194 الْمَلْعُونُونَ فِي كِتَابِهِ وَ أَنْزَلَ فِي مَالِ الْيَتِيمِ مَنْ أَكَلَهُ ظُلْماً- إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً- وَ ذَلِكَ أَنَّ آكِلَ مَالِ الْيَتِيمِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ النَّارُ تَلْتَهِبُ فِي بَطْنِهِ حَتَّى يَخْرُجَ لَهَبُ النَّارِ مِنْ فِيهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ كُلُّ أَهْلِ الْجَمْعِ أَنَّهُ آكِلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَ أَنْزَلَ فِي الْكَيْلِ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ- " و قد بين ذلك" المشار إليه آية الأحزاب أي أن الله لعن الكافرين. " و أنزل" أي في سورة النساء أيضا" من أكله" بدل اشتمال لمال اليتيم" إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً" قال في المجمع: أي ينتفعون بأموال اليتامى و يأخذونها ظلما بغير حق، و لم يرد به قصر الحكم على الأكل، و إنما خص لأنه معظم منافع المال المقصودة. " إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً" قيل فيه وجهان: أحدهما: أن النار تلتهب من أفواههم و إسماعهم و آنافهم يوم القيامة ليعلم أهل الموقف أنهم أكلة أموال اليتامى عن السدي، و روي عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: قال رسول الله
(صلى الله عليه و آله و سلم): يبعث ناس من قبورهم يوم القيامة تأجج أفواههم نارا فقيل له: يا رسول الله من هؤلاء؟ فقرأ هذه الآية. و الآخر: أنه ذكر ذلك على وجه المثل من حيث أن من فعل ذلك يصير إلى جهنم فيمتلي بالنار أجوافهم عقابا على أكلهم مال اليتيم" وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً" أي يلزمون النار المسعرة للإحراق، و إنما ذكر البطون تأكيدا كما يقال: نظرت بعيني، و قلت بلساني، و أخذت بيدي و مشيت برجلي، انتهى. " و أنزل في الكيل" فإن قيل: سورة المطففين من السور المكية و الغرض هنا بيان التكاليف المتجددة بالمدينة؟ قلنا: لا عبرة بما ذكره المفسرون في ذلك مع أنهم اختلفوا في هذه السورة قال في مجمع البيان: مكية، و قال المعدل مدنية عن الحسن و الضحاك و عكرمة، و قال ابن عباس و قتادة: إلا ثماني آيات منها، و هي
مرآة العقول — إنما لم يعنون الباب لأنه قريب من البابين السابقين في أنه مشتمل على معاني الإسلام و الإيمان، لكن لما — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ- وَ أَنْزَلَ فِي الْعَهْدِ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا " إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا" إلى آخر السورة، انتهى. فالخبر يؤيد قول هؤلاء الجماعة و يؤيده ما رواه في مجمع البيان في سبب نزول صدر السورة عن عكرمة عن ابن عباس أنه لما قدم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) المدينة كانوا من أخبث الناس كيلا فأنزل الله عز و جل:" وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ" فأحسنوا الكيل بعد ذلك، و روي عن السدي أنه (صلى الله عليه و آله و سلم) قدم المدينة و بها رجل يقال له أبو جهينة و معه صاعان يكيل بأحدهما و يكتال بالآخر فنزلت الآيات، و يؤنسه أن الطبرسي (ره) ذكرها في ترتيب نزول السور آخر السور المكية. فيمكن أن يكون نزولها بعد الهجرة و قبل نزول المدينة. و في القاموس: الويل حلول الشر، و ويل كلمة عذاب، و واد في جهنم أو بئر أو باب لها، انتهى. و استدل (عليه السلام) بأن الويل لم يطلق في القرآن إلا للكافرين كقوله:" فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمّٰا يَكْسِبُونَ"" وَ وَيْلٌ لِلْكٰافِرِينَ مِنْ عَذٰابٍ شَدِيدٍ"" فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذٰابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ"" وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ"" يٰا وَيْلَنٰا مَنْ بَعَثَنٰا مِنْ مَرْقَدِنٰا"" يٰا وَيْلَنٰا إِنّٰا كُنّٰا طٰاغِينَ". و في المجمع وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ، هم الذين ينقصون المكيال و الميزان و يبخسون الناس حقوقهم في الكيل و الوزن، قال الزجاج: و إنما قيل له: مطفف لأنه لا يكاد يسرق في المكيال و الميزان إلا الشيء اليسير الطفيف. " و أنزل في العهد" أي في سورة آل عمران و هي مدنية" إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ
مرآة العقول — إنما لم يعنون الباب لأنه قريب من البابين السابقين في أنه مشتمل على معاني الإسلام و الإيمان، لكن لما — الله تعالى (حديث قدسي)
إِنَّا لَنُحِبُّ مَنْ كَانَ عَاقِلًا فَهِماً فَقِيهاً حَلِيماً مُدَارِياً صَبُوراً صَدُوقاً وَفِيّاً إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَصَّ الْأَنْبِيَاءَ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَمَنْ كَانَتْ فِيهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَ مَنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلْيَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ لْيَسْأَلْهُ إِيَّاهَا و قد مر تفسير العقل في أول الكتاب و الأظهر هنا أنه ملكة للنفس يدعو إلى اختيار الخير و النافع و اجتناب الشرور و المضار، و بها تقوى النفس على زجر الدواعي الشهوية و الغضبية و الوساوس الشيطانية. و الفهم هو جودة تهيؤ الذهن لقبول ما يرد عليه من الحق و ينتقل من المبادئ إلى المطالب بسرعة، و الفقه العلم بالأحكام من الحلال و الحرام و بالأخلاق و آفات النفوس و موانع القرب من الحق، و قيل: بصيرة قلبية في أمر الدين تابعة للعلم و العمل، مستلزم للخوف و الخشية، و قال الراغب: الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد، فهو أخص من العلم، قال تعالى:" فَمٰا لِهٰؤُلٰاءِ الْقَوْمِ لٰا يَكٰادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً"" بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَفْقَهُونَ*" إلى غير ذلك من الآيات. و الفقه العلم بأحكام الشريعة يقال: فقه الرجل إذا صار فقيها و تفقه إذا طلبه، فتخصص به، قال تعالى:" لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ" و المداراة الملاطفة و الملاينة مع الناس و ترك مجادلتهم و مناقشتهم و قد يهمز قال في القاموس: درأه كجعله دفعه و درأته و درايته دافعته و لا ينته ضد، و في النهاية فيه: كان لا يداري و لا يماري، أي لا يشاغب و لا يخالف، و هو مهموز فأما المداراة في حسن الخلق و الصحبة فغير مهموز و قد يهمز، انتهى. و الوفي الكثير الوفاء بعهود الله و عهود الخلق، و هو قريب من الصدق ملازم له كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): الوفاء توأم الصدق و يومئ الحديث إلى التحريص
مرآة العقول — المكارم الحديث الأول: مجهول. — الإمام الصادق عليه السلام
304 .......... كلمة" ما" في المواضع الأربعة استفهامية و إثبات الألف مع حرف الجر فيها شاذ، و الثوب البالي هو الذي استعمل حتى أشرف على الاندراس. ثم إن العمر لا يستلزم القوة و الشباب، فكل منهما نعمة يسأل عنها، و مع الاستلزام أيضا تكفي المغايرة للسؤال عن كل منهما و أما السؤال عن المال إما لغير المؤمنين أو لغير الكاملين منهم، لما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما كتب إلى أهل مصر
من عمل لله أعطاه الله أجره في الدنيا و الآخرة و كفاه المهم فيهما، و قد قال الله تعالى:" يٰا عِبٰادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هٰذِهِ الدُّنْيٰا حَسَنَةٌ وَ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةٌ إِنَّمٰا يُوَفَّى الصّٰابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسٰابٍ" فما أعطاهم الله في الدنيا لم يحاسبهم به في الآخرة، قال الله تعالى:" لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنىٰ وَ زِيٰادَةٌ" و الحسنى هي الجنة، و الزيادة هي الدنيا. و روى البرقي في الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ثلاثة أشياء لا يحاسب العبد المؤمن عليهن: طعام يأكله، و ثوب يلبسه، و زوجة صالحة تعاونه و يحصن بها فرجه و قد وردت أخبار كثيرة في تفسير قوله تعالى:" لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ" أن النعيم ولاية أهل البيت (عليهم السلام)، و قد روى العياشي و غيره أنه سأل أبو حنيفة أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية فقال له: ما النعيم عندك يا نعمان؟ قال: القوت من الطعام و الماء البارد، فقال: لئن أوقفك الله بين يديه يوم القيامة حتى يسألك عن كل أكلة أكلتها أو شربة شربتها ليطولن وقوفك بين يديه؟ قال: فما النعيم جعلت فداك؟ قال: نحن أهل بيت النعيم الذي أنعم الله بنا على العباد، الخبر. و يمكن أن يقال: السؤال عن المال اكتسبه من حلال أو حرام أو أنفقه في حلال
مرآة العقول — ذم الدنيا و الزهد فيها الحديث الأول: مجهول. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
124 قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صلى الله عليه وآله وسلممَنْ أَطْعَمَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ ثَلَاثِ جِنَانٍ- فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ الْفِرْدَوْسِ وَ جَنَّةِ عَدْنٍ وَ طُوبَى] شَجَرَةٍ تَخْرُجُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ أو متعلق بأطعمة، و الملكوت فعلوت من الملك و هو العز و السلطان و المملكة، و خص بملك الله تعالى فعلى الأخير الإضافة بيانية، و على بعض الوجوه كلمة في تعليلية، قال البيضاوي في قوله تعالى:" وَ كَذٰلِكَ نُرِي إِبْرٰاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ" أي ربوبيتها و ملكها و قيل: عجائبها و بدائعها و الملكوت أعظم الملك و التاء فيه للمبالغة، انتهى. و الفردوس البستان الذي فيه الكروم و الأشجار و ضروب من النبت قال الفراء: هو عربي و اشتقاقه من الفردسة و هي السعة، و قيل: منقول إلى العربية و أصله رومي، و قيل: سرياني ثم سمي به جنة الفردوس. و العدن الإقامة، يقال: عدن بالمكان يعدن وعدنا و عدونا من بابي ضرب و قعد إذا أقام فيه و لزم و لم يبرح، و منه جنة عدن أي جنة إقامة، و قيل: طوبى اسم للجنة مؤنث أطيب من الطيب و أصلها طيبى، ضمت التاء و أبدلت الياء بالواو، و قد يطلق على الخير و على شجرة في الجنة، انتهى. و في أكثر النسخ شجرة بدون واو العطف و هو الظاهر، و يؤيده أن في ثواب الأعمال و غيره: و هي شجرة، فشجرة عطف بيان لطوبى، و قد يقال: طوبى مبتدأ و شجرة خبره و عدم ذكر الثالث من الجنان لدلالة هذه الفقرة عليها، و في بعض النسخ بالعطف، فهي عطف على ثلاث جنان، و على التقديرين عد الشجرة جنة و جعلها جنة أخرى مع أنها نبتت من جنة عدن لأنها ليست كسائر الأشجار لعظمتها و اشتمالها على سائر الثمار و سريان أغصانها في جميع الجنان، لما ورد في الأخبار أن في بيت كل مؤمن منها غصن.
مرآة العقول — إطعام المؤمن الحديث الأول: مجهول مرسل. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
لَإِطْعَامُ مُؤْمِنٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ عِتْقِ عَشْرِ رِقَابٍ وَ عَشْرِ حِجَجٍ قَالَ قُلْتُ عَشْرِ رِقَابٍ وَ عَشْرِ حِجَجٍ قَالَ فَقَالَ يَا نَصْرُ إِنْ لَمْ تُطْعِمُوهُ مَاتَ أَوْ تَدُلُّونَهُ فَيَجِيءُ إِلَى نَاصِبٍ فَيَسْأَلُهُ وَ الْمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ مَسْأَلَةِ نَاصِبٍ يَا نَصْرُ مَنْ أَحْيَا مُؤْمِناً فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا النّٰاسَ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهٰا" و بحسبك درهم، فيحتمل حينئذ أن يكون العدل بالفتح بمعنى الفداء، و المستتر في ينقذه راجع إلى المطعم، و على الاحتمال الأخير يحتمل رجوعه إلى العدل، و الضمير البارز في الأول راجع إلى الرقبة بتأويل الشخص، و في الثاني إلى المائة. الحديث العشرون: كالسابق. و" عشر حجج" عطف على العتق" عشر رقاب" أي عتق عشر رقاب، قاله تعجبا فأزال (عليه السلام) تعجبه بأن قال إن لم تطعموه فإما أن يموت جوعا إن لم يسأل النواصب أو يصير ذليلا بسؤال ناصب و هو عنده بمنزلة الموت، بل أشد عليه منه فإطعامه سبب لحياته الصورية و المعنوية، و قد قال تعالى:" مَنْ أَحْيٰاهٰا فَكَأَنَّمٰا أَحْيَا النّٰاسَ جَمِيعاً" و المراد بالنفس المؤمنة، و بالإحياء أعم من المعنوية لما ورد في الأخبار الكثيرة أن تأويلها الأعظم هدايتها، لكن كان الظاهر حينئذ أو تذلوه للعطف على الجزاء، و لذا قرأ بعضهم بفتح الواو على الاستفهام الإنكاري و تدلونه بالدال المهملة و اللام المشددة من الدلالة. و الحاصل أنه لما قال (عليه السلام) الموت لازم لعدم الإطعام كان هنا مظنة سؤال و هو أنه يمكن أن يسأل الناصب و لا يموت فأجاب (عليه السلام) بأنه إن أردتم أن تدلوه على أن يسأل ناصبا فهو لا يسأله لأن الموت خير له من مسألته، فلا بد من أن يموت
مرآة العقول — إطعام المؤمن الحديث الأول: مجهول مرسل. — الإمام الصادق عليه السلام
النَّبِيُّ(ص)عِنْدَهَا يَا عَمَّارُ إِنْ عَادُوا فَعُدْ فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عُذْرَكَ مِنَ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عٰاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ" و قوله عز و جل:" أَنَّ اللّٰهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ" فيحمل النهي في كلامه (عليه السلام) على أن التحريم في البراءة أشد و إن كان الحكم في كل من السب و البراءة التحريم، و يرد عليه أن النهي عن البراءة في كلامه (عليه السلام) في حال الإكراه، و قد صرح هذا القائل بجواز كل من السب و التبري على وجه التقية و أنه يجوز للمكلف أن لا يفعلهما و إن قتل إذا قصد بذلك إعزاز الدين إلا أن يحمل النهي على التنزيه، و يقول بالكراهة في إظهار البراءة و يجعل الصبر على القتل مستحبا بخلاف السب إلا أنه لم يصرح بهذا الفرق، و لم أطلع عليه في كلام غيره، و يمكن أن يقال: بكراهة الأمرين و شدتها في الثاني و يحمل الأمر بالسب في كلامه (عليه السلام) على الجواز و لو على وجه الكراهة، و يظهر من الشهيد (قدس سره) التخيير في التبري بين الفعل و الترك و في كل كلمة كفر حيث قال في قواعده: إن التقية تبيح كل شيء حتى إظهار كلمة الكفر و لو تركها حينئذ أثم إلا في هذا المقام و مقام التبري من أهل البيت (عليهم السلام) فإنه لا يأثم بتركها بل صبره إما مباح أو مستحب خصوصا إذا كان ممن يقتدى به، انتهى. و لا يظهر من كلامه الفرق بل لا يبعد شمول كلمة الكفر للسب و إن قابلها بالتبري و ما ذكره مناف لبعض الروايات كما عرفت، و قد ذكر أبو الصلاح (قدس سره) في الكافي فصلا طويلا نذكر منه موضع الحاجة، قال: فأما ما يقع به الإكراه فالخوف على النفس متى فعل الحسن و اجتنب القبيح لحصول الإجماع بكون ذلك إكراها مؤثرا و عدم دليل بما دونه من ضروب الخوف، ثم قال (ره): فإذا حصل شرط
مرآة العقول — التقية الحديث الأول: حسن كالصحيح. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ فِي مَمْلَكَةِ جَبَّارٍ مِنَ الْجَبَّارِينَ التوبة و كلمة الشهادة، أو لحاضري القسمة عذرا جميلا و وعدا حسنا، أو أن يقولوا في الوصية ما لا يؤدي إلى مجاوزة الثلث و تضييع الورثة، انتهى. و قال الطبرسي (ره) في ذكر الوجوه في تفسير الآية: و ثانيها: أن الأمر في الآية لولي مال اليتيم، يأمره بأداء الأمانة فيه و القيام بحفظه، كما لو خاف على مخلفه إذا كانوا ضعافا و أحب أن يفعل بهم عن ابن عباس، و إلى هذا المعنى يؤول ما روي عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: إن الله تعالى أوعد في مال اليتيم عقوبتين ثنتين، أما إحداهما فعقوبة الدنيا قوله:" وَ لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا" الآية قال: يعني بذلك ليخش أن أخلفه في ذريته كما صنع بهؤلاء اليتامى. و أقول: أما دفع توهم الظلم في ذلك فهو أنه يجوز أن يكون فعل الألم بالغير لطفا لآخرين، مع تعويض أضعاف ذلك الألم بالنسبة إلى من وقع عليه الألم بحيث إذا شاهد ذلك العوض رضي بذلك الألم، كأمراض الأطفال، فيمكن أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن من ظلم أحدا أو أكل مال يتيم ظلما بأن يبتلي أولاده بمثل ذلك فهذا لطف بالنسبة إلى كل من شاهد ذلك أو سمع من مخبر علم صدقه، فيرتدع عن الظلم على اليتيم و غيره و يعوض الله الأولاد بأضعاف ما وقع عليهم أو أخذ منهم في الآخرة، مع أنه يمكن أن يكون ذلك لطفا بالنسبة إليهم أيضا فيصير سببا لصلاحهم و ارتداعهم عن المعاصي فإنا نعلم أن أولاد الظلمة لو بقوا في نعمه آبائهم لطغوا و بغوا و هلكوا كما كان آباؤهم، فصلاحهم أيضا في ذلك و ليس في شيء من ذلك ظلم على أحد، و قد تقدم بعض القول منا في ذلك سابقا. الحديث الرابع عشر: موثق. و الظلامة بالضم ما تطلبه عند الظالم و هو اسم ما أخذ منك، و فيه دلالة على
مرآة العقول — الظلم الحديث الأول: ضعيف. — الإمام الصادق عليه السلام
128 وَ الْوَجْهُ الثَّالِثُ مِنَ الْكُفْرِ كُفْرُ النِّعَمِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى يَحْكِي قَوْلَ سُلَيْمَانَ ع- هٰذٰا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَ مَنْ شَكَرَ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ وَ قَالَ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذٰابِي لَشَدِيدٌ وَ قَالَ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لٰا تَكْفُرُونِ فهم الذين حكى الله عنهم في قوله:" وَ قٰالُوا مٰا هِيَ إِلّٰا حَيٰاتُنَا الدُّنْيٰا نَمُوتُ وَ نَحْيٰا وَ مٰا يُهْلِكُنٰا إِلَّا الدَّهْرُ وَ مٰا لَهُمْ بِذٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ" و قوله:" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوٰاءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لٰا يُؤْمِنُونَ" فهؤلاء كفروا و جحدوا بغير علم، و أما الذين كفروا و جحدوا بعلم فهم الذين قال الله عز و جل
" وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ" فهؤلاء كفروا و جحدوا بعلم. و في تفسير النعماني عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: و أما الكفر المذكور في كتاب الله تعالى فخمسة وجوه، منها كفر الجحود، و منها كفر فقط، و الجحود ينقسم على وجهين، و منها كفر الترك لما أمر الله تعالى به، و منها كفر البراءة، و منها كفر النعم فأما كفر الجحود فأحد الوجهين منه جحود الوحدانية و هو قول من يقول لا رب و لا جنة و لا نار و لا بعث و لا نشور، و هؤلاء صنف من الزنادقة، و صنف من الدهرية الذين يقولون ما يهلكنا إلا الدهر، و ذلك رأي وضعوه لأنفسهم استحسنوه بغير حجة فقال الله تعالى" إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ" و قال:" إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا" إلى قوله" لٰا يُؤْمِنُونَ" أي لا يؤمنون بتوحيد الله. و الوجه الآخر من الجحود هو الجحود مع المعرفة بحقيته قال تعالى" وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا". و قال سبحانه:" وَ كٰانُوا مِنْ قَبْلُ" إلى قوله" عَلَى الْكٰافِرِينَ" أي جحدوه
مرآة العقول — وجوه الكفر الحديث الأول: ضعيف على المشهور ببكر بن صالح و إنما ضعفه ابن الغضائري و أبو عمرو الزبيري و — الله تعالى (حديث قدسي)
134 وَ الْوَجْهُ الْخَامِسُ مِنَ الْكُفْرِ كُفْرُ الْبَرَاءَةِ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَحْكِي قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ ع- كَفَرْنٰا بِكُمْ وَ بَدٰا بَيْنَنٰا وَ بَيْنَكُمُ الْعَدٰاوَةُ وَ الْبَغْضٰاءُ أَبَداً حَتّٰى تُؤْمِنُوا بِاللّٰهِ وَحْدَهُ يَعْنِي تَبَرَّأْنَا مِنْكُمْ وَ قَالَ يَذْكُرُ إِبْلِيسَ وَ تَبْرِئَتَهُ مِنْ أَوْلِيَائِهِ مِنَ الْإِنْسِ الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا" جزية تضرب عليه يذل بها" وَ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ يُرَدُّونَ إِلىٰ أَشَدِّ الْعَذٰابِ" إلى جنس أشد العذاب، يتفاوت ذلك على قدر تفاوت معاصيهم" وَ مَا اللّٰهُ بِغٰافِلٍ عَمّٰا يَعْمَلُونَ" أي يعمل هؤلاء اليهود. ثم قال (عليه السلام): فقال
رسول الله: لما نزلت هذه الآية في اليهود، هؤلاء اليهود نقضوا عهد الله و كذبوا رسول الله، و قتلوا أولياء الله أ فلا أنبؤكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الأمة؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: قوم من أمتي ينتحلون بأنهم من أهل ملتي يقتلون أفاضل ذريتي و أطايب أمتي و يبدلون شريعتي و سنتي، و يقتلون ولدي الحسن و الحسين كما قتل أسلاف هؤلاء اليهود زكريا و يحيى، ألا و إن الله يلعنهم كما لعنهم، و يبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هاديا مهديا من ولد الحسين (عليه السلام) المظلوم يحرقهم بسيوف أوليائه إلى نار جهنم، إلى آخر الخبر. و قال علي بن إبراهيم: أنها نزلت في أبي ذر رضي الله عنه و فيما فعل به عثمان من إخراجه إلى الربذة و غير ذلك مما أجرى من الظلم عليه، و اعترف بأنه لو وجده أسيرا في أيدي المشركين فداه بجميع ماله، فصار مصداق هذه الآية، و القصة طويلة و سيأتي في المحل المناسب لها إن شاء الله. " يعني تبرأنا منكم" و قد يفرق بين العداوة و البغض بأن العداوة يظهر أثرها بخلاف البغض، أو بأن البغض أشد من العداوة، و في المصباح البغضة بالكسر و البغضاء شدة البغض" مِنْ دُونِ اللّٰهِ أَوْثٰاناً*" قد دلت الأخبار الكثيرة على أن أئمة الكفر و الضلالة داخلة فيهم، و الآيات المذكورة صريحة في أن الكفر يطلق على البراءة، و أن كفر البراءة كما يكون بين المؤمن و الكافر كذلك يكون بين الكافرين
مرآة العقول — وجوه الكفر الحديث الأول: ضعيف على المشهور ببكر بن صالح و إنما ضعفه ابن الغضائري و أبو عمرو الزبيري و — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
151 وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَلَى الْمِرْيَةِ وَ الْهَوْلِ مِنَ الْحَقِّ وَ التَّرَدُّدِ وَ الِاسْتِسْلَامِ لِلْجَهْلِ وَ أَهْلِهِ كما يومئ إليه الاستشهاد بآية سورة النجم، لأنه تعالى قال فيها:" وَ النَّجْمِ إِذٰا هَوىٰ" و قد روي عن ابن عباس أن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: سينقض كوكب من السماء مع طلوع الفجر فيسقط في دار أحدكم، فمن سقط ذلك الكوكب في داره فهو وصيي و خليفتي و الإمام بعدي، فسقط في دار علي (عليه السلام) فقال
المنافقون: لقد ضل محمد في محبة ابن عمه و غوى، و ما ينطق في شأنه إلا بالهوى، فأنزل الله تعالى:" وَ النَّجْمِ إِذٰا هَوىٰ" يقول: و خالق النجم إذا هوى" مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ" يعني في محبة علي" وَ مٰا غَوىٰ، وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ" يعني في شأنه" إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ". و روى علي بن إبراهيم عن الباقر (عليه السلام) يقول: ما ضل في علي و ما غوى، و ما ينطق فيه عن الهوى، و ما كان ما قاله فيه إلا بالوحي الذي أوحى إليه و مثله كثير و قد ورد في الأخبار الكثيرة أنه لما عرج بالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فكان قاب قوسين أو أدنى أوحى الله إليه في ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال بعد ذلك: فأوحى إلى عبده ما أوحى، يعني في علي (عليه السلام) ثم قال:" أَ فَتُمٰارُونَهُ عَلىٰ مٰا يَرىٰ" أي أ فتجادلونه من المراء. و قال علي ابن إبراهيم سئل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) عن ذلك الوحي، فقال: أوحى إلى أن عليا سيد المؤمنين و إمام المتقين و قائد الغر المحجلين، و أول خليفة يستخلفه خاتم النبيين فدخل القوم في الكلام، فقالوا: أ من الله أو من رسوله؟ فقال الله جل ذكره لرسوله (صلى الله عليه و آله و سلم): قل لهم" مٰا كَذَبَ الْفُؤٰادُ مٰا رَأىٰ" ثم رد عليهم فقال:" أَ فَتُمٰارُونَهُ عَلىٰ مٰا يَرىٰ" فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم): قد أمرت فيه بغير هذا، أمرت أن أنصبه للناس. فأقول: هذا وليكم من بعدي. ثم قال:" إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ مٰا تَهْوَى الْأَنْفُسُ". إلى أن قال:" فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلّٰى عَنْ ذِكْرِنٰا وَ لَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا، ذٰلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ" ثم قال:" فَبِأَيِّ آلٰاءِ رَبِّكَ تَتَمٰارىٰ" و قد ورد في الأخبار الكثيرة
مرآة العقول — دعائم الكفر و شعبه الحديث الأول: مختلف فيه. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
عَزَّ وَ جَلَّ- اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ فَقَالَ أَمَا وَ اللَّهِ مَا دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ دَعَوْهُمْ إِلَى عِبَادَةِ التسليم لما ورد عنهم (عليهم السلام) شرك، و قد مضى في باب التسليم أن الخطاب في هذه الآية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)" و ألا" بالفتح و التشديد حرف تحضيض، قال النحاة: دخوله على المستقبل حث على الفعل و طلب له، و على الماضي توبيخ على ترك الفعل نحو: أ لا تنزل عندنا، و أ لا نزلت. الحديث السابع: حسن. " اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ" في المجمع أي علماءهم" وَ رُهْبٰانَهُمْ" أي عبادهم" أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ" روي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) أنهما قالا: أما و الله ما صاموا لهم و لا صلوا، و لكنهم أحلوا لهم حراما و حرموا عليهم حلالا، فاتبعوهم فعبدوهم من حيث لا يشعرون، و روى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) و في عنقي صليب من ذهب فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك، قال: فطرحته و انتهيت إليه و هو يقرأ من سورة البراءة هذه الآية" اتَّخَذُوا أَحْبٰارَهُمْ وَ رُهْبٰانَهُمْ أَرْبٰاباً مِنْ دُونِ اللّٰهِ" حتى فرغ منها، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم فقال: أ ليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، و يحلون ما حرم الله فتستحلونه؟ قال: فقلت
مرآة العقول — الشرك الحديث الأول: صحيح. — الإمام الصادق عليه السلام
فِي خُطْبَتِهِ لَا تَرْتَابُوا فَتَشُكُّوا وَ لَا تَشُكُّوا فَتَكْفُرُوا [الحديث 3] 3 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ خَلَفِ بْنِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْخَزَّازِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع المراد بهذا العهد ما أودع الله العقول من وجوب شكر المنعم و طاعة المالك المحسن و اجتناب القبائح، و يجوز أن يراد به ما أخذ على المكلفين على ألسنة الأنبياء أن يعبدوه و لا يشركوا به شيئا" وَ إِنْ وَجَدْنٰا أَكْثَرَهُمْ لَفٰاسِقِينَ" اللام و إن للتأكيد، و المعنى و إنا وجدنا أكثرهم ناقضين للعهد، مخلفين للوعد، انتهى. و لعل تأويله (عليه السلام) يرجع إلى أن الله تعالى أخذ عليهم العهد بما أعطاهم من العقل أن يستعملوا العقل فيما أتاهم مما يوجب اليقين فتركوا ذلك و شكوا بعد مشاهدة المعجزات الباهرة و الحجج الظاهرة الواضحة، فصاروا فاسقين خارجين عن الإيمان، و قيل: أشار (عليه السلام) بذلك إلى أن الأكثر تقضوا عهد الله و عهد رسوله في الولاية و شكوا فيها و أن الآية نزلت في شكهم و أن كل شاك فاسق. الحديث الثاني: ضعيف. و كأنه مرسل لأن أبا إسحاق من أصحاب الرضا (عليه السلام) أو الصادق (عليه السلام) و يحتمل أن يكون مضمرا بأن يكون ضمير قال راجعا إلى أحد الإمامين (عليهما السلام)، و الارتياب الشك و التهمة، و لعل المراد هنا الخوض في الشبهات التي توجب الشك أو عدم الرضا بقضاء الله و اتهامه في قضائه أو التردد الذي هو مبدء الريب و الشك، أو المعنى لا ترخصوا لأنفسكم في الريب في بعض الأمور، و لا تعتادوها، فإنه ينتهي إلى الشك في الدين. الحديث الثالث: صحيح. و يدل على أن الشك في الله و في الرسول كفر، و قوله (عليه السلام) لزرارة" إنما
مرآة العقول — الشك الحديث الأول: مجهول. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
184 .......... عليهم و لم يخلطوا ذلك بظلم، و الظلم هو الشرك عن أكثر المفسرين لقوله تعالى: " إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" و روي عن ابن مسعود لما نزلت هذه الآية شق على الناس و قالوا: يا رسول الله و أينا لم يظلم نفسه؟ فقال (عليه السلام): إنه ليس الذي تعنون أ لم تسمعوا إلى ما قال
العبد الصالح:" يٰا بُنَيَّ لٰا تُشْرِكْ بِاللّٰهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ" و قال الجبائي: و البلخي يدخل في الظلم كل كبيرة تحبط ثواب الطاعة، و تتمة الآية: " أُولٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ". و أقول: روى العياشي عن الصادق (عليه السلام) في هذه الآية قال: الظلم الضلال فما فوقه، و في رواية قال: أولئك الخوارج و أصحابهم و في رواية أخرى قال: آمنوا بما جاء به محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) من الولاية و لم يخلطوها بولاية فلان و فلان، و أقول: لا تنافي بين هذه الأخبار و الأقوال، لأن الظلم وضع الشيء في غير محله، فالعاصي ظالم لأنه وضع المعصية موضع الطاعة و أيضا ظلم نفسه بارتكابها، و المشرك ظالم لأنه وضع الكفر موضع الإيمان، و الشاك ظالم لأنه وضع الشك موضع اليقين، و أيضا في جميع ذلك ظلم نفسه و نقص حظه. قيل: كان السائل سأل عن العام هل هو باق بعمومه أو مختص ببعض أفراده؟ فأجاب (عليه السلام) بأن المراد به ظلم الشك و الكفر، و قيل: فيه دلالة على أنهم كانوا يقولون بالعموم و على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، و اعترض بأنه لا دلالة فيه على شيء منهما أما الأول فلان السائل حمل الظلم على ظلم المخالفة، و شق عليه ذلك لما ترتب عليه من عدم الأمن و عدم الاهتداء فسأل عن ذلك فأجاب (عليه السلام) بحمله على ظلم الشك، و أما الثاني فلان الآية ليس فيها تكليف بعمل و إنما فيها تكليف باعتقاد صدق الخبر بأن للمؤمنين الأمن و الاهتداء فأين الحاجة التي تأخر البيان إليها. و أجيب عن الأول بأن ظلم المخالفة يتنوع إلى كبائر و صغائر لا تنحصر، و إنما
مرآة العقول — الشك الحديث الأول: مجهول. — الإمام الكاظم عليه السلام
كُوزٌ فَلَمَّا انْقَطَعَ شَخْبُ الْبَوْلِ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا إِلَيَّ فَنَاوَلْتُهُ بِالْمَاءِ فَتَوَضَّأَ مَكَانَهُ قوله (عليه السلام)" بمثله" هذا الخبر قد أورده الشيخ مسندا و قال: فيه أولا أنه خبر مرسل- ثم قال- و لو سلم و صح لاحتمل أن يكون أراد بقوله" بمثله". بمثل ما خرج من البول و هو أكثر من مثلي ما يبقى على رأس الحشفة، ثم استشهد لصحة تأويله بخبر داود الصرمي" قال: رأيت أبا الحسن الثالث (عليه السلام) غير مرة يبول و يتناول كوزا صغيرا و يصب الماء عليه من ساعته" ثم قال: (يصب الماء عليه) يدل على أن قدر الماء أكثر من مقدار بقية البول، لأنه لا ينصب إلا مقدار يزيد على ذلك. أقول: و يحتمل أن يكون المراد" بمثله" الجنس أي لا يكفي في إزالته إلا الماء و لا يجوز الاستنجاء بالأحجار كما في الغائط. الحديث الثامن: موثق، أو مجهول. و ظاهره عدم الاستبراء. و قال الوالد العلامة: الذي يظهر من بعض الأخبار جواز الاكتفاء بالانقطاع عن الاستبراء، و الأولى الاستبراء بعد انقطاع السيلان. و التوضؤ في آخر الخبر يحتمل الاستنجاء. و في القاموس: الشخب و يضم ما خرج من الضرع من اللبن و انشخب عرقه و ما انفجر.
مرآة العقول — الاستبراء من البول و غسله و من لم يجد الماء الحديث الأول: حسن. — الإمام الصادق عليه السلام
جَلَّ ثَنَاؤُهُ- ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ قَالَ هُوَ مَا يَكُونُ مِنَ الشريفة. الحديث الخامس عشر: مرسل كالموثق. قوله (عليه السلام):" هو ما يكون من الرجل في إحرامه" أقول: قد ورد تفسير قضاء التفث في الأخبار بوجوه. الأول: ما مر من أنه تقليم الأظفار و طرح الأوساخ و الحلق و إزالة الشعر الزائد من الجسد. الثاني: فيما ورد في هذا الخبر و هو التكلم بكلام طيب من ذكر و دعاء و استغفار يصير كفارة لما صدر منه في الإحرام. الثالث: ما سيأتي أن قضاء التفث لقاء الإمام، و روي في الفقيه عن حمران. عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه قال التفث حفوف الرجل من الطيب فإذا قضى نسكه حل له الطيب و مقتضى الجمع بين الأخبار حمل قضاء التفث على إزالة كل ما يشين الإنسان في بدنه و قلبه و روحه ليشمل إزالة الأوساخ البدنية بقص الأظفار و أخذ الشارب و نتف الإبط و غيرها و إزالة وسخ الذنوب عن القلب بالكلام الطيب و الكفارة و نحوها و إزالة دنس الجهل عن الروح بلقاء الإمام (عليه السلام) ففسر في كل خبر ببعض معانيه على وفق أفهام المخاطبين و مناسبة أحوالهم، ثم على تقدير تأويل قضاء التفث بلقاء الإمام لا يبعد حمل الوفاء بالنذر على الوفاء بما أخذ عليهم العهد في يوم الميثاق بولاية الأئمة (عليهم السلام) كما يومئ إليه بعض الأخبار مثل ما تقدم في الأصول عن أبي عبيدة قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: و رأى الناس بمكة و ما يعملون قال فقال: فعال كفعال الجاهلية أما و الله ما أمروا بهذا و ما أمروا إلا أن يقضوا تفثهم
مرآة العقول — النوادر الحديث الأول: حسن أو موثق. — الإمام الصادق عليه السلام
سَأَلْتُهُ عَنْ شِرَاءِ أَرْضِ الذِّمَّةِ فَقَالَ لَا بَأْسَ بِهَا فَتَكُونُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَتِهِمْ تُؤَدِّي عَنْهَا كَمَا يُؤَدُّونَ قَالَ وَ سَأَلَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النِّيلِ- أدفع للنزاع و أقرب إلى الصحة. و قال الفاضل الأسترآبادي: الظاهر أن المراد القسم الذي هو فيء للمسلمين، و المراد من قوله" يشارطهم" تعيين قدر الأجرة. الحديث الثاني: ضعيف على المشهور. قوله (عليه السلام):" فهي لهم" يحتمل أن يكون المراد بها ما كانت مواتا وقت الفتح فيملكونها على المشهور، و يمكن حمله على ما إذا كانت محياة فتكون من المفتوحة عنوة، فالمراد بقوله" هي لهم" أنهم أحق بها، و يملكون آثارهم فيها و إنما يبيعونها تبعا لآثارها. الحديث الثالث: حسن. قوله (عليه السلام):" إذا كان ذلك" أي ظهور الحق و قيام القائم (عليه السلام) ثم جوز (عليه السلام) له شراءها، لأن له الولاية عليها، و علل بأن لك من الحق في الأرض بعد ظهور دولة الحق في الأرض أكثر من ذلك، فلذلك جوزنا لك ذلك. الحديث الرابع: صحيح. قوله (عليه السلام):" تؤدي عنها" أي الخراج لا الجزية.
مرآة العقول — شراء أرض الخراج من السلطان و أهلها كارهون و من اشتراها من أهلها أقول: المراد بأرض الخراج الأراضي الت — الإمام الباقر عليه السلام
تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وآله وسلمأُمَّ سَلَمَةَ زَوَّجَهَا إِيَّاهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَ هُوَ صَغِيرٌ لَمْ يَبْلُغِ الْحُلُمَ [الحديث 8] 8 أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَاصِمِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَمِّهِ يَعْقُوبَ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِعليه السلامقَالَ قُلْتُ لَهُ أَ رَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- لٰا يَحِلُّ لَكَ النِّسٰاءُ مِنْ بَعْدُ فَقَالَ إِنَّمَا لَمْ يَحِلَّ لَهُ النِّسَاءُ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ- حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ وَ بَنٰاتُكُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ كُلِّهَا وَ لَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُونَ لَكَانَ قَدْ أَحَلَّ لَكُمْ مَا لَمْ يُحِلَّ لَهُ هُوَ لِأَنَّ أَحَدَكُمْ يَسْتَبْدِلُ كُلَّمَا أَرَادَ وَ لَكِنْ لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا يَقُولُونَ أَحَادِيثُ آلِ مُحَمَّدٍصلى الله عليه وآله وسلمخِلَافُ أَحَادِيثِ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَحَلَّ لِنَبِيِّهِصلى الله عليه وآله وسلمأَنْ يَنْكِحَ مِنَ النِّسَاءِ مَا أَرَادَ إِلَّا مَا حَرَّمَ عَلَيْهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَابُ التَّزْوِيجِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ [الحديث 1] 1 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنِ الْفُضَيْلِ رضاه مؤثرا، و الأول أظهر. الحديث الثامن: موثق. التزويج بغير ولي الحديث الأول: حسن. و اعلم أنه لا خلاف بين الأصحاب في عدم ثبوت الولاية على الثيب إلا ما نقل عن ابن عقيل، و يستفاد من الروايات أن انتفاء الولاية عن الثيب مشروط بما إذا كانت البكارة قد زالت بوطئ مستند إلى تزويج، فلو زالت بغيره كانت بمنزلة البكر كذا ذكره بعض المحققين من المتأخرين، و الأكثر لم يفرقوا بين أنواع الثيب و أما البكر البالغة الراشدة فأمرها بيدها لو لم يكن لها ولي، و لو كان أبوها أو
مرآة العقول — ما أحل للنبي — الإمام الصادق عليه السلام
لَا تَأْكُلُوا لُحُومَ الْجَلَّالاتِ وَ هِيَ الَّتِي تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ وَ إِنْ أَصَابَكَ مِنْ عَرَقِهَا فَاغْسِلْهُ [الحديث 2] 2 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِعليه السلامقَالَ لَا تَشْرَبْ مِنْ أَلْبَانِ الْإِبِلِ الْجَلَّالَةِ وَ إِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ مِنْ عَرَقِهَا فَاغْسِلْهُ [الحديث 3] 3 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِعليه السلامقَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَعليه السلامالدَّجَاجَةُ الْجَلَّالَةُ لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا حَتَّى تُقَيَّدَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ هذا رائحة النجاسة التي اغتذاها، لا مطلق الرائحة الكريهة. و قال الشيخ في الخلاف و المبسوط: إن الجلالة هي التي يكون أكثر غذائها العذرة، فلم يعتبر تمحض العذرة، و قال المحقق (ره): هذا التفسير صواب إن قلنا بكراهة الجلل، و ليس بصواب إن قلنا بالتحريم، و ألحق أبو الصلاح بالعذرة غيرها من النجاسات، و الأشهر الأول، ثم اختلف الأصحاب في حكم الجلال، فالأكثر على أنه محرم، و ذهب الشيخ في المبسوط و ابن الجنيد إلى الكراهة، بل قال في المبسوط إنه مذهبنا مشعرا بالاتفاق عليه. و قال في المسالك: لو قيل بالتفصيل كما قال به المحقق كان وجها. قوله (عليه السلام):" فاغسله" ظاهره وجوب الإزالة كما ذهب إليه الشيخان و ابن البراج و الصدوق، و المشهور بين المتأخرين الكراهة و استحباب الغسل. الحديث الثاني: حسن. و يدل على أن حكم اللبن أيضا حكم اللحم كما هو المشهور بين الفريقين. الحديث الثالث: ضعيف على المشهور. و اختلف الأصحاب في المقادير التي يزول بها الجلل في البعض، و اتفقوا على البعض، فما اتفقوا عليه استبراء الناقة بأربعين يوما، و مما اختلفوا فيه البقرة، فقيل بأربعين، و هو قول الشيخ في المبسوط، و هو رواية مسمع، و قيل بعشرين قاله الشيخ في النهاية و الخلاف و اختاره المحقق و الأكثر، و قيل بثلاثين و هو مذهب
مرآة العقول — لحوم الجلالات و بيضهن و الشاة تشرب الخمر الحديث الأول: صحيح. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
عَزَّ وَ جَلَّ- أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ قَالَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَأْكُلُ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ مِنَ التَّمْرِ وَ الْمَأْدُومِ وَ كَذَلِكَ تَطْعَمُ الْمَرْأَةُ مِنْ مَنْزِلِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ فَأَمَّا مَا خَلَا ذَلِكَ مِنَ الطَّعَامِ فَلَا [الحديث 3] 3 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ عَنْ جَمِيلِ و قال في المسالك: قد استثني من تحريم التصرف في مال الغير بغير إذنه الأكل من بيوت من تضمنته الآيات و هي قوله تعالى" وَ لٰا عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبٰائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوٰانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمٰامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمّٰاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوٰالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خٰالٰاتِكُمْ أَوْ مٰا مَلَكْتُمْ مَفٰاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنٰاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعاً أَوْ أَشْتٰاتاً" يعني مجتمعين أو منفردين، و المراد بالآباء ما يشمل الأجداد، و يحتمل عدم دخولهم، و كذا القول في الأمهات، و لا فرق في الأخوة و الأخوات بين كونهم للأبوين أو لأحدهما، و كذا الأعمام و الأخوال، و المراد بما ملكتم مفاتحه بيت العبد، لأن ما له للسيد أو من له عليه ولاية و قيل الولد لأنه لم يذكر بالصريح، و ملكه مفاتحه مبالغة في أولوية الأب و قيل: ما يجده الإنسان في داره، و لم يعلم به، و في الرواية إنه الرجل يكون له وكيل، و المرجع في الصديق إلى العرف، و اشترط بعضهم تقييد الجواز بما يخشى فساده و آخرون بالدخول إلى البيت بإذن المذكورين، و آخرون بأن لا يعلم منه الكراهة، و الأصح عدم الاشتراط الأولين و أما الثالث فحسن. الحديث الثاني: ضعيف على المشهور. الحديث الثالث: ضعيف على المشهور.
مرآة العقول — أكل الرجل في منزل أخيه بغير إذنه الحديث الأول: صحيح. — الإمام الصادق عليه السلام
- أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ مٰا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحٰاكَمُوا إِلَى الطّٰاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا قوله تعالى:" أَ لَمْ تَرَ" روي أنه كان في زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بين يهودي و منافق خصومة، فأراد اليهودي أن يرافعه إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و المنافق إلى كعب بن الأشرف و هو من اليهود، فنزلت الآية. قال المحقق الأردبيلي (ره): أي أ لم تعلم أو أ لم تعجب من صنع هؤلاء الذين يزعمون أنهم مؤمنون بما أنزل إليك من القرآن و بما أنزل من قبلك من الكتب مثل التوراة و الإنجيل و مع ذلك يريدون التحاكم إلى الطاغوت و قد أمرناهم أن يكفروا بها، في قوله تعالى:" فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطّٰاغُوتِ" و في مجمع البيان روى أصحابنا عن السيدين الباقر و الصادق (عليهما السلام)" أن المعنى بالطاغوت كل من يتحاكم إليه ممن يحكم بغير الحق" فالآية دالة على تحريم التحاكم بل كفره، و كأنه يريد مع اعتقاد الحقية و العلم بتحريمه إلى حكام الجور الذين لا يجوز لهم الحكم، سواء كان جاهلا أو عالما و فاسقا أو مؤمنا أم لا، و تدل عليه الأخبار أيضا و لا يبعد كون أخذ الحق أو غيره بمعونة الظالم القادر مثل التحاكم إلى الطاغوت، و لا يكون مخصوصا بإثبات الحكم لوجود المعنى، و إن كانت الآية مخصوصة به، و له مزيد قبح، فإنه يرى أنه يأخذ بأمر نائب الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أنه حق و الظاهر أن تلك المبالغة مخصوصة به، و قد استثنى أكثر الأصحاب من ذلك صورة التعذر بأن يكون الحق ثابتا بينه و بين الله، و لا يمكن أخذه إلا بالتحاكم إلى الطاغوت، و كأنه للشهرة، و دليل العقل و الرواية، و لكن الاحتياط في عدم ذلك، للخلاف و عدم حجية الشهرة، و عدم استقلال العقل و ظهور الرواية، و احتمال اختصاص ذلك بعدم الحاكم
مرآة العقول — كراهية الارتفاع إلى قضاة الجور الحديث الأول: صحيح. — الله تعالى (حديث قدسي)
تْ نَحْنُ مَوَالِي رَسُولِ اللَّهِصلى الله عليه وآله وسلمفَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وآله وسلمإِلَى حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثُمَّ صَارَ إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ فَأَمَرَ فَأُصْلِحَ لَهُ شِبْهُ الْمِنْبَرِ ثُمَّ عَلَاهُ وَ أَخَذَ بِعَضُدِي حَتَّى رُئِيَ بَيَاضُ إِبْطَيْهِ رَافِعاً صَوْتَهُ قَائِلًا فِي مَحْفِلِهِ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ فَكَانَتْ عَلَى وَلَايَتِي وَلَايَةُ اللَّهِ وَ عَلَى عَدَاوَتِي عَدَاوَةُ اللَّهِ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ- الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً فَكَانَتْ وَلَايَتِي كَمَالَ الدِّينِ وَ رِضَا الرَّبِّ جَلَّ ذِكْرُهُ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى اخْتِصَاصاً لِي وَ تَكَرُّماً نَحَلَنِيهِ وَ إِعْظَاماً وَ تَفْصِيلًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِصلى الله عليه وآله وسلممَنَحَنِيهِ وَ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى- ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّٰهِ حذفا و إيصالا أي حشدوا عنده، أو معه أو له. قوله (عليه السلام):" و أنغصت بهم المحافل" أي تضيقت بهم قال الفيروزآبادي: منزل غاص بالقوم: ممتلئ و أغص علينا الأرض ضيقها، و قال: المحفل كمجلس: المجتمع. قوله (عليه السلام):" عن الله" الظاهر تعلقه بقوله:" عقل" أي فهموا عن ربهم بتوسط الرسول أو بتوفيق ربهم، و يحتمل تعلقه بالنطق و هو بعيد، و عقل عن الله شائع في الأخبار. قوله:" فاقتضى" على صيغة المتكلم أو الغائب أي فاقتضى كلام النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) نبوة. قوله (عليه السلام):" فأصلح" و في بعض النسخ [فاصطلح] بمعناه، و لعله تصحيف. قوله (عليه السلام):" و أنزل الله" إلى آخره يحتمل وجهين: الأول: أن يكون المراد إنزال الآية السابقة، فالمراد بقوله (عليه السلام) و هو قوله
مرآة العقول — الروضة قوله:" محمد بن يعقوب" كلام أحد رواة الكليني النعماني أو الصفواني أو غيرهما. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
عَلَيْنٰا حِجٰارَةً مِنَ السَّمٰاءِ أَوِ ائْتِنٰا بِعَذٰابٍ أَلِيمٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَقَالَةَ الْحَارِثِ وَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ- وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا ابْنَ عَمْرٍو إِمَّا تُبْتَ وَ إِمَّا رَحَلْتَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ بَلْ تَجْعَلُ لِسَائِرِ قُرَيْشٍ شَيْئاً مِمَّا فِي يَدَيْكَ فَقَدْ ذَهَبَتْ بَنُو هَاشِمٍ بِمَكْرُمَةِ الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ(ص)لَيْسَ ذَلِكَ إِلَيَّ ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ قَلْبِي مَا يُتَابِعُنِي عَلَى التَّوْبَةِ وَ لَكِنْ أَرْحَلُ عَنْكَ فَدَعَا بِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا فَلَمَّا صَارَ بِظَهْرِ الْمَدِينَةِ أَتَتْهُ جَنْدَلَةٌ فَرَضَخَتْ هَامَتَهُ ثُمَّ أَتَى الْوَحْيُ إِلَى النَّبِيِّ(ص)فَقَالَ سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ لِلْكٰافِرينَ بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ لَيْسَ لَهُ دٰافِعٌ مِنَ اللّٰهِ ذِي الْمَعٰارِجِ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنَّا لَا نَقْرَؤُهَا هَكَذَا فَقَالَ هَكَذَا وَ اللَّهِ كٰانَ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ" يحتمل أن يكون المراد ترك عذاب الاستئصال ببركته (صلى الله عليه و آله و سلم): فلا ينافي ورود هذا العذاب عليه. و يحتمل أن يكون المراد بأول الآية نفي عذاب الاستئصال، و بقوله:" وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ" نفي العذاب الوارد على الأشخاص، فلذا أمره (صلى الله عليه و آله و سلم) بالتوبة لرفعه، فلما لم يتب نزل عليه. قوله:" جندلة" أي حجارة. قوله (عليه السلام):" فرضت" و في بعض النسخ فرضخت و الرض: الدق، و الرضخ، الكسر و الدق. قوله تعالى:" سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ" أي دعا داع به بمعنى استدعائه، و لذلك عدي الفعل بالباء قال البيضاوي: السائل نضر بن الحرث، فإنه قال" إِنْ كٰانَ هٰذٰا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنٰا حِجٰارَةً" و أبو جهل فإنه قال:" فَأَسْقِطْ عَلَيْنٰا كِسَفاً مِنَ السَّمٰاءِ" سأله استهزاء: أو الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) استعجل بعذابهم. قوله تعالى:" ذِي الْمَعٰارِجِ" أي ذي المصاعد، و هي الدرجات التي يصعد فيها الكلم الطيب و العمل الصالح، أو يترقى فيها المؤمنون في سلوكهم، أو في دار ثوابهم أو مراتب الملائكة أو في السماوات، فإن الملائكة يعرجون فيها.
مرآة العقول — الروضة قوله:" محمد بن يعقوب" كلام أحد رواة الكليني النعماني أو الصفواني أو غيرهما. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
129 نَزَلَ بِهَا جَبْرَئِيلُ عَلَى مُحَمَّدٍصلى الله عليه وآله وسلموَ هَكَذَا هُوَ وَ اللَّهِ مُثْبَتٌ فِي مُصْحَفِ فَاطِمَةَعليها السلامفَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وآله وسلملِمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْمُنَافِقِينَ انْطَلِقُوا إِلَى صَاحِبِكُمْ فَقَدْ أَتَاهُ مَا اسْتَفْتَحَ بِهِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ اسْتَفْتَحُوا وَ خٰابَ كُلُّ جَبّٰارٍ عَنِيدٍ [تأويل قوله تعالى ظَهَرَ الْفَسٰادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمٰا كَسَبَتْ] [الحديث 19] 19 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍعليه السلامفِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ- ظَهَرَ الْفَسٰادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِمٰا قوله (عليه السلام):" إنا لا نقرؤها هكذا" كأنه سقط من بين الآية شيء، و قد روي هذا الخبر في الأصول عن محمد بن سليمان بسند آخر هكذا علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله تعالى:" سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ لِلْكٰافِرينَ" بولاية علي" لَيْسَ لَهُ دٰافِعٌ" ثم قال: هكذا و الله نزل بها جبرئيل على محمد (صلى الله عليه و آله و سلم). قوله تعالى:" وَ اسْتَفْتَحُوا" ظاهر الخبر أن المراد بالاستفتاح استفتاح العذاب و قال البيضاوي: أي سألوا من الله الفتح على أعدائهم أو القضاء بينهم و بين أعاديهم من الفتاحة كقوله" رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنٰا وَ بَيْنَ قَوْمِنٰا بِالْحَقِّ". الحديث التاسع عشر: صحيح. قوله تعالى:" ظَهَرَ الْفَسٰادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ" قال البيضاوي: كالقحط و الموتان، و كثرة الحرق و الغرق و محق البركات، و كثرة المضار أو الضلالة و الظلم، و قيل: المراد بالبحر: قرى السواحل، و قرى البحور" بِمٰا كَسَبَتْ أَيْدِي النّٰاسِ" بشؤم معاصيهم أو بكسبهم إياه، و قيل: ظهر الفساد في البر بقتل قابيل أخاه، و في البحر بأن جلندا كان" يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً" انتهى. و قال البغوي: أراد بالبر البوادي و المفاوز، و بالبحر المدائن و القرى التي على المياه الجارية، قال عكرمة: تسمى العرب المصر بحرا، و قال عطية البر ظهر الأرض و البحر هو البحر المعروف، و قلة المطر كما تؤثر في البر تؤثر في البحر، فتخلوا أجواف الأصداف، لأن الصدف إذا جاء المطر يرتفع إلى وجه البحر، و يفتح فاه فما وقع فيه من المطر صار لؤلؤا، و قال ابن عباس و مجاهد و ضحاك: كانت
مرآة العقول — الروضة قوله:" محمد بن يعقوب" كلام أحد رواة الكليني النعماني أو الصفواني أو غيرهما. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
يَا أَبَا جَعْفَرٍ جِئْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ قَدْ أَعْيَتْ عَلَيَّ أَنْ أَجِدَ أَحَداً يُفَسِّرُهَا وَ قَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا ثَلَاثَةَ أَصْنَافٍ مِنَ النَّاسِ فَقَالَ كُلُّ صِنْفٍ مِنْهُمْ شَيْئاً غَيْرَ الَّذِي قَالَ الصِّنْفُ الْآخَرُ فَقَالَ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍعليه السلاممَا ذَاكَ قَالَ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ عَنْ أَوَّلِ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ سَأَلْتُهُ قَالَ الْقَدَرُ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْقَلَمُ قوله (عليه السلام):" في أهل البيت" أقول: قد وردت الأخبار المستفيضة في نزول هذه الآية فيهم (عليه السلام)، و قد روتها العامة أيضا في كتبهم بأسانيد و قد مرت في شرح كتاب الحجة، و قال البيضاوي، روي أنها لما نزلت قيل: يا رسول الله من قرابتك من هؤلاء قال: علي و فاطمة و ابناهما. الحديث السابع و الستون: مجهول. قوله (عليه السلام):" عن أول ما خلق الله من خلقه" اعلم أن الأخبار اختلفت في تعيين أول المخلوقات فأكثر الأخبار يدل على أنه الماء كهذا الخبر، و الخبر الذي بعده، لكن لا يدل الخبر الآتي على تقدمه على العرش، و نقل عن ناليس الملطي الإسكندراني و هو من مشاهير الحكماء القدماء، أنه قال بعد أن و حد الصانع و نزهة: لكنه أبدع العنصر الذي فيه صور الموجودات و المعلومات كلها، و هو المبدع الأول، و هو
مرآة العقول — الروضة قوله:" محمد بن يعقوب" كلام أحد رواة الكليني النعماني أو الصفواني أو غيرهما. — فاطمة الزهراء عليها السلام
فَقُلْتُ نَعَمْ قَالَ فَأَذِنَ لَهَا قَالَ وَ أَجْلَسَنِي مَعَهُ عَلَى الطِّنْفِسَةِ قَالَ ثُمَّ دَخَلَتْ فَتَكَلَّمَتْ فَإِذَا امْرَأَةٌ بَلِيغَةٌ فَسَأَلَتْهُ عَنْهُمَا فَقَالَ لَهَا تَوَلَّيْهِمَا قَالَتْ فَأَقُولُ لِرَبِّي إِذَا لَقِيتُهُ إِنَّكَ أَمَرْتَنِي بِوَلَايَتِهِمَا قَالَ نَعَمْ قَالَتْ فَإِنَّ هَذَا الَّذِي مَعَكَ عَلَى الطِّنْفِسَةِ يَأْمُرُنِي بِالْبَرَاءَةِ مِنْهُمَا وَ كَثِيرٌ النَّوَّاءُ يَأْمُرُنِي بِوَلَايَتِهِمَا فَأَيُّهُمَا خَيْرٌ وَ أَحَبُّ إِلَيْكَ قَالَ هَذَا وَ اللَّهِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ وَ أَصْحَابِهِ إِنَّ هَذَا تَخَاصَمَ فَيَقُولُ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ قال الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه و آله):" إِنَّكَ مَيِّتٌ" أي إنك ستموت، و قد روي أنه عنى سقيم بما يفعل بالحسين بن علي (صلوات الله عليهما). الحديث الحادي و السبعون: ضعيف. قوله (عليه السلام):" على الطنفسة" قال الجزري: الطنفسة هي بكسر الطاء و الفاء و بضمهما و بكسر الطاء و فتح الفاء: البساط الذي له خمل رقيق. قوله (عليه السلام):" هذا و الله أحب إلى" أمرها أولا بولاية أبي بكر و عمر تقية ثم لما بلغت في السؤال أثبت (عليه السلام) لعنهما كناية بأن لم يتعرض لقول الرجلين الذين سألت عنهما، بل قال هذا أي أبو بصير أحب إلى من كثير النواء، لأن كلامه موجه يقول إن كثير النواء يفتي و يحكم بين الناس بغير الحق، و يثبت بالآيات كفره و ظلمه و فسقه، فأشار (عليه السلام) في كلامه هذا ضمنا إلى كفر الملعونين و وجوب البراءة منهما بوجهين. الأول: أن محبوبية أبي بصير يستلزم صدقه في أمره بالبراءة منهما.
مرآة العقول — الروضة قوله:" محمد بن يعقوب" كلام أحد رواة الكليني النعماني أو الصفواني أو غيرهما. — الإمام الصادق عليه السلام
جَاءَتْ زَيْنَبُ الْعَطَّارَةُ الْحَوْلَاءُ إِلَى نِسَاءِ النَّبِيِّصلى الله عليه وآله وسلموَ بَنَاتِهِ وَ كَانَتْ تَبِيعُ مِنْهُنَّ الْعِطْرَ فَجَاءَ النَّبِيُّصلى الله عليه وآله وسلموَ هِيَ عِنْدَهُنَّ فَقَالَ إِذَا أَتَيْتِنَا طَابَتْ بُيُوتُنَا فَقَالَتْ بُيُوتُكَ بِرِيحِكَ أَطْيَبُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إِذَا بِعْتِ فَأَحْسِنِي وَ لَا تَغُشِّي فَإِنَّهُ أَتْقَى وَ أَبْقَى لِلْمَالِ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَتَيْتُ بِشَيْءٍ مِنْ بَيْعِي وَ إِنَّمَا أَتَيْتُ أَسْأَلُكَ عَنْ عَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَالَ جَلَّ جَلَالُ اللَّهِ سَأُحَدِّثُكِ عَنْ بَعْضِ ذَلِكِ ثُمَّ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ بِمَنْ عَلَيْهَا عِنْدَ الَّتِي تَحْتَهَا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ هَاتَانِ بِمَنْ فِيهِمَا وَ مَنْ عَلَيْهِمَا عِنْدَ الَّتِي تَحْتَهَا كَحَلْقَةٍ مُلْقَاةٍ فِي فَلَاةٍ قِيٍّ وَ الثَّالِثَةُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى السَّابِعَةِ وَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ خَلَقَ حديث زينب العطارة الحديث الثالث و الأربعون و المائة: مجهول، و يمكن عده في الحسان. قوله (صلى الله عليه و آله):" فإنه أتقى" أي أقرب إلى التقوى و أنسب بها. قوله (صلى الله عليه و آله):" عند التي تحتها" يظهر منه أن للأرض طبقات بعضها فوق بعض و منهم من جعل الأرضين السبع و تعددها باعتبار الأقاليم، و منهم من جعلها باعتبار ثلاث طبقات الأرض، الصرفة البسيطة، و الطينية، و الظاهرة التي هي وجه
قَالَ أَ تَدْرِي يَا رِفَاعَةُ لِمَ سُمِّيَ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً قَالَ قُلْتُ لَا أَدْرِي قَالَ لِأَنَّهُ يُؤْمِنُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَيُجِيزَللَّهُ] لَهُ أَمَانَهُ [نزول قوله تعالى: «عٰامِلَةٌ نٰاصِبَةٌ تَصْلىٰ نٰاراً حٰامِيَةً» في الناصب] [الحديث 162] 162 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ حَنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِعليه السلامأَنَّهُ قَالَ لَا يُبَالِي النَّاصِبُ صَلَّى أَمْ زَنَى وَ هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِيهِمْ- عٰامِلَةٌ نٰاصِبَةٌ تَصْلىٰ نٰاراً حٰامِيَةً على الرأس على شبر من طرف الأنف، و فتر من بين الحاجبين، و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يسميها بالمنقذة" و في حديث آخر قال:" كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يحتجم على رأسه و يسميه المغيثة أو المنقذة". و روي أيضا بإسناده عن البرقي، رفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام) قال:" احتجم النبي (صلى الله عليه و آله) في رأسه و بين كتفيه و في قفاه ثلاثا سمى واحدة النافعة، و الأخرى المغيثة، و الثالثة المنقذة". الحديث الحادي و الستون و المائة: كالصحيح. قوله (عليه السلام):" يؤمن على الله" أي يشفع لمن استحق عقابه تعالى فلا يرد شفاعته، أو يضمن لأحد الجنة فينجز ضمانه. الحديث الثاني و الستون و المائة: ضعيف. قوله (عليه السلام):" صلى أم زنى" إذ هو معاقب بأعماله الباطلة لإخلاله بما هو من أعظم شروطها، و هو الولاية، فهو كمن صلى بغير وضوء، قوله تعالى:" عٰامِلَةٌ نٰاصِبَةٌ" الظاهر أنه (عليه السلام) فسر الناصبة بنصب العداوة لأهل البيت (عليهم السلام)، و يحتمل أن يكون (عليه السلام) فسر بالنصب بمعنى التعب، أي يتعب في مشاق الأعمال و لا ينفعه.
صلى الله عليه وآله وسلمكَفَّارَةُ الطِّيَرَةِ التَّوَكُّلُ [تفسير قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ ...»] [الحديث 237] 237 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ وَ غَيْرِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِعليه السلاموَ بَعْضِهِمْ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍعليه السلامفِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقٰالَ لَهُمُ اللّٰهُ مُوتُوا الحديث السادس و الثلاثون و المائتان: ضعيف على المشهور. قوله (صلى الله عليه و آله):" كفارة الطيرة" أي التوكل على الله يرفع ذنب ما خطر بالبال من التشاؤم بالأشياء التي نهي عن التشاؤم بها، أو أنه يرفع تأثير ذلك كما ترفع الكفارة تأثير الذنب. قال الجزري: و منه الحديث" الطيرة شرك و ما منا إلا و لكن الله يذهبه بالتوكل" هكذا جاء في الحديث مقطوعا و لم يذكر المستثنى: أي إلا و قد يعتريه التطير و تسبق إلى قلبه الكراهة، فحذف اختصارا و اعتمادا على فهم السامع، و إنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوه مع الله في ذلك، و قوله:" و لكن الله يذهبه بالتوكل" معناه إذا خطر له عارض التطير فتوكل على الله، و سلم إليه، و لم يعمل بذلك الخاطر، غفره الله تعالى له و لم يؤاخذه به. الحديث السابع و الثلاثون و المائتان: ضعيف. قوله تعالى:" أَ لَمْ تَرَ" قال الشيخ الطبرسي (ره): أي أ لم تعلم يا أيها السامع أو لم ينته علمك إلى خبر هؤلاء" الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ" قيل: هم قوم من
مرآة العقول — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
109 نَزَلَتْ فِي ابْنِ أَبِي سَرْحٍ الَّذِي كَانَ عُثْمَانُ اسْتَعْمَلَهُ عَلَى مِصْرَ وَ هُوَ مِمَّنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص- أنزل مثل ما أنزل الله" عن عكرمة و ابن عباس و مجاهد و السدي و إليه ذهب الفراء و الزجاج و الجبائي، و هو المروي عن أبي جعفر (عليه السلام) و قال
قوم نزلت في ابن أبي سرح خاصة، و قال قوم: نزلت في مسيلمة خاصة، (ثم قال) هذا استفهام في معنى الإنكار، أي لا أحد أظلم ممن كذب على الله فادعى أنه نبي و ليس بنبي" أَوْ قٰالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ" أي يدعي الوحي و لا يأتيه، و لا يجوز في حكمة الله سبحانه أن يبعث كذابا، و هذا و إن كان داخلا في الافتراء، فإنما أفرد بالذكر تعظيما" وَ مَنْ قٰالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ" قال الزجاج: هذا جواب لقولهم: و لو نشاء لقلنا مثل هذا، فادعوا ثم لم يفعلوا، و بذلوا النفوس و الأموال، و استعملوا سائر الحيل في إطفاء نور الله، و أبى الله إلا أن يتم نوره، و قيل: المراد به عبد الله بن سعد ابن أبي سرح أملى عليه رسول الله ذات يوم" وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسٰانَ مِنْ سُلٰالَةٍ مِنْ طِينٍ- إلى قوله- ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ" فجرى على لسان ابن أبي سرح" فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ" فأملأه عليه، و قال: هكذا أنزل فارتد عدو الله، و قال: إن كان محمد صادقا فلقد أوحي إلى كما أوحى إليه، و لئن كان كاذبا فلقد قلت كما قال، و ارتد عن الإسلام، و هدر رسول الله (صلى الله عليه و آله) دمه، فلما كان يوم الفتح جاء به عثمان و قد أخذ بيده، و رسول الله (صلى الله عليه و آله) في المسجد، فقال: يا رسول الله اعف عنه، فسكت رسول الله (صلى الله عليه و آله) ثم أعاد فسكت ثم أعاد فسكت فقال: هو لك فلما مر قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لأصحابه: أ لم أقل من رآه فليقتله، فقال: عباد بن بشر كانت عيني إليك يا رسول الله أن تشير إلى فأقتله فقال (صلى الله عليه و آله) الأنبياء لا يقتلون بالإشارة. قوله (عليه السلام):" الذي كان استعمله عثمان على مصر" أقول: هذا أحد مطاعنه لعنه الله حيث أعطى الولاية على المسلمين من أهدر رسول الله (صلى الله عليه و آله): دمه و قد احتجوا عليه في ذلك و شنعوه به عند ما أرادوا قتله، و تفصيله مذكور في كتب السير.
وَ سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مٰا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلّٰا يَعْلَمُهٰا وَ لٰا حَبَّةٍ فِي ظُلُمٰاتِ الْأَرْضِ وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ قَالَ فَقَالَ الْوَرَقَةُ السِّقْطُ قوله (عليه السلام):" نزلت في ولاية علي (عليه السلام)" إذ هي موجبة لحياة النفس و القلب و العقل بالعلم و الإيمان و المعرفة. قوله تعالى:" وَ مٰا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلّٰا يَعْلَمُهٰا" قال الطبرسي (ره): قال الزجاج: المعنى أنه يعلمها ساقطة و ثابتة و أنت تقول: ما يجيئك أحد إلا و أنا أعرفه في حال مجيئه فقط، و قيل: يعلم ما سقط من ورق الأشجار و ما بقي، و يعلم كم انقلبت ظهرا لبطن عند سقوطها" وَ لٰا حَبَّةٍ فِي ظُلُمٰاتِ الْأَرْضِ" معناه و ما تسقط من حبة في باطن الأرض إلا يعلمها، و كنى بالظلمة عن باطن الأرض، لأنه لا يدرك كما لا يدرك ما حصل في الظلمة. و قال ابن عباس: يعني تحت الصخرة في أسفل الأرضين السبع أو تحت حجر أو شيء" وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ" لأن الأجسام كلها لا تخلو من أحد هذين و هو بمنزلة قولك و لا مجتمع و لا مفترق لأن الأجسام لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو متفرقة. و قيل أراد ما ينبت و ما لا ينبت عن ابن عباس، و عنه أيضا أن الرطب الماء و اليابس البادية، و قيل: الرطب الحي، و اليابس الميت. و روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: الورقة السقط، و الحبة الولد، و ظلمات الأرض الأرحام، و الرطب ما يحيى، و اليابس ما يغيض" إِلّٰا فِي كِتٰابٍ" معناه إلا و هو مكتوب في كتاب" مُبِينٍ" أي في اللوح المحفوظ.
400 وَ لَا غَرَبَتْ إِلَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ بِرِزْقٍ وَ إِيمَانٍ وَ فِي نُسْخَةٍ نُورٍ [قوله (صلى الله عليه و آله) سيأتي على أمتي زمان نخبث فيه سرائرهم»] [الحديث 476] 476 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّوْفَلِيِّ عَنِ السَّكُونِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِعليه السلامقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صلى الله عليه وآله وسلمسَيَأْتِي عَلَى أُمَّتِي زَمَانٌ تَخْبُثُ فِيهِ سَرَائِرُهُمْ وَ تَحْسُنُ فِيهِ عَلَانِيَتُهُمْ طَمَعاً فِي الدُّنْيَا وَ لَا يُرِيدُونَ بِهِ مَا عِنْدَ اللَّهِ رَبِّهِمْ يَكُونُ دِينُهُمْ رِيَاءً لَا من نصره أو شهادة على ما مضى عليه أصحابه" وَ مٰا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا" أي ما غيروا العهد الذي عاهدوا ربهم كما غير المنافقون. قال ابن عباس: فمن قضى نحبه حمزة بن عبد المطلب و من قتل معه، و أنس ابن النضر و أصحابه و قال الكلبي: ما بدلوا العهد بالصبر و لا نكثوه بالفرار، و روى أبو القاسم الحسكاني بالإسناد، عن عمرو بن ثابت، عن أبي إسحاق، عن علي (عليه السلام) قال: فينا نزلت" رِجٰالٌ صَدَقُوا مٰا عٰاهَدُوا اللّٰهَ عَلَيْهِ" فأنا و الله المنتظر و ما بدلت تبديلا. أقول غرضه (صلى الله عليه و آله): أن شيعة أمير المؤمنين ممدوحون بهذه الآية حيث صدقوا ما عاهدوا الله عليه من ولاية أئمة الحق، و نصرتهم فمن مات منهم وفى بنذره و عهده حيث كان ثابتا على نصرة الحق. متهيئا لمعاونة إمام المسلمين، موفيا لعهده غير ناكث و لا مبدل، و مات على ذلك، و من لم يمت فهو ينتظر دولة الحق و غلبة إمامه أو قيام القائم (عليه السلام)، و يأتي الله برزقه في كل صباح و مساء، و يزيد في إيمانه و يقينه كل حين. قوله: و في نسخة [نور] أي بدل- إيمان- أي يفيض الله عليه في كل صباح و مساء نورا من الإيمان، و العلم و الهداية و التوفيق. الحديث السادس و السبعون و الأربعمائة: ضعيف على المشهور.
مرآة العقول — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
هَذِهِ وَاحِدَةٌ ثُمَّ مَشَى سَاعَةً ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّكُمْ تَأْتُونَ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ(ع)هَذِهِ اثْنَتَانِ ثُمَّ مَضَى فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الْمَدِينَةِ الْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّكُمْ تَأْتُونَ شِرَارَ خَلْقِ اللَّهِ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ(ع)هَذِهِ ثَالِثَةٌ ثُمَّ دَخَلَ وَ دَخَلُوا مَعَهُ فَلَمَّا رَأَتْهُمُ امْرَأَتُهُ رَأَتْ هَيْئَةً حَسَنَةً فَصَعِدَتْ فَوْقَ السَّطْحِ وَ صَعِقَتْ فَلَمْ يَسْمَعُوا فَدَخَّنَتْ فَلَمَّا رَأَوُا الدُّخَانَ أَقْبَلُوا يُهْرَعُونَ إِلَى الْبَابِ فَنَزَلَتْ إِلَيْهِمْ فَقَالَتْ عِنْدَهُ قَوْمٌ مَا رَأَيْتُ قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُمْ هَيْئَةً فَجَاءُوا إِلَى الْبَابِ لِيَدْخُلُوهَا- فَلَمَّا رَآهُمْ لُوطٌ قَامَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ يَا قَوْمِ فَاتَّقُوا اللّٰهَ وَ لٰا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ فَقَالَ هٰؤُلٰاءِ بَنٰاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْحَلَالِ جبرئيل: لا تعجل عليهم حتى تشهد، أي قال ذلك في هذا الوقت سرا و في نفسه أو جهرا. قوله:" و صعقت" الصعق شدة الصوت، و في بعض النسخ [صفقت] الصفق: الضرب الذي يسمع له صوت كالتصفيق أي ضربت إحدى يديها على الأخرى. قوله:" يُهْرَعُونَ" أي يسرعون في المشي. قوله تعالى:" وَ لٰا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي" أي لا تلزموني عارا و لا تلحقوني فضيحة و لا تخجلوني بالهجوم على أضيافي، فإن الضيف إذا لحق به معرة لحق عارها المضيف" أَ لَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ" أي في جملتكم رجل قد أصاب الرشد فزجر هؤلاء عن قبيح فعلهم، و قيل: رشيد هنا بمعنى المرشد، قوله تعالى:" قٰالَ يٰا قَوْمِ هٰؤُلٰاءِ بَنٰاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ" اختلف المفسرون في ذلك فقيل: أراد بناته لصلبه عن قتادة، و قيل: أراد النساء من أمته لأنهن كالبنات له فإن كل نبي أبو أمته و أزواجه أمهاتهم عن مجاهد و سعيد بن جبير، و اختلف أيضا في كيفية عرضهن، فقيل: بالتزويج، و كان يجوز في شرعه تزويج المؤمنة من الكافر، و كذا كان يجوز أيضا في مبتدإ الإسلام، و قد زوج النبي (صلى الله عليه و آله) بنته عن أبي العاص بن الربيع قبل أن يسلم، ثم نسخ ذلك، و قيل: أراد التزويج بشرط الإيمان عن الزجاج، و كانوا يخطبون بناته فلا يزوجهن منهم لكفرهم، و قيل
مرآة العقول — غير محدد
456 قٰالُوا رَبَّنٰا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتٰالَ لَوْ لٰا أَخَّرْتَنٰا إِلىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ ... نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ أبواب البر. و الحاصل أن أصحاب الحسن (عليه السلام) كانوا بهذه الآية مأمورين بإطاعة إمامهم في ترك القتال فلم يرضوا به و طلبوا القتال:" فَلَمّٰا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتٰالُ" مع الحسين (عليه السلام)" قٰالُ
وا رَبَّنٰا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتٰالَ لَوْ لٰا أَخَّرْتَنٰا إِلىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ" أي قيام القائم (عليه السلام). و ذهب أكثر المفسرين أن هذه الآية نزلت في قوم كانوا يلقون من المشركين أذى شديدا و هم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، فيشكون إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) و يقولون يا رسول الله ائذن لنا في قتال هؤلاء، فإنهم قد آذونا فلما أمروا بالقتال و بالمسير إلى بدر، شق على بعضهم فنزلت الآية، و فسروا الأجل القريب بالموت بآجالهم. ثم اعلم أن هذه الآية كما أورد في هذا الخبر ليست في القرآن ففي سورة النساء" أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ فَلَمّٰا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتٰالُ إِذٰا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النّٰاسَ كَخَشْيَةِ اللّٰهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً، وَ قٰالُوا رَبَّنٰا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتٰالَ لَوْ لٰا أَخَّرْتَنٰا إِلىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتٰاعُ الدُّنْيٰا قَلِيلٌ" الآية و في سورة إبراهيم" فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنٰا أَخِّرْنٰا إِلىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَ نَتَّبِعِ الرُّسُلَ فلعله (عليه السلام) وصل آخر هذه الآية بالآية السابقة، لكونهما لبيان حال هذه الطائفة، أو أضاف قوله:" نُجِبْ دَعْوَتَكَ بتلك، الآية على وجه التفسير و البيان أي كان غرضهم أنه إن أخرتنا إلى ذلك الأجل نجب دعوتك، و يحتمل أن يكون في مصحفهم هكذا.
