له تقدير و قيل المراد بالفرائض ما فرض من القصاص بقدر الجناية و قوله و زاده الوضوء يدل على عدم شرع الوضوء في الأمم السابقة و ينافيه ما ورد في تفسير قوله تعالى فَطَفِقَ مَسْحاً بِالسُّوقِ وَ الْأَعْناقِ أنهم مسحوا ساقهم و عنقهم و كان ذلك وضوءهم إلا أن يقال المراد زيادة الوضوء كما في بعض النسخ و زيادة الوضوء عطفا على الجهاد. قوله عليه السلام و فضله إشارة إلى ما روي - عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: أُعْطِيتُ مَكَانَ التَّوْرَاةِ السَّبْعَ الطُّوَلَ وَ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمَثَانِيَ وَ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمِئِينَ وَ فُضِّلْتُ بِالْمُفَصَّلِ. وَ فِي رِوَايَةِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَصْقَعِ وَ أُعْطِيتُ مَكَانَ الْإِنْجِيلِ الْمِئِينَ وَ مَكَانَ الزَّبُورِ الْمَثَانِيَ وَ أُعْطِيتُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ خَوَاتِيمَ الْبَقَرَةِ مِنْ تَحْتِ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَهَا نَبِيٌّ قَبْلِي وَ أَعْطَانِي رَبِّي الْمُفَصَّلَ نَافِلَةً. . قال الطبرسي روح الله روحه فالسبع الطول البقرة و آل عمران و النساء و المائدة و الأنعام و الأعراف و الأنفال مع التوبة لأنهما تدعيان القرينتين و لذلك لم يفصل بينهما بالبسملة و قيل إن السابعة سورة يونس و الطول جمع الطولى تأنيث الأطول و إنما سميت هذه السور الطول لأنها أطول سور القرآن و أما المثاني فهي السور التالية للسبع الطول أولها يونس و آخرها النحل و إنما سميت المثاني لأنها ثنت الطول أي تلتها و كان الطول هي المبادي و المثاني لها ثواني و واحدها مثنى مثل المعنى و المعاني و قال الفراء واحدها مثناة و قيل المثاني سور القرآن كلها طوالها و قصارها من قوله تعالى كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ و أما المئون فهي كل سورة تكون نحوا من مائة آية أو فويق ذلك أو دوينه و هي سبع سور أولها سورة بني إسرائيل و آخرها المؤمنون و قيل إن المئين ما ولي السبع الطول ثم المثاني بعدها و هي التي تقصر عن المئين و تزيد على المفصل و سميت المثاني لأن المئين مباد لها و أما المفصل فما بعد الحواميم من قصار السور إلى آخر القرآن سميت مفصلا لكثرة الفصول بين سورها ب بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ انتهى. و أقول اختلف في أول المفصل فقيل من سورة ق و قيل من سورة محمد ص و قيل من سورة الفتح و عن النووي مفصل القرآن من محمد إلى آخر القرآن و قصاره من الضحى إلى آخره و مطولاته إلى عم و متوسطاته إلى الضحى و في الخبر المفصل ثمان و ستون سورة و سيأتي تمام الكلام في ذلك في كتاب القرآن. و أحل له المغنم في النهاية الغنيمة و الغنم المغنم و الغنائم هو ما أصيب من أموال أهل الحرب و أوجف عليه المسلمون بالخيل و الركاب و قال الفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب و لا جهاد و أصل الفيء الرجوع يقال فاء يفيء فيئة و فيئا كأنه في الأصل لهم ثم رجع إليهم انتهى.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٥ - الصفحة ٣١٩. — غير محدد
إِنَّ أُنَاساً تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ الْآيَةَ فَالْمَنْسُوخَاتُ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ وَ الْمُحْكَمَاتُ مِنَ النَّاسِخَاتِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بَعَثَ نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَحْدَهُ وَ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ثُمَّ بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ صلوات الله عليهم عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ بَلَغُوا مُحَمَّداً ص فَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ قَالَ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ فَبَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ إِلَى قَوْمِهِمْ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ الْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَنْ آمَنَ مُخْلِصاً وَ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِذَلِكَ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ يُعَذِّبُ عَبْداً حَتَّى يُغَلِّظَ عَلَيْهِ فِي الْقَتْلِ وَ الْمَعَاصِي الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا النَّارَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا فَلَمَّا اسْتَجَابَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مَنِ اسْتَجَابَ لَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْهُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجاً وَ الشِّرْعَةُ وَ الْمِنْهَاجُ سَبِيلٌ وَ سُنَّةٌ وَ قَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ص إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَمَرَ كُلَّ نَبِيٍّ بِالْأَخْذِ بِالسَّبِيلِ وَ السُّنَّةِ وَ كَانَ مِنَ السَّبِيلِ وَ السُّنَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا مُوسَى عليه السلام أَنْ جَعَلَ عَلَيْهِمُ السَّبْتَ وَ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ السَّبْتِ وَ لَمْ يَسْتَحِلَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَ مَنِ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ وَ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّارَ وَ ذَلِكَ حَيْثُ اسْتَحَلُّوا الْحِيتَانَ وَ احْتَبَسُوهَا وَ أَكَلُوهَا يَوْمَ السَّبْتِ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَشْرَكُوا بِالرَّحْمَنِ وَ لَا شَكُّوا فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُوسَى عليه السلام قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى عليه السلام بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ الْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ جَعَلَ لَهُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجاً فَهَدَمَتِ السَّبْتَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ أَنْ يُعَظِّمُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَ عَامَّةَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ السَّبِيلِ وَ السُّنَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى فَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْ سَبِيلَ عِيسَى أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ وَ إِنْ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ جَمِيعاً أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُحَمَّداً ص وَ هُوَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ فَلَمْ يَمُتْ بِمَكَّةَ فِي تِلْكَ الْعَشْرِ سِنِينَ أَحَدٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِإِقْرَارِهِ وَ هُوَ إِيمَانُ التَّصْدِيقِ وَ لَمْ يُعَذِّبِ اللَّهُ أَحَداً مِمَّنْ مَاتَ وَ هُوَ مُتَّبِعٌ لِمُحَمَّدٍ ص عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَنْ أَشْرَكَ بِالرَّحْمَنِ وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَكَّةَ وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً أَدَبٌ وَ عِظَةٌ وَ تَعْلِيمٌ وَ نَهْيٌ خَفِيفٌ وَ لَمْ يَعِدْ عَلَيْهِ وَ لَمْ يَتَوَاعَدْ عَلَى اجْتِرَاحِ شَيْءٍ مِمَّا نَهَى عَنْهُ وَ أَنْزَلَ نَهْياً عَنْ أَشْيَاءَ حَذَّرَ عَلَيْهَا وَ لَمْ يُغَلِّظْ فِيهَا وَ لَمْ يَتَوَاعَدْ عَلَيْهَا وَ قَالَ وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً وَ أَنْزَلَ فِي وَ اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى فَهَذَا مُشْرِكٌ وَ أَنْزَلَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً وَ يَصْلى سَعِيراً إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلى فَهَذَا مُشْرِكٌ وَ أَنْزَلَ فِي تَبَارَكَ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَ قُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَهَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ وَ أَنْزَلَ فِي الْوَاقِعَةِ وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ فَهَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ وَ أَنْزَلَ فِي الْحَاقَّةِ وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَ لَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ إِلَى قَوْلِهِ إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ فَهَذَا مُشْرِكٌ وَ أَنْزَلَ فِي طسم وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ جُنُودُ إِبْلِيسَ ذُرِّيَّتُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَ قَوْلُهُ وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ هَؤُلَاءِ فَاتَّبَعُوهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ وَ هُمْ قَوْمُ مُحَمَّدٍ ص لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى أَحَدٌ وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ لَيْسَ هُمُ الْيَهُودُ الَّذِينَ قَالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ لَا النَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ سَيُدْخِلُ اللَّهُ الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى النَّارَ وَ يُدْخِلُ كُلَّ قَوْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ وَ قَوْلُهُمْ وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ إِذْ دَعَوْنَا إِلَى سَبِيلِهِمْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِمْ حِينَ جَمَعَهُمْ إِلَى النَّارِ قالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ وَ قَوْلُهُ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً بَرِئَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَ لَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً يُرِيدُ بَعْضُهُمْ أَنْ يُحَجِّجَ بَعْضاً رَجَاءَ الْفَلْجِ فَيُفْلِتُوا مِنْ عَظِيمِ مَا نَزَلَ بِهِمْ وَ لَيْسَ بِأَوَانِ بَلْوَى وَ لَا اخْتِبَارٍ وَ لَا قَبُولِ مَعْذِرَةٍ وَ لَا حِينَ نَجَاةٍ وَ الْآيَاتُ وَ أَشْبَاهُهُنَّ مِمَّا نَزَلَ بِهِ بِمَكَّةَ وَ لَا يُدْخِلُ اللَّهُ النَّارَ إِلَّا مُشْرِكاً فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ص فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَنَى الْإِسْلَامَ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ إِقَامِ الصَّلَاةِ وَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَ حِجِّ الْبَيْتِ وَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْحُدُودَ وَ قِسْمَةَ الْفَرَائِضِ وَ أَخْبَرَهُ بِالْمَعَاصِي الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا وَ بِهَا النَّارُ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا وَ أَنْزَلَ فِي بَيَانِ الْقَاتِلِ وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً وَ لَا يَلْعَنُ اللَّهُ مُؤْمِناً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً وَ كَيْفَ يَكُونُ فِي الْمَشِيَّةِ وَ قَدْ أَلْحَقَ بِهِ حِينَ جَزَاهُ جَهَنَّمَ الْغَضَبَ وَ اللَّعْنَةَ وَ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مَنِ الْمَلْعُونُونَ فِي كِتَابِهِ وَ أَنْزَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مَنْ أَكَلَهُ ظُلْماً إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً وَ ذَلِكَ أَنَّ آكِلَ مَالِ الْيَتِيمِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ النَّارُ تَلْتَهِبُ فِي بَطْنِهِ حَتَّى يَخْرُجَ لَهَبُ النَّارِ مِنْ فِيهِ يَعْرِفُ أَهْلُ الْجَمْعِ أَنَّهُ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَ أَنْزَلَ فِي الْكَيْلِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وَ لَمْ يَجْعَلِ الْوَيْلَ لِأَحَدٍ حَتَّى يُسَمِّيَهُ كَافِراً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ وَ أَنْزَلَ فِي الْعَهْدِ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَ الْخَلَاقُ النَّصِيبُ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْآخِرَةِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَ أَنْزَلَ بِالْمَدِينَةِ الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ الزَّانِيَ مُؤْمِناً وَ لَا الزَّانِيَةَ مُؤْمِنَةً وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَيْسَ يَمْتَرِي فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ خُلِعَ عَنْهُ الْإِيمَانُ كَخَلْعِ الْقَمِيصِ وَ أَنْزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَبَرَأَ اللَّهُ مَا كَانَ مُقِيماً عَلَى الْفِرْيَةِ مِنْ أَنْ يُسَمَّى بِالْإِيمَانِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ وَ جَعَلَهُ اللَّهُ مُنَافِقاً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ وَ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أَوْلِيَاءِ إِبْلِيسَ قَالَ إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وَ جَعَلَهُ اللَّهُ مَلْعُوناً فَقَالَ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَ لَيْسَتْ تَشْهَدُ الْجَوَارِحُ عَلَى مُؤْمِنٍ إِنَّمَا تَشْهَدُ عَلَى مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا وَ سُورَةُ النُّورِ أُنْزِلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَ السَّبِيلُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَ فَرَضْناها وَ أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قوله و ذلك أن تعليل لتكلمهم فيه بغير علم لأنهم تكلموا في متشابهه أيضا مع أنه لا يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم و المحكم في اللغة المتقن و في العرف يطلق على ما له معنى لا يحتمل غيره و على ما اتضحت دلالته و على ما كان محفوظا من النسخ أو التخصيص أو منهما جميعا و على ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا و المتشابه يقابله بكل من هذه المعاني و قال الراغب المحكم ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ و لا من حيث المعنى و المتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهة غيره إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى و قال الفقهاء المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده. و حقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب محكم على الإطلاق و متشابه على الإطلاق و محكم من وجه متشابه من وجه فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب متشابه من جهة اللفظ فقط و متشابه من جهة المعنى فقط و متشابه من جهتهما فالمتشابه من جهة اللفظ ضربان أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة و ذلك إما من جهة غرابته نحو الأب و يزفون و إما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد و العين و الثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب و ذلك ثلاثة أضرب ضرب لاختصار الكلام نحو وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ و ضرب لبسط الكلام نحو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لأنه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع و ضرب لنظم الكلام نحو أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً تقديره الكتاب قيما و لم يجعل له عوجا و المتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى و أوصاف القيامة فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا تحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما نحسه. و المتشابه من جهة المعنى و اللفظ جميعا خمسة أضرب الأول من جهة الكمية كالعموم و الخصوص نحو فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ و الثاني من جهة الكيفية كالوجوب و الندب نحو فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ و الثالث من جهة الزمان كالناسخ و المنسوخ نحو اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ و الرابع من جهة المكان و الأمور التي نزلت فيها نحو لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها و قوله عز و جل إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية و الخامس من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة و النكاح و هذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال المتشابه الم و قول قتادة المحكم الناسخ و المتشابه المنسوخ و قول الأصم المحكم ما أجمع على تأويله و المتشابه ما اختلف فيه. ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة و خروج دابة الأرض و كيفية الدابة و نحو ذلك و ضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة و الأحكام المغلقة و ضرب متردد بين الأمرين يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم و يخفى على من دونهم و هو الضرب المشار إليه بقوله ص في علي عليه السلام اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل و إذا عرفت هذه الجملة علم أن الوقوف على قوله إلا الله و وصله بقوله و الراسخون في العلم جائزان و أن لكل واحد منهما وجها حسب ما يدل عليه التفصيل المتقدم انتهى. قوله تعالى مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ قيل أي أحكمت عباراتها بأن حفظت عن الإجمال هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي أصله يرد إليها غيرها وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ قيل أي محتملات لا يتضح مقصودها إلا بالفحص و النظر ليظهر فيها فضل العلماء الربانيين في استنباط معانيها و ردها إلى المحكمات و ليتوصلوا بها إلى معرفة الله و توحيده و أقول بل ليعلموا عدم استقلالهم في علم القرآن و احتياجهم في تفسيره إلى الإمام المنصوب من قبل الله و هم الراسخون في العلم - وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُحْكَمِ وَ الْمُتَشَابِهِ فَقَالَ الْمُحْكَمُ مَا يُعْمَلُ بِهِ وَ الْمُتَشَابِهُ مَا اشْتَبَهَ عَلَى جَاهِلِهِ. - وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَ الْمُتَشَابِهُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً. - وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَأَمَّا الْمُحْكَمُ فَتُؤْمِنُ بِهِ وَ تَعْمَلُ بِهِ وَ تَدِينُ بِهِ وَ أَمَّا الْمُتَشَابِهُ فَتُؤْمِنُ بِهِ وَ لَا تَعْمَلُ بِهِ . . فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي ميل عن الحق كالمبتدعة فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك و التلبيس و مناقضة المحكم بالمتشابه - وَ فِي مَجْمَعِ الْبَيَانِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّ الْفِتْنَةَ هُنَا الْكُفْرُ. وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي و طلب أن يأولوه على ما يشتهونه وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ الذي يجب أن يحمل عليه إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ الذين تثبتوا و تمكثوا فيه. و أقول قد مر الكلام منا في تأويل هذه الآية في كتاب الإمامة في باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة عليهم السلام. قوله عليه السلام فالمنسوخات من المتشابهات كأن هذا الكلام تمهيد لما سيأتي من اختلاف الإيمان المأمور به في مكة قبل الهجرة و في المدينة بعدها و اختلاف التكاليف فيهما كما و كيفا ردا على من استدل ببعض الآيات على أن الإيمان نفس الاعتقاد بالتوحيد و النبوة فقط بلا مدخلية للأعمال أو الولاية فيه بأن تلك الآيات أكثرها نزلت في مكة و كان الإيمان فيها نفس الاعتقاد بالشهادتين أو التكلم بهما ثم نسخ ذلك في المدينة بعد وجوب الواجبات و تحريم المحرمات و نصب الوالي و الأمر بولايته و يحتمل أن لا يكون ذلك من قبيل النسخ و يكون ذكر النسخ لبيان عجزهم عن فهم معاني الآيات و خطائهم في الاستدلال بها كما أنهم لا يعرفون الناسخ من المنسوخ و يستدلون بالآيات المنسوخة على الأحكام مع عدم علمهم بنسخها و عد المنسوخات التي لا يعلم نسخها من المتشابهات فالمنسوخة أخص مطلقا من المتشابهة. و لما كان المحكم غير المتشابه و الناسخ غير المنسوخ و نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم غير الأسلوب في الفقرة الثانية فقال و المحكمات من الناسخات للإشارة إلى ذلك و تسمية غير المنسوخ مطلقا ناسخا إما على التوسع و إطلاق لفظ الجزء على الكل أو لكونها ناسخة للشرائع السالفة أو للإباحة الأصلية التي كانوا متمسكين بها قبلها و يمكن حمل الناسخ على معناه و حمل الكلام على القلب بأن يكون الناسخ أيضا أخص من المحكم و لا فساد فيه لعدم انحصار الآيات حينئذ في الناسخة و المنسوخة. 22 و قيل لما كان بعض المحكمات مقصور الحكم على الأزمنة السابقة منسوخا بآيات أخر و نسخها خافيا على أكثر الناس فيزعمون بقاء حكمها صارت متشابهة من هذه الجهة و لهذا قال عليه السلام فالمنسوخات من المتشابهات و في بعض النسخ من المشتبهات و إنما غير الأسلوب في أختها لأن المحكم أخص من الناسخ من وجه بخلاف المتشابه فإنه أعم من المنسوخ مطلقا انتهى و فيه أن كون المتشابه أعم من مطلق المنسوخ مطلقا لا وجه له إلا أن يخص بمنسوخ لم يعلم نسخه كما أومأنا إليه و قيل الظاهر أن الفاء للتفسير لزيادة تفظيع حالهم بأنهم يتبعون المنسوخات و المتشابهات دون المحكمات و الناسخات لأن المنسوخات من باب المتشابهات في التشابه إذ يشتبه عليهم ثباتها و بقاؤها و المحكمات من قبيل الناسخات في الثبات و البقاء فإذا اتبعوا المتشابهات اتبعوا المنسوخات لأنهما من باب واحد و إذا اتبعوا المنسوخات لم يتبعوا الناسخات و إذا لم يتبعوا الناسخات لم يتبعوا المحكمات لأنهما أيضا من باب واحد. قوله عليه السلام إن الله عز و جل بعث نوحا هذا شروع في المقصود و حاصله أن الإيمان في بداية بعثة كل رسول كان مجرد التصديق بالتوحيد و الرسالة و من مات عليه حينئذ كان مؤمنا و وجبت له الجنة فلما استجابوا لهم ذلك و كثرت أتباعهم وضعوا أعمالا و شرائع و أوجبوها عليهم و أوعدوا على تركها النار فصارت تلك الأعمال أجزاء للإيمان. فأول أولي العزم من الأنبياء كان نوحا عليه السلام فحين بعثه أمرهم أولا بالتوحيد و الإقرار بنبوته فقط و كان ذلك الإيمان حيث قال في سورة نوح إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي مخلصا من غير شرك وَ اتَّقُوهُ أي اتقوا عذابه الذي قرره على الشرك وَ أَطِيعُونِ فيما آمركم به و أذعنوا لنبوتي فلم يذكر فيما أنذرهم به إلا هذين الأمرين ثم دعاهم أي ثم بعد ذلك استمر على هذه الدعوة زمانا طويلا فكانت دعوته منحصرة في التوحيد و نفي الشريك و كان قبولهم ذلك منه مستلزما للإذعان بنبوته. ثم بعث الأنبياء أي ثم بعث سائر أولي العزم في أول بعثتهم على هذا الأمر فقط إلى أن انتهت سلسلة أولي العزم و سائر الأنبياء إلى محمد ص فكان ص في أول بعثته بمكة يدعوهم إلى التوحيد و ما يتبعه من الإقرار بالنبوة بل المعاد أيضا فإنه أيضا من الأمور التي نزلت الآيات المشتملة على التهديدات العظيمة فيها قبل الهجرة فالمراد جميع أصول الدين سوى الإمامة و ذكر التوحيد على المثال أو على أن الإقرار به مستلزم للإقرار بسائر الأصول و يؤيده قوله عليه السلام بعد ذلك الإقرار بما جاء به من عند الله. قوله عليه السلام و قال أي في سورة الشورى و هي مكية على ما ذكره المفسرون إلا قوله وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا وَ الَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ إلى قوله لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ عن الحسن و على قول ابن عباس و قتادة إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلى قوله لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ و على التقادير الآيات المذكورة مكية و الاستشهاد بالآية لأن الدين المشترك بين جميع الأنبياء هي الأصول الدينية التي لا تختلف باختلاف الشرائع مع أن قوله سبحانه كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ يشعر بأن الدين في ذلك الوقت كانت التوحيد و نفي الشرك مع الإقرار بالنبوة لقوله تعالى اللَّهُ يَجْتَبِي قال الطبرسي رحمه الله شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً أي بين لكم و نهج و أوضح من الدين و التوحيد و البراءة من الشرك ما وصى به نوحا وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي و هو الذي أوحينا إليك يا محمد وَ هو ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى ثم بين ذلك بقوله أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ و إقامة الدين التمسك به و العمل بموجبه و الدوام عليه و الدعاء إليه وَ لا تَتَفَرَّقُوا أي لا تختلفوا فِيهِ و ائتلفوا فيه و اتفقوا و كونوا عباد الله إخوانا كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من توحيد الله و الإخلاص له و رفض الأوثان و ترك دين الآباء لأنهم قالوا أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً و قيل معناه ثقل عليهم و عظم اختيارنا لك بما تدعوهم إليه و تخصيصك بالوحي و النبوة دونهم اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ أي ليس لهم الاختيار لأن الله يصطفي لرسالته من يشاء على حسب ما يعلم من قيامه بأعباء الرسالة و قيل. معناه الله يصطفي من عباده لدينه من يشاء وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ أي و يرشد إلى دينه من يقبل إلى طاعته أو يهدي إلى جنته و ثوابه من يرجع إليه بالنية و الإخلاص. قوله عليه السلام فمن آمن مخلصا أي بقلبه و لسانه دون لسانه فقط و لم يخلطه بشرك و ذلك أن الله كأنه إشارة إلى إدخاله الجنة بمجرد الشهادة و الإقرار و إن لم يعمل من الطاعات شيئا و لم يترك سائر المحرمات لأنه كان بذلك مؤمنا في ذلك الزمان و إدخال المؤمن النار ظلم و ذلك أن الله المشار إليه بذلك إما عدم تعذيب من ترك العمل بالنار أو أنه إن لم يدخله الجنة و أدخله النار كان ظالما. و هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن تكون المعاصي التي نهي عنها في مكة من المكروهات و يكون النهي عنها نهي تنزيه و الطاعات التي أمر بها فيها من المستحبات فالتعليل حينئذ ظاهر لأن التعذيب على ترك المستحبات و فعل المكروهات في الآخرة ظلم و ثانيهما أن يكون النهي عن المعاصي نهي تحريم و الأمر بالطاعات أمر وجوب لكن لم يوعد على فعل المعاصي و ترك الطاعات النار و لم يغلظ فيهما و إنما أوعد النار على الشرك و الإخلال بالعقائد و إنكار النبوة و المعاد فهي كانت بمنزلة الفرائض و الكبائر و غيرها بمنزلة الصغائر و سائر الواجبات و قد أوجب الله تعالى على نفسه لسعة كرمه و رحمته أن لا يؤاخذ مجتنب الكبائر بفعل الصغائر فلو عذبهم بها كان ظلما من حيث الإخلال بما أوجب على نفسه من العفو عنهم. أو يقال التعذيب بالنار مع ترك الإيعاد بها ظلم أو يقال التعذيب بالنار العظيم الأليم أبدا أو مدة طويلة بمحض النهي من غير تهديد و وعيد و تغليظ لا سيما ممن كملت قدرته و وسعت رحمته ظلم أو يقال اللطف على الله تعالى واجب و أعظم الألطاف التهديد و الوعيد بالنار فتركه ظلم أو يقال أطلق الظلم على خلاف الأولى مجازا و الكل مبني على أن الأعمال و التروك التي هي أجزاء الإيمان إنما هي ما يستحق بتركه الدخول في النار و في مكة سوى العقائد لم تكن كذلك و لما شرع في المدينة شرائع و جعل فيها فرائض و كبائر يستحق بترك الأولى و فعل الثانية دخول النار جعلتا من أجزاء الإيمان. جعل لكل نبي إشارة إلى قوله تعالى في المائدة و هي مدنية لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً قال البيضاوي شِرْعَةً شريعة و هي الطريقة إلى الماء شبه بها الدين لأنه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية و قرئ بفتح الشين وَ مِنْهاجاً و طريقا واضحا في الدين من نهج الأمر إذا وضح و استدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة انتهى. و قال الراغب الشرع نهج الطريق الواضح يقال شرعت له طريقا و الشرع مصدر ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له شرع و شرعة و شريعة و استعير ذلك للطريقة الإلهية من الدين قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً فذلك إشارة إلى أمرين أحدهما ما سخر الله تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه مما يعود إلى مصالح عباده و عمارة بلاده و ذلك المشار إليه بقوله وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا الثاني ما قيض له من الدين و أمره به ليتحراه اختيارا مما يختلف فيه الشرائع و يعترضه النسخ و دل عليه قوله ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها قال ابن عباس الشرعة ما ورد به القرآن و المنهاج ما ورد به السنة و قوله شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً الآية فإشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل و لا يصح عليها النسخ كمعرفة الله و نحو ذلك من نحو ما دل عليه قوله وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قال بعضهم سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة روي و تطهر قال و أعني بالري ما قال بعض الحكماء كنت أشرب فلا أروى فلما عرفت الله رويت بلا شرب و بالتطهر ما قال تعالى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً انتهى. و الشرعة و المنهاج متقاربان في المعنى كما أن اللفظين اللذين فسرهما عليهما السلام بهما أيضا متقاربان فيحتمل أن يكونا تفسيرين لكل منهما أو يكون على اللف و النشر فعلى الأول أطلق على أعمال الدين و أحكامه الشرعة لإيصالها العامل بها إلى الحياة الأبدية و التطهر من الأدناس الردية و المنهاج لأنها كالطريق الواضح الموصل إلى المقصود من الجنة الباقية و الدرجات العالية و على الثاني المراد بالأول الواجبات و بالثاني المستحبات و لذا عبر عليه السلام عن الثاني بالسنة أو بالأول العبادات و بالثاني سائر الأحكام و الوجه الأول أوفق بقوله و كان من السبيل و السنة و إن أمكن أن يكون المراد من مجموعهما و إن كان من أحدهما. قال الطبرسي رحمه الله الشرعة و الشريعة واحدة و هي الطريقة الظاهرة و الشريعة هي الطريقة التي يوصل منه إلى الماء الذي فيه الحياة فقيل الشريعة في الدين للطريق الذي يوصل منه إلى الحياة في النعيم و هي الأمور التي يعبد الله بها من جهة السمع و الأصل فيه الظهور و المنهاج الطريق المستمر يقال طريق نهج و منهج أي بين و قال المبرد الشرعة ابتداء الطريق و المنهاج الطريق المستقيم قال و هذه الألفاظ إذا تكررت فلزيادة فائدة فيه و قد جاء أيضا لمعنى واحد كقول الشاعر أقوى و أقفر و هما بمعنى انتهى. قوله أن جعل عليهم السبت قال الراغب أصل السبت قطع العمل و منه سبت السير أي قطعه و سبت شعره حلقه و قيل سمي يوم السبت لأن الله تعالى ابتداء بخلق السماوات و الأرض يوم الأحد فخلقها في ستة أيام كما ذكره فقطع عمله يوم السبت فسمي بذلك و سبت فلان صار في السبت و قوله عز و جل يَوْمَ سَبْتِهِمْ قيل يوم قطعهم للعمل وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ قيل معناه لا يقطعون العمل و قيل يوم لا يكونون في السبت و كلاهما إشارة إلى حالة واحدة و قوله إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ أي ترك العمل فيه انتهى. قوله عليه السلام و لم يستحل الظاهر أن المراد بالاستحلال هنا الجرأة على الله و انتهاك ما حرم الله فكأنه عده حلالا لقوله بعد ذلك و لا شكوا في شيء مما جاء به موسى و ما قيل دل على أن مخالفة الأحكام كفر يوجب دخول النار مع الاستحلال و الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأمة و ما ذلك إلا لأن الإقرار بها و العمل بها داخلان في الإيمان و إذا كان كذلك كان تاركها و إن لم يستحل كافرا يعذب بالنار أيضا فلا يخفى وهنه. حيث استحلوا الحيتان أي استحلوا صيدها أو أكلها أو حبسها أيضا و قوله يوم السبت ظرف لكل من احتبسوها و أكلوها أو لاستحلوا أيضا أي استحلوا أولا حبسها يوم السبت ثم استحلوا صيدها و أكلها فيه و قيل يوم السبت ظرف لاحتبسوها لا لأكلوها أي احتبسوا يوم السبت في مضيق بسد الطريق عليها ثم اصطادوها يوم الأحد و أكلوها فعلوا ذلك حيلة و لم تنفعهم لأن احتباسها فيه هتك لحرمته فخرجوا بذلك من الإيمان إلى الكفر و لذلك غضب الله عليهم من غير أن يشركوا بالرحمن و أن يشكوا في رسالة موسى و ما جاء به و لذلك لم يصطادوا يوم السبت فعلم أن الإيمان ليس مجرد التصديق بل هو مع العمل لأن المؤمن لا يغضب و لا يدخل النار و فيه شيء لأن استحلالهم الحيتان ينافي ظاهرا عدم شكهم بما جاء به موسى و يمكن دفعه بأن ما جاء به موسى تحريم الحيتان يوم السبت و هم استحلوها يوم الأحد و لحق بهم ما لحق بسبب احتباسهم يوم السبت انتهى. و أقول قد عرفت معنى الاستحلال و هو معنى شائع في المحاورات فلا يرد ما أورده و أما الجواب الذي ذكره فهو أيضا لا يسمن و لا يغني من جوع لأن الاحتباس إذا لم يكن منهيا عنه فكيف عذبوا عليه و إن كان داخلا فيما نهوا عنه عاد الإشكال مع أن ظاهر أكثر الروايات المعتبرة أنهم بعد تلك الحيلة تعدى أكثرهم إلى الصيد و الأكل يوم السبت فاعتزلت طائفة منهم فلم يمسخوا و بقيت طائفة منهم فمسخوا أيضا لتركهم النهي عن المنكر و إن اختلف المفسرون في ذلك. قال في مجمع البيان اختلف في أنهم كيف اصطادوا فقيل إنهم ألقوا الشبكة في الماء يوم السبت حتى كان يقع فيها السمك ثم كانوا لا يخرجون الشبكة من الماء إلى يوم الأحد و هذا السبب محظور و في رواية ابن عباس اتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها و لا يمكنها الخروج منها فيأخذونها يوم الأحد و قيل إنهم اصطادوها و تناولوها باليد يوم السبت عن الحسن. وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ قال البيضاوي السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت و أصله القطع أمروا أن يجردوه للعبادة فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داود عليه السلام و اشتغلوا بالصيد و ذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها أيلة و إذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك و أخرج خرطومه و إذا مضى تفرقت فحفروا حياضا و شرعوا إليها الجداول و كانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ جامعين بين صورة القردة و الخسوء و هو الصغار و الطرد قال مجاهد ما مسخت صورهم و لكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً و قوله كُونُوا ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه و إنما المراد به سرعة التكوين و أنهم صاروا كذلك كما أراد بهم انتهى. قوله عليه السلام فهدمت أي الشرعة و المنهاج أيضا لكونه بمعنى الطريق يجوز فيه التأنيث و يمكن أن يقرأ على بناء المجهول بإضمار السنة في السبت و قوله أن يعظموه بدل اشتمال للضمير و عامة عطف على السبت سبيل عيسى أي شرائعه المختصة به قوله عليه السلام و إن كان الذي جاء به النبيون أي هدمت شريعة عيسى عامة ما كانوا عليه و إن كان الذي جاء به النبيون من التوحيد و سائر الأصول باقيا لم يتغير أو المعنى أدخله الله النار و إن كان منه الإقرار بما جاء به النبيون و هو التوحيد و نفي الشرك و قوله أن لا يشركوا عطف بيان أو بدل للموصول و على الوجهين يحتمل كون كان تامة و ناقصة و قيل الموصول اسم كان و أن لا يشركوا خبره و له أيضا وجه و إن كان بعيدا. قوله عليه السلام عشر سنين أقول هذا مخالف لما مر في تاريخ النبي ص و لما هو المشهور من أنه ص أقام بعد البعثة بمكة ثلاث عشرة سنة فقيل هو مبني على إسقاط الكسور بين العددين و هو بعيد في مثل هذا الكسر و الذي سنح لي أنه مبني على ما يظهر من الأخبار أنه لما نزل وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ و كان أول بعثته دعا بني عبد المطلب و أظهر لهم رسالته و دعاهم إلى بيعته و الإيمان به فلم يؤمن به إلا علي عليه السلام ثم خديجة رضي الله عنها ثم جعفر رضي الله عنه و كان على ذلك ثلاث سنين حتى نزل فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فدعا الناس إلى الإسلام فلذا لم يعد عليه السلام تلك الثلاث سنين من أيام البعثة لأنها لم تكن بعثة عامة مؤكدة و قد مرت الأخبار في المجلد الثالث في ذلك و يحتمل أن يكون مبنيا على إسقاط سني الهجرة إلى شعب أبي طالب أو إسقاط الثلاث سنين بعد وفاة أبي طالب رضي الله عنه لعدم تمكنه في هاتين المدتين من التبليغ كما ينبغي لكنهما بعيدان و الأظهر ما ذكرنا أولا. قوله عليه السلام يشهد أن لا إله إلا الله الظاهر أن المراد به الشهادة القلبية بالتوحيد و الرسالة و ما يلزمهما فقط أو مع الإقرار باللسان أو عدم الإنكار الظاهري لا مجرد الإقرار باللسان بقرينة قوله و هو إيمان التصديق و قد عرفت أن الإيمان الظاهري فقط لا ينفع في الآخرة و إن احتمل التعميم و يكون قوله إلا من أشرك بالرحمن أي قلبا استثناء منه فيرجع إلى ما ذكرنا أولا و على الأول يكون الاستثناء منقطعا و على التقديرين يكون المراد بقوله و هو إيمان التصديق أنه الإيمان بمعنى التصديق فقط و لا يدخل فيه الأعمال لا شرطا و لا شطرا و إن كانت سببا لكماله بخلاف الإيمان بعد الهجرة فإن الأعمال قد دخلت فيه على أحد الوجهين و ذلك لأنهم لم يكلفوا بعد إلا بالشهادتين فحسب و إنما نهوا عن أشياء نهي أدب و عظة و تخفيف ثم نسخ ذلك بالتغليظ في الكبائر و التواعد عليها و لم يكن التغليظ و التواعد يومئذ إلا في الشرك خاصة فلما جاء التغليظ و الإيعاد بالنار في الكبائر ثبت الكفر و العذاب بالمخالفة فيها. و تصديق ذلك أي دليل ما ذكرنا من التفاوت في التكاليف و معنى الإيمان قبل الهجرة و بعدها و قال الفاضل الأسترآبادي بيان لأول الواجبات على المكلفين و أن تكاليف الله تعالى ينزل على التدريج و في كتاب الأطعمة من تهذيب الأحكام أحاديث صريحة في التدريج في التكاليف انتهى. و لنذكر تفسير الآيات التي أسقطت اختصارا إما من الإمام عليه السلام أو من الراوي قال تعالى قبل تلك الآيات لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا ثم قال وَ قَضى رَبُّكَ قيل أي أمر أمرا مقطوعا به أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة و نهاية الإنعام وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي بأن تحسنوا أو أحسنوا بالوالدين إحسانا لأنهما السبب الظاهر للوجود و التعيش إِمَّا يَبْلُغَنَ إما إن الشرطية زيدت عليها ما للتأكيد عِنْدَكَ الْكِبَرَ في كنف و كفالتك أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ إن أضجراك وَ لا تَنْهَرْهُما أي و لا تزجرهما إن ضرباك وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً أي حسنا جميلا وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ أي تذلل لهما و تواضع مِنَ الرَّحْمَةِ أي من فرط رحمتك عليهما وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً جزاء لرحمتهما علي و تربيتهما و إرشادهما لي في صغري. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً - عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام الْأَوَّابُونَ التَّوَّابُونَ الْمُتَعَبِّدُونَ . . وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً و هو صرف المال فيما لا ينبغي و إنفاقه على وجه الإسراف إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي أمثالهم وَ كانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً أي مبالغا في الكفر وَ إِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً أي فتصير ملوما عند الله و عند الناس بالإسراف و سوء التدبير مَحْسُوراً أي نادما أو منقطعا بك لا شيء عندك إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ أي يوسعه و يضيقه بمشيته التابعة للحكمة إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً يعلم سرهم و علانيتهم. قوله أدب و عظة أي كلما ذكر في تلك الآيات سوى صدر الأولى و هو قوله وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ تأديب و موعظة و هذا مبني على أن قوله وَ بِالْوالِدَيْنِ بتقدير و أحسنوا عطفا على جملة قَضى رَبُّكَ لأن فيها تأكيدا و تهديدا في الجملة و يحتمل أن يكون المراد جميعها لكن وقع التهديد على الشرك فيما مر و فيما سيأتي من الآيات كقوله لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فإن قيل قوله وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ إلى قوله كَفُوراً فيه وعيد و تهديد قلنا ليس محض كونهم إخوان الشياطين تهديدا و وعيدا صريحا بالنار بل قيل قوله كانُوا يدل على أن في أواخر شرائع سائر أولي العزم كانت كذلك فلا يدل صريحا على أن في تلك الشريعة أيضا كذلك و الاجتراح الاكتساب. وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ قيل أي مخافة الفاقة و قتلهم أولادهم وأدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم عنه و ضمن لهم أرزاقهم فقال نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً أي ذنبا كبيرا لما فيه من قطع التناسل و انقطاع النوع و الخطء الإثم يقال خطأ خطأ كأثم إثما و قرأ ابن عامر خطأ بالتحريك و هو اسم من أخطأ يضاد الثواب و قيل لغة فيه كمثل و مثل و حذر و حذر و قرأ ابن كثير خطاء بالمد و الكسر و هو إما لغة أو مصدر خاطأ و قرئ خطاء بالفتح و المد و خطأ بحذف الهمزة مفتوحا و مكسورا و على التقادير ليس فيه تصريح بكونه ذنبا و لا ترتب العقوبة عليه. وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى بالقصد و إتيان المقدمات فضلا أن تباشروه إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً فعلة ظاهرة القبح زائدته وَ ساءَ سَبِيلًا أي و بئس طريقا طريقه و هو الغصب على الأبضاع المؤدي إلى قطع الأنساب و هيج الفتن وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ قيل أي إلا بإحدى ثلاث خصال كفر بعد إيمان و زنا بعد إحصان و قتل مؤمن معصوم عمدا وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً غير مستوجب للقتل فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ للذي يلي أمره بعد وفاته و هو الوارث سُلْطاناً أي تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل فَلا يُسْرِفْ أي القاتل فِي الْقَتْلِ بأن يقتل من لا يحق قتله فإن العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة أو قتل غير القاتل إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً علة النهي على الاستئناف و الضمير إما للمقتول فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله و في الآخرة بالثواب و إما لوليه فإن الله نصره حيث أوجب القصاص له و أمر الولاة بمعونته و إما للذي يقتله الولي إسرافا بإيجاب القصاص و التعزير و الوزر على المسرف. وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ فضلا أن تتصرفوا فيه إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي إلا بالطريقة التي هي أحسن حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ غاية لجواز التصرف الذي يدل عليه الاستثناء وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ بما عاهدكم الله من تكاليفه أو ما عاهدتموه و غيره إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه و يفي به أو مسئولا عنه يسأل الناكث و يعاتب عليه أو يسأل العهد لم نكثت تبكيتا للناكث كما يقال للموئودة بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ و يجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسئولا وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ و لا تبخسوا فيه وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ بالميزان السوي و هو رومي عرب و قرأ حمزة و الكسائي و حفص بكسر القاف ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي و أحسن عاقبة تفعيل من آل إذا رجع. وَ لا تَقْفُ و لا تتبع ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ما لم يتعلق به علمك تقليدا أو رجما بالغيب قيل و احتج به من منع من اتباع الظن و جوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند سواء كان قطعا أو ظنا و استعماله بهذا المعنى شائع و قيل إنه مخصوص بالعقائد و قيل بالرمي و شهادة الزور إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ أي كل هذه الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسئولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها هذا و إن أولاء و إن غلب على العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا و هو يعم القبيلين جاء لغيرهم كقوله و العيش بعد أولئك الأيام كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا في ثلاثتها ضمير كل أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه و يجوز أن يكون الضمير في عَنْهُ لمصدر وَ لا تَقْفُ أو لصاحب السمع و البصر و قيل مَسْؤُلًا مسند إلى عَنْهُ كقوله غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ و المعنى يسأل صاحبه عنه و هو خطاء لأن الفاعل و ما يقوم مقامه لا يتقدم و قيل المراد بسؤال الجوارح إما سؤال نفسها أو سؤال أصحابها كما يظهر من أُولئِكَ أو جعلت بمنزلة ذوي العقول أو هم ذوو العقول مع الله تعالى. وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي ذا مرح و هو الاختيال و في القاموس المرح شدة الفرح و النشاط إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ لن تجعل فيها خرقا بشدة وطأتك وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا بتطاولك و مد عنقك و هو تهكم بالمختال و تعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ قيل يعني المنهي عنه فإن المذكور مأمورات و مناهي و قرأ الحجازيان و البصريان سيئة على أنها خبر كان و الاسم ضمير كُلُ و ذلِكَ إشارة إلى ما نهي عنه خاصة و على هذا قوله عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً بدل من سيئه أو صفة لها محمولة على المعنى. ذلِكَ إشارة إلى الأحكام المتقدمة مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ التي هي معرفة الحق لذاته و الخير للعمل به وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر و منتهاه و رأس الحكمة و ملاكها مَلُوماً تلوم نفسك مَدْحُوراً مطرودا مبعدا من رحمة الله. و أقول هذا شروع في ذكر الآيات التي نزلت بمكة مشتملة على الوعيد بالنار و التهديد في الشرك و نحوه بخلاف ما ورد في غيره مما مضى فإن كونه خطأ كبيرا و فاحشة و مسئولا و مسئولا عنه و مكروها ليس في شيء منها تصريح بالعذاب و النكال الأخروي و لا يحتاج إلى ما يتكلف بأن كانَ خِطْأً و كانَ فاحِشَةً و كانَ مَسْؤُلًا و كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا و كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً محمولة على أنها كانت في أواخر الأمم السابقة كذلك و ستصير في هذه الأمة أيضا بعد ذلك كذلك فإنه في غاية البعد و زيادة كان في هذه المقامات كثيرة في الذكر الحميد كقوله وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً و كانَ غَفُوراً رَحِيماً بل الوجه ما ذكرنا فتفطن. ناراً تَلَظَّى أي تتلهب لا يَصْلاها أي لا يلزمها مقاسيا شدتها إِلَّا الْأَشْقَى قيل أي إلا الكافر فإن الفاسق و إن دخلها لم يلزمها و لكن سماه أشقى و وصفه بقوله الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى أي كذب بالحق و أعرض عن الطاعة كذا ذكره البيضاوي و قال في قوله تعالى بعد ذلك وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى أي الذي اتقى الشرك و المعاصي فإنه لا يدخلها فضلا أن يدخلها و يصلاها و مفهوم ذلك أن من اتقى الشرك دون المعصية لا يجنبها و لا يلزم ذلك صليها فلا يخالف الحصر السابق انتهى. و قال الطبرسي رحمه الله لا يَصْلاها أي لا يدخل تلك النار و لا يلزمها إِلَّا الْأَشْقَى و هو الكافر بالله الَّذِي كَذَّبَ بآيات الله و رسله وَ تَوَلَّى أي أعرض عن الإيمان وَ سَيُجَنَّبُهَا أي سيجنب النار و يجعل منها على جانب الْأَتْقَى المبالغ في التقوى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ أي ينفقه في سبيل الله يَتَزَكَّى أي يكون عند الله زكيا لا يطلب بذلك رياء و لا سمعة. قال القاضي قوله لا يَصْلاها الآية لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر على ما تقوله الخوارج و بعض المرجئة و ذلك لأنه نكر النار المذكورة و لم يعرفها فالمراد بذلك أن نارا من جملة النيران لا يصليها إلا من هذه حاله و النيران دركات على ما بينه سبحانه في سورة النساء في شأن المنافقين فمن أين عرف أن غير هذه النار لا يصليها قوم آخرون و بعد فإن الظاهر من الآية يوجب أن لا يدخل النار إلا من كذب و تولى و جمع بين الأمرين فلا بد للقوم من القول بخلافه لأنهم يوجبون النار لمن يتولى عن كثير من الواجبات و إن لم يكذب و قيل إن الأتقى و الأشقى المراد بهما التقي و الشقي انتهى. ثم اعلم أنه عليه السلام استدل بالآيات الأول على أن وعيد النار في مكة إنما كان على الكفار لأنه سبحانه حصر الصلي بالنار على الأشقى الذي كذب الرسول و تولى عن قبول قوله في التوحيد أو الأعم و من كذب الرسول و أعرض عما جاء به كافر مشرك فظهر أنه لم يكن يومئذ يستحق النار غير المشركين و الكفار من الفساق و إليه أشار عليه السلام بقوله فهذا مشرك و هذا وجه حسن و استدلال متين لكن كيف يستقيم على هذا الآيات التالية و هي قوله وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى إلخ فإنها تدل على أن غير الأتقى لا يجنب النار. و يمكن الجواب عنه بوجوه. الأول أن المضارع في قوله تعالى لا يَصْلاها للحال و استعمل الصلي في سببه مجازا أي الحكم في الحال قبل الهجرة أنه لا يدخلها إلا المشرك و في قوله سَيُجَنَّبُهَا للاستقبال القريب إخبارا عن التكاليف المدنية بعد دخول الأعمال في الإيمان فلا تنافي بينهما و تكون الآيات جمع دالة على الحكمين صريحا. الثاني أن يقال إن الآيات التالية نزلت بالمدينة كما روي في تفسير علي بن إبراهيم أنها نزلت في أبي الدحداح بالمدينة لكن ظاهر الرواية أن الآيات الأول أيضا نزلت بالمدينة الثالث أن يقال إن الآيات الأخيرة و إن كانت دالة على عدم تجنب الفساق النار لكنها دلالة ضعيفة بالمفهوم فما يدل صريحا على دخول النار إنما هو في الكفار و ما يدل على حكم الفجار فليس فيه وعيد صريح و تهديد عظيم بل يدل دلالة ضعيفة على عدم الحكم بأنهم لا يدخلونها لا سيما مع الحصر المتقدم و لعل السر في هذا الإجمال عدم اجترائهم على المعاصي. وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره قيل يغل يمناه إلى عنقه و يجعل يسراه وراء ظهره فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً أي يتمنى الثبور و يقول وا ثبوراه و هو الهلاك وَ يَصْلى سَعِيراً أي نارا مسعرة إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ أي في الدنيا مَسْرُوراً بطرا بالمال و الجاه فارغا عن ذكر الآخرة إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ أي لن يرجع بعد أن يموت بَلى يرجع إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً أي عالما بأعماله فلا يهمله بل يرجعه و يجازيه فهذا مشرك لأنه أنكر البعث و إنكاره كفر أو كان لا ينكره حينئذ إلا المشركون. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أي جماعة من الكفرة سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أي خزنة جهنم أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يخوفكم هذا العذاب و هو توبيخ و تبكيت قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا أي الرسل و أفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإنزال رأسا و بالغنا في نسبتهم إلى الضلال حيث قالوا بعد ذلك إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ فهؤلاء مشركون لتكذيبهم بكتب الله و رسله. وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بالبعث و الرسل و آيات الله الضَّالِّينَ عن الهدى الذاهبين عن الصواب و الحق فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ أي فنزلهم الذي أعد لهم من الطعام و الشراب من حميم جهنم وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ أي إدخال نار عظيمة فهؤلاء مشركون للتصريح بأنهم كانوا من المكذبين الضالين. وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ لما رأى من قبح العمل و سوء العاقبة يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَ لَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ الهاء فيهما و فيما بعدهما للسكت تثبت في الوقف و تسقط في الوصل و قالوا استحب الوقف لثباتها في الإمام و لذلك قرئ بإثباتها في الوصل يا لَيْتَها أي يا ليت الموتة التي متها كانَتِ الْقاضِيَةَ أي القاطعة لأمري فلم أبعث بعدها أو يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي أو يا ليت حياة الدنيا كانت الموتة و لم أخلق حيا ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ أي ما لي من المال و التبع أو ما نفي و المفعول محذوف أو استفهام إنكار مفعول لأغنى و بعد ذلك هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ أي ملكي و تسلطي على الناس أو حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا خُذُوهُ يقوله الله لخزنة جهنم فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ أي ثم لا تصلوه إلا الجحيم و هي النار العظمى لأنه كان يتعظم على الناس ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ أي فأدخلوه فيها بأن تلقوه على جسده إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ فدل على أن هذا الوعيد بالنار لمن لا يؤمن بالله من الكفار فهذا مشرك. قوله في طسم أي في الشعراء وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ فيرونها مكشوفة و يتحسرون على أنهم المسوقون إليها وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ بدفع العذاب عنكم أَوْ يَنْتَصِرُونَ بدفعه عن أنفسهم لأنهم و آلهتهم يدخلون النار كما قال فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ أي الآلهة و عبدتهم و الكبكبة تكرير الكب لتكرير معناه كأن من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ قيل متبعوه من عتاة الثقلين أو شياطينه أَجْمَعُونَ تأكيد للجنود إن جعل مبتدأ خبره ما بعده أو للضمير و ما عطف عليه و كذا الضمير المنفصل و ما يعود إليه في قوله قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ على أن الله ينطق الأصنام فتخاصم العبدة و يؤيده الخطاب في قوله إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ أي في استحقاق العبادة و يجوز أن تكون الضمائر للعبدة كما في قالوا و الخطاب للمبالغة في التحسر و الندامة و المعنى أنهم مع تخاصمهم في مبدإ ضلالهم معترفون بانهماكهم في الضلالة متحسرون عليها كذا ذكره البيضاوي في تفسير تلك الآيات فقوله عليه السلام يعني المشركين هو خبر لقوله قوله بحذف العائد أي يعني به و المعنى أن المراد بالمجرمين المشركون الذين اتبعتهم هؤلاء القائلون على شركهم و كلاهما من أمة محمد ص و تصديق ذلك أي تصديق أن المراد بهم المشركون من هذه الأمة أن الله تعالى ذكر بعد تلك الآيات أحوال المشركين و عبدة الأوثان من كل أمة و لم يدخل فيهم اليهود و النصارى فالظاهر أن يكون المراد هنا أيضا طائفة مخصوصة و ليس هم اليهود و النصارى لقوله تعالى سابقا فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ لدلالته على أن معبوديهم في النار فلم يبق إلا أن يكونوا من هذه الأمة أو يكتفى بالوجه الأول و يقال لما كان الظاهر من الآيات اللاحقة اختصاص الكلام بعبدة الأوثان فالظاهر هنا أيضا أن يكون المراد به من هو من جنسهم و لم يبق من الأمم المشهورة الذين تعرض الله لذكرهم في القرآن إلا هذه الأمة فهم المرادون به. و قوله كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ كأنه نقل بالمعنى لأن تلك الآيات في سورة الشعراء و ليس فيها قبلهم و إنما هو في ص و المؤمن و يحتمل أن يكون في مصحفهم عليه السلام هكذا هذا ما خطر بالبال و قيل لعل المراد أن القائلين بهذا القول أعني قولهم وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ هم مشركو قوم نبينا ص الذين اتبعوا آباءهم المكذبين للأنبياء بدليل أن الله سبحانه ذكر عقيب ذلك في مقام التفصيل المكذبين للأنبياء طائفة بعد طائفة و ليس المراد بهم أحدا من اليهود و النصارى الذين صدقوا نبيهم و إنما أشركوا من جهة أخرى و إن كان الفريقان يدخلان النار أيضا فقوله سيدخل الله استدراك لدفع توهم عدم دخولهما النار و عدم دخول غيرهما ممن أساء العمل انتهى. قوله عليه السلام ليس هم اليهود تأكيد لقوله ليس فيهم أو المراد بالأول أنه ليس في القائلين و المجرمين و بالثاني أنه ليس في هؤلاء المكذبين من الأمم السابقة و قيل الأول نفي للتشريك و الثاني نفي للاختصاص و الأوسط أظهر و قولهم مبتدأ إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك من كلامه عليه السلام ذكره تفسيرا للآية و قول الله خبر للمبتدإ و يحتمل أن يكون ذلك مبتدأ ثانيا إشارة إلى قولهم و قول الله خبره و المجموع خبرا للمبتدإ الأول و حاصله أن القولين حكايتان عن قصة واحدة و قيل حين ظرف لقول الله مجازا من قبيل وضع الدال موضع المدلول. ثم اعلم أن الآيات في سورة الأعراف هكذا حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لكِنْ لا تَعْلَمُونَ وَ قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ فظهر أن قوله و قالت أوليهم لأخريهم من سهو النساخ أو الرواة و أن قوله كُلَّما دَخَلَتْ مقدم على السابق في الترتيب فالواو في قوله و قوله بمعنى مع مع أنه لا يدل على الترتيب. كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ أي في النار لَعَنَتْ أُخْتَها التي ضلت بالاقتداء بها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها أصل ادَّارَكُوا تداركوا فأدغم و معناه تلاحقوا أي لحق آخرهم أولهم في النار قالَتْ أُخْراهُمْ دخولا و منزلة و هم الأتباع لِأُولاهُمْ أي لأجل أوليهم إذا الخطاب مع الله لا معهم رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا أي سنوا لنا الضلال فاقتدينا بهم فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ أي مضاعفا لأنهم ضلوا و أضلوا قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ أما القادة فبكفرهم و تضليلهم و أما الأتباع فبكفرهم و تقليدهم وَ لكِنْ لا تَعْلَمُونَ ما لكم أو ما لكل فريق وَ قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ عطفوا كلامهم على جواب الله لأخريهم و بنوه عليه أي فقد ثبت أن لا فضل لكم علينا و إنا و إياكم متساوون في الضلال و استحقاق العذاب فَذُوقُوا الْعَذابَ من قول القادة أو من قول الفريقين. أن يحج بعضا بضم الحاء أي يغلبه بالحجة في القاموس الحج الغلبة بالحجة و في المصباح حاجه محاجة فحجه بحجة من باب قتل إذا غلبه في الحجة و قال فلج فلوجا من باب قعد ظفر بما طلب و فلج بحجته أثبتها و أفلج الله حجته أظهرها و قال أفلت الطائر و غيره إفلاتا تخلص و أفلته أنا إذا أطلقته و خلصته يستعمل لازما و متعديا و فلت فلتا من باب ضرب لغة و فلته يستعمل أيضا لازما و متعديا و انفلت خرج بسرعة. و ليس بأوان بلوى و لا اختبار يعني أنهم يطمعون في غير مطمع فإن الاحتجاج و طلب الدليل إنما ينفع في دار التكليف و الاختبار لا في دار الجزاء بعد ظهور الأمر و دخول النار و لا حين نجاة أي ليس هذا الزمان حين نجاة يمكن التخلص من العذاب بالتوبة و غيرها. و في بعض النسخ و لات حين نجاة مقتسبا من قوله تعالى وَ لاتَ حِينَ مَناصٍ قال البيضاوي أي ليس الحين حين مناص و لا هي المشبهة بليس زيدت عليها تاء التأنيث للتأكيد كما زيدت على رب و ثم و خصت بلزوم الأحيان و حذف أحد المعمولين و قيل هي النافية للجنس أي و لا حين مناص لهم و قيل للفعل و النصب بإضماره أي و لا أرى حين مناص و قيل إن التاء مزيدة على حين لاتصالها به في الإمام انتهى. و الآيات أي تلك الآيات المتقدمة و لا يدخل الله الجملة حالية أي نزلت تلك الآيات في حال كان الحكم فيها أن لا يدخل الله النار إلا مشركا قوله عليه السلام فلما أذن الله قال المحدث الأسترآبادي تصريح بأن مصداق الإسلام في مكة أقل من مصداقه في المدينة انتهى و عد الشهادتين واحدة لتلازمهما و كأن الولاية أيضا داخلة فيهما كما عرفت و عدم التصريح للتقية أو أنه عليه السلام استدل بهذا الخبر المشهور بين العامة إلزاما عليهم و كأن ذكر العبادات الأربع و تخصيصها لكونها أهم الفرائض أو لأنها صرحت بها في القرآن و أكدت عليها دون غيرها أو أنه بني عليها أولا ثم زيد سائر الفرائض. وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً استدل به من قال بخلود أصحاب الكبائر في النار و أول بوجوه. الأول أن المراد بالمتعمد من قتله لإيمانه كما ورد في أخبار كثيرة فيكون كافرا الثاني أن المراد بالخلود المكث الطويل الثالث أن المراد أن هذا جزاؤه إن جازاه لكنه سبحانه لا يجازيه كما ورد في بعض أخبارنا الرابع أن المراد بالمتعمد المستحل الخامس أنه يفعل فعلا يستحق به دخول النار و استدل عليه السلام على عدم إيمانه بأن الله لعنه و لا يلعن مؤمنا لقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ و كأنه عليه السلام استدل بمفهوم الوصف فيدل على حجيته و يمكن أن يكون لخصوص سياق الآية أيضا مدخل فيه. و كيف يكون في المشية أي كيف يكون أمر القاتل في مشية الله إن شاء عذبه و إن شاء غفر له و الحال أنه قد ألحق به بعد أن جزاه جهنم الغضب و اللعنة المختصين بالكفار.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٦ - الصفحة ٨٥. — الإمام الباقر عليه السلام
إِنَّ أُنَاساً تَكَلَّمُوا فِي هَذَا الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَقُولُ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ الْآيَةَ فَالْمَنْسُوخَاتُ مِنَ الْمُتَشَابِهَاتِ وَ الْمُحْكَمَاتُ مِنَ النَّاسِخَاتِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بَعَثَ نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ وَ أَطِيعُونِ ثُمَّ دَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَحْدَهُ وَ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً ثُمَّ بَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ (صلوات الله عليهم) عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ بَلَغُوا مُحَمَّداً ص فَدَعَاهُمْ إِلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَ لَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ قَالَ شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وَ ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَ لا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ فَبَعَثَ الْأَنْبِيَاءَ إِلَى قَوْمِهِمْ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ الْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَنْ آمَنَ مُخْلِصاً وَ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِذَلِكَ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ يُعَذِّبُ عَبْداً حَتَّى يُغَلِّظَ عَلَيْهِ فِي الْقَتْلِ وَ الْمَعَاصِي الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا النَّارَ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا فَلَمَّا اسْتَجَابَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مَنِ اسْتَجَابَ لَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ جَعَلَ لِكُلِّ نَبِيٍّ مِنْهُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجاً وَ الشِّرْعَةُ وَ الْمِنْهَاجُ سَبِيلٌ وَ سُنَّةٌ وَ قَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ص إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ وَ النَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَمَرَ كُلَّ نَبِيٍّ بِالْأَخْذِ بِالسَّبِيلِ وَ السُّنَّةِ وَ كَانَ مِنَ السَّبِيلِ وَ السُّنَّةِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا مُوسَى عليه السلام أَنْ جَعَلَ عَلَيْهِمُ السَّبْتَ وَ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ السَّبْتِ وَ لَمْ يَسْتَحِلَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ وَ مَنِ اسْتَخَفَّ بِحَقِّهِ وَ اسْتَحَلَّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ الَّذِي نَهَاهُ اللَّهُ عَنْهُ فِيهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ النَّارَ وَ ذَلِكَ حَيْثُ اسْتَحَلُّوا الْحِيتَانَ وَ احْتَبَسُوهَا وَ أَكَلُوهَا يَوْمَ السَّبْتِ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَشْرَكُوا بِالرَّحْمَنِ وَ لَا شَكُّوا فِي شَيْءٍ مِمَّا جَاءَ بِهِ مُوسَى عليه السلام قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عِيسَى عليه السلام بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ الْإِقْرَارِ بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ جَعَلَ لَهُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهَاجاً فَهَدَمَتِ السَّبْتَ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ أَنْ يُعَظِّمُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَ عَامَّةَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنَ السَّبِيلِ وَ السُّنَّةِ الَّتِي جَاءَ بِهَا مُوسَى فَمَنْ لَمْ يَتَّبِعْ سَبِيلَ عِيسَى أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ وَ إِنْ كَانَ الَّذِي جَاءَ بِهِ النَّبِيُّونَ جَمِيعاً أَنْ لَا يُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئاً ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُحَمَّداً ص وَ هُوَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ فَلَمْ يَمُتْ بِمَكَّةَ فِي تِلْكَ الْعَشْرِ سِنِينَ أَحَدٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِإِقْرَارِهِ وَ هُوَ إِيمَانُ التَّصْدِيقِ وَ لَمْ يُعَذِّبِ اللَّهُ أَحَداً مِمَّنْ مَاتَ وَ هُوَ مُتَّبِعٌ لِمُحَمَّدٍ ص عَلَى ذَلِكَ إِلَّا مَنْ أَشْرَكَ بِالرَّحْمَنِ وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَكَّةَ وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً أَدَبٌ وَ عِظَةٌ وَ تَعْلِيمٌ وَ نَهْيٌ خَفِيفٌ وَ لَمْ يَعِدْ عَلَيْهِ وَ لَمْ يَتَوَاعَدْ عَلَى اجْتِرَاحِ شَيْءٍ مِمَّا نَهَى عَنْهُ وَ أَنْزَلَ نَهْياً عَنْ أَشْيَاءَ حَذَّرَ عَلَيْهَا وَ لَمْ يُغَلِّظْ فِيهَا وَ لَمْ يَتَوَاعَدْ عَلَيْهَا وَ قَالَ وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَ ساءَ سَبِيلًا وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطاناً فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً ذلِكَ مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتُلْقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَدْحُوراً وَ أَنْزَلَ فِي وَ اللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى فَأَنْذَرْتُكُمْ ناراً تَلَظَّى لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى فَهَذَا مُشْرِكٌ وَ أَنْزَلَ فِي إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً وَ يَصْلى سَعِيراً إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُوراً إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ بَلى فَهَذَا مُشْرِكٌ وَ أَنْزَلَ فِي تَبَارَكَ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَ قُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ فَهَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ وَ أَنْزَلَ فِي الْوَاقِعَةِ وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ فَهَؤُلَاءِ مُشْرِكُونَ وَ أَنْزَلَ فِي الْحَاقَّةِ وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَ لَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ يا لَيْتَها كانَتِ الْقاضِيَةَ ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ إِلَى قَوْلِهِ إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ فَهَذَا مُشْرِكٌ وَ أَنْزَلَ فِي طسم وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ جُنُودُ إِبْلِيسَ ذُرِّيَّتُهُ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَ قَوْلُهُ وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ اقْتَدَوْا بِهِمْ هَؤُلَاءِ فَاتَّبَعُوهُمْ عَلَى شِرْكِهِمْ وَ هُمْ قَوْمُ مُحَمَّدٍ ص لَيْسَ فِيهِمْ مِنَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى أَحَدٌ وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ لَيْسَ هُمُ الْيَهُودُ الَّذِينَ قَالُوا عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ لَا النَّصَارَى الَّذِينَ قَالُوا الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ سَيُدْخِلُ اللَّهُ الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى النَّارَ وَ يُدْخِلُ كُلَّ قَوْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ وَ قَوْلُهُمْ وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ إِذْ دَعَوْنَا إِلَى سَبِيلِهِمْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِيهِمْ حِينَ جَمَعَهُمْ إِلَى النَّارِ قالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ وَ قَوْلُهُ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً بَرِئَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَ لَعَنَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً يُرِيدُ بَعْضُهُمْ أَنْ يُحَجِّجَ بَعْضاً رَجَاءَ الْفَلْجِ فَيُفْلِتُوا مِنْ عَظِيمِ مَا نَزَلَ بِهِمْ وَ لَيْسَ بِأَوَانِ بَلْوَى وَ لَا اخْتِبَارٍ وَ لَا قَبُولِ مَعْذِرَةٍ وَ لَا حِينَ نَجَاةٍ وَ الْآيَاتُ وَ أَشْبَاهُهُنَّ مِمَّا نَزَلَ بِهِ بِمَكَّةَ وَ لَا يُدْخِلُ اللَّهُ النَّارَ إِلَّا مُشْرِكاً فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ص فِي الْخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ بَنَى الْإِسْلَامَ عَلَى خَمْسٍ شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ إِقَامِ الصَّلَاةِ وَ إِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَ حِجِّ الْبَيْتِ وَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْحُدُودَ وَ قِسْمَةَ الْفَرَائِضِ وَ أَخْبَرَهُ بِالْمَعَاصِي الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا وَ بِهَا النَّارُ لِمَنْ عَمِلَ بِهَا وَ أَنْزَلَ فِي بَيَانِ الْقَاتِلِ وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ لَعَنَهُ وَ أَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً وَ لَا يَلْعَنُ اللَّهُ مُؤْمِناً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَ أَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَ لا نَصِيراً وَ كَيْفَ يَكُونُ فِي الْمَشِيَّةِ وَ قَدْ أَلْحَقَ بِهِ حِينَ جَزَاهُ جَهَنَّمَ الْغَضَبَ وَ اللَّعْنَةَ وَ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ مَنِ الْمَلْعُونُونَ فِي كِتَابِهِ وَ أَنْزَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مَنْ أَكَلَهُ ظُلْماً إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً وَ ذَلِكَ أَنَّ آكِلَ مَالِ الْيَتِيمِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ النَّارُ تَلْتَهِبُ فِي بَطْنِهِ حَتَّى يَخْرُجَ لَهَبُ النَّارِ مِنْ فِيهِ يَعْرِفُ أَهْلُ الْجَمْعِ أَنَّهُ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَ أَنْزَلَ فِي الْكَيْلِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ وَ لَمْ يَجْعَلِ الْوَيْلَ لِأَحَدٍ حَتَّى يُسَمِّيَهُ كَافِراً قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ وَ أَنْزَلَ فِي الْعَهْدِ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَ أَيْمانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَ لا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ وَ الْخَلَاقُ النَّصِيبُ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْآخِرَةِ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَ أَنْزَلَ بِالْمَدِينَةِ الزَّانِي لا يَنْكِحُ إِلَّا زانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَ الزَّانِيَةُ لا يَنْكِحُها إِلَّا زانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَ حُرِّمَ ذلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَلَمْ يُسَمِّ اللَّهُ الزَّانِيَ مُؤْمِناً وَ لَا الزَّانِيَةَ مُؤْمِنَةً وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَيْسَ يَمْتَرِي فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَإِنَّهُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ خُلِعَ عَنْهُ الْإِيمَانُ كَخَلْعِ الْقَمِيصِ وَ أَنْزَلَ بِالْمَدِينَةِ وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَ أُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَبَرَأَ اللَّهُ مَا كَانَ مُقِيماً عَلَى الْفِرْيَةِ مِنْ أَنْ يُسَمَّى بِالْإِيمَانِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ وَ جَعَلَهُ اللَّهُ مُنَافِقاً قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ وَ جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ أَوْلِيَاءِ إِبْلِيسَ قَالَ إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ وَ جَعَلَهُ اللَّهُ مَلْعُوناً فَقَالَ إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ وَ لَيْسَتْ تَشْهَدُ الْجَوَارِحُ عَلَى مُؤْمِنٍ إِنَّمَا تَشْهَدُ عَلَى مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ فَيُعْطَى كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا وَ سُورَةُ النُّورِ أُنْزِلَتْ بَعْدَ سُورَةِ النِّسَاءِ وَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَ اللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا وَ السَّبِيلُ الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَ فَرَضْناها وَ أَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ الزَّانِيَةُ وَ الزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَ لا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ قوله و ذلك أن تعليل لتكلمهم فيه بغير علم لأنهم تكلموا في متشابهه أيضا مع أنه لا يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم و المحكم في اللغة المتقن و في العرف يطلق على ما له معنى لا يحتمل غيره و على ما اتضحت دلالته و على ما كان محفوظا من النسخ أو التخصيص أو منهما جميعا و على ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا و المتشابه يقابله بكل من هذه المعاني و قال الراغب المحكم ما لا يعرض فيه شبهة من حيث اللفظ و لا من حيث المعنى و المتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهة غيره إما من حيث اللفظ أو من حيث المعنى و قال الفقهاء المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده. و حقيقة ذلك أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب محكم على الإطلاق و متشابه على الإطلاق و محكم من وجه متشابه من وجه فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب متشابه من جهة اللفظ فقط و متشابه من جهة المعنى فقط و متشابه من جهتهما فالمتشابه من جهة اللفظ ضربان أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة و ذلك إما من جهة غرابته نحو الأب و يزفون و إما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد و العين و الثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب و ذلك ثلاثة أضرب ضرب لاختصار الكلام نحو وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ و ضرب لبسط الكلام نحو لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ لأنه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع و ضرب لنظم الكلام نحو أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً تقديره الكتاب قيما و لم يجعل له عوجا و المتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى و أوصاف القيامة فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ كان لا تحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو لم يكن من جنس ما نحسه. و المتشابه من جهة المعنى و اللفظ جميعا خمسة أضرب الأول من جهة الكمية كالعموم و الخصوص نحو فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ و الثاني من جهة الكيفية كالوجوب و الندب نحو فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ و الثالث من جهة الزمان كالناسخ و المنسوخ نحو اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ و الرابع من جهة المكان و الأمور التي نزلت فيها نحو لَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها و قوله عز و جل إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية و الخامس من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة و النكاح و هذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال المتشابه الم و قول قتادة المحكم الناسخ و المتشابه المنسوخ و قول الأصم المحكم ما أجمع على تأويله و المتشابه ما اختلف فيه. ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة و خروج دابة الأرض و كيفية الدابة و نحو ذلك و ضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة و الأحكام المغلقة و ضرب متردد بين الأمرين يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم و يخفى على من دونهم و هو الضرب المشار إليه بقوله ص في علي عليه السلام اللهم فقهه في الدين و علمه التأويل و إذا عرفت هذه الجملة علم أن الوقوف على قوله إلا الله و وصله بقوله و الراسخون في العلم جائزان و أن لكل واحد منهما وجها حسب ما يدل عليه التفصيل المتقدم انتهى. قوله تعالى مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ قيل أي أحكمت عباراتها بأن حفظت عن الإجمال هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ أي أصله يرد إليها غيرها وَ أُخَرُ مُتَشابِهاتٌ قيل أي محتملات لا يتضح مقصودها إلا بالفحص و النظر ليظهر فيها فضل العلماء الربانيين في استنباط معانيها و ردها إلى المحكمات و ليتوصلوا بها إلى معرفة الله و توحيده و أقول بل ليعلموا عدم استقلالهم في علم القرآن و احتياجهم في تفسيره إلى الإمام المنصوب من قبل الله و هم الراسخون في العلم - وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُحْكَمِ وَ الْمُتَشَابِهِ فَقَالَ الْمُحْكَمُ مَا يُعْمَلُ بِهِ وَ الْمُتَشَابِهُ مَا اشْتَبَهَ عَلَى جَاهِلِهِ. - وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَ الْمُتَشَابِهُ الَّذِي يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضاً. - وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فَأَمَّا الْمُحْكَمُ فَتُؤْمِنُ بِهِ وَ تَعْمَلُ بِهِ وَ تَدِينُ بِهِ وَ أَمَّا الْمُتَشَابِهُ فَتُؤْمِنُ بِهِ وَ لَا تَعْمَلُ بِهِ.. فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ أي ميل عن الحق كالمبتدعة فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ فيتعلقون بظاهره أو بتأويل باطل ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ أي طلب أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتشكيك و التلبيس و مناقضة المحكم بالمتشابه - وَ فِي مَجْمَعِ الْبَيَانِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّ الْفِتْنَةَ هُنَا الْكُفْرُ. وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ أي و طلب أن يأولوه على ما يشتهونه وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ الذي يجب أن يحمل عليه إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ الذين تثبتوا و تمكثوا فيه. و أقول قد مر الكلام منا في تأويل هذه الآية في كتاب الإمامة في باب أن الراسخين في العلم هم الأئمة عليهم السلام. قوله عليه السلام فالمنسوخات من المتشابهات كأن هذا الكلام تمهيد لما سيأتي من اختلاف الإيمان المأمور به في مكة قبل الهجرة و في المدينة بعدها و اختلاف التكاليف فيهما كما و كيفا ردا على من استدل ببعض الآيات على أن الإيمان نفس الاعتقاد بالتوحيد و النبوة فقط بلا مدخلية للأعمال أو الولاية فيه بأن تلك الآيات أكثرها نزلت في مكة و كان الإيمان فيها نفس الاعتقاد بالشهادتين أو التكلم بهما ثم نسخ ذلك في المدينة بعد وجوب الواجبات و تحريم المحرمات و نصب الوالي و الأمر بولايته و يحتمل أن لا يكون ذلك من قبيل النسخ و يكون ذكر النسخ لبيان عجزهم عن فهم معاني الآيات و خطائهم في الاستدلال بها كما أنهم لا يعرفون الناسخ من المنسوخ و يستدلون بالآيات المنسوخة على الأحكام مع عدم علمهم بنسخها و عد المنسوخات التي لا يعلم نسخها من المتشابهات فالمنسوخة أخص مطلقا من المتشابهة. و لما كان المحكم غير المتشابه و الناسخ غير المنسوخ و نقيض الأخص أعم من نقيض الأعم غير الأسلوب في الفقرة الثانية فقال و المحكمات من الناسخات للإشارة إلى ذلك و تسمية غير المنسوخ مطلقا ناسخا إما على التوسع و إطلاق لفظ الجزء على الكل أو لكونها ناسخة للشرائع السالفة أو للإباحة الأصلية التي كانوا متمسكين بها قبلها و يمكن حمل الناسخ على معناه و حمل الكلام على القلب بأن يكون الناسخ أيضا أخص من المحكم و لا فساد فيه لعدم انحصار الآيات حينئذ في الناسخة و المنسوخة. 22 و قيل لما كان بعض المحكمات مقصور الحكم على الأزمنة السابقة منسوخا بآيات أخر و نسخها خافيا على أكثر الناس فيزعمون بقاء حكمها صارت متشابهة من هذه الجهة و لهذا قال عليه السلام فالمنسوخات من المتشابهات و في بعض النسخ من المشتبهات و إنما غير الأسلوب في أختها لأن المحكم أخص من الناسخ من وجه بخلاف المتشابه فإنه أعم من المنسوخ مطلقا انتهى و فيه أن كون المتشابه أعم من مطلق المنسوخ مطلقا لا وجه له إلا أن يخص بمنسوخ لم يعلم نسخه كما أومأنا إليه و قيل الظاهر أن الفاء للتفسير لزيادة تفظيع حالهم بأنهم يتبعون المنسوخات و المتشابهات دون المحكمات و الناسخات لأن المنسوخات من باب المتشابهات في التشابه إذ يشتبه عليهم ثباتها و بقاؤها و المحكمات من قبيل الناسخات في الثبات و البقاء فإذا اتبعوا المتشابهات اتبعوا المنسوخات لأنهما من باب واحد و إذا اتبعوا المنسوخات لم يتبعوا الناسخات و إذا لم يتبعوا الناسخات لم يتبعوا المحكمات لأنهما أيضا من باب واحد. قوله عليه السلام إن الله عز و جل بعث نوحا هذا شروع في المقصود و حاصله أن الإيمان في بداية بعثة كل رسول كان مجرد التصديق بالتوحيد و الرسالة و من مات عليه حينئذ كان مؤمنا و وجبت له الجنة فلما استجابوا لهم ذلك و كثرت أتباعهم وضعوا أعمالا و شرائع و أوجبوها عليهم و أوعدوا على تركها النار فصارت تلك الأعمال أجزاء للإيمان. فأول أولي العزم من الأنبياء كان نوحا عليه السلام فحين بعثه أمرهم أولا بالتوحيد و الإقرار بنبوته فقط و كان ذلك الإيمان حيث قال في سورة نوح إِنَّا أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ أَنْ أَنْذِرْ قَوْمَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ أي مخلصا من غير شرك وَ اتَّقُوهُ أي اتقوا عذابه الذي قرره على الشرك وَ أَطِيعُونِ فيما آمركم به و أذعنوا لنبوتي فلم يذكر فيما أنذرهم به إلا هذين الأمرين ثم دعاهم أي ثم بعد ذلك استمر على هذه الدعوة زمانا طويلا فكانت دعوته منحصرة في التوحيد و نفي الشريك و كان قبولهم ذلك منه مستلزما للإذعان بنبوته. ثم بعث الأنبياء أي ثم بعث سائر أولي العزم في أول بعثتهم على هذا الأمر فقط إلى أن انتهت سلسلة أولي العزم و سائر الأنبياء إلى محمد ص فكان ص في أول بعثته بمكة يدعوهم إلى التوحيد و ما يتبعه من الإقرار بالنبوة بل المعاد أيضا فإنه أيضا من الأمور التي نزلت الآيات المشتملة على التهديدات العظيمة فيها قبل الهجرة فالمراد جميع أصول الدين سوى الإمامة و ذكر التوحيد على المثال أو على أن الإقرار به مستلزم للإقرار بسائر الأصول و يؤيده قوله عليه السلام بعد ذلك الإقرار بما جاء به من عند الله. قوله عليه السلام و قال أي في سورة الشورى و هي مكية على ما ذكره المفسرون إلا قوله وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا وَ الَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ إلى قوله لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ عن الحسن و على قول ابن عباس و قتادة إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إلى قوله لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ و على التقادير الآيات المذكورة مكية و الاستشهاد بالآية لأن الدين المشترك بين جميع الأنبياء هي الأصول الدينية التي لا تختلف باختلاف الشرائع مع أن قوله سبحانه كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ يشعر بأن الدين في ذلك الوقت كانت التوحيد و نفي الشرك مع الإقرار بالنبوة لقوله تعالى اللَّهُ يَجْتَبِي قال الطبرسي رحمه الله شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً أي بين لكم و نهج و أوضح من الدين و التوحيد و البراءة من الشرك ما وصى به نوحا وَ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أي و هو الذي أوحينا إليك يا محمد وَ هو ما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ وَ مُوسى وَ عِيسى ثم بين ذلك بقوله أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ و إقامة الدين التمسك به و العمل بموجبه و الدوام عليه و الدعاء إليه وَ لا تَتَفَرَّقُوا أي لا تختلفوا فِيهِ و ائتلفوا فيه و اتفقوا و كونوا عباد الله إخوانا كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ من توحيد الله و الإخلاص له و رفض الأوثان و ترك دين الآباء لأنهم قالوا أَ جَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً و قيل معناه ثقل عليهم و عظم اختيارنا لك بما تدعوهم إليه و تخصيصك بالوحي و النبوة دونهم اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشاءُ أي ليس لهم الاختيار لأن الله يصطفي لرسالته من يشاء على حسب ما يعلم من قيامه بأعباء الرسالة و قيل. معناه الله يصطفي من عباده لدينه من يشاء وَ يَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ أي و يرشد إلى دينه من يقبل إلى طاعته أو يهدي إلى جنته و ثوابه من يرجع إليه بالنية و الإخلاص. قوله عليه السلام فمن آمن مخلصا أي بقلبه و لسانه دون لسانه فقط و لم يخلطه بشرك و ذلك أن الله كأنه إشارة إلى إدخاله الجنة بمجرد الشهادة و الإقرار و إن لم يعمل من الطاعات شيئا و لم يترك سائر المحرمات لأنه كان بذلك مؤمنا في ذلك الزمان و إدخال المؤمن النار ظلم و ذلك أن الله المشار إليه بذلك إما عدم تعذيب من ترك العمل بالنار أو أنه إن لم يدخله الجنة و أدخله النار كان ظالما. و هذا الكلام يحتمل وجهين أحدهما أن تكون المعاصي التي نهي عنها في مكة من المكروهات و يكون النهي عنها نهي تنزيه و الطاعات التي أمر بها فيها من المستحبات فالتعليل حينئذ ظاهر لأن التعذيب على ترك المستحبات و فعل المكروهات في الآخرة ظلم و ثانيهما أن يكون النهي عن المعاصي نهي تحريم و الأمر بالطاعات أمر وجوب لكن لم يوعد على فعل المعاصي و ترك الطاعات النار و لم يغلظ فيهما و إنما أوعد النار على الشرك و الإخلال بالعقائد و إنكار النبوة و المعاد فهي كانت بمنزلة الفرائض و الكبائر و غيرها بمنزلة الصغائر و سائر الواجبات و قد أوجب الله تعالى على نفسه لسعة كرمه و رحمته أن لا يؤاخذ مجتنب الكبائر بفعل الصغائر فلو عذبهم بها كان ظلما من حيث الإخلال بما أوجب على نفسه من العفو عنهم. أو يقال التعذيب بالنار مع ترك الإيعاد بها ظلم أو يقال التعذيب بالنار العظيم الأليم أبدا أو مدة طويلة بمحض النهي من غير تهديد و وعيد و تغليظ لا سيما ممن كملت قدرته و وسعت رحمته ظلم أو يقال اللطف على الله تعالى واجب و أعظم الألطاف التهديد و الوعيد بالنار فتركه ظلم أو يقال أطلق الظلم على خلاف الأولى مجازا و الكل مبني على أن الأعمال و التروك التي هي أجزاء الإيمان إنما هي ما يستحق بتركه الدخول في النار و في مكة سوى العقائد لم تكن كذلك و لما شرع في المدينة شرائع و جعل فيها فرائض و كبائر يستحق بترك الأولى و فعل الثانية دخول النار جعلتا من أجزاء الإيمان. جعل لكل نبي إشارة إلى قوله تعالى في المائدة و هي مدنية لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً قال البيضاوي شِرْعَةً شريعة و هي الطريقة إلى الماء شبه بها الدين لأنه طريق إلى ما هو سبب الحياة الأبدية و قرئ بفتح الشين وَ مِنْهاجاً و طريقا واضحا في الدين من نهج الأمر إذا وضح و استدل به على أنا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة انتهى. و قال الراغب الشرع نهج الطريق الواضح يقال شرعت له طريقا و الشرع مصدر ثم جعل اسما للطريق النهج فقيل له شرع و شرعة و شريعة و استعير ذلك للطريقة الإلهية من الدين قال تعالى لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً فذلك إشارة إلى أمرين أحدهما ما سخر الله تعالى عليه كل إنسان من طريق يتحراه مما يعود إلى مصالح عباده و عمارة بلاده و ذلك المشار إليه بقوله وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا الثاني ما قيض له من الدين و أمره به ليتحراه اختيارا مما يختلف فيه الشرائع و يعترضه النسخ و دل عليه قوله ثُمَّ جَعَلْناكَ عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْها قال ابن عباس الشرعة ما ورد به القرآن و المنهاج ما ورد به السنة و قوله شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً الآية فإشارة إلى الأصول التي تتساوى فيها الملل و لا يصح عليها النسخ كمعرفة الله و نحو ذلك من نحو ما دل عليه قوله وَ مَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ كُتُبِهِ وَ رُسُلِهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ قال بعضهم سميت الشريعة شريعة تشبيها بشريعة الماء من حيث إن من شرع فيها على الحقيقة المصدوقة روي و تطهر قال و أعني بالري ما قال بعض الحكماء كنت أشرب فلا أروى فلما عرفت الله رويت بلا شرب و بالتطهر ما قال تعالى إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً انتهى. و الشرعة و المنهاج متقاربان في المعنى كما أن اللفظين اللذين فسرهما عليهما السلام بهما أيضا متقاربان فيحتمل أن يكونا تفسيرين لكل منهما أو يكون على اللف و النشر فعلى الأول أطلق على أعمال الدين و أحكامه الشرعة لإيصالها العامل بها إلى الحياة الأبدية و التطهر من الأدناس الردية و المنهاج لأنها كالطريق الواضح الموصل إلى المقصود من الجنة الباقية و الدرجات العالية و على الثاني المراد بالأول الواجبات و بالثاني المستحبات و لذا عبر عليه السلام عن الثاني بالسنة أو بالأول العبادات و بالثاني سائر الأحكام و الوجه الأول أوفق بقوله و كان من السبيل و السنة و إن أمكن أن يكون المراد من مجموعهما و إن كان من أحدهما. قال الطبرسي رحمه الله الشرعة و الشريعة واحدة و هي الطريقة الظاهرة و الشريعة هي الطريقة التي يوصل منه إلى الماء الذي فيه الحياة فقيل الشريعة في الدين للطريق الذي يوصل منه إلى الحياة في النعيم و هي الأمور التي يعبد الله بها من جهة السمع و الأصل فيه الظهور و المنهاج الطريق المستمر يقال طريق نهج و منهج أي بين و قال المبرد الشرعة ابتداء الطريق و المنهاج الطريق المستقيم قال و هذه الألفاظ إذا تكررت فلزيادة فائدة فيه و قد جاء أيضا لمعنى واحد كقول الشاعر أقوى و أقفر و هما بمعنى انتهى. قوله أن جعل عليهم السبت قال الراغب أصل السبت قطع العمل و منه سبت السير أي قطعه و سبت شعره حلقه و قيل سمي يوم السبت لأن الله تعالى ابتداء بخلق السماوات و الأرض يوم الأحد فخلقها في ستة أيام كما ذكره فقطع عمله يوم السبت فسمي بذلك و سبت فلان صار في السبت و قوله عز و جل يَوْمَ سَبْتِهِمْ قيل يوم قطعهم للعمل وَ يَوْمَ لا يَسْبِتُونَ قيل معناه لا يقطعون العمل و قيل يوم لا يكونون في السبت و كلاهما إشارة إلى حالة واحدة و قوله إِنَّما جُعِلَ السَّبْتُ أي ترك العمل فيه انتهى. قوله عليه السلام و لم يستحل الظاهر أن المراد بالاستحلال هنا الجرأة على الله و انتهاك ما حرم الله فكأنه عده حلالا لقوله بعد ذلك و لا شكوا في شيء مما جاء به موسى و ما قيل دل على أن مخالفة الأحكام كفر يوجب دخول النار مع الاستحلال و الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأمة و ما ذلك إلا لأن الإقرار بها و العمل بها داخلان في الإيمان و إذا كان كذلك كان تاركها و إن لم يستحل كافرا يعذب بالنار أيضا فلا يخفى وهنه. حيث استحلوا الحيتان أي استحلوا صيدها أو أكلها أو حبسها أيضا و قوله يوم السبت ظرف لكل من احتبسوها و أكلوها أو لاستحلوا أيضا أي استحلوا أولا حبسها يوم السبت ثم استحلوا صيدها و أكلها فيه و قيل يوم السبت ظرف لاحتبسوها لا لأكلوها أي احتبسوا يوم السبت في مضيق بسد الطريق عليها ثم اصطادوها يوم الأحد و أكلوها فعلوا ذلك حيلة و لم تنفعهم لأن احتباسها فيه هتك لحرمته فخرجوا بذلك من الإيمان إلى الكفر و لذلك غضب الله عليهم من غير أن يشركوا بالرحمن و أن يشكوا في رسالة موسى و ما جاء به و لذلك لم يصطادوا يوم السبت فعلم أن الإيمان ليس مجرد التصديق بل هو مع العمل لأن المؤمن لا يغضب و لا يدخل النار و فيه شيء لأن استحلالهم الحيتان ينافي ظاهرا عدم شكهم بما جاء به موسى و يمكن دفعه بأن ما جاء به موسى تحريم الحيتان يوم السبت و هم استحلوها يوم الأحد و لحق بهم ما لحق بسبب احتباسهم يوم السبت انتهى. و أقول قد عرفت معنى الاستحلال و هو معنى شائع في المحاورات فلا يرد ما أورده و أما الجواب الذي ذكره فهو أيضا لا يسمن و لا يغني من جوع لأن الاحتباس إذا لم يكن منهيا عنه فكيف عذبوا عليه و إن كان داخلا فيما نهوا عنه عاد الإشكال مع أن ظاهر أكثر الروايات المعتبرة أنهم بعد تلك الحيلة تعدى أكثرهم إلى الصيد و الأكل يوم السبت فاعتزلت طائفة منهم فلم يمسخوا و بقيت طائفة منهم فمسخوا أيضا لتركهم النهي عن المنكر و إن اختلف المفسرون في ذلك. قال في مجمع البيان اختلف في أنهم كيف اصطادوا فقيل إنهم ألقوا الشبكة في الماء يوم السبت حتى كان يقع فيها السمك ثم كانوا لا يخرجون الشبكة من الماء إلى يوم الأحد و هذا السبب محظور و في رواية ابن عباس اتخذوا الحياض فكانوا يسوقون الحيتان إليها و لا يمكنها الخروج منها فيأخذونها يوم الأحد و قيل إنهم اصطادوها و تناولوها باليد يوم السبت عن الحسن. وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ قال البيضاوي السبت مصدر سبتت اليهود إذا عظمت يوم السبت و أصله القطع أمروا أن يجردوه للعبادة فاعتدى فيه ناس منهم في زمن داود عليه السلام و اشتغلوا بالصيد و ذلك أنهم كانوا يسكنون قرية على الساحل يقال لها أيلة و إذا كان يوم السبت لم يبق حوت في البحر إلا حضر هناك و أخرج خرطومه و إذا مضى تفرقت فحفروا حياضا و شرعوا إليها الجداول و كانت الحيتان تدخلها يوم السبت فيصطادونها يوم الأحد فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ جامعين بين صورة القردة و الخسوء و هو الصغار و الطرد قال مجاهد ما مسخت صورهم و لكن قلوبهم فمثلوا بالقردة كما مثلوا بالحمار في قوله كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً و قوله كُونُوا ليس بأمر إذ لا قدرة لهم عليه و إنما المراد به سرعة التكوين و أنهم صاروا كذلك كما أراد بهم انتهى. قوله عليه السلام فهدمت أي الشرعة و المنهاج أيضا لكونه بمعنى الطريق يجوز فيه التأنيث و يمكن أن يقرأ على بناء المجهول بإضمار السنة في السبت و قوله أن يعظموه بدل اشتمال للضمير و عامة عطف على السبت سبيل عيسى أي شرائعه المختصة به قوله عليه السلام و إن كان الذي جاء به النبيون أي هدمت شريعة عيسى عامة ما كانوا عليه و إن كان الذي جاء به النبيون من التوحيد و سائر الأصول باقيا لم يتغير أو المعنى أدخله الله النار و إن كان منه الإقرار بما جاء به النبيون و هو التوحيد و نفي الشرك و قوله أن لا يشركوا عطف بيان أو بدل للموصول و على الوجهين يحتمل كون كان تامة و ناقصة و قيل الموصول اسم كان و أن لا يشركوا خبره و له أيضا وجه و إن كان بعيدا. قوله عليه السلام عشر سنين أقول هذا مخالف لما مر في تاريخ النبي ص و لما هو المشهور من أنه ص أقام بعد البعثة بمكة ثلاث عشرة سنة فقيل هو مبني على إسقاط الكسور بين العددين و هو بعيد في مثل هذا الكسر و الذي سنح لي أنه مبني على ما يظهر من الأخبار أنه لما نزل وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ و كان أول بعثته دعا بني عبد المطلب و أظهر لهم رسالته و دعاهم إلى بيعته و الإيمان به فلم يؤمن به إلا علي عليه السلام ثم خديجة رضي الله عنها ثم جعفر رضي الله عنه و كان على ذلك ثلاث سنين حتى نزل فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ فدعا الناس إلى الإسلام فلذا لم يعد عليه السلام تلك الثلاث سنين من أيام البعثة لأنها لم تكن بعثة عامة مؤكدة و قد مرت الأخبار في المجلد الثالث في ذلك و يحتمل أن يكون مبنيا على إسقاط سني الهجرة إلى شعب أبي طالب أو إسقاط الثلاث سنين بعد وفاة أبي طالب رضي الله عنه لعدم تمكنه في هاتين المدتين من التبليغ كما ينبغي لكنهما بعيدان و الأظهر ما ذكرنا أولا. قوله عليه السلام يشهد أن لا إله إلا الله الظاهر أن المراد به الشهادة القلبية بالتوحيد و الرسالة و ما يلزمهما فقط أو مع الإقرار باللسان أو عدم الإنكار الظاهري لا مجرد الإقرار باللسان بقرينة قوله و هو إيمان التصديق و قد عرفت أن الإيمان الظاهري فقط لا ينفع في الآخرة و إن احتمل التعميم و يكون قوله إلا من أشرك بالرحمن أي قلبا استثناء منه فيرجع إلى ما ذكرنا أولا و على الأول يكون الاستثناء منقطعا و على التقديرين يكون المراد بقوله و هو إيمان التصديق أنه الإيمان بمعنى التصديق فقط و لا يدخل فيه الأعمال لا شرطا و لا شطرا و إن كانت سببا لكماله بخلاف الإيمان بعد الهجرة فإن الأعمال قد دخلت فيه على أحد الوجهين و ذلك لأنهم لم يكلفوا بعد إلا بالشهادتين فحسب و إنما نهوا عن أشياء نهي أدب و عظة و تخفيف ثم نسخ ذلك بالتغليظ في الكبائر و التواعد عليها و لم يكن التغليظ و التواعد يومئذ إلا في الشرك خاصة فلما جاء التغليظ و الإيعاد بالنار في الكبائر ثبت الكفر و العذاب بالمخالفة فيها. و تصديق ذلك أي دليل ما ذكرنا من التفاوت في التكاليف و معنى الإيمان قبل الهجرة و بعدها و قال الفاضل الأسترآبادي بيان لأول الواجبات على المكلفين و أن تكاليف الله تعالى ينزل على التدريج و في كتاب الأطعمة من تهذيب الأحكام أحاديث صريحة في التدريج في التكاليف انتهى. و لنذكر تفسير الآيات التي أسقطت اختصارا إما من الإمام عليه السلام أو من الراوي قال تعالى قبل تلك الآيات لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُوماً مَخْذُولًا ثم قال وَ قَضى رَبُّكَ قيل أي أمر أمرا مقطوعا به أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ لأن غاية التعظيم لا تحق إلا لمن له غاية العظمة و نهاية الإنعام وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً أي بأن تحسنوا أو أحسنوا بالوالدين إحسانا لأنهما السبب الظاهر للوجود و التعيش إِمَّا يَبْلُغَنَ إما إن الشرطية زيدت عليها ما للتأكيد عِنْدَكَ الْكِبَرَ في كنف و كفالتك أَحَدُهُما أَوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ إن أضجراك وَ لا تَنْهَرْهُما أي و لا تزجرهما إن ضرباك وَ قُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيماً أي حسنا جميلا وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِ أي تذلل لهما و تواضع مِنَ الرَّحْمَةِ أي من فرط رحمتك عليهما وَ قُلْ رَبِّ ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيراً جزاء لرحمتهما علي و تربيتهما و إرشادهما لي في صغري. رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً - عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام الْأَوَّابُونَ التَّوَّابُونَ الْمُتَعَبِّدُونَ.. وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ لا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً و هو صرف المال فيما لا ينبغي و إنفاقه على وجه الإسراف إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ أي أمثالهم وَ كانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً أي مبالغا في الكفر وَ إِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً وَ لا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَ لا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً أي فتصير ملوما عند الله و عند الناس بالإسراف و سوء التدبير مَحْسُوراً أي نادما أو منقطعا بك لا شيء عندك إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَقْدِرُ أي يوسعه و يضيقه بمشيته التابعة للحكمة إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً يعلم سرهم و علانيتهم. قوله أدب و عظة أي كلما ذكر في تلك الآيات سوى صدر الأولى و هو قوله وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ تأديب و موعظة و هذا مبني على أن قوله وَ بِالْوالِدَيْنِ بتقدير و أحسنوا عطفا على جملة قَضى رَبُّكَ لأن فيها تأكيدا و تهديدا في الجملة و يحتمل أن يكون المراد جميعها لكن وقع التهديد على الشرك فيما مر و فيما سيأتي من الآيات كقوله لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فإن قيل قوله وَ آتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ إلى قوله كَفُوراً فيه وعيد و تهديد قلنا ليس محض كونهم إخوان الشياطين تهديدا و وعيدا صريحا بالنار بل قيل قوله كانُوا يدل على أن في أواخر شرائع سائر أولي العزم كانت كذلك فلا يدل صريحا على أن في تلك الشريعة أيضا كذلك و الاجتراح الاكتساب. وَ لا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ قيل أي مخافة الفاقة و قتلهم أولادهم وأدهم بناتهم مخافة الفقر فنهاهم عنه و ضمن لهم أرزاقهم فقال نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَ إِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كانَ خِطْأً كَبِيراً أي ذنبا كبيرا لما فيه من قطع التناسل و انقطاع النوع و الخطء الإثم يقال خطأ خطأ كأثم إثما و قرأ ابن عامر خطأ بالتحريك و هو اسم من أخطأ يضاد الثواب و قيل لغة فيه كمثل و مثل و حذر و حذر و قرأ ابن كثير خطاء بالمد و الكسر و هو إما لغة أو مصدر خاطأ و قرئ خطاء بالفتح و المد و خطأ بحذف الهمزة مفتوحا و مكسورا و على التقادير ليس فيه تصريح بكونه ذنبا و لا ترتب العقوبة عليه. وَ لا تَقْرَبُوا الزِّنى بالقصد و إتيان المقدمات فضلا أن تباشروه إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً فعلة ظاهرة القبح زائدته وَ ساءَ سَبِيلًا أي و بئس طريقا طريقه و هو الغصب على الأبضاع المؤدي إلى قطع الأنساب و هيج الفتن وَ لا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِ قيل أي إلا بإحدى ثلاث خصال كفر بعد إيمان و زنا بعد إحصان و قتل مؤمن معصوم عمدا وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً غير مستوجب للقتل فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ للذي يلي أمره بعد وفاته و هو الوارث سُلْطاناً أي تسلطا بالمؤاخذة بمقتضى القتل فَلا يُسْرِفْ أي القاتل فِي الْقَتْلِ بأن يقتل من لا يحق قتله فإن العاقل لا يفعل ما يعود عليه بالهلاك أو الولي بالمثلة أو قتل غير القاتل إِنَّهُ كانَ مَنْصُوراً علة النهي على الاستئناف و الضمير إما للمقتول فإنه منصور في الدنيا بثبوت القصاص بقتله و في الآخرة بالثواب و إما لوليه فإن الله نصره حيث أوجب القصاص له و أمر الولاة بمعونته و إما للذي يقتله الولي إسرافا بإيجاب القصاص و التعزير و الوزر على المسرف. وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ فضلا أن تتصرفوا فيه إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي إلا بالطريقة التي هي أحسن حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ غاية لجواز التصرف الذي يدل عليه الاستثناء وَ أَوْفُوا بِالْعَهْدِ بما عاهدكم الله من تكاليفه أو ما عاهدتموه و غيره إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا مطلوبا يطلب من المعاهد أن لا يضيعه و يفي به أو مسئولا عنه يسأل الناكث و يعاتب عليه أو يسأل العهد لم نكثت تبكيتا للناكث كما يقال للموئودة بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ و يجوز أن يراد أن صاحب العهد كان مسئولا وَ أَوْفُوا الْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ و لا تبخسوا فيه وَ زِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ بالميزان السوي و هو رومي عرب و قرأ حمزة و الكسائي و حفص بكسر القاف ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا أي و أحسن عاقبة تفعيل من آل إذا رجع. وَ لا تَقْفُ و لا تتبع ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ما لم يتعلق به علمك تقليدا أو رجما بالغيب قيل و احتج به من منع من اتباع الظن و جوابه أن المراد بالعلم هو الاعتقاد الراجح المستفاد من سند سواء كان قطعا أو ظنا و استعماله بهذا المعنى شائع و قيل إنه مخصوص بالعقائد و قيل بالرمي و شهادة الزور إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ أي كل هذه الأعضاء فأجراها مجرى العقلاء لما كانت مسئولة عن أحوالها شاهدة على صاحبها هذا و إن أولاء و إن غلب على العقلاء لكنه من حيث إنه اسم جمع لذا و هو يعم القبيلين جاء لغيرهم كقوله و العيش بعد أولئك الأيام كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا في ثلاثتها ضمير كل أي كان كل واحد منها مسئولا عن نفسه يعني عما فعل به صاحبه و يجوز أن يكون الضمير في عَنْهُ لمصدر وَ لا تَقْفُ أو لصاحب السمع و البصر و قيل مَسْؤُلًا مسند إلى عَنْهُ كقوله غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ و المعنى يسأل صاحبه عنه و هو خطاء لأن الفاعل و ما يقوم مقامه لا يتقدم و قيل المراد بسؤال الجوارح إما سؤال نفسها أو سؤال أصحابها كما يظهر من أُولئِكَ أو جعلت بمنزلة ذوي العقول أو هم ذوو العقول مع الله تعالى. وَ لا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً أي ذا مرح و هو الاختيال و في القاموس المرح شدة الفرح و النشاط إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ لن تجعل فيها خرقا بشدة وطأتك وَ لَنْ تَبْلُغَ الْجِبالَ طُولًا بتطاولك و مد عنقك و هو تهكم بالمختال و تعليل للنهي بأن الاختيال حماقة مجردة لا تعود بجدوى ليس في التذلل كُلُّ ذلِكَ كانَ سَيِّئُهُ قيل يعني المنهي عنه فإن المذكور مأمورات و مناهي و قرأ الحجازيان و البصريان سيئة على أنها خبر كان و الاسم ضمير كُلُ و ذلِكَ إشارة إلى ما نهي عنه خاصة و على هذا قوله عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً بدل من سيئه أو صفة لها محمولة على المعنى. ذلِكَ إشارة إلى الأحكام المتقدمة مِمَّا أَوْحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ التي هي معرفة الحق لذاته و الخير للعمل به وَ لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ كرره للتنبيه على أن التوحيد مبدأ الأمر و منتهاه و رأس الحكمة و ملاكها مَلُوماً تلوم نفسك مَدْحُوراً مطرودا مبعدا من رحمة الله. و أقول هذا شروع في ذكر الآيات التي نزلت بمكة مشتملة على الوعيد بالنار و التهديد في الشرك و نحوه بخلاف ما ورد في غيره مما مضى فإن كونه خطأ كبيرا و فاحشة و مسئولا و مسئولا عنه و مكروها ليس في شيء منها تصريح بالعذاب و النكال الأخروي و لا يحتاج إلى ما يتكلف بأن كانَ خِطْأً و كانَ فاحِشَةً و كانَ مَسْؤُلًا و كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا و كانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً محمولة على أنها كانت في أواخر الأمم السابقة كذلك و ستصير في هذه الأمة أيضا بعد ذلك كذلك فإنه في غاية البعد و زيادة كان في هذه المقامات كثيرة في الذكر الحميد كقوله وَ كانَ رَبُّكَ قَدِيراً و كانَ غَفُوراً رَحِيماً بل الوجه ما ذكرنا فتفطن. ناراً تَلَظَّى أي تتلهب لا يَصْلاها أي لا يلزمها مقاسيا شدتها إِلَّا الْأَشْقَى قيل أي إلا الكافر فإن الفاسق و إن دخلها لم يلزمها و لكن سماه أشقى و وصفه بقوله الَّذِي كَذَّبَ وَ تَوَلَّى أي كذب بالحق و أعرض عن الطاعة كذا ذكره البيضاوي و قال في قوله تعالى بعد ذلك وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى أي الذي اتقى الشرك و المعاصي فإنه لا يدخلها فضلا أن يدخلها و يصلاها و مفهوم ذلك أن من اتقى الشرك دون المعصية لا يجنبها و لا يلزم ذلك صليها فلا يخالف الحصر السابق انتهى. و قال الطبرسي رحمه الله لا يَصْلاها أي لا يدخل تلك النار و لا يلزمها إِلَّا الْأَشْقَى و هو الكافر بالله الَّذِي كَذَّبَ بآيات الله و رسله وَ تَوَلَّى أي أعرض عن الإيمان وَ سَيُجَنَّبُهَا أي سيجنب النار و يجعل منها على جانب الْأَتْقَى المبالغ في التقوى الَّذِي يُؤْتِي مالَهُ أي ينفقه في سبيل الله يَتَزَكَّى أي يكون عند الله زكيا لا يطلب بذلك رياء و لا سمعة. قال القاضي قوله لا يَصْلاها الآية لا يدل على أنه تعالى لا يدخل النار إلا الكافر على ما تقوله الخوارج و بعض المرجئة و ذلك لأنه نكر النار المذكورة و لم يعرفها فالمراد بذلك أن نارا من جملة النيران لا يصليها إلا من هذه حاله و النيران دركات على ما بينه سبحانه في سورة النساء في شأن المنافقين فمن أين عرف أن غير هذه النار لا يصليها قوم آخرون و بعد فإن الظاهر من الآية يوجب أن لا يدخل النار إلا من كذب و تولى و جمع بين الأمرين فلا بد للقوم من القول بخلافه لأنهم يوجبون النار لمن يتولى عن كثير من الواجبات و إن لم يكذب و قيل إن الأتقى و الأشقى المراد بهما التقي و الشقي انتهى. ثم اعلم أنه عليه السلام استدل بالآيات الأول على أن وعيد النار في مكة إنما كان على الكفار لأنه سبحانه حصر الصلي بالنار على الأشقى الذي كذب الرسول و تولى عن قبول قوله في التوحيد أو الأعم و من كذب الرسول و أعرض عما جاء به كافر مشرك فظهر أنه لم يكن يومئذ يستحق النار غير المشركين و الكفار من الفساق و إليه أشار عليه السلام بقوله فهذا مشرك و هذا وجه حسن و استدلال متين لكن كيف يستقيم على هذا الآيات التالية و هي قوله وَ سَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى إلخ فإنها تدل على أن غير الأتقى لا يجنب النار. و يمكن الجواب عنه بوجوه. الأول أن المضارع في قوله تعالى لا يَصْلاها للحال و استعمل الصلي في سببه مجازا أي الحكم في الحال قبل الهجرة أنه لا يدخلها إلا المشرك و في قوله سَيُجَنَّبُهَا للاستقبال القريب إخبارا عن التكاليف المدنية بعد دخول الأعمال في الإيمان فلا تنافي بينهما و تكون الآيات جمع دالة على الحكمين صريحا. الثاني أن يقال إن الآيات التالية نزلت بالمدينة كما روي في تفسير علي بن إبراهيم أنها نزلت في أبي الدحداح بالمدينة لكن ظاهر الرواية أن الآيات الأول أيضا نزلت بالمدينة الثالث أن يقال إن الآيات الأخيرة و إن كانت دالة على عدم تجنب الفساق النار لكنها دلالة ضعيفة بالمفهوم فما يدل صريحا على دخول النار إنما هو في الكفار و ما يدل على حكم الفجار فليس فيه وعيد صريح و تهديد عظيم بل يدل دلالة ضعيفة على عدم الحكم بأنهم لا يدخلونها لا سيما مع الحصر المتقدم و لعل السر في هذا الإجمال عدم اجترائهم على المعاصي. وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ وَراءَ ظَهْرِهِ أي يؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره قيل يغل يمناه إلى عنقه و يجعل يسراه وراء ظهره فَسَوْفَ يَدْعُوا ثُبُوراً أي يتمنى الثبور و يقول وا ثبوراه و هو الهلاك وَ يَصْلى سَعِيراً أي نارا مسعرة إِنَّهُ كانَ فِي أَهْلِهِ أي في الدنيا مَسْرُوراً بطرا بالمال و الجاه فارغا عن ذكر الآخرة إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ أي لن يرجع بعد أن يموت بَلى يرجع إِنَّ رَبَّهُ كانَ بِهِ بَصِيراً أي عالما بأعماله فلا يهمله بل يرجعه و يجازيه فهذا مشرك لأنه أنكر البعث و إنكاره كفر أو كان لا ينكره حينئذ إلا المشركون. كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أي جماعة من الكفرة سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أي خزنة جهنم أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ يخوفكم هذا العذاب و هو توبيخ و تبكيت قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا أي الرسل و أفرطنا في التكذيب حتى نفينا الإنزال رأسا و بالغنا في نسبتهم إلى الضلال حيث قالوا بعد ذلك إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ فهؤلاء مشركون لتكذيبهم بكتب الله و رسله. وَ أَمَّا إِنْ كانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ بالبعث و الرسل و آيات الله الضَّالِّينَ عن الهدى الذاهبين عن الصواب و الحق فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ أي فنزلهم الذي أعد لهم من الطعام و الشراب من حميم جهنم وَ تَصْلِيَةُ جَحِيمٍ أي إدخال نار عظيمة فهؤلاء مشركون للتصريح بأنهم كانوا من المكذبين الضالين. وَ أَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِشِمالِهِ فَيَقُولُ لما رأى من قبح العمل و سوء العاقبة يا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتابِيَهْ وَ لَمْ أَدْرِ ما حِسابِيَهْ الهاء فيهما و فيما بعدهما للسكت تثبت في الوقف و تسقط في الوصل و قالوا استحب الوقف لثباتها في الإمام و لذلك قرئ بإثباتها في الوصل يا لَيْتَها أي يا ليت الموتة التي متها كانَتِ الْقاضِيَةَ أي القاطعة لأمري فلم أبعث بعدها أو يا ليت هذه الحالة كانت الموتة التي قضيت علي أو يا ليت حياة الدنيا كانت الموتة و لم أخلق حيا ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ أي ما لي من المال و التبع أو ما نفي و المفعول محذوف أو استفهام إنكار مفعول لأغنى و بعد ذلك هَلَكَ عَنِّي سُلْطانِيَهْ أي ملكي و تسلطي على الناس أو حجتي التي كنت أحتج بها في الدنيا خُذُوهُ يقوله الله لخزنة جهنم فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ أي ثم لا تصلوه إلا الجحيم و هي النار العظمى لأنه كان يتعظم على الناس ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُها سَبْعُونَ ذِراعاً فَاسْلُكُوهُ أي فأدخلوه فيها بأن تلقوه على جسده إِنَّهُ كانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ فدل على أن هذا الوعيد بالنار لمن لا يؤمن بالله من الكفار فهذا مشرك. قوله في طسم أي في الشعراء وَ بُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ فيرونها مكشوفة و يتحسرون على أنهم المسوقون إليها وَ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أي أين آلهتكم الذين تزعمون أنهم شفعاؤكم هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ بدفع العذاب عنكم أَوْ يَنْتَصِرُونَ بدفعه عن أنفسهم لأنهم و آلهتهم يدخلون النار كما قال فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ أي الآلهة و عبدتهم و الكبكبة تكرير الكب لتكرير معناه كأن من ألقي في النار ينكب مرة بعد أخرى حتى يستقر في قعرها وَ جُنُودُ إِبْلِيسَ قيل متبعوه من عتاة الثقلين أو شياطينه أَجْمَعُونَ تأكيد للجنود إن جعل مبتدأ خبره ما بعده أو للضمير و ما عطف عليه و كذا الضمير المنفصل و ما يعود إليه في قوله قالُوا وَ هُمْ فِيها يَخْتَصِمُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ على أن الله ينطق الأصنام فتخاصم العبدة و يؤيده الخطاب في قوله إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ أي في استحقاق العبادة و يجوز أن تكون الضمائر للعبدة كما في قالوا و الخطاب للمبالغة في التحسر و الندامة و المعنى أنهم مع تخاصمهم في مبدإ ضلالهم معترفون بانهماكهم في الضلالة متحسرون عليها كذا ذكره البيضاوي في تفسير تلك الآيات فقوله عليه السلام يعني المشركين هو خبر لقوله قوله بحذف العائد أي يعني به و المعنى أن المراد بالمجرمين المشركون الذين اتبعتهم هؤلاء القائلون على شركهم و كلاهما من أمة محمد ص و تصديق ذلك أي تصديق أن المراد بهم المشركون من هذه الأمة أن الله تعالى ذكر بعد تلك الآيات أحوال المشركين و عبدة الأوثان من كل أمة و لم يدخل فيهم اليهود و النصارى فالظاهر أن يكون المراد هنا أيضا طائفة مخصوصة و ليس هم اليهود و النصارى لقوله تعالى سابقا فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَ الْغاوُونَ لدلالته على أن معبوديهم في النار فلم يبق إلا أن يكونوا من هذه الأمة أو يكتفى بالوجه الأول و يقال لما كان الظاهر من الآيات اللاحقة اختصاص الكلام بعبدة الأوثان فالظاهر هنا أيضا أن يكون المراد به من هو من جنسهم و لم يبق من الأمم المشهورة الذين تعرض الله لذكرهم في القرآن إلا هذه الأمة فهم المرادون به. و قوله كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ كأنه نقل بالمعنى لأن تلك الآيات في سورة الشعراء و ليس فيها قبلهم و إنما هو في ص و المؤمن و يحتمل أن يكون في مصحفهم عليه السلام هكذا هذا ما خطر بالبال و قيل لعل المراد أن القائلين بهذا القول أعني قولهم وَ ما أَضَلَّنا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ هم مشركو قوم نبينا ص الذين اتبعوا آباءهم المكذبين للأنبياء بدليل أن الله سبحانه ذكر عقيب ذلك في مقام التفصيل المكذبين للأنبياء طائفة بعد طائفة و ليس المراد بهم أحدا من اليهود و النصارى الذين صدقوا نبيهم و إنما أشركوا من جهة أخرى و إن كان الفريقان يدخلان النار أيضا فقوله سيدخل الله استدراك لدفع توهم عدم دخولهما النار و عدم دخول غيرهما ممن أساء العمل انتهى. قوله عليه السلام ليس هم اليهود تأكيد لقوله ليس فيهم أو المراد بالأول أنه ليس في القائلين و المجرمين و بالثاني أنه ليس في هؤلاء المكذبين من الأمم السابقة و قيل الأول نفي للتشريك و الثاني نفي للاختصاص و الأوسط أظهر و قولهم مبتدأ إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك من كلامه عليه السلام ذكره تفسيرا للآية و قول الله خبر للمبتدإ و يحتمل أن يكون ذلك مبتدأ ثانيا إشارة إلى قولهم و قول الله خبره و المجموع خبرا للمبتدإ الأول و حاصله أن القولين حكايتان عن قصة واحدة و قيل حين ظرف لقول الله مجازا من قبيل وضع الدال موضع المدلول. ثم اعلم أن الآيات في سورة الأعراف هكذا حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَ شَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّما دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَها حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَ لكِنْ لا تَعْلَمُونَ وَ قالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ فَما كانَ لَكُمْ عَلَيْنا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا
بحار الأنوار - ج ٦٦ - الصفحة ٨٥. — الإمام الباقر عليه السلام
إِنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ أَ لَمْ تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ و قال الجبائي يدخل في الظلم كل كبيرة تحبط ثواب الطاعة قال البلخي و لو اختص الشرك على ما قالوه لوجب أن يكون مرتكب الكبيرة إذا كان مؤمنا كان آمنا و ذلك خلاف القول بالإرجاء و هذا لا يلزم لأنه قول بدليل الخطاب و مرتكب الكبيرة غير آمن و إن كان ذلك معلوما بدليل آخر أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ من الله بحصول الثواب و الأمان من العقاب وَ هُمْ مُهْتَدُونَ أي محكوم لهم بالاهتداء إلى الحق و الدين و قيل إلى الجنة ثم إنه قيل إن هذه الآية من تمام قول إبراهيم عليه السلام و روي ذلك عن علي عليه السلام و قيل إنها من الله على جهة فصل القضاء بين إبراهيم و قومه انتهى. و في الكافي عن الصادق عليه السلام أن الظلم هنا الشك و عنه عليه السلام قال آمنوا بما جاء به محمد ص من الولاية و لم يخلطوها بولاية فلان و فلان و يمكن أن يقال الأمن المطلق و الاهتداء الكامل لمن لم يلبس إيمانه بشيء من الظلم و المعاصي و الأمن من الخلود من النار و الاهتداء في الجملة لمن صحت عقائده ثم بينهما مراتب كثيرة يختلف بحسبها الأمن و الاهتداء.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٦ - الصفحة ١٥٠. — الإمام الكاظم عليه السلام
وَ هَلِ الْإِيمَانُ إِلَّا الْحُبُّ وَ الْبُغْضُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَ الْفُسُوقَ وَ الْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ. سن، المحاسن عن أبيه عن حماد مثله تبيان عن الحب و البغض أي حب الأئمة عليهم السلام و بغض أعدائهم أو الأعم منهما و من حب المؤمنين و الطاعة و بغض المخالفين و المعصية و الغرض من السؤال إما استعلام أن الاعتقاد بإمامة الأئمة عليهم السلام و محبتهم و التبري عن أعدائهم هل هما من أجزاء الإيمان و أصول الدين كما هو مذهب الإمامية أو من فروع الدين و الواجبات الخارجة عن حقيقة الإيمان كما ذهب إليه المخالفون أو استبانة أن حب أولياء الله و بغض أعدائه هل هما من الأمور الاختيارية التي يقع التكليف بها أو هما من فعل الله تعالى و ليس للعبد فيه اختيار فلا يكونان مما كلف الله به و الأول أظهر. فأجاب عليه السلام على الاستفهام الإنكاري بأن مدار الإيمان على الحب و البغض لأن الاعتقاد بالشيء لا ينفك عن حبه و إنكاره عن بغضه أو عمدة الإيمان ولاية الأئمة عليهم السلام و البراءة من أعدائهم إذ بهما يتم الإيمان و بدونهما لا ينفع شيء من العقائد و الأعمال كما مر مفصلا فكأن الإيمان منحصر فيهما أو لما كانا أصل الإيمان و عمدته كيف لم يكونا مكلفا به و كيف لم تكن مباديهما بالاختيار. و الاستشهاد بالآية على الأول ظاهر و على الثاني فلأنه لما حصر الله تعالى الرشد و الصلاح فيهما فلو لم يكونا اختياريين لزم الجبر و التكليف بما لا يطاق و هما منفيان بالدلائل العقلية و النقلة. و أما الآية فقال الطبرسي رحمه الله وَ لكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ أي جعله أحب الأديان إليكم بأن أقام الأدلة على صحته و بما وعد من الثواب عليه وَ زَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ بالألطاف الداعية إليه وَ كَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ بما وصف من العقاب عليه و بوجوه الألطاف الصارفة عنه وَ الْفُسُوقَ أي الخروج عن الطاعة إلى المعاصي وَ الْعِصْيانَ أي جميع المعاصي و قيل الفسوق الكذب و هو المروي عن أبي جعفر عليه السلام أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ يعني الذين وصفهم بالإيمان و زينه في قلوبهم هم المهتدون إلى معالي الأمور و قيل هم الذين أصابوا الرشد و اهتدوا إلى الجنة انتهى. و يحتمل أن يكون المراد بالكفر الإخلال بالعقائد الإيمانية و بالفسوق الكبائر و بالعصيان الصغائر أو الأعم أو بالكفر ترك الإيمان ظاهرا و باطنا و بالفسوق النفاق و بالعصيان جميع المعاصي. و قد ورد في أخبار كثيرة قد مر بعضها أن الإيمان أمير المؤمنين و ولايته و الكفر و الفسوق و العصيان الأول و الثاني و الثالث فيؤيد المعنى الأول الذي ذكرنا في صدر الكلام..
بحار الأنوار - ج ٦٦ - الصفحة ٢٤١. — الإمام الصادق عليه السلام
- و روى العياشي بالإسناد عن عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله عليه السلام قال قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
إِنَّا لَنُحِبُّ مَنْ كَانَ عَاقِلًا فَهِماً فَقِيهاً حَلِيماً مُدَارِياً صَبُوراً صَدُوقاً وَفِيّاً إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَصَّ الْأَنْبِيَاءَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لْيَسْأَلْهُ إِيَّاهَا قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ مَا هُنَّ قَالَ هُنَّ الْوَرَعُ وَ الْقَنَاعَةُ وَ الصَّبْرُ وَ الشُّكْرُ وَ الْحِلْمُ وَ الْحَيَاءُ وَ السَّخَاءُ وَ الشَّجَاعَةُ وَ الْغَيْرَةُ وَ الْبِرُّ وَ صِدْقُ الْحَدِيثِ وَ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ. بيان: قد مر تفسير العقل في أول الكتاب و الأظهر هنا أنه ملكة للنفس تدعو إلى اختيار الخير و النافع و اجتناب الشرور و المضار و بها تقوى النفس على زجر الدواعي الشهوية و الغضبية و الوساوس الشيطانية و الفهم هو جودة تهيئ الذهن لقبول ما يرد عليه من الحق و ينتقل من المبادي إلى المطالب بسرعة و الفقه العلم بالأحكام من الحلال و الحرام و بالأخلاق و آفات النفوس و موانع القرب من الحق و قيل بصيرة قلبية في أمر الدين تابعة للعلم و العمل مستلزمة للخوف و الخشية. و قال الراغب الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم قال تعالى فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ إلى غير ذلك من الآيات و الفقه العلم بأحكام الشريعة يقال فقه الرجل إذا صار فقيها و تفقه إذا طلبه فتخصص به قال تعالى لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ و المداراة الملاطفة و الملاينة مع الناس و ترك مجادلتهم و مناقشتهم و قد يهمز قال في القاموس درأه كجعله دفعه و دارأته داريته و دافعته و لاينته ضد و في النهاية فيه كان لا يداري و لا يماري أي لا يشاغب و لا يخالف و هو مهموز فأما المداراة في حسن الخلق و الصحبة فغير مهموز و قد يهمز انتهى. و الوفي الكثير الوفاء بعهود الله و عهود الخلق و هو قريب من الصدق ملازم له - كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام الْوَفَاءُ تَوْأَمُ الصِّدْقِ. و يومئ الحديث إلى التحريص على محبة الموصوف بالصفات المذكورة و اختيار مصاحبته و الورع قريب من التقوى بل أخص منها ببعض معانيها فإنه يعتبر فيه الكف عن الشبهات بل المكروهات و بعض المباحات قال في النهاية فيه ملاك الدين الورع الورع في الأصل الكف عن المحارم و التحرج منه ثم استعير للكف عن المباح و الحلال و البر هو الإحسان بالوالدين و الأقربين بل بالناس أجمعين و قد يطلق على جميع الأعمال الصالحة و الخيرات.
بحار الأنوار - ج ٦٧ - الصفحة ٣٧٤. — الإمام الصادق عليه السلام
بحار الأنوار - ج ٦٨ - الصفحة ١٧٤. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
شي، تفسير العياشي عَنْ حَرِيزٍ عَنْ بُرَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أُطْعِمُ رَجُلًا سَائِلًا لَا أَعْرِفُهُ مُسْلِماً قَالَ
نَعَمْ أَطْعِمْهُ مَا لَمْ تَعْرِفْهُ بِوَلَايَةٍ وَ لَا بِعَدَاوَةٍ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً. بيان: كأن المعنى أنه إذا كان القول الحسن معهم مطلوبا كان إطعامهم أيضا مطلوبا بطريق أولى أو يكون ذكره للتنظير لرفع الاستبعاد أو يكون هذا تأويلا آخر للآية بأن يراد بها حسن الظن بهم و عدم نسبة الكفر و الخلاف إليهم ما لم يعلم ذلك.
بحار الأنوار - ج ٦٨ - الصفحة ٣١٣. — الإمام الصادق عليه السلام
فس، تفسير القمي أَبِي عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ أَبِي عُمَرَ الزُّبَيْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ
بحار الأنوار - ج ٦٩ - الصفحة ١٦١. — الإمام الباقر عليه السلام
شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ
اللَّهُ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ. الآيات البقرة أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ تفسير أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ - في تفسير الإمام عليه السلام أَيْ بِالصَّدَقَاتِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أَيْ تَتْرُكُونَهَا وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَيِ التَّوْرَاةَ الْآمِرَةَ لَكُمْ بِالْخَيْرَاتِ النَّاهِيَةَ عَنِ الْمُنْكَرَاتِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ مَا عَلَيْكُمْ مِنَ الْعِقَابِ فِي أَمْرِكُمْ بِمَا بِهِ لَا تَأْخُذُونَ وَ فِي نَهْيِكُمْ عَمَّا أَنْتُمْ فِيهِ مُنْهَمِكُونَ. نَزَلَتْ فِي عُلَمَاءِ الْيَهُودِ وَ رُؤَسَائِهِمُ الْمَرَدَةِ الْمُنَافِقِينَ الْمُحْتَجِنِينَ أَمْوَالَ الْفُقَرَاءِ الْمُسْتَأْكِلِينَ لِلْأَغْنِيَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يَأْمُرُونَ بِالْخَيْرِ وَ يَتْرُكُونَهُ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الشَّرِّ وَ يَرْتَكِبُونَهُ. أقول في القاموس احتجن المال ضمه و احتواه. و قال علي بن إبراهيم نزلت في الخطباء و القصاص و هو - قول أمير المؤمنين عليه السلام وَ عَلَى كُلِّ مِنْبَرٍ خَطِيبٌ مِصْقَعٌ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ وَ عَلَى كِتَابِهِ. وَ فِي الْمَجْمَعِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى أُنَاسٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ فَقُلْتُ مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا مِمَّنْ كَانُوا يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ يَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُمْ. - وَ فِي مِصْبَاحِ الشَّرِيعَةِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: مَنْ لَمْ يَنْسَلِخْ مِنْ هَوَاجِسِهِ وَ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْ آفَاتِ نَفْسِهِ وَ شَهَوَاتِهَا وَ لَمْ يَهْزِمِ الشَّيْطَانَ وَ لَمْ يَدْخُلْ فِي كَنَفِ اللَّهِ وَ أَمَانِ عِصْمَتِهِ لَا يَصْلُحُ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَكُلَّ مَا أَظْهَرَ يَكُونُ حُجَّةً عَلَيْهِ وَ لَا يَنْتَفِعُ النَّاسُ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ يُقَالُ لَهُ يَا خَائِنُ أَ تُطَالِبُ خَلْقِي بِمَا خُنْتَ بِهِ نَفْسَكَ وَ أَرْخَيْتَ عَنْهُ عِنَانَكَ. 1- كا، الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ يُوسُفَ الْبَزَّازِ عَنِ الْمُعَلَّى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ وَصَفَ عَدْلًا ثُمَّ عَمِلَ بِغَيْرِهِ. بيان: من وصف عدلا أي بين للناس أمرا حقا موافقا لقانون العدل أو أمرا وسطا غير مائل إلى إفراط أو تفريط و لم يعمل به أو وصف دينا حقا و لم يعمل بمقتضاه كما إذا ادعى القول بإمامة الأئمة عليهم السلام و لم يتابعهم قولا و فعلا و يؤيد الأول قوله عليه السلام أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ و قوله سبحانه لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ وَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِقَوْمٍ تُقْرَضُ شِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ فَقُلْتُ مَنْ أَنْتُمْ قَالُوا كُنَّا نَأْمُرُ بِالْخَيْرِ وَ لَا نَأْتِيهِ وَ نَنْهَى عَنِ الشَّرِّ وَ نَأْتِيهِ. و مثله كثير.
بحار الأنوار - ج ٦٩ - الصفحة ٢٢٢. — الإمام الباقر عليه السلام
ثم إن العمر لا يستلزم القوة و الشباب فكل منهما نعمة يسأل عنها و مع الاستلزام أيضا تكفي المغايرة للسؤال عن كل منهما. و أما السؤال عن المال إما لغير المؤمنين أو لغير الكاملين منهم - لِمَا رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فِيمَا كَتَبَ إِلَى أَهْلِ مِصْرَ مَنْ عَمِلَ لِلَّهِ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ كَفَاهُ الْمُهِمَّ فِيهِمَا وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ
يا عِبادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةٌ إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ فَمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يُحَاسِبْهُمْ بِهِ فِي الْآخِرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ وَ الْحُسْنَى هِيَ الْجَنَّةُ وَ الزِّيَادَةُ هِيَ الدُّنْيَا . - وَ رَوَى الْبَرْقِيُّ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ لَا يُحَاسَبُ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ عَلَيْهِنَّ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ وَ ثَوْبٌ يَلْبَسُهُ وَ زَوْجَةٌ صَالِحَةٌ تُعَاوِنُهُ وَ يُحْصِنُ بِهَا فَرْجَهُ . و قد وردت أخبار كثيرة في تفسير قوله تعالى ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ إن النعيم ولاية أهل البيت عليهم السلام وَ قَدْ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ وَ غَيْرُهُ أَنَّهُ سَأَلَ أَبُو حَنِيفَةَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ لَهُ مَا النَّعِيمُ عِنْدَكَ يَا نُعْمَانُ قَالَ الْقُوتُ مِنَ الطَّعَامِ وَ الْمَاءُ الْبَارِدُ فَقَالَ لَئِنْ أَوْقَفَكَ اللَّهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَسْأَلَكَ عَنْ كُلِّ أَكْلَةٍ أَكَلْتَهَا أَوْ شَرْبَةٍ شَرِبْتَهَا لَيَطُولَنَّ وُقُوفُكَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ فَمَا النَّعِيمُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ النَّعِيمُ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِنَا عَلَى الْعِبَادِ الْخَبَرَ . . و يمكن أن يقال السؤال عن مال اكتسبه من حلال أو حرام أو أنفقه في حلال أو حرام لا ينافي عدم محاسبتهم على ما أنفقوه في الحلال من مأكلهم و مسكنهم و ملبسهم و نحو ذلك أو المراد بتلك الأخبار أنهم لا يعاتبون بذلك و لا يقاص من حسناتهم بها فلا ينافي أصل المحاسبة كما رَوَى الشَّيْخُ فِي مَجَالِسِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَالَ: يُوقَفُ الْعَبْدُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ فَيَقُولُ قِيسُوا بَيْنَ نِعَمِي عَلَيْهِ وَ بَيْنَ عَمَلِهِ فَتَسْتَغْرِقُ النِّعَمُ الْعَمَلَ فَيَقُولُونَ قَدِ اسْتَغْرَقَ النِّعَمُ الْعَمَلَ فَيَقُولُ هَبُوا لَهُ نِعَمِي وَ قِيسُوا بَيْنَ الْخَيْرِ وَ الشَّرِّ مِنْهُ فَإِنِ اسْتَوَى الْعَمَلَانِ أَذْهَبَ اللَّهُ الشَّرَّ بِالْخَيْرِ وَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ وَ إِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ أَعْطَاهُ اللَّهُ بِفَضْلِهِ وَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَضْلٌ وَ هُوَ مِنْ أَهْلِ التَّقْوَى لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ تَعَالَى وَ اتَّقَى الشِّرْكَ بِهِ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَغْفِرَةِ يَغْفِرُ اللَّهُ لَهُ بِرَحْمَتِهِ إِنْ شَاءَ وَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِعَفْوِهِ . . و قال الجوهري تأهب استعد و أهبة الحرب عدتها و قال الأسى بالياء مفتوح مقصور الحزن و أسي على مصيبته بالكسر يأسى أسى أي حزن لا يدوم بقاؤه و العاقل لا يتأسف بفوات قليل لا بقاء له لا يؤمن بلاؤه أي في الدنيا و الآخرة و العاقل لا يتأسف بفوت ما يتوقع منه الضرر و البلية مع أن الرب الذي فوتهما عليه أعلم بمصلحته أو المعنى لا تحزن على ما لم يصل إليك من الدنيا فإن الصبر على قليل الدنيا و قلته سهل فإنه لا يدوم و ينقضي قريبا بالموت و الكثرة محل الآفات. فخذ حذرك بالكسر أي ما تحذر به من مكايد النفس و الشيطان، في الدنيا و العذاب في الآخرة قال الراغب في قوله تعالى خُذُوا حِذْرَكُمْ أي ما فيه الحذر من السلاح و غيره و جد في أمرك أي في تهيئة سفر الآخرة و الاستعداد للقاء الله من العقائد الحسنة و الأعمال الصالحة و الأخلاق المرضية فإن من أراد سفرا يأخذ الأسلحة لدفع ضرر الطريق و يجهز و يهيئ ما يحتاج إليه في ذلك السفر. و اكشف الغطاء عن وجهك أي ارفع غطاء الغفلة عن وجه قلبك لتميز بين الحق و الباطل و الفاني و الباقي أو عن الجهة التي تتوجه إليه و الطريق الذي تسلكه لئلا يشتبه عليك فتسلك طريقا يؤديك إلى النار و أنت لا تعلم و تعرض لمعروف ربك بما به يستحق إحسانه و تفضله عليك من صالح النيات و الأعمال و جدد التوبة في قلبك أي كلما ذكرت معاصيك و في النسبة إلى القلب إشعار بأن التوبة أمر قلبي و هي الندامة على ما مضى و العزم على عدم الإتيان بمثله فيما سيأتي و فيه دلالة على حسن تكرار التوبة و إن كانت عن معصية واحدة و اكمش أي أسرع و عجل في الصحاح الكمش الرجل السريع الماضي و قد كمش بالضم كماشة فهو كمش و كميش و كمشته تكميشا أعجلته و انكمش و تكمش أسرع انتهى. في فراغك أي في أن تفرغ من الأمور التي تحتاج إليه في الآخرة أو في فراغك من الدنيا و جعلك نفسك فارغة منها للآخرة أو في قصدك إلى الآخرة أو أسرع في العمل في أيام فراغك قبل أن تشتغل أو تبتلى بشيء يمنعك عنه فإن الفراغ خلاف الشغل قال في المصباح فرغ من الشغل فروغا من باب قعد و من باب تعب لغة لبني تميم و الاسم الفراغ و فرغت للشيء و إليه قصدت.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧٠ - الصفحة ٧٠. — الإمام الصادق عليه السلام
ص مَنْ أَطْعَمَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ- أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثَلَاثِ جِنَانٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ- الْفِرْدَوْسِ وَ جَنَّةِ عَدْنٍ- وَ طُوبَى شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ غَرَسَهَا رَبُّنَا بِيَدِهِ. بيان: الجنان بالكسر جمع الجنة و قوله في ملكوت السماوات إما صفة للجنان أو متعلق بأطعمه و الملكوت فعلوت من الملك و هو العز و السلطان و المملكة و خص بملك الله تعالى فعلى الأخير الإضافة بيانية و على بعض الوجوه كلمة في تعليلية قال البيضاوي في قوله تعالى وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أي ربوبيتها و ملكها و قيل عجائبها و بدائعها و الملكوت أعظم الملك و التاء فيه للمبالغة انتهى. و الفردوس البستان الذي فيه الكروم و الأشجار و ضروب من النبت قال الفراء هو عربي و اشتقاقه من الفردسة و هي السعة و قيل منقول إلى العربية و أصله رومي و قيل سرياني ثم سمي به جنة الفردوس و العدن الإقامة يقال عدن بالمكان يعدن عدنا و عدونا من بابي ضرب و قعد إذا أقام فيه و لزم و لم يبرح و منه جنة عدن أي جنة إقامة و قيل طوبى اسم للجنة مؤنث أطيب من الطيب و أصلها طيبى ضمت الطاء و أبدلت الياء بالواو و قد يطلق على الخير و على شجرة في الجنة انتهى. و في أكثر النسخ شجرة بدون واو العطف و هو الظاهر و يؤيده أن في ثواب الأعمال و غيره و هي شجرة فشجرة عطف بيان لطوبى و قد يقال طوبى مبتدأ و شجرة خبره و عدم ذكر الثالث من الجنان لدلالة هذه الفقرة عليها و في بعض النسخ بالعطف فهي عطف على ثلاث جنان و على التقديرين عد الشجرة جنة و جعلها جنة أخرى مع أنها نبتت من جنة عدن لأنها ليست كسائر الأشجار لعظمتها و اشتمالها على جميع الثمار و سريان أغصانها في جميع الجنان لما ورد في الأخبار أن في بيت كل مؤمن منها غصنا. قوله بيده أي برحمته و قال الأكثر أي بقدرته فالتخصيص مع أن جميع الأشياء بقدرته إما لبيان عظمتها و أنها لا تتكون إلا عن مثل تلك القدرة أو لأنها خلقها بدون توسط الأسباب كأشجار الدنيا و كسائر أشجار الجنة بتوسط الملائكة و مثله قوله تعالى لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ.
بحار الأنوار - ج ٧١ - الصفحة ٣٧١. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وَ اللَّهِ إِنَّ أَحَبَّ أَصْحَابِي إِلَيَّ أَوْرَعُهُمْ- وَ أَفْقَهُهُمْ وَ أَكْتَمُهُمْ لِحَدِيثِنَا- وَ إِنَّ أَسْوَأَهُمْ عِنْدِي حَالًا وَ أَمْقَتَهُمُ- الَّذِي إِذَا سَمِعَ الْحَدِيثَ يُنْسَبُ إِلَيْنَا وَ يُرْوَى عَنَّا فَلَمْ يَقْبَلْهُ اشْمَأَزَّ مِنْهُ وَ جَحَدَهُ- وَ كَفَّرَ مَنْ دَانَ بِهِ وَ هُوَ لَا يَدْرِي- لَعَلَّ الْحَدِيثَ مِنْ عِنْدِنَا خَرَجَ وَ إِلَيْنَا أُسْنِدَ- فَيَكُونُ بِذَلِكَ خَارِجاً مِنْ وَلَايَتِنَا. بيان الشمز نفور النفس مما تكره و تشمز وجهه تمعر و تقبض و اشمأز و انقبض و اقشعر أو ذعر و الشيء كرهه و المشمئز النافر الكاره و المذعور انتهى و هو لا يدري إشارة إلى قوله تعالى بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ و يدل على عدم جواز إنكار ما وصل إلينا من أخبارهم و إن لم تصل إليه عقولنا بل لا بد من رده إليهم حتى يبينوا.
بحار الأنوار - ج ٧٢ - الصفحة ٧٦. — الإمام الباقر عليه السلام
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧٥ - الصفحة ١٨٢. — الإمام الباقر عليه السلام
الْهِدَايَةُ، لَا بَأْسَ أَنْ يُتَوَضَّأَ بِمَاءِ الْوَرْدِ لِلصَّلَاةِ وَ يُغْتَسَلَ بِهِ مِنَ الْجَنَابَةِ. الآيات المائدة وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ التوبة إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا و قال تعالى
فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ التفسير ربما يستدل بالآية الأولى على طهارة أهل الكتاب و حل ذبائحهم. - وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْحُبُوبِ وَ مَا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى التَّذْكِيَةِ. و قيل المعنى أن طعامهم من حيث إنه طعامهم ليس حراما عليكم فلا ينافي تحريمه من جهة كونه مغصوبا أو نجسا أو غير مذكى و سيأتي تمام القول فيه. و أما الآية الثانية فأكثر علمائنا على أن المراد بالمشركين ما يعم عباد الأصنام و غيرهم من اليهود و النصارى فإنهم مشركون أيضا لقوله تعالى وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ إلى قوله سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ و النجس بالتحريك مصدر و وقوع المصدر خبرا عن ذي جثة إما بتقدير مضاف أو بتأويله بالمشتق أو هو باق على المصدرية من غير إضمار طلبا للمبالغة و الحصر للمبالغة و القصر إضافي من قصر الموصوف على الصفة نحو إنما زيد شاعر و هو قصر قلب أي ليس المشركون طاهرين كما يعتقدون بل هم نجس. و اختلف المفسرون في المراد بالنجس هنا فالذي عليه علماؤنا هو أن المراد به النجاسة الشرعية و أن أعيانهم نجسة كالكلاب و الخنازير و هو المنقول عن ابن عباس و قيل المراد خبث باطنهم و سوء اعتقادهم و قيل نجاستهم لأنهم لا يتطهرون من الجنابة و لا يجتنبون النجاسات. و قد أطبق علماؤنا على نجاسة من عدا اليهود و النصارى من أصناف الكفار و قال أكثرهم بنجاسة هذين الصنفين أيضا و المخالف في ذلك ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و المفيد في المسائل الغرية. و اختلف في المراد بقوله تعالى فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ فقيل المراد منعهم من الحج و قيل منعهم من دخول الحرم و قيل من دخول المسجد الحرام خاصة و أصحابنا على منعهم من دخوله و دخول كل مسجد و إن لم تتعد نجاستهم إليه و المراد بعامهم سنة تسع من الهجرة و هي السنة التي بعث النبي ص فيها أمير المؤمنين عليه السلام لأخذ سورة براءة من أبي بكر و قراءتها على أهل الموسم فقرأها عليهم. و في الثالثة فسر الرجس أيضا بالنجس و لعل النجاسة المعنوية هنا أظهر. [الأخبار]
بحار الأنوار - ج ٧٧ - الصفحة ٤١. — الإمام الصادق عليه السلام
عليه السلام مَنْ جَدَّدَ قَبْراً أَوْ مَثَّلَ مِثَالًا فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ. تبيين قال الصدوق في الفقيه بعد إيراد هذا الخبر مرسلا و اختلف مشايخنا في معنى هذا الخبر فقال محمد بن الحسن الصفار ره هو جدد بالجيم لا غير و كان شيخنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد يحكي عنه أنه قال لا يجوز تجديد القبر و لا تطيين جميعه بعد مرور الأيام عليه و بعد ما طين في الأول و لكن إذا مات ميت فطين قبره فجائز أن يرم سائر القبور من غير أن يجدد و ذكر عن سعد بن عبد الله ره أنه كان يقول إنما هو حدد قبرا بالحاء غير المعجمة يعني به من سنم قبرا و ذكر عن أحمد بن أبي عبد الله البرقي إنما هو من جدث قبرا و تفسير الجدث القبر فلا ندري ما عنى به. و الذي أذهب إليه أنه جدد بالجيم و معناه نبش قبرا لأن من نبش قبرا فقد جدده و أحوج إلى تجديده و قد جعله جدثا محفورا. و أقول إن التجديد على المعنى الذي ذهب إليه محمد بن الحسن الصفار و التحديد بالحاء غير المعجمة الذي ذهب إليه سعد بن عبد الله و الذي قاله البرقي من أنه جدث كله داخل في معنى الحديث و أن من خالف الإمام عليه السلام في التجديد و التسنيم و النبش و استحل شيئا من ذلك فقد خرج من الإسلام. و الذي أقوله في قوله عليه السلام من مثل مثالا أنه يعني به من أبدع بدعة و دعا إليها أو وضع دينا فقد خرج من الإسلام و قولي في ذلك قول أئمتي عليه السلام فإن أصبت فمن الله على ألسنتهم و إن أخطأت فمن عند نفسي. و قال الشيخ في التهذيب بعد نقل كلام البرقي و يمكن أن يكون المعني بهذه الرواية النهي أن يجعل القبر دفعة أخرى قبرا لإنسان آخر لأن الجدث هو القبر فيجوز أن يكون الفعل مأخوذا منه ثم قال و كان شيخنا محمد بن محمد بن النعمان يقول إن الخبر بالخاء و الدالين و ذلك مأخوذ من قوله تعالى البروج قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ و الخد هو الشق يقال خددت الأرض خدا أي شققتها و على هذه الروايات يكون النهي تناول شق القبر إما ليدفن فيه أو على جهة النبش على ما ذهب إليه محمد بن علي و كل ما ذكرناه من الروايات و المعاني محتمل و الله أعلم بالمراد و الذي صدر الخبر عنه ع. و قال الشهيد (قدّس سرّه) في الذكرى قلت اشتغال هؤلاء الأفاضل بتحقيق هذه اللفظة مؤذن بصحة الحديث عندهم و إن كان طريقه ضعيفا كما في أحاديث كثيرة اشتهرت و علم موردها و إن ضعف إسنادها فلا يرد ما ذكره في المعتبر من ضعف محمد بن سنان و أبي الجارود راوييه. على أنه قد ورد نحوه مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْهَيَّاجِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام أَبْعَثُكَ عَلَى مَا بَعَثَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ص- لَا تَرَى قَبْراً مُشْرِفاً إِلَّا سَوَّيْتَهُ- وَ لَا تِمْثَالًا إِلَّا طَمَسْتَهُ. و قد نقله الشيخ في الخلاف و هو من صحاح العامة و هو يعطي صحة الرواية بالحاء المهملة لدلالة الإشراف و التسوية عليه و يعطي أن المثال هنا هو المثال هناك و هو الصورة و قد روي في النهي عن التصوير و إزالة التصاوير أخبار مشهورة و أما الخروج عن الإسلام بهذين فإما على طريقة المبالغة زجرا عن الاقتحام على ذلك و إما لأنه فعل ذلك مخالفة للإمام عليه السلام انتهى. و ربما يقال على تقدير أن يكون اللفظ جدد بالجيم و الدال و جدث بالجيم و الثاء يحتمل أن يكون المراد قتل مؤمن عدوانا لأن من قتله فقد جدد قبرا مجددا بين القبور و جعله جدثا و هو مستقل في هذا التجديد فيجوز إسناده إليه بخلاف ما لو قتل بحكم الشرع و هذا أنسب بالمبالغة بخروجه من الإسلام و يحتمل أن يكون المراد بالمثال الصنم للعبادة. أقول لا يخفى بعد ما ذكره في التجديد و أما المثال فهو قريب و ربما يقال المراد به إقامة رجل بحذاه كما يفعله المتكبرون و يؤيده ما ذكره الصَّدُوقُ ره فِي كِتَابِ مَعَانِي الْأَخْبَارِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنِ النَّهِيكِيِّ بِإِسْنَادِهِ رَفَعَهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَنْ مَثَّلَ مِثَالًا أَوِ اقْتَنَى كَلْباً فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ- فَقِيلَ لَهُ هَلَكَ إِذاً كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ- فَقَالَ لَيْسَ حَيْثُ ذَهَبْتُمْ إِنِّي عَنَيْتُ بِقَوْلِي مَنْ مَثَّلَ مِثَالًا- مَنْ نَصَبَ دِيناً غَيْرَ دِينِ اللَّهِ وَ دَعَا النَّاسَ إِلَيْهِ- وَ بِقَوْلِي مَنِ اقْتَنَى كَلْباً مُبْغِضاً لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- اقْتَنَاهُ وَ أَطْعَمَهُ وَ سَقَاهُ- مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِسْلَامِ.. ثم اعلم أن للإسلام و الإيمان في الأخبار معاني شتى فيمكن أن يراد هنا معنى يخرج ارتكاب بعض المعاصي عنه و أما إثبات حكم بمجرد تلك القراءات و الاحتمالات بخبر واحد فلا يخفى ما فيه و ما ذكره القوم من التفسيرات و التأويلات لا يدل على تصحيحها و العمل بها نعم يصلح مؤيدا لأخبار أخر وردت في كل من تلك الأحكام و لعله يصح لإثبات الكراهة أو الاستحباب و إن كان فيه أيضا مجال مناقشة.
بحار الأنوار - ج ٧٩ - الصفحة ١٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
عليه السلام مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ- وَ قِيلَ إِنَّ مِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا أَنَّكَ تَبْكِي عَلَى مَنْ تَدْفِنُهُ- وَ تَطْرَحُ التُّرَابَ عَلَى وَجْهِ مَنْ تُكْرِمُهُ. وَ مِنْهُ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام مَوْتُ الْأَبْرَارِ رَاحَةٌ لِأَنْفُسِهِمْ وَ مَوْتُ الْفُجَّارِ رَاحَةٌ لِلْعَالَمِ. وَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ لَهُ بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ- وَ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ- وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ- وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ . و قال الكراجكي ره بعد إيراد الخبر هذه الآية نزلت في قوم فرعون و إهلاكهم و فيها وجوه من التأويل أحدها ما ورد في هذا الخبر و معنى البكاء هاهنا الإخبار عن الاختلال بعده كما يقال بكى منزل فلان بعده قال مزاحم العقيلي بكت دارهم من بعدهم فتهللت* * * دموعي فأي الجازعين ألوم أ مستعبرا يبكي من الهون و البلاء* * * و آخر يبكي شجوه و يهيم. فإذا لم يكن لهؤلاء القوم الذين أخبر الله تعالى ببوارهم مقام صالح في الأرض و لا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز أن يقال فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ و قد روي عن ابن عباس أنه قيل له و قد سئل عن هذه الآية أ تبكي السماء و الأرض على أحد فقال نعم مصلاه في الأرض و مصعد عمله في السماء. و الثاني أن يكون تعالى أراد المبالغة في وصف القوم بصغر القدر و سقوط المنزلة لأن العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت كسفت لفقده الشمس و أظلم القمر و بكاه الليل و النهار و السماء و الأرض قال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز الشمس طالعة ليست بكاسفة* * * تبكي عليك نجوم الليل و القمر. و الثالث أن يكون الله تعالى أراد ببكائهما بكاء أهلهما كما في قوله تعالى وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ. و الرابع أن يكون المعنى لم يأخذ آخذ بثأرهم و لا أحد انتصر لهم لأن العرب كانت لا تبكي على قتيل إلا بعد الأخذ بثأره فكنى بهذا اللفظ عن فقد الانتصار و الأخذ بالثأر على مذهب القوم الذين خوطبوا بالقرآن و الخامس أن يكون البكاء كناية عن المطر و السقيا لأن العرب تشبه المطر بالبكاء فمعنى الآية أن السماء لم تسق قبورهم و لم تجد بقطرها عليهم على مذهب العرب المعهود بينهم لأنهم كانوا يستسقون السحائب لقبور من فقدوه من أعزائهم و يستنبتون الزهر و الرياض لمواقع حفرهم قال النابغة فلا زال قبر بين تبنى و حاسم* * * عليه من الوسمي طل و وابل فينبت حوذانا و غوفا منورا* * * سأتبعه من خير ما قال قائل. و كانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام و مسألة الله تعالى لهم الرضوان و الفعل إذا أضيف إلى السماوات كان لا تجوز إضافته إلى الأرض فقد يصح عطف الأرض على السماء بأن يقدر فعل يصح نسبته إليها و العرب تفعل مثل هذا قال الشاعر يا ليت زوجك قد غدا* * * متقلدا سيفا و رمحا. بعطف الرمح على السيف و إن كان التقلد لا يجوز فيه و مثل هذا يقدر في الآية فيقال إنه تعالى أراد السماء لم تسق قبورهم و أن الأرض لم تعشب عليها و كل هذا كناية عن حرمانهم رحمه اللّه عز و جل و ربما شبه الشعراء النبات بضحك الأرض كما شبهوا المطر ببكاء السماء و في ذلك يقول أبو تمام إن السماء إذا لم تبك مقلتها* * * لم تضحك الأرض عن شيء من الخضر و الزهر لا تنجلي أبصاره أبدا* * * إلا إذا رمدت من كثرة المطر.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧٩ - الصفحة ١٨١. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
عليه السلام مَنْ أَكْثَرَ ذِكْرَ الْمَوْتِ رَضِيَ مِنَ الدُّنْيَا بِالْيَسِيرِ- وَ قِيلَ إِنَّ مِنْ عَجَائِبِ الدُّنْيَا أَنَّكَ تَبْكِي عَلَى مَنْ تَدْفِنُهُ- وَ تَطْرَحُ التُّرَابَ عَلَى وَجْهِ مَنْ تُكْرِمُهُ. وَ مِنْهُ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام مَوْتُ الْأَبْرَارِ رَاحَةٌ لِأَنْفُسِهِمْ وَ مَوْتُ الْفُجَّارِ رَاحَةٌ لِلْعَالَمِ. وَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ: مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ لَهُ بَابٌ يَصْعَدُ مِنْهُ عَمَلُهُ- وَ يَنْزِلُ مِنْهُ رِزْقُهُ فَإِذَا مَاتَ بَكَيَا عَلَيْهِ- وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ- وَ ما كانُوا مُنْظَرِينَ. و قال الكراجكي ره بعد إيراد الخبر هذه الآية نزلت في قوم فرعون و إهلاكهم و فيها وجوه من التأويل أحدها ما ورد في هذا الخبر و معنى البكاء هاهنا الإخبار عن الاختلال بعده كما يقال بكى منزل فلان بعده قال مزاحم العقيلي بكت دارهم من بعدهم فتهللت* * * دموعي فأي الجازعين ألوم أ مستعبرا يبكي من الهون و البلاء* * * و آخر يبكي شجوه و يهيم. فإذا لم يكن لهؤلاء القوم الذين أخبر الله تعالى ببوارهم مقام صالح في الأرض و لا عمل كريم يرفع إلى السماء جاز أن يقال فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَ الْأَرْضُ و قد روي عن ابن عباس أنه قيل له و قد سئل عن هذه الآية أ تبكي السماء و الأرض على أحد فقال نعم مصلاه في الأرض و مصعد عمله في السماء. و الثاني أن يكون تعالى أراد المبالغة في وصف القوم بصغر القدر و سقوط المنزلة لأن العرب إذا أخبرت عن عظم المصاب بالهالك قالت كسفت لفقده الشمس و أظلم القمر و بكاه الليل و النهار و السماء و الأرض قال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز الشمس طالعة ليست بكاسفة* * * تبكي عليك نجوم الليل و القمر. و الثالث أن يكون الله تعالى أراد ببكائهما بكاء أهلهما كما في قوله تعالى وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ. و الرابع أن يكون المعنى لم يأخذ آخذ بثأرهم و لا أحد انتصر لهم لأن العرب كانت لا تبكي على قتيل إلا بعد الأخذ بثأره فكنى بهذا اللفظ عن فقد الانتصار و الأخذ بالثأر على مذهب القوم الذين خوطبوا بالقرآن و الخامس أن يكون البكاء كناية عن المطر و السقيا لأن العرب تشبه المطر بالبكاء فمعنى الآية أن السماء لم تسق قبورهم و لم تجد بقطرها عليهم على مذهب العرب المعهود بينهم لأنهم كانوا يستسقون السحائب لقبور من فقدوه من أعزائهم و يستنبتون الزهر و الرياض لمواقع حفرهم قال النابغة فلا زال قبر بين تبنى و حاسم* * * عليه من الوسمي طل و وابل فينبت حوذانا و غوفا منورا* * * سأتبعه من خير ما قال قائل. و كانوا يجرون هذا الدعاء مجرى الاسترحام و مسألة الله تعالى لهم الرضوان و الفعل إذا أضيف إلى السماوات كان لا تجوز إضافته إلى الأرض فقد يصح عطف الأرض على السماء بأن يقدر فعل يصح نسبته إليها و العرب تفعل مثل هذا قال الشاعر يا ليت زوجك قد غدا* * * متقلدا سيفا و رمحا. بعطف الرمح على السيف و إن كان التقلد لا يجوز فيه و مثل هذا يقدر في الآية فيقال إنه تعالى أراد السماء لم تسق قبورهم و أن الأرض لم تعشب عليها و كل هذا كناية عن حرمانهم (رحمه اللّه) عز و جل و ربما شبه الشعراء النبات بضحك الأرض كما شبهوا المطر ببكاء السماء و في ذلك يقول أبو تمام إن السماء إذا لم تبك مقلتها* * * لم تضحك الأرض عن شيء من الخضر و الزهر لا تنجلي أبصاره أبدا* * * إلا إذا رمدت من كثرة المطر. بيان قال الفيروزآبادي هام يهيم هيما و هيمانا أحب امرأة و الهيام بالضم كالجنون من العشق و قال تبنى بالضم موضع و قال حاسم كصاحب موضع و قال الوسمي مطر الربيع الأول و قال الطل المطر الضعيف و الوابل المطر الشديد الضخم القطر و قال الجوهري الحوذان نبت نوره أصفر و في القاموس الغوف نبات طيب الرائحة.