مرآة العقول — الإمام المهدي عجل الله تعالى فرجه الشريف
فِي قَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- إِذْ يُبَيِّتُونَ مٰا لٰا يَرْضىٰ مِنَ الْقَوْلِ قَالَ يَعْنِي فُلَاناً وَ فُلَاناً وَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ [تفسير قوله تعالى: «أُولٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّٰهُ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ ...»] [الحديث 526] 526 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَ غَيْرُهُ عَنْ مَنْصُورِ بْنِ يُونُسَ عَنِ ابْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النَّجَاشِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِعليه السلاميَقُولُ فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- أُولٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللّٰهُ مٰا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ عِظْهُمْ وَ قُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً يَعْنِي وَ اللَّهِ فُلَاناً وَ فُلَاناً- وَ مٰا أَرْسَلْنٰا مِنْ رَسُولٍ إِلّٰا لِيُطٰاعَ بِإِذْنِ اللّٰهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جٰاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللّٰهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللّٰهَ تَوّٰاباً رَحِيماً يَعْنِي وَ اللَّهِ النَّبِيَّصلى الله عليه وآله وسلموَ عَلِيّاًعليه السلاممِمَّا صَنَعُوا أَيْ لَوْ جَاءُوكَ بِهَا يَا عَلِيُّ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ مِمَّا صَنَعُوا وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً- فَلٰا وَ رَبِّكَ قوله تعالى:" إِذْ يُبَيِّتُونَ" يقال: بيت أمرا، أي دبره ليلا، و فلان أبو بكر و عمر. و روى العياشي عن عمر بن صالح، الأول و الثاني و أبو عبيدة بن الجراح و هو إشارة إلى ما دبر هؤلاء في أن لا تكون الخلافة لعلي (عليه السلام)، و كتبوا بذلك صحيفة عند الكعبة، و تعاقدوا على ذلك، فأنزل الله تعالى تلك الآيات و أخبر نبيه بذلك و قد أوردناه مشروحا في كتاب بحار الأنوار. الحديث السادس و العشرون و الخمسمائة: ضعيف. قوله تعالى:" فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ" أي عن عقابهم لمصلحة في استبقائهم أو عن قبول معذرتهم و في بعض النسخ [و ما أرسلناك رسولا إلا لتطاع] و كأنها كانت هكذا في مصحفهم (عليهم السلام) و في بعضها كما في القرآن. قوله (عليه السلام):" يعني و الله النبي و عليا" أي المراد بالرسول (صلى الله عليه و آله) في قوله تعالى" وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ" النبي (صلى الله عليه و آله)، و المخاطب في قوله" جٰاؤُكَ" علي (عليه السلام)
خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَعليه السلامالنَّاسَ بِصِفِّينَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّصلى الله عليه وآله وسلمثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوَلَايَةِ أَمْرِكُمْ وَ مَنْزِلَتِيَ الَّتِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ بِهَا مِنْكُمْ وَ لَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ وَ الْحَقُّ أَجْمَلُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ وَ أَوْسَعُهَا فِي التَّنَاصُفِ لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا العلم، و عدم جواز النظر لغيرهم (عليهم السلام) فيه بما مر من التقريب. خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) الحديث الخمسون و الخمسمائة: ضعيف بعبد الله بن الحارث، و أحمد بن محمد معطوف على علي بن الحسن و هو العاصمي، و التيمي هو ابن فضال، و قل من تفطن لذلك. قوله (عليه السلام):" بولاية أمركم" أي لي عليكم حق الطاعة، لأن الله جعلني واليا عليكم متوليا لأموركم، و لأنه أنزلني منكم منزلة عظيمة، هي منزلة الإمامة و السلطنة و الطاعة. قوله (عليه السلام):" و الحق أجمل الأشياء في التواصف" أي وصفه جميل، و ذكره
مرآة العقول — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
543 آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ فَقَالَ هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ص [ما أخبر به النبي (صلى الله عليه و آله) بعد الإسراء] [الحديث 555] 555 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى الْكَاهِلِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِعليه السلامفِي قَوْلِ اللَّهِ
عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مٰا تُغْنِي الْآيٰاتُ وَ النُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لٰا يُؤْمِنُونَ قَالَ لَمَّا أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِصلى الله عليه وآله وسلمأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ بِالْبُرَاقِ فَرَكِبَهَا فَأَتَى بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَلَقِيَ مَنْ لَقِيَ مِنْ إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِعليهم السلامثُمَّ رَجَعَ فَحَدَّثَ أَصْحَابَهُ مضاف أي شفاعة رسول الله (صلى الله عليه و آله) كما رواه الطبرسي (ره) أو ولايته و ولاية أهل بيته (عليهم السلام) كما مر في كتاب الحجة حيث روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال في تفسير هذه الآية: هو ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) فيكون القدم بالمعنى الذي نقله عن الأزهري، أو راجع إلى الموصول إما بانضمام الأئمة معه (صلى الله عليه و آله)، أو للتعظيم. و يؤيد الأول أن علي بن إبراهيم رواه في تفسيره بهذا السند، و زاد في آخره و الأئمة (عليهم السلام)، أو راجع إلى الرب أي الذي رباهم بالعلم و الكمال، أو يكون الإسناد إلى الرب من قبيل ما يسند إلى الملوك مما يفعله بأمره مقربو جنابه، و الأول أظهر. الحديث الخامس و الخمسون و الخمسمائة: حسن. قوله تعالى:" وَ مٰا تُغْنِي الْآيٰاتُ" قال الطبرسي: معناه و لا تغني هذه الدلالات و البراهين الواضحة مع كثرتها و ظهورها و الرسل المخوفة عن قوم لا ينظرون في الأدلة تفكرا و تدبرا و ما يريدون الإيمان، و قيل: ما تغني معناه أي شيء تغني
عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهٰا حُسْناً قَالَ مَنْ تَوَلَّى الْأَوْصِيَاءَ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ وَ اتَّبَعَ آثَارَهُمْ فَذَاكَ يَزِيدُهُ وَلَايَةَ مَنْ مَضَى مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الْمُؤْمِنِينَ الْأَوَّلِينَ حَتَّى تَصِلَ وَلَايَتُهُمْ إِلَى آدَمَعليه السلاموَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ يكون المراد أنهم كانوا في زمن آدم (عليه السلام) في بدو التكليف كلهم مؤمنين. الحديث الرابع و السبعون و الخمسمائة: ضعيف. قوله تعالى:" وَ مَنْ يَقْتَرِفْ" هذه تتمة آية المودة أعني قوله تعالى:" قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ" الآية. و الروايات مستفيضة من طرق الخاصة و العامة أن صدر الآية نزلت في أهل البيت (عليهم السلام). و قال الشيخ الطبرسي (رحمه الله): أي من فعل طاعة نزد له في تلك الطاعة حسنا بأن نوجب له الثواب، و ذكر أبو حمزة الثمالي عن السدي أنه قال: اقتراف الحسنة المودة لآل محمد (صلى الله عليه و آله)، و صح عن الحسن بن علي (عليه السلام) أنه خطب الناس فقال في خطبته: أنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم، فقال: " قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهٰا حُسْناً" و اقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت، و روى إسماعيل بن عبد الخالق، عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: إنها نزلت فينا أهل البيت أصحاب الكساء. قوله (عليه السلام):" فذاك يزيده" أي مودتهم مستلزمة لمودة هؤلاء، أو لا تقبل مودة هؤلاء إلا بمودتهم. قوله (عليه السلام):" و هو قول الله" أي المراد بالحسنة فيها أيضا مودة الأوصياء (عليهم السلام)
عَزَّ وَ جَلَّ- قُلْ مٰا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ يَقُولُ أَجْرُ الْمَوَدَّةِ الَّذِي لَمْ أَسْأَلْكُمْ غَيْرَهُ فَهُوَ لَكُمْ تَهْتَدُونَ بِهِ وَ تَنْجُونَ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ قَالَ لِأَعْدَاءِ اللَّهِ أَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ أَهْلِ أي نزلت فيها، أو هي الفرد الكامل من الحسنة التي يشترط قبول سائر الحسنات بها فكأنها منحصرة فيها. و قد روى محمد بن العياش في تفسيره بإسناده، عن أبي عبد الله الجدلي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال هل تدري ما الحسنة التي من جاء بها هم من فزع يومئذ آمنون و من جاء بالسيئة كبت وجوههم في النار؟ قلت: لا، قال: الحسنة مودتنا أهل البيت، و السيئة عداوتنا أهل البيت. و روي بإسناده عن عمار الساباطي في قوله تعالى:" مَنْ جٰاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهٰا*" قال إنما الحسنة معرفة الإمام و طاعته و طاعته طاعة الله. و بإسناده عنه (عليه السلام) قال: الحسنة ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام). و بإسناده عن جابر الجعفي عن أبي جعفر (عليه السلام) أنه سأله، عن هذه الآية فقال: الحسنة ولاية علي (عليه السلام) و السيئة بغضه و عداوته. قوله (عليه السلام):" أجر المودة" الإضافة بيانية، و ما ذكره (عليه السلام) وجه حسن تام في الجمع بين تلك الآيات التي وردت في أجر الرسالة لأن الله تعالى قال في موضع: " قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ" فدلت على أن المودة أجر الرسالة. و قال في موضع آخر:" قُلْ مٰا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ" أي الأجر الذي سألتكم يعود نفعه إليكم به تهتدون و به تنجون من عذاب الله.
- وَ يَمْحُ اللّٰهُ الْبٰاطِلَ وَ يُحِقُّ الْحَقَّ بِكَلِمٰاتِهِ يَقُولُ الْحَقُّ لِأَهْلِ بَيْتِكَ الْوَلَايَةُ- إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذٰاتِ الصُّدُورِ وَ يَقُولُ بِمَا أَلْقَوْهُ فِي صُدُورِهِمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ لِأَهْلِ بَيْتِكَ وَ الظُّلْمِ بَعْدَكَ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ أَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هٰذٰا إِلّٰا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَ أَنْتُمْ تُبْصِرُونَ وَ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ النَّجْمِ إِذٰا هَوىٰ قَالَ أُقْسِمُ بِقَبْضِ مُحَمَّدٍ إِذَا قُبِضَ- مٰا ضَلَّ صٰاحِبُكُمْ بِتَفْضِيلِهِ أَهْلَ بَيْتِهِ- وَ مٰا غَوىٰ وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ قوله (عليه السلام)" حبست" أي الختم على القلب كناية عن حبس الوحي الدالة على الولاية. قوله (عليه السلام):" يقول الحق" أي يعني الله بالحق الولاية. قوله (عليه السلام):" يقول بما القوة" تفسير لقوله:" بِذٰاتِ الصُّدُورِ". قوله (عليه السلام):" و هو قول الله وَ أَسَرُّوا النَّجْوىٰ*" أي نزلت في شأن هؤلاء المنافقين المنكرين، لكون إمامة أمير المؤمنين من عند رب العالمين" الذين عاهدوا و تعاقدوا" أن لا يرد الأمر إلى علي (عليه السلام) و هذه كانت نجواهم و ظلمهم، و قالوا: ليس علي (عليه السلام) إلا بشر مثلكم، و ما أتى به محمد (صلى الله عليه و آله) في أمره سحر، فتقبلون السحر و أنتم تعلمون أنه سحر. قوله (عليه السلام):" أقسم بقبر محمد (صلى الله عليه و آله)" أي المراد بالنجم: الرسول (صلى الله عليه و آله) كما ورد أخبار كثيرة في تفسير قوله تعالى:" وَ عَلٰامٰاتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ" أن المراد بالعلامات الأئمة و النجم رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و المراد بهوايته. أي سقوطه و هبوطه و غروبه، أو صعوده موته (صلى الله عليه و آله) و غيبته في التراب، أو صعود روحه المقدسة إلى
مرآة العقول — الله تعالى (حديث قدسي)
عنه عن كتاب النصوص عن علىّ بن محمّد بن متولة، عن محمّد بن عمر القاضى الجعابىّ، عن نصر بن عبد اللّه عن الوشاء، عن زيد بن الحسن الانماطى عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال
كنت عند النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فى بيت أمّ سلمة فأنزل اللّه هذه الآية «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» فدعا النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بالحسن و الحسين و فاطمة أجلسهم بين يديه، و دعا عليّا (عليه السلام) فأجلسه خلف ظهره و قال: اللّهمّ هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، قالت أمّ سلمة: و أنا معهم يا رسول اللّه؟ قال: أنت على خير، فقلت: يا رسول اللّه لقد أكرم اللّه هذه العترة الطاهرة و الذّريّة المباركة بذهاب الرجس عنهم؟ قال: يا جابر لأنّهم عترتى من لحمى و دمى، فأخى سيّد الأوصياء، و ابناى خير الأسباط؟ و ابنتى سيّدة النسوان، و منّا المهدىّ، قلت: يا رسول اللّه و من المهدىّ؟ قال: تسعة من صلب الحسين أئمة أبرار و التاسع قائمهم، يملأ الأرض قسطا و عدلا، يقاتل على التأويل كما قاتلت على التنزيل [2]. 383 22- باب صفات الامام (عليه السلام)
مسند الإمام الباقر — المحدث — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
قال الكشى: حدّثنى محمّد بن قولويه القمى، قال: حدّثنى محمّد بن بندار القمى، عن أحمد بن محمّد البرقي، عن أبيه محمّد بن خالد، عن أحمد بن النضر الجعفى، عن عباد بن بشير، عن ثوير بن أبى فاختة، قال: خرجت حاجا، فصحبنى عمرو بن ذرّ القاضى و ابن قيس الماصر و الصلت بن بهرام، و كانوا اذا نزلوا قالوا: انظروا الآن فقد حررنا أربعة آلاف مسألة، نسأل ابا جعفر (عليه السلام) منها عن ثلاثين كلّ يوم، و قد قلدناك ذلك، فقال
ثوير: فغمّني ذلك حتى إذا دخلنا المدينة فافترقنا فنزلت أنا على أبى جعفر (عليه السلام) فقلت له: جعلت فداك إنّ ابن ذر، و ابن قيس الماصر و الصلت صحبونى و كنت أسمعهم يقولون: قد حررنا أربعة آلاف مسألة نسأل أبا جعفر عنها فغمنى ذلك. فقال أبو جعفر: ما يغمك من ذلك فاذا جاءوا فأذن لهم، فلمّا كان من غد دخل مولى لأبى جعفر (عليه السلام) فقال: جعلت فداك، إنّ بالباب ابن ذرّ و معه قوم، فقال لى أبو جعفر: يا ثوير قم، فأذن لهم فقمت فأدخلتهم فلمّا دخلوا سلّموا، و قعدوا و لم يتكلّموا فلما طال ذلك أقبل أبو جعفر (عليه السلام) يستفتيهم الأحاديث و أقبلوا لا يتكلّمون فلما رأى ذلك أبو جعفر (عليه السلام) قال لجارية له يقال لها سرحة: هاتى الخوان فلما جاءت به فوضعته، فقال أبو جعفر (عليه السلام): الحمد للّه الذي جعل لكل شيء. حدا ينتهى إليه حتى أن لهذا الخوان حدا ينتهى إليه فقال ابن ذر: ما حده؟ قال: إذا وضع ذكر اللّه، و اذا رفع حمد اللّه، قال: ثم أكلوا ثم قال: ابو جعفر (عليه السلام): اسقينى فجاءته بكوز من أدم، فلمّا صار فى يده، قال: الحمد للّه الذي جعل لكلّ 136 شيء حدا ينتهى إليه حتى أن لهذا الكوز حدا ينتهى إليه، فقال ابن ذر: و ما حدّه؟ قال: يذكر اسم اللّه عليه، إذا شرب و يحمد اللّه إذا فرغ، و لا يشرب من عند عروته، و لا من كسران كان فيه، قال: فلمّا فرغوا، أقبل عليهم يستفتيهم الأحاديث، فلا يتكلّمون فلما رأى ذلك أبو جعفر (عليه السلام) قال: يا ابن ذر أ لا تحدثنا ببعض ما سقط إليكم من حديثنا قال: بلى يا ابن رسول اللّه قال: انى تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الآخر، كتاب اللّه و أهل بيتى أن تمسكتم بهما لن تضلوا. فقال أبو جعفر يا ابن ذر فاذا لقيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: ما خلفتنى فى الثقلين فما ذا تقول له. قال: فبكى ابن ذر حتى رأيت دموعه تسيل على لحيته، ثم قال: أما الأكبر فمزقناه و أما الأصغر، فقتلناه، فقال أبو جعفر (عليه السلام) إذن تصدقه يا ابن ذرّ، لا و اللّه لا تزول قدم يوم القيامة، حتّى تسأل عن ثلاثة عن عمره، فيما أفناه و عن ماله من أين اكتسبه، و فيما أنفقه، و عن حبّنا أهل البيت قال: فقاموا و خرجوا. فقال أبو جعفر (عليه السلام) لمولى له: أتبعهم، فانظر ما يقولون. قال: فتبعهم ثم رجع فقال: جعلت فداك قد سمعتهم يقولون لابن ذرّ: على هذا خرجنا معك؟ فقال: ويلكم اسكتوا ما أقول إنّ رجلا يزعم أن اللّه يسألنى عن ولايته و كيف اسأل رجلا يعلم حدّ الخوان و حد الكوز؟ [1] . 30- باب ما روى عنه (عليه السلام) فى المهاجرين و الانصار
مسند الإمام الباقر — الاصحاب — الإمام الباقر عليه السلام
عنه عن أبى على الأشعرى، عن محمّد بن عبد الجبار، عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، عن أبى بصير، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال
: نزل القرآن، أربعة أرباع، ربع فينا، و ربع فى عدوّنا، و ربع سنن و أمثال، و ربع فرائض و أحكام [2] . 5- باب العمل بما وافق كتاب اللّه
مسند الإمام الباقر — تفسير القرآن — الإمام الباقر عليه السلام
عنه عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن إسماعيل بن 407 مهران، عن عبيس بن هشام، عمّن ذكره عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال
قرّاء القرآن ثلاثة، رجل قرأ القرآن فاتّخذه بضاعة و استدرّ به الملوك، و استطال به على الناس و رجل قرأ القرآن فحفظ حروفه و ضيّع حدوده، و أقامه إقامة القدح فلا كثّر اللّه هؤلاء من حملة القرآن. رجل قرأ القرآن فوضع دواء القرآن على داء قلبه، فأسهر به ليله و أظمأ به نهاره، و قام به فى مساجده، و تجافى به عن فراشه فبأولئك يدفع اللّه العزيز الجبّار، البلاء و بأولئك يديل اللّه عز و جلّ من الأعداء، و بأولئك ينزل اللّه عزّ و جلّ الغيث من السماء فو اللّه لهؤلاء فى قراء القرآن أعزّ من الكبريت الأحمر [1] . 9- باب ثواب قراءة القرآن
مسند الإمام الباقر — تفسير القرآن — الإمام الباقر عليه السلام
عنه عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن ابن محبوب، عن عمر بن يزيد، و غيره، عن بعضهم عن أبى عبد اللّه (عليه السلام)، و بعضهم عن أبى جعفر (عليه السلام)، فى قول اللّه
عز و جل: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ هُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ» فقال ان هؤلاء أهل مدينة من مدائن الشام، و كانوا سبعين ألف بيت و كان الطاعون يقع فيهم، فى كل أوان فكانوا إذا أحسّوا به خرج من المدينة الاغنياء لقوّتهم و بقى فيها الفقراء لضعفهم. فكان الموت يكثر فى الذين اقاموا و يقل فى الذين خرجوا فيقول الذين خرجوا لو كنّا أقمنا لكثر فينا الموت، و يقول الذين أقاموا لو كنّا خرجنا لقلّ فينا الموت، قال فاجتمع رأيهم جميعا أنّه إذا وقع الطاعون فيهم و أحسّوا به، خرجوا كلّهم من المدينة، فلمّا أحسّوا بالطاعون، خرجوا جميعا، و تنحّوا عن الطاعون حذر الموت فساروا فى البلاد ما شاء اللّه ثم إنهم مرّوا بمدينة خربة قد جلا أهلها عنها و أفناهم الطاعون فنزلوا بها. فلمّا حطّوا رحالهم، و اطمأنوا بها، قال لهم اللّه عزّ و جلّ: موتوا جميعا فماتوا من ساعتهم و صاروا رميما يلوح و كانوا على طريق المارة. فكنستهم المارة فنحوهم، و جمعوهم فى موضع، فمرّ بهم نبىّ من أنبياء بنى اسرائيل يقال له حزقيل فلمّا رأى تلك العظام، بكى و استعبروا قال يا ربّ لو شئت لأحييتهم الساعة كما أمتهم فعمروا بلادك و ولدوا عبادك، و عبدوك مع من يعبدك من خلقك فاوحى اللّه تعالى إليه. أ فتحبّ ذلك قال: نعم يا ربّ فأحيهم. قال فاوحى اللّه عزّ و جلّ إليه أن قل كذا و كذا، فقال الذي أمره اللّه عزّ و جلّ 429 أن يقوله، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) و هو الاسم الأعظم، فلمّا قال حزقيل ذلك الكلام، نظر إلى العظام، يطير بعضها إلى بعض، فعادوا الحياة ينظر بعضهم إلى بعض، يسبّحون اللّه عزّ ذكره، و يكبّرونه و يهلّلونه فقال حزقيل عند ذلك أشهد أن اللّه على كلّ شيء قدير، قال عمر بن يزيد فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) فيهم نزلت هذا الآية [1].
مسند الإمام الباقر — تفسير القرآن — الإمام الصادق عليه السلام
عنه باسناده عن أبى بصير، عن أبى جعفر (عليه السلام)، فى قول اللّه
«أَوْ يَعْفُوَا الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاحِ» قال: هو الأب و الأخ و الموصى إليه، و الذي يجوز أمره فى مال المرأة فيبتاع لها و يشترى فأىّ هؤلاء عفا فقد جاز [4].
مسند الإمام الباقر — تفسير القرآن — الإمام الباقر عليه السلام
عن أبى حمزة عنه عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال
: لما قضى محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) نبوته، و استكملت أيامه أوحى اللّه: يا محمّد قد قضيت نبوتك و استكملت أيامك، فاجعل العلم الذي عندك من الإيمان و الاسم الأكبر، و ميراث العلم، و آثار علم النبوة، فى العقب فى ذريتك، فانّى لم أقطع العلم و الإيمان و الاسم الأكبر و ميراث العلم، و آثار علم النبوة، من العقب من ذرّيتك كما لم أقطعها من بيوتات الأنبياء الّذين كانوا بينك و بين أبيك آدم. ذلك قول اللّه: «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» و إنّ اللّه جل و تعالى لم يجعل العلم جهلا و لم يكل أمره إلى أحد من خلقه، لا إلى ملك مقرب، و لا إلى نبىّ مرسل و لكنّه أرسل رسلا، من ملائكته، فقال له كذا و كذا، فأمرهم بما يحبّ و نهاهم عما يكره، فقصّ عليه أمر خلقه بعلمه، فعلم ذلك العلم و علّم أنبياءه و اصفياءه من الأنبياء و الأعوان و الذرّية التي بعضها من بعض فذلك قوله: «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» فأما الكتاب فهو النّبوة و أمّا الحكمة، فهم الحكماء من الأنبياء فى الصفوة، و أما الملك العظيم، فهم 488 الائمة الهداة فى الصفوة، و كلّ هؤلاء من الذّرية التي بعضها من بعض التي جعل فيهم البقية، و فيهم العاقبة، و حفظ الميثاق حتى ينقضى الدنيا و للعلماء و بولاة الأمر الاستنباط للعلم و الهداية [1].
مسند الإمام الباقر — تفسير القرآن — الإمام الباقر عليه السلام
الصفار حدثنا يعقوب بن يزيد، عن محمّد بن أبى عمير، عن ابن أذينة، عن بريد العجلى، عن أبى جعفر (عليه السلام) فى قول اللّه
تبارك و تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ» فلان و فلان و «يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا» و يقولون لأئمة الضلال و الدعاة إلى النار: هؤلاء أهدى من آل محمّد و أوليائهم سبيلا «أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ 510 مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ (يعنى الإمام و الخلافة) فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً» عن الناس الذين عنى اللّه [1].
مسند الإمام الباقر — تفسير القرآن — الإمام الباقر عليه السلام
عنه باسناده عن أبى بصير قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه
و «يوم نأتى مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ. وَ جِئْنا بِكَ عَلى هؤُلاءِ شَهِيداً» قال: يأتى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) 520 يوم القيمة من كلّ أمة شهيد بوصى نبيها و أوتى بك يا علىّ شهيدا على امتى يوم القيمة [1].
مسند الإمام الباقر — تفسير القرآن — الإمام الباقر عليه السلام
عنه باسناده عن جابر عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال
: أما قوله: «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ» يعنى أنه لا يغفر لمن يكفر بولاية علىّ و أما قوله «وَ يَغْفِرُ 522 ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ» يعنى لمن و الى عليا (عليه السلام) [1].
مسند الإمام الباقر — تفسير القرآن — الإمام الباقر عليه السلام
عنه باسناده عن بريد بن معاوية، قال: كنت عند أبى جعفر (عليه السلام) فسألته عن قول اللّه
«أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» قال: فكان جوابه أن قال: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَ الطَّاغُوتِ» فلان و فلان «وَ يَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هؤُلاءِ أَهْدى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا» و يقول الائمة الضالة و الدعاة إلى النار هؤلاء أهدى من آل محمّد و أوليائهم سبيلا «أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَ مَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ» يعنى الامامة و الخلافة «فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً» نحن الناس الذين عنى اللّه. النقير: النقطة التي رأيت فى وسط النواة «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» فنحن المحسودون على ما آتانا اللّه من الإمامة، دون خلق اللّه جميعا «فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» يقول فجعلنا منهم الرسل و الأنبياء و الائمة فكيف يقرون بذلك فى آل ابراهيم و تنكرون فى آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) «فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَ مِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَ كَفى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً الى قوله وَ نُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا» قال قلت قوله فى آل ابراهيم: (وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) ما الملك العظيم، قال أن جعل منهم أئمة من أطاعهم أطاع اللّه و من عصاهم عصى اللّه فهو الملك العظيم. قال ثم قال: إن اللّه يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها الى سميعا بصيرا» قال ايانا عنى أن يؤدى الأول منا إلى الامام الذي بعده الكتب و العلم و السلاح «وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ» الذي فى أيديكم ثم قال الناس «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» فجمع المؤمنين الى يوم القيامة «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي 523 الْأَمْرِ مِنْكُمْ» إيانا عنى خاصّة «فان خفتم تنازعا فى الامر، فارجعوا إلى اللّه و إلى الرسول و أولى الامر منكم هكذا نزلت و كيف يأمرهم بطاعة أولى الامر و يرخص لهم فى منازعتهم إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» [1].
مسند الإمام الباقر — تفسير القرآن — الإمام الباقر عليه السلام
عنه باسناده عن عامر بن الاحوص، قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن السائبة، فقال
أنظر فى القرآن فما كان فيه فتحرير رقبة، فتلك يا عامر السائبة التي لا ولاء لأحد من الناس عليه إلّا اللّه، و ما كان ولاءه للّه فلله، و ما كان ولاءه لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فانّ ولاءه للامام و جنايته على الإمام و ميراثه له [6]. 528
مسند الإمام الباقر — تفسير القرآن — الإمام الباقر عليه السلام
عنه باسناده عن ابى الجارود عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال
لمّا أنزل اللّه على نبيّه «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ» قال فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بيد علىّ فقال: يا أيها النّاس إنّه لم يكن نبىّ من الأنبياء ممن كان قبلى إلّا و قد عمّر، ثم دعاه اللّه فأجابه و اوشك ان ادعى فأجيب و أنا مسئول و أنتم مسئولون فما أنتم قائلون. قالوا نشهد أنك قد بلّغت و نصحت و أدّيت ما عليك، فجزاك اللّه أفضل ما جزى المرسلين، فقال: اللّهم اشهد ثمّ قال: يا معشر المسلمين ليبلغ الشاهد الغائب أوصى من آمن بى و صدّقنى بولاية علىّ إلّا أن ولاية علىّ ولايتي و ولايتي، ولاية ربّى، و لا يدرى عهدا عهده الىّ ربى، و أمرنى أن أبلّغكموه، ثم قال هل سمعتم ثلث 31 مرّات يقولها فقال قائل قد سمعنا يا رسول اللّه [1].
مسند الإمام الباقر — الإمام الباقر عليه السلام
عنه باسناده عن جابر عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال
سألته عن هذه الآية «وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» قال الذين يدعون من دون اللّه الأول و الثانى و الثالث كذبوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بقوله: و والوا عليا و اتبعوه فعادوا عليا و لم يوالوه و دعوا الناس إلى ولاية أنفسهم فذلك قول اللّه: «وَ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ». قال: و أما قوله: (لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً) فانه يعنى (لا يعبدون شيئا وَ هُمْ يُخْلَقُونَ) فانه يعنى و هم يعبدون، و أمّا قوله «أَمْواتٌ غَيْرُ أَحْياءٍ» يعنى كفارا غير مؤمنين، و أمّا قوله: «وَ ما يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ» فانه يعنى أنهم لا يؤمنون أنهم يشركون إلهكم 174 إله واحد فانه كما قال اللّه، و أمّا قوله «فَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ» فإنه يعنى لا يؤمنون بالرجعة أنّها حقّ. أمّا قوله: «قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ» فإنه يعنى قلوبهم كافرة و أمّا قوله: «وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ» فإنه يعنى عن ولاية علىّ مستكبرون، قال اللّه لمن فعل ذلك وعيدا منه (لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ» عن ولاية علىّ (عليه السلام)) [1].
مسند الإمام الباقر — الإمام الباقر عليه السلام
عنه باسناده عن جابر عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال
: سألته عن تفسير هذه الآية فى قول اللّه «وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَ لا تُخافِتْ بِها وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا» قال: لا تجهر بولاية على فهو الصلاة، و لا بما اكرمته به حتى آمرك به، و ذلك قوله: «وَ لا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ». أما قوله: «وَ لا تُخافِتْ بِها» فإنه يقول و لا تكتم ذلك عليا، يقول أعلمه ما أكرمته به، فأما قوله: «وَ ابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا» يقول تسألنى أن أذن ذلك ان تجهر بأمر علىّ بولايته، فاذن له باظهار ذلك يوم غدير خم فهو قوله يومئذ: «اللهم من 193 كنت مولاه فعلى مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه» [1].
مسند الإمام الباقر — الإمام الباقر عليه السلام
المفيد قال: روى عن جابر الجعفى قال: كنت ليلة من بعض اللّيالى عند أبى جعفر (عليه السلام)، فقرأت هذه الآية «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ 317 الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» قال: فقال (عليه السلام): مه يا جابر كيف قرأت؟ قال: قلت: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» قال: هذا تحريف يا جابر قال: قلت: فكيف أقرأ- جعلنى اللّه فداك-؟ قال: فقال: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فامضوا إلى ذكر اللّه» هكذا نزلت يا جابر لو كان سعيا لكان عدوا لما كرهه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لقد كان يكره أن يعدو الرّجل إلى الصلاة. يا جابر لم سمّيت يوم الجمعة جمعة؟ قال: قلت: تخبرنى جعلنى اللّه فداك، قال: أ فلا أخبرك بتأويله الأعظم؟ قال قلت: بلى جعلنى اللّه فداك، قال: فقال: يا جابر سمّى اللّه الجمعة جمعة لأنّ اللّه عزّ و جلّ جمع فى ذلك اليوم الأوّلين و الآخرين، و جميع ما خلق اللّه من الجنّ و الإنس، و كلّ شيء خلق ربّنا و السماوات و الأرضين و البحار و الجنّة و النار، و كلّ شيء خلق اللّه فى الميثاق فأخذ الميثاق منهم له بالرّبوبيّة و لمحمّد (صلّى اللّه عليه و آله) بالنّبوّة و لعلىّ (عليه السلام) بالولاية و فى ذلك اليوم قال اللّه للسماوات و الأرض: «ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ» فسمّى اللّه ذلك اليوم الجمعة لجمعه فيه الأوّلين و الآخرين. ثم قال عزّ و جلّ: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» من يومكم هذا الّذي جمعكم فيه و الصلاة أمير المؤمنين (عليه السلام) يعنى بالصلاة الولاية و هى الولاية الكبرى، ففى ذلك اليوم أتت الرّسل و الأنبياء و الملائكة و كلّ شيء خلق اللّه و الثقلان الجنّ و الإنس و السماوات و الأرضون و المؤمنون بالتلبية للّه عزّ و جلّ «فامضوا إلى ذكر اللّه» و ذكر اللّه أمير المؤمنين «وَ ذَرُوا الْبَيْعَ» يعنى الأوّل «ذلكم» يعنى بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) و ولايته «خَيْرٌ لَكُمْ» من بيعة الأوّل و ولايته «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» «فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ» يعنى بيعة أمير المؤمنين «فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ» يعنى بالأرض: الأوصياء أمر اللّه بطاعتهم و ولايتهم كما أمر بطاعة الرّسول و طاعة 318 أمير المؤمنين (عليه السلام) كنى اللّه فى ذلك عن أسمائهم بالأرض فسمّاهم «و ابتغوا فضل اللّه». قال جابر: «وَ ابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ» قال: تحريف هكذا أنزلت و ابتغوا فضل اللّه على الأوصياء «وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» ثمّ خاطب اللّه عزّ و جلّ فى ذلك الموقف محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا محمّد «إِذا رَأَوْا» الشكّاك و الجاحدين «تجارة» يعنى الأوّل «أَوْ لَهْواً» يعنى الثانى انصرفوا إليها قال: قلت: «انْفَضُّوا إِلَيْها» قال: تحريف هكذا نزلت «وَ تَرَكُوكَ» (مع علىّ) قائما قل يا محمّد «ما عِنْدَ اللَّهِ» من ولاية علىّ و الأوصياء «خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجارَةِ» يعنى بيعة الأوّل و الثّانى للّذين اتّقوا قال: قلت: ليس فيها للّذين اتّقوا قال: فقال: بلى هكذا نزلت الآية و انتم هم الّذين اتّقوا «وَ اللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» [1] . 6- عنه قال: روى، عن جابر بن يزيد، عن أبى جعفر (عليه السلام) أنّه سئل، عن يوم الجمعة و ليلتها فقال: ليلتها غرّاء و يومها أزهر و ليس على الأرض يوم تغرب فيه الشمس أكثر معتقا من النّار من يوم الجمعة، فمن مات يوم الجمعة عارفا بحقّ أهل البيت كتب له براءة من النّار، و براءة من عذاب القبر و من مات ليلة الجمعة أعتق من النار [2] . 7- الطوسى باسناده، عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمّد عن المفضل بن صالح عن جابر بن يزيد عن أبى جعفر (عليه السلام) قال قلت له قول اللّه عز و جلّ: (فَاسْعَوْا إِلى ذِكْرِ اللَّهِ» قال قال: اعلموا و عجّلوا فانه يوم مضيق على المسلمين فيه و ثواب أعمال المسلمين فيه على قدر ما ضيق عليهم و الحسنة و السيئة تضاعف فيه قال و قال أبو جعفر (عليه السلام): و اللّه لقد بلغنى أنّ أصحاب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كانوا يتجهزون للجمعة 319 يوم الخميس لأنه يوم مضيق على المسلمين [1] . 58- من سورة المنافقون
مسند الإمام الباقر — الإمام الباقر عليه السلام
أبو حنيفة المغربى قد روينا عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال
قال أبى (رضوان الله عليه) يوما لجابر بن عبد اللّه الأنصاري: يا جابر، هل فرض اللّه الزكاة على مشرك؟ قال: لا إنما فرضها على المسلمين، قلت أنا له: فأين أنت من قول اللّه عز و جل: «وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ. الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ» قال جابر: كأنّى و اللّه ما قرأتها، و إنّها لفى كتاب اللّه عز و جل، قال أبو عبد اللّه: فنزلت فيمن أشرك بولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) أعطى زكاته من نصب نفسه دونه. و الكلام فى مثل هذا يطول. قول الجماعة إنّ الإيمان قول و عمل بغير اعتقاد نيّة محال، لأنّهم قد أجمعوا على أنّ رجلا لو أمسك عن الطعام و الشراب يومه إلى اللّيل و هو لا ينوى الصوم لم يكن صائما، و لو قام و ركع و سجد و هو لا ينوى الصلاة لم يكن مصليا، و لو وقف 21 بعرفة و هو لا ينوى الحجّ لم يكن حاجّا، و لو تصدّق بماله كلّه و هو لا ينوى به الزكاة لم يجزه من الزكاة، و كذلك قالوا فى عامة الفرائض، فثبت أن ما قال الإمام (عليه السلام) من أنّ الإيمان قول و عمل و نيّة هو الثابت الذي لا يجزى غيره [1] . 2- قال: فقوله عز و جل: «وَ قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَ رَسُولُهُ وَ الْمُؤْمِنُونَ» قال: إيّانا عنى بقوله، قال: فقوله: «وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً» قال: نحن الأمّة الوسط و نحن شهداء اللّه على خلقه و حججه فى أرضه، قال: فقوله فى آل ابراهيم: «وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» قال: الملك العظيم أن جعل اللّه فيهم أئمة من أطاعهم أطاع اللّه و من عصاهم عصى اللّه. فهذا الملك العظيم، فكيف يقرّون به فى آل ابراهيم و ينكرونه فى آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) قال: فقوله: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ» إلى آخر السورة، قال: إيّانا عنى بذلك، نحن المجتبون بملة أبينا إبراهيم و اللّه سمانا المسلمين من قبل فى الكتب و فى هذا القرآن ليكون الرسول شهيدا عليكم. فرسول اللّه الشهيد، علينا بما بلّغنا عن اللّه و نحن الشهداء على الناس، فمن صدق يوم القيامة صدّقناه، و من كذب كذّبناه، قال: فقوله: «بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ» قال: إيّانا عنى بهذا و نحن الذين أوتينا العلم، قال: فقوله: «قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ مَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ» قال: إيّانا عنى، و علىّ أوّلنا و أفضلنا و خيرنا بعد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: فقوله: «وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ» 22 قال: إيّانا عنى، نحن أهل الذكر و نحن المسئولون، قال: فقوله: «إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ» قال: المنذر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و فى كل زمان إمام منّا يهديهم إلى ما جاء به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فأوّل الهداة بعده علىّ بن أبي طالب (عليه السلام) ثم الأوصياء من بعده، عليهم أفضل السلام، واحدا بعد واحد، قال: فقوله «وَ ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» قال: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أفضل الراسخين فى العلم، قد علمه اللّه جميع ما أنزل عليه من التنزيل و التأويل، و ما كان ينزل عليه شيء إلّا يعلم تأويله. ثم الأوصياء من بعده الراسخون فى العلم يعلمون تأويله كلّه، قال: فقوله: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ وَ مِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَ مِنْهُمْ سابِقٌ بِالْخَيْراتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ» قال: إيّانا عنى بهذا، و السابق منا الإمام، و المقتصد العارف بحقّ الامام، و الظالم لنفسه الشاكّ الواقف منّا. و العامّة تزعم أنّها هى التي عنى اللّه عزّ و جلّ بقوله: «ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا» و لو كان كما زعموا لكانوا كلّهم مصطفين و لكانوا كلهم فى الجنّة، كما قال اللّه عز و جل. جنّات عدن يدخلونها، و كذلك قالوا فى تأويل الآية التي بدأنا بذكرها فى أول الباب قولين، قال بعضهم، أولو الأمر الذين أمر اللّه عز و جل بطاعتهم هم أمراء السرايا، و قال آخرون: هم أهل العلم، يعنون أصحاب الفتيا منهم. و كلا هذين القولين يفسد على التحصيل، أما قول من زعم أنّهم أمراء السّرايا فقد جعل لهم بذلك الفضل على ائمّتهم الذين أخرجوهم فى تلك السرايا و أوجب طاعتهم لهم و أوجب لهم طاعة جميع المؤمنين. لأنّ قول اللّه عز و جل: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»، يدخل فيه كلّ مؤمن و لا يجب أن يستثنى من ذلك مؤمن دون مؤمن إلا بحجّة من الكتاب أو بيان من الرّسول الذي أمر بالبيان و لن يجدوا ذلك و هم لا يوجبون طاعة صاحب السّرية على غير 23 من كان معه، فبطل ما ادّعوه لهم على ألسنتهم، و أمّا قول من قال إنهم العلماء، و عنى علماء العامّة، و هم مختلفون، و فى طاعة بعضهم عصيان بعض. إذا أطاع المؤمن أحدهم عصى الآخر، و اللّه عز و جل لا يأمر بطاعة قوم مختلفين، لا يعلم المأمور بطاعتهم من يطيعه منهم، و هذا قول بيّن الفساد يغنى ظاهر فساده عن الاحتجاج على قائله. و أحقّ بهذا الاسم و من قيل لهم أولو الأمر، الأئمة الذين الأمر كلّه لهم، و هم ولاته، و هذا بين لمن تدبره، و لا يقرن اللّه عز و جل بطاعته و طاعة رسوله طاعة من لا يجوز أمره فى كلّ ما يجوز و ينفذ فيه أمر اللّه عز و جل و أمر رسوله عن إقامة أحكام اللّه عز و جل فى أرضه. فيؤمر الخلق بالسمع و الطاعة لهم، و قول من قال من العامّة إنهم أمراء السرايا و إنّهم العلماء يرجع إلى قولنا هذا، لأنّ أمراء السرايا مأمورون بطاعة الأئمّة و هم أمروهم و بتأميرهم استحقّوا طاعة من قدّموا عليه، و قول من قال هم العلماء، فالأئمة هم العلماء بالحقيقة، و العلماء دون الأئمة بالحقيقة أعلى العلماء فى العلم منزلة و أجلّهم علما [1] . 3- عنه باسناده عن أبى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) أنه قال فى قول اللّه عزّ و جلّ «الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ» قال: هذه الفريضة، من صلّاها لوقتها عارفا بحقّها لا يؤثر عليها غيرها، كتب اللّه له براءة لا يعذّبه، و من صلّاها لغير وقتها، غير عارف بحقها مؤثرا عليها غيرها، كان ذلك إليه عز و جلّ، فإن شاء غفر له و إن شاء عذّبه [2] . 4- عنه باسناده قال: روينا عن أبى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) أنه قال: العزائم من سجود القرآن أربع، فى الم تنزيل السجدة، و فى حم السجدة، و فى النجم، 24 و فى اقرأ باسم ربك: «كَلَّا لا تُطِعْهُ وَ اسْجُدْ وَ اقْتَرِبْ» قال: فهذه العزائم لا بدّ من السجود فيها، و أنت فى غيرها بالخيار، إن شئت فاسجد و إن شئت فلا تسجد، قال: و كان على بن الحسين (عليهما السلام) يعجبه أن يسجد فيهن كلهنّ [1] . 5- عنه باسناده عن أبى جعفر محمد بن علىّ (عليهما السلام) أنه قال: فى قول اللّه عز و جل: «وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ» قال: قوم يتألفون على الإسلام من رؤساء القبائل كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعطيهم ليتألفهم، و يكون ذلك فى كلّ زمان، إذا احتاج إلى ذلك الإمام [2] . 6- عنه باسناده عن أبى جعفر محمد بن على (عليهما السلام) أنه قال: فى قول اللّه تعالى: «رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوالِفِ»* قال: مع النساء [3] . 7- عنه باسناده (عليه السلام) عن أبى جعفر أنه قال فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ إلى قوله: وَ أَبْكاراً» فقال (عليه السلام) كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) قد خلا بمارية القبطيّة قبل أن تلد إبراهيم، فاطّلعت عليه عائشة. فأمرها أن تكتم ذلك و حرّمها على نفسه، فحدّثت عائشة بذلك حفصة. فأنزل اللّه عز و جل: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ، وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمانِكُمْ إلى قوله: وَ أَبْكاراً» [4] . 25 5- باب الدّعاء
مسند الإمام الباقر — الإمام الصادق عليه السلام
عنه حدّثنا مخلد بن جعفر الدمشقى، ثنا الحسن بن أبى الاحوص، ثنا أحمد بن يونس ثنا أبو شهاب، عن ليث، عن الحكم، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال
«الذين يخوضون فى آيات اللّه» هم أصحاب الخصومات [1] . 11- عنه حدثنا أبو حامد بن جبلة، ثنا محمّد بن اسحاق السّراج ثنا أبو همام، ثنا عيسى بن يونس ثنا عبد الملك بن أبى سليمان، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن على، عن قوله عز و جلّ: «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ» قال: أصحاب محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) قلت: يقولون هو على؟ قال: علىّ منهم [2]. قال العطاردى: يأتى فى باب تفسير القرآن عن الباقر (عليه السلام) أن الآية نزلت فى على (عليه السلام) خاصة . 12- عنه حدّثنا على بن أحمد بن على المصيصى، ثنا أحمد بن خليد الحامى ثنا أبو نعيم ثنا بسام الصيرفى، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن على بن الحسين (عليهم السلام) عن القرآن فقال: كلام اللّه عز و جلّ غير مخلوق [3] . 13- عنه حدثنا أبو القاسم حدّثنا محمّد بن أحمد بن حمدان، ثنا الحسن بن سفيان ثنا سويه بن سعيد، ثنا المفضل بن عبد اللّه عن جابر، عن أبى جعفر محمّد بن على (عليهما السلام) عن جابر بن عبد اللّه رضى اللّه تعالى عنه قال سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يقول: ابن آدم لفى غفلة ممّا خلقه اللّه عزّ و جلّ له إن اللّه لا إله إلّا هو إذا اراد خلقه. قال للملك: اكتب له رزقه أثره و أجله و أكتب شقيا أو سعيدا ثم يرفع ذلك الملك و يبعث إليه ملكين يكتبان حسناته و سيئاته. 147 فاذا جاء الموت ارتفع ذلك الملكان ثم جاء ملك الموت فيقبض روحه فاذا دخل حفرته رد اروح فى جسده ثم يرتفع ملك الموت ثم جاء ملكا القبر فامتحناه، ثم يرتفعان، فاذا قامت الساعة انحط ملك الحسنات و ملك السيئات فأنشطا كتابا معقودا فى عنقه ثم حضرا معه واحد سائق و الآخر شهيد ثم قال اللّه تعالى: «لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هذا فَكَشَفْنا عَنْكَ غِطاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ» و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قول اللّه عز و جلّ: «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ» قال: حال بعد حال، ثم قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): انّ قدامكم أمرا عظيما فاستعينوا باللّه العظيم [1] . 14- عنه حدّثنا سليمان بن أحمد، ثنا أحمد بن على الأبار، ثنا أمية بن بسطام، ثنا يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قرأ: (و اتّخذوا من مقام ابراهيم مصلّى) [2] . 15- حدث أبو على أحمد بن محمّد بن ابراهيم الوراق، ثنا محمّد بن يحيى بن مندة ثنا عمرو بن يعقوب، ثنا أبى عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، و عن أبان عن أنس قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) من قرأ قل هو اللّه أحد مائة مرّة لم يمت حتّى تبشره الملائكة بالجنة فى قصّة طويلة منكرة حدثنا عنه من لا أحبّ ذكره [3] . 16- الحاكم أبو عبد اللّه حدّثنا أحمد بن سهل بن حمدويه الفقيه، ببخارى ثنا قيس بن أنيف ثنا قتيبة بن سعيد، ثنا حاتم بن إسماعيل، عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر رضى اللّه عنه قال أمر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بزكاة الفطر بصاع من تمر فجاء رجل بتمر روي فقال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لعبد اللّه بن رواحة لا تخرص هذا التمر فنزل 148 القرآن: «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَ مِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ هذا حديث صحيح على شرط مسلم و لم يخرجاه [1] . 17- عنه حدّثنى أبو الطيب طاهر بن يحيى البيهقي، بها من اصل كتاب خاله ثنا خالى الفضل بن محمّد البيهقي، ثنا عبد اللّه بن صالح، حدثني الليث، حدثني خالد ابن يزيد عن سعيد بن أبى هلال قال سمعت أبا جعفر محمّد بن على بن الحسين (عليهم السلام) و تلا هذه الآية «وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، فقال حدثني جابر بن عبد اللّه، قال خرج علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يوما فقال انى رأيت فى المنام كأن جبريل عند رأس و ميكائيل عند رجلى، يقول أحدهما لصاحبه اضرب له مثلا. فقال اسمع سمعة اذنك و اعقل عقل قلبك انما مثلك و مثل امتك كمثل ملك اتّخذ دار اثم بنى فيها بيتا ثم جعل فيها مأدبة ثم بعث رسولا يدعوا الناس إلى طعامهم فمنهم من أجاب الرسول منهم من ترك فاللّه هو الملك دار الاسلام و البيت الجنة و أنت يا محمّد الرسول من أجابك دخل الاسلام و من دخل الاسلام دخل الجنة و من دخل الجنّة أكل منها هذا حديث صحيح الاسناد و لم يخرجاه [2] . 18- عنه حدثنا أبو بكر محمّد بن جعفر بن أحمد بن موسى المزكى ثنا محمّد ابن ابراهيم العبدى، ثنا يعقوب بن لعب الحلبىّ ثنا الوليد بن مسلم، عن زهير بن محمّد العنبرى عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر بن عبد اللّه رضى اللّه عنه أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) تلا قول اللّه عز و جلّ «وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى» فقال (صلّى اللّه عليه و آله) ان شفاعتى لأهل الكبائر من أمتى هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم 149 يخرجاه [1] . 19- عنه حدثنا على بن عبد الرحمن السبيعى بالكوفة ثنا الحسين بن الحكم الحيرى، ثنا الحسن بن الحسين العرنى، ثنا عمرو بن ثابت أبى المقدام عن محمّد بن مروان عن أبى جعفر محمّد بن على (عليهما السلام) قال: من وجد فى قلبه قسوة فليكتب «يس و القرآن فى جام بزعفران ثم يشربه [2] . 20- عنه حدثني أبو الحسن أحمد بن الخضر الشافعى ثنا أبو اسحاق ابراهيم ابن اسحاق العقيلى، ثنا عبيد اللّه بن سعد ابن ابراهيم الزهرى ثنا عمّى حدثني ابى عن سفيان الثورى، عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر رضى اللّه عنه أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) تلا قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ، ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ألهم إسماعيل هذا اللسان الهاما، هذا حديث صحيح الاسناد و لم يخرجاه [3] . 21- قال اليعقوبى: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عز و جل: «وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، قال: قولوا لهم أحسن ما تحبّون أن يقال لكم، ثم قال: ان اللّه عز و جلّ ببغض اللعان السّباب الطعان النحاش المتفحش السائل الملحف و يحب الحيي الحليم العفيف المتعقف [4] . 22- روى ابن عساكر باسناده عن جابر عن أبى جعفر فى قوله تعالى: «يا أيها الذين آمنوا اتّقوا اللّه و كونوا مع الصادقين قال: على بن أبى طالب (عليه السلام) [5] . 23- ابن المغازلى أخبرنا أبو الحسن على بن الحسين بن الطّيب الواسطى، إذنا حدثنا أبو القاسم الصّفار، حدّثنا عمر بن أحمد بن هارون حدثنا أحمد بن محمّد بن 150 سعيد الكوفى حدثنا يعقوب بن يوسف، حدّثنا أبو غسّان، حدّثنا مسعود بن سعد عن جابر عن أبى جعفر يعنى محمّد بن على الباقر (عليه السلام) فى قوله تعالى: «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ» قال: نحن النّاس [1] . 24- عنه أخبرنا الحسن بن أحمد بن موسى الغندجاني، حدثنا هلال ابن محمّد الحفّار حدّثنا إسماعيل بن على حدّثنا أبى علىّ حدثنا على بن موسى الرّضا حدّثنا أبى موسى حدثنا أبى جعفر حدّثنا أبى محمّد بن على الباقر عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إنّى لأدناهم فى حجّة الوداع بمنى حتّى قال: لا ألفينكم ترجعون بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض و أيم اللّه إن فعلتموها لتعرّفنى فى الكتيبة التي فضا ربكم ثمّ التفت إلى خلفه ثم قال: أو على أو على ثلاثا فرأينا أن جبريل غمزه و أنزل اللّه عزّ و جلّ على اثر ذلك: «فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ» بعلى بن أبى طالب أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْناهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ، مُقْتَدِرُونَ» ثمّ نزلت: «قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي ما يُوعَدُونَ رَبِّ فَلا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» ثمّ نزلت «فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» و إنّ عليا لعلم للسّاعة وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ» عن علىّ بن أبى طالب [2] . 25- عنه أخبرنا أحمد بن محمّد بن طاوان، إذنا أن أبا أحمد عمر ابن عبد اللّه ابن شوذب أخبرهم قال: حدّثنا محمّد بن جعفر بن محمّد العسكرى، حدّثنا محمّد بن عثمان، حدّثنا إبراهيم بن محمّد بن ميمون، حدّثنا على بن عابس قال: دخلت أنا و أبو مريم على عبد اللّه بن عطاء قال أبو مريم: حدّث حليا بالحديث الّذي حدثتنى عن أبى جعفر، قال: كنت عند أبى جعفر جالسا إذ مرّ عليه ابن عبد اللّه بن سلام 151 قلت: جعلنى اللّه فداك هذا ابن الّذي عنده علم من الكتاب قال: لا و لكنّه صاحبكم على بن أبى طالب الّذي نزلت فيه آيات من كتاب اللّه عزّ و جل «الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ» أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ» و إنّما و ليكن اللّه و رسوله الآية [1] . 26- الحافظ الحسكانى عن أبو نصر العياشى عن حمدويه عن محمّد بن الحسين بن الخطاب عن الحسن بن محبوب، عن أبى جعفر لأحول عن سلام ابن المستنير، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قوله: «وَ مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ» أنزلت فى على (عليه السلام) [2] . 27- عنه جماعة عن أبى جعفر منهم أبو النضر العياشى عن جعفر بن أحمد، قال: حدّثنى ابن شجاع، عن محمّد بن الحسين، عن ابن محبوب عن قريب عن أبى خالد الكابلى: عن أبى جعفر فى قول اللّه: «وَ آتَيْناهُمْ مُلْكاً عَظِيماً» قلت: ما هذا الملك؟ فقال: أن جعل فيهم أئمة من أطاعهم أطاع اللّه و من عصاهم فقد عصى اللّه فهذا ملك عظيم [2] . 28- عنه أبو النضر العيّاشى عن حمدان بن أحمد القلانسي عن محمّد ابن خالد الطيالسى، عن سيف بن عميرة، عن إسحاق بن عمار عن أبى بصير، عن أبى جعفر، أنه سأله عن قول اللّه: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ» قال: نزلت في علىّ بن أبى طالب قلت: إن الناس يقولون: فما منعه أن يسمّى عليا و أهل بيته فى كتابه؟ فقال أبو جعفر: قولوا لهم: إن اللّه أنزل على رسوله الصلاة و لم يسمّ ثلاثا و لا أربعا حتّى نان رسول اللّه هو الذي يفسّر ذلك، و أنزل الحجّ فلم ينزل 152 طريق استرعاه حتى فسر ذلك لهم رسول اللّه و انزل و أطيعوا الرسول و أولى الامر منكم» فنزلت فى عليّ و الحسن و الحسين، و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أوصيكم بكتاب اللّه و أهل بيتى إنى سألت اللّه أن لا يفرّق بينهما حتّى يوردهما علىّ الحوض فأعطانى ذلك [1] . 29- عنه أخبرنا عمرو بن محمّد بن أحمد العدل، بقراءتى عليه من أصل سماع شيخه زاهد بن أحمد، أخبرنا أبو بكر محمّد بن يحيى الصولي أخبرنا المغيرة ابن محمد، أخبرنا علي بن محمّد بن سليمان النوفلي قال: حدثني أبى قال: سمعت زياد بن المنذر يقول: كنت عند أبى جعفر محمّد بن علىّ (عليهما السلام) و هو يحدث الناس إذ قام إليه رجل من أهل البصرة يقال له: عثمان الأعشى- كان يروى عن الحسن البصري- فقال له: يا بن رسول اللّه جعلنى اللّه فداك إن الحسن يخبرنا ان هذه الآية نزلت بسبب رجل و لا يخبرنا من الرجل «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ». فقال: أو أراد ان يخبر به لأخبر به، و لكنه يخاف، إنّ جبرئيل هبط على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فقال له: إن اللّه يأمرك أن تدل أمتك على صلاتهم. فدلّهم عليها، ثم هبط فقال: إن اللّه يأمرك أن تدلّ أمتك على زكاتهم، فدلّهم عليها، ثم هبط فقال: إن اللّه يأمرك أن تدلّ أمتك على وليهم على مثل ما دللتهم عليه من صلاتهم و زكاتهم و صيامهم و حجهم ليلزمهم الحجة من جميع ذلك. فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): يا رب إن قومى قريبوا عهد بالجاهلية و فيهم تنافس و فخر، و ما منهم رجل إلا و قد وتره وليهم و إنى أخاف فأنزل اللّه تعالى: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ-، 153 يريد فما بلّغتها تامة- وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ» فلما ضمن اللّه له بالعصمة و خوفه؛ أخذ بيد علىّ بن أبى طالب ثم قال: يا أيها الناس من كنت مولاه فعلىّ مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره و أحبّ من أحبه و أبغض من أبغضه. قال زياد: فقال عثمان: ما انصرفت الى بلدى بشيء أحب إلىّ من هذا الحديث [1] . 30- عنه أخبرنا أبو الحسن الأصم الأهوازى أخبرنا أبو بكر محمّد بن عمر القاضى أخبرنا على بن عباس أخبرنا علىّ بن حفص ابن عمر القيسى عن محمّد بن الحسين بن زيد، عن أبيه، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السلام) فى قوله تعالى «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» قال: نزلت فى علىّ [2] . 31- عنه و قرأته على القيسى و القاسم بن عبد اللّه أنبأ الحسين ابن زيد عن أبيهما، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) فى قوله تعالى: «يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ» قال: نزلت فى علىّ [3] . 32- عنه قال حدثنا على بن العباس المقانعى، عن جعفر ابن محمّد بن الحسن، عن أحمد بن صبيح الأسدي عن مفضل بن صالح عن جابر: عن أبى جعفر (عليه السلام)- و هو الباقر- فى قوله: «وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» قال: مع آل محمّد (عليهم السلام)» [4] . 33- عنه، عن فرات: حدثني الحسين بن سعيد، قال: حدثني هبيرة بن الحرث بن عمرو العبسى حدثنا علي بن غراب، عن أبان بن تغلب: عن أبى جعفر 154 في قوله تعالى: «اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ» قال: مع على بن أبى طالب [1] . 34- عنه قال: قرأت فى التفسير العتيق الذي عندى: حدثنا محمّد بن سهل أبو عبد اللّه الكوفى، عن عثمان بن يزيد، عن جابر بن يزيد: عن أبى جعفر محمّد بن على (عليهما السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إنى سألت ربى مواخاة علىّ و مودّته، فأعطاني ذلك ربّى فقال رجل من قريش: و اللّه لصاع من تر أحبّ إلينا مما سأل محمّد ربه، أ فلا سأل ملكا يعضه أو ملكا يستعين به على عدّوه، فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فشقّ عليه ذلك فأنزل اللّه تعالى عليه: «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا: لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ، إِنَّما أَنْتَ نَذِيرٌ، وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ [2] . 35- عنه عن فرات بن إبراهيم عن الحسن بن على لؤلؤ عن محمّد بن مروان قال: حدثنا أبو حفص الأعشى، عن أبى الجارود، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): سألت ربى- مواخاة علىّ و موازرته و إخلاص قلبه و نصيحته فأعطاني. فقال رجل من أصحابه: يا عجبا بمحمد و اللّه لشنّة بالية فيها صاع من تمر أحبّ إلىّ عمّا سأل، أ لا سأل محمّد ربه ملكا يعينه او كنزا يتقوّى به على عدوّه، فبلغ ذلك النبي فضاق من ذلك صدره فأنزل اللّه: «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ» الآية، فكان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) سلاما بقلبه [3] . 36- عنه أبو القاسم عبد الرحمن بن محمّد الحسينىّ بن علي بن يزيد الجعفري قال: حدثني سعيد بن الحسن بن مالك عن بكار عن اسماعيل بن أميّة غورك عن عبد الحميد: عن أبى جعفر قال: لا نالتني شفاعة جدّي إن لم يكن هذه الآية نزلت فى 155 علىّ خاصة «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي، وَ سُبْحانَ اللَّهِ وَ ما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» لفظا واحدا [1] . 37- عنه، عن فرات عن اسماعيل بن إبراهيم، و محمّد بن الحسين بن الخطاب، عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر، عن ثعلبة بن ميمون، عن نجم عن أبى جعفر قال: سألته عن قول اللّه تعالى: «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَ مَنِ اتَّبَعَنِي» قال: «وَ مَنِ اتَّبَعَنِي» علي بن أبى طالب [2] . 38- عنه، عن فرات، قال: حدثني جعفر بن محمّد عن محمّد بن تسنيم الحجال، عن ثعلبة، عن عمر بن حمير: عن أبى جعفر قال: سألته عن قول اللّه: «قُلْ هذِهِ سَبِيلِي» قال «مَنِ اتَّبَعَنِي» على بن أبى طالب . 39- عنه فى العتيق: حدثنا أبو سعد المعادي حدثنا أبو الحسين الكهيلى حدّثنا أبو جعفر الحضرمى عن جندل بن والق عن إسماعيل بن أمية القرشي عن داود بن عبد الجبار- أظنه عن جابر: عن أبى جعفر قال: سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن قوله تعالى: «طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ» قال:/ هى/ شجرة فى الجنة أصلها فى دارى و فرعها على أهل الجنة. ثم سئل عنها مرة أخرى قال: طوبى شجرة فى الجنة أهلها فى دار علىّ و فرعها على أهل الجنة. فقيل له: سألناك عنها يا رسول اللّه فقلت: أصلها فى دارى ثم سألناك مرّة أخرى فقلت: شجرة فى الجنة أصلها فى دار علىّ و فرعها على أهل الجنة. فقال: أن دارى و دار على واحدة [3] . 40- عنه أخبرنا أبو عبد اللّه الشيرازى أخبرنا أبو بكر الجرجرائي أخبرنا أبو أحمد البصري، قال: حدثني المغيرة بن محمّد، قال: حدثني جابر بن سلمة، قال: 156 حدثني حسين بن حسن عن عامر السراج عن سلام الخثعمى قال: دخلت على ابى جعفر محمّد بن على (عليهما السلام) فقلت: يا بن رسول اللّه قول اللّه تعالى: «أَصْلُها ثابِتٌ وَ فَرْعُها فِي السَّماءِ» قال: يا سلام الشجرة محمّد، و الفرع على أمير المؤمنين، و الثمر الحسن و الحسين، و الغصن فاطمة، و شعب ذلك الغصن الأئمة من ولد فاطمة، و الورق شيعتنا و محبونا أهل البيت، فاذا مات من شيعتنا رجل تناثر من الشجرة ورقة، فإذا ولد لمحبينا مولود اخضرّ مكان تلك الورقة ورقة. فقلت لا يا ابن رسول اللّه قول اللّه تعالى: «تُؤْتِي أُكُلَها كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّها» ما يعنى؟ قال: يعنى الائمة تفتى شيعتهم فى الحلال و الحرام فى كل حجّ و عمرة [1] . 41- عنه أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الرحمن الحسنى عن فرات بن إبراهيم الكوفي عن أحمد بن يحيى عن محمّد بن عمر بن عبد الكريم، عن إبراهيم بن أيوب، عن جابر: عن أبى جعفر قال: بينما أمير المؤمنين فى مسجد الكوفة إذ أتته امرأة تستعدى على زوجها، فقضى لزوجها، عليها فغضبت فقالت: و اللّه ما الحقّ فيما قضيت، و لا تقضى بالسوية، و لا تعدل فى الرعية، و لا قضيتك عند اللّه بالمرضية فنظر إليها مليا ثم قال: كذبت يا بذية، يا سلقلقة- أو يا سلقى- فولّت هاربة، فلحقها عمرو بن حريث فقال: لقد استقبلت عليا لكلام ثم انه نزعك بكلمة فولّيت هاربة؟ قالت: إنّ عليّا و اللّه أخبرني بالحق و شيء أكتمه من زوجى منذ ولى عصمتى فرجع عمرو الى أمير المؤمنين فأخبره بما قالت و قال: يا أمير المؤمنين ما نعرفك بالكهانة، فقال: ويلك إنها ليست بكهانة منّى و لكن اللّه أنزل قرآنا «ان ذلك لآيات للمتوسّمين، فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) هو المتوسم و أنا من بعده و الأئمة من ذرّيتى بعدى هم 157 المتوسون، فلما تامّلتها عرفت ما هى بسيماها [1] . 42- عنه أبو النضر العياشى قال: حدّثنا أبو العباس بن المغيرة حدثنا الفضل ابن شاذان عن ابن أبى عمير، عن حمار عن خرم و ربعى عن محمّد بن مسلم، عن أبى جعفر فى قول اللّه تعالى: «إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ» قال: هم الأئمة، قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه [2] . 43- عنه أخبرنا محمّد بن عبد اللّه بن أحمد، أخبرنا محمّد بن محمّد المفيد، أخبرنا عبد العزيز بن يحيى بن أحمد، قال: حدّثنى محمّد بن عبد الرحمن بن الفضيل، قال: حدّثنى جعفر بن الحسين، قال: حدثني محمّد بن يزيد عن أبيه قال: سألت أبا جعفر عن قوله تعالى: «بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» قال: النجم على [3] . 44- عنه، عن فرات بن إبراهيم الكوفى قال: حدثني حسين بن سعيد، عن هشام بن يونس، عن حبان بن سرير عن سالم، عن أبان بن تغلب قال: قلت لأبى جعفر محمّد بن على (عليهما السلام) قول اللّه تعالى: «وَ عَلاماتٍ وَ بِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ» قال: النجم: محمّد و «العلامات» الأوصياء (عليهم السلام) [4] . 45- عنه أخبرنا أبو بكر الحرشى أخبرنا أبو منصور الأزهرى أخبرنا أحمد ابن نجدة بن العريان، أخبرنا عثمان بن أبى شيبة أخبرنا يحيى بن يمان، عن اسرائيل، عن جابر، عن أبى جعفر فى قوله: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ»* قال: نحن أهل الذكر [5] . 46- عنه أخبرنا أبو عبد اللّه الشيرازى أخبرنا ابو بكر الجرجرائى، أخبرنا أبو أحمد البصرى أخبرنا أحمد بن عمار، أخبرنا عبد الرحمن بن صالح، عن موسى بن عثمان الحضرمى، عن جابر: عن محمّد بن على قال: لما نزلت هذه الآية: «فَسْئَلُوا* 158 أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ»* قال على (عليه السلام): نحن أهل الذكر الذي عنانا اللّه جلّ و علا فى كتابه [1] . 47- عنه أخبرنا أبو الحسين الحسن الفارسى أخبرنا أبو بكر الفارسى، ببيضاء فارس، أخبرنا محمّد بن القاسم أخبرنا أبو نعيم إبراهيم بن ميمون عن على ابن عابس عن جابر عن أبى جعفر (عليه السلام) فى قوله تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ»* قال نحن هم [2] . 48- أخبرنا أبو الحسن أخبرنا أبو بكر عبد اللّه بن زيدان، أخبرنا محمّد بن ثواب الهبازى أخبرنا عبد اللّه بن الزبير، أخبرنا أبو موسى عن سعد للإسكاف عن محمّد بن على (عليهما السلام) فى قوله عز ذكره: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ»* قال نحن هم [3] . 49- عنه أخبرنا أبو العباس الفرغانى أخبرنا أبو المفضّل الشيبانى أخبرنا أبو زيد محمّد بن أحمد بن سلام الأسدي بالمراغة أخبرنا اسرى بن خزيمة الرازى، أخبرنا منصور بن أبى مويرة عن محمّد بن مروان عن السّدى عن الفضيل بن يسار: عن أبى جعفر (عليه السلام) فى قوله تعالى: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ»* قال: هم الأئمة من عترة رسول اللّه و تلا «و أنزلنا عليكم ذِكْراً رَسُولًا» [4] . 50- عنه، عن فرات فى التفسير العتيق عن العباس بن الفضل عن محمّد بن فضيل عن أبى حمزة الثماليّ: عن أبى جعفر محمّد بن على بن الحسين (عليهم السلام) فى قوله: «فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً»* قال: بولاية على يوم أقامه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ) [5] . 51- عنه، عن فرات بن إبراهيم قال: حدثني جعفر بن محمّد الفرازى، حدثنا 159 أحمد بن الحسين، عن محمّد بن حاتم عن أبى حمزة الثماليّ، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه: «وَ لَقَدْ صَرَّفْنا»* قال: يعنى و لقد ذكرنا عليا فى كلّ القرآن و هو الذكر «وَ ما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً» [1] . 52- فرات قال: حدثني محمّد بن الحسن بن إبراهيم بن جعفر بن عبد اللّه، عن محمّد بن عمر المازنى عن عباد بن صهيب، عن جابر قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): قال اللّه: «وَ لَقَدْ صَرَّفْنا فِي هذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ» يعنى لقد ذكرنا عليا فى كل آية فأبوا ولاية على «وَ ما يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُوراً» [2] . 53- عنه حدثنا الحاكم أبو عبد اللّه الحافظ حدثنا أبو محمّد الحسين، حدثنا محمّد بن يحيى العقيقى، حدثنا على بن أحمد بن على العلوى عن أبى الحسن بن سليمان عن محمّد بن أيوب المزنى، عن أبى حمزة الثماليّ عن أبى جعفر محمّد بن على (عليهما السلام) فى قول للّه تعالى: «هُنالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ» قال: تلك ولاية أمير المؤمنين التي لم يبعث بنى قط إلّا بها [3] . 54- عنه أخبرنا أبو نصر المفسر، قال: أخبرنا أبو الحسن بن عبدة أخبرنا إبراهيم بن على، أخبرنا يحيى بن عبد الكريم بن يعفور أخبرنا أبو يعفور عن جابر: عن محمّد بن على (عليهما السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يا على أ لا اعلمك؟ قال: اللّهم اجعل لى عندك عهدا و اجعل لى عندك ودّا منزلت هذه الآية: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا» [4] . 55- عنه أخبرنا أبو سعد المعادى أخبرنا أبو الحسين الكهيلى، اخبرنا أبو جعفر الحضرمى أخبرنا محمّد بن العلاء أخبرنا مطلب عن جابر: عن أبى جعفر 160 (عليه السلام) قال: قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لعلى: يا على قل: اللّهم اجعل لى عندك عهدا و فى صدور المؤمنين ودّا فانزل اللّه إن الذين آمنوا الآية و أنا اختصرته [1] . 56- عنه حدثني ابو الحسن الفارسى بحديث غريب، حدثنا أبو جعفر محمّد بن عليا لفقيه، حدثني علي بن أحمد بن عبد اللّه البرقي، قال: حدثنا أبى عن جده أحمد بن أبى عبد اللّه، عن أبيه عن محمّد بن خالد حدثنا سهل بن المرزبان حدثنا محمّد بن منصور، عن عبد اللّه بن جعفر بن محمّد بن الفيض، عن أبيه: عن أبى جعفر محمّد بن على الباقر عن أبيه عن جده (عليهم السلام) قال: خرج رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ذات يوم فقال: إن اللّه تعالى يقول: «وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى» ثم قال لعلى بن أبى طالب إلى ولايتك [2] . 57- عنه أخبرنا محمّد بن عبد اللّه بن أحمد، أخبرنا محمّد بن أحمد بن محمّد ابن على، أخبرنا عبد العزيز بن يحيى بن أحمد، قال: حدثني محمّد ابن عبد الرحمن بن الفضل قال: حدثني جعفر بن الحسين قال: حدثني أبى قال: حدثني محمّد بن زيد عن أبيه، قال: سألت أبا جعفر محمّد بن على فقلت له: «الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ» قال: نزلت فى على و حمزة و جعفر، ثم جرت فى الحسين (عليهم السلام) [3] . 58- عنه، عن فرات بن ابراهيم قال: حدثني الحسين بن سعيد، عن أبى جعفر (عليه السلام) فى قوله تعالى: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ» الآية قال: فينا و اللّه نزلت هذه الآية [4] . 59- عنه، عن فرات قال: حدثني أحمد بن القاسم بن عبيد، حدثنا جعفر بن 161 محمّد الجمال حدثنا يحيى بن هاشم حدثنا أبو منصور عن أبى خليفة قال: دخلت أنا و أبو عبيدة الحذاء على أبى جعفر (عليه السلام) فقال: يا جارية هلمى بمرفقة. قلت لا بل نجلس قال: يا با خليفة لا تردّ الكرامة إن الكرامة لا يردّها إلا حمار فقلت له: كيف لنا بصاحب هذا الأمر حتى نعرفه فقال: قول اللّه تعالى: «الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ» إذا رأيت هذا الرجل منّا فاتبعه فإنه هو صاحبه [1] . 60- عنه أخبرنا أبو الحسين الأهوازى، أخبرنا أبو بكر البيضاوى، أخبرنا محمّد بن القاسم، عن عباد، عن الحسن بن حماد، عن زياد بن المنذر عن أبى جعفر فى قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا» قال: فينا نزلت [2] . 61- عنه، عن فرات بن ابراهيم، قال: حدثني جعفر بن محمّد بن سعيد الأحمسى، قال: حدثنا الحسن بن الحسين، عن يحيى بن على، عن أبان بن تغلب، عن أبى جعفر (عليه السلام) فى قوله تعالى: «لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَ إِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ» قال: نزلت فينا أهل البيت [3] . 62- عنه، عن فرات بن ابراهيم الكوفى، قال: حدثني جعفر بن محمّد انفزارى، حدثنا محمّد بن الحسين الهاشمى، عن محمّد بن حاتم، عن أبى حمزة الثماليّ، عن أبى جعفر فى قوله: «وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا» قال نزلت فى ولد فاطمة (عليها السلام) [4] . 63- عنه، عن فرات قال: حدثني أحمد بن محمّد بن طلحة الخراسانى أخبرنا على بن الحسن بن فضال، أخبرنا إسماعيل بن مهران أخبرنا يحيى بن أبان عن عمرو 162 ابن شمر عن جابر: عن أبى جعفر فى قوله تعالى: «وَ جَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا» قال: نزلت فى ولد فاطمة خاصة جعل اللّه منهم ائمة يهدون بأمره [1] . 64- عنه أخبرنا أبو الحسن الأهوازى، أخبرنا ابو بكر البيضاوى، أخبرنا على بن العباس، أخبرنا إسماعيل بن إسحاق أخبرنا محمّد بن أبى مرّة، عن عبد اللّه ابن الزبير، عن سليمان بن داود بن حسن بن حسن، عن أبيه: عن أبى جعفر فى قوله: «قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ» قال: عن ولاية على و مثله عن أبى إسحاق السبيعى و عن جابر الجعفى فى الشواذ [2] . 65- عنه أخبرنا أبو بكر الحارثى، أخبرنا أبو الشيخ الأصبهاني اخبرنا عبد الرحمن بن أبى حاتم، أخبرنا محمّد بن ثواب أخبرنا أبو عمر حفص ابن عمر الهلالى، أخبرنا يوسف أخبرنا أبو يعقوب الجعفى عن جابر: عن أبى جعفر فى قول اللّه تعالى: «قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ» الآية قال: «الَّذِينَ يَعْلَمُونَ» نحن «وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ» عدوّنا «إِنَّما يَتَذَكَّرُ أُولُوا الْأَلْبابِ» شيعتنا [3] . 66- عنه أخبرنا محمّد بن عبد اللّه الصوفى أخبرنا محمّد بن أحمد الحافظ، أخبرنا عبد العزيز بن يحيى بن أحمد بن عيسى قال: حدثني محمّد بن زكريا، حدّثنى جعفر بن محمّد بن عمارة قال: حدّثنى أبى عن جابر الجعفى، عن أبى جعفر محمّد بن على (عليهما السلام) قال: قال على بن أبى طالب: أنزلت النّبوة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الاثنين و أسلمت غداة يوم الثلاثاء، فكان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّى و أنا أصلى عن يمينه و ما معه أحد من الرجال غيرى، فأنزل اللّه «وَ أَصْحابُ الْيَمِينِ» إلى آخر الآية [4] . 163
مسند الإمام الباقر — الإمام الباقر عليه السلام
338 ثابت بن هرمز أبو المقدام الحداد روى نسخة عن علىّ بن الحسين (عليهما السلام) رواها عنه ابنه عمرو بن ثابت و روى الكشّى عن أبى بصير قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول
ان الحكم بن عتيبة و سلمة و كثير النواء و أبا المقدام و التمار يعنى سالما أضلّوا كثيرا ممّن ضلّ من هؤلاء و انّهم ممن قال اللّه عزّ و جلّ: «وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ». قلت له روايات عن الامام الباقر (عليه السلام) فى كتاب فضائل الشيعة باب خصال الشيعة الحديث 2- 3- 6 و كتاب التفسير سورة النساء الحديث 31 و كتاب الزيارة باب زيارة المؤمنين الحديث 1 و كتاب الاطعمة باب فضل الاطعام الحديث 9. أبو المهاجر ما وجدنا له عنوانا فى كتب رجال الشيعة و فى تهذيب التهذيب أبو المهاجر اسمه سالم بن عبد اللّه الجزرى و أبو المهاجر عن بريدة بن الاسلمى من المحدثين. قلت: له رواية عن الامام الباقر (عليه السلام) فى كتاب التفسير سورة الدخان الحديث 1. 89- أبو نصرة هكذا ذكر فى سند الحديث و الظاهر انّه أبو نضرة بالضاد المعجمة قال فى جامع الرواة: انّه من أصحاب على (عليه السلام)، و قال ابن حجر: المنذر بن مالك أبو نضرة العبدى روى عن علىّ بن أبى طالب و أبى موسى الاشعرى و أبى ذر الغفارى و غيرهم و روى عنه حميد الطويل و أبو الاشهب العطاردى و جماعة.
مسند الإمام الباقر — الديات باب اختلاف أولياء المقتول الحديث 2 و باب ما يصيب الدواب الحديث 4 و باب المرأة تقتل رجلا الحدي — الإمام الباقر عليه السلام
روى الطبرسي مرسلا: عن أبي محمّد الحسن العسكري (عليهما السلام) انه قال
قلت لأبي، علي بن محمّد (عليهما السلام) هل كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يناظر اليهود و المشركين اذا عاتبوه و يحاجهم؟ قال: بلى مرارا كثيرة، منها ما حكى اللّه من قولهم: «وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَ يَمْشِي فِي الْأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ- الى قوله- رَجُلًا مَسْحُوراً» و قالوا: «لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ». و قوله عز و جل: «وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» الى قوله «كِتاباً نَقْرَؤُهُ» ثم قيل له في آخر ذلك: لو كنت نبيا كموسى انزلت علينا كسفا من السماء و نزلت علينا الصاعقة في مسألتنا إليك لأن مسألتنا اشد من مسائل قوم موسى لموسى (عليه السلام). قال: و ذلك أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء الكعبة اذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم الوليد بن المغيرة المخزومي و ابو البختري ابن هشام و ابو جهل و العاص بن وائل السهمي و عبد اللّه بن ابي أميّة المخزومي، و كان معهم جمع ممن يليهم كثير و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في نفر من اصحابه يقرأ عليهم كتاب اللّه و يؤدي إليهم عن اللّه امره و نهيه. 190 فقال المشركون بعضهم لبعض: لقد استفحل أمر محمّد و عظم خطبه، فتعالوا نبدأ بتقريعه و تبكيته و توبيخه و الاحتجاج عليه و ابطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه و يصغر قدره عندهم، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه و باطله و تمرده و طغيانه، فان انتهى و إلا عاملناه بالسيف الباتر. قال أبو جهل: فمن ذا الذي يلي كلامه و مجادلته؟ قال عبد اللّه بن أبي أميّة المخزومي: انا الى ذلك، أ فما ترضاني له قرنا حسيبا و مجادلا كفيا؟ قال أبو جهل: بلى، فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد اللّه بن ابي أميّة المخزومي، فقال: يا محمّد لقد ادعيت دعوى عظيمة و قلت مقالا هائلا، زعمت انك رسول اللّه رب العالمين، و ما ينبغي لرب العالمين و خالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشر مثلنا تأكل كما نأكل و تشرب كما نشرب و تمشي في الأسواق كما نمشي. فهذا ملك الروم و هذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال عظيم الحال له قصور و دور و فساطيط و خيام و عبيد و خدام، و ربّ العالمين فوق هؤلاء كلّهم فهم عبيده، و لو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك و نشاهده، بل لو اراد اللّه أن يبعث إلينا نبيا لكان انما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا، ما أنت يا محمّد الا رجلا مسحورا و لست بنبي. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): هل بقي من كلامك شيء؟ قال: بلى، لو اراد اللّه ان يبعث إلينا رسولا لبعث اجل من فيما بيننا اكثره مالا و احسنه حالا، فهلا أنزل هذا القرآن الذي تزعم ان اللّه انزله عليك و ابتعثك به رسولا على رجل من القريتين عظيم اما الوليد بن المغير بمكة و اما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): هل بقي من كلامك شيء يا عبد اللّه؟ فقال: بلى لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكة هذه، فانها ذات احجار و عرة و جبال، تكسح ارضها و تحفرها و تجري فيها العيون، فاننا الى ذلك محتاجون او تكون لك جنة من نخيل و عنب فتأكل منها و تطعمنا فتفجر الأنهار خلالها خلال تلك النخيل 191 و الاعناب تفجيرا او تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا فانك قلت لنا «وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ» فلعلنا نقول ذلك. ثم قال: او تأتي باللّه و الملائكة قبيلا، تأتي به و بهم و هم لنا مقابلون، او يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه و تغنينا به فلعلنا نطغى، و انك قلت لنا: «كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى». ثم قال: او ترقى في السّماء اي تصعد في السّماء و لن نؤمن لرقيك اي لصعودك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه من اللّه العزيز الحكيم الى عبد اللّه بن ابي أميّة المخزومي و من معه بأن آمنوا بمحمّد بن عبد اللّه بن عبد المطلب فإنّه رسولي و صدقوه في مقاله انه من عندي، ثم لا ادري يا محمّد اذا فعلت هذا كله أومن بك او لا أؤمن بك، بل لو رفعتنا الى السماء و فتحت ابوابها و ادخلتناها لقلنا انما سكرت أبصارنا و سحرتنا. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا عبد اللّه أبقي شيء من كلامك؟ قال: يا محمّد أو ليس فيما اوردته عليك كفاية و بلاغ، ما بقي شيء فقل ما بدا لك و افصح عن نفسك إن كان لك حجة و أتنا بما سألناك به. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): اللهم أنت السامع لكل صوت و العالم بكل شيء تعلم ما قاله عبادك، فأنزل اللّه عليه، يا محمّد «وَ قالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ» الى قوله «رَجُلًا مَسْحُوراً» ثم قال اللّه تعالى: «انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا». ثم قال: يا محمّد «تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَ يَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً» و انزل عليه: يا محمّد «فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ وَ ضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ» الآية، و انزل اللّه عليه: يا محمّد «وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ» الى قوله «وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ». فقال له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا عبد اللّه أما ما ذكرت من اني آكل الطعام كما تأكلون و زعمت انه لا يجوز لأجل هذا أن اكون للّه رسولا فانما الأمر للّه 192 تعالى يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد، و هو محمود و ليس لك و لا لأحد الاعتراض عليه بلم و كيف، الا ترى ان اللّه كيف افقر بعضا و اغنى بعضا و اعز بعضا و اذل بعضا و أصح بعضا و اسقم بعضا و شرف بعضا و وضع بعضا، و كلهم ممن يأكل الطعام. ثم ليس للفقراء ان يقولوا «لم افقرتنا و اغنيتهم» و لا للوضعاء ان يقولوا «لم وضعتنا و شرفتهم» و لا للزمنى و الضعفاء ان يقولوا «لم ازمنتنا و اضعفتنا و صححتهم» و لا للأذلاء ان يقولوا «لم أذللتنا و اعززتهم» و لا لقباح الصور ان يقولوا «لم قبحتنا و جملتهم» بل ان قالوا ذلك كانوا على ربهم رادّين و له في احكامه منازعين و به كافرين. و لكان جوابه لهم: انا الملك الخافض الرافع المغني المفقر المعز المذل المصحح المسقم و انتم العبيد ليس لكم الا التسليم لي و الانقياد لحكمي، فان سلمتم كنتم عبادا مؤمنين و ان ابيتم كنتم بي كافرين و بعقوباتي من الهالكين. ثم أنزل اللّه عليه: يا محمّد «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ»* يعني آكل الطعام و «يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ»* يعني قل لهم: أنا في البشرية مثلكم و لكن ربي خصّني بالنّبوة دونكم كما يخص بعض البشر بالغنى و الصحة و الجمال دون بعض من البشر، فلا تنكروا ان يخصني أيضا بالنبوة [دونكم]. ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): و اما قولك «هذا ملك الروم و ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير المال عظيم الحال له قصور و دور و فساطيط و خيام و عبيد و خدام و رب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده» فان اللّه له التدبير و الحكم لا يفعل على ظنك و حسبانك و لا باقتراحك بل يفعل ما يشاء و يحكم ما يريد و هو محمود. يا عبد اللّه انما بعث اللّه نبيه ليعلم الناس دينهم و يدعوهم الى ربهم و يكدّ نفسه في ذلك آناء الليل و نهاره، فلو كان صاحب قصور يحتجب فيها و عبيد و خدم يسترونه عن الناس أ ليس كانت الرسالة تضيع و الأمور تتباطأ، أو ما ترى الملوك اذا احتجبوا كيف يجري الفساد و القبائح من حيث لا يعلمون به و لا يشعرون. 193 يا عبد اللّه إنّما بعثني اللّه و لا مال لي ليعرفكم قدرته و قوته و انه هو الناصر لرسوله و لا تقدرون على قتله و لا منعه في رسالاته، فهذا بين في قدرته و في عجزكم و سوف يظفرني اللّه بكم فأسعكم قتلا و اسرا، ثم يظفرني اللّه ببلادكم و يستولي عليها المؤمنون من دونكم و دون من يوافقكم على دينكم. ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): و اما قولك لي: «لو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك و نشاهده، بل لو اراد اللّه أن يبعث إلينا نبيا لكان إنّما يبعث ملكا لا بشرا مثلنا» فالملك لا تشاهده حواسكم لأنه من جنس هذا الهواء لا عيان منه، و لو شاهدتموه- يأن يزاد في قوى أبصاركم- لقلتم ليس هذا ملكا بل هذا بشر، لأنه انما كان يظهر لكم بصورة البشر الذي ألفتموه لتفهموا عنه مقالته و تعرفوا خطابه و مراده. فكيف كنتم تعلمون صدق الملك و أن ما يقوله حق، بل انما بعث اللّه بشرا و أظهر على يده المعجزات التي ليست في طبائع البشر الذين قد علمتم ضمائر قلوبهم فتعلمون بعجزكم عما جاء به انه معجزة و ان ذلك شهادة من اللّه بالصدق له، و لو ظهر لكم ملك و ظهر على يده ما [تعجزون عنه] يعجز عنه [جميع] البشر لم يكن في ذلك ما يدلكم ان ذلك ليس في طبائع سائر اجناسه من الملائكة حتى يصير ذلك معجزا. أ لا ترون ان الطيور التي تطير ليس ذلك منها بمعجز لأن لها أجناسا يقع منها مثل طيرانها، و لو أن آدميا طار كطيرانها كان ذلك معجزا، فان اللّه عز و جل سهل عليكم الأمر و جعله بحيث تقوم عليكم حجته و انتم تقترحون عمل الصعب الذي لا حجة فيه. ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): و اما قولك «ما أنت الا رجل مسحور» فكيف اكون كذلك و قد تعلمون اني في صحة التميز و العقل فوقكم فهل جربتم عليّ منذ نشأت إلى ان استكملت أربعين سنة خزية او زلّة او كذبة او خيانة او خطأ من القول او سفها من الرأي، أ تظنّون ان رجلا يعتصم طول هذه المدّة بحول نفسه و قوتها او بحول اللّه و قوته. و ذلك ما قال اللّه «انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا» 194 إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجة اكثر من دعاويهم الباطلة التي تبين عليك تحصيل بطلانها. ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): و اما قولك «لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، الوليد بن المغيرة بمكة او عروة [بن مسعود الثقفي] بالطائف» فان اللّه ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت و لا خطر له عنده كما له عندك بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به مخالفا له شربة ماء و ليس قسمة اللّه إليك بل اللّه هو القاسم للرحمات و الفاعل لما يشاء في عبيده و إمائه. و ليس هو عزّ و جلّ ممن يخاف احدا كما تخافه أنت لما له و حاله فعرفته بالنبوة لذلك، و لا ممن يطمع في احد في ماله او في حاله كما تطمع أنت فتخصه بالنبوة لذلك، و لا ممن يحبّ أحدا محبّة الهواء كما تحبّ أنت فتقدم من لا يستحقّ التقديم و انما معاملته بالعدل، فلا يؤثر الا بالعدل لافضل مراتب الدين و جلاله الا الأفضل في طاعته و الاجد في خدمته، و كذلك لا يؤخر في مراتب الدين و جلاله إلّا أشدّهم تباطئا عن طاعته. و اذا كان هذا صفته لم ينظر الى مال و لا الى حال بل هذا المال و الحال من تفضله، و ليس لاحد من عباده عليه ضريبة لازب، فلا يقال له: اذا تفضلت بالمال على عبد فلا بد ان تتفضل عليه بالنبوة أيضا، لأنه ليس لأحد اكراهه على خلاف مراده و لا إلزامه تفضلا لأنه تفضل قبله بنعمه. أ لا ترى يا عبد اللّه كيف اغنى واحدا و قبح صورته، و كيف حسن صورة واحد و افقره، و كيف شرف واحدا و افقره، و كيف اغنى واحدا و وضعه. ثم ليس لهذا الغنى ان يقول «هلا اضيف الى يساري جمال فلان» و لا للجميل ان يقول «هلا أضيف الى جمالي مال فلان»، و لا للشريف ان يقول «هلا أضيف الى شرفي مال فلان» و لا للوضيع ان يقول «هلا اضيف الى ضعتي شرف فلان»، و لكن الحكم للّه يقسم كيف يشاء و يفعل كما يشاء، و هو حكيم في افعاله محمود في اعماله و ذلك قوله تعالى: «وَ قالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ» قال اللّه تعالى 195 «أَ هُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ» يا محمّد «نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا». فأحوجنا بعضا الى بعض، أحوج هذا الى مال ذلك، و احوج ذلك الى سلعة هذا و الى خدمته. فترى اجلّ الملوك و اغنى الأغنياء محتاجا الى افقر الفقراء في ضرب من الضروب: إما سلعة معه ليست معه، و إما خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك ان يستغنى الا به، و إما باب من العلوم و الحكم هو فقير الى ان يستفيدها من هذا الفقير، فهذا الفقير يحتاج الى مال ذلك الملك الغني، و ذلك الملك يحتاج الى علم هذا الفقير او رأيه او معرفته. ثم ليس للملك ان يقول هلا اجتمع الى مالي علم هذا الفقير، و لا للفقير ان يقول هلا اجتمع على رأيي و علمي و ما اتصرف فيه من فنون الحكمة مال هذا الملك الغني. ثم قال اللّه: «وَ رَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيًّا» ثم قال: يا محمّد قل لهم «وَ رَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» اي ما يجمعه هؤلاء من اموال الدنيا. ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): و اما قولك «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» الى آخر ما قلته، فانك قد اقترحت على محمّد رسول اللّه أشياء: منها ما لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته و رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) يرتفع عن أن يغتنم جهل الجاهلين و يحتج عليهم بما لا حجة فيه، و منها ما لو جاءك به كان معه هلاكك. و انما يؤتى بالحجج و البراهين ليلزم عباد اللّه الايمان بها لا ليهلكوا بها فانما اقترحت هلاكك و ربّ العالمين أرحم بعباده و أعلم بمصالحهم من ان يهلكهم كما تقترحون، و منها المحال الذي لا يصح و لا يجوز كونه و رسول رب العالمين يعرفك ذلك و يقطع معاذيرك و يضيق عليك سبيل مخالفته، و يلجئك بحجج اللّه الى تصديقه حتى لا يكون لك عنه محيد و لا محيص، و منها ما قد اعترفت على نفسك إنّك فيه معاند متمرد لا تقبل حجة و لا تصغي الى برهان، و من كان كذلك فدواؤه عذاب اللّه النازل من سمائه في جحيمه او بسيوف اوليائه. 196 فأما قولك يا عبد اللّه: «لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً» بمكة هذه فانها ذات أحجار و صخور و جبال تكسح أرضها و تحفرها و تجري فيها العيون فاننا إلى ذلك محتاجون، فانك سألت هذا و أنت جاهل بدلائل اللّه. يا عبد اللّه أ رأيت لو فعلت هذا أ كنت من أجل هذا نبيا؟ قال: لا. قال رسول اللّه: أ رأيت الطائف التي لك فيها بساتين أ ما كان هناك مواضع فاسدة صعبة اصلحتها و ذللتها و كسحتها و أجريت فيها عيونا استنبطتها؟ قال: بلى. قال: و هل لك في هذا نظراء؟ قال: بلى. قال: فصرت أنت و هم بذلك أنبياء؟ قال: لا. قال: فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد لو فعله على نبوته، فما هو الا كقولك: لن نؤمن لك حتى تقوم و تمشي على الأرض كما يمشي الناس أو حتى تأكل الطعام كما يأكل الناس. و أما قولك يا عبد اللّه: «أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فنأكل منها و تطعمنا و تفجر الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً» او ليس لك و لأصحابك جنات من نخيل و عنب بالطائف تأكلون و تطعمون منها و تفجرون الأنهار خلالها تفجيرا، أ فصرتم انبياء بهذا؟ قال: لا. قال: فما بال اقتراحكم على رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقه، بل لو تعاطاها لدل تعاطيها على كذبه لأنه يحتج بما لا حجة فيه و يختدع الضعفاء عن عقولهم و أديانهم، و رسول رب العالمين يجل و يرتفع عن هذا. ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا عبد اللّه و أما قولك «أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً» فانك قلت: «وَ إِنْ يَرَوْا كِسْفاً مِنَ السَّماءِ ساقِطاً يَقُولُوا سَحابٌ مَرْكُومٌ» فان في سقوط السماء عليكم هلاككم و موتكم فانما تريد بهذا من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) ان يهلكك و رسول رب العالمين ارحم من ذلك، لا يهلكك و لكنه يقيم عليك حجج اللّه، و ليس حجج اللّه لنبيه وحده على حسب اقتراح عباده، 197 لأن العباد جهال بما يجوز من الصلاح و ما لا يجوز منه من الفساد، و قد يختلف اقتراحهم و يتضاد حتى يستحيل وقوعه، و اللّه عزّ و جلّ طبيبكم لا يجري تدبيره على ما يلزم به المحال. ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): و هل رأيت يا عبد اللّه طبيبا كان دواؤه للمرضى على حسب اقتراحهم، و انما يفعل به ما يعلم صلاحه فيه احبه العليل او كرهه؟ فأنتم المرضى و اللّه طبيبكم، فان انقدتم لدوائه شفاكم و ان تمردتم عليه اسقمكم. و بعد فمتى رأيت يا عبد اللّه مدعي حق من قبل رجل اوجب عليه حاكم من حكامهم فيما مضى بينة على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه؟ اذا ما كان يثبت لأحد على أحد دعوى و لا حق، و لا كان بين ظالم و مظلوم و لا بين صادق و كاذب فرق. ثم قال رسول اللّه: يا عبد اللّه و أما قولك: «أو تأتي باللّه و الملائكة قبيلا يقابلوننا و نعاينهم» فان هذا من المحال الذي لا خفاء به، و انّ ربّنا عزّ و جلّ ليس كالمخلوقين يجيء و يذهب و يتحرّك و يابل شيئا حتى يؤتى به، فقد سألتم بهذا المحال، و إنمّا هذا الذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة التي لا تسمع و لا تبصر و لا تعلم و لا تغني عنكم شيئا و لا عن احد. يا عبد اللّه أو ليس لك ضياع و جنان بالطائف و عقار بمكة و قوّام عليها؟ قال: بلى. قال: أ فتشاهد جميع أحوالها بنفسك او بسفراء بينك و بين معامليك؟ قال: بسفراء. قال: أ رأيت لو قال معاملوك و اكرتك و خدمتك لسفرائك: لا نصدقكم في هذه السفارة الا ان تأتونا بعبد اللّه بن أبي أميّة لنشاهده فنسمع ما تقولون عنه شفاها، كنت تسوغهم هذا أو كان يجوز لهم عندك ذلك؟ قال: لا. قال: فما الذي يجب على سفرائك أ ليس ان يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم على صدقهم يجب عليهم أن يصدقوهم؟ قال: بلى. قال: يا عبد اللّه أ رأيت سفيرك لو 198 أنه لما سمع منهم هذا عاد إليك و قال لك: قم معي فانهم قد اقترحوا عليّ مجيئك معي أ ليس يكون هذا لك مخالفا و تقول له: انما أنت رسول لا مشير و لا آمر؟ قال: بلى. قال: فكيف صرت تقترح على رسول ربّ العالمين ما لا تسوغ لأكرتك و معامليك ان يقترحوه على رسولك إليهم؟! و كيف أردت من رسول رب العالمين أن يستذم الى ربّه بأن يأمر عليه و ينهى و أنت لا تسوغ مثل هذا على رسولك الى اكرتك و قوامك؟! هذه حجة قاطعة لإبطال جميع ما ذكرته في كل ما اقترحته يا عبد اللّه. و اما قولك يا عبد اللّه: «أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ- و هو الذهب-» أ ما بلغك أن لعظيم مصر بيوتا من زخرف؟ قال: بلى. قال: أ فصار بذلك نبيا؟ قال: لا. قال: فكذلك لا يوجب لمحمد (صلى اللّه عليه و آله) نبوّة لو كان له بيوت، و محمد لا يغنم جهلك بحجج اللّه. و أما قولك يا عبد اللّه: «أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ»، ثمّ قلت: «وَ لَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ» يا عبد اللّه الصعود إلى السّماء أصعب من النزول عنها، و اذا اعترفت على نفسك أنك لا تؤمن اذا صعدت فكذلك حكم النزول، ثم قلت حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه من بعد ذلك، «ثم لا ادري أومن بك او لا أومن بك، فأنت يا عبد اللّه مقرّ بأنك تعاند حجة اللّه عليك، فلا دواء لك إلّا تأديبه لك على يد أوليائه من البشر أو ملائكته الرّبانية، و قد انزل عليّ حكمة بالغة جامعة لبطلان كل ما اقترحته. فقال عز و جل: «قُلْ» يا محمّد: «سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا» ما أبعد ربي عن أن يفعل الأشياء على ما يقترحه الجهال مما يجوز و مما لا يجوز، و هل كنت الا بشرا رسولا لا يلزمني الا اقامة حجة اللّه التي أعطاني، و ليس لي أن آمر على ربي و لا أنهى و لا اشير فأكون كالرسول الذي بعثه ملك الى قوم من مخالفيه فرجح إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه. فقال أبو جهل: يا محمّد هاهنا واحدة أ لست زعمت: ان قوم موسى احترقوا 199 بالصاعقة لما سألوه أن يريهم اللّه جهرة؟ قال: بلى. قال: فلو كنت نبيا لاحترقنا نحن أيضا، فقد سألنا أشدّ ممّا سأل قوم موسى، لأنهم كما زعمت قالوا: «أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً» و نحن نقول: «لن نؤمن لك حتى تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا» نعاينهم. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا أبا جهل أ ما علمت قصة ابراهيم الخليل لما رفع في الملكوت، و ذلك قول ربي: «وَ كَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ لِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ» قوّى اللّه بصره لما رفعه دون السماء حتى أبصر الأرض و من عليها ظاهرين و مستترين فرأى رجلا و امرأة على فاحشة فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا. ثم رأى آخرين فدعا عليهما بالهلاك فهلكا، ثم رأى آخرين فهم بالدعاء عليهما فأوحى اللّه إليه: يا ابراهيم اكفف دعوتك عن عبادي و إمائي فاني انا الغفور الرحيم، الجبار الحليم، لا يضرّني ذنوب عبادي كما لا تنفعني طاعتهم، و لست اسوسهم بشفاء الغيظ كسياستك. فاكفف دعوتك عن عبادي و إمائي فانما أنت عبد نذير لا شريك في الملك و لا مهيمن عليّ و لا عبادي و عبادي معي بين خلال ثلاث: إما تابوا إليّ فتبت عليهم و غفرت ذنوبهم و سترت عيوبهم، و اما كففت عنهم عذابي لعلمي بأنه سيخرج من أصلابهم ذريات مؤمنون فارق بالآبار الكافرين و أتأنى بالامهات الكافرات و أرفع عنهم عذابي ليخرج ذلك المؤمن من اصلابهم. فاذا تزايلوا حل بهم عذابي و حاق بهم بلائي، و ان لم يكن هذا و لا هذا فان الذي أعددته لهم من عذابي اعظم مما تريده بهم، فان عذابي لعبادي على حسب جلالي و كبريائي، يا ابراهيم خل بيني و بين عبادي فأنا أرحم بهم منك و خل بيني و بين عبادي فاني انا الجبار الحليم العلام الحكيم ادبرهم بعلمي و انفذ فيهم قضائي و قدري. ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا ابا جهل انما دفع عنك العذاب لعلمه بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة عكرمة ابنك، و سيلي من امور المسلمين ما ان اطاع اللّه 200 و رسوله فيه كان عند اللّه جليلا و الا فالعذاب نازل عليك، و كذلك سائر قريش السائلين لما سألوا من هذا انما امهلوا لأن اللّه علم ان بعضهم سيؤمن بمحمد و ينال به السعادة. فهو لا يقطعه عن تلك السعادة و لا يبخل بها عليه، أو من يولد منه مؤمن فهو ينظر اباه لا يصال ابنه الى السعادة، و لو لا ذلك نزل العذاب بكافتكم. فانظر الى السماء، فنظر فاذا أبوابها مفتحة و اذا النيران نازلة منها مسامتة لرؤوس القوم تدنو منهم حتى وجدوا حرها بين اكتافهم، فارتعدت فرائص أبي جهل و الجماعة، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لا تروعنكم فان اللّه لا يهلككم بها و انما اظهرها عبرة. ثم نظروا إلى السّماء و اذا قد خرج من ظهور الجماعة انوار قابلتها و رفعتها و دفعتها حتى اعادتها في السماء كما جاءت منها، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ان بعض هذه الأنوار أنوار من قد علم اللّه انه سيسعده بالايمان بي منكم من بعد، و بعضها أنوار ذرية طيبة ستخرج من بعضكم ممن لا يؤمن و هم يؤمنون . 2- عن ابي محمّد الحسن العسكري (عليه السلام) انه قال: قيل لأمير المؤمنين: يا أمير المؤمنين هل كان لمحمد (صلى اللّه عليه و آله) آية مثل آية موسى في رفعه الجبل فوق رءوس الممتنعين عن قبول ما امروا به؟ فقال امير المؤمنين (عليه السلام): اي و الذي بعثه بالحق نبيا ما من آية كانت لأحد من الأنبياء من لدن آدم الى ان انتهى الى محمّد (صلى اللّه عليه و آله) ألا و قد كان لمحمد مثلها أو أفضل منها، و لقد كان لرسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) نظير هذه الآية الى آيات أخر ظهرت له. و ذلك ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لما أظهر بمكة دعوته و أبان عن اللّه تعالى مراده، رمته العرب عن قسي عداوتها بضروب مكائدهم، و لقد قصدته يوما لأني كنت أول الناس اسلاما، بعث يوم الاثنين و صليت معه يوم الثلاثاء، و بقيت معه اصلي سبع سنين حتى دخل نفر في الاسلام و أيد اللّه تعالى دينه من بعد، فجاء قوم من المشركين. 201 فقالوا له: يا محمد تزعم انك رسول ربّ العالمين، ثم انك لا ترضى بذلك حتى تزعم انك سيدهم و افضلهم فلئن كنت نبيا فأتنا بآية كما تذكره من الأنبياء قبلك، مثل: نوح الذي جاء بالغرق و نجا في سفينته مع المؤمنين، و ابراهيم الذي ذكرت أن النار جعلت عليه بردا و سلاما، و موسى الذي زعمت ان الجبل رفع فوق رءوس اصحابه حتى انقادوا لما دعاهم إليه صاغرين داخرين، و عيسى الذي كان ينبئهم بما يأكلون و ما يدخرون في بيوتهم، و صار هؤلاء المشركون فرقا اربعة: هذه تقول اظهر لنا آية نوح، و هذه تقول اظهر لنا آية موسى، و هذه تقول اظهر لنا آية ابراهيم، و هذه تقول اظهر لنا آية عيسى. ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): إنّما انا نذير [و بشير] مبين أتيتكم بآية مبينة هذا القرآن الذي تعجزون انتم و الأمم و سائر العرب عن معارضته و هو بلغتكم، فهو حجة بينة عليكم، و ما بعد ذلك فليس لي الاقتراح على ربي و ما على الرسول الا البلاغ المبين الى المقرين بحجة صدقه و آية حقه، و ليس عليه ان يقترح بعد قيام الحجة على ربه ما يقترحه عليه المقترحون الذين لا يعلمون هل الصلاح أو الفساد فيما يقترحون. فجاء جبرئيل فقال: يا محمد ان العلي الأعلى يقرأ عليك السلام و يقول لك: اني سأظهر لهم هذه الآيات و انهم يكفرون بها الا من اعصمه منهم، و لكني أريهم ذلك زيادة في الاعذار و الايضاح لحججك، فقل لهؤلاء المقترحين لآية نوح (عليه السلام): امضوا الى جبل ابي قبيس، فاذا بلغتم سفحه فسترون آية نوح، فاذا غشيكم الهلاك فاعتصموا بهذا و بطفلين يكونان بين يديه. و قل للفريق الثاني المقترحين لآية ابراهيم (عليه السلام): امضوا الى حيث تريدون من ظاهر مكة، فسترون آية ابراهيم في النار فاذا غشيكم النار فسترون في الهواء امرأة قد أرسلت طرف خمارها فتعلقوا به لتنجيكم من الهلكة و ترد عنكم النار. و قل للفريق الثالث [المقترحين لآية موسى: امضوا الى ظل الكعبة] فسترون آية 202 موسى، و سينجيكم هناك عمي حمزة. و قل للفريق الرابع و رئيسهم أبو جهل: و أنت يا أبا جهل فاثبت عندي ليتصل بك اخبار هؤلاء الفرق الثلاث، فان الآية التي اقترحتها تكون بحضرتي. فقال ابو جهل للفرق الثلاث: قوموا فتفرقوا ليتبين لكم باطل قول محمد (صلى اللّه عليه و آله)، فذهب الفريق الأول الى جبل أبي قبيس، و الثاني الى صحراء ملساء، و الثالث الى ظل الكعبة، و رأوا ما وعدهم اللّه و رجعوا الى النبي (صلى اللّه عليه و آله) مؤمنين. و كلما رجع فريق منهم إليه و اخبروه بما شاهدوا ألزمه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الايمان باللّه. فاستمهل أبو جهل الى ان يجيء الفريق الآخر حسب ما أوردناه في الكتاب الموسوم بمفاخر الفاطمية تركنا ذكره هاهنا طلبا للايجاز و الاختصار. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): فلما جاءت الفرقة الثالثة و اخبروا بما شاهدوا عيانا و هم مؤمنون باللّه و برسوله قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)- لأبي جهل-: هذه الفرقة الثالثة قد جاءتك و أخبرتك بما شاهدت. فقال أبو جهل: لا أدري أصدق هؤلاء أم كذبوا، أم حقق لهم ذلك أم خيل إليهم، فان رأيت أنا ما اقترحته عليك من نحو آيات عيسى بن مريم فقد لزمني الايمان بك و الا فليس يلزمني تصديق هؤلاء على كثرتهم. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا ابا جهل فإن كان لا يلزمك تصديق هؤلاء على كثرتهم و شدة تحصيلهم فكيف تصدق بمآثر آبائك و اجدادك و مساوي اسلاف اعدائك؟ و كيف تصدق على الصين و العراق و الشام اذا حدثت عنها؟ و هل المخبرون عن ذلك الا دون هقلاء المخبرين لك عن هذه الآيات مع سائر من شاهدها معهم من الجمع الكثيف الذين لا يجتمعون على باطل يتخرصونه الا اذا كان بازائهم من يكذبهم و يخبر بضد اخبارهم، ألا و كل فرقة محجوجون بما شاهدوا، و أنت يا ابا جهل محجوج بما سمعت ممن شاهده. ثم اخبره النبي (صلى اللّه عليه و آله): بما اقترح عليه من آيات عيسى من اكله لما 203 اكل و ادخاره في بيته لما ادّخر من دجاجة مشوية و احياء اللّه تعالى اياها و انطاقها بما فعل بها ابو جهل و غير ذلك على ما جاء به في هذا الخبر، فلم يصدقه ابو جهل في ذلك كلّه بل كان يكذبه و ينكر جميع ما كان النبي (صلى اللّه عليه و آله) يخبره به من ذلك الى أن قال النبي لأبي جهل: اما كفاك ما شاهدت أم تكون آمنا من عذاب اللّه. قال ابو جهل: اني لأظن ان هذا تخييل و ايهام، فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): فهل تفرق بين مشاهدتك لها و سماعك لكلامها- يعني: الدجاجة المشوية التي انطقها اللّه له- و بين مشاهدتك لنفسك و لسائر قريش و العرب و سماعك كلامهم؟ قال ابو جهل: لا. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): فما يدريك اذا أن جميع ما تشاهد و تحس بحواسك تخييل. قال أبو جهل: ما هو تخييل. قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): و لا هذا تخييل، و الا فكيف تصحح انك ترى في العالم شيئا اوثق منه؟ .. تمام الخبر. [1] رسالة لابي جهل الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لما هاجر الى المدينة و الجواب عنها بالرواية عن ابي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) و هي ان قال:
مسند الإمام العسكري — الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
عنه، بإسناده عن أبي محمّد العسكري (عليه السلام) في قوله تعالى: «وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ» ان الأمي منسوب الى (أمه) أي: هو كما خرج من بطن أمه، لا يقرأ و لا يكتب، «لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ» المنزل من السماء و لا المتكذب به، و لا يميزون بينهما «إِلَّا أَمانِيَّ» أي إلا أن يقرأ عليهم و يقال لهم: ان هذا كتاب اللّه و كلامه، لا يعرفون ان قرأ من الكتاب خلاف ما فيه، «وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ». أي ما يقرأ عليهم رؤساؤهم من تكذيب محمّد (صلى اللّه عليه و آله) في نبوته و امامة علي سيد عترته، و هم يقلدونهم مع انه «محرم عليهم» تقليدهم، «فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ تعالى ...» الخ هذا: القوم اليهود، كتبوا صفة زعموا انها صفة محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و هي خلاف صفته، و قالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان: انه طويل عظيم البدن و البطن، اهدف، أصهب الشعر، و محمّد (صلى اللّه عليه و آله) بخلافه، و هو يجيء بعد هذا الزمان بخمسمائة 232 سنة، و انما أرادوا بذلك أن تبقى لهم على ضعفائهم رئاستهم، و تدوم لهم اصابتهم، و يكفوا انفسهم مئونة خدمة رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و خدمة علي (عليه السلام) و أهل بيته و خاصته. فقال اللّه عز و جل: «فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ» من هذه الصفات المحرفات و المخالفات لصفة محمّد (صلى اللّه عليه و آله) و علي (عليه السلام): الشدة لهم من العذاب في أسوإ بقاع جهنم، و ويل لهم: الشدة في العذاب ثانية مضافة الى الاولى، بما يكسبونه من الأموال التي يأخذونها اذا ثبتوا عوامهم على الكفر بمحمد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، و الحجة لوصيه و أخيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) وليّ اللّه. ثم قال (عليه السلام): قال رجل للصادق (عليه السلام): فاذا كان هؤلاء القوم من اليهود لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم الى غيره، فكيف ذمهم بتقليدهم و القبول من علمائهم، و هل عوام اليهود الا كعوامنا يقلدون علماءهم؟ فقال (عليه السلام): بين عوامنا و علمائنا و عوام اليهود و علمائهم، فرق من جهة و تسوية من جهة. اما من حيث استووا: فان اللّه قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم كما ذم عوامهم. و اما من حيث افترقوا فلا. قال: بين لي يا ابن رسول اللّه! قال (عليه السلام): ان عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، و بأكل الحرام و الرشاء، و بتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات و العنايات و المصانعات، و عرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، و انهم اذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه، و أعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم، و ظلموهم من أجلهم، و عرفوهم يقارفون المحرمات. و اضطروا بمعارف قلوبهم الى ان من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز ان يصدق على اللّه و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه، فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوه و من 233 قد علموا انه لا يجوز قبول خبره و لا تصديقه في حكايته، و لا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدون يوجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، اذ كانت دلائله اوضح من أن تخفى، و أشهر من أن لا تظهر لهم. و كذلك عوام امتنا اذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، و العصبية الشديدة و التكالب على حطام الدنيا و حرامها، و اهلاك من يتعصبون عليه و ان كان لاصلاح أمره مستحقا، و بالترفرف بالبر و الاحسان على من تعصبوا له و ان كان للاذلال و الاعانة مستحقا، فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم اللّه بالتقليد لفسقة فقهائهم. فاما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه مخالفا على هواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوام أن يقلدوه، و ذلك لا يكون إلا بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فانه من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقة العامة فلا تقبلوا منا عنه شيئا، و لا كرامة، و انما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لذلك لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره بجهلهم، و يضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم، و آخرون يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم الى نار جهنم. و منهم قوم (نصاب) لا يقدرون على القدح فينا، يتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا، و ينتقصون بنا عند نصابنا، ثم يضيفون إليه أضعافه و أضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبله المستسلمون من شيعتنا، على انه من علومنا، فضلوا و أضلوا و هم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن علي (عليهما السلام) و أصحابه، فانهم يسلبونهم الأرواح و الأموال. و هؤلاء علماء السوء الناصبون المتشبهون بأنهم لنا موالون، و لأعدائنا معادون، و يدخلون الشك و الشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلونهم و يمنعونهم عن قصد الحق المصيب، لا جرم ان من علم اللّه من قلبه من هؤلاء القوم انه لا يريد الا صيانة دينه و تعظيم وليه لم يتركه في يد هذا المتلبس الكافر، و لكنه يقيض له مؤمنا يقف به على 234 الصواب. ثم يوفقه اللّه للقبول منه، فيجمع اللّه له بذلك خير الدنيا و الآخرة، و يجمع على من أضله لعنا في الدنيا و عذاب الآخرة. ثم قال: قال رسول اللّه: «أشرار علماء امتنا: المضلون عنا، القاطعون للطرق إلينا، المسمون اضدادنا بأسمائنا، الملقبون أندادنا بألقابنا، يصلون عليهم و هم للعن مستحقون، و يلعنونا و نحن بكرامات اللّه مغمورون، و بصلوات اللّه و صلوات ملائكته المقربين علينا عن صلواتهم مستغنون». ثم قال: قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): من خير خلق اللّه بعد أئمة الهدى، و مصابيح الدجى؟ قال: العلماء اذا صلحوا قيل: فمن شرار خلق اللّه بعد ابليس، و فرعون، و نمرود، و بعد المتسمين بأسمائكم، و المتلقبين بألقابكم، و الآخذين لأمكنتكم، و المتأمرين في ممالككم؟ قال: العلماء اذا فسدوا، هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق، و فيهم قال اللّه عز و جل: «أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ إِلَّا الَّذِينَ تابُوا» الآية. [1]
مسند الإمام العسكري — الإمام العسكري عليه السلام
67 قَالَ قَالَ النَّبِيُّ
صلى الله عليه وآله وسلم عَلِيٌّ إِمَامُ كُلِّ مُؤْمِنٍ بَعْدِي 7 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ الْجِعَابِيُّ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ زِيَادٍ مِنْ أَصْلِ كِتَابِ أَبِيهِ قَالَ حَدَّثَنَا أَبِي قَالَ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ الْعَمْرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عِصَامُ بْنُ طَلِيقٍ عَنْ أَبِي هَارُونَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم فِي قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ قَالَ عَنْ وَلَايَةِ عَلِيٍّ مَا صَنَعُوا فِي أَمْرِهِ وَ قَدْ أَعْلَمَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنَّهُ الْخَلِيفَةُ بَعْدَ رَسُولِهِ 8 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ يُوسُفَ الْبَغْدَادِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَنْبَسَةَ مَوْلَى الرَّشِيدِ قَالَ حَدَّثَنَا دَارِمُ بْنُ قَبِيصَةَ قَالَ حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ سَالِمٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقُولُ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ وَ هُوَ آخِذٌ بِيَدِ عَلِيٍّ عليه السلام أَ لَسْتُ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ قَالُوا بَلَى قَالَ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا عَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ قال أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه نحن نستدل على أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قد نص على علي بن أبي طالب و استخلفه و أوجب فرض طاعته على الخلق بالأخبار الصحيحة و هي قسمان قسم قد جامعنا عليه خصومنا في نقله و خالفونا في تأويله و قسم قد خالفونا في نقله فالذي يجب علينا في ما وافقونا في نقله أن نريهم بتقسيم الكلام و رده إلى مشهور اللغات و الاستعمال المعروف أن معناه هو ما ذهبنا إليه من النص و الاستخلاف دون ما ذهبوا هم إليه من خلاف ذلك و الذي يجب علينا فيما خالفونا في نقله أن نبين أنه ورد ورودا يقطع مثله العذر و أنه نظير ما قد قبلوه و قطع عذرهم و احتجوا به على مخالفيهم من الأخبار التي تفردوا هم بنقلها دون مخالفيهم و جعلوها مع ذلك قاطعة للعذر و حجة على من خالفهم فنقول و بالله نستعين. إنا و مخالفينا قد روينا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَامَ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ وَ قَدْ جَمَعَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَ لَسْتُ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا اللَّهُمَّ بَلَى قَالَ فَمَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ
معاني الأخبار — معنى قول النبي — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
معاني الأخبار — معنى الإمام المبين — الله تعالى (حديث قدسي)
311 و قال الله عز و جل
- يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ أي معلمين قوله و ديث الصغار تأويل ذلك يقال للبعير إذا ذللته الدمامة بعير مديث أي مذلل و قوله في عقر ديارهم أي في أصل ديارهم و العقر الأصل و من ثم قيل لفلان عقار أي أصل مال و قوله تواكلتم هو مشتق من وكلت الأمر إليك و وكلته إلى إذا لم يتوله أحد دون صاحبه و لكن أحال به كل واحد إلى الآخر و من ذلك قول الحطيئة أمون إذا واكلتها لا تواكل . و قوله وَ اتَّخَذْتُمُوهُ وَراءَكُمْ ظِهْرِيًّا أي لم تلتفتوا إليه يقال في المثل لا تجعل حاجتي منك بظهر أي لا تطرحها غير ناظر إليها و قوله حتى شنت عليكم الغارات يقول صبت يقال شننت الماء على رأسه أي صببته و من كلام العرب فلما لقي فلان فلانا شنه بالسيف أي صبه عليه صبا و قوله هذا أخو غامد فهو رجل مشهور من أصحاب معاوية من بني غامد بن نضر من الأزد و قوله فتنتزع أحجالهما يعني الخلاخيل واحدها حجل و من ذلك قيل للدابة محجلة و يقال للقيد حجل لأنه يقع في ذلك الموضع و قوله و رعثهما فهي الشنوف واحدها رعثة و جمعها رعاث و جمع الجمع رعث و قوله ثم انصرفوا موفورين من الوفر أي لم ينل أحد منهم بأن يرزأ في بدن و لا مال يقال فلان موفور و فلان ذو وفر أي ذو مال و يكون موفورا في بدنه و قوله لم يكلم أحد منهم كلما أي لم يخدش أحد منهم خدشا و كل جرح صغير أو كبير فهو كلم و قوله مات من دون هذا أسفا يقول تحسرا و قد يكون الأسف الغضب قال الله عز و جل فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ و الأسيف يكون بمعنى الأجير و يكون بمعنى الأسير و قوله من تظافر هؤلاء القوم على باطلهم أي من تعاونهم و تظاهرهم فيه و قوله و فشلكم عن حقكم-
معاني الأخبار — معاني الألفاظ التي ذكرها أمير المؤمنين — الله تعالى (حديث قدسي)
قالوا : قال النبي
صلى الله عليه وآله : لقد صلت الملائكة علي وعلى علي بن أبي طالب سبع سنين قبل الناس وذلك أنه كان يصلي ولا يصلي معنا غيرنا . وفي رواية : لم يصل فيها غيري وغيره . وفي رواية : لم يصل معي رجل غيره . سنن ابن ماجة وتفسير الثعلبي عن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه ان عليا صلى مستخفيا مع النبي سبع سنين وأشهر . تاريخ الطبري وابن ماجة قال عباد بن عبد الله : سمعت عليا قال : أنا عبد الله وأخو رسول الله وأنا الصديق الأكبر لا يقولها بعدي إلا كاذب مفتر صليت مع رسول الله سبع سنين . مسندي أحمد وأبي يعلى قال حبة العرني : قال علي عليه السلام : صليت قبل أن يصلي الناس سبعا . قال الحميري : ألم يصل علي قبلهم حججا * ووحد الله رب الشمس والقمر وهؤلاء ومن في حزب دينهم * قوم صلاتهم للعود والحجر وله أيضا : وكفاه بأنه سبق الناس * بفضل الصلاة والتوحيد حججا قبلهم كوامل سبعا * بركوع لديه أو بسجود وله أيضا : أليس علي كان أول مؤمن * وأول من صلى غلاما ووحدا فما زال في سر يروح ويغتدي * فيرقي بثورا وحراء مصعدا يصلي ويدعو ربه فهما به * مع المصطفى مثنى وإن كان أوحدا سنين ثلاثا بعد خمس وأشهرا * كوامل صلى قبل أن يتمردا وله أيضا : ألم يؤت الهدى والناس حيرى * فوحد ربه الأحد العليا وصلى ثانيا في حال خوف * سنين تجرمت سبعا آسيا وله أيضا : وصلى ولم يشرك سنين وأشهرا * ثمانية من بعد سبع كوامل وقال غيره : أما لا يرون إقام الصلاة * وتوحيده وهم مشركونا
مناقب آل أبي طالب — : في المسابقة بالصلاة — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
أبي طالب . تاريخ البلاذري وحلية الأولياء وقال علي ( ع ) : والله ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت وأين نزلت أبليل نزلت أم بنهار نزلت في سهل أو جبل ان ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا سؤلا . قوت القلوب ، قال علي ( ع ) : لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا في تفسير فاتحة الكتاب ، ولما وجد المفسرون قوله لا يأخذون إلا به . سئل ابن الكواء وهو على المنبر : ما الذاريات ذروا ؟ فقال : الرياح ، فقال : وما الحاملات وقرأ ؟ قال : السحاب ، قال : وما الجاريات يسرا ؟ قال : الفلك ، قال : فما المقسمات أمرا ؟ قال الملائكة ، فالمفسرون كلهم على قوله . وجهلوا تفسير قوله ( ان أول بيت وضع للناس ) فقال له رجل : هو أول بيت ؟ قال : لا قد كان قبله بيوت ولكنه أول بيت وضع للناس مباركا فيه الهدى والرحمة والبركة وأول من بناه إبراهيم ثم بناه قوم من العرب من جرهم ثم هدم فبنته قريش ، وإنما استحسن قول ابن عباس فيه لأنه قد أخذ منه . أحمد في المسند ، لما توفي النبي صلى الله عليه وآله كان ابن عباس ابن عشر سنين وكان قرأ المحكم - يعني المفصل - قال الصحاب : هل مثل علمك لو زلوا وان وهنوا * وقد هديت كما أصبحت تهدينا ومنهم الفقهاء وهو أفقههم فإنه ما ظهر عن جميعهم ما ظهر منه ، ثم إن جميع فقهاء الأمصار إليه يرجعون ومن بحره يغترفون ، اما أهل الكوفة وفقهاؤهم : سفيان الثوري والحسن بن صالح بن حي وشريك بن عبد الله وابن أبي ليلى وهؤلاء يفرعون المسائل ويقولون هذا قياس قول علي ويترجمون الأبواب بذلك . واما أهل البصرة فقهاؤهم : الحسن وابن سيرين وكلاهما كانا يأخذان عمن أخذ عن علي ، وابن سيرين يفصح بأنه أخذ عن الكوفيين وعن عبيده السمعاني وهو أخص الناس بعلي ( ع ) . وأما أهل مكة فإنهم أخذوا عن ابن عباس وعن علي وقد أخذ عبد الله معظم علمه عنه . وأما أهل المدينة فعنه أخذوا . وقد صنف الشافعي كتابا مفردا في الدلالة على اتباع أهل المدينة لعلي وعبد الله وقال محمد بن الحسن الفقيه : لولا علي بن أبي طالب ما علمنا حم أهل البغي ، ولمحمد بن الحسن كتابا يشتمل على ثلاثمائة مسألة في قتال أهل البغي بناء على فعله .
مناقب آل أبي طالب — الله خذه إليك ، فجمعه على في ثوب فمضى إلى منزله فلما قبض النبي صلى الله عليه وآله جلس — غير محدد
( وان أحد من المشركين استجارك فأجره ) إلى آخر الآية . وفي الحديث عن الباقرين عليه السلام قال
ا : قام خداش وسعيد أخو عمرو بن ود فقال : وما يسرنا على أربعة اشهر بل برئنا منك ومن ابن عمك فليس بيننا وبين ابن عمك إلا السيف والرمح وان شئت بدأنا بك ، فقال علي عليه السلام : هلموا ، ثم قال واعلموا انكم غير معجزي الله ، إلى قوله : إلى مدتهم . تفسير الثعلبي ، قال المشركون : نحن نبرأ من عهدك وعهد ابن عمك إلا من الطعن والضرب ، وطفقوا يقولون : انا منعناك ان تبرك . وفي رواية عن النسابة ابن الصوفي ان النبي صلى الله عليه وآله قال في خبر طويل : ان أخي موسى ناجى ربه على جبل طور سيناء فقال في آخر الكلام امض إلى فرعون وقومه القبط وانا معك لا تخف فكان جوابه ما ذكره الله تعالى ( اني قتلت منهم نفسا فأخاف ان يقتلون ) وهذا علي قد أنفذته ليسترجع براءة ويقرأها على أهل مكة وقد قتل منهم خلقا عظيما فما خاف ولا توقف ولا تأخذه في الله لومة لائم . وفى رواية : فكان أهل الموسم يتلهفون عليه وما فيهم إلا من قتل أباه أو أخاه أو حميمه فصدهم الله عنه وعاد إلى المدينة سالما ، وكان أنفذه أول يوم من ذي الحجة سنة تسع من الهجرة وأداها إلى الناس يوم عرفة ويوم النحر . قال الحميري : من كان أذن منهم ببراءة * في المشركين فأنذر الكفارا منكم برانا أجمعين فأشهر * في الأرض سيروا كلكم فرارا وله أيضا : من كان أرسله النبي بسورة * في الحج كانت فيصلا وقضاء وله أيضا : براءة حين رد بها زريقا * وكان بأن يبلغها ضنينا وقال له رسول الله انى * يؤدي الوحي إلا الأقربونا وقال ابن حماد : بعث النبي براءة مع غيره * فأتاه جبريل يحث ويوضع قال ارتجعها وأعطها أولى الورى * بأدائها وهو البطين الأنزع فانظر إلي ذي النص من رب العلى * يختص ربي من يشاء ويرفع
مناقب آل أبي طالب — : في الاستنابة والولاية — الإمام الباقر عليه السلام
عِنْدَ نُزُولِهَا أَ لَسْتُ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَلَا مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا وَلِيُّ اللَّهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ الدُّعَاءَ أَلَا مَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيْعَةً فَإِلَيَّ وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ . تَفْسِيرِ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْإِمَامِ الصَّادِقُ ع قَالَ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَكَانَتْ لِعَلِيٍّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص الْوَلَايَةُ فِي الدِّينِ وَالْوَلَايَةُ فِي الرَّحِمِ فَهُوَ وَارِثُهُ كَمَا قَالَ ع أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَنْتَ وَارِثِي . السَمْعَانِيُّ فِي الْفَضَائِلِ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ النَّبِيُّ ع لِكُلِّ نَبِيٍّ وَصِيٌّ وَوَارِثٌ وَإِنَّ عَلِيّاً وَصِيِّي وَوَارِثِي . وَقَالُوا وَأَمَّا الْعَبَّاسُ فَلَمْ يَرِثْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وبالاتفاق أنه لم يهاجر العباس . ابن بطة في الإبانة إنه قيل لقثم بن العباس بأي شيء ورث علي بن أبي طالب النبي ع دون العباس قال لأنه كان أشدنا به لصوقا وأسرعنا به لحوقا . ابن حماد ويوم المؤاخاة نادى به * أخوك أنا اليوم بي فاقنع وله وآخاك أحمد إذ واخى صحابته * وكنت أنت له دون الأنام كفى زوجت فاطمة الزهراء إذ خطبت * ورد خطابها بالرغم والأسف وله أيضا وآخاه من دون الأنام فيا لها * غنيمة فوز ما أجل اغتنامها . العوني علي أخوه المصطفى قد رويتم * وشيخا كما قد قلتما إخوان . السوسي هل من أخ لرسول الله نعرفه * سوى علي فهل بالأمر منه خفاء أبو العلا من في الورى أحد أخوه محمد * أكرم بذاك من النبي أخاه .
مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب — في الإخوة — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
رَدّاً عَلَيْهِمْ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ الْآيَةَ . وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْمَاضِي إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص دَعَا النَّاسَ إِلَى وَلَايَةِ عَلِيٍّ ع لَيْسَ إِلَّا فَاتَّهَمُوهُ وَخَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ فِي عَلِيٍّ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فِي وَلَايَةِ عَلِيٍّ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً . وَعَنْهُ ص فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ فِيكَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ بِوَصِيِّكَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا . وَعَنْ بَعْضِهِمْ ع فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ يَا مُحَمَّدُ بِمَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ وَلَايَةِ عَلِيٍّ أَ لَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ كَذَّبُوا الرُّسُلَ فِي طَاعَةِ الْأَوْصِيَاءِ كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ مَنْ أَجْرَمَ إِلَى آلِ مُحَمَّدٍ وَرَكِبَ مِنْ وَصِيِّهِ مَا رَكِبَ . أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَ حَقٌّ هُوَ مَا تَقُولُ فِي عَلِيٍّ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ . العوني أليس قام رسول الله يخطبهم * يوم الغدير وجمع الناس محتفل وقال من كنت مولاه فذاك له * من بعد مولى فواخاه وما فعلوا لو سلموها إلى الهادي أبي حسن * كفى البرية لن تستوحش السبل هذا يطالبه بالضعف محتقبا * وتلك يجدونها في محفل جمل « 1 » . الحميري من كنت مولاه فهذا له * مولى فلا تأبوا بتكفار .
مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب — في قصة يوم الغدير — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال
الإمام (عليه السلام): لمّا توعّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) اليهود و النواصب في جحد النبوّة و الخلافة، قال مردة اليهود و عتاة النواصب: من هذا الذي ينصر محمّدا و عليّا على أعدائهما؟ فأنزل اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ ... لَآياتٍ دلائل واضحات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يتفكّرون بعقولهم أنّ من هذه العجائب من آثار قدرته، قادر على نصرة محمّد، و عليّ، و آلهما (عليهما السلام) على من تأذّاهما، و جعل العاقبة الحميدة لمن يواليه، فإنّ المجازاة ليست على الدنيا، و إنّما هي [على] الآخرة التي يدوم نعيمها، و لا يبيد عذابها . التاسع و الأربعون- أنّ النوم لا يغيّر من الأئمّة (عليهم السلام) شيئا:
موسوعة الإمام العسكري — الإمام العسكري عليه السلام
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال
الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ في صفة الكاتمين لفضلنا أهل البيت: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ المشتمل على ذكر فضل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) على جميع النبيّين، و فضل عليّ (عليه السلام) على جميع الوصيّين، وَ يَشْتَرُونَ بِهِ- بالكتمان- ثَمَناً قَلِيلًا يكتمونه ليأخذوا عليه عرضا من الدنيا يسيرا، و ينالوا به في الدنيا عند جهّال عباد اللّه رئاسة. قال اللّه تعالى: أولئك ما يأكلون في بطونهم- يوم القيامة- إلّا النار بدلا من [إصابتهم] اليسير من الدنيا لكتمانهم الحقّ. وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بكلام خير، بل يكلّمهم بأن يلعنهم، و يخزيهم، و يقول: بئس العباد أنتم، غيّرتم ترتيبي، و أخّرتم من قدّمته، و قدّمتم من أخّرته، و واليتم من عاديته، و عاديتم من واليته. وَ لا يُزَكِّيهِمْ من ذنوبهم، لأنّ الذنوب إنّما تذوب و تضمحلّ إذا قرن بها موالاة محمّد، و عليّ، و آلهما الطيّبين (عليهم السلام)، فأمّا ما يقرن بها الزوال عن موالاة محمّد و آله، فتلك ذنوب تتضاعف، و أجرام تتزايد، و عقوباتها تتعاظم. وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ موجع في النار. 239 أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أخذوا الضلالة عوضا عن الهدى، و الردى في دار البوار بدلا من السعادة في دار القرار و محلّ الأبرار. وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ اشتروا العذاب الذي استحقّوه بموالاتهم لأعداء اللّه بدلا من المغفرة التي كانت تكون لهم لو والوا أولياء اللّه فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ما أجرأهم على عمل يوجب عليهم عذاب النار. ذلِكَ يعني ذلك العذاب الذي وجب على هؤلاء بآثامهم و أجرامهم لمخالفتهم لإمامهم، و زوالهم عن موالاة سيّد خلق اللّه بعد محمّد نبيّه، أخيه و صفيّه، بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ نزّل الكتاب الذي توعّد فيه من مخالف المحقّين، و جانب الصادقين، و شرع في طاعة الفاسقين نزّل الكتاب بالحقّ إنّ ما يوعدون به يصيبهم و لا يخطئهم ... . الثامن و الخمسون- أنّهم (عليهم السلام) أولياء اللّه و أصفياءه:
موسوعة الإمام العسكري — الإمام العسكري عليه السلام
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال
الإمام (عليه السلام): ... فقال: وَ إِذا قِيلَ لَهُمْ تعالوا إلى ما أنزل اللّه في كتابه من وصف محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و حلية عليّ (عليه السلام)، و وصف فضائله، و ذكر مناقبه، و إلى الرسول، و تعالوا إلى الرسول لتقبلوا منه ما يأمركم به. قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين و المذهب، فاقتدوا بآبائهم في مخالفة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و منابذة عليّ وليّ اللّه ... . الحادي عشر- جزاء من أنكر نبوّة محمّد و ولاية عليّ (عليهما السلام):
موسوعة الإمام العسكري — الإمام العسكري عليه السلام
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال
الإمام (عليه السلام): وَ إِذا قِيلَ لهؤلاء اليهود الذين تقدّم ذكرهم: آمِنُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ على محمّد من القرآن، المشتمل على الحلال و الحرام، و الفرائض، و الأحكام ... . (ب)- حجّية خبر الثقة
موسوعة الإمام العسكري — الإمام العسكري عليه السلام
السيّد ابن طاوس (رحمه الله): ... [عن] أبي هاشم الجعفريّ، قال: سمعت أبا محمّد (عليه السلام) يقول
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أقرب إلى اسم اللّه الأعظم من سواد العين إلى بياضها . قوله تعالى: الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: 1/ 3. (534) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): الرَّحْمنِ العاطف على خلقه بالرزق، لا يقطع عنهم موادّ رزقه، و إن انقطعوا عن طاعته، الرَّحِيمِ بعباده المؤمنين في تخفيفه عليهم طاعاته، و بعباده الكافرين في الرفق بهم في دعائهم إلى موافقته . 14 قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ: 1/ 4. (535) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ أي قادر على إقامة يوم الدين، و هو يوم الحساب قادر على تقديمه على وقته و تأخيره بعد وقته. و هو المالك أيضا في يوم الدين، فهو يقضي بالحقّ، لا يملك الحكم و القضاء في ذلك اليوم من يظلم و يجور كما في الدنيا من يملك الأحكام . قوله تعالى: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ: 1/ 5 (536) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قال اللّه تعالى: قولوا يا أيّها الخلق المنعم عليهم: إِيَّاكَ نَعْبُدُ أيّها المنعم علينا، و نطيعك مخلصين مع التذلّل و الخضوع بلا رياء و لا سمعة. وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، منك نسأل المعونة على طاعتك لنؤدّيها كما أمرت، و نتّقي من دنيانا ما نهيت عنه، و نعتصم- من الشيطان الرجيم، و من سائر مردة الجنّ و الإنس من المضلّين و من المؤذين الظالمين- بعصمتك . 15 قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ: 1/ 6. (537) 1- الشيخ الصدوق (رحمه الله): حدّثنا محمّد بن القاسم الأسترآباديّ المفسّر، قال: حدّثني يوسف بن محمّد بن زياد و عليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)؛ في قوله تعالى: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، قال: أدم لنا توفيقك الذي به أطعناك في ماضي أيّامنا حتّى نطيعك كذلك في مستقبل أعمارنا. و الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ هو صراطان: صراط في الدنيا و صراط في الآخرة، و أمّا الصراط المستقيم في الدنيا فهو ما قصر عن الغلوّ، و ارتفع عن التقصير، و استقام فلم يعدل إلى شيء من الباطل. و أمّا الطريق الآخر فهو طريق المؤمنين إلى الجنّة الذي هو مستقيم لا يعدلون عن الجنّة إلى النار و لا إلى غير النار سوى الجنّة . قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَ لَا الضَّالِّينَ: 1/ 7. (538) 1- الشيخ الصدوق (رحمه الله): حدّثنا محمّد بن القاسم الأسترآباديّ المفسّر قال: حدّثني يوسف بن محمّد بن زياد، و عليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، 16 عن الحسن بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ أي قولوا: اهدنا صراط الذين أنعمت عليهم بالتوفيق لدينك و طاعتك، و هم الذين قال اللّه عزّ و جلّ: وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً ، و حكي هذا بعينه عن أمير المؤمنين (عليه السلام). قال: ثمّ قال: ليس هؤلاء المنعم عليهم بالمال، و صحّة البدن، و إن كان كلّ هذا نعمة من اللّه ظاهرة، أ لا ترون أنّ هؤلاء قد يكونون كفّارا أو فسّاقا، فما ندبتم إلى أن تدعوا بأن ترشدوا إلى صراطهم. و إنّما أمرتم بالدعاء بأن ترشدوا إلى صراط الذين أنعم عليهم بالإيمان باللّه و تصديق رسوله، و بالولاية لمحمّد و آله الطاهرين و أصحابه الخيّرين المنتجبين، و بالتقيّة الحسنة التي يسلم بها من شرّ عباد اللّه، و من الزيادة في آثام أعداء اللّه و كفرهم، بأن تداريهم، و لا تعزيهم بأذاك و أذى المؤمنين، و بالمعرفة بحقوق الإخوان من المؤمنين. فإنّه ما من عبد و لا أمة و الى محمّدا و آل محمّد (عليهم السلام)، و عادى من عاداهم إلّا كان قد اتّخذ من عذاب اللّه حصنا منيعا و جنّة حصينة. و ما من عبد و لا أمة دارى عباد اللّه، فأحسن المداراة فلم يدخل بها 17 في باطل، و لم يخرج من حقّ إلّا جعل اللّه عزّ و جلّ نفسه تسبيحا، و زكّى عمله، و أعطاه بصيرة على كتمان سرّنا. و احتمال الغيظ لما يسمعه من أعدائنا، ثواب المتشحّط بدمه في سبيل اللّه. و ما من عبد أخذ نفسه بحقوق إخوانه فوفاهم حقوقهم جاهده، و أعطاهم ممكنه، و رضي عنهم بعفوهم، و ترك الاستقصاء عليهم فيما يكون من زللهم، و اغتفرها لهم إلّا قال اللّه له يوم يلقاه: يا عبدي! قضيت حقوق إخوانك و لم تستقص عليهم فيما لك عليهم، فأنا أجود و أكرم و أولى بمثل ما فعلته من المسامحة و الكرم، فإنّي أقضيك اليوم على حقّ ما وعدتك به، و أزيدك من فضلي الواسع، و لا أستقصي عليك في تقصيرك في بعض حقوقي. قال: فيلحقهم بمحمّد و آله، و يجعله في خيار شيعتهم. ثمّ قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد اللّه! أحبّ في اللّه، و أبغض في اللّه، و وال في اللّه، و عاد في اللّه، فإنّه لا تنال ولاية اللّه إلّا بذلك، و لا يجد رجل طعم الإيمان و إن كثرت صلاته و صيامه حتّى يكون كذلك، و قد صارت مؤاخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا عليها يتوادّون و عليها يتباغضون، و ذلك لا يغني عنهم من اللّه شيئا. فقال الرجل: يا رسول اللّه! فكيف لي أن أعلم أنّي قد واليت و عاديت في اللّه، و من وليّ اللّه حتّى أواليه؟ و من عدّوه حتّى أعاديه؟ فأشار له رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى عليّ (عليه السلام)، فقال: أ ترى هذا؟ قال: بلى. قال: وليّ هذا وليّ اللّه فواله، و عدوّ هذا عدوّ اللّه فعاده، و وال وليّ هذا و لو أنّه قاتل أبيك [و ولدك] و عاد عدوّ هذا و لو أنّه أبوك أو ولدك . 18 الثاني- ما ورد عنه (عليه السلام) في سورة البقرة [2]: قوله تعالى: الم. ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ: 2/ 2. (539) 1- الشيخ الصدوق (رحمه الله): حدّثنا محمّد بن القاسم الأسترآباديّ المعروف بأبي الحسن الجرجانيّ المفسّر- رضى اللّه- قال: حدّثني أبو يعقوب يوسف ابن محمّد بن زياد، و أبو الحسن عليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن ابن عليّ بن محمّد بن عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ ابن أبي طالب (صلوات الله عليهم اجمعين)، أنّه قال: كذّبت قريش و اليهود 19 بالقرآن، و قالوا: سحر مبين تقوّله. فقال اللّه: الم. ذلِكَ الْكِتابُ أي يا محمّد! هذا الكتاب الذي أنزلناه عليك هو الحروف المقطّعة التي منها ألف، لام، ميم، و هو بلغتكم، و حروف هجائكم، فأتوا بمثله إن كنتم صادقين. و استعينوا على ذلك بسائر شهدائكم، ثمّ بيّن أنّهم لا يقدرون عليه بقوله: قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً . ثمّ قال اللّه: الم هو القرآن الذي افتتح ب الم هو ذلِكَ الْكِتابُ الذي أخبرت به موسى فمن بعده من الأنبياء، فأخبروا بني إسرائيل: أن سأنزل عليك يا محمّد كتابا عزيزا لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ . لا رَيْبَ فِيهِ لا شكّ فيه لظهوره عندهم كما أخبرهم به أنبياؤهم: أنّ محمّدا ينزل عليه كتاب لا يمحوه الباطل، يقرؤه هو و أمّته على سائر أحوالهم. هُدىً بيان من الضلالة لِلْمُتَّقِينَ الذين يتّقون الموبقات، و يتّقون تسليط السفه على أنفسهم حتّى إذا علموا ما يجب عليهم علمه، عملوا بما يوجب لهم رضا ربّهم. قال: و قال الصادق (عليه السلام): ثمّ الألف حرف من حروف قول اللّه، دلّ بالألف على قولك اللّه، و دلّ باللام على قولك الملك العظيم القاهر للخلق أجمعين، و دلّ بالميم على أنّه المجيد المحمود في كلّ أفعاله. 20 و جعل هذا القول حجّة على اليهود، و ذلك أنّ اللّه لمّا بعث موسى بن عمران ثمّ من بعده من الأنبياء إلى بني إسرائيل لم يكن فيهم أحد إلّا أخذوا عليهم العهود و المواثيق ليؤمننّ بمحمّد العربيّ الأمّيّ المبعوث بمكّة الذي يهاجر إلى المدينة، يأتي بكتاب من الحروف المقطّعة افتتاح بعض سوره، يحفظه أمّته، فيقرءونه قياما و قعودا و مشاة، و على كلّ الأحوال. يسهّل اللّه عزّ و جلّ حفظه عليهم، و يقرنون بمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) أخاه و وصيّه عليّ ابن أبي طالب (عليه السلام) الاخذ عنه علومه التي علّمها، و المتقلّد عنه الأمانة التي قدّرها و مذلّل كلّ من عاند محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بسيفه الباتر، و يفحم كلّ من جادله، و خاصمه بدليله الظاهر، يقاتل عباد اللّه على تنزيل كتاب اللّه حتّى يقودهم إلى قبوله طائعين، و كارهين. ثمّ إذا صار محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى رضوان اللّه عزّ و جلّ، و ارتدّ كثير ممّن كان أعطاه ظاهر الإيمان، و حرّفوا تأويلاته، و غيّروا معانيه، و وضعوها على خلاف وجوهها، قاتلهم بعد ذلك على تأويله حتّى يكون إبليس الغاوي لهم هو الخاسر الذليل المطرود المغلول. قال: فلمّا بعث اللّه محمّدا و أظهره بمكّة، ثمّ سيّره منها إلى المدينة، و أظهره بها، ثمّ أنزل إليه الكتاب، و جعل افتتاح سورته الكبرى ب الم يعني: الم. ذلِكَ الْكِتابُ و هو ذلك الكتاب الذي أخبرت أنبيائي السالفين أنّي سأنزله عليك يا محمّد، لا رَيْبَ فِيهِ. فقد ظهر كما أخبرهم به أنبياؤهم أنّ محمّدا ينزل عليه كتاب مبارك لا يمحوه الباطل يقرؤه هو و أمّته على سائر أحوالهم، ثمّ اليهود يحرّفونه عن جهته، و يتأوّلونه على غير وجهه، و يتعاطون التوصّل إلى علم ما قد طواه اللّه عنهم من حال آجال هذه الأمّة، و كم مدّة ملكهم. 21 فجاء إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) منهم جماعة، فولّى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عليّا (عليه السلام)، فخاطبهم، فقال قائلهم: إن كان ما يقول محمّد- (صلى الله عليه و آله و سلم)- حقّا لقد علمناكم قدر ملك أمّته، هو إحدى و سبعون سنة الألف واحد، و اللام ثلاثون، و الميم أربعون. فقال عليّ (عليه السلام): فما تصنعون ب المص و قد أنزل عليه؟ قالوا: هذه إحدى و ستّون و مائة سنة. قال: فما ذا تصنعون ب الر و قد أنزلت عليه؟ فقالوا: هذه أكثر، هذه مائتان و إحدى و ثلاثون سنة. فقال عليّ (عليه السلام): فما تصنعون بما أنزل عليه المر؟ قالوا: هذه مائتان و إحدى و سبعون سنة. فقال عليّ (عليه السلام): فواحدة من هذه له أو جميعها له؟ فاختلط كلامهم، فبعضهم قال: له واحدة منها، و بعضهم قال: بل يجمع له كلّها و ذلك سبعمائة و أربع و ثلاثون سنة، ثمّ يرجع الملك إلينا يعني إلى اليهود. فقال عليّ (عليه السلام): أ كتاب من كتب اللّه نطق بهذا، أم آراؤكم دلّتكم عليه؟ قال بعضهم: كتاب اللّه نطق به، و قال آخرون منهم: بل آراؤنا دلّت عليه. فقال عليّ (عليه السلام): فأتوا بالكتاب من عند اللّه ينطق بما تقولون. فعجزوا عن إيراد ذلك، و قال للآخرين: فدلّونا على صواب هذا الرأي. فقال: صواب رأينا دليله أنّ هذا حساب الجمل. فقال عليّ (عليه السلام): كيف دلّ على ما تقولون، و ليس في هذه الحروف إلّا ما اقترحتم بلا بيان؟! أ رأيتم إن قيل لكم: إنّ هذه الحروف ليست دالّة على هذه المدّة لملك أمّة محمّد، و لكنّها دالّة على أنّ كلّ واحد منكم قد لعن بعدد هذا الحساب، أو أنّ عدد ذلك لكلّ واحد منكم و منّا بعدد هذا الحساب دراهم أو دنانير، أو أنّ لعليّ على 22 كلّ واحد منكم دين عدد ماله مثل عدد هذا الحساب؟ قالوا: يا أبا الحسن! ليس شيء ممّا ذكرته منصوصا عليه في الم، و المص، و الر، و المر. فقال عليّ (عليه السلام): و لا شيء ممّا ذكرتموه منصوص عليه في الم، و المص، و الر، و المر، فإن بطل قولنا لما قلنا بطل قولك لما قلت. فقال خطيبهم و منطيقهم: لا تفرح يا عليّ، بأن عجزنا عن إقامة حجّة فيما تقولهنّ على دعوانا، فأيّ حجة لك في دعواك؟ إلّا أن تجعل عجزنا حجّتك، فإذا ما لنا حجّة فيما نقول، و لا لكم حجّة فيما تقولون. قال عليّ (عليه السلام): لا سواء، إنّ لنا حجّة، هي المعجزة الباهرة، ثمّ نادى جمال اليهود: يا أيّتها الجمال! أشهدي لمحمّد و لوصيّه. فتبادر الجمال: صدقت، صدقت، يا وصيّ محمّد! و كذب هؤلاء اليهود. فقال عليّ (عليه السلام): هؤلاء جنس من الشهود، يا ثياب اليهود! التي عليهم، أشهدي لمحمّد و لوصيّه. فنطقت ثيابهم كلّها: صدقت، صدقت، يا عليّ! نشهد أنّ محمّدا رسول اللّه حقّا، و أنّك يا عليّ! وصيّه حقّا، لم يثبت محمّدا قدما في مكرمة إلّا وطأت على موضع قدمه بمثل مكرمته، و أنتما شقيقان من اشراق أنوار اللّه، فميّزتما اثنين، و أنتما في الفضائل شريكان إلّا أنّه لا نبيّ بعد محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم). فعند ذلك خرست اليهود، و آمن بعض النظارة منهم برسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فغلب الشقاء على اليهود و سائر النظارة الآخرين. فذلك ما قال اللّه: لا رَيْبَ فِيهِ إنّه كما قال محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و وصيّ محمّد عن قول محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، عن قول ربّ العالمين. ثمّ قال: هُدىً بيان و شفاء لِلْمُتَّقِينَ من شيعة محمّد و عليّ، أنّهم اتّقوا 23 أنواع الكفر فتركوها، و اتّقوا الذنوب الموبقات فرفضوها، و اتّقوا إظهار أسرار اللّه و أسرار أزكياء عباده الأوصياء بعد محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) فكتموها، و اتّقوا ستر العلوم عن أهلها المستحقّين لها و فيهم نشروها . قوله تعالى: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ: 2/ 3 (540) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): ثمّ وصف هؤلاء المتّقين الذين هذا الكتاب هدى لهم فقال: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ يعني بما غاب عن حواسّهم من الأمور التي يلزمهم الإيمان بها كالبعث 24 [و النشور] و الحساب، و الجنّة، و النار، و توحيد اللّه تعالى، و سائر ما لا يعرف بالمشاهدة. و إنّما يعرف بدلائل قد نصبها اللّه عزّ و جلّ [عليها] كادم و حوّاء و إدريس و نوح و إبراهيم و الأنبياء الذين يلزمهم الإيمان [بهم، و] بحجج اللّه تعالى و إن لم يشاهدوهم، و يؤمنون بالغيب، و هم من الساعة مشفقون . (541) 2- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): يعني وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ من الأموال و القوى في الأبدان و الجاه و المقدار. يُنْفِقُونَ يؤدّون من الأموال الزكوات، و يجودون بالصدقات، و يحتملون الكلّ يؤدّون الحقوق اللازمات كالنفقة في الجهاد إذا لزم، و إذا استحبّ، و كسائر النفقات الواجبات على الأهلين، و ذوي الأرحام القريبات، و الآباء، و الأمّهات. و كالنفقات المستحبّات على من لم يكن فرضا عليهم النفقة من سائر القرابات، و كالمعروف بالإسعاف، و القرض، و الأخذ بأيدي الضعفاء و الضعيفات، و يؤدّون من قوى الأبدان المعونات، كالرجل يقود ضريرا و ينجيه من مهلكة، أو يعين مسافرا، أو غير مسافر على حمل متاع على دابّة قد سقط عنها، أو كدفع عن مظلوم [قد] قصده ظالم بالضرب أو بالأذى. و يؤدّون الحقوق من الجاه بأن يدفعوا به عن عرض من يظلم بالوقيعة فيه، أو يطلبوا حاجة بجاههم لمن [قد] عجز عنها بمقداره. فكلّ هذا إنفاق ممّا رزقه اللّه تعالى . 25 (542) 3- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قوله عزّ و جلّ: وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. قال الإمام (عليه السلام): ثمّ وصفهم بعد [ذلك] فقال: وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ يعني بإتمام ركوعها، و سجودها، و حفظ مواقيتها، و حدودها، و صيانتها عمّا يفسدها و ينقضها . قوله تعالى: وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ: 2/ 4. (543) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): ثمّ وصف بعد هؤلاء الذين يقيمون الصلاة، فقال: وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ- يا محمّد- وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ على الأنبياء الماضين، كالتوراة، و الإنجيل، و الزبور، و صحف إبراهيم، و سائر كتب اللّه تعالى المنزلة على أنبيائه بأنّها حقّ و صدق من عند ربّ العالمين العزيز الصادق الحكيم. وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ و بالدار الآخرة بعد هذه الدنيا يوقنون [و] لا يشكّون فيها أنّها الدار التي فيها جزاء الأعمال الصالحة بأفضل ممّا عملوه، و عقاب الأعمال السيّئة بمثل ما كسبوه . 26 قوله تعالى: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ: 2/ 5 (544) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): ثمّ أخبر (عن جلالة) هؤلاء الموصوفين بهذه الصفات الشريفة، فقال: أُولئِكَ أهل هذه الصفات عَلى هُدىً و بيان و صواب مِنْ رَبِّهِمْ و علم بما أمرهم به، وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ، الناجون ممّا منه يوجلون، الفائزون بما يؤملون . قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ: 2/ 6 (545) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): [ف] لمّا ذكر [اللّه] هؤلاء المؤمنين و مدحهم ذكر الكافرين المخالفين لهم في كفرهم، فقال: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا باللّه و بما آمن به هؤلاء المؤمنون بتوحيد اللّه تعالى، و بنبوّة محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و بوصيّه عليّ وليّ اللّه و وصيّ رسول اللّه، و بالأئمّة الطاهرين الطيّبين خيار عباده الميامين القوّامين بمصالح خلق اللّه تعالى. سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ خوّفتهم أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لم تخوّفهم [فهم] لا يُؤْمِنُونَ. [أخبر عن علمه فيهم، و هم الذين قد علم اللّه عزّ و جلّ أنّهم لا يؤمنون] . 27 قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ: 2/ 7. (546) 1- أبو منصور الطبرسيّ (رحمه الله): و بالإسناد المقدّم ذكره : أنّ أبا محمّد العسكريّ (عليه السلام) قال- في قوله تعالى-: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ أي و سمها بسمة يعرفها من يشاء من ملائكته إذا نظر إليها بأنّهم الذين لا يؤمنون. و على سمعهم كذلك بسمات، و على أبصارهم غشاوة، و ذلك بأنّهم لمّا أعرضوا عن النظر فيما كلّفوه، و قصروا فيما أريد منهم، و جهلوا ما لزمهم الإيمان به، فصاروا كمن على عينيه غطاء لا يبصر ما أمامه. فإنّ اللّه عزّ و جلّ يتعالى عن العبث و الفساد، و عن مطالبة العباد بما منعهم بالقهر منه، فلا يأمرهم بمغالبته، و لا بالمصير إلى ما قد صدّهم بالقسر عنه. ثمّ قال: وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ يعني في الآخرة العذاب المعدّ للكافرين، و في الدنيا أيضا لمن يريد أن يستصلحه بما ينزل به من عذاب الاستصلاح لينبّهه 28 لطاعته، أو من عذاب الاصطلام ليصيّره إلى عدله و حكمته . قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ: 2/ 28. (547) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لكفّار قريش و اليهود: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ الذي دلّكم على طرق الهدى، و جنّبكم إن أطعتموه سبل الردى، وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً في أصلاب آبائكم و أرحام أمّهاتكم. فَأَحْياكُمْ أخرجكم أحياء ثُمَّ يُمِيتُكُمْ في هذه الدنيا و يقبركم، ثُمَّ يُحْيِيكُمْ في القبور و ينعّم فيها المؤمنين بنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و ولاية عليّ (عليه السلام) و يعذّب فيها الكافرين بهما، ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ في الآخرة بأن تموتوا في القبور بعد، ثمّ تحيوا للبعث يوم القيامة، ترجعون إلى ما وعدكم من الثواب على الطاعات إن كنتم فاعليها، و من العقاب على المعاصي إن كنتم مقار فيها . فقيل له: يا ابن رسول اللّه! ففي القبر نعيم و عذاب؟ قال: إي و الذي بعث محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) بالحقّ نبيّا و جعله زكيّا هاديا مهديّا. 29 و جعل أخاه عليّا بالعهد وفيّا، و بالحقّ مليّا، ولدى اللّه مرضيّا، و إلى الجهاد سابقا، و للّه في أحواله موافقا، و للمكارم حائزا، و بنصر اللّه على أعدائه فائزا، و للعلوم حاويا، و لأولياء اللّه مواليا، و لأعدائه مناويا، و بالخيرات ناهضا، و للقبائح رافضا، و للشيطان مخزيا، و للفسقة المردة مقصيا، و لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) نفسا، و بين يديه لدى المكاره ترسا و جنّة. آمنت به أنا و أبي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) عبد ربّ الأرباب المفضّل على أولي الألباب، الحاوي لعلوم الكتاب، زين من يوافي يوم القيامة في عرصات الحساب بعد محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، صفيّ الكريم العزيز الوهّاب. إنّ في القبر نعيما يوفّر اللّه به حظوظ أوليائه، و إنّ في القبر عذابا يشدّد اللّه به على أعدائه. إنّ المؤمن الموالي لمحمّد و آله الطيّبين المتّخذ لعليّ بعد محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) إمامه الذي يحتذي مثاله، و سيّده الذي يصدّق أقواله، و يصوّب أفعاله، و يطيعه بطاعة من يندبه من أطائب ذرّيّته لأمور الدين، و سياسته إذا حضره من أمر اللّه تعالى ما لا يردّ، و نزل به من قضائه ما لا يصدّ، و حضره ملك الموت و أعوانه وجد عند رأسه محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) رسول اللّه [سيّد النبيّين من جانب، و من جانب آخر عليّا (عليه السلام) سيّد الوصيّين، و عند رجليه من جانب الحسن (عليه السلام) سبط سيّد النبيّين، و من جانب آخر الحسين (عليه السلام) سيّد الشهداء أجمعين، و حواليه بعدهم خيار خواصّهم و محبّيهم، الذين هم سادة هذه الأمّة بعد ساداتهم من آل محمّد. فينظر إليهم العليل المؤمن، فيخاطبهم بحيث يحجب اللّه صوته عن آذان 30 حاضريه كما يحجب رؤيتنا أهل البيت، و رؤية خواصّنا عن عيونهم ليكون إيمانهم بذلك أعظم ثوابا، لشدّة المحنة عليهم فيه. فيقول المؤمن: بأبي أنت و أمّي يا رسول ربّ العزّة! بأبي أنت و أمّي يا وصيّ رسول [ربّ] الرحمة، بأبي أنتما و أمّي يا شبلي محمّد و ضرغاميه، و [يا] ولديه و سبطيه، و [يا] سيّدي شباب أهل الجنّة المقرّبين من الرحمة و الرضوان. مرحبا بكم [يا] معاشر خيار أصحاب محمّد و عليّ، و ولديهما ما كان أعظم شوقي إليكم! و ما أشدّ سروري الآن بلقائكم! يا رسول اللّه! هذا ملك الموت قد حضرني، و لا أشكّ في جلالتي في صدره لمكانك و مكان أخيك منّي، فيقول رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): كذلك هو. ثمّ يقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) على ملك الموت، فيقول: يا ملك الموت! استوص بوصيّة اللّه في الإحسان إلى مولانا و خادمنا و محبّنا و مؤثرنا، فيقول [له] ملك الموت: يا رسول اللّه! مره أن ينظر إلى ما قد أعدّ [اللّه] له في الجنان، فيقول له رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): انظر إلى العلوّ! فينظر إلى ما لا تحيط به الألباب و لا يأتي عليه العدد و الحساب. فيقول ملك الموت: كيف لا أرفق بمن ذلك ثوابه، و هذا محمّد و عترته زوّاره؟ يا رسول اللّه! لو لا أنّ اللّه جعل الموت عقبة لا يصل إلى تلك الجنان إلّا من قطعها لما تناولت روحه، و لكن لخادمك و محبّك هذا أسوة بك، و بسائر أنبياء اللّه و رسله و أوليائه الذين أذيقوا الموت بحكم اللّه تعالى. ثمّ يقول محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم): يا ملك الموت! هاك أخانا قد سلّمناه إليك، فاستوص به خيرا، ثمّ يرتفع هو و من معه إلى ربض الجنان، و قد كشف عن الغطاء و الحجاب لعين ذلك المؤمن العليل، فيراهم المؤمن هناك بعد ما كانوا حول فراشه. فيقول: يا ملك الموت! الوحا الوحا، تناول روحي و لا تلبثني هاهنا فلا صبر 31 لي عن محمّد و عترته، و ألحقني بهم. فعند ذلك يتناول ملك الموت روحه،، فيسلّها كما يسلّ الشعرة من الدقيق، و إن كنتم ترون أنّه في شدّة فليس في شدّة، بل هو في رخاء و لذّة. فإذا أدخل قبره وجد جماعتنا هناك، فإذا جاء منكر و نكير، قال أحدهما للآخر: هذا محمّد، و [هذا] عليّ و الحسن و الحسين و خيار صحابتهم بحضرة صاحبنا، فلنتّضع لهم. فيأتيان و يسلّمان على محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) سلاما [تامّا] منفردا، ثمّ يسلّمان على عليّ سلاما تامّا منفردا، ثمّ يسلّمان على الحسن و الحسين سلاما يجمعانهما فيه، ثمّ يسلّمان على سائر من معنا من أصحابنا. ثمّ يقولان: قد علمنا يا رسول اللّه! زيارتك في خاصّتك لخادمك و مولاك، و لو لا أنّ اللّه يريد إظهار فضله لمن بهذه الحضرة من أملاكه- و من يسمعنا من ملائكته بعدهم- لما سألناه، و لكن أمر اللّه لا بدّ من امتثاله. ثمّ يسألانه فيقولان: من ربّك؟ و ما دينك؟ و من نبيّك؟ و من إمامك؟ و ما قبلتك؟ و من إخوانك؟ فيقول: اللّه ربّي، و محمّد نبيّي، و عليّ وصيّ محمّد إمامي، و الكعبة قبلتي، و المؤمنون الموالون لمحمّد و عليّ و [آلهما] و أوليائهما، و المعادون لأعدائهما إخواني، [و] أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، و أنّ أخاه عليّا وليّ اللّه، و أنّ من نصبهم للإمامة من أطائب عترته و خيار ذرّيّته خلفاء الأمّة، و ولاة الحقّ، و القوّامون بالعدل. فيقول: على هذا حييت، و على هذا متّ، و على هذا تبعث إن شاء اللّه تعالى، و تكون مع من تتولّاه في دار كرامة اللّه و مستقرّ رحمته. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و إن كان لأوليائنا معاديا، و لأعدائنا مواليا، 32 و لأضدادنا بألقابنا ملقّبا. فإذا جاءه ملك الموت لنزع روحه، مثّل اللّه عزّ و جلّ لذلك الفاجر سادته الذين اتّخذهم أربابا من دون اللّه، عليهم من أنواع العذاب ما يكاد نظره إليهم يهلكه، و لا يزال يصل إليه من حرّ عذابهم ما لا طاقة له به. فيقول له ملك الموت: [يا] أيّها الفاجر الكافر! تركت أولياء اللّه إلى أعدائه فاليوم لا يغنون عنك شيئا، و لا تجد إلى مناص سبيلا. فيرد عليه من العذاب ما لو قسّم أدناه على أهل الدنيا لأهلكهم. ثمّ إذا أدلي في قبره رأى بابا من الجنّة مفتوحا إلى قبره يرى منه خيراتها، فيقول [له] منكر و نكير: انظر إلى ما حرمته من [تلك] الخيرات. ثمّ يفتح له في قبره باب من النار يدخل عليه منه [من] عذابها، فيقول: يا ربّ! لا تقم الساعة، [يا ربّ!] لا تقم الساعة . قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَ هُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ. 33 وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قالُوا سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ. قالَ يا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمائِهِمْ قالَ أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ: 2/ 29- 33. (548) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): لمّا قيل لهم: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً الآية. قالوا: متى كان هذا؟ فقال اللّه عزّ و جلّ- حين قال ربّك للملائكة الذين كانوا في الأرض مع إبليس، و قد طردوا عنها الجنّ بني الجانّ و خفّت العبادة-: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً بدلا منكم، و رافعكم منها. فاشتدّ ذلك عليهم لأنّ العبادة عند رجوعهم إلى السماء تكون أثقل عليهم، ف قالُوا ربّنا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ كما فعلته الجنّ بنو الجانّ الذين قد طردناهم عن هذه الأرض وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ننزهك عمّا لا يليق بك من الصفات وَ نُقَدِّسُ لَكَ، نطهّر أرضك ممّن يعصيك. قال اللّه تعالى: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إنّي أعلم من الصلاح الكائن فيمن أجعله بدلا منكم ما لا تعلمون. و أعلم أيضا أنّ فيكم من هو كافر في باطنه [ما] لا تعلمون [ه]- و هو إبليس لعنه اللّه-. ثمّ قال: وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها أسماء أنبياء اللّه و أسماء محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيّبين من آلهما و أسماء خيار شيعتهم و عتاة أعدائهم، ثُمَّ عَرَضَهُمْ- عرض محمّدا، و عليّا، و الأئمّة- عَلَى الْمَلائِكَةِ 34 أي عرض أشباحهم، و هم أنوار في الأظلّة. فَقالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْماءِ هؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ أنّ جميعكم تسبّحون و تقدّسون، و أنّ ترككم هاهنا أصالح من إيراد من بعدكم، أي فكما لم تعرفوا غيب من [في] خلالكم فالحريّ أن لا تعرفوا الغيب الذي لم يكن كما لا تعرفون أسماء أشخاص ترونها. قالت الملائكة: سُبْحانَكَ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ [العليم] بكلّ شيء الحكيم المصيب في كلّ فعل. قالَ اللّه عزّ و جلّ: يا آدَمُ أنبئ هؤلاء الملائكة بِأَسْمائِهِمْ، أسماء الأنبياء و الأئمّة، فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ فعرفوها أخذ عليهم العهد و الميثاق بالإيمان بهم و التفضيل لهم، قالَ اللّه تعالى عند ذلك: أَ لَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ- سرّهما- وَ أَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ [و] ما كان يعتقده إبليس من الإباء على آدم إن أمر بطاعته و إهلاكه إن سلّط عليه، و من اعتقادكم أنّه لا أحد يأتي بعدكم إلّا و أنتم أفضل منه، بل محمّد و آله الطيّبون أفضل منكم الذين أنبأكم آدم بأسمائهم . قوله تعالى: وَ إِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبى وَ اسْتَكْبَرَ وَ كانَ مِنَ الْكافِرِينَ: 2/ 34. (549) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: كان خلق اللّه لكم ما في الأرض جميعا وَ إِذْ قُلْنا 35 لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ أي في ذلك الوقت خلق لكم . قوله تعالى: وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها رَغَداً حَيْثُ شِئْتُما وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ: 2/ 35. (550) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): إنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا لعن إبليس بإبائه، و أكرم الملائكة بسجودها لادم و طاعتهم للّه عزّ و جلّ أمر بادم و حوّاء إلى الجنّة، و قال: وَ قُلْنا يا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلا مِنْها من الجنّة رَغَداً واسعا حَيْثُ شِئْتُما بلا تعب. وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ [شجرة العلم] شجرة علم محمّد و آل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) الذين آثرهم اللّه عزّ و جلّ بها دون سائر خلقه. فقال اللّه تعالى: وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ، شجرة العلم، فإنّها لمحمّد و آله خاصّة دون غيرهم، و لا يتناول منها بأمر اللّه إلّا هم. و منها ما كان يتناوله النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (صلوات الله عليهم اجمعين) بعد إطعامهم المسكين، و اليتيم، و الأسير حتّى لم يحسّوا بعد بجوع، و لا عطش، و لا تعب، و لا نصب. و هي شجرة تميّزت من بين أشجار الجنّة. إنّ سائر أشجار الجنّة [كان] كلّ نوع منه يحمل نوعا من الثمار و المأكول. و كانت هذه الشجرة و جنسها تحمل البرّ و العنب و التين و العنّاب و سائر أنواع الثمار و الفواكه و الأطعمة. 36 فلذلك اختلف الحاكون لتلك الشجرة، فقال بعضهم: هي برّة، و قال آخرون: هي عنبة، و قال آخرون: هي تينة، و قال آخرون: هي عنّابة. قال اللّه تعالى: وَ لا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ تلتمسان بذلك درجة محمّد [و آل محمّد] في فضلهم. فإنّ اللّه تعالى خصّهم بهذه الدرجة دون غيرهم، و هي الشجرة التي من تناول منها بإذن اللّه عزّ و جلّ ألهم علم الأوّلين و الآخرين من غير تعلّم، و من تناول [منها] بغير إذن اللّه خاب من مراده، و عصى ربّه فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ بمعصيتكما و التماسكما درجة قد أوثر بها غيركما، إذا أردتماها بغير حكم اللّه . قوله تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها فَأَخْرَجَهُما مِمَّا كانا فِيهِ وَ قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ: 2/ 36. (551) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال اللّه تعالى: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها عن الجنّة بوسوسته و خديعته و إيهامه [و عداوته] و غروره بأن بدأ بادم فقال: قالَ ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ إن تناولتما منها تعلمان الغيب، و تقدران على ما يقدر عليه من 37 خصّه اللّه تعالى بالقدرة، أَوْ تَكُونا مِنَ الْخالِدِينَ لا تموتان أبدا. وَ قاسَمَهُما حلف لهما إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ [الصالحين]. و كان إبليس بين لحيي الحيّة أدخلته الجنّة، و كان آدم يظنّ أنّ الحيّة هي التي تخاطبه، و لم يعلم أنّ إبليس قد اختبأ بين لحييها. فردّ آدم على الحيّة: أيّتها الحيّة! هذا من غرور إبليس لعنه اللّه، كيف يخوننا ربّنا أم كيف تعظّمين اللّه بالقسم به، و أنت تنسبينه إلى الخيانة و سوء النظر، و هو أكرم الأكرمين، أم كيف أروم التوصّل إلى ما منعني منه ربّي عزّ و جلّ و أتعاطاه بغير حكمة، فلمّا آيس إبليس من قبول آدم منه عاد ثانية بين لحيي الحيّة، فخاطب حوّاء من حيث يوهمها أنّ الحيّة هي التي تخاطبها، و قال: يا حوّاء! أ رأيت هذه الشجرة التي كان اللّه عزّ و جلّ حرّمها عليكما قد أحلّها لكما بعد تحريمها لما عرف من حسن طاعتكما له، و توقيركما إيّاه، و ذلك أنّ الملائكة الموكّلين بالشجرة- الذين معهم حراب يدفعون عنها سائر حيوان الجنّة- لا تدفعك عنها إن رمتها، فاعلمي بذلك أنّه قد أحلّ لك، و أبشري بأنّك إن تناولتها قبل آدم كنت أنت المسلّطة عليه الامرة الناهية فوقه. فقالت حوّاء: سوف أجرّب هذا، فرامت الشجرة، فأرادت الملائكة أن تدفعها عنها بحرابها. فأوحى اللّه تعالى إليها: إنّما تدفعون بحرابكم من لا عقل له يزجره، فأمّا من جعلته ممكّنا مميّزا مختارا، فكلوه إلى عقله الذي جعلته حجّة عليه، فإن أطاع استحقّ ثوابي، و إن عصى و خالف [أمري] استحقّ عقابي و جزائي. 38 فتركوها، و لم يتعرّضوا لها بعد ما همّوا بمنعها بحرابهم، فظنّت أنّ اللّه نهاهم عن منعها لأنّه قد أحلّها بعد ما حرّمها. فقالت: صدقت الحيّة، و ظنّت أنّ المخاطب لها هي الحيّة، فتناولت منها، و لم تنكر من نفسها شيئا. فقالت لادم: أ لم تعلم أنّ الشجرة المحرّمة علينا قد أبيحت لنا، تناولت منها فلم تمنعني أملاكها، و لم أنكر شيئا من حالي. (فذلك حين) اغترّ آدم و غلط، فتناول فأصابهما [ما] قال اللّه تعالى في كتابه: فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطانُ عَنْها بوسوسته و غروره مِمَّا كانا فِيهِ من النعيم، وَ قُلْنَا يا آدم، و يا حوّاء، و يا أيّتها الحيّة، و يا إبليس! اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ، آدم و حوّاء و ولدهما عدوّ للحيّة، و إبليس و الحيّة و أولادهما أعداؤكم، وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ منزل و مقرّ للمعاش، وَ مَتاعٌ منفعة إِلى حِينٍ الموت . قوله تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ: 2/ 37- 39. 39 (552) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال اللّه تعالى: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ يقولها، فقالها فَتابَ اللّه عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوّاب] القابل للتوبات، الرحيم بالتائبين. قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْها جَمِيعاً كان أمر في الأوّل أن يهبطا، و في الثاني أمرهم أن يهبطوا جميعا لا يتقدّم أحدهم الآخر. و الهبوط إنّما كان هبوط آدم و حوّاء من الجنّة، و هبوط الحيّة أيضا منها فإنّها كانت من أحسن دوابّها، و هبوط إبليس من حواليها، فإنّه كان محرّما عليه دخول الجنّة. فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً يأتيكم- و أولادكم من بعدكم- منّي هدى يا آدم و يا إبليس فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ لا خوف عليهم حين يخاف المخالفون، و لا هم يحزنون إذا يحزنون. قال (عليه السلام): فلمّا زلّت من آدم الخطيئة، و اعتذر إلى ربّه عزّ و جلّ، قال: «يا ربّ! تب عليّ، و اقبل معذرتي، و أعدني إلى مرتبتي، و ارفع لديك درجتي، فلقد تبيّن نقص الخطيئة و ذلّها في أعضائي و سائر بدنى». قال اللّه تعالى: يا آدم! أ ما تذكر أمري إيّاك بأن تدعوني بمحمّد و آله الطيّبين عند شدائدك، و دواهيك و في النوازل [التي] تبهظك؟ قال آدم: يا ربّ! بلى. قال اللّه عزّ و جلّ (له فتوسّل بمحمّد)، و عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين (صلوات الله عليهم) خصوصا، فادعني أجبك إلى ملتمسك، و أزدك فوق مرادك. فقال آدم: يا ربّ! يا الهي! و قد بلغ عندك من محلّهم أنّك بالتوسّل [إليك] بهم 40 تقبل توبتي، و تغفر خطيئتي، و أنا الذي أسجدت له ملائكتك، و أبحته جنّتك، و زوّجته حوّاء أمتك، و أخدمته كرام ملائكتك! قال اللّه تعالى: يا آدم! إنّما أمرت الملائكة بتعظيمك [و] بالسجود [لك] إذ كنت وعاء لهذه الأنوار، و لو كنت سألتني بهم قبل خطيئتك أن أعصمك منها و أن أفطّنك لدواعي عدوّك إبليس حتّى تحترز منه لكنت قد جعلت ذلك، و لكنّ المعلوم في سابق علمي يجري موافقا لعلمي، فالآن فبهم فادعني لأجبك. فعند ذلك قال آدم: «اللّهمّ! بجاه محمّد و آله الطيّبين، بجاه محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيّبين من آلهم لما تفضّلت [عليّ] بقبول توبتي، و غفران زلّتي، و إعادتي من كراماتك إلى مرتبتي» فقال اللّه عزّ و جلّ: قد قبلت توبتك، و أقبلت برضواني عليك، و صرفت آلائي و نعمائي إليك، و أعدتك إلى مرتبتك من كراماتي، و وفّرت نصيبك من رحماتي، فذلك قوله عزّ و جلّ: فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . (553) 2- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): ثمّ قال عزّ و جلّ للذين أهبطهم- من آدم و حوّاء و إبليس و الحيّة-: وَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ مقام فيها تعيشون و تحثّكم لياليها و أيّامها إلى السعي للآخرة، فطوبى لمن (تزوّد منها) لدار البقاء وَ مَتاعٌ إِلى حِينٍ لكم في الأرض منفعة إلى حين موتكم، لأنّ اللّه تعالى منها يخرج زروعكم و ثماركم، و بها ينزّهكم و ينعّمكم، و فيها أيضا 41 بالبلايا يمتحنكم، يلذّذكم بنعيم الدنيا تارة ليذكّركم نعيم الآخرة الخالص ممّا ينقص نعيم الدنيا، و يبطله، و يزهّد فيه، و يصغّره و يحقّره، و يمتحنكم تارة ببلايا الدنيا التي [قد] تكون في خلالها (الرحمات، و في تضاعيفها النعم التي) تدفع عن المبتلى بها مكارهها، ليحذّركم بذلك عذاب الأبد الذي لا يشوبه عافية، و لا يقع في تضاعيفه راحة و لا رحمة. فَتَلَقَّى آدَمُ قد فسّر، وَ قُلْنَا اهْبِطُوا قد فسّر. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ كَذَّبُوا بِآياتِنا الدالّات على صدق محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) على ما جاء به من أخبار القرون السالفة، و على ما أدّاه إلى عباد اللّه من ذكر تفضيله لعليّ (عليه السلام) و آله الطيّبين خير الفاضلين و الفاضلات بعد محمّد سيّد البريّات. أُولئِكَ الدافعون لصدق محمّد في أنبائه، [و المكذّبون له في نصبه لأوليائه] عليّ سيّد الأوصياء و المنتجبين من ذرّيّته الطيّبين الطاهرين أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ: 2/ 40. (554) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: يا بَنِي إِسْرائِيلَ ولد يعقوب إسرائيل اللّه 42 اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ لمّا بعثت محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) و أقررته في مدينتكم و لم أجشّمكم الحطّ و الترحال إليه، و أوضحت علاماته و دلائل صدقه، لئلّا يشتبه عليكم حاله. وَ أَوْفُوا بِعَهْدِي الذي أخذته على أسلافكم أنبياؤهم، و أمروهم أن يودّوه إلى أخلافهم ليؤمنوا بمحمّد العربيّ القرشيّ الهاشميّ المبان بالايات، و المؤيّد بالمعجزات التي منها أن كلّمته ذراع مسمومة، و ناطقه ذئب، و حنّ إليه عود المنبر، و كثّر اللّه له القليل من الطعام، و ألان له الصلب من الأحجار، و صلّب له المياه السيّالة، و لم يؤيّد نبيّا من أنبيائه بدلالة إلّا جعل له مثلها أو أفضل منها. و الذي جعل من أكبر آياته عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) شقيقه و رفيقه، عقله من عقله، و علمه من علمه، و حكمه من حكمه، و حلمه من حلمه، مؤيّد دينه بسيفه الباتر بعد أن قطع معاذير المعاندين بدليلة القاهر، و علمه الفاضل، و فضله الكامل. أُوفِ بِعَهْدِكُمْ الذي أوجبت به لكم نعيم الأبد في دار الكرامة و مستقرّ الرحمة، وَ إِيَّايَ فَارْهَبُونِ في مخالفة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فإنّي القادر على صرف بلاء من يعاديكم على موافقتي، و هم لا يقدرون على صرف انتقامي عنكم إذا آثرتم مخالفتي . 43 قوله تعالى: وَ آمِنُوا بِما أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ وَ لا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَناً قَلِيلًا وَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ: 2/ 41. (555) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: لليهود وَ آمِنُوا أيّها اليهود بِما أَنْزَلْتُ على محمّد نبيّي من ذكر نبوّته و إنباء إمامة أخيه عليّ (عليه السلام) و عترته الطيّبين الطاهرين مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ. فإنّ مثل هذا الذكر في كتابكم أنّ محمّدا النبيّ سيّد الأوّلين و الآخرين، المؤيّد بسيّد الوصيّين، و خليفة رسول ربّ العالمين، فاروق هذه الأمّة، و باب مدينة الحكمة، و وصيّ رسول [ربّ] الرحمة. وَ لا تَشْتَرُوا بِآياتِي المنزلة لنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و إمامة عليّ (عليه السلام) و الطيّبين من عترته ثَمَناً قَلِيلًا بأن تجحدوا نبوّة النبيّ [محمّد] (صلى الله عليه و آله و سلم) و إمامة الإمام [عليّ] (عليه السلام) [و آلهما]، و تعتاضوا عنها عرض الدنيا فإنّ ذلك و إن كثر فإلى نفاد و خسار و بوار. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ وَ إِيَّايَ فَاتَّقُونِ في كتمان أمر محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أمر وصيّه (عليه السلام)، فإنّكم إن تتّقوا لم تقدحوا في نبوّة النبيّ، و لا في وصيّة الوصيّ، بل حجج اللّه عليكم قائمة، و براهينه بذلك واضحة قد قطعت معاذيركم، و أبطلت تمويهكم. و هؤلاء يهود المدينة جحدوا نبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و خانوه، و قالوا: نحن نعلم أنّ محمّدا نبيّ، و أنّ عليّا وصيّه، و لكن لست أنت ذاك، و لا هذا- يشيرون إلى عليّ (عليه السلام)- فأنطق اللّه تعالى ثيابهم التي عليهم، و خفافهم التي في أرجلهم، يقول كلّ واحد منها للابسه: كذبت يا عدوّ اللّه! بل النبيّ محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) هذا، و الوصيّ 44 عليّ هذا، و لو أذن اللّه لنا لضغطناكم، و عقرناكم، و قتلناكم. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ اللّه عزّ و جلّ يمهلهم لعلمه بأنّه سيخرج من أصلابهم ذرّيّات طيّبات مؤمنات، و لو تزيّلوا لعذّب [اللّه] هؤلاء عذابا أليما، إنّما يعجّل من يخاف الفوت . قوله تعالى: وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ وَ تَكْتُمُوا الْحَقَّ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ. وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ: 2/ 42 و 43. (556) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): خاطب اللّه بها قوما من اليهود لبسوا الحقّ بالباطل بأن زعموا أنّ محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) نبيّ، و أنّ عليّا وصيّ، و لكنّهما يأتيان بعد وقتنا هذا بخمسمائة سنة. فقال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أ ترضون التوراة بيني و بينكم حكما؟ قالوا: بلى، فجاءوا بها، و جعلوا يقرءون منها خلاف ما فيها، فقلّب اللّه عزّ و جلّ الطومار الذي كانوا منه يقرءون، و هو في يد قرّاءين منهم مع أحدهما 45 أوّله و مع الآخر آخره، فانقلب ثعبانا له رأسان [و] تناول كلّ رأس منهما يمين من هو في يده، و جعل يرضّضه و يهشّمه و يصيح الرجلان و يصرخان، و كانت هناك طوامير أخر، فنطقت، و قالت: لا تزالان في هذا العذاب حتّى تقرءا ما فيها من صفة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و نبوّته، و صفة عليّ (عليه السلام) و إمامته على ما أنزل اللّه تعالى فيها، فقرآه صحيحا و آمنا برسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و اعتقدا إمامة عليّ وليّ اللّه، و وصيّ رسول اللّه. فقال اللّه عزّ و جلّ: وَ لا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْباطِلِ، بأن تقرّوا بمحمّد و عليّ من وجه، و تجحدوهما من وجه. وَ تَكْتُمُوا الْحَقَ من نبوّة هذا و إمامة هذا وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنّكم تكتمونه و تكابرون علومكم و عقولكم، فإنّ اللّه إذا كان قد جعل أخباركم حجّة ثمّ جحدتم لم يضيّع [هو] حجّته بل يقيمها من غير جهتكم، فلا تقدّروا أنّكم تغالبون ربّكم و تقاهرونه. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ لهؤلاء: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ. قال: وَ أَقِيمُوا الصَّلاةَ المكتوبات التي جاء بها محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و أقيموا أيضا الصلاة على محمّد و آله الطيّبين الطاهرين الذين على سيّدهم و فاضلهم. وَ آتُوا الزَّكاةَ من أموالكم إذا وجبت، و من أبدانكم إذا لزمت، و من معونتكم إذا التمست، وَ ارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ تواضعوا مع المتواضعين لعظمة اللّه عزّ و جلّ في الانقياد لأولياء اللّه لمحمّد نبيّ اللّه، و لعليّ وليّ اللّه، و للائمّة بعدهما سادة أصفياء اللّه . 46 قوله تعالى: أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ: 2/ 44. (557) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): [قال الإمام (عليه السلام)]: ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ لقوم من مردة اليهود و منافقيهم المحتجنين الأموال الفقراء، المستأكلين للأغنياء، الذين يأمرون بالخير و يتركونه، و ينهون عن الشرّ و يرتكبونه، قال: يا معاشر اليهود! أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ بالصدقات و أداء الأمانات وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ أ فلا تعقلون ما به تأمرون وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ التوراة الامرة بالخيرات، الناهية عن المنكرات، المخبرة عن عقاب المتمرّدين، و عن عظيم الشرف الذي يتطوّل اللّه به على الطائعين المجتهدين. أَ فَلا تَعْقِلُونَ ما عليكم من عقاب اللّه عزّ و جلّ في أمركم بما به لا تأخذون، و في نهيكم عمّا أنتم فيه منهمكون. و كان هؤلاء قوم من رؤساء اليهود و علمائهم احتجنوا أموال الصدقات و المبرّات، فأكلوها و اقتطعوها، ثمّ حضروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه. و قد حشروا عليه عوامّهم يقولون: إنّ محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) تعدّى طوره و ادّعى 47 ما ليس له . قوله تعالى: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ: 2/ 45. (558) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ لسائر اليهود و الكافرين المظهرين: وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ [أي بالصبر] عن الحرام، [و] على تأدية الأمانات، و بالصبر على الرئاسات الباطلة، و على الاعتراف لمحمّد بنبوّته، و لعليّ بوصيّته. وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ على خدمتهما، و خدمة من يأمرانكم بخدمته على استحقاق الرضوان و الغفران، و دائم نعيم الجنان في جوار الرحمن، و مرافقة خيار المؤمنين، و التمتّع بالنظر إلى عزّة محمّد سيّد الأوّلين و الآخرين، و عليّ سيّد الوصيّين، و السادة الأخيار المنتجبين، فإنّ ذلك أقرّ لعيونكم، و أتمّ لسروركم، و أكمل لهدايتكم من سائر نعيم الجنان. و استعينوا أيضا بالصلوات الخمس، و بالصلاة على محمّد و آله الطيّبين (على قرب الوصول إلى جنّات النعيم). وَ إِنَّها أي هذه الفعلة من الصلوات الخمس، و [من] الصلاة على محمّد و آله الطيّبين مع الانقياد لأوامرهم، و الإيمان بسرّهم و علانيتهم، و ترك معارضتهم بلم و كيف لَكَبِيرَةٌ [ل] عظيمة، إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ الخائفين من عقاب اللّه في مخالفته في أعظم فرائضه . 48 قوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ: 2/ 46. (559) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): [قال الإمام (عليه السلام):] ثمّ وصف الخاشعين، فقال: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ الذين يقدّرون أنّهم يلقون ربّهم اللقاء الذي هو أعظم كراماته لعباده، و إنّما قال: يَظُنُّونَ لأنّهم لا يدرون بما ذا يختم لهم، و العاقبة مستورة عنهم وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ إلى كراماته، و نعيم جنّاته لإيمانهم و خشوعهم، لا يعلمون ذلك يقينا، لأنّهم لا يأمنون أن يغيّروا و يبدّلوا. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لا يزال المؤمن خائفا من سوء العاقبة لا يتيقّن الوصول إلى رضوان اللّه حتّى يكون وقت نزع روحه و ظهور ملك الموت له. و ذلك أنّ ملك الموت يرد على المؤمن و هو في شدّة علّته، و عظيم ضيق صدره بما يخلّفه من أمواله، و لما هو عليه من [شدّة] اضطراب أحواله في معامليه و عياله، [و] قد بقيت في نفسه حسراتها و اقتطع دون أمانيّه، فلم ينلها، فيقول له ملك الموت: مالك تجرع غصصك؟ فيقول: لاضطراب أحوالي، و اقتطاعك لي دون [أموالي و] آمالي. فيقول له ملك الموت: و هل يحزن عاقل من فقد درهم زائف و اعتياض 49 ألف ألف ضعف الدنيا؟ فيقول: لا! فيقول ملك الموت: فانظر فوقك، فينظر فيرى درجات الجنان و قصورها التي تقصر دونها الأمانيّ، فيقول ملك الموت: تلك منازلك و نعمك و أموالك و أهلك و عيالك، و من كان من أهلك هاهنا، و ذرّيّتك صالحا فهم هناك معك، أ فترضى به بدلا ممّا هناك؟ فيقول: بلى، و اللّه! ثمّ يقول: انظر! فينظر فيرى محمّدا و عليّا و الطيّبين من آلهما في أعلى عليّين فيقول [له]: أو تراهم هؤلاء ساداتك و أئمّة هم هناك جلّاسك و أناسك، [أ] فما ترضى بهم بدلا ممّا تفارق هاهنا، فيقول: بلى، و ربّي! فذلك ما قال اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا فما أمامكم من الأهوال فقد كفيتموها وَ لا تَحْزَنُوا على ما تخلّفونه من الذراري و العيال [و الأموال]. فهذا الذي شاهدتموه في الجنان بدلا منهم وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ هذه منازلكم و هؤلاء ساداتكم و أناسكم و جلّاسكم . قوله تعالى: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَ أَنِّي 50 فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ: 2/ 47. (560) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال [اللّه تعالى]: يا بَنِي إِسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ أن بعثت موسى و هارون إلى أسلافكم بالنبوّة، فهديناهم إلى نبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و وصيّة [عليّ] و إمامة عترته الطيّبين. و أخذنا عليكم بذلك العهود و المواثيق التي إن وفيتم بها كنتم ملوكا في جنانه، مستحقّين لكراماته و رضوانه، وَ أَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ هناك أي فعلته بأسلافكم فضّلتهم دينا و دنيا. أمّا تفضيلهم في الدين فلقبولهم نبوّة محمّد، [و ولاية عليّ] و آلهما الطيّبين. و أمّا [تفضيلهم] في الدنيا فبأن ظلّلت عليهم الغمام، و أنزلت عليهم المنّ و السلوى، و سقيتهم من حجر ماء عذبا، و فلقت لهم البحر، فأنجيتهم و أغرقت أعداءهم فرعون و قومه، و فضّلتهم بذلك [على] عالمي زمانهم الذين خالفوا طرائقهم، و حادوا عن سبيلهم. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ [لهم]: فإذا كنت [قد] فعلت هذا بأسلافكم في ذلك الزمان لقبولهم ولاية محمّد و آله، فبالحريّ أن أزيدكم فضلا في هذا الزمان إذا أنتم وفيتم بما آخذ من العهد و الميثاق عليكم . قوله تعالى: وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ وَ لا هُمْ يُنْصَرُونَ: 2/ 48. 51 (561) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: وَ اتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً لا تدفع عنها عذابا قد استحقّته عند النزع، وَ لا يُقْبَلُ مِنْها شَفاعَةٌ يشفع لها بتأخير الموت عنها، وَ لا يُؤْخَذُ مِنْها عَدْلٌ لا يقبل [منها] فداء [ب] مكانه يمات و يترك هو. قال الصادق (عليه السلام): و هذا [اليوم] يوم الموت، فإنّ الشفاعة و الفداء لا يغني عنه. فأمّا في القيامة فإنّا و أهلنا نجزي عن شيعتنا كلّ جزاء ليكوننّ على الأعراف بين الجنّة و النار محمّد، و عليّ، و فاطمة، و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و الطيّبون من آلهم، فنرى بعض شيعتنا في تلك العرصات- ممّن كان منهم مقصّرا- في بعض شدائدها، فنبعث عليهم خيار شيعتنا كسلمان، و المقداد، و أبي ذرّ، و عمّار، و نظائرهم في العصر الذي يليهم، ثمّ في كلّ عصر إلى يوم القيامة، فينقضون عليهم كالبزاة و الصقور و يتناولونهم كما تتناول البزاة و الصقور صيدها، فيزفّونهم إلى الجنّة زفّا. و إنّا لنبعث على آخرين من محبّينا من خيار شيعتنا كالحمام فيلتقطونهم من العرصات كما يلتقط الطير الحبّ، و ينقلونهم إلى الجنان بحضرتنا. و سيؤتي ب [الواحد] من مقصّري شيعتنا في أعماله بعد أن قد حاز الولاية و التقيّة و حقوق إخوانه، و يوقف بإزائه ما بين مائة و أكثر من ذلك إلى مائة ألف من النصّاب، فيقال له: هؤلاء فداؤك من النار. فيدخل هؤلاء المؤمنون الجنّة و أولئك النصّاب النار. و ذلك ما قال اللّه عزّ و جلّ: رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا يعني بالولاية 52 لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ في الدنيا منقادين للإمامة، ليجعل مخالفوهم فداءهم من النار . قوله تعالى: وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَ فِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ: 2/ 49. (562) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال تعالى: و اذكروا يا بني إسرائيل وَ إِذْ نَجَّيْناكُمْ أنجينا أسلافكم مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ و هم الذين كانوا يدنون إليه بقرابته و بدينه و مذهبه يَسُومُونَكُمْ كانوا يعذّبونكم سُوءَ الْعَذابِ شدّة العذاب كانوا يحملونه عليكم. قال: و كان من عذابهم الشديد، أنّه كان فرعون يكلّفهم عمل البناء و الطين، و يخاف أن يهربوا عن العمل فأمر بتقييدهم، فكانوا ينقلون ذلك الطين على السلاليم إلى السطوح. فربّما سقط الواحد منهم فمات أو زمن، و لا يحفلون بهم إلى أن أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى موسى (عليه السلام): قل لهم: لا يبتدءون عملا إلّا بالصلاة على محمّد و آله الطيّبين، ليخفّ عليهم، فكانوا يفعلون ذلك فيخفّ عليهم. و أمر كلّ من سقط و زمن ممّن نسي الصلاة على محمّد و آله الطيّبين أن يقولها 53 على نفسه إن أمكنه- أي الصلاة على محمّد و آله- أو يقال عليه إن لم يمكنه، فإنّه يقوم و لا يضرّه ذلك، ففعلوها، فسلموا. يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ و ذلك لمّا قيل لفرعون أنّه يولد في بني إسرائيل مولود يكون على يده هلاكك و زوال ملكك، فأمر بذبح أبنائهم فكانت الواحدة [منهنّ] تصانع القوابل عن نفسها- لئلّا ينم عليها- [و يتمّ] حملها ثمّ تلقى ولدها في صحراء، أو غار جبل أو مكان غامض، و تقول عليه عشر مرّات الصلاة على محمّد و آله، فيقيّض اللّه [له] ملكا يربّيه، و يدرّ من إصبع له لبنا يمصّه، و من إصبع طعاما [ليّنا] يتغذّاه إلى أن نشأ بنو إسرائيل، و كان من سلم منهم و نشأ أكثر ممّن قتل، وَ يَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ يبقونهنّ و يتّخذونهنّ إماء، فضجّوا إلى موسى و قالوا: يفترعون بناتنا و أخواتنا. فأمر اللّه تلك البنات كلّما رابهنّ ريب من ذلك صلّين على محمّد و آله الطيّبين، فكان اللّه يردّ عنهنّ أولئك الرجال إمّا بشغل، أو مرض، أو زمانة، أو لطف من ألطافه، فلم يفترش منهنّ امرأة، بل دفع اللّه عزّ و جلّ ذلك عنهنّ بصلاتهنّ على محمّد و آله الطيّبين. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: وَ فِي ذلِكُمْ أي في ذلك الإنجاء الذي أنجاكم منهم ربّكم بَلاءٌ نعمة مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ كبير. قال اللّه عزّ و جلّ: يا بني إسرائيل! اذكروا إذ كان البلاء يصرف عن أسلافكم، و يخفّ بالصلاة على محمّد و آله الطيّبين، أ فما تعلمون أنّكم إذا شاهدتموه و آمنتم به كانت النعمة عليكم أعظم [و أفضل]، و فضل اللّه عليكم [أكثر] و أجزل . 54 قوله تعالى: وَ إِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ: 2/ 50. (563) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: و اذكروا إذ جعلنا ماء البحر فرقا ينقطع بعضه من بعض فَأَنْجَيْناكُمْ هناك، وَ أَغْرَقْنا فرعون و قومه. وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إليهم و هم يغرقون. و ذلك أنّ موسى (عليه السلام) لما انتهى إلى البحر أوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: قل لبني إسرائيل جدّدوا توحيدي، و أمرّوا بقلوبكم ذكر محمّد سيّد عبيدي و إمائي، و أعيدوا على أنفسكم الولاية لعليّ أخي محمّد و آله الطيّبين و قولوا: «اللّهمّ بجاههم جوّزنا على متن هذا الماء». فإنّ الماء يتحوّل لكم أرضا، فقال لهم موسى ذلك. فقالوا: أ تورد علينا ما نكره، و هل فررنا من [آل] فرعون إلّا من خوف الموت؟ و أنت تقتحم بنا هذا الماء الغمر بهذه الكلمات، و ما يدرينا ما يحدث من هذه علينا، فقال لموسى (عليه السلام) كالب بن يوحنّا- و هو على دابّة له، و كان ذلك الخليج أربعة فراسخ-: يا نبيّ اللّه! أمرك اللّه بهذا أن نقوله و ندخل الماء؟ فقال: نعم! قال: و أنت تأمرني به؟ قال: بلى. [قال:] فوقف و جدّد على نفسه من توحيد اللّه، و نبوّة محمّد، و ولاية عليّ بن أبي طالب، و الطيّبين من آلهما ما أمره به، ثمّ قال: «اللّهمّ بجاههم، جوّزني على متن هذا الماء». 55 ثمّ أقحم فرسه، فركض على متن الماء، و إذا الماء من تحته كأرض ليّنة حتّى بلغ آخر الخليج، ثمّ عاد راكضا، ثمّ قال لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل! أطيعوا موسى، فما هذا الدعاء إلّا مفتاح أبواب الجنان، و مغاليق أبواب النيران، و منزل الأرزاق، و جالب على عباد اللّه و إمائه رضى [الرحمن] المهيمن الخلّاق، فأبوا و قالوا: [نحن] لا نسير إلّا على الأرض. فأوحى اللّه إلى موسى: أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ ، و قل: «اللّهمّ بجاه محمّد و آله الطيّبين لما فلقته»، ففعل، فانفلق و ظهرت الأرض إلى آخر الخليج. فقال موسى (عليه السلام): أدخلوها! قالوا: الأرض و حلة نخاف أن نرسب فيها. فقال اللّه عزّ و جلّ: يا موسى! قل: «اللّهمّ بحقّ محمّد و آله الطيّبين جفّفها»، فقالها، فأرسل اللّه عليها ريح الصبا، فجفّت. و قال موسى: أدخلوها. فقالوا: يا نبيّ اللّه! نحن اثنتا عشرة قبيلة بنو اثني عشر أبا، و إن دخلنا رام كلّ فريق منّا تقدّم صاحبه، و لا نأمن وقوع الشرّ بيننا، فلو كان لكلّ فريق منّا طريق على حدة لأمنّا ما نخافه. فأمر اللّه موسى أن يضرب البحر بعددهم اثنتي عشرة ضربة في اثني عشر موضعا إلى جانب ذلك الموضع، و يقول: «اللّهمّ بجاه محمّد و آله الطيّبين بيّن الأرض لنا، و امط الماء عنّا»، فصار فيه تمام اثني عشر طريقا و جفّ قرار الأرض بريح الصبا، فقال: أدخلوها! فقالوا: كلّ فريق منّا يدخل سكّة من هذه السكك لا يدري ما يحدث على الآخرين. فقال اللّه عزّ و جلّ: فاضرب كلّ طود من الماء بين هذه السكك، فضرب و قال: «اللّهمّ بجاه محمّد و آله الطيّبين لمّا جعلت في هذا الماء طيقانا 56 واسعة يرى بعضهم بعضا [منها]، فحدثت طيقان واسعة يرى بعضهم بعضا [منها]»، ثمّ دخلوها، فلمّا بلغوا آخرها جاء فرعون، و قومه فدخل بعضهم، فلمّا دخل آخرهم، و همّ أوّلهم بالخروج أمر اللّه تعالى البحر، فانطبق عليهم فغرقوا، و أصحاب موسى ينظرون إليهم. فذلك قوله عزّ و جلّ: وَ أَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إليهم. قال اللّه عزّ و جلّ لبني إسرائيل في عهد محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فإذا كان اللّه تعالى فعل هذا كلّه بأسلافكم لكرامة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و دعاء موسى، دعاء تقرّب بهم [إلى اللّه]، أ فلا تعقلون أنّ عليكم الإيمان بمحمّد و آله، إذ [قد] شاهدتموه الآن . قوله تعالى: وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ. ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: 2/ 51 و 52. (564) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): كان موسى بن عمران (عليه السلام) يقول: لبني إسرائيل إذا فرّج اللّه عنكم، و أهلك أعداءكم آتيكم بكتاب من ربّكم يشتمل على أوامره و نواهيه و مواعظه و عبره و أمثاله. فلمّا فرّج اللّه تعالى عنهم أمره اللّه عزّ و جلّ أن يأتي للميعاد، و يصوم ثلاثين يوما عند أصل الجبل، و ظنّ موسى أنّه بعد ذلك يعطيه الكتاب. 57 فصام موسى ثلاثين يوما عند [أصل الجبل]، فلمّا كان في آخر الأيّام استاك قبل الفطر، فأوحى اللّه عزّ و جلّ [إليه]: يا موسى! أ ما علمت أنّ خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، صم عشرا أخر، و لا تستك عند الإفطار، ففعل ذلك موسى (عليه السلام)، و كان وعد اللّه عزّ و جلّ أن يعطيه الكتاب بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فأعطاه إيّاه. فجاء السامريّ فشبّه على مستضعفي بني إسرائيل، و قال: وعدكم موسى أن يرجع إليكم بعد أربعين ليلة، و هذه عشرون ليلة و عشرون يوما تمّت أربعون، أخطأ موسى ربّه، و قد أتاكم ربّكم، أراد أن يريكم أنّه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه، و أنّه لم يبعث موسى لحاجة منه إليه. فأظهر لهم العجل الذي كان عمله، فقالوا له: فكيف يكون العجل إلهنا؟ قال لهم: إنّما هذا العجل يكلّمكم منه ربّكم كما كلّم موسى من الشجرة، فالإله في العجل كما كان في الشجرة، فضلّوا بذلك، و أضلّوا. [فلمّا رجع موسى إلى قومه قال:] يا أيّها العجل! أ كان فيك ربّنا كما يزعم هؤلاء؟ فنطق العجل، و قال: عزّ ربّنا عن أن يكون العجل حاويا له أو شيء من الشجرة و الأمكنة عليه مشتملا، لا و اللّه يا موسى! و لكنّ السامريّ نصب عجلا مؤخّره إلى الحائط، و حفر في الجانب الآخر في الأرض، و أجلس فيه بعض مردته، فهو الذي وضع فاه على دبره، و تكلّم بما تكلّم لمّا قال: هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى . يا موسى بن عمران! ما خذل هؤلاء بعبادتي، و اتّخاذي إلها إلّا لتهاونهم بالصلاة على محمّد و آله الطيّبين، و جحودهم بموالاتهم، و بنبوّة النبيّ محمّد، 58 و وصيّة الوصيّ حتّى أدّاهم إلى أن اتّخذوني إلها. قال اللّه عزّ و جلّ: فإذا كان اللّه تعالى إنّما خذل عبدة العجل لتهاونهم بالصلاة على محمّد و وصيّه عليّ، فما تخافون من الخذلان الأكبر في معاندتكم لمحمّد و عليّ، و قد شاهدتموهما و تبيّنتم آياتهما و دلائلهما. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي عفونا عن أوائلكم عبادتهم العجل لعلّكم يا أيّها الكائنون! في عصر محمّد من بني إسرائيل تشكرون تلك النعمة على أسلافكم و عليكم بعدهم. [ثمّ] قال (عليه السلام): و إنّما عفى اللّه عزّ و جلّ عنهم لأنّهم دعوا اللّه بمحمّد و آله الطاهرين، و جدّدوا على أنفسهم الولاية لمحمّد و عليّ و آلهما الطيّبين، فعند ذلك (رحمهم الله) و عفا عنهم . قوله تعالى: وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ الْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: 2/ 53. (565) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): و اذكروا وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ الْفُرْقانَ و هو التوراة الذي أخذ على بني إسرائيل الإيمان به، و الانقياد لما يوجبه، وَ الْفُرْقانَ آتيناه أيضا فرّق به [ما] بين الحقّ و الباطل، و فرّق [ما] بين المحقّين و المبطلين. و ذلك أنّه لمّا أكرمهم اللّه تعالى بالكتاب و الإيمان به، و الانقياد له أوحى اللّه 59 بعد ذلك إلى موسى (عليه السلام): يا موسى! هذا الكتاب قد أقرّوا به، و قد بقي الفرقان فرّق ما بين المؤمنين، و الكافرين، و المحقّين، و المبطلين، فجدّد عليهم العهد به فإنّي قد آليت على نفسي قسما حقّا لا أتقبّل من أحد إيمانا، و لا عملا إلّا مع الإيمان به. قال موسى (عليه السلام): ما هو؟ يا ربّ! قال اللّه عزّ و جلّ: يا موسى! تأخذ على بني إسرائيل أنّ محمّدا خير البشر، و سيّد المرسلين، و أنّ أخاه و وصيّه عليّا خير الوصيّين، و أنّ أولياءه الذين يقيمهم سادة الخلق، و أنّ شيعته المنقادين له المسلمين له، و لأوامره و نواهيه و لخلفائه نجوم الفردوس الأعلى، و ملوك جنّات عدن. قال: فأخذ عليهم موسى (عليه السلام) ذلك، فمنهم من اعتقده حقّا، و منهم من أعطاه بلسانه دون قلبه، فكان المعتقد منهم حقّا يلوح على جبينه نور مبين، و من أعطى بلسانه دون قلبه ليس له ذلك النور. فذلك الفرقان الذي أعطاه اللّه عزّ و جلّ موسى (عليه السلام)، و هو فرّق [ما] بين المحقّين و المبطلين. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ أي لعلّكم تعلمون أنّ الذي [به] يشرّف العبد عند اللّه عزّ و جلّ هو اعتقاد الولاية كما شرّف به أسلافكم . قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ: 2/ 54. 60 (566) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: فاذكروا يا بني إسرائيل! إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ عبدة العجل يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ أضررتم بها بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ إلها. فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ الذي برأكم و صوّركم فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ بقتل بعضكم بعضا، يقتل من لم يعبد العجل من عبده. ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ ذلكم القتل خير لكم عِنْدَ بارِئِكُمْ من أن تعيشوا في الدنيا، و هو لم يغفر لكم، فيتمّ في الحياة الدنيا حياتكم، و يكون إلى النار مصيركم، و إذا قتلتم و أنتم تائبون جعل اللّه عزّ و جلّ القتل كفّارتكم، و جعل الجنّة منزلتكم و مقيلكم. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: فَتابَ عَلَيْكُمْ قبل توبتكم، قبل استيفاء القتل لجماعتكم، و قبل إتيانه على كافّتكم، و أمهلكم للتوبة، و استبقاكم للطاعة إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ. قال: و ذلك أنّ موسى (عليه السلام) لمّا أبطل اللّه عزّ و جلّ على يديه أمر العجل، فأنطقه بالخبر عن تمويه السامريّ، فأمر موسى (عليه السلام) أن يقتل من لم يعبده من عبده تبرّأ أكثرهم، و قالوا: لم نعبده. فقال اللّه عزّ و جلّ لموسى (عليه السلام): أبرد هذا العجل الذهب بالحديد بردا، ثمّ ذرّه في البحر، فمن شرب من مائه اسودّت شفتاه و أنفه، و بان ذنبه، ففعل فبان العابدون للعجل، فأمر اللّه اثني عشر ألفا أن يخرجوا على الباقين شاهرين السيوف يقتلونهم، و نادى مناديه: ألا لعن اللّه أحدا أبقاهم بيد أو رجل، و لعن اللّه من تأمّل المقتول، لعلّه تبيّنه حميما أو قريبا فيتوقّاه، و يتعدّاه إلى الأجنبيّ، فاستسلم المقتولون. فقال القاتلون: نحن أعظم مصيبة منهم نقتل بأيدينا آباءنا [و أمّهاتنا] 61 و أبناءنا و إخواننا و قراباتنا، و نحن لم نعبد، فقد ساوى بيننا و بينهم في المصيبة. فأوحى اللّه تعالى إلى موسى: يا موسى! [إنّي] إنّما امتحنتهم بذلك لأنّهم (ما اعتزلوهم لمّا عبدوا العجل و لم) يهجروهم، و لم يعادوهم على ذلك. قل لهم: من دعا اللّه بمحمّد و آله الطيّبين يسهّل عليه قتل المستحقّين للقتل بذنوبهم، فقالوها، فسهّل عليهم [ذلك]، و لم يجدوا لقتلهم لهم ألما. فلمّا استحرّ القتل فيهم، و هم ستّمائة ألف إلّا اثني عشر ألفا الذين لم يعبدوا العجل وفّق اللّه بعضهم، فقال لبعضهم: و القتل لم يفض بعد إليهم. فقال: أو ليس اللّه قد جعل التوسّل بمحمّد و آله الطيّبين أمرا لا يخيب معه طلبة، و لا يردّ به مسألة، و هكذا توسّلت الأنبياء و الرسل، فما لنا لا نتوسّل [بهم]؟! قال: فاجتمعوا و ضجّوا: «يا ربّنا! بجاه محمّد الأكرم، و بجاه عليّ الأفضل الأعظم، و بجاه فاطمة الفضلى، و بجاه الحسن و الحسين سبطي سيّد النبيّين، و سيّدي شباب أهل الجنّة أجمعين، و بجاه الذرّيّة الطيّبين الطاهرين من آل طه و يس، لمّا غفرت لنا ذنوبنا، و غفرت لنا هفواتنا، و أزلت هذا القتل عنّا»، فذاك حين نودي موسى (عليه السلام) من السماء أن كفّ القتل فقد سألني بعضهم مسألة، و أقسم عليّ قسما لو أقسم به هؤلاء العابدون للعجل، و سألوا العصمة لعصمتهم حتّى لا يعبدوه، و لو أقسم عليّ بها إبليس لهديته. و لو أقسم بها [عليّ] نمرود [أ] و فرعون لنجيّته. فرفع عنهم القتل، فجعلوا يقولون: يا حسرتنا! أين كنّا عن هذا الدعاء بمحمّد و آله الطيّبين، حتّى كان اللّه يقينا شرّ الفتنة، و يعصمنا بأفضل العصمة . 62 قوله تعالى: وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ: 2/ 55 و 56. (567) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً. قال: أسلافكم فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ أخذت أسلافكم [الصاعقة] وَ أَنْتُمْ تَنْظُرُونَ إليهم ثُمَّ بَعَثْناكُمْ بعثنا أسلافكم مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ من بعد موت أسلافكم. لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الحياة] أي لعلّ أسلافكم يشكرون الحياة التي فيها يتوبون و يقلعون، و إلى ربّهم ينيبون لم يدم عليهم ذلك الموت، فيكون إلى النار مصيرهم، و هم فيها خالدون. قال [الإمام (عليه السلام)]: و ذلك أنّ موسى (عليه السلام) لمّا أراد أن يأخذ عليهم عهدا بالفرقان، [فرّق] ما بين المحقّين و المبطلين لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بنبوّته، و لعليّ (عليه السلام) بإمامته، و للأئمّة الطاهرين بإمامتهم، قالوا:لَنْ نُؤْمِنَ أنّ هذا أمر ربّك لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً عيانا يخبرنا بذلك، فأخذتهم الصاعقة معاينة، و هم ينظرون إلى الصاعقة تنزل عليهم. 63 و قال اللّه عزّ و جلّ: يا موسى! إنّي أنا المكرم لأوليائي المصدّقين بأصفيائي و لا أبالي، و كذلك أنا المعذّب لأعدائي الدافعين حقوق أصفيائي و لا أبالي. فقال موسى (عليه السلام) للباقين الذين لم يصعقوا: ما ذا تقولون، أ تقبلون و تعترفون؟ و إلّا فأنتم بهؤلاء لاحقون. قالوا: يا موسى! لا ندري ما حلّ بهم، و لما ذا أصابتهم، كانت الصاعقة ما أصابتهم لأجلك إلّا أنّها كانت نكبة من نكبات الدهر تصيب البرّ و الفاجر. فإن كانت إنّما أصابتهم لردّهم عليك في أمر محمّد و عليّ و آلهما، فاسأل اللّه ربّك بمحمّد و آله هؤلاء الذين تدعونا إليهم أن يحيى هؤلاء المصعوقين لنسألهم لما ذا أصابهم [ما أصابهم]. فدعا اللّه عزّ و جلّ بهم موسى (عليه السلام)، فأحياهم اللّه عزّ و جلّ. فقال موسى (عليه السلام): سلوهم لما ذا أصابهم، فسألوهم. فقالوا: يا بني إسرائيل! أصابنا ما أصابنا لآبائنا اعتقاد إمامة عليّ بعد اعتقادنا بنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، لقد رأينا بعد موتنا هذا ممالك ربّنا من سماواته و حجبه و عرشه و كرسيّه و جنانه و نيرانه، فما رأينا أنفذ أمرا في جميع تلك الممالك، و أعظم سلطانا من محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و إنّا لمّا متنا بهذه الصاعقة ذهب بنا إلى النيران. فناداهم محمّد و عليّ (عليهما الصلاة و السلام): كفّوا عن هؤلاء عذابكم. فهؤلاء يحيون بمسألة سائل [يسأل] ربّنا عزّ و جلّ بنا و بالنا الطيّبين. و ذلك حين لم يقذفونا [بعد] في الهاوية، و أخّرونا إلى أن بعثنا بدعائك يا موسى بن عمران! بمحمّد و آله الطيّبين. فقال اللّه عزّ و جلّ لأهل عصر محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم): فإذا كان بالدعاء بمحمّد و آله الطيّبين نشر ظلمة أسلافكم المصعوقين بظلمهم، أ فما يجب عليكم أن لا تتعرّضوا 64 لمثل ما هلكوا به إلى أن أحياهم اللّه عزّ و جلّ . قوله تعالى: وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ ما ظَلَمُونا وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ: 2/ 57. (568) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: و اذكروا يا بني إسرائيل إذ وَ ظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ لمّا كنتم في التيه يقيكم حرّ الشمس و برد القمر. وَ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَ السَّلْوى المنّ الترنجبين كان يسقط على شجرهم فيتناولونه، و السلوى السمانيّ طير أطيب طير لحما يسترسل لهم، فيصطادونه. قال اللّه عزّ و جلّ [لهم]: كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ و اشكروا نعمتي، عظّموا من عظّمته، و وقّروا من وقّرته ممّن أخذت عليكم العهود، و المواثيق [لهم] محمّد و آله الطيّبين. قال اللّه عزّ و جلّ: وَ ما ظَلَمُونا لمّا بدّلوا، و قالوا غير ما أمروا [به]، و لم يفوا بما عليه عوهدوا، لأنّ كفر الكافر لا يقدح في سلطاننا و ممالكنا، كما أنّ إيمان المؤمن لا يزيد في سلطاننا، وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يضرّون بها بكفرهم و تبديلهم. 65 ثمّ [قال (عليه السلام):] قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): عباد اللّه! عليكم باعتقاد ولايتنا أهل البيت، و [أن] لا تفرّقوا بيننا، و انظروا كيف وسّع اللّه عليكم حيث أوضح لكم الحجّة ليسهّل عليكم معرفة الحقّ، ثمّ وسّع لكم في التقيّة لتسلموا من شرور الخلق، ثمّ إن بدّلتم و غيّرتم عرض عليكم التوبة و قبلها منكم، فكونوا لنعماء اللّه شاكرين . قوله تعالى: وَ إِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَ ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ: 2/ 58 و 59. (569) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه تعالى: و اذكروا يا بني إسرائيل وَ إِذْ قُلْنَا لأسلافكم ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ و هي أريحا من بلاد الشام، و ذلك حين خرجوا من التيه فَكُلُوا مِنْها من القرية- حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً واسعا بلا تعب [و لا نصب] وَ ادْخُلُوا الْبابَ باب القرية سُجَّداً. مثّل اللّه تعالى على الباب مثال محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ (عليه السلام) و أمرهم أن يسجدوا تعظيما لذلك المثال، و يجدّدوا على أنفسهم بيعتهما، و ذكر موالاتهما، و ليذكروا العهد و الميثاق المأخوذين عليهم لهما، وَ قُولُوا حِطَّةٌ أي قولوا: إنّ سجودنا للّه تعالى تعظيما لمثال محمّد و عليّ، 66 و اعتقادنا لولايتهما حطّة لذنوبنا و محو لسيّئاتنا. قال اللّه عزّ و جلّ: نَغْفِرْ لَكُمْ [أي] بهذا الفعل خَطاياكُمْ السالفة، و نزيل عنكم آثامكم الماضية. وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ من كان منكم لم يقارف الذنوب التي قارفها من خالف الولاية، [و ثبت على ما أعطى اللّه من نفسه من عهد الولاية] فإنّا نزيدهم بهذا الفعل زيادة درجات و مثوبات، و ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ. قوله عزّ و جلّ: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ أنّهم لم يسجدوا كما أمروا، و لا قالوا ما أمروا، و لكن دخلوها مستقبليها بأستاههم و قالوا: هطا سمقانا- أي حنطة حمراء نتقوّتها- أحبّ إلينا من هذا الفعل، و هذا القول. قال اللّه تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا غيّروا و بدّلوا ما قيل لهم و لم ينقادوا لولاية محمّد و عليّ و آلهما الطيّبين الطاهرين رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ يخرجون عن أمر اللّه و طاعته. قال و الرجز الذي أصابهم أنّه مات منهم بالطاعون في بعض يوم مائة و عشرون ألفا، و هم من علم اللّه تعالى منهم أنّهم لا يؤمنون و لا يتوبون، و لم ينزل هذا الرجز على من علم أنّه يتوب أو يخرج من صلبه ذرّيّة طيّبة توحّد اللّه و تؤمن بمحمّد و تعرف موالاة عليّ وصيّه و أخيه . 67 قوله تعالى: وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها وَ فُومِها وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها قالَ أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَ الْمَسْكَنَةُ وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَ كانُوا يَعْتَدُونَ: 2/ 60 و 61. (570) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ قال: و اذكروا يا بني إسرائيل إذ استسقى موسى لقومه طلب لهم السقيا، لما لحقهم العطش في التيه ، و ضجّوا بالبكاء إلى موسى، و قالوا: أهلكنا العطش! فقال موسى: «اللّهمّ بحقّ محمّد سيّد الأنبياء، و بحقّ عليّ سيّد الأوصياء، و بحقّ فاطمة سيّدة النساء، و بحقّ الحسن سيّد الأولياء، و بحقّ الحسين سيّد الشهداء، و بحقّ عترتهم و خلفائهم سادة الأزكياء لمّا سقيت عبادك هؤلاء». فأوحى اللّه تعالى إليه: يا موسى! اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ؛ فضربه بها 68 فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ- كلّ قبيلة من بني أب من أولاد يعقوب- مَشْرَبَهُمْ فلا يزاحم الآخرين في مشربهم. قال اللّه عزّ و جلّ: كُلُوا وَ اشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ الذي آتاكموه وَ لا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ، و لا تسعوا فيها و أنتم مفسدون عاصون. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): من [أ] قام على موالاتنا أهل البيت، سقاه اللّه تعالى من محبّته كأسا لا يبغون به بدلا، و لا يريدون سواه كافيا و لا كاليا و لا ناصرا. و من وطّن نفسه على احتمال المكاره في موالاتنا جعله اللّه يوم القيامة في عرصاتها بحيث يقصر كلّ من تضمّنته تلك العرصات أبصارهم عمّا يشاهدون من درجاتهم. و إنّ كلّ واحد منهم ليحيط بماله من درجاته كإحاطته في الدنيا (لما يلقاه) بين يديه. ثمّ يقال له: وطّنت نفسك على احتمال المكاره في موالاة محمّد و آله الطيّبين، فقد جعل اللّه إليك، و مكّنك من تخليص كلّ من تحبّ تخليصه من أهل الشدائد في هذه العرصات. فيمدّ بصره فيحيط بهم، ثمّ ينتقد من أحسن إليه، أو برّه في الدنيا بقول، أو فعل، أو ردّ غيبة، أو حسن محضر، أو إرفاق، فينتقده من بينهم كما ينتقد الدرهم الصحيح من المكسور. ثمّ يقال له: اجعل هؤلاء في الجنّة حيث شئت، فينزلهم جنان ربّنا. ثمّ يقال له: و قد جعلنا لك و مكّناك من إلقاء من تريد في نار جهنّم، فيراهم فيحيط بهم، و ينتقدهم من بينهم كما ينتقد الدينار من القراضة. ثمّ يقال له: صيّرهم من النيران إلى حيث شئت، فيصيّرهم حيث يشاء من مضائق النار. فقال اللّه تعالى لبني إسرائيل الموجودين في عصر محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم): فإذا كان 69 أسلافكم إنّما دعوا إلى موالاة محمّد و آله، فأنتم [الآن] لمّا شاهدتموهم فقد وصلتم إلى الغرض و المطلب الأفضل إلى موالاة محمّد و آله. فتقرّبوا إلى اللّه عزّ و جلّ بالتقرّب إلينا، و لا تتقرّبوا من سخطه، و لا تتباعدوا من رحمته بالازورار عنّا. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ. و اذكروا إذ قال أسلافكم: لن نصبر على طعام واحد المنّ و السلوى، و لا بدّ لنا من خلط معه، فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها وَ فُومِها وَ عَدَسِها وَ بَصَلِها قالَ- موسى- أَ تَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ يريد أ تستدعون الأدنى ليكون لكم بدلا من الأفضل. ثمّ قال: اهْبِطُوا مِصْراً [من الأمصار] من هذا التيه، فَإِنَّ لَكُمْ ما سَأَلْتُمْ في المصر. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: وَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ الجزية، أخزوا بها عند ربّهم و عند مؤمني عباده وَ الْمَسْكَنَةُ هي الفقر و الذلّة وَ باؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ احتملوا الغضب و اللعنة من اللّه ذلك بأنّهم كانوا بذلك الذي لحقهم من الذلّة و المسكنة، و احتملوه من غضب اللّه ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ قبل أن تضرب عليهم هذه الذلّة و المسكنة. وَ يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِ و كانوا يقتلونهم بغير حقّ، بلا جرم كان منهم إليهم و لا إلى غيرهم، ذلِكَ بِما عَصَوْا، ذلك الخذلان الذي استولى عليهم حتّى فعلوا الآثام التي من أجلها ضربت عليهم الذلّة و المسكنة، و باءوا بغضب من اللّه [بما عصوا] وَ كانُوا يَعْتَدُونَ [أي] يتجاوزون أمر اللّه إلى أمر إبليس. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ألا فلا تفعلوا كما فعلت بنو إسرائيل، و لا تسخطوا 70 نعم اللّه، و لا تقترحوا على اللّه تعالى، و إذا ابتلى أحدكم في رزقه، أو معيشته بما لا يحبّ فلا يحدس شيئا يسأله، لعلّ في ذلك حتفه و هلاكه، و لكن ليقل: «اللّهمّ بجاه محمّد و آله الطيّبين، إن كان ما كرهته من أمري هذا خيرا لي و أفضل في ديني، فصبّرني عليه، و قوّني على احتماله، و نشّطني للنهوض بثقل أعبائه، و إن كان خلاف ذلك خيرا [لي]، فجد عليّ به، و رضّني بقضائك على كلّ حال، فلك الحمد». فإنّك إذا قلت ذلك قدّر اللّه [لك]، و يسّر لك ما هو خير. ثمّ قال (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عباد اللّه! فاحذروا الانهماك في المعاصي، و التهاون بها، فإنّ المعاصي يستولي بها الخذلان على صاحبها حتّى يوقعه فيما هو أعظم منها فلا يزال يعصي و يتهاون و يخذل و يوقع فيما هو أعظم ممّا جنى حتّى يوقعه في ردّ ولاية وصيّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و دفع نبوّة نبيّ اللّه، و لا يزال أيضا بذلك حتّى يوقعه في دفع توحيد اللّه، و الإلحاد في دين اللّه . 71 قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هادُوا وَ النَّصارى وَ الصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ عَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ: 2/ 62. (571) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): ثمّ قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا باللّه و بما فرض عليهم الإيمان به من الولاية لعليّ بن أبي طالب و الطيّبين من آله. وَ الَّذِينَ هادُوا يعني اليهود وَ النَّصارى الذين زعموا أنّهم في دين اللّه متناصرون، وَ الصَّابِئِينَ الذين زعموا أنّهم صبوا إلى دين (اللّه، و هم بقولهم) كاذبون. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ من هؤلاء الكفّار، و نزع عن كفره، و من آمن من هؤلاء المؤمنين في مستقبل أعمارهم، و أخلص و وفى بالعهد و الميثاق المأخوذين عليه لمحمّد و عليّ و خلفائهما الطاهرين وَ عَمِلَ صالِحاً و من عمل صالحا من هؤلاء المؤمنين، فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ ثوابهم عِنْدَ رَبِّهِمْ في الآخرة وَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ هناك حين يخاف الفاسقون، وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ إذا حزن المخالفون لأنّهم لم يعملوا من مخالفة اللّه ما يخاف من فعله و لا يحزن له، و نظر أمير المؤمنين [عليّ] (عليه السلام) إلى رجل [فرأى] أثر الخوف عليه، فقال: ما بالك؟ قال: إنّي أخاف اللّه. قال: يا عبد اللّه! خف ذنوبك، و خف عدل اللّه عليك في مظالم عباده، و أطعه فيما كلّفك، و لا تعصه فيما يصلحك، ثمّ لا تخف اللّه بعد ذلك. 72 فإنّه لا يظلم أحدا و لا يعذّبه فوق استحقاقه أبدا إلّا أن تخاف سوء العاقبة بأن تغيّر أو تبدّل، فإن أردت أن يؤمنك اللّه سوء العاقبة، فاعلم! أنّ ما تأتيه من خير فبفضل اللّه و توفيقه، و ما تأتيه من شرّ فبإمهال اللّه، و إنظاره إيّاك و حلمه عنك . قوله تعالى: وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ: 2/ 63. (572) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ لهم: [و اذكروا] وَ إِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ و عهودكم أن تعملوا بما في التوراة، و ما في الفرقان الذي أعطيته موسى مع الكتاب المخصوص بذكر محمّد و عليّ و الطيّبين من آلهما بأنّهم سادة الخلق، و القوّامون بالحقّ. و إذ أخذنا ميثاقكم أن تقرّوا به، و أن تودّوه إلى أخلافكم، و تأمروهم أن يودّوه إلى أخلافهم إلى آخر مقدّراتي في الدنيا ليؤمننّ بمحمّد نبيّ اللّه، و يسلّمنّ له ما يأمرهم [به] في عليّ وليّ اللّه عن اللّه، و ما يخبرهم به [عنه] من أحوال خلفائه بعده القوّامين بحقّ اللّه، فأبيتم قبول ذلك و استكبرتموه. وَ رَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ الجبل أمرنا جبرئيل أن يقطع من جبل فلسطين قطعة على قدر معسكر أسلافكم فرسخا في فرسخ، فقطعها و جاء بها، فرفعها فوق رءوسهم، فقال موسى (عليه السلام) لهم: إمّا أن تأخذوا بما أمرتم به فيه، و إمّا أن ألقي عليكم هذا الجبل، فألجئوا إلى قبوله كارهين إلّا من عصمه اللّه من العناد، فإنّه 73 قبله طائعا مختارا. ثمّ لمّا قبلوه سجدوا و عفّروا، و كثير منهم عفّر خدّيه لا لإرادة الخضوع للّه، و لكن نظر إلى الجبل هل يقع أم لا، و آخرون سجدوا طائعين مختارين. [ثمّ قال (عليه السلام)]: فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): احمدوا اللّه معاشر شيعتنا على توفيقه إيّاكم، فإنّكم تعفّرون في سجودكم لا كما عفّره كفرة بني إسرائيل، و لكن كما عفّره خيارهم. قال اللّه عزّ و جلّ: خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ من هذه الأوامر و النواهي من هذا الأمر الجليل من ذكر محمّد و عليّ و آلهما الطيّبين. وَ اذْكُرُوا ما فِيهِ فيما آتيناكم، اذكروا جزيل ثوابنا على قيامكم به، و شديد عقابنا على إبائكم له، لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ لتتّقوا المخالفة الموجبة للعقاب، فتستحقّوا بذلك جزيل الثواب . قوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ: 2/ 64. (573) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ [لهم]: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ يعني تولّى أسلافكم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عن القيام به و الوفاء بما عوهدوا عليه. فَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ رَحْمَتُهُ يعني على أسلافكم لو لا فضل اللّه 74 عليهم بإمهاله إيّاهم للتوبة، و إنظارهم لمحو الخطيئة بالإنابة لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ المغبونين قد خسرتم الآخرة و الدنيا. لأنّ الآخرة [قد] فسدت عليكم بكفركم، و الدنيا كان لا يحصل لكم نعيمها لاخترامنا لكم، و تبقى عليكم حسرات نفوسكم، و أمانيّكم التي قد اقتطعتم دونها. و لكنّا أمهلناكم للتوبة، و أنظرناكم للإنابة، أي فعلنا ذلك بأسلافكم، فتاب من تاب منهم فسعد، و خرج من صلبه من قدّر أن يخرج منه الذرّيّة الطيّبة التي تطيب في الدنيا [باللّه تعالى] معيشتها، و تشرّف في الآخرة- بطاعة اللّه- مرتبتها. و قال الحسين بن عليّ (عليهما السلام): أما أنّهم لو كانوا دعوا اللّه بمحمّد و آله الطيّبين بصدق من نيّاتهم، و صحّة اعتقادهم من قلوبهم، أن يعصمهم حتّى لا يعاندوه بعد مشاهدة تلك المعجزات الباهرات، لفعل ذلك بجوده و كرمه. و لكنّهم قصّروا و آثروا الهوى بنا، و مضوا مع الهوى في طلب لذّاتهم . قوله تعالى: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ. فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَ ما خَلْفَها وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ: 2/ 65 و 66. (574) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال اللّه 75 عزّ و جلّ: وَ لَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ لمّا اصطادوا السموك فيه فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ مبعدين عن كلّ خير. فَجَعَلْناها [أي] جعلنا تلك المسخة التي أخزيناهم، و لعنّاهم بها نَكالًا عقابا و ردعا لِما بَيْنَ يَدَيْها بين يدي المسخة من ذنوبهم الموبقات التي استحقّوا بها العقوبات. وَ ما خَلْفَها للقوم الذين شاهدوهم بعد مسخهم يرتدعون عن مثل أفعالهم لمّا شاهدوا ما حلّ بهم من عقابنا. وَ مَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ يتّعظون بها فيفارقون المخزيات، و يعظون [بها] الناس و يحذّرونهم المرديات. و قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): كان هؤلاء قوما يسكنون على شاطئ بحر نهاهم اللّه و أنبياؤه عن اصطياد السمك في يوم السبت. فتوصّلوا إلى حيلة ليحلّوا بها لأنفسهم ما حرّم اللّه، فخدّوا أخاديد ، و عملوا طرقا تؤدّي إلى حياض يتهيّأ للحيتان الدخول فيها من تلك الطرق، و لا يتهيّأ لها الخروج إذا همّت بالرجوع [منها إلى اللجج]. فجاءت الحيتان يوم السبت جارية على أمان اللّه [لها] فدخلت الأخاديد، و حصّلت في الحياض و الغدران ، فلمّا كانت عشيّة اليوم همّت بالرجوع منها إلى اللجج لتأمن صائدها، فرامت الرجوع فلم تقدر و أبقيت ليلتها في مكان يتهيّأ أخذها [يوم الأحد] بلا اصطياد لاسترسالها فيه، و عجزها عن الامتناع 76 لمنع المكان لها. فكانوا يأخذونها يوم الأحد، و يقولون ما اصطدنا يوم السبت، إنّما اصطدنا في الأحد، و كذب أعداء اللّه بل كانوا آخذين لها بأخاديدهم التي عملوها يوم السبت حتّى كثر من ذلك ما لهم و ثراؤهم، و تنعّموا بالنساء و غيرهنّ لاتّساع أيديهم به. و كانوا في المدينة نيّفا و ثمانين ألفا، فعل هذا منهم سبعون ألفا، و أنكر عليهم الباقون، كما قصّ اللّه تعالى: وَ سْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ الآية. و ذلك أنّ طائفة منهم وعظوهم و زجروهم، و من عذاب اللّه خوّفوهم، و من انتقامه و شديد بأسه حذّروهم، فأجابوهم عن وعظهم لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ بذنوبهم هلاك الاصطلام أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً. فأجابوا القائلين لهم هذا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ [هذا القول منّا لهم معذرة إلى ربّكم] إذ كلّفنا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فنحن ننهى عن المنكر ليعلم ربّنا مخالفتنا لهم، و كراهتنا لفعلهم. قالوا: وَ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ و نعظهم أيضا لعلّهم تنجع فيهم المواعظ فيتّقوا هذه الموبقة، و يحذروا عقوبتها. قال اللّه عزّ و جلّ: فَلَمَّا عَتَوْا حادوا و أعرضوا و تكبّروا عن قبولهم الزجر عَنْ ما نُهُوا عَنْهُ قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ مبعدين عن الخير مقصين. قال: فلمّا نظر العشرة الآلاف و النيّف أنّ السبعين ألفا لا يقبلون مواعظهم، 77 و لا يحفلون بتخويفهم إيّاهم و تحذيرهم لهم، اعتزلوهم إلى قرية أخرى قريبة من قريتهم، و قالوا: نكره أن ينزل بهم عذاب اللّه و نحن في خلالهم، فامسوا ليلة، فمسخهم اللّه تعالى كلّهم قردة [خاسئين]، و بقي باب المدينة مغلقا لا يخرج منه أحد، [و لا يدخله أحد]. و تسامع بذلك أهل القرى، فقصدوهم، و تسنّموا حيطان البلد فاطّلعوا عليهم فإذا هم كلّهم رجالهم و نساؤهم قردة يموج بعضهم في بعض يعرف هؤلاء الناظرون معارفهم، و قراباتهم و خلطاءهم، يقول المطّلع لبعضهم: أنت فلان، أنت فلانة، فتدمع عينه و يومئ برأسه (بلا، أو نعم). فما زالوا كذلك ثلاثة أيّام، ثمّ بعث اللّه عزّ و جلّ [عليهم] مطرا و ريحا فجرفهم إلى البحر، و ما بقي مسخ بعد ثلاثة أيّام، و إنّما الذين ترون من هذه المصوّرات بصورها فإنّما هي أشباهها، لا هي بأعيانها و لا من نسلها. ثمّ قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): إنّ اللّه تعالى مسخ هؤلاء لاصطياد السمك، فكيف ترى عند اللّه عزّ و جلّ [يكون] حال من قتل أولاد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و هتك حريمه؟ إنّ اللّه تعالى و إن لم يمسخهم في الدنيا، فإنّ المعدّ لهم من عذاب [اللّه في] الآخرة [أضعاف] أضعاف عذاب المسخ. فقيل له: يا ابن رسول اللّه! فإنّا قد سمعنا منك هذا الحديث، فقال لنا بعض النصّاب: فإن كان قتل الحسين (عليه السلام) باطلا فهو أعظم من صيد السمك في السبت، أ فما كان يغضب اللّه على قاتليه كما غضب على صيّادي السمك. قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): قل لهؤلاء النصّاب: فإن كان إبليس معاصيه أعظم من معاصي من كفر بإغوائه فأهلك اللّه تعالى من شاء منهم كقوم نوح و فرعون، و لم يهلك إبليس و هو أولى بالهلاك، فما باله أهلك هؤلاء الذين قصروا 78 عن إبليس في عمل الموبقات، و أمهل إبليس مع إيثاره لكشف المخزيات، إلّا كان ربّنا عزّ و جلّ حكيما بتدبيره، و حكمه فيمن أهلك، و فيمن استبقى، فكذلك هؤلاء الصائدون [للسمك] في السبت، و هؤلاء القاتلون للحسين (عليه السلام) يفعل في الفريقين ما يعلم أنّه أولى بالصواب و الحكمة، لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ . ثمّ قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): أما إنّ هؤلاء الذين اعتدوا في السبت لو كانوا حين همّوا بقبيح أفعالهم سألوا ربّهم بجاه محمّد و آله الطيّبين أن يعصمهم من ذلك لعصمهم، و كذلك الناهون لهم لو سألوا اللّه عزّ و جلّ أن يعصمهم بجاه محمّد و آله الطيّبين لعصمهم، و لكنّ اللّه تعالى لم يلهمهم ذلك، و لم يوفّقهم له، فجرت معلومات اللّه تعالى فيهم على ما كان سطره في اللوح المحفوظ. و قال الباقر (عليه السلام): فلمّا حدّث عليّ بن الحسين (عليهما السلام) بهذا الحديث، قال له بعض من في مجلسه: يا ابن رسول اللّه! كيف يعاقب اللّه، و يوبّخ هؤلاء الأخلاف على قبائح أتى بها أسلافهم، و هو يقول عزّ و جلّ: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى ؟ فقال زين العابدين (عليه السلام): إنّ القرآن [نزل] بلغة العرب فهو يخاطب فيه أهل [هذا] اللسان بلغتهم، يقول الرجل التميميّ- قد أغار قومه على بلد، و قتلوا من فيه- أغرتم على بلد كذا [و كذا] و قتلتم كذا، و يقول العربيّ أيضا: نحن فعلنا ببني فلان، و نحن سبينا آل فلان، و نحن خرّبنا بلد كذا، لا يريد أنّهم باشروا ذلك، و لكن يريد هؤلاء بالعذل، و أولئك بالافتخار أنّ قومهم فعلوا كذا، و قول اللّه تعالى في هذه الآيات إنّما هو توبيخ لأسلافهم، و توبيخ العذل على هؤلاء 79 الموجودين، لأنّ ذلك هو اللغة التي بها أنزل القرآن، فلأنّ هؤلاء الأخلاف أيضا راضون بما فعل أسلافهم مصوّبون ذلك لهم، فجاز أن يقال [لهم]: أنتم فعلتم، أي إذ رضيتم بقبيح فعلهم . قوله تعالى: وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً قالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَ لا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النَّاظِرِينَ. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وَ إِنَّا إِنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ. قالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها قالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ. وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: 2/ 67- 73. 80 (575) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ ليهود المدينة: و اذكروا وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً تضربون ببعضها هذا المقتول بين أظهركم، ليقوم حيّا سويّا بإذن اللّه عزّ و جلّ، و يخبركم بقاتله. و ذلك حين ألقي القتيل بين أظهرهم، فألزم موسى (عليه السلام) أهل القبيلة بأمر اللّه تعالى أن يحلف خمسون من أماثلهم باللّه القويّ الشديد إله [موسى و] بني إسرائيل مفضّل محمّد و آله الطيّبين على البرايا أجمعين: [أنّا] ما قتلناه، و لا علمنا له قاتلا. فإن حلفوا بذلك، غرّموا دية المقتول، و إن نكلوا نصّوا على القاتل، أو أقرّ القاتل فيقاد منه، فإن لم يفعلوا حبسوا في محبس ضنك إلى أن يحلفوا، أو يقرّوا، أو يشهدوا على القاتل. فقالوا: يا نبيّ اللّه! أما وقت أيماننا أموالنا، و [لا] أموالنا أيماننا؟ قال: لا، هكذا حكم اللّه. و كان السبب أنّ امرأة حسناء ذات جمال، و خلق كامل، و فضل بارع، و نسب شريف، و ستر ثخين ، كثر خطّابها، و كان لها بنو أعمام ثلاثة، فرضيت بأفضلهم علما، و أثخنهم سترا، و أرادت التزويج به. فاشتدّ حسد ابني عمّه الآخرين له [غيضا]، و غبطاه عليها لإيثارها إيّاه، فعمدا إلى ابن عمّهما المرضيّ، فأخذاه إلى دعوتهما، ثمّ قتلاه و حملاه إلى محلّة تشتمل على أكثر قبيلة في بني إسرائيل، فألقياه بين أظهرهم ليلا. 81 فلمّا أصبحوا وجدوا القتيل هناك، فعرف حاله، فجاء ابنا عمّه القاتلان له، فمزّقا [ثيابهما] على أنفسهما، و حثيا التراب على رءوسهما، و استعديا عليهم. فأحضرهم موسى (عليه السلام) و سألهم، فأنكروا أن يكونوا قتلوه، أو علموا قاتله. فقال: فحكم اللّه عزّ و جلّ على من فعل هذه الحادثة ما عرفتموه، فالتزموه. فقالوا: يا موسى! أيّ نفع في أيماننا [لنا]، إذا لم تدرأ عنّا الغرامة الثقيلة؟ أم أيّ نفع في غرامتنا لنا إذا لم تدرأ عنّا الأيمان؟ فقال موسى (عليه السلام): كلّ النفع في طاعة اللّه، و الايتمار لأمره، و الانتهاء عمّا نهى عنه. فقالوا: يا نبيّ اللّه! غرم ثقيل و لا جناية لنا، و أيمان غليظة و لا حقّ في رقابنا، [لو] أنّ اللّه عرفنا قاتله بعينه، و كفانا مئونته، فادع لنا ربّك يبيّن لنا هذا القاتل، لتنزل به ما يستحقّه من العقاب، و ينكشف أمره لذوي الألباب. فقال موسى (عليه السلام): إنّ اللّه عزّ و جلّ قد بيّن ما أحكم به في هذا، فليس لي أن أقترح عليه غير ما حكم و لا اعترض عليه فيما أمر. أ لا ترون أنّه لمّا حرّم العمل في يوم السبت، و حرّم لحم الجمل، لم يكن لنا أن نقترح عليه أن يغيّر ما حكم به علينا من ذلك. بل علينا أن نسلّم له حكمه، و نلتزم ما ألزمنا، و همّ بأن يحكم عليهم بالذي كان يحكم به على غيرهم في مثل حادثهم. فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: يا موسى! أجبهم إلى ما اقترحوا، و سلني أن أبيّن لهم القاتل، ليقتل و يسلم غيره من التهمة و الغرامة، فإنّي إنّما أريد بإجابتهم إلى ما اقترحوا توسعة الرزق على رجل من خيار أمّتك دينه الصلاة على محمّد و آله الطيّبين، و التفضيل لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ بعده على سائر البرايا أغنية في الدنيا في هذه القضيّة، ليكون بعض ثوابه عن تعظيمه لمحمّد و آله. فقال موسى: يا ربّ! بيّن 82 لنا قاتله؟ فأوحى اللّه تعالى إليه: قل لبني إسرائيل: إنّ اللّه يبيّن لكم ذلك بأن يأمركم أن تذبحوا بقرة، فتضربوا ببعضها المقتول، فيحيي، فتسلّمون لربّ العالمين ذلك، و إلّا فكفّوا عن المسألة، و التزموا ظاهر حكمي. فذلك ما حكى اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ- أي سيأمركم- أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً إن أردتم الوقوف على القاتل، و تضربوا المقتول ببعضها، ليحيى و يخبر بالقاتل. قالُوا- يا موسى- أَ تَتَّخِذُنا هُزُواً [و] سخريّة؟ تزعم أنّ اللّه يأمرنا أن نذبح بقرة، و نأخذ قطعة من ميّت، و نضرب بها ميّتا، فيحيى أحد الميّتين بملاقات بعض الميّت الآخر، [له] فكيف يكون هذا؟! قالَ- موسى- أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ أنسب إلى اللّه تعالى ما لم يقل لي، و أن أكون من الجاهلين، أعارض أمر اللّه بقياسي على ما شاهدت دافعا لقول اللّه عزّ و جلّ و أمره. ثمّ قال موسى (عليه السلام): أو ليس ماء الرجل نطفة ميّتة، و ماء المرأة كذلك، ميّتان يلتقيان، فيحدث اللّه تعالى من التقاء الميّتين بشرا حيّا سويّا، أو ليس بذوركم التي تزرعونها في أرضيكم تتفسّخ و تتعفّن و هي ميّتة، ثمّ يخرج اللّه منها هذه السنابل الحسنة البهيجة، و هذه الأشجار الباسقة المونقة. فلمّا بهرهم موسى (عليه السلام) قالُوا له: يا موسى! ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ [أي] ما صفتها لنقف عليها. 83 فسأل موسى ربّه عزّ و جلّ، فقال: إِنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ كبيرة وَ لا بِكْرٌ صغيرة [لم تغبط] عَوانٌ وسط بَيْنَ ذلِكَ بين الفارض و البكر فَافْعَلُوا ما تُؤْمَرُونَ إذا أمرتم به. قالُوا- يا موسى- ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها أي لون هذه البقرة التي تريد أن تأمرنا بذبحها. قالَ [موسى]- عن اللّه بعد السؤال و الجواب- إِنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ حسن الصفرة ليس بناقص يضرب إلى البياض، و لا بمشبع يضرب إلى السواد لَوْنُها هكذا فاقع تَسُرُّ- البقرة- النَّاظِرِينَ إليها لبهجتها و حسنها و بريقها. قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ ما صفتها [يزيد في صفتها]. قالَ- عن اللّه تعالى- إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ لم تذلّل لإثارة الأرض، و لم ترض بها وَ لا تَسْقِي الْحَرْثَ، و لا هي ممّا تجرّ الدلاء، و لا تدير النواعير ، قد أعفيت من ذلك أجمع مُسَلَّمَةٌ من العيوب كلّها لا عيب فيها لا شِيَةَ فِيها لا لون فيها من غيرها. فلمّا سمعوا هذه الصفات قالوا: يا موسى! [أ] فقد أمرنا ربّنا بذبح بقرة هذه صفتها؟ قال: بلى. و لم يقل موسى في الابتداء إنّ اللّه قد أمركم، لأنّه لو قال: إنّ اللّه أمركم لكانوا إذا قالوا: ادع لنا ربّك يبيّن لنا ما هي، و ما لونها [و ما هي]، كان لا يحتاج أن يسأله- ذلك- عزّ و جلّ، و لكن كان يجيبهم هو بأن يقول: أمركم ببقرة، فأيّ شيء وقع عليه اسم بقرة، فقد خرجتم من أمره إذا ذبحتموها. 84 قال: فلمّا استقرّ الأمر عليهم، طلبوا هذه البقرة، فلم يجدوها إلّا عند شابّ من بني إسرائيل أراه اللّه عزّ و جلّ في منامه محمّدا، و عليّا، و طيّبي ذرّيّتهما، فقالا له: إنّك كنت لنا [وليّا] محبّا و مفضّلا، و نحن نريد أن نسوق إليك بعض جزائك في الدنيا فإذا راموا شراء بقرتك، فلا تبعها إلّا بأمر أمّك، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يلقّنها ما يغنيك به و عقبك، ففرح الغلام. و جاءه القوم يطلبون بقرته، فقالوا: بكم تبيع بقرتك هذه؟ قال: بدينارين و الخيار لأمّي، قالوا: قد رضينا [بدينار]، فسألها؟ فقالت: بأربعة، فأخبرهم، فقالوا: نعطيك دينارين، فأخبر أمّه، فقالت: بثمانية، فما زالوا يطلبون على النصف ممّا يقول أمّه و يرجع إلى أمّه، فتضعّف الثمن حتّى بلغ ثمنها ملء مسك ثور أكبر ما يكون ملؤه دنانير، فأوجب لهم البيع، ثمّ ذبحوها و أخذوا قطعة، و هي عجز الذنب الذي منه خلق ابن آدم، و عليه يركّب إذا أعيد خلقا جديدا، فضربوه بها، و قالوا: «اللّهمّ بجاه محمّد و آله الطيّبين لمّا أحييت هذا الميّت، و أنطقته ليخبرنا عن قاتله». فقام سالما سويّا، و قال: [يا نبيّ اللّه]! قتلني هذان ابنا عمّي حسداني على بنت عمّي، فقاتلاني، و ألقياني في محلّة هؤلاء ليأخذا ديتي [منهم]. فأخذ موسى (عليه السلام) الرجلين فقتلهما، و كان قبل أن يقوم الميّت ضرب بقطعة من البقرة، فلم يحي، فقالوا: يا نبيّ اللّه! أين ما وعدتنا عن اللّه عزّ و جلّ؟ فقال موسى (عليه السلام): [قد صدقت]، و ذلك إلى اللّه عزّ و جلّ. فأوحى اللّه تعالى إليه: يا موسى! إنّي لا أخلف وعدي، و لكن ليقدّموا للفتى ثمن بقرته ملء مسكها دنانير، ثمّ أحيي هذا. فجمعوا أموالهم، فوسّع اللّه جلد الثور حتّى وزن ما ملئ به جلده، فبلغ خمسة آلاف ألف دينار. 85 فقال بعض بني إسرائيل لموسى (عليه السلام):- و ذلك بحضرة المقتول المنشور المضروب ببعض البقرة- لا ندري أيّهما أعجب: إحياء اللّه هذا، و إنطاقه بما نطق، أو إغناؤه لهذا الفتى بهذا المال العظيم؟! فأوحى اللّه إليه: يا موسى! قل لبني إسرائيل: من أحبّ منكم أن أطيّب في الدنيا عيشه، و أعظّم في جنّاتي محلّه، و أجعل لمحمّد و آله الطيّبين فيها منادمته، فليفعل كما فعل هذا الفتى، إنّه كان قد سمع من موسى بن عمران (عليه السلام) ذكر محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ و آلهما الطيّبين، فكان عليهم مصلّيا، و لهم على جميع الخلائق من الجنّ و الإنس و الملائكة مفضّلا. فلذلك صرفت إليه هذا المال العظيم، ليتنعّم بالطيّبات، و يتكرّم بالهبات و الصلات، و يتحبّب بمعروفه إلى ذوي المودّات، و يكبت بنفقاته ذوي العداوات. قال الفتى: يا نبيّ اللّه! كيف أحفظ هذه الأموال؟ أم كيف أحذر من عداوة من يعاديني فيها، و حسد من يحسدني لأجلها؟ قال: قل عليها من الصلاة على محمّد و آله الطيّبين ما كنت تقوله قبل أن تنالها، فإنّ الذي رزقكها بذلك القول مع صحّة الاعتقاد يحفظها عليك أيضا (بهذا القول مع صحّة الاعتقاد). فقالها الفتى، فما رامها حاسد [له] ليفسدها، أو لصّ ليسرقها، أو غاصب ليغصبها إلّا دفعه اللّه عزّ و جلّ عنها بلطف من ألطافه حتّى يمتنع من ظلمه اختيارا، أو منعه منه بآفة، أو داهية حتّى يكفّه عنه فيكفّ اضطرارا. [قال (عليه السلام)]: فلمّا قال موسى (عليه السلام) للفتى ذلك، و صار اللّه عزّ و جلّ له- لمقالته- حافظا، قال هذا المنشور: «اللّهمّ إنّي أسألك بما سألك به هذا الفتى من الصلاة على محمّد و آله الطيّبين، و التوسّل بهم أن تبقيني في الدنيا متمتّعا بابنة عمّي، و تجزي 86 عنّي أعدائي، و حسّادي، و ترزقني فيها [خيرا] كثيرا طيّبا». فأوحى اللّه إليه: يا موسى! إنّه كان لهذا الفتى المنشور بعد القتل ستّون سنة، و قد وهبت له بمسألته، و توسّله بمحمّد و آله الطيّبين سبعين سنة، تمام مائة و ثلاثين سنة، صحيحة حواسّه، ثابت فيها جنانه، قويّة فيها شهواته، يتمتّع بحلال هذه الدنيا، و يعيش، و لا يفارقها و لا تفارقه، فإذا حان حينه [حان حينها] و ماتا جميعا [معا]، فصارا إلى جناني، و كانا زوجين فيها ناعمين. و لو سألني- يا موسى- هذا الشقيّ القاتل بمثل ما توسّل به هذا الفتى على صحّة اعتقاده أن أعصمه من الحسد، و أقنعه بما رزقته- و ذلك هو الملك العظيم- لفعلت. و لو سألني بذلك مع التوبة من صنعه أن لا أفضحه لما فضحته، و لصرفت هؤلاء عن اقتراح إبانة القاتل، و لأغنيت هذا الفتى من غير [هذا الوجه بقدر] هذا المال أوجده. و لو سألني بعد ما افتضح و تاب إليّ، و توسّل بمثل وسيلة هذا الفتى أن أنسي الناس فعله- بعد ما ألطف لأوليائه فيعفونه عن القصاص- لفعلت، فكان لا يعيّره بفعله أحد، و لا يذكره فيهم ذاكر، و لكن ذلك فضل أوتيه من أشاء، و أنا ذو الفضل العظيم، و أعدل بالمنع على من أشاء، و أنا العزيز الحكيم. فلمّا ذبحوها قال اللّه تعالى: فَذَبَحُوها وَ ما كادُوا يَفْعَلُونَ فأرادوا أن لا يفعلوا ذلك من عظم ثمن البقرة، و لكنّ اللجاج حملهم على ذلك، و اتّهامهم لموسى (عليه السلام) حدأهم عليه. [قال]: فضجّوا إلى موسى (عليه السلام) و قالوا: افتقرت القبيلة، و دفعت إلى التكفّف، و انسلخنا بلجاجنا عن قليلنا و كثيرنا، فادع اللّه لنا بسعة الرزق. فقال موسى (عليه السلام): و يحكم ما أعمى قلوبكم، أ ما سمعتم دعاء الفتى صاحب البقرة، و ما أورثه اللّه تعالى من الغنى، أو ما سمعتم دعاء [الفتى] المقتول 87 المنشور، و ما أثمر له من العمر الطويل، و السعادة و التنعّم، و التمتّع بحواسّه و سائر بدنه و عقله، لم لا تدعون اللّه تعالى بمثل دعائهما، و تتوسّلون إلى اللّه بمثل توسّلهما ليسدّ فاقتكم و يجبر كسركم، و يسدّ خلّتكم؟ فقالوا: «اللّهمّ إليك التجأنا، و على فضلك اعتمدنا، فأزل فقرنا، و سدّ خلّتنا بجاه محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيّبين من آلهم». فأوحى اللّه إليه: يا موسى! قل لهم ليذهب رؤساؤهم إلى خربة بني فلان، و يكشفوا في موضع كذا- لموضع عيّنه- وجه أرضها قليلا، ثمّ يستخرجوا ما هناك، فإنّه عشرة آلاف ألف دينار، ليردّوا على كلّ من دفع في ثمن هذه البقرة ما دفع، لتعود أحوالهم إلى ما كانت [عليه]، ثمّ ليتقاسموا بعد ذلك ما يفضل، و هو خمسة آلاف ألف دينار على قدر ما دفع كلّ واحد منهم في هذه المحنة لتتضاعف أموالهم، جزاء على توسّلهم بمحمّد و آله الطيّبين، و اعتقادهم لتفضيلهم. فذلك ما قال اللّه عزّ و جلّ: وَ إِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيها اختلفتم فيها، و تدارأتم، ألقى بعضكم الذنب في قتل المقتول على بعض، و درأه عن نفسه و ذويه، وَ اللَّهُ مُخْرِجٌ مظهر ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ ما كان من خبر القاتل، و ما كنتم تكتمون من إرادة تكذيب موسى (عليه السلام) باقتراحكم عليه ما قدّرتم أنّ ربّه لا يجيبه إليه. فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها ببعض البقرة كَذلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتى في الدنيا و الآخرة، كما أحيى الميّت بملاقاة ميّت آخر له. أمّا في الدنيا فيلاقي ماء الرجل ماء المرأة، فيحيي اللّه الذي كان في الأصلاب و الأرحام حيّا. و أمّا في الآخرة فإنّ اللّه تعالى ينزل بين نفختي الصور- بعد ما ينفخ النفخة الأولى من دوين السماء الدنيا- من البحر المسجور الذي قال اللّه تعالى [فيه]: 88 وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ و هي منّي كمنيّ الرجال، فيمطر ذلك على الأرض، فيلقى الماء المني مع الأموات البالية فينبتون من الأرض و يحيون، ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ وَ يُرِيكُمْ آياتِهِ سائر آياته سوى هذه الدلالات على توحيده، و نبوّة موسى (عليه السلام) نبيّه، و فضل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) على الخلائق سيّد إمائه و عبيده، و تبيينه فضله و فضل آله الطيّبين على سائر خلق اللّه أجمعين، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [تعتبرون و] تتفكّرون أنّ الذي يفعل هذه العجائب لا يأمر الخلق إلّا بالحكمة، و لا يختار محمّدا و آله إلّا لأنّهم أفضل ذوي الألباب . قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ وَ إِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ: 2/ 74. (576) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ عست و جفّت و يبست من الخير 89 و الرحمة قلوبكم معاشر اليهود مِنْ بَعْدِ ذلِكَ من بعد ما بيّنت من الآيات الباهرات في زمان موسى 7، و من الآيات المعجزات التي شاهدتموها من محمّد. فَهِيَ كَالْحِجارَةِ اليابسة لا ترشّح برطوبة، و لا ينتفض منها ما ينتفع به، أي أنّكم لا حقّ اللّه تعالى تؤدّون، و لا [من] أموالكم، و لا من مواشيها تتصدّقون، و لا بالمعروف تتكرّمون و تجودون، و لا الضيف تقرءون، و لا مكروبا تغيثون، و لا بشيء من الإنسانيّة تعاشرون و تعاملون. أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً إنّما هي في قساوة الأحجار أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً أبهم على السامعين، و لم يبيّن لهم كما يقول القائل: أكلت خبزا أو لحما، و هو لا يريد به إنّي لا أدري ما أكلت، بل يريد [به] أن يبهم على السامع حتّى لا يعلم ما ذا أكل، و إن كان يعلم أنّه قد أكل، و ليس معناه بل أشدّ قسوة لأنّ هذا استدراك غلط، و هو عزّ و جلّ يرتفع [عن] أن يغلط في خبر ثمّ، يستدرك على نفسه الغلط، لأنّه العالم بما كان، و بما يكون، و بما لا يكون، أن لو كان كيف كان يكون، و إنّما يستدرك الغلط على نفسه المخلوق المنقوص. و لا يريد به أيضا فهي كالحجارة أو أشدّ أي و أشدّ قسوة، لأنّ هذا تكذيب الأوّل بالثاني لأنّه قال: فَهِيَ كَالْحِجارَةِ في الشدّة لا أشدّ منها و لا ألين. فإذا قال بعد ذلك: أَوْ أَشَدُّ فقد رجع عن قوله الأوّل أنّها ليست بأشدّ، و هذا مثل أن يقول: لا يجيء من قلوبكم خير لا قليل و لا كثير. فأبهم عزّ و جلّ في الأوّل حيث قال: أَوْ أَشَدُّ. و بيّن في الثاني أنّ قلوبهم أشدّ قسوة من الحجارة لا بقوله أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً، و لكن بقوله تعالى: وَ إِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ أي فهي في القساوة بحيث لا يجيء منها الخير [يا يهود]، و في الحجارة ما يتفجّر منه الأنهار، فيجيء بالخير و الغياث لبني آدم. 90 وَ إِنَّ مِنْها من الحجارة لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْماءُ و هو ما يقطر منه الماء فهو خير منها دون الأنهار التي يتفجّر من بعضها، و قلوبهم لا يتفجّر منها الخيرات، و لا يشّقّق فيخرج منها قليل من الخيرات، و إن لم يكن كثيرا. ثمّ قال اللّه تعالى: وَ إِنَّ مِنْها يعني من الحجارة لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ إذا أقسم عليها باسم اللّه و بأسامي أوليائه محمّد، و عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، و الطيّبين من آلهم صلّى اللّه عليهم، و ليس في قلوبكم شيء من هذه الخيرات. وَ مَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ بل عالم به يجازيكم عنه بما هو به، عادل عليكم، و ليس بظالم لكم، يشدّد حسابكم، و يؤلم عقابكم. و هذا الذي [قد] وصف اللّه تعالى به قلوبهم هاهنا نحو ما قال في سورة النساء: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذاً لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً . و ما وصف به الأحجار هاهنا نحو ما وصف في قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ . و هذا التقريع من اللّه تعالى لليهود و النواصب، و اليهود جمعوا الأمرين و اقترفوا الخطيئتين، فغلظ على اليهود ما و نجّهم به رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقال جماعة من رؤسائهم، و ذوي الألسن و البيان منهم: يا محمّد! إنّك تهجونا و تدّعى على قلوبنا ما اللّه يعلم منها خلافه، إنّ فيها خيرا كثيرا نصوم، و نتصدّق، و نواسي الفقراء. 91 فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّما الخير ما أريد به وجه اللّه تعالى، و عمل على ما أمر اللّه تعالى [به]. فأمّا ما أريد به الرياء و السمعة، أو معاندة رسول اللّه، و إظهار الغنى له، و التمالك، و التشرّف عليه فليس بخير، بل هو الشرّ الخالص، و وبال على صاحبه، يعذّبه اللّه به أشدّ العذاب. فقالوا له: يا محمّد! أنت تقول هذا، و نحن نقول: بل ما ننفقه إلّا لإبطال أمرك، و دفع رئاستك، و لتفريق أصحابك عنك، و هو الجهاد الأعظم، نؤمّل به من اللّه الثواب الأجلّ الأجسم، و أقلّ أحوالنا أنّا تساوينا في الدعاوي، فأيّ فضل لك علينا؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا إخوة اليهود! إنّ الدعاوي يتساوى فيها المحقّون و المبطلون، و لكن حجج اللّه و دلائله تفرّق بينهم فتكشف عن تمويه المبطلين، و تبيّن عن حقائق المحقّين. و رسول اللّه محمّد لا يغتنم جهلكم، و لا يكلّفكم التسليم له بغير حجّة، و لكن يقيم عليكم حجّة اللّه تعالى التي لا يمكنكم دفاعها، و لا تطيقون الامتناع من موجبها، و لو ذهب محمّد يريكم آية من عنده لشككتم و قلتم: إنّه متكلّف مصنوع محتال فيه معمول، أو متواطأ عليه. فإذا اقترحتم أنتم فأراكم ما تقترحون لم يكن لكم أن تقولوا معمول، أو متواطأ عليه، أو متأتّى بحيلة و مقدّمات. فما الذي تقترحون، فهذا ربّ العالمين قد وعدني: أن يظهر لكم ما تقترحون، ليقطع معاذير الكافرين منكم، و يزيد في بصائر المؤمنين منكم. قالوا: قد أنصفتنا يا محمّد! فإن وفيت بما وعدت من نفسك من الإنصاف، و إلّا فأنت أوّل راجع من دعواك للنبوّة، و داخل في غمار الأمّة، و مسلّم لحكم 92 التوراة لعجزك عمّا نقترحه عليك، و ظهور الباطل في دعواك فيما ترومه من جهتك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): الصدق ينبئ عنكم لا الوعيد، اقترحوا ما تقترحون ليقطع معاذيركم فيما تسألون. فقالوا: يا محمّد! زعمت أنّه ما في قلوبنا شيء من مواساة الفقراء، و معاونة الضعفاء، و النفقة في إبطال الباطل، و إحقاق الحقّ، و أنّ الأحجار ألين من قلوبنا، و أطوع للّه منّا، و هذه الجبال بحضرتنا فهلمّ بنا إلى بعضها فاستشهده على تصديقك و تكذيبنا، فإن نطق بتصديقك فأنت المحقّ يلزمنا اتّباعك، و إن نطق بتكذيبك أو صمت فلم يردّ جوابك، فاعلم بأنّك المبطل في دعواك المعاند لهواك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): نعم، هلمّوا بنا إلى أيّها شئتم، أستشهده ليشهد لي عليكم، فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه. فقالوا: يا محمّد! هذا الجبل فاستشهده. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) للجبل: إنّي أسألك بجاه محمّد و آله الطيّبين الذين بذكر أسمائهم خفّف اللّه العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن لم يقدروا على تحريكه، و هم خلق كثير لا يعرف عددهم غير اللّه عزّ و جلّ، و بحقّ محمّد و آله الطيّبين الذين بذكر أسمائهم تاب اللّه على آدم، و غفر خطيئته و أعاده إلى مرتبته، و بحقّ محمّد و آله الطيّبين الذين بذكر أسمائهم و سؤال اللّه بهم رفع إدريس في الجنّة [مكانا] عليّا لمّا شهدت لمحمّد بما أودعك اللّه بتصديقه على هؤلاء اليهود في ذكر قساوة قلوبهم، و تكذيبهم و جحدهم لقول محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم). فتحرّك الجبل، و تزلزل و فاض منه الماء و نادى: يا محمّد أشهد أنّك رسول [اللّه] ربّ العالمين، و سيّد الخلائق أجمعين. 93 و أشهد أنّ قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت أقسى من الحجارة، لا يخرج منها خير كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلا، أو تفجيرا. و أشهد أنّ هؤلاء كاذبون عليك فيما به يقرفونك من الفرية على ربّ العالمين. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و أسألك أيّها الجبل أمرك اللّه بطاعتي فيما ألتمسه منك بجاه محمّد و آله الطيّبين، الذين بهم نجّى اللّه تعالى نوحا (عليه السلام) من الكرب العظيم، و برّد اللّه النار على إبراهيم (عليه السلام) و جعلها عليه سلاما، و مكّنه في جوف النار على سرير و فراش و ثير لم ير ذلك الطاغية مثله لأحد من ملوك الأرض أجمعين، و أنبت حواليه من الأشجار الخضرة النضرة النزهة، و غمر ما حوله من أنواع المنثور بما لا يوجد إلّا في فصول أربعة من جميع السنة. قال الجبل: بلى، أشهد لك يا محمّد! بذلك، و أشهد أنّك لو اقترحت على ربّك أن يجعل رجال الدنيا قردة و خنازير لفعل، أو يجعلهم ملائكة لفعل، و أن يقلّب النيران جليدا و الجليد نيرانا لفعل، أو يهبط السماء إلى الأرض أو يرفع الأرض إلى السماء لفعل، أو يصير أطراف المشارق و المغارب و الوهاد كلّها صرّة كصرّة الكيس لفعل، و إنّه قد جعل الأرض و السماء طوعك، و الجبال، و البحار تنصرف بأمرك، و سائر ما خلق اللّه من الرياح و الصواعق و جوارح الإنسان و أعضاء الحيوان لك مطيعة، و ما أمرتها [به] من شيء ائتمرت. فقال اليهود: يا محمّد! أ علينا تلبّس و تشبّه! قد أجلست مردة من أصحابك خلف صخور هذا الجبل فهم ينطقون بهذا الكلام، و نحن لا ندري أ نسمع من 94 الرجال، أم من الجبل؟! لا يغترّ بمثل هذا إلّا ضعفاؤك الذين تبحبح في عقولهم، فإن كنت صادقا فتنحّ عن موضعك هذا إلى ذلك القرار، و أمر هذا الجبل أن ينقطع من أصله فيسير إليك إلى هناك، فإذا حضرك- و نحن نشاهده- فأمره أن ينقطع نصفين من ارتفاع سمكه، ثمّ ترتفع السفلى من قطعتيه فوق العليا، و تنخفض العليا تحت السفلى. فإذا أصل الجبل قلّته و قلّته أصله لنعلم أنّه من اللّه لا يتّفق بمواطاة، و لا بمعاونة مموّهين متمرّدين. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)- و أشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال- يا أيّها الحجر تدحرج؟ فتدحرج، ثمّ قال لمخاطبه: خذه و قرّبه من أذنك، فسيعيد عليك ما سمعت فإنّ هذا جزء من ذلك الجبل. فأخذه الرجل، فأدناه إلى أذنه، فنطق به الحجر بمثل ما نطق به الجبل أوّلا من تصديق رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فيما ذكره عن قلوب اليهود، و فيما أخبر به من أنّ نفقاتهم في دفع أمر محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) باطل، و وبال عليهم. فقال [له] رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أسمعت هذا، أخلف هذا الحجر أحد يكلّمك [و يوهمك أنّه يكلّمك]؟! قال: لا، فأتني بما اقترحت في الجبل؟ فتباعد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى فضاء واسع، ثمّ نادى الجبل: يا أيّها الجبل! بحقّ محمّد و آله الطيّبين الذين بجاههم (و مسألة عباد اللّه) بهم أرسل اللّه على قوم عاد ريحا صرصرا عاتية تنزع الناس كأنّهم أعجاز نخل خاوية، و أمر جبرئيل أن يصيح صيحة [هائلة] في قوم صالح (عليه السلام) حتّى صاروا كهشيم المحتظر لمّا انقلعت من مكانك بإذن اللّه، و جئت إلى حضرتي هذه- و وضع يده على الأرض بين يديه. 95 [قال:] فتزلزل الجبل، و سار كالقارح الهملاج حتّى [صار بين يديه، و] دنا من إصبعه أصله فلزق بها، و وقف و نادى: [ها] أنا سامع لك مطيع يا رسول (ربّ العالمين)، و إن رغمت أنوف هؤلاء المعاندين مرني بأمرك يا رسول اللّه! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ هؤلاء [المعاندين] اقترحوا عليّ أن آمرك أن تنقلع من أصلك فتصير نصفين، ثمّ ينحطّ أعلاك و يرتفع أسفلك، فتصير ذروتك أصلك و أصلك ذروتك. فقال الجبل: أ فتأمرني بذلك يا رسول اللّه ربّ العالمين؟ قال: بلى. فانقطع [الجبل] نصفين، و انحطّ أعلاه إلى الأرض، و ارتفع أسفله فوق أعلاه، فصار فرعه أصله، و أصله فرعه، ثمّ نادى الجبل: معاشر اليهود! هذا الذي ترون دون معجزات موسى الذي تزعمون أنّكم به مؤمنون؟! فنظر اليهود بعضهم إلى بعض فقال بعضهم: ما عن هذا محيص. و قال آخرون منهم: هذا رجل مبخوت، يؤتى له، و المبخوت يتأتّى له العجائب، فلا يغرّنّكم ما تشاهدون [منه]. فناداهم الجبل: يا أعداء اللّه! قد أبطلتم بما تقولون نبوّة موسى (عليه السلام) هلّا قلتم لموسى: إنّ قلب العصا ثعبانا، و انفلاق البحر طرقا، و وقوف الجبل كالظلّة فوقكم، إنّك يؤتى لك يأتيك جدّك بالعجائب، فلا يغرّنا ما نشاهده منك، فألقمتهم الجبال- بمقالتها- الصخور، و لزمتهم حجّة ربّ العالمين . 96 قوله تعالى: أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ. وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلا تَعْقِلُونَ. أَ وَ لا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ: 2/ 75- 77. (577) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): فلمّا بهر رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) هؤلاء اليهود بمعجزته، و قطع معاذيرهم بواضح دلالته، لم يمكنهم مراجعته في حجّته، و لا إدخال التلبيس عليه في معجزته. فقالوا: يا محمّد! قد آمنّا بأنّك الرسول الهادي المهديّ، و أنّ عليّا أخاك هو الوصيّ و الوليّ. و كانوا إذا خلوا باليهود الآخرين يقولون [لهم:] إنّ إظهارنا له الإيمان به أمكن لنا من مكروهه، و أعون لنا على اصطلامه، و اصطلام أصحابه لأنّهم عند 97 اعتقادهم أنّنا معهم يقفوننا على أسرارهم، و لا يكتموننا شيئا، فنطّلع عليهم أعداءهم، فيقصدون أذاهم بمعاونتنا، و مظاهرتنا في أوقات اشتغالهم و اضطرابهم، و في أحوال تعذّر المدافعة، و الامتناع من الأعداء عليهم. و كانوا مع ذلك ينكرون على سائر اليهود إخبار الناس عمّا كانوا يشاهدونه من آياته، و يعاينونه من معجزاته. فأظهر اللّه تعالى محمّدا رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم) على سوء اعتقادهم، و قبح [أخلاقهم و] دخلاتهم، و على إنكارهم على من اعترف بما شاهده من آيات محمّد، و واضح بيّناته، و باهر معجزاته. فقال عزّ و جلّ: يا محمّد! أَ فَتَطْمَعُونَ أنت و أصحابك من عليّ و آله الطيّبين أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ هؤلاء اليهود الذين هم بحجج اللّه قد بهرتموهم، و بآيات اللّه و دلائله الواضحة قد قهرتموهم، أن يؤمنوا لكم و يصدّقوكم بقلوبهم، و يبدوا في الخلوات لشياطينهم شريف أحوالكم. وَ قَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يعني من هؤلاء اليهود من بني إسرائيل يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ في أصل جبل طور سيناء و أوامره و نواهيه ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ عمّا سمعوه إذا أدّوه إلى من وراءهم من سائر بني إسرائيل مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ و علموا أنّهم فيما يقولونه كاذبون وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أنّهم في قيلهم كاذبون. و ذلك أنّهم لمّا صاروا مع موسى إلى الجبل فسمعوا كلام اللّه، و وقفوا على أوامره و نواهيه رجعوا فأدّوه إلى من بعدهم، فشقّ عليهم، فأمّا المؤمنون منهم فثبتوا على إيمانهم و صدقوا في نيّاتهم. و أمّا أسلاف هؤلاء اليهود الذين نافقوا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في هذه القضيّة فإنّهم قالوا لبني إسرائيل: إنّ اللّه تعالى قال لنا هذا، و أمرنا بما ذكرناه لكم، 98 و نهانا، و أتبع ذلك بأنّكم إن صعب عليكم ما أمرتكم به فلا عليكم أن [لا تفعلوه، و إن صعب عليكم ما عنه نهيتكم فلا عليكم أن] ترتكبوه و تواقعوه، [هذا] و هم يعلمون أنّهم بقولهم هذا كاذبون. ثمّ أظهر اللّه تعالى (على نفاقهم الآخر) مع جهلهم. فقال عزّ و جلّ: وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا كانوا إذا لقوا سلمان و المقداد و أبا ذرّ و عمّار قالوا: آمنّا كإيمانكم، إيمانا بنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) مقرونا [بالإيمان] بإمامة أخيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و بأنّه أخوه الهادي، و وزيره [الموالي]، و خليفته على أمّته، و منجز عدته، و الوافي بذمّته، و الناهض بأعباء سياسته، و قيّم الخلق، و الذائد لهم عن سخط الرحمن، الموجب لهم- إن أطاعوه- رضي الرحمن. و أنّ خلفاءه من بعده هم النجوم الزاهرة، و الأقمار المنيرة، و الشموس المضيئة الباهرة، و أنّ أولياءهم أولياء اللّه، و أنّ أعداءهم أعداء اللّه. و يقول بعضهم: نشهد أنّ محمّدا صاحب المعجزات، و مقيم الدلالات الواضحات، هو الذي لمّا تواطأت قريش على قتله و طلبوه فقدا لروحه، أيبس اللّه تعالى أيديهم فلم تعمل، و أرجلهم فلم تنهض حتّى رجعوا عنه خائبين مغلوبين. و لو شاء محمّد وحده قتلهم أجمعين، و هو الذي لمّا جاءته قريش و أشخصته إلى هبل ليحكم عليه بصدقهم و كذبه خرّ هبل لوجهه، و شهد له بنبوّته، و شهد لأخيه عليّ بإمامته، و لأوليائه من بعده بوراثته، و القيام بسياسته و إمامته. و هو الذي لمّا ألجأته قريش إلى الشعب، و وكّلوا ببابه من يمنع من إيصال 99 قوت، و من خروج أحد عنه خوفا أن يطلب لهم قوتا، غذّى هناك كافرهم و مؤمنهم أفضل من المنّ و السلوى، و كلّ ما اشتهى كلّ واحد منهم من أنواع الأطعمات الطيّبات، و من أصناف الحلاوات، و كساهم أحسن الكسوات. و كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بين أظهرهم إذا رآهم، و قد ضاق لضيق فجّهم صدورهم، قال بيده هكذا بيمناه إلى الجبال، و هكذا بيسراه إلى الجبال، و قال لها: اندفعي، فتندفع و تتأخّر حتّى يصيروا بذلك في صحراء لا يرى طرفاها، ثمّ يقول بيده هكذا و يقول: اطلعي يا أيّتها المودعات! لمحمّد و أنصاره ما أودعكموها اللّه من الأشجار و الثمار [و الأنهار] و أنواع الزهر و النبات، فتطلع من الأشجار الباسقة، و الرياحين المونقة، و الخضروات النزهة ما تتمتّع به القلوب و الأبصار، و تنجلي به الهموم و الغموم و الأفكار، و يعلمون أنّه ليس لأحد من ملوك الأرض مثل صحرائهم على ما تشتمل عليهم من عجائب أشجارها، و تهدّل أثمارها، و اطراد أنهارها و غضارة، رياحينها، و حسن نباتها. و محمّد هو الذي لمّا جاءه رسول أبي جهل يتهدّده، و يقول: يا محمّد! إنّ الخبوط التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكّة، و رمت بك إلى يثرب، و إنّها لا تزال بك [حتّى] تنفّرك و تحثّك على ما يفسدك، و يتلفك إلى أن تفسدها على أهلها، و تصليهم حرّ نار تعدّيك طورك، و ما أرى ذلك إلّا و سيؤول إلى أن تثور عليك قريش ثورة رجل واحد لقصد آثارك، و دفع ضررك و بلائك فتلقاهم بسفهائك المغترّين بك، و يساعدك على ذلك من هو كافر بك مبغض لك، فيلجئه إلى مساعدتك و مظافرتك خوفه لأن يهلك بهلاكك، و [تعطب] عياله بعطبك، و يفتقر هو و من يليه بفقرك و بفقر متبعيك، إذ يعتقدون أنّ أعداءك إذا قهروك و دخلوا ديارهم عنوة لم يفرّقوا بين من والاك و عاداك، و اصطلموهم باصطلامهم لك، و أتوا على عيالاتهم و أموالهم بالسبي و النهب، كما يأتون على 100 أموالك و عيالك، و قد أعذر من أنذر، و بالغ من أوضح. أدّيت هذه الرسالة إلى محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو بظاهر المدينة بحضرة كافّة أصحابه و عامّة الكفّار به من يهود بني إسرائيل. و هكذا أمر الرسول ليجنّبوا المؤمنين، و يغرّوا بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): للرسول: قد أطريت مقالتك، و استكملت رسالتك؟ قال: بلى. قال (صلى الله عليه و آله و سلم): فاسمع الجواب! إنّ أبا جهل بالمكاره و العطب يهدّدني، و ربّ العالمين بالنصر و الظفر يعدني، و خبر اللّه أصدق، و القبول من اللّه أحقّ، لن يضرّ محمّدا من خذله، أو يغضب عليه بعد أن ينصره اللّه عزّ و جلّ، و يتفضّل بجوده و كرمه عليه. قل له: يا أبا جهل! إنّك راسلتني بما ألقاه في خلدك الشيطان، و أنا أجيبك بما ألقاه في خاطري الرحمن: إنّ الحرب بيننا و بينك كائنة إلى تسعة و عشرين [يوما]، و إنّ اللّه سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، و ستلقى أنت و عتبة و شيبة و الوليد و فلان و فلان- و ذكر عددا من قريش- في قليب بدر مقتّلين، أقتل منكم سبعين، و آسر منكم سبعين، أحملهم على الفداء [العظيم] الثقيل، ثمّ نادى جماعة من بحضرته من المؤمنين و اليهود [و النصارى] و سائر الأخلاط: أ لا تحبّون أن أريكم مصرع كلّ واحد من هؤلاء؟ [قالوا: بلى، قال]: هلّموا إلى بدر فإنّ هناك الملتقى و المحشر، و هناك البلاء الأكبر، لأضع قدمي على مواضع مصارعهم، ثمّ ستجدونها لا تزيد، و لا تنقص، و لا تتغيّر، و لا تتقدّم، و لا تتأخّر لحظة، و لا قليلا، و لا كثيرا. فلم يخف ذلك على أحد منهم، و لم يجبه إلّا عليّ بن أبي طالب وحده، و قال: نعم، بسم اللّه. 101 فقال الباقون: نحن نحتاج إلى مركوب و آلات و نفقات، فلا يمكننا الخروج إلى هناك، و هو مسيرة أيّام. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لسائر اليهود: فأنتم ما ذا تقولون؟ قالوا: نحن نريد أن نستقرّ في بيوتنا، و لا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في ادّعائه محيل. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لا نصب عليكم في المسير إلى هناك، أخطوا خطوة واحدة، فإنّ اللّه يطوي الأرض لكم، و يوصلكم في الخطوة الثانية إلى هناك. فقال المؤمنون: صدق رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فلنتشرّف بهذه الآية. و قال الكافرون و المنافقون: سوف نمتحن هذا الكذب لينقطع عذر محمّد و تصير دعواه حجّة عليه، و فاضحة له في كذبه. قال فخطا القوم خطوة، ثمّ الثانية فإذا هم عند بئر بدر، فعجبوا. فجاء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: اجعلوا البئر العلامة، و اذرعوا من عندها كذا ذرعا، فذرعوا فلمّا انتهوا إلى آخرها، قال: هذا مصرع أبي جهل يجرحه فلان الأنصاريّ، و يجهز عليه عبد اللّه بن مسعود أضعف أصحابي. ثمّ قال: اذرعوا من البئر من جانب آخر. [ثمّ جانب آخر، ثمّ جانب آخر] كذا و كذا ذراعا و ذراعا، و ذكر أعداد الأذرع مختلفة، فلمّا انتهى كلّ عدد إلى آخره، قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): هذا مصرع عتبة، و ذلك مصرع شيبة، و ذاك مصرع الوليد، و سيقتل فلان و فلان- إلى أن (سمّى تمام) سبعين منهم بأسمائهم- و سيؤسر فلان و فلان إلى أن ذكر سبعين منهم بأسمائهم، و أسماء آبائهم و صفاتهم، و نسب المنسوبين إلى الآباء منهم، و نسب الموالي منهم إلى مواليهم. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أوقفتم على ما أخبرتكم به؟ قالوا: بلى. 102 قال: (إنّ ذلك لحقّ) كائن بعد ثمانية و عشرين يوما [من اليوم] في اليوم التاسع و العشرين، وعدا من اللّه مفعولا، و قضاء حتما لازما. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا معشر المسلمين و اليهود! اكتبوا بما سمعتم. فقالوا: يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)! قد سمعنا و وعينا و لا ننسى. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): الكتابة [أفضل و] أذكر لكم. فقالوا: يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)! و أين الدواة و الكتف؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ذلك للملائكة. ثمّ قال: يا ملائكة ربّي! اكتبوا ما سمعتم من هذه القصّة في أكتاف، و اجعلوا في كمّ كلّ واحد منهم كتفا من ذلك. ثمّ قال: معاشر المسلمين! تأمّلوا أكمامكم و ما فيها و أخرجوه و اقرؤوه. فتأمّلوها، فإذا في كمّ كلّ واحد منهم صحيفة قرأها، و إذا فيها ذكر ما قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في ذلك سواء لا يزيد، و لا ينقص، و لا يتقدّم، و لا يتأخّر. فقال: أعيدوها في أكمامكم تكن حجّة عليكم، و شرفا للمؤمنين منكم، و حجّة على الكافرين. فكانت معهم، فلمّا كان يوم بدر جرت الأمور كلّها [ببدر و وجدوها] كما قال (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يزيد و لا ينقص، قابلوا بها ما في كتبهم فوجدوها كما كتبته الملائكة لا تزيد، و لا تنقص، و لا تتقدّم، و لا تتأخّر. فقبل المسلمون ظاهرهم، و وكّلوا باطنهم إلى خالقهم. فلمّا أفضى بعض هؤلاء اليهود إلى بعض، قالوا: أيّ شيء صنعتم؟ أخبرتموهم بما فتح اللّه عليكم من الدلالات على صدق نبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و إمامة أخيه عليّ (عليه السلام). لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ بأنّكم كنتم قد علمتم هذا، و شاهدتموه 103 فلم تؤمنوا به، و لم تطيعوه، و قدّروا بجهلهم أنّهم إن لم يخبروهم بتلك الآيات لم يكن له عليهم حجّة في غيرها. ثمّ قال عزّ و جلّ: أَ فَلا تَعْقِلُونَ [إنّ هذا] الذي تخبرونهم [به] ممّا فتح اللّه عليكم من دلائل نبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) حجّة عليكم عند ربّكم. قال اللّه عزّ و جلّ: أَ وَ لا يَعْلَمُونَ يعني أولا يعلم هؤلاء القائلون لإخوانهم أ تحدّثونهم بما فتح اللّه عليكم أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ من عداوة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و يضمرونه من أنّ إظهارهم الإيمان به أمكن لهم من اصطلامه و إبارة أصحابه. وَ ما يُعْلِنُونَ من الإيمان ظاهرا ليؤنسوهم، و يقفوا به على أسرارهم فيذيعوها بحضرة من يضرّهم. و إنّ اللّه لمّا علم ذلك دبّر لمحمّد تمام أمره، و بلوغ غاية ما أراده اللّه ببعثه، و إنّه يتمّ أمره، و إنّ نفاقهم و كيادهم لا يضرّه . قوله تعالى: وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ: 2/ 78. 104 (578) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): [ثمّ] قال اللّه عزّ و جلّ: يا محمّد! و من هؤلاء اليهود أُمِّيُّونَ لا يقرءون [الكتاب] و لا يكتبون كالأمّيّ، منسوب إلى أمّه، أي هو كما خرج من بطن أمّه لا يقرأ و لا يكتب. لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ المنزل من السماء و لا المكذّب به و لا يميّزون بينهما إِلَّا أَمانِيَ أي إلّا أن يقرأ عليهم. و يقال لهم: [إنّ] هذا كتاب اللّه و كلامه لا يعرفون إن قرىء من الكتاب خلاف ما فيه وَ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ أي ما يقول لهم رؤساؤهم من تكذيب محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) في نبوّته، و إمامة عليّ (عليه السلام) سيّد عترته، و هم يقلّدونهم مع أنّه محرّم عليهم تقليدهم . قوله تعالى: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ: 2/ 79. (579) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: [هذا] لقوم من هؤلاء اليهود كتبوا صفة زعموا أنّها صفة النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو خلاف صفته، و قالوا للمستضعفين [منهم]: هذه صفة النبيّ 105 المبعوث في آخر الزمان، إنّه طويل عظيم البدن و البطن، أصهب الشعر، و محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بخلافه، و هو يجيء بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة. و إنّما أرادوا بذلك لتبقى لهم على ضعفائهم رئاستهم، و تدوم لهم منهم إصابتهم، و يكفّوا أنفسهم مئونة خدمة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، [و خدمة عليّ (عليه السلام)] و أهل خاصّته. فقال اللّه تعالى: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من هذه الصفات المحرّفات المخالفات لصفة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ (عليه السلام) الشدّة لهم من العذاب في أسوأ بقاع جهنّم وَ وَيْلٌ لَهُمْ الشدّة لهم من العذاب ثانية مضافة إلى الأولى مِمَّا يَكْسِبُونَ من الأموال التي يأخذونها إذا أثبتوا عوامّهم على الكفر بمحمّد رسول اللّه، و الجحد لوصيّه أخيه عليّ وليّ اللّه (عليهما السلام) . قوله تعالى: وَ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ: 2/ 80. (580) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: وَ قالُوا يعني اليهود [المصرّون] المظهرون للإيمان، المسرّون للنفاق، المدبّرون على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و ذويه بما يظنّون أنّ فيه عطبهم لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً و ذلك أنّه كان لهم أصهار و إخوة 106 رضاع من المسلمين يسرّون كفرهم عن محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و صحبه، و إن كانوا به عارفين، صيانة لهم لأرحامهم و أصهارهم. قال لهم هؤلاء: لم تفعلون هذا النفاق الذي تعلمون أنّكم به عند اللّه مسخوط عليكم معذّبون؟ أجابهم هؤلاء اليهود: بأنّ مدّة ذلك العذاب الذي نعذّب به لهذه الذنوب أَيَّاماً مَعْدُودَةً تنقضي، ثمّ نصير بعد في النعمة في الجنان فلا نتعجّل المكروه في الدنيا للعذاب الذي [هو] بقدر أيّام ذنوبنا، فإنّها تفني و تنقضي. و نكون قد حصلنا لذات الحرّية من الخدمة، و لذات نعمة الدنيا، ثمّ لا نبالي بما يصيبنا بعد، فإنّه إذا لم يكن دائما فكأنّه قد فنى. فقال اللّه عزّ و جلّ: قُلْ- يا محمّد- أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً أنّ عذابكم على كفركم بمحمّد و دفعكم لآياته في نفسه و في عليّ و سائر خلفائه، و أوليائه منقطع غير دائم؟! بل ما هو إلّا عذاب دائم لا نفاد له، فلا تجتروا على الآثام و القبائح من الكفر باللّه، و برسوله، و بوليّه المنصوب بعده على أمّته، ليسوسهم و يرعاهم سياسة الوالد الشفيق الرحيم [الكريم] لولده، و رعاية الحدب المشفق على خاصّته. فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ فكذلك أنتم بما تدّعون من فناء عذاب ذنوبكم هذه في حرز أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ اتّخذتم عهدا، أم تقولون [جهلا]؟ بل أنتم في أيّهما ادّعيتم كاذبون . 107 قوله تعالى: بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ: 2/ 81. (581) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): السيّئة المحيطة به، هي التي تخرجه عن جملة دين اللّه، و تنزعه عن ولاية اللّه، و ترميه في سخط اللّه [و] هي الشرك باللّه، و الكفر به، و الكفر بنبوّة محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و الكفر بولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، كلّ واحد من هذه سيّئة تحيط به، أي تحيط بأعماله، فتبطلها و تمحقها، فَأُولئِكَ عاملوا هذه السيّئة المحيطة أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . قوله تعالى: وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ: 2/ 82.
موسوعة الإمام العسكري — الإمام العسكري عليه السلام
أبو عمرو الكشّيّ (رحمه الله): حكى بعض الثقات بنيسابور: أنّه خرج لإسحاق بن إسماعيل من أبي محمّد (عليه السلام) توقيع: ... و إنّي أراكم تفرّطون في جنب اللّه، فتكونون من الخاسرين، فبعدا و سحقا لمن رغب عن طاعة اللّه، و لم يقبل مواعظ أوليائه. و قد أمركم اللّه جلّ و علا بطاعته، لا إله إلّا هو، و طاعة رسوله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و بطاعة أولي الأمر (عليهم السلام) .... و قال جلّ جلاله
وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً ... . قوله تعالى: إِنَّ الصَّفا وَ الْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ: 2/ 158. (596) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): ثمّ قال: يا أمة إنّ قول اللّه عزّ و جلّ في الصفا و المروة حقّ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَ مَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فأكثري الطواف، فإنّ اللّه شاكر لصنيعه بحسن جزائه، عليم بنيّته، و على حسب ذلك يعظّم ثوابه، و يكرم مآبه. 142 يا أمة! هذا رسول اللّه قد شرّفني ببنوّة عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فاشكري نعم اللّه الجليلة عليك، فإنّ من شكر النعم استحقّ مزيدها، كما أنّ من كفرها، استحقّ حرمانها، فقيل ذلك أيضا بعد لرسول اللّه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): سيخرج منه كبراء، و سيكون أبا عدّة من الأئمّة الطاهرين، و أبا القائم من آل محمّد، الذي يملأ الأرض قسطا و عدلا، كما ملئت ظلما و جورا . قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَ أَصْلَحُوا وَ بَيَّنُوا فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ: 2/ 159، و 160. (597) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قوله عزّ و جلّ: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ من صفة محمّد، و صفة عليّ، و حليته وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ. [قال:] و الذي أنزلناه من [بعد] الهدى هو ما أظهرناه من الآيات على فضلهم، و محلّهم كالغمامة التي كانت تظلّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في أسفاره، و المياه الأجاجة التي كانت تعذّب في الآبار و الموارد ببصاقه، و الأشجار التي كانت تتهدّل ثمارها بنزوله تحتها، و العاهات التي كانت تزول عمّن يمسح يده عليه، أو ينفث بصاقه فيها. 143 و كالآيات التي ظهرت على عليّ (عليه السلام) من تسليم الجبال، و الصخور، و الأشجار قائلة: يا وليّ اللّه، و يا خليفة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و السموم القاتلة التي تناولها من سمّى باسمه عليها، و لم يصبه بلاؤها، و الأفعال العظيمة من التلال و الجبال التي قلعها، و رمى بها كالحصاة الصغيرة، و كالعاهات التي زالت بدعائه، و الآفات و البلايا التي حلّت بالأصحّاء بدعائه، و سائرها ممّا خصّه اللّه تعالى به من فضائله، فهذا من الهدى الذي بيّنه اللّه للناس في كتابه. ثمّ قال: أُولئِكَ [أي أولئك] الكاتمون لهذه الصفات من محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و من عليّ (عليه السلام) المخفون لها عن طالبيها الذين يلزمهم إبداؤها لهم عند زوال التقيّة يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ يلعن الكاتمين وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ، فيه وجوه منها يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ أنّه ليس أحد محقّا كان أو مبطلا إلّا، و هو يقول: لعن اللّه الظالمين الكاتمين للحقّ، إنّ الظالم الكاتم للحقّ ذلك يقول أيضا: لعن اللّه الظالمين الكاتمين، فهم على هذا المعنى في لعن كلّ اللاعنين، و في لعن أنفسهم. و منها أنّ الاثنين إذا ضجر بعضهما على بعض، و تلاعنا ارتفعت اللعنتان فاستأذنتا ربّهما في الوقوع لمن بعثتا عليه. فقال اللّه عزّ و جلّ للملائكة: انظروا فإن كان اللاعن أهلا للعن، و ليس المقصود به أهلا فأنزلوهما جميعا باللاعن. و إن كان المشار إليه أهلا، و ليس اللاعن أهلا فوجّهوهما إليه، و إن كانا جميعا لها أهلا، فوجّهوا لعن هذا إلى ذلك، و وجّهوا لعن ذلك إلى هذا. و إن لم يكن واحد منهما لها أهلا لإيمانهما، و أنّ الضجر أحوجهما إلى ذلك فوجّهوا اللعنتين إلى اليهود الكاتمين نعت محمّد و صفته (صلى الله عليه و آله و سلم)، و ذكر عليّ (عليه السلام) و حليته و إلى النواصب الكاتمين لفضل عليّ و الدافعين لفضله. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: إِلَّا الَّذِينَ تابُوا من كتمانه وَ أَصْلَحُوا أعمالهم 144 و أصلحوا ما كانوا أفسدوه بسوء التأويل فجحدوا به فضل الفاضل، و استحقاق المحقّ وَ بَيَّنُوا ما ذكره اللّه تعالى من نعت محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و صفته، و من ذكر عليّ (عليه السلام) و حليته و ما ذكره رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فَأُولئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ أقبل توبتهم وَ أَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ. خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ: 2/ 161 و 162. (598) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا باللّه في ردّهم نبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و ولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ على كفرهم. أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ يوجب اللّه تعالى لهم البعد من الرحمة، و السحق من الثواب وَ الْمَلائِكَةِ و عليهم لعنة الملائكة يلعنونهم وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ و لعنة الناس أجمعين كلّ يلعنهم، لأنّ كلّ المأمورين المنهيّين يلعنون الكافرين. و الكافرون أيضا يقولون: لعن اللّه الكافرين! فهم في لعن أنفسهم أيضا خالِدِينَ فِيها في اللعنة في نار جهنّم لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ يوما 145 و لا ساعة وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ لا يؤخّرون ساعة و لا يخل بهم العذاب . قوله تعالى: وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ: 2/ 163. (599) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): الطيّبين بالخلافة، و أكرم شيعتهم بالروح و الريحان و الكرامة و الرضوان إِلهٌ واحِدٌ لا شريك له، و لا نظير، و لا عديل. لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الخالق البارىء المصوّر الرازق الباسط المغني المفقر المعزّ المذلّ، الرَّحْمنُ يرزق مؤمنهم و كافرهم و صالحهم و طالحهم، لا يقطع عنهم موادّ فضله و رزقه، و إن انقطعوا هم عن طاعته، الرَّحِيمُ بعباده المؤمنين من شيعة آل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، وسّع لهم في التقيّة يجاهرون بإظهار موالاة أولياء اللّه، و معاداة أعدائه إذا قدروا، و يسترونها إذا عجزوا. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و لو شاء لحرم عليكم التقيّة، و أمركم بالصبر على ما ينالكم من أعدائكم عند إظهاركم الحقّ، ألا فأعظم فرائض اللّه تعالى عليكم بعد فرض موالاتنا، و معاداة أعدائنا، استعمال التقيّة على أنفسكم، و إخوانكم [و معارفكم، و قضاء حقوق إخوانكم] في اللّه. ألا و إنّ اللّه يغفر كلّ ذنب بعد ذلك و لا يستقصي، فأمّا هذان فقلّ من ينجو منهما إلّا بعد مسّ عذاب شديد إلّا أن يكون لهم مظالم على النواصب و الكفّار، 146 فيكون عذاب هذين على أولئك الكفّار، و النواصب قصاصا بما لكم عليهم من الحقوق، و ما لهم إليكم من الظلم، فاتّقوا اللّه! و لا تتعرّضوا لمقت اللّه بترك التقيّة، و التقصير في حقوق إخوانكم المؤمنين . قوله تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ وَ السَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ: 2/ 164. (600) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): لمّا توعّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) اليهود و النواصب في جحد النبوّة و الخلافة، قال مردة اليهود و عتاة النواصب: من هذا الذي ينصر محمّدا، و عليّا على أعدائهما؟ فأنزل اللّه عزّ و جلّ: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ بلا عمد من تحتها تمنعها من السقوط، و لا علاقة من فوقها تحبسها من الوقوع عليكم، و أنتم يا أيّها العباد و الإماء! أسرائي في قبضتي، الأرض من تحتكم لا منجا لكم منها أين هربتم، و السماء من فوقكم لا محيص لكم عنها أين ذهبتم، فإن [شئت أهلكتكم بهذه، و] إن شئت أهلكتكم بتلك. ثمّ في السماوات من الشمس المنيرة في نهاركم، لتنتشروا في معايشكم، و من 147 القمر المضيء لكم في ليلكم، لتبصروا في ظلماته، و إلجاؤكم بالاستراحة بالظلمة إلى ترك مواصلة الكدّ الذي ينهك أبدانكم. وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ المتتابعين الكادّين عليكم بالعجائب التي يحدثها ربّكم في عالمه من إسعاد و إشقاء، و إعزاز و إذلال، و إغناء و إفقار، و صيف و شتاء، و خريف، و ربيع، و خصب، و قحط، و خوف، و أمن. وَ الْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ التي جعلها اللّه مطاياكم لا تهدأ ليلا و لا نهارا، و لا تقضيكم علفا و لا ماء و كفاكم بالرياح مؤونة تسييرها بقواكم التي كانت لا تقوم لها لو ركدت عنها الرياح لتمام مصالحكم و منافعكم، و بلوغكم الحوائج لأنفسكم. وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ وابلا و هطلا و رذاذا لا ينزل عليكم دفعة واحدة فيغرقكم، و يهلك معايشكم، لكنّه ينزل متفرّقا من علا حتّى يعمّ الأوهاد و التلال و القلاع . فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها فيخرج نباتها، و حبوبها، و ثمارها. وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ منها ما هو لأكلكم و معايشكم، و منها سباع ضارية حافظة عليكم، و لأنعامكم لئلّا تشدّ عليكم خوفا من افتراسها. وَ تَصْرِيفِ الرِّياحِ المربّية لحبوبكم، المبلّغة لثماركم النافية لركد الهواء، 148 و الإقتار عنكم. وَ السَّحابِ الواقف الْمُسَخَّرِ المذلّل بَيْنَ السَّماءِ وَ الْأَرْضِ يحمل أمطارها، و يجري بإذن اللّه، و يصبها حين يؤمر. لَآياتٍ دلائل واضحات لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ يتفكّرون بعقولهم أنّ من هذه العجائب من آثار قدرته قادر على نصرة محمّد و عليّ و آلهما (عليهما السلام) على من تأذّاهما، و جعل العاقبة الحميدة لمن يواليه. فإنّ المجازاة ليست على الدنيا، و إنّما هي [على] الآخرة التي يدوم نعيمها و لا يبيد عذابها . قوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ. إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ. وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ: 2/ 165- 167. (601) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: لمّا آمن المؤمنون، و قبل ولاية محمّد و عليّ (عليهما السلام) العاقلون، و صدّ عنها المعاندون وَ مِنَ النَّاسِ- يا محمّد- مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْداداً 149 أعداء يجعلونهم للّه أمثالا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ يحبّون تلك الأنداد من الأصنام كحبّهم للّه وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ من هؤلاء المتّخذين الأنداد مع اللّه، لأنّ المؤمنين يرون الربوبيّة للّه وحده، لا يشركون [به]. ثمّ قال: يا محمّد! وَ لَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا باتّخاذ الأصنام أندادا، و اتّخاذ الكفّار و الفجّار أمثالا لمحمّد و عليّ (عليهما السلام) إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ حين يرون العذاب الواقع بهم لكفرهم، و عنادهم أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً يعلمون أنّ القوّة للّه يعذّب من يشاء، و يكرم من يشاء لا قوّة للكفّار يمتنعون بها من عذابه. وَ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ، و يعلمون أنّ اللّه شديد العقاب لمن اتّخذ الأنداد مع اللّه، ثمّ قال: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا لو رأى هؤلاء الكفّار الذين اتّخذوا الأنداد حين تبرّأ الذين اتّبعوا الرؤساء مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الرعايا و الأتباع وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ فنيت حيلهم، و لا يقدرون على النجاة من عذاب اللّه بشيء. وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الاتباع لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً يتمنّون لو كان لهم كرّة رجعة إلى الدنيا فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ هناك كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا هاهنا. قال اللّه عزّ و جلّ: كَذلِكَ [كما] تبرّأ بعضهم من بعض يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ، و ذلك أنّهم عملوا في الدنيا لغير اللّه، فيرون أعمال غيرهم التي كانت للّه قد عظّم اللّه ثواب أهلها، و رأوا أعمال أنفسهم لا ثواب لها إذ كانت لغير اللّه أو كانت على غير الوجه الذي أمر اللّه به، قال اللّه تعالى: وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ كان عذابهم سرمدا دائما، و كانت ذنوبهم كفرا لا تلحقهم شفاعة نبيّ و لا وصيّ و لا خير من خيار شيعتهم . 150 قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالًا طَيِّباً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. إِنَّما يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ: 2/ 168- 169. (602) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ من أنواع ثمارها و أطعمتها حَلالًا طَيِّباً لكم إذا أطعتم ربّكم في تعظيم من عظّمه، و الاستخفاف بمن أهانه و صغّره، وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ ما يخطو بكم إليه، و يغرّكم به من مخالفة من جعله اللّه رسولا أفضل المرسلين، و أمره بنصب من جعله اللّه أفضل الوصيّين، و سائر من جعل خلفاءه و أولياءه. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ يبيّن لكم العداوة، و يأمركم إلى مخالفة أفضل النبيّين، و معاندة أشرف الوصيّين، إِنَّما يَأْمُرُكُمْ الشيطان بِالسُّوءِ بسوء المذهب و الاعتقاد في خير خلق اللّه [محمّد رسول اللّه]، و جحود ولاية أفضل أولياء اللّه بعد محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم). وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ بإمامة من لم يجعل اللّه له في الإمامة حظّا، و من جعله من أراذل أعدائه و أعظمهم كفرا [به] . 151 قوله تعالى: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ 2/ 170. (603) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): وصف اللّه هؤلاء المتّبعين لخطوات الشيطان، فقال: وَ إِذا قِيلَ لَهُمُ تعالوا إلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ في كتابه من وصف محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و حلية عليّ (عليه السلام)، و وصف فضائله، و ذكر مناقبه، و إلى الرسول، و تعالوا إلى الرسول لتقبلوا منه ما يأمركم به. قالوا: حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا من الدين و المذهب، فاقتدوا بآبائهم في مخالفة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و منابذة عليّ وليّ اللّه. قال اللّه عزّ و جلّ: أَ وَ لَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ [لا يعلمون] شَيْئاً وَ لا يَهْتَدُونَ إلى شيء من الصواب . قوله تعالى: وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ: 2/ 171. (604) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا في عبادتهم للأصنام، و اتّخاذهم للأنداد من دون محمّد و عليّ (صلوات الله عليهما) كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ يصوّت بما لا يسمع إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً لا يفهم ما يراد منه فيغيث المستغيث، 152 و يعين من استعانه. صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ عن الهدى في اتّباعهم الأنداد من دون اللّه، و الأضداد لأولياء اللّه الذين سمّوهم بأسماء خيار خلائف اللّه، و لقّبوهم بألقاب أفاضل الأئمّة الذين نصبهم اللّه لإقامة دين اللّه فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ أمر اللّه عزّ و جلّ. قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): هذا في عبّاد الأصنام، و في النصّاب لأهل بيت محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) نبيّ اللّه، هم أتباع إبليس، و عتاة مردته، سوف يصيرون إلى الهاوية . قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ اشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ. إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ: 2/ 172 و 173. (605) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا بتوحيد اللّه و نبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) رسول اللّه و بإمامة عليّ وليّ اللّه كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَ اشْكُرُوا لِلَّهِ على ما رزقكم منها بالمقام على ولاية محمّد و عليّ ليقيكم اللّه تعالى بذلك شرور الشياطين المتمرّدة على ربّها عزّ و جلّ، فإنّكم كلّما جدّدتم على أنفسكم ولاية 153 محمّد و عليّ (عليهما السلام)، تجدّد على مردة الشياطين لعائن اللّه، و أعاذكم اللّه من نفخاتهم و نفثاتهم. فلمّا قاله رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قيل: يا رسول اللّه! و ما نفخاتهم؟ قال: هي ما ينفخون به عند الغضب في الإنسان الذي يحملونه على هلاكه في دينه و دنياه، و قد ينفخون في غير حال الغضب بما يهلكون به. أ تدرون ما أشدّ ما ينفخون به هو ما ينفخون بأن يوهموه أنّ أحدا من هذه الأمّة فاضل علينا أو عدل لنا أهل البيت كلّا- و اللّه- بل جعل اللّه تعالى محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) ثمّ آل محمّد فوق جميع هذه الأمّة كما جعل اللّه تعالى السماء فوق الأرض، و كما زاد نور الشمس و القمر على السهى. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و أمّا نفثاته فأن يرى أحدكم أنّ شيئا بعد القرآن أشفى له من ذكرنا أهل البيت، و من الصلاة علينا، فإنّ اللّه عزّ و جلّ جعل ذكرنا أهل البيت شفاء للصدور، و جعل الصلوات علينا ماحية للأوزار و الذنوب، و مطهّرة من العيوب، و مضاعفة للحسنات. قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ [أي إن كنتم إيّاه تعبدون]، فاشكروا نعمة اللّه بطاعة من أمركم بطاعته من محمّد و عليّ و خلفائهم الطيّبين. ثمّ قال عزّ و جلّ: إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ التي ماتت حتف أنفها بلا ذباحة من حيث أذن اللّه فيها وَ الدَّمَ وَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ أن تأكلوه وَ ما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ما ذكر اسم غير اللّه عليه من الذبائح، و هي التي يتقرّب بها الكفّار بأسامي أندادهم التي اتّخذوها من دون اللّه. ثمّ قال عزّ و جلّ: فَمَنِ اضْطُرَّ إلى شيء من هذه المحرّمات غَيْرَ باغٍ و هو غير باغ- عند الضرورة- على إمام هدى وَ لا عادٍ و لا معتد قوّال 154 بالباطل في نبوّة من ليس بنبيّ، أو إمامة من ليس بإمام فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ في تناول هذه الأشياء إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ستّار لعيوبكم أيّها المؤمنون، رحيم بكم حين أباح لكم في الضرورة ما حرّمه في الرخاء. قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عباد اللّه! اتّقوا المحرّمات كلّها، و اعلموا أنّ غيبتكم لأخيكم المؤمن من شيعة آل محمّد أعظم في التحريم من الميتة. قال اللّه جلّ و علا: وَ لا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ . و إنّ الدم أخفّ عليكم- في تحريم أكله- من أن يشيء أحدكم بأخيه المؤمن من شيعة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى سلطان جائر، فإنّه حينئذ قد أهلك نفسه، و أخاه المؤمن، و السلطان الذي و شي به إليه. و إنّ لحم الخنزير أخفّ تحريما من تعظيمكم من صغّره اللّه، و تسميتكم بأسمائنا أهل البيت، و تلقّبكم بألقابنا من سمّاه اللّه بأسماء الفاسقين، و لقّبه بألقاب الفاجرين. و إنّ ما أهلّ به لغير اللّه أخفّ تحريما عليكم من أن تعقدوا نكاحا، أو صلاة جماعة بأسماء أعدائنا الغاصبين لحقوقنا إذا لم يكن عليكم منهم تقيّة. قال اللّه عزّ و جلّ: فَمَنِ اضْطُرَّ إلى شيء من هذه المحرّمات غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ من اضطرّه اللهو إلى تناول شيء من هذه المحرّمات، و هو معتقد لطاعة اللّه تعالى، إذا زالت التقيّة فلا إثم عليه. و كذلك من اضطرّ إلى الوقيعة في بعض المؤمنين ليدفع عنه أو عن نفسه بذلك 155 الهلاك من الكافرين الناصبين، و من وشى به أخوه المؤمن، أو وشى بجماعة من المسلمين ليهلكهم فانتصر لنفسه، و وشى به وحده بما يعرفه من عيوبه التي لا يكذب فيها، و من عظّم مهانا في حكم اللّه أو أوهم الإزراء على عظيم في دين اللّه للتقيّة عليه و على نفسه، و من سمّاه بالأسماء الشريفة خوفا على نفسه، و من تقبّل أحكامهم تقيّة، فلا إثم عليه في ذلك، لأنّ اللّه تعالى وسّع لهم في التقيّة . قوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَ يَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَ لا يُزَكِّيهِمْ وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ. ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ: 2/ 174- 176. 156 (606) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ في صفة الكاتمين لفضلنا أهل البيت: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ المشتمل على ذكر فضل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) على جميع النبيّين و فضل عليّ (عليه السلام) على جميع الوصيّين وَ يَشْتَرُونَ بِهِ- بالكتمان- ثَمَناً قَلِيلًا يكتمونه ليأخذوا عليه عرضا من الدنيا يسيرا، و ينالوا به في الدنيا عند جهّال عباد اللّه رئاسة. قال اللّه تعالى: أولئك ما يأكلون في بطونهم- يوم القيامة- إلّا النار بدلا من [إصابتهم] اليسير من الدنيا لكتمانهم الحقّ. وَ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بكلام خير، بل يكلّمهم بأن يلعنهم و يخزيهم و يقول: بئس العباد أنتم، غيّرتم ترتيبي، و أخّرتم من قدّمته، و قدّمتم من أخّرته، و واليتم من عاديته، و عاديتم من واليته. وَ لا يُزَكِّيهِمْ من ذنوبهم، لأنّ الذنوب إنّما تذوب و تضمحلّ إذا قرن بها موالاة محمّد و عليّ و آلهما الطيّبين (عليهم السلام)، فأمّا ما يقرن بها الزوال عن موالاة محمّد و آله فتلك ذنوب تتضاعف، و أجرام تتزايد، و عقوباتها تتعاظم. وَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ موجع في النار. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى أخذوا الضلالة عوضا عن الهدى، و الردى في دار البوار بدلا من السعادة في دار القرار و محلّ الأبرار. وَ الْعَذابَ بِالْمَغْفِرَةِ اشتروا العذاب الذي استحقّوه بموالاتهم لأعداء اللّه بدلا من المغفرة التي كانت تكون لهم لو والوا أولياء اللّه فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ ما أجرأهم على عمل يوجب عليهم عذاب النار. ذلِكَ يعني ذلك العذاب الذي وجب على هؤلاء بآثامهم، و أجرامهم لمخالفتهم لإمامهم و زوالهم عن موالاة سيّد خلق اللّه بعد محمّد نبيّه، أخيه و صفيّه، 157 بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِ نزّل الكتاب الذي توعّد فيه من مخالف المحقّين، و جانب الصادقين، و شرع في طاعة الفاسقين نزّل الكتاب بالحقّ إنّ ما يوعدون به يصيبهم و لا يخطئهم. وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ فلم يؤمنوا به، قال بعضهم: إنّه سحر، و بعضهم: إنّه شعر، و بعضهم: إنّه كهانة لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ مخالفة بعيدة عن الحقّ، كأنّ الحقّ في شقّ و هم في شقّ غيره يخالفه. قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام) هذه أحوال من كتم فضائلنا، و جحد حقوقنا، و سمّى بأسمائنا، و لقّب بألقابنا، و أعان ظالمنا على غصب حقوقنا، و مالأ علينا أعداءنا، و التقيّة [عليكم] لا تزعجه، و المخافة على نفسه، و ماله و حاله لا تبعثه، فاتّقوا اللّه معاشر شيعتنا! لا تستعملوا الهوينا ، و لا تقيّة عليكم، و لا تستعملوا المهاجرة، و التقيّة تمنعكم، و سأحدّثكم في ذلك بما يردعكم و يعظكم. دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلان من أصحابه فوطئ أحدهما على حيّة فلدغته، و وقع على الآخر في طريقه من حائط عقرب فلسعته، و سقطا جميعا، فكأنّهما لما بهما يتضرّعان و يبكيان، فقيل لأمير المؤمنين (عليه السلام). فقال: دعوهما فإنّه لم يحن حينهما، و لم تتمّ محنتهما، فحملا إلى منزليهما فبقيا عليلين أليمين في عذاب شديد شهرين. ثمّ إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بعث إليهما فحملا إليه، و الناس يقولون: سيموتان على أيدي الحاملين لهما، فقال لهما: كيف حالكما؟ قالا: نحن بألم عظيم، و في عذاب شديد. 158 قال لهما: استغفر اللّه من [كلّ] ذنب! أدّاكما إلى هذا، و تعوّذا باللّه ممّا يحبط أجركما، و يعظّم وزركما. قالا: و كيف ذلك؟ يا أمير المؤمنين! فقال [عليّ] (عليه السلام): ما أصيب واحد منكما إلّا بذنبه، أمّا أنت يا فلان!- و أقبل على أحدهما- فتذكر يوم غمز على سلمان الفارسيّ- (رحمه الله)- فلان و طعن عليه لموالاته لنا، فلم يمنعك من الردّ و الاستخفاف به خوفا على نفسك، و لا على أهلك، و لا على ولدك، و مالك أكثر من أنّك استحييته، فلذلك أصابك، فإن أردت أن يزيل اللّه ما بك، فاعتقد أن لا ترى مزرئا على وليّ لنا تقدر على نصرته بظهر الغيب إلّا نصرته إلّا أن تخاف على نفسك، أو أهلك، أو ولدك، أو مالك. و قال للآخر: فأنت أ فتدري لما أصابك ما أصابك؟ قال: لا! قال: أ ما تذكر حيث أقبل قنبر خادمي، و أنت بحضرة فلان العاتي، فقمت إجلالا له لإجلالك لي، فقال لك: و تقوم لهذا بحضرتي! فقلت له: و ما بالي لا أقوم، و ملائكة اللّه تضع له أجنحتها في طريقه فعليها يمشي. فلمّا قلت هذا له قام إلى قنبر، و ضربه و شتمه و آذاه و تهدّده و تهدّدني، و ألزمني الإغضاء على قذى، فلهذا سقطت عليك هذه الحيّة. فإن أردت أن يعافيك اللّه تعالى من هذا فاعتقد أن لا تفعل بنا، و لا بأحد من موالينا بحضرة أعدائنا ما يخاف علينا و عليهم منه. أما إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان مع تفضيله لي لم يكن يقوم لي عن مجلسه إذا حضرته كما [كان] يفعله ببعض من لا يعشر معشار جزء من مائة ألف جزء من إيجابه لي، لأنّه علم أنّ ذلك يحمل بعض أعداء اللّه على ما يغمّه و يغمّني و يغمّ المؤمنين، و قد كان يقوم لقوم لا يخاف على نفسه، و لا عليهم مثل ما خاف عليّ 159 لو فعل ذلك بي . قوله تعالى: لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ وَ اذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ. فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ. وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنا عَذابَ النَّارِ. أُولئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ: 2/ 198- 202. (607) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ للحاجّ: فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ و مضيتم إلى المزدلفة فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ بآلائه و نعمائه، و الصلاة على محمّد سيّد أنبيائه، و على عليّ سيّد أصفيائه. و اذكروا اللّه كَما هَداكُمْ لدينه، و الإيمان برسوله وَ إِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ عن دينه من قبل أن يهداكم إلى دينه. ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ ارجعوا من المشعر الحرام من حيث 160 رجع الناس من جمع، و الناس هاهنا في هذا الموضع الحاجّ غير الحمس، فإنّ الحمس كانوا لا يفيضون من جمع. وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لذنوبكم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ للتائبين. فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ التي سنّت لكم في حجّكم. فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ اذكروا اللّه بآلائه لديكم، و إحسانه إليكم فيما وفّقكم له من الإيمان بنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) سيّد الأنام، و اعتقاد وصيّة أخيه، عليّ زين أهل الإسلام، كذكركم آباءكم بأفعالهم، و مآثرهم التي تذكرونها أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً خيّرهم بين ذلك، و لم يلزمهم أن يكونوا له أشدّ ذكرا منهم لآبائهم، و إن كانت نعم اللّه عليهم أكثر و أعظم من نعم آبائهم. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا أموالها و خيراتها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ نصيب، لأنّه لا يعمل لها عملا، و لا يطلب فيها خيرا. وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً خيراتها وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً من نعم جنّاتها وَ قِنا عَذابَ النَّارِ نجّنا من عذاب النار و هم باللّه مؤمنون، و بطاعته عاملون، و لمعاصيه مجانبون. أُولئِكَ الداعون بهذا الدعاء على هذا الوصف لَهُمْ نَصِيبٌ مِمَّا كَسَبُوا من ثواب ما كسبوا في الدنيا و في الآخرة. وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ لأنّه لا يشغله شأن عن شأن، و لا محاسبة أحد من محاسبة آخر، فإذا حاسب واحدا فهو في تلك الحال محاسب للكلّ، يتمّ 161 حساب الكلّ بتمام حساب واحد، و هو كقوله ما خَلْقُكُمْ وَ لا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ لا يشغله خلق واحد عن خلق آخر، و لا بعث واحد عن بعث آخر . قوله تعالى: وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ: 2/ 203. (608) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): وَ اذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُوداتٍ و هي الأيّام الثلاثة التي هي أيّام التشريق بعد يوم النحر، و هذا الذكر هو التكبير بعد الصلوات المكتوبات يبتدئ من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الظهر من آخر أيّام التشريق: «اللّه أكبر، اللّه أكبر، لا إله إلّا اللّه، و اللّه أكبر، اللّه أكبر، و للّه الحمد». فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ من أيّام التشريق، فانصرف من حجّه إلى بلاده التي هو منها فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ إلى تمام اليوم الثالث فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ 162 [أي لا إثم عليه] من ذنوبه السالفة، لأنّها قد غفرت له كلّها بحجّته هذه المقارنة لندمه عليها، و توقّيه منها. لِمَنِ اتَّقى أن يواقع الموبقات بعدها، فإنّه إن واقعها كان عليه إثمها، و لم تغفر له تلك الذنوب السالفة بتوبة قد أبطلها بموبقات بعدها، و إنّما يغفرها بتوبة يجدّدها. وَ اتَّقُوا اللَّهَ يا أيّها الحاجّ! المغفور لهم سالف ذنوبهم بحجّهم المقرون بتوبتهم، فلا تعاودوا الموبقات فيعود إليكم أثقالها، و يثقلكم احتمالها، فلا يغفر لكم إلّا بتوبة بعدها. وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ فينظر في أعمالكم فيجازيكم عليها . قوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ. وَ إِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ وَ النَّسْلَ وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ. وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ: 2/ 204- 206. (609) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): فلمّا أمر اللّه عزّ و جلّ في الآية المتقدّمة لهذه الآيات بالتقوى سرّا و علانية أخبر محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّ في الناس من يظهر و يسرّ خلافها، و ينطوي على معاصي اللّه. 163 فقال: يا محمّد! وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بإظهاره لك الدين و الإسلام، و تزيّنة بحضرتك بالورع و الإحسان وَ يُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ بأن يحلف لك بأنّه مؤمن مخلص مصدّق لقوله بعمله وَ هُوَ أَلَدُّ الْخِصامِ شديد العداوة، و الجدال للمسلمين. وَ إِذا تَوَلَّى عنك أدبر سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها يعصي بالكفر المخالف لما أظهر لك، و الظلم المباين لما وعد من نفسه بحضرتك. وَ يُهْلِكَ الْحَرْثَ بأن يحرقه أو يفسده، و النسل بأن يقتل الحيوان فينقطع نسله. وَ اللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ لا يرضى به، و لا يترك أن يعاقب عليه. وَ إِذا قِيلَ لَهُ لهذا الذي يعجبك قوله اتَّقِ اللَّهَ و دع سوء صنيعك. أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ الذي هو محتقبه فيزداد إلى شرّه شرّا، و يضيف إلى ظلمه ظلما فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ جزاء له على سوء فعله و عذابا؛ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ يمهّدها و يكون دائما فيها . قوله تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ: 2/ 207. (610) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ يبيعها ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ عزّ و جلّ، فيعمل بطاعة اللّه، و يأمر الناس بها، و يصبر على ما يلحقه من الأذى 164 فيها، فيكون كمن باع نفسه، و سلّمها مرضاة اللّه عوضا منها، فلا يبالي ما حلّ بها بعد أن يحصل لها رضاء ربّها. وَ اللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ كلّهم، أمّا الطالبون لرضاه فيبلغهم أقصى أمانيّهم، و يزيدهم عليها ما لم تبلغه آمالهم. و أمّا الفاجرون في دينه فيتأنّاهم، و يرفق بهم و يدعوهم إلى طاعته، و لا يقطع من علم أنّه سيتوب عن ذنوبه التوبة الموجبة له عظيم كرامته . قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ: 2/ 208 و 209. (611) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): فلمّا ذكر اللّه تعالى الفريقين أحدهما وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ، و الثاني وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ و بيّن حالهما دعا النّاس إلى حال من رضي صنيعه، فقال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً يعني في السلم و المسالمة إلى دين الإسلام كافّة جماعة ادخلوا فيه، [و ادخلوا] في جميع الإسلام فتقبلوه و اعملوا فيه، و لا تكونوا كمن يقبل بعضه و يعمل به، و يأبى بعضه و يهجره. قال: و منه الدخول في قبول ولاية عليّ (عليه السلام) كالدخول في قبول نبوّة [محمّد] رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فإنّه لا يكون مسلما من قال: إنّ محمّدا رسول اللّه، فاعترف به و لم يعترف بأنّ عليّا وصيّه، و خليفته، و خير أمّته. 165 وَ لا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ من يتخطّى بكم إليه الشيطان من طرق الغيّ، و الضلال، و يأمركم به من ارتكاب الآثام الموبقات. إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إنّ الشيطان لكم عدوّا مبين، بعداوته يريد اقتطاعكم عن عظيم الثواب، و إهلاككم بشديد العقاب. فَإِنْ زَلَلْتُمْ عن السلم و الإسلام الذي تمامه باعتقاد ولاية عليّ (عليه السلام)، و لا ينفع الإقرار بالنبوّة مع جحد إمامة عليّ (عليه السلام)، كما لا ينفع الإقرار بالتوحيد مع جحد النبوّة إن زللتم. مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْكُمُ الْبَيِّناتُ من قول رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و فضيلته و أتتكم الدلالات الواضحات الباهرات على أنّ محمّدا الدالّ على إمامة عليّ (عليه السلام) نبيّ صدق، و دينه دين حقّ، فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [عزيز] قادر على معاقبة المخالفين لدينه، و المكذّبين لنبيّه لا يقدر أحد على صرف انتقامه من مخالفيه، و قادر على إثابة الموافقين لدينه، و المصدّقين لنبيّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لا يقدر أحد على صرف ثوابه عن مطيعيه. حكيم فيما يفعل من ذلك، غير مسرف على من أطاعه و إن أكثر له الخيرات، و لا واضع لها في غير موضعها (و إن أتمّ له الكرامات)، و لا ظالم لمن عصاه و إن شدّد عليه العقوبات . قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ وَ قُضِيَ الْأَمْرُ وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ: 2/ 210. 166 (612) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): لمّا بهرهم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بآياته و قطع معاذيرهم بمعجزاته أبى بعضهم الإيمان، و اقترح عليه الاقتراحات الباطلة، [و هي ما] قال اللّه تعالى: وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَ عِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ قَبِيلًا و سائر ما ذكر في الآية. فقال اللّه عزّ و جلّ: يا محمّد! هَلْ يَنْظُرُونَ أي هل ينظر هؤلاء المكذّبون بعد إيضاحنا لهم الآيات، و قطعنا معاذيرهم بالمعجزات إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمامِ وَ الْمَلائِكَةُ و تأتيهم الملائكة كما كانوا اقترحوا عليك اقتراحهم المحال في الدنيا في إتيان اللّه الذي لا يجوز عليه الإتيان، و [اقتراحهم] الباطل في إتيان الملائكة الذين لا يأتون إلّا مع زوال هذا التعبّد، و حين وقوع هلاك الظالمين بظلمهم و (وقتك هذا وقت تعبّد) لا وقت مجيء الأملاك بالهلاك، فهم في اقتراحهم بمجيء الأملاك جاهلون. وَ قُضِيَ الْأَمْرُ أي هل ينظرون إلّا مجيء الملائكة، فإذا جاءوا و كان ذلك قضي الأمر بهلاكهم، وَ إِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ فهو يتولّى الحكم فيها يحكم بالعقاب على من عصاه، و يوجب كريم المآب لمن أرضاه . قوله تعالى: حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ: 2/ 238. 167
موسوعة الإمام العسكري — الإمام العسكري عليه السلام
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال
الإمام (عليه السلام): ... و ما وصف به الأحجار هاهنا نحو ما وصف في قوله تعالى: لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ و هذا التقريع من اللّه تعالى لليهود، و النواصب ... . الرابع و الثلاثون- ما ورد عنه (عليه السلام) في سورة الصفّ [61]: قوله تعالى: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ: 61/ 8.