بحار الأنوار - ج ٧٩ - الصفحة ١٨١. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، فِي رِوَايَةِ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ
الْخَلْقُ الَّذِي يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ الْمَوْتُ. بيان: قال في مجمع البيان في تفسير هذه الآية أي اجهدوا في أن لا تعادوا و لا تحشروا أو كونوا إن استطعتم حجارة أو حديدا في الشدة أو خلقا هو أعظم من ذلك عندكم و أصعب فإنكم لا تفوتون الله و يحييكم بعد الموت و قيل يعني بقوله ما يكبر في صدوركم الموت عن ابن عباس و ابن جبير أي لو كنتم الموت لأماتكم الله و ليس شيء أكبر في صدور بني آدم من الموت و قيل يعني به السماوات و الأرض و الجبال. قد فرغ من تسويد هذا الجزء من المجلد الثامن عشر مؤلفه الحقير المقر بالتقصير في رابع عشر شهر صفر ختم بالخير و الظفر من شهور سنة أربع و تسعين بعد الألف الهجرية و الحمد لله أولا و آخرا و صلى الله على سيد المرسلين محمد و عترته الأكرمين الأقدسين. الآيات البقرة وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ و قال تعالى وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ في مواضع و قال تعالى وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ- الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ و قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ و قال تعالى وَ أَقامُوا الصَّلاةَ المائدة لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ الأنعام وَ أَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ اتَّقُوهُ و قال تعالى وَ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ الأنفال الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ التوبة فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ و قال إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَى الزَّكاةَ و قال تعالى وَ الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ الرعد وَ أَقامُوا الصَّلاةَ إبراهيم قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَ لا خِلالٌ و قال تعالى رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ إلى قوله رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي مريم وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا و قال تعالى وَ كانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ طه وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَ الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى الأنبياء وَ أَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَ إِقامَ الصَّلاةِ الحج الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ و قال تعالى فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ النور وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ النمل هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ- الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ العنكبوت وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ الروم وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ لقمان هُدىً وَ رَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ- الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ و قال يا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ فاطر إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ و قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ أَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَ عَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ حمعسق وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ وَ أَقامُوا الصَّلاةَ المجادلة فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ المزمل وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ المدثر قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ القيامة فَلا صَدَّقَ وَ لا صَلَّى العلق أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى- عَبْداً إِذا صَلَّى البينة وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكاةَ وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ تفسير وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ بإتمام ركوعها و سجودها و حفظ مواقيتها و حدودها و صيانتها مما يفسدها أو ينقصها و فسر في تفسير الإمام عليه السلام بالصلاة على محمد و آل محمد و هو بطن من بطونها. وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ أي استعينوا على حوائجكم أو على قربه سبحانه و الوصول إلى درجات الآخرة بالصبر عن المعاصي و على الطاعات و في المصائب و بكل صلاة فريضة أو نافلة و فيه دلالة على مطلوبية الصلاة في كل وقت لا سيما عند عروض حاجة و قيل أي بالجمع بينهما بأن تصلوا صابرين على تكليف الصلاة محتملين لمشاقها و ما يجب من شرائطها و آدابها. و قيل استعينوا على البلايا و النوائب بالصبر عليها و الالتجاء إلى الصلاة كما روي أن رسول الله ص كان إذا حزبه أمر فزع إلى الصلاة. و عن ابن عباس أنه نعي إليه أخوه قثم و هو في سفر فاسترجع و تنحى عن الطريق فصلى ركعتين و أطال فيهما الجلوس ثم قام يمشي إلى راحلته و هو يقول اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ و سيأتي في أخبار كثيرة أن المراد بالصبر الصوم و أنه ينبغي أن يستعين في الحوائج و غموم الدنيا بالصوم و الصلاة - و في تفسير الإمام عليه السلام اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ عن الحرام على تأدية الأمانات و عن الرئاسات الباطلة و على الاعتراف بالحق و استحقاق الغفران و الرضوان و نعيم الجنان و بالصلوات الخمس وَ الصَّلاةِ على النبي و آله الطاهرين على قرب الوصول إلى جنات النعيم. وَ إِنَّها أي الاستعانة بهما أو إن الصلاة أو جميع الأمور التي أمر بها بنو إسرائيل من قوله اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ إلى قوله وَ اسْتَعِينُوا كما قيل - و في تفسير الإمام عليه السلام أن هذه الفعلة من الصلوات الخمس و الصلاة على محمد و آله مع الانقياد لأوامرهم و الإيمان بسرهم و علانيتهم و ترك معارضتهم بلم و كيف.. لَكَبِيرَةٌ لشاقة ثقيلة كقوله كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ ما تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ أي الخائفين عقاب الله في مخالفته في أعظم فرائضه و ذلك نفوسهم مرتاضة بأمثالها متوقعة في مقابلتها ما يستخف لأجله مشاقها و يستلذ بسببه متاعبها كما - قَالَ النَّبِيُّ ص جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ وَ كَانَ يَقُولُ أَرِحْنَا يَا بِلَالُ. الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ - فِي التَّوْحِيدِ وَ الْإِحْتِجَاجِ وَ تَفْسِيرِ الْعَيَّاشِيِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَنَّ الْمَعْنَى يُوقِنُونَ أَنَّهُمْ يُبْعَثُونَ- وَ الظَّنُّ مِنْهُمْ يَقِينٌ وَ قَالَ ص اللِّقَاءُ الْبَعْثُ وَ الظَّنُّ هَاهُنَا الْيَقِينُ. - وَ فِي تَفْسِيرِ الْإِمَامِ عليه السلام وَ يَتَوَقَّعُونَ أَنَّهُمْ يَلْقَوْنَ رَبَّهُمُ اللِّقَاءَ- الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ كَرَامَتِهِ لِعِبَادِهِ. و قيل أي يتوقعون لقاء ثوابه و نيل ما عنده و في مصحف عبد الله يعلمون و معناه يعلمون أنه لا بد من لقاء الجزاء فيعلمون على حسب ذلك و أما من لم يوقن بالجزاء و لم يرج الثواب كانت عليه مشقة خالصة فثقلت عليه كالمنافقين و المراءين. و في المجمع بعد حمل الظن على اليقين و قيل إنه بمعنى الظن غير اليقين أي يظنون أنهم ملاقو ربهم بذنوبهم لشدة إشفاقهم من الإقامة على معصية الله قال الرماني و فيه بعد لكثرة الحذف و قيل الذين يظنون انقضاء آجالهم و سرعة موتهم فهم أبدا على حذر و وجل و لا يركنون إلى الدنيا كما يقال لمن مات لقي الله. وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ قال الإمام أي إلى كراماته و نعيم جناته قال و إنما قال يظنون لأنهم لا يدرون بما ذا يختم لهم لأن العاقبة مستورة عنهم لا يعلمون ذلك يقينا لأنهم لا يأمنون أن يغيروا و يبدلوا انتهى و يسئل و يقال ما معنى الرجوع هنا و هم ما كانوا قط في الآخرة فيعودوا إليها و يجاب بوجوه أحدها أنهم راجعون بالإعادة في الآخرة و ثانيها أنهم كانوا أمواتا فأحيوا ثم يموتون فيرجعون أمواتا كما كانوا و ثالثها أنهم راجعون بالموت إلى موضع لا يملك أحدهم ضرا و لا نفعا غيره تعالى كما كانوا في بدء الخلق فإنهم في أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم و التدبير لنفعهم و ضرهم. و الحق أنه لما دلت الأخبار على أن الأرواح خلقت قبل الأجساد فهي قبل تعلقها بالأجساد كانت في حالة تعود بعد قطع التعلق إليها. وَ الَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتابِ أي يتمسكون به و قرأ أبو بكر يمسكون بتسكين الميم و تخفيف السين و الباقون بالتشديد على بناء التفعيل يقال أمسك و مسك و تمسك و استمسك بالشيء بمعنى واحد أي استعصم به و الكتاب التوراة أو القرآن وَ أَقامُوا الصَّلاةَ في تخصيص الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات دلالة على جلالة موقعها و شدة تأكدها. و كذا قوله سبحانه فَإِنْ تابُوا وَ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ يدل على اشتراط الإيمان بإقامة الصلاة و إيتاء الزكاة و قيل أي قبلوا إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة لأن عصمة الدم لا يتوقف على فعلهما فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ أي دعوهم يتصرفون في بلاد الإسلام لهم ما للمسلمين و عليهم ما عليهم و قيل دعوهم يحجوا معكم و قال الطبرسي ره استدل بها على أن من ترك الصلاة متعمدا يجب قتله لأن الله أوجب الامتناع من قتل المشركين بشرط أن يتوبوا و يقيموا الصلاة فإذا لم يقيموها وجب قتلهم انتهى. و يمكن أن يقال إظهار الإسلام بعد الكفر لا يقبل إلا بالإتيان بهاتين الفريضتين اللتين هما من عمدة شرائعه. وَ أَقامَ الصَّلاةَ في حصر تعمير المساجد فيمن أتى بعد الإيمان بالله و اليوم الآخر بهاتين الفريضتين دلالة على جلالة شأنهما. بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ أي أنصار بعض أو متولي أمورهم. يُقِيمُوا الصَّلاةَ أي أقيموا الصلاة يقيموا أو ليقيموا لا بَيْعٌ فِيهِ فيبتاع المقصر ما يتدارك به تقصيره أو يفدي به نفسه وَ لا خِلالٌ و لا مخالة فيشفع له خليله. وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي أي و بعض ذريتي. وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ أي أهل بيتك و أهل دينك كما ذكره الطبرسي أو أهل بيتك خاصة كما رواه أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ- كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَأْتِي بَابَ فَاطِمَةَ وَ عَلِيٍّ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ- وَقْتَ كُلِّ صَلَاةٍ فَيَقُولُ الصَّلَاةَ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ- إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ- وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. رواه الطبرسي و قال و رواه ابن عقدة من طرق كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام و عن غيرهم مثل أبي برزة و ابن أبي رافع - وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخُصَّ أَهْلَهُ دُونَ النَّاسِ- لِيَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ لِأَهْلِهِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْزِلَةً لَيْسَتْ لِلنَّاسِ- فَأَمَرَهُمْ مَعَ النَّاسِ عَامَّةً وَ أَمَرَهُمْ خَاصَّةً. وَ فِي الْعُيُونِ، وَ غَيْرِهِ، عَنِ الرِّضَا عليه السلام فِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ خَصَّنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةِ- إِذْ أَمَرَنَا مَعَ الْأُمَّةِ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ- ثُمَّ خَصَّنَا مِنْ دُونِ الْأُمَّةِ- فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَجِيءُ عَلَى بَابِ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ- بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ- كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ حُضُورِ كُلِّ صَلَاةٍ خَمْسَ مَرَّاتٍ- فَيَقُولُ الصَّلَاةَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ- وَ مَا أَكْرَمَ اللَّهُ أَحَداً مِنْ ذَرَارِيِّ الْأَنْبِيَاءِ ع- بِمِثْلِ هَذِهِ الْكَرَامَةِ الَّتِي أَكْرَمَنَا بِهَا- وَ خَصَّنَا مِنْ دُونِ جَمِيعِ أَهْلِ بَيْتِهِمْ. وَ فِي نَهْجِ الْبَلَاغَةِ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص نَصِباً بِالصَّلَاةِ بَعْدَ التَّبْشِيرِ لَهُ بِالْجَنَّةِ- لِقَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها - فَكَانَ يَأْمُرُ بِهَا وَ يَصْبِرُ عَلَيْهَا نَفْسَهُ. ثم اعلم أن الظاهر من الأخبار الماضية و ما أوردنا سابقا في مجلدات الحجة أن المراد من يختص به من أهل بيته لا أهل دينه مطلقا و أنه إنما أمر بذلك لبيان شرفهم و كرامتهم عليه تعالى فما قيل إنه يجب علينا أيضا أمر أهالينا بدلالة التأسي محل نظر و إن أمكن أن يقال هذا لا ينافي لزوم التأسي و يؤيده قوله تعالى قُوا أَنْفُسَكُمْ وَ أَهْلِيكُمْ ناراً الآية و عمومات الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر. وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها بالمداومة عليها و احتمال مشاقها بل الأمر بها و احتمال مشاقه أيضا فهو ص مأمور بها على أبلغ وجه لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً لا نكلفك شيئا من الرزق لا لنفسك و لا لغيرك نَحْنُ نَرْزُقُكَ ما يكفيك و أهلك فيحتمل أن يكون المراد ترك التوصل إلى تحصيل الرزق و كسب المعيشة بالكلية و يكون من خصائصه ص لمنافاة تحصيل الرزق لتعرض أشغال النبوة و تحمل أعبائها و يحتمل العموم - كما ورد من كان لله كان الله له و من أصلح أمر دينه أصلح الله أمر دنياه و من أصلح ما بينه و بين الله أصلح الله ما بينه و بين الناس. و قال تعالى وَ مَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَ يَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ و لعل الأولى حينئذ أن يراد ترك الاعتناء و الاهتمام لا ترك الطلب بالكلية و سيأتي تمام القول فيه في محله وَ الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى أي العاقبة المحمودة لأهل التقوى. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ورد في الأخبار الكثيرة أنها نزلت في الأئمة و قائمهم ع. إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ قال الطبرسي ره في هذا دلالة على أن فعل الصلاة لطف للمكلف في ترك القبيح و المعاصي التي ينكرها العقل و الشرع فإن انتهى عن القبيح يكون توفيقا و إلا فقد أتى المكلف من قبل نفسه و قيل إن الصلاة بمنزلة الناهي بالقول إذا قال لا تفعل الفحشاء و المنكر و ذلك أن فيها التكبير و التسبيح و التهليل و القراءة و الوقوف بين يدي الله سبحانه و غير ذلك من صنوف العبادة و كل ذلك يدعو إلى شكره و يصرف عن ضده فيكون مثل الأمر و النهي بالقول و كل دليل مؤد إلى المعرفة بالحق فهو داع إليه و صارف عن الباطل الذي هو ضده. و قيل معناه أن الصلاة تنهى صاحبها عن الفحشاء و المنكر ما دام فيها و قيل معناه أنه ينبغي أن تنهاه كقوله وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً و قال ابن عباس في الصلاة منهى و مزدجر عن معاصي الله فمن لم تنهه صلاته عن المعاصي لم يزدد من الله إلا بعدا - وَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: مَنْ لَمْ تَنْهَهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ- لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْداً. - وَ عَنْهُ ص قَالَ: لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يُطِعِ الصَّلَاةَ- وَ طَاعَةُ الصَّلَاةِ أَنْ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ. و معنى ذلك أن الصلاة إذا كانت ناهية عن المعاصي فمن أقامها ثم لم ينته عن المعاصي لم تكن صلاته بالصفة التي وصفها الله بها فإن تاب من بعد ذلك و ترك المعاصي فقد تبين أن صلاته كانت نافعة له و ناهيته و إن لم ينته إلا بعد زمان. وَ رُوِيَ أَنَّ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ كَانَ يُصَلِّي الصَّلَاةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص- وَ يَرْتَكِبُ الْفَوَاحِشَ- فَوُصِفَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ص- فَقَالَ إِنَّ صَلَاتَهُ تَنْهَاهُ يَوْماً مَا فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ تَابَ. وَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ص- إِنَّ فُلَاناً يُصَلِّي بِالنَّهَارِ وَ يَسْرِقُ بِاللَّيْلِ- فَقَالَ إِنَّ صَلَاتَهُ لَتَرْدَعُهُ. - وَ رَوَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَعْلَمَ أَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ أَمْ لَمْ تُقْبَلْ- فَلْيَنْظُرْ هَلْ مَنَعَتْهُ صَلَاتُهُ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَ الْمُنْكَرِ- فَبِقَدْرِ مَا مَنَعَتْهُ قُبِلَتْ مِنْهُ. انتهى كلام الطبرسي. وَ رُوِيَ فِي الْكَافِي عَنْ سَعْدٍ الْخَفَّافِ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ هَلْ يَتَكَلَّمُ الْقُرْآنُ فَتَبَسَّمَ- ثُمَّ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ الضُّعَفَاءَ مِنْ شِيعَتِنَا إِنَّهُمْ أَهْلُ تَسْلِيمٍ- ثُمَّ قَالَ نَعَمْ يَا سَعْدُ- وَ الصَّلَاةُ تَتَكَلَّمُ وَ لَهَا صُورَةٌ وَ خَلْقٌ تَأْمُرُ وَ تَنْهَى- قَالَ فَتَغَيَّرَ لِذَلِكَ لَوْنِي- وَ قُلْتُ هَذَا شَيْءٌ لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَتَكَلَّمَ بِهِ فِي النَّاسِ- فَقَالَ ع وَ هَلِ النَّاسُ إِلَّا شِيعَتُنَا- فَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ الصَّلَاةَ فَقَدْ أَنْكَرَ حَقَّنَا- ثُمَّ قَالَ يَا سَعْدُ أُسْمِعُكَ كَلَامَ الْقُرْآنِ- قَالَ سَعْدٌ فَقُلْتُ بَلَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ- فَقَالَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ- وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ - فَالنَّهْيُ كَلَامٌ وَ الْفَحْشَاءُ وَ الْمُنْكَرُ رَجُلٌ- وَ نَحْنُ ذِكْرُ اللَّهِ وَ نَحْنُ أَكْبَرُ.. أقول قد مرت الأخبار بأن المراد بالصلاة أمير المؤمنين عليه السلام و الفحشاء و المنكر أبو بكر و عمر و ذكر الله رسول الله ص فقوله عليه السلام الصلاة تتكلم و لها صورة يمكن أن يكون على سبيل التنظير أي لا استبعاد في أن يكون للقرآن صورة كما أن في بطن تلك الآية المراد بالصلاة رجل أو المراد أن للصلاة صورة و مثالا يترتب عليه و ينشأ منه آثار الصلاة فكذا القرآن. و يحتمل أن يكون صورة القرآن في القيامة أمير المؤمنين عليه السلام فإنه حامل علمه و المتحلي بأخلاقه كما قال عليه السلام أنا كلام الله الناطق فإن كل من كمل فيه صفة عمل أو حالة فكأنه جسد لتلك الصفة و شخص لها فأمير المؤمنين عليه السلام جسد للقرآن و للصلاة و الزكاة و لذكر الله لكمالها فيه فيطلق عليه تلك الأسامي في بطن القرآن و يطلق على مخالفيه الفحشاء و المنكر و البغي و الكفر و الفسوق و العصيان لكمالها فيهم فهم أجساد لتلك الصفات الذميمة. و بهذا التحقيق الذي أفيض علي ينحل كثير من غوامض الأخبار و قد مر بعض الكلام في ذلك في أبواب الآيات النازلة فيهم و سيأتي في كتاب القرآن أيضا. وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ - رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: ذِكْرُ اللَّهِ لِأَهْلِ الصَّلَاةِ أَكْبَرُ مِنْ ذِكْرِهِمْ إِيَّاهُ- أَ لَا تَرَى أَنَّهُ يَقُولُ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ. - وَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ عِنْدَ مَا أَحَلَّ وَ حَرَّمَ.. و قال الطبرسي أي و لذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته عن ابن عباس و غيره و قيل ذكر العبد لربه أكبر مما سواه و أفضل من جميع أعماله عن سلمان و غيره و على هذا فيكون تأويله أن أكبر شيء في النهي عن الفواحش ذكر العبد ربه و أوامره و نواهيه و ما أعده من الثواب و العقاب فإنه أقوى لطف يدعو إلى الطاعة و ترك المعصية و هو أكبر من كل لطف و قيل معناه ذكر الله العبد في الصلاة أكبر من الصلاة و قيل ذكر الله هو التسبيح و التقديس و هو أكبر و أحرى بأن ينهى عن الفحشاء و المنكر. وَ لا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فيه إيماء إلى أن ترك الصلاة نوع من الشرك. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ فيه إيماء إلى أن العمدة في الإحسان إقامة الصلاة. إِنَّما تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ أي بالقلب الذي هو غائب عن الحواس أو هم غائبون عما يخشون الله بسببه من أحوال الآخرة و أهوالها أو يخشون ربهم في خلواتهم و غيبتهم عن الخلق وَ أَقامُوا الصَّلاةَ لعل فيه إيماء إلى أن الصلاة المقبولة هي التي تكون لخشية الله تعالى و مقرونة بها و إنما خص الإنذار بهم لأنهم المشفعون به دون غيرهم. إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللَّهِ في الصلاة و غيرها لَنْ تَبُورَ أي لن تكسد و لن تفسد و لن تهلك. وَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمْ أي قبلوا ما أمروا به و في تفسير علي بن إبراهيم في إقامة الإمام و يدل على أن الصلاة من عمدة المأمورات و أشرفها و على ما في التفسير يومي إلى اشتراط قبول الصلاة و سائر الأعمال بالولاية. قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ يعني الصلاة الواجبة كما سيأتي من نهج البلاغة و يدل على مخاطبة الكفار بالفروع و قد مر تأويلها بمتابعة أئمة الدين و بالصلاة عليهم. فَلا صَدَّقَ أي بما يجب أن يصدق به أو لم يتصدق بشيء وَ لا صَلَّى أي لم يصل لله. أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى- عَبْداً إِذا صَلَّى ما ذا يكون جزاؤه و ما يكون حاله - و في تفسير علي بن إبراهيم قال كان الوليد بن المغيرة ينهى الناس عن الصلاة و أن يطاع الله و رسوله فقال أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى و في مجمع البيان جاء في الحديث أن أبا جهل قال هل يعفر محمد وجهه بين أظهركم قالوا نعم قال فبالذي يحلف به لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته فقيل ها هو ذلك يصلي فانطلق ليطأ على رقبته فرأى معجزة و نكص على عقبيه و تركه فأنزل الله هذه الآية. و قد مرت الأخبار في ذلك. مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أي لا يشركوا في عبادته سبحانه أحدا و يدل على وجوب الإخلاص و تحريم الرياء حنفاء مائلين عن جميع الأديان إلى دين الإسلام وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي دين الملة القيمة أو الكتب القيمة و يشعر بأن الإخلال بالصلاة و الزكاة و شرائطهما مخرج من الدين القويم.
بحار الأنوار - ج ٧٩ - الصفحة ١٨٥. — الإمام الباقر عليه السلام
وَ حَدَّثَنَا ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الصَّفَّارِ وَ سَعْدٍ مَعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ وَ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ وَ الْيَقْطِينِيِّ جَمِيعاً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنِ الْمُزَنِيِّ وَ سَدِيرٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ وَ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُمْ حَضَرُوهُ فَقَالَ يَا عُمَرَ بْنَ أُذَيْنَةَ- مَا تَرَى هَذِهِ النَّاصِبَةُ فِي أَذَانِهِمْ وَ صَلَاتِهِمْ- فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ- إِنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ الْأَنْصَارِيَّ رَآهُ فِي النَّوْمِ- فَقَالَ عليه السلام كَذَبُوا وَ اللَّهِ- إِنَّ دِينَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى أَعَزُّ مِنْ أَنْ يُرَى فِي النَّوْمِ- فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع- إِنَّ اللَّهَ الْعَزِيزَ الْجَبَّارَ عَرَجَ بِنَبِيِّهِ إِلَى سَمَائِهِ سَبْعاً - أَمَّا أُولَاهُنَّ فَبَارَكَ عَلَيْهِ (صلوات الله عليه) - وَ الثَّانِيَةَ عَلَّمَهُ فِيهَا فَرْضَهُ- وَ الثَّالِثَةَ أَنْزَلَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ عَلَيْهِ مَحْمِلًا مِنْ نُورٍ- فِيهِ أَرْبَعُونَ نَوْعاً مِنْ أَنْوَاعِ النُّورِ- كَانَتْ مُحْدِقَةً حَوْلَ الْعَرْشِ- عَرْشِهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى تَغْشَى أَبْصَارَ النَّاظِرِينَ- أَمَّا وَاحِدٌ مِنْهَا فَأَصْفَرُ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ اصْفَرَّتِ الصُّفْرَةُ- وَ وَاحِدٌ مِنْهَا أَحْمَرُ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ احْمَرَّتِ الْحُمْرَةُ- وَ وَاحِدٌ مِنْهَا أَبْيَضُ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ ابْيَضَّ الْبَيَاضُ- وَ الْبَاقِي عَلَى عَدَدِ سَائِرِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنَ الْأَنْوَارِ وَ الْأَلْوَانِ- فِي ذَلِكَ الْمَحْمِلِ حَلَقٌ وَ سَلَاسِلُ مِنْ فِضَّةٍ- فَجَلَسَ فِيهِ ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا- فَنَفَرَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى أَطْرَافِ السَّمَاءِ- ثُمَّ خَرَّتْ سُجَّداً فَقَالَتْ- سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّنَا وَ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ- مَا أَشْبَهَ هَذَا النُّورَ بِنُورِ رَبِّنَا- فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ- فَسَكَتَ الْمَلَائِكَةُ وَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ- وَ اجْتَمَعَتِ الْمَلَائِكَةُ- ثُمَّ جَاءَتْ فَسَلَّمَتْ عَلَى النَّبِيِّ ص أَفْوَاجاً- ثُمَّ قَالَتْ يَا مُحَمَّدُ كَيْفَ أَخُوكَ قَالَ بِخَيْرٍ- قَالَتْ فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنَّا السَّلَامَ- فَقَالَ النَّبِيُّ ص أَ تَعْرِفُونَهُ فَقَالُوا- كَيْفَ لَمْ نَعْرِفْهُ وَ قَدْ أَخَذَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِيثَاقَكَ وَ مِيثَاقَهُ مِنَّا- وَ إِنَّا لَنُصَلِّي عَلَيْكَ وَ عَلَيْهِ- ثُمَّ زَادَهُ أَرْبَعِينَ نَوْعاً مِنْ أَنْوَاعِ النُّورِ- لَا يُشْبِهُ شَيْءٌ مِنْهُ ذَلِكَ النُّورَ الْأَوَّلَ- وَ زَادَهُ فِي مَحْمِلِهِ حَلَقاً وَ سَلَاسِلَ- ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ- فَلَمَّا قَرُبَ مِنْ بَابِ السَّمَاءِ تَنَافَرَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى أَطْرَافِ السَّمَاءِ- وَ خَرَّتْ سُجَّداً- وَ قَالَتْ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ- مَا أَشْبَهَ هَذَا النُّورَ بِنُورِ رَبِّنَا- فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَاجْتَمَعَتِ الْمَلَائِكَةُ- وَ فُتِحَ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَ قَالَتْ يَا جَبْرَئِيلُ مَنْ هَذَا مَعَكَ- فَقَالَ هَذَا مُحَمَّدٌ ص قَالُوا وَ قَدْ بُعِثَ قَالَ نَعَمْ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَخَرَجُوا إِلَيَّ شِبْهَ الْمَعَانِيقِ فَسَلَّمُوا- وَ قَالُوا أَقْرِئْ أَخَاكَ السَّلَامَ فَقُلْتُ هَلْ تَعْرِفُونَهُ- قَالُوا نَعَمْ وَ كَيْفَ لَا نَعْرِفُهُ- وَ قَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَكَ وَ مِيثَاقَهُ- وَ مِيثَاقَ شِيعَتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَلَيْنَا- وَ إِنَّا لَنَتَصَفَّحُ وُجُوهَ شِيعَتِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ خَمْساً- يَعْنُونَ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص- ثُمَّ زَادَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَرْبَعِينَ نَوْعاً مِنْ أَنْوَاعِ النُّورِ- لَا تُشْبِهُ الْأَنْوَارَ الْأُولَى- وَ زَادَنِي حَلَقاً وَ سَلَاسِلَ- ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ- فَنَفَرَتِ الْمَلَائِكَةُ إِلَى أَطْرَافِ السَّمَاءِ- وَ خَرَّتْ سُجَّداً- وَ قَالَتْ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْمَلَائِكَةِ وَ الرُّوحِ- مَا هَذَا النُّورُ الَّذِي يُشْبِهُ نُورَ رَبِّنَا- فَقَالَ جَبْرَئِيلُ ع- أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ- فَاجْتَمَعَتِ الْمَلَائِكَةُ وَ فُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ- وَ قَالَتْ مَرْحَباً بِالْأَوَّلِ وَ مَرْحَباً بِالْآخِرِ- وَ مَرْحَباً بِالْحَاشِرِ وَ مَرْحَباً بِالنَّاشِرِ- مُحَمَّدٌ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَ عَلِيٌّ خَيْرُ الْوَصِيِّينَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص سَلَّمُوا عَلَيَّ وَ سَأَلُونِي عَنْ عَلِيٍّ أَخِي- فَقُلْتُ هُوَ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَتِي أَ وَ تَعْرِفُونَهُ فَقَالُوا نَعَمْ- وَ كَيْفَ لَا نَعْرِفُهُ وَ قَدْ نَحُجُّ الْبَيْتَ الْمَعْمُورَ فِي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً- وَ عَلَيْهِ رَقٌّ أَبْيَضُ- فِيهِ اسْمُ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ الْأَئِمَّةِ وَ شِيعَتِهِمْ- إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- وَ إِنَّا لَنُبَارِكُ عَلَى رُءُوسِهِمْ بِأَيْدِينَا- ثُمَّ زَادَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَرْبَعِينَ نَوْعاً مِنْ أَنْوَاعِ النُّورِ- لَا تُشْبِهُ شَيْئاً مِنْ تِلْكَ الْأَنْوَارِ الْأُوَلِ- وَ زَادَنِي حَلَقاً وَ سَلَاسِلَ ثُمَّ عَرَجَ بِي إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ- فَلَمْ تَقُلِ الْمَلَائِكَةُ شَيْئاً وَ سَمِعْتُ دَوِيّاً كَأَنَّهُ فِي الصُّدُورِ- وَ اجْتَمَعَتِ الْمَلَائِكَةُ فَفُتِحَتْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ- وَ خَرَجَتْ إِلَيَّ مَعَانِيقَ - فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ- حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ- فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ صَوْتَيْنِ مَقْرُونَيْنِ- بِمُحَمَّدٍ تَقُومُ الصَّلَاةُ وَ بِعَلِيٍّ الْفَلَاحُ- فَقَالَ جَبْرَئِيلُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ- فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ هِيَ لِشِيعَتِهِ أَقَامُوهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- ثُمَّ اجْتَمَعَتِ الْمَلَائِكَةُ- فَقَالُوا لِلنَّبِيِّ ص أَيْنَ تَرَكْتَ أَخَاكَ وَ كَيْفَ هُوَ- فَقَالَ لَهُمْ أَ تَعْرِفُونَهُ فَقَالُوا نَعَمْ- نَعْرِفُهُ وَ شِيعَتَهُ وَ هُوَ نُورٌ حَوْلَ عَرْشِ اللَّهِ- وَ إِنَّ فِي الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ لَرَقّاً مِنْ نُورٍ- فِيهِ كِتَابٌ مِنْ نُورٍ- فِيهِ اسْمُ مُحَمَّدٍ وَ عَلِيٍّ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ الْأَئِمَّةِ وَ شِيعَتِهِمْ- لَا يَزِيدُ فِيهِمْ رَجُلٌ وَ لَا يَنْقُصُ مِنْهُمْ رَجُلٌ- إِنَّهُ لَمِيثَاقُنَا الَّذِي أُخِذَ عَلَيْنَا- وَ إِنَّهُ لَيُقْرَأُ عَلَيْنَا فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَسَجَدْتُ لِلَّهِ شُكْراً- فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ فَرَفَعْتُ رَأْسِي- فَإِذَا أَطْنَابُ السَّمَاءِ قَدْ خُرِقَتْ وَ الْحُجُبُ قَدْ رُفِعَتْ- ثُمَّ قَالَ لِي طَأْطِئْ رَأْسَكَ وَ انْظُرْ مَا تَرَى- فَطَأْطَأْتُ رَأْسِي فَنَظَرْتُ إِلَى بَيْتِكُمْ هَذَا وَ إِلَى حَرَمِكُمْ هَذَا- فَإِذَا هُوَ مِثْلُ حَرَمِ ذَلِكَ الْبَيْتِ يَتَقَابَلُ- لَوْ أَلْقَيْتُ شَيْئاً مِنْ يَدِي لَمْ يَقَعْ إِلَّا عَلَيْهِ- فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ هَذَا الْحَرَمُ وَ أَنْتَ الْحَرَامُ وَ لِكُلِّ مِثْلٍ مِثَالٌ- ثُمَّ قَالَ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ يَا مُحَمَّدُ مُدَّ يَدَكَ - فَيَتَلَقَّاكَ مَاءٌ يَسِيلُ مِنْ سَاقِ عَرْشِيَ الْأَيْمَنِ- فَنَزَلَ الْمَاءُ فَتَلَقَّيْتُهُ بِالْيَمِينِ- فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَوَّلُ الْوُضُوءِ بِالْيُمْنَى- ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ خُذْ ذَلِكَ فَاغْسِلْ بِهِ وَجْهَكَ- وَ عَلَّمَهُ غَسْلَ الْوَجْهِ- فَإِنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى عَظَمَتِي وَ أَنْتَ طَاهِرٌ- ثُمَّ اغْسِلْ ذِرَاعَيْكَ الْيَمِينَ وَ الْيَسَارَ وَ عَلَّمَهُ ذَلِكَ- فَإِنَّكَ تُرِيدُ أَنْ تَتَلَقَّى بِيَدَيْكَ كَلَامِي- وَ امْسَحْ بِفَضْلِ مَا فِي يَدَيْكَ مِنَ الْمَاءِ رَأْسَكَ وَ رِجْلَيْكَ إِلَى كَعْبَيْكَ- وَ عَلَّمَهُ الْمَسْحَ بِرَأْسِهِ وَ رِجْلَيْهِ- وَ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَمْسَحَ رَأْسَكَ وَ أُبَارِكَ عَلَيْكَ- فَأَمَّا الْمَسْحُ عَلَى رِجْلَيْكَ- فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُوطِئَكَ مَوْطِئاً لَمْ يَطَأْهُ أَحَدٌ قَبْلَكَ- وَ لَا يَطَؤُهُ أَحَدٌ غَيْرُكَ- فَهَذَا عِلَّةُ الْوُضُوءِ وَ الْأَذَانِ- ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ اسْتَقْبِلِ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَ هُوَ بِحِيَالِي- وَ كَبِّرْنِي بِعَدَدِ حُجُبِي- فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ صَارَ التَّكْبِيرُ سَبْعاً لِأَنَّ الْحُجُبَ سَبْعَةٌ- وَ افْتَتِحِ الْقِرَاءَةَ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْحُجُبِ- فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ صَارَ الِافْتِتَاحُ سُنَّةً- وَ الْحُجُبُ مُطَابَقَةً ثَلَاثاً بِعَدَدِ النُّورِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ ص ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَلِذَلِكَ كَانَ الِافْتِتَاحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ- فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ التَّكْبِيرُ سَبْعاً وَ الِافْتِتَاحُ ثَلَاثاً- فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ التَّكْبِيرِ وَ الِافْتِتَاحِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- الْآنَ وَصَلْتَ إِلَيَّ فَسَمِّ بِاسْمِي- فَقَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* * * فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جُعِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- فِي أَوَّلِ السُّوَرِ- ثُمَّ قَالَ لَهُ احْمَدْنِي فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ - وَ قَالَ النَّبِيُّ ص فِي نَفْسِهِ شُكْراً فَقَالَ اللَّهُ- يَا مُحَمَّدُ أَ قَطَعْتَ حَمْدِي فَسَمِّ بِاسْمِي- فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جُعِلَ فِي الْحَمْدِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مَرَّتَيْنِ- فَلَمَّا بَلَغَ وَ لَا الضَّالِّينَ قَالَ النَّبِيُّ ص- الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ شُكْراً- فَقَالَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ قَطَعْتَ ذِكْرِي فَسَمِّ بِاسْمِي- فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ جُعِلَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- بَعْدَ الْحَمْدِ- فِي اسْتِقْبَالِ السُّورَةِ الْأُخْرَى- فَقَالَ لَهُ اقْرَأْ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ كَمَا أُنْزِلَتْ- فَإِنَّهَا نِسْبَتِي وَ نَعْتِي ثُمَّ طَأْطِئْ يَدَيْكَ- وَ اجْعَلْهُمَا عَلَى رُكْبَتَيْكَ فَانْظُرْ إِلَى عَرْشِي- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص- فَنَظَرْتُ إِلَى عَظَمَةٍ ذَهَبَتْ لَهَا نَفْسِي وَ غُشِيَ عَلَيَّ- فَأُلْهِمْتُ أَنْ قُلْتُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَ بِحَمْدِهِ لِعِظَمِ مَا رَأَيْتُ- فَلَمَّا قُلْتُ ذَلِكَ تَجَلَّى الْغَشْيُ عَنِّي- حَتَّى قُلْتُهَا سَبْعاً أُلْهِمَ ذَلِكَ- فَرَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي كَمَا كَانَتْ- فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ صَارَ فِي الرُّكُوعِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ وَ بِحَمْدِهِ- فَقَالَ ارْفَعْ رَأْسَكَ- فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَنَظَرْتُ إِلَى شَيْءٍ ذَهَبَ مِنْهُ عَقْلِي- فَاسْتَقْبَلْتُ الْأَرْضَ بِوَجْهِي وَ يَدَيَّ- فَأُلْهِمْتُ أَنْ قُلْتُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَ بِحَمْدِهِ- لِعُلُوِّ مَا رَأَيْتُ فَقُلْتُهَا سَبْعاً فَرَجَعَتْ إِلَيَّ نَفْسِي- كُلَّمَا قُلْتُ وَاحِدَةً فِيهَا تَجَلَّى عَنِّي الْغَشْيُ فَقَعَدْتُ- فَصَارَ السُّجُودُ فِيهِ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَ بِحَمْدِهِ- وَ صَارَتِ الْقَعْدَةُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ اسْتِرَاحَةً مِنَ الْغَشْيِ- وَ عُلُوِّ مَا رَأَيْتُ- فَأَلْهَمَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ- وَ طَالَبَتْنِي نَفْسِي أَنْ أَرْفَعَ رَأْسِي فَرَفَعْتُ- فَنَظَرْتُ إِلَى ذَلِكَ الْعُلُوِّ فَغُشِيَ عَلَيَّ- فَخَرَرْتُ لِوَجْهِي وَ اسْتَقْبَلْتُ الْأَرْضَ بِوَجْهِي وَ يَدَيَّ- وَ قُلْتُ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى وَ بِحَمْدِهِ فَقُلْتُهَا سَبْعاً- ثُمَّ رَفَعْتُ رَأْسِي- فَقَعَدْتُ قَبْلَ الْقِيَامِ لِأُثْنِيَ النَّظَرَ فِي الْعُلُوِّ- فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ صَارَتْ سَجْدَتَيْنِ وَ رَكْعَةً- وَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ صَارَ الْقُعُودُ قَبْلَ الْقِيَامِ قَعْدَةً خَفِيفَةً- ثُمَّ قُمْتُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ اقْرَأِ الْحَمْدَ- فَقَرَأْتُهَا مِثْلَ مَا قَرَأْتُهَا أَوَّلًا- ثُمَّ قَالَ لِي اقْرَأْ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ- فَإِنَّهَا نِسْبَتُكَ وَ نِسْبَةُ أَهْلِ بَيْتِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ- ثُمَّ رَكَعْتُ فَقُلْتُ فِي الرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ مِثْلَ مَا قُلْتُ أَوَّلًا- وَ ذَهَبْتُ أَنْ أَقُومَ- فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ اذْكُرْ مَا أَنْعَمْتُ عَلَيْكَ وَ سَمِّ بِاسْمِي- فَأَلْهَمَنِيَ اللَّهُ أَنْ قُلْتُ بِسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ وَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ- وَ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى كُلُّهَا لِلَّهِ- فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ صَلِّ عَلَيْكَ وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِكَ- فَقُلْتُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيَّ وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِي وَ قَدْ فَعَلَ- ثُمَّ الْتَفَتُّ فَإِذَا أَنَا بِصُفُوفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ- وَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُرْسَلِينَ- فَقَالَ لِي يَا مُحَمَّدُ سَلِّمْ- فَقُلْتُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ- فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي أَنَا السَّلَامُ- وَ التَّحِيَّةُ وَ الرَّحْمَةُ وَ الْبَرَكَاتُ أَنْتَ وَ ذُرِّيَّتُكَ- ثُمَّ أَمَرَنِي رَبِّيَ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ أَنْ لَا أَلْتَفِتَ يَسَاراً- وَ أَوَّلُ سُورَةٍ سَمِعْتُهَا بَعْدَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ- إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ- فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ السَّلَامُ مَرَّةً وَاحِدَةً تُجَاهَ الْقِبْلَةِ- وَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ صَارَ التَّسْبِيحُ فِي السُّجُودِ وَ الرُّكُوعِ شُكْراً. و قوله سمع الله لمن حمده لأن النبي ص قال سمعت ضجة الملائكة فقلت سمع الله لمن حمده بالتسبيح و التهليل فمن أجل ذلك جعلت الركعتان الأولتان كلما أحدث فيها حدث كان على صاحبها إعادتها و هي الفرض الأول و هي أول ما فرضت عند الزوال يعني صلاة الظهر. توضيح قوله إن أبي بن كعب لا خلاف بين علمائنا في أن شرعية الأذان كان بالوحي لا بالنوم قال في المعتبر و المنتهى الأذان عند أهل البيت عليهم السلام وحي على لسان جبرئيل عليه السلام علمه رسول الله ص و عليا عليه السلام و أطبق الجمهور على خلافه و رووا أنه برؤيا عبد الله بن زيد و عمر و رواية رؤيا أبي غير مشتهر الآن بينهم و تدل على أن بالنوم لا تثبت الأحكام و يمكن أن يخص بابتداء شرعيتها و رأيت في بعض أجوبة العلامة (رحمه اللّه) عما سئل عنه تجويز العمل بما سمع في المنام عن النبي و الأئمة عليهم السلام إذا لم يكن مخالفا للإجماع لما روي من أن الشيطان، لا يتمثل بصورتهم و فيه إشكال. قوله عليه السلام أنزل الله و في بعض النسخ و الثالثة أنزل و الظاهر أنها زيدت من المصلحين فأفسدوا الكلام بل هذا تفصيل لما أجمل سابقا و عود إلى أول الكلام كما سيظهر مما سيأتي و الأنوار تحتمل الصورية و المعنوية أو الأعم منهما. و أما نفرة الملائكة فلغلبة النور على أنوارهم و عجزهم عن إدراك الكمالات التي أعطاها الله نبينا ص كما - قَالَ ص لِي مَعَ اللَّهِ وَقْتٌ- لَا يَسَعُنِي مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ الْخَبَرَ. و يؤيد المعنوية قول الملائكة ما أشبه هذا النور بنور ربنا و على تقدير أن يكون المراد الصورية فالمعنى ما أشبه هذا النور بنور خلقه الله في العرش و على التقديرين لما كان كلامهم و فعلهم موهما لنوع من التشبيه قال جبرئيل الله أكبر تنزيها له عن تلك المشابهة أي أكبر من أن يشبهه أحد أو يعرفه و قد مر تفسير الأنوار في كتاب التوحيد و التكرير للتأكيد أو الأول لنفي المشابهة و الثاني لنفي الإدراك. و قال الجزري سبوح قدوس يرويان بالضم و الفتح أقيس و الضم أكثر استعمالا و هو من أبنية المبالغة و المراد بهما التنزيه و قال فيه فانطلقنا معانيق أي مسرعين و في القاموس المعناق الفرس الجيد العنق و الجمع معانيق و العنق بالتحريك ضرب من سير الدابة و التشبيه في الإسراع. و تثنية التكبير يمكن أن يكون اختصارا من الراوي أو يكون الزيادة بوحي آخر كما ورد في تعليم جبرئيل أمير المؤمنين عليه السلام أو يكون من النبي ص كزيادة الركعات بالتفويض أو يكون التكبيران الأولان خارجين عن الأذان كما يومي إليه حديث العلل و به يجمع بين الأخبار و الأظهر أن الغرض في هذا الخبر بيان الإقامة و أطلق عليها الأذان مجازا. و يمكن أن يكون سؤالهم عن البعثة لزيادة الاطمئنان كما في سؤال إبراهيم إذ تصفح وجوه شيعة أخيه في وقت كل صلاة موقوف على العلم بالبعثة و يمكن أن يكون قولهم و إنا لنتصفح إخبارا عما أمروا به أن يفعلوا بعد ذلك و يؤيده عدم وجوب الصلاة قبل ذلك كما هو الظاهر و إن أمكن أن يكون هذا في معراج تحقق بعد وجوب الصلاة لكنه بعيد عن سياق الخبر. و يحتمل أيضا أن يكونوا عرفوه ص و عرفوا وصيه و شيعة وصيه بأنهم يكونون كذلك و لذا كانوا يتصفحون وجوه شيعته في أوقات الصلوات ليعرفوا هل وجبت عليهم صلاة أم لا فلا ينافي عدم علمهم بالبعثة و فيه أيضا بعد. و يحتمل أن يكون التصفح كناية عن رواية أسمائهم في رق بيت المعمور كما سيأتي أو عن رؤية أشباحهم و أمثلتهم حول العرش كما يومي إليه قولهم و هم نور حول العرش و قريب منه ما ذكره بعض الأفاضل أن علمهم به و بأخيه و شيعته و أحوالهم في عالم فوق عالم الحس و هو العالم الذي أخذ عليهم فيه الميثاق و العلم فيه لا يتغير و هذا لا ينافي جهلهم ببعثه في عالم الحس الذي يتغير العلم فيه. أقول هذا موقوف على مقدمات مباينة لطريقة العقل. قوله مرحبا بالأول أي خلقا و رتبة و مرحبا بالآخر أي ظهورا و بعثه و مرحبا بالحاشر أي بمن يتصل زمان أمته بالحشر و مرحبا بالناشر أي بمن ينشر قبل الخلق و إليه الجمع و الحساب و قد مر شرح الكل في مواضعها و الرق بالفتح و يكسر جلد رقيق يكتب فيه و الصحيفة البيضاء و دوي الريح و الطائر و النحل صوتها. صوتين مقرونين أن نسمع صوتين و في الكافي صوتان مقرونان معروفان و كونهما مقرونين لأن الصلاة مستلزمة للفلاح و سبب له و يحتمل أن تكون الفقرتان اللتان بعدهما مفسرتين لهما و الغرض بيان اشتراط قبول الصلاة و صحتها بولايتهما. و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما ورد في بعض الأخبار من تفسير الصلاة و العبادات بهم أي الصلاة رسول الله ص و الفلاح أمير المؤمنين صلوات الله عليه و هما متحدان من نور واحد مقرونان قولا و فعلا و بما فسر في هذا الخبر يظهر سر تلك الأخبار و معناها و الضمير في قوله لشيعته راجع إلى الرسول أو إلى علي (صلوات الله عليهما) و الأخير أظهر و ترك حي على خير العمل الظاهر أنه من الإمام عليه السلام أو من الرواة تقية و يحتمل أن يكون قرر بعد ذلك كما مر و يؤيده عدم ذكر بقية فصول الأذان. و أطناب السماء لعله كناية عن الأطباق و الجوانب قال الجزري فيه ما بين طنبي المدينة أحوج مني إليها أي ما بين طرفيها و الطنب أحد أطناب الخيمة فاستعارة للطرف و الناحية انتهى و في الكافي أطباق السماء و هو أظهر. ثم إنه يحتمل أن يكون خرق الأطباق و الحجب من تحته أو من فوقه أو منهما معا و أيضا يحتمل أن يكون هذا في السماء الرابعة أو بعد عروجه إلى السابعة و الأخير أوفق بما بعده فعلى الأول إنما خرقت الحجب من تحته لينظر إلى الكعبة و إلى البيت المعمور فلما نظر إليهما وجدهما متحاذيين متطابقين متماثلين و لذا قال و لكل مثل مثال أي كل شيء في الأرض له مثال في السماء فعلى الثاني يحتمل أن تكون الصلاة تحت العرش محاذيا للبيت المعمور أو في البيت المعمور بعد النزول و على التقديرين استقبال الحجر مجاز أي استقبل ما يحاذيه أو ما يشاكله و يشبهه. قوله و أنت الحرام أي المحترم المكرم و لعله إشارة إلى أن حرمة البيت إنما هي لحرمتك كما ورد في غيره و يدل على استحباب أخذ ماء الوضوء أولا باليمنى و في الكافي صار الوضوء باليمنى فيمكن أن يفهم منه استحباب الإدارة. قوله تعالى بعدد حجبي الظاهر أن المراد بالحجب هنا غير السماوات كما يظهر من سائر الأخبار و أن ثلاثة منها ملتصقة ثم تفصل بينها بحار النور ثم اثنان منها ملتصقان فلذا استحب التوالي بين ثلاث من التكبيرات ثم الفصل بالدعاء ثم بين اثنتين ثم الفصل بالدعاء ثم يأتي باثنتين متصلتين فكل شروع في التكبير ابتداء افتتاح و في الكافي هكذا و الحجب متطابقة بينهن بحار النور و ذلك النور الذي أنزل الله على محمد ص فمن أجل ذلك صار الافتتاح ثلاث مرات لافتتاح الحجب ثلاث مرات فصار التكبير سبعا و الافتتاح ثلاثا. و حمل الوالد العلامة الافتتاح ثلاثا على تكبيرة الإحرام التي هي افتتاح القراءة و تكبير افتتاح الركوع و تكبير افتتاح السجود و لعل ما ذكرناه أظهر. و قوله شكرا يحتمل أن يكون كلام الإمام عليه السلام أي قال النبي ص على وجه الشكر الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ و الظاهر أنه من تتمة التحميد و يؤيد الأول أنه ورد تحميد المأموم في هذا المقام بدون هذه التتمة و يؤيد الثاني أنه ص أضمر شكرا عند قوله الحمد لله رب العالمين أولا و يدل على استحباب التحميد في هذا المقام للإمام و المنفرد أيضا و لعله خص بعد ذلك للمأموم. قوله تعالى قطعت ذكري لعله لما كانت سورة الفاتحة بالوحي و انقطع الوحي بتمامها و حمد الله من قبل نفسه قال الله تعالى لما قطعت القرآن بالحمد فاستأنف البسملة فالمراد بالذكر القرآن و قوله عليه السلام كما أنزلت يدل على تغيير في سورة التوحيد - و في الكافي هكذا ثم أوحى الله عز و جل إليه اقرأ يا محمد نسبة ربك تبارك و تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ثم أمسك عنه الوحي فقال رسول الله ص الله الواحد الأحد الصمد فأوحى الله إليه لَمْ يَلِدْ وَ لَمْ يُولَدْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ كذلك الله ربنا كذلك الله ربنا. قوله تعالى فانظر إلى عرشي أي بالقلب أو بمؤخر العين أو ارفع رأسك في تلك الحالة فانظر إليه. و في الكافي فلما قال ذلك أوحى الله إليه اركع لربك يا محمد فركع فأوحى الله إليه و هو راكع قل سبحان ربي العظيم و بحمده ففعل ذلك ثلاثا ثم أوحى الله إليه ارفع رأسك يا محمد ففعل رسول الله ص فقام منتصبا فأوحى الله عز و جل إليه أن اسجد لربك يا محمد فخر رسول الله ساجدا فأوحى الله إليه قل سبحان ربي الأعلى و بحمده ففعل ص ذلك ثلاثا ثم أوحى الله إليه استو جالسا يا محمد ففعل فلما رفع رأسه عن سجوده و استوى جالسا نظر إلى عظمة تجلت له فخر ساجدا من تلقاء نفسه لا لأمر أمر به فسبح أيضا ثلاثا فأوحى الله إليه انتصب قائما ففعل فلم ير ما كان رأى من العظمة فمن أجل ذلك صارت الصلاة ركعة و سجدتين. قوله و علو ما رأيت أي استراحة من شدة و دهشة عرضت لي بسببه أو طلبا لهذا الأمر العالي و إعادة النظر إليه فيكون منصوبا بنزع الخافض. و قوله تعالى فإنها نسبتك أي مبينة شرفك و كرامتك و كرامة أهل بيتك أو مشتملة على نسبتك و نسبتهم إلى الناس و جهة احتياج الناس إليك و إليهم فإن نزول الملائكة و الروح بجميع الأمور التي يحتاج الناس إليها إذا كان إليه و إليهم فبهذا الجهة هم محتاجون إليك و إليهم. قوله تعالى إني أنا السلام و التحية لعل التحية معطوفة على السلام تفسيرا و تأكيدا و قوله و الرحمة مبتدأ أي أنت المراد بالرحمة و ذريتك بالبركات أو المراد أن كلا منهم رحمة و بركة و يحتمل أن يكون قوله و التحية مبتدأ و على التقادير حاصل المعنى سلام الله و تحيته أو رحمته و شفاعته محمد و أهل بيته (صلوات الله عليهم) و دعاؤهم و هدايتهم و إعانتهم عليكم أي لكم. قوله تعالى تجاه القبلة أي من غير التفات إلى اليسار أو إلى اليمين أيضا كثيرا بأن يحتمل ما فعله ص على الالتفات القليل و يؤيده قوله عليه السلام أن لا ألتفت يسارا و ما قيل من أنه رأى الملائكة و النبيين تجاه القبلة فسلم عليهم لأنهم المقربون ليسوا من أصحاب اليمين و لا من أصحاب الشمال فلا يخفى ما فيه لأن الظاهر أنهم كانوا مؤتمين به ص. قوله تعالى صار التسبيح في السجود في الكافي كان التكبير في السجود شكرا فلعل المعنى أنه ص لما كان هوته إلى السجود لمشاهدة عظمة تجلت له كبر قبل سجوده شكرا لتلك النعمة كما قال تعالى وَ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي على ما هدى و ما هنا أظهر كما لا يخفى. قوله عليه السلام عند الزوال لعل المعنى أن هذه الصلاة التي فرضت و علمها الله نبيه في السماء أنها فرضت أو وقعت أولا في الأرض عند الزوال فلا يلزم أن يكون إيقاعها في السماء عند الزوال مع أنه يحتمل أن يكون النبي ص في ذلك الوقت محاذيا لموضع يكون في الأرض وقت الزوال لكنه بعيد إذ الظاهر من الخبر أنها وقعت في موضع كان محاذيا لمكة و لما كان الظاهر من الأخبار تعدد المعراج فيمكن حمل هذا الخبر على معراج وقع في اليوم و بهذا الوجه يمكن التوفيق بين أكثر الأخبار المختلفة الواردة في كيفية المعراج. ثم إنه يظهر من هذا الخبر أن الصلاة لما كانت معراج المؤمن فكما أن النبي ص نفض عن ذيله الأطهر علائق الدنيا الدنية و توجه إلى عرش القرب و الوصال و مكالمة الكبير المتعال و كلما خرق حجابا من الحجب الجسمانية كبر الرب تعالى و كشف بسببه حجابا من الحجب العقلانية حتى وصل إلى عرش العظمة و الجلال و دخل مجلس الأنس و الوصال فبعد رفع الحجب المعنوية بينه و بين مولاه كلمه و ناجاه فاستحق لأن يتجلى له نور من أنوار الجبروت فركع و خضع لذلك النور فاستحق أن يتجلى عليه نور أعلى منه فرفع رأسه و شاهده و خر ساجدا لعظمته. ثم بعد طي تلك المقامات و الوصول إلى درجة الشهود و الاتصال بالرب الودود رفع له الأستار من البين و قربه إلى مقام قاب قوسين فأكرمه بأن يقرن اسمه باسمه في الشهادتين ثم حباه بالصلاة عليه و على أهل بيته المصطفين فلما لم يكن بعد الوصول إلا السلام أكرمه بهذا الإنعام أو أمره بأن يسلم على مقربي جنابه الذين فازوا قبله بمثل هذا المقام تشريفا له بإنعامه و تأليفا بين مقربي جنابه أو أنه لما أذنه بالرجوع عن مقام لي مع الله الذي لا يرحمه فيه سواه و لم يخطر بباله غير مولاه التفت إليهم فسلم عليهم كما يومي إليه هذا الخبر فكذا ينبغي للمؤمن إذا أراد أن يتوجه إلى جنابه تعالى بعد تشبثه بالعلائق الدنية و توغله في العلائق الدنيوية أن يدفع عنه الأنجاس الظاهرة و الباطنة و يتحلى بما يستر عورته الجسمانية و الروحانية و يتعطر بروائح الأخلاق الحسنة و يتطهر من دنس الذنوب و الأخلاق الذميمة و يخرج من بيته الأصنام و الكلاب و الصور و الخمور الصورية و عن قلبه صور الأغيار و كلب النفس الأمارة و سكر الملك و المال و العزة و أصنام حب الذهب و الفضة و الأموال و الأولاد و النساء و سائر الشهوات الدنيوية. ثم يتذكر بالأذان و الإقامة ما نسيه بسبب الاشتغال بالشبهات و الأعمال من عظمة الله و جلاله و لطفه و قهره و فضل الصلاة و سائر العبادات مرة بعد أخرى و يتذكر أمور الآخرة و أهوالها و سعاداتها و شقاواتها عند الاستنجاء و الوضوء و الغسل و أدعيتها إذا علم أسرارها ثم يتوجه إلى المساجد التي هي بيوت الله في الأرض و يخطر بباله عظمة صاحب البيت و جلاله إذا وصل إلى أبوابها فلا يكون عنده أقل عظمة من أبواب الملوك الظاهرة التي إذا وصل إليها دهش و تحير و ارتعد و خضع و استكان. فإذا دخل المسجد و قرب المحراب الذي هو محل مجاذبة النفس و الشيطان، استعاذ بالكريم الرحمن من شرورهما و غرورهما و توجه بصورته إلى بيت الله و بقلبه إلى الله و أعرض عن كل شيء سواه ثم يستفتح صلاته بتكبير الله و تعظيمه ليضمحل في نظره من عداه و يخرق بكل تكبير حجابا من الحجب الظلمانية الراجعة إلى نقصه و النورانية الراجعة إلى كمال معبوده فيقبل بعد تلك المعرفة و الانقياد و التسليم بشراشره إلى العليم الحكيم و استعان في أموره باسم المعبود الرحمن الرحيم و يحمده على نعمائه و يقر بأنه رب العالمين و أخرجه من كتم العدم إلى أن أوصله إلى مقام العابدين. ثم بأنه الرحمن الرحيم و بأنه مالك يوم الدين يجزي المطيعين و العاصين و إذا عرفه بهذا الوجه استحق لأن يرجع من مقام الغيبة إلى الخطاب مستعينا بالكريم الوهاب و يطلب منه الصراط المستقيم و صراط المقربين و الأنبياء و الأئمة المكرمين مقرا بأنهم على الحق و اليقين و أن أعداءهم ممن غضب الله عليهم و لعنهم و من الضالين و يتبرأ منهم و من طريقتهم تبرؤ الموقنين. ثم يصفه سبحانه بتلاوة التوحيد بالوحدانية و التنزيه عما لا يليق بذاته و صفاته فإذا عبد ربه بتلك الشرائط و عرفه بتلك الصفات يتجلى له نور من أنوار الجلال فيخضع لذلك بالركوع و الخضوع و يقر بأني أعبدك و إن ضربت عنقي ثم بعد هذا الخضوع و الانقياد يستحق معرفة أقوى و يناسبه خضوع أدنى فيقر بأنك خلقتني من التراب و المخلوق منه خليق بالتذلل عند رب الأرباب ثم بأنك تعيدني بعد الموت إلى التراب فيناسب تلك الحالة خضوع آخر. فإذا عبد الله بتلك الآداب إلى آخر الصلاة و خاض في خلال ذلك بحار جبروته و اكتسب أنوار فيضه و معرفته وصل إلى مقام القرب و الشهود فيقر بوحدانية معبوده و يثني على مقربي جنابه ثم يسلم عليهم بعد الحضور و الشهود و في هذا المقام لطائف و دقايق لا يسع المقام ذكرها و أوردنا شذرا منها في بعض مؤلفاتنا و إنما أومأنا هاهنا إلى بعضها لمناسبة شرح الرواية و الله ولي التوفيق و الهداية.
بحار الأنوار - ج ٧٩ - الصفحة ٢٣٧. — الإمام الصادق عليه السلام
كِتَابُ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْحَذَّاءِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
ص إِنَّ مِنْ أَغْبَطِ أَوْلِيَائِي عِنْدِي رَجُلٌ خَفِيفُ الْحَاذِ ذُو حَظٍّ مِنْ صَلَاةٍ أَحْسَنَ عِبَادَةَ رَبِّهِ فِي الْغَيْبِ وَ كَانَ غَامِضاً فِي النَّاسِ جُعِلَ رِزْقُهُ كَفَافاً فَصَبَرَ عُجِّلَتْ عَلَيْهِ مَنِيَّتُهُ مَاتَ فَقَلَّ تُرَاثُهُ وَ قَلَّتْ بَوَاكِيهِ. الآيات النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا و قال تعالى وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً المائدة إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ تفسير قد مر في كتاب الطهارة أن في الآية وجهين أحدهما المنع عن قرب الصلاة و الدخول فيها حال السكر من خمر و نحوها أو من النوم كما مر في بعض الروايات و ذكره بعض المفسرين أو الأعم كما هو ظاهر القاضي و في الكافي و منه سكر النوم و هو يفيد التعميم و في مجمع البيان عن الكاظم عليه السلام أن المراد به سكر الشراب ثم نسختها آية تحريم الخمر كما روت العامة أن عبد الرحمن بن عوف صنع طعاما و شرابا لجماعة من الصحابة قبل نزول تحريم الخمر فأكلوا و شربوا فلما ثملوا دخل وقت المغرب فقدموا أحدهم ليصلي بهم فقرأ أعبد ما تعبدون و أنتم عابدون ما أعبد فنزلت الآية فكانوا لا يشربون الخمر في أوقات الصلاة فإذا صلوا العشاء شربوا فلا يصبحون إلا و قد ذهب عنهم السكر و سيأتي عن العياشي تفسيره بسكر الخمر و قد مر تأويله بسكر النوم و الجمع بالتعميم أولى. و ربما يجمع بينهما بأنه لما كانت الحكمة يقتضي تحريم الخمر متدرجا و كان قوم من المسلمين يصلون سكارى منها قبل استقرار تحريمها نزلت هذه الآية و خوطبوا بمثل هذا الخطاب ثم لما ثبت تحريمها و استقر و صاروا ممن لا ينبغي أن يخاطبوا بمثله لأن المؤمنين لا يسكرون من الشراب بعد أن حرم عليهم جاز أن يقال الآية منسوخة بتحريم الخمر بمعنى عدم حسن خطابهم بمثله بعد ذلك لا بمعنى جواز الصلاة مع السكر ثم لما عم الحكم سائر ما يمنع من حضور القلب جاز أن يفسر بسكر النوم و نحوه تارة و أن يعمم الحكم أخرى فلا تنافي بين الروايات. ثم إن المخاطب بذلك المكلف به المؤمنون العاقلون إلى أن يذهب عقلهم فيجب عليهم ما يأمنون معه من فعل الصلاة حال السكر. و الحاصل أن المراد نهيهم عن أن يكونوا في وقت الاشتغال بالصلاة سكارى بأن لا يشربوا في وقت يؤدي إلى تلبسهم بالصلاة حال سكرهم و ليس الخطاب متوجها إليهم حال سكرهم إذ السكران غير متأهل لهذا الخطاب. أو يكون جنبا إلا أن يكونوا مسافرين غير واجدين للماء فإنه يجوز لهم دخول الصلاة بالتيمم مع أنه لا يرفع به حدثهم فقد دخلوا في الصلاة مع الجنابة. و ثانيهما أن المراد بالصلاة هنا مواضعها تسمية للمحل باسم الحال أو على حذف المضاف و المعنى لا تقربوا المساجد في حالتين إحداهما حالة السكر فإن الأغلب أن الذي يأتي المسجد إنما يأتيه للصلاة و هي مشتملة على أذكار و أقوال يمنع السكر من الإتيان بها على وجهها و الحالة الثانية حالة الجنابة إلا اجتيازا كما مر تفصيله. و قيل وجه ثالث و هو أن يكون الصلاة في قوله سبحانه لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ على معناها الحقيقي و يراد بها عند قوله تعالى وَ لا جُنُباً مواضعها على طريقة الاستخدام و على التقادير يدل على المنع من إيقاع ما يوجب كون الصلاة حالة السكر و إن كان في الأول و الثالث أظهر فيشتمل من لم يشرب إذا علم أن بعد الشرب تقع صلاته مع السكر أو شرب و علم أنه إذا دخل في الصلاة يقع بعضها على السكر. و أما سكر النوم فإن بلغ إلى حد لا يعقل شيئا أصلا و يبطل سمعه فدخوله في الصلاة مع تلك الحالة يكون حراما و لو علم أنه لا يعقل عقلا كاملا و لا يكون قلبه حاضرا متنبها لما يقوله و يأتي به كما هو ظاهر الأخبار فالنهي على التنزيه و لو قيل بالتعميم كان محمولا على المنع المطلق أعم من التحريم و التنزيه كما هو مقتضى الجمع بين الأخبار و لو كان في أول الوقت نومان و إذا دخل في الصلاة لا يكون له حضور القلب فيها و إذا نام ليذهب عنه تلك الحالة يخرج وقت الفضيلة فأيهما أفضل الترجيح بينهما لا يخلو من إشكال و اختار بعض المتأخرين ترجيح حضور القلب فإنه روح العبادة و لا يخلو من قوة و حتى في قوله سبحانه حَتَّى تَعْلَمُوا يحتمل أن يكون تعليلية كما في أسلمت حتى أدخل الجنة و أن يكون بمعنى إلى أن كما في أسير حتى تغيب الشمس. و استدل به على بطلان صلاة السكران لاقتضاء النهي في العبادة الفساد على بعض الوجوه و على منع السكران من دخول المسجد و في قوله جل شأنه حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ إشعار بأنه ينبغي للمصلي أن يعلم ما يقوله في الصلاة و يلاحظ معاني ما يقرؤه و يأتي به من الأدعية و الأذكار كما دل عليه ما مر من الأخبار. قوله سبحانه وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا أي بنوع من أنواع التحايا و التحية مشتقة من الحياة لأن المسلم إذا قال سلام عليكم فقد دعا للمخاطب بالسلامة من كل مكروه و الموت من أشد المكاره على أن كل مكروه منغص للحياة مكدر لها. و لنقدم مباحث ليظهر ما هو المقصود من نقل الآية الأول اختلف في التحية فقيل هي السلام لأنه تحية الإسلام و هو الظاهر من كلام أكثر اللغويين و المفسرين قال في القاموس التحية السلام و قال البيضاوي الجمهور على أنه السلام و قيل تشمل كل دعاء و تحية من القول قال في المغرب حياه بمعنى أحياه تحية كبقاه بمعنى أبقاه تبقية هذا أصلها ثم سمي ما يحيا به من سلام و نحوه تحية و قيل يشمل كل بر من الفعل و القول كما يظهر من علي بن إبراهيم في تفسيره حيث قال السلام و غيره من البر و إن احتمل أن يكون مراده البر من القول و قيل المراد بالتحية العطية و أوجب الثواب أو الرد على المتهب ذكره في الكشاف و هو ضعيف بل الظاهر أن المراد به السلام أو يشمله و غيره من التحية و الإكرام كما تدل عليه الأخبار عن الأئمة الكرام ع. - فَقَدْ رُوِيَ فِي الْخِصَالِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ قُولُوا يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ وَ يَقُولُ هُوَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَ يَرْحَمُكُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَ إِذا حُيِّيتُمْ الْآيَةَ. وَ فِي مَنَاقِبِ ابْنِ شَهْرَآشُوبَ جَاءَتْ جَارِيَةٌ لِلْحَسَنِ عليه السلام بِطَاقِ رَيْحَانٍ فَقَالَ لَهَا أَنْتَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَدَّبَنَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ إِذا حُيِّيتُمْ الْآيَةَ وَ كَانَ أَحْسَنُ مِنْهَا إِعْتَاقَهَا. - وَ فِي الْكَافِي فِي الصَّحِيحِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام رَدُّ جَوَابِ الْكِتَابِ وَاجِبٌ كَوُجُوبِ رَدِّ السَّلَامِ. . و قد مرت الأخبار في ذلك في محله. و قال في مجمع البيان التحية السلام يقال حيا تحية إذا سلم و قال في تفسير الآية أمر الله المسلمين برد السلام على المسلم بأحسن مما سلم إن كان مؤمنا و إلا فليقل و عليكم لا يزيد على ذلك فقوله بِأَحْسَنَ مِنْها للمسلمين خاصة و قوله أَوْ رُدُّوها لأهل الكتاب عن ابن عباس فإذا قال المسلم السلام عليكم فقلت و عليكم السلام و رحمة الله و بركاته فقد حييته بأحسن منها و هذا منتهى السلام و قيل قوله أَوْ رُدُّوها للمسلمين أيضا قالوا إذا سلم عليك رد عليه بأحسن مما سلم عليك أو بمثل ما قال. - وَ هَذَا أَقْوَى لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ عليه السلام قَالَ: إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَ عَلَيْكُمْ. وَ ذَكَرَ الْحَسَنُ أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ فَقَالَ النَّبِيُّ ص وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ فَجَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ فَقَالَ ص وَ عَلَيْكَ السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ فَجَاءَهُ آخَرُ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ص وَ عَلَيْكَ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ زِدْتَ لِلْأَوَّلِ وَ الثَّانِي فِي التَّحِيَّةِ وَ لَمْ تَزِدْ لِلثَّالِثِ فَقَالَ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِي مِنَ التَّحِيَّةِ شَيْئاً فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ مِثْلَهُ. . انتهى و بالجملة لا إشكال في شمول الآية للسلام و وجوب رده و أما سائر التحيات من الأقوال و الأفعال فشمول الآية لها مشكل و الأحوط ردها في غير الصلاة و أما فيها فسيأتي القول فيه. الثاني قال بعض الأصحاب لو قال السلام عليك أو عليكم السلام بتقديم الظرف فهو صحيح يوجب الرد و قال في التذكرة لو قال عليكم السلام لم يكن مسلما إنما هي صيغة جواب. وَ يُنَاسِبُهُ مَا رَوَى الْعَامَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ لِمَنْ قَالَ عَلَيْكَ السَّلَامُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السَّلَامُ فَإِنَّ عَلَيْكَ السَّلَامُ تَحِيَّةَ الْمَوْتَى إِذَا سَلَّمْتَ فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكَ فَيَقُولُ الرَّادُّ عَلَيْكَ السَّلَامُ. . و كذا اختلفوا في سلام و سلاما و السلام و سلامي عليك و سلام الله عليك و ظاهر ابن إدريس عدم وجوب الرد في أمثالها و لا يبعد القول بالوجوب لعموم الآية و الخبر المتقدم عامي مع أنها ليس بصريح في عدم الرد بل قد روي أنه ص رد عليه السلام بعد ذلك. الثالث هل يتعين في غير الصلاة رده بعليكم السلام بتقديم عليكم ظاهر التذكرة ذلك حيث قال و صيغة الجواب و عليكم السلام و لو قال و عليك السلام للواحد جاز و لو ترك العطف و قال عليكم السلام فهو جواب خلافا لبعض الشافعية فلو تلاقى اثنان فسلم كل واحد منهما على الآخر وجب على كل واحد منهما جواب الآخر و لا يحصل الجواب بالسلام انتهى. و المستفاد من كلام ابن إدريس خلافه و لعله أقوى لما في حسنة إبراهيم بن هاشم فإذا سلم عليكم مسلم فقولوا سلام عليكم فإذا سلم عليكم كافر فقولوا عليك. الرابع ظاهر أكثر الأصحاب عدم وجوب الرد بالأحسن لظاهر الآية و الأخبار المعتبرة و لا عبرة بما يوهمه بعض الأخبار العامية من وجوب الرد بالأحسن إذا كان المسلم مؤمنا. الخامس الرد واجب كفاية لا عينا و حكي عليه في التذكرة الإجماع و قد مرت الأخبار في ذلك و عموم الآية مخصص بالأخبار المؤيدة بالإجماع ثم الظاهر أنه إنما يسقط برد من كان داخلا في السلام عليهم فلا يسقط برد من لم يكن داخلا فيهم و هل يسقط برد الصبي المميز فيه إشكال و الأحوط بل الأقوى عدم الاكتفاء و لو كان المسلم صبيا مميزا ففي وجوب الرد عليه وجهان أظهرهما ذلك لعموم الآية. السادس المشهور أن وجوب الرد فوري لأنه المتبادر من الرد في مثل هذا المقام و للفاء الدالة على التعقيب بلا مهلة و ربما يمنع ذلك في الجزائية و التارك له فورا يأثم و قيل يبقى في ذمته مثل سائر الحقوق و فيه نظر. السابع صرح جماعة من الأصحاب بوجوب الإسماع تحقيقا أو تقديرا و لم أجد أحدا صرح بخلافه في غير حال الصلاة و قال في التذكرة و لو ناداه من وراء ستر أو حائط و قال السلام عليكم يا فلان أو كتب كتابا و سلم عليه فيه أو أرسل رسولا فقال سلم على فلان فبلغه الكتاب و الرسالة قال بعض الشافعية يجب عليه الجواب لأن تحية الغائب إنما تكون بالمناداة أو الكتاب أو الرسالة و قد قال تعالى وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ الآية و الوجه أنه إن سمع النداء وجب الجواب و إلا فلا و قال ره و ما يعتاده الناس من السلام عند القيام و مفارقة الجماعة دعاء لا تحية يستحب الجواب عنه و لا يجب انتهى و ما ذكره في المقام الأول موجه و في الثاني الأحوط بل الأظهر وجوب الجواب لعموم الآية. الثامن قيل يحرم سلام المرأة على الأجنبي لأن إسماع صوتها حرام و إن صوتها عورة و توقف فيه بعض المتأخرين و هو في محله إذ الظاهر من كثير من الأخبار عدم كون صوتها عورة كما سيأتي في محله نعم يفهم من بعض الأخبار كراهة السلام على الشابة منهن حذرا من الريبة و الشهوة. و على المشهور من التحريم هل يجب على الأجنبي الرد عليها يحتمل ذلك لعموم الدليل و العدم لكون المتبادر التحية المشروعة و هو مختار التذكرة حيث قال لو سلم رجل على امرأة أو بالعكس فإن كان بينهما زوجية أو محرمية أو كانت عجوزة خارجة عن مظنة الفتنة ثبت استحقاق الجواب و إلا فلا و في وجوب الرد عليها لو سلم عليها أجنبي وجهان فيحتمل الوجوب نظرا إلى عموم الآية فيجوز اختصاص تحريم الإسماع بغيره و يحتمل العدم كما اختاره العلامة و يحتمل وجوب الرد خفيا كما قيل. التاسع قال في التذكرة و لا يسلم على أهل الذمة ابتداء و لو سلم عليه ذمي أو من لم يعرفه فبان ذميا رد بغير السلام بأن يقول هداك الله أو أنعم الله صباحك أو أطال الله بقاءك و لو رد بالسلام لم يزد في الجواب على قوله و عليك انتهى. و قد مرت الأخبار الدالة على المنع من ابتدائهم بالسلام و على الرد عليهم بعليك أو عليكم و هل الاقتصار على ما ذكر على الوجوب حتى لا يجوز المثل أو على الاستحباب فيه تردد و أما ما ذكره رحمه الله من الرد بغير السلام فلم أره في الأخبار و هل يجب عليهم الرد فيه إشكال و لعل العدم أقوى و إن كان الرد أحوط. العاشر قالوا يكره أن يخص طائفة من الجمع بالسلام و يستحب أن يسلم الراكب على الماشي و القائم على الجالس و الطائفة القليلة على الكثيرة و الصغير على الكبير و أصحاب الخيل على أصحاب البغال و هما على أصحاب الحمير و قد مر جميع ذلك و إنما ذكرناها هنا استطرادا. الحادي عشر إذا سلم عليه و هو في الصلاة وجب عليه الرد لفظا و الظاهر أنه لا خلاف فيه بين الأصحاب و نسبه في التذكرة إلى علمائنا و قال في المنتهى و يجوز له أن يرد السلام إذا سلم عليه نطقا ذهب إليه علماؤنا أجمع و لعله أراد بالجواز نفي التحريم ردا لقول بعض العامة قال في الذكرى و ظاهر الأصحاب مجرد الجواز للخبرين و الظاهر أنهم أرادوا به شرعيته و يبقى الوجوب معلوما من القواعد الشرعية. قال و بالغ بعض الأصحاب في ذلك فقال يبطل الصلاة إذا اشتغل بالأذكار و لما يرد السلام و هو من مشرب اجتماع الأمر و النهي في الصلاة و الأصح عدم البطلان بترك رده انتهى و يدل على وجوب رد السلام في حال الصلاة الآية لعمومها و يدل على شرعيته في الصلاة روايات كثيرة سيأتي بعضها و كثير منها بلفظ الأمر الدال على الوجوب على المشهور. الثاني عشر المشهور بين الأصحاب أنه إذا سلم عليه في الصلاة بقوله سلام عليكم يجب أن يكون الجواب مثله و لا يجوز الجواب بعليكم السلام و نسبه المرتضى إلى الشيعة و قال المحقق هو مذهب الأصحاب قاله الشيخ و هو حسن و لم يخالف في ذلك ظاهرا إلا ابن إدريس حيث قال في السرائر إذا كان المسلم عليه قال له سلام عليكم أو السلام عليكم أو سلام عليك أو عليكم السلام فله أن يرد بأي هذه الألفاظ كان لأنه رد سلام مأمور به قال فإن سلم بغير ما بيناه فلا يجوز للمصلي الرد عليه انتهى و اتباع المشهور أولى. و لو غير عليكم بعليك ففي حصول الرد به تردد و لو أضاف في الجواب إلى عليكم السلام ما يوجب كونه أحسن ففي حصول القربة به تردد و رجح بعض المحققين ذلك نظرا إلى الولاية. و لو قال المسلم عليكم السلام فظاهر المحقق عدم جواز إجابته إلا إذا قصد الدعاء و كان مستحقا له و تردد فيه العلامة في المنتهى و على تقدير الجواز هل يجب فيه أيضا تردد للشك في دخوله تحت المراد في الآية و لعل الوجوب أقوى و على تقديره هل يتعين سلام عليكم أو يجوز الجواب بالمثل نقل ابن إدريس الأول عن بعض الأصحاب و اختار الثاني و استشكله العلامة في التذكرة و النهاية كما سيأتي و لا يبعد كون الجواب بالمثل أولى نظرا إلى الآية و صحيحة محمد بن مسلم الدالة على الجواب بالمثل و كذا صحيحة منصور بن حازم و إن عارضهما بعض الأخبار و لا يبعد القول بالتخيير أيضا. الثالث عشر لو سلم عليه بغير ما ذكر من الألفاظ فعند ابن إدريس و المحقق لا يجب إجابته و قال المحقق نعم لو دعا له و كان مستحقا و قصد الدعاء لا رد السلام لا أمنع منه و قال العلامة في التذكرة لو سلم بقوله سلام عليكم رد مثله و لا يقول و عليك السلام لأنه عكس القرآن وَ لِقَوْلِ الصَّادِقِ عليه السلام وَ قَدْ سَأَلَهُ عُثْمَانُ بْنُ عِيسَى عَنِ الرَّجُلِ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ يَقُولُ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَ لَا يَقُولُ وَ عَلَيْكُمُ السَّلَامُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ قَائِماً يُصَلِّي فَمَرَّ بِهِ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ النَّبِيُّ ص هَكَذَا. و لو سلم عليه بغير اللفظ المذكور فإن سمي تحية فالوجه جواز الرد به و بقوله سلام عليكم لعموم الآية و لو لم يسم تحية جاز إجابته بالدعاء له إذا كان مستحقا له و قصد الدعاء لا رد السلام. و لو سلم عليه بقوله عليك السلام ففي جواز إجابته بالصورة إشكال من النهي و من جواز رد مثل التحية انتهى و نحوه قال في النهاية و أوجب الرد في المختلف و قال في المنتهى لو حياه بغير السلام فعندي فيه تردد أقربه جواز رده لعموم الآية انتهى و المسألة في غاية الإشكال و إن كان جواز الرد بقصد الدعاء لا يخلو من قوة و في التحية بالألفاظ الفارسية أشد إشكالا و كذا التحيات الملحونة كقولهم سام إليك و أمثاله و لو أجاب في الأول بالتحية العربية و في الثاني بالسلام الصحيح بقصد الدعاء فيهما لم أبعد جوازه و إن كان الأحوط إعادة الصلاة لو وقع ذلك سواء أجاب أم لا. الرابع عشر يجب إسماعه تحقيقا أو تقديرا على المشهور بين الأصحاب و ظاهر اختيار المحقق في المعتبر خلافه و الأول أقوى و الأخبار الدالة على خلافه لعلها محمولة على التقية إذ المشهور بين العامة عدم وجوب الرد مطلقا و قال في التذكرة لو اتقى رد فيما بينه و بين نفسه تحصيلا لثواب الرد و تخليصا من الضرر. و قال في الذكرى يجب إسماعه تحقيقا أو تقديرا كما في سائر الموارد - وَ قَدْ رَوَى مَنْصُورُ بْنُ حَازِمٍ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام يَرُدُّ عَلَيْهِ رَدّاً خَفِيّاً. - وَ رَوَى عَمَّارٌ عَنْهُ عليه السلام رُدَّ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ نَفَسِكَ وَ لَا تَرْفَعْ صَوْتَكَ. و هما مشعران بعدم اشتراط إسماع المسلم و الأقرب اشتراط إسماعه لتحصيل قضاء حقه من السلام و لا تكفي الإشارة بالرد عن السلام لفظا ردا على الشافعي و لو كان في موضع تقية رد خفيا و أشار و عليه تحمل الروايتان السابقتان. الخامس عشر لو قام غيره بالواجب من الرد فهل يجوز للمصلي الرد أم لا قيل نعم لإطلاق الأمر و قيل لا لحصول الامتثال فيسقط الوجوب و لا دليل على الاستحباب و كذا الجواز إلا أن يقصد به الدعاء و كان مستحقا له فحينئذ لا يبعد الجواز كما اختاره بعض المتأخرين و يظهر من المحقق فيما اختاره في المسألة المتقدمة. السادس عشر لو ترك المصلي الرد و اشتغل بإتمام الصلاة يأثم و هل تبطل الصلاة قيل نعم للنهي المقتضي للفساد و قيل إن أتى بشيء من الأذكار في زمان الرد بطلت و قيل إن أتى بشيء من القراءة أو الأذكار في زمان وجوب الرد فلا يعتد بها بناء على أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده و النهي عن العبادة يستلزم الفساد لكن لا يستلزم بطلان الصلاة إذ لا دليل على أن الكلام الذي يكون من قبيل الذكر و الدعاء و القرآن يبطل الصلاة إن كان حراما. فإن استمر على ترك الرد و قلنا ببقائه في ذمته يلزم بطلان الصلاة لأنه لم يتدارك القراءة و الذكر على وجه صحيح و الحق أن الحكم بالبطلان موقوف على مقدمات أكثرها بل كلها في محل المنع لكن الاحتياط يقتضي إعادة مثل تلك الصلاة. ثم الظاهر أن الفورية المعتبرة في رد السلام إنما هو تعجيله بحيث لا يعد تاركا له عرفا و على هذا لا يضر إتمام كلمة أو كلام لو وقع السلام في أثنائهما. السابع عشر ذكر جماعة من الأصحاب منهم العلامة و الشهيدان أنه لا يكره التسليم على المصلي و الأخبار في ذلك مختلفة كما سيأتي بعضها و لعل أخبار المنع محمولة على التقية و سيأتي تمام القول فيها و إنما أطنبنا الكلام في هذه لكثرة الجدوى و عموم البلوى بها و الله يعلم حقائق الأحكام و حججه الكرام. قوله تعالى الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ قد مر تفسير الآية مفصلا في أبواب النصوص على أمير المؤمنين عليه السلام و بيان أنها نزلت فيه عليه السلام عند التصدق بخاتمه في الركوع بالأخبار المتواترة من طرق الخاصة و العامة فيدل على أن الفعل القليل لا يبطل الصلاة و أن نية التصدق و الزكاة لا تحتاج إلى اللفظ و أنها في الصلاة جائزة لا تنافي التوجه إلى الصلاة و استدامة نيتها و أنه تصح نية الزكاة كذلك احتسابا على الفقير و صحة نية الصوم في الصلاة و كذا نية الوقوف بالعرفة و بالمشعر فيها هذا ما ذكره الأصحاب و يناسب هذا المقام. و أقول تدل على أن التوجه إلى قربة أخرى غير الصلاة لا ينافي كمال الصلاة و حضور القلب المطلوب فيها.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٨١ - الصفحة ٢٦٧. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
لَا مَا شَأْنُ أَبِيكَ وَ شَأْنُ هَذَا مَا بَلَغَ أَبُوكَ هَذَا بَعْدُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص بَعْدَ مَا عَظُمَ وَ بَعْدَ مَا ثَقُلَ كَانَ يُصَلِّي وَ هُوَ قَائِمٌ وَ رَفَعَ إِحْدَى رِجْلَيْهِ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى فَوَضَعَهَا ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ وَ هُوَ قَاعِدٌ وَ هُوَ عَلَى نِصْفِ صَلَاةِ الْقَائِمِ وَ لَا بَأْسَ بِالتَّوَكِّي عَلَى عَصًا وَ الِاتِّكَاءِ عَلَى الْحَائِطِ قَالَ وَ لَكِنْ يَقْرَأُ وَ هُوَ قَاعِدٌ فَإِذَا بَقِيَتْ آيَاتٌ قَامَ فَقَرَأَهُنَّ ثُمَّ رَكَعَ. بيان: لا بأس بالصلاة و هو قاعد أي النافلة و لا خلاف في جواز الجلوس فيها مع الاختيار أيضا قال في المعتبر و هو إطباق العلماء و في المنتهى أنه لا يعرف فيه مخالف و كأنهما لم يعتبرا خلاف ابن إدريس حيث منع من الجلوس في النافلة في غير الوتيرة اختيارا و الأشهر أظهر و ما ذكره عليه السلام في أول الخبر للتأكيد في إدراك فضل القيام عند السهولة و عدم العسر و العذر و قد جوز بعض الأصحاب الاضطجاع و الاستلقاء مع القدرة على القيام و هو بعيد و الظاهر أن تجويز الاتكاء على العصا و الحائط أيضا في النافلة فأما القيام قبل الركوع فهو أيضا محمول على الفضل للأخبار الدالة على جواز الجلوس في الجميع و أوجبوا ذلك في الفريضة مع القدرة عليه و العجز عن القيام في الجميع و هو حسن.
بحار الأنوار - ج ٨١ - الصفحة ٣٣٩. — الإمام الصادق عليه السلام
سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ فَيَنْسَاهَا حَتَّى يَرْكَعَ وَ يَسْجُدَ قَالَ يَسْجُدُ إِذَا ذَكَرَ إِذَا كَانَتْ مِنَ الْعَزَائِمِ. بيان: ظاهره جواز قراءة السجدة في الفريضة و الإتيان بها فيها حيث ذكر و يمكن حمله على النافلة. 51 تَفْسِيرُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام إِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يَمْحُو الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنَ الْمُصْحَفِ فَقَالَ كَانَ أَبِي يَقُولُ إِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ بِرَأْيِهِ وَ هُمَا مِنَ الْقُرْآنِ. 52 طِبُّ الْأَئِمَّةِ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْمُعَوِّذَتَيْنِ أَ هُمَا مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ عليه السلام هُمَا مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ الرَّجُلُ إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنَ الْقُرْآنِ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَ لَا فِي مُصْحَفِهِ فَقَالَ عليه السلام أَخْطَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ أَوْ قَالَ كَذَبَ ابْنُ مَسْعُودٍ هُمَا مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ الرَّجُلُ فَأَقْرَأُ بِهِمَا فِي الْمَكْتُوبَةِ فَقَالَ نَعَمْ. 53 قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَ سُئِلَ عَمَّا قَدْ يَجُوزُ وَ عَمَّا لَا يَجُوزُ مِنَ النِّيَّةِ مِنَ الْإِضْمَارِ فِي الْيَمِينِ قَالَ إِنَّ النِّيَّاتِ قَدْ تَجُوزُ فِي مَوْضِعٍ وَ لَا تَجُوزُ فِي آخَرَ فَأَمَّا مَا تَجُوزُ فِيهِ فَإِذَا كَانَ مَظْلُوماً فَمَا حَلَفَ بِهِ وَ نَوَى الْيَمِينَ فَعَلَى نِيَّتِهِ فَأَمَّا إِذَا كَانَ ظَالِماً فَالْيَمِينُ عَلَى نِيَّةِ الْمَظْلُومِ ثُمَّ قَالَ لَوْ كَانَتِ النِّيَّاتُ مِنْ أَهْلِ الْفِسْقِ يُؤْخَذُ بِهَا أَهْلُهَا إِذاً لَأُخِذَ كُلُّ مَنْ نَوَى الزِّنَى بِالزِّنَى وَ كُلُّ مَنْ نَوَى السَّرِقَةَ بِالسَّرِقَةِ وَ كُلُّ مَنْ نَوَى الْقَتْلَ بِالْقَتْلِ وَ لَكِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى عَدْلٌ كَرِيمٌ لَيْسَ الْجَوْرُ مِنْ شَأْنِهِ وَ لَكِنَّهُ يُثِيبُ عَلَى نِيَّاتِ الْخَيْرِ أَهْلَهَا وَ إِضْمَارَهُمْ عَلَيْهَا وَ لَا يُؤَاخِذُ أَهْلَ الْفُسُوقِ حَتَّى يَعْمَلُوا وَ ذَلِكَ أَنَّكَ قَدْ تَرَى مِنَ الْمُحَرَّمِ مِنَ الْعَجَمِ مَا لَا يُرَادُ مِنْهُ مَا يُرَادُ مِنَ الْعَالِمِ الْفَصِيحِ وَ كَذَلِكَ الْأَخْرَسُ فِي الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَ التَّشَهُّدِ وَ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْعَجَمِ الْمُحَرَّمِ لَا يُرَادُ مِنْهُ مَا يُرَادُ مِنَ الْعَالِمِ الْمُتَكَلِّمِ الْفَصِيحِ وَ لَوْ ذَهَبَ الْعَالِمُ الْمُتَكَلِّمُ الْفَصِيحُ حَتَّى يَدَعَ مَا قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ وَ يَعْمَلُ بِهِ وَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقُومَ بِهِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ بِالنَّبَطِيَّةِ وَ الْفَارِسِيَّةِ لَحِيلَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ ذَلِكَ بِالْأَدَبِ حَتَّى يَعُودَ إِلَى مَا قَدْ عَلِمَهُ وَ عَقَلَهُ قَالَ وَ لَوْ ذَهَبَ مَنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِثْلِ حَالِ الْأَعْجَمِيِّ وَ الْأَخْرَسِ فَفَعَلَ فِعَالَ الْأَعْجَمِيِّ وَ الْأَخْرَسِ عَلَى مَا قَدْ وَصَفْنَا إِذاً لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فَاعِلًا لِشَيْءٍ مِنَ الْخَيْرِ وَ لَا يُعْرَفُ الْجَاهِلُ مِنَ الْعَالِمِ. توضيح قال في النهاية فيه فأرسل إلى ناقة محرمة المحرمة هي التي لم تركب و لم تذلل و في الصحاح جلد محرم لم تتم دباغته و سوط محرم لم يلين بعد و ناقة محرمة أي لم تتم رياضتها بعد و قال كل من لا يقدر على الكلام أصلا فهو أعجم و مستعجم و الأعجم الذي لا يفصح و لا يبين كلامه انتهى و يمكن أي يقرأ العجم بالضم و بالتحريك. ثم إن أول الخبر يدل على جواز التورية في اليمين و إن المدار على نية المحق من الخصمين كما ذكره الأصحاب و سيأتي في بابه ثم ذكر عليه السلام حكم نية أهل المعاصي و عزمهم عليها إذا لم يأتوا بها و أنه لا يعاقبهم الله عليها و نية أرباب الطاعات و عزمهم عليها و أنه يثيبهم عليها و إن لم يأتوا بها ثم ذكر عليه السلام نظيرا لاختلاف النيات في الحكم و جوازها بالنسبة إلى بعض الأشخاص و عدمه بالنسبة إلى بعض و هو أن العجمي أو الأعجم الذي لم يصحح القراءة بعد أو لا يمكنه أداء الحروف من مخارجها يجوز له أن يأتي بكل ما تيسر منها بخلاف العالم المتكلم الفصيح القادر على صحيح القراءة أو تصحيحها لا يصح منه ما يصح من الأعجم الذي لم يصحح القراءة و تضيق الوقت عنه أو لا يمكنه التصحيح أصلا كالألكن فالمراد بالمحرم من العجم من لا يقدر على صحيح القراءة و لم يصححها بعد شبه بالدابة التي لم تركب و لم تذلل. و العجم إن قرئ بالضم الحيوانات العجم أو الأعجم الذي لا يفصح الكلام و يمكن أن يراد به الحيوان حقيقة أي لم يكلف الله البهيمة العجماء ما كلف الإنسان العاقل القادر على التعلم و التكلم و الإفصاح بالكلام و الأول أظهر و أصوب لقوله مثل حال الأعجمي المحرم و إن قرئ بالتحريك فظاهر. ثم بين ذلك بالأخرس فإنه يجوز منه الإخطار بالبال و يجزيه ذلك و لا يجوز ذلك للقادر على الكلام و يحتمل أن يكون جميع ذلك بيانا لعدله و كرمه سبحانه لأنه لا يكلف نَفْساً إِلَّا وُسْعَها بل لا يطلب منها جهدها و وسع على العباد و رضي منهم ما يسهل عليهم و لم يجعل في الدين من حرج. فيستفاد من الخبر أحكام الأول وجوب تعلم القراءة و الأذكار و لا خلاف فيه بين الأصحاب. الثاني أنه مع ضيق الوقت عن التعلم تجزيه الصلاة كيف ما أمكن و ذكر الأصحاب أنه إن أمكنه القراءة في المصحف وجب و قد مر أنه لا يبعد جواز القراءة فيه مع القدرة على الواجب بظهر القلب و الأحوط تركه و قالوا إن أمكنه الايتمام وجب و ليس ببعيد فإن لم يمكنه شيء منهما فإن كان يحسن الفاتحة و لا يحسن السورة فلا خلاف في جواز الاكتفاء بها و إن كان يحسن بعض الفاتحة فإن كان آية قرأها و إن كان بعضها ففي قراءته أقوال الأول الوجوب الثاني عدمه و العدول إلى الذكر الثالث وجوب قراءته إن كان قرآنا و هو المشهور و هل يقتصر على الآية التي يعلمها من الفاتحة أو يعوض عن الفائت بتكرار قراءتها أو بغيرها من القرآن أو الذكر عند تعذره قولان و الأخير أشهر ثم إن علم غيرها من القرآن فهل يعوض عن الفائت بقراءة ما يعلم من الفاتحة مكررا بحيث يساويها أم يأتي ببدله من سورة أخرى فيه أيضا قولان و هل يراعي في البدل المساواة في الآيات أو في الحروف أو فيهما جميعا أقوال. و لو لم يحسن شيئا من الفاتحة فالمشهور أنه يجب عليه أن يقرأ بدلها من غيرها إن علمه و قيل إنه مخير بينه و بين الذكر و الخلاف في وجوب المساواة و عدمه و كيفية المساواة ما مر فلو لم يحسن شيئا من القرآن سبح الله تعالى و هلله و كبره بقدر القراءة أو مطلقا و الخبر مجمل بالنسبة إلى جميع تلك الأحكام لكن يفهم منه غاية التوسعة فيها و أكثر الأقوال فيها لم يستند إلى نص و ما يمكن فيه الاحتياط فرعايته أولى. الثالث عدم جواز الترجمة مع القدرة و لا خلاف فيه بين الأصحاب و وافقنا عليه أكثر العامة خلافا لأبي حنيفة فإنه جوز الترجمة مع القدرة. الرابع جواز الترجمة مع عدم القدرة كما هو الظاهر من قوله حتى يكون منه بالنبطية و الفارسية و حمله على القراءة الملحونة التي يأتي بها النبطي و العجمي بعيد جدا فيدل بمفهومه على جواز ذلك لغير القادر و هذا هو المشهور بين الأصحاب لكن اختلفوا في أنه هل يأتي بترجمة القرآن أو ترجمة الذكر مع عدم القدرة عليهما و القدرة على ترجمتهما معا و لعل ترجمة القرآن أولى. الخامس أن الأخرس تصح صلاته بدون القراءة و الأذكار و يمكن أن يفهم منه الإخطار بالخصوص على بعض الاحتمالات و المشهور بين الأصحاب فيه أنه يحرك لسانه بها و يعقد بها قلبه و زاد بعض المتأخرين الإشارة باليد - لِمَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ عَلِيّاً عليه السلام قَالَ: تَلْبِيَةُ الْأَخْرَسِ وَ تَشَهُّدُهُ وَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ تَحْرِيكُ لِسَانِهِ وَ إِشَارَتُهُ بِإِصْبَعِهِ. و الشيخ اكتفى بتحريك اللسان و مرادهم بعقد القلب إما إخطار الألفاظ بالبال أو فهم المعاني كما هو ظاهر الذكرى و هو في غاية البعد. 54 مَجْمَعُ الْبَيَانِ، نَقْلًا عَنِ الشَّيْخِ الطُّوسِيِّ قَالَ رُوِيَ عَنْهُمْ عليه السلام جَوَازُ الْقِرَاءَةِ بِمَا اخْتَلَفَتِ الْقُرَّاءُ فِيهِ. 55 الْخِصَالُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالٍ عَنْ عِيسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَتَانِي آتٍ مِنَ اللَّهِ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ فَقُلْتُ يَا رَبِّ وَسِّعْ عَلَى أُمَّتِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ. بيان: الخبر ضعيف و مخالف للأخبار الكثيرة كما ستأتي و حملوه على القراءات السبعة و لا يخفى بعده لحدوثها بعده ص و سنشبع القول في ذلك في كتاب القرآن إن شاء الله و لا ريب في أنه يجوز لنا الآن أن نقرأ موافقا لقراءاتهم المشهورة كما دلت عليه الأخبار المستفيضة إلى أن يظهر القائم عليه السلام و يظهر لنا القرآن على حرف واحد و قراءة واحدة رزقنا الله تعالى إدراك ذلك الزمان. 56 كتاب المجتنى، للسيد ابن طاوس رحمه الله نقلا من كتاب الوسائل إلى المسائل تأليف أحمد بن علي بن أحمد قال بلغنا أن رجلا كان بينه و بين بعض المتسلطين عداوة شديدة حتى خافه على نفسه و أيس معه من حياته و تحير في أمره فرأى ذات ليلة في منامه كأن قائلا يقول عليك بقراءة سورة أ لم تر كيف في إحدى ركعتي الفجر و كان يقرؤها كما أمره فكفاه الله شر عدوه في مدة يسيرة و أقر عينه بهلاك عدوه قال و لم يترك قراءة هذه السورة في إحدى ركعتي الفجر إلى أن مات بيان هذا المنام لا حجة فيه و لو عمل به أحد فالأحوط قراءتها في نافلة الفجر لما عرفت. 57 مِشْكَاةُ الْأَنْوَارِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام قَالَ: لَوْ مَاتَ مَنْ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لَمَا اسْتَوْحَشْتُ لَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مَعِي وَ إِذَا كَانَ قَرَأَ مِنَ الْقُرْآنِ مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ كَرَّرَهَا وَ كَادَ أَنْ يَمُوتَ مِمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوْفِ. 58 الْبَلَدُ الْأَمِينُ، مِنْ كِتَابِ طَرِيقِ النَّجَاةِ لِابْنِ الْحَدَّادِ الْعَامِلِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الْجَوَادِ عليه السلام قَالَ: مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْقَدْرِ فِي صَلَاةٍ رُفِعَتْ فِي عِلِّيِّينَ مَقْبُولَةً مُضَاعَفَةً وَ مَنْ قَرَأَهَا ثُمَّ دَعَا رُفِعَ دُعَاؤُهُ إِلَى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مُسْتَجَاباً. 59 كِتَابُ زَيْدٍ الزَّرَّادِ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ أَنَا ضَامِنٌ لِكُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا إِذَا قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ثُمَ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ آمِناً بِغَيْرِ حِسَابٍ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ ذُنُوبٍ وَ عُيُوبٍ وَ لَمْ يَنْشُرِ اللَّهُ لَهُ دِيوَانَ الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَا يُسْأَلُ مَسْأَلَةَ الْقَبْرِ وَ إِنْ عَاشَ كَانَ مَحْفُوظاً مَسْتُوراً مَصْرُوفاً عَنْهُ آفَاتُ الدُّنْيَا كُلُّهَا وَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ إِلَى الْخَمِيسِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. الآيات الإسراء وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً و قال سبحانه وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا تفسير وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً قال الطبرسي رحمه الله أي أدبروا عنك مدبرين نافرين و المعني بذلك كفار قريش و قيل هم الشياطين عن ابن عباس و قيل معناه إذا سمعوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- ولوا. وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيه أقوال أحدها أن معناه لا تجهر بإشاعة صلاتك عند من يؤذيك و لا تخافت بها عند من يلتمسها منك قال الطبرسي ره روي أن النبي ص كان إذا صلى جهر في صلاته حتى يسمع المشركون فشتموه و آذوه فأمره سبحانه بترك الجهر و كان ذلك بمكة في أول الأمر. و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليه السلام و قال في الكشاف كان رسول الله ص يرفع صوته بقراءته فإذا سمعه المشركون لغوا و سبوا فأمره بأن يخفض من صوته و المعنى و لا تجهر حتى تسمع المشركين وَ لا تُخافِتْ بِها حتى لا تسمع من خلفك و ابتغ بين الجهر و المخافتة سبيلا وسطا. و ثانيها لا تجهر بصلاتك كلها و لا تخافت بها كلها وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أي التبعيض على ما عين من السنة. و ثالثها أن المراد بالصلاة الدعاء و هو بعيد. و رابعها أن يكون خطابا لكل واحد من المكلفين أو من باب إياك أعني و اسمعي يا جارة أي لا تعلنها إعلانا يوهم الرياء و لا تسترها بحيث يظن بك تركها و التهاون بها. و خامسها لا تجهر جهرا يشتغل به من يصلي بقربك و لا تخافت حتى لا تسمع نفسك كما قال أصحابنا إن الجهر أن ترفع صوتك شديدا و المخافتة ما دون سمعك وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أي بين الجهر الشديد و المخافتة فلا يجوز الإفراط و لا التفريط و يجب الوسط و العدل لكن قد علم من السنة الشريفة اختيار بعض أفراد هذا الوسط في بعض الصلوات كالجهر غير العالي شديدا للرجل في الصبح و أوليي المغرب و العشاء و كالإخفات لا جدا بحيث يلحق بحديث النفس في غيرها من الفرائض و ما نسب إلى أبي جعفر عليه السلام و أبي عبد الله عليه السلام لا ينافي في ذلك. و سادسها - مَا رَوَاهُ الْعَيَّاشِيُّ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام لا تَجْهَرْ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ وَ لَا بِمَا أَكْرَمْتُهُ بِهِ حَتَّى آمُرَكَ بِذَلِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها يَعْنِي لَا تَكْتُمْهَا عَلِيّاً وَ أَعْلِمْهُ بِمَا أَكْرَمْتُهُ بِهِ وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا سَلْنِي أَنْ آذَنَ لَكَ أَنْ تَجْهَرَ بِأَمْرِ عَلِيٍّ بِوَلَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ بِإِظْهَارِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ.. أقول و هذا بطن الآية و لا ينافي العمل بظاهرها. ثم اعلم أن المشهور بين الأصحاب وجوب الجهر و الإخفات في مواضعهما في الفرائض و أنه تبطل الصلاة بتركهما عالما عامدا و نقل عليه الشيخ في الخلاف الإجماع و المنقول عن السيد المرتضى رضي الله عنه أنهما من وكيد السنن و عن ابن الجنيد أيضا القول باستحبابهما و لا يخلو من قوة كما ستعرف و لا يخفى أن الآية على الوجه الخامس الذي هو أظهر الوجوه يؤيد الاستحباب إذ التوسط الذي يظهر منها شامل لحدي الجهر و الإخفات و تخصيص بعضها ببعض خلاف الظاهر. و أما حدهما فقال في التذكرة أقل الجهر أن يسمع غيره القريب تحقيقا أو تقديرا و حد الإخفات أن يسمع نفسه أو بحيث يسمع لو كان سميعا بإجماع العلماء و قريب منه كلام المنتهى و المحقق في المعتبر و جماعة من الأصحاب و يرد عليه أن مع إسماع نفسه يسمع القريب أيضا غالبا و ضبط هذا الحد بينهما في غاية الإشكال إن أمكن ذلك و لذا قال بعض المتأخرين الجهر هو ظهور جوهر الصوت و الإخفات هو إخفاء الصوت و همسه و إن سمع القريب و منهم من أحالهما على العرف و لعله أظهر. و الظاهر أنه لا فرق بين الأداء و القضاء في الوجوب و الاستحباب كما يدل عليه كلام الأصحاب و ذهبوا إلى أن الجاهل فيهما معذور و الجهر إنما يجب على القول به في القراءة دون الأذكار و نقل في المنتهى اتفاق الأصحاب على استحباب الإجهار في صلاة الليل و الإخفات في صلاة النهار.
بحار الأنوار - ج ٨٢ - الصفحة ٦١. — الإمام السجاد عليه السلام
كِتَابُ زَيْدٍ الزَّرَّادِ، قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ
أَنَا ضَامِنٌ لِكُلِّ مَنْ كَانَ مِنْ شِيعَتِنَا إِذَا قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْغَدَاةِ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ ثُمَ مَاتَ مِنْ يَوْمِهِ أَوْ لَيْلَتِهِ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ آمِناً بِغَيْرِ حِسَابٍ عَلَى مَا فِيهِ مِنْ ذُنُوبٍ وَ عُيُوبٍ وَ لَمْ يَنْشُرِ اللَّهُ لَهُ دِيوَانَ الْحِسَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ لَا يُسْأَلُ مَسْأَلَةَ الْقَبْرِ وَ إِنْ عَاشَ كَانَ مَحْفُوظاً مَسْتُوراً مَصْرُوفاً عَنْهُ آفَاتُ الدُّنْيَا كُلُّهَا وَ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ إِلَى الْخَمِيسِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ. الآيات الإسراء وَ إِذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً و قال سبحانه وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا تفسير وَلَّوْا عَلى أَدْبارِهِمْ نُفُوراً قال الطبرسي رحمه الله أي أدبروا عنك مدبرين نافرين و المعني بذلك كفار قريش و قيل هم الشياطين عن ابن عباس و قيل معناه إذا سمعوا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ- ولوا. وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ فيه أقوال أحدها أن معناه لا تجهر بإشاعة صلاتك عند من يؤذيك و لا تخافت بها عند من يلتمسها منك قال الطبرسي ره روي أن النبي ص كان إذا صلى جهر في صلاته حتى يسمع المشركون فشتموه و آذوه فأمره سبحانه بترك الجهر و كان ذلك بمكة في أول الأمر. و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليه السلام و قال في الكشاف كان رسول الله ص يرفع صوته بقراءته فإذا سمعه المشركون لغوا و سبوا فأمره بأن يخفض من صوته و المعنى و لا تجهر حتى تسمع المشركين وَ لا تُخافِتْ بِها حتى لا تسمع من خلفك و ابتغ بين الجهر و المخافتة سبيلا وسطا. و ثانيها لا تجهر بصلاتك كلها و لا تخافت بها كلها وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أي التبعيض على ما عين من السنة. و ثالثها أن المراد بالصلاة الدعاء و هو بعيد. و رابعها أن يكون خطابا لكل واحد من المكلفين أو من باب إياك أعني و اسمعي يا جارة أي لا تعلنها إعلانا يوهم الرياء و لا تسترها بحيث يظن بك تركها و التهاون بها. و خامسها لا تجهر جهرا يشتغل به من يصلي بقربك و لا تخافت حتى لا تسمع نفسك كما قال أصحابنا إن الجهر أن ترفع صوتك شديدا و المخافتة ما دون سمعك وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا أي بين الجهر الشديد و المخافتة فلا يجوز الإفراط و لا التفريط و يجب الوسط و العدل لكن قد علم من السنة الشريفة اختيار بعض أفراد هذا الوسط في بعض الصلوات كالجهر غير العالي شديدا للرجل في الصبح و أوليي المغرب و العشاء و كالإخفات لا جدا بحيث يلحق بحديث النفس في غيرها من الفرائض و ما نسب إلى أبي جعفر عليه السلام و أبي عبد الله عليه السلام لا ينافي في ذلك. و سادسها - مَا رَوَاهُ الْعَيَّاشِيُّ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام لا تَجْهَرْ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ وَ لَا بِمَا أَكْرَمْتُهُ بِهِ حَتَّى آمُرَكَ بِذَلِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها يَعْنِي لَا تَكْتُمْهَا عَلِيّاً وَ أَعْلِمْهُ بِمَا أَكْرَمْتُهُ بِهِ وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا سَلْنِي أَنْ آذَنَ لَكَ أَنْ تَجْهَرَ بِأَمْرِ عَلِيٍّ بِوَلَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ بِإِظْهَارِهِ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ. .
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٨٢ - الصفحة ٦٦. — الإمام الصادق عليه السلام
الْإِقْبَالُ رُوِيَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ
فَتَلَا رَجُلٌ عِنْدَهُ هَذِهِ الْآيَةَ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لَيْسَ فِيهَا مِنْ إِنَّمَا هِيَ وَ أُوتِينَا كُلَّ شَيْءٍ. 18 قب، المناقب لابن شهرآشوب و من عجب أمره في هذا الباب أنه لا شيء من العلوم إلا و أهله يجعلون عليا قدوة فصار قوله قبلة في الشريعة فمنه سمع القرآن ذكر الشيرازي في نزول القرآن و أبو يوسف يعقوب في تفسيره عن ابن عباس في قوله لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ كان النبي يحرك شفتيه عند الوحي ليحفظه فقيل له لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ يعني بالقرآن لِتَعْجَلَ بِهِ من قبل أن يفرغ به من قراءته عليك إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ قال ضمن الله محمدا أن يجمع القرآن بعد رسول الله ص علي بن أبي طالب عليه السلام قال ابن عباس فجمع الله القرآن في قلب علي و جمعه علي بعد موت رسول الله ص بستة أشهر.. وَ فِي أَخْبَارِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ لِعَلِيٍ يَا عَلِيُّ هَذَا كِتَابُ اللَّهِ خُذْهُ إِلَيْكَ فَجَمَعَهُ عَلِيٌّ فِي ثَوْبٍ فَمَضَى إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَمَّا قُبِضَ النَّبِيُّ ص جَلَسَ عَلِيٌّ فَأَلَّفَهُ كَمَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَ كَانَ بِهِ عَالِماً.. وَ حَدَّثَنِي أَبُو الْعَلَاءِ الْعَطَّارُ وَ الْمُوَفِّقُ خَطِيبُ خُوارِزْمَ فِي كِتَابَيْهِمَا بِالْإِسْنَادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبَاحٍ أَنَّ النَّبِيَّ ص أَمَرَ عَلِيّاً عليه السلام بِتَأْلِيفِ الْقُرْآنِ فَأَلَّفَهُ وَ كَتَبَهُ. جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَالَ: لَوْ ثُنِيَ لِيَ الْوِسَادَةُ وَ عُرِفَ لِي حَقِّي لَأَخْرَجْتُ لَهُمْ مُصْحَفاً كَتَبْتُهُ وَ أَمْلَاهُ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ص. و رويتم أيضا أنه إنما أبطأ علي عليه السلام عن بيعة أبي بكر لتأليف القرآن.. أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ وَ الْخَطِيبُ فِي الْأَرْبَعِينِ بِالْإِسْنَادِ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ عَبْدِ خَيْرٍ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ: لَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَقْسَمْتُ أَوْ حَلَفْتُ أَنْ لَا أَضَعَ رِدَايَ عَنْ ظَهْرِي حَتَّى أَجْمَعَ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَضَعْتُ رِدَايَ حَتَّى جَمَعْتُ الْقُرْآنَ. وَ فِي أَخْبَارِ أَهْلِ الْبَيْتِ عليهم السلام أَنَّهُ آلَى أَنْ لَا يَضَعَ رِدَاءَهُ عَلَى عَاتِقِهِ إِلَّا لِلصَّلَاةِ حَتَّى يُؤَلِّفَ الْقُرْآنَ وَ يَجْمَعَهُ فَانْقَطَعَ عَنْهُمْ مُدَّةً إِلَى أَنْ جَمَعَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ بِهِ فِي إِزَارٍ يَحْمِلُهُ وَ هُمْ مُجْتَمِعُونَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَنْكَرُوا مَصِيرَهُ بَعْدَ انْقِطَاعٍ مَعَ التِّيهِ فَقَالُوا لِأَمْرٍ مَا جَاءَ أَبُو الْحَسَنِ فَلَمَّا تَوَسَّطَهُمْ وَضَعَ الْكِتَابَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي وَ هَذَا الْكِتَابُ وَ أَنَا الْعِتْرَةُ فَقَامَ إِلَيْهِ الثَّانِي فَقَالَ لَهُ إِنْ يَكُنْ عِنْدَكَ قُرْآنٌ فَعِنْدَنَا مِثْلُهُ فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيكُمَا فَحَمَلَ عليه السلام الْكِتَابَ وَ عَادَ بِهِ بَعْدَ أَنْ أَلْزَمَهُمُ الْحُجَّةَ.. وَ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ حَمَلَهُ وَ وَلَّى رَاجِعاً نَحْوَ حُجْرَتِهِ وَ هُوَ يَقُولُ فَنَبَذُوهُ وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ وَ لِهَذَا قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ إِنَّ عَلِيّاً جَمَعَهُ وَ قَرَأَ بِهِ وَ إِذَا قَرَأَ فَاتَّبِعُوا قِرَاءَتَهُ.. فأما ما روي أنه جمعه أبو بكر و عمر و عثمان فإن أبا بكر أقر لما التمسوا منه جمع القرآن فقال كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ص و لا أمرني به ذكره البخاري في صحيحه و ادعى علي أن النبي ص أمره بالتأليف ثم إنهم أمروا زيد بن ثابت و سعيد بن العاص و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام و عبد الله بن الزبير بجمعه فالقرآن يكون جمع هؤلاء جميعهم. و منهم العلماء بالقراءات أحمد بن حنبل و ابن بطة و أبو يعلى في مصنفاتهم عن الأعمش عن أبي بكر بن أبي عياش - في خبر طويل أنه قرأ رجلان ثلاثين آية من الأحقاف فاختلف في قراءتهما فقال ابن مسعود هذا الخلاف ما أقرؤه فذهبت بهما إلى النبي ص فغضب و علي عنده فقال علي رسول الله ص يأمركم أن تقرءوا كما علمتم. و هذا دليل على علم علي بوجوه القراءات المختلفة. و - روي أن زيدا لما قرأ التابوة قال علي اكتبه التابوت فكتبه كذلك.. و القراء السبعة إلى قراءته يرجعون فأما حمزة و الكسائي فيعولان على قراءة علي و ابن مسعود و ليس مصحفهما مصحف ابن مسعود فهما إنما يرجعان إلى علي و يوافقان ابن مسعود فيما يجري مجرى الإعراب و قد قال ابن مسعود ما رأيت أحدا أقرأ من علي بن أبي طالب عليه السلام للقرآن. و أما نافع و ابن كثير و أبو عمرو فمعظم قراءاتهم يرجع إلى ابن عباس و ابن عباس قرأ على أبي بن كعب و علي و الذي قرأه هؤلاء القراء يخالف قراءة أبي فهو إذا مأخوذ عن علي ع. و أما عاصم فقرأه على أبي عبد الرحمن السلمي و قال أبو عبد الرحمن قرأت القرآن كله على علي بن أبي طالب عليه السلام فقالوا أفصح القراءات قراءة عاصم لأنه أتى بالأصل و ذلك أنه يظهر ما أدغمه غيره و يحقق من الهمز ما لينه غيره و يفتح من الألفات ما أماله غيره و العدد الكوفي في القرآن منسوب إلى علي عليه السلام و ليس في أصحابه من ينسب إليه العدد غيره و إنما كتب عدد ذلك كل مصر عن بعض التابعين.
بحار الأنوار - ج ٨٩ - الصفحة ٥١. — الإمام الصادق عليه السلام
(عليه السلام) وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ بَابُ التَّحْرِيفِ فِي الْآيَاتِ الَّتِي هِيَ خِلَافُ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِمَّا رَوَاهُ مَشَايِخُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ عَنِ الْعُلَمَاءِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ (صلوات اللّه عليه وَ عَلَيْهِمْ) قَوْلُهُ جَلَّ وَ عَزَّ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لِقَارِئِ هَذِهِ الْآيَةِ وَيْحَكَ خَيْرُ أُمَّةٍ يَقْتُلُونَ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ (صلوات اللّه عليه وَ آلِهِ) فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَكَيْفَ هِيَ فَقَالَ أَنْزَلَ اللَّهُ كُنْتُمْ خَيْرَ أَئِمَّةٍ أَ مَا تَرَى إِلَى مَدْحِ اللَّهِ لَهُمْ فِي قَوْلِهِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَمَدْحُهُ لَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ الْأُمَّةَ بِأَسْرِهَا أَ لَا تَعْلَمُ أَنَّ فِي الْأُمَّةِ الزُّنَاةَ وَ اللَّاطَةَ وَ السُّرَّاقَ وَ قُطَّاعَ الطَّرِيقِ وَ الظَّالِمِينَ وَ الْفَاسِقِينَ أَ فَتَرَى أَنَّ اللَّهَ مَدَحَ هَؤُلَاءِ وَ سَمَّاهُمُ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّاهِينَ عَنِ الْمُنْكَرِ كَلَّا مَا مَدَحَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ وَ لَا سَمَّاهُمْ أَخْيَاراً بَلْ هُمُ الْأَشْرَارُ فِي سُورَةِ النَّحْلِ وَ هِيَ قِرَاءَةُ مَنْ قَرَأَ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ - فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لِمَنْ قَرَأَ هَذِهِ عِنْدَهُ وَيْحَكَ مَا أَرْبَى فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَمَا هُوَ فَقَالَ إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ أَنْ تَكُونَ أَئِمَّةٌ هُمْ أَزْكَى مِنْ أَئِمَّتِكُمْ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ. وَ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَرَأَ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع- ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يَعْصِرُونَ قَالَ وَيْحَكَ أَيَّ شَيْءٍ يَعْصِرُونَ يَعْصِرُونَ الْخَمْرَ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ فَقَالَ إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَ فِيهِ يُعْصَرُونَ أَيْ فِيهِ يُمْطَرُونَ وَ هُوَ قَوْلُهُ وَ أَنْزَلْنا مِنَ الْمُعْصِراتِ ماءً ثَجَّاجاً - وَ قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام الْجِنُّ كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ فَقَالَ الرَّجُلُ فَكَيْفَ هِيَ فَقَالَ إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْإِنْسُ أَنْ لَوْ كَانَ الْجِنُّ يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ وَ مِنْهُ فِي سُورَةِ هُودٍ أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إِماماً وَ رَحْمَةً قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لَا وَ اللَّهِ مَا هَكَذَا أَنْزَلَهَا إِنَّمَا هُوَ فَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ إِمَاماً وَ رَحْمَةً وَ مِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى وَ مِثْلُهُ فِي آلِ عِمْرَانَ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ - فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ تُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ وَ قَوْلُهُ وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ - وَ هُوَ أَئِمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَ قَوْلُهُ فِي سُورَةِ عَمَّ يَتَساءَلُونَ- وَ يَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً إِنَّمَا هُوَ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابِيّاً أَيْ عَلَوِيّاً وَ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَنَّى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات اللّه عليهما) بِأَبِي تُرَابٍ وَ مِثْلُهُ فِي إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ قَوْلُهُ وَ إِذَا الْمَوَدَّةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ وَ مِثْلُهُ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَ ذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لَقَدْ سَأَلُوا اللَّهَ عَظِيماً أَنْ يَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً لِلْمُتَّقِينَ إِنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَ ذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَ اجْعَلْ لَنَا مِنَ الْمُتَّقِينَ إِمَاماً وَ مِثْلُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ قَوْلُهُ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً - قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَنْ عُنِيَ بِقَوْلِهِ جاؤُكَ فَقَالَ الرَّجُلُ لَا نَدْرِي قَالَ إِنَّمَا عَنَى تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ جاؤُكَ يَا عَلِيُ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ الْآيَةَ وَ قَوْلُهُ فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَنْ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دَخَلَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ فِي الْكَعْبَةِ فَتَحَالَفُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ كَتَبُوا كِتَاباً لَئِنْ أَمَاتَ اللَّهُ مُحَمَّداً لَا يَرُدُّوا هَذَا الْأَمْرَ فِي بَنِي هَاشِمٍ فَأَطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَلَى ذَلِكَ فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ أَمْ أَبْرَمُوا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ أَمْ يَحْسَبُونَ الْآيَةَ- وَ قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام سُورَةَ الْحَمْدِ عَلَى مَا فِي الْمُصْحَفِ فَرَدَّ عَلَيْهِ وَ قَالَ اقْرَأْ صِرَاطَ مَنْ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ غَيْرِ الضَّالِّينَ وَ قَرَأَ آخَرُ فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ - فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ مِنْ ثِيَابِهِنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةِ وَ كَانَ يَقْرَأُ حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى صَلَاةِ الْعَصْرِ وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ فِي صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَ كَانَ يَقْرَأُ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَارْجِعُوهُ إِلَى اللَّهِ وَ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وَ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فِي دُعَاءِ إِبْرَاهِيمَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَ لِوُلْدِي يَعْنِي إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ وَ كَانَ يَقْرَأُ وَ كَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ وَ طُبِعَ كَافِراً وَ كَانَ يَقْرَأُ إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا مِنْ نَفْسِي وَ قَرَأَ وَ مَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لَا نَبِيٍّ وَ لَا مُحَدَّثٍ يَعْنِي الْأَئِمَّةَ عليهم السلام وَ قَرَأَ الشَّيْخُ وَ الشَّيْخَةُ فَارْجُمُوهُمَا الْبَتَّةَ فَإِنَّهُمَا قَدْ قَضَيَا الشَّهْوَةَ وَ قَرَأَ النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ أَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَ هُوَ أَبٌ لَهُمْ- وَ قَرَأَ وَ جَاءَتْ سَكَرَةُ الْحَقِّ بِالْمَوْتِ وَ قَرَأَ وَ تَجْعَلُونَ شُكْرَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ وَ قَرَأَ وَ إِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْصَرَفُوا إِلَيْهَا وَ تَرَكُوكَ قَائِماً قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجَارَةِ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ وَ قَرَأَ إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَامْضُوا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَ قَرَأَ فَسَتُبْصِرُونَ وَ يُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْفُتُونُ وَ قَرَأَ وَ مَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لَهُمْ لِيَعْمَوْا فِيهَا وَ قَرَأَ وَ لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَ أَنْتُمْ ضُعَفَاءُ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا كَانُوا أَذِلَّةً وَ رَسُولُ اللَّهِ (صلوات اللّه عليه وَ آلِهِ) فِيهِمْ وَ قَرَأَ وَ كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْباً وَ قَرَأَ أَ فَلَمْ يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعاً- وَ قَرَأَ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبَانِ اصْلَيَاهَا فَلَا تَمُوتَانِ فِيهَا وَ لَا تَحْيَيَانِ وَ قَرَأَ فَإِنَّ اللَّهَ بَيَّتَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام بَيَّتَ مَكْرَهُمْ هَكَذَا نَزَلَتْ وَ قَرَأَ يَحْكُمُ بِهِ ذُو عَدْلٍ مِنْكُمْ يَعْنِي الْإِمَامَ وَ قَرَأَ وَ مَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ قَرَأَ وَ يَسْئَلُونَكَ الْأَنْفَالَ. وَ رَوَوْا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام بِهَذِهِ الْآيَةِ هَكَذَا وَ قَالَ الظَّالِمُونَ آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً وَ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ فِي عَلِيٍّ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَ الْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً وَ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام هَذِهِ الْآيَةَ وَ قَالَ هَكَذَا نَزَلَ بِهِ جَبْرَئِيلُ عليه السلام عَلَى مُحَمَّدٍ (صلوات اللّه عليه وَ آلِهِ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَ لَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا وَ كَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام نَزَلَ جَبْرَئِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَكَذَا وَ قَالَ الظَّالِمُونَ آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا آلَ مُحَمَّدِ رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام نَزَلَ جَبْرَئِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَكَذَا فَإِنَّ لِلظَّالِمِينَ آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ عَذَاباً دُونَ ذَلِكَ وَ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ يَعْنِي عَذَاباً فِي الرَّجْعَةِ وَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام نَزَلَ جَبْرَئِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ ص فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ إِلَّا كُفُوراً: وَ قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام وَ مَنْشُورَةٌ هَكَذَا وَ اللَّهِ نَزَلَ بِهَا جَبْرَئِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍ (صلوات اللّه عليهما) إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَّا سَيَنْشُرُ فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ فَيَنْشُرُونَ إِلَى قُرَّةِ أَعْيُنِهِمْ وَ أَمَّا الْفُجَّارُ فَيَحْشُرُونَ إِلَى خِزْيِ اللَّهِ وَ أَلِيمِ عَذَابِهِ وَ قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ هَكَذَا وَ نُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ وَ قَالَ وَ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ هَكَذَا وَ قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ آلَ مُحَمَّدٍ حَقَّهُمْ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا. وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الْأَوَّلِ عليه السلام أَنَّهُ قَرَأَ أَ فَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ فَيَقْضُوا مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا وَ سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ وَ إِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَ جَبْرَئِيلُ وَ صَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيّاً وَ قَرَأَ أَبُو جَعْفَرٍ وَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَ وَ قَرَأَ إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ زَاغَتْ قُلُوبُكُمَا وَ قَرَأَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ وَ سَبْعَ سَنَابِلَ خُضْرٍ وَ أُخَرَ يَابِسَاتٍ وَ قَرَأَ يَأْكُلْنَ مَا قَرَّبْتُمْ لَهُنَّ- وَ قَرَأَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً وَ قَرَأَ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَمْتاً وَ قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات اللّه عليه) - فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام بَلَى وَ اللَّهِ لَقَدْ كَذَّبُوهُ أَشَدَّ التَّكْذِيبِ وَ لَكِنْ نَزَلَتْ بِالتَّخْفِيفِ يَكْذِبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ أَيْ لَا يَأْتُونَ بِحَقٍّ يُبْطِلُونَ بِهِ حَقَّكَ وَ صَلَّى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام بِقَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَرَأَ قُتِلَ أَصْحَابُ الْخُدُودِ وَ قَالَ مَا الْأُخْدُودُ وَ قَرَأَ رَجُلٌ عَلَيْهِ وَ طَلْحٍ مَنْضُودٍ فَقَالَ لَا طَلْعٍ مَنْضُودٍ وَ قَرَأَ وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ وَ إِنَّهُ فِيهِ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ وَ قَرَأَ إِذَا جَاءَ فَتْحُ اللَّهِ وَ النَّصْرُ وَ قَرَأَ أَ لَمْ يَأْتِكَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ وَ قَرَأَ إِنِّي جَعَلْتُ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ وَ سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ وَ الْفَجْرِ فَقَالَ لَيْسَ فِيهَا وَاوٌ وَ إِنَّمَا هُوَ الْفَجْرُ وَ قَرَأَ رَجُلٌ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ فَقَالَ هَلْ رَأَيْتُمْ وَ سَمِعْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَاتَلَ مُنَافِقاً إِنَّمَا كَانَ يَتَأَلَّفُهُمْ وَ إِنَّمَا قَالَ اللَّهُ جَلَّ وَ عَزَّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ بِالْمُنَافِقِينَ. وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام أَنَّهُ قَالَ لِرَجُلٍ كَيْفَ تَقْرَأُ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ قَالَ فَقَالَ هَكَذَا نَقْرَؤُهَا قَالَ لَيْسَ هَكَذَا قَالَ اللَّهُ إِنَّمَا قَالَ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ بِالنَّبِيِّ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ. فمن الدلالة عليه في باب الناسخ و المنسوخ منه الآية في عدة النساء في المتوفى عنها زوجها و قد ذكرنا ذلك في باب الناسخ و المنسوخ و احتجنا إلى إعادة ذكره في هذا الباب ليستدل على أن التأليف على خلاف ما أنزل الله جل و عز لأن العدة في الجاهلية كانت سنة فأنزل الله في ذلك قرآنا في العلة التي ذكرناها في باب الناسخ و المنسوخ و أقرهم عليها ثم نسخ بعد ذلك فأنزل آية أربعة أشهر و عشرا و الآيتان جميعا في سورة البقرة في التأليف الذي في أيدي الناس فيما يقرءونه أولا الناسخة و هي الآية التي ذكرها الله قوله وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشْراً ثم بعد هذا بنحو من عشر آيات تجيء الآية المنسوخة قوله وَ الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَ يَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ فعلمنا أن هذا التأليف على خلاف ما أنزل الله جل و عز و إنما كان يجب أن يكون المتقدم في القراءة أولا الآية المنسوخة التي ذكر فيها أن العدة متاعا إلى الحول غير إخراج ثم يقرأ بعد هذه الآية الناسخة التي ذكر فيها أنه قد جعل العدة أربعة أشهر و عشرا فقدموا في التأليف الناسخ على المنسوخ. و مثله في سورة الممتحنة في الآية التي أنزلها الله في غزوة الحديبية و كان بين فتح مكة و الحديبية ثلاث سنين و ذلك أن الحديبية كانت في سنة ست من الهجرة و فتح مكة في سنة ثمان من الهجرة فالذي نزل في سنة ست قد جعل في آخر السورة و التي نزلت في سنة ثماني في أول السورة و ذلك أن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) لما كان في غزوة الحديبية شرط لقريش في الصلح الذي وقع بينه و بينهم أن يرد إليهم كل من جاء من الرجال على أن يكون الإسلام ظاهرا بمكة لا يؤذى أحد من المسلمين و لم يقع في النساء شرط و كان رسول الله ص على هذا يرد إليهم كل من جاء من الرجال إلى أن جاءه رجل يكنى أبا بصير. فبعثت قريش رجلين إلى رسول الله ص و كتبوا إليه يسألونه بأرحامهم أن يرد إليهم أبا بصير فقال له رسول الله ص ارجع إلى القوم فقال يا رسول الله تردني إلى المشركين يعينوني و يعذبوني و قد آمنت بالله و صدقت برسول الله فقال يا أبا بصير إنا قد شرطنا لهم شرطا و نحن وافون لهم بشرطهم و الله سيجعل لك مخرجا فدفعه إلى الرجلين. فخرج معهما فلما بلغوا ذا الحليفة أخرج أبا بصير جرابا كان معه فيه كسر و تمرات فقال لهما ادنوا فأصيبا من هذا الطعام فامتنعا فقال أما لو دعوتماني إلى طعامكما لأجبتكما فدنيا فأكلا و مع أحدهما سيف قد علقه في الجدار فقال له أبو بصير أ صارم سيفك هذا قال نعم قال ناولنيه فدفع إليه قائمة السيف فسله فعلاه به فقتله و فر الآخر و رجع إلى المدينة فدخل إلى رسول الله ص فقال يا محمد إن صاحبكم قتل صاحبي و ما كدت أن أفلت منه إلا بشغله بسلبه. فوافى أبو بصير و معه راحلته و سلاحه فقال رسول الله ص يا أبا بصير اخرج من المدينة فإن قريشا تنسب ذلك إلي فخرج إلى الساحل و جمع جمعا من الأعراب فكان يقطع على عير قريش و يقتل من قدر عليه حتى اجتمع إليه سبعون رجلا و كتبت قريش إلى رسول الله ص و سألوه أن يأذن لأبي بصير و أصحابه في دخول المدينة و قد أحلوه من ذلك فوافاه الكتاب و أبو بصير قد مرض و هو في آخر رمق فمات و قبره هناك و دخل أصحابه المدينة.. و كانت هذه سبيل من جاءه و كانت امرأة يقال لها كلثم بنت عقبة بمكة و هي بنت عقبة بن أبي معيط مؤمنة تكتم إيمانها و كان أخواها كافرين أهلها يعذبونها و يأمرونها بالرجوع عن الإسلام فهربت إلى المدينة و حملها رجل من خزاعة حتى وافى بها إلى المدينة فدخلت على أم سلمة زوج النبي ص فقالت يا أم سلمة إن رسول الله ص قد شرط لقريش أن يرد إليهم الرجال و لم يشرط لهم في النساء شيئا و النساء إلى ضعف و إن ردني رسول الله ص إليهم فتنوني و عذبوني و أخاف على نفسي فاسألي رسول الله ص أن لا يردني إليهم. فدخل رسول الله ص على أم سلمة و هي عندها فأخبرته أم سلمة خبرها فقالت يا رسول الله هذه كلثم بنت عقبة و قد فرت بدينها فلم يجبها رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) بشيء و نزل عليه الوحي يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَ إلى قوله جل و عز وَ اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ فحكم الله في هذا أن النساء لا يرددن إلى الكفار و إذا امتحنوا بمحنة الإسلام أن تحلف المرأة بالله الذي لا إله إلا هو ما حملها على اللحاق بالمسلمين بغضا لزوجها الكافر أو حبا لأحد من المسلمين و إنما حملها على ذلك الإسلام فإذا حلفت و عرف ذلك منها لم ترد إلى الكفار و لم تحل للكافر و ليس للمؤمن أن يتزوجها و لا تحل له حتى يرد على زوجها الكافر صداقها فإذا رد عليه صداقها حلت له و حل له مناكحتها. و هو قوله جل و عز وَ آتُوهُمْ ما أَنْفَقُوا يعني آتوا الكفار ما أنفقوا عليهن. ثم قال وَ لا جُناحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ ثم قال وَ سْئَلُوا ما أَنْفَقْتُمْ على نسائكم الذي يلحقن بالكفار ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ثم قال وَ إِنْ فاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْواجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فاطلبوا من الكفار ما أنفقتم عليهم فإن امتنع به عليكم فَعاقَبْتُمْ أي أصبتم غنيمة فليؤخذ من أول الغنيمة قبل القسمة ما يرد على المؤمن الذي ذهبت امرأته إلى الكفار فرضي بذلك المؤمنون و رضي به الكافرون.. فهذه هي القصة في هذه السورة فنزلت هذه الآية في هذا المعنى في سنة ست من الهجرة و - أما في أول السورة فهي قصة حاطب بن أبي بلتعة أراد رسول الله ص أن يصير إلى مكة فقال اللهم أخف العيون و الأخبار على قريش حتى نبغتها في دارها و كان عيال حاطب بمكة فبلغ قريشا ذلك فخافوا خوفا شديدا فقالوا لعيال حاطب اكتبوا إلى حاطب ليعلمنا خبر محمد ص فإن أرادنا لنحذره فكتب حاطب إليهم أن رسول الله ص يريدكم و دفع الكتاب إلى امرأة فوضعته في قرونها فنزل الوحي على رسول الله ص و أعلمه الله ذلك فبعث رسول الله ص أمير المؤمنين و الزبير بن العوام فلحقاها بعسفان ففتشاها فلم يجدا معها شيئا فقال الزبير ما نجد معها شيئا فقال أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) و الله ما كذبني رسول الله ص و لا كذب جبرئيل رسول الله ص لتظهرن الكتاب فرده إلى رسول الله ص فقال رسول الله لحاطب ما هذا فقال يا رسول الله و الله ما غيرت و لا بدلت و لا نافقت و لكن عيالي كتبوا إلي فأحببت أن أداري قريشا ليحسنوا معاش عيالي و يرفقوا بهم. و حاطب رجل من لخم و هو حليف لأسد بن عبد العزى فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله اومرني بضرب عنقه فقال رسول الله ص اسكت فأنزل الله جل و عز يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَ عَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ إلى قوله وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ثم أطلق لهم فقال لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ إلى قوله وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. فإلى هذا المكان من هذه السورة نزل في سنة ثماني من الهجرة حيث فتح رسول الله ص مكة و الذي ذكرنا في قصة المرأة المهاجرة نزل في سنة ست من الهجرة فهذا دليل على أن التأليف ليس على ما أنزل الله. و مثله في سورة النساء في قوله جل و عز فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً و ليس هذا من الكلام الذي قبله في شيء و إنما كانت العرب إذا ربت يتيمة يمتنعون من أن يتزوجوا بها فيحرمونها على أنفسهم لتربيتهم لها فسألوا رسول الله ص عن ذلك بعد الهجرة فأنزل الله عليه في هذه السورة وَ يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَ ما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَ تَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فهذه الآية هي مع تلك التي في أول السورة فغلطوا في التأليف فأخروها و جعلوها في غير موضعها. و مثله في سورة العنكبوت في قوله عز و جل وَ إِبْراهِيمَ إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَ اتَّقُوهُ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ إِنَّما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثاناً وَ تَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَ اعْبُدُوهُ وَ اشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ فأما التأليف الذي في المصحف بعد هذا وَ إِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ أَ وَ لَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَ يَرْحَمُ مَنْ يَشاءُ وَ إِلَيْهِ تُقْلَبُونَ وَ ما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَ لا فِي السَّماءِ وَ ما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لا نَصِيرٍ إلى قوله جل و عز أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ فهذه الآية مع قصة إبراهيم صلى الله عليه متصلة بها فقد أخرت و هذا دليل على أن التأليف على غير ما أنزل الله جل و عز في كل وقت للأمور التي كانت تحدث فينزل الله فيها القرآن و قد قدموا و أخروا لقلة معرفتهم بالتأليف و قلة علمهم بالتنزيل على ما أنزله الله و إنما ألفوه بآرائهم و ربما كتبوا الحرف و الآية في غير موضعها الذي يجب قلة معرفة به و لو أخذوه من معدنه الذي أنزل فيه و من أهله الذي نزل عليهم لما اختلف التأليف و لوقف الناس على عامة ما احتاجوا إليه من الناسخ و المنسوخ و المحكم و المتشابه و الخاص و العام. و مثله في سورة النساء في قصة أصحاب رسول الله ص يوم أحد حيث أمرهم الله جل و عز بعد ما أصابهم من الهزيمة و القتل و الجراح أن يطلبوا قريشا وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ فلما أمرهم الله بطلب قريش قالوا كيف نطلب و نحن بهذه الحال من الجراحة و الألم الشديد فأنزل الله هذه الآية وَ لا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَ تَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ و في سورة آل عمران تمام هذه الآية عند قوله إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ يَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ الآية إلى آخرها و الآيتان متصلتان في معنى واحد و نزلت على رسول الله ص متصلة بعضها ببعض فقد كتب نصفها في سورة النساء و نصفها في سورة آل عمران. و قد حكى جماعة من العلماء عن الأئمة عليهم السلام أنهم قالوا إن أقواما ضربوا القرآن بعضه ببعض و احتجوا بالناسخ و هم يرونه محكما و احتجوا بالخاص و هم يرونه عاما و احتجوا بأول الآية و تركوا السبب و لم ينظروا إلى ما يفتحه الكلام و ما يختمه و ما مصدره و مورده فضلوا و أضلوا عن سواء السبيل و سأصف من علم القرآن أشياء ليعلم أن من لم يعلمها لم يكن بالقرآن عالما من لم يعلم الناسخ و المنسوخ و الخاص و العام و المكي و المدني و المحكم و المتشابه و أسباب التنزيل و المبهم من القرآن و ألفاظه المؤتلفة في المعاني و ما فيه من علم القدر و التقديم منه و التأخير و العمق و الجواب و السبب و القطع و الوصل و الاتفاق و المستثنى منه و المجاز و الصفة في قبل و ما بعد و المفصل الذي هلك فيه الملحدون و الوصل من الألفاظ و المحمول منه على ما قبله و ما بعده و التوكيد منه و قد فسرنا في كتابنا هذا بعض ذلك و إن لم نأت على آخره. و من الدليل أيضا في باب تأليف القرآن أنه على خلاف ما أنزله الله تبارك و تعالى في سورة الأحزاب في قوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَ مُبَشِّراً وَ نَذِيراً إلى قوله وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا و هذه الآية نزلت بمكة و قبل هذه الآية ما نزل بالمدينة و هو قوله عز و جل في سورة الأحزاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً إلى قوله وَ لَمَّا رَأَ الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزابَ قالُوا هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ ما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَ تَسْلِيماً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ و في هذه الآية و هذه القصة وقعت المحنة على المؤمنين و المنافقين فأما المؤمنون فما مدحهم الله به من قوله جل و عز ما زادهم ما كانوا فيه من الشدة إلا إيمانا و تسليما من المؤمنين و أما المنافقون فما قص الله من خبرهم و حكى عن بعضهم قوله تبارك و تعالى قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ إلى قوله وَ كانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً و قد أجمعوا أن أول سورة نزلت من القرآن اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ و ليس تقرأ في ما ألفوا من المصحف إلا قريبا من آخره و إن من أواخر ما نزلت من القرآن سورة البقرة و قد كتبوها في أول المصحف. و روى بعض العلماء أنه لما ظفر عمرو بن عبد ود الخندق قال رجل من المنافقين من قريش لبعض إخوانه أن قريشا لا يريدون إلا محمدا فهلموا نأخذه فندفعه في أيديهم و نسلم نحن بأنفسنا فأخبر جبرئيل رسول الله ص فتبسم و أنزل الله عليه هذه الآيات قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَ الْقائِلِينَ لِإِخْوانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنا الآية.
بحار الأنوار - ج ٨٩ - الصفحة ٦٠. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
ما، الأمالي للشيخ الطوسي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي الْمُفَضَّلِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ زَكَرِيَّا عَنْ عَبَّادِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ مَطَرِ بْنِ أَرْقَمَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَمْرٍو الْفُقَيْمِيِّ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ قَبِيصَةَ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيِّ ص سَبْعِينَ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ أَخَذْتُهَا مِنْ فِيهِ وَ زَيْدٌ ذُو ذُؤَابَتَيْنِ يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ وَ قَرَأْتُ سَائِرَ أَوْ قَالَ بَقِيَّةَ الْقُرْآنِ عَلَى خَيْرِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ أَقْضَاهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ ص عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (صلوات اللّه عليه).. أقول: سئل الشيخ المفيد (رحمه الله) في المسائل السروية ما قوله أدام الله تعالى حراسته في القرآن أ هو ما بين الدفتين الذي في أيدي الناس أم هل ضاع مما أنزل الله تعالى على نبيه منه شيء أم لا و هل هو ما جمعه أمير المؤمنين (عليه السلام) أم ما جمعه عثمان على ما يذكره المخالفون. الجواب أن الذي بين الدفتين من القرآن جميعه كلام الله تعالى و تنزيله و ليس فيه شيء من كلام البشر و هو جمهور المنزل و الباقي مما أنزله الله تعالى قرآنا عند المستحفظ للشريعة المستودع للأحكام لم يضع منه شيء و إن كان الذي جمع ما بين الدفتين الآن لم يجعله في جملة ما جمع لأسباب دعته إلى ذلك منها قصوره عن معرفة بعضه و منه ما شك فيه و منه ما عمد بنفسه و منه ما تعمد إخراجه منه. و قد جمع أمير المؤمنين عليه السلام القرآن المنزل من أوله إلى آخر و ألفه بحسب ما وجب من تأليفه فقدم المكي على المدني و المنسوخ على الناسخ و وضع كل شيء منه في حقه فلذلك - قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ عليه السلام أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ قُرِئَ الْقُرْآنُ كَمَا أُنْزِلَ لَأَلْفَيْتُمُونَا فِيهِ مُسَمَّيْنَ كَمَا سُمِّيَ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا وَ قَالَ (عليه السلام) نَزَلَ الْقُرْآنُ أَرْبَعَةَ أَرْبَاعٍ رُبُعٌ فِينَا وَ رُبُعٌ فِي عَدُوِّنَا وَ رُبُعٌ قِصَصٌ وَ أَمْثَالٌ وَ رُبُعٌ قَضَايَا وَ أَحْكَامٌ وَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَضَائِلُ الْقُرْآنِ غير أن الخبر قد صح عن أئمتنا عليه السلام أنهم أمروا بقراءة ما بين الدفتين و أن لا نتعداه بلا زيادة فيه و لا نقصان منه حتى يقوم القائم عليه السلام فيقرئ الناس القرآن على ما أنزله الله تعالى و جمعه أمير المؤمنين عليه السلام و إنما نهونا عليه السلام عن قراءة ما وردت به الأخبار من أحرف يزيد على الثابت في المصحف لأنها لم يأت على التواتر و إنما جاء بالآحاد و قد يغلط الواحد فيما ينقله و لأنه متى قرأ الإنسان بما يخالف ما بين الدفتين غرر بنفسه مع أهل الخلاف و أغرى به الجبارين و عرض نفسه الهلاك فمنعونا عليه السلام من قراءة القرآن بخلاف ما يثبت بين الدفتين لما ذكرناه. فإن قال قائل كيف تصح القول بأن الذي بين الدفتين هو كلام الله تعالى على الحقيقة من غير زيادة و لا نقصان و أنتم تروون عن الأئمة عليهم السلام أنهم قرءوا كنتم خير أئمة أخرجت للناس و كذلك جعلناكم أئمة وسطا و قرءوا يسألونك الأنفال و هذا بخلاف ما في المصحف الذي في أيدي الناس. قيل له قد مضى الجواب عن هذا و هو أن الأخبار التي جاءت بذلك أخبار آحاد لا يقطع على الله تعالى بصحتها فلذلك وقفنا فيها و لم نعدل عما في المصحف الظاهر على ما أمرنا به حسب ما بيناه مع أنه لا ينكر أن تأتي القراءة على وجهين منزلتين أحدهما ما تضمنه المصحف و الثاني ما جاء به الخبر كما يعترف مخالفونا به من نزول القرآن على وجوه شتى فمن ذلك قوله تعالى وَ مَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِظَنِينٍ يريد بمتهم و بالقراءة الأخرى وَ ما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ يريد به ببخيل و مثل قوله جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ على قراءة و على قراءة أخرى تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ و نحو قوله تعالى إِنْ هذانِ لَساحِرانِ و في قراءة أخرى إِنَّ هَذَيْنِ لَسَاحِرَانِ و ما أشبه ذلك مما يكثر تعداده و يطول الجواب بإثباته و فيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى. أقول روى البخاري و الترمذي في صحيحيهما و ذكره في جامع الأصول في حرف التاء في باب ترتيب القرآن و تأليفه و جمعه عن زيد بن ثابت قال أرسل إلي أبو بكر بعد مقتل أهل اليمامة فإذا عمر جالس عنده فقال أبو بكر إن عمر جاءني فقال إن القتل قد استحر يوم اليمامة بقراء القرآن و إني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في كل الموطن فيذهب من القرآن كثير و إني أرى أن تذهب بجمع القرآن قال قلت لعمر و كيف أفعل شيئا لم يفعله رسول الله ص فقال عمر هو و الله خير فلم يزل يراجعني في ذلك حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر عمر و رأيت في ذلك الذي رأى عمر قال زيد فقال لي أبو بكر إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك قد كنت تكتب الوحي لرسول الله ص فتتبع القرآن فاجمعه قال زيد فو الله لو كلفني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قال قلت كيف تفعلان شيئا لم يفعله رسول الله فقال أبو بكر هو و الله خير قال فلم يزل أبو بكر يراجعني و في رواية أخرى فلم يزل عمر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر قال فتتبعت القرآن أجمعه من الرقاع و العسب و اللخاف و صدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع خزيمة أو أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع أحد غيره لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ خاتمة براءة قال فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم حفصة بنت عمر قال بعض الرواة فيه اللخاف يعني الخزف قال في جامع الأصول أخرجه البخاري و الترمذي و قد روي هذه الرواية في الإستيعاب عن ابن شهاب عن عبيد بن السباق عن زيد بن ثابت و روى البخاري و الترمذي و صاحب جامع الأصول في الموضع المذكور عن الزهري عن أنس بن مالك أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان و كان يغازي أهل الشام في فتح إرمينية و أذربيجان مع أهل العراق فأفزع حذيفة اختلافهم في القرآن فقال حذيفة لعثمان يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود و النصارى فأرسل عثمان إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها إليه فأمر زيد بن ثابت و عبد الله بن الزبير و سعيد بن عاص و عبد الرحمن بن حارث بن هشام فنسخوها في المصاحف و قال عثمان للرهط القرشيين إذا اختلفتم أنتم و زيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة و أرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا و أمر بما سوى ذلك من القرآن في كل صحيفة أو صحف أن يحرق. قال ابن شهاب و أخبرني خارجة بن زيد بن ثابت يقول فقدت آية من سورة الأحزاب حين نسخت الصحف قد كنت أسمع رسول الله يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فألحقناها في سورتها من المصحف قال و - في رواية أبي اليمان خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله ص شهادته شهادة رجلين. قال و زاد في رواية أخرى قال ابن شهاب اختلفوا يومئذ في التابوت فقال زيد التابوة و قال ابن الزبير و سعيد بن العاص التابوت فرفع اختلافهم إلى عثمان فقال اكتبوه التابوت فإنه بلسان قريش. قال في جامع الأصول أخرجه البخاري و الترمذي و زاد الترمذي قال الزهري فأخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن مسعود كره لزيد بن ثابت نسخ المصاحف و قال يا معشر المسلمين اعزل عن نسخ المصاحف و يتولاها رجل و الله لقد أسلمت و إنه لفي صلب رجل كافر يريد زيد بن ثابت و لذلك قال عبد الله بن مسعود يا أهل العراق اكتموا المصاحف التي عندكم و غلوها فإن الله تعالى يقول وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ فألقوا الله بالمصاحف. قال الترمذي فبلغني أنه كره ذلك من مقالة ابن مسعود رجال من أفاضل أصحاب رسول الله ص و روى البخاري و مسلم بن حجاج و الترمذي في صحاحهم و ذكره في جامع الأصول عن أنس قال جمع القرآن على عهد رسول الله ص أربعة كلهم من الأنصار أبي بن كعب و معاذ بن جبل و أبو زيد و زيد يعني ابن ثابت قلت لأنس من أبو زيد قال أحد عمومتي و روى البخاري برواية أخرى عن أنس قال مات النبي ص و لم يجمع القرآن غير أربعة أبو الدرداء و معاذ بن جبل و زيد بن ثابت و أبو زيد و روى البخاري عن ابن عباس قال جمعت المحكم في عهد رسول الله ص قلت له و ما المحكم قال المفضل. أقول: قد مضى كثير من تلك الأخبار في أبواب كتاب الإمامة و نورد هنا مختصرا من بعضها و قد مضى مفصل ذلك في باب احتجاج أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) على الزنديق المدعي للتناقض في القرآن و كذا في الأخبار التي ذكرت بأسانيد في باب سلوني قبل أن تفقدوني. فَإِنَّهُ قَدْ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الْوِسَادَةُ فَجَلَسْتُ عَلَيْهَا لَأَفْتَيْتُ أَهْلَ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ حَتَّى تَنْطِقَ التَّوْرَاةُ فَتَقُولَ صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ وَ أَفْتَيْتُ أَهْلَ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ حَتَّى يَنْطِقَ الْإِنْجِيلُ فَيَقُولَ صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ وَ أَفْتَيْتُ أَهْلَ الْقُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ حَتَّى يَنْطِقَ الْقُرْآنُ فَيَقُولَ صَدَقَ عَلِيٌّ مَا كَذَبَ لَقَدْ أَفْتَاكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيَّ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْقُرْآنَ لَيْلًا وَ نَهَاراً فَهَلْ فِيكُمْ أَحَدٌ يَعْلَمُ مَا نَزَلَ فِيهِ وَ لَوْ لَا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِمَا كَانَ وَ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ هِيَ هَذِهِ الْآيَةُ يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ.
بحار الأنوار - ج ٨٩ - الصفحة ٧٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
شي، تفسير العياشي عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا مَضَى وَ مَا يَحْدُثُ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ كَانَتْ فِيهِ أَسْمَاءُ الرِّجَالِ فَأُلْقِيَتْ وَ إِنَّمَا الِاسْمُ الْوَاحِدُ مِنْهُ فِي وُجُوهٍ لَا يُحْصَى يَعْرِفُ ذَلِكَ الْوُصَاةُ. 51 شي، تفسير العياشي عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ
لَوِ اسْتَقَامَتْ لِيَ الْأَمْرِ وَ كُسِرَتْ أَوْ ثُنِيَتْ لِيَ الْوِسَادَةُ لَحَكَمْتُ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ حَتَّى تَذْهَبَ إِلَى اللَّهِ إِنِّي قَدْ حَكَمْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا وَ لَحَكَمْتُ لِأَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْإِنْجِيلِ حَتَّى يَذْهَبَ إِلَى اللَّهِ إِنِّي قَدْ حَكَمْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَ لَحَكَمْتُ فِي أَهْلِ الْقُرْآنِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ حَتَّى يَذْهَبَ إِلَى اللَّهِ إِنِّي قَدْ حَكَمْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ. 52 شي، تفسير العياشي عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ الْأَئِمَّةُ بَعْضُهُمْ أَعْلَمُ مِنْ بَعْضٍ قَالَ نَعَمْ وَ عِلْمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ وَ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَاحِدٌ. 53 شي، تفسير العياشي عَنْ حَفْصِ بْنِ قُرْطٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَانَ عَلِيٌّ عليه السلام صَاحِبَ حَلَالٍ وَ حَرَامٍ وَ عِلْمٍ بِالْقُرْآنِ وَ نَحْنُ عَلَى مِنْهَاجِهِ. 54 شي، تفسير العياشي عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلوات اللّه عليه وَ آلِهِ) إِنَّ مِنْكُمْ مَنْ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ وَ هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام. 55 شي، تفسير العياشي عَنْ بَشِيرٍ الدَّهَّانِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ فَرَضَ طَاعَتَنَا فِي كِتَابِهِ فَلَا يَسَعُ النَّاسَ جَهْلًا لَنَا صَفْوُ الْمَالِ وَ لَنَا الْأَنْفَالُ وَ لَنَا كَرَائِمُ الْقُرْآنِ وَ لَا أَقُولُ لَكُمْ إِنَّا أَصْحَابُ الْغَيْبِ وَ نَعْلَمُ كِتَابَ اللَّهِ وَ كِتَابُ اللَّهِ يَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّ اللَّهَ أَعْلَمَنَا عِلْماً لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَ عِلْماً قَدْ أَعْلَمَهُ مَلَائِكَتَهُ وَ رُسُلَهُ فَمَا عَلِمَتْهُ مَلَائِكَتُهُ وَ رُسُلُهُ فَنَحْنُ نَعْلَمُهُ. 56 شي، تفسير العياشي عَنْ مُرَازِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَبْعَثُ فِينَا مَنْ يَعْلَمُ كِتَابَهُ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ وَ إِنَّ عِنْدَنَا مِنْ حَلَالِ اللَّهِ وَ حَرَامِهِ مَا يَسَعُنَا مِنْ كِتْمَانِهِ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُحَدِّثَ بِهِ أَحَداً. 57 شي، تفسير العياشي عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَ سَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ لَوْ لَقِيتُكَ بِالْمَدِينَةِ لَأَرَيْتُكَ أَثَرَ جَبْرَئِيلَ فِي دُورِنَا وَ نُزُولَهُ عَلَى جَدِّي بِالْوَحْيِ وَ الْقُرْآنِ وَ الْعِلْمِ أَ فَيَسْتَقِي النَّاسُ الْعِلْمَ مِنْ عِنْدِنَا فَيَهْدُونَهُمْ وَ ضَلَلْنَا نَحْنُ هَذَا مُحَالٌ. 58 شي، تفسير العياشي عَنْ يُوسُفَ بْنِ السُّخْتِ الْبَصْرِيِّ قَالَ: رَأَيْتُ التَّوْقِيعَ بِخَطِّ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍ فَكَانَ فِيهِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْكُمْ وَ لَكُمْ أَنْ تَقُولُوا إِنَّا قُدْوَةٌ وَ أَئِمَّةٌ وَ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ أُمَنَاؤُهُ عُلَى خَلْقِهِ وَ حُجَجُهُ فِي بِلَادِهِ نَعْرِفُ الْحَلَالَ وَ الْحَرَامَ وَ نَعْرِفُ تَأْوِيلَ الْكِتَابِ وَ فَصْلَ الْخِطَابِ. 59 شي، تفسير العياشي عَنْ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ شَيْءٌ إِلَّا وَ أَنَا أَعْلَمُهُ. 60 شي، تفسير العياشي عَنْ سُلَيْمَانَ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام مَا نَزَلَتْ آيَةٌ إِلَّا وَ أَنَا عَلِمْتُ فِيمَنْ أُنْزِلَتْ وَ أَيْنَ نَزَلَتْ وَ عَلَى مَنْ نَزَلَتْ إِنَّ رَبِّي وَهَبَ لِي قَلْباً عَقُولًا وَ لِسَاناً طَلْقاً. 61 شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي الصَّبَّاحِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّ اللَّهَ عَلَّمَ نَبِيَّهُ ص التَّنْزِيلَ وَ التَّأْوِيلَ فَعَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلِيّاً (صلوات اللّه عليهما). 62 ير، بصائر الدرجات أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنِ الْمَرْزُبَانِ بْنِ عِمْرَانَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ إِنَّ لِلْقُرْآنِ تَأْوِيلًا فَمِنْهُ مَا قَدْ جَاءَ وَ مِنْهُ مَا لَمْ يَجِئْ فَإِذَا وَقَعَ التَّأْوِيلُ فِي زَمَانِ إِمَامٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ عَرَفَهُ إِمَامُ ذَلِكَ الزَّمَانِ. 63 ير، بصائر الدرجات أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ الْأَهْوَازِيِّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ عَنْهُ عليه السلام قَالَ: إِنَّ فِي الْقُرْآنِ مَا مَضَى وَ مَا يَحْدُثُ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ وَ كَانَتْ فِيهِ أَسْمَاءُ الرِّجَالِ فَأُلْقِيَتْ وَ إِنَّمَا الِاسْمُ الْوَاحِدُ فِي وُجُوهٍ لَا تُحْصَى تَعْرِفُ ذَلِكَ الْوُصَاةُ. 64 ير، بصائر الدرجات مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا مِنَ الْقُرْآنِ آيَةٌ إِلَّا وَ لَهَا ظَهْرٌ وَ بَطْنٌ فَقَالَ ظَهْرُهُ تَنْزِيلُهُ وَ بَطْنُهُ تَأْوِيلُهُ مِنْهُ مَا قَدْ مَضَى وَ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ يَجْرِي كَمَا يَجْرِي الشَّمْسُ وَ الْقَمَرُ كُلَّمَا جَاءَ تَأْوِيلُ شَيْءٍ مِنْهُ يَكُونُ عَلَى الْأَمْوَاتِ كَمَا يَكُونُ عَلَى الْأَحْيَاءِ قَالَ اللَّهُ وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ نَحْنُ نَعْلَمُهُ. 65 ير، بصائر الدرجات الْفَضْلُ عَنْ مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ أَوْ غَيْرِهِ عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ مِنْهُ مَا كَانَ وَ مِنْهُ مَا لَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ تَعْرِفُهُ الْأَئِمَّةُ. 66 ير، بصائر الدرجات مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَوْلَى سَلْمَانَ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً عليه السلام يَقُولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ وَ لَا تُفْتُوا النَّاسَ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ قَوْلًا وَضَعَ أُمَّتَهُ إِلَى غَيْرِهِ وَ قَالَ قَوْلًا وَضَعَ عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَذَبَ عَلَيْهِ فَقَامَ عَبِيدَةُ وَ عَلْقَمَةُ وَ الْأَسْوَدُ وَ أُنَاسٌ مَعَهُمْ قَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا نَصْنَعُ بِمَا قَدْ أَخْبَرَنَا فِي الْمُصْحَفِ قَالَ اسْأَلُوا عَنْ ذَلِكَ عُلَمَاءَ آلِ مُحَمَّدٍ. 67 ير، بصائر الدرجات مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: كِتَابُ اللَّهِ فِيهِ نَبَأُ مَا قَبْلَكُمْ وَ خَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ وَ فَصْلُ مَا بَيْنَكُمْ وَ نَحْنُ نَعْلَمُهُ. 68 ير، بصائر الدرجات مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ أَعْيَنَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ قَدْ وَلَدَنِي رَسُولُ اللَّهِ ص وَ أَنَا أَعْلَمُ كِتَابَ اللَّهِ وَ فِيهِ بَدْءُ الْخَلْقِ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ فِيهِ خَبَرُ السَّمَاءِ وَ خَبَرُ الْأَرْضِ وَ خَبَرُ الْجَنَّةِ وَ خَبَرُ النَّارِ وَ خَبَرُ مَا كَانَ وَ خَبَرُ مَا هُوَ كَائِنٌ أَعْلَمُ ذَلِكَ كَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى كَفِّي إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ. 69 ك، إكمال الدين الْمُظَفَّرُ الْعَلَوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْرُورٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ عَنِ الْخَشَّابِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ بُهْلُولٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ هَمَّامٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ أَبَانِ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً عليه السلام يَقُولُ مَا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا أَقْرَأَنِيهَا وَ أَمْلَاهَا عَلَيَّ فَكَتَبْتُهَا بِخَطِّي وَ عَلَّمَنِي تَأْوِيلَهَا وَ تَفْسِيرَهَا وَ نَاسِخَهَا وَ مَنْسُوخَهَا وَ مُحْكَمَهَا وَ مُتَشَابِهَهَا وَ دَعَا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُعَلِّمَنِي فَهْمَهَا وَ حِفْظَهَا فَمَا نَسِيتُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا عِلْماً أَمْلَاهُ عَلَيَّ فَكَتَبْتُهُ وَ مَا تَرَكَ شَيْئاً عَلَّمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ حَلَالٍ وَ لَا حَرَامٍ وَ لَا أَمْرٍ وَ لَا نَهْيٍ وَ مَا كَانَ أَوْ يَكُونُ مِنْ طَاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا عَلَّمَنِيهِ وَ حَفِظْتُهُ فَلَمْ أَنْسَ مِنْهُ حَرْفاً وَاحِداً ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَ دَعَا اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِأَنْ يَمْلَأَ قَلْبِي عِلْماً وَ فَهْماً وَ حِكْمَةً وَ نُوراً وَ لَمْ أَنْسَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً وَ لَمْ يَفُتْنِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ لَمْ أَكْتُبْهُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَ تَتَخَوَّفُ عَلَيَّ النِّسْيَانَ فِيمَا بَعْدُ فَقَالَ عليه السلام لَسْتُ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ نِسْيَاناً وَ لَا جَهْلًا وَ قَدْ أَخْبَرَنِي رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّهُ قَدِ اسْتَجَابَ لِي فِيكَ وَ فِي شُرَكَائِكَ الَّذِينَ يَكُونُونَ مِنْ بَعْدِكَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ شُرَكَائِي مِنْ بَعْدِي قَالَ الَّذِينَ قَرَنَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِنَفْسِهِ وَ بِي فَقَالَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ الْآيَةَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ هُمْ فَقَالَ الْأَوْصِيَاءُ مِنِّي إِلَى أَنْ يَرِدُوا عَلَيَّ الْحَوْضَ كُلُّهُمْ هَادٍ مُهْتَدٍ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ هُمْ مَعَ الْقُرْآنِ وَ الْقُرْآنُ مَعَهُمْ لَا يُفَارِقُهُمْ وَ لَا يُفَارِقُونَهُ فَبِهِمْ تُنْصَرُ أُمَّتِي وَ بِهِمْ يُمْطَرُونَ وَ بِهِمْ يُدْفَعُ عَنْهُمُ الْبَلَاءُ وَ بِهِمْ يُسْتَجَابُ دُعَاؤُهُمْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِّهِمْ لِي فَقَالَ ابْنِي هَذَا وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الْحَسَنِ ثُمَّ ابْنِي هَذَا وَ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ- ثُمَّ ابْنٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ عَلِيٌّ- سَيُولَدُ فِي حَيَاتِكَ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ ثُمَّ تَكْمِلَةُ اثْنَيْ عَشَرَ إِمَاماً فَقُلْتُ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي فَسَمِّهِمْ لِي فَسَمَّاهُمْ رَجُلًا رَجُلًا فَقَالَ عليه السلام فِيهِمْ وَ اللَّهِ يَا أَخَا بَنِي هِلَالٍ مَهْدِيُّ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ الَّذِي يَمْلَأُ الْأَرْضَ قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ مَنْ يُبَايِعُهُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ وَ أَعْرِفُ أَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَ قَبَائِلِهِمْ. شي، تفسير العياشي عن سليم مثله. 70 ير، بصائر الدرجات مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْجَازِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ نَحْنُ وَرَثَةُ كِتَابِ اللَّهِ وَ نَحْنُ صَفْوَتُهُ. 71 سن، المحاسن ابْنُ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا مِنْ أَمْرٍ يَخْتَلِفُ فِيهِ اثْنَانِ إِلَّا وَ لَهُ أَصْلٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ لَكِنْ لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُ الرِّجَالِ. 72 سن، المحاسن أَبِي عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي رِسَالَةٍ وَ أَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنَ الْقُرْآنِ فَذَلِكَ أَيْضاً مِنْ خَطَرَاتِكَ الْمُتَفَاوِتَةِ الْمُخْتَلِفَةِ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ عَلَى مَا ذَكَرْتَ وَ كُلُّ مَا سَمِعْتَ فَمَعْنَاهُ غَيْرُ مَا ذَهَبْتَ إِلَيْهِ وَ إِنَّمَا الْقُرْآنُ أَمْثَالٌ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ دُونَ غَيْرِهِمْ وَ لِقَوْمٍ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ وَ هُمُ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ يَعْرِفُونَهُ فَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَمَا أَشَدَّ إِشْكَالَهُ عَلَيْهِمْ وَ أَبْعَدَهُ مِنْ مَذَاهِبِ قُلُوبِهِمْ وَ لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ بِأَبْعَدَ مِنْ قُلُوبِ الرِّجَالِ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَ فِي ذَلِكَ تَحَيَّرَ الْخَلَائِقُ أَجْمَعُونَ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَ إِنَّمَا أَرَادَ اللَّهُ بِتَعْمِيَتِهِ فِي ذَلِكَ أَنْ يَنْتَهُوا إِلَى بَابِهِ وَ صِرَاطِهِ وَ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَ يَنْتَهُوا فِي قَوْلِهِ إِلَى طَاعَةِ الْقُوَّامِ بِكِتَابِهِ وَ النَّاطِقِينَ عَنْ أَمْرِهِ وَ أَنْ يَسْتَنْبِطُوا مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ عَنْهُمْ لَا عَنْ أَنْفُسِهِمْ ثُمَّ قَالَ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ فَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَلَيْسَ يُعْلَمُ ذَلِكَ أَبَداً وَ لَا يُوجَدُ وَ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ كُلُّهُمْ وُلَاةَ الْأَمْرِ إِذاً لَا يَجِدُونَ مَنْ يَأْتَمِرُونَ عَلَيْهِ وَ لَا مَنْ يُبَلِّغُونَهُ أَمْرَ اللَّهِ وَ نَهْيَهُ فَجَعَلَ اللَّهُ الْوُلَاةَ خَوَاصَّ لِيَقْتَدِيَ بِهِمْ مَنْ لَمْ يَخْصُصْهُمْ بِذَلِكَ فَافْهَمْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ إِيَّاكَ وَ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ بِرَأْيِكَ فَإِنَّ النَّاسَ غَيْرُ مُشْتَرِكِينَ فِي عِلْمِهِ كَاشْتِرَاكِهِمْ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأُمُورِ وَ لَا قَادِرِينَ عَلَيْهِ وَ لَا عَلَى تَأْوِيلِهِ إِلَّا مِنْ حَدِّهِ وَ بَابِهِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ فَافْهَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَ اطْلُبِ الْأَمْرَ مِنْ مَكَانِهِ تَجِدْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. 73 شي، تفسير العياشي عَنْ زُرَارَةَ وَ حُمْرَانَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي قَوْلِهِ وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ يَعْنِي الْأَئِمَّةَ مِنْ بَعْدِهِ وَ هُمْ يُنْذِرُونَ بِهِ النَّاسَ. 74 شي، تفسير العياشي عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْكَابُلِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ حَقِيقَةَ أَيِّ شَيْءٍ عَنَى بِقَوْلِهِ وَ مَنْ بَلَغَ قَالَ فَقَالَ مَنْ بَلَغَ أَنْ يَكُونَ إِمَاماً مِنْ ذُرِّيَّةِ الْأَوْصِيَاءِ فَهُوَ يُنْذِرُ بِالْقُرْآنِ كَمَا أَنْذَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص. 75 شي، تفسير العياشي عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ قَالَ عَلِيٌّ مِمَّنْ بَلَغَ. 76 شي، تفسير العياشي عَنْ يُونُسَ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالُوا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنِّي لَأَعْلَمُ خَبَرَ السَّمَاءِ وَ خَبَرَ الْأَرْضِ وَ خَبَرَ مَا كَانَ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ كَأَنَّهُ فِي كَفِّي ثُمَّ قَالَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ أَعْلَمُهُ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ. 77 شي، تفسير العياشي عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ حَمَّادٍ اللَّحَّامِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام نَحْنُ وَ اللَّهِ نَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَ مَا فِي الْأَرْضِ وَ مَا فِي الْجَنَّةِ وَ مَا فِي النَّارِ وَ مَا بَيْنَ ذَلِكَ قَالَ فَبُهِتُّ أَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا حَمَّادُ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ قَالَ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ يَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ - إِنَّهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ. 78 شي، تفسير العياشي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ اللَّهُ لِمُوسَى وَ كَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَعَلِمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْهُ لِمُوسَى الشَّيْءَ كُلَّهُ وَ قَالَ اللَّهُ لِعِيسَى لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَ قَالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ (عليه السلام) وَ جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ. 79 شي، تفسير العياشي عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِنَّمَا الشِّفَاءُ فِي عِلْمِ الْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ ما هُوَ شِفاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ لِأَهْلِهِ لَا شَكَّ فِيهِ وَ لَا مِرْيَةَ وَ أَهْلُهُ أَئِمَّةُ الْهُدَى الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا. 80 ني، الغيبة للنعماني قَالَ النَّبِيُّ ص فِي خُطْبَتِهِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي خَطَبَهَا فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ إِنِّي وَ إِنَّكُمْ وَارِدُونَ عَلَى الْحَوْضِ حَوْضاً عَرْضُهُ مَا بَيْنَ بُصْرَى إِلَى صَنْعَاءَ فِيهِ قِدْحَانٌ عَدَدَ نُجُومِ السَّمَاءِ وَ إِنِّي مُخَلِّفٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ الثَّقَلُ الْأَكْبَرُ الْقُرْآنُ وَ الثَّقَلُ الْأَصْغَرُ عِتْرَتِي وَ أَهْلُ بَيْتِي هُمَا حَبْلُ اللَّهِ مَمْدُودٌ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَمْ تَضِلُّوا سَبَبٌ مِنْهُ بِيَدِ اللَّهِ وَ سَبَبٌ بِأَيْدِيكُمْ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى طَرَفٌ بِيَدِ اللَّهِ وَ طَرَفٌ بِأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّطِيفَ الْخَبِيرَ قَدْ نَبَّأَنِي أَنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ كَإِصْبَعَيَّ هَاتَيْنِ وَ جَمَعَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ وَ لَا أَقُولُ كَهَاتَيْنِ وَ جَمَعَ بَيْنَ سَبَّابَتَيْهِ وَ الْوُسْطَى فَتَفْضُلَ هَذِهِ عَلَى هَذِهِ. أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ ذَكَرَ الْخُطْبَةَ بِطُولِهَا وَ فِيهَا هَذَا الْكَلَامُ. و به حدثنا عبد الواحد عن عبد الله بن محمد بن علي عن أبيه عن الحسن بن محبوب و الحسن بن علي بن فضال عن علي بن عقبة عن أبي عبد الله عليه السلام حدثنا عبد الواحد عن محمد بن علي عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن علي بن رئاب عن أبي حمزة الثمالي عن 5 أبي جعفر محمد بن علي الباقر عليه السلام بمثله. 81 الدُّرَّةُ الْبَاهِرَةُ، قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام كِتَابُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ عَلَى الْعِبَارَةِ وَ الْإِشَارَةِ وَ اللَّطَائِفِ وَ الْحَقَائِقِ فَالْعِبَارَةُ لِلْعَوَامِّ وَ الْإِشَارَةُ لِلْخَوَاصِّ وَ اللَّطَائِفُ لِلْأَوْلِيَاءِ وَ الْحَقَائِقُ لِلْأَنْبِيَاءِ. 82 أَسْرَارُ الصَّلَاةِ، قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام لَوْ شِئْتُ لَأَوْقَرْتُ سَبْعِينَ بَعِيراً مِنْ تَفْسِيرِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ. 83 قَالَ السَّيِّدُ بْنُ طَاوُسٍ (رحمه الله) فِي كِتَابِ سَعْدِ السُّعُودِ، رَوَى يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبِرِّ فِي كِتَابِ الْإِسْتِيعَابِ عَنْ مُعَمَّرٍ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: شَهِدْتُ عَلِيّاً عليه السلام يَخْطُبُ وَ هُوَ يَقُولُ سَلُونِي فَوَ اللَّهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَخْبَرْتُكُمْ وَ اسْأَلُونِي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ فَوَ اللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا وَ أَنَا أَعْلَمُ بِلَيْلٍ نَزَلَتْ أَمْ بِنَهَارٍ أَمْ فِي سَهْلٍ أَمْ فِي جَبَلٍ. أقول: و قال أبو حامد الغزالي في كتاب بيان العلم اللدني في وصف مولانا علي بن أبي طالب عليه السلام ما هذا لفظه وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ عليه السلام إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص دخل [أَدْخَلَ لِسَانَهُ فِي فَمِي فَانْفَتَحَ فِي قَلْبِي أَلْفُ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ مَعَ كُلِّ بَابٍ أَلْفُ بَابٍ. - وَ قَالَ (صلوات اللّه عليه) لَوْ ثُنِيَتْ لِي وِسَادَةٌ وَ جَلَسْتُ عَلَيْهَا لَحَكَمْتُ لِأَهْلِ التَّوْرَاةِ بِتَوْرَاتِهِمْ وَ لِأَهْلِ الْإِنْجِيلِ بِإِنْجِيلِهِمْ وَ لِأَهْلِ الْقُرْآنِ بِقُرْآنِهِمْ. و هذه المرتبة لا تنال بمجرد العلم بل يتمكن المرء في هذه الرتبة بقوة العلم اللدني. و قال علي عليه السلام لما حكى عهد موسى عليه السلام أن شرح كتابه كان أربعين جملا لو أذن الله و رسوله لي لأتسرع بي شرح معاني ألف الفاتحة حتى يبلغ مثل ذلك يعني أربعين وقرا أو جملا و هذه الكثرة في السعة و الافتتاح في العلم لا يكون إلا لدنيا سماويا إلهيا هذا آخر لفظ محمد بن محمد الغزالي. أقول وَ ذَكَرَ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ وَ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ فِي كِتَابِهِ بِإِسْنَادِهِ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام قَالَ: يَا بَا عَبَّاسٍ إِذَا صَلَّيْتَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَالْحَقْنِي إِلَى الْجَبَّانِ قَالَ فَصَلَّيْتُ وَ لَحِقْتُهُ وَ كَانَتْ لَيْلَةٌ مُقِمَرةٌ قَالَ فَقَالَ لِي مَا تَفْسِيرُ الْأَلِفِ مِنَ الْحَمْدِ قَالَ فَمَا عَلِمْتُ حَرْفاً أُجِيبُهُ قَالَ فَتَكَلَّمَ فِي تَفْسِيرِهَا سَاعَةً تَامَّةً قَالَ ثُمَّ قَالَ لِي فَمَا تَفْسِيرُ اللَّامِ مِنَ الْحَمْدِ قَالَ فَقُلْتُ لَا أَعْلَمُ فَتَكَلَّمَ فِي تَفْسِيرِهَا سَاعَةً تَامَّةً قَالَ ثُمَّ قَالَ فَمَا تَفْسِيرُ الْمِيمِ مِنَ الْحَمْدِ فَقُلْتُ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَتَكَلَّمَ فِيهَا سَاعَةً تَامَّةً قَالَ ثُمَّ قَالَ مَا تَفْسِيرُ الدَّالِ مِنَ الْحَمْدِ قَالَ قُلْتُ لَا أَدْرِي قَالَ فَتَكَلَّمَ فِيهَا إِلَى أَنْ بَرَقَ عَمُودُ الْفَجْرِ قَالَ فَقَالَ لِي قُمْ أَبَا عَبَّاسٍ إِلَى مَنْزِلِكَ وَ تَأَهَّبْ لِفَرْضِكَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ فَقُمْتُ وَ قَدْ وَعَيْتُ كُلَّ مَا قَالَ ثُمَّ تَفَكَّرْتُ فَإِذَا عِلْمِي بِالْقُرْآنِ فِي عِلْمِ عَلِيٍّ كَالْقَرَارَةِ فِي الْمُثْعَنْجِرِ.. و قال أبو عمر الزاهد قال لنا عبد الله بن مسعود ذات يوم لو علمت أن أحدا هو أعلم مني بكتاب الله عز و جل لضربت إليه آباط الإبل قال علقمة فقال رجل من الحلقة أ لقيت عليا عليه السلام قال نعم قد لقيته و أخذت عنه و استفدت منه و قرأت عليه و كان خير الناس و أعلمهم بعد رسول الله ص و لقد رأيته ثبج بحر يسيل سيلا. يقول علي بن موسى بن طاوس و ذكر محمد بن الحسن بن زياد المعروف بالنقاش في المجلد الأول من تفسير القرآن الذي سماه شفاء الصدور ما هذا لفظه و قال ابن عباس جل ما تعلمت من التفسير من علي بن أبي طالب ع. و قال النقاش أيضا في تعظيم ابن عباس مولانا علي عليه السلام ما هذا لفظه أخبرنا أبو بكر قال حدثنا أحمد بن غالب الفقيه بطالقان قال حدثنا محمد بن علي قال حدثنا سويد قال حدثنا علي بن الحسين بن واقد عن أبيه عن الكلبي قال ابن عياش و مما وجدت في أصله و ذهب بصر ابن عباس من كثرة بكائه على علي بن أبي طالب ع. و ذكر النقاش ما هذا لفظه و قال ابن عباس علي عليه السلام علم علما علمه رسول الله ص و رسول الله ص علمه الله فعلم النبي ص من علم الله و علم علي من علم النبي ص و علمي من علم علي عليه السلام و ما علمي و علم أصحاب محمد ص في علي إلا كقطرة في سبعة أبحر. فصل - وَ رَوَى النَّقَّاشُ أَيْضاً حَدِيثَ تَفْسِيرِ لَفْظَةِ الْحَمْدِ فَقَالَ بَعْدَ إِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ عليه السلام يَا أَبَا عَبَّاسٍ إِذَا صَلَّيْتَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَالْحَقْنِي إِلَى الْجَبَّانِ قَالَ فَصَلَّيْتُ وَ لَحِقْتُهُ وَ كَانَتْ لَيْلَةً مُقْمِرَةً قَالَ فَقَالَ لِي مَا تَفْسِيرُ الْأَلِفِ مِنَ الْحَمْدِ وَ الْحَمْدِ جَمِيعاً قَالَ فَمَا عَلِمْتُ حَرْفاً مِنْهَا أُجِيبُهُ قَالَ فَتَكَلَّمَ فِي تَفْسِيرِهَا سَاعَةً تَامَّةً ثُمَّ قَالَ لِي فَمَا تَفْسِيرُ اللَّامِ مِنَ الْحَمْدِ قَالَ فَقُلْتُ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَتَكَلَّمَ فِي تَفْسِيرِهَا سَاعَةً تَامَّةً ثُمَّ قَالَ فَمَا تَفْسِيرُ الْحَاءِ مِنَ الْحَمْدِ قَالَ فَقُلْتُ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَتَكَلَّمَ فِي تَفْسِيرِهَا سَاعَةً تَامَّةً ثُمَّ قَالَ لِي فَمَا تَفْسِيرُ الْمِيمِ مِنَ الْحَمْدِ قَالَ فَقُلْتُ لَا أَعْلَمُ قَالَ فَتَكَلَّمَ فِي تَفْسِيرِهَا سَاعَةً تَامَّةً ثُمَّ قَالَ فَمَا تَفْسِيرُ الدَّالِ مِنَ الْحَمْدِ قَالَ قُلْتُ لَا أَدْرِي فَتَكَلَّمَ فِيهَا إِلَى أَنْ بَرَقَ عَمُودُ الثعنجر [الْفَجْرِ قَالَ فَقَالَ لِي قُمْ يَا أَبَا عَبَّاسٍ إِلَى مَنْزِلِكَ فَتَأَهَّبْ لِفَرْضِكَ فَقُمْتُ وَ قَدْ وَعَيْتُ كُلَّ مَا قَالَ قَالَ ثُمَّ تَفَكَّرْتُ فَإِذَا عِلْمِي بِالْقُرْآنِ فِي عِلْمِ عَلِيٍّ ع- كَالْقَرَارَةِ فِي الْمُثْعَنْجِرِ قَالَ الْقَرَارَةُ الْغَدِيرُ الْمُثْعَنْجِرُ الْبَحْرُ. 84 الْعِلَلُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْعِلَّةُ فِي قَوْلِهِ ص لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ إِنَّ الْقُرْآنَ مَعَهُمْ فِي قُلُوبِهِمْ فِي الدُّنْيَا فَإِذَا صَارُوا إِلَى عِنْدِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَانَ مَعَهُمْ وَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَرِدُونَ الْحَوْضَ وَ هُوَ مَعَهُمْ.
بحار الأنوار - ج ٨٩ - الصفحة ٩٥. — الإمام الصادق عليه السلام
بحار الأنوار - ج ٩٧ - الصفحة ٩٤. — الإمام الصادق عليه السلام
الجزري في حديث عمر إن رجلا كان ينظر في الطواف إلى حرم المسلمين فلطمه علي عليه السلام فاستعدى عليه فقال
ضربك بحق أصابته عين من عيون الله أراد خاصة من خواص الله عز و جل و وليا من أوليائه. انتهى و اليد كناية عن النعمة و الرحمة أو القدرة و جهة الاستعارة في الإذن أيضا واضح لأنه خلقه الله تعالى ليسمع و يحفظ علوم الأولين و الآخرين و قد وردت أخبار كثيرة من طرق الخاص و العام أنه لما نزلت و تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ قال النبي ص سألت الله أن يجعلها أذنك يا علي قوله عليه السلام و حكمته البالغة أي مظهرها أو مخزنها و السابغة الكاملة قوله عليه السلام على الأصل القديم أي أصل الأئمة و مبدئهم و المراد بالقديم المتقادم في الزمان لا الأزلي لكون نورهم سابقا في الخلق على سائر المخلوقات و الفرع الكريم لكونه فرع شجرة الأنبياء و الأصفياء و التشبيه بالثمرة و الشجرة و السدرة ظاهر لوفور منافعه و عموم فوائده لجميع المخلوقات و لا يبعد كونه هو المراد من بطون تلك الآيات و السليل الولد و العنصر بضم الصاد و قد يفتح الأصل و الحسب و الجمع للمبالغة أو المراد أحد العناصر و في بعض النسخ بصيغة المفرد قوله عليه السلام على حبل الله المتين إنما شبه عليه السلام بالحبل لأنه من تمسك به و بولايته وصل إلى أعالي الدرجات و سلك سبيل النجاة فهو الحبل الممدود بين الله و بين خلقه و قد مر أخبار كثيرة في قوله تعالى وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً أنه الولاية و المتانة الشدة قوله عليه السلام و جنبه المكين لعل المراد بالجنب الجانب و الناحية و هو عليه السلام الناحية التي أمر الله الخلق بالتوجه إليه و الجنب يكون بمعنى الأمير و هو مناسب و يحتمل أن يكون كناية عن أن قرب الله تعالى لا يحصل إلا بالتقرب بهم كما أن من أراد القرب من الملك يجلس بجنبه و يؤيده ما - 5- رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْكَلَامِ لَيْسَ شَيْءٌ أَقْرَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ رَسُولِهِ وَ لَا أَقْرَبَ إِلَى رَسُولِهِ مِنْ وَصِيِّهِ. فهو في القرب كالجنب و قد بين الله تعالى ذلك في كتابه في قوله أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتى عَلى ما فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ يعني في ولاية أوليائه الخبر و المكانة المنزلة عند الملك قوله عليه السلام و كلمته الباقية إشارة إلى قوله تعالى وَ جَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً فِي عَقِبِهِ و قد مضت الأخبار في أن المراد بالكلمة هي الإمامة و بالعقب هو الأئمة عليهم السلام ففي الكلام تقدير مضاف و الثاقب المضيء قوله عليه السلام و بالنور العاقب أي الآتي بعد الرسول ص و خليفته. قال الفيروزآبادي و الجزري العاقب الذي يخلف من كان قبله في الخير قوله عليه السلام لا يأتي عليها أي لا يذهبها و يفنيها يقال أتى عليه الدهر أي أهلكه و استأصله. ثم اعلم أنه لا يظهر من الأخبار المسندة التي قدمناها كون الأربع ركعات لآدم و نوح بل بعضها يدل على خلاف ذلك كما عرفت.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٩٧ - الصفحة ٣١٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بحار الأنوار - ج ١٠٠ - الصفحة ٣٥٧. — الإمام الصادق عليه السلام
قَالَ الصَّادِقُ
عليه السلام إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ- ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا- وَرِثَتْهُ وَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ- فَإِنْ طَلَّقَهَا وَ هِيَ حُبْلَى- ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا وَرِثَتْهُ وَ اعْتَدَّتْ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ- إِنْ وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا- قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ- لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ- فَإِنْ مَضَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ- وَ لَمْ تَضَعْ مَا فِي بَطْنِهَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا- حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا . 2 فس، تفسير القمي العدة على اثنتين و عشرين وجها- فالمطلقة تعتد ثلاثة قروء- و الأقراء هو اجتماع الدم في الرحم- و العدة الثانية إذا لم تكن تحيض- فثلاثة أشهر بيض- و إذا كانت تحيض في الشهر و الأقل و الأكثر- و طلقت ثم حاضت- قبل أن يأتي لها ثلاثة أشهر بيض حيضة واحدة- فلا تبين من زوجها إلا بالحيض- و إن مضى ثلاثة أشهر لها و لم تحض- فإنها تبين بالأشهر البيض- و إن حاضت قبل أن تمضي لها ثلاثة أشهر- فإنها تبين بالدم- و المطلقة التي ليس للزوج عليها رجعة- لا تبين حتى تطهر من الدم الثالث- و المطلقة الحامل لا تبين حتى تضع ما في بطنها- فإن طلقها اليوم و وضعت من الغد فقد بانت- و المتوفى عنها زوجها الحامل تعتد بأبعد الأجلين- فإن وضعت قبل أن تمضي لها أربعة أشهر و عشرا- فلتتم أربعة أشهر و عشرا- فإن مضى لها أربعة أشهر و عشرا و لم تضع- فعدتها إلى أن تضع- و المطلقة و زوجها غائب تعتد من يوم طلقها- إذا شهد عندها شهود عدل أنه طلقها في يوم معروف- تعتد من ذلك اليوم- فإن لم يشهد عندها أحد- و لم تعلم أي يوم طلقها تعتد من يوم يبلغها- و المتوفى عنها زوجها- و هو غائب تعتد من يوم يبلغها- و التي لم يدخل بها زوجها- ثم طلقها فلا عدة عليها- فإن مات عنها و لم يدخل بها- تعتد أربعة أشهر و عشرا- و العدة على الرجال أيضا- إذا كان له أربع نسوة و طلق إحداهن- لم يحل له أن يتزوج- حتى تعتد التي طلقها- و إذا أراد أن يتزوج أخت امرأته- لم تحل له حتى يطلق امرأته- و تعتد ثم يتزوج أختها- و المتوفى عنها زوجها تعتد حيث شاءت- و المطلقة التي ليس للزوج عليها رجعة- تعتد حيث شاءت- و لا تبيت عن بيتها- و التي للزوج عليها رجعة- لا تعتد إلا في بيت زوجها- و تراه و يراها ما دامت في العدة- و عدة الأمة إذا كانت تحت الحر شهران و خمسة أيام- و عدة المتعة خمسة و أربعون يوما- و عدة السبي استبراء الرحم- فهذه وجوه العدة.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ١٠١ - الصفحة ١٨١. — الإمام الصادق عليه السلام
الْهِدَايَةُ، قَالَ الصَّادِقُ
عليه السلام إِذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ- ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا- وَرِثَتْهُ وَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ- فَإِنْ طَلَّقَهَا وَ هِيَ حُبْلَى- ثُمَّ مَاتَ عَنْهَا وَرِثَتْهُ وَ اعْتَدَّتْ بِأَبْعَدِ الْأَجَلَيْنِ- إِنْ وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا- قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ- لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ- فَإِنْ مَضَى أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ- وَ لَمْ تَضَعْ مَا فِي بَطْنِهَا لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا- حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا. 2 فس، تفسير القمي العدة على اثنتين و عشرين وجها- فالمطلقة تعتد ثلاثة قروء- و الأقراء هو اجتماع الدم في الرحم- و العدة الثانية إذا لم تكن تحيض- فثلاثة أشهر بيض- و إذا كانت تحيض في الشهر و الأقل و الأكثر- و طلقت ثم حاضت- قبل أن يأتي لها ثلاثة أشهر بيض حيضة واحدة- فلا تبين من زوجها إلا بالحيض- و إن مضى ثلاثة أشهر لها و لم تحض- فإنها تبين بالأشهر البيض- و إن حاضت قبل أن تمضي لها ثلاثة أشهر- فإنها تبين بالدم- و المطلقة التي ليس للزوج عليها رجعة- لا تبين حتى تطهر من الدم الثالث- و المطلقة الحامل لا تبين حتى تضع ما في بطنها- فإن طلقها اليوم و وضعت من الغد فقد بانت- و المتوفى عنها زوجها الحامل تعتد بأبعد الأجلين- فإن وضعت قبل أن تمضي لها أربعة أشهر و عشرا- فلتتم أربعة أشهر و عشرا- فإن مضى لها أربعة أشهر و عشرا و لم تضع- فعدتها إلى أن تضع- و المطلقة و زوجها غائب تعتد من يوم طلقها- إذا شهد عندها شهود عدل أنه طلقها في يوم معروف- تعتد من ذلك اليوم- فإن لم يشهد عندها أحد- و لم تعلم أي يوم طلقها تعتد من يوم يبلغها- و المتوفى عنها زوجها- و هو غائب تعتد من يوم يبلغها- و التي لم يدخل بها زوجها- ثم طلقها فلا عدة عليها- فإن مات عنها و لم يدخل بها- تعتد أربعة أشهر و عشرا- و العدة على الرجال أيضا- إذا كان له أربع نسوة و طلق إحداهن- لم يحل له أن يتزوج- حتى تعتد التي طلقها- و إذا أراد أن يتزوج أخت امرأته- لم تحل له حتى يطلق امرأته- و تعتد ثم يتزوج أختها- و المتوفى عنها زوجها تعتد حيث شاءت- و المطلقة التي ليس للزوج عليها رجعة- تعتد حيث شاءت- و لا تبيت عن بيتها- و التي للزوج عليها رجعة- لا تعتد إلا في بيت زوجها- و تراه و يراها ما دامت في العدة- و عدة الأمة إذا كانت تحت الحر شهران و خمسة أيام- و عدة المتعة خمسة و أربعون يوما- و عدة السبي استبراء الرحم- فهذه وجوه العدة. أقول قد مضى بعضها في باب الطلاق.
بحار الأنوار - ج ١٠١ - الصفحة ١٨١. — الإمام الصادق عليه السلام
المحاسن - ج ٢ - الصفحة ٤١٦. — الإمام الصادق عليه السلام
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زرارة قال: قلت لابي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفة الامام منكم واجبة على جميع الخلق؟ فقال: إن الله عزوجل بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) إلى الناس أجمعين رسولا و حجة لله على جميع خلقه في أرضه، فمن آمن بالله وبمحمد رسول الله واتبعه وصدقه فإن معرفة الامام منا واجبة عليه، ومن لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يتبعه ولم يصدقه ويعرف حقهما فكيف يجب عليه معرفة الامام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقهما؟! قال: قلت: فما تقول فيمن يؤمن بالله ورسوله ويصدق رسوله في جميع ما أنزل الله، يجب على اولئك حق معرفتكم؟ قال: نعم أليس هؤلاء يعرفون فلانا وفلانا قلت: بلى، قال: أترى أن الله هو الذي أوقع في قلوبهم معرفة هؤلاء؟ والله ما أوقع ذلك في قلوبهم إلا الشيطان، لا والله ما ألهم المؤمنين حقنا إلا اله عزوجل.
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ١٨٠. — الإمام الباقر عليه السلام
الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن اورمة ومحمد بن عبدالله، عن علي بن حسان، عن عبدالرحمن بن كثير، عن أبي عبدالله ( عليه السلام قال
قال أبوجعفر (عليه السلام): دخل أبوعبدالله الجدلي على أمير المؤمنين فقال (عليه السلام): يا أبا عبدالله ألا اخبرك بقول الله عزوجل: " من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون * ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون "؟ قال: بلى يا أمير المؤمنين جعلت فداك، فقال: الحسنة معرفه الولاية وحبنا أهل البيت والسيئة إنكار الولاية وبغضنا أهل البيت، ثم قرأ عليه هذه الآية.
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ١٨٥. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
علي بن محمد، عن سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القندي، عن سماعة قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام) في قول الله
عزوجل: " فكيف إذا جئنا من كل امة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " قال: نزلت في امة محمد (صلى الله عليه وآله) خاصة، في كل قرن منهم إمام منا شاهد عليهم ومحمد (صلى الله عليه وآله) شاهد علينا.
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ١٩٠. — غير محدد
الحسين بن محمد الاشعري، عن معلى بن محمد عن أحمد بن محمد، عن الحارث ابن جعفر، عن علي بن إسماعيل بن يقطين، عن عيسى بن المستفاد أبي موسى الضرير قال: حدثني موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال
قلت لابي عبدالله: أليس كان أمير المؤمنين (عليه السلام) كاتب الوصية ورسول الله (صلى الله عليه وآله) المملي عليه وجبرئيل والملائكة المقربون (عليهم السلام) شهود؟ قال: فأطرق طويلا ثم قال: يا أبا الحسن قد كان ما قلت ولكن حين نزل برسول الله (صلى الله عليه وآله) الامر، نزلت الوصية من عند الله كتابا مسجلا، نزل به جبرئيل مع امناء الله تبارك وتعالى من الملائكة، فقال جبرئيل: يا محمد مر بإخراج من عندك إلا وصيك، ليقبضها منا وتشهدنا بدفعك إياها إليه ضامنا لها - يعني عليا (عليه السلام) - فامر النبي (صلى الله عليه وآله) بإخراج من كان في البيت ما خلا عليا (عليه السلام)، وفاطمة فيما بين الستر والباب، فقال جبرئيل: يا محمد ربك يقرئك السلام ويقول: هذا كتاب ما كنت عهدت إليك وشرطت عليك وشهدت به عليك وأشهدت به عليك ملائكتي وكفى بي يا محمد شهيدا، قال: فارتعدت مفاصل النبي (صلى الله عليه وآله) فقال يا جبرئيل ربي هو السلام ومنه السلام. وإليه يعود السلام صدق عزوجل وبر، هات الكتاب، فدفعه إليه وأمره بدفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له: أقرأه، فقرأه حرفا حرفا، فقال: يا علي! هذا عهد ربي تبارك وتعالى إلي شرطه علي وأمانته وقد بلغت ونصحت وأديت، فقال علي (عليه السلام) وأنا أشهد لك [بأبي وامي أنت] بالبلاغ والنصيحة والتصديق على ما قلت ويشهد لك به سمعي وبصري ولحمي ودمي، فقال: جبرئيل (عليه السلام): وأنا لكما على ذلك من الشاهدين، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أخذت وصيتي وعرفتها وضمنت لله ولي الوفاء بما فيها، فقال علي (عليه السلام): نعم بأبي أنت وامي علي ضمانها وعلي الله عوني وتوفيقي على أدائها، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي إني اريد ان اشهد عليك بموافاتي بها يوم القيامة. فقال علي (عليه السلام) نعم أشهد، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): إن جبرئيل وميكائيل فيما بيني وبينك الآن وهما حاضران معهما الملائكة المقربون لاشهدهم عليك، فقال: نعم ليشهدوا وأنا - بأبي أنت وامي - اشهدهم، فأشهدهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان فيما اشترط عليه النبي بأمر جبرئيل (عليه السلام) فيما أمر الله عزوجل أن قال له: يا علي تفي بما فيها من موالاة من والى الله ورسوله والبراءة والعداوة لمن عادى الله ورسوله والبرائة منهم على الصبر منك [و] على كظم الغيظ وعلى ذهاب حقي وغصب خمسك وانتهاك حرمتك؟ فقال: نعم يا رسول الله فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد سمعت جبرئيل (عليه السلام) يقول للنبي: يا محمد عرفه أنه ينتهك الحرمة وهي حرمة الله وحرمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى أن تخضب لحيته من رأسه بدم عبيط قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فصعقت حين فهمت الكلمة من الامين جبرئيل حتى سقطت على وجهي وقلت: نعم قبلت ورضيت وإن انتهكت الحرمة وعطلت السنن ومزق الكتاب وهدمت الكعبة وخضبت لحيتي من رأسي بدم عبيط صابرا محتسبا أبدا حتى أقدم عليك، ثم دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة والحسن والحسين وأعلمهم مثل ما أعلم أمير المؤمنين، فقالوا مثل قوله فختمت الوصية بخواتيم من ذهب، لم تمسه النار ودفعت إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقلت لابي الحسن (عليه السلام): بأبي أنت وامي ألا تذكر ما كان في الوصية؟ فقال: سنن الله وسنن رسوله، فقلت: أكان في الوصية توثبهم وخلافهم على أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ فقال: نعم والله شيئا شيئا، وحرفا حرفا، أما سمعت قول الله عزوجل: " إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين "؟ والله لقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) لامير المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام): أليس قد فهمتما ما تقدمت به إليكما وقبلتماه؟ فقالا: بلى وصبرنا على ما ساء نا وغاظنا. " وفي نسخة الصفواني زيادة: علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن عبدالرحمن الاصم، عن أبي عبدالله البزاز، عن حريز قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): جعلت فداك ما أقل بقاء كم أهل البيت وأقرب آجالكم بعضها من بعض مع حاجة الناس إليكم؟! فقال: إن لكل واحد منا صحيفة فيها ما يحتاج إليه أن يعمل به في مدته، فإذا انقضى ما فيها مما امر به عرف أن أجله قد حضر فأتاه النبي (صلى الله عليه وآله) ينعى إليه نفسه وأخبره بما له عند الله وإن الحسين (عليه السلام) قرأ صحيفته التي أعطيها، وفسر له ما يأتي بنعي وبقي فيها أشياء لم تقض، فخرج للقتال وكانت تلك الامور التي بقيت أن الملائكة سألت الله في نصرته فأذن لها ومكثت تستعد للقتال وتتأهب لذلك حتى قتل فنزلت وقد انقطعت مدته وقتل (عليه السلام)، فقالت الملائكة: يا رب أذنت لنا في الانحدار وأذنت لنا في نصرته، فانحدرنا وقد قبضته، فأوحى الله إليهم: أن الزموا قبره حتى تروه وقد خرج فانصروه وابكوا عليه وعلى ما فاتكم من نصرته فإنكم قد خصصتم بنصرته وبالبكاء عليه، فبكت الملائكة تعزيا وحزنا على ما فاتهم من نصرته، فإذا خرج يكونون أنصاره ".
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٢٨١. — الإمام الكاظم عليه السلام
علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس وعلي بن محمد، عن سهل ابن زياد أبي سعيد، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن ابن مسكان، عن أبي بصير قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن قول الله
عزوجل: " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم " فقال: نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين (عليهم السلام): فقلت له: إن الناس يقولون: فما له لم يسم عليا وأهل بيته (عليهم السلام) في كتاب الله عز و جل؟ قال: فقال: قولوا لهم: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزلت عليه الصلاة ولم يسم الله لهم ثلاثا ولا أربعا، حتى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهما درهم، حتى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي فسر ذلك لهم، ونزل الحج فلم يقل لهم: طوفوا اسبوعا حتى كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت " أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم " - ونزلت في علي والحسن والحسين - فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): في علي: من كنت مولاه، فعلي مولاه، وقال (صلى الله عليه وآله) اوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإني سألت الله عزوجل أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما علي الحوض، فأعطاني ذلك وقال: لا تعلموهم فهم أعلم منكم، وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة، فلو سكت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يبين من أهل بيته، لادعاها آل فلان وآل فلان، لكن الله عزوجل أنزله في كتابة تصديقا لنبيه (صلى الله عليه وآله) " إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا " فكان علي والحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام)، فأدخلهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت الكساء في بيت أم سلمة، ثم قال: اللهم إن لكل نبي أهلا وثقلا وهؤلاء أهل بيتي وثقلي، فقالت ام سلمة: ألست من أهلك؟ فقال: إنك إلى خير ولكن هؤلاء أهلي وثقلي، فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان علي أولى الناس بالناس لكثرة ما بلغ فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإقامته للناس وأخذه بيده، فلما مضى علي لم يكن يستطيع علي ولم يكن ليفعل أن يدخل محمد بن علي ولا العباس بن علي ولا واحدا من ولده إذا لقال الحسن والحسين: إن الله تبارك وتعالى أنزل فينا كما أنزل فيك فأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك وبلغ فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما بلغ فيك وأذهب عنا الرجس كما أذهبه عنك، فلما مضى علي (عليه السلام) كان الحسن (عليه السلام) أولى بها لكبره، فلما توفي لم يستطع أن يدخل ولده ولم يكن ليفعل ذلك والله عزوجل يقول: " واولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله " فيجعلها في ولده إذا لقال الحسين أمر الله بطاعتي كما أمر بطاعتك و طاعة أبيك وبلغ في رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما بلغ فيك وفي أبيك وأذهب الله عني الرجس كما أذهب عنك وعن أبيك، فلما صارت إلى الحسين (عليه السلام) لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدعي عليه كما كان هو يدعي على أخيه وعلى أبيه، لو أرادا أن يصرفا الامر عنه ولم يكونا ليفعلا ثم صارت حين أفضت إلى الحسين (عليه السلام) فجرى تأويل هذه الآية " واولوا الارحام بعضهم اولى ببعض في كتاب الله " ثم صارت من بعد الحسين لعلي بن الحسين، ثم صارت من بعد علي بن الحسين إلى محمد بن علي (عليه السلام). وقال: الرجس هو الشك، والله لا نشك في ربنا أبدا. محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن خالد والحسين بن سعيد عن النضر بن سويد، عن يحيى بن عمران الحلبي، عن أيوب بن الحر وعمران بن علي الحلبي، عن أبي بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) مثل ذلك.
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٢٨٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد ومحمد بن الحسين جميعا، عن محمد بن إسماعيل ابن بزيع، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر ( عليه السلام قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول
فرض الله عزوجل على العباد خمسا، أخذوا أربعا وتركوا واحدا، قلت: أتسميهن لي جعلت فداك؟ فقال: الصلاة وكان الناس لا يدرون كيف يصلون، فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: يا محمد أخبرهم بمواقيت صلاتهم، ثم نزلت الزكاة فقال: يا محمد أخبرهم من زكاتهم ما أخبرتهم من صلاتهم، ثم نزل الصوم فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذا كان يوم عاشورا بعث إلى ما حوله من القرى فصاموا ذلك اليوم فنزل شهر رمضان بين شعبان وشوال، ثم نزل الحج فنزل جبرئيل (عليه السلام) فقال: أخبرهم من حجهم ما أخبرتهم من صلاتهم وزكاتهم وصومهم. ثم نزلت الولاية وإنما أتاه ذلك في يوم الجمعة بعرفة، أنزل الله عزوجل " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي " وكان كمال الدين بولاية علي ابن أبي طالب (عليه السلام) فقال عند ذلك رسول الله (صلى الله عليه وآله): امتي حديثوا عهد بالجاهلية ومتى أخبرتهم بهذا في ابن عمي يقول قائل، ويقول قائل - فقلت في نفسي من غير أن ينطق به لساني - فأتتني عزيمة من الله عزوجل بتلة أوعدني إن لم ابلغ أن يعذبني، فنزلت " يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس إن الله لا يهدي القوم الكافرين " فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيد علي (عليه السلام) فقال: أيها الناس إنه لم يكن نبي من الانبياء ممن كان قبلي إلا وقد عمره الله، ثم دعاه فأجابه، فاوشك أن ادعى فاجيب وأنا مسؤول وأنتم مسؤولون فما ذا أنتم قائلون؟ فقالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت، وأديت ما عليك فجزاك الله أفضل جزاء المرسلين، فقال: اللهم اشهد - ثلاث مرات - ثم قال: يا معشر المسلمين هذا وليكم من بعدي فليبلغ الشاهد منكم الغائب. قال أبوجعفر (عليه السلام): كان والله [علي (عليه السلام) ] أمين الله على خلقه وغيبه ودينه الذي ارتضاه لنفسه، ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حضره الذي حضر، فدعا عليا فقال: يا علي إني اريد أن أئتمنك على ما ائتمنني الله عليه من غيبه وعلمه ومن خلقه ومن دينه الذي ارتضاه لنفسه فلم يشرك والله فيها يا زياد أحدا من الخلق ثم إن عليا (عليه السلام) حضره الذي حضره فدعا ولده وكانوا اثنا عشر ذكرا فقال لهم: يا بني إن الله عزوجل قد أبى إلا أن يجعل في سنة من يعقوب وإن يعقوب دعا ولده وكانوا اثنا عشر ذكرا، فأخبرهم بصاحبهم، ألا وإني أخبركم بصاحبكم، إلا إن هذين ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) الحسن والحسين (عليهما السلام) فاسمعوا لهما وأطيعوا، ووازروهما فإني قد ائتمنتهما على ما ائتمنني عليه رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما ائتمنه الله عليه من خلقه ومن غيبه ومن دينه الذي ارتضاه لنفسه، فأوجب الله لهما من علي (عليه السلام) ما أوجب لعلي (عليه السلام) من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يكن لاحد منهما فضل على صاحبه إلا بكبره، وإن الحسين كان إذ حضر الحسن لم ينطق في ذلك المجلس حتى يقوم، ثم إن الحسن (عليه السلام) حضره الذي حضره فسلم ذلك إلى الحسين (عليه السلام)، ثم إن حسينا حضره الذي حضره فدعا ابنته الكبرى فاطمة - بنت الحسين (عليه السلام) - فدفع إليها كتابا ملفوفا ووصية ظاهرة و كان علي بن الحسين (عليه السلام) مبطونا لا يرون إلا أنه لما به، فدفعت فاطمة الكتاب إلى علي بن الحسين ثم صار والله ذلك الكتاب إلينا. الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن منصور بن يونس، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام) مثله.
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٢٩٠. — الإمام الباقر عليه السلام
محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل، عن منصور بن يونس، عن زيد بن الجهم الهلالي، عن أبي عبدالله ( عليه السلام قال
سمعته يقول: لما نزلت ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام) وكان من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): سلموا على علي بإمرة المؤمنين، فكان مما أكد الله عليهما في ذلك اليوم يا زيد قول رسول صلى الله عيله وآله لهما: قوما فسلما عليه بإمرة المؤمنين فقالا أمن الله أو من رسوله يا رسول الله؟ فقال لهما رسول الله (صلى الله عليه وآله): من الله ومن رسوله، فأنزل الله عزوجل " ولا تنقضوا الايمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون " يعني به قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) لهما وقولهما أمن الله أو من رسوله " ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون " أئمة هي أزكى من أئمتكم، قال: قلت: جعلت فداك أئمة؟ قال: إي والله أئمة قلت: فانا نقرء أربى، فقال: ما أربى؟ وأومأ بيده فطرحها - " إنما يبلوكم الله به (يعني بعلي (عليه السلام) ) وليبينن لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون * لو شاء الله لجعلكم امة واحدة ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولتسألن يوم القيامة عما كنتم تعملون * ولا تتخذوا أيمانكم دخلا بينكم فتزل قدم بعد ثبوتها (يعني بعد مقالة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام) ) وتذوقوا السوء بما صددتم عن سبيل الله (يعني به عليا (عليه السلام) ) ولكم عذاب عظيم ".
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٢٩٢. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن أبي نهشل قال: حدثني محمد بن إسماعيل، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول
إن الله خلقنا من أعلى عليين وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا، وخلق أبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إلينا، لانها خلقت مما خلقنا، ثم تلا هذه الآية: " كلا إن كتاب الابرار لفي عليين * وما أدراك ما عليون * كتاب مرقوم يشهده المقربون " و خلق عدونا من سجين وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه، وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم، لانها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية: " كلا إن كتاب الفجار لفي سجين * وما أدراك ما سجين * كتاب مرقوم ".
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٣٩٠. — الإمام الباقر عليه السلام
الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله
عزوجل: " ومن يطع الله ورسوله (في ولاية علي [وولاية] الائمة من بعده) فقد فاز فوزا عظيما " هكذا نزلت.
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٤١٤. — غير محدد
الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن اورمة وعلي بن عبدالله، عن علي بن حسان، عن عبدالرحمن بن كثير، عن أبي عبدالله ( عليه السلام قال
نزلت في فلان وفلان وفلان، آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله) في أول الامر وكفروا حيث عرضت عليهم الولاية، حين قال النبي (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه فهذا علي مولاه، ثم آمنو بالبيعة لامير المؤمنين (عليه السلام) ثم كفروا حيث مضى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلم يقروا بالبيعة، ثم ازدادوا كفرا بأخذهم من بايعه بالبيعة لهم فهؤلاء لم يبق فيهم من الايمان شئ.
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٤٢٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وبهذا الاسناد، عن أبي عبدالله ( عليه السلام قال
وا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الامر " قال: نزلت والله فيهما وفي أتباعهما وهو قول الله عزوجل الذي نزل به جبرئيل (عليه السلام) على محمد (صلى الله عليه وآله): " ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله (في علي (عليه السلام) ) سنطيعكم في بعض الامر " قال: دعوا بني امية إلى ميثاقهم ألا يصيروا الامر فينا بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ولا يعطونا من الخمس شيئا وقالوا إن أعطيناهم إياه لم يحتاجوا إلى شئ، ولم يبالوا أن يكون الامر فيهم، فقالوا: سنطيعكم في بعض الامر الذي دعوتمونا إليه وهو الخمس ألا نعطيهم منه شيئا وقوله " كرهوا ما نزل الله " والذي نزل الله ما افترض على خلقه من ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان معهم أبوعبيدة وكان كاتبهم، فأنزل الله " أم أبرموا أمرا فإنا مبرمون * أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم - الآية -.
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٤٢٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله
عزوجل: " فستعلمون من هو في ضلال مبين " يا معشر المكذبين حيث أنبأتكم رسالة ربي في ولاية علي (عليه السلام) و الائمة (عليهم السلام) من بعده، من هو في ضلال مبين؟ كذا انزلت وفي قوله تعالى: " إن تلووا أو تعرضوا " فقال: إن تلووا الامر وتعرضوا عما امرتم به " فإن الله كان بما تعملون خبيرا " وفي قوله: " فلنذيقن الذين كفروا (بتركهم ولاية امير المؤمنين (عليه السلام) ) عذابا شديدا (في الدنيا) ولنجزينهم أسوأ الذي كانوا يعملون ".
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٤٢١. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
وبهذا الاسناد، عن عبد العظيم بن عبدالله الحسني، عن محمد بن الفضيل عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ( عليه السلام قال
نزل جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية هكذا: " إن الذين ظلموا (آل محمد حقهم) لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم خالدين فيها ابدا وكان ذلك على الله يسيرا " ثم قال: " يا أيها الناس قد جاء كم الرسول بالحق من ربكم (في ولاية علي) فآمنوا خيرا لكم وإن تكفروا (بولاية علي) فإن لله ما في السماوات وما في الارض ".
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٤٢٤. — الإمام الباقر عليه السلام
أحمد، عن عبدالعظيم، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر ( عليه السلام قال
نزل جبرئيل بهذه الآية هكذا: " فأبى أكثر الناس (بولاية علي) إلا كفورا " قال: ونزل جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية هكذا: " وقل الحق من ربكم (في ولاية علي) فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين (آل محمد) نارا ".
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٤٢٤. — الإمام الباقر عليه السلام
عدة من أصحابنا. عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حماد بن عثمان عن ابي عبيدة الحذاء قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الاستطاعة وقول الناس، فقال
وتلا هذه الآية " ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم " يا أبا عبيدة الناس مختلفون في إصابة القول وكلهم هالك، قال: قلت: قوله: " إلا من رحم ربك "؟ قال: هم شيعتنا ولرحمته خلقهم وهو قوله: " ولذلك خلقهم " يقول: لطاعة الامام، الرحمة التي يقول: " ورحمتي وسعت كل شئ " يقول: علم الامام ووسع علمه الذي هو من علمه كل شئ هم شيعتنا، ثم قال: " فسأكتبها للذين يتقون " يعني ولاية غير الامام وطاعته، ثم قال: " يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يعني النبي (صلى الله عليه وآله) والوصي والقائم " يأمرهم بالمعروف (إذا قام) وينهاهم عن المنكر " والمنكر من أنكر فضل الامام وجحده " ويحل لهم الطيبات " أخذ العلم من أهله " ويحرم عليهم الخبائث " والخبائث قول من خالف " ويضع عنهم إصرهم " وهي الذنوب التي كانوا فيها قبل معرفتهم فضل الامام " والاغلال التي كانت عليهم " والاغلال ما كانوا يقولون مما لم يكونوا امروا به من ترك فضل الامام، فلما عرفوا فضل الامام وضع عنهم إصرهم والاصر الذنب وهي الآصار، ثم نسبهم فقال: " الذين آمنوا به (يعني الامام) وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي انزل معه اولئك هم المفلحون " يعني الذين اجتنبوا الجبت والطاغوت أن يعبدوها والجبت والطاغوت فلان وفلان وفلان والعبادة طاعة الناس لهم، ثم قال: " انيبوا إلى ربكم وأسلموا له " ثم جزاهم فقال: " لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة " والامام يبشرهم بقيام القائم وبظهوره وبقتل أعدائهم وبالنجاة في الآخرة والورود على محمد - صلى الله على محمد وآله الصادقين - على الحوض.
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٤٢٩. — الإمام الباقر عليه السلام
4 محمد بن يحيى وغيره، عن أحمد بن محمد وغيره، عن محمد بن خلف، عن أبي نهشل قال: حدثني محمد بن إسماعيل، عن أبي حمزة الثمالي قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول
إن الله عزوجل خلقنا من أعلى عليين وخلق قلوب شيعتنا مما خلقنا منه وخلق أبدانهم من دون ذلك، وقلوبهم تهوي إلينا لانها خلقت مما خلقنامنه، ثم تلا هذه الآية " كلا إن كتاب الابرار لفي عليين وماأدراك ما عليون * كتاب مرقوم يشهده المقربون " وخلق عدونا من سجين وخلق قلوب شيعتهم مما خلقهم منه وأبدانهم من دون ذلك، فقلوبهم تهوي إليهم، لانها خلقت مما خلقوا منه، ثم تلا هذه الآية: " كلا إن كتاب الفجار لفى سجين وما أدراك ما سجين كتاب مرقوم ويل يومئذ للمكذبين ".
الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ٤. — الإمام الباقر عليه السلام
1 علي بن محمد، عن بعض أصحابه، عن آدم بن إسحاق، عن عبدالرزاق بن مهران، عن الحسين بن ميمون، عن محمد بن سالم، عن أبي جعفر ( عليه السلام قال
إن [ا] ناسا تكلموا في هذا القرآن بغير علم وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول: " هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب واخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله " الآية فالمنسوخات من المتشابهات ; والمحكمات من الناسخات، إن الله عز وجل بعث نوحا إلى قومه " أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون " ثم دعاهم إلى الله وحده وأن يعبدوه ولايشر كوا به شيئا، ثم بعث الانبياء (عليهم السلام) على ذلك إلى أن بلغوا محمدا (صلى الله عليه وآله) فدعاهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشر كوا به شيئا وقال: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفر قوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه، الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب " فبعث الانبياء إلى قومهم بشهادة أن لا إله إلا الله والاقرار بما جاء [به] من عند الله فمن آمن مخلصا ومات على ذلك أدخله الله الجنة بذلك وذلك أن الله ليس بظلام للعبيد وذلك أن الله لم يكن يعذب عبدا حتى يغلظ عليه في القتل والمعاصي التي أوجب الله عليه وبها النار لمن عمل بها، فلما استجاب لكل نبي من استجاب له من قومه من المؤمنين، جعل لكل نبي منهم شرعة ومنهاجا والشرعة و المنهاج سبيل وسنة وقال الله لمحمد (صلى الله عليه وآله): " إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده " وأمر كل نبي بالاخذ بالسبيل والسنة وكان من السنة و السبيل التي أمر الله عزوجل بها موسى (عليه السلام) أن جعل الله عليهم السبت وكان من أعظم السبت ولم يستحل أن يفعل ذلك من خشية الله، أدخله الله الجنة ومن استخف بحقه واستحل ما حرم الله عليه من عمل الذي نهاه الله عنه فيه، أدخله الله عزوجل النار وذلك حيث استحلوا الحيتان واحتبسوها وأكلوها يوم السبت، غضب الله عليهم من غير أن يكونوا أشر كوا بالرحمن ولا شكوا في شئ مما جاء به موسى (عليه السلام)، قال الله عزوجل: " ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين " ثم بعث الله عيسى (عليه السلام) بشهادة أن لاإله إلا الله والاقرار بما جاء به من عندالله وجعل لهم شرعة ومنهاجا فهدمت السبت الذي امروا به أن يعظموه قبل ذلك وعامة ما كانوا عليه من السبيل والسنة التي جاء بها موسى فمن لم يتبع سبيل عيسى أدخله الله النار وإن كان الذي جاء به النبيون جميعا أن لا يشركوا بالله شيئا، ثم بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله) و هو بمكة عشر سنين فلم يمت بمكة في تلك العشر سنين أحد يشهد أن لا إله إلاالله و أن محمدا (صلى الله عليه وآله) رسول الله إلا أدخله الله الجنة باقراره وهو إيمان التصديق ولم يعذب الله أحدا ممن مات وهو متبع لمحمد (صلى الله عليه وآله) على ذلك إلا من أشرك بالرحمن وتصديق ذلك أن الله عزوجل أنزل عليه في سورة بني إسرائيل بمكة " وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إلى قوله تعالى إنه كان بعباده خبيرا بصيرا " أدب وعظة وتعليم ونهي خفيف ولم يعد عليه ولم يتواعد على اجتراح شئ مما نهى عنه وأنزل نهيا عن أشياء حذر عليها ولم يغلظ فيها ولم يتواعد عليها وقال: " ولا تقتلوا أولاد كم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم إن قتلهم كان خطئا كبيرا ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا * ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأو فوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا * وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم ذلك خير وأحسن تأويلا * ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل اولئك كان عنه مسؤولا * ولا تمش في الارض مرحا إنك لن تخرق الارض ولن تبلغ الجبال طولا * كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها * ذلك مما أوحى إليك ربك من الحكمة ولا تجعل مع الله إلها آخر فتلفى في جهنم ملوما مدحورا " وأنزل في " والليل إذا يغشى " " فأنذرتكم نارا تلظى * لا يصليها إلا الاشقى الذي كذب وتولى " فهذا مشرك وأنزل في " " إذا السماء انشقت " وأما من اوتي كتابه وراء ظهره. فسوف يدعو ثبورا. ويصلى سعيرا * إنه كان في أهله مسرورا * إنه ظن أن لن يحور بلى " فهذا مشرك وأنزل في [سورة] تبارك " كلما القي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالو بلى قد جاء نا نذير فكذبنا وقلنا: ما نزل الله من شئ " فهؤلاء مشركون وأنزل في الواقعة " وأما إن كان من المكذبين الضالين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم " فهؤلاء مشركون وأنزل في الحاقة " وأما من اوتي كتابه بشماله فيقول ياليتني لم اوت كتابيه ولم أدر ما حسابيه * ياليتها كان القاضية * ما أغنى عني ماليه إلى قوله إنه كان لايؤمن بالله العظيم " فهذا مشرك، وأنزل في طسم " وبرزت الجحيم للغاوين * وقيل لهم أينما كنتم تعبدون من دون الله هل ينضرونكم أو ينتصرون * فكبكوا فيهاهم والغاوون * وجنود إبليس أجمعون " جنود إبليس ذريته من الشياطين وقوله: " وما أضلنا إلا المجرمون " يعني المشركين الذين اقتدوابهم هؤلاء فاتبعوهم على شركهم وهم قوم محمد (صلى الله عليه وآله) ليس فيهم من اليهود والنصارى أحد وتصديق ذلك قول الله عزوجل: " كذبت قبلهم قوم نوح " " كذب أصحاب الايكة " " كذبت قوم لوط " ليس فيهم اليهود الذين قالوا: عزير ابن الله ولا النصارى الذين قالوا: المسيح ابن الله، سيدخل الله اليهود والنصارى النار ويدخل كل قوم بأعمالهم ; وقولهم: وما أضلنا إلا المجرمون " إذ دعونا إلى سبيلهم ذلك قول الله عزوجل فيهم حين جمعهم إلى النار: " قالت اوليهم لا خريهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار " وقوله: " كلما دخلت امة لعنت اختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا " برى ء بعضهم من بعض ولعن بعضهم بعضا، يريد بعضهم أن يحج بعضا رجاء الفلج فيفلتوا من عظيم ما نزل بهم وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا قبول معذرة ولات حين نجاة والايات وأشباههن مما نزل له بمكة ولا يدخل الله النار إلا مشركا، فلما أذن الله لمحمد (صلى الله عليه وآله) في الخروج من مكة إلى المدينة بني الاسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا (صلى الله عليه وآله) عبده ورسوله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البت وصيام شهر رمضان وأنزل عليه الحدود وقسمة الفرائض وأخبره بالمعاصي التي أوجب الله عليها وبها النار لمن عمل بها وأنزل في بيان القاتل " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدله عذابا عظيما " ولا يلعن الله مؤمنا قال الله عزوجل: " إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا * خالدين فيها أبدا لايجدون وليا ولا نصيرا " وكيف يكون في المشيئة وقد ألحق به حين جزاه جهنم الغضب واللعنة وقدبين ذلك من الملعونون في كتابه وأنزل في مال اليتيم من أكله ظلما " إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا " وذلك أن آكل مال اليتيم يجيئ يوم القيامه والنار تلتهب في بطنه حتى يخرج لهب النار من فيه حتى يعرفه كل أهل الجمع أنه آكل مال اليتيم وأنزل في الكيل " ويل للمطففين " ولم يجعل الويل لاحد حتى يسميه كافرا، قال الله عزوجل: " فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم " وأنزل في العهد " إن الذين يشترون بعهدالله وأيمانهم ثمنا قليلا اولئك لاخلاق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولايزكيهم ولهم عذاب أليم " والخلاق: النصيب، فمن لم يكن له نصيب في الآخرة فبأي شئ يدخل الجنة وأنزل بالمدينة " الزاني لاينكح ألا زانية أو مشركة والزانية لاينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين " فلم يسم الله الزاني مؤمنا ولا الزانية مؤمنة وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليس يمتري فيه أهل العلم أنه قال: لايزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن فانه إذا فعل ذلك خلع عنه الايمان كخلع القميص، ونزل بالمدينة " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلد وهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا واولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم " فبرأه الله ما كان مقيما على الفرية من أن يسمى بالايمان، قال الله عزوجل: أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لايستوون " وجعله الله منافقا، قال الله عزوجل: " إن المنافقين هم الفاسقون " وجعله عزوجل من أولياء إبليس، قال: " إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " وجعله ملعونا فقال: " إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون " وليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب، فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال الله عزوجل: " فأما من اوتي كتاب بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا " وسورة النور انزلت بعد سورة النساء وتصديق ذلك أن الله عزوجل أنزل عليه في سورة النساء " واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكو هن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أويجعل الله لهن سبيلا " والسبيل الذي قال الله عزوجل: " سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون * الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذ كم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ".
الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ٢٨. — الإمام الباقر عليه السلام
7 عنه، عن محمد بن علي، عن عمر بن جبلة الاحمسي، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر ( عليه السلام قال: قال رسول الله
(صلى الله عليه وآله): المتحابون في الله يوم القيامة على أرض زبر جدة خضراء، في ظل عرشه عن يمينه وكلتا يديه يمين وجوههم أشد بياضا وأضوء من الشمس الطالعة، يغبطهم بمنزلتهم كل ملك مقرب وكل نبي مرسل، يقول الناس: من هؤلاء؟ فيقال: هؤلاء المتحابون في الله.
الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ١٢٦. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
10 علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة قال: قيل لابي عبدالله (عليه السلام): إن الناس يروون أن عليا (عليه السلام) قال
على منبر الكوفة: أيهاالناس إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني، ثم تدعون إلى البراءة مني فلا تبرؤ وامني، فقال: ما أكثر ما يكذب الناس على علي (عليه السلام)، ثم قال: إنما قال: إنكم ستدعون إلى سبي فسبوني، ثم ستدعون إلى البراءة مني وإني لعلى دين محمد ; ولم يقل: لا تبرؤ وامني. فقال له السائل: أرأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال: والله ما ذلك عليه وماله إلا ما مضى عليه عمار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكة وقلبه مطمئن بالايمان، فأنزل الله عزوجل فيه " إلا من اكره وقلبه مطمئن بالايمان " فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) عندها: يا عمار إن عادوا فعد فقد أنزل الله عزوجل عذرك وأمرك أن تعود إن عادوا.
الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ٢١٩. — غير محدد
23 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عبدالرحمن بن حماد الكوفي، عن عمرو بن مصعب، عن فرات بن الاحنف، عن أبي عبدالله ( عليه السلام قال
مهما تركت من شئ فلا تترك أن تقول في كل صباح ومساء: " اللهم إني اصبحت أستغفرك في هذا الصباح وفي هذا اليوم لاهل رحمتك وأبرأ إليك من أهل لعنتك اللهم إني أصبحت أبرأإليك في هذا اليوم وفي هذا الصباح ممن نحن بين ظهرانيهم من المشركين ومما كانوا يعبدون، إنهم كانوا قوم سوء فاسقين، اللهم اجعل ما أنزلت من السماء إلى الارض في هذا الصباح وفي هذا اليوم بركة على أوليائك و عقابا على أعدائك، اللهم وال من والاك وعاد من عاداك، اللهم اختم لي بالا من و الايمان كلما طلعت شمس أو غربت، اللهم اغفرلي ولوالدي وارحمهما كما ربياني صغيرا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الاحياء منهم والاموات اللهم إنك تعلم منقلبهم ومثواهم، اللهم احفظ إمام المسلمين بحفظ الايمان و انصره نصرا عزيزا وافتح له فتحا يسيرا واجعل له ولنا من لدنك سلطانا نصيرا، اللهم العن فلانا وفلانا والفرق المختلفة على رسولك وولاة الامر بعد رسولك والائمة من بعده وشيعتهم وأسألك الزيادة من فضلك والاقرار بما جاء من عندك والتسليم لامرك والمحافظة على ما أمرت به لا أبتغي به بدلا ولا أشتري به ثمنا قليلا، اللهم اهدني فيمن هديت وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك ولا يذل من واليت، تباركت وتعاليت، سبحانك رب البيت تقبل مني دعائي وما تقربت به إليك من خيرفضاعفه لي أضعافا [مضاعفة] كثيره وآتنا من لدنك [رحمة و] أجرا عظيما، رب ما أحسن ما ابتليتني وأعظم ما أعطيتني وأطول ما عافيتني وأكثر ما سترت علي، فلك الحمد يا إلهي كثيرا طيبا مباركا عليه، ملء السماوات وملء الارض وملء ماشاء ربي كما يحب ويرضى وكما ينبغي لوجه ربي ذي الجلال والاكرام ".
عليه السلام أَجَلْ يَا شَيْخُ مَا عَلَوْتُمْ تَلْعَةً وَ لَا هَبَطْتُمْ بَطْنَ وَادٍ إِلَّا و قوله: قال يونس، كلام محمد بن عيسى و هو تفسير لقوله (عليه السلام): من يقول كيف ذا و كيف ذا، أي كيف أجرى على يد هذا الخير و أجرى على يد هذا الشر؟ و غرض يونس أن الويل لمن أنكر كون خالق الخير و الشر هو الله تعالى بتفقهه و علمه اتكالا على عقله، و أما من سأل عن عالم ليتضح له الأمر، أو يخطر بباله من غير حدوث شك له أو يؤمن به مجملا و هو متحير في معناه، معترف بجهل معناه لقصور عقله عن فهمه فلا ويل له. باب الجبر و القدر و الأمر بين الأمرين الحديث الأول: مرفوع لكن رواه الصدوق (ره) في العيون بأسانيد عنه (عليه السلام)، و مذكور في رسالة أبي الحسن الثالث (عليه السلام) إلى أهل الأهواز، و سائر الكتب الحديثية و الكلامية، و أشار المحقق الطوسي (ره) في التجريد إليه، و رواه العلامة ( (قدس سره) ) في شرحه عن الأصبغ بن نباتة بأدنى تغيير. و صفين كسجين اسم موضع قرب الرقة شاطئ الفرات، بها الواقعة العظمى بِقَضَاءٍ مِنَ اللَّهِ وَ قَدَرٍ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ عِنْدَ اللَّهِ أَحْتَسِبُ عَنَائِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ لَهُ مَهْ يَا شَيْخُ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ عَظَّمَ اللَّهُ الْأَجْرَ فِي مَسِيرِكُمْ وَ أَنْتُمْ سَائِرُونَ وَ فِي مَقَامِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُقِيمُونَ وَ فِي مُنْصَرَفِكُمْ وَ أَنْتُمْ مُنْصَرِفُونَ وَ لَمْ تَكُونُوا فِي شَيْءٍ مِنْ حَالاتِكُمْ- مُكْرَهِينَ وَ لَا إِلَيْهِ مُضْطَرِّينَ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ وَ كَيْفَ لَمْ نَكُنْ فِي شَيْءٍ مِنْ حَالاتِنَا مُكْرَهِينَ وَ لَا إِلَيْهِ مُضْطَرِّينَ وَ كَانَ بِالْقَضَاءِ وَ الْقَدَرِ مَسِيرُنَا وَ مُنْقَلَبُنَا وَ مُنْصَرَفُنَا فَقَالَ لَهُ وَ تَظُنُّ أَنَّهُ كَانَ قَضَاءً حَتْماً وَ قَدَراً لَازِماً إِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَبَطَلَ الثَّوَابُ وَ الْعِقَابُ وَ الْأَمْرُ وَ النَّهْيُ وَ الزَّجْرُ مِنَ بين أمير المؤمنين (عليه السلام) و معاوية لعنه الله، و جثا كرمي أي جلس على ركبتيه، و قال الفيروزآبادي: التلعة، ما ارتفع من الأرض، و مسيل الماء" انتهى" و بطن الوادي أسفله، و المطمئن منه. قوله: عند الله أحتسب عنائي، العناء بالفتح و المد: التعب و النصب، و يمكن أن يكون استفهاما إنكاريا، أي كيف أحتسب أجر مشقتي عند الله و قد كنت مجبورا في فعلي؟ أو المعنى فلا نستحق شيئا، و لعل الله يعطينا بفضله من غير استحقاق للتفضل أيضا، و في رواية الأصبغ بعده: ما أرى لي من الأجر شيئا فيؤيد الثاني" فقال له: مه" أي اسكت و المسير مصدر ميمي بمعنى السير" و أنتم سائرون" أي بقدرتكم و إرادتكم المؤثرة" و في مقامكم" أي بإزاء العدو بصفين" و لم تكونوا في شيء من حالاتكم مكرهين" كما زعمته الجبرية الصرفة" و لا إليه مضطرين" كما ذهب إليه الأشاعرة كما سيأتي تحقيقهما، و لما توهم الشيخ من الجوابين التدافع و التنافي قال: فكيف لم نكن" إلى آخره" فأجاب (عليه السلام) بقوله: فتظن أنه كان قضاء حتما لا مدخل لاختيار العبد و إرادته فيه كما يقضي و يوجد الأشياء، ليس كذلك بل قضاءان يخير العبد و يكله إلى إرادته، و أيده بما يستحقه من الألطاف الخاصة حتى أتى بالفعل و قد مر أنه قد يحمل القضاء على العلم أو الثبت في الألواح السماوية، و شيء منها لا يصير سببا للجبر و القدر، اللازم هو تعلق إرادته بفعله الذي لا مدخل لإرادة الغير اللَّهِ وَ سَقَطَ مَعْنَى الْوَعْدِ وَ الْوَعِيدِ فَلَمْ تَكُنْ لَائِمَةٌ لِلْمُذْنِبِ وَ لَا مَحْمَدَةٌ لِلْمُحْسِنِ وَ لَكَانَ الْمُذْنِبُ أَوْلَى بِالْإِحْسَانِ مِنَ الْمُحْسِنِ وَ لَكَانَ الْمُحْسِنُ أَوْلَى بِالْعُقُوبَةِ مِنَ الْمُذْنِبِ فيه، و هنا ليس كذلك، ثم أبطل مذهب الجبرية و الأشاعرة بقوله: إنه لو كان كذلك لبطل الثواب و العقاب، لأن الثواب نفع مقارن للتعظيم و المحمدة، و العقاب ضرر مقارن للإهانة و اللوم، و لا يتصوران مع الجبر بمعنييه، و إلا كان سفها، ثم بقوله: و الأمر و النهي، لأنهما عبارتان عن إعلام الناس بمصالح بعض الأعمال و منافعها و بمفاسد بعضها و مضارها، ليختار العبد ما فيه المصلحة و المنفعة، و يترك ما فيه المفسدة و المضرة، و ظاهر أن ذلك الإعلام في صورة الجبر و عدم تأثير الاختيار و الإرادة سفه و عبث، تعالى عن ذلك. ثم بقوله: و الزجر من الله، و زواجر الله: بلاياه النازلة على العصاة بإزاء عصيانهم، و أحكامه في القصاص و الحدود و نحو ذلك و التقريب ظاهر مما مر. ثم بقوله: و سقط الوعد و الوعيد، أي المقصود منهما من إتيان الحسنات و ترك السيئات، لأن ذلك لا يعقل من المجبور في أفعاله، فالوعد و الوعيد سفه و عبث، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ثم بقوله (عليه السلام): فلم تكن لأئمة للمذنب و لا محمدة للمحسن، لأن المحمدة هو الثناء على الجميل الاختياري، و اللائمة ما يقابله من الذم على القبيح الاختياري و معلوم بديهة أنه لا يستحقهما المجبور. و أما قوله (عليه السلام): و لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن، و لكان المحسن أولى بالعقوبة من المذنب، فيحتمل وجوها: " الأول" أن يكون هذا متفرعا على الوجوه السابقة، أي إذا بطل الثواب و العقاب و الأمر و النهي و الزجر و الوعد و الوعيد لكان المحسن أولى" إلخ" و وجه الأولوية أنه لم يبق حينئذ إلا الإحسان و العقوبة الدنيوية، و المذنب كالسلطان القاهر الصحيح الذي يكون في غاية التنعم يأتي.......... بكل ما يشتهيه من الشرب و الزنا و القتل و القذف و أخذ أموال الناس و غير ذلك و ليس له مشقة التكاليف الشرعية و المحسن كالفقير المريض الذي يكون دائما في التعب و النصب، من التكاليف الشرعية من الإتيان بالمأمورات و الانتهاء عن المنهيات و من قلة المؤنة و تحصيل المعيشة من الحلال في غاية المشقة فحينئذ الإحسان الواقع للمذنب أكثر مما وقع للمحسن، فهو أولى بالإحسان من المحسن، و العقوبة الواقعة على المحسن أكثر مما وقع على المذنب فهو أولى بالعقوبة من المذنب. الثاني: أن يكون المعنى أنه لو فرض جريان المدح و الذم و استحقاقهما و استحقاق الإحسان و الإثابة و العقوبة و ترتبها على الأفعال الاضطرارية الخارجة عن القدرة و الاختيار، لكان المذنب أولى بالإحسان من المحسن و بالعكس، لأن في عقوبة المسيء على ذلك التقدير جمع بين إلزامه بالسيئة القبيحة عقلا، و جعله موردا لملامة العقلاء و عقوبة عليها و كل منهما إضرار و إزراء به و في أثابه المحسن جمع بين إلزامه بالحسنة الممدوحة عقلا و يصير بذلك ممدوحا عند العقلاء، و إثابته عليها و كل منهما نفع و إحسان إليه، و في خلاف ذلك يكون لكل منهما نفع و ضرر، و هذا بالعدل أقرب و ذاك بخلافه أشبه. الثالث: ما قيل إنه إنما كان المذنب أولى بالإحسان لأنه لا يرضى بالذنب كما يدل عليه جبره عليه، و المحسن أولى بالعقوبة لأنه لا يرضى بالإحسان لدلالة الجبر عليه، و من لا يرضى بالإحسان أولى بالعقوبة من الذي يرضى به و لا يخفى ما فيه. الرابع: أنه لما اقتضى ذات المذنب أن يحسن إليه في الدنيا بإحداث اللذات فيه، فينبغي أن يكون في الآخرة أيضا كذلك لعدم تغير الذوات في النشأتين، و إذا اقتضى ذات المحسن المشقة في الدنيا و إيلامه بالتكاليف الشاقة ففي الآخرة أيضا تِلْكَ مَقَالَةُ إِخْوَانِ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَ خُصَمَاءِ الرَّحْمَنِ وَ حِزْبِ الشَّيْطَانِ ينبغي أن يكون كذلك. الخامس: ما قيل لعل وجه ذلك أن المذنب بصدور القبائح و السيئات منه متألم منكسر البال لظنه أنها وقعت منه باختياره، و قد كانت بجبر جابر و قهر قاهر فيستحق الإحسان، و أن المحسن لفرحانه بصدور الحسنات عنه و زعمه أنه قد فعلها بالاختيار أولى بالعقوبة من المذنب، و في حديث الأصبغ هكذا: و لم تأت لأئمة من الله لمذنب و لا محمدة لمحسن، و لم يكن المحسن أولى بالمدح من المسيء، و لا المسيء أولى بالذم من المحسن، تلك مقالة عبدة الأوثان و جنود الشيطان و شهود الزور و أهل العمى عن الصواب و هم قدرية هذه الأمة و مجوسها. " تلك مقالة إخوان عبدة الأوثان" أي أشباههم، لأن عبدة الأوثان الذين كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وآله وسلم كانوا جبرية لقوله تعالى: " وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً قٰالُوا وَجَدْنٰا عَلَيْهٰا آبٰاءَنٰا وَ اللّٰهُ أَمَرَنٰا بِهٰا " أي جعلنا الله مجبورا عليها و قوله: " وَ قٰالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ مٰا عَبَدْنٰا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ " و أمثال ذلك في القرآن كثيرة. و قيل: إنما كانوا إخوانهم لأن القول بما يستلزم بطلان الثواب و العقاب في حكم القول بلازمه، و القول ببطلان الثواب و العقاب قول عبدة الأوثان، و أما كونهم خصماء الرحمن لأنهم نسبوا إليه سبحانه ما لا يليق بجنابة من الظلم و الجور و العبث و أية خصومة و عداوة تكون أشد من ذلك. و قيل: إنكار الأمر و النهي إنكار للتكليف و المنكرون للتكاليف خصماء المكلف الآمر و الناهي. و قيل: لما نسب الله سبحانه في آيات كثيرة أفعال العباد إليهم، و صرح في كثير منها ببراءته من القبائح و الظلم، و هؤلاء يقولون نحن برآء من القبائح و أنت تفعلها فلا مخاصمة أعظم من ذلك" و حزب الشيطان" لأنه لعنه الله قال: " رَبِّ بِمٰا أَغْوَيْتَنِي " وَ قَدَرِيَّةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ مَجُوسِهَا و أيضا أنه لعنه الله يبعثهم على تلك العقائد الفاسدة، أو لما لزمهم بطلان الأمر و النهي و التكليف فيجوز له متابعة الشيطان في كل ما يدعوهم إليه، و قوله: و قدرية هذه الأمة، يدل على أن المجبرة هم القدرية، و لا خلاف بين الأمة في أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ذم القدرية، لكن كل من الجبرية و التفويضية يسمون خصومهم بها، و في أخبارنا أطلقت عليهما، و إن كان على التفويضية أكثر، قال في المقاصد: لا خلاف في ذم القدرية و قال شارحه: قد ورد في صحاح الأحاديث لعنة القدرية على لسان سبعين نبيا، و المراد بهم القائلون بنفي كون الخير و الشر كله بتقدير الله و مشيته، سموا بذلك، لمبالغتهم في نفيه و كثرة مدافعتهم إياه، و قيل: لإثباتهم للعبد قدرة الإيجاد و ليس بشيء، لأن المناسب حينئذ القدري بضم القاف، و قالت المعتزلة: القدرية هم القائلون بأن الشر و الخير كله من الله تعالى و بتقديره و مشيته، لأن الشائع نسبة الشخص إلى ما يثبته و يقول به كالجبرية و الحنفية و الشافعية لا إلى ما ينفيه. و رد بأنه صح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: القدرية مجوس هذه الأمة، و قوله: إذا قامت القيامة نادى مناد أهل الجمع: أين خصماء الله، فتقوم القدرية، و لا خفاء في أن المجوس هم الذين ينسبون الخير إلى الله و الشر إلى الشيطان، و يسمونهما: يزدان، و أهريمن، و أن من لا يفوض الأمور كلها إلى الله، و معترض لبعضها فينسبه إلى نفسه، يكون هو المخاصم لله تعالى، و أيضا من يضيف القدر إلى نفسه و يدعي كونه الفاعل و المقدر أولى باسم القدري ممن يضيفه إلى ربه. فإن قيل: روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال لرجل قدم عليه من فارس: أخبرني بأعجب شيء رأيت؟ فقال: رأيت أقواما ينكحون أمهاتهم و بناتهم و أخواتهم، فإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا قضاء الله علينا و قدره؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم): ستكون في آخر أمتي أقوام يقولون بمثل مقالتهم، أولئك مجوس أمتي، و روى الأصبغ بن نباتة: أن شيخا قام إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) بعد انصرافه من صفين ثم ذكر نحو هذا.......... الخبر- إلى قوله-" ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ " فقال الشيخ: و ما القضاء و القدر اللذان ما سرنا إلا بهما؟ قال: هو الأمر من الله و الحكم ثم تلا قوله تعالى" وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ " و عن الحسن بعث الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى العرب و هم قدرية يحملون ذنوبهم على الله، و يصدقه قوله تعالى: " وَ إِذٰا فَعَلُوا فٰاحِشَةً قٰالُوا وَجَدْنٰا عَلَيْهٰا آبٰاءَنٰا وَ اللّٰهُ أَمَرَنٰا بِهٰا ". قلنا: ما ذكر لا يدل إلا على أن القول بأن فعل العبد إذا كان بقضاء الله تعالى و قدره و خلقه و إرادته، يجوز للعبد الإقدام عليه، و يبطل اختياره فيه و استحقاقه للثواب و العقاب و المدح و الذم عليه قول المجوس، فلينظر أن هذا قول المعتزلة أم المجبرة، و لكن من لم يجعل الله له نورا فما له من نور، و من وقاحتهم أنهم يروجون باطلهم بنسبته إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و أولاده رضي الله عنهم، و قد صح عنه أنه خطب الناس على منبر الكوفة فقال: ليس منا من لم يؤمن بالقدر خيره و شره، و أنه قال لمن قال: إني أملك الخير و الشر و الطاعة و المعصية؟ تملكها مع الله أو تملكها بدون الله؟ فإن قلت: أملكها مع الله فقد ادعيت أنك شريك الله، و إن قلت أملكها بدون الله فقد ادعيت أنك أنت الله؟ فتاب الرجل على يده. و أن جعفر الصادق (عليه السلام) قال لقدري: أقرء الفاتحة، فقرأ فلما بلغ قوله: " إِيّٰاكَ نَعْبُدُ وَ إِيّٰاكَ نَسْتَعِينُ " قال له جعفر: على ما ذا تستعين بالله و عندك أن الفعل منك، و جميع ما يتعلق بالأقدار و التمكين و الألطاف قد حصلت و تمت؟ فانقطع القدري و الحمد لله رب العالمين" انتهى". و قال العلامة ( (قدس سره) ) في شرح التجريد بعد إيراد خبر الأصبغ: قال أبو الحسن البصري و محمود الخوارزمي: فوجه تشبيهه (عليه السلام) المجبرة بالمجوس من وجوه: أحدها: أن المجوس اختصوا بمقالات سخيفة و اعتقادات واهية، معلومة البطلان.......... و كذا المجبرة. و ثانيها: مذهب المجوس أن الله تعالى يخلق فعله ثم يتبرأ منه، كما خلق إبليس و انتفى منه، و كذا المجبرة قالوا: إن الله تعالى يفعل القبيح ثم يتبرأ منها. و ثالثها: أن المجوس قالوا: إن نكاح الأمهات و الأخوات بقضاء الله و قدره و إرادته و وافقهم المجبرة، حيث قالوا: إن نكاح المجوس لأمهاتهم و أخواتهم بقضاء الله و قدره و إرادته. و رابعها: أن المجوس قالوا: إن القادر على الخير لا يقدر على الشر و بالعكس و المجبرة قالوا: إن القدرة الموجبة للفعل غير متقدمة عليه، فالإنسان القادر على الخير لا يقدر على ضده و بالعكس" انتهى". أقول: و قد يعطف خصماء الرحمن على عبدة الأوثان فالمراد بهم المعتزلة المفوضة أي الأشاعرة الجبرية إخوان المفوضة، الذين هم خصماء الرحمن، لأنهم يدعون استقلال قدرتهم في مقابلة قدرة الرحمن، و أنهم يفعلون ما يريدون بلا مشاركة الله في أعمالهم بالتوفيق و الخذلان، و الأخوة بينهما باعتبار أن كلا منهما على طرف خارج عن الحق الذي هو بينهما، و هو الأمر بين الأمرين، فهما يشتركان في البطلان، كما أن المؤمنين إخوة لاشتراكهم في الحق. و قيل في وجه الأخوة: إنه يقال للمتقابلين إنهما متشابهان كما قيل، إن قصة سورة براءة تشابه قصة سورة الأنفال و تناسبها، لأن في الأنفال ذكر العهود و في البراءة نبذها، فضمت إليها" انتهى" و على هذا يكون قوله: و حزب الشيطان، و قوله: قدرية هذه الأمة، و قوله: مجوسها، كلها معطوفات على العبدة لا الإخوان، و أوصافا للمفوضة لا الجبرية، على الوجوه المتقدمة، و يكون الحديث مشتملا على نفي طرفي الإفراط و التفريط معا، و هذا الوجه و إن كان بعيدا لكنه يكون أتم فائدة. و يؤيده أيضا ما رواه الصدوق (ره) في التوحيد بإسناده عن علي بن سالم عن إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى كَلَّفَ تَخْيِيراً- وَ نَهَى تَحْذِيراً وَ أَعْطَى عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيراً وَ لَمْ يُعْصَ مَغْلُوباً وَ لَمْ يُطَعْ مُكْرِهاً- وَ لَمْ يُمَلِّكْ مُفَوِّضاً وَ لَمْ يَخْلُقِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرقي أ تدفع من القدر شيئا؟ فقال: هي من القدر، و قال (عليه السلام): إن القدرية مجوس هذه الأمة، و هم الذين أرادوا أن يصفوا الله بعدله فأخرجوه من سلطانه، و فيهم نزلت هذه الآية: " يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النّٰارِ عَلىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنّٰا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنٰاهُ بِقَدَرٍ " و يعضده أيضا أن قدماء المحدثين إنما يطلقون القدرية على المفوضة كالمصنف، حيث قابل في عنوان الباب بين الجبر و القدر، و قد عد أصحاب الرجال من كتب هشام بن الحكم كتاب الجبر و القدر، و كتاب الرد على المعتزلة" إن الله كلف تخييرا" أي أمره جاعلا له مخيرا بين الفعل و الترك بإعطاء القدرة له على الإتيان بما شاء منهما، من غير إكراه و إجبار" و نهى تحذيرا" أي طلبا للاحتراز عن فعل المنهي عنه، لا بالإكراه على الترك" و أعطي على القليل كثيرا" ترغيبا إلى الطاعة و ترك المعصية" و لم يعص مغلوبا" على بناء المفعول: أي لم يقع العصيان عن طاعته بمغلوبيته عن العبد بل بما فيه الحكمة من عدم إكراهه و إجباره، أو لا يقع العصيان بمغلوبية العاصي، فإنه لا عصيان مع عدم الاختيار، " و لم يطع مكرها" على صيغة اسم الفاعل، أي لم تقع طاعته بإكراهه المطيع على الطاعة و ربما يقرأ على صيغة المفعول، فيكون ردا على المفوضة أيضا، لأنه إذا استقل العبد و لم يكن لتوفيقه تعالى مدخل في ذلك فكأنه سبحانه مكره فيه. و يمكن أن يقرأ الفعلان على بناء الفاعل و يكون الفاعل المطيع و العاصي، و هما بعيدان" و لم يملك" على بناء التفعيل و المفعول القدرة و الإرادة و الاختيار، أو على بناء الأفعال بمعنى إعطاء السلطنة" مفوضا" بحيث لم يحصرهم بالأمر و النهي أو لم يكن له مدخل في أفعالهم بالتوفيق و الخذلان" و لم يخلق السماوات، إلخ" إشارة إلى قوله سبحانه: " وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا بٰاطِلًا ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ بٰاطِلًا - وَ لَمْ يَبْعَثِ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ عَبَثاً ذٰلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ فَأَنْشَأَ الشَّيْخُ يَقُولُ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّٰارِ، أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجّٰارِ " و هذا إما رد على عبدة الأوثان المذكورين سابقا بتقريب ذكر إخوانهم، أو المجبرة إذ الجبر يستلزم بطلان الثواب و العقاب و التكليف المستلزم لكون خلق السماوات و الأرض عبثا و باطلا، أو المفوضة أيضا لأن التفويض على أكثر الوجوه الآتية ينافي غرض الإيجاد، و كون بعثة الأنبياء و الرسل مع الجبر باطلا ظاهر، بل مع التفويض على بعض الوجوه. أقول: و روى الصدوق في التوحيد و العيون هذه الرواية عن أبي الحسن الثالث عن آبائه (عليه السلام)، و عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) بسندين آخرين و عن ابن عباس بسند آخر، و زاد في الرواية بالسند الأخير، فقال الشيخ: فما القضاء و القدر اللذان ساقانا و ما هبطنا واديا و لا علونا تلعة إلا بهما؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): الأمر من الله و الحكم، ثم تلا هذه الآية" وَ قَضىٰ رَبُّكَ أَلّٰا تَعْبُدُوا إِلّٰا إِيّٰاهُ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً " أي أمر ربك. و قال الشيخ أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج بعد إيراد هذه الرواية: و روي أن الرجل قال: فما القضاء و القدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين؟ قال: الأمر بالطاعة، و النهي عن المعصية و التمكين من فعل الحسنة و ترك المعصية، و المعونة على القربة إليه و الخذلان لمن عصاه، و الوعد و الوعيد و الترغيب و الترهيب، كل ذلك قضاء الله في أفعالنا و قدره لأعمالنا، أما غير ذلك فلا تظنه فإن الظن له محيط للأعمال، فقال الرجل: فرجت عني بذلك يا أمير المؤمنين فرج الله عنك، و في رواية ابن نباتة الذي أورده العلامة و غيره: فقال الشيخ: و ما القضاء و القدر اللذان أَنْتَ الْإِمَامُ الَّذِي نَرْجُو بِطَاعَتِهِ- * * * يَوْمَ النَّجَاةِ مِنَ الرَّحْمَنِ غُفْرَاناً- أَوْضَحْتَ مِنْ أَمْرِنَا مَا كَانَ مُلْتَبِساً- * * * جَزَاكَ رَبُّكَ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَاناً
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ١٧٣. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
إِنَّمَا يَعْرِفُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يَعْبُدُهُ مَنْ عَرَفَ اللَّهَ وَ عَرَفَ إِمَامَهُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ مَنْ لَا يَعْرِفِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لَا يَعْرِفِ الْإِمَامَ مِنَّا أَهْلَ جميع ما أنزل الله أي مفصلا، أي حاجة له في الإمام؟ و قوله (عليه السلام): أ ليس هؤلاء يعرفون فلانا و فلانا؟ إشارة إلى جهة احتياجهم إلى الإمام بعد تصديقهم النبي في جميع ما أنزل الله، و هو أن هؤلاء العارفين من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أضلهم الشيطان حتى أطاعوا فلانا و فلانا و انقادوا إليهم، و اتخذوهم أئمة فانجر إلى ما انجر إليه من الظلم و الطغيان و الضلال و العصيان، فالمصدق للنبي في جميع ما أنزل الله ليس يأمن من الشيطان و إضلاله، فيحتاج إلى الإمام لرفع الأوهام و الشبه الفاسدة التي يلقيها الشيطان في أذهانهم، و تستحسنها نفوسهم على وفق أهويتها الباطلة و أمانيها الفاسدة. أقول: و يحتمل أن يكون المراد أن المخالفين أيضا قائلون بوجوب معرفة الإمام فاعتقدوا لذلك بإمامة هؤلاء، و إن أخطأوا في تعيين الإمام، أو المعنى أنهم لما تفطنوا بوجوب الخليفة و تمكنوا من معرفته، فما المانع لهم من الاهتداء لما هو الحق فيه؟ ليس المانع إلا الشيطان لأن الله عز و جل أقدرهم على ذلك و أعطاهم آلة المعرفة، فوجب عليهم تحصيل معرفة الإمام. الحديث الرابع: مختلف فيه. " إنما يعرف الله و يعبده" أي معرفة و عبادة صحيحتين" من عرف الله و عرف إمامه" أي من جمع بين المعرفتين فمعرفة الله بدون معرفة الإمام كلا معرفة و العبادة بدون معرفتهما باطلة" و يعرف الإمام" الواو للحال عن المنفي أو النفي، داخل على الْبَيْتِ فَإِنَّمَا يَعْرِفُ وَ يَعْبُدُ غَيْرَ اللَّهِ هَكَذَا وَ اللَّهِ ضَلَالًا
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٣٠٣. — الإمام الباقر عليه السلام
عَزَّ وَ جَلَّ- فَكَيْفَ إِذٰا جِئْنٰا مِنْ كُلِّ الهدى و إمام الضلالة. و يؤيد الأول ما روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: بإمامهم الذي بين أظهرهم و هو قائم أهل زمانه، و روى علي بن إبراهيم عن الباقر (عليه السلام) في تفسيرها قال: يجيء رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في قومه و علي (عليه السلام) في قومه، و الحسن (عليه السلام) في قومه، و الحسين (عليه السلام) في قومه، و كل من مات بين ظهراني قوم جاءوا معه، و روى العياشي مثله بأسانيد. و يؤيد الثاني ما رواه الصدوق في المجالس عن الحسين (عليه السلام) أنه سئل عن هذه الآية؟ فقال: إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، و إمام دعا إلى ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنة و هؤلاء في النار، و هو قوله تعالى: " فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ " و روى العياشي عن الصادق (عليه السلام): سيدعى كل أناس بإمامهم، أصحاب الشمس بالشمس، و أصحاب القمر بالقمر، و أصحاب النار بالنار، و أصحاب الحجارة بالحجارة، و في المحاسن عنه (عليه السلام) أنتم و الله على دين الله ثم تلا هذه الآية، ثم قال: على إمامنا، و رسول الله إمامنا، كم إمام يجيء يوم القيامة يلعن أصحابه و يلعنونه، فعلى الأول الاستشهاد بالآية لأنه إذا دعي يوم القيامة كل أهل عصر باسم إمامهم فثبت حينئذ كونه إماما لهم، أو يدعون معه ليتم عليهم حجته، و على الثاني لأن كل قوم إذا دعوا مع رئيسهم و إمامهم فإمام الحق يتم حجته حينئذ على الرؤساء و المرؤوسين. باب في أن الأئمة شهداء الله عز و جل على خلقه الحديث الأول: ضعيف. " فَكَيْفَ " قال الطبرسي- ره-: أي فكيف حال الأمم و كيف يصنعون" إِذٰا جِئْنٰا أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنٰا بِكَ عَلىٰ هٰؤُلٰاءِ شَهِيداً قَالَ نَزَلَتْ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم خَاصَّةً فِي كُلِّ قَرْنٍ مِنْهُمْ إِمَامٌ مِنَّا شَاهِدٌ عَلَيْهِمْ وَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم شَاهِدٌ عَلَيْنَا
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٣٣٧. — الإمام الصادق عليه السلام
عَزَّ وَ جَلَّ- مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ " من الأمم" بِشَهِيدٍ وَ جِئْنٰا بِكَ " يا محمد" عَلىٰ هٰؤُلٰاءِ " يعني قومه" شَهِيداً " و معنى الآية: أن الله تعالى يستشهد يوم القيامة كل نبي على أمته، و يستشهد نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) على أمته، انتهى. قوله (عليه السلام): " خاصة" يمكن أن يكون المراد تخصيص الشاهد و المشهود عليهم جميعا بهذه الأمة، فالمراد بكل أمة كل قرن من هذه الأمة، أو المراد تخصيص الشاهد فقط، أي في كل قرن يكون أحد من الأئمة شاهدا على من في عصرهم من هذه الأمة، و على جميع من مضي من الأمم، و قيل: لعل المراد أن الآية نزلت فيهم خاصة لا أن الحكم مخصوص بهم، فإن الآية شاملة لأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و السلام و لسائر الأمم. الحديث الثاني: ضعيف. قوله تعالى: " وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ " قال الطبرسي (قدس سره) الوسط العدل، و قيل: الخيار، قال: صاحب العين: الوسط من كل شيء أعدله و أفضله، و متى قيل: إذا كان في الأمة من ليست هذه صفته فكيف وصف جماعتهم بذلك؟ فالجواب: أن المراد به من كان بتلك الصفة، لأن كل عصر لا يخلو من جماعة هذه صفتهم، و روى بريد عن الباقر (عليه السلام) قال: نحن الأمة الوسط، و نحن شهداء الله على خلقه، و حجته في أرضه، و في رواية أخرى قال: إلينا يرجع الغالي و بنا يلحق المقصر، و روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني في كتاب شواهد التنزيل بإسناده عن سليم بن قيس عن علي (عليه السلام) أن الله وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ قَالَ نَحْنُ الْأُمَّةُ الْوُسْطَى وَ نَحْنُ شُهَدَاءُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ حُجَجُهُ فِي أَرْضِهِ قُلْتُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ تعالى إيانا عنى بقوله: " لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ " فرسول الله شاهد علينا، و نحن شهداء الله على خلقه و حجته في أرضه، و نحن الذين قال الله: " وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً " و قوله: " لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ " فيه ثلاثة أقوال: أحدها: لتشهدوا على الناس بأعمالهم التي خالفوا فيها الحق في الدنيا و الآخرة، كما قال تعالى: " وَ جِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَ الشُّهَدٰاءِ ". و الثاني: لتكونوا حجة على الناس فتبينوا لهم الحق و الدين، و يكون الرسول شهيدا مؤديا للدين إليكم. و الثالث: أنهم يشهدون للأنبياء على أمهم المكذبين لهم بأنهم قد بلغوا و يكون الرسول عليكم شهيدا، أي شاهدا عليكم بما يكون من أعمالكم، و قيل: حجة عليكم، و قيل: شهيدا لكم بأنكم قد صدقتم يوم القيامة فيما تشهدون به، و يكون على بمعنى اللام كقوله: " وَ مٰا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ " انتهى. و أقول: في بعض الروايات أنها نزلت: أئمة وسطا، و الحاصل أن الخطاب إنما توجه إلى الأئمة (عليه السلام) أو إلى جميع الأمة باعتبار اشتمالهم علي الأئمة، فكأن الخطاب توجه إليهم فقوله (عليه السلام): نحن الأمة الوسطى، أن الأمة إنما اتصفوا بهذه الصفة بسببنا و هذا أظهر بالنظر إلى لفظ الآية، و الثاني أظهر بالنظر إلى الأخبار." و نحن شهداء الله" أي في الآخرة أو الأعم منها و من الدنيا" و حججه في أرضه" في الدنيا. قوله تعالى: " مِلَّةَ أَبِيكُمْ " أقول: قبله: " يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا قَالَ إِيَّانَا عَنَى خَاصَّةً- هُوَ سَمّٰاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ فِي الْكُتُبِ الَّتِي مَضَتْ وَ فِي هَذَا الْقُرْآنِ- لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ فَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم الشَّهِيدُ عَلَيْنَا بِمَا بَلَّغَنَا عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ نَحْنُ الشُّهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ فَمَنْ صَدَّقَ صَدَّقْنَاهُ وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَ جٰاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهٰادِهِ هُوَ اجْتَبٰاكُمْ، وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ " و قال البيضاوي: ملة منتصب على المصدر لفعل دل عليه مضمون ما قبلها بحذف المضاف، أي وسع دينكم توسعة ملة أبيكم، أو على الإغراء أو على الاختصاص، و إنما جعله أباهم لأنه أبو رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أو كالأب لأمته من حيث أنه سبب لحياتهم الأبدية و وجودهم على الوجه المعتد به في الآخرة، أو لأن أكثر العرب كانوا من ذريته فغلبوا على غيرهم، انتهى. قوله (عليه السلام): إيانا عنى، أي هم المقصودون بخطاب: " يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " لكما لهم في الإيمان، و لا يخفى أن الأمر بالجهاد و الاجتباء بهم أنسب و كذا" مِلَّةَ أَبِيكُمْ " لا يحتاج إلى ما تكلفوا في تصحيحه، و كذا سائر أجزاء الآية، أو هم المقصودون بالذات بهذا الخطاب و إن دخل غيرهم فيه بالتبع، أو هم العاملون بهذا الخطاب أو خطاب الأمة به لاشتمالهم (عليهم السلام)، فيرجع إلى أنهم المقصودون بالذات به. " هُوَ سَمّٰاكُمُ " الضمير راجع إلى الله، و قيل: إلى إبراهيم و هو بعيد، " لِيَكُونَ الرَّسُولُ عليكم شهيدا" في الآية" شَهِيداً عَلَيْكُمْ " و لعله من النساخ أو هو نقل بمعنى، أو كان في قراءتهم (عليهم السلام) هكذا. و قال الطبرسي- ره- أي بالطاعة و القبول، فإذا شهد لكم به صرتم عدولا تشهدون علي الأمم الماضية بأن الرسل قد بلغوهم رسالة ربهم و أنهم لم يقبلوا فيوجب لكافرهم النار و لمؤمنهم الجنة بشهادتهم، و قيل: معناه ليكون الرسول شهيدا عليكم في إبلاغ رسالة ربه إليكم و تكونوا شهداء علي الناس بعده بأن تبلغوا إليهم ما بلغه الرسول إليكم، انتهى. و ما ذكره (عليه السلام) أظهر و أحق بالقبول" فمن صدق" بالتشديد و يحتمل التخفيف، يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ كَذَّبَ كَذَّبْنَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٣٣٨. — الإمام الصادق عليه السلام
1 أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ الْعَلَاءِ (رحمه الله) رَفَعَهُ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ كُنَّا مَعَ الرِّضَا عليه السلام بِمَرْوَ فَاجْتَمَعْنَا فِي الْجَامِعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي بَدْءِ مَقْدَمِنَا فَأَدَارُوا أَمْرَ الْإِمَامَةِ وَ ذَكَرُوا كَثْرَةَ اخْتِلَافِ النَّاسِ فِيهَا فَدَخَلْتُ عَلَى سَيِّدِي عليه السلام فَأَعْلَمْتُهُ خَوْضَ النَّاسِ فِيهِ فَتَبَسَّمَ عليه السلام ثُمَّ قَالَ
يَا عَبْدَ الْعَزِيزِ جَهِلَ الْقَوْمُ وَ خُدِعُوا عَنْ آرَائِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ صلى الله عليه وآله وسلم حَتَّى أَكْمَلَ لَهُ الدِّينَ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ و قوله: " و إني لصاحب العصا" إلى آخره هي السادسة" و الدابة" تفسير لصاحب العصا و الميسم كما عرفت. باب نادر جامع في فضل الإمام (عليه السلام) و صفاته الحديث الأول: مرفوع، و رواه الصدوق في كثير من كتبه بسند آخر فيه جهالة، و هو مروي في الاحتجاج و غيبة النعماني و غيرهما. و البدء بفتح الباء و سكون الدال مهموزا: أول الشيء، و المقدم بفتح الدال مصدر كالقدوم، و تبسمه (عليه السلام) للتعجب عن ضلالتهم و غفلتهم عن أمر هو أوضح الأمور بحسب الكتاب و السنة، أو عن استبدادهم بالرأي فيما لا مدخل للعقل فيه، و قال الجوهري: خاض القوم في الحديث أي تفاوضوا فيه. " و خدعوا" على المجهول" عن آرائهم" كلمة" عن" إما تعليلية أي بسبب آرائهم، أو ضمن فيه معنى الإغفال، فالمراد بالآراء ما ينبغي أن يكونوا عليها من اعتقاد الإمامة، و في بعض نسخ الكتاب و أكثر نسخ سائر الكتاب" عن أديانهم" و هو أظهر. " إن الله لم يقبض": بين (عليه السلام) أن الإمام لا بد أن يكون منصوصا عليه، و ليس فِيهِ تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ بَيَّنَ فِيهِ الْحَلَالَ وَ الْحَرَامَ وَ الْحُدُودَ وَ الْأَحْكَامَ وَ جَمِيعَ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ النَّاسُ كَمَلًا فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَّ- مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ تعيينه باختيار الأمة بوجهين: الأول: الآيات الدالة على أن الله تعالى أكمل الدين للأمة و بين لهم شرائعه و أحكامه، و ما يحتاجون إليه، و معلوم أن تعيين الإمام من الأمور المهمة في الدين بإجماع الفريقين، و لذا اعتذر المخالفون للاشتغال بتعيين الإمام قبل تجهيز الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، بأن تعيينه كان أهم من ذلك. و الثاني: أن للإمامة شرائط من العصمة و العلم بجميع الأحكام، و غير ذلك مما لا يحيط به عقول الخلق، فلا يعقل تفويضها إلى الأمة، و لا بد من أن يكون الإمام منصوصا منصوبا من قبل الله تعالى، و لا خلاف بين الأمة في أنه لم يقع النص على غير أئمتنا (عليهم السلام)، فلا بد من أن يكونوا منصوصين منصوبين للإمامة من الله و من رسوله. " فيه تبيان كل شيء" إشارة إلى قوله تعالى في سورة النحل: " وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْءٍ " ثم فسر ذلك بقوله: " بين فيه الحلال و الحرام و الحدود و الأحكام و جميع ما يحتاج إليه الناس كملا" و لا ريب أن الإمامة و تعيين الإمام شيء مما يحتاج إليه الناس غاية الاحتياج، و قال الجوهري يقال: أعطه هذا المال كملا أي كله. " مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ " قال البيضاوي: " من" مزيدة و شيء في موضع المصدر لا المفعول به، فإن فرط لا يعدي بنفسه، و قد عدي بفي إلى الكتاب" انتهى" و وجه الاستدلال ما مر، و هو مبني على كون المراد بالكتاب القرآن كما ذهب إليه أكثر المفسرين، و قيل: المراد به اللوح، و يحتمل الاستدلال بالآيتين وجها آخر، و هو أنه تعالى أخبر بيان كل شيء في القرآن، و لا خلاف في أن غير الإمام لا يعرف وَ أَنْزَلَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَ هِيَ آخِرُ عُمُرِهِ ص الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً كل شيء من القرآن فلا بد من وجود الإمام المنصوص، و الأول أظهر. " و أنزل في حجة الوداع" قال بعض العامة ناقلا عن عمر: أن هذه الآية نزلت يوم عرفة في حجة الوداع في عرفات، و قال مجاهد: نزلت يوم فتح مكة و ذهبت الإمامية إلى أنها نزلت في غدير خم يوم الثامن عشر من ذي الحجة في حجة الوداع، بعد ما نصب عليا (عليه السلام) للخلافة بأمر الله تعالى، و قد دلت على ذلك الروايات المستفيضة من طرقنا و طرق العامة، فقد روى السيد ابن طاوس (قدس سره) في كتاب الطرائف نقلا من مناقب ابن المغازلي الشافعي، و تاريخ بغداد للخطيب عن أبي هريرة قال: من صام يوم ثمانية عشر من ذي الحجة كتب الله له صيام ستين شهرا، و هو يوم غدير خم لما أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) و قال: أ لست أولى بالمؤمنين؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال له عمر: بخ بخ يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي و مولى كل مسلم، فأنزل الله عز و جل: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " و رواه الصدوق (ره) في مجالسه أيضا. و روى السيد أيضا في كتاب كشف اليقين نقلا من كتاب محمد بن أبي الثلج من علماء المخالفين بإسناده عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) قال: أنزل الله عز و جل على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بكراع الغميم" يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ في علي (عليه السلام) وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ " فذكر قيام رسول الله بالولاية بغدير خم، قال: و نزل جبرئيل (عليه السلام) بقول الله عز و جل: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً " بعلي أمير المؤمنين في هذا اليوم، أكمل لكم معاشر المهاجرين و الأنصار دينكم و أتم عليكم نعمته و رضي لكم الإسلام دينا، فاسمعوا له و أطيعوا تفوزوا و تغنموا. وَ أَمْرُ الْإِمَامَةِ مِنْ تَمَامِ الدِّينِ وَ لَمْ يَمْضِ صلى الله عليه وآله وسلم حَتَّى بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ مَعَالِمَ دِينِهِمْ وَ أَوْضَحَ لَهُمْ سَبِيلَهُمْ وَ تَرَكَهُمْ عَلَى قَصْدِ سَبِيلِ الْحَقِّ وَ أَقَامَ لَهُمْ عَلِيّاً عليه السلام عَلَماً وَ إِمَاماً وَ مَا تَرَكَ لَهُمْ شَيْئاً يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْأُمَّةُ إِلَّا بَيَّنَهُ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُكْمِلْ دِينَهُ فَقَدْ رَدَّ كِتَابَ اللَّهِ وَ مَنْ رَدَّ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ كَافِرٌ بِهِ هَلْ يَعْرِفُونَ قَدْرَ الْإِمَامَةِ وَ مَحَلَّهَا مِنَ الْأُمَّةِ فَيَجُوزَ فِيهَا اخْتِيَارُهُمْ إِنَّ الْإِمَامَةَ و روى السيوطي في تفسيره الدر المنثور عن ابن مردويه و ابن عساكر بإسنادهما عن أبي سعيد الخدري قال: لما نصب رسول الله صلى الله عليه آله عليا يوم غدير خم فنادى له بالولاية هبط جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآية: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ". و روي أيضا عن ابن مردويه و الخطيب و ابن عساكر بأسانيدهم عن أبي هريرة قال: لما كان يوم غدير خم و هو الثامن عشر من ذي الحجة قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فعلي مولاه، فأنزل الله: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " و الأخبار في ذلك كثيرة أوردتها في كتاب بحار الأنوار. " و أمر الإمامة" أي ما يتعلق بها من تعيين الإمام في كل زمان" من تمام الدين" أي من أجزائه التي لا يتم إلا بها، فإكمال الدين بدون بيانه غير متصور" و لم يمض (صلى الله عليه وآله وسلم) " أي كما لم يفرط الله تعالى في البيان لم يفرط الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في التبليغ، و" المعالم" جمع معلم بالفتح أي ما يعلم به الدين، كنصب الإمام و بيان الأحكام، و القصد: الوسط بين الطرفين و إضافته إلى السبيل و إضافة السبيل إلى الحق بيانيتان، و تحتملان اللامية. " علما" أي علامة لطريق الحق" إلا بينه" لعلي (عليه السلام) و للناس بالنص عليه و الأمر بالرجوع إليه" فهو كافر" يدل على كفر المخالفين" هل يعرفون" الاستفهام للإنكار، و هذا إشارة إلى الوجه الثاني من الوجهين المذكورين، و الحاصل أن نصب الإمام موقوف على العلم بصفاته و شرائط الإمامة، و هم جاهلون بها، فكيف يتيسر لهم نصبه، و من شرائطها العصمة و لا يطلع عليها إلا الله تعالى كما استدل أَجَلُّ قَدْراً وَ أَعْظَمُ شَأْناً وَ أَعْلَى مَكَاناً وَ أَمْنَعُ جَانِباً وَ أَبْعَدُ غَوْراً مِنْ أَنْ يَبْلُغَهَا النَّاسُ بِعُقُولِهِمْ أَوْ يَنَالُوهَا بِآرَائِهِمْ أَوْ يُقِيمُوا إِمَاماً بِاخْتِيَارِهِمْ إِنَّ الْإِمَامَةَ خَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهَا إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ عليه السلام بَعْدَ النُّبُوَّةِ وَ الْخُلَّةِ مَرْتَبَةً ثَالِثَةً وَ فَضِيلَةً شَرَّفَهُ بِهَا وَ أَشَادَ بِهَا ذِكْرَهُ فَقَالَ إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً فَقَالَ الْخَلِيلُ عليه السلام سُرُوراً بِهَا- وَ مِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ فَأَبْطَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِمَامَةَ كُلِّ ظَالِمٍ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ صَارَتْ فِي الصَّفْوَةِ ثُمَّ أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِأَنْ جَعَلَهَا فِي ذُرِّيَّتِهِ أَهْلِ الصَّفْوَةِ وَ الطَّهَارَةِ فَقَالَ وَ وَهَبْنٰا لَهُ إِسْحٰاقَ وَ يَعْقُوبَ نٰافِلَةً وَ كُلًّا جَعَلْنٰا صٰالِحِينَ. وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنٰا وَ أَوْحَيْنٰا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرٰاتِ وَ إِقٰامَ الصَّلٰاةِ وَ عليه في الشافي ببراهين شافية، لا يناسب الكتاب إيرادها. " و أمنع جانبا" أي جانبه و طريقه الموصل إليه أبعد من أن يصل إليه يد أحد" خص الله بها إبراهيم" أي بالنسبة إلى الأنبياء السابقين" سرورا بها" مفعول له لقال، و الإشادة: رفع الصوت بالشيء يقال: أشاده و أشاد به إذا أشاعه و رفع ذكره" فصارت في الصفوة" مثلثة أي أهل الطهارة و العصمة من صفا الجو إذا لم يكن فيه غيم، أو أهل الاصطفاء و الاختيار الذين اختارهم الله من بين عباده لذلك لعصمتهم و فضلهم و شرفهم" نٰافِلَةً " النفل و النافلة: عطية التطوع من حيث لا تجب، و منه نافلة الصلاة، و النافلة أيضا: ولد الولد و الزيادة، و هي على المعنى الأول حال عن كل واحد من إسحاق و يعقوب، و على الأخيرين حال عن يعقوب، أما على الثاني فظاهر، و أما على الأول فلان يعقوب زيادة على من سأله إبراهيم (عليه السلام) و هو إسحاق. " وَ كُلًّا جَعَلْنٰا صٰالِحِينَ " موصوفين بالصلاح ظاهرا و باطنا قابلين للخلافة و الإمامة" وَ جَعَلْنٰاهُمْ أَئِمَّةً " للخلائق" يَهْدُونَ " الناس إلى الحق" بِأَمْرِنٰا " لا بتعيين الخلق" وَ أَوْحَيْنٰا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرٰاتِ " أي جميعها لكونه جمعا معرفا باللام" وَ إِقٰامَ الصَّلٰاةِ " من قبيل عطف الخاص على العام للإشعار بفضلهما، و حذفت التاء من إقام إِيتٰاءَ الزَّكٰاةِ وَ كٰانُوا لَنٰا عٰابِدِينَ فَلَمْ تَزَلْ فِي ذُرِّيَّتِهِ يَرِثُهَا بَعْضٌ عَنْ بَعْضٍ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى وَرَّثَهَا اللَّهُ تَعَالَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ جَلَّ وَ تَعَالَى- إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هٰذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللّٰهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَتْ لَهُ خَاصَّةً فَقَلَّدَهَا صلى الله عليه وآله وسلم عَلِيّاً عليه السلام بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى رَسْمِ مَا فَرَضَ اللَّهُ فَصَارَتْ فِي ذُرِّيَّتِهِ الْأَصْفِيَاءِ الَّذِينَ آتَاهُمُ اللَّهُ الْعِلْمَ وَ الْإِيمَانَ للتخفيف مع قيام المضاف إليه مقامها" وَ كٰانُوا لَنٰا عٰابِدِينَ " عطف على" أوحينا" أو حال من ضمير إليهم بتقدير قد، و تقديم الظرف للحصر. " قرنا فقرنا" منصوبان على الظرفية" إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ " أي أخصهم به و أقربهم منه من الولي بمعنى القرب أو أحقهم بمقامه" لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ " في عقائده و أقواله و أعماله ظاهرا و باطنا، و لم يخالفوه أصلا، و هم أوصياؤه و الأنبياء من ولده (عليهم السلام) " وَ هٰذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا " حق الإيمان و هم أوصياؤه (عليهم السلام) " وَ اللّٰهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ " ينصرهم لإيمانهم و إرشادهم عباد الله إلى صراطه المستقيم، و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما رواه في نهج البلاغة عنه في بعض خطبه حيث قال: و كتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا، و هو قوله تعالى: " وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ* " و قوله تعالى: " إِنَّ أَوْلَى النّٰاسِ بِإِبْرٰاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ " الآية، فالاستدلال بالآية مبني على أن المراد بالمؤمنين فيها الأئمة (عليهم السلام)، و يحتمل أن يكون المراد به أن تلك الإمامة انتهت إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و هو لم يستخلف غير علي (عليه السلام) بالاتفاق. " فكانت" أي الإمامة" له خاصة" أي للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في زمانه" فقلدها" بتشديد اللام" عليا" أي جعلها لازمة في عنقه لزوم القلادة" بأمر الله" متعلق بقلد" على رسم ما فرض الله" الرسم السنة و الطريقة، أي على الطريقة التي فرضها الله في السابقين، بأن ينصب كل إمام بعده إماما لئلا يخلو زمان من حجة، و الظرف إما متعلق بالظرف الأول أو بقلد" فصارت في ذريته" الضمير لعلي (عليه السلام) " بقوله" الظرف متعلق بأتاهم، أو بصارت. بِقَوْلِهِ تَعَالَى- وَ قٰالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمٰانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ إِلىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ فَهِيَ فِي وُلْدِ عَلِيٍّ عليه السلام خَاصَّةً إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِذْ لَا نَبِيَّ بَعْدَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَمِنْ أَيْنَ يَخْتَارُ هَؤُلَاءِ الْجُهَّالُ " وَ قٰالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمٰانَ " أقول: قبل هذه الآية قوله تعالى: " وَ يَوْمَ تَقُومُ السّٰاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مٰا لَبِثُوا غَيْرَ سٰاعَةٍ كَذٰلِكَ كٰانُوا يُؤْفَكُونَ " فإن المجرمين يقسمون يوم القيامة أنهم ما لبثوا في الدنيا أو في القبور غير ساعة لاستقلالهم مدة لبثهم إضافة إلى مدة عذابهم في الآخرة أو نسيانا" كَذٰلِكَ كٰانُوا يُؤْفَكُونَ " أي مثل ذلك الصرف كانوا يصرفون في الدنيا عن الحق، فالمراد بالخبر أن الذين يحبونهم في القيامة و وصفهم الله بأنهم أوتوا العلم و الإيمان هم النبي و الأئمة (عليهم السلام). و يحتمل أن يكون المراد أن مصداقه الأكمل هم (عليهم السلام) بأن يكون المراد بالموصول في الآية جميع الأنبياء و الأوصياء (صلوات الله عليهم)، كما ذكره المفسرون، قال البيضاوي: من الملائكة و الإنس. " لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ " أي في علمه أو قضائه أو اللوح أو القرآن" إِلىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ " فهذا يوم البعث الذي كنتم منكرين له، و هذا الجواب و إن لم يتضمن تحديد مدة لبثهم، لكن فيه دلالة بحسب قرينة المقام على أنها زائدة على ما قالوه كثيرا، حتى كأنها لا يحيط به التحديد، و ربما يوهم ظاهر الخبر أن المخاطب الأئمة (عليهم السلام)، و المراد لبثهم في علم الكتاب، لكن لا يساعده سابقه كما عرفت، و إن كان مثل ذلك في نظم القرآن كثيرا، و قال علي بن إبراهيم هذه الآية مقدمة و مؤخرة و إنما هو" وَ قٰالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَ الْإِيمٰانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ إِلىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ " انتهى. " إذ لا نبي بعد محمد" هذا إما تعليل لكون الخلافة فيهم و التقريب أنه لا نبي بعد محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) حتى يجعل الإمامة في غيرهم بعد جعل النبي فيهم، أو لكونهم أئمة لا أنبياء، أو لامتداد ذلك إلى يوم القيامة و التقريب ظاهر. إِنَّ الْإِمَامَةَ هِيَ مَنْزِلَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَ إِرْثُ الْأَوْصِيَاءِ إِنَّ الْإِمَامَةَ خِلَافَةُ اللَّهِ وَ خِلَافَةُ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ مَقَامُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ مِيرَاثُ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ عليهما السلام إِنَّ الْإِمَامَةَ زِمَامُ الدِّينِ وَ نِظَامُ الْمُسْلِمِينَ وَ صَلَاحُ الدُّنْيَا وَ عِزُّ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ الْإِمَامَةَ أُسُّ الْإِسْلَامِ النَّامِي وَ فَرْعُهُ السَّامِي بِالْإِمَامِ تَمَامُ الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصِّيَامِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ تَوْفِيرُ الْفَيْءِ وَ الصَّدَقَاتِ وَ إِمْضَاءُ الْحُدُودِ وَ الْأَحْكَامِ وَ مَنْعُ الثُّغُورِ وَ الْأَطْرَافِ الْإِمَامُ يُحِلُّ حَلَالَ اللَّهِ وَ يُحَرِّمُ حَرَامَ اللَّهِ وَ يُقِيمُ حُدُودَ اللَّهِ وَ يَذُبُّ عَنْ دِينِ " إن الإمامة هي منزلة الأنبياء" أي مرتبة لهم و لمن هو مثلهم أو كانت لهم فيجب أن ينتقل إلى من يشابههم، و قيل: المعنى أنها منزلة بمنزلة نبوة الأنبياء، فكما لا تثبت النبوة لأحد باختيار الخلق كذلك لا تثبت الإمامة باختيارهم" و إرث الأوصياء" أي ميراث انتقل من الأنبياء إليهم، و من بعضهم إلى بعض، و الإرث أصله الواو، و هو في الأصل مصدر، و كثيرا ما يطلق على الشيء الموروث كما هنا" إن الإمامة خلافة الله" إلخ" خليفة الرجل من يقوم مقامه، فلا بد أن يكون عالما بما أراد المستخلف، عاملا بجميع أوامره مناسبا له في الجملة" زمام الدين" الزمام: الحيط الذي يشد في طرفه المقود و قد يسمى المقود زماما، و في الكلام استعارة مكنية و تخييلية" أس الإسلام" الأس و الأساس أصل البناء" و النامي" صفة المضاف أو المضاف إليه و الأول أظهر، و نمو الأصل يستلزم نمو الفرع، و قد يقال: هو من نميت الحديث أنميه مخففا إذا أبلغته على وجه الإصلاح و طلب الخير و هو بعيد، " و السامي" العالي المرتفع، و فرع كل شيء أعلاه. " بالإمام تمام الصلاة" إلخ، إذ هو الآمر بجميعها و معلم أحكامها، و الباعث لإيقاعها على وجه الكمال، و شرط تحقق بعضها، و العلم بإمامته شرط صحة جميعها، و الفيء: الغنيمة لأنها كانت في الأصل للمسلمين، لأن [الله] خلقها لهم و غصبها الكفار، ففائت و رجعت إليهم، و توفيره قسمته على قانون الشرع و العدل، و الثغور: الحدود الفاصلة بين بلاد المسلمين و الكفار" و الأطراف" أعم منه" يحل حلال الله" اللَّهِ وَ يَدْعُو إِلَى سَبِيلِ رَبِّهِ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ الْحُجَّةِ الْبَالِغَةِ الْإِمَامُ كَالشَّمْسِ الطَّالِعَةِ الْمُجَلِّلَةِ بِنُورِهَا لِلْعَالَمِ وَ هِيَ فِي الْأُفُقِ بِحَيْثُ لَا تَنَالُهَا الْأَيْدِي وَ الْأَبْصَارُ الْإِمَامُ الْبَدْرُ الْمُنِيرُ وَ السِّرَاجُ الزَّاهِرُ وَ النُّورُ السَّاطِعُ وَ النَّجْمُ الْهَادِي فِي غَيَاهِبِ الدُّجَى وَ أَجْوَازِ الْبُلْدَانِ وَ الْقِفَارِ وَ لُجَجِ الْبِحَارِ الْإِمَامُ الْمَاءُ الْعَذْبُ عَلَى الظَّمَإِ أي يبين حليته و كذا التحريم، و الذب: المنع و الدفع، و حذف المفعول للتعميم" و يدعو إلى سبيل ربه" إشارة إلى قوله تعالى: " ادْعُ إِلىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " ففسر (عليه السلام) المجادلة بالتي هي أحسن بالبراهين القاطعة، كما فسر الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) الجدال بالتي هي أحسن بالبرهان القاطع و بغير التي هي أحسن بالجدل و إلزام الخصم بالباطل، فالمراد بالحكمة و الموعظة الحسنة الأمثال و المواعظ و الخطابات النافعة كما ذكره الله تعالى عند بيان حكمة لقمان (عليه السلام) أمثال ذلك، و فسر الأكثر الحكمة بالبرهان و الموعظة بالخطابيات و المجادلة بالجدليات. و قال الجوهري: جلل الشيء تجليلا أي عم، و المجلل: السحاب الذي يجلل الأرض بالمطر، أي يعم و هي في الأفق هو ما ظهر من نواحي السماء، شبه الإمام في عموم نفعه و اهتداء عامة الخلق به، و عدم وصول أيدي العقول و الأفهام إلى كنه قدره و منزلته بالشمس المجللة بنورها العالم، و هي في الارتفاع بحيث لا تنالها الأيدي، و تكل الأبصار عن رؤيتها، فالظاهر أنه استعارة تمثيلية، و الزاهر المضيء و يقال: سطع الغبار و الرائحة و الصبح يسطع سطوعا إذا ارتفع، " و الغيهب": الظلمة و شدة السواد، " و الدجى" بضم الدال: الظلمة و الإضافة بيانية للمبالغة، و استعبر لظلمات الفتن و الشكوك و الشبه" و الأجواز" جمع الجوز و هو من كل شيء: وسطه، " و القفار" جمع القفر و هي مفازة لا نبات فيها و لا ماء، و المراد هنا الخالية عن الهداية، أو المراد بأجوازها ما بينها، و في الاحتجاج: البيد القفار، و هو أظهر، و في بعض نسخ وَ الدَّالُّ عَلَى الْهُدَى وَ الْمُنْجِي مِنَ الرَّدَى الْإِمَامُ النَّارُ عَلَى الْيَفَاعِ الْحَارُّ لِمَنِ اصْطَلَى بِهِ وَ الدَّلِيلُ فِي الْمَهَالِكِ مَنْ فَارَقَهُ فَهَالِكٌ الْإِمَامُ السَّحَابُ الْمَاطِرُ وَ الْغَيْثُ الْهَاطِلُ وَ الشَّمْسُ الْمُضِيئَةُ وَ السَّمَاءُ الظَّلِيلَةُ وَ الْأَرْضُ الْبَسِيطَةُ وَ الْعَيْنُ الْغَزِيرَةُ وَ الْغَدِيرُ وَ الرَّوْضَةُ الْإِمَامُ الْأَنِيسُ الرَّفِيقُ وَ الْوَالِدُ الشَّفِيقُ وَ الْأَخُ الشَّقِيقُ وَ الْأُمُّ الْبَرَّةُ بِالْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَ مَفْزَعُ الْعِبَادِ فِي الدَّاهِيَةِ النَّآدِ الكتاب" و القفار" و هو أيضا حسن، و لجة الماء بالضم: معظمه" و الظمأ" بالتحريك شدة العطش، و ربما يقرأ بالكسر و المد جمع ظامئ و هو بعيد، و الردى: الهلاك" و اليفاع" ما ارتفع من الأرض، " و الاصطلاء" افتعال من الصلي بالنار و هو التسخن بها" و الهطل" بالفتح و التحريك: تتابع المطر و سيلانه. و السماء تذكر و تؤنث، و هي كل ما علاك فأظلك، و منه قيل: لسقف البيت: سماء، و وصفها بالظليلة للإشعار بوجه التشبيه، و كذا البسيطة، أو المراد بها المستوية، فإن الانتفاع بها أكثر، " و الغزيرة" الكثيرة، يقال غزرت الناقة أي كثر لبنها، شبهه (عليه السلام) في وفور علمه الذي هو حياة للأرواح بالعين في نبوع الماء الذي هو حياة للأبدان منها، " و الروضة" الأرض الخضرة بحسن النبات" و الرفيق" مأخوذ من الرفق و هو ضد العنف و الخرق، و" الشفيق" من الشفقة، و وصف الأخ بالشفيق لبيان أن المشبه به الأخ النسبي قال الجوهري: هذا شفيق هذا إذا انشق الشيء بنصفين، فكل واحدة منها شفيق الآخر، و منه قيل: فلان شفيق فلان، أي أخوه. " في الداهية النئاد" هو بفتح النون و الهمزة و الألف و الدال المهملة، مصدر: ناده الداهية كمنعه إذا فدحته و بلغت منه كل مبلغ، فوصفت الداهية به للمبالغة، قال الفيروزآبادي: نادت الداهية فلانا: دهمته، و الناد: كسحاب و النادي: كحبالى الْإِمَامُ أَمِينُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ وَ حُجَّتُهُ عَلَى عِبَادِهِ وَ خَلِيفَتُهُ فِي بِلَادِهِ وَ الدَّاعِي إِلَى اللَّهِ وَ الذَّابُّ عَنْ حُرَمِ اللَّهِ الْإِمَامُ الْمُطَهَّرُ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْمُبَرَّأُ عَنِ الْعُيُوبِ الْمَخْصُوصُ بِالْعِلْمِ الْمَوْسُومُ بِالْحِلْمِ نِظَامُ الدِّينِ وَ عِزُّ الْمُسْلِمِينَ وَ غَيْظُ الْمُنَافِقِينَ وَ بَوَارُ الْكَافِرِينَ- الْإِمَامُ وَاحِدُ دَهْرِهِ لَا يُدَانِيهِ أَحَدٌ وَ لَا يُعَادِلُهُ عَالِمٌ وَ لَا يُوجَدُ مِنْهُ بَدَلٌ وَ لَا لَهُ مِثْلٌ وَ لَا نَظِيرٌ مَخْصُوصٌ بِالْفَضْلِ كُلِّهِ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ لَهُ وَ لَا اكْتِسَابٍ بَلِ اخْتِصَاصٌ مِنَ الْمُفْضِلِ الْوَهَّابِ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَبْلُغُ مَعْرِفَةَ الْإِمَامِ أَوْ يُمْكِنُهُ اخْتِيَارُهُ هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ ضَلَّتِ الْعُقُولُ وَ تَاهَتِ الْحُلُومُ وَ حَارَتِ الْأَلْبَابُ وَ خَسَأَتِ الْعُيُونُ وَ تَصَاغَرَتِ الْعُظَمَاءُ وَ تَحَيَّرَتِ الْحُكَمَاءُ وَ تَقَاصَرَتِ الْحُلَمَاءُ وَ حَصِرَتِ الْخُطَبَاءُ وَ جَهِلَتِ الْأَلِبَّاءُ وَ كَلَّتِ الداهية، و قال الجوهري: الناد و النادي: الداهية، قال الكميت: و إياكم و داهية نادى * * * أظلتكم بعارضها المخيل " انتهى"" أمين الله" أي على دينه و علمه و غيرهما" و الذاب عن حرم الله" الحرم بضم الحاء و فتح الراء جمع الحرمة و هي ما لا يحل انتهاكه و تجب رعايته، أي يدفع الضرر و الفساد عن حرمات الله، و هي ما عظمها و أمر بتعظيمها، من بيته و كتابه و خلفائه و فرائضه و نواهيه و أو أمره، و" البوار" الهلاك، و الحمل على المبالغة كالفقر السابقة. " و لا يوجد منه بدل" أي في زمانه" هيهات" أي بعد البلوغ إلى معرفة الإمام" هيهات" أي بعد إمكان اختياره غاية البعد، " و الحلوم" كالألباب: العقول، و" ضلت" و" تاهت" و" حارت" متقاربة المعاني، و خسأ بصره كمنع خسأ و خسوءا أي كل، و منه قوله تعالى: " يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خٰاسِئاً ". و يقال: تصاغرت إليه نفسه أي صغرت، و التقاصر مبالغة في القصر أو هو إظهاره كالتطاول، و" حصر" كعلم: عي في المنطق، و" الأدباء" جمع أديب و هو المتأدب الشُّعَرَاءُ وَ عَجَزَتِ الْأُدَبَاءُ وَ عَيِيَتِ الْبُلَغَاءُ عَنْ وَصْفِ شَأْنٍ مِنْ شَأْنِهِ أَوْ فَضِيلَةٍ مِنْ فَضَائِلِهِ وَ أَقَرَّتْ بِالْعَجْزِ وَ التَّقْصِيرِ وَ كَيْفَ يُوصَفُ بِكُلِّهِ أَوْ يُنْعَتُ بِكُنْهِهِ أَوْ يُفْهَمُ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ أَوْ يُوجَدُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَ يُغْنِي غِنَاهُ لَا كَيْفَ وَ أَنَّى وَ هُوَ بِحَيْثُ النَّجْمُ مِنْ يَدِ الْمُتَنَاوِلِينَ وَ وَصْفِ الْوَاصِفِينَ فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ مِنْ هَذَا وَ أَيْنَ الْعُقُولُ عَنْ هَذَا وَ أَيْنَ يُوجَدُ مِثْلُ هَذَا أَ تَظُنُّونَ أَنَّ ذَلِكَ يُوجَدُ فِي غَيْرِ آلِ الرَّسُولِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم كَذَبَتْهُمْ وَ اللَّهِ أَنْفُسُهُمْ وَ مَنَّتْهُمُ الْأَبَاطِيلَ فَارْتَقَوْا مُرْتَقًى صَعْباً دَحْضاً تَزِلُّ عَنْهُ إِلَى الْحَضِيضِ أَقْدَامُهُمْ رَامُوا بالآداب الحسنة، و قد شاع إطلاقه على العارف بالقوانين العربية و يقال: ما يغني عنك هذا أي ما ينفعك و يجديك، و" الغناء" بالفتح: النفع" لا" تصريح بالإنكار المفهوم من الاستفهام، حذفت الجملة لدلالة ما قبلها على المراد أي لا يوصف بكله إلى آخر الجمل. " كيف" تكرار للاستفهام الإنكاري الأول تأكيدا" و أنى" مبالغة أخرى بالاستفهام الإنكاري عن مكان الوصف و ما بعده" و هو بحيث النجم" الواو للحال و الضمير للإمام (عليه السلام) و الباء بمعنى في، و حيث ظرف مكان، و النجم مطلق الكواكب، و قد يخص بالثريا، و هو مرفوع على الابتداء و خبره محذوف، أي مرئي، لأن حيث لا يضاف إلا إلى الجمل" من يد المتناولين" الظرف متعلق بحيث، و هو من قبيل تشبيه المعقول بالمحسوس. " كذبتهم" بالتخفيف أي قالت لهم كذبا، أو بالتشديد أي إذا رجعوا إلى أنفسهم شهدت بكذب مقالهم" و منتهم الأباطيل" أي أوقعت في أنفسهم الأماني الباطلة، أو أضعفتهم قال الجوهري: الأمنية واحدة الأماني تقول منه: تمنيت الشيء و منيت تمنية، و فلان يتمنى الأحاديث أي يفتعلها و هو مقلوب من المين و هو الكذب، و قال: منه السير أضعفه و أعياه، و يقال: مكان دحض و دحض بالتحريك أي زلق، و في القاموس رجل جائر بائر أي لم يتجه لشيء، و لا يأتمر رشدا و لا يطيع مرشدا" انتهى". إِقَامَةَ الْإِمَامِ بِعُقُولٍ حَائِرَةٍ بَائِرَةٍ نَاقِصَةٍ وَ آرَاءٍ مُضِلَّةٍ فَلَمْ يَزْدَادُوا مِنْهُ إِلَّا بُعْداً قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ* وَ لَقَدْ رَامُوا صَعْباً وَ قَالُوا إِفْكاً وَ ضَلُّوا ضَلٰالًا بَعِيداً وَ وَقَعُوا فِي الْحَيْرَةِ إِذْ تَرَكُوا الْإِمَامَ عَنْ بَصِيرَةٍ وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَ كٰانُوا مُسْتَبْصِرِينَ رَغِبُوا عَنِ اخْتِيَارِ اللَّهِ وَ اخْتِيَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ أَهْلِ بَيْتِهِ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ وَ الْقُرْآنُ يُنَادِيهِمْ- وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ وَ يَخْتٰارُ مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحٰانَ اللّٰهِ وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا " فلم يزدادوا منه" أي من الإمام الحق" إلا بعدا" و في بعض النسخ بعد ذلك: و قال الصفواني في حديثه: " قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ* " ثم اجتمعا في الرواية. أقول: رواة نسخ الكليني كثيرة أشهرهم الصفواني و النعماني فبعض الرواة المتأخرة منهم عارضوا النسخ و أشاروا إلى الاختلاف، فالأصل برواية النعماني و لم يكن فيه: " قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ أَنّٰى يُؤْفَكُونَ* " و كان في رواية الصفواني فأشار هنا إلى الاختلاف" قٰاتَلَهُمُ اللّٰهُ* " دعاء عليهم بالهلاك و البعد عن رحمة الله، لأن من قاتله الله فهو هالك بعيد عن رحمة الله أو تعجب عن شناعة عقائدهم و أعمالهم" أَنّٰى يُؤْفَكُونَ* " قال الراغب: أي يصرفون عن الحق في الاعتقاد إلى الباطل، و من الصدق في المقال إلى الكذب، و من الحسن في الفعل إلى القبيح، و الإفك الكذب، و كل مصروف عن وجهه. " وَ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطٰانُ أَعْمٰالَهُمْ " في طلب الإمام باختيارهم" فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ " و هو الإمام و معرفته" وَ كٰانُوا مُسْتَبْصِرِينَ " أي عالمين بذلك السبيل، أو قادرين على العلم فقصروا. " وَ يَخْتٰارُ " أي ما يشاء" مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ " كلمة" ما" نافية، و قيل: موصولة، مفعول ليختار، و العائد محذوف، و المعنى يختار الذين كان لهم فيه الخيرة و الخيرة بمعنى التخيير" سُبْحٰانَ اللّٰهِ " تنزيها له أن ينازعه أحد في الخلق و يزاحم اختياره" وَ تَعٰالىٰ عَمّٰا يُشْرِكُونَ " أي عن إشراكهم في الخلق و الاختيار. قال السيد في الطرائف: روى محمد بن مؤمن الشيرازي في تفسير قوله تعالى: " يُشْرِكُونَ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ وَ لٰا مُؤْمِنَةٍ إِذٰا قَضَى اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ الْآيَةَ وَ قَالَ- مٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَمْ لَكُمْ كِتٰابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمٰا تَخَيَّرُونَ أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا بٰالِغَةٌ إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمٰا تَحْكُمُونَ سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذٰلِكَ زَعِيمٌ أَمْ لَهُمْ شُرَكٰاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكٰائِهِمْ إِنْ كٰانُوا وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ مٰا يَشٰاءُ " قال: إن الله تعالى خلق آدم من طين حيث شاء، ثم قال: " وَ يَخْتٰارُ " إن الله تعالى اختارني و أهل بيتي على جميع الخلق فانتجبنا، و جعلني الرسول و جعل علي بن أبي طالب (عليه السلام) الوصي، ثم قال: " مٰا كٰانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ " يعني ما جعلت للعباد أن يختاروا و لكني اختار من أشاء، فأنا و أهل بيتي صفوة الله و خيرته من خلقه، ثم قال: " سُبْحٰانَ اللّٰهِ (وَ تَعٰالىٰ) عَمّٰا يُشْرِكُونَ " يعني تنزيه الله عما يشرك به كفار مكة، ثم قال: " وَ رَبُّكَ " يا محمد" يَعْلَمُ مٰا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ " من بغض المنافقين لك و لأهل بيتك" وَ مٰا يُعْلِنُونَ " من الحب لك و لأهل بيتك. و أقول: ليس قوله: " من أمرهم" في القرآن و لا في العيون و معاني الأخبار و غيرهما من كتب الحديث، و لعله زيد من النساخ، و على تقديره يمكن أن يكون في قراءتهم (عليهم السلام) كذلك، أو زاده (عليه السلام) تفسيرا. " أَمْ لَكُمْ كِتٰابٌ " أي من السماء" فِيهِ تَدْرُسُونَ " أي تقرءون" إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمٰا تَخَيَّرُونَ " أي إن لكم ما تختارونه و تشتهونه، قيل: أصله أن لكم بالفتح لأنه المدروس، فلما جئت باللام كسرت، و يجوز أن يكون حكاية للمدروس أو استينافا، و تخير الشيء و اختياره: أخذ خيره. " أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا " أي عهود مؤكدة بالإيمان" بٰالِغَةٌ " متناهية في التأكيد" إِلىٰ يَوْمِ الْقِيٰامَةِ " متعلق بالمقدر في لكم أي ثابتة لكم علينا إلى يوم القيامة لا تخرج عن عهدتها حتى نحكمكم في ذلك اليوم، أو مبالغة أي أيمان علينا تبلغ ذلك اليوم" إِنَّ لَكُمْ لَمٰا تَحْكُمُونَ " جواب القسم لأن معنى" أَمْ لَكُمْ أَيْمٰانٌ عَلَيْنٰا " أم أقسمنا لكم. " سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذٰلِكَ زَعِيمٌ " أي بذلك الحكم قائم يدعيه و يصححه م" أَمْ لَهُمْ شُرَكٰاءُ " صٰادِقِينَ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَّ- أَ فَلٰا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا أَمْ طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لٰا يَفْقَهُونَ أَمْ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللّٰهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لٰا يَعْقِلُونَ وَ لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا وَ هُمْ يشاركونهم في هذا القول" فَلْيَأْتُوا بِشُرَكٰائِهِمْ إِنْ كٰانُوا صٰادِقِينَ " في دعواهم إذ لا أقل من التقليد، قال البيضاوي: قد نبه سبحانه في هذه الآيات على نفي جميع ما يمكن أن يتشبثوا به من عقل أو نقل أو وعد أو محض تقليد على الترتيب تنبيها على مراتب النظر و تزييفا لما لا سند له" أَمْ عَلىٰ قُلُوبٍ أَقْفٰالُهٰا " المانعة من دخول الحق فيها. قيل: تنكير القلوب لأن المراد قلوب بعض منهم، و إضافة الأقفال إليها للدلالة على أقفال مناسبة لها مختصة بها، لا تجانس الأقفال المعهودة. " أم طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ* " هذا من كلامه (عليه السلام) اقتبسه من الآيات و ليس في القرآن بهذا اللفظ، و" أم" منقطعة في مقابلة قوله: " و القرآن يناديهم" أي ختم الله على قلوبهم فهم لا يعلمون ما في متابعة القرآن و موافقة الرسول من السعادة، و ما في مخالفتهما و القول بالرأي من الشقاوة. " أم قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ " هذا أيضا اقتباس، و في القرآن" يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ وَ لٰا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَ أَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَ لٰا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ هُمْ لٰا يَسْمَعُونَ " أي سماع انقياد و إذعان فكأنهم لا يسمعون أصلا و بعد ذلك في القرآن: " إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ " أي شر البهائم عِنْدَ اللّٰهِ " الصُّمُّ " عن الحق" الْبُكْمُ " عنه" الَّذِينَ لٰا يَعْقِلُونَ " الحق فقد عد من لم يعمل بالآيات و لم يتفكر فيها شر البهائم، لإبطالهم عقولهم التي بها يتميزون عنها، و من جملة تلك الآيات ما دل على المنع من القول في الدين بالرأي و الاختيار و بعد تلك الآيات قوله: " وَ لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً " قال البيضاوي: سعادة كتبت لهم أو انتفاعا بالآيات" لَأَسْمَعَهُمْ " سماع تفهيم" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ " و قد علم أن لا خير فيهم" لَتَوَلَّوْا " و لم ينتفعوا به أو ارتدوا بعد التصديق و القبول مُعْرِضُونَ " وَ هُمْ مُعْرِضُونَ " لعنادهم انتهى. و يمكن أن يكون غرضه (عليه السلام) تأويل الآيات بالإمامة بأن يكون المراد بقوله: " أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ " في إمامة علي (عليه السلام) ثم قال: " لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ " إمامة علي (عليه السلام) و بطلان أئمة الضلال بأصرح مما في القرآن" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ " كذلك و هم على هذه الشقاوة" لَتَوَلَّوْا " صريحا و ارتدوا عن الدين ظاهرا، و لم تكن المصلحة في ذلك، فلذا لم يسمعهم كذلك، و بالجملة لا بد أن يكون المراد بالإسماع إسماعا زائدا على ما لا بد منه في إتمام الحجة إما بزيادة التصريح، أو بالألطاف الخاصة التي لا يستحقها المعاندون. و أورد ههنا إشكال مشهور و هو أن أمير المؤمنين المذكورتين في الآية بصورة قياس اقتراني ينتج: لو علم الله فيهم خيرا لتولوا و هذا محال، لأنه على تقدير أن يعلم الله فيهم خيرا لا يحصل منهم التولي بل الانقياد، و قد ظهر من كلام البيضاوي لذلك جواب. و الجواب الحق أنه ليس المقصود في الآية ترتب قياس اقتراني حتى يلزم أن يكون منتجا مشتملا على شرائط الإنتاج، و ليس مشتملا عليها لعدم كلية الكبرى، إذ قوله تعالى: " وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا " ليس المراد أنه على أي تقدير أسمعهم لتولوا، بل على هذا التقدير الذي لا يعلم الله فيهم الخير لو أسمعهم لتولوا و لذا لم يسمعهم إسماعا موجبا لانقيادهم، و الجملة الثانية مؤكدة للأولى، أي عدم إسماعهم في تلك الحالة، لأنه لو أسمعهم لتولوا، و يحتمل أن يكون في قوة استثناء نقيض التالي فيكون قياسا استثنائيا. و ينسب إلى المحقق الطوسي (رحمه الله) أنه أجاب عن هذا الإشكال بأن المقدمتين مهملتان و كبرى الشكل الأول يجب أن تكون كلية، و لو سلم فإنما ينتجان لو كانت الكبرى لزومية و هو ممنوع، و لو سلم فاستحالة النتيجة ممنوعة، لأن علم الله تعالى فيهم خيرا محال، إذ لا خير فيهم، و المحال جاز أن يستلزم المحال........... و قال بعض الأفاضل هذا الجواب و أصل السؤال كلاهما باطل لأن لفظ" لو" لم يستعمل في فصيح الكلام في القياس الاقتراني، و إنما يستعمل في القياس الاستثنائي، المستثنى منه نقيض التالي لأنه معتبر في مفهوم" لو" فلو صرح به كان تكرارا، و كيف يصح أن يعتقد في كلام الحكيم تعالى و تقدس أنه قياس أهملت فيه شرائط الإنتاج، فأي فائدة تكون في ذلك، و هل يركب القياس إلا لحصول النتيجة؟ بل الحق أن قوله تعالى: " وَ لَوْ عَلِمَ اللّٰهُ فِيهِمْ خَيْراً لَأَسْمَعَهُمْ " وارد على قاعدة اللغة، و هي أن امتناع الشرط يعني أن سبب عدم الإسماع في الخارج عدم العلم بالخير فيهم من غير ملاحظة أن علة العلم بانتفاء الجزاء ما هي، ثم ابتدأ قوله: " وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوْا " كلاما آخر على طريقة قوله (عليه السلام): " نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه" يعني أن التولي لازم على تقدير الإسماع، فكيف على تقدير عدمه، فهو دائم الوجود، و هذه الطريقة غير طريقة أرباب الميزان الذين يستعملون لفظ" لو" في القياس الاستثنائي، و غير طريقة أهل اللغة الذين يستعملونه لامتناع الجزاء لأجل امتناع الشرط، و بناء هذه الطريقة على أن لفظ" لو" يستعمل للدلالة على أن الجزاء لازم الوجود في جميع الأزمنة مع وجود الشرط و عدمه، و ذلك إذا كان الشرط مما يستبعد استلزامه لذلك الجزاء، و يكون نقيض ذلك الشرط أنسب و أليق باستلزامه ذلك الجزاء، فيلزم استمرار وجود الجزاء على تقدير وجود الشرط و عدمه فيكون دائم الوجود في قصد المتكلم. و قال التفتازاني: يجوز أن تكون الشرطية الثانية أيضا مستعملة على قاعدة أَمْ قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰا بَلْ هُوَ فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ فَكَيْفَ لَهُمْ بِاخْتِيَارِ الْإِمَامِ وَ الْإِمَامُ عَالِمٌ لَا يَجْهَلُ وَ رَاعٍ لَا يَنْكُلُ مَعْدِنُ اللغة كما هو مقتضى أصل" لو" فتفيد أن التولي منتف بسبب انتفاء الإسماع، لأن التولي هو الإعراض عن الشيء و عدم الانقياد له، فعلى تقدير عدم إسماعهم ذلك الشيء لم يتحقق منهم التولي و الإعراض عنه، و لم يلزم من هذا تحقق الانقياد له. فإن قيل: انتفاء التولي خير و قد ذكر أن لا خير فيهم؟ قلنا: لا نسلم أن انتفاء التولي بسبب انتفاء الإسماع خير، و إنما يكون خيرا لو كانوا من أهله بأن سمعوا شيئا ثم انقادوا له و لم يعرضوا، انتهى. أقول: و يحتمل على ما أشرنا إليه من حمل قوله: " لَأَسْمَعَهُمْ " على الهدايات و الألطاف الخاصة، أن يحمل قوله سبحانه" وَ لَوْ أَسْمَعَهُمْ " على غير ذلك من أصل الاستماع الذي هو شرط التكليف، فلا يتكرر الوسط فلا يلزم الإنتاج. و هذا قريب من أحد الوجوه التي ذكرها ابن هشام في المغني، حيث أجاب عن ذلك بثلاثة وجوه: " الأول": أن التقدير لأسمعهم إسماعا نافعا، و لو أسمعهم إسماعا غير نافع لتولوا فاختلف الوسط" و الثاني": ما ذكره البيضاوي" و الثالث": لو علم الله فيهم خيرا وقتا ما لتولوا بعد ذلك، و أشار البيضاوي إليه أيضا، و في الأخيرين ما ترى، و سيأتي في باب: أنه لا يجمع القرآن كله إلا الأئمة (عليهم السلام)، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال: إن من علم ما أوتينا تفسير القرآن و أحكامه، و علم تغيير الزمان و حدثانه، إذا أراد الله بقوم خيرا أسمعهم، و لو أسمع من لم يسمع لولي معرضا كان لم يسمع" الخبر" و فيه تأييد لما ذكرنا أولا فتفطن. " أم قٰالُوا سَمِعْنٰا وَ عَصَيْنٰا " أم منقطعة على نحو ما سبق، مقتبسا مما ذكره الله في قصة بني إسرائيل أي بل قالوا سمعنا كلام الله و رسوله في تعيين الإمام و عصيناهما. " بل هو فضل الله" أي الإماتة أو السماع و معرفة الإمام. " عالم لا يجهل" أي شيئا من الأشياء التي تحتاج الأمة إليها" و راع" أي حافظ الْقُدْسِ وَ الطَّهَارَةِ وَ النُّسُكِ وَ الزَّهَادَةِ وَ الْعِلْمِ وَ الْعِبَادَةِ مَخْصُوصٌ بِدَعْوَةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ نَسْلِ الْمُطَهَّرَةِ الْبَتُولِ لَا مَغْمَزَ فِيهِ فِي نَسَبٍ وَ لَا يُدَانِيهِ ذُو حَسَبٍ فِي الْبَيْتِ مِنْ قُرَيْشٍ للأمة، و في بعض النسخ بالدال" لا ينكل" من باب ضرب و نصر و علم أي لا يضعف و لا يجبن" معدن" بفتح الدال و كسرها" القدس" بالضم و بضمتين و هو البراءة من العيوب" و الطهارة" و هي البراءة من الذنوب. " و النسك" أي العبادة و الطاعة أو أعمال الحج، قال في النهاية: النسيكة: الذبيحة و جمعها نسك، و النسك أيضا الطاعة و العبادة، و كل ما يتقرب به إلى الله تعالى، و النسك ما أمرت به الشريعة و الورع ما نهت عنه، و الناسك: العابد، و سئل تغلب عن الناسك؟ فقال: هو مأخوذ من النسيكة و هي سبيكة الفضة المصفاة، كأنه صفى نفسه لله تعالى، و في القاموس: النسك مثلثة، و بضمتين: العبادة، و كل حق لله عز و جل، و نسك الثوب أو غيره غسله بالماء فطهره. " و الزهادة" عدم الرغبة في الدنيا" مخصوص بدعوة الرسول" أي بدعوة الخلق نيابة عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) كما قال تعالى: " أَدْعُوا إِلَى اللّٰهِ عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي " و قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): لا يبلغه إلا أنا أو رجل مني، أو بدعاء الرسول إياه قبل سائر الخلق أو للإمامة أو بدعاء الرسول له كقوله (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم وال من والاه، و قوله: اللهم أذهب عنهم الرجس، و قوله: اللهم ارزقهم فهمي و علمي و غيرهما. و قال البغوي: البتل: القطع، و منه سميت فاطمة البتول لانقطاعها عن النساء فضلا و دينا و حسبا و" لا مغمز فيه في نسب" المغمز مصدر أو اسم مكان من الغمز بمعنى الطعن، و هذا من شرائط الإمام عند الإمامية. " في البيت من قريش" أي في أشرف بيت من بيوت قريش، أو في بيت عظيم هو قريش، بأن تكون كلمة" من" بيانية و على التقديرين يدل على أن الإمام لا بد أن يكون قرشيا. وَ الذِّرْوَةِ مِنْ هَاشِمٍ وَ الْعِتْرَةِ مِنَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ الرِّضَا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ شَرَفُ الْأَشْرَافِ وَ الْفَرْعُ مِنْ عَبْدِ مَنَافٍ نَامِي الْعِلْمِ كَامِلُ الْحِلْمِ مُضْطَلِعٌ بِالْإِمَامَةِ و في أخبار العامة أيضا دلالة عليه، فقد روى مسلم في صحيحه عشرة أحاديث تدل على ذلك، منها ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي من الناس اثنان. و منها ما روي عن جابر بن سمرة قال: دخلت مع أبي على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فسمعته يقول: إن هذه الأمة لا تنقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، ثم تكلم بكلام خفي علي، قال: قلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش. و عن ابن سمرة أيضا بإسناد آخر أنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: لا- يزال الدين قائما حتى تقوم الساعة و يكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش. قال الآمدي: الشروط المختلفة فيها في الإمامة ستة منها القرشية و هو المشهور عندنا بل مجمع عليه. " و الذروة من هاشم" يحتمل الوجهين السابقين، و ذروة كل شيء بالضم و الكسر: أعلاه، قيل: المراد أن يكون من فاطمة المخزومية أم عبد الله و أبي طالب و الزبير، قال حسان في ذم ابن عباس. و إن سنام المجد من آل هاشم * * * بنو بنت مخزوم و والدك العبد و قال الجوهري: عترة الرجل أخص أقاربه، و عترة النبي بنو عبد المطلب، و قيل: أهل بيته الأقربون، و هم أولاده و على و أولاده و قيل: عترته الأقربون و الأبعدون عنهم، انتهى. " و الرضا من الله" أي المرضي من عنده" شرف الأشراف" أي أشرف من كل شريف نسبا و حسبا، و فرع كل شيء: أعلاه" نامي العلم" أي علمه دائما في الزيادة لأنه محدث" كامل الحلم" أي العقل و الأناءة و التثبت في الأمور لا يستخفه شيء من المكاره و لا يستفزه الغضب" مضطلع بالإمامة" أي قوي عليها من الضلاعة و هي عَالِمٌ بِالسِّيَاسَةِ مَفْرُوضُ الطَّاعَةِ قَائِمٌ بِأَمْرِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ نَاصِحٌ لِعِبَادِ اللَّهِ حَافِظٌ لِدِينِ اللَّهِ إِنَّ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَئِمَّةَ صلى الله عليه وآله وسلم يُوَفِّقُهُمُ اللَّهُ وَ يُؤْتِيهِمْ مِنْ مَخْزُونِ عِلْمِهِ وَ حِكَمِهِ مَا لَا يُؤْتِيهِ غَيْرَهُمْ فَيَكُونُ عِلْمُهُمْ فَوْقَ عِلْمِ أَهْلِ الزَّمَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ فَمٰا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ وَ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَ قَوْلِهِ فِي طَالُوتَ القوة يقال: اضطلع بحمله أي قوي عليه و نهض به" عالم بالسياسة" أي بما يصلح الأمة من قولهم سست الرعية أي أدبتهم و أصلحتهم" قائم بأمر الله" لا بتعيين الأمة أو بإجراء أمر الله تعالى على خلقه" و حكمه" معطوف على المضاف أو المضاف إليه، تأكيدا أو تخصيصا بعد التعميم، أو المراد بالحكم الشرائع و بالعلم غيرها. " في قوله تعالى" متعلق بمقدر أي ذلك مذكور في قوله تعالى، و يحتمل أن تكون كلمة" في" تعليلية" أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ " الآية صريحة في أن المتبوع يجب أن يكون أعلم من التابع، و أنه لا بد أن يكون الإمام غير محتاج إلى الرعية في علمه، و لا ريب أن غير أمير المؤمنين (عليه السلام) من الصحابة لم يكونوا كذلك و" أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي " بتشديد الدال و قرأ بفتح الهاء و كسرها، و الأصل يهتدي فأدغمت و فتحت الهاء أو كسرت لالتقاء الساكنين" وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ " يدل على فضل العلم و الحكمة، و تفضيل المفضول قبيح عقلا، و قد فسرت الحكمة في الأخبار بمعرفة الإمام" و قوله تعالى في طالوت" هو اسم أعجمي عبري و قيل: أصله طولوت من الطول، و المشهور أنه لما سأل الله إشموئيل (عليه السلام) لقومه أن يبعث لهم ملكا أتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت فقال: هو الملك عليكم، فقال قومه: " أَنّٰى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنٰا " و يستأهل الإمارة" وَ نَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ " لشرافة النسب و كثرة الأموال، لأنه كان من أولاد بنيامين و لم يكن فيهم النبوة و الملك، و كانوا من أولاد لاوي بن يعقوب و كانت النبوة فيهم، و من أولاد يهودا و كان الملك فيهم" وَ لَمْ إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمٰالِ " الذي عليه مدار الملك و السلطنة، إذ كان فقيرا راعيا أو سقاء يسقي على حمار له من النيل، أو دباغا يعمل الأديم على اختلاف الأقوال فيه" فقال لهم نبيهم إِنَّ اللّٰهَ اصْطَفٰاهُ عَلَيْكُمْ وَ زٰادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَ الْجِسْمِ وَ اللّٰهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ " فدلت الآية على أن الاصطفاء و إيتاء الملك الحق إنما يكون من الله و بتعيينه، و أن مناط الاصطفاء شيئان: العلم و الجسم، و معلوم أن الجسم غير مقصود في نفسه بل لكونه ملزوما للشجاعة و المهابة عند العدو، فدلت على أن الإمام لا بد أن يكون أعلم و أشجع من جميع الأمة، و لا ريب في أن كلا من أئمتنا (عليهم السلام) كانوا أعلم و أشجع ممن كان في زمانهم من المدعين للخلافة. قال البيضاوي: لما استبعدوا تملكه لفقره و سقوط نسبه رد عليهم ذلك" أولا" بأن العمدة فيه اصطفاء الله و قد اختاره عليكم و هو أعلم بالمصالح منكم" و ثانيا" بأن الشرط فيه وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية و جسامة البدن ليكون أعظم خطرا في القلوب و أقوى على مقاومة العدو و مكائدة الحروب و قد زاده فيهما" و ثالثا" بأنه تعالى مالك الملك على الإطلاق فله أن يؤتيه من يشاء" و رابعا" بأنه واسع الفضل يوسع على الفقير و يغنيه، عليم بمن يليق بالملك، انتهى. و أقول: إذا تأملت في كلامه ظهر لك وجوه من الحجة عليه كما أومأنا إليه" أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ " في سورة النساء هكذا: " وَ أَنْزَلَ اللّٰهُ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ " فالتغيير إما من النساخ أو منه (عليه السلام) نقلا بالمعنى، أو لكونه في قراءتهم (عليهم السلام) هكذا، و لعل الغرض من إيراد هذه الآية أن الله تعالى امتن على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) بإنزال الكتاب و الحكمة و إيتاء نهاية العلم وعد ذلك فضلا عظيما، و أثبت ذلك الفضل لجماعة من تلك الأمة بأنهم المحسودون على ما آتاهم الله من فضله، ثم بين أنهم من آل إبراهيم (عليه السلام). و الفضل: العلم و الحكمة و الخلافة، مع أنه يظهر من الآيتين، أن الفضل اللّٰهُ وٰاسِعٌ عَلِيمٌ وَ قَالَ لِنَبِيِّهِ ص- أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ عَلَّمَكَ مٰا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَ كٰانَ فَضْلُ اللّٰهِ عَلَيْكَ عَظِيماً وَ قَالَ فِي الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ وَ عِتْرَتِهِ وَ ذُرِّيَّتِهِ ص أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً وَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اخْتَارَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِأُمُورِ عِبَادِهِ شَرَحَ صَدْرَهُ لِذَلِكَ وَ أَوْدَعَ قَلْبَهُ يَنَابِيعَ الْحِكْمَةِ وَ أَلْهَمَهُ الْعِلْمَ إِلْهَاماً فَلَمْ يَعْيَ بَعْدَهُ بِجَوَابٍ وَ لَا يُحَيَّرُ فِيهِ عَنِ الصَّوَابِ- فَهُوَ مَعْصُومٌ مُؤَيَّدٌ مُوَفَّقٌ مُسَدَّدٌ قَدْ أَمِنَ مِنَ الْخَطَايَا وَ الزَّلَلِ وَ الْعِثَارِ يَخُصُّهُ اللَّهُ بِذَلِكَ لِيَكُونَ حُجَّتَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَ شَاهِدَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَ ذٰلِكَ فَضْلُ اللّٰهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشٰاءُ وَ اللّٰهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ و الشرف بالعلم و الحكمة، و لا ريب في أنهم (عليهم السلام) كانوا أعلم ممن ادعى الخلافة في زمانهم. " أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ " أم منقطعة، و على تأويله (عليه السلام): الناس: الأئمة (عليهم السلام) " فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً " هو الإمامة و وجوب الطاعة، فكيف لا تؤتى آل محمد؟ أو هم داخلون في آل إبراهيم و أشرفهم" فَمِنْهُمْ " أي من الأمة" مَنْ آمَنَ بِهِ " أي بالملك أو بالإيتاء و" الصدود" الإعراض و المنع" وَ كَفىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً " أي نارا مسعرة يعذبون بها إن لم يعذبوا في الدنيا. " شرح صدره" أي وسعه و فتحه لذلك أي لأمور عباده" فلم يعي" بفتح اليائين و سكون المهملة، أي لم يعجزه" بعده" أي بعد الاختيار أو بعد الإلهام أو بعد كل واحد من الشرح و الإيداع و الإلهام" و لا يحير" مضارع حار من الحيرة، و في بعض النسخ: و لا تحير، مصدر باب التفعل" فيه" أي في الجواب" مؤيد" من الأيد بمعنى القوة أي بالملائكة أو الأعم" مسدد" بروح القدس كما سيأتي. فَهَلْ يَقْدِرُونَ عَلَى مِثْلِ هَذَا فَيَخْتَارُونَهُ أَوْ يَكُونُ مُخْتَارُهُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَيُقَدِّمُونَهُ تَعَدَّوْا وَ بَيْتِ اللَّهِ الْحَقَّ وَ نَبَذُوا كِتٰابَ اللّٰهِ وَرٰاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ وَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْهُدَى وَ الشِّفَاءُ فَنَبَذُوهُ وَ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فَذَمَّهُمُ اللَّهُ وَ مَقَّتَهُمْ وَ أَتْعَسَهُمْ فَقَالَ جَلَّ وَ تَعَالَى- وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوٰاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّٰهِ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّٰالِمِينَ وَ قَالَ فَتَعْساً لَهُمْ وَ أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ وَ قَالَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللّٰهِ وَ عِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذٰلِكَ يَطْبَعُ اللّٰهُ عَلىٰ كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّٰارٍ وَ صَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً " و بيت الله" يدل على جواز الحلف بحرمات الله، فما ورد من المنع عن الحلف بغير الله إما مخصوص بغير هذه أو بالدعاوي" كَأَنَّهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ " الحق و الكتاب أو ليسوا من ذوي العلم بل هم من البهائم" بِغَيْرِ هُدىً " قال البيضاوي: في موضع الحال للتوكيد أو التقييد، فإن هوي النفس قد يوافق الحق، انتهى. " إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي " بالهدايات الخاصة أو إلى الجنة في الآخرة" الْقَوْمَ الظّٰالِمِينَ " الذين ظلموا أنفسهم بالانهماك في اتباع الهوى" فَتَعْساً لَهُمْ " أي ألزمهم الله هلاكا أو أتعسهم تعسا، و التعس بالفتح و بالتحريك: الهلاك، و العثار: السقوط، و الشر و البعد و الانحطاط" وَ أَضَلَّ أَعْمٰالَهُمْ " أي أبطلها فلم يجدوا لها أثرا عند ما يجد العاملون أثر أعمالهم. " كَبُرَ مَقْتاً " قبل ذلك في سورة المؤمن: " كَذٰلِكَ يُضِلُّ اللّٰهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتٰابٌ الَّذِينَ يُجٰادِلُونَ فِي آيٰاتِ اللّٰهِ بِغَيْرِ سُلْطٰانٍ أَتٰاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً " و قال البيضاوي: فيه ضمير" من" و إفراده للفظ، و يجوز أن يكون الذين مبتدأ و خبره كبر على حذف مضاف، أي و جدال الذين يجادلون كبر مقتا، أو بغير سلطان و فاعل كبر كذلك أي كبر مقتا مثل ذلك الجدال، فيكون قوله: " يَطْبَعُ اللّٰهُ " إلخ استينافا للدلالة على الموجب لخذلانهم.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٣٧٦. — الإمام الرضا عليه السلام
عَزَّ وَ جَلَّ- أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ باب أن الأئمة (عليهم السلام) ولاة الأمر و هم الناس المحسودون الذين ذكرهم الله عز و جل الحديث الأول: ضعيف. " وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ " قد تقدم القول فيه في باب فرض طاعة الأئمة (عليهم السلام)، و قال ابن شهرآشوب (رحمه الله) في المناقب: الأمة على قولين في معنى" أولي الأمر" في هذه الآية: أحدهما: أنها في أئمتنا (عليهم السلام) " و الثاني" أنها في أمراء السرايا، و إذا بطل أحد الأمرين ثبت الآخر، و إلا خرج الحق عن الأمة، و الذي يدل على أنها في أئمتنا (صلوات الله عليهم) أن ظاهرها يقتضي عموم طاعة أولي الأمر من حيث عطف الله تعالى الأمر بطاعتهم على الأمر بطاعته و طاعة رسوله، و من حيث أطلق الأمر بطاعتهم و لم يخص شيئا من شيء لأنه سبحانه لو أراد خاصا لبينه، و في فقد البيان منه تعالى دليل على إرادة الكل، و إذا ثبت ذلك ثبتت إمامتهم، لأنه لا أحد تجب طاعته على ذلك الوجه بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا الإمام، و إذا اقتضت وجوب طاعة أولي الأمر على العموم لم يكن بد من عصمتهم، و إلا أدى إلى أن يكون قد أمر بالقبيح، لأن من ليس بمعصوم لا يؤمن منه وقوع القبيح، فإذا وقع كان الاقتداء به قبيحا، و إذا ثبت مِنْكُمْ فَكَانَ جَوَابُهُ- دلالة الآية على العصمة و وجوب الطاعة بطل توجهها إلى أمراء السرايا، لارتفاع عصمتهم، و قال بعضهم هم علماء الأمة و هم مختلفون و في طاعة بعضهم عصيان بعض، و إذا أطاع المؤمن بعضهم عصى الآخر، و الله تعالى لا يأمر بذلك، ثم إن الله تعالى وصف أولي الأمر بصفة تدل على العلم و الإمرة جميعا في قوله: " وَ إِذٰا جٰاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذٰاعُوا بِهِ وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ " فرد إليهم الأمن أو الخوف للأمراء، و الاستنباط للعلماء، و لا يجتمعان إلا لأمير عالم، انتهى. قوله (عليه السلام): كان جوابه، قيل: سئل (عليه السلام) عن معنى أولي الأمر فأجاب السائل ببيان آية أخرى ليفهم به ما يريد مع إيضاح و تشييد و لا يخفى ما فيه. و أقول: سوء الفهم و إشكال الحديث إنما نشأ من أن المصنف (ره) أسقط تتمة الحديث و ذكرها في موضع آخر، و في تفسير العياشي بعد قوله: " إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَزِيزاً حَكِيماً "" وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنّٰاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهٰارُ خٰالِدِينَ فِيهٰا أَبَداً لَهُمْ فِيهٰا أَزْوٰاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَ نُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا " قال: قلت: قوله: في آل إبراهيم: " وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً " ما الملك العظيم؟ قال: أن جعل منهم أئمة، من أطاعهم أطاع الله، و من عصاهم عصى الله، فهو الملك العظيم قال: ثم قال" إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّٰهَ نِعِمّٰا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ سَمِيعاً بَصِيراً " قال: إيانا عنى، أن يؤدى الأول منا إلى الإمام الذي بعده الكتب و العلم و السلاح" وَ إِذٰا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النّٰاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ " الذي في أيديكم ثم قال للناس: " يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا " فجمع المؤمنين إلى يوم القيامة" أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ " إيانا عنى خاصة، فإن خفتم تنازعا في الأمر فارجعوا إلى الله و إلى الرسول و أولي أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتٰابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطّٰاغُوتِ وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هٰؤُلٰاءِ أَهْدىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا يَقُولُونَ لِأَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَ الدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ- هٰؤُلٰاءِ أَهْدىٰ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ سَبِيلًا أُولٰئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللّٰهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ يَعْنِي الْإِمَامَةَ وَ الْخِلَافَةَ الأمر منكم، هكذا نزلت، و كيف يأمرهم بطاعة أولي الأمر و يرخص لهم في منازعتهم، إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: " أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ". أقول: فظهر أنه (عليه السلام) شرع في تفسير الآيات المتقدمة على تلك الآية و بين نزولها فيهم (عليه السلام) ليتضح نزول هذه الآية فيهم أشد إيضاح و أبينه. " أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتٰابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطّٰاغُوتِ " قال البيضاوي: نزلت في يهود كانوا يقولون إن عبادة الأصنام أرضى عند الله مما يدعو إليه محمد، و قيل: في حيي بن أخطب و كعب بن الأشرف و في جمع من اليهود خرجوا إلى مكة يحالفون قريشا على محاربة رسول الله، فقالوا: أنتم أهل كتاب، و أنتم أقرب إلى محمد منكم إلينا، فلانا من مكركم فاسجدوا آلهتنا حتى نطمئن إليكم ففعلوا، و الجبت في الأصل اسم صنم فاستعمل في كل ما عبد من دون الله، و قيل: أصله الجبس و هو الذي لا خير فيه، فقلبت سينه تاء. و الطاغوت يطلق لكل باطل من معبود أو غيره" وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا " لأجلهم و فيهم" هؤلاء" إشارة إليهم" أَهْدىٰ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا " أي أقوم دينا و أرشد طريقا" فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً " يمنع العذاب عنه بشفاعة أو غيرها، انتهى. أقول: و على تأويله (عليه السلام) الجبت و الطاغوت: الأول و الثاني، " و الذين كفروا" سائر خلفاء الجور، و لا ينافي ذلك ما مر من نزول الآية، لأن الله تعالى لما ذم المخالفين للرسول و لعنهم فهو جار فيمن خالف أهل بيته، لأنهم القائمون مقامه. " أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ " قال البيضاوي" أم" منقطعة، و معنى الهمزة إنكار فَإِذاً لٰا يُؤْتُونَ النّٰاسَ نَقِيراً نَحْنُ النَّاسُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ وَ النَّقِيرُ النُّقْطَةُ الَّتِي فِي وَسَطِ النَّوَاةِ أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ عَلىٰ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ نَحْنُ النَّاسُ الْمَحْسُودُونَ عَلَى مَا آتَانَا اللَّهُ مِنَ الْإِمَامَةِ دُونَ خَلْقِ اللَّهِ أَجْمَعِينَ فَقَدْ آتَيْنٰا آلَ إِبْرٰاهِيمَ الْكِتٰابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْنٰاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً يَقُولُ جَعَلْنَا مِنْهُمُ الرُّسُلَ وَ الْأَنْبِيَاءَ وَ الْأَئِمَّةَ فَكَيْفَ أن يكون لهم نصيب من الملك، أو جحد لما زعمت اليهود من أن الملك سيصير إليهم" فَإِذاً لٰا يُؤْتُونَ النّٰاسَ نَقِيراً " أي لو كان لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون أحدا ما يوازي نقيرا، و هو النقرة في ظهر النواة، و هذا هو الإغراق في بيان شحهم، فإنهم بخلوا بالنقير و هم ملوك فما ظنك بهم إذا كانوا أذلاء متفاقرين. أقول: و يحتمل أن يكون المراد بالنقطة في كلامه (عليه السلام) النقرة، و قال الطبرسي (رحمه الله): قيل: المراد بالملك هنا النبوة. " أَمْ يَحْسُدُونَ النّٰاسَ " قال الطبرسي: معناه بل أ يحسدون الناس، و اختلف في معنى الناس هنا فقيل: أراد به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حسدوه على ما أعطاه من النبوة و إباحة تسعة نسوة و ميلة إليهن، و قالوا لو كان نبيا لشغلته النبوة عن ذلك، فبين الله سبحانه أن النبوة ليست ببدع في آل إبراهيم" و ثانيها" أن المراد بالناس النبي و آله (عليهم السلام) عن أبي جعفر (عليه السلام)، و المراد بالفضل فيه النبوة، و في آله الإمامة، انتهى. و أقول: روى ابن حجر في صواعقه قال: أخرج أبو الحسن المغازلي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال في هذه الآية: نحن الناس و الله، و لا يخفى أن تفسيرهم (عليهم السلام) أنسب بلفظ الناس. " فكيف يقرون به في آل إبراهيم و ينكرونه في آل محمد" و محمد أفضل من إبراهيم، فكيف يستبعدون ذلك، أو آل محمد من آل إبراهيم فلم لا يشملهم؟ " يقول جعلنا منهم الرسل" إما تفسير لإيتاء مجموع الكتاب و الحكمة و الملك يُقِرُّونَ بِهِ فِي آلِ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام وَ يُنْكِرُونَهُ فِي آلِ مُحَمَّدٍ ص- فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيراً إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيٰاتِنٰا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نٰاراً كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا لِيَذُوقُوا الْعَذٰابَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَزِيزاً حَكِيماً
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٤٠٧. — الإمام الباقر عليه السلام
عَزَّ وَ جَلَّ- يبقى ميت في شرق و لا غرب و لا في بر و لا في بحر إلا و منكر و نكير يسألان عن ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الموت، يقولان له: من ربك؟ و من نبيك؟ و من إمامك؟ و روى مثله ابن شهرآشوب عن تفسير القطان بإسناده عن السدي مثله. و روى محمد بن العباس بن مروان في تفسيره بإسناده إلى علقمة قال: خرج يوم صفين رجل من عسكر الشام و عليه سلاح و فوقه مصحف، و هو يقرأ" عَمَّ يَتَسٰاءَلُونَ عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ " فأردت البراز إليه فقال علي (عليه السلام): مكانك، و خرج بنفسه فقال له: أ تعرف النبإ العظيم الذي هم فيه مختلفون؟ قال: لا، فقال (عليه السلام): أنا و الله النبإ العظيم الذي فيه اختلفتم، و على ولايتي تنازعتم، و عن ولايتي رجعتم بعد ما قبلتم و ببغيكم [هلكتم] بعد ما بسيفي نجوتم، و يوم الغدير قد علمتم و يوم القيامة تعلمون ما علمتم، ثم علاه بسيفه فرمى رأسه و يده. باب ما فرض الله عز و جل و رسوله صلى الله و عليه و آله من الكون مع الأئمة (عليهم السلام) الحديث الأول: ضعيف. " وَ كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ " قال الطبرسي (ره) في مصحف عبد الله و قراءة ابن اتَّقُوا اللّٰهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ قَالَ إِيَّانَا عَنَى عباس: من الصادقين، و روي ذلك عن أبي عبد الله (عليه السلام)، ثم قال: أي مع الذين يصدقون في أخبارهم و لا يكذبون، و معناه كونوا على مذهب من يستعمل الصدق في أقواله، و صاحبوهم و رافقوهم، و قد وصف الله الصادقين في سورة البقرة بقوله: " وَ لٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ " إلى قوله" أُولٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ " فأمر سبحانه بالاقتداء بهؤلاء، و قيل: المراد بالصادقين هم الذين ذكرهم الله في كتابه و هو قوله: " رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضىٰ نَحْبَهُ " يعني حمزة بن عبد المطلب و جعفر بن أبي طالب (عليه السلام) وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ " يعني علي بن أبي طالب، و روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كونوا مع الصادقين، مع علي و أصحابه، و روى جابر عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله: " كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ " قال: مع آل محمد (عليهم السلام)، انتهى. و أقول: التمسك بتلك الآية لإثبات الإمامة في المعصومين بين الشيعة معروف، و قد ذكره المحقق الطوسي طيب الله روحه القدوسي في كتاب التجريد، و وجه الاستدلال بها أن الله أمر كافة المؤمنين بالكون مع الصادقين، و ظاهر أن ليس المراد به الكون معهم بأجسادهم بل المعنى لزوم طرائقهم و متابعتهم في عقائدهم و أقوالهم و أفعالهم، و معلوم أن الله تعالى لا يأمر عموما بمتابعة من يعلم صدور الفسق و المعاصي عنه، مع نهيه عنها، فلا بد من أن يكونوا معصومين لا يخطئون في شيء حتى تجب متابعتهم في جميع الأمور، و أيضا اجتمعت الأمة على أن خطاب القرآن عام لجميع الأزمنة لا يختص بزمان دون زمان، فلا بد من وجود معصوم في كل زمان ليصح أمر مؤمني كل زمان بمتابعتهم. فإن قيل: لعلهم أمروا في كل زمان بمتابعة الصادقين الكائنين في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلا يتم وجود المعصوم في كل زمان. قلنا: لا بد من تعدد الصادقين أي المعصومين لصيغة الجمع، و مع القول بالتعدد.......... يتعين القول بما تقول الإمامية، إذ لا قائل بين الأمة بتعدد المعصومين في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) مع خلو سائر الأزمنة عنهم، مع قطع النظر عن بعد هذا الاحتمال عن اللفظ و سيأتي تمام القول في ذلك في أبواب النصوص على أمير المؤمنين (صلوات الله عليه). و العجب من إمامهم الرازي كيف قارب ثم جانب و سدد ثم شدد و أقر ثم أنكر و أصر حيث قال في تفسير تلك الآية: أنه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين فلا بد من وجود الصادقين لأن الكون مع الشيء مشروط بوجود ذلك الشيء فهذا يدل على أنه لا بد من وجود الصادقين في كل وقت، و ذلك يمنع من إطباق الكل على الباطل، فوجب أن أطبقوا على شيء أن يكونوا محقين فهذا يدل على أن إجماع الأمة حجة. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال المراد بقوله: كونوا مع الصادقين، أي كونوا على طريقة الصادقين الصالحين كما أن الرجل إذا قال لولده كن مع الصالحين لا يفيد إلا ذلك، سلمنا ذلك لكن نقول: إن هذا الأمر كان موجودا في زمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط و كان هذا أمرا بالكون مع الرسول فلا يدل على وجود صادق في سائر الأزمنة، سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلو زمان التكليف عنه كما تقول الشيعة. فالجواب عن الأول: أن قوله: كونوا مع الصادقين أمر بموافقة الصادقين و نهى عن مفارقتهم، و ذلك مشروط بوجود الصادقين، و ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فدلت هذه الآية على وجود الصادقين، و قوله: إنه محمول على أن يكونوا على طريقة الصادقين، فنقول: إنه عدول عن الظاهر من غير دليل، قوله: هذا الأمر مختص بزمان الرسول قلنا: هذا باطل لوجوه" الأول" أنه ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) أن التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة على المكلفين إلى قيام.......... القيامة فكان الأمر في هذا التكليف كذلك" و الثاني" أن الصيغة تتناول الأوقات كلها، بدليل صحة الاستثناء" و الثالث" لما لم يكن الوقت المعين مذكورا في لفظ الآية لم يكن حمل الآية على البعض أولى من حملها علي الباقي، فإما أن لا يحمل على شيء فيفضي إلى التعطيل و هو باطل، أو على الكل و هو المطلوب" و الرابع" أن قوله: " يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ " أمر لهم بالتقوى و هذا الأمر إنما يتناول من يصح منه أن لا يكون متقيا و إنما يكون كذلك لو كان جائز الخطأ، فكانت الآية دالة على أن من كان جائز الخطإ وجب كونه مقتديا بمن كان واجب العصمة، و هم الذين حكم الله بكونهم صادقين و ترتب الحكم في هذا يدل على أنه إنما وجب على جائز الخطإ كونه مقتديا به، ليكون مانعا لجائز الخطإ عن الخطإ و هذا المعنى قائم في جميع الأزمان، فوجب حصوله في كل الأزمان، قوله: لم لا يجوز أن يكون المراد هو كون المؤمن مع المعصوم الموجود في كل زمان، قلنا: نحن معترف بأنه لا بد من معصوم في كل زمان إلا أنا نقول إن ذلك المعصوم هو مجموع الأمة، و أنتم تقولون أن ذلك المعصوم واحد منهم، فنقول: هذا الثاني باطل، لأنه تعالى أوجب على كل من المؤمنين أن يكونوا مع الصادقين، و إنما يمكنه ذلك لو كان عالما بأن ذلك الصادق من هو، لأن الجاهل بأنه من هو لو كان مأمورا بالكون معه كان ذلك تكليف ما لا يطاق، لأنا لا نعلم إنسانا معينا موصوفا بوصف العصمة، و العلم بأنا لا نعلم هذا الإنسان حاصل بالضرورة، فثبت أن قوله" كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ " ليس أمرا بالكون مع شخص معين، و لما بطل هذا بقي أن المراد منه الكون مع جميع الأمة، و ذلك يدل على أن قول مجموع الأمة صواب و حق و لا نعني بقولنا الإجماع حجة إلا ذلك، انتهى كلامه. و الحمد لله الذي حقق الحق بما جرى على أقلام أعدائه، أ لا ترى كيف شيد ما ادعته الإمامية بغاية جهده ثم بأي شيء تمسك في تزييفه و التعامي عن رشده،.......... و هل هذا إلا كمن طرح نفسه في البحر العجاج رجاء أن يتشبث للنجاة بخطوط الأمواج، و لنشر إلى شيء مما في كلامه من التهافت و الاعوجاج. فنقول كلامه فاسد عن وجوه: أما أو لا فلأنه بعد ما اعترف أن الله تعالى إنما أمر بذلك لتحفظ الأمة عن الخطإ في كل زمان، فلو كان المراد ما زعمه من الإجماع كيف يحصل العلم بتحقق الإجماع في تلك الأعصار مع انتشار علماء المسلمين في الأمصار، و هل يجوز عاقل إمكان الاطلاع على جميع أقوال آحاد المسلمين في تلك الأزمنة، و لو تمسك بالإجماع الحاصل في الأزمنة السابقة، فقد صرح بأنه لا بد في كل زمان من معصوم محفوظ عن الخطإ. و أما ثانيا: فبأنه على تقدير تسليم تحقق الإجماع و العلم به في تلك الأزمنة فلا يتحقق ذلك إلا في قليل من المسائل، فكيف يحصل تحفظهم عن الخطإ بذلك. و أما ثالثا: فبأنه لا يخفى على عاقل أن الظاهر من الآية أن المأمورين بالكون، غير من أمروا بالكون معهم، و على ما ذكره يلزم اتحادهما. و أما رابعا: فبأن المراد بالصادق إما الصادق في الجملة، فهو يصدق على جميع المسلمين فإنهم صادقون في كلمة التوحيد لا محالة، أو في جميع الأقوال، و الأول لا يمكن أن يكون مرادا لأنه يلزم أن يكونوا مأمورين باتباع كل من آحاد المسلمين كما هو الظاهر من عموم الجمع المحلى باللام، فتعين الثاني و هو لازم العصمة، و أما الذي اختاره من إطلاق الصادقين على المجموع من حيث المجموع، من جهة أنهم من حيث الاجتماع ليسوا بكاذبين، فهذا احتمال لا يجوزه كردي لم يأنس بكلام العرب قط. و أما خامسا: فبأن تمسكه في نفي ما يدعيه الشيعة في معرفة الإمام لا تخفى سخافته، إذ كل جاهل و ضال و مبتدع في الدين يمكن أن يتمسك بهذا في عدم وجوب اختيار الحق و التزام الشرائع، فلليهود أن يقولوا: لو كان محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيا
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٤١٦. — الإمام الباقر عليه السلام
2 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ قومهم إذا رجع النافرون إليهم، فتدل على أن الجهاد واجب كفائي. " قال" أي كتب" قال الله تبارك و تعالى
" لعله (عليه السلام) فسر الآية بعدم وجوب التبليغ عند اليأس من التأثير كما هو الظاهر من سياقها، و الحاصل أن عدم الجواب للتقية و المصلحة، و قيل: لعل المراد أنه لو كنا نجيبكم عن كل ما سألتم فربما يكون في بعض ذلك ما لا تستجيبونا فيه، فتكونون من أهل هذه الآية، فالأولى بحالكم ألا نجيبكم إلا فيما نعلم أنكم تستجيبونا فيه. باب أن من وصفه الله تعالى في كتابه بالعلم هم الأئمة (صلوات الله عليهم) الحديث الأول: مجهول. الحديث الثاني: صحيح. " هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ " الاستفهام للإنكار و المراد يعلمون كل ما تحتاج إليه لٰا يَعْلَمُونَ إِنَّمٰا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبٰابِ قَالَ نَحْنُ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ عَدُوُّنَا الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ وَ شِيعَتُنَا أُولُوا الْأَلْبٰابِ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٤٣٢. — الإمام الباقر عليه السلام
عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ فَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قال الطبرسي (رحمه الله): أي الثابتون في العلم، الضابطون له المتقنون فيه، و اختلف في نظمه و حكمه على قولين: " أحدهما" أن الراسخون معطوف على الله بالواو على معنى أن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله و إلا الراسخون في العلم، فإنهم يعلمونه" و يقولون" على هذا في موضع النصب على الحال، و تقديره قائلين" آمَنّٰا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنٰا " و هذا قول ابن عباس و مجاهد و الربيع و محمد بن جعفر بن الزبير، و اختيار أبي مسلم، و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام)، و القول الآخر: أن الواو في قوله" وَ الرّٰاسِخُونَ " واو الاستئناف فعلى هذا القول يكون تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، و الوقف عند قوله: " إِلَّا اللّٰهُ " و يبتدأ ب" وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنّٰا بِهِ " فيكون مبتدأ و خبرا، و هؤلاء يقولون أن الراسخين لا يعلمون تأويله، و لكنهم يؤمنون به" كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنٰا " معناه المحكم و المتشابه جميعا من عند ربنا، " وَ مٰا يَذَّكَّرُ " أي و ما يتفكر في آيات الله و لا يرد المتشابه إلى المحكم" إِلّٰا أُولُوا الْأَلْبٰابِ " أي ذوو العقول. الحديث الثاني: ضعيف. " من التنزيل" أي المدلول المطابقي أو التضمني، و التأويل أي المعنى الالتزامي، ما يوافق ظاهر اللفظ، و التأويل ما يصرف إليه اللفظ لقرينة أو دليل عقلي أو نقلي، عَلَيْهِ شَيْئاً لَمْ يُعَلِّمْهُ تَأْوِيلَهُ وَ أَوْصِيَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ يَعْلَمُونَهُ كُلَّهُ وَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ تَأْوِيلَهُ إِذَا قَالَ الْعَالِمُ فِيهِمْ بِعِلْمٍ فَأَجَابَهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ- يَقُولُونَ آمَنّٰا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنٰا وَ الْقُرْآنُ خَاصٌّ وَ عَامٌّ وَ مُحْكَمٌ وَ مُتَشَابِهٌ وَ نَاسِخٌ وَ مَنْسُوخٌ فَالرَّاسِخُونُ فِي الْعِلْمِ يَعْلَمُونَهُ " وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ " مبتدأ و جملة الشرط و الجزاء خبره، و قيل: قوله: فأجابهم خبر، و فيه بعد لخلو الشرط عن الجزاء إلا بتقدير، و المراد بالذين لا يعلمون الشيعة، أي الشيعة و المؤمنون. " إذا قال العالم" أي الإمام (عليه السلام) " فيه" أي في القرآن و في تأويل المتشابه، و في بعض النسخ" فيهم" أي الإمام الذي بين أظهركم، فالظرف حال عن العالم" بعلم" أي بالعلم الذي أعطاه الله و خصه به" يَقُولُونَ " أي الشيعة في جواب الإمام بعد ما سمعوا التأويل منه" آمَنّٰا بِهِ " فالضمير في قوله: فأجابهم راجع إلى الراسخين، أي أجابهم من قبل الشيعة، و يحتمل إرجاعه إلى الشيعة على طريقة الحذف و الإيصال أي أجاب لهم، و قيل: معنى فأجابهم: قبل قولهم و مدحهم، فالضمير راجع إلى الشيعة. و في بعض النسخ" و الذين يعلمون" بدون حرف النفي، أي الذين يعلمون من الشيعة بتعليم الإمام و الأول أصوب، و قيل على الأول: الذين عطف على" أوصيائه من بعده" بتقدير و الذين لا يعلمون تأويله يعلمونه كله" فيهم" حال للعالم، و المراد أن الشيعة الإمامية يعلمون تأويل ما تشابه كله بشرطين: " الأول" أن يكون الإمام العالم حاضرا فيهم لا غائبا عنهم، فإن الغائب لا يفيد قوله العلم إلا إذا تواتر، و قلما يكون" و الثاني" أن يعلمهم الإمام العالم بأن لا يكون كلامه في تأويل ما تشابه عن تقية، و قوله: فأجابهم الله لإفادة أن جملة يقولون استئناف بياني لجواب سؤال مقدر، و لا يخفى ما فيه.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٤٣٤. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
ع مَا بَالُ أَقْوَامٍ غَيَّرُوا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ عَدَلُوا عَنْ وَصِيِّهِ لَا يَتَخَوَّفُونَ أَنْ يَنْزِلَ بِهِمُ الْعَذَابُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ- أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّٰهِ كُفْراً وَ أَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دٰارَ الْبَوٰارِ جَهَنَّمَ ثُمَّ قَالَ نَحْنُ النِّعْمَةُ الَّتِي الحديث الثاني: مجهول. " لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ " أي للملة التي هي أقوم الملل، و الطريقة التي هي أقوم الطرائق، و فسر في الخبر بالإمام، لأنه الهادي إلى تلك الملة و ولايته الجزء الأخير بل الأعظم منها، و هو المبين لتلك الطريقة و الداعي إليها، و القرآن يهدي إليه في آيات كثيرة كما عرفت. باب أن النعمة التي ذكرها الله في كتابه عز و جل هم الأئمة (عليهم السلام) الحديث الأول: ضعيف. " بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللّٰهِ كُفْراً " قال الطبرسي (ره): يحتمل أن يكون المراد أ لم تر إلى هؤلاء الكفار عرفوا نعمة الله بمحمد، أي عرفوا محمدا ثم كفروا به، فبدلوا مكان الشكر كفرا، و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: نحن و الله نعمة الله التي أنعم بها على عباده و بنا يفوز من فاز، و يحتمل أن يكون المراد جميع نعم الله على العموم بدلوها أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ وَ بِنَا يَفُوزُ مَنْ فَازَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٤٤٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
أَ تَدْرِي مَا آلَاءُ اللَّهِ قُلْتُ لَا قَالَ هِيَ أَعْظَمُ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ هِيَ وَلَايَتُنَا عن الرضا (عليه السلام) في قوله تعالى: " الرَّحْمٰنُ عَلَّمَ الْقُرْآنَ خَلَقَ الْإِنْسٰانَ " قال: ذاك أمير المؤمنين (عليه السلام) قال الراوي: قلت: " عَلَّمَهُ الْبَيٰانَ "؟ قال: علمه بيان كل شيء يحتاج الناس إليه، و فسر (عليه السلام) " النَّجْمُ " بالرسول" وَ الشَّجَرُ " بالأئمة (عليهم السلام) و قال (عليه السلام): " السماء" رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) " و الميزان" أمير المؤمنين نصبه لخلقه، قلت: " أَلّٰا تَطْغَوْا فِي الْمِيزٰانِ " قال: لا تعصوا الإمام" وَ أَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ " قال: أقيموا الإمام العدل" وَ لٰا تُخْسِرُوا الْمِيزٰانَ " قال: لا تبخسوا الإمام حقه و لا تظلموه. و قد ورد في روايات كثيرة تأويل الشمس و القمر بالرسول و أمير المؤمنين (صلوات الله عليهما)، فحمل الآلاء في تلك الآية على النبي و الوصي غير بعيد. " نزلت في الرحمن" لعله من كلام الراوي. الحديث الثالث: ضعيف. " و اذكروا آلاء الله" هذا غير موافق لما عندنا من القرآن، إذ فيه في موضع من الأعراف" فَاذْكُرُوا آلٰاءَ اللّٰهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " و في موضع آخر" فَاذْكُرُوا آلٰاءَ اللّٰهِ وَ لٰا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ " و في آل عمران و غيرها" وَ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّٰهِ " و الظاهر أنه كان بالفاء فصحفه النساخ" هي أعظم نعم الله" أي هي المقصودة بالذات فيها، إذ الولاية أعظمها.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٤٤٨. — الإمام الصادق عليه السلام
قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ أَ لَيْسَ كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام كَاتِبَ الْوَصِيَّةِ وَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم الْمُمْلِي عَلَيْهِ وَ جَبْرَئِيلُ وَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ عليه السلام شُهُودٌ قَالَ فَأَطْرَقَ طَوِيلًا ثُمَّ قَالَ يَا أَبَا الْحَسَنِ قَدْ كَانَ مَا قُلْتَ وَ لَكِنْ حِينَ نَزَلَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم الْأَمْرُ نَزَلَتِ الْوَصِيَّةُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ كِتَاباً مُسَجَّلًا نَزَلَ بِهِ جَبْرَئِيلُ مَعَ أُمَنَاءِ الحديث الرابع: ضعيف على المشهور، لكنه معتبر أخذه من كتاب الوصية لعيسى بن المستفاد و هو من الأصول المعتبرة ذكره النجاشي و الشيخ في فهرستيهما، و أورد أكثر الكتاب السيد بن طاوس (قدس سره) في كتاب الطرف، و ما ذكره الكليني (ره) مختصر من حديث طويل قد أوردناه في الكتاب الكبير، و فيه فوائد جليلة و أمور غريبة. " أ ليس" اسمه ضمير الشأن" و رسول الله" الواو للحال، و الإملاء أن يقول أحد و يكتب آخر و الإطراق النظر إلى الأرض مع السكوت و" طويلا" مفعول فيه أي زمانا طويلا أو نائب المفعول المطلق أي إطراقا طويلا، و لعل الإطراق لإفادة أن ما يذكر في الجواب صعب مستصعب لا يذعن به إلا الخواص من الشيعة فيجب صونه عن غيرهم ما أمكن، و قيل: راجع في ذلك روح القدس" قد كان ما قلت" يدل على أنه كان الإملاء و نزول الكتاب معا و المراد بالأمر الموت أو المرض المنتهى إليه، أو أمر الله بالوصية و فيه بعد، و المراد بالمسجل المكتوب تأكيدا أو المحكم أو المختوم أو المرسل [أ] و المبذول للأئمة (عليهم السلام) أو الكبير، أو بسكن الجيم أي كثير الخير، قال في النهاية: في حديث ابن مسعود افتتح سورة النساء فسجلها أي قرئها قراءة متصلة، من السجل الصب، يقال: سجلت سجلا إذا صببته صبا متصلا، و في حديث ابن الحنفية قرأ: " هَلْ جَزٰاءُ الْإِحْسٰانِ إِلَّا الْإِحْسٰانُ " فقال: هي مسجلة للبر و الفاجر، أي هي مرسلة مطلقة في الإحسان إلى كل واحد برا كان أو فاجرا، و المسجل: الماء المبذول و منه اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ يَا مُحَمَّدُ مُرْ بِإِخْرَاجِ مَنْ عِنْدَكَ إِلَّا وَصِيَّكَ لِيَقْبِضَهَا مِنَّا وَ تُشْهِدَنَا بِدَفْعِكَ إِيَّاهَا إِلَيْهِ ضَامِناً لَهَا يَعْنِي عَلِيّاً عليه السلام فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم بِإِخْرَاجِ مَنْ كَانَ فِي الْبَيْتِ مَا خَلَا عَلِيّاً ع- وَ فَاطِمَةُ فِيمَا بَيْنَ السِّتْرِ وَ الْبَابِ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ يَا مُحَمَّدُ رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ يَقُولُ هَذَا كِتَابُ مَا كُنْتُ عَهِدْتُ إِلَيْكَ وَ شَرَطْتُ عَلَيْكَ وَ شَهِدْتُ بِهِ عَلَيْكَ وَ أَشْهَدْتُ بِهِ عَلَيْكَ مَلَائِكَتِي وَ كَفَى بِي يَا مُحَمَّدُ شَهِيداً قَالَ فَارْتَعَدَتْ مَفَاصِلُ الحديث: و لا تسجلوا أنعامكم أي لا تطلقوها في زروع الناس، و قال: السجل الكتاب الكبير، و في القاموس: السجل الكتاب الكبير، و في القاموس: أسجل: كثر خيره و أسجل الأمر للناس: أطلقه، و المسجل: المبذول المباح لكل أحد، و سجل تسجيلا: كتب، السجل: الكتاب، العهد و نحوه، انتهى. " ضامنا لها" حال عن ضمير إليه، أي ملتزما للعمل بمقتضاها كما هو حقه" و فاطمة" الواو للحال و هو مبني على أن ما بينهما خارج عن البيت. " هذا كتاب ما كنت عهدت إليك" أي في ليلة المعراج كما ورد في الأخبار الكثيرة، و قيل: إشارة إلى إملاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بأمره تعالى. أقول: و يظهر مما رواه في الطرف أن نزول الملائكة للوصية في مرضه (عليه السلام) كان مرتين، حيث روي من كتاب الوصية لابن المستفاد عن الكاظم (عليه السلام) عن أبيه عن جده قال: قال أمير المؤمنين (صلوات الله عليه): كنت مسندا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) إلى صدري ليلة من الليالي في مرضه، و قد فرغ من وصيته، و عنده فاطمة ابنته و قد أمر أزواجه أن يخرجن من عنده ففعلن، فقال: يا أبا الحسن تحول من موضعك و كن أمامي، قال: ففعلت و أسنده جبرئيل (عليه السلام) إلى صدره، و جلس ميكائيل (عليه السلام) على يمينه، فقال: يا علي ضم كفيك بعضها إلى بعض ففعلت، فقال لي: قد عهدت إليك أحدث العهد لك بحضرة أميني رب العالمين: جبرئيل و ميكائيل، يا علي بحقهما عليك إلا أنفذت وصيتي على ما فيها و على قبولك إياها بالصبر و الورع و منهاجي و طريقي لا طريق فلان و فلان، و خذ ما آتاك الله النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ يَا جَبْرَئِيلُ رَبِّي هُوَ السَّلَامُ وَ مِنْهُ السَّلَامُ وَ إِلَيْهِ يَعُودُ السَّلَامُ صَدَقَ بقوة، و أدخل يده فيما بين كفى- و كفاي مضمومتان- فكأنه أفرغ فيهما شيئا، فقال: يا علي [قد] أفرغت بين يديك الحكمة و قضاء ما يرد عليك، و ما هو وارد لا يعزب عنك من أمرك شيء، و إذا حضرتك الوفاة فأوص وصيتك من بعدك على ما أوصيك، و اصنع هكذا بلا كتاب و لا صحيفة. و روي فيه أيضا بهذا الإسناد قال: قال علي (عليه السلام): كان في وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في أولها: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد محمد بن عبد الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و أوصى به و أسنده بأمر الله إلى وصيه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين، و كان في آخر الوصية: شهد جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل على ما أوصى به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) و قبض وصيه و ضمن على ما فيها على ما ضمن يوشع بن نون لموسى بن عمران (عليه السلام) و ضمن وصي عيسى بن مريم (عليهما السلام) و على ما ضمن الأوصياء من قبلهم إلى آخر ما قال. و بهذا الإسناد قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): دعاني رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) عند موته و أخرج من كان عنده في البيت غيري، و البيت فيه جبرئيل و الملائكة أسمع الحس و لا أرى شيئا، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كتاب الوصية من يد جبرئيل (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) مختومة، فدفعها إلى فأمرني أن أفضها ففعلت، و أمرني أن أقرأها فقرأتها، فقال: إن جبرئيل عندي نزل بها الساعة من عند ربي، فقرأتها فإذا فيها كل ما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) يوصي به شيئا فشيئا ما تغادر حرفا. و ارتعاد مفاصله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لمهابة تغليظ العهد إليه، و إشهاد الملائكة و التسجيل عليه. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) " ربي هو السلام" أي السالم مما يلحق الخلق من العيب و العناء و البلاء، و قيل: المسلم أوليائه و المسلم عليهم" و منه السلام" أي كل سلامة من عيب و آفة فمنه سبحانه" و إليه يعود السلام" أي التحيات و الأثنية و قيل: أي منه بدء السلام و إليه يعود في حالتي الإيجاد و الإعدام، و قيل: أي التقدس و التنزه عَزَّ وَ جَلَّ وَ بَرَّ هَاتِ الْكِتَابَ فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ وَ أَمَرَهُ بِدَفْعِهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقَالَ لَهُ اقْرَأْهُ فَقَرَأَهُ حَرْفاً حَرْفاً فَقَالَ يَا عَلِيُّ هَذَا عَهْدُ رَبِّي تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِلَيَّ وَ شَرْطُهُ عَلَيَّ وَ أَمَانَتُهُ وَ قَدْ بَلَّغْتُ وَ نَصَحْتُ وَ أَدَّيْتُ فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام وَ أَنَا أَشْهَدُ لَكَ بِأَبِي وَ أُمِّي أَنْتَ بِالْبَلَاغِ وَ النَّصِيحَةِ وَ التَّصْدِيقِ عَلَى مَا قُلْتَ- وَ يَشْهَدُ لَكَ بِهِ سَمْعِي وَ بَصَرِي وَ لَحْمِي وَ دَمِي فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام وَ أَنَا لَكُمَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَا عَلِيُّ أَخَذْتَ وَصِيَّتِي وَ عَرَفْتَهَا وَ ضَمِنْتَ لِلَّهِ وَ لِيَ الْوَفَاءَ بِمَا فِيهَا فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام نَعَمْ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي عَلَيَّ ضَمَانُهَا وَ عَلَى اللَّهِ عَوْنِي وَ تَوْفِيقِي عَلَى أَدَائِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَا عَلِيُّ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُشْهِدَ عَلَيْكَ بِمُوَافَاتِي بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ أو سلامتنا عن الآفات منه بدأت و إليه عادت" و بر" أي أحسن أو و في بالعهد و الوعد" هات" اسم فعل أي أعطني، و في القاموس العهد الوصية و التقدم إلى المرء في الشيء و الموثق و اليمين. " و أمانته" إشارة إلى ما مر في تفسير قوله تعالى: " إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا ". " بأبي و أمي أنت" معترضة و الأصل فديت بأبي و أمي بصيغة مخاطب مجهول، فحذف الفعل و أخر الضمير المتصل فجعل منفصلا، و البلاغ اسم مصدر من باب التفعيل و الأفعال، أي الإيصال. " و التصديق" منصوب على أنه مفعول معه، أو مجرور بالعطف على البلاغ" بموافاتي بها يوم القيامة" أي بالتزام موافاتي، و الموافاة الإتيان مع جماعة و المصدر مضاف إلى المفعول، أي موافاتك إياي و الباء للمصاحبة أو التعدية، و الضمير للوصية، و المراد بالموافاة بها الإتيان بها كما هو معمولا بها كما هو حقها" فيما أمر الله" في للتعليل و" ما" مصدرية أو في للظرفية و ما موصولة كما في السابق، و على التقديرين حال عن أمر جبرئيل و البراءة منهم بالجر تأكيدا أو بالرفع على الابتداء و الواو حالية، و قوله: على الصبر خبر، و على الأول حال عن فاعل" تفي" و حرمة الرجل ما يجب عليه و على غيره رعايته و حفظه، و انتهاكها عدم رعايتها و تناولها بما لا يحل. عَلِيٌّ عليه السلام نَعَمْ أَشْهِدْ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَكَ الْآنَ وَ هُمَا حَاضِرَانِ مَعَهُمَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ لِأُشْهِدَهُمْ عَلَيْكَ فَقَالَ نَعَمْ لِيَشْهَدُوا وَ أَنَا بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي أُشْهِدُهُمْ فَأَشْهَدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ كَانَ فِيمَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ بِأَمْرِ جَبْرَئِيلَ عليه السلام فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ قَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ تَفِي بِمَا فِيهَا مِنْ مُوَالاةِ مَنْ وَالَى اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الْبَرَاءَةِ وَ الْعَدَاوَةِ لِمَنْ عَادَى اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الْبَرَاءَةِ مِنْهُمْ عَلَى الصَّبْرِ مِنْكَ وَ عَلَى كَظْمِ الْغَيْظِ وَ عَلَى ذَهَابِ حَقِّي وَ غَصْبِ خُمُسِكَ وَ انْتِهَاكِ حُرْمَتِكَ فَقَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَقَدْ سَمِعْتُ جَبْرَئِيلَ عليه السلام يَقُولُ لِلنَّبِيِّ يَا مُحَمَّدُ عَرِّفْهُ أَنَّهُ يُنْتَهَكُ الْحُرْمَةُ وَ هِيَ حُرْمَةُ اللَّهِ وَ حُرْمَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ عَلَى أَنْ تُخْضَبَ لِحْيَتُهُ مِنْ رَأْسِهِ بِدَمٍ عَبِيطٍ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَصَعِقْتُ حِينَ فَهِمْتُ الْكَلِمَةَ مِنَ الْأَمِينِ جَبْرَئِيلَ حَتَّى سَقَطْتُ عَلَى وَجْهِي وَ قُلْتُ نَعَمْ قَبِلْتُ وَ رَضِيتُ وَ إِنِ انْتَهَكَتِ الْحُرْمَةُ وَ عُطِّلَتِ السُّنَنُ وَ مُزِّقَ الْكِتَابُ وَ هُدِّمَتِ الْكَعْبَةُ وَ خُضِبَتْ لِحْيَتِي مِنْ رَأْسِي بِدَمٍ عَبِيطٍ صَابِراً مُحْتَسِباً أَبَداً حَتَّى أَقْدَمَ عَلَيْكَ ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ص- فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ أَعْلَمَهُمْ مِثْلَ مَا " و الذي فلق الحبة" أي شقها للإنبات، و النسمة بالتحريك النفس من نسيم الريح، ثم سميت بها النفس أي ذات الروح و برأها خلقها و إيجادها من كتم العدم" و على أن تخضب" عطف على قوله" و على كظم الغيظ" و قال الجوهري: العبيط من الدم: الطري الخالص، و قيل: المراد هنا ما ليس فاسدا بمرض، و الصعق محركة شدة الصوت و الفزع، و يقال: صعق كسمع أي غشي عليه، ذكره الفيروزآبادي، و قال: مزقه يمزقه مزقا خرقه، كمزقه فتمزق، و عرضه أخيه: طعن فيه. و قال: أحتسب بكذا عند الله: أي أعتده ينوي به وجه الله، انتهى. " عليك" الخطاب لله أو للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) " لم تمسه النار" أي لم يكن معمولا أَعْلَمَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِهِ فَخُتِمَتِ الْوَصِيَّةُ بِخَوَاتِيمَ مِنْ ذَهَبٍ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ وَ دُفِعَتْ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ عليه السلام بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي أَ لَا تَذْكُرُ مَا كَانَ فِي الْوَصِيَّةِ فَقَالَ سُنَنُ اللَّهِ وَ سُنَنُ رَسُولِهِ- فَقُلْتُ أَ كَانَ فِي الْوَصِيَّةِ تَوَثُّبُهُمْ وَ خِلَافُهُمْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقَالَ نَعَمْ وَ اللَّهِ شَيْئاً شَيْئاً وَ حَرْفاً حَرْفاً أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنّٰا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتىٰ وَ نَكْتُبُ مٰا قَدَّمُوا وَ آثٰارَهُمْ وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنٰاهُ فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ وَ اللَّهِ لَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص- لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ فَاطِمَةَ عليها السلام أَ لَيْسَ قَدْ فَهِمْتُمَا مَا تَقَدَّمْتُ بِهِ إِلَيْكُمَا وَ قَبِلْتُمَاهُ فَقَالا بَلَى وَ صَبَرْنَا عَلَى مَا سَاءَنَا وَ غَاظَنَا وَ فِي نُسْخَةِ الصَّفْوَانِيِّ زِيَادَةٌ لبشر بل صنع بمحض قدرة الله، أو لم يكن من قبيل ذهب الدنيا ليحتاج إلى النار" أ لا تذكر" بهمزة الاستفهام، و لا النافية للعرض، " ما كان" ما، استفهامية أو موصولة" سنن الله و سنن رسوله" أي أحكامهما في الحلال و الحرام مطلقا أو في خصوص أمر الخلافة و هو أظهر في المقام، و التوثب الاستيلاء ظلما" إِنّٰا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتىٰ " نحن تأكيد لضمير إنا، من قبيل وضع الضمير المرفوع موضع المنصوب، و قيل: هو خبر إن على سبيل التمدح و ما بعده استيناف بياني، و الإحياء بالبعث و قيل بالهداية" وَ نَكْتُبُ مٰا قَدَّمُوا " أي ما أسلفوا من الأعمال الصالحة و الطالحة" وَ آثٰارَهُمْ " الحسنة كعلم علموه و خير ارتكبوه، و السيئة كإشاعة باطل و تأسيس ظلم" فِي إِمٰامٍ مُبِينٍ " يعني اللوح المحفوظ. و ذكر الآية لرفع الاستبعاد عن كتابته في الصحيفة لكون جميع الأشياء مكتوبا في اللوح و يحتمل أن يكون (عليه السلام) فسر الإمام هنا بهذه الصحيفة أو ما يشملهما، و في بعض الأخبار أن الإمام المبين أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قيل: هو صحيفة الأعمال. قوله" و في نسخة الصفواني زيادة" هذا كلام بعض رواة الكليني، فإن نسخ الكافي كانت بروايات مختلفة كالصفواني هذا، و هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن قضاعة بن
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٣ - الصفحة ١٩٣. — الإمام الكاظم عليه السلام
عَزَّ وَ جَلَّ- أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَقَالَ نَزَلَتْ فِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ عليهما السلام فَقُلْتُ لَهُ إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ فَمَا لَهُ لَمْ يُسَمِّ عَلِيّاً وَ أَهْلَ بَيْتِهِ عليه السلام فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قَالَ فَقَالَ قُولُوا لَهُمْ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم نَزَلَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ لَمْ يُسَمِّ اللَّهُ لَهُمْ ثَلَاثاً وَ لَا أَرْبَعاً حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم هُوَ الَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ وَ نَزَلَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ وَ لَمْ يُسَمِّ لَهُمْ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَماً دِرْهَمٌ حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم هُوَ الَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ وَ نَزَلَ الْحَجُّ فَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ طُوفُوا أُسْبُوعاً حَتَّى كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم هُوَ الَّذِي فَسَّرَ ذَلِكَ لَهُمْ وَ نَزَلَتْ أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ وَ نَزَلَتْ فِي عَلِيٍّ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي عَلِيٍّ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ باب ما نص الله عز و جل و رسوله على الأئمة (عليهم السلام) واحدا فواحدا. الحديث الأول: صحيح بسنديه و قد مر الكلام في أولي الأمر في باب أن الأئمة (عليهم السلام) ولاة الأمر و في باب فرض طاعة الأئمة (عليهم السلام)، و لعل التخصيص بالثلاثة لكونهم موجودين عند نزول الآية. " فما له لم يسم" أي لو كانوا مقصودين بالآية لسماهم بخصوصهم و أسمائهم" قولوا لهم" هذا نقض إجمالي" من كل أربعين درهما" أي بعد الوصول إلى النصاب، و الحاصل أنه لم يبين لهم القدر الذي يجب إخراجه" طوفوا أسبوعا" ذكره على المثال........... قوله: من كنت مولاه فعلي مولاه، أقول: هذا من جملة ما ذكره الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لعلي (عليه السلام) في يوم الغدير، و هو مما تواتر نقله من الخاص و العام، فقد روى ابن الأثير في جامع الأصول أخذته من عين كتابه نقلا من صحيح الترمذي عن زيد ابن أرقم، و أبي سريحة- الشك من شعبة- أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، و روى البغوي في المصابيح و البيضاوي في المشكاة عن أحمد و الترمذي بإسنادهما عن زيد بن أرقم مثله، و رويا عن أحمد بإسناده عن البراء بن عازب و زيد بن أرقم أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لما نزل بغدير خم أخذ بيد علي (عليه السلام) فقال: أ لستم تعلمون إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى، قال: أ لستم تعلمون إني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، فقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، فلقيه عمر بعد ذلك فقال له: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت و أمسيت مولى كل مؤمن و مؤمنة. أقول: قال ابن حجر العسقلاني في المجلد السادس من كتاب فتح الباري في شرح فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) من صحيح البخاري، و أما حديث: من كنت مولاه فعلي مولاه فقد أخرجه الترمذي و النسائي و هو كثير الطرق جدا و قد استوعبها ابن عقدة في كتاب مفرد و كثير من أسانيدها صحاح و حسان، انتهى. و قال ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة: روى عثمان بن سعيد عن شريك بن عبد الله قال: لما بلغ عليا (عليه السلام) أن الناس يتهمونه فيما يذكره من تقديم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) له و تفضيله على الناس، قال: أنشد الله من بقي ممن لقي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و سمع مقالته في يوم غدير خم إلا قام فشهد بما سمع، فقام ستة ممن عن يمينه من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أنهم سمعوه يقول ذلك اليوم و هو رافع بيدي علي (عليه السلام): من كنت مولاه فهذا على مولاه اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و أخذل من خذله، و أحب من أحبه، و أبغض من أبغضه........... و قال في موضع آخر روى سفيان الثوري عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمر بن عبد الغفار أن أبا هريرة لما قدم الكوفة مع معاوية كان يجلس بالعشيات بباب كندة، و يجلس إليه فجاء شاب من الكوفة، فجلس إليه و قال: يا أبا هريرة أنشدك الله أ سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) يقول لعلي بن أبي طالب: اللهم وال من والاه و عاد من عاداه؟ قال: اللهم نعم، قال: فأشهد بالله أن قد واليت عدوه و عاديت وليه ثم قام عنه. و قال في موضع آخر ذكر جماعة من شيوخنا البغداديين أن عدة من الصحابة و التابعين و المحدثين كانوا منحرفين عن علي (عليه السلام) قائلين فيه السوء، و منهم من كتم مناقبه و أعان أعداءه ميلا مع الدنيا و إيثارا للعاجلة، فمنهم أنس بن مالك ناشد على الناس في رحبة القصر، أو قال رحبة الجامع بالكوفة: أيكم سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقام اثنا عشر رجلا فشهدوا بها و أنس بن مالك لم يقم، فقال له: يا أنس ما يمنعك أن تقوم فتشهد فلقد حضرتها؟ فقال: يا أمير المؤمنين كبرت و نسيت، فقال: إن كان كاذبا فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة، قال طلحة بن عمير: فو الله لقد رأيت الوضح به بعد ذلك أبيض بين عينيه. و روى عثمان بن مطرف أن رجلا سأل أنس بن مالك في آخر عمره عن علي بن أبي طالب فقال: آليت أن لا أكتم حديثا سألت عنه في علي بعد يوم الرحبة: ذاك رأس المتقين يوم القيامة سمعته و الله من نبيكم ثم ذكر كتمان زيد بن أرقم حديث الولاية، و دعاء علي (عليه السلام) عليه بذهاب بصره، و أنه عمي بعد ذلك. و قال في موضع آخر قال (عليه السلام) يوم الشورى: أ فيكم أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): من كنت مولاه فهذا مولاه غيري؟ قالوا: لا، انتهى. و أقول: روى السيوطي في در المنثور عن ابن مردويه و ابن عساكر بإسنادهما عن أبي سعيد الخدري قال: لما نصب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) عليا يوم غدير خم فنادى له.......... بالولاية، هبط عليه جبرئيل بهذه الآية" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " و روي أيضا عن ابن مردويه و الخطيب و ابن عساكر بأسانيدهم عن أبي هريرة قال: لما كان يوم غدير خم و هو الثامن عشر من ذي الحجة قال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): من كنت مولاه فعلي مولاه، فأنزل الله: " الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " و روى ابن جرير بإسناده عن ابن عباس" وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ " يعني إن كتمت هذه الآية: " يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ " يعني ما نزل على رسول الله يوم غدير خم في علي بن أبي طالب، و روي عن ابن مردويه بإسناده عن ابن مسعود قال: كنا نقرأ على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك أن عليا مولى المؤمنين و إن لم تفعل فما بلغت رسالته و الله يعصمك من الناس. أقول: و قد أوردت الأخبار الواردة في ذلك من طريق الخاصة و العامة في قريب من عشرة كراريس فمن أراد الاطلاع عليها فيرجع إليه و جملة القول فيه: أن الاستدلال بخبر الغدير يتوقف على أمرين: أحدهما إثبات الخبر، و الثاني إثبات دلالته على خلافته (صلوات الله عليه). أما الأول فلا أظن عاقلا يرتاب في ثبوته و تواتره بعد الإحاطة بما أوردته في الكتاب الكبير، قال السيد التستري في إحقاق الحق: ذكر الشيخ ابن كثير الشامي الشافعي عند ذكر أحوال محمد بن جرير الطبري إني رأيت كتابا جمع في أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، و كتابا جمع فيه طرق حديث الطير، و نقل عن أبي المعالي الجويني أنه كان يتعجب و يقول: رأيت مجلدا ببغداد في يد صحاف فيه روايات هذا الخبر، مكتوبا عليه المجلدة الثامنة و العشرون من طرق من كنت مولاه فعلي مولاه، و يتلوه المجلدة التاسعة و العشرون، و أثبت الشيخ ابن الجزري الشافعي رسالته الموسومة بأسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب، تواتر هذا الحديث من طرق كثيرة، و نسب منكره إلى الجهل و العصبية، انتهى........... و قال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الشافي أما الدلالة على صحة الخبر فلا يطالب بها إلا متعنت لظهوره و اشتهاره، و حصول العلم لكل من سمع الأخبار به، و ما المطالب بتصحيح خبر الغدير و الدلالة عليه إلا كالمطالب بتصحيح غزوات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) الظاهرة المشهورة و أحواله المعروفة و حجة الوداع نفسها لأن ظهور الجميع و عموم العلم به بمنزلة واحدة، ثم قال: و مما يدل على صحته إجماع علماء الأمة على قبوله و لا شبهة فما ادعيناه من الإطباق، لأن الشيعة جعلته الحجة في النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة و مخالفو الشيعة أولوه على اختلاف تأويلاتهم و ما يعلم أن فرقة من فرق الأمة ردت هذا الخبر أو امتنعت من قبوله، و استدل قوم على صحة الخبر بما تظاهرت به الروايات من احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) به في الشورى، حيث قال: أنشدكم الله هل منكم أحد أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بيده فقال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه غيري؟ فقال القوم: اللهم لا، و إذا اعترف من حضر الشورى من الوجوه و اتصل أيضا بغيرهم من الصحابة ممن لم يحضر الموضع و لم يكن من أحد نكير له، مع علمنا بتوفر الدواعي إلى إظهار ذلك لو كان، فقد وجب القطع على صحته. على أن الخبر لو لم يكن في الوضوح كالشمس لما جاز أن يدعيه أمير المؤمنين (عليه السلام) سيما في مثل هذا المقام انتهى ملخص كلامه (ره). و أما الثاني فلنا في الاستدلال به على إمامته (صلوات الله عليه) مقامان: " الأول" أن المولى جاء بمعنى الأولى بالأمر و التصرف المطاع في كل ما يأمر" الثاني" أن المراد به هنا هو هذا المعنى. أما الأول فقد قال السيد (رحمه الله): من كان له أدنى اختلاط باللغة و أهلها يعرف أنهم يضعون هذه اللفظة مكان أولى، كما أنهم يستعملونها في ابن العم، و قد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى- و منزلته في اللغة منزلته في كتابه المعروف بالمجاز في.......... القرآن- لما انتهى إلى قوله: " مَأْوٰاكُمُ النّٰارُ هِيَ مَوْلٰاكُم ْ " أن معنى موليكم أولى بكم و أنشد بيت لبيد شاهدا له: فغدت كلا الفرجين تحسب أنه * * * مولى المخافة خلفها و أمامها و ليس أبو عبيدة ممن يغلط في اللغة، و لو غلط فيها أو وهم لما جاز أن يمسك عن النكير عليه و الرد لتأويله غيره من أهل اللغة ممن أصاب، و ما غلط فيه على عادتهم المعروفة في تتبع بعضهم لبعض و رد بعضهم على بعض، فصار قول أبي عبيدة الذي حكيناه مع أنه لم يظهر من أحد من أهل اللغة ردا له كأنه قول الجميع. و لا خلاف بين المفسرين في أن قوله تعالى: " وَ لِكُلٍّ جَعَلْنٰا مَوٰالِيَ مِمّٰا تَرَكَ الْوٰالِدٰانِ وَ الْأَقْرَبُونَ " أن المراد بالموالي من كان أملك بالميراث و أولى بحيازته و أحق به. و قال الأخطل: فأصبحت مولاها من الناس بعده * * * و أخرى قريش أن تهاب و تحمدا و روي في الحديث أيما امرأة تزوجت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل، و كلما استشهد به لم يرد بلفظ مولى فيه إلا معنى أولى دون غيره. قال المبرد- بعد أن ذكر تأويل قوله تعالى: " بِأَنَّ اللّٰهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا " و الولي و الأولى معناهما سواء، و هو الحقيق بخلقه المتولي لأمورهم. و قال الفراء في كتاب معاني القرآن: الولي و المولى في كلام العرب واحد، و في قراءة ابن مسعود: إنما موليكم الله و رسوله، مكان" وليكم" و قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه في القرآن المعروف بالمشكل: و المولى في اللغة ينقسم إلى ثمانية أقسام، أولهن المولى المنعم، ثم المنعم عليه المعتق، و المولى الولي، و المولى الأولى بالشيء، و ذكر شاهدا عليه الآية التي قدمنا ذكرها، و بيت لبيد، و المولى: الجار،.......... و المولى: ابن العم، و المولى: الصهر، و المولى: الحليف، و استشهد لكل واحد من أقسام المولى بشيء من الشعر لم نذكره، لأن غرضنا سواه. و قال أبو عمر غلام تغلب: أقسام المولى، و ذكر في جملة الأقسام أن المولى السيد و إن لم يكن مالكا، و المولى: الولي. و قد ذكر جماعة ممن يرجع إلى أمثاله في اللغة أن من جملة أقسام مولى السيد: الذي ليس هو بمالك و لا معتق، و لو ذهبنا إلى ذكر جميع ما يمكن أن يكون شاهدا فيما قصدناه لأكثرنا، و فيما أوردناه كفاية و مقنع، انتهى مختصر كلامه (قدس سره). و قال ابن الأثير في النهاية: قد تكرر اسم المولى في الحديث، و هو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو الرب، و المالك، و السيد، و المنعم، و المعتق، و الناصر، و المحب و التابع، و الجار، و ابن العم، و الحليف، و العقيد، و الصهر، و العبد، و المنعم عليه، و كل من ولي أمرا أو قام به فهو مولاه و وليه، و منه الحديث: من كنت مولاه فعلي مولاه، يحمل على أكثر الأسماء المذكورة، و منه الحديث أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل، و روي وليها أي متولي أمرها. و قال البيضاوي و الزمخشري و غيرهما من المفسرين، في تفسير قوله تعالى: " هِيَ مَوْلٰاكُمْ " هي أولى بكم، و قال الزمخشري في قوله تعالى: " أَنْتَ مَوْلٰانٰا " سيدنا و نحن عبيدك، أو ناصرنا أو متولي أمورنا. و أما الثاني ففيه مسالك: المسلك الأول أن المولى حقيقة في الأولى، لاستقلالها بنفسها و رجوع سائر الأقسام في الاشتقاق إليها، لأن المالك إنما كان مولى لكونه أولى بتدبير رقيقه و بحمل جريرته و المملوك مولى لكونه أولى بطاعة مالكه، و المعتق و المعتق كذلك، و الناصر لكونه أولى.......... بنصرة من نصر و الحليف لكونه أولى بنصرة حليفه، و الجار لكونه أولى بنصرة جاره و الذب عنه، و الصهر لكونه أولى بمصاهره، و الإمام و الوراء لكونه أولى بمن يليه، و ابن العم لكونه أولى بنصرة ابن عمه. و العقل عنه، و المحب المخلص لكونه أولى بنصرة محبة. و إذا كانت لفظة مولى حقيقة في الأولى وجب حملها عليها دون سائر معانيها، هذا الوجه ذكره الشيخ يحيى بن بطريق (ره) في العمدة، و الشيخ أبو الصلاح الحلبي (قدس سره) في تقريب المعارف. المسلك الثاني ما ذكره السيد رضي الله عنه في الشافي و غيره في غيره، و هو أن ما يحتمله لفظة مولى ينقسم إلى أقسام، منها ما لم يكن (صلى الله عليه وآله وسلم) عليه، و منها ما كان عليه، و معلوم لكل أحد أنه (عليه السلام) لم يرده، و منها ما كان عليه، و معلوم بالدليل أنه لم يرده، و منها ما كان حاصلا له، و يجب أن يريده، لبطلان سائر الأقسام و استحالة خلو كلامه من معنى و فائدة، فالقسم الأول هو المعتق و الحليف، لأن الحليف هو الذي ينضم إلى قبيلة أو عشيرة فيحالفها على نصرته و الدفاع عنه، فيكون منتسبا إليها متعززا بها، و لم يكن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حليفا لأحد على هذا الوجه، و القسم الثاني ينقسم إلى قسمين أحدهما معلوم أنه لم يرده لبطلانه في نفسه كالمعتق و المالك و الجار و الصهر و الخلف و الإمام، إذا عدا من أقسام المولى، و الآخر أنه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لم يرده من حيث لم يكن فيه فائدة، و كان ظاهرا شائعا، و هو ابن العم، و القسم الثالث الذي يعلم بالدليل أنه لم يرده هو ولاية الدين و النصرة فيه، و المحبة و ولاء المعتق. و الدليل على أنه (عليه السلام) لم يرد ذلك أن كل أحد يعلم من دينه (عليه السلام) وجوب تولي المؤمنين و نصرتهم و قد نطق الكتاب به، و ليس يحسن أن يجمعهم على الصورة التي.......... حكيت في تلك الحال، و يعلمهم ما هم مضطرون إليه من دينه، و كذلك هم يعلمون أن ولاء المعتق لبني العم قبل الشريعة و بعدها، و قول ابن الخطاب في الحال على ما تظاهرت به الرواية لأمير المؤمنين (عليه السلام) أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن يبطل أن يكون المراد ولاء المعتق، و بمثل ما ذكرناه في إبطال أن يكون المراد بالخبر ولاء المعتق أو إيجاب النصرة في الدين، استبعد أن يكون أراد به (صلى الله عليه وآله وسلم) قسم ابن العم لاشتراك خلو الكلام عن الفائدة بينهما، فلم يبق إلا القسم الرابع الذي كان حاصلا له (صلى الله عليه وآله وسلم)، و يجب أن يريده و هو الأولى بتدبير الأمر و أمرهم و نهيهم، انتهى. أقول: أكثر المخالفين لجأوا في دفع الاستدلال به إلى تجويز كون المراد الناصر و المحب، و لا يخفى على عاقل أنه ما كان يتوقف بيان ذلك على اجتماع الناس لذلك في شدة الحر، بل كان هذا أمر يجب أن يوصي به عليا (عليه السلام) بأن ينصر من كان الرسول ينصره، و يحب من كان (صلى الله عليه وآله وسلم) يحبه، و لا يتصور في إخبار الناس بذلك فائدة يعتد بها إلا إذا أريد بذلك نوع من النصرة و المحبة يكون للأمراء بالنسبة إلى رعاياهم، أو أريد به جلب محبتهم بالنسبة إليه و وجوب متابعتهم له حيث ينصرهم في جميع المواطن، و يحبهم على الدين، و بهذا أيضا يتم المدعى. و أيضا نقول على تقدير أن يراد به المحب و الناصر أيضا يدل على إمامته عند ذوي العقول المستقيمة و الفطرة القويمة بقرائن الحال، فإنا لو فرضنا أن أحدا من الملوك جمع عند قرب وفاته جميع عسكره، و أخذ بيد رجل هو أقرب أقاربه و أخص الخلق به، و قال: من كنت محبة و ناصره فهذا محبة و ناصره، ثم دعا لمن نصره و والاه، و لعن من خذله و لم يقل هذا لغيره، و لم يعين لخلافته رجلا سواه، فهل يفهم أحد من رعيته و من حضر ذلك المجلس إلا أنه يريد بذلك استخلافه و تطميع الناس في نصرة و محبته، و حث الناس على إطاعته و قبول أمره و نصرته على عدوه. و بوجه آخر نقول: ظاهر قوله: من كنت ناصره فعلي ناصره، هو أنه يتمشى منه النصرة لكل أحد، كما كان يتأتى من النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و لا يكون ذلك إلا بالرئاسة.......... العامة، إذ لا يخفى على منصف أنه لا يحسن من أمير قوي الأركان كثير الأعوان أن يقول في شأن بعض آحاد الرعايا: من كنت ناصره فهذا ناصره، فأما إذا استخلفه و أمره على الناس فهذا في غاية الحسن، لأنه جعله بحيث يمكن أن يكون ناصر من نصره. المسلك الثالث أنه قد ورد في كثير من روايات الخاصة و العامة أنه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قال أولا: أ لست أولى بكم من أنفسكم؟ أو قال: أ لستم تعلمون إني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا بلى، قال: أ لستم تعلمون إني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، فقال: اللهم من كنت مولاه فعلي مولاه، فما مهده (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أو لا و فرع عليه هذا الكلام قرينة واضحة على أن المراد بالمولى ما ذكره أولا من الأولوية التي أثبتها لنفسه، و لا ينكر هذا إلا جاهل بأساليب الكلام، أو متجاهل للعصبية عما تتنازع إليه الأفهام. قال في الشافي: فأما الدلالة على أن المراد بلفظة مولى في خبر الغدير الأولى، فهو أن من عادة أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرحة و عطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدم التصريح به و لغيره، لم يجز أن يريدوا بالمحتمل إلا المعنى الأول، يبين صحة ما ذكرناه أن أحدهم إذا قال مقبلا على جماعة مفهما لهم، و له عدة عبيد: أ لستم عارفين بعبدي، فلان، ثم قال عاطفا على كلامه: فاشهدوا إن عبدي حر لوجه الله، لم يجز أن يريد بقوله: عبدي بعد أن قدم ما قدمه إلا العبد الذي سماه في أول كلامه دون غيره من سائر عبيده، و متى أراد سواه كان عندهم لغوا خارجا عن طريق البيان انتهى. و أقول: فإذا ثبت أن المراد بالمولى هنا الأولى الذي تقدم ذكره و الأولى في الكلام المتقدم غير مقيد بشيء و حال من الأحوال، فلو لم يكن المراد به العموم لزم الألغاز في الكلام، و من قواعدهم المقررة أن حذف المتعلق من غير قرينة دالة على.......... خصوص أمر من الأمور يدل على العموم، لا سيما و قد انضم إليه قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): من أنفسكم؟ فإن للمرء أن يتصرف في نفسه ما يشاء، و يتولى من أمره ما يريد، فإذا حكم بأنه أولى بهم من أنفسهم يدل على أن له أن يأمرهم بما يشاء، و يدبر فيهم ما يشاء في أمر الدين و الدنيا، و أنه لا اختيار لهم معه، و هل هذا إلا معنى الإمامة و الرئاسة العامة. و أيضا لا يخفى على عاقل أن ما قررهم (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) عليه إنما أشار به إلى ما أثبت الله له في كتابه العزيز، حيث قال: " النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ " و قد أجمع المفسرون على أن المراد به ما ذكرناه. قال الزمخشري في الكشاف: النبي أولى بالمؤمنين في كل شيء من أمور الدين و الدنيا من أنفسهم، و لهذا أطلق و لم يقيد فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم، و حكمه أنفذ إليهم من حكمها، و حقه آثر عليهم من حقوقها، و شفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها، و أن يبذلوها دونه و يجعلوها فداء إذا أعضل خطب و وقاية إذا ألحقت حرب، و أن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم، و لا ما تصرفهم عنه و يتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و صرفهم عنه، إلى آخر كلامه. و نحوه قال البيضاوي و غيره من المفسرين. و قال السيد رضي الله عنه فأما الدليل على أن لفظة أولى يفيد معنى الإمامة، فهو أنا نجد أهل اللغة لا يضفون هذا اللفظ إلا فيمن كان يملك ما وصف بأنه أولى به، و ينفذ فيه أمره و نهيه، أ لا تراهم يقولون: السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعية و ولد الميت أولى بميراثه من كثير من أقاربه، و مرادهم في جميع ذلك ما ذكرناه، و لا خلاف بين المفسرين في أن قوله تعالى" النَّبِيُّ أَوْلىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ " المراد به بتدبيرهم و القيام بأمرهم، حيث وجبت طاعته عليهم، و نحن نعلم أنه لا يكون أولى.......... بتدبير الخلق و أمرهم و نهيهم من كل أحد إلا من كان إماما لهم مفترض الطاعة عليهم. فإن قال: سلمنا أن المراد بالمولى في الخبر ما تقدم من معنى الأولى من أين لكم أنه أراد كونه أولى بهم في تدبيرهم و أمرهم و نهيهم دون أن يكون أراد به أولى بأن يوالوه و يحبوه و يعظموه و يفضلوه؟ قيل له: سؤالك يبطل من وجهين: " أحدهما" أن الظاهر من قول القائل فلان أولى بفلان، أنه أولى بتدبيره و أحق بأمره و نهيه، فإذا انضاف إلى ذلك القول أولى به من نفسه زالت الشبهة في أن المراد ما ذكرناه، أ لا تراهم يستعملون هذه اللفظة مطلقة في كل موضع حصل فيه محقق للتدبير و الاختصاص بالأمر و النهي كاستعمالهم لها في السلطان و رعيته و الوالد و ولده و السيد و عبده، و إن جاز أن يستعملوها مقيدة في غير هذا الموضع، إذا قالوا فلان أولى بمحبة فلان أو بنصرته أو بكذا و كذا منه، إلا أن مع الإطلاق لا يعقل عنهم إلا المعنى الأول. " و الوجه الآخر" أنه إذا ثبت أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أراد بما قدمه من كونه أولى بالخلق من نفوسهم أنه أولى بتدبيرهم و تصريفهم من حيث وجبت طاعته عليهم بلا خلاف وجب أن يكون ما أوجبه لأمير المؤمنين (عليه السلام) في الكلام الثاني جاريا ذلك المجرى يشهد بصحة ما قلناه أن القائل من أهل اللسان إذا قال فلان و فلان، و ذكر جماعة شركاء في المتاع الذي من صفته كذا و كذا، ثم قال عاطفا على كلامه من كنت شريكه فعبد الله شريكه، اقتضى ظاهر لفظه أن عبد الله شريكه في المتاع الذي قدم ذكره، و أخبر أن الجماعة شركاؤه فيه، و متى أراد أن عبد الله شريكه في غير الأمر الأول كان سفها غاشا ملغزا. فإن قيل: إذا سلم لكم أنه (عليه السلام) أولى بهم بمعنى التدبير و وجوب الطاعة من أين لكم عموم وجوب الطاعة في جميع الأمور التي تقوم بها الأئمة، و لعله أراد به أولى بأن يطيعوه في بعض الأشياء دون بعض؟.......... قيل له: الوجه الثاني الذي ذكرناه في جواب سؤالك المتقدم يسقط هذا السؤال. و مما يبطله أيضا أنه إذا ثبت أنه (عليه السلام) مفترض الطاعة على جميع الخلق في بعض الأمور دون بعض وجبت إمامته، و عموم فرض طاعته، و امتثال تدبيره، فلا يكون إلا الإمام لأن الأمة مجمعة على أن من هذه صفته هو الإمام، و لأن كل من أوجب لأمير المؤمنين (عليه السلام) من خبر الغدير فرض الطاعة على الخلق أوجبها عامة في الأمور كلها على الوجه الذي يجب للأئمة (عليهم السلام) و لم يخص شيئا دون شيء. و بمثل هذا الوجه نجيب من قال: كيف علمتهم عموم القول لجميع الخلق؟ مضافا إلى عموم إيجاب الطاعة لسائر الأمور، و لستم ممن يثبت للعموم صيغة في اللغة فتغلقون بلفظة من و عمومها، و ما الذي يمنع على أصولكم من أن يكون أوجب طاعته على واحد من الناس أو جماعة من الأمة قليلة العدد، لأنه لا خلاف في عموم طاعة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و عموم قوله من بعده: فمن كنت مولاه، و إلا لم يكن للعموم صورة، و قد بينا أن الذي أوجبه ثانيا يجب مطابقته لما قدمه في وجهه و عمومه في الأمور، و كذا يجب عمومه في المخاطبين بتلك الطريقة، لأن كل من أوجب من الخبر فرض الطاعة و ما يرجع إلى معنى الإمامة ذهب إلى عمومه لجميع المكلفين، كما ذهب إلى عمومه في جميع الأفعال، انتهى. و أما ما زعم بعضهم من أن قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): اللهم وال من والاه، قرينة على أن المراد بالمولى الموالي و الناصر، فلا يخفى وهنه إذ لم يكن استدلالنا بمحض تقدم ذكر الأولى حتى يعارضونا بذلك، بل إنما استدللنا بسياق الكلام و تمهيد المقدمة و التفريع عليهما، و ما يحكم به عرف أرباب اللسان في ذلك و أما الدعاء بموالاة من والاه فليس بتلك المثابة، و إنما يتم هذا لو ادعى أحد أن اللفظ بعد ما أطلق على أحد معانيه لا يناسب أن يطلق ما يناسبه و يدانيه في الاشتقاق على معنى آخر، و كيف يدعي ذلك عاقل، مع أن ذلك مما يعد من المحسنات البديعة........... بل نقول تعقيبه بهذا يؤيد ما ذكرناه و يقوى ما استثناه بوجوه: الأول: أنه لما أثبت (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) له الرئاسة العامة و الإمامة الكبرى، و هي مما يحتاج إلى الجنود و الأعوان، و إثبات مثل ذلك لواحد من بين جماعة مما يقتضي إلى هيجان الحسد المورث لترك النصرة و الخذلان، لا سيما أنه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كان عالما بما في صدور المنافقين الحاضرين من عداوته، و ما انطوى عليه جنوبهم من السعي في غصب خلافته أكد ذلك بالدعاء لأعوانه، و اللعن على من قصر في شأنه، و لو كان الغرض محض كونه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) ناصرا لهم، أو ثبوت الموالاة بينه و بينهم كسائر المؤمنين لم يكن يحتاج إلى مثل تلك المبالغات و الدعاء له بما يدعى للأمراء و أصحاب الولايات. الثاني: أنه يدل على عصمته اللازمة لإمامته لأنه لو كان يصدر منه المعصية، لكان يجب على من يعلم ذلك منه منعه و زجره و ترك موالاته، و إبداء معاداته لذلك فدعاء الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) لكل من يواليه و ينصره و لعنه على كل من يعاديه و يخذله، يستلزم عدم كونه أبدا على حال يستحق عليها ترك الموالاة و النصرة. الثالث: أنه إذا كان المراد بالمولى الأولى كما نقوله كان المقصود منه طلب موالاته و متابعته و نصرته من القوم، و إن كان المراد الناصر و المحب كان المقصود بيان كونه (صلوات الله عليه) ناصرا و محبا لهم، فالدعاء لمن يواليه و ينصره، و اللعن على من يتركهما في الأول أهم و به أنسب من الثاني، إلا أن يأول الثاني بما يرجع إلى الأول في المال كما أومأنا إليه سابقا. المسلك الرابع: أن الأخبار المروية من طرق الخاصة و العامة الدالة على أن قوله تعالى" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " نزلت في يوم الغدير تدل على أن المراد بالمولى ما يرجع إلى الإمامة الكبرى، إذ ما يكون سببا لكمال الدين و تمام النعمة على المسلمين، لا يكون إلا ما يكون من أصول الدين بل من أعظمها و هي الإمامة التي بها يتم نظام.......... الدنيا و الدين، و بالاعتقاد بها تقبل أعمال المسلمين، و قال الشيخ جلال الدين السيوطي و هو من أكابر متأخري المخالفين في كتاب الإتقان: أخرج أبو عبيدة عن محمد بن كعب قال: نزلت سورة المائدة في حجة الوداع فيما بين مكة و المدينة، و منها" الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ " و في الصحيح عن عمر أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع، لكن أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت يوم غدير خم، و أخرج مثله من حديث أبي هريرة، انتهى. و روى السيوطي أيضا في الدر المنثور بأسانيد أن اليهود قالوا: لو علينا نزلت هذه الآية لاتخذنا يومها عيدا. و روى الشيخ الطبرسي (ره) في مجمع البيان عن مهدي بن نزار الحسيني عن عبد الله الحسكاني عن أبي عبد الله الشيرازي عن أبي بكر الجرجاني عن أبي أحمد الأنصاري البصري عن أحمد بن عمار بن خالد عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن قيس بن الربيع عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لما نزلت هذه الآية قال: الله أكبر على إكمال الدين و إتمام النعمة و رضا الرب برسالتي، و ولاية علي بن أبي طالب من بعدي، و قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و أخذل من خذله. قال: و قال الربيع بن أنس نزل في المسير في حجة الوداع، انتهى. و قد مر سائر الأخبار في ذلك. المسلك الخامس. أن الأخبار المتقدمة الدالة على نزول قوله تعالى: " يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ " مما يعين بالمولى الأولى و الخليفة و الإمام، لأن التهديد بأنه إن لم يبلغه فكأنه لم يبلغ.......... شيئا من رسالاته و ضمان العصمة له يجب أن يكون في إبلاغ حكم يكون بإبلاغه إصلاح الدين و الدنيا لكافة الأنام، و به يتبين للناس الحلال و الحرام إلى يوم القيامة يكون قبوله صعبا على الأقوام، و ليس مما ذكروه من الاحتمالات في لفظ المولى ما يظن فيه أمثال ذلك إلا خلافة (عليه السلام) و إمامته، إذ بها يبقى ما بلغه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) من أحكام الدين، و بها ينتظم أمور المسلمين، و لضغائن الناس لأمير المؤمنين (عليه السلام) كان مظنة إثارة الفتن من المنافقين، فلذا ضمن الله له العصمة من شرهم. قال الرازي في تفسيره الكبير في بيان محتملات نزول تلك الآية: " العاشر" نزلت هذه الآية في فضل علي (عليه السلام)، و لما نزلت هذه الآية أخذ بيده و قال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، فلقيه عمر فقال: هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة، و هو قول ابن عباس و البراء بن عازب و محمد بن علي. و قال الطبرسي (ره): روى العياشي في تفسيره بإسناده عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس و جابر بن عبد الله قالا: أمر الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أن ينصب عليا (عليه السلام) للناس فيخبرهم بولايته، فتخوف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أن يقولوا حابى ابن عمه و أن يطعنوا في ذلك عليه فأوحى الله إليه الآية فقام (عليه السلام) بولايته يوم غدير خم، و هذا الخبر بعينه حدثناه السيد أبو الحمد عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن أبي عمير في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التأويل، و فيه أيضا بالإسناد المرفوع إلى حيان بن علي العنزي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في علي فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بيده (عليه السلام) فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه. و قد أورد هذا الخبر أبو إسحاق أحمد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره بإسناده مرفوعا إلى ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في علي، أمر النبي أن يبلغ فأخذ رسول.......... الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بيد علي فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه. و قد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) أن الله أوحى إلى نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أن يستخلف عليا فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه فأنزل الله سبحانه هذه الآية تشجيعا له على القيام لما أمره بأدائه. و المعنى إن تركت تبليغ ما أنزل إليك أو كتمته كنت كأنك لم تبلغ شيئا من رسالات ربك في استحقاق العقوبة. المسلك السادس: هو أن الأخبار الخاصية و العامية المشتملة على صريح النص في تلك الواقعة إن لم تدع تواترها معنى- مع أنها كذلك- فهي تصلح لكونها قرينة لكون المراد بالمولى ما يفيد الإمامة الكبرى و الخلافة العظمى، لا سيما مع انضمام ما جرت به عادة الأنبياء و السلاطين و الأمراء من استخلافهم عند قرب وفاتهم، و هل يريب عاقل في أن نزول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في زمان و مكان لم يكن نزول المسافر متعارفا فيهما، حيث كان الهواء على ما روي في غاية الحرارة، حتى كان الرجل يستظل بدابته، و يضع الرداء تحت قدميه من شدة الرمضاء و المكان مملوء من الأشواك، ثم صعوده (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) على الأقتاب و الدعاء لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) على وجه يناسب شأن الملوك و الخلفاء و ولاة العهد، لم يكن إلا لنزول الوحي الإيجابي الفوري في ذلك الوقت، لاستدراك أمر عظيم الشأن جليل القدر و هو استخلافه و الأمر بوجوب طاعته. المسلك السابع نقول يكفي في القرينة على إرادة الإمامة من المولى فهم من حضر ذلك المكان و سمع هذا الكلام، هذا المعنى كحسان حيث نظمه في إشعاره المتواترة و غيره من شعراء الصحابة و التابعين و غيرهم، و كالحارث بن النعمان الفهري كما رويناه.......... في الكتاب الكبير عن الثعلبي و غيره، أنه هكذا فهم الخطاب حيث سمعه و غيرهم من الصحابة و التابعين على ما أوردناه في الكتاب المذكور في ضمن الأخبار، و لنعم ما قال الغزالي في كتاب سر العالمين في مقالته الرابعة التي وضعها لتحقيق أمر الخلافة، بعد عدة من الأبحاث، و ذكر الاستخلاف: لكن أسفرت الحجة وجهها و أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته (صلوات الله عليه و آله) في يوم غدير خم باتفاق الجميع، و هو يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فقال عمر: بخ بخ يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة، فهذا تسليم و رضا و تحكيم، ثم بعد هذا غلب الهواء بحب الرئاسة و حمل عمود الخلافة و عقود النبوء و خفقان الهواء في قعقعة الرايات اشتباك ازدحام الخيول و فتح الأمصار سقاهم كأس الهواء فعادوا إلى الخلاف الأول، فنبذوا الحق وراء ظهورهم و اشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون، انتهى. أقول: لا يخفى على من شم رائحة الإنصاف أن تلك الوجوه التي نقلناها عن القوم تتميمات ألحقناها بها، و نكأت تفردنا بإيرادها لو كان كل منها مما يمكن لمباهات و معاند أن يناقش فيها فبعد اجتماعها و تعاضد بعضها ببعض لا يبقى لأحد مجال الريب فيها، و العجب من هؤلاء المخالفين مع ادعائهم غلبة الفضل و الكمال، كيف طاوعتهم أنفسهم أن يبدوا في مقابلة تلك الدلائل و البراهين احتمالا يحكم كل عقل باستحالتها، و لو كانت مجرد التمسك بذيل الجهالات، و الالتجاء بمحض الاحتمالات مما يكفي لدفع الاستدلالات، لم يبق شيء من الدلائل إلا و لمباهات فيه مجال، و لا شيء من البراهين إلا و لجاهل فيه مقال، فكيف يثبتون الصانع و يقيمون البراهين فيه على الملحدين؟ و كيف يتكلمون في إثبات النبوات و غيره من مقاصد الدين؟ أعاذنا الله و إياهم من العصبية و العناد، و وفقنا جميعا لما يهدي إلى الرشاد. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم أُوصِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ أَهْلِ بَيْتِي فَإِنِّي سَأَلْتُ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ لَا يُفَرِّقَ قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): أوصيكم بكتاب الله و أهل بيتي، أقول: الأخبار الواردة بهذا المضمون كثيرة أوردناها في كتابنا الكبير، و أشهرها ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده بإسناده إلى أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني قد تركت فيكم الثقلين ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي و أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، ألا و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. و بإسناده إلى زيد بن ثابت قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني تارك فيكم الثقلين خليفتين، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض. و روى مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فينا خطيبا بما يدعي خما بين مكة و المدينة، فحمد الله و أثنى عليه و وعظ و ذكر ثم قال: أما بعد أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب. و إني تارك فيكم ثقلين أو لهما كتاب الله فيه النور فخذوا بكتاب الله و استمسكوا به، فحث على كتاب الله تعالى و رغب فيه ثم قال: و أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي ثلاثا. و روى ابن الأثير في جامع الأصول نقلا عن صحيح الترمذي عن جابر بن عبد الله قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في حجة الوداع يوم عرفة و هو على ناقته القصواء يخطب فسمعته يقول: إني تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا: كتاب الله و عترتي أهل بيتي. و عن زيد بن أرقم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، و هو كتاب الله حبل ممدود من الأرض إلى السماء، و عترتي أهل بيتي لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما. بَيْنَهُمَا حَتَّى يُورِدَهُمَا عَلَيَّ الْحَوْضَ فَأَعْطَانِي ذَلِكَ وَ قَالَ لَا تُعَلِّمُوهُمْ فَهُمْ أَعْلَمُ مِنْكُمْ و هذا الخبر من المتواترات لم ينكره أحد من المخالفين عند الاحتجاج عليهم، كقاضي القضاة و غيرهم من المتعصبين، بل تكلموا في الدلالة على الإمامة و ذكر ألفاظه اللغويون، قال ابن الأثير في النهاية: في الحديث: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله و عترتي، سماهما ثقلين لأن الأخذ بهما ثقيل، و يقال لكل خطير نفيس ثقل، فسماهما ثقلين إعظاما لقدرهما، و تفخيما لشأنهما. و قال الطيبي في شرح المشكاة: سميا ثقلين إذ يستصلح الدين بهما، و يعمر كما عمرت الدنيا بالثقلين، أو لأن الأخذ بهما عزيمة، انتهى. و أما الاستدلال بها على إمامة الأئمة (عليهم السلام)، فقال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) لا يكون شيء أبلغ من قول القائل: قد تركت فيكم فلانا، كما يقول الأمير إذا خرج من بلده و استخلف من يقوم مقامه لأهل البلد: قد تركت فيكم فلانا يرعاكم و يقوم فيكم مقامي، و كما يقول من أراد الخروج عن أهله و أراد أن يوكل عليهم وكيلا يقوم بأمرهم: قد تركت فيكم فلانا فاسمعوا له و أطيعوا، فإذا كان ذلك كذلك فهو النص الجلي الذي لا يحتمل غيره، إذ خلف في جميع الخلق أهل بيته و أمرهم بطاعتهم و الانقياد لهم بما أخبر به عنهم من العصمة، و أنهم لا يفارقون الكتاب و لا يتعدون الحكم بالصواب. و نقل السيد- رضي الله عنه- في الشافي عن صاحب المغني أنه اعترض على الاستدلال بهذا الحديث و حديث السفينة و أمثالهما على الإمامة بأن هذا إنما يدل على أن إجماع العترة لا يكون إلا حقا، لأنه لا يخلو من أن يريد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بذلك جملتهم أو كل واحد منهم، و قد علمنا أنه لا يجوز أن يريد بذلك إلا جملتهم، لأن الكلام يقتضي الجمع، و لأن الخلاف قد يقع بينهم على ما علمناه من حالهم، و لا يجوز أن يكون في شيء و ضده، و قد ثبت اختلافهم فيما هذا حاله، و لا يجوز أن يقال إنهم مع الاختلاف لا يفارقون الكتاب، و ذلك يبين أن المراد به أن ما أجمعوا عليه يكون حقا حتى.......... يصح قوله: لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، و ذلك يمنع من أن المراد بالخبر الإمامة، لأن الإمامة لا تصح في جميعهم و إنما يختص بها الواحد منهم، ثم قال: و ليس لهم أن يقولوا إذا دل على ثبوت العصمة فيهم و لم يصح إلا في أمير المؤمنين (عليه السلام) ثم في واحد واحد من الأئمة فيجب أن يكون هو المراد، و ذلك أن لقائل أن يقول: أن المراد عصمتهم فيما اتفقوا عليه و ذلك يكون أليق بالظاهر، و بعد فالواجب حمل الكلام على ما يصح أن يوافق العترة فيه الكتاب، و قد علمنا أن كتاب الله دلالة على الأمور، فيجب أن يحمل قوله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في العترة على ما يقتضي كونه دلالة و ذلك لا يصح إلا بأن يقال أن إجماعها حق و دليل. ثم أجاب السيد- رضي الله عنه-: بأن إجماع أهل البيت (عليهم السلام) حجة يدل على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بغير فصل، و على غير ذلك مما أجمع أهل البيت عليه، و يمكن أيضا أن يجعلوه حجة و دليلا، على أنه لا بد في كل عصر في جملة هذا البيت من حجة معصوم مأمون يقطع على صحة قوله. ثم قال: فإن قيل: ما المراد بالعترة، فإن الحكم متعلق بهذا الاسم؟ قلنا: عترة الرجل في اللغة هم نسله كولده و ولد ولده، و في أهل اللغة من وسع ذلك فقال: إن عترة الرجل هم أدنى قومه إليه في النسب، فعلى القول الأول يتناول ظاهر هذا الخبر و حقيقته الحسن و الحسين (عليهما السلام) و أولادهما، و على القول الثاني يتناول من ذكرناه و من جرى مجراهم في الاختصاص بالقرب من النسب، على أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قد قيد القول بما أزال به الشبهة و أوضح القول بقوله عترتي أهل بيتي، فوجه الحكم إلى من استحق هذين الاسمين، و نحن نعلم أن من يوصف من عترة الرجل بأنهم أهل بيته هو ما قدمنا ذكره من أولاده و أولاد أولاده، و من جرى مجراهم في النسب القريب. على أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قد بين من يتناوله الوصف بأنه من أهل البيت، فتظاهر الخبر بأنه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) جمع أمير المؤمنين و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) في بيته و جللهم.......... بكسائه، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، فنزلت الآية، فقالت أم سلمة: يا رسول الله أ لست من أهل بيتك؟ فقال (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): لا و لكنك على خير. فخص هذا الاسم بهؤلاء دون غيرهم، فيجب أن يكون الحكم متوجها إليهم و إلى من ألحق بهم بالدليل، و قد أجمع كل من أثبت فيهم هذا الحكم أعني وجوب التمسك و الاقتداء على أن أولادهم في ذلك يجرون مجراهم، فقد ثبت توجه الحكم إلى الجميع. فإن قيل: على بعض ما أوردتموه يجب أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) ليس من العترة؟ قلنا: من ذهب إلى ذلك من الشيعة يقول: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) و إن لم يتناوله الاسم على الحقيقة كما لا يتناوله اسم الولد فهو (عليه السلام) أبو العترة و سيدها و خيرها و الحكم في المستحق بالاسم ثابت له بدليل غير تناول الاسم المذكور في الخبر، ثم قال (رحمه الله) بعد إيراد اعتراضات: فأما ما يمكن أن يستدل بهذا الخبر عليه من ثبوت حجة مأمون في جملة أهل البيت في كل عصر، فهو أنا نعلم أن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) إنما خاطبنا بهذا القول على جهة إزاحة العلة لنا، و الاحتجاج في الدين علينا و الإرشاد إلى ما يكون فيه نجاتنا من الشكوك و الريب، و الذي يوضح ذلك أن في رواية زيد بن ثابت هذا الخبر: و هما الخليفتان من بعدي، و إنما أراد أن المرجع إليهما بعدي فيما كان يرجع إلى فيه في حياتي، فلا يخلو من أن يريد أن إجماعهم حجة فقط دون أن يدل القول على أن فيهم في كل حال من يرجع إلى قوله، و يقطع على عصمته، أو يريد ما ذكرناه فلو أراد الأول لم يكن مكملا للحجة علينا و لا مزيحا لعلتنا و لا مستخلفا من يقوم مقامه فينا، لأن العترة أولا قد يجوز أن يجمع على القول الواحد و يجوز أن لا يجمع بل يختلف، فما هو الحجة من إجماعها ليس بواجب ثم.......... ما اجتمعت عليه هو جزء من ألف جزء من الشريعة فكيف يحتج علينا في الشريعة بمن لا نصيب عنده من حاجتنا إلا القليل من الكثير، و هذا يدل على أنه لا بد في كل عصر من حجة في جملة أهل البيت مأمون مقطوع على قوله، و هذا دليل على وجود الحجة على سبيل الجملة و بالأدلة الخاصة يعلم من الذي هو حجة منهم على سبيل التفصيل، على أن المعترض قد حكم بمثل هذه القضية في قوله: إن الواجب حمل الكلام على ما يصح أن يوافق فيه العترة للكتاب، و أن الكتاب إذا كان دلالة على الأمور وجب في العترة مثل ذلك، و هذا صحيح ليجمع بينهما في اللفظ و الإرشاد إلى التمسك بهما ليقع الأمان من الضلال، و الحكم بأنهما لا يفترقان إلى القيامة، و إذا وجب في الكتاب أن يكون دليلا و حجة وجب مثل ذلك في قولهم أعني العترة، و إذا كانت دلالة الكتاب مستمرة غير منقطعة و موجودة في كل حال و ممكنة إصابتها في كل زمان، وجب مثل ذلك في قول العترة المقرون بها، و المحكوم له بمثل حكمها، و هذا لا يتم إلا بأن يكون فيها في كل حال من قوله حجة، لأن إجماعها على الأمور ليس بواجب على ما بينا، و الرجوع إليهما من الاختلاف و فقد المعصوم لا يصح فلا بد مما ذكرناه، انتهى. أقول: عدم افتراقهما بحسب ظاهر اللفظ يحتمل وجوها: أحدها: أن يكون الغرض استمرارها إلى آخر الدهر بحيث لا يكون زمان فيه الكتاب، و ليس فيه العترة و بالعكس. و ثانيها: استمرارها من حيث الإرشاد و الهداية و الدلالة على ما يوجب العصمة عن الضلال لا مطلقا كما أومأ إليه السيد (قدس سره). و ثالثها: كونهما متفقين غير مختلفين بأن لا يحكموا بما يخالف الكتاب و لا يحكم الكتاب بما يخالف قولهم و كونهم عالمين بجميع ما في الكتاب غير مخالفين له في شيء، و هذا يتضمن العصمة. وَ قَالَ إِنَّهُمْ لَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ بَابِ هُدًى وَ لَنْ يُدْخِلُوكُمْ فِي بَابِ ضَلَالَةٍ فَلَوْ سَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلَمْ يُبَيِّنْ مَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ لَادَّعَاهَا آلُ فُلَانٍ وَ آلُ فُلَانٍ وَ لَكِنَّ اللَّهَ و رابعها: كون جميع الكتاب عندهم على ترتيب النزول لفظا و معنى، و كونهم عالمين بجميع علم القرآن ظهرا و بطنا، بل هم القرآن حقيقة لانتقاش نفوسهم المقدسة بلفظ القرآن و معانيه و إسراره و اتصافهم بصفات القرآن و أخلاقه، و هذا سر ما روي: أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كان خلقه القرآن، و ما قاله أمير المؤمنين (عليه السلام): أنا كلام الله الناطق، و به يمكن الجمع بين ما ورد من كون القرآن أفضل منهم و كونهم أفضل من القرآن، بأن يكون المعنى حينئذ أن جهة كونهم قرآنا و كونهم عالمين بجميع علومه أرجح من سائر جهاتهم، و قد حققنا ذلك مفصلا في كتاب عين الحياة. و خامسها: كون المراد عدم افتراقهما في وجوب الإيمان بهما، و أنه لا ينفع الإيمان بأحدهما بدون الآخر، و لا تحصل معرفة أحدهما إلا بمعرفة الآخر. و سادسها: كون الكتاب شاهدا على حقيتهم دالا على إمامتهم و كونهم مفسرين للكتاب، شاهدين على حقيقة مضامينه، و كونهم محتاجين إلى الكتاب، فكل منهما محتاج إلى الآخر، و الناس محتاجون إليهما معا، فلذا أنزل الله الكتاب مجملا، و جعل أهل البيت (عليهم السلام) مفسرين له، حاكمين به، إذ ليس الكتاب ناطقا ينطق بما فيه و يحكم بما يتضمنه، فلا بد من ناطق ينطق عن الكتاب و يحكم بما فيه، و يحمل الناس على العمل به و يفسره لهم، و على هذا المعنى دل أكثر الأخبار. و يدل على بعض المعاني المتقدمة ما رواه الصفار في البصائر عن سعد الإسكاف، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): إني تارك فيكم الثقلين فتمسكوا بهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، قال: فقال أبو جعفر (عليه السلام): لا يزال كتاب الله و الدليل منا يدل عليه حتى يردا علي الحوض. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): لادعاها آل فلان و آل فلان، أي آل العباس و آل جعفر و أضرابهم من أقاربه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، أو آل تيم و آل عدي لشبهة كون بنتيهما في بيته، عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ تَصْدِيقاً لِنَبِيِّهِ ص- إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً فَكَانَ عَلِيٌّ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ فَاطِمَةُ عليها السلام فَأَدْخَلَهُمْ أو لبنتيهما. قوله: و لكن الله عز و جل أنزل، إلخ. أقول: لا خلاف بين الأمة في أن المراد بأهل البيت في آية التطهير أهل بيت نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و إن اختلف في تعيينهم فقال كثير من المخالفين: أن المراد بهم زوجات النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و ذهبت طائفة منهم إلى أن المراد بهم علي بن أبي طالب و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و زوجاته (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و قيل: المراد أقارب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) ممن تحرم عليهم الصدقة، و ذهب أصحابنا (رضوان الله عليهم) و كثير من الجمهور إلى أنها نزلت في علي و فاطمة و الحسن و الحسين (صلوات الله عليهم) لا يشاركهم فيها غيرهم. فمما يدل على ما ذهبنا إليه من أخبار المخالفين ما رواه مسلم في صحيحه و ابن الأثير في جامع الأصول عن عائشة: قالت: خرج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) غداة و عليه مرط مرحل أسود فجاء الحسن بن علي فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت فاطمة فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: " إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً " و رواه في الطرائف عن البخاري عن عائشة و عن الجمع بين الصحيحين للحميدي، في الحديث الرابع و الستين من أفراد مسلم من طريقين، و عن صحيح أبي داود في باب مناقب الحسنين (عليهما السلام) و موضع آخر مثله. و روى ابن بطريق بإسناده عن البخاري و مسلم مثله. و منها ما رواه الترمذي في صحيحة، و رواه في جامع الأصول في الموضع المذكور عن أم سلمة قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتها: " إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً " قالت: و أنا جالسة عند الباب فقلت.......... يا رسول الله أ لست من أهل البيت؟ فقال: إنك إلى خير، أنت من أزواج رسول الله، قالت: و في البيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و علي و فاطمة و الحسن و الحسين فجللهم بكساء و قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، قال صاحب جامع الأصول: و في رواية أخرى أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) جلل على حسن و حسين و على و فاطمة ثم قال: هؤلاء أهل بيتي و حامتي أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا فقالت أم سلمة: و أنا منهم يا رسول الله؟ قال: إنك إلى خير، قال: أخرجه الترمذي. و قال ابن عبد البر في الاستيعاب: لما نزلت: " إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً " دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فاطمة و عليا و حسنا و حسينا في بيت أم سلمة و قال: اللهم إن هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا. و منها ما رواه الترمذي و صاحب جامع الأصول عن عمرو بن أبي سلمة قال: نزلت هذه الآية على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فدعا فاطمة و حسنا و حسينا و جللهم بكساء و علي (عليه السلام) خلف ظهره، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل بيتي أذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا، قالت أم سلمة: و أنا منهم يا نبي الله؟ قال: أنت على مكانك و أنت على خير. و منها ما رواه الترمذي و صاحب جامع الأصول عن أنس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كان يمر بباب فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية قريبا من ستة أشهر يقول: الصلاة أهل البيت، إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً. و منها ما رواه مسلم في صحيحه و صاحب المشكاة في الفصل الأول من الباب المذكور رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم تَحْتَ الْكِسَاءِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ أَهْلًا عن سعد بن أبي وقاص قال: لما نزلت هذه الآية: " نَدْعُ أَبْنٰاءَنٰا وَ أَبْنٰاءَكُمْ وَ نِسٰاءَنٰا وَ نِسٰاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنٰا وَ أَنْفُسَكُمْ " دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) عليا و فاطمة و حسنا و حسينا (عليه السلام) فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي، و قد روي هذه الرواية في جامع الأصول إلا أنه قال: اللهم هؤلاء أهلي، قال: أخرجه الترمذي. و روى يحيى بن الحسن بن بطريق في العمدة عن الحافظ أبي نعيم عن عامر بن سعد عن أبيه قال: نزل على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) الوحي فدعا عليا و فاطمة و حسنا و حسينا فقال: هؤلاء أهل بيتي، قال: و قال أبو نعيم: و رواه أحمد بن حنبل يرفعه إلى قتيبة مثله. قال: و روى أبو نعيم بإسناده عن أبي سعيد أن أم سلمة حدثته أن هذه الآية نزلت في بيتها: " إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً " قالت: و أنا جالسة عند باب البيت قالت: قلت: يا رسول الله أ لست من أهل البيت؟ قال: أنت إلى خير، أنت من أزواج النبي، قالت: و رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في البيت و على و فاطمة و الحسن و الحسين. و بإسناده عن أبي هريرة عن أم سلمة قالت: جاءت فاطمة (عليها السلام) ببرمة لها إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قد صنعت لها حشاة حملتها على طبق فوضعتها بين يديه فقال لها: أين ابن عمك و ابناك؟ قالت: في البيت، قال: اذهبي فادعهم، فجاءت إلى علي فقالت: أجب رسول الله، قالت أم سلمة: فجاء علي يمشي آخذا بيد الحسن و الحسين، و فاطمة تمشي معهم، فلما رآهم مقبلين مد يده إلى كساء كان على المنامة فبسطه فأجلسهم عليه، فأخذ بأطراف الكساء الأربعة بشماله، فضمه فوق رؤوسهم و أهوى بيده اليمنى إلى ربه، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي فأذهب عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا........... و بإسناده عن أبي عبد الله الجدلي قال: دخلت على عائشة فسألتها عن هذه الآية؟ فقالت: ائت أم سلمة ثم أتيت فأخبرتها بقول عائشة، فقالت: صدقت في بيتي نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فقال: من يدعو لي عليا و فاطمة و ابنيهما؟ الحديث. و روى موفق بن أحمد الخوارزمي رفعه إلى أم سلمة قالت: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قال لفاطمة: ائتيني بزوجك و ابنيك، فجاءت بهم فألقى عليهم كساء خيبريا فدكيا قالت: ثم وضع يده عليهم و قال: اللهم إن هؤلاء أهل محمد فاجعل صلواتك و بركاتك على محمد و آل محمد إنك حميد مجيد، قالت أم سلمة، فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي و قال: إنك إلى خير. و روى مسلم في صحيحة عن يزيد بن حيان و رواه في جامع الأصول عنه قال: انطلقت أنا و الحصين بن سبرة و عمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم فلما جلسا إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و سمعت حديثه و غزوت معه و صليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قال: و الله يا ابن أخي لقد كبرت سني و قدم عهدي و نسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فما حدثتكم فاقبلوا و ما لا أحدثكم فلا تكلفونيه، ثم قال قام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فينا يوما خطيبا بماء يدعى خما بين مكة و المدينة، فحمد الله و أثنى عليه و وعظ و ذكر ثم قال: أما بعد ألا يا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، و إني تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب الله فيه الهدى و نور فخذوا بكتاب الله و استمسكوا به، فحث على كتاب الله فرغب فيه ثم قال: و أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي فقال له حصين: و من أهل بيتي يا زيد؟ أ ليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: أهل بيته من حرم عليه الصدقة، قال: و من هم؟ قال: هم آل علي و آل عقيل و آل جعفر و آل عباس، قال: كل هؤلاء حرم عليهم الصدقة؟ قال: نعم. إِلَى خَيْرٍ وَ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي وَ ثِقْلِي فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَانَ عَلِيٌّ أَوْلَى النَّاسِ قال صاحب جامع الأصول: و زاد في رواية: كتاب الله فيه الهدى و النور، من استمسك به و أخذ به كان على الهدى، و من أخطأه ضل، و في أخرى نحوه، غير أنه قال: ألا و إني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله و هو حبل الله، من اتبعه كان على الهدى، و من تركه كان على ضلالة، و فيه فقلنا: من أهل بيته؟ نساؤه؟ قال: لا أيم الله إن المرأة تكون مع الرجل العصر من الدهر فيطلقها فيرجع إلى أبيها و قومها، أهل بيته أصله و عصبته الذين حرموا الصدقة بعده، قال: أخرجه مسلم. و قد حكى هذه الرواية يحيى بن الحسن بن بطريق عن الجمع بين الصحيحين للحميدي من الحديث الخامس من إفراد مسلم من مسند ابن أبي أوفى بإسناده، و عن الجمع بين الصحاح الستة لرز بن معاوية العبدري من صحيح أبي داود السجستاني و صحيح الترمذي عن حصين بن سبرة أنه قال لزيد بن أرقم: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، الحديث. و روى الترمذي في صحيحة و صاحب جامع الأصول عن بريدة قال: كان أحب النساء إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فاطمة، و من الرجال علي قال إبراهيم: يعني من أهل بيته. و روى البخاري في صحيحه في باب مرض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و قوله تعالى: " إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ " و رواه في المشكاة عن عائشة قالت: كنا أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) عنده فأقبلت فاطمة ما تخطئ مشيتها من مشية رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فلما رآها قال: مرحبا بابنتي ثم أجلسها، ثم سارها فبكت بكاء شديدا فلما رأى حزنها سارها الثانية، فإذا هي تضحك، فلما قام رسول الله سألتها عما سارك؟ قالت: ما كنت لأفشي على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) سره فلما توفي قلت: عزمت عليك بما لي من الحق عليك لما أخبرتني، قالت: أما الآن فنعم، أما حين سارني في المرة الأولى فإنه أخبرني أن جبرئيل بِالنَّاسِ لِكَثْرَةِ مَا بَلَّغَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ إِقَامَتِهِ لِلنَّاسِ وَ أَخْذِهِ بِيَدِهِ فَلَمَّا مَضَى كان يعارضني القرآن كل سنة و أنه عارضني به العام مرتين، و لا أرى الأجل إلا قد اقترب، فاتقي الله و اصبري فإني نعم السلف أنالك، فبكيت، فلما رأى جزعي سارني الثانية فقال: يا فاطمة أ لا ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين؟ و في رواية فسارني فأخبرني أنه يقبض في وجعه، فبكيت ثم سارني فأخبرني أني أول أهل بيته أتبعه فضحكت، قال: متفق عليه. قال ابن حجر في صواعقه: إن أكثر المفسرين على أن الآية نزلت في علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) لتذكير ضمير عنكم. و قال الفخر الرازي في التفسير الكبير: اختلف الأقوال في أهل البيت، و الأولى أن يقال: هم أولاده و أزواجه، و الحسن و الحسين (عليهم السلام) منهم، و على منهم، لأنه كان من أهل بيته بسبب معاشرته بيت النبي و ملازمته للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). و قال شيخ الطائفة في التبيان: روى أبو سعيد الخدري و أنس بن مالك و عائشة و أم سلمة و واثلة بن الأسقع أن الآية نزلت في النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و على و فاطمة و الحسن و الحسين، قال: و روي عن أم سلمة أنها قالت: إن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٣ - الصفحة ٢١٣. — الإمام الصادق عليه السلام
6 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ جَمِيعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام يَقُولُ
فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْعِبَادِ خَمْساً أَخَذُوا أَرْبَعاً وَ تَرَكُوا وَاحِداً قُلْتُ أَ تُسَمِّيهِنَّ لِي جُعِلْتُ فِدَاكَ فَقَالَ الصَّلَاةُ وَ كَانَ النَّاسُ لَا يَدْرُونَ كَيْفَ يُصَلُّونَ فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْهُمْ بِمَوَاقِيتِ صَلَاتِهِمْ ثُمَّ نَزَلَتِ الزَّكَاةُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ أَخْبِرْهُمْ مِنْ زَكَاتِهِمْ مَا أَخْبَرْتَهُمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ ثُمَّ نَزَلَ الصَّوْمُ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ بَعَثَ إِلَى مَا حَوْلَهُ مِنَ الْقُرَى فَصَامُوا ذَلِكَ الْيَوْمَ فَنَزَلَ شَهْرُ الإسلام إذ الاعتقاد بالإمام ركن عظيم من أركانه، فظهر أن تتمة الآية إنما يناسب المعنى الأول. الحديث الخامس: مجهول. الحديث السادس: ضعيف بسنديه. " أخذوا أربعا" أي المخالفون" ثم نزل الصوم" أي في غير القرآن أو بالآيات المجملة نحو: " وَ الصّٰائِمِينَ وَ الصّٰائِمٰاتِ " و أنه نزل أو لا" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ ثم في تتمة الآيات عين كونه في شهر رمضان، و على التقادير يدل على أنه كان قبل نزول صوم شهر رمضان صوم عاشوراء ثم نسخ به. قال الطبرسي: في قوله: " أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ* " اختلف في هذه الأيام على رَمَضَانَ بَيْنَ شَعْبَانَ وَ شَوَّالٍ ثُمَّ نَزَلَ الْحَجُّ فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَقَالَ أَخْبِرْهُمْ مِنْ حَجِّهِمْ مَا أَخْبَرْتَهُمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ وَ زَكَاتِهِمْ وَ صَوْمِهِمْ ثُمَّ نَزَلَتِ الْوَلَايَةُ وَ إِنَّمَا أَتَاهُ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِعَرَفَةَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وجهين: أحدهما: أنها غير شهر رمضان و كانت ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ عن معاذ و عطاء عن ابن عباس، و روي ثلاثة أيام من كل شهر، و صوم عاشوراء عن قتادة، ثم قيل: إنه كان تطوعا، و قيل: بل كان واجبا، و اتفق هؤلاء على أن ذلك منسوخ بصوم شهر رمضان. و الآخر: أن المعنى بالمعدودات شهر رمضان، انتهى. " بين شعبان و شوال" الظاهر أنه لم يكن اشتهار الشهر بهذا الاسم في أول الأمر كاشتهاره اليوم، فرفع بذلك توهم كونه غيره، أو لأنه لما كان المشهور أن رمضان من الرمض و هو شدة وقع الشمس على الرمل و غيره، و إنما سموه رمضان لأنهم كانوا يسمون الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها فوافق رمضان أيام رمض الحر فربما يتوهم أنه إنما يسمى بهذا الاسم إذا وقع في ذلك الفصل، فرفع بهذا القول ذلك التوهم. و قال المحدث الأسترآبادي: يعني الشهر الذي بين شعبان و شوال لم يكن اسمه شهر رمضان لأن رمضان اسم الله، انتهى. و قيل: إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي يحرقها و قيل: الغرض رفع توهم كون المراد الشهر العددي أي ثلاثين يوما كما زعمه بعض. قوله (عليه السلام): " و إنما أتاه ذلك" أي الأمر بالولاية بقوله: " يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ " و قوله: أنزل الله، أي بعد التبليغ في غدير خم، و قوله: فقال عند ذلك" رجوع إلى أول الكلام و تفصيل لذلك الإجمال، مع أنه يحتمل أن يكون نزل بعد تبليغ يوم عرفة و بعد تبليغ يوم الغدير أيضا، و بالجملة في الخبر تشويش، الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ كَانَ كَمَالُ الدِّينِ بِوَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أُمَّتِي حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ وَ مَتَى أَخْبَرْتُهُمْ بِهَذَا فِي ابْنِ عَمِّي يَقُولُ قَائِلٌ وَ يَقُولُ قَائِلٌ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْطِقَ بِهِ لِسَانِي فَأَتَتْنِي عَزِيمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بَتْلَةً أَوْعَدَنِي إِنْ لَمْ أُبَلِّغْ أَنْ يُعَذِّبَنِي فَنَزَلَتْ يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكٰافِرِينَ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِيَدِ عَلِيٍّ عليه السلام فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ مِمَّنْ كَانَ و مخالفة ظاهر لما ورد في الأخبار الكثيرة أن الآية نزلت يوم الغدير أو بعده و هو أوفق بظاهر الآية، و لما رواه الصدوق في الخصال بسند صحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: يوم غدير أفضل الأعياد، و هو يوم الثامن عشر من ذي الحجة و كان يوم الجمعة، الخبر. و هذا الخبر مع صحته صريح في كون الغدير يوم الجمعة، و يؤيده ما رواه ابن شهرآشوب في المناقب عن ابن عباس أنه قال: اجتمعت في ذلك اليوم خمسة أعياد: الجمعة، و الغدير، و عيد اليهود و النصارى و المجوس، و لم يجتمع هذا فيما سمع قبله و كان كمال الدين بولاية علي لما عرفت أنه لما نصب للناس وليا و أقيم لهم إماما صار معولهم على أقواله و أفعاله في جميع ما يحتاجون إليه في أمر دينهم، ثم على خليفته من بعده، و هكذا إلى يوم القيامة فلم يبق لهم من أمر دينهم ما لا يمكنهم الوصول إلى علمه، فكمل الدين بهم و تمت النعمة بوجودهم واحدا بعد واحد. " حديثو عهد" قريبوا عهد" بالجاهلية" و الكفر" يقول قائل" إنه صادق" و يقول قائل" إنه كاذب، و المعنى يقول قائل: إنه نصبه للقرابة، و يقول قائل نصبه لحمايته له في جميع أحواله و أشباه هذا الكلام، " فقلت في نفسي" أي كان هذا الكلام السابق كلاما نفيسا لم أنطق به" فاتتني عزيمة من الله" أي آية حتم لا رخصة فيها" بتلة" أي جازمة مقطوع بها، يقال: بتلة كنصره و ضربه إذا قطعه: قَبْلِي إِلَّا وَ قَدْ عَمَّرَهُ اللَّهُ ثُمَّ دَعَاهُ فَأَجَابَهُ فَأَوْشَكَ أَنْ أُدْعَى فَأُجِيبَ وَ أَنَا مَسْئُولٌ وَ أَنْتُمْ مَسْئُولُونَ- فَمَا ذَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ فَقَالُوا نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَ نَصَحْتَ وَ أَدَّيْتَ مَا عَلَيْكَ فَجَزَاكَ اللَّهُ أَفْضَلَ جَزَاءِ الْمُرْسَلِينَ فَقَالَ اللَّهُمَّ اشْهَدْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ هَذَا وَلِيُّكُمْ مِنْ بَعْدِي فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام كَانَ وَ اللَّهِ عَلِيٌّ عليه السلام أَمِينَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ غَيْبِهِ وَ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم حَضَرَهُ الَّذِي حَضَرَ فَدَعَا عَلِيّاً فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَئْتَمِنَكَ عَلَى مَا ائْتَمَنَنِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْبِهِ وَ عِلْمِهِ وَ مِنْ خَلْقِهِ وَ مِنْ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ فَلَمْ يُشْرِكْ وَ اللَّهِ فِيهَا يَا زِيَادُ أَحَداً مِنَ الْخَلْقِ ثُمَّ إِنَّ عَلِيّاً عليه السلام حَضَرَهُ الَّذِي حَضَرَهُ فَدَعَا وُلْدَهُ وَ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ذَكَراً فَقَالَ لَهُمْ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ " إلا و قد عمره الله" من باب نصر أو باب التفعيل، أي أبقاه مدة" فأوشك" على المعلوم أي قرب و" ما ذا" مفعول" قائلون" قدم عليه. " كان و الله" أي رسول الله أو علي صلى الله عليهما، و الأول أظهر" حضره الذي حضره" أي الموت. " فلم يشرك و الله" أي رسول الله" فيها" أي في الإمامة أو في الخلافة أو في الوصية أو في الأشياء المذكورة و هي غيبة و خلقه و دينه و" زياد" اسم أبي الجارود و هو المنذر. قوله: و كانوا اثنا عشر، قال المفيد (قدس الله روحه): أولاد أمير المؤمنين (عليه السلام) سبعة و عشرون ولدا ذكرا و أنثى: الحسن، و الحسين، و زينب الكبرى، و زينب الصغرى- المكناة بأم كلثوم- أمهم فاطمة البتول سيدة نساء العالمين. و محمد المكنى أبو القاسم، أمه خولة بنت جعفر بن قيس الحنفية. و عمر و رقية كانا توأمين أمهما أم حبيب بنت ربيعة. و العباس و جعفر و عثمان و عبد الله الشهداء مع أخيهم الحسين (عليهم السلام) بطف كربلاء أمهم أم البنين بنت حزام بن خالد بن دارم. و محمد الأصغر المكنى بأبي بكر، و عبيد الله، الشهيدان بالطف أمهما ليلى بنت عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ أَبَى إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ فِيَّ سُنَّةً مِنْ يَعْقُوبَ وَ إِنَّ يَعْقُوبَ دَعَا وُلْدَهُ وَ كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ ذَكَراً فَأَخْبَرَهُمْ بِصَاحِبِهِمْ أَلَا وَ إِنِّي أُخْبِرُكُمْ بِصَاحِبِكُمْ أَلَا إِنَّ هَذَيْنِ ابْنَا رَسُولِ اللَّهِ ص- الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ عليهما السلام فَاسْمَعُوا لَهُمَا وَ أَطِيعُوا وَ وَازِرُوهُمَا فَإِنِّي قَدِ ائْتَمَنْتُهُمَا عَلَى مَا ائْتَمَنَنِي عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِمَّا ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِهِ وَ مِنْ غَيْبِهِ وَ مِنْ دِينِهِ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ فَأَوْجَبَ اللَّهُ لَهُمَا مِنْ عَلِيٍّ عليه السلام مَا أَوْجَبَ لِعَلِيٍّ عليه السلام مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمَا فَضْلٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلَّا بِكِبَرِهِ وَ إِنَّ الْحُسَيْنَ كَانَ إِذَا حَضَرَ الْحَسَنُ لَمْ يَنْطِقْ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ حَتَّى يَقُومَ ثُمَّ إِنَّ الْحَسَنَ عليه السلام حَضَرَهُ الَّذِي حَضَرَهُ فَسَلَّمَ ذَلِكَ إِلَى الْحُسَيْنِ عليه السلام ثُمَّ إِنَّ حُسَيْناً حَضَرَهُ الَّذِي مسعود الدارمية. و يحيى و عون أمهما أسماء بنت عميس. و أم الحسن، و رملة، أمهما أم سعيد بنت عروة بن مسعود الثقفي. و نفيسة و زينب الصغرى و أم هاني و أم الكرام و جمانة المكناة أم جعفر و إمامة و أم سلمة و ميمونة و خديجة و فاطمة رحمة الله عليهن لأمهات شتى. و في الشيعة من يذكر أن فاطمة (صلوات الله عليها) أسقطت بعد النبي ذكرا كان سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و هو حمل: محسنا، فعلى قول هذه الطائفة أولاد أمير المؤمنين ثمانية و عشرون ولدا، انتهى. " و إن يعقوب دعا ولده" إشارة إلى قوله تعالى: " أَمْ كُنْتُمْ شُهَدٰاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قٰالَ لِبَنِيهِ مٰا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قٰالُوا نَعْبُدُ إِلٰهَكَ وَ إِلٰهَ آبٰائِكَ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ وَ إِسْحٰاقَ إِلٰهاً وٰاحِداً وَ نَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ ". " فأخبرهم بصاحبهم" أي يوسف (عليه السلام) " و وازروهما" أي عاونوهما" إنما وجب الله" هو كلام أبي جعفر (عليه السلام) " من على" أي بسببه أو من جهته" لم ينطق" أي من الأحكام الشرعية أو لم يقض بين الناس. حَضَرَهُ فَدَعَا ابْنَتَهُ الْكُبْرَى فَاطِمَةَ بِنْتَ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَدَفَعَ إِلَيْهَا كِتَاباً مَلْفُوفاً وَ وَصِيَّةً ظَاهِرَةً وَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام مَبْطُوناً لَا يَرَوْنَ إِلَّا أَنَّهُ لِمَا بِهِ فَدَفَعَتْ فَاطِمَةُ الْكِتَابَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ثُمَّ صَارَ وَ اللَّهِ ذَلِكَ الْكِتَابُ إِلَيْنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع مِثْلَهُ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٣ - الصفحة ٢٥٩. — الإمام الباقر عليه السلام
سَمِعْتُهُ يَقُولُ لَمَّا نَزَلَتْ وَلَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام وَ كَانَ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم سَلِّمُوا عَلَى عَلِيٍّ بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَكَانَ مِمَّا أَكَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَا زَيْدُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَهُمَا قُومَا فَسَلِّمَا عَلَيْهِ دم الحسين، و أظهر أنه بأمر محمد بن الحنفية، فزعم أصحابه أنه الإمام بعد الحسين (عليه السلام) " أ فلا قلت له" المفعول مقدر أي ما يكون حجة عليه، و في المصباح: دريت الشيء: علمته" قال الله عز و جل" استئناف لبيان كون علي بن الحسين الإمام دون ابن الحنفية كما مر. الحديث الثامن: مجهول، و في رجال الشيخ زيد بن جهيم الهلالي. " و كان" عطف على نزلت" و الإمرة" بالكسر الولاية فكان جواب لما، و ذكر الفاء لطول الفصل، و ضمير عليهما لأبي بكر و عمر، لم يصرح بهما تقية، و التأكيد باعتبار تخصيصهما بالأمر بعد دخولهما في التعميم، و سؤالهما يدل على عدم إيمانهما بِإِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالا أَ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْ رَسُولِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ- فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ لٰا تَنْقُضُوا الْأَيْمٰانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ يَعْنِي بِهِ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَهُمَا وَ قَوْلَهُمَا أَ مِنَ اللَّهِ أَوْ مِنْ رَسُولِهِ- وَ لٰا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهٰا بالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و اتهامهما له (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أن ما يقوله في وصيه إنما يقوله من قبل نفسه، و لم يؤمنا بقوله تعالى: " وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ ". " فأنزل الله" إشارة إلى آيات سورة النحل و هي هكذا: " وَ أَوْفُوا بِعَهْدِ اللّٰهِ إِذٰا عٰاهَدْتُمْ " قال البيضاوي: يعني البيعة لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الإسلام، لقوله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يُبٰايِعُونَكَ إِنَّمٰا يُبٰايِعُونَ اللّٰهَ " و قيل: كل أمر يجب الوفاء به، و لا يلائمه قوله: إذا عاهدتم، و قيل: النذر، و قيل: الإيمان بالله" وَ لٰا تَنْقُضُوا الْأَيْمٰانَ " أيمان البيعة أو مطلق الأيمان" بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا " توثيقها بذكر الله و منه أكد بقلب الواو همزة" وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا " شاهدا بتلك البيعة، فإن الكفيل مراع لحال المكفول به رقيب عليه" إِنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ " في نقض الأيمان و العهود" وَ لٰا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهٰا " أي ما غزلته مصدر بمعنى المفعول" مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ " متعلق بنقضت أي نقضت غزلها بعد إبرام و إحكام" أَنْكٰاثاً " طاقات نكثت فتلها جمع نكث، و انتصابه على الحال من غزلها، و المفعول الثاني لنقضت، فإنه بمعنى صيرت، و المراد به تشبيه الناقض بما هذا شأنه و قيل: بريطة بنت سعد بن تيم القرشية فإنها كانت خرقاء تفعل ذلك" تَتَّخِذُونَ أَيْمٰانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ " حال من الضمير في لا تكونوا أو في الجار الواقع موقع الخبر، أي و لا تكونوا متشبهين بامرأة هذا شأنها متخذي أيمانكم مفسدة و دخلا، و أصل الدخل ما يدخل الشيء و لم يكن منه" أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبىٰ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكٰاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمٰانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أَئِمَّةٌ هِيَ أَزْكَى مِنْ أَئِمَّتِكُمْ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَئِمَّةٌ قَالَ إِي وَ اللَّهِ أَئِمَّةٌ قُلْتُ فَإِنَّا نَقْرَأُ أَرْبىٰ فَقَالَ مَا أَرْبَى وَ أَوْمَأَ بِيَدِهِ فَطَرَحَهَا- إِنَّمٰا يَبْلُوكُمُ اللّٰهُ بِهِ يَعْنِي بِعَلِيٍّ ع وَ لَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ مٰا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ. وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً مِنْ أُمَّةٍ " بأن تكون جماعة أزيد عددا و أوفر مالا من جماعة، و المعنى لا تغدروا بقوم لكثرتكم و قلتهم أو لكثرة منابذتهم و قوتهم كقريش، فإنهم كانوا إذا رأوا شوكة في أعادي حلفائهم نقضوا عهدهم و حالفوا أعداءهم. " إِنَّمٰا يَبْلُوكُمُ اللّٰهُ بِهِ " الضمير لأن تكون أمة، لأنه بمعنى المصدر أي يختبركم بكونكم أربى لينظر أ تتمسكون بحبل الوفاء بعهد الله و بيعة رسول الله أم تغترون بكثرة قريش و شوكتهم و قلة المؤمنين و ضعفهم، و قيل: الضمير للربا، و قيل للأمر بالوفاء" و ليبينن لكم ما كنتم فيه تختلفون" إذا جازاكم على أعمالكم بالثواب و العقاب" وَ لَوْ شٰاءَ اللّٰهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وٰاحِدَةً " متفقة على الإسلام" وَ لٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ " بالخذلان" وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ " بالتوفيق" وَ لَتُسْئَلُنَّ عَمّٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ " سؤال تبكيت و مجازاة" وَ لٰا تَتَّخِذُوا أَيْمٰانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ " تصريح بالنهي عنه بعد التضمين تأكيدا و مبالغة في قبح المنهي" فَتَزِلَّ قَدَمٌ " أي عن محجة الإسلام" بَعْدَ ثُبُوتِهٰا " عليها و المراد أقدامهم، و إنما وحد و نكر للدلالة على أن زلل قدم واحدة عظيم فكيف بإقدام كثيرة" وَ تَذُوقُوا السُّوءَ " العذاب في الدنيا" بِمٰا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ " بصدودكم عن الوفاء أي صدودكم غيركم عنه، فإن من نقض البيعة و ارتد جعل ذلك سنة لغيره" وَ لَكُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ " في الآخرة. و قال الطبرسي (قدس سره) في قوله تعالى: " كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهٰا " هي امرأة حمقاء من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن، و لا تزال ذلك دأبها، و اسمها ريطة بنت عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة و كانت تسمى خرقاء مكة، انتهى. وَ لٰكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشٰاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ وَ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمّٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ. وَ لٰا تَتَّخِذُوا أَيْمٰانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهٰا يَعْنِي بَعْدَ مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص و في تفسير العياشي عن زيد بن الجهم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لما سلموا على علي بإمرة المؤمنين قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) للأول: قم فسلم على علي بإمرة المؤمنين، فقال: أ من الله أو من رسوله؟ فقال: نعم من الله و من رسوله، ثم قال لصاحبه: قم و سلم على علي بإمرة المؤمنين، فقال: أ من الله و من رسوله؟ فقال: نعم من الله و من رسوله، ثم قال: يا مقداد قم فسلم على علي بإمرة المؤمنين، قال: فلم يقل ما قال صاحباه، ثم قال: يا أبا ذر فسلم على علي بإمرة المؤمنين فقام و سلم، ثم قال: قم يا سلمان و سلم على علي بإمرة المؤمنين فقام و سلم، قال: حتى إذا خرجا و هما يقولان: لا و الله لا نسلم له ما قال أبدا، فأنزل الله تبارك و تعالى على نبيه: " وَ لٰا تَنْقُضُوا الْأَيْمٰانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهٰا وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا " بقولكم أ من الله و من رسوله" إِنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ مٰا تَفْعَلُونَ " إلى آخر الخبر. قوله (عليه السلام): يعني به، أي بقوله: " وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللّٰهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا " أو" مٰا تَفْعَلُونَ " و الأول أظهر لما مر في رواية العياشي. قوله: أن تكون أئمة، لعله على هذا التأويل مفعول له لقوله" تتخذون" أي تضمرون نقض العهد لأن تكون أئمة من أئمة الضلال أزكى من أئمتكم أئمة الهدى، و المعنى تفعلون ذلك كراهة أن تكون أئمة الحق أزكى من أئمتكم الضالة و الظاهر أن في قرآنهم (عليهم السلام) كانت الآية هكذا، و قد يأول بأن المراد أن أربى هنا معناه أزكى، و المراد بالأمة في الموضعين الأئمة و هو بعيد، و الإيماء باليد و طرحها لتقوية الإنكار" يعني بعلي" رجوعه إليه (عليه السلام) بقرينة نزول الآية فيه و في خلافته، أو هو بيان لحاصل المعنى و الضمير راجع إلى أن يكون أئمة لأنه بمعنى المصدر، أو عوده إليه باعتبار أنه مفهوم من أئمة أنه واحد منهم، أو إلى أئمة باعتبار أن المراد بها علي (عليه السلام) و الجمع للتعظيم كما قيل، و الأول أظهر" يعني بعد مقالة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) " لعله (عليه السلام) فسر الثبوت بما يوجب الثبوت و يقتضيه من النص الصريح عليه (عليه السلام) فِي عَلِيٍّ ع- وَ تَذُوقُوا السُّوءَ بِمٰا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ يَعْنِي بِهِ عَلِيّاً ع وَ لَكُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٣ - الصفحة ٢٦٥. — الإمام الصادق عليه السلام
وَ مَا يُنْكِرُونَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِنَبِيِّهِ ص- قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللّٰهِ حمله جماعة من المفسرين. قال الطبرسي (ره) " حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ " و هو ثلاث و ثلاثون سنة و قيل: بلوغ الحلم، و قيل: وقت قيام الحجة عليه، و قيل: هو أربعون سنة و ذلك وقت إنزال الوحي على الأنبياء، و كذلك فسر به، فقال" وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً " فيكون هذا بيانا لزمان الأشد، انتهى. و يحتمل أن يكون إشارة إلى الآيات الثلاث جميعا، و قد ورد في الأخبار أن آية الأحقاف نزلت في الحسين (عليه السلام). الحديث الثامن: حسن. قوله (عليه السلام) " و ما ينكرون" العبارة تحتمل وجوها، الأول: أن تكون" ما" نافية أي لا يمكنهم في هذا الباب إنكار قول الله تعالى و قد قال ذلك، الثاني: أن تكون استفهامية أي أي شيء ينكرون من ذلك و" قول الله" استفهام آخر أي أ ينكرون قول الله، الثالث: أن تكون" ما" استفهامية و" قول الله" مبتدأ و" من ذلك" خبره، الرابع: أن تكون" ما" موصولة مبتدأ و" ينكرون" بتقدير ينكرونه، و من للسببية، و ذلك إشارة إلى إنكار حداثة السن، و قول خبر المبتدأ و قوله: " لقد" استئنافا بيانيا. أقول: و في تفسير العياشي قال: قلت: جعلت فداك إنهم يقولون في الحداثة؟ قال: و أي شيء يقولون؟ إن الله تعالى يقول: " قُلْ هٰذِهِ سَبِيلِي " إلى قوله عَلىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي فَوَ اللَّهِ مَا تَبِعَهُ إِلَّا عَلِيٌّ عليه السلام وَ لَهُ تِسْعُ سِنِينَ وَ أَنَا ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ فو الله ما كان اتبعه إلا على و هو ابن سبع سنين، و مضي أبي و أنا ابن تسع سنين، فما عسى أن يقولوا؟ إن الله يقول: " فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ " إلى قوله" وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً ". قوله (عليه السلام) فو الله ما اتبعه أي أولا أو حين نزول الآية، فلما خصه الله بالدعوة إلى الله مع الرسول، و قرنه معه يدل على أنه تتأتى الدعوة إلى الله ممن لم يبلغ الحلم، و يكون في هذا السن، أو أنه تعالى لما وصفه بالمتابعة و مدحه بها يدل على أن المتابعة معتبرة في هذا السن فيدل على أن الأحكام تختلف بالنظر إلى الأشخاص، و المراد فجاز أن تحصل لي الإمامة في هذا السن، و يدل على أن سنة (عليه السلام) في أول بيعته للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كان تسع سنين. و ما يفهم مما سيجيء في أبواب التاريخ من أن سنة (عليه السلام) حينئذ كان عشر سنين لا ينافي ذلك، لما بينا سابقا أن المحاسبين قد يسقطون الكسر بين العددين و قد يتمونه، فهذا مبني على الإسقاط، و ما سيأتي على الإكمال. و اختلف الخاصة و العامة في عمره في ذلك الوقت فقيل: سبع سنين كما هو في رواية العياشي في هذا الخبر، و قيل: عشر سنين، و قيل: ثمان سنين، و قيل: اثنتا عشرة سنة، و قيل: ثلاث عشرة سنة، و قيل: خمس عشرة سنة، و أوفق الأقوال بالتواريخ المشهورة هو العشر سنين، لأن المشهور أن عمره (عليه السلام) عند شهادته كان ثلاثا و ستين سنة، منها ثلاثون بعد الرسول و من البعثة إلى وفاة الرسول ثلاث و عشرون سنة، فلا يبقى إلا عشر سنين، و أما من زاد على ذلك فقد زاد على عمره (عليه السلام) فقد ذكر جماعة أن عمره (عليه السلام) كان خمسا و ستين كما رواه المفيد عن جماعة، فيكون سنه (عليه السلام) عند بيعته اثنتا عشرة سنة، و من قال أن عمره (عليه السلام) كان ستا.......... و ستين فهو يقول كان سنه (عليه السلام) حينئذ ثلاث عشرة سنة، و أما خمس عشرة سنة و إن رووا فيه روايات كثيرة لكنه لا يوافق شيئا من التواريخ. و أما سبق إسلام أمير المؤمنين (عليه السلام) فمما تواترت به روايات الخاصة و العامة و أوردت أكثرها في الكتاب الكبير. و قال ابن أبي الحديد بعد أن أورد روايات كثيرة في ذلك من كتاب الاستيعاب لابن عبد البر: و اعلم أن شيوخنا المتكلمين لا يكادون يختلفون في أن أول الناس إسلاما علي بن أبي طالب إلا من عساه خالف في ذلك من أوائل البصريين. فأما الذي تقررت المقالة عليه الآن فهو القول بأنه أسبق الناس إلى الإيمان لا نكاد نجد اليوم في تصانيفهم، و عند متكلميهم و المحققين منهم خلافا في ذلك. و اعلم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما زال يدعي ذلك لنفسه و يفتخر به، و يجعله حجة في أفضليته و يصرح بذلك، و قد قال غير مرة إنا الصديق الأكبر و الفاروق الأول أسلمت قبل إسلام أبي بكر، و صليت قبل صلاته. و روى عنه هذا الكلام بعينه أبو محمد ابن قتيبة في كتاب المعارف و هو غير متهم في أمره. و من الشعر المروي عنه في هذا المعنى الأبيات التي أولها: محمد النبي أخي و صنوي * * * و حمزة سيد الشهداء عمي و من جملتها: سبقتكم إلى الإسلام طرا * * * غلاما ما بلغت أوان حلمي انتهى. و قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في كتاب الفصول: أجمعت الأمة على أن أمير- المؤمنين أول ذكر أجاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و لم يختلف في ذلك أحد من أهل العلم إلا أن العثمانية طعنت في أيمان أمير المؤمنين بصغر سنه في حال الإجابة، و قالوا: إنه.......... لم يكن في تلك الحال بالغا فيقع إيمانه على وجه المعرفة، و إن أيمان أبي بكر حصل منه مع الكمال فكان على اليقين و المعرفة، و الإقرار من جهة التقليد و التلقين غير مساو للإقرار بالمعلوم المعروف بالدلالة. ثم أجاب (قدس الله روحه) عن هذه الشبهة بوجوه: الأول: منع كونه (عليه السلام) صبيا في تلك الحال، و ذكر روايات تدل على أنه كان له خمس عشرة سنة و نحو ذلك. الثاني: أنا سلمنا أنه كان صغير السن و كان له سبع سنين نقول: صغر السن لا ينافي كمال العقل، و ليس دليل وجوب التكليف بلوغ الحلم فيراعى ذلك، هذا باتفاق أهل النظر و العقول، و إنما يراعى بلوغ الحلم في الأحكام الشرعية دون العقلية، و قد قال سبحانه في قصة يحيى: " وَ آتَيْنٰاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا " و قال في قصة عيسى: " قٰالَ إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ " الآية. فلم ينف صغر سن هذين النبيين كمال عقلهما، و الحكمة التي آتاهما الله سبحانه و لو كانت العقول تحيل ذلك لإحالته في كل حالة و على كل حال، و قد أجمع أهل التفسير إلا من شذ منهم في قوله: " وَ شَهِدَ شٰاهِدٌ مِنْ أَهْلِهٰا " الآية أنه كان طفلا صغيرا في المهد أنطقه الله حتى برأ يوسف من الفحشاء و أزال التهمة عنه. الثالث: أنه لو لم يكن إيمانه (عليه السلام) بالمعرفة و الاستدلال و على غاية الكمال لما مدحه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) به، و لما جعله من فضائله و مناقبه، فإنه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لا يفضل أحدا بما ليس بفضل، و لا يجعل في المناقب ما ليس في جملتها، فلما مدح رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أمير المؤمنين (عليه السلام) بتقدمه الإيمان. في قوله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): لفاطمة (عليها السلام) أ ما ترضين أني زوجتك أقدمهم سلما. و قوله: أول هذه الأمة ورودا على نبيها الحوض أولها إسلاما علي بن.......... أبي طالب (عليه السلام). و قوله: لقد صلت الملائكة علي و على علي سبع سنين. و ذلك أنه لم يكن من الرجال أحد يصلي غيري و غيره، و أمثال ذلك. ثبت أن إيمانه (عليه السلام) وقع بالمعرفة و اليقين دون التقليد و التلقين، لا سيما و قد سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) إيمانا و إسلاما، و ما يقع من الصبيان على وجه التلقين لا يسمى على الإطلاق الديني إيمانا و إسلاما. الرابع: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد تمدح به و جعله من مفاخره، و احتج به على أعدائه و كرره في غير مقام من مقاماته، فلو كان إيمانه على ما ذهبت إليه الناصبة لما جاز منه (عليه السلام) أن يتمدح به، و لا أن يسميه عبادة، و لا أن يفخر به على القوم، و لا أن يجعله تفضيلا له على أبي بكر و عمر، و لو أنه فعل من ذلك ما لا يجوز لرده عليه مخالفوه، و اعترضه فيه مضادوه، و في عدول القوم من الاعتراض عليه في ذلك، و تسليم الجماعة له ذلك، دليل على ما ذكرناه، و برهان على فساد قول الناصبة. الخامس: أنه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) دعا عليا (عليه السلام) في حال كان متسترا فيها بدينه كاتما لأمره، خائفا أن شاع من عدوه، فلا يخلو أن يكون قد كان واثقا من أمير المؤمنين (عليه السلام) بكتم سره و حفظ وصيته و امتثال أمره، و حمله من الدين ما حمله، أو لم يكن واثقا بذلك، فإن كان واثقا فلم يثق به إلا و هو في نهاية كمال العقل و على غاية الأمانة و صلاح السريرة و العصمة و الحكمة و حسن التدبير، و إن كان غير واثق منه بحفظ سره و غير آمن من تضييعه و إذاعة أمره، فوضعه عنده من التفريط و ضد الحزم و الحكمة و التدبير، و حاشى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) من ذلك، و من كل صفة نقص، و قد أعلى الله عز و جل رتبته و أكذب مقال من ادعى ذلك فيه، و إذا كان الأمر علي ما وصفناه فما نرى الناصبة قصدت بالطعن في أيمان أمير المؤمنين (عليه السلام) إلا عيب الرسول و الذم لأفعاله، و وصفه بالعبث و التفريط، انتهى خلاصة ما ذكره نور الله ضريحه في ذلك.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٤ - الصفحة ٢٥١. — الإمام الباقر عليه السلام
إِنَّ اللَّهَ خَلَقَنَا مِنْ أَعْلَى عِلِّيِّينَ- وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِنَا مِمَّا خَلَقَنَا وَ خَلَقَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَقُلُوبُهُمْ تَهْوِي إِلَيْنَا لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِمَّا خُلِقْنَا ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ- كَلّٰا إِنَّ كِتٰابَ الْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ. وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا عِلِّيُّونَ. كِتٰابٌ مَرْقُومٌ. يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ وَ خَلَقَ عَدُوَّنَا مِنْ سِجِّينٍ وَ خَلَقَ قُلُوبَ شِيعَتِهِمْ مِمَّا خَلَقَهُمْ مِنْهُ من مزجها خلق أبدان نبينا و الأوصياء (عليهم السلام) من أهل البيت، بخلاف سائر الأنبياء و الملائكة فإنهم خلقوا من إحدى الطينتين كما أن لهم أحد الروحين خاصة، من بعده جبله، أي خلقه دون مرتبته، انتهى. و هذه الكلمات مبنية على الأصول المقررة عنده، و هو أعلم بما قال. الحديث الرابع: مجهول. " خلقنا" أي قلوبنا" مما خلقنا" أي أبداننا منه، و فيه اختصار كما يظهر من ملاحظة ما مر، و يحتمل أن يكون المراد خلق أبداننا من أعلى عليين و خلق قلوب شيعتنا مما خلق أبداننا منه، و هو أظهر. و اعلم أن المفسرين اختلفوا في تفسير عليين فقيل: هي مراتب عالية محفوفة بالجلالة، و قيل: السماء السابعة، و قيل: سدرة المنتهى، و قيل: الجنة، و قيل: لوح من زبرجد أخضر معلق تحت العرش أعمالهم مكتوبة فيه، و قال الفراء: أي في ارتفاع بعد ارتفاع لا غاية له، فالمعنى أن كتابة أعمالهم أو ما يكتب منها في عليين أي في دفتر أعمالهم أو المراد أن دفتر أعمالهم في تلك الأمكنة الشريفة، و على الأخير فيه حذف مضاف أي ما أدراك ما كتاب عليين، هذا ما قيل في الآية الكريمة، و أما استشهاده (عليه السلام) بها فهو إما لمناسبة كون كتاب أعمالهم في مكان أخذ منهم طينتهم، أو هو مبني على كون المراد بكتابهم أرواحهم إذ هي محل لارتسام علومهم" و خلق عدونا من سجيل" كذا في أكثر النسخ باللام، و الظاهر سجين بالنون كما في بعض النسخ هنا، وَ أَبْدَانَهُمْ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَقُلُوبُهُمْ تَهْوِي إِلَيْهِمْ لِأَنَّهَا خُلِقَتْ مِمَّا خُلِقُوا مِنْهُ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ- كَلّٰا إِنَّ كِتٰابَ الفُجّٰارِ لَفِي سِجِّينٍ. وَ مٰا أَدْرٰاكَ مٰا سِجِّينٌ. كِتٰابٌ مَرْقُومٌ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٤ - الصفحة ٢٧٧. — الإمام الباقر عليه السلام
نَظَرَ إِلَى النَّاسِ يَطُوفُونَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَقَالَ هَكَذَا كَانُوا يَطُوفُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِنَّمَا أُمِرُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهَا ثُمَّ يَنْفِرُوا إِلَيْنَا فَيُعْلِمُونَا وَلَايَتَهُمْ وَ مَوَدَّتَهُمْ وَ يَعْرِضُوا عَلَيْنَا نُصْرَتَهُمْ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ- فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّٰاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ الحديث الأول: حسن. " هكذا كانوا يطوفون" أي في عدم المعرفة بأحكامه و آدابه و عدم تحقق شرائط القبول فيهم، فإن من شرائطه الإسلام و الإيمان و هؤلاء لإخلالهم بالولاية مثلهم في عدم الإيمان بل الإسلام، و فيه إشعار بأن علة وجوب الحج إتيان الإمام و عرض الولاية و النصرة عليه و أخذ الأحكام منه، فيحتمل أن يكون المراد بقوله: هكذا كانوا يطوفون، أنهم يطوفون من غير معرفة لهم بالمقصود الأصلي من الأمر بالإتيان إلى الكعبة و الطواف، فإن إبراهيم على نبينا و آله و (عليه السلام) حين بنى الكعبة و جعل لذريته عندها مسكنا" قال رَبَّنٰا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوٰادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنٰا لِيُقِيمُوا الصَّلٰاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النّٰاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ " فاستجاب الله دعاءه و أمر الناس بالإتيان إلى الحج من كل فج ليتحببوا إلى ذريته و يعرضوا عليهم نصرتهم و ولايتهم، ليصير ذلك سببا لنجاتهم و وسيلة إلى رفع درجاتهم و ذريعة إلى تعرف أحكام دينهم، و تقوية أيمانهم و يقينهم و عرض النصرة أن يقولوا: نحن من شيعتكم متهيئون لنصرتكم، فإن أمرتمونا بالخروج و الجهاد أو غير ذلك من الأمور نطيعكم. ثم اعلم أن في النسخ التي رأينا و اجعل بالواو، و في المصاحف بالفاء و لعله من النساخ أو نقل بالمعنى و الأفئدة جمع فؤاد و هو القلب، و من للابتداء كقولك: القلب مني سقيم، أي أفئدة ناس، أو للتبعيض و لذلك ورد لو قال: أفئدة الناس لازدحمت عليهم فارس و الروم" تَهْوِي إِلَيْهِمْ " أي تسرع إليهم شوقا و ودا.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٤ - الصفحة ٢٨٥. — الإمام الباقر عليه السلام