موسوعة الإمام العسكري — الإمام العسكري عليه السلام
الشيخ الصدوق (رحمه الله): ... الحسن بن محمّد بن صالح البزّاز، قال: سمعت الحسن بن عليّ العسكريّ (عليهما السلام) يقول
إنّ ابني هو القائم من بعدي ...، فلا يثبت على القول به إلّا من كتب اللّه عزّ و جلّ في قلبه الإيمان، و أيّده بروح منه . (ب)- فضل علماء الشيعة (712) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال الحسن بن عليّ (عليهما السلام): يأتي علماء شيعتنا القوّامون لضعفاء محبّينا، و أهل و لا يتنا يوم القيامة، و الأنوار تسطع من تيجانهم على رأس كلّ واحد منهم تاج بهاء، قد انبثّت تلك الأنوار في عرصات القيامة و دورها مسيرة ثلاثمائة ألف سنة، فشعاع تيجانهم ينبثّ فيها كلّها، فلا يبقى هناك يتيم قد كفّلوه، و من ظلمة 328 الجهل أنقذوه، و من حيرة التيه أخرجوه إلّا تعلّق بشعبة من أنوارهم، فرفعتهم إلى العلوّ حتّى يحاذي بهم فوق الجنان. ثمّ تنزلهم على منازلهم المعدّة في جوار أستاديهم و معلّميهم، و بحضرة أئمّتهم الذين كانوا يدعون إليهم، و لا يبقى ناصب من النواصب يصيبه من شعاع تلك التيجان إلّا عميت عيناه، و صمّت أذناه، و أخرس لسانه، و يحوّل عليه أشدّ من لهب النيران، فيحملهم حتّى يدفعهم إلى الزبانية، فيدعوهم إلى سواء الجحيم. و أمّا قوله عزّ و جلّ: وَ الْمِسْكِينَ فهو من سكّن الضرّ، و الفقر حركته، ألا فمن واساهم بحواشي ماله، وسّع اللّه عليه جنانه، و أناله غفرانه و رضوانه . (ج)- حضور الخمسة الطيّبة حين احتضار الشيعة
موسوعة الإمام العسكري — الإمام العسكري عليه السلام
الراونديّ رحمة اللّه: ... داود بن القاسم الجعفريّ، قال: فقال أبو محمّد العسكريّ (عليه السلام): ... كان ليعقوب (عليه السلام) منطقة ورثها من إبراهيم (عليه السلام) ...، و إنّ المنطقة كانت عند سارة بنت إسحاق .... فقالت سارة ابنة إسحاق: منّي سرقها [أي المنطقة] يوسف .... فقال لها يعقوب (عليه السلام): فإنّه عبدك على أن لا تبيعيه و لا تهبيه ... . (ب)- ما رواه (عليه السلام) عن سيّدنا محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) (862) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): حدّثني أبي عليّ ابن محمّد، عن أبيه محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن موسى، عن أبيه موسى بن 40 جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد الصادق، عن أبيه الباقر محمّد بن عليّ، عن أبيه عليّ بن الحسين زين العابدين، عن أبيه الحسين بن عليّ سيّد المستشهدين، عن أبيه أمير المؤمنين، و سيّد الوصيّين، و خليفة رسول ربّ العالمين، و فاروق الأمّة، و باب مدينة الحكمة، و وصيّ رسول الرحمة، عليّ بن أبي طالب (صلوات الله عليهم)، عن رسول ربّ العالمين، و سيّد المرسلين، و قائد الغرّ المحجّلين، و المخصوص بأشرف الشفاعات في يوم الدين (صلى الله عليه و آله و سلم) أجمعين، قال: حملة القرآن المخصوصون برحمة اللّه، الملبّسون نور اللّه، المعلّمون كلام اللّه، المقرّبون عند اللّه، من والاهم فقد و الى اللّه، و من عاداهم فقد عادى اللّه، و يدفع اللّه عن مستمع القرآن بلوى الدنيا، و عن قارئه بلوى الآخرة. و الذي نفس محمّد بيده، لسامع آية من كتاب اللّه عزّ و جلّ- و هو معتقد أنّ المورد له عن اللّه تعالى محمّد الصادق في كلّ أقواله، الحكيم في كلّ أفعاله، المودع ما أودعه اللّه تعالى من علومه أمير المؤمنين عليّا (عليه السلام)، المعتقد للانقياد له فيما يأمر و يرسم- أعظم أجرا من ثبير ذهب يتصدّق به من لا يعتقد هذه الأمور، بل [تكون] صدقته وبالا عليه. و لقارئ آية من كتاب اللّه- معتقدا لهذه الأمور- أفضل ممّا دون العرش إلى أسفل التخوم يكون لمن لا يعتقد هذا الاعتقاد فيتصدّق به، بل ذلك كلّه وبال على هذا المتصدّق به. ثمّ قال: أ تدرون متى يتوفّر على هذا المستمع، و هذا القارئ هذه المثوبات العظيمات؟ إذا لم يغل في القرآن [إنّه كلام مجيد]، و لم يجف عنه، و لم يستأكل به، و لم يراء به. و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): عليكم بالقرآن، فإنّه الشفاء النافع، و الدواء المبارك 41 [و] عصمة لمن تمسّك به، و نجاة لمن [أ] تبعه لا يعوّج فيقوّم، و لا يزيغ فيشعب، و لا تنقضي عجائبه، و لا يخلق على كثرة الردّ. [و] اتلوه، فإنّ اللّه يأجركم على تلاوته بكلّ حرف عشر حسنات، أما إنّي لا أقول الم عشر، و لكن أقول: الألف عشر، و اللام عشر، و الميم عشر. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أ تدرون من المتمسّك الذي (بتمسّكه ينال) هذا الشرف العظيم؟ هو الذي أخذ القرآن و تأويله عنّا أهل البيت، أو عن وسائطنا السفراء عنّا إلى شيعتنا، لا عن آراء المجادلين، و قياس القائسين. فأمّا من قال في القرآن برأيه، فإن اتّفق له مصادفة صواب، فقد جهل في أخذه عن غير أهله، و كان كمن سلك طريقا مسبعا من غير حفّاظ يحفظونه، فإن اتّفقت له السلامة، فهو لا يعدم من العقلاء و الفضلاء الذمّ [و العذل] و التوبيخ، و إن اتّفق له افتراس السبع [له] فقد جمع إلى هلاكه سقوطه عند الخيّرين الفاضلين، و عند العوام الجاهلين. و إن أخطأ القائل في القرآن برأيه، فقد تبوّأ مقعده من النار، و كان مثله كمثل من ركب بحرا هائجا بلا ملّاح، و لا سفينة صحيحة لا يسمع بهلاكه أحد إلّا قال: هو أهل لما لحقه، و مستحقّ لما أصابه. و قال (صلى الله عليه و آله و سلم): ما أنعم اللّه عزّ و جلّ على عبد بعد الإيمان باللّه أفضل من العلم بكتاب اللّه، و المعرفة بتأويله. و من جعل اللّه له في ذلك حظّا ثمّ ظنّ أنّ أحدا- لم يفعل به ما فعل به- قد فضّل عليه فقد حقّر (نعم اللّه) عليه . 42 (863) 2- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ . قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فضل اللّه عزّ و جلّ القرآن، و العلم بتأويله، و رحمته توفيقه لموالاة محمّد و آله الطيّبين، و معاداة أعدائهم. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و كيف لا يكون ذلك خيرا ممّا يجمعون، و هو ثمن الجنّة، و نعيمها، فإنّه يكتسب بها رضوان اللّه تعالى الذي هو أفضل من الجنّة، [و] يستحقّ بها الكون بحضرة محمّد و آله الطيّبين الذي هو أفضل من الجنّة، [و] إنّ محمّدا و آله الطيّبين أشرف زينة في الجنان. ثمّ قال (صلى الله عليه و آله و سلم): يرفع اللّه بهذا القرآن، و العلم بتأويله، و بموالاتنا أهل البيت و التبرّي من أعدائنا أقواما فيجعلهم في الخير قادة، تقصّ آثارهم، و ترمق أعمالهم، و يقتدى بفعالهم، و ترغب الملائكة في خلّتهم، و بأجنحتها تمسحهم، و في صلواتها [تبارك عليهم، و] تستغفر لهم [حتّى] كلّ رطب و يابس [يستغفر لهم] حتّى حيتان البحر، و هوامّه [و سباع الطيرن] و سباع البرّن و أنعامه، و السماء و نجومها . 43 (864) 3- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): أ لا أنبّئكم ببعض أخبارنا؟ قالوا: بلى، يا ابن أمير المؤمنين! قال: إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لمّا بنى مسجده بالمدينة، و أشرع فيه بابه، و أشرع المهاجرون و الأنصار (أبوابهم) أراد اللّه عزّ و جلّ إبانة محمّد، و آله الأفضلين بالفضيلة، فنزل جبرئيل (عليه السلام) عن اللّه تعالى بأن سدّوا الأبواب عن مسجد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قبل أن ينزل بكم العذاب. فأوّل من بعث إليه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يأمره بسدّ الأبواب العبّاس بن عبد المطّلب، فقال: سمعا و طاعة للّه و لرسوله! و كان الرسول معاذ بن جبل. ثمّ مرّ العبّاس بفاطمة (عليها السلام) فرآها قاعدة على بابها، و قد أقعدت الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فقال لها: ما بالك قاعدة، انظروا إليها كأنّها لبوة بين يديها جرواها، تظنّ أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يخرج عمّه، و يدخل ابن عمّه. فمرّ بهم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقال لها: ما بالك قاعدة؟ قالت: انتظر أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بسدّ الأبواب. فقال لها: إنّ اللّه تعالى أمرهم بسدّ الأبواب، و استثنى منهم رسوله، و [إنّما] أنتم نفس رسول اللّه. ثمّ إنّ عمر بن الخطّاب جاء، فقال: إنّي أحبّ النظر إليك يا رسول اللّه! إذا مررت إلى مصلّاك، فأذن لي في فرجة أنظر إليك منها؟! فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): قد أبى اللّه عزّ و جلّ ذلك. قال: فمقدار ما أضع عليه وجهي؟ قال: قد أبى اللّه ذلك. قال: فمقدار ما أضع [عليه] إحدى عينيّ؟ 44 قال: قد أبى اللّه ذلك، و لو قلت قدر طرف إبرة لم آذن لك، و الذي نفسي بيده ما أنا أخرجتكم، و لا أدخلتهم، و لكنّ اللّه أدخلهم و أخرجكم. ثم قال (صلى الله عليه و آله و سلم): لا ينبغي لأحد يؤمن باللّه و اليوم الآخر، أن يبيت في هذا المسجد جنبا إلّا محمّد، و عليّ، و فاطمة، و الحسن، و الحسين، و المنتجبون من آلهم الطيّبون من أولادهم. قال (عليه السلام): فأمّا المؤمنون فقد رضوا و سلموا، و أمّا المنافقون، فاغتاظوا لذلك و أنفوا، و مشى بعضهم إلى بعض يقولون: [فيما بينهم] أ لا ترون محمّدا لا يزال يخصّ بالفضائل ابن عمّه ليخرجنا منها صفرا؟! و اللّه! لئن أنفذنا له في حياته لنأبينّ عليه بعد وفاته! و جعل عبد اللّه بن أبيّ يصغى إلى مقالتهم، و يغضب تارة و يسكن أخرى، و يقول لهم: إنّ محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) لمتألّه فإيّاكم و مكاشفته، فإنّ من كاشف المتألّه انقلب خاسئا حسيرا، و ينغص عليه عيشه، و أنّ الفطن اللبيب من تجرّع على الغصّة، لينتهز الفرصة، فبيناهم كذلك إذ طلع [عليهم] رجل من المؤمنين، يقال له: زيد بن أرقم، فقال لهم: يا أعداء اللّه! أ باللّه تكذبون، و على رسوله تطعنون، و دينه تكيدون؟ و اللّه! لأخبرنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بكم. فقال عبد اللّه بن أبيّ و الجماعة: و اللّه! لئن أخبرته بنا، لنكذّبنّك، و لنحلفنّ [له]، فإنّه إذا يصدّقنا، ثمّ و اللّه! لنقيمنّ عليك من يشهد عليك عنده بما يوجب قتلك، أو قطعك، أو حدّك. [قال (عليه السلام)]: فأتى زيد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فأسرّ إليه ما كان من عبد اللّه ابن أبيّ و أصحابه، فأنزل اللّه عزّ و جلّ: وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ المجاهرين لك يا محمّد! فيما دعوتهم إليه من الإيمان باللّه، و الموالاة لك و لأوليائك، و المعاداة لأعدائك، وَ الْمُنافِقِينَ الذين يطيعونك في الظاهر، و يخالفونك في الباطن 45 وَ دَعْ أَذاهُمْ بما يكون منهم من القول السيّئ فيك و في ذويك وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ في إتمام أمرك، و إقامة حجّتك، فإنّ المؤمن هو الظاهر [بالحجّة] و إن غلب في الدنيا لأنّ العاقبة له، لأنّ غرض المؤمنين في كدحهم في الدنيا إنّما هو الوصول إلى نعيم الأبد في الجنّة، و ذلك حاصل لك، و لا لك، و لأصحابك، و شيعتهم. ثمّ إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يلتفت إلى ما بلغه عنهم، و أمر زيدا، فقال [له]: إن أردت أن لا يصيبك شرّهم، و لا ينالك مكرهم، فقل إذا أصبحت: «أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم»، فإنّ اللّه يعيذك من شرّهم، فإنّهم شياطين يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً ، و إذا أردت أن يؤمنك بعد ذلك من الغرق، و الحرق، و السرق. فقل إذا أصبحت: «بسم اللّه ما شاء اللّه، لا يصرف السوء إلّا اللّه، بسم اللّه ما شاء اللّه، لا يسوق الخير إلّا اللّه، بسم اللّه، ما شاء اللّه، ما يكون من نعمة فمن اللّه، بسم اللّه ما شاء اللّه، لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم، بسم اللّه ما شاء اللّه، [و] صلّى اللّه على محمّد و آله الطيّبين». فإنّ من قالها ثلاثا إذا أصبح أمن من الحرق و الغرق و السرق حتّى يمسي. و من قالها ثلاثا إذا أمسى أمن من الحرق، و الغرق، و السرق حتّى يصبح. و إنّ الخضر و إلياس (عليهما السلام) يلتقيان في كلّ موسم، فإذا تفرّقا عن هذه الكلمات، و إنّ ذلك شعار شيعتي، و به يمتاز أعدائي من أوليائي يوم خروج قائمهم (عليه السلام) . 46 (865) 4- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام الحسن بن عليّ: قال أمير المؤمنين (عليهما السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): قال اللّه عزّ و جلّ: قولوا: إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ على طاعتك و عبادتك، و على دفع شرور أعدائك، و ردّ مكائدهم، و المقام على ما أمرت به . (866) 5- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ هذا القرآن مأدبة اللّه تعالى، فتعلّموا من مأدبة اللّه عزّ و جلّ ما استطعتم، فإنّه النور المبين، و الشفاء النافع، [ف] تعلّموه فإنّ اللّه تعالى يشرّفكم بتعلّمه. تعلّموا سورة البقرة، و آل عمران، فإنّ أخذهما بركة، و تركهما حسرة، و لا يستطيعهما البطلة- يعني السحرة- و إنّهما ليجيئان يوم القيامة كأنّهما غمامتان أو عقابتان، أو فرقان من طير صوافّ، يحاجّان عن صاحبهما، و يحاجّهما ربّ العالمين، ربّ العزّة، يقولان: يا ربّ الأرباب! إنّ عبدك هذا قرأنا و أظمأنا نهاره، و أسهرنا ليله، و أنصبنا بدنه. يقول اللّه تعالى: يا أيّها القرآن! فكيف كان تسليمه لما أنزلته فيك من تفضيل عليّ بن أبي طالب أخي محمّد رسول اللّه؟ 47 يقولان: يا ربّ الأرباب، و إله الآلهة! والاه، و و الى أولياءه، و عادى أعداءه، إذا قدر جهر، و إذا عجز اتّقى و أسرّ. يقول اللّه عزّ و جلّ: فقد عمل إذا بكما، كما أمرته، و عظّم من حقّكما ما عظّمته، يا عليّ! أ ما تسمع شهادة القرآن لوليّك هذا؟ [ف] يقول عليّ: بلى، يا ربّ! فيقول اللّه عزّ و جلّ: فاقترح له ما تريد. فيقترح له ما يزيد على أماني هذا القارئ من الأضعاف المضاعفات بما لا يعلمه إلّا اللّه عزّ و جلّ. فيقول اللّه عزّ و جلّ: قد أعطيته ما اقترحت يا عليّ! قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و إنّ والدي القارئ ليتوّجان بتاج الكرامة، يضيء نوره من مسيرة عشرة آلاف سنة، و يكسيان حلّة لا يقوم لأقلّ سلك منها مائة ألف ضعف ما في الدنيا بما يشتمل عليه من خيراتها. ثمّ يعطي هذا القارئ الملك بيمينه في كتاب، و الخلد بشماله في كتاب، يقرأ من كتابه بيمينه: قد جعلت من أفاضل ملوك الجنان، و من رفقاء [محمّد] سيّد الأنبياء، و [عليّ] خير الأوصياء، و الأئمّة من بعدهما سادة الأتقياء، و يقرأ من كتابه بشماله: قد أمنت الزوال و الانتقال عن هذا الملك، و أعذت من الموت، و الأسقام، و كفيت الأمراض و الأعلال، و جنبت حسد الحاسدين، و كيد الكائدين، ثمّ يقال له: اقرأ [و] ارق، و منزلك عند آخر آية تقرؤها، فإذا نظر والداه إلى حليتيهما و تاجيهما، قالا: ربّنا أنّى لنا هذا الشرف، و لم تبلغه أعمالنا؟ (فقال لهما كرام ملائكة اللّه [عن اللّه] عزّ و جلّ: هذا لكما لتعليمكما) ولدكما القرآن . 48 (867) 6- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): أمّا الزكاة فقد قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): من أدّى الزكاة إلى مستحقّها، و قضى الصلاة على حدودها، و لم يلحق بهما من الموبقات ما يبطلهما جاء يوم القيامة يغبطه كلّ من في تلك العرصات حتّى يرفعه نسيم الجنّة إلى أعلى غرفها و علاليها بحضرة من كان يواليه من محمّد و آله الطيّبين الطاهرين. و من بخل بزكاته و أدّى صلاته فصلاته محبوسة دوين السماء إلى أن يجيء حين زكاته، فإن أدّاها جعلت كأحسن الأفراس مطيّة لصلاته فحملتها إلى ساق العرش. فيقول اللّه عزّ و جلّ: سر إلى الجنان، و اركض فيها إلى يوم القيامة، فما انتهى إليه ركضك فهو (كلّه بسائر ما تمسّه لباعثك)، فيركض فيها على أنّ كلّ ركضة مسيرة سنة في قدر لمحة بصره من يومه إلى يوم القيامة، حتّى ينتهي به إلى حيث ما شاء اللّه تعالى، فيكون ذلك كلّه له، و مثله عن يمينه و شماله و أمامه و خلفه و فوقه و تحته. و إن بخل بزكاته و لم يؤدّها أمر بالصلاة فردّت إليه و لفّت كما يلفّ الثوب الخلق، ثمّ يضرب بها وجهه، و يقال له: يا عبد اللّه! ما تصنع بهذا دون هذا. قال: فقال أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ما أسوأ حال هذا و اللّه!؟ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أولا أنبّئكم بمن هو أسوأ حالا من هذا. قالوا: بلى، يا رسول اللّه! قال: رجل حضر الجهاد في سبيل اللّه تعالى فقتل مقبلا غير مدبر، و الحور العين يتطلّعن إليه، و خزّان الجنان يتطلّعون إلى ورود روحه عليهم، و أملاك السماء و أملاك الأرض يتطلّعون إلى نزول حور العين إليه، 49 و الملائكة خزّان الجنان فلا يأتونه. فتقول ملائكة الأرض حوالي ذلك المقتول: ما بال الحور العين لا ينزلن إليه، و ما بال خزّان الجنان لا يردون عليه؟ فينادون من فوق السماء السابعة: يا أيّتها الملائكة! انظروا إلى آفاق السماء و دوينها. فينظرون فإذا توحيد هذا العبد المقتول و إيمانه برسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و صلاته و زكاته و صدقته و أعمال برّه كلّها محبوسات دوين السماء، و قد طبقت آفاق السماء كلّها- كالقافلة العظيمة قد ملأت ما بين أقصى المشارق و المغارب و مهاب الشمال و الجنوب- تنادي أملاك تلك الأفعال الحاملون لها الواردون بها: ما بالنا لا تفتح لنا أبواب السماء لندخل إليها بأعمال هذا الشهيد؟ فيأمر اللّه عزّ و جلّ بفتح أبواب السماء، فتفتح ثمّ ينادي هؤلاء الأملاك: أدخلوها إن قدرتم، فلا تقلّها أجنحتهم و لا يقدرون على الارتفاع بتلك الأعمال، فيقولون: يا ربّنا لا نقدر على الارتفاع بهذه الأعمال. فيناديهم منادي ربّنا عزّ و جلّ: يا أيّتها الملائكة، لستم حمالي هذه الأثقال الصاعدين بها إنّ حملتها الصاعدين بها مطاياها التي ترفعها إلى دوين العرش، ثمّ تقرّها في درجات الجنان. فتقول الملائكة: يا ربّنا! ما مطاياها؟ فيقول اللّه تعالى: و ما الذي حملتم من عنده؟ فيقولون: توحيده لك و إيمانه بنبيّك. فيقول اللّه تعالى: فمطاياها موالاة عليّ أخي نبيّي، و موالاة الأئمّة الطاهرين، فإن أتيت، فهي الحاملة الرافعة الواضعة لها في الجنان. فينظرون فإذا الرجل مع ما له من هذه الأشياء ليس له موالاة عليّ بن أبي طالب و الطيّبين من آله، و معاداة أعدائهم. فيقول اللّه تبارك و تعالى للأملاك الذين كانوا حامليها: اعتزلوها و الحقوا بمراكزكم من ملكوتي ليأتها من هو أحقّ بحملها و وضعها في موضع استحقاقها، 50 فتلحق تلك الأملاك بمراكزها المجعولة لها، ثمّ ينادي منادي ربّنا عزّ و جلّ: يا أيّتها الزبانية! تناوليها و حطّيها إلى سواء الجحيم، لأنّ صاحبها لم يجعل لها مطايا من موالاة عليّ و الطيّبين من آله (عليهم السلام). قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فتناول تلك الأملاك و يقلّب اللّه عزّ و جلّ تلك الأثقال أوزارا و بلايا على باعثها لما فارقتها مطاياها من موالاة أمير المؤمنين (عليه السلام)، و نادت تلك الملائكة إلى مخالفته لعليّ (عليه السلام) و موالاته لأعدائه، فيسلّطها اللّه عزّ و جلّ و هي في صورة الأسود على تلك الأعمال، و هي كالغربان و القرقس، فتخرج من أفواه تلك الأسود نيران تحرقها، و لا يبقى له عمل إلّا أحبط، و يبقى عليه موالاته لأعداء عليّ (عليه السلام)، و جحده ولايته، فيقرّه ذلك في سواء الجحيم، فإذا هو قد حبطت أعماله و عظمت أوزاره و أثقاله، فهذا أسوأ حالا من مانع الزكاة الذي يحفظ الصلاة. قال: فقيل لرسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فمن يستحقّ الزكاة؟ قال: المستضعفون من شيعة محمّد و آله الذين لم تقو بصائرهم. فأمّا من قويت بصيرته و حسنت بالولاية لأوليائه و البراءة من أعدائه معرفته، فذاك أخوكم في الدين أمسّ بكم رحما من الآباء و الأمّهات المخالفين، فلا تعطوه زكاة و لا صدقة. فإنّ موالينا و شيعتنا منّا و كلّنا كالجسد الواحد يحرم على جماعتنا الزكاة و الصدقة، و ليكن ما تعطونه إخوانكم المستبصرين البرّ، و ارفعوهم عن الزكوات و الصدقات، و نزّهوهم عن أن تصبّوا عليهم أوساخكم، أ يحبّ أحدكم أن يغسل وسخ بدنه ثم يصبّه على أخيه المؤمن. إنّ وسخ الذنوب أعظم من وسخ البدن، فلا توسّخوا بها إخوانكم المؤمنين، و لا تقصدوا أيضا بصدقاتكم و زكواتكم المخالفين المعاندين لآل محمّد المحبّين 51 لأعدائهم، فإنّ المتصدّق على أعدائنا كان كالسارق في حرم ربّنا عزّ و جلّ و حرمي. قيل: يا رسول اللّه! فالمستضعفون من المخالفين الجاهلين لا هم في مخالفتنا مستبصرون، و لا هم لنا معاندون؟ قال: فيعطي الواحد منهم من الدراهم ما دون الدرهم، و من الخبز ما دون الرغيف. و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ثمّ كلّ معروف بعد ذلك و ما وقيتم به أعراضكم و صنتموها عن ألسنة كلاب الناس كالشعراء الوقّاعين في الأعراض تكفّونهم، فهو محسوب لكم في الصدقات . (868) 7- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) [أنّه] قال: من قاد ضريرا أربعين خطوة على أرض سهلة لا خوف عليه [فيها] أعطي بكلّ خطوة قصرا في الجنّة مسيرة ألف سنة [في ألف سنة] لا يفي بقدر إبرة منها جميع طلاع الأرض ذهبا. فإن كان فيما قاده مهلكة جوّزه عنها، وجد ذلك في ميزان حسناته يوم القيامة أوسع من الدنيا مائة ألف مرّة، و رجّح بسيّئاته كلّها و محقها، و أقرّ [له] في أعالي الجنان و غرفها. 52 و ما من رجل رأى ملهوفا في طريق بمركوب له قد سقط، و هو يستغيث و لا يغاث، فأغاثه و حمله على مركوبه و سوّى له، إلّا قال اللّه عزّ و جلّ: كددت نفسك، و بذلت جاهدك في إغاثة أخيك [هذا المؤمن]، لأكدّنّ ملائكة هم أكثر عددا من خلائق الإنس كلّهم من أوّل الدهر إلى آخره، و أعظم قوّة كلّ واحد منهم ممّن يسهل عليه حمل السماوات و الأرضين ليبنوا لك القصور و المساكن و [ل] يرفعوا لك الدرجات، فإذا أنت في جنّاتي كأحد ملوكها الفاضلين. و من دفع عن مظلوم قصد بظلم ضررا في ماله أو بدنه، خلق اللّه عزّ و جلّ من حروف أقواله و حركات أفعاله و سكونها أملاكا بعدد كلّ حرف منها [مائة] ألف ملك كلّ ملك منهم يقصدون الشياطين الذين يأتون لإغوائه فيشجّونهم ضربا بالأحجار الدامغة. و أوجب اللّه عزّ و جلّ بكلّ ذرّة ضرر دفع عنه، و بأقلّ قليل جزء ألم الضرر الذي كفّ عنه مائة ألف من خدّام الجنان، و مثلهم من الحور العين الحسان يدلّلونه هناك و يشرّفونه و يقولون: هذا بدفعك عن فلان ضررا في ماله، أو بدنه. و من حضر مجلسا و قد حضر فيه كلب يفترس عرض أخيه الغائب، و اتّسع جاهه فاستخفّ به و ردّ عليه، و ذبّ عن عرض أخيه الغائب، قيّض اللّه الملائكة المجتمعين عند البيت المعمور لحجّهم، و هم شطر ملائكة السماوات، و ملائكة الكرسيّ و العرش، و ملائكة الحجب فأحسن كلّ واحد منهم بين يدي اللّه تعالى محضره يمدحونه و يقرّبونه، و يسألون اللّه تعالى له الرفعة و الجلالة. فيقول اللّه تعالى: أمّا أنا فقد أوجبت له بعدد كلّ واحد من مادحيكم مثل عدد جميعكم من درجات [و] قصور و جنان و بساتين و أشجار و ما شئت ممّا 53 لا يحيط به المخلوقون . (869) 8- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و لقد أصبح رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يوما، و قد غصّ مجلسه بأهله، فقال: أيّكم أنفق اليوم من ماله ابتغاء وجه اللّه تعالى؟ فسكتوا. فقال عليّ (صلوات الله عليه): أنا خرجت و معي دينار أريد أن أشتري به دقيقا، فرأيت المقداد بن الأسود و تبيّنت في وجهه أثر الجوع فناولته الديا نار، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): وجبت، ثمّ قام [رجل] آخر فقال: يا رسول اللّه! قد أنفقت اليوم أكثر ممّا أنفق عليّ، جهّزت رجلا و امرأة يريدان طريقا و لا نفقة لهما، فأعطيتهما ألفي درهم. فسكت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم). فقالوا: يا رسول اللّه! ما لك قلت لعليّ: وجبت، و لم تقل لهذا؟! و هو أكثر صدقة! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أ ما رأيتم ملكا يهدي خادم [ه] إليه هديّة خفيفة فيحسن موقعها عنده، و يرفع محلّ صاحبها، و يحمل إليه من عند خادم آخر هديّة عظيمة، فيردّها و يستخفّ بباعثها؟ قالوا: بلى! قال: فكذلك صاحبكم عليّ دفع دينارا منقادا للّه سادّا خلّة فقير مؤمن، و صاحبكم الآخر أعطى ما أعطى (نظيرا له معاندة عليّ أخي) رسول اللّه يريد به العلوّ على عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فأحبط اللّه تعالى عمله، و صيّره وبالا عليه. أما لو تصدّق بهذه النيّة من الثرى إلى العرش ذهبا [و فضّة] و لؤلؤا لم يزدد 54 بذلك من رحمة اللّه تعالى إلّا بعدا و إلى سخط اللّه تعالى إلّا قربا، و فيه ولوجا و اقتحاما. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فأيّكم دفع اليوم عن أخيه المؤمن بقوّته [ضروا]؟ فقال عليّ (عليه السلام): أنا مررت في طريق كذا، فرأيت فقيرا من فقراء المؤمنين قد تناوله أسد فوضعه تحته و قعد عليه، و الرجل يستغيث بي من تحته، فناديت الأسد خلّ عن المؤمن. فلم يخلّ، فتقدّمت إليه فركلته برجلي، [فدخلت رجلي] في جنبه الأيمن و خرجت من جنبه الأيسر، و خرّ الأسد صريعا. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): وجبت هكذا، يفعل اللّه بكلّ من آذى لك وليّا يسلّط اللّه عليه في الآخرة سكاكين النار و سيوفها يبعج بها بطنه، و يحشى نارا، ثم، يعاد خلقا جديدا أبد الآبدين، و دهر الداهرين. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فأيّكم اليوم نفع بجاهه أخاه المؤمن؟ فقال عليّ (عليه السلام): أنا! قال: صنعت ما ذا؟ قال: مررت بعمّار بن ياسر و قد لازمه بعض اليهود في ثلاثين درهما كانت له عليه، فقال عمّار: يا أخا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): هذا يلازمني و لا يريد إلّا أذاي و إذلالي لمحبّتي لكم أهل البيت فخلّصني منه بجاهك، فأردت أن أكلّم له اليهوديّ. فقال: يا أخا رسول اللّه! إنّك أجلّ في قلبي و عيني من أن أ بذلك لهذا الكافر، و لكن اشفع لي إلى من لا يردّك عن طلبة، و لو أردت جميع جوانب العالم أن يصيّرها كاطراف السفرة [لفعل]، فأسأله أن يعينني على أداء دينه، و يغنيني عن الاستدانة. 55 فقلت: اللّهمّ افعل ذلك به، ثمّ قلت له: اضرب بيدك إلى ما بين يديك من شيء حجر أو مدر، فإنّ اللّه يقلّبه لك ذهبا إبريزا فضرب، يده، فتناول حجرا فيه أمنان، فتحوّل في يده ذهبا. ثمّ أقبل على اليهوديّ، فقال: و كم دينك؟ قال: ثلاثون درهما. فقال: كم قيمتها من الذهب؟ قال: ثلاثة دنانير. قال عمّار: اللّهمّ! بجاه من بجاهه قلبت هذا الحجر ذهبا، ليّن لي هذا الذهب لأفصل قدر حقّه. فألانه اللّه عزّ و جلّ له، ففصل له ثلاثة مثاقيل و أعطاه، ثمّ جعل ينظر إليه و قال: «اللّهمّ إنّي سمعتك تقول: كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى و لا أريد غنى يطغيني، اللّهمّ! فأعد هذا الذهب حجرا بجاه من جعلته ذهبا بعد أن كان حجرا»، فعاد حجرا، فرماه من يده، و قال: حسبي من الدنيا و الآخرة موالاتي لك يا أخا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم). [فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):] فتعجّبت ملائكة السماوات و الأرض من فعله، و عجّت إلى اللّه تعالى بالثناء عليه، فصلوات اللّه من فوق عرشه تتوالى عليه. قال (صلى الله عليه و آله و سلم): فأبشر يا أبا اليقظان! فإنّك أخو عليّ في ديانته، و من أفاضل أهل ولايته، و من المقتولين في محبّته، تقتلك الفئة الباغية، و آخر زادك من الدنيا ضياح من لبن، و تلحق روحك بأرواح محمّد و آله الفاضلين، فأنت من خيار شيعتي، ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فأيّكم أدّى زكاته اليوم؟ 56 قال عليّ (عليه السلام): أنا يا رسول اللّه! فأسرّ المنافقون في أخريات المجالس بعضهم إلى بعض يقولون: و أيّ مال لعليّ (عليه السلام) حتّى يؤدّي منه الزكاة؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عليّ! أ تدري ما يسرّه هؤلاء المنافقون في أخريات المجالس؟ قال عليّ (عليه السلام): بلى! قد أوصل اللّه تعالى إلى أذني مقالتهم يقولون: و أيّ مال لعليّ (عليه السلام) حتّى يؤدّي زكاته، كلّ مال يغتنم من يومنا هذا إلى يوم القيامة فلي خمسه بعد وفاتك يا رسول اللّه، و حكمي على الذي منه لك في حياتك جائز فإنّي نفسك، و أنت نفسي. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): كذلك [هو] يا عليّ! و لكن كيف أدّيت زكاة ذلك؟ فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه! علمت بتعريف اللّه إيّاي على لسانك أنّ نبوّتك هذه سيكون بعدها ملك عضوض و جبريّة، فيستولى على خمسي من السبي و الغنائم، فيبيعونه فلا يحلّ لمشتريه، لأنّ نصيبي فيه، فقد وهبت نصيبي فيه لكلّ من ملك شيئا من ذلك من شيعتي لتحلّ لهم من منافعهم من مأكل و مشرب، و لتطيب مواليدهم، و لا يكون أولادهم أولاد حرام. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ما تصدّق أحد أفضل من صدقتك، و قد تبعك رسول اللّه في فعلك أحلّ لشيعته كلّ ما كان فيه من غنيمته، و بيع من نصيبه على واحد من شيعته، و لا أحله أنا و لا أنت لغيرهم. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فأيّكم دفع اليوم عن عرض أخيه المؤمن؟ 57 قال عليّ (عليه السلام): أنا يا رسول اللّه! مررت بعبد اللّه [بن أبيّ]، و هو يتناول عرض زيد بن حارثة، فقلت له: اسكت! لعنك اللّه فما تنظر إليه إلّا كنظرك إلى الشمس، و لا تتحدّث عنه إلّا كتحدّث أهل الدنيا عن الجنّة، فإنّ اللّه قد زادك لعائن إلى لعائن بوقيعتك فيه. فخجل و اغتاظ، فقال: يا أبا الحسن! إنّما كنت في قولي مازحا. فقلت له: إن كنت جادّا فأنا جادّ، و إن كنت هازلا فأنا هازل. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لقد لعنه اللّه عزّ و جلّ عند لعنك له، و لعنته ملائكة السماوات و الأرضين و الحجب و الكرسيّ و العرش، إنّ اللّه تعالى يغضب لغضبك و يرضى لرضاك و يعفو عند عفوك و يسطو عند سطوتك. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أ تدري ما ذا سمعت في الملأ الأعلى فيك ليلة أسري بي يا عليّ؟! سمعتهم يقسمون على اللّه تعالى بك و يستقضونه حوائجهم، و يتقرّبون إلى اللّه تعالى بمحبّتك، و يجعلون أشرف ما يعبدون اللّه تعالى به الصلاة عليّ و عليك، و سمعت خطيبهم في أعظم محافلهم، و هو يقول: عليّ الحاوي لأصناف الخيرات المشتمل على أنواع المكرمات الذي قد اجتمعت فيه من خصال الخير (ما قد تفرّق في غيره من البريّات) عليه من اللّه تعالى الصلوات و البركات و التحيّات. و سمعت الأملاك بحضرته، و الأملاك في سائر السماوات و الحجب و العرش و الكرسيّ و الجنّة و النار يقولون بأجمعهم عند فراغ الخطيب من قوله: آمين، اللّهمّ و طهّرنا بالصلاة عليه و على آله الطيّبين . 58 (870) 9- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام)، عن أبيه، عن جدّه، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: ما من عبد و لا أمة أعطى بيعة أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام): في الظاهر و نكثها في الباطن، و أقام على نفاقه، إلّا و إذا جاءه ملك الموت ليقبض روحه. تمثّل له إبليس و أعوانه، و تمثّل النيران و أصناف عذابها لعينيه و قلبه و مقاعده من مضايقها. و تمثّل له أيضا الجنان، و منازله فيها لو كان بقي على إيمانه و وفى ببيعته، فيقول له ملك الموت: انظر فتلك الجنان التي لا يقدر قدر سرّائها و بهجتها و سرورها إلّا اللّه ربّ العالمين، كانت معدّة لك. فلو كنت بقيت على ولايتك لأخي محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان إليها مصيرك يوم فصل القضاء، لكنّك (نكثت و خالفت)، فتلك النيران و أصناف عذابها و زبانيتها و مرزباتها و أفاعيها الفاغرة أفواهها، و عقاربها الناصبة أذنابها، و سباعها الشائلة مخالبها، و سائر أصناف عذابها هو لك و إليها مصيرك، فعند ذلك يقول: يا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا ، فقبلت ما أمرني و التزمت من موالاة عليّ (عليه السلام) ما ألزمني . 59 (871) 10- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): حدّثني أبي، عن أبيه، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، [قال:] قال: يا عباد اللّه! إنّ آدم لمّا رأى النور ساطعا من صلبه إذ كان اللّه قد نقل أشباحنا من ذروة العرش إلى ظهره رأى النور، و لم يتبيّن الأشباح. فقال: يا ربّ ما هذه الأنوار!؟ قال اللّه عزّ و جلّ: أنوار أشباح نقلتهم من أشرف بقاع عرشي إلى ظهرك، و لذلك أمرت الملائكة بالسجود لك إذ كنت وعاء لتلك الأشباح. فقال آدم: يا ربّ! لو بيّنتها لي؟ فقال اللّه عزّ و جلّ: انظر يا آدم! إلى ذروة العرش. فنظر آدم، و وقع نور أشباحنا من ظهر آدم على ذروة العرش، فانطبع فيه صور أنوار أشباحنا التي في ظهره كما ينطبع وجه الإنسان في المرآة الصافية، فرأى أشباحنا، فقال: يا ربّ! ما هذه الأشباح؟ قال اللّه تعالى: يا آدم! هذه أشباح أفضل خلائقي و بريّاتي. هذا محمّد، و أنا المحمود الحميد في أفعالي، شققت له اسما من اسمي. و هذا عليّ، و أنا العليّ العظيم، شققت له اسما من اسمي. و هذه فاطمة، و أنا فاطر السماوات و الأرض، فاطم أعدائي عن رحمتي يوم فصل قضائي، و فاطم أوليائي عمّا يعرّهم و يسيئهم، فشققت لها اسما من اسمي. و هذان الحسن و الحسين، و أنا المحسن [و] المجمل، شققت اسميهما من اسمي، هؤلاء خيار خليقتي، كرام بريّتى، بهم آخذ، و بهم أعطي، و بهم أعاقب، و بهم أثيب فتوسّل إلى بهم. يا آدم! و إذا دهتك داهية فاجعلهم إليّ شفعاءك، فإنّي آليت على نفسي قسما حقّا [أن] لا أخيّب بهم آملا و لا أردّ بهم سائلا، فذلك حين زلّت منه الخطيئة، 60 دعا اللّه عزّ و جلّ بهم، فتاب عليه، و غفر له . (872) 11- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): من صلّى الخمس كفّر اللّه عنه من الذنوب ما بين كلّ صلاتين، و كان كمن على بابه نهر جار يغتسل فيه كلّ يوم خمس مرّات. [و] لا يبقى عليه من الدرن شيئا إلّا الموبقات التي هي جحد النبوّة و الإمامة، أو ظلم إخوانه المؤمنين، أو ترك التقيّة حتّى يضرّ بنفسه و بإخوانه المؤمنين . (873) 12- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): [قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):] و من أدّى الزكاة من ماله طهّر من ذنوبه، و من أدّى الزكاة من بدنه في دفع ظلم قاهر عن أخيه، أو معونته على مركوب له [قد] سقط عنه متاع لا يأمن تلفه، أو الضرر الشديد عليه [به]، قيّض اللّه له في عرصات القيامة ملائكة يدفعون عنه نفحات النيران، و يحيّونه بتحيّات أهل الجنان، و يرفعونه إلى محلّ الرحمة و الرضوان. و من أدّى زكاة جاهه بحاجة يلتمسها لأخيه فقضيت له أو كلب سفيه (يظهر) غيبته فألقم ذلك الكلب بجاهه حجرا، بعث اللّه عليه في عرصات القيامة ملائكة 61 عددا كثيرا و جمّا غفيرا لا يعرف عددهم إلّا اللّه يحسن فيه بحضرة الملك الجبّار الكريم الغفّار محاضرهم، و يجمل فيه قولهم، و يكثر عليه ثناؤهم، و أوجب اللّه عزّ و جلّ له بكلّ قول من ذلك ما هو أكثر من ملك الدنيا بحذافيرها مائة ألف مرّة . (874) 13- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): [قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):] و من تواضع مع المتواضعين فاعترف بنبوّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و ولاية عليّ و الطيّبين من آلهما، ثمّ تواضع لإخوانه و بسطهم و آنسهم كلّما ازداد بهم برّا ازداد لهم استيناسا و تواضعا، باهى اللّه عزّ و جلّ به كرام ملائكته من حملة عرشه و الطائفين به. فقال لهم: أ ما ترون عبدي هذا المتواضع لجلال عظمتي ساوى نفسه بأخيه المؤمن الفقير و بسطه فهو لا يزداد به برّا إلّا ازداد له تواضعا. أشهدكم أنّي قد أوجبت له جناني و من رحمتي و رضواني ما يقصر عنه أمانيّ المتمنّي، و لأرزقنّه من محمّد سيّد الورى، و من عليّ المرتضى، و من خيار عترته مصابيح الدجى الإيناس و البركة في جناني، و ذلك أحبّ إليه من نعيم الجنان، و لو تضاعف ألف ألف ضعفها جزاء على تواضعه لأخيه المؤمن . (875) 14- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و كان قوم من رؤساء اليهود و علمائهم احتجنوا أموال الصدقات و المبرّات، فأكلوها و اقتطعوها، ثمّ حضروا رسول اللّه صلّى اللّه عليه، و قد حشروا عليه عوامّهم يقولون: إنّ محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) تعدّى طوره، و ادّعى ما ليس له. 62 فجاءوا بأجمعهم إلى حضرته (صلى الله عليه و آله و سلم)، و قد اعتقد عامّتهم أن يقعوا برسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فيقتلوه، و لو أنّه في جماهير أصحابه لا يبالون بما أتاهم به الدهر، فلمّا حضروا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و كانوا بين يديه، قال لهم رؤساؤهم- و قد واطئوا عوامّهم- على أنّهم إذا أفحموا محمّدا وضعوا عليه سيوفهم، فقال رؤساؤهم: يا محمّد! تزعم أنّك رسول ربّ العالمين، نظير موسى و سائر الأنبياء (عليهم السلام)، المتقدّمين؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أمّا قولي: إنّي رسول اللّه، فنعم! و أمّا أن أقول: إنّي نظير موسى و [سائر] الأنبياء فما أقول هذا، و ما كنت لأصغّر ما [قد] عظّمه اللّه تعالى من قدري، بل قال ربّي: يا محمّد، إنّ فضلك على جميع النبيّين و المرسلين و الملائكة المقرّبين كفضلي- و أنا ربّ العزّة- على سائر الخلق أجمعين. و كذلك قال اللّه تعالى لموسى (عليه السلام) لمّا ظنّ أنّه قد فضّله على جميع العالمين، فغلظ ذلك على اليهود، و همّوا بقتله، فذهبوا يسلّون سيوفهم، فما منهم أحد إلّا وجد يديه إلى خلفه كالمكتوف يابسا لا يقدر أن يحرّكها و تحيّروا. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)- و [قد] رأى ما بهم من الحيرة-: لا تجزعوا فخير أراده اللّه تعالى بكم منعكم من الوثوب على وليّه، و حبسكم على استماع حجّته في نبوّة محمّد و وصيّة أخيه عليّ. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): [يا] معاشر اليهود هؤلاء رؤساؤكم كافرون، و لأموالكم محتجنون، و لحقوقكم باخسون، و لكم- في قسمة من بعد ما اقتطعوه- ظالمون، يخفضون و يرفعون. فقالت رؤساء اليهود: حدّث عن مواضع الحجّة، أحجّة نبوّتك، و وصيّة عليّ أخيك هذا دعواك الأباطيل و إغراؤك قومنا بنا؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): [لا]، و لكنّ اللّه عزّ و جلّ قد أذن لنبيّه أن يدعو 63 بالأموال التي خنتموها بهؤلاء الضعفاء و من يليهم، فيحضرها هاهنا بين يديه، و كذلك يدعو حسباناتكم، فيحضرها لديه، و يدعو من واطأتموه على اقتطاع أموال الضعفاء، فينطق باقتطاعهم جوارحهم، و كذلك ينطق باقتطاعكم جوارحكم. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا ملائكة ربّي! احضروني أصناف الأموال التي اقتطعها هؤلاء الظالمون لعوامّهم، فإذا الدراهم في الأكياس و الدنانير، و إذا الثياب و الحيوانات و أصناف الأموال منحدرة عليهم [من حالق] حتّى استقرّت بين أيديهم. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ائتوا بحسبانات هؤلاء الظالمين الذين غالطوا بها هؤلاء الفقراء، فإذا الأدراج تنزل عليهم، فلمّا استقرّت على الأرض قال: خذوها، فأخذوها فقرءوا فيها نصيب كلّ قوم كذا و كذا. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا ملائكة ربّي! اكتبوا تحت اسم كلّ واحد من هؤلاء ما سرقوه منه و بيّنوه، فظهرت كتابة بيّنة: لا، بل نصيب كلّ واحد كذا و كذا، فإذا هم قد خانوا عشرة أمثال ما دفعوا إليهم. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا ملائكة ربّي، ميّزوا بين هذه الأموال الحاضرة [في] كلّ ما فضل عمّا بيّنه هؤلاء الظالمون، لتؤدّي إلى مستحقّه. فاضطربت تلك الأموال، و جعلت تنفصل بعضها من بعض حتّى تميّزت أجزاء، كما ظهر في الكتاب المكتوب، و بيّن أنّهم سرقوه و اقتطعوه، فدفع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى من حضر من عوامّهم نصيبه، و بعث إلى من غاب [منهم] فأعطاه، و أعطى ورثة من قد مات. و فضح اللّه رؤساء اليهود، و غلب الشقاء على بعضهم و بعض العوامّ، و وفّق اللّه بعضهم. فقال [له] الرؤساء الذين همّوا بالإسلام: نشهد يا محمّد! أنّك النبيّ الأفضل، و أنّ أخاك هذا [هو] الوصيّ الأجلّ الأكمل، فقد فضحنا اللّه بذنوبنا، أ رأيت 64 إن تبنا [عمّا اقتطعنا] و أقلعنا ما ذا تكون حالنا؟ قال رسول اللّه: إذن أنتم في الجنان رفقاؤنا، و في الدنيا [و] في دين اللّه إخواننا، و يوسّع اللّه تعالى أرزاقكم، و تجدون في مواضع هذه الأموال التي أخذت منكم أضعافها، و ينسى هؤلاء الخلق فضيحتكم حتّى لا يذكرها أحد منهم. فقالوا: [ف] إنّا نشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّك يا محمّد عبده و رسوله و صفيّه و خليله. و أنّ عليّا أخوك و وزيرك، و القيّم بدينك، و النائب عنك، و المقاتل دونك، و هو منك بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فأنتم المفلحون . (876) 15- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ ولاية عليّ حسنة، لا يضرّ معها شيء من السيّئات و إن جلّت إلّا ما يصيب أهلها من التطهير منها بمحن الدنيا و ببعض العذاب في الآخرة إلى أن ينجو منها بشفاعة مواليه الطيّبين الطاهرين، و إنّ ولاية أضداد عليّ و مخالفة عليّ (عليه السلام) سيّئة لا ينفع معها شيء إلّا ما ينفعهم بطاعاتهم في الدنيا بالنعم و الصحّة و السعة، فيردون الآخرة و لا يكون لهم إلّا دائم العذاب. ثمّ قال: إنّ من جحد ولاية عليّ لا يرى الجنّة بعينه أبدا إلّا ما يراه بما يعرف به أنّه لو كان يواليه لكان ذلك محلّه و مأواه، [و منزله]، فيزداد حسرات و ندامات، و إنّ من توالى عليّا و برىء من أعدائه و سلّم لأوليائه لا يرى النار بعينه أبدا إلّا ما يراه، فيقال له: لو كنت على غير هذا لكان ذلك مأواك إلّا ما 65 يباشره منها إن كان مسرفا على نفسه- بما دون الكفر- إلى أن ينظّف بجهنّم كما ينظّف القذر من بدنه بالحمّام [الحامي]، ثمّ ينتقل منها بشفاعة مواليه. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): اتّقوا اللّه معاشر الشيعة! فإنّ الجنّة لن تفوتكم و إن أبطأت بكم عنها قبائح أعمالكم، فتنافسوا في درجاتها. قيل: فهل يدخل جهنّم [أحد] من محبّيك و محبّي عليّ (عليه السلام)؟ قال: من قذر نفسه بمخالفة محمّد و عليّ، و واقع المحرّمات، و ظلم المؤمنين و المؤمنات، و خالف ما رسما له من الشرعيّات، جاء يوم القيامة قذرا طفسا، يقول له محمّد و عليّ: يا فلان! أنت قذر طفس لا تصالح لمرافقة مواليك الأخيار، و لا لمعانقة الحور الحسان، و لا لملائكة اللّه المقرّبين، و لا تصل إلى ما هناك إلّا بأن يطهر عنك ما هاهنا- يعني ما عليه من الذنوب- فيدخل إلى الطبق الأعلى من جهنّم فيعذّب ببعض ذنوبه. و منهم من تصيبه الشدائد في المحشر ببعض ذنوبه، ثمّ يلقطه من هنا و من هنا من يبعثهم إليه مواليه من خيار شيعتهم كما يلقط الطير الحبّ. و منهم من تكون ذنوبه أقل و أخفّ فيطهّر منها بالشدائد و النوائب من السلاطين و غيرهم، و من الآفات في الأبدان في الدنيا ليدلّى في قبره و هو طاهر من [ذنوبه]. و منهم من يقرب موته و قد بقيت عليه فيشتدّ نزعه و يكفّر به عنه، فإن بقي شيء و قويت عليه يكون له بطن أو اضطراب في يوم موته، فيقلّ من يحضره فيلحقه به الذلّ فيكفّر عنه، فإن بقي شيء أتي به، و لمّا يلحد و يوضع فيتفرّقون عنه فيطهّر. فإن كانت ذنوبه أعظم و أكثر طهر منها بشدائد عرصات [يوم] القيامة. فإن كانت أكثر و أعظم طهر منها في الطبق الأعلى من جهنّم. و هؤلاء أشدّ محبّينا عذابا، و أعظمهم ذنوبا. ليس هؤلاء، يسمّون بشيعتنا 66 و لكنّهم يسمّون بمحبّينا، و الموالين لأوليائنا، و المعادين لأعدائنا. إنّ شيعتنا من شيّعنا و اتّبع آثارنا، و اقتدى بأعمالنا . (877) 16- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال الإمام (عليه السلام): قال رجل لرسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): [يا رسول اللّه] فلان ينظر إلى حرم جاره، فإن أمكنه مواقعة حرام لم ينزع عنه. فغضب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و قال: ائتوني به. فقال رجل آخر: يا رسول اللّه! إنّه من شيعتكم، ممّن يعتقد موالاتك و موالاة عليّ، و يتبرّأ من أعدائكما. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لا تقل إنّه من شيعتنا فإنّه كذب، إنّ شيعتنا من شيّعنا و تبعنا في أعمالنا، و ليس هذا الذي ذكرته في هذا الرجل من أعمالنا . (878) 17- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): مثل مؤمن لا تقيّة له كمثل جسد لا رأس له، و مثل مؤمن لا يرعى حقوق إخوانه المؤمنين كمثل من حواسّه كلّها صحيحة فهو لا يتأمّل بعقله، و لا يبصر بعينه، و لا يسمع بأذنه، و لا يعبّر بلسانه عن حاجته، و لا يدفع المكاره عن نفسه بالإدلاء بحججه، و لا يبطش لشيء، بيديه، و لا ينهض إلى شيء برجليه. فذلك قطعة لحم قد فاتته المنافع، و صار غرضا لكلّ المكاره، فكذلك المؤمن 67 إذا جهل حقوق إخوانه فاته ثواب حقوقهم. فكان كالعطشان بحضرة الماء البارد، فلم يشرب حتّى طفئ. و بمنزلة ذي الحواسّ لم يستعمل شيئا منها لدفاع مكروه، و لا لانتفاع محبوب، فإذا هو سليب كلّ نعمة، مبتلى بكلّ آفة . (879) 18- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): أمّا قوله تعالى: لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فإنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: من شغلته عبادة اللّه عن مسألته، أعطاه اللّه أفضل ما يعطي السائلين . (880) 19- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): [قال الإمام (عليه السلام)]: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أفضل والديكم و أحقّهما لشكركم محمّد و عليّ (عليهما السلام) . (881) 20- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): من رعى حقّ قرابات أبويه، أعطي في الجنّة ألف درجة، بعد ما بين كلّ درجتين حضر الفرس الجواد المحضير مائة سنة، 68 إحدى الدرجات من فضّة و الأخرى من ذهب، و الأخرى من لؤلؤ، و الأخرى من زمرّد، و الأخرى من زبرجد، و الأخرى من مسك، و الأخرى من عنبر، و الأخرى من كافور، فتلك الدرجات من هذه الأصناف. و من رعى حقّ قربى محمّد و عليّ (عليهما السلام) أوتي من فضائل الدرجات و زيادة المثوبات على قدر زيادة فضل محمّد و عليّ (عليهما السلام) على أبوي نفسه . (882) 21- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال الإمام (عليه السلام): و أمّا قوله عزّ و جلّ: وَ الْيَتامى فإنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: حثّ اللّه عزّ و جلّ على برّ اليتامى لانقطاعهم عن آبائهم، فمن صانهم صانه اللّه، و من أكرمهم أكرمه اللّه، و من مسح يده برأس يتيم رفقا به جعل اللّه له في الجنّة بكلّ شعرة مرّت تحت يده قصرا أوسع من الدنيا بما فيها، و فيها ما تشتهي الأنفس و تلذّ الأعين، و هم فيها خالدون . (883) 22- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ العبد إذا أصبح، أو الأمة إذا أصبحت، أقبل اللّه تعالى عليه و ملائكته- ليستقبل ربّه عزّ و جلّ بصلاته- فيوجّه إليه رحمته 69 و يفيض عليه كرامته. فإن و فى بما أخذ عليه فأدّى الصلاة على ما فرضت، قال اللّه تعالى للملائكة خزّان جنانه و حملة عرشه: قد و فى عبدي هذا ففوا له. و إن لم يف، قال اللّه تعالى: لم يف عبدي هذا، و أنا الحليم الكريم، فإن تاب تبت عليه، و إن أقبل على طاعتي أقبلت عليه برضواني و رحمتي. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): [قال اللّه تعالى:] و إن كسل عمّا أريد قصّرت في قصوره حسنا و بهاء و جلالا و شهّرت في الجنان بأنّ صاحبها مقصّر. و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و ذلك أنّ اللّه عزّ و جلّ أمر جبرئيل ليلة المعراج فعرض عليّ قصور الجنان، فرأيتها من الذهب و الفضّة ملاطها المسك و العنبر غير أنّي رأيت لبعضها شرفا عالية و لم أر لبعضها. فقلت: يا حبيبي جبرئيل! ما بال هذه بلا شرف كما لسائر تلك القصور؟ فقال: يا محمّد! هذه قصور المصلّين فرائضهم الذين يكسلون عن الصلاة عليك، و على آلك بعدها. فإن بعث مادّة لبناء الشرف من الصلاة على محمّد و آله الطيّبين [بنيت له الشرف] و إلّا بقيت هكذا حتّى يعرف سكّان الجنان أنّ القصر الذي لا شرف له هو الذي كسل صاحبه بعد صلاته عن الصلاة على محمّد و آله الطيّبين، و رأيت فيها قصورا منيفة مشرقة عجيبة الحسن ليس لها أمامها دهليز، و لا بين أيديها بستان و لا خلفها، فقلت: ما بال هذه القصور لا دهليز بين أيديها و لا بستان خلف قصرها؟ فقال: يا محمّد! هذه قصور المصلّين [الصلوات] الخمس الذين يبذلون بعض وسعهم في قضاء حقوق إخوانهم المؤمنين دون جميعها، فلذلك قصورهم مستّرة بغير دهليز أمامها و غير بستان خلفها. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ألا فلا تتّكلوا على الولاية وحدها، و أدّوا ما بعدها 70 من فرائض اللّه و قضاء حقوق الإخوان، و استعمال التقيّة، فإنّهما اللذان يتمّمان الأعمال و يقصّران بها . (884) 23- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)- لمّا نزلت هذه الآية في اليهود: هؤلاء اليهود [الذين] نقضوا عهد اللّه، و كذّبوا رسل اللّه، و قتلوا أولياء اللّه- أ فلا أنبّئكم بمن يضاهيهم من يهود هذه الأمّة؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه! قال: قوم من أمّتي ينتحلون بأنّهم من أهل ملّتي يقتلون أفاضل ذرّيّتي و أطائب أرومتي، و يبدّلون شريعتي و سنّتي، و يقتلون ولديّ الحسن و الحسين كما قتل أسلاف هؤلاء اليهود زكريّا و يحيى. ألا! و إنّ اللّه يلعنهم كما لعنهم، و يبعث على بقايا ذراريهم قبل يوم القيامة هاديا مهديّا من ولد الحسين المظلوم يحرّفهم [بسيوف أوليائه] إلى نار جهنّم. ألا! و لعن اللّه قتلة الحسين و محبّيهم و ناصريهم و الساكتين عن لعنهم من غير تقيّة تسكتهم. ألا! و صلّى اللّه على الباكين على الحسين بن عليّ (عليهما السلام) رحمة و شفقة و اللاعنين لأعدائهم و الممتلئين عليهم غيظا و حنقا. ألا! و إنّ الراضين بقتل الحسين (عليه السلام) شركاء قتلته. ألا! و إنّ قتلته و أعوانهم و أشياعهم و المقتدين بهم براء من دين اللّه. 71 [ألا] إنّ اللّه ليأمر الملائكة المقرّبين أن يتلقّوا دموعهم المصبوبة لقتل الحسين (عليه السلام) إلى الخزّان في الجنان فيمزجونها بماء الحيوان، فيزيد في عذوبتها و طيبها ألف ضعفها. و إنّ الملائكة ليتلقّون دموع الفرحين الضاحكين لقتل الحسين (عليه السلام) و يلقونها في الهاوية و يمزجونها بحميمها و صديدها و غسّاقها و غسلينها، فتزيد في شدّة حرارتها، و عظيم عذابها ألف ضعفها، يشدّد بها على المنقولين إليها من أعداء آل محمّد عذابهم. فقام ثوبان مولى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فقال: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه! متى قيام الساعة؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ما ذا أعددت لها إذ تسأل عنها؟ فقال ثوبان: يا رسول اللّه! ما أعددت لها كثير عمل إلّا أنّي أحبّ اللّه و رسوله. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و إلى ما ذا بلغ حبّك لرسول اللّه؟ قال: و الذي بعثك بالحقّ نبيّا إنّ في قلبي من محبّتك ما لو قطّعت بالسيوف، و نشرت بالمناشير، و قرّضت بالمقاريض، و أحرقت بالنيران، و طحنت بأرحاء الحجارة كان أحبّ إليّ، و أسهل عليّ من أن أجد لك في قلبي غشّا أو دغلا أو بغضا أو لأحد من أهل بيتك و أصحابك، و أحبّ الخلق إليّ بعدك أحبّهم لك، و أبغضهم إليّ من لا يحبّك [و يبغضك و يبغض أحدا ممّن تحبّه، يا رسول اللّه، هذا ما عندي من حبّك و حبّ من يحبّك] و بغض من يبغضك أو يبغض أحدا ممّن تحبّه، فإن قبل هذا منّي فقد سعدت، و إن أريد منّي عمل غيره فما أعلم لي عملا أعتمده و أعتدّ به غير هذا، و أحبّكم جميعا أنت و أصحابك و إن كنت لا أطيقهم في أعمالهم. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أبشر! فإنّ المرء يحشر يوم القيامة مع من أحبّ، يا ثوبان! لو أنّ عليك من الذنوب ملء ما بين الثرى إلى العرش لانحسرت، 72 و زالت عنك بهذا الموالاة أسرع من انحدار الظلّ عن الصخرة الملساء المستوية إذا طلعت عليها الشمس، و من انحسار الشمس إذا غابت عنها الشمس . (885) 24- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): معاشر اليهود تعاندون رسول اللّه ربّ العالمين، و تأبون الاعتراف بأنّكم كنتم بذنوبكم من الجاهلين، إنّ اللّه لا يعذّب بها أحدا، و لا يزيل عن فاعل هذا عذابه أبدا. إنّ آدم (عليه السلام) لم يقترح على ربّه المغفرة لذنبه إلّا بالتوبة، فكيف تقترحونها أنتم مع عنادكم. قيل: و كيف كان ذلك يا رسول اللّه!؟ [قال:] فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لما زلّت الخطيئة من آدم (عليه السلام)، و أخرج من الجنّة و عوتب و وبّخ، قال: يا ربّ! إن تبت و أصلحت أ تردّني إلى الجنّة؟ قال: بلى! قال آدم: فكيف أصنع يا ربّ! حتّى أكون تائبا، و تقبل توبتي؟ فقال اللّه عزّ و جلّ: تسبّحني بما أنا أهله، و تعترف بخطيئتك كما أنت أهله، و تتوسّل إليّ بالفاضلين الذين علّمتك أسماءهم، و فضّلتك بهم على ملائكتي، و هم محمّد و آله الطيّبون، و أصحابه الخيّرون. فوفّقه اللّه تعالى، فقال: «يا ربّ! لا إله إلّا أنت، سبحانك و بحمدك عملت سوءا و ظلمت نفسي فارحمني، إنّك أنت أرحم الراحمين، بحقّ محمّد و آله الطيّبين، و خيار أصحابه المنتجبين، [سبحانك و بحمدك لا إله إلّا أنت عملت سوءا، و ظلمت نفسي، فتب عليّ إنّك أنت التوّاب الرحيم، 73 بحقّ محمّد و آله الطيّبين، و خيار أصحابه المنتجبين]». فقال اللّه تعالى: لقد قبلت توبتك، و آية ذلك أنّي أنقّي بشرتك، فقد تغيّرت- و كان ذلك لثلاث عشر من شهر رمضان- فصم هذه الثلاثة الأيّام التي تستقبلك، فهي أيّام البيض ينقّي اللّه في كلّ يوم بعض بشرتك. فصامها، فنقّى في كلّ يوم منها ثلث بشرته. فعند ذلك قال آدم: يا ربّ! ما أعظم شأن محمّد و آله و خيار أصحابه؟ فأوحى اللّه تعالى إليه: يا آدم! إنّك لو عرفت كنه جلال محمّد و آله عندي، و خيار أصحابه لأحببته حبّا يكون أفضل أعمالك. قال آدم: يا ربّ! عرّفني لأعرف؟ قال اللّه تعالى: يا آدم! إنّ محمّدا لو وزن به [جميع] الخلق من النبيّين و المرسلين، و الملائكة المقرّبين، و سائر عبادي الصالحين من أوّل الدهر إلى آخره، و من الثرى إلى العرش، لرجح بهم. و إنّ رجلا من خيار آل محمّد لو وزن به جميع آل النبيّين، لرجح بهم. و إنّ رجلا من خيار أصحاب محمّد لو وزن به جميع أصحاب المرسلين، لرجح بهم. يا آدم! لو أحبّ رجل من الكفّار أو جميعهم رجلا من آل محمّد و أصحابه الخيّرين، لكافأه اللّه عن ذلك بأن يختم له بالتوبة و الإيمان، ثمّ يدخله [اللّه] الجنّة. إنّ اللّه ليفيض على كلّ واحد من محبّي محمّد و آل محمّد، و أصحابه من الرحمة ما لو قسّمت على عدد كعدد [كلّ] ما خلق اللّه من أوّل الدهر إلى آخره، و كانوا كفّارا لكفاههم و لأدّاهم إلى عاقبة محمودة الإيمان باللّه، حتّى يستحقّوا به الجنّة، و إنّ رجلا ممّن يبغض [آل] محمّد و أصحابه الخيّرين أو واحدا منهم لعذّبه اللّه 74 عذابا لو قسّم على مثل عدد ما خلق اللّه تعالى لأهلكهم أجمعين . (886) 25- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه: هذه نصرة اللّه تعالى لليهود على المشركين بذكرهم لمحمّد و آله، ألا فاذكروا يا أمّة محمّد! محمّدا و آله عند نوائبكم و شدائدكم لينصر اللّه به ملائكتكم على الشياطين الذين يقصدونكم. فإنّ كلّ واحد منكم معه ملك عن يمينه يكتب حسناته، و ملك عن يساره يكتب سيّئاته. و معه شيطانان من عند إبليس يغويانه، فإذا وسوسا في قلبه ذكر اللّه، و قال: «لا حول و لا قوّة إلّا باللّه العليّ العظيم، و صلّى اللّه على محمّد و آله الطيّبين»، خنس الشيطانان، ثمّ صارا إلى إبليس فشكواه، و قالا له: قد أعيانا أمره فامددنا بالمردة، فلا يزال يمدّهما حتّى يمدّهما بألف مارد فيأتونه. فكلّما راموه ذكر اللّه، و صلّى على محمّد و آله الطيّبين لم يجدوا عليه طريقا، و لا منفذا، قالوا لإبليس: ليس له غيرك تباشره بجنودك فتغلبه و تغويه، فيقصده إبليس بجنوده. فيقول اللّه تعالى للملائكة: هذا إبليس قد قصد عبدي فلانا، أو أمتي فلانة بجنوده، ألا فقاتلوهم، فيقاتلهم بإزاء كلّ شيطان رجيم منهم مائة [ألف] ملك، و هم على أ فرأس من نار، بأيديهم سيوف من نار، و رماح من نار، و قسيّ 75 و نشاشيب و سكاكين، و أسلحتهم من نار، فلا يزالون يخرجونهم و يقتلونهم بها و يأسرون إبليس، فيضعون عليه تلك الأسلحة، فيقول: يا ربّ! وعدك وعدك قد أجّلتني إلى يوم الوقت المعلوم. فيقول اللّه تعالى للملائكة: وعدته أن لا أميته، و لم أعده أن لا أسلّط عليه السلاح و العذاب و الآلام، اشتفوا منه ضربا بأسلحتكم، فإنّي لا أميته، فيثخنونه بالجراحات، ثمّ يدعونه فلا يزال سخين العين على نفسه و أولاده المقتولين، و لا يندمل شيء من جراحاته إلّا بسماعه أصوات المشركين بكفرهم، فإن بقي هذا المؤمن على طاعة اللّه و ذكره، و الصلاة على محمّد و آله بقي على إبليس تلك الجراحات، و إن زال العبد عن ذلك و انهمك في مخالفة اللّه عزّ و جلّ و معاصيه، اندملت جراحات إبليس، ثمّ قوي على ذلك العبد حتّى يلجمه و يسرج على ظهره و يركبه، ثمّ ينزل عنه، و يركب على ظهره شيطانا من شياطينه، و يقول لأصحابه: أ ما تذكرون ما أصابنا من شأن هذا، ذلّ و انقاد لنا الآن حتّى صار يركبه هذا؟ ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فإن أردتم أن تديموا على إبليس سخنة عينه و ألم جراحاته فداوموا على طاعة اللّه و ذكره، و الصلاة على محمّد و آله، و إن زلتم عن ذلك كنتم أسراء إبليس، فيركب أقفيتكم بعض مردته . (887) 26- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): سمعت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول: من سئل عن علم فكتمه 76 حيث يجب إظهاره، و يزول عنه التقيّة جاء يوم القيامة ملجما بلجام من النار . (888) 27- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أخبر اللّه تعالى: إنّ من لا يؤمن بالقرآن فما آمن بالتوراة، لأنّ اللّه تعالى أخذ عليهم الإيمان بهما، لا يقبل الإيمان بأحدهما إلّا مع الإيمان بالآخر. فكذلك فرض اللّه الإيمان بولاية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كما فرض الإيمان بمحمّد، فمن قال: آمنت بنبوّة محمّد، و كفرت بولاية عليّ (عليه السلام) فما آمن بنبوّة محمّد، إنّ اللّه تعالى إذا بعث الخلائق يوم القيامة نادى منادي ربّنا نداء تعريف الخلائق في إيمانهم و كفرهم، فقال: اللّه أكبر، اللّه أكبر. و مناد آخر ينادي: معاشر الخلائق ساعدوه على هذه المقالة. فأمّا الدهرية و المعطّلة فيخرسون عن ذلك و لا تنطلق ألسنتهم، و يقولها سائر الناس من الخلائق، فيمتاز الدهريّة [و المعطّلة] من سائر الناس بالخرس. ثمّ يقول المنادي: أشهد أن لا إله إلّا اللّه، فيقول الخلائق كلّهم ذلك إلّا من كان يشرك باللّه تعالى من المجوس و النصارى و عبدة الأوثان، فإنّهم يخرسون فيبيّنون بذلك من سائر الخلائق. ثمّ يقول المنادي: أشهد أنّ محمّدا رسول اللّه، فيقولها المسلمون أجمعون، و يخرس عنها اليهود و النصارى و سائر المشركين. ثمّ ينادي من آخر عرصات القيامة: ألا فسوقوهم إلى الجنّة [لشهادتهم لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بالنبوّة]. 77 فإذا النداء من قبل اللّه تعالى: [لا، بل] وَ قِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ . يقول الملائكة الذين قالوا: سوقوهم إلى الجنّة لشهادتهم لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بالنبوّة: لما ذا يوقفون يا ربّنا!؟ فإذا النداء من قبل اللّه تعالى: [قفوهم] إنّهم مسئولون عن ولاية عليّ بن أبي طالب و آل محمّد، يا عبادي! و إمائي! إنّي أمرتهم مع الشهادة بمحمّد بشهادة أخرى، فإن جاءوا بها فعظّموا ثوابهم، و أكرموا مآبهم، و إن لم يأتوا بها لم تنفعهم الشهادة لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بالنبوّة، و لا لي بالربوبيّة، فمن جاء بها فهو من الفائزين، و من لم يأت بها فهو من الهالكين. قال: فمنهم من يقول: قد كنت لعليّ بن أبي طالب بالولاية شاهدا، و لآل محمّد محبّا، و هو في ذلك كاذب يظنّ أنّ كذبه ينجيه، فيقال له: سوف نستشهد على ذلك عليّا، فتشهد أنت يا أبا الحسن! فتقول: الجنّة لأوليائي شاهدة، و النار على أعدائي شاهدة. فمن كان منهم صادقا خرجت إليه رياح الجنّة، و نسيمها فاحتملته فأوردته علالي الجنّة و غرفها، و أحلته دار المقامة من فضل ربّه، لا يمسّه فيها نصب، و لا يمسّه فيها لغوب. و من كان منهم كاذبا جاءته سموم النار و حميمها، و ظلّها الذي هو ثَلاثِ شُعَبٍ. لا ظَلِيلٍ وَ لا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ ، فتحمله فترفعه في الهواء، و تورده في نار جهنّم. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فلذلك أنت قسيم [الجنّة و] النار، تقول لها: هذا لي، 78 و هذا لك . (889) 28- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و قد مرّ معه بحديقة حسنة، فقال عليّ (عليه السلام): ما أحسنها من حديقة؟! فقال: يا عليّ! لك في الجنّة أحسن منها، إلى أن مرّ بسبع حدائق كلّ ذلك يقول عليّ (عليه السلام): ما أحسنها من حديقة؟! و يقول رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لك في الجنّة أحسن منها. ثمّ بكى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بكاء شديدا، فبكى عليّ (عليه السلام) لبكائه، ثمّ قال: ما يبكيك؟ يا رسول اللّه! قال: يا أخي [يا] أبا الحسن! ضغائن في صدور قوم يبدونها لك بعدي. قال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه! في سلامة من ديني؟ قال: في سلامة من دينك. قال: يا رسول اللّه! إذا سلم ديني فلا يسؤني ذلك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لذلك جعلك اللّه لمحمّد تاليا، و إلى رضوانه و غفرانه داعيا، و عن أولاد الرشد و الغيّ بحبّهم لك، و بغضهم [عليك مميّزا] منبئا، و للواء محمّد يوم القيامة حاملا، و للأنبياء و الرسل و الصابرين تحت لوائي إلى جنّات النعيم قائدا. يا عليّ! إنّ أصحاب موسى اتّخذوا بعده عجلا، و خالفوا خليفته، و سيتّخذ 79 أمّتي بعدي عجلا، ثمّ عجلا، ثمّ عجلا، و يخالفونك و أنت خليفتي على هؤلاء يضاهئون أولئك في اتّخاذهم العجل. ألا فمن وافقك و أطاعك فهو معنا في الرفيع الأعلى، و من اتّخذ العجل بعدي و خالفك و لم يتب فأولئك مع الذين اتّخذوا العجل زمان موسى، و لم يتوبوا [فهم] في نار جهنّم خالدين مخلّدين . (890) 29- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): معاشر الناس! أحبّوا موالينا مع حبّكم لآلنا هذا زيد ابن حارثة و ابنه أسامة من خواصّ موالينا فأحبّوهما، فو الذي بعث محمّدا بالحقّ نبيّا لينفعكم حبّهما. قالوا: و كيف ينفعنا حبّهما؟ قال: إنّهما يأتيان يوم القيامة عليّا (عليه السلام) بخلق عظيم من محبّيها أكثر من ربيعة و مضر بعدد كلّ واحد منهم، فيقولان: يا أخا رسول اللّه! هؤلاء أحبّونا بحبّ محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و بحبّك. فيكتب لهم عليّ (عليه السلام) جوازا على الصراط، فيعبرون عليه، و يردون الجنّة سالمين، و ذلك أنّ أحدا لا يدخل الجنّة من سائر أمّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) إلّا بجواز من عليّ (عليه السلام)، فإن أردتم الجواز على الصراط سالمين، و دخول الجنان غانمين فأحبّوا بعد حبّ محمّد و آله، مواليه. ثمّ إن أردتم أن يعظّم محمّد و عليّ عند اللّه تعالى منازلكم فأحبّوا شيعة محمّد 80 و عليّ، و جدّوا في قضاء حوائج إخوانكم المؤمنين، فإنّ اللّه تعالى إذا أدخلكم الجنّة معاشر شيعتنا و محبّينا، نادى مناديه في تلك الجنان: قد دخلتم يا عبادي! الجنّة برحمتي، فتقاسموها على قدر حبّكم لشيعة محمّد و عليّ (عليهما السلام) و قضائكم لحقوق إخوانكم المؤمنين. فأيّهم كان للشيعة أشدّ حبّا و لحقوق إخوانه المؤمنين أحسن قضاء كانت درجاته في الجنان أعلى، حتّى أنّ فيهم من يكون أرفع من الآخر بمسيرة مائة ألف سنة ترابيع قصور و جنان . (891) 30- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): اتّقوا اللّه، عباد اللّه! و اثبتوا على ما أمركم به رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) من توحيد اللّه، و من الإيمان بنبوّة محمّد رسول اللّه، و من الاعتقاد بولاية عليّ ولي اللّه. و لا يغرّنكم صلاتكم و صيامكم و عبادتكم السالفة، أنّها لا تنفعكم إن خالفتم العهد و الميثاق، فمن وفى و في له، و تفضّل [بالجلال و] بالإفضال عليه، و من نكث فإنّما ينكث على نفسه، و اللّه وليّ الانتقام منه، و إنّما الأعمال بخواتيمها. هذه وصيّة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لكلّ أصحابه، و بها أوصى حين صار إلى الغار. فإنّ اللّه تعالى قد أوحى إليه يا محمّد! إنّ العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام، و يقول لك: إنّ أبا جهل، و الملأ من قريش قد دبّروا يريدون قتلك، و آمرك أن تبيت عليّا في موضعك، و قال لك: إنّ منزلته منزلة إسماعيل الذبيح من إبراهيم 81 الخليل، يجعل نفسه لنفسك فداء، و روحه لروحك وقاء، و آمرك أن تستصحب أبا بكر فإنّه إن آنسك و ساعدك و وازرك، و ثبت على ما يعاهدك، و يعاقدك كان في الجنّة من رفقائك، و في غرفاتها من خلصائك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لعليّ (عليه السلام): أرضيت أن أطلب فلا أوجد و توجد، فلعلّه أن يبادر إليك الجهّال فيقتلوك. قال: بلى، يا رسول اللّه! رضيت أن تكون روحي لروحك وقاء، و نفسي لنفسك فداء بل قد رضيت أن تكون روحي، و نفسي فداء لأخ لك أو قريب أو لبعض الحيوانات تمتهنها، و هل أحبّ الحياة إلّا لخدمتك، و التصرّف بين أمرك و نهيك و لمحبّة أوليائك، و نصرة أصفيائك، و مجاهدة أعدائك، لو لا ذلك لما أحببت أن أعيش في هذه الدنيا ساعة واحدة. فأقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) على عليّ (عليه السلام)، و قال له: يا أبا حسن! قد قرأ عليّ كلامك هذا الموكّلون باللوح المحفوظ، و قرءوا عليّ ما أعدّ اللّه [به] لك من ثوابه في دار القرار ما لم يسمع بمثله السامعون، و لا رأى مثله الراءون، و لا خطر مثله ببال المتفكّرين. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لأبي بكر: أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر! تطلب كما أطلب، و تعرف بأنّك أنت الذي تحملني على ما أدّعيه، فتحمل عنّي أنواع العذاب. قال أبو بكر: يا رسول اللّه! أمّا أنا لو عشت عمر الدنيا أعذّب في جميعها أشدّ عذاب لا ينزل عليّ موت مريح، و لا فرج متيح، و كان في ذلك محبّتك لكان ذلك أحبّ إليّ من أن أتنعّم فيها، و أنا مالك لجميع ممالك ملوكها في مخالفتك، و هل أنا و مالي و ولدي إلّا فداؤك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لا جرم إن اطّلع اللّه على قلبك، و وجد ما فيه موافقا 82 لما جرى على لسانك، جعلك منّي بمنزلة السمع و البصر و الرأس من الجسد، و بمنزلة الروح من البدن كعليّ الذي هو منّي كذلك، و عليّ فوق ذلك لزيادة فضائله، و شريف خصاله. يا أبا بكر! إنّ من عاهد اللّه ثمّ لم ينكث و لم يغيّر و لم يبدّل و لم يحسد من قد أبانه اللّه بالتفضيل، فهو معنا في الرفيق الأعلى، و إذا أنت مضيت على طريقة يحبّها منك ربّك، و لم تتّبعها بما يسخطه، و وافيته بها إذا بعثك بين يديه، كنت لولاية اللّه مستحقّا، و لمرافقتنا في تلك الجنان مستوجبا. انظر أبا بكر! فنظر في آفاق السماء فرأى أملاكا من نار على أفراس من نار بأيديهم رماح من نار، كلّ ينادي: يا محمّد! مرنا بأمرك في [أعدائك و] مخالفيك نطحطحهم . ثمّ قال: تسمّع على الأرض، فتسمّع فإذا هي تنادي: يا محمّد! مرني بأمرك في أعدائك، أمتثل أمرك. ثمّ قال: تسمّع على الجبال، فتسمّعها تنادي: يا محمّد! مرنا بأمرك في أعدائك، نهلكهم. ثمّ قال: تسمّع على البحار، فأحضرت البحار بحضرته، و صاحت أمواجها تنادي: يا محمّد! مرنا بأمرك في أعدائك نمتثله. ثمّ سمع السماء و الأرض و الجبال و البحار كلّ يقول: [يا محمّد!] ما أمرك ربّك بدخول الغار لعجزك عن الكفّار، و لكن امتحانا و ابتلاء ليتخلّص الخبيث من الطيّب من عباده، و إمائه بأناتك و صبرك و حلمك عنهم، يا محمّد! من و فى بعهدك، فهو من رفقائك في الجنان، و من نكث فعلى نفسه ينكث، و هو من قرناء إبليس اللعين في طبقات النيران. 83 ثم قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لعليّ (عليه السلام): يا عليّ! أنت منّي بمنزلة السمع و البصر و الرأس من الجسد، و الروح من البدن، حبّبت إليّ كالماء البارد إلى ذي الغلّة الصادي. ثمّ قال له: يا أبا حسن! تغشّ ببردتي فإذا أتاك الكافرون يخاطبونك، فإنّ اللّه يقرن بك توفيقه، و به تجيبهم، فلمّا جاء أبو جهل و القوم شاهرون سيوفهم، قال لهم أبو جهل: لا تقعوا به و هو نائم لا يشعر، و لكن ارموه بالأحجار لينتبه بها، ثمّ اقتلوه، فرموه بأحجار ثقال صائبة، فكشف عن رأسه، فقال: ما ذا شأنكم و عرفوه، فإذا هو عليّ (عليه السلام). فقال لهم أبو جهل: أ ما ترون محمّدا كيف أبات هذا، و نجا بنفسه لتشتغلوا به، و ينجو محمّد لا تشتغلوا بعليّ المخدوع لينجو بهلاكه محمّد، و إلّا فما منعه أن يبيت في موضعه إن كان ربّه يمنع عنه كما يزعم. فقال عليّ (عليه السلام): ألي تقول هذا؟ يا أبا جهل! بل اللّه تعالى قد أعطاني من العقل ما لو قسّم على جميع حمقاء الدنيا و مجانينها لصاروا به عقلاء، و من القوّة ما لو قسّم على جميع ضعفاء الدنيا لصاروا به أقوياء، و من الشجاعة ما لو قسّم على جميع جبناء الدنيا لصاروا [به] شجعانا، و من الحلم ما لو قسّم على جميع سفهاء الدنيا لصاروا به حلماء. و لو لا أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أمرني أن لا أحدث حدثا حتّى ألقاه لكان لي و لكم شأن، و لأقتلنّكم قتلا، ويلك يا أبا جهل!- عليك اللعنة- إنّ محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) قد استأذنه في طريقه السماء و الأرض و البحار و الجبال في إهلاككم فأبى إلّا أن يرفق بكم و يداريكم ليؤمن من في علم اللّه أنّه يؤمن منكم، و يخرج مؤمنون من أصلاب و أرحام كافرين و كافرات، أحبّ اللّه تعالى أن لا يقطعهم عن كرامته باصطلامهم، و لو لا ذلك لأهلككم ربّكم. 84 إنّ اللّه هو الغنيّ، و أنتم الفقراء لا يدعوكم إلى طاعته و أنتم مضطرّون، بل مكّنكم ممّا كلّفكم، فقطع معاذيركم. فغضب أبو البختريّ بن هشام، فقصده بسيفه فرأى الجبال قد أقبلت لتقع عليه، و الأرض قد انشقّت لتخسف به، و رأى أمواج البحار نحوه مقبلة لتغرقه في البحر، و رأى السماء انحطّت لتقع عليه، فسقط سيفه و خرّ مغشيّا عليه، و احتمل و يقول أبو جهل دير به لصفراء هاجت به. يريد أن يلبّس على من معه أمره. فلمّا التقى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) مع عليّ (عليه السلام) قال: يا عليّ! إنّ اللّه رفع صوتك في مخاطبتك أبا جهل إلى العلوّ، و بلّغه إلى الجنان، فقال من فيها من الخزّان و الحور الحسان: من هذا المتعصّب لمحمّد إذ قد كذّبوه و هجروه؟ قيل لهم: هذا النائب عنه، و البائت على فراشه، يجعل نفسه لنفسه وقاء و روحه لروحه فداء. فقال الخزّان و الحور الحسان: يا ربّنا! فاجعلنا خزّانه. و قالت الحور: فاجعلنا نساءه. فقال اللّه تعالى لهم: أنتم له و لمن يختاره هو من أوليائه، و محبّيه يقسمكم عليهم- بأمر اللّه- على من هو أعلم به من الصلاح أ رضيتم؟ قالوا: بلى! ربّنا و سيّدنا . (892) 31- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال [الإمام] (عليه السلام): إنّ المسلمين لمّا أصابهم يوم أحد من المحن ما أصابهم لقي قوم من 85 اليهود- بعده بأيّام- عمّار بن ياسر و حذيفة بن اليمان، فقالوا لهما: أ لم تريا ما أصابكم يوم أحد إنّما يحرب كأحد طلّاب ملك الدنيا حربه سجالا، فتارة له و تارة عليه، فارجعوا عن دينه. فأمّا حذيفة، فقال: لعنكم اللّه لا أقاعدكم، و لا أسمع كلامكم، أخاف على نفسي و ديني و أفرّ بهما منكم، و قام عنهم يسعى. و أمّا عمّار بن ياسر، فلم يقم عنهم، و لكن قال لهم: معاشر اليهود! إنّ محمّدا وعد أصحابه الظفر يوم بدر إن صبروا فصبروا و ظفروا، و وعدهم الظفر يوم أحد أيضا إن صبروا، ففشلوا و خالفوا، فلذلك أصابهم ما أصابهم، و لو أنّهم أطاعوا و صبروا و لم يخالفوا لما غلبوا. فقالت له اليهود: يا عمّار! و إذا أطعت أنت غلب محمّد سادات قريش مع دقّة ساقيك؟! فقال عمّار: نعم، و اللّه! الذي لا إله إلّا هو باعثه بالحقّ نبيّا، لقد وعدني محمّد من الفضل و الحكمة ما عرّفنيه من نبوّته، و فهّمنيه من فضل أخيه، و وصيّه و صفيّه و خير من يخلفه بعده، و التسليم لذرّيّته الطيّبين المنتجبين، و أمرني بالدعاء بهم عند شدائدي و مهمّاتي و حاجاتي، و وعدني أنّه لا يأمرني بشيء فاعتقدت فيه طاعته إلّا بلّغته، حتّى لو أمرني بحطّ السماء إلى الأرض أو رفع الأرضين إلى السماوات لقوّى عليه ربّي بدني بساقي هاتين الدقيقتين. فقالت اليهود: كلّا و اللّه، يا عمّار! محمّد أقلّ عند اللّه من ذلك، و أنت أوضع عند اللّه و عند محمّد من ذلك (لا و لا حجرا فيها أربعون منّا). فقام عمّار عنهم، و قال: لقد أبلغتكم حجّة ربّي، و نصحت لكم، و لكنّكم للنصيحة كارهون، و جاء إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقال له رسول اللّه: يا عمّار! قد وصل إليّ خبركما، أمّا حذيفة فإنّه فرّ بدينه من الشيطان و أوليائه، فهو من 86 عباد اللّه الصالحين. و أمّا أنت يا عمّار! فإنّك قد ناضلت عن دين اللّه، و نصحت لمحمّد رسول اللّه، فأنت من المجاهدين في سبيل اللّه الفاضلين. فبينا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و عمّار يتحادثان إذ حضرت اليهود الذين كانوا كلّموه، فقالوا: يا محمّد! هاه صاحبك يزعم أنّك إن أمرته برفع الأرض إلى السماء أو حطّ السماء إلى الأرض، فاعتقد طاعتك، و عزم على الائتمار لك لأعانه اللّه عليه، و نحن نقتصر منك و منه على ما هو دون ذلك إن كنت نبيّا، فقد قنعنا أن يحمل عمّار- مع دقّة ساقيه- هذا الحجر. و كان الحجر مطروحا بين يدي النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) بظاهر المدينة يجتمع عليه مائتا رجل ليحرّكوه فلا يمكنهم. فقالوا له: يا محمّد! إن رام احتماله لم يحرّكه، و لو حمل في ذلك على نفسه لانكسرت ساقاه و تهدّم جسمه. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لا تحتقروا ساقيه فإنّهما أثقل في ميزان حسناته من ثور و ثبير و حراء و أبي قبيس ، بل من الأرض كلّها و ما عليها، و أنّ اللّه قد خفّف بالصلاة على محمّد و آله الطيّبين ما هو أثقل من هذه الصخرة، خفّف 87 العرش على كواهل ثمانية من الملائكة بعد أن كان لا يطيقه معهم العدد الكثير و الجمّ الغفير. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عمّار! اعتقد طاعتي، و قل: «اللّهمّ بجاه محمّد و آله الطيّبين، قوّني، ليسهّل اللّه لك ما أمرك به كما سهّل على كالب بن يوحنّا عبور البحر على متن الماء»، و هو على فرسه يركض عليه لسؤاله اللّه بجاهنا أهل البيت. فقالها عمّار، و اعتقدها، فحمل الصخرة فوق رأسه، و قال: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه! و الذي بعثك بالحقّ نبيّا لهي أخفّ في يدي من خلالة أمسكها بها! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): حلّق بها في الهواء فستبلغ بها قلّة ذلك الجبل- و أشار إلى جبل بعيد على قدر فرسخ- فرمى بها عمّار، و تحلّقت في الهواء حتّى انحطّت على ذروة ذلك الجبل، ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لليهود: أو رأيتم؟ قالوا: بلى! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عمّار! قم إلى ذروة الجبل فستجد هناك صخرة أضعاف ما كانت فاحتملها، و أعدها إلى حضرتي، فخطا عمّار خطوة و طويت له الأرض، و وضع قدمه في الخطوة الثانية على ذروة الجبل، و تناول الصخرة المتضاعفة و عاد إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) بالخطوة الثالثة. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لعمّار: اضرب بها الأرض ضربة شديدة، فتهاربت اليهود و خافوا، فضرب بها عمّار على الأرض، فتفتّت حتّى صارت كالهباء المنثور و تلاشت. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): آمنوا أيّها اليهود! فقد شاهدتم آيات اللّه، فامن بعضهم و غلب الشقاء على بعضهم، ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أ تدرون معاشر المسلمين! ما مثل هذه الصخرة؟ فقالوا: لا، يا رسول اللّه! 88 فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و الذي بعثني بالحقّ نبيّا! إنّ رجلا من شيعتنا تكون له ذنوب و خطايا أعظم من جبال الأرض و [من] الأرض كلّها، و السماء بأضعاف كثيرة فما هو إلّا أن يتوب و يجدّد على نفسه ولايتنا أهل البيت إلّا كان قد ضرب بذنوبه الأرض أشدّ من ضرب عمّار هذه الصخرة بالأرض، و إنّ رجلا تكون له طاعات كالسماوات و الأرضين و الجبال و البحار فما هو إلّا أن يكفر بولايتنا أهل البيت حتّى يكون ضرب بها الأرض أشدّ من ضرب عمّار لهذه الصخرة بالأرض، و تتلاشى و تتفتّت كتفتّت هذه الصخرة، فيرد الآخرة، و لا يجد حسنة، و ذنوبه أضعاف الجبال و الأرض و السماء، فيشدّد حسابه، و يدوم عذابه. قال فلمّا رأى عمّار بنفسه تلك القوّة التي جلد بها على الأرض تلك الصخرة فتفتّت، أخذته أريحية و قال: أ فتأذن لي يا رسول اللّه! أن أجالد هؤلاء اليهود، فأقتلهم أجمعين بما أعطيته من هذه القوّة؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عمّار! إنّ اللّه تعالى يقول: فَاعْفُوا وَ اصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ بعذابه، و يأتي بفتح مكّة و سائر ما وعد. و كان المسلمون تضيق صدورهم ممّا يوسوس به إليهم اليهود و المنافقون من الشبه في الدين. فقال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أو لا أعلّمكم ما يزيل ضيق صدوركم إذا وسوس هؤلاء الأعداء إليكم؟ قالوا: بلى، يا رسول اللّه! قال: ما أمر به رسول اللّه من كان معه في الشعب الذي كان ألجأته إليه قريش، فضاقت صدورهم، و اتّسخت ثيابهم. 89 فقال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): انفخوا على ثيابكم، و امسحوها بأيديكم و هي على أبدانكم، و أنتم تصلّون على محمّد و آله الطيّبين، فإنّها تنقي و تطهّر و تبيّض و تحسّن، و تزيل عنكم ضيق صدوركم، ففعلوا ذلك، فصارت ثيابهم كما قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقالوا: عجبا يا رسول اللّه! بصلاتنا عليك و على آلك كيف طهّرت ثيابنا؟! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ تطهير الصلاة على محمّد و آله لقلوبكم من الغلّ و الضيق و الدغل، و لأبدانكم من الآثام أشدّ من تطهيرها لثيابكم، و إنّ غسلها للذنوب عن صحائفكم أحسن من غسلها للدرن عن ثيابكم، و إنّ تنويرها لكتب حسناتكم- بمضاعفة ما فيها- أحسن من تنويرها لثيابكم . (893) 32- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و آتوا الزكاة من أموالكم المستحقّين لها من الفقراء و الضعفاء لا تبخسوهم و لا توكسوهم ، و لا تيمّموا الخبيث أن تعطوهم، فإنّ من أعطى الزكاة من ماله طيّبة بها نفسه أعطاه اللّه بكلّ حبّة منها قصرا في الجنّة من ذهب، و قصرا من فضّة، و قصرا من لؤلؤ، و قصرا من زبرجد، و قصرا من زمرّد، و قصرا من جوهر، و قصرا من نور ربّ العالمين. و أيّما عبد التفت في صلاته، قال اللّه تعالى: يا عبدي! إلى أين تقصد، و من تطلب، أ ربّا غيري تريد؟ أو رقيبا سواي تطلب؟ أو جوادا خلاي تبتغي؟ 90 أنا أكرم الأكرمين، و أجود الأجودين، و أفضل المعطين، أثيبك ثوابا لا يحصى قدره، فأقبل عليّ فإنّي عليك مقبل، و ملائكتي عليك مقبلون. فإن أقبل زال عنه إثم ما كان منه، و إن التفت بعد أعاد اللّه [له] مقالته، فإن أقبل زال عنه إثم ما كان منه، و إن التفت ثالثة أعاد اللّه له مقالته، فإن أقبل على صلاته غفر [اللّه] له ما تقدّم من ذنبه. و إن التفت رابعة أعرض اللّه عنه، و أعرضت الملائكة عنه و يقول: ولّيتك يا عبدي! ما تولّيت. و إن قصّر في الزكاة قال اللّه تعالى: يا عبدي! أ تبخّلني، أم تتّهمني، أم تظنّ أنّي عاجز غير قادر على إثابتك، سوف يردّ عليك يوم تكون فيه أحوج المحتاجين إن أدّيتها كما أمرت، و سوف يردّ عليك إن بخلت يوم تكون فيه أخسر الخاسرين. قال (عليه السلام): فسمع ذلك المسلمون، فقالوا: سمعنا و أطعنا يا رسول اللّه! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): عباد اللّه! أطيعوا اللّه في أداء الصلوات المكتوبات، و الزكوات المفروضات، و تقرّبوا بعد ذلك إلى اللّه بنوافل الطاعات، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يعظّم به المثوبات. و الذي بعثني بالحقّ نبيّا! إنّ عبدا من عباد اللّه ليقف يوم القيامة موقفا يخرج عليه من لهب النار أعظم من جميع جبال الدنيا حتّى ما يكون بينه و بينها حائل، بينا هو كذلك قد تحيّر إذ تطاير من الهواء رغيف أو حبّة قد واسى بها أخا مؤمنا على إضافته، فتنزل حواليه، فتصير كأعظم الجبال مستديرا حواليه، تصدّ عنه ذلك اللهب، فلا يصيبه من حرّها و لا دخانها شيء إلى أن يدخل الجنّة. قيل: يا رسول اللّه! و على هذا تنفع مواساته لأخيه المؤمن؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إي و الذي بعثني بالحقّ نبيّا! إنّه لينفع بعض المواسين 91 بأعظم من هذا، و ربّما جاء يوم القيامة من تمثّل له سيّئاته [و حسناته] و إساءته إلى إخوانه المؤمنين- و هي التي تعظم و تتضاعف فتمتلئ بها صحائفه- و تفرّق حسناته على خصمائه المؤمنين المظلومين بيده و لسانه، فيتحيّر و يحتاج إلى حسنات توازي سيّئاته. فيأتيه أخ له مؤمن- قد كان أحسن إليه في الدنيا- فيقول له: قد وهبت لك جميع حسناتي بإزاء ما كان منك إليّ في الدنيا، فيغفر اللّه له بها، و يقول لهذا المؤمن: فأنت بما ذا تدخل جنّتي؟ فيقول: برحمتك، يا ربّ! فيقول اللّه عزّ و جلّ: جدت عليه بجميع حسناتك، و نحن أولى بالجود منك و الكرم، قد تقبّلتها عن أخيك، و قد رددتها عليك و أضعفتها لك، فهو من أفاضل أهل الجنان . (894) 33- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال عليّ بن الحسين (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): [إنّ هؤلاء الكاتمين لصفة [محمّد] رسول اللّه و الجاحدين لحلية عليّ وليّ اللّه إذا أتاهم ملك الموت ليقبض أرواحهم أتاهم بأفظع المناظر، و أقبح الوجوه، فيحيط بهم عند نزع أرواحهم مردة شياطينهم، الذين كانوا يعرفونهم، ثمّ يقول ملك الموت: أبشري أيّتها النفس الخبيثة الكافرة بربّها بجحد نبوّة نبيّه، و إمامة عليّ وصيّه بلعنة من اللّه و غضبه، ثمّ يقول: ارفع رأسك و طرفك و انظر، [فينظر] فيري دون العرش محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) على سرير بين يدي عرش الرحمن، و يرى عليّا (عليه السلام) على كرسيّ 92 بين يديه، و سائر الأئمّة (عليهم السلام) على مراتبهم الشريفة بحضرته، ثمّ يرى الجنان قد فتحت أبوابها، و يرى القصور، و الدرجات و المنازل التي تقصر عنها أماني المتمنّين. فيقول له: لو كنت لأولئك مواليا كانت روحك يعرج بها إلى حضرتهم، و كان يكون مأواك في تلك الجنان، و كانت تكون منازلك فيها. و إن كنت على مخالفتهم فقد حرمت [على] حضرتهم و منعت مجاورتهم و تلك منازلك، و أولئك مجاوروك و مقاربوك، فانظر. فيرفع له عن حجب الهاوية فيراها بما فيها من بلاياها و دواهيها و عقاربها و حيّاتها و أفاعيها و ضروب عذابها و إنكالها. فيقال له: فتلك إذن منازلك، ثمّ تمثّل له شياطينه هؤلاء الذين كانوا يغوونه و يقبل منهم مقرّنين معه هناك في تلك الأصفاد و الأغلال، فيكون موته بأشدّ حسرة، و أعظم أسف . (895) 34- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): عجبا للعبد المؤمن من شيعة محمّد و عليّ (عليهما السلام) أن ينصر في الدنيا على أعدائه، فقد جمع له خير الدارين، و أنّ ما امتحن في الدنيا ذخر له في الآخرة ما [لا] يكون لمحنته في الدنيا قدر عند إضافتها إلى نعيم الآخرة. و كذلك عجبا للعبد المخالف لنا أهل البيت إن خذل في الدنيا و غلب بأيدي المؤمنين، فقد جمع له عذاب الدارين، و إن أمهل في الدنيا و أخّر عنه عذابها كان له في الآخرة من عجائب العذاب، و ضروب العقاب ما يودّ لو كان في الدنيا 93 مسلما و ما لا قدر لنعم الدنيا التي كانت له عند الإضافة إلى تلك البلايا. فلو أنّ أحسن الناس نعيما في الدنيا، و أطولهم فيها عمرا من مخالفينا، غمس يوم القيامة في النار غمسة ثمّ سئل: هل لقيت نعيما قطّ؟ لقال: لا، و لو أنّ أشدّ الناس عيشا في الدنيا و أعظمهم بلاء من موافقينا و شيعتنا غمس يوم القيامة في الجنّة غمسة ثمّ سئل: هل لقيت بؤسا [قطّ]؟ لقال: لا، فما ظنّكم بنعيم و بؤس هذه صفتهما، فذلك النعيم فاطلبوه، و ذلك العذاب فاتّقوه . (896) 35- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال عليّ بن الحسين (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ما من عبد و لا أمة زال عن ولايتنا، و خالف طريقتنا، و سمّى غيرنا بأسمائنا و أسماء خيار أهلنا الذي اختاره اللّه للقيام بدينه و دنياه، و لقّبه بألقابنا و هو لذلك يلقّبه معتقدا، لا يحمله على ذلك تقيّة خوف و لا تدبير مصلحة دين إلّا بعثه اللّه يوم القيامة. و من كان قد اتّخذه من دون اللّه وليّا، و حشر إليه الشياطين الذين كانوا يغوونه، فقال [له]: يا عبدي! أ ربّا معي، هؤلاء كنت تعبد، و إيّاهم كنت تطلب، فمنهم فاطلب ثواب ما كنت تعمل، لك معهم عقاب أجرائك. ثمّ يأمر اللّه تعالى أن يحشر الشيعة الموالون لمحمّد و عليّ و آلهما (عليهم السلام) ممّن كان في تقيّة لا يظهر ما يعتقده، و ممّن لم يكن عليه تقيّة و كان يظهر ما يعتقده، فيقول اللّه تعالى: انظروا حسنات شيعة محمّد و عليّ، فضاعفوها. قال: فيضاعفون حسناتهم أضعافا مضاعفة. ثمّ يقول اللّه تعالى: انظروا ذنوب شيعة محمّد و عليّ، فينظرون، فمنهم من قلّت 94 ذنوبه فكانت مغمورة في طاعاته، فهؤلاء السعداء مع الأولياء و الأصفياء، و منهم من كثرت ذنوبه و عظمت، فيقول اللّه تعالى: قدّموا الذين كانوا لا تقيّة عليهم من أولياء محمّد و عليّ فيقدّمون. فيقول اللّه تعالى: انظروا حسنات عبادي هؤلاء النصّاب الذين اتّخذوا الأنداد من دون محمّد و عليّ و من دون خلفائهم، فاجعلوها لهؤلاء المؤمنين، لما كان من اغتيابهم لهم بوقيعتهم فيهم، و قصدهم إلى أذاهم، فيفعلون ذلك. فتصير حسنات النواصب لشيعتنا الذين لم يكن عليهم تقيّة. ثمّ يقول: أنظروا إلى سيّئات شيعة محمّد و عليّ، فإن بقيت لهم على هؤلاء النصّاب بوقيعتهم فيهم زيادات، فاحملوا على أولئك النصّاب بقدرها من الذنوب التي لهؤلاء الشيعة، فيفعل ذلك. ثمّ يقول اللّه عزّ و جلّ: ائتوا بالشيعة المتّقين لخوف الأعداء فافعلوا في حسناتهم و سيّئاتهم، و حسنات هؤلاء النصّاب و سيّئاتهم ما فعلتم بالأوّلين. فيقول النواصب: يا ربّنا! هؤلاء كانوا معنا في مشاهدنا حاضرين، و بأقاويلنا قائلين، و لمذاهبنا معتقدين! فيقال: كلّا و اللّه! يا أيّها النصّاب! ما كانوا لمذاهبكم معتقدين، بل كانوا بقلوبهم لكم إلى اللّه مخالفين، و إن كانوا بأقوالكم قائلين، و بأعمالكم عاملين للتقيّة منكم، معاشر الكافرين! قد اعتددنا لهم بأقاويلهم و أفاعيلهم، اعتدادنا بأقاويل المطيعين و أفاعيل المحسنين، إذ كانوا بأمرنا عاملين. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فعند ذلك تعظم حسرات النصّاب إذا رأوا حسناتهم في موازين شيعتنا أهل البيت، و رأوا سيّئات شيعتنا على ظهور معاشر النصّاب. 95 و ذلك قوله عزّ و جلّ: كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ . (897) 36- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فضّلت على الخلق أجمعين، و شرّفت على جميع النبيّين، و اختصصت بالقرآن العظيم، و أكرمت بعليّ سيّد الوصيّين، و عظّمت بشيعته خير شيعة النبيّين و الوصيّين. و قيل لي: يا محمّد! قابل نعمائي عليك بالشكر الممتري للمزيد. فقلت: يا ربّي! و ما أفضل ما أشكرك به؟ فقال لي: يا محمّد! أفضل ذلك بثّك فضل أخيك عليّ، و بعثك سائر عبادي على تعظيمه، و تعظيم شيعته، و أمرك إيّاهم أن لا يتوادّوا إلّا فيّ، و لا يتباغضوا إلّا فيّ، و لا يوالوا و لا يعادوا إلّا فيّ، و أن ينصبوا الحرب لإبليس و عتاة مردته الداعين إلى مخالفتي، و أن يجعلوا جنّتهم منهم العداوة لأعداء محمّد و عليّ، و أن يجعلوا أفضل سلاحهم على إبليس و جنوده تفضيل محمّد على جميع النبيّين، و تفضيل عليّ على سائر أمّته أجمعين، و اعتقادهم بأنّه الصادق لا يكذب، و الحكيم لا يجهل، و المصيب لا يغافل. و الذي بمحبّته تثقل موازين المؤمنين، و بمخالفته تخفّ موازين الناصبين، فإذا هم فعلوا ذلك كان إبليس و جنوده المردة أخسأ المهزومين، و أضعف الضعيفين . 96 (898) 37- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عباد اللّه! اتّبعوا أخي و وصيّي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) بأمر اللّه، و لا تكونوا كالذين اتّخذوا أربابا من دون اللّه تقليدا لجهّال آبائهم، الكافرين باللّه. فإنّ المقلّد دينه ممّن لا يعلم دين اللّه يبوء بغضب من اللّه، و يكون من أسراء إبليس لعنه اللّه. و اعلموا! أنّ اللّه عزّ و جلّ جعل أخي عليّا أفضل زينة عترتي، فقال [اللّه]: من والاه و صافاه، و و الى أولياءه و عادى أعداءه جعلته [من] أفضل زينة جناني، و من أشرف أوليائي و خلصائي. و من أدمن محبّتنا أهل البيت فتح اللّه عزّ و جلّ له من الجنّة ثمانية أبوابها، و أباحه جميعها يدخل ممّا شاء منها، و كلّ أبواب الجنان تناديه: يا وليّ اللّه! أ لم تدخلني، أ لم تخصّني من بيننا . (899) 38- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): تعوّذوا باللّه من الشيطان الرجيم، فإنّ من تعوّذ باللّه منه أعاذه اللّه، [و تعوّذوا] من همزاته و نفخاته و نفثاته، أ تدرون ما هي؟ أمّا همزاته فما يلقيه في قلوبكم من بغضنا أهل البيت. قالوا: يا رسول اللّه! و كيف نبغضكم بعد ما عرفنا محلّكم من اللّه و منزلتكم؟! قال (صلى الله عليه و آله و سلم): بأن تبغضوا أولياءنا، و تحبّوا أعداءنا، فاستعيذوا باللّه من محبّة أعدائنا، و عداوة أوليائنا، فتعاذوا من بغضنا و عداوتنا، فإنّ من أحبّ أعداءنا 97 فقد عادانا، و نحن منه براء، و اللّه عزّ و جلّ منه بريء .
موسوعة الإمام العسكري — الإمام العسكري عليه السلام
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): [قال
الإمام (عليه السلام):] قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عباد اللّه! اتّقوا المحرّمات كلّها، و اعلموا! أنّ غيبتكم لأخيكم المؤمن من شيعة آل محمّد أعظم في التحريم من الميّتة ... . (900) 40- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال [رسول اللّه] (صلى الله عليه و آله و سلم): فكيف تجد قلبك لإخوانك المؤمنين الموافقين لك في محبّتهما، و عداوة أعدائهما؟ قال: أراهم كنفسي يؤلمني ما يؤلمهم، و يسرّني ما يسرّهم، و يهمّني ما يهمّهم. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فأنت إذا وليّ اللّه لا تبال، فإنّك قد توفّر عليك ما ذكرت، ما أعلم أحدا من خلق اللّه له ربح كربحك إلّا من كان على مثل حالك، فليكن لك ما أنت عليه بدلا من الأموال فافرح به، و بدلا من الولد و العيال فأبشر به، فإنّك من أغنى الأغنياء، و أحي أوقاتك بالصلاة على محمّد و عليّ و آلهما الطيّبين، ففرح الرجل و جعل يقولها. فقال ابن أبي هقاقم- و قد رآه-: يا فلان! قد زوّدك محمّد الجوع و العطش، و قال له أبو الشرور: قد زوّدك محمّد الأماني الباطلة ما أكثر ما تقولها، و لا يجيء بطائل. 98 و قد حضر الرجل السوق في غدوّ، و قد حضرا فقال أحدهما للآخر: هلّم نطنز بهذا المغرور بمحمّد، فقال له أبو الشرور: يا عبد اللّه! قد اتّجر الناس اليوم و ربحوا، فما ذا كانت تجارتك؟ قال الرجل: كنت من النظّارة و لم يكن لي ما أشتري، و لا ما أبيع، لكنّي كنت أصلّي على محمّد و عليّ و آلهما الطيّبين. فقال له أبو الشرور: قد ربحت الخيبة ، و اكتسبت الخرقة و الحرمان، و سبقك إلى منزلك مائدة الجوع عليها طعام من التمنّي، و إدام و ألوان من أطعمة الخيبة التي تتّخذها لك الملائكة الذين ينزلون على أصحاب محمّد بالخيبة و الجوع و العطش و العري و الذلّة. فقال الرجل: كلّا و اللّه! إنّ محمّدا رسول اللّه، و إنّ من آمن به فمن المحقّين السعيدين، سيوفّر اللّه من آمن به بما يشاء من سعة يكون بها متفضّلا، و من ضيق يكون به عادلا و محسنا للنظر له، و أفضلهم عنده أحسنهم تسليما لحكمه، فلم يلبث الرجل أن مرّ بهم رجل بيده سمكة قد أراحت، فقال أبو الشرور، و هو يطنز: بع هذه السمكة من صاحبنا هذا، يعني صاحب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقال الرجل اشترها منّي فقد بارت عليّ، فقال: لا شيء معي. فقال أبو الشرور: اشترها ليؤدّي ثمنها رسول اللّه- و هو يطنز- أ لست تثق برسول اللّه؟ أ فلا تبسط إليه في هذا القدر؟ فقال: نعم بعنيها. فقال الرجل: قد بعتكها بدانق ، فاشتراها بدانقين على أن يحيله على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فبعث به إلى رسول اللّه، فأمر رسول اللّه أسامة 99 [ابن حارث] أن يعطيه درهما. فجاء الرجل فرحا مسرورا بالدرهم، و قال: إنّه أضعاف قيمة سمكتي، فشقّها الرجل بين أيديهم فوجد فيها جوهرتين نفيستين قوّمتا مائتي ألف درهم، فعظم ذلك على أبي الشرور و ابن أبي هقاقم، فسعيا إلى الرجل صاحب السمكة، و قالا له: أ لم تر الجوهرتين، إنّما بعته السمكة لا ما في جوفها، فخذهما منه، فتناولهما الرجل من المشتري، فأخذ إحداهما بيمينه و الأخرى بشماله، فحوّلهما اللّه عقربين لدغتاه، فتأوّه و صاح و رمى بهما من يده، فقال: ما أعجب سحر محمّد؟! ثمّ أعاد الرجل نظره إلى بطن السمكة، فإذا جوهرتان أخريان، فأخذهما، فقالا لصاحب السمكة: خذهما فهما لك أيضا، فذهب يأخذهما، فتحوّلتا حيّتين، و وثبتا عليه و لسعتاه، فصاح و تأوّه و صرخ، و قال للرجل خذهما عنّي، فقال الرجل: هما لك على ما زعمت، و أنت أولى بهما. فقال الرجل: خذ و اللّه! جعلتهما لك، فتناولهما الرجل عنه، و خلّصه منهما، فإذا هما قد عادتا جوهرتين، و تناول العقربين، فعادتا جوهرتين. فقال أبو الشرور لأبي الدواهي: أ ما ترى سحر محمّد و مهارته فيه و حذقه به، فقال الرجل المسلم: يا عدوّ اللّه! أو سحرا ترى هذا؟! لئن كان هذا سحرا فالجنّة و النار أيضا تكونان بالسحر! فالويل لكما في مقامكما على تكذيب من يسحر بمثل الجنّة و النار، فانصرف الرجل صاحب السمكة، و ترك الجواهر الأربعة على الرجل. فقال الرجل لأبي الشرور و لأبي الدواهي: يا ويلكما! آمنا بمن آثر نعم اللّه عليه (صلى الله عليه و آله و سلم) و على من يؤمن به، أ ما رأيتما العجب العجيب؟! ثمّ جاء بالجواهر الأربعة إلى رسول اللّه، و جاء تجّار غرباء يتّجرون فاشتروها منه بأربعمائة ألف درهم. 100 فقال الرجل: ما كان أعظم بركة سوقي اليوم، يا رسول اللّه؟! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): هذا بتوقيرك محمّدا رسول اللّه، و تعظيمك عليّا (عليه السلام) أخا رسول اللّه و وصيّه، و هو عاجل ثواب اللّه لك، و ربح عملك الذي عملته، أ فتحبّ أن أدلّك على تجارة تشغل هذه الأموال بها؟ قال: بلى، يا رسول اللّه! قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): اجعلها بذور أشجار الجنان. قال: كيف أجعلها؟ قال: واس منها إخوانك المؤمنين [المساوين لك في موالاتنا و موالاة أوليائنا و معاداة أعدائنا، و آثر بها إخوانك المؤمنين] المقصّرين عنك في رتب محبّتنا، و ساو فيها إخوانك المؤمنين الفاضلين عليك في المعرفة بحقّنا، و التوقير لشأننا، و التعظيم لأمرنا، و معاداة أعدائنا، ليكون ذلك بذور شجر الجنان. أما إنّ كلّ حبّة تنفقها على إخوانك المؤمنين الذين ذكرتهم لتربى لك حتّى تجعل كألف ضعف أبي قبيس، و ألف ضعف أحد، و ثور، و ثبير . فتبنى لك بها قصور في الجنّة شرفها الياقوت، و قصور الجنّة شرفها الزبرجد. فقام رجل و قال: يا رسول اللّه! فأنا فقير، و لم أجد مثل ما وجد هذا فما لي؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لك منّا الحبّ الخالص، و الشفاعة النافعة المبلّغة أرفع درجات العلى بموالاتك لنا أهل البيت و معاداتك أعداءنا . (901) 41- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): من أعان ضعيفا في بدنه على أمره أعانه اللّه تعالى 101 على أمره، و نصب له في القيامة ملائكة يعينونه على قطع تلك الأهوال، و عبور تلك الخنادق من النار حتّى لا يصيبه من دخانها و لا سمومها، و على عبور الصراط إلى الجنّة سالما آمنا. و من أعان ضعيفا في فهمه و معرفته فلقّنه حجّته على خصم ألدّ طلّاب الباطل، أعانه اللّه عند سكرات الموت على شهادة أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، و الإقرار بما يتّصل بهما، و الاعتقاد له حتّى يكون خروجه من الدنيا و رجوعه إلى اللّه تعالى على أفضل أعماله و أجلّ أحواله، فيجيء عند ذلك بروح و ريحان و يبشّر بأن ربّه عنه راض، و عليه غير غضبان. و من أعان مشغولا بمصالح دنياه أو دينه على أمره حتّى لا ينتشر عليه أعانه اللّه تعالى يوم تزاحم الأشغال و انتشار الأحوال يوم قيامه بين يدي الملك الجبّار، فيميّزه من الأشرار و يجعله من الأخيار . (902) 42- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ للّه عزّ و جلّ خيارا من كلّ ما خلقه، فله من البقاع خيار، و له من الليالي [خيار]، و [من] الأيّام خيار، و له من الشهور خيار، و له من عباده خيار، و له من خيارهم خيار. فأمّا خياره من البقاع، فمكّة و المدينة و بيت المقدس، و إنّ صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلّا المسجد الحرام و المسجد الأقصى- يعني 102 مكّة و بيت المقدس-. و أمّا خياره من الليالي، فليالي الجمع، و ليلة النصف من شعبان، و ليلة القدر، و ليلتا العيد. و أمّا خياره من الأيّام، فأيّام الجمع، و الأعياد. و أمّا خياره من الشهور، فرجب، و شعبان، و شهر رمضان. و أمّا خياره من عباده، فولد آدم، و خياره من ولد آدم من اختارهم على علم منه بهم. فإنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا اختار خلقه، اختار ولد آدم، ثمّ اختار من ولد آدم العرب، ثمّ اختار من العرب مضر، ثمّ اختار من مضر قريشا، ثمّ اختار من قريش هاشما، ثمّ اختارني من هاشم، و أهل بيتي كذلك، فمن أحبّ العرب فيحبّنى و أحبّهم، و من أبغض العرب فيبغضي و أبغضهم. و إنّ اللّه عزّ و جلّ اختار من الشهور شهر رجب و شعبان و شهر رمضان، فشعبان أفضل الشهور إلّا ممّا كان من شهر رمضان، فإنّه أفضل منه، و إنّ اللّه عزّ و جلّ ينزّل في شهر رمضان من الرحمة ألف ضعف ما ينزّل في سائر الشهور، و يحشر شهر رمضان في أحسن صورة، فيقيمه [في القيامة] على قلّة لا يخفى، و هو عليها على أحد ممّن ضمّه ذلك المحشر، ثمّ يأمر فيخلع عليه من كسوة الجنّة و خلعها و أنواع سندسها و ثيابها، حتّى يصير في العظم بحيث لا ينفذه بصر، و لا يعي علم مقداره أذن، و لا يفهم كنهه قلب. ثمّ يقال للمنادي من بطنان العرش: ناد! فينادي: يا معشر الخلائق! أ ما تعرفون هذا؟ فيجيب الخلائق يقولون: بلى، لبّيك داعي ربّنا و سعديك، أما إنّنا لا نعرفه. ثمّ يقول منادي ربّنا: هذا شهر رمضان، ما أكثر من سعد به منكم، و ما أكثر 103 من شقي به، ألا فليأته كلّ مؤمن له معظّم بطاعة اللّه فيه، فليأخذ حظّه من هذه الخلع، فتقاسموها بينكم على قدر طاعتكم للّه و جدّكم. قال: فيأتيه المؤمنون الذين كانوا للّه [فيه] مطيعين، فيأخذون من تلك الخلع على مقادير طاعتهم [التي كانت] في الدنيا. فمنهم من يأخذ ألف خلعة، و منهم من يأخذ عشرة آلاف، و منهم من يأخذ أكثر من ذلك و أقلّ، فيشرّفهم اللّه تعالى بكراماته. ألا و إنّ أقواما يتعاطون تناول تلك الخلع يقولون في أنفسهم: لقد كنّا باللّه مؤمنين، و له موحّدين، و بفضل هذا الشهر معترفين، فيأخذونها و يلبسونها، فتنقلب على أبدانهم مقطّعات نيران، و سرابيل قطران، يخرج على كلّ واحد منهم بعدد كلّ سلكة من تلك الثياب أفعى و عقرب و حيّة. و قد تناولوا من تلك الثياب أعدادا مختلفة على قدر إجرامهم، كلّ من كان جرمه أعظم فعدد ثيابه أكثر، فمنهم الاخذ ألف ثوب، و منهم الاخذ عشرة آلاف ثوب، و منهم من يأخذ أكثر من ذلك. و إنّها لأثقل على أبدانهم من الجبال الرواسي على الضعيف من الرجال، و لو لا ما حكم اللّه تعالى بأنّهم لا يموتون لماتوا من أقلّ قليل ذلك الثقل و العذاب، ثمّ يخرج عليهم بعدد كلّ سلكة في تلك السرابيل من القطران و مقطّعات النيران أفعى و حيّة و عقرب و أسد و نمر و كلب من سباع النار، فهذه تنهشه، و هذه تلدغه، و هذا يفترسه، و هذا يمزّقه، و هذا يقطّعه. يقولون: يا ويلنا! ما لنا تحوّلت علينا [هذه الثياب، و قد كانت من سندس و استبرق و أنواع خيار ثياب الجنّة، تحوّلت علينا] مقطّعات النيران و سرابيل قطران، و هي على هؤلاء ثياب فاخرة ملذّذة منعّمة؟! فيقال لهم: ذلك بما كانوا يطيعون في شهر رمضان، و كنتم تعصون، و كانوا 104 يعفّون و كنتم تزنون، و كانوا يخشون ربّهم و كنتم تجترءون، و كانوا يتّقون السرقة و كنتم تسرقون، و كانوا يتّقون ظلم عباد اللّه، و كنتم تظلمون. فتلك نتائج أفعالهم الحسنة، و هذه نتائج أفعالكم القبيحة. فهم في الجنّة خالدون، لا يشيبون فيها، و لا يهرمون، و لا يحوّلون عنها، و لا يخرجون، و لا يقلقون فيها، و لا يغتمّون، بل هم فيها مسرورون فرحون مبتهجون آمنون مطمئنّون، لا خوف عليهم و لا هم يحزنون. و أنتم في النار خالدون، تعذّبون فيها و تهانون، و من نيرانها إلى زمهريرها تنقلون، و في حميمها تغمسون، و من زقّومها تطعمون، و بمقامعها تقمعون، و بضروب عذابها تعاقبون، لا أحياء أنتم فيها، و لا تموتون أبد الآبدين، إلّا من لحقته منكم رحمة ربّ العالمين، فخرج منها بشفاعة محمّد أفضل النبيّين بعد [مسّ] العذاب الأليم و النكال الشديد. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عباد اللّه! فكم من سعيد بشهر شعبان في ذلك، و كم من شقيّ هناك، أ لا أنبّئكم بمثل محمّد و آله؟ قالوا: بلى، يا رسول اللّه! قال: محمّد في عباد اللّه كشهر رمضان في الشهور، و آل محمّد في عباد اللّه كشهر شعبان في الشهور. و عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) في آل محمّد كأفضل أيّام شعبان و لياليه، و هو ليلة النصف و يومه، و سائر المؤمنين في آل محمّد كشهر رجب في شهر شعبان هم درجات عند اللّه و طبقات، فأجدّهم في طاعة اللّه أقربهم شبها بآل محمّد. أ لا أنبّئكم برجل قد جعله اللّه من آل محمّد كأوائل أيّام [رجب من أوائل أيّام] شعبان؟ قالوا: بلى، يا رسول اللّه! قال: هو الذي يهتزّ عرش الرحمن بموته، و تستبشر الملائكة في السماوات 105 بقدومه، و تخدمه في عرصات القيامة، و في الجنان من الملائكة ألف ضعف عدد أهل الدنيا من أوّل الدهر إلى آخره، و لا يميته اللّه في هذه الدنيا حتّى يشفيه من أعدائه، و يشفي صاحبا له و أخا في اللّه مساعدا له على تعظيم آل محمّد، قالوا: و من ذلك يا رسول اللّه!؟ قال: ها هو مقبل عليكم غضبانا، فاسألوه عن غضبه، فإنّ غضبه لآل محمّد خصوصا لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام). فطمح القوم بأعناقهم، و شخصوا بأبصارهم و نظروا، فإذا أوّل طالع عليهم سعد بن معاذ و هو غضبان، فأقبل. فلمّا رآه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال له: يا سعد! أما إنّ غضب اللّه لم اغضبت له أشدّ، فما الذي أغضبك؟ حدّثنا بما قلته في غضبك حتّى أحدّثك بما قالته الملائكة لمن قلت له، و ما قالته الملائكة للّه عزّ و جلّ و أجابها اللّه عزّ و جلّ به. فقال سعد: بأبي أنت و أمّي يا رسول اللّه! بينا أنا جالس على بابي و بحضرتي نفر من أصحابي الأنصار، إذ تمادى رجلان من الأنصار فرأيت في أحدهما النفاق فكرهت أن أدخل بينهما مخافة أن يزداد شرّهما، و أردت أن يتكافّا فلم يتكافّا، و تماديا في شرّهما حتّى تواثبا إلى أن جرّد كلّ واحد منهما السيف على صاحبه، فأخذ هذا سيفه و ترسه، و هذا سيفه و ترسه، و تجاولا و تضاربا، فجعل كلّ واحد منهما يتّقي سيف صاحبه بدرقته ، و كرهت أن أدخل بينهما مخافة أن تمتدّ إليّ يد خاطئة. 106 و قلت في نفسي: اللّهمّ! انصر أحبّهما لنبيّك و آله، فما زالا يتجاولان، و لا يتمكّن واحد منهما من الآخر، إلى أن طلع علينا أخوك عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، فصحت بهما هذا عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لم توقّراه؟! فوقّراه، و تكافّا، فهذا أخو رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و أفضل آل محمّد، فأمّا أحدهما فإنّه لمّا سمع مقالتي رمى بسيفه و درقته من يده، و أمّا الآخر فلم يحفل بذلك، فتمكّن لاستسلام صاحبه منه، فقطّعه بسيفه قطعا أصابه بنيّف و عشرين ضربة، فغضبت عليه، و وجدت من ذلك وجدا شديدا، و قلت له: يا عبد اللّه! بئس العبد أنت، لم توقّر أخا رسول اللّه، و أثخنت بالجراح من وقّره، و قد كان ذلك قرنا كفيّا بدفاعك عن نفسه، و ما تمكّنت منه إلّا بتوقيره أخا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم). فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): فما الذي صنع عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) لمّا كفّ صاحبك، و تعدّى عليه الآخر؟ قال: جعل ينظر إليه و هو يضربه بسيفه، لا يقول شيئا و لا يمنعه، ثمّ جاز و تركهما، و إنّ ذلك المضروب لعلّه بآخر رمق. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا سعد! لعلّك تقدّر أنّ ذلك الباغي المتعدّي ظافر، إنّه ما ظفر يغنم من ظفر بظلم؟! إنّ المظلوم يأخذ من دين الظالم أكثر ممّا يأخذ الظالم من دنياه، إنّه لا يحصد من المرّ حلو، و لا من الحلو مرّ. و أمّا غضبك لذلك المظلوم على ذلك الظالم، فغضب اللّه له أشدّ من ذلك و غضب الملائكة [على ذلك الظالم لذلك المظلوم]. و أمّا كفّ عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) عن نصرة ذلك المظلوم، فإنّ ذلك لما أراد اللّه من إظهار آيات محمّد في ذلك، لا أحدّثك يا سعد بما قال اللّه و قالته الملائكة لذلك الظالم و لذلك المظلوم و لك، حتّى تأتيني بالرجل المثخن، فترى فيه 107 آيات اللّه المصدّقة لمحمّد. فقال سعد: يا رسول اللّه! و كيف آتي به و عنقه متعلّقة بجلدة رقيقة، و يده و رجله كذلك، و إن حرّكته تميّزت أعضاؤه و تفاصلت. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا سعد! إنّ الذي ينشىء السحاب، و لا شيء منه حتّى يتكاثف و يطبق أكناف السماء و آفاتها ثمّ يلاشيه من بعد حتّى يضمحلّ، فلا ترى منه شيئا لقادر- إن تميّزت تلك الأعضاء- أن يؤلّفها من بعد، كما ألّفها إذ لم تكن شيئا. قال سعد: صدقت يا رسول اللّه! و ذهب، فجاء بالرجل، و وضعه بين يدي رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو بآخر رمق. فلمّا وضعه انفصل رأسه عن كتفه، و يده عن زنده، و فخذه عن أصله. فوضع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) الرأس في موضعه، و اليد و الرجل في موضعهما، ثمّ تفل على الرجل، و مسح يده على مواضع جراحاته، و قال: «اللّهمّ أنت المحيي للأموات، و المميت للأحياء، و القادر على ما تشاء، و عبدك هذا مثخن بهذه الجراحات لتوقيره لأخي رسول اللّه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، اللّهمّ فأنزل عليه شفاء من شفائك، و دواء من دوائك، و عافية من عافيتك». قال: فو الذي بعثه بالحقّ نبيّا! إنّه لمّا قال ذلك، التأمت الأعضاء، و التصقت و تراجعت الدماء إلى عروقها، و قام قائما سويّا سالما صحيحا، لا بليّة به و لا يظهر على بدنه أثر جراحة، كأنّه ما أصيب بشيء البتّة. 108 ثمّ أقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) على سعد و أصحابه فقال: الآن بعد ظهور آيات اللّه لتصديق محمّد أحدّثكم بما قالت الملائكة لك، و لصاحبك هذا، و لذلك الظالم، إنّك لمّا قلت لهذا العبد: أحسنت في كفّك عن القتال، توقيرا لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أخي محمّد رسول اللّه، كما قلت لصاحبه: أسأت في تعدّيك على من كفّ عنك، توقيرا لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و قد كان لك قرنا كفيّا كفوا. قالت الملائكة كلّها له: بئس ما صنعت يا [عدوّ اللّه]، و بئس العبد أنت في تعدّيك على من كفّ عن دفعك عن نفسه، توقيرا لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) أخي محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم). [و قال اللّه عزّ و جلّ: بئس العبد أنت يا عبدي في تعدّيك على من كفّ عنك، توقيرا لأخي محمّد]. ثمّ لعنه اللّه من فوق العرش، و صلّى عليك يا سعد في حثّك على توقير عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و على صاحبك في قبوله منك. ثمّ قالت الملائكة: يا ربّنا! لو أذنت [لنا] لانتقمنا من هذا المتعدّي؟ فقال اللّه عزّ و جلّ: يا عبادي! سوف أمكّن سعد بن معاذ من الانتقام منهم، و أشفي غيظه حتّى ينال فيهم بغيته، و أمكّن هذا المظلوم من ذلك الظالم و ذويه بما هو أحبّ إليهما من إهلاككم لهذا المتعدّي، إنّي أعلم ما لا تعلمون. فقالت الملائكة: يا ربّنا! أ فتأذن لنا أن ننزل إلى هذا المثخن بالجراحات من شراب الجنّة و ريحانها، لينزل به عليه الشفاء؟ فقال اللّه عزّ و جلّ: سوف أجعل له أفضل من ذلك ريق محمّد- ينفث منه عليه- و مسح يده عليه، فيأتيه الشفاء و العافية. يا عبادي! إنّي أنا المالك للشفاء، و الإحياء، و الإماتة، و الإغناء، و الإفقار، و الإسقام، و الصحّة، و الرفع، و الخفض، و الإهانة، و الإعزاز، دونكم و دون سائر 109 خلقي، قالت الملائكة: كذلك أنت يا ربّنا! فقال سعد: يا رسول اللّه! قد أصيب أكحلي هذا، و ربّما ينفجر منه الدم، و أخاف الموت و الضعف قبل أن أشفي من بني قريظة. [فمسح عليه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يده، فبرأ إلى أن شفا اللّه صدره من بني قريظة]، فقتلوا عن آخرهم، و غنمت أموالهم و سبيت ذراريهم، ثمّ انفجر كلمه و مات، و صار إلى رضوان اللّه عزّ و جلّ. فلمّا رقأ دمه [من جراحاته] قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا سعد! سوف يشفي اللّه [بك] غيظ المؤمنين، و يزداد لك غيظ المنافقين، فلم يلبث [إلّا] يسيرا حتّى كان حكّم سعد في بني قريظة لمّا نزلوا [بحكمه]، و هم تسع مائة و خمسون رجلا جلدا، شبابا ضرّابين بالسيف، فقال: أرضيتم بحكمي؟ قالوا: بلى، و هم يتوهّمون أنّه يستبقيهم لما كان بينه و بينهم من الرحم و الرضاع و الصهر، قال: فضعوا أسلحتكم، فوضعوها، قال: اعتزلوا، فاعتزلوا، قال: سلّموا حصنكم، فسلّموه. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): احكم فيهم يا سعد! فقال: قد حكمت فيهم بأن يقتل رجالهم، و تسبى نساؤهم و ذراريهم، و تغنم أموالهم، فلمّا سلّ المسلمون سيوفهم، ليضعوا عليهم، قال سعد: لا أريد هكذا يا رسول اللّه! قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): كيف تريد اقترح و لا تقترح العذاب، فإنّ اللّه كتب الإحسان في كلّ شيء حتّى في القتل. قال: يا رسول اللّه لا أقترح العذاب إلّا على واحد، و هو الذي تعدّى على 110 صاحبنا هذا لمّا كفّ عنه توقيرا لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و ردّه نفاقه إلى إخوانه من اليهود، فهو منهم يؤتى واحد واحد منهم نضربه بسيف مرهف إلّا ذاك، فإنّه يعذّب به. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا سعد! ألا، من اقترح على عدوّه عذابا باطلا فقد اقترحت أنت عذابا حقّا. فقال سعد للفتى: قم بسيفك هذا إلى صاحبك المتعدّي عليك، فاقتصّ منه. قال: تقدّم إليه، فما زال يضربه بسيفه حتّى ضربه بنيّف و عشرين ضربة، كما كان ضربه [هو] فقال: هذا عدد ما ضربني به فقد كفاني، ثمّ ضرب عنقه، ثمّ جعل الفتى يضرب أعناق قوم يبعدون عنه، و يترك قوما يقرّبون في المسافة منه ثمّ كفّ و قال: دونكم. فقال سعد: فأعطني السيف، فأعطاه فلم يميّز أحدا، و قتل كلّ من كان أقرب إليه حتّى قتل عددا منهم، ثمّ ملّ و رمى بالسيف، و قال: دونكم. فما زال القوم يقتلونهم، حتّى قتلوا عن آخرهم. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) للفتى: ما بالك قتلت من بعد في المسافة عنك، و تركت من قرب؟! فقال: يا رسول اللّه! كنت أتنكّب عن القرابات و آخذ في الأجنبي. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و قد كان فيهم من كان ليس لك بقرابة و تركته؟ قال: يا رسول اللّه! كان لهم عليّ أياد في الجاهليّة، فكرهت أن أتولّى قتلهم، و لهم عليّ تلك الأيادي. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أما إنّك لو شفعت إلينا فيهم لشفّعناك. فقال: يا رسول اللّه! ما كنت لأدرأ عذاب اللّه عن أعدائه، و إن كنت أكره أن أتولّاه بنفسي. 111 ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لسعد: و أنت فما بالك لم تميّز أحدا؟ قال: يا رسول اللّه! عاديتهم في اللّه و أبغضتهم في اللّه، فلا أريد مراقبة غيرك و غير محبّيك. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا سعد! أنت من الذين لا تأخذهم في اللّه لومة لائم، فلمّا فرغ من آخرهم انفجر كلمه و مات. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): هذا وليّ من أولياء اللّه حقّا، اهتزّ عرش الرحمن لموته، و لمنزله في الجنّة أفضل من الدنيا و ما فيها إلى سائر ما يكرم به فيها، حباه اللّه ما حباه . (903) 43- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال الحسن بن عليّ (عليهما السلام): قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ الأنبياء أنّ ما فضّلهم اللّه تعالى على خلقه أجمعين لشدّة مداراتهم لأعداء دين اللّه و حسن تقيّتهم لأجل إخوانهم في اللّه .
موسوعة الإمام العسكري — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الشيخ الصدوق (رحمه الله): ... أبو يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد، و أبو الحسن عليّ بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن بن عليّ بن محمّد (عليهم السلام) ...، قال: فلمّا بعث اللّه محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم) و أظهره بمكّة، ثمّ سيّره منها إلى المدينة، و أظهره بها، ثمّ أنزل إليه الكتاب، و جعل افتتاح سورته الكبرى ب الم يعني؛ الم. ذلِكَ الْكِتابُ و هو ذلك الكتاب الذي أخبرت أنبيائي السالفين أنّي سأنزله عليك يا محمّد! لا رَيْبَ فِيهِ ... 245 فجاء إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) منهم جماعة، فولّى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عليّا (عليه السلام)، فخاطبهم، فقال
قائلهم: إن كان ما يقول محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) حقّا، لقد علمناكم قدر ملك أمّته، هو إحدى و سبعون سنة: الألف واحد، و اللام ثلاثون، و الميم أربعون. فقال عليّ (عليه السلام): فما تصنعون ب المص، و قد أنزل عليه؟ قالوا: هذه إحدى و ستّون و مائة سنة. قال: فما ذا تصنعون ب الر، و قد أنزلت عليه؟ فقالوا: هذه أكثر، هذه مائتان و إحدى و ثلاثون سنة. فقال عليّ (عليه السلام): فما تصنعون بما أنزل عليه المر؟ قالوا: هذه مائتان و إحدى و سبعون سنة. فقال عليّ (عليه السلام): فواحدة من هذه له أو جميعها له؟ فاختلط كلامهم، فبعضهم قال له: واحدة منها، و بعضهم قال: بل يجمع له كلّها و ذلك سبعمائة و أربع و ثلاثون سنة، ثمّ يرجع الملك إلينا يعني إلى اليهود. فقال عليّ (عليه السلام): أ كتاب من كتب اللّه نطق بهذا، أم آراؤكم دلّتكم عليه؟ قال بعضهم: كتاب اللّه نطق به، و قال آخرون منهم: بل آراؤنا دلّت عليه. فقال عليّ (عليه السلام): فأتوا بالكتاب من عند اللّه ينطق بما تقولون! فعجزوا عن إيراد ذلك، و قال للآخرين: فدلّونا على صواب هذا الرأي. فقال: صواب رأينا دليله أنّ هذا حساب الجمل. فقال عليّ (عليه السلام): كيف دلّ على ما تقولون، و ليس في هذه الحروف إلّا ما اقترحتم بلا بيان؟! أ رأيتم إن قيل لكم: إنّ هذه الحروف ليست دالّة على هذه المدّة لملك أمّة محمّد، و لكنّها دالّة على أنّ كلّ واحد منكم قد لعن بعدد هذا الحساب، أو أنّ عدد ذلك لكلّ واحد منكم و منّا بعدد هذا الحساب دراهم أو دنانير، أو أنّ لعليّ على 246 كلّ واحد منكم دين عدد ماله مثل عدد هذا الحساب؟ قالوا: يا أبا الحسن! ليس شيء ممّا ذكرته منصوصا عليه في الم و المص و الر و المر. فقال عليّ (عليه السلام): و لا شيء ممّا ذكرتموه منصوص عليه في الم و المص و الر و المر فإن بطل قولنا لما قلنا بطل قولك لما قلت. فقال خطيبهم و منطيقهم: لا تفرح يا عليّ! بأن عجزنا عن إقامة حجّة فيما تقولهنّ على دعوانا، فأيّ حجة لك في دعواك إلّا أن تجعل عجزنا حجّتك، فإذا ما لنا حجّة فيما نقول، و لا لكم حجّة فيما تقولون. قال عليّ (عليه السلام): لا سواء، إنّ لنا حجّة، هي المعجزة الباهرة، ثمّ نادى جمال اليهود: يا أيّتها الجمال! أشهدي لمحمّد و لوصيّه. فتبادر الجمال: صدقت، صدقت، يا وصيّ محمّد! و كذب هؤلاء اليهود. فقال عليّ (عليه السلام): هؤلاء جنس من الشهود، يا ثياب اليهود! التي عليهم، أشهدي لمحمّد و لوصيّه. فنطقت ثيابهم كلّها: صدقت، صدقت، يا عليّ! نشهد أنّ محمّد رسول اللّه حقّا، و أنّك يا عليّ! وصيّه حقّا، لم يثبت محمّدا قدما في مكرمة إلّا وطأت على موضع قدمه بمثل مكرمته، و أنتما شقيقان من أشراق أنوار اللّه، فميّزتما اثنين، و أنتما في الفضائل شريكان إلّا أنّه لا نبيّ بعد محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) ... . (943) 47- الشيخ المفيد (رحمه الله): و من كلامه [أي الإمام عليّ 247 أمير المؤمنين] (عليه السلام) حين قتل طلحة و انفضّ أهل البصرة: بنا تسنّمتم الشرف، و بنا انفجرتم عن السرار، و بنا اهتديتم في الظلماء. وقر سمع لم يفقه الواعية، كيف يراعي النبأة من أصمته الصيحة، ربط جنان لم يفارقه الخفقان، ما زلت أتوقّع بكم عواقب الغدر، و أتوسّمكم بحلية المغترّين، سترني عنكم جلباب الدين، و بصّرنيكم صدق النيّة، أقمت لكم الحقّ حيث تعرفون و لا دليل، و تحتفرون و لا تمتهون، اليوم أنطق لكم العجماء ذات البيان، غرب فهم امرئ تخلّف عنّي ما شككت في الحقّ منذ أريته. كان بنوا يعقوب على المحجّة العظمى حتّى عقّوا أباهم، و باعوا أخاهم، و بعد الإقرار كان توبتهم، و باستغفار أبيهم و أخيهم غفر لهم . (944) 48- السيّد الشريف الرضيّ (رحمه الله): و بهذا الإسناد [و هو هذا: حدّثني أبو محمّد هارون بن موسى، قال: حدّثني أبو الحسن محمّد بن أحمد بن عبيد اللّه ابن أحمد بن عيسى بن المنصور، قال: حدّثني أبو موسى عيسى بن أحمد بن عيسى بن المنصور]، عن أبي محمّد (عليه السلام) مرفوعا إلى الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، قال: حدّثني أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: دعاني رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و دعا الناس في مرضه، فقال: من يقضي عنّي ديني و عداتي، و يخلفني في أهلي و أمّتي من بعدي؟ فكفّ الناس عنه، و انتدبت له، فضمنت ذلك، فدعا لي بناقته الغضباء، 248 و بفرسه المرتجز، و ببغلته، و حماره، و سيفه، و ذي الفقار، و بدرعه ذات الفضول، و جميع ما كان يحتاج إليه في الحرب. ففقد عصابة كان يشدّ بها بطنه في الحرب، فأمرهم أن يطلبوها و دفع ذلك إليّ، ثمّ قال: يا عليّ! اقبضه في حياتي لئلّا ينازعك فيه أحد بعدي، ثمّ أمرني فحوّلته إلى منزلي . (945) 49- أبو منصور الطبرسيّ (رحمه الله): و بهذا الإسناد عن أبي محمّد الحسن العسكريّ (عليه السلام) قال: قال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): من كان من شيعتنا عالما بشريعتنا، فأخرج ضعفاء شيعتنا من ظلمة جهلهم إلى نور العلم الذي حبوناه به، جاء يوم القيامة و على رأسه تاج من نور يضيء أهل جميع العرصات، و حلّة لا يقوّم لأقلّ سلك منها الدنيا بحذافيرها . ثمّ ينادي مناد: يا عباد اللّه! هذا عالم من تلامذة بعض علماء آل محمّد، ألا فمن أخرجه في الدنيا من حيرة جهله، فليتشبّث بنوره ليخرجه من حيرة ظلمة هذه العرصات إلى نزهة الجنان. فيخرج كلّ من كان علّمه في الدنيا خيرا، أو فتح عن قلبه من الجهل قفلا، أو أوضح له عن شبهة . 249 (946) 50- أبو منصور الطبرسيّ (رحمه الله): و قال أبو محمّد الحسن بن عليّ العسكريّ (عليهما السلام): قال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): من قوّى مسكينا في دينه، ضعيفا في معرفته على ناصب مخالف، فأفحمه، لقّنه اللّه تعالى يوم يدلى في قبره أن يقول: اللّه ربّي، و محمّد نبيّي، و عليّ وليّي، و الكعبة قبلتي، و القرآن بهجتي و عدّتي، و المؤمنون إخواني. فيقول اللّه: أدليت بالحجّة، فوجبت لك أعالي درجات الجنّة، فعند ذلك يتحوّل عليه قبره أنزه رياض الجنّة .
موسوعة الإمام العسكري — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال
الإمام (عليه السلام): قال اللّه تعالى: وَ قالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ ... و قال الحسن بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام): إنّما أنزلت الآية لأنّ قوما من 294 اليهود و قوما من النصارى جاءوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقالوا: يا محمّد! اقض بيننا، فقال (صلى الله عليه و آله و سلم): قصّوا عليّ قصّتكم؟ فقالت اليهود: نحن المؤمنون بالإله الواحد الحكيم و أوليائه، و ليست النصارى على شيء من الدين و الحقّ. و قالت النصارى: بل نحن المؤمنون بالإله الواحد الحكيم و أوليائه، و ليست هؤلاء اليهود على شيء من الحقّ و الدين. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): كلّكم مخطئون مبطلون فاسقون عن دين اللّه و أمره. فقالت اليهود: كيف نكون كافرين، و فينا كتاب اللّه التوراة نقرأه؟! و قالت النصارى: كيف نكون كافرين، و فينا كتاب اللّه الإنجيل نقرأه؟! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّكم خالفتم أيّها اليهود و النصارى! كتاب اللّه و لم تعملوا به فلو كنتم عاملين بالكتابين لما كفر بعضكم بعضا بغير حجّة لأنّ كتب اللّه أنزلها شفاء من العمى و بيانا من الضلالة يهدي العاملين بها إلى صراط مستقيم كتاب اللّه إذا لم تعملوا به كان وبالا عليكم، و حجّة اللّه إذا لم تنقادوا لها كنتم للّه عاصين، و لسخطه متعرّضين. ثمّ أقبل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) على اليهود، فقال: احذروا أن ينالكم بخلاف أمر اللّه و بخلاف كتابه ما أصاب أوائلكم الذين قال اللّه تعالى فيهم: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ و أمروا بأن يقولوه. قال اللّه تعالى: فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ عذابا من السماء طاعونا نزل بهم فمات منهم مائة و عشرون ألفا، ثمّ أخذهم بعد قباع فمات منهم مائة و عشرون ألفا أيضا. و كان خلافهم أنّهم لما بلغوا الباب رأوا بابا مرتفعا، فقالوا: ما بالنا نحتاج، إلى أن نركع عند الدخول هاهنا ظنّنا أنّه باب متطامن لا بدّ من الركوع فيه، و هذا 295
موسوعة الإمام العسكري — الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال
الإمام (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ في صفة الكاتمين لفضلنا أهل البيت: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ المشتمل على ذكر فضل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) على جميع النبيّين و فضل عليّ (عليه السلام) على جميع الوصيّين .... قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام) هذه أحوال من كتم فضائلنا، و جحد حقوقنا، و سمّى بأسمائنا، و لقّب بألقابنا، و أعان ظالمنا على غصب حقوقنا، و مالأ علينا أعداءنا، و التقيّة [عليكم] لا تزعجه و المخافة على نفسه و ماله و حاله لا تبعثه، فاتّقوا اللّه، معاشر شيعتنا! لا تستعملوا الهوينا، و لا تقيّة عليكم، و لا تستعملوا المهاجرة، و التقيّة تمنعكم، و سأحدّثكم في ذلك بما يردعكم و يعظكم، دخل على أمير المؤمنين (عليه السلام) رجلان من أصحابه فوطئ أحدهما على حيّة فلدغته، و وقع على الآخر في طريقه من حائط عقرب فلسعته، و سقطا جميعا، فكأنّهما لما بهما يتضرّعان و يبكيان، فقيل لأمير المؤمنين (عليه السلام). فقال: دعوهما فإنّه لم يحن حينهما، و لم تتمّ محنتهما، فحملا إلى منزليهما فبقيا عليلين أليمين في عذاب شديد شهرين. ثمّ إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بعث إليهما فحملا إليه، و الناس يقولون: سيموتان على أيدي الحاملين لهما، فقال لهما: كيف حالكما؟ قالا: نحن بألم عظيم، و في عذاب شديد. قال لهما: استغفر اللّه من [كلّ] ذنب! أدّاكما إلى هذا، و تعوّذا باللّه ممّا يحبط أجركما، و يعظّم وزركما. قالا: و كيف ذلك يا أمير المؤمنين!؟ فقال [عليّ] (عليه السلام): ما أصيب واحد منكما إلّا بذنبه أمّا أنت يا فلان!- و أقبل على أحدهما- فتذكر يوم غمز على سلمان الفارسيّ- (رحمه الله)- فلان، و طعن 369 أما إنّ عليه لموالاته لنا فلم يمنعك من الردّ و الاستخفاف به خوفا على نفسك و لا على أهلك و لا على ولدك و مالك أكثر من أنّك استحييته، فلذلك أصابك، فإن أردت أن يزيل اللّه ما بك، فاعتقد أن لا ترى مزرئا على وليّ لنا تقدر على نصرته بظهر الغيب إلّا نصرته إلّا أن تخاف على نفسك أو أهلك أو ولدك أو مالك. و قال للآخر: فأنت أ فتدري لما أصابك ما أصابك؟ قال: لا، قال: أ ما تذكر حيث أقبل قنبر خادمي، و أنت بحضرة فلان العاتي فقمت إجلالا له لإجلالك لي، فقال لك: و تقوم لهذا بحضرتي! فقلت له: و ما بالي لا أقوم، و ملائكة اللّه تضع له أجنحتها في طريقه فعليها يمشي. فلمّا قلت هذا له قام إلى قنبر، و ضربه و شتمه و آذاه و تهدّده و تهدّدني، و ألزمني الإغضاء على قذى، فلهذا سقطت عليك هذه الحيّة. فإن أردت أن يعافيك اللّه تعالى من هذا فاعتقد أن لا تفعل بنا و لا بأحد من موالينا بحضرة أعدائنا ما يخاف علينا و عليهم منه. رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) كان مع تفضيله لي لم يكن يقوم لي عن مجلسه إذا حضرته كما [كان] يفعله ببعض من لا يعشر معشار جزء من مائة ألف جزء من إيجابه لي، لأنّه علم أنّ ذلك يحمل بعض أعداء اللّه على ما يغمّه و يغمّني و يغمّ المؤمنين، و قد كان يقوم لقوم لا يخاف على نفسه و لا عليهم مثل ما خاف عليّ لو فعل ذلك بي . 370 (1008) 29- الشيخ الصدوق (رحمه الله): [قال (عليه السلام):] قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): لمّا اشتدّ الأمر بالحسين بن عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام)، نظر إليه من كان معه، فإذا هو بخلافهم، لأنّهم كلّما اشتدّ الأمر تغيّرت ألوانهم، و ارتعدت فرائصهم، و وجبت قلوبهم، و كان الحسين (عليه السلام) و بعض من معه من خصائصه تشرق ألوانهم، و تهدأ جوارحهم، و تسكن نفوسهم، فقال بعضهم لبعض: انظروا، لا يبالي بالموت. فقال لهم الحسين (عليه السلام): صبرا بني الكرام! فما الموت إلّا قنطرة تعبر بكم عن البؤس و الضرّاء إلى الجنان الواسعة، و النعيم الدائمة، فأيّكم يكره أن ينتقل من سجن إلى قصر؟ و ما هو لأعدائكم إلّا كمن ينتقل من قصر إلى سجن و عذاب. إنّ أبي حدّثني، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ الدنيا سجن المؤمن و جنّة الكافر، و الموت جسر هؤلاء إلى جنّاتهم، و جسر هؤلاء إلى جحيمهم، ما كذبت و لا كذّبت . (1009) 30- أبو منصور الطبرسيّ (رحمه الله): و بالإسناد المقدّم ذكره عن أبي محمّد العسكريّ، عن عليّ بن الحسين زين العابدين (عليهم السلام) أنّه قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) قاعدا ذات يوم فأقبل إليه رجل من اليونانيّين المدّعين للفلسفة و الطبّ، فقال له: يا أبا الحسن! بلغني خبر صاحبك، و أنّ به جنونا 371 و جئت لأعالجه فلحقته قد مضى لسبيله و فاتنى ما أردت من ذلك، و قد قيل لي: إنّك ابن عمّه و صهره، و أرى بك صفارا قد علاك، و ساقين دقيقين، و لما أراهما تقلّانك، فأمّا الصفار فعندي دواؤه، و أمّا الساقان الدقيقان فلا حيلة لي لتغليظهما. و الوجه أن ترفق بنفسك في المشي تقلّله و لا تكثره، و فيما تحمله على ظهرك، و تحتضنه بصدرك أن تقلّلهما و لا تكثرهما فإنّ ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل ثقيل انقصافهما. و أمّا الصفار فدواؤه عندي و هو هذا- و أخرج دوائا- و قال: هذا لا يؤذيك و لا يخيسك ، و لكنّه يلزمك حميّة من اللحم أربعين صباحا، ثمّ يزيل صفارك. فقال له عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): قد ذكرت نفع هذا الدواء لصفاري، فهل تعرف شيئا يزيد فيه، و يضرّه؟ فقال الرجل: بلى! حبّة من هذا- و أشار إلى دواء معه- و قال: إن تناوله إنسان، و به صفار أماته من ساعته، و إن كان لا صفار به صار به صفار حتّى يموت في يومه. فقال عليّ (عليه السلام): فأرني هذا الضارّ، فأعطاه إيّاه. فقال له: كم قدر هذا؟ قال: قدر مثقالين سمّ ناقع، قدر كلّ حبّة منه يقتل رجلا. فتناوله عليّ (عليه السلام) فقمحه و عرق عرقا خفيفا، و جعل الرجل يرتعد، و يقول في نفسه: الآن أؤخذ بابن أبي طالب، و يقال لي: قتلته، و لا يقبل منّي قولي: إنّه هو 372 الجاني على نفسه. فتبسّم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و قال: يا عبد اللّه! أصحّ ما كنت بدنا الآن لم يضرّني ما زعمت أنّه سمّ. ثمّ قال: فغمّض عينيك، فغمّض، ثمّ قال: افتح عينيك! ففتح، و نظر إلى وجه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فإذا هو أبيض أحمر مشرب حمرة، فارتعد الرجل لما رآه، و تبسّم عليّ (عليه السلام)، و قال: أين الصفار الذي زعمت أنّه بي؟ فقال: و اللّه! لكأنّك لست من رأيت، قبل كنت مصفرّا، فأنت الآن مورّد. فقال عليّ (عليه السلام): فزال عنّي الصفار الذي تزعم أنّه قاتلي. و أمّا ساقاي هاتان، و مدّ رجليه و كشف عن ساقيه، فإنّك زعمت أنّي أحتاج إلى أن أرفق ببدني في حمل ما أحمل عليه لئلّا ينقصف الساقان، و أنا أريك أنّ طبّ اللّه عزّ و جلّ على خلاف طبّك، و ضرب بيده إلى أسطوانة خشب عظيمة على رأسها سطح مجلسه الذي هو فيه، و فوقه حجرتان إحداهما فوق الأخرى و حرّكها فاحتملها، فارتفع السطح و الحيطان و فوقهما الغرفتان، فغشي على اليونانيّ. فقال عليّ (عليه السلام): صبّوا عليه ماء، فصبّوا عليه ماء فأفاق، و هو يقول: و اللّه، ما رأيت كاليوم عجبا. فقال له عليّ (عليه السلام): هذه قوّة الساقين الدقيقين و احتمالهما، أ في طبّك هذا يا يونانيّ!؟ فقال اليوناني: أمثلك كان محمّدا؟ فقال عليّ (عليه السلام): و هل علمي إلّا من علمه، و عقلي إلّا من عقله، و قوّتي إلّا من قوّته، و لقد أتاه ثقفيّ و كان أطبّ العرب. فقال له: إن كان بك جنون داويتك؟ 373 فقال له محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم): أ تحبّ أن أريك آية تعلم بها غناي من طبّك و حاجتك إلى طبّي؟ قال: نعم، قال: أيّ آية تريد؟ قال: تدعو ذلك العذق- و أشار إلى نخلة سحوق- فدعاه، فانقلع أصلها من الأرض، و هي تخدّ الأرض خدّا حتّى وقفت بين يديه. فقال له: أكفاك؟ قال: لا، قال: فتريد ما ذا؟ قال: تأمرها أن ترجع إلى حيث جاءت منه، و تستقرّ في مقرّها الذي انقلعت منه، فأمرها، فرجعت، و استقرّت في مقرّها. فقال اليونانيّ لأمير المؤمنين (عليه السلام): هذا الذي تذكره عن محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) غائب عنّي، و أنا أقتصر منك على أقلّ من ذلك أنا أتباعد عنك فادعني، و أنا لا أختار الإجابة، فإن جئت بي إليك فهي آية. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّما يكون آية لك وحدك لأنّك تعلم من نفسك أنّك لم تردّه، و أنّي أزلت اختيارك من غير أن باشرت منّي شيئا، أو ممّن أمرته بأن يباشرك، أو ممّن قصد إلى اختيارك، و إن لم آمره إلّا ما يكون من قدرة اللّه القاهرة، و أنت يا يونانيّ! يمكنك أن تدّعي و يمكن غيرك أن يقول: إنّي واطأتك على ذلك، فاقترح إن كنت مقترحا ما هو آية لجميع العالمين. قال له اليونانيّ: إن جعلت الاقتراح إليّ فأنا أقترح أن تفصل أجزاء تلك النخلة و تفرّقها و تباعد ما بينها تجمعها، و تعيدها كما كانت؟ فقال عليّ (عليه السلام): هذه آية و أنت رسولي إليها- يعني إلى النخلة- فقل لها: إنّ وصيّ محمّد رسول اللّه يأمر أجزائك أن تتفرّق و تتباعد. فذهب فقال لها ذلك، فتفاصلت و تهافتت و تنثّرت و تصاغرت أجزائها حتّى لم ير لها عين و لا أثر، حتّى كأن لم تكن هناك نخلة قطّ. 374 فارتعدت فرائص اليونانيّ، و قال: يا وصيّ محمّد رسول اللّه! قد أعطيتني اقتراحي الأوّل، فأعطني الآخر، فأمرها أن تجتمع و تعود كما كانت. فقال: أنت رسولي إليها! فعد و قل لها: يا أجزاء النخلة! إنّ وصيّ محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يأمرك أن تجتمعي كما كنت و أن تعودي. فنادى اليونانيّ، فقال ذلك، فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور، ثمّ جعلت تجتمع جزء جزء منها حتّى تصوّر لها القضبان و الأوراق و أصول السعف و شماريخ الأعذاق . ثمّ تألّفت و تجمّعت و استطالت و عرضت و استقرّ أصلها في مقرّها، و تمكّن عليها ساقها، و تركّب على الساق قضبانها، و على القضبان أوراقها، و في أمكنتها أعذاقها، و كانت في الابتداء شماريخها متجرّدة لبعدها من أوان الرطب و البسر و الخلال. فقال اليونانيّ: و أخرى أحبّها أن تخرج شماريخها أخلالها، و تقلّبها من خضرة إلى صفرة و حمرة و ترطيب و بلوغ إناه لتأكل و تطعمني و من حضرك منها؟ فقال عليّ (عليه السلام): أنت رسولي إليها بذلك، فمرها به. فقال لها اليونانيّ: ما أمره أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأخلّت و أبسرت و اصفرّت و احمرّت و ترطّبت، و ثقلت أعذاقها برطبها. فقال اليونانيّ: و أخرى أحبّها تقرّب بين يدي أعذاقها، أو تطول يدي لتنالها و أحبّ شيء إليّ أن تنزل إليّ إحداهما، و تطول يدي إلى الأخرى التي هي أختها. 375 فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): مدّ اليد التي تريد أن تنالها و قل: «يا مقرّب البعيد! قرّب يدي منها». و اقبض الأخرى التي تريد أن ينزل العذق إليها، و قل: «يا مسهّل العسير! سهّل لي تناول ما يبعد عنّي منها». ففعل ذلك، و قاله، فطالت يمناه، فوصلت إلى العذق و انحطّت الأعذاق الآخر، فسقطت على الأرض، و قد طالت عراجينها. ثمّ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّك إن أكلت منها، و لم تؤمن بمن أظهر لك من عجائبها عجّل اللّه عزّ و جلّ إليك من العقوبة التي يبتليك بها ما يعتبر به عقلاء خلقه و جهّالهم. فقال اليونانيّ: إنّي إن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في العناد، و تناهيت في التعرّض للهلاك، أشهد أنّك من خاصّة اللّه، صادق في جميع أقاويلك عن اللّه، فأمرني بما تشاء أطعك. قال عليّ (عليه السلام): آمرك أن تقرّ للّه بالوحدانيّة، و تشهد له بالجود و الحكمة، و تنزّهه عن العبث و الفساد، و عن ظلم الإماء و العباد. و تشهد أنّ محمّدا الذي أنا وصيّه سيّد الأنام، و أفضل رتبة في دار السلام، و تشهد أنّ عليّا الذي أراك ما أراك و أولاك من النعم ما أولاك خير خلق اللّه بعد محمّد رسول اللّه، و أحقّ خلق اللّه بمقام محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بعده، و بالقيام بشرائعه و أحكامه، و تشهد أنّ أوليائه أولياء اللّه، و أعدائه أعداء اللّه، و أنّ المؤمنين المشاركين لك فيما كلّفتك المساعدين لك على ما به أمرتك خير أمّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و صفوة شيعة عليّ. و آمرك أن تواسي إخوانك المطابقين لك على تصديق محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و تصديقي 376 و الانقياد له ولي ممّا رزقك اللّه و فضّلك على من فضّلك به منهم تسدّ فاقتهم، و تجبر كسرهم و خلّتهم، و من كان منهم في درجتك في الإيمان ساويته من مالك بنفسك، و من كان منهم فاضلا عليك في دينك آثرته بما لك على نفسك حتّى يعلم اللّه منك أنّ دينه آثر عنك من مالك، و أنّ أوليائه أكرم عليك من أهلك و عيالك. و آمرك أن تصون دينك و علمنا الذي أودعناك، و أسرارنا التي حمّلناك، و لا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، و يقابلك من أهلها بالشتم و اللعن و التناول من العرض و البدن، و لا تفش سرّنا إلى من يشنع علينا عند الجاهلين بأحوالنا و لا تعرض أوليائنا لبوادر الجهّال. و آمرك أن تستعمل التقيّة في دينك، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً . و قد أذنت لك في تفضيل أعدائنا [علينا] إن ألجاك الخوف إليه، و في إظهار البراءة منّا إن حملك الوجل عليه، و في ترك الصلوات المكتوبات إن خشيت على حشاشتك الآفات و العاهات. فإنّ تفضيلك أعدائنا علينا عند خوفك لا ينفعهم و لا يضرّنا، و إنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيّتك لا يقدح فينا و لا ينقصنا. و لأن تبرّأت منّا ساعة بلسانك و أنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها و ما لها الذي به قيامها و جاهها الذي به تماسكها، و تصون 377 من عرف بذلك، و عرفت به من أوليائنا و إخواننا و أخواتنا من بعد ذلك بشهور و سنين إلى أن يفرّج اللّه تلك الكربة، و تزول به تلك الغمّة، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرّض للهلاك، و تنقطع به عن عمل في الدين، و صلاح إخوانك المؤمنين. و إيّاك ثمّ إيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك و دماء إخوانك معرض لنعمك و نعمهم للزوال، مذلّ لهم في أيدي أعداء دين اللّه، و قد أمرك اللّه بإعزازهم، فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على نفسك و إخوانك أشدّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا . (و)- ما رواه عن الإمام محمّد بن عليّ باقر العلوم (عليهم السلام) (1010) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الباقر (عليه السلام): لمّا أمر العبّاس بسدّ الأبواب و أذن لعليّ (عليه السلام) في ترك بابه جاء العبّاس و غيره من آل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقالوا: يا رسول اللّه! ما بال عليّ يدخل و يخرج؟ 378 فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): ذلك إلى اللّه، فسلّموا له تعالى حكمه هذا جبرئيل جاءني عن اللّه عزّ و جلّ بذلك. ثمّ أخذه ما كان يأخذه إذا نزل عليه الوحي، ثمّ سرى عنه فقال: يا عبّاس! يا عمّ رسول اللّه! إنّ جبرئيل يخبرني عن اللّه جلّ جلاله: أنّ عليّا لم يفارقك في وحدتك، و أنسك في وحشتك، فلا تفارقه في مسجدك، لو رأيت عليّا- و هو يتضوّر على فراش محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) واقيا روحه بروحه، متعرّضا لأعدائه، مستسلما لهم أن يقتلوه شرّ قتلة- لعلمت أنّه يستحقّ من محمّد الكرامة و التفضيل، و من اللّه تعالى التعظيم و التبجيل- إنّ عليّا قد انفرد عن الخلق في البيتوتة على فراش محمّد، و وقاية روحه بروحه، فأفرده اللّه تعالى دونهم بسلوكه في مسجده- لو رأيت عليّا- يا عمّ رسول اللّه- و عظيم منزلته عند ربّ العالمين، و شريد محلّه عند ملائكته المقرّبين، و عظيم شأنه في أعلى علّيّين، لاستقللت ما تراه له هاهنا. إيّاك يا عمّ رسول اللّه! و أن تجد له في قلبك مكروها فتصير كأخيك أبي لهب، فإنّكما شقيقان. يا عمّ رسول اللّه! لو أبغض عليّا أهل السماوات و الأرضين لأهلكهم اللّه ببغضه، و لو أحبّه الكفّار أجمعون، لأثابهم اللّه عن محبّته بالخاتمة المحمودة، بأن يوفّقهم للإيمان، ثمّ يدخلهم اللّه الجنّة برحمته. يا عمّ رسول اللّه! إنّ شأن عليّ عظيم، إنّ حال عليّ جليل، إنّ وزن عليّ ثقيل، [و] ما وضع حبّ عليّ في ميزان أحد إلّا رجح على سيّئاته، و لا وضع بغضه في ميزان أحد إلّا رجح على حسناته. فقال العبّاس: قد سلّمت و رضيت، يا رسول اللّه! 379 فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عمّ! انظر إلى السماء، فنظر العبّاس، فقال: ما ذا ترى يا عبّاس!؟ فقال: أرى شمسا طالعة نقيّة من سماء صافية جليّة. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عمّ رسول اللّه! إنّ حسن تسليمك لما وهب اللّه عزّ و جلّ لعليّ من الفضيلة أحسن [من] هذه الشمس في [هذه] السماء، و عظم بركة هذا التسليم عليك أعظم، و أكثر من عظم بركة هذه الشمس على النبات و الحبوب و الثمار، حيث تنضجها و تنمّيها [و تربّيها]. و اعلم! أنّه قد صافاك بتسليمك لعليّ قبيلة من الملائكة المقرّبين أكثر عددا من قطر المطر، و ورق الشجر، و رمل عالج، و عدد شعور الحيوانات، و أصناف النباتات، و عدد خطى بني آدم، و أنفاسهم، و ألفاظهم، كلّ يقولون: «اللّهمّ صلّ على العبّاس عمّ نبيّك في تسليمه لنبيّك فضل أخيه عليّ». فاحمد اللّه و اشكره، فلقد عظم ربحك، و جلّت رتبتك في ملكوت السماوات . (1011) 2- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام محمّد ابن عليّ الباقر (عليه السلام): دخل محمّد بن [عليّ بن] مسلم بن شهاب الزهريّ على عليّ ابن الحسين زين العابدين (عليهما السلام)، و هو كئيب حزين. فقال له زين العابدين (عليه السلام): ما بالك مهموما مغموما؟ قال: يا ابن رسول اللّه! هموم و غموم تتوالى عليّ لما امتحنت [به] من جهة حسّاد (نعمتي و الطامعين) فيّ، و ممّن أرجوه، و ممّن قد أحسنت إليه فيخلف ظنّي. 380 فقال له عليّ بن الحسين [زين العابدين (عليهما السلام)]: احفظ عليك لسانك تملك به إخوانك. قال الزهريّ: يا ابن رسول اللّه! إنّي أحسن إليهم بما يبدر من كلامي. قال عليّ بن الحسين (عليهما السلام): هيهات، هيهات، إيّاك و أن تعجب من نفسك بذلك، و إيّاك أن تتكلّم بما يسبق إلى القلوب إنكاره، و إن كان عندك اعتذاره، فليس كلّ من تسمعه نكرا أمكنك أن توسعه عذرا. ثمّ قال: يا زهريّ! من لم يكن عقله من أكمل ما فيه كان هلاكه من أيسر ما فيه. ثمّ قال: يا زهريّ! و ما عليك أن تجعل المسلمين [منك] بمنزلة أهل بيتك، فتجعل كبيرهم منك بمنزلة والدك، و تجعل صغيرهم [منك] بمنزلة ولدك، و تجعل تربك منهم بمنزلة أخيك، فأيّ هؤلاء تحبّ أن تظلم، و أيّ هؤلاء تحبّ أن تدعو عليه، و أيّ هؤلاء تحبّ أن تهتك ستره. و إن عرض لك إبليس- لعنه اللّه- بأنّ لك فضلا على أحد من أهل القبلة فانظر إن كان أكبر منك، فقل: قد سبقني بالإيمان و العمل الصالح فهو خير منّي، و إن كان أصغر منك، فقل: قد سبقته بالمعاصي و الذنوب فهو خير منّي، و إن كان تربك، فقل: أنا على يقين من ذنبي و في شكّ من أمره، فما لي أدع يقيني لشكّي. و إن رأيت المسلمين يعظّمونك و يوقّرونك و يبجّلونك، فقل: هذا فضل أحدثوه، و إن رأيت منهم (جفاء و انقباضا عنك، فقل: هذا الذي) أحدثته. 381 فإنّك إذا فعلت ذلك، سهّل اللّه عليك عيشك، و كثر أصدقاؤك، و قلّ أعداؤك، و فرحت بما يكون من برّهم، و لم تأسف على ما يكون من جفائهم. و اعلم! أنّ أكرم الناس على الناس من كان خيره عليهم فائضا، و كان عنهم مستغنيا متعفّفا. و أكرم الناس بعده عليهم من كان عنهم متعفّفا، و إن كان إليهم محتاجا، فإنّما أهل الدنيا (يعشقون الأموال)، فمن لم يزاحمهم فيما يعشقونه كرم عليهم، و من لم يزاحمهم فيها و مكّنهم منها أو من بعضها كان أعزّ [عليهم] و أكرم. قال (عليه السلام): ثمّ قام إليه رجل، فقال: يا ابن رسول اللّه! أخبرني ما معنى بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ؟ فقال عليّ بن الحسين (عليه السلام): حدّثني أبي، عن أخيه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنّ رجلا قام إليه فقال: يا أمير المؤمنين! أخبرني عن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ما معناه؟ فقال (عليه السلام): إنّ قولك: اللّه، أعظم الأسماء- من أسماء اللّه تعالى-، و هو الاسم الذي لا ينبغي أن يتسمّى به غير اللّه، و لم يتسمّ به مخلوق. فقال الرجل: فما تفسير قوله تعالى: اللّه؟ فقال (عليه السلام): هو الذي يتألّه إليه عند الحوائج و الشدائد كلّ مخلوق عند انقطاع الرجاء من جميع من دونه، و تقطّع الأسباب من كلّ من سواه. و ذلك أنّ كلّ مترئّس في هذه الدنيا، أو متعظّم فيها و إن عظم غناؤه و طغيانه و كثرت حوائج من دونه إليه، فإنّهم سيحتاجون حوائج لا يقدر عليها هذا المتعاظم، و كذلك هذا المتعاظم يحتاج حوائج لا يقدر عليها، فينقطع إلى اللّه عند ضرورته و فاقته حتّى إذا كفى همّه عاد إلى شركه. 382 أ ما تسمع اللّه عزّ و جلّ يقول: قُلْ أَ رَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَ غَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ وَ تَنْسَوْنَ ما تُشْرِكُونَ . فقال اللّه تعالى لعباده: أيّها الفقراء إلى رحمتي! أنّي قد ألزمتكم الحاجة إليّ في كلّ حال، و ذلّة العبوديّة في كلّ وقت، فإليّ فافزعوا في كلّ أمر تأخذون به، و ترجون تمامه، و بلوغ غايته. فإنّي إن أردت أن أعطيكم لم يقدر غيري على منعكم، و إن أردت أن أمنعكم لم يقدر غيري على إعطائكم، [فأنا أحقّ من سئل، و أولى من تضرّع إليه]. فقولوا عند افتتاح كلّ أمر عظيم أو صغير: بسم اللّه الرّحمن الرّحيم أي أستعين على هذا الأمر باللّه الذي لا تحقّ العبادة لغيره، المغيث إذا استغيث، [و] المجيب إذا دعي، الرحمن الذي يرحم، ببسط الرزق علينا، الرحيم بنا في أدياننا و دنيانا و آخرتنا، خفّف اللّه علينا الدين، و جعله سهلا خفيفا، و هو يرحمنا بتمييزنا من أعدائه. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): من أحزنه أمر تعاطاه، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم و هو مخلص للّه عزّ و جلّ و يقبل بقلبه إليه لم ينفكّ من إحدى اثنتين: إمّا بلوغ حاجته الدنياويّة، و إمّا ما يعد له عنده و يدّخر لديه. و ما عند اللّه خير و أبقى للمؤمنين . 383 (1012) 3- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام): إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لمّا قدم المدينة و ظهرت آثار صدقه و آيات حقّه و بيّنات نبوّته، كادته اليهود أشدّ كيد، و قصدوه أقبح قصد، يقصدون أنواره ليطمسوها، و حججه ليبطلوها، فكان ممّن قصده للردّ عليه و تكذيبه مالك بن الصيف، و كعب بن الأشرف، و حييّ بن أخطب، و جديّ بن أخطب، [و أبو ياسر بن أخطب]، و أبو لبابة بن عبد المنذر، و شعبة. فقال مالك لرسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا محمّد! تزعم أنّك رسول اللّه؟ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): كذلك قال اللّه خالق الخلق أجمعين. قال: يا محمّد! لن نؤمن لك أنّك رسول اللّه حتّى يؤمن لك هذا البساط الذي تحتنا، و لن نشهد أنّك عن اللّه جئتنا حتّى يشهد لك هذا البساط. و قال أبو لبابة بن عبد المنذر: لن نؤمن لك يا محمّد أنّك رسول اللّه، و لا نشهد لك به حتّى يؤمن و يشهد لك هذا السوط الذي في يدي. و قال كعب بن الأشرف: لن نؤمن لك أنّك رسول اللّه، و لن نصدّقك به حتّى يؤمن لك هذا الحمار (الذي أركبه). فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّه ليس للعباد الاقتراح على اللّه تعالى، بل عليهم التسليم للّه، و الانقياد لأمره و الاكتفاء بما جعله كافيا، أ ما كفاكم أن أنطق التوراة 384 و الإنجيل و الزبور و صحف إبراهيم بنبوّتي، و دلّ على صدقي، و بيّن [لكم] فيها ذكر أخي و وصيّي و خليفتي، و خير من أتركه على الخلائق من بعدي عليّ بن أبي طالب، و أنزل عليّ هذا القرآن الباهر للخلق أجمعين، المعجز لهم عن أن يأتوا بمثله، و أن يتكلّفوا شبهه. و أمّا هذا الذي اقترحتموه، فلست أقترحه على ربّي عزّ و جلّ، بل أقول إنّما أعطاني ربّي تعالى من (دلالة هو) حسبي و حسبكم، فإن فعل عزّ و جلّ ما اقترحتموه، فذاك زائد في تطوّله علينا و عليكم، و إن منعنا ذلك فلعلمه بأنّ الذي فعله كاف فيما أراده منّا. قال: فلمّا فرغ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) من كلامه هذا، أنطق اللّه البساط، فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا صمدا [حيّا] قيّوما أبدا، لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا، و لم يشرك في حكمه أحدا. و أشهد أنّك- يا محمّد- عبده و رسوله، أرسلك بالهدى و دين الحقّ، ليظهرك على الدين كلّه، و لو كره المشركون. و أشهد أنّ عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أخوك و وصيّك، و خليفتك في أمّتك، و خير من تتركه على الخلائق بعدك، و أنّ من والاه فقد والاك، و من عاداه فقد عاداك، و من أطاعه فقد أطاعك، و من عصاه فقد عصاك، و أنّ من أطاعك فقد أطاع اللّه، و استحقّ السعادة برضوانه، و أنّ من عصاك فقد عصى اللّه، و استحقّ أليم العذاب بنيرانه. قال: فعجب القوم، و قال بعضهم لبعض: ما هذا إلّا سحر مبين، فاضطرب البساط و ارتفع، و نكّس مالك بن الصيف و أصحابه عنه حتّى وقعوا على رءوسهم و وجوههم. 385 ثمّ أنطق اللّه تعالى البساط ثانيا، فقال: أنا بساط أنطقني اللّه، و أكرمني بالنطق بتوحيده و تمجيده، و الشهادة لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) نبيّه، بأنّه سيّد أنبيائه و رسوله إلى خلقه، و القائم بين عباد اللّه بحقّه، و [ب] إمامة أخيه و وصيّه و وزيره و شقيقه و خليله، و قاضي ديونه، و منجز عداته، و ناصر أوليائه، و قامع أعدائه، و الانقياد لمن نصبه إماما و وليّا، و البراءة ممّن اتّخذه منابذا أو عدوّا، فما ينبغي لكافر أن يطأني و لا [أن] يجلس عليّ، إنّما يجلس عليّ المؤمنون. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لسلمان و المقداد و أبي ذرّ و عمّار: قوموا فاجلسوا عليه، فإنّكم بجميع ما شهد به هذا البساط مؤمنون، فجلسوا عليه. ثمّ أنطق اللّه عزّ و جلّ سوط أبي لبابة بن عبد المنذر، فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه خالق الخلق، و باسط الرزق، و مدبّر الأمور، و القادر على كلّ شيء. و أشهد أنّك يا محمّد! عبده و رسوله و صفيّه و خليله و حبيبه و وليّه و نجيّه، جعلك السفير بينه و بين عباده لينجي بك السعداء، و يهلك بك الأشقياء. و أشهد أنّ عليّ بن أبي طالب المذكور في الملأ الأعلى بأنّه سيّد الخلق بعدك، و أنّه المقاتل على تنزيل كتابك ليسوق مخالفيه إلى قبوله طائعين و كارهين، ثمّ المقاتل بعد على تأويله المحرّفين الذين غلبت أهواءهم عقولهم، فحرّفوا تأويل كتاب اللّه تعالى و غيّروه، و السابق إلى رضوان اللّه أولياء اللّه بفضل عطيّته، و القاذف في نيران اللّه أعداء اللّه بسيف نقمته، و المؤثرين لمعصيته و مخالفته. قال: ثمّ انجذب السوط من يد أبي لبابة، و جذب أبا لبابة، فخرّ لوجهه، ثمّ قام بعد فجذبه السوط، فخرّ لوجهه. ثمّ لم يزل كذلك مرارا حتّى قال أبو لبابة: ويلي، مالي؟ [قال:] فأنطق اللّه عزّ و جلّ السوط، فقال: يا أبا لبابة! إنّي سوط قد أنطقني 386 اللّه بتوحيده، و أكرمني بتمجيده و شرّفني بتصديق نبوّة محمّد سيّد عبيده، و جعلني ممّن يوالي خير خلق اللّه بعده، و أفضل أولياء اللّه من الخلق حاشاه، و المخصوص بابنته سيّدة النسوان، و المشرّف ببيتوتته على فراشه أفضل الجهاد، و المذلّ لأعدائه بسيف الانتقام، و البيان (في أمّته بعلوم) الحلال و الحرام و الشرائع و الأحكام، ما ينبغي لكافر مجاهر بالخلاف على محمّد أن يبتذلني و يستعملني، و لا أزال أجذبك حتّى أثخنك ثمّ أقتلك و أزول عن يدك، أو تظهر الإيمان بمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فقال أبو لبابة: فأشهد بجميع ما شهدت به أيّها السوط و أعتقده و أومن به، فنطق السوط: ها أنا ذا قد تقرّرت في يدك لإظهارك الإيمان، و اللّه أولى بسريرتك، و هو الحاكم لك أو عليك في يوم الوقت المعلوم. قال (عليه السلام): و لم يحسن إسلامه، و كانت منه هنات و هنات. فلمّا قام القوم من عند رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) جعلت اليهود يسرّ بعضها إلى بعض بأنّ محمّدا لمؤتى له، و مبخوت في أمره، و ليس بنبيّ صادق. و جاء كعب بن الأشرف يركب حماره، فشبّ به الحمار، و صرعه على رأسه، فأوجعه، ثمّ عاد يركبه فعاد عليه الحمار بمثل صنيعه، ثمّ عاد يركبه فعاد عليه الحمار بمثل صنيعه. فلمّا كان في السابعة [أ] و الثامنة أنطق اللّه تعالى الحمار، فقال: يا عبد اللّه! بئس العبد أنت، شاهدت آيات اللّه و كفرت بها، و أنا حمار قد أكرمني اللّه عزّ و جلّ بتوحيده، فأنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، خالق الأنام، ذو الجلال و الإكرام. 387 و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، سيّد أهل دار السلام، مبعوث لإسعاد من سبق في علم اللّه سعادته، و إشقاء من سبق الكتاب عليه بالشقاء له. و أشهد أنّ بعليّ بن أبي طالب [وليّه و وصيّ رسوله] يسعد اللّه من يسعده إذا وفّقه لقبول موعظته، و التأدّب بآدابه، و الائتمار لأوامره، و الانزجار بزواجره، و أنّ اللّه تعالى بسيوف سطوته و صولات نقمته يكبّ و يخزي أعداء محمّد حتّى يسوقهم بسيفه الباتر، و دليله الواضح القاهر إلى الإيمان به أو يقذفه [اللّه] في الهاوية إذا أبى إلّا تماديا في غيّه، و امتدادا في طغيانه و عمهه ما ينبغي لكافر أن يركبني، بل لا يركبني إلّا مؤمن باللّه، مصدّق بمحمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في جميع أقواله، مصوّب له في جميع أفعاله، فاعل أشرف الطاعات في نصبه أخاه عليّا وصيّا و وليّا، و لعلمه وارثا، و بدينه قيّما، و على أمته مهيمنا، و لديونه قاضيا، و لعداته منجزا، و لأوليائه مواليا، و لأعدائه معاديا. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا كعب بن الأشرف! حمارك خير منك، و قد أبى أن تركبه [فلن تركبه أبدا]، فبعه من بعض إخواننا المؤمنين. [ف] قال كعب: لا حاجة لي فيه بعد أن ضرب بسحرك. فناداه حماره: يا عدوّ اللّه! كفّ عن تهجّم محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، [و اللّه] لو لا كراهة مخالفة رسول اللّه لقتلتك، و وطيتك بحوافري، و لقطعت رأسك بأسناني، فخزي و سكت، و اشتدّ جزعه ممّا سمع من الحمار، و مع ذلك غلب عليه الشقاء، و اشترى الحمار منه ثابت بن قيس بمائة دينار،- و كان يركبه و يجيء عليه إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و هو تحته هيّن ليّن ذليل كريم، يقيه المتالف، و يرفق به في المسالك-. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا ثابت! هذا لك، و أنت مؤمن يرتفق بمرتفقين. 388 قال: فلمّا انصرف القوم من عند رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و لم يؤمنوا أنزل اللّه: يا محمّد! إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ [في العظة] أَ أَنْذَرْتَهُمْ- وعظتهم و خوّفتهم- أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لا يصدّقون بنبوّتك، و هم قد شاهدوا هذه الآيات و كفروا، فكيف يؤمنون بك عند قولك و فعالك . (1013) 4- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال الباقر (عليه السلام): فلمّا قال اللّه تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ و ذكر الذباب في قوله: إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً الآية. و لمّا قال: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ . و ضرب المثل في هذه السورة ب الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً ، و بالصيّب من السماء، قالت الكفّار و النواصب: و ما هذا من الأمثال، فيضرب؟! يريدون به الطعن على رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم). فقال اللّه: يا محمّد! إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا للحقّ، و يوضّحه به عند عباده المؤمنين ما بَعُوضَةً [أي] ما هو بعوضة المثل فَما فَوْقَها 389 فوق البعوضة، و هو الذباب، يضرب به المثل إذا علم أنّ فيه صلاح عباده و نفعهم، فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا باللّه و بولاية محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و عليّ و آلهما الطيّبين، و سلّم لرسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و للأئمّة (عليهم السلام) أحكامهم و أخبارهم و أحوالهم، [و] لم يقابلهم في أمورهم، و لم يتعاط الدخول في أسرارهم، و لم يفش شيئا ممّا يقف عليه منها إلّا بإذنهم. فَيَعْلَمُونَ يعلم هؤلاء المؤمنون الذين هذه صفتهم أَنَّهُ المثل المضروب الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ أراد به الحقّ و إبانته، و الكشف عنه و إيضاحه. وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا بمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بمعارضتهم [له] في عليّ بلم و كيف، و تركهم الانقياد له في سائر ما أمر به، فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً يقول الذين كفروا: إنّ اللّه يضلّ بهذا المثل كثيرا، و يهدي به كثيرا [أي] فلا معنى للمثل، لأنّه و إن نفع به من يهديه فهو يضرّ به من يضلّ [ه] به، فردّ اللّه تعالى عليهم قيلهم. فقال: وَ ما يُضِلُّ بِهِ يعني ما يضلّ اللّه بالمثل إِلَّا الْفاسِقِينَ الجانين على أنفسهم بترك تأمّله، و بوضعه على خلاف ما أمر اللّه بوضعه عليه، ثمّ وصف هؤلاء الفاسقين الخارجين عن دين اللّه و طاعته منهم، فقال عزّ و جلّ: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ المأخوذ عليهم للّه بالربوبيّة، و لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بالنبوّة، و لعليّ بالإمامة، و لشيعتهما بالمحبّة و الكرامة. مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ إحكامه و تغليظه، وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ من الأرحام و القرابات أن يتعاهدوهم، و يقضوا حقوقهم. 390 و أفضل رحم و أوجبه حقّا رحم محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فإنّ حقّهم بمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، كما أنّ حقّ قرابات الإنسان بأبيه و أمّه، و محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) أعظم حقّا من أبويه. و كذلك حقّ رحمه أعظم، و قطيعته [أقطع] و أفضع و أفضح. وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ بالبراءة ممّن فرض اللّه إمامته، و اعتقاد إمامة من قد فرض اللّه مخالفته أُولئِكَ أهل هذه الصفة هُمُ الْخاسِرُونَ خسروا أنفسهم، لمّا صاروا إلى النيران و حرموا الجنان، فيا لها من خسارة ألزمتهم عذاب الأبد، و حرّمتهم نعيم الأبد. [قال:] و قال الباقر (عليه السلام): ألا و من سلّم لنا ما لا يدريه، ثقة بأنّا محقّون عالمون لا نقف به إلّا على أوضح المحجّات، سلّم اللّه تعالى إليه من قصور الجنّة أيضا ما لا [يعلم قدرها هو و لا] يقادر قدرها إلّا خالقها و واهبها. [ألا و] من ترك المراء و الجدال، و اقتصر على التسليم لنا، و ترك الأذى، حبسه اللّه على الصراط، فجاءته الملائكة تجادله على أعماله، و تواقفه على ذنوبه. فإذا النداء من قبل اللّه عزّ و جلّ: يا ملائكتي! يا عبدي هذا لم يجادل و سلّم الأمر لأئمّته، فلا تجادلوه و سلّموه في جناني إلى أئمّته، يكون متبجّحا فيها بقربهم، كما كان مسلّما في الدنيا لهم. و أمّا من عارضنا بلم و كيف، و نقض الجملة بالتفصيل، قالت له الملائكة على الصراط: واقفنا يا عبد اللّه! و جادلنا على أعمالك، كما جادلت [أنت] في الدنيا الحاكين لك [عن] أئمّتك. فيأتيهم النداء: صدقتم بما عامل، فعاملوه ألا فواقفوه، فيواقف، و يطول 391 حسابه، و يشتدّ في ذلك الحساب عذابه، فما أعظم هناك ندامته، و أشدّ حسراته، لا ينجيه هناك إلّا رحمة اللّه- إن لم يكن فارق في الدنيا جملة دينه- و إلّا فهو في النار أبدا الآباد. [و] قال الباقر (عليه السلام): و يقال للموفي بعهوده- في الدنيا في نذوره و أيمانه و مواعيده-: يا أيّتها الملائكة! و فى هذا العبد في الدنيا بعهوده، فأوفوا له هاهنا بما وعدناه، و سامحوه و لا تناقشوه. فحينئذ تصيّره الملائكة إلى الجنان. و أمّا من قطع رحمه فإن كان وصل رحم محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و [قد] قطع رحم نفسه، شفع أرحام محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) [له] إلى رحمه، و قالوا [له]: لك من حسناتنا و طاعاتنا ما شئت فاعف عنه، فيعطونه منها ما يشاء، فيعفو عنه. و يعطي اللّه المعطين ما ينفعهم و لا ينقصهم. و إن [كان] وصل أرحام نفسه، و قطع أرحام محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، بأن جحد حقوقهم، و دفعهم عن واجبهم، و سمّى غيرهم بأسمائهم، و لقّب غيرهم بألقابهم، و نبز بالألقاب القبيحة مخالفيه من أهل ولايتهم، قيل له: يا عبد اللّه! اكتسبت عداوة آل محمّد الطهر أئمّتك لصداقة هؤلاء، فاستعن بهم الآن ليعينوك، فلا يجد معينا، و لا مغيثا، و يصير إلى العذاب الأليم المهين. قال الباقر (عليه السلام): و من سماّنا بأسمائنا و لقّبنا بألقابنا، و لم يسمّ أضدادنا بأسمائنا، و لم يلقّبهم بألقابنا إلّا عند الضرورة التي عند مثلها نسمّى نحن، و نلقّب أعداءنا بأسمائنا و ألقابنا، فإن اللّه عزّ و جلّ يقول لنا يوم القيامة: اقترحوا لأوليائكم هؤلاء ما تعينونهم به، فنقترح لهم على اللّه عزّ و جلّ ما يكون قدر الدنيا كلّها فيه كقدر خردلة في السماوات و الأرض، فيعطيهم اللّه تعالى إيّاه و يضاعفه لهم [أضعافا] مضاعفات. 392 فقيل للباقر (عليه السلام): فإنّ بعض من ينتحل موالاتكم يزعم أنّ البعوضة عليّ (عليه السلام)، و أنّ ما فوقها- و هو الذباب- محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم). فقال الباقر (عليه السلام): سمع هؤلاء شيئا [و] لم يضعوه على وجهه، إنّما كان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قاعدا ذات يوم هو و عليّ (عليه السلام) إذ سمع قائلا يقول: ما شاء اللّه و شاء محمّد و سمع آخر يقول: ما شاء اللّه و شاء عليّ. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لا تقرنوا محمّدا و [لا] عليّا باللّه عزّ و جلّ، و لكن قولوا: ما شاء اللّه ثمّ [شاء محمّد ما شاء اللّه ثمّ] شاء عليّ، إنّ مشيّة اللّه هي القاهرة التي لا تساوى و لا تكافأ و لا تدانى. و ما محمّد رسول اللّه في [دين] اللّه و في قدرته إلّا كذبابة تطير في هذه الممالك الواسعة، و ما عليّ (عليه السلام) في [دين] اللّه و في قدرته إلّا كبعوضة في جملة هذه الممالك، مع أنّ فضل اللّه تعالى على محمّد و عليّ هو الفضل الذي لا يفي به فضله على جميع خلقه من أوّل الدهر إلى آخره. هذا ما قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في ذكر الذباب و البعوضة في هذا المكان فلا يدخل في قوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً . (1014) 5- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال الباقر (عليه السلام) لرجل فخر على آخر [قال:] أ تفاخرني، و أنا من شيعة آل محمّد الطيّبين!؟ 393 فقال له الباقر (عليه السلام): ما فخرت عليه و ربّ الكعبة! و غبن منك على الكذب، يا عبد اللّه! أ ما لك معك تنفقه على نفسك أحبّ إليك، أم تنفقه على إخوانك المؤمنين؟ قال: بل أنفقه على نفسي، قال: فلست من شيعتنا، فإنّا نحن ما ننفق على المنتحلين من إخواننا أحبّ إلينا [من أن ننفق على أنفسنا]، و لكن قل: أنا من محبّيكم و من الراجين للنجاة بمحبّتكم . (1015) 6- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال محمّد بن عليّ [الباقر] (عليهما السلام): أشرف أخلاق الأئمّة و الفاضلين من شيعتنا استعمال التقيّة، و أخذ النفس بحقوق الإخوان . (1016) 7- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام): لا يكون العبد عابدا للّه حقّ عبادته حتّى ينقطع عن الخلق كلّهم إليه، فحينئذ يقول: هذا خالص لي، فيقبله بكرمه . (1017) 8- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام): من أراد أن يعرف كيف قدره عند اللّه، فلينظر كيف قدر أبويه الأفضل عنده محمّد و عليّ (عليهما السلام) . 394 (1018) 9- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): [قال الإمام العسكريّ (عليه السلام):] و قال محمّد بن عليّ [الباقر] (عليهما السلام): من كان أبوا دينه محمّد و عليّ (عليهما السلام) آثر لديه، و قراباتهما أكرم [عليه] من أبوي نسبه و قراباتهما. قال اللّه تعالى [له]: فضّلت الأفضل لأجعلنّك الأفضل، و آثرت الأولى بالإيثار لأجعلنّك بدار قراري و منادمة أوليائي أولى . (1019) 10- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و سئل الباقر محمّد بن عليّ (عليهما السلام): إنقاذ الأسير المؤمن من محبّينا من يد الناصب يريد أن يضلّه بفضل لسانه و بيانه أفضل، أم إنقاذ الأسير من أيدي [أهل] الروم؟ قال الباقر (عليه السلام) للرجل: أخبرني أنت عمّن رأى رجلا من خيار المؤمنين يغرق، و عصفورة تغرق لا يقدر على تخليصهما، بأيّهما اشتغل فاته الآخر، أيّهما أفضل أن يخلّصه؟ قال الرجل: من خيار المؤمنين. قال (عليه السلام): فبعد ما سألت في الفضل أكثر من بعد ما بين هذين، إنّ ذاك يوفّر عليه دينه و جنان ربّه و ينقذه من النيران، و هذا المظلوم إلى الجنان يصير . (1020) 11- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام): من أطاب الكلام مع موافقيه ليؤنسهم، و بسط وجهه لمخالفيه ليأمنهم على نفسه و إخوانه، فقد حوى من الخير 395 و الدرجات العالية عند اللّه ما لا يقادر قدره غيره . (1021) 12- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال الباقر (عليه السلام): قال اللّه عزّ و جلّ و هو يوبّخ هؤلاء اليهود الذين تقدّم ذكر عنادهم، و هؤلاء النصّاب الذين نكثوا ما أخذ من العهد عليهم، فقال: أَ وَ كُلَّما عاهَدُوا عَهْداً. واثقوا و عاقدوا ليكونوا لمحمّد طائعين، و لعليّ بعده مؤتمرين، و إلى أمره صابرين نَبَذَهُ نبذ العهد فَرِيقٌ مِنْهُمْ و خالفه. قال اللّه: بَلْ أَكْثَرُهُمْ أكثر هؤلاء اليهود، و النواصب لا يُؤْمِنُونَ أي في مستقبل أعمارهم لا يرعون و لا يتوبون مع مشاهدتهم للآيات، و معاينتهم للدلالات . (1022) 13- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال [الباقر، عن] عليّ بن الحسين (عليهم السلام): و لقد كان من المنافقين و الضعفاء من أشباه المنافقين مع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أيضا قصد إلى تخريب المساجد بالمدينة، و إلى تخريب مساجد الدنيا كلّها بما همّوا به من قتل [أمير المؤمنين] عليّ (عليه السلام) بالمدينة، و من قتل رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في طريقهم إلى العقبة. 396 و لقد زاد اللّه تعالى في ذلك السير إلى تبوك في بصائر المستبصرين، و في قطع معاذير متمرّديهم زيادات تليق بجلال اللّه، و طوله على عباده. من ذلك أنّهم لمّا كانوا مع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) في مسيره إلى تبوك قالوا: لن نصبر على طعام واحد كما قالت بنو إسرائيل لموسى (عليه السلام)، و كانت آية رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) الظاهرة لهم في ذلك أعظم من الآية الظاهرة لقوم موسى. و ذلك أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لمّا أمر بالمسير إلى تبوك أمر بأن يخلف عليّا (عليه السلام) بالمدينة، فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه! ما كنت أحبّ أن أتخلّف عنك في شيء من أمورك، و أن أغيب عن مشاهدتك و النظر إلى هديك و سمتك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عليّ! أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي، تقيم يا عليّ! فإنّ لك في مقامك من الأجر مثل الذي يكون لك لو خرجت مع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و لك مثل أجور كلّ من خرج مع رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) موقنا طائعا، و إنّ لك عليّ- يا عليّ!- أن أسأل اللّه بمحبّتك أن تشاهد من محمّد سمته في سائر أحواله. إنّ اللّه يأمر جبرئيل في جميع مسيرنا هذا أن يرفع الأرض التي نسير عليها و الأرض التي تكون أنت عليها، و يقوي بصرك حتّى تشاهد محمّدا و أصحابه سائر أحوالك و أحوالهم فلا يفوتك الأنس من رؤيته و رؤية أصحابه، و يغنيك ذلك عن المكاتبة و المراسلة. فقام رجل من مجلس زين العابدين (عليه السلام) لما ذكر هذا و قال له: يا ابن رسول اللّه! كيف يكون هذا لعليّ؟ إنّما يكون هذا للأنبياء لا لغيرهم. فقال زين العابدين (عليه السلام): هذا هو معجزة لمحمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لا لغيره، لأنّ اللّه تعالى لما رفعه بدعاء محمّد زاد في نوره أيضا بدعاء محمّد حتّى شاهد 397 ما شاهد، و أدرك ما أدرك. ثمّ قال الباقر (عليه السلام): [يا عبد اللّه!] ما أكثر ظلم [كثير من] هذه الأمّة لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و أقلّ إنصافهم له؟! يمنعون عليّا ما يعطونه سائر الصحابة، و عليّ (عليه السلام) أفضلهم، فكيف يمنعون منزلة يعطونها غيره، قيل: و كيف ذاك يا ابن رسول اللّه!؟ قال: لأنّكم تتولّون محبّي أبي بكر بن أبي قحافة، و تبرءون من أعدائه كائنا من كان، و كذلك تتولّون عمر بن الخطّاب و تبرءون من أعدائه كائنا من كان، و تتولّون عثمان بن عفّان، و تبرءون من أعدائه كائنا من كان حتّى إذا صار إلى عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قالوا: نتولّى محبّيه و لا نتبرّأ من أعدائه، بل نحبّهم، و كيف يجوز هذا لهم و رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يقول في عليّ: «اللّهمّ وال من والاه و عاد من عاداه، و انصر من نصره، و اخذل من خذله». أ فتراهم لا يعادون من عاداه، و [لا يخذلون من] خذله؟! ليس هذا بإنصاف! ثمّ أخرى أنّهم إذا ذكر لهم ما اختصّ اللّه به عليّا (عليه السلام) بدعاء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و كرامته على ربّه تعالى جحدوه، و هم يقبلون ما يذكر لهم في غيره من الصحابة، فما الذي منع عليّا (عليه السلام) ما جعله لسائر أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) هذا عمر بن الخطّاب إذا قيل لهم أنّه كان على المنبر بالمدينة يخطب إذ نادى في خلال خطبته: يا سارية الجبل! و عجبت الصحابة، و قالوا: ما هذا من الكلام الذي في هذه الخطبة! فلمّا قضى الخطبة و الصلاة قالوا: ما قولك في خطبتك: يا سارية الجبل؟ فقال: اعلموا! أنّي- و أنا أخطب- رميت ببصري نحو الناحية التي خرج فيها إخوانكم إلى غزو الكافرين بنهاوند، و عليهم سعد بن أبي وقّاص، ففتح اللّه لي 398 الأستار و الحجب، و قوّى بصرى حتّى رأيتهم و قد اصطفوا بين يدي جبل هناك، و قد جاء بعض الكفّار ليدوروا خلف سارية، و سائر من معه من المسلمين فيحيطوا بهم فيقتلوهم. فقلت: يا سارية البجل! ليلتجئ إليه فيمنعهم ذلك من أن يحيطوا به ثمّ يقاتلوا، و منع اللّه إخوانكم المؤمنين أكتاف الكافرين، و فتح اللّه عليهم بلادهم، فاحفظ هذا الوقت، فسيردّ اللّه عليكم الخبر بذلك. و كان بين المدينة و نهاوند مسيرة أكثر من خمسين يوما. قال الباقر (عليه السلام): فإذا كان هذا لعمر فكيف لا يكون مثل هذا لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و لكنّهم قوم لا ينصفون بل يكابرون. ثمّ عاد الباقر (عليه السلام) إلى حديثه، عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام) قال: فكان اللّه تعالى يرفع البقاع التي عليها محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و يسير فيها لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حتّى يشاهدهم على أحوالهم . (1023) 14- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): نظر الباقر (عليه السلام) إلى بعض شيعته، و قد دخل خلف بعض المخالفين إلى الصلاة، و أحسّ الشيعيّ بأنّ الباقر (عليه السلام) قد عرف ذلك منه فقصده، و قال: أعتذر إليك يا ابن رسول اللّه! من صلاتي خلف فلان، فإنّي أتّقيه، و لو لا ذلك لصلّيت وحدي. قال له الباقر (عليه السلام): يا أخي! إنّما كنت تحتاج أن تعتذر لو تركت، يا عبد اللّه المؤمن، ما زالت ملائكة السماوات السبع و الأرضين السبع تصلّي عليك، و تلعن 399 إمامك ذاك، و إنّ اللّه تعالى أمر أن تحسب لك صلاتك خلفه للتقيّة بسبعمائة صلاة لو صلّيتها وحدك، فعليك بالتقيّة. و اعلم! أنّ اللّه تعالى يمقت تاركها كما يمقت المتّقي منه، فلا ترض لنفسك أن تكون منزلتك عند اللّه كمنزلة أعدائه .
موسوعة الإمام العسكري — مرتفع و إلى متى يسخر بنا هؤلاء- يعنون موسى ثمّ يوشع بن نون- و يسجدوننا في الأباطيل و جعلوا استاهم نح — الإمام السجاد عليه السلام
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): ... قال محمّد بن عليّ
ابن محمّد بن جعفر بن الدقّاق: ... حدّثني أبو يعقوب يوسف بن محمّد بن زياد و أبو الحسن عليّ بن محمّد بن سيّار ... استأذنّا على الإمام الحسن بن عليّ (عليهما السلام)، فلمّا رآنا قال: مرحبا بالآوين إلينا الملتجئين إلى كنفنا، قد تقبّل اللّه تعالى سعيكما ...، جعلت من شكر اللّه عزّ و جلّ أن أفيدكما تفسير القرآن ... ففرحنا بذلك، و قلنا: يا ابن رسول اللّه! فإذا نأتي (على جميع) علوم القرآن و معانيه؟ قال: كلّا! إنّ الصادق (عليه السلام) علّم بعض- ما أريد أن أعلّمكما- بعض أصحابه ففرح بذلك، و قال: يا ابن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)! قد جمعت علم القرآن كلّه؟ فقال (عليه السلام): قد جمعت خيرا كثيرا، و أوتيت فضلا واسعا، لكنّه مع ذلك أقلّ قليل [من] أجزاء علم القرآن. إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنا بِمِثْلِهِ مَدَداً ... و هذا علم القرآن و معانيه، و ما أودع من عجائبه، فكم ترى مقدار ما أخذته من جميع هذا [القرآن]، و لكنّ القدر الذي أخذته قد فضّلك اللّه تعالى به على كلّ من لا يعلم كعلمك، و لا يفهم كفهمك ... . 405 (1028) 2- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال الصادق (عليه السلام): و لربّما ترك في افتتاح أمر بعض شيعتنا بسم الله الرحمن الرحيم، فيمتحنه اللّه بمكروه لينبّهه على شكر اللّه تعالى و الثناء عليه، و يمحو عنه و صمة تقصيره عند تركه قول بسم اللّه [الرحمن الرحيم]. لقد دخل عبد اللّه بن يحيى على أمير المؤمنين (عليه السلام) و بين يديه كرسيّ، فأمره بالجلوس، فجلس عليه، فمال به حتّى سقط على رأسه، فأوضح عن عظم رأسه و سال الدم، فأمر أمير المؤمنين (عليه السلام) بماء فغسل عنه ذلك الدم. ثمّ قال: ادن منّي، فدنا منه، فوضع يده على موضحته- و قد كان يجد من ألمها ما لا صبر [له] معه- و مسح يده عليها و تفل فيها [فما هو إلّا أن فعل ذلك] حتّى اندمل و صار كأنّه لم يصبه شيء قطّ. ثمّ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): يا عبد اللّه! الحمد للّه الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا بمحنهم لتسلم [لهم] طاعاتهم، و يستحقّوا عليها ثوابها. فقال عبد اللّه بن يحيى: يا أمير المؤمنين! [و] إنّا لا نجازى بذنوبنا إلّا في الدنيا؟ قال: نعم! أ ما سمعت قول رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): الدنيا سجن المؤمن و جنّة الكافر، يطهّر شيعتنا من ذنوبهم في الدنيا بما يبتليهم [به] من المحن و بما يغفره لهم فإنّ اللّه تعالى يقول: وَ ما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ حتّى إذا وردوا القيامة توفّرت عليهم طاعاتهم و عباداتهم. 406 و إنّ أعداء محمّد و أعداءنا يجازيهم على طاعة تكون منهم في الدنيا- و إن كان لا وزن لها لأنّه لا إخلاص معها- حتّى إذا وافوا القيامة حملت عليهم ذنوبهم و بغضهم لمحمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و آله، و خيار أصحابه فقذفوا لذلك في النار. و لقد سمعت محمّدا (صلى الله عليه و آله و سلم): يقول: إنّه كان فيما مضى قبلكم رجلان أحدهما مطيع [للّه مؤمن] و الآخر كافر به مجاهر بعداوة أوليائه و موالاة أعدائه، و لكلّ واحد منهما ملك عظيم في قطر من الأرض، فمرض الكافر فاشتهى سمكة في غير أوانها، لأنّ ذلك الصنف من السمك كان في ذلك الوقت فى اللجج حيث لا يقدر عليه، فايسته الأطبّاء من نفسه، و قالوا [له]: استخلف على ملكك من يقوم به فلست بأخلد من أصحاب القبور، فإنّ شفاءك في هذه السمكة التي اشتهيتها، و لا سبيل إليها. فبعث اللّه ملكا و أمره أن يزعج [البحر ب] تلك السمكة إلى حيث يسهل أخذها، فأخذت له [تلك السمكة] فأكلها فبرأ من مرضه و بقي في ملكه سنين بعدها، ثمّ إنّ ذلك المؤمن مرض في وقت كان جنس ذلك السمك بعينه لا يفارق الشطوط التي يسهل أخذه منها مثل علّة الكافر، و اشتهى تلك السمكة و وصفها له الأطبّاء. فقالوا: طب نفسا فهذا أوانها تؤخذ لك فتأكل منها و تبرأ. فبعث اللّه ذلك الملك و أمره أن يزعج جنس تلك السمكة [كلّه] من الشطوط إلى اللجج، لئلّا يقدر عليه فيؤخذ حتّى مات المؤمن من شهوته لعدم دوائه، فعجب من ذلك ملائكة السماء، و أهل ذلك البلد [في الأرض] حتّى كادوا يفتنون، لأنّ اللّه تعالى سهّل على الكافر ما لا سبيل إليه و عسّر على المؤمن ما كان السبيل إليه سهلا، فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى ملائكة السماء، و إلى نبيّ ذلك 407 الزمان في الأرض: إنّي أنا اللّه الكريم المتفضّل القادر! لا يضرّني ما أعطي، و لا ينفعني ما أمنع، و لا أظلم أحدا مثقال ذرّة، فأمّا الكافر فإنّما سهّلت له أخذ السمكة في غير أوانها ليكون جزاء على حسنة كان عملها، إذ كان حقّا عليّ أن لا أبطل لأحد حسنة حتّى يرد القيامة، و لا حسنة في صحيفته و يدخل النار بكفره. و منعت العابد تلك السمكة بعينها لخطيئة كانت منه، أردت تمحيصها عنه بمنع تلك الشهوة إعدام ذلك الدواء ليأتينّ و لا ذنب عليه فيدخل الجنّة. فقال عبد اللّه بن يحيى: يا أمير المؤمنين! قد أفدتني و علّمتني فإن رأيت أن تعرّفني ذنبي الذي امتحنت به في هذا المجالس حتّى لا أعود إلى مثله؟ قال: تركك حين جلست أن تقول بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، فجعل اللّه ذلك لسهوك عمّا ندبت إليه تمحيصا بما أصابك. أ ما علمت أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) حدّثني عن اللّه عزّ و جلّ أنّه قال: كلّ أمر ذي بال لم يذكر بسم اللّه فيه فهو أبتر. فقلت: بلى، بأبي أنت و أمّي! لا أتركها بعدها. قال: إذا تحصن بذلك و تسعد. ثمّ قال عبد اللّه بن يحيى: يا أمير المؤمنين! ما تفسير بسم اللّه الرحمن الرحيم؟ قال: إنّ العبد إذا أراد أن يقرأ، أو يعمل عملا [و] يقول: [بسم اللّه، أي بهذا الاسم أعمل هذا العمل. فكلّ امر يعمله يبدأ فيه ب] بسم اللّه الرحمن الرحيم فإنّه يبارك له فيه . 408 (1029) 3- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الصادق (عليه السلام): و أعظم من هذا [أشدّ الناس حسرة يوم القيامة، من رأى ماله في ميزان غيره] حسرة رجل جمع مالا عظيما بكدّ شديد، و مباشرة الأهوال، و تعرّض الأخطار. ثمّ أفنى ماله في صدقات و مبرّات، و أفنى شبابه و قوّته في عبادات و صلوات و هو مع ذلك لا يرى لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حقّه، و لا يعرف له من الإسلام محلّه، و يرى أنّ من لا بعشره و لا بعشر عشير معشاره أفضل منه (عليه السلام) يوقف على الحجج، فلا يتأمّلها، و يحتجّ عليه بالايات و الأخبار فيأبى إلّا تماديا في غيّه. فذاك أعظم من كلّ حسرة يأتي يوم القيامة، و صدقاته ممثّلة له في مثال الأفاعي تنهشه، و صلواته و عباداته ممثّلة له في مثال الزبانية تدفعه حتّى تدعّه إلى جهنّم دعّا، يقول: يا ويلي، أ لم أك من المصلّين!؟ أ لم أك من المزكّين؟ أ لم أك عن أموال الناس و نسائهم من المتعفّفين فلما ذا دهيت بما دهيت!؟ فيقال له: يا شقيّ! ما نفعك ما عملت، و قد ضيّعت أعظم الفروض بعد توحيد اللّه تعالى، و الإيمان بنبوّة محمّد [رسول اللّه] (صلى الله عليه و آله و سلم)، ضيّعت ما لزمك من معرفة حقّ عليّ بن أبي طالب وليّ اللّه، و التزمت ما حرّم اللّه عليك من الائتمام بعدوّ اللّه، فلو كان لك بدل أعمالك هذه عبادة الدهر من أوّله إلى آخره، و بدل صدقاتك الصدقة بكلّ أموال الدنيا بل بملء الأرض ذهبا، لما زادك ذلك من رحمة اللّه تعالى إلّا بعدا، و من سخط اللّه عزّ و جلّ إلّا قربا . 409 (1030) 4- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام): قوله عزّ و جلّ: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ، يقول: أرشدنا للصراط المستقيم، أرشدنا للزوم الطريق المؤدّي إلى محبّتك، و المبلّغ إلى جنّتك، و المانع من أن نتّبع أهواءنا فنعطب، أو أن نأخذ بآرائنا فنهلك. ثمّ قال (عليه السلام): فإنّ من اتّبع هواه و أعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامّة تعظّمه و تصفه، فأحببت لقاءه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره و محلّه، فرأيته في موضع قد أحدق به خلق من غثاء العامّة، فوقفت منتبذا عنهم، متغشّيا بلثام أنظر إليه و إليهم، فما زال يراوغهم حتّى خالف طريقهم ففارقهم، و لم يعد، فتفرّقت العامّة عنه لحوائجهم، و تبعته أقتفي أثره، فلم يلبث أن مرّ بخبّاز فتغفّله فأخذ من دكّانه رغيفين مسارقة، فتعجّبت منه، ثمّ قلت في نفسي لعلّه معاملة. ثمّ مرّ بعده بصاحب رمّان فما زال به حتّى تغفّله فأخذ من عنده رمّانتين مسارقة، فتعجّبت منه، ثمّ قلت [في نفسي]: لعلّه معاملة، ثمّ أقول و ما حاجته إذا إلى المسارقة!؟ ثمّ لم أزل أتّبعه حتّى مرّ بمريض فوضع الرغيفين و الرمّانتين بين يديه و مضى، و تبعته حتّى استقرّ في بقعة من صحراء، فقلت له: يا عبد اللّه! لقد سمعت بك [خيرا] و أحببت لقاءك فلقيتك لكنّي رأيت منك ما شغل قلبي و إنّي سائلك عنه 410 ليزول به شغل قلبي، قال: ما هو؟ قلت: رأيتك مررت بخبّاز فسرقت منه رغيفين، ثمّ مررت بصاحب الرمّان فسرقت منه رمّانتين. قال: فقال لي قبل كلّ شيء: حدّثني من أنت؟ قلت له: رجل من ولد آدم من أمّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم). قال: حدّثني ممّن أنت؟ قلت: رجل من أهل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم). قال: أين بلدك؟ قلت: المدينة. قال: لعلّك جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب؟ قلت: بلى. قال لي: فما ينفعك شرف [أهلك و] أصلك مع جهلك بما شرّفت به، و تركك علم جدّك و أبيك، لئلّا تنكر ما يجب أن تحمد و تمدح فاعله! قلت: و ما هو؟ قال: القرآن كتاب اللّه. قلت: و ما الذي جهلت منه؟ قال: قول اللّه عزّ و جلّ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ مَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها و إنّي لمّا سرقت الرغيفين كانت سيّئتين، و لمّا سرقت الرمّانتين كانت سيّئتين، فهذه أربع سيّئات، فلمّا تصدّقت بكلّ واحدة 411 منها كانت أربعين حسنة، فانتقص من أربعين حسنة أربع (حسنات بأربع سيّئات) بقي لي ستّ و ثلاثون حسنة. قلت: ثكلتك أمّك! أنت الجاهل بكتاب اللّه تعالى، أ ما سمعت قول اللّه تعالى إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ إنّك لمّا سرقت الرغيفين كانت سيّئتين، و لمّا سرقت الرمّانتين كانت سيّئتين، و لمّا دفعتهما إلى غير صاحبهما بغير أمر صاحبهما كنت إنّما أضفت أربع سيّئات إلى أربع سيّئات، و لم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيّئات، فجعل يلاحظني فتركته و انصرفت. قال الصادق (عليه السلام): بمثل هذا التأويل القبيح المستنكر يضلّون و يضلّون. و هذا [نحو] تأويل معاوية- عليه ما يستحقّ- لما قتل عمّار بن ياسر (رحمه الله) فارتعدت فرائص خلق كثير، و قالوا: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): عمّار تقتله الفئة الباغية، فدخل عمرو بن العاص على معاوية و قال: يا أمير المؤمنين! قد هاج الناس و اضطربوا، قال: لما ذا؟ قال: لقتل عمّار بن ياسر، حيث قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): عمّار تقتله الفئة الباغية، فقال له معاوية: دحضت في قولك، أ نحن قتلناه، إنّما قتله عليّ بن أبي طالب لمّا ألقاه بين رماحنا، فاتّصل ذلك بعليّ (عليه السلام) فقال (عليه السلام): إذا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) هو الذي قتل حمزة (رحمه الله) لمّا ألقاه بين رماح المشركين. ثمّ قال الصادق (عليه السلام): طوبى للذين هم كما قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يحمل هذا العلم من كلّ خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، و انتحال المبطلين، و تأويل الجاهلين، فقال له رجل: يا ابن رسول اللّه! إنّي عاجز ببدني عن نصرتكم، و لست أملك إلّا البراءة من أعدائكم و اللعن عليهم، فكيف حالي؟ فقال له 412 الصادق (عليه السلام): حدّثني أبي عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام)، عن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) [أنّه] قال: من ضعف عن نصرتنا أهل البيت، فلعن في خلواته أعداءنا بلّغ اللّه صوته جميع الأملاك من الثرى إلى العرش، فكلّما لعن هذا الرجل أعداءنا لعنا ساعدوه، فلعنوا من يلعنه، ثمّ ثنّوا فقالوا: اللّهمّ صلّ على عبدك هذا الذي قد بذل ما في وسعه، و لو قدر على أكثر منه لفعل، فإذا النداء من قبل اللّه تعالى: قد أجبت دعاءكم، و سمعت نداءكم، و صلّيت على روحه في الأرواح، و جعلته عندي من المصطفين الأخيار . (1031) 5- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال الصادق (عليه السلام): إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لمّا دعا هؤلاء النفر المعيّنين في الآية المتقدّمة [في] قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ و أظهر لهم تلك الآيات فقابلوها بالكفر. أخبر اللّه عزّ و جلّ عنهم بأنّه جلّ ذكره ختم على قلوبهم، و على سمعهم ختما 413 يكون علامة لملائكته المقرّبين القرّاء لما في اللوح المحفوظ من أخبار هؤلاء [المكذّبين] المذكور فيه أحوالهم، حتّى [إذا] نظروا إلى أحوالهم، و قلوبهم، و أسماعهم، و أبصارهم، و شاهدوا ما هناك من ختم اللّه عزّ و جلّ عليها ازدادوا باللّه معرفة، و بعلمه بما يكون قبل أن يكون يقينا، حتّى إذا شاهدوا هؤلاء المختوم على جوارحهم يمرّون على ما قرءوه من اللوح المحفوظ، و شاهدوه في قلوبهم و أسماعهم و أبصارهم ازدادوا- بعلم اللّه عزّ و جلّ بالغائبات- يقينا. [قال:] فقالوا: يا رسول اللّه! فهل في عباد اللّه من يشاهد هذا الختم كما تشاهده الملائكة؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): بلى! محمّد رسول اللّه يشاهده بإشهاد اللّه تعالى له، و يشاهده من أمّته أطوعهم للّه عزّ و جلّ، و أشدّهم جدّا في طاعة اللّه تعالى، و أفضلهم في دين اللّه عزّ و جلّ. فقالوا: من هو يا رسول اللّه!؟ و كلّ منهم تمنّى أن يكون هو. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): دعوه يكن من شاء اللّه، فليس الجلالة في المراتب عند اللّه عزّ و جلّ بالتمنّي و لا بالتظنّي، و لا بالاقتراح، و لكنّه فضل من اللّه عزّ و جلّ على من يشاء يوفّقه للأعمال الصالحة، يكرمه بها فيبلّغه أفضل الدرجات، و أشرف المراتب. إنّ اللّه تعالى سيكرم بذلك من يريكموه في غد، فجدّوا في الأعمال الصالحة، فمن وفّق [ه] اللّه لما يوجب عظيم كرامته عليه، فللّه عليه في ذلك الفضل العظيم. قال (عليه السلام): فلمّا أصبح رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و غصّ مجلسه بأهله، و قد جدّ بالأمس كلّ من خيارهم في خير عمله، و إحسان إلى ربّه قدّمه، يرجو أن يكون هو ذلك الخير الأفضل. 414 قالوا: يا رسول اللّه! من هذا، عرّفناه بصفته، و إن لم تنصّ لنا على اسمه؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): هذا الجامع للمكارم، الحاوي للفضائل، المشتمل على الجميل، قاض عن أخيه دينا، مجحفا إلى غريم متعنّت، غاضب للّه تعالى، قاتل لغضبه ذاك عدوّ اللّه مستحي من مؤمن معرض عنه لخجله يكايد في ذلك الشيطان الرجيم حتّى أخزاه [اللّه] عنه، و وقى بنفسه نفس عبد اللّه مؤمن حتّى أنقذه من الهلكة. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أيّكم قضى البارحة ألف درهم و سبعمائة درهم؟ فقال عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): أنا يا رسول اللّه! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عليّ! فحدّث إخوانك المؤمنين كيف كانت قصّته، أصدّقك لتصديق اللّه إيّاك، فهذا الروح الأمين أخبرني عن اللّه عزّ و جلّ: أنّه قد هذّبك من القبيح كلّه، و نزّهك عن المساوي بأجمعها، و خصّك من الفضائل بأشرفها و أفضلها، لا يتّهمك إلّا من كفر به، و أخطأ حظّ نفسه. فقال عليّ (عليه السلام): مررت البارحة بفلان بن فلان المؤمن فوجدت فلانا- و أنا أتّهمه بالنفاق- قد لازمه، و ضيّق عليه، فناداني المؤمن: يا أخا رسول اللّه! و كشّاف الكرب عن وجه رسول اللّه، و قامع أعداء اللّه عن حبيبه، أغثني، و اكشف كربتي، و نجّني من غمّي، سل غريمي هذا، لعلّه يجيبك و يؤجّلني، فإنّي معسر، فقلت له: اللّه، إنّك لمعسر!؟ فقال: يا أخا رسول اللّه! لئن كنت أستحلّ أن أكذب فلا تأمنّي على يميني [أيضا]، أنا معسر، و في قولي هذا صادق، و أوقّر اللّه، و أجلّه [من] أن أحلف به صادقا أو كاذبا، فأقبلت على الرجل، فقلت: إنّي لأجل نفسي عن أن يكون لهذا عليّ يد أو [منّة]، و أجلّك أيضا عن أن يكون له عليك يد أو منّة، و أسأل مالك 415 الملك الذي لا يؤنف من سؤاله و لا يستحي من التعرّض لثوابه، ثمّ قلت: «اللّهمّ بحقّ محمّد و آله الطيّبين لمّا قضيت عن عبدك هذا، [هذا] الدين»، فرأيت أبواب السماء تنادي أملاكها: يا أبا الحسن! مر هذا العبد يضرب بيده إلى ما شاء ممّا بين يديه من حجر و مدر و حصيات و تراب ليستحيل في يده ذهبا ثمّ يقضي دينه منه، و يجعل ما يبقى نفقته و بضاعته التي يسدّ بها فاقته، و يموّن بها عياله. فقلت: يا عبد اللّه! قد أذن اللّه بقضاء دينك و [ب] يسارك بعد فقرك، اضرب بيدك إلى ما تشاء ممّا أمامك فتناوله، فإنّ اللّه يحوّله في يدك ذهبا أبريزا، فتناول أحجارا ثمّ مدرا، فانقلبت له ذهبا أحمر. ثمّ قلت له: أفصل له منها قدر دينه فأعطه، ففعل، قلت: و الباقي رزق ساقه اللّه تعالى إليك، و كان الذي قضاه من دينه ألفا و سبعمائة درهم. و كان الذي بقي أكثر من مائة ألف درهم، فهو من أيسر أهل المدينة. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): إنّ اللّه عزّ و جلّ يعلم من الحساب ما لا يبلغه عقول الخلق انّه يضرب ألفا و سبعمائة في ألف و سبعمائة (ثمّ ما ارتفع من ذلك في مثله) إلى أن يفعل ذلك ألف مرّة، ثمّ آخر ما يرتفع من ذلك [في مثله إلى أن يفعل ذلك ألف مرّة، ثمّ آخر ما يرتفع من ذلك] عدد ما يهبه اللّه لك [يا عليّ] في الجنّة من القصور قصر من ذهب، و قصر من فضّة، و قصر من لؤلؤ، و قصر من زبرجد، و قصر من زمرّد، و قصر من جوهر، و قصر من نور ربّ العالمين، و أضعاف ذلك من العبيد و الخدم [و الخيل] و النجب تطير بين سماء الجنّة 416 و أرضها، فقال عليّ (عليه السلام): حمدا لربّي و شكرا! قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و هذا العدد هو عدد من يدخلهم اللّه الجنّة، و يرضى عنهم بمحبّتهم لك، و أضعاف هذا العدد ممّن يدخلهم النار من الشياطين من الجنّ و الإنس ببغضهم لك، و وقيعتهم فيك، و تنقيصهم إيّاك. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أيّكم قتل رجلا البارحة غضبا للّه و لرسوله؟ فقال عليّ (عليه السلام): أنا و سيأتيك الخصوم الآن. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): حدّث إخوانك المؤمنين [ب] القصّة. فقال عليّ (عليه السلام): كنت في منزلي إذ سمعت رجلين خارج داري يتدارآن فدخلا إليّ، فإذا فلان اليهوديّ و فلان رجل معروف في الأنصار. فقال اليهوديّ: يا أبا حسن! اعلم! أنّه قد بدت لي مع هذا حكومة، فاحتكمنا إلى محمّد صاحبكم فقضى لي عليه، فهو يقول: لست أرضى بقضائه فقد حاف و مال، و ليكن بيني و بينك كعب [بن] الأشرف؟ فأبيت عليه. فقال لي: أ فترضى بعليّ؟ [ف] قلت: نعم! فها هو قد جاء بي إليك. فقلت لصاحبه: أ كما يقول؟ قال: نعم! فقلت: أعد عليّ الحديث، فأعاد كما قال اليهوديّ، ثمّ قال لي: يا عليّ! فاقض بيننا بالحقّ، فقمت أدخل منزلي، فقال الرجل: إلى أين!؟ قلت: أدخل آتيك بما به أحكم بالحكم العدل، فدخلت و اشتملت على سيفي فضربته على حبل عاتقه، فلو كان جبلا لقددته، فوقع رأسه بين يديه. فلمّا فرغ عليّ (عليه السلام) من حديثه جاء أهل ذلك الرجل [بالرجل] المقتول، و قالوا: هذا ابن عمّك قتل صاحبنا، فاقتصّ منه. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): لا قصاص، [ف] قالوا: أودية يا رسول اللّه!؟ 417 فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و لا دية لكم، هذا و اللّه [قتيل اللّه] لا يؤدّي، إنّ عليّا قد شهد [على صاحبكم] بشهادة، و اللّه يلعنه بشهادة عليّ، و لو شهد عليّ (عليه السلام) على الثقلين لقبل اللّه شهادته عليهم إنّه الصادق الأمين، ارفعوا صاحبكم هذا و ادفنوه مع اليهود، فقد كان منهم. فرفع و أوداجه تشخب دما، و بدنه قد كسي شعرا. فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه! ما أشبّهه إلّا بالخنزير في شعره. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا عليّ! أ و ليس لو حسبت بعدد كل شعرة مثل عدد رمال الدنيا حسنات لكان كثيرا؟ قال: بلى، يا رسول اللّه! قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا أبا الحسن! إنّ هذا القتل الذي قتلت به هذا الرجل قد أوجب اللّه لك به من الثواب كأنّما اعتقت رقابا بعدد رمل عالج [الدنيا]، و بعدد كلّ شعرة على هذا المنافق. و إنّ أقلّ ما يعطي اللّه بعتق رقبة لمن يهب له بعدد كلّ شعرة من تلك الرقبة ألف حسنة، و يمحو [اللّه] عنه ألف سيّئة، فإن لم يكن له فلأبيه، فإن لم يكن لأبيه فلأمّه، فإن لم يكن لها فلأخيه، و إن لم يكن له فلذرّيّته و جيرانه و قراباته. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أيّكم استحى البارحة من أخ له في اللّه لما رأى به [من] خلّة، ثمّ كايد الشيطان في ذلك الأخ، و لم يزل به حتّى غلبه. فقال عليّ (عليه السلام): أنا يا رسول اللّه! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): حدّث يا عليّ! به إخوانك المؤمنين ليتأسّوا بحسن صنيعك فيما يمكنهم، و إن كان أحد منهم لا يلحق ثارك، و (لا يشقّ غبارك)، و لا يرمقك في سابقة لك إلى الفضائل إلّا كما يرمق الشمس من الأرض، و أقصى 418 المشرق من أقصى المغرب. فقال عليّ (عليه السلام): يا رسول اللّه! مررت بمزبلة بني فلان، و رأيت رجلا من الأنصار مؤمنا قد أخذ من تلك المزبلة قشور البطّيخ و القثّاء و التين فهو يأكلها من شدّة الجوع، فلمّا رأيته استحييت منه أن يراني فيخجل، و أعرضت عنه، و مررت إلى منزلي، و كنت أعددت لسحوري و فطوري قرصين من شعير، فجئت بهما إلى الرجل و ناولته [إيّاهما]، و قلت له: أصب من هذا كلّما جعت فإنّ اللّه عزّ و جلّ يجعل البركة فيهما. فقال لي: يا أبا الحسن! أنا أريد أن أمتحن هذه البركة لعلمي بصدقك في قيلك إنّي أشتهي لحم فراخ اشتهاه عليّ أهل منزلي. فقلت [له]: اكسر منهما لقما بعدد ما تريده من فراخ، فإنّ اللّه تعالى يقلّبها فراخا بمسألتي إيّاه لك بجاه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين. فأخطر الشيطان ببالي فقال: يا أبا الحسن! تفعل هذا به و لعلّه منافق، فرددت عليه إن يكن مؤمنا فهو أهل لما أفعل معه، و إن يكن منافقا فأنا للإحسان أهل، فليس كلّ معروف يلحق بمستحقّه. و قلت له: أنا أدعو اللّه بمحمّد و آله الطيّبين ليوفّقه للإخلاص و النزوع عن الكفر إن كانت منافقا فإنّ تصدّقي عليه بهذا أفضل من تصدّقي عليه بهذا الطعام الشريف الموجب للثراء و الغناء فكايدت الشيطان. و دعوت اللّه سرّا من الرجل بالإخلاص بجاه محمّد و آله الطيّبين. فارتعدت فرائص الرجل، و سقط لوجهه فأقمته، و قلت له: ما ذا شأنك؟ قال: كنت منافقا شاكّا فيما يقوله محمّد و فيما تقوله أنت، فكشف لي [اللّه] عن السماوات و الحجب، فأبصرت الجنّة [و أبصارت] كلّما تعدان به من المثوبات، 419 و كشف لي عن اطباق الأرض، فأبصرت جهنّم، و أبصارت كلمات توعدان به من العقوبات، فذاك حين وقر الإيمان في قلبي، و أخلص به جناني، و زال عنّي الشكّ الذي كان يعتورني. فأخذ الرجل القرصين، و قلت له: كلّ شيء تشتهيه فاكسر من القرص قليلا، فإنّ اللّه يحوّله ما تشتهيه و تتمنّاه و تريده. فما زال كذلك ينقلب لحما و شحما و حلواء و رطبا و بطّيخا و فواكه الشتاء و فواكه الصيف حتّى أظهر اللّه تعالى من الرغيفين عجبا، و صار الرجل من عتقاء اللّه من النار، (و من عبيده المصطفين) الأخيار. فذلك حين رأيت جبرئيل و ميكائيل و إسرافيل و ملك الموت قد قصدوا الشيطان كلّ واحد [منهم] بمثل جبل أبي قبيس، فوضع أحدهم عليه و بنيه بعضهم على بعض، فتهشّم، و جعل إبليس يقول: يا ربّ! وعدك، وعدك أ لم تنظرني إلى يوم يبعثون، فإذا نداء [بعض الملائكة]: أنظرتك لئلّا تموت، ما أنظرتك لئلّا تهشّم و ترضّض. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا أبا الحسن! كما كايدت الشيطان فأعطيت في اللّه من نهاك عنه و غلبته، فإنّ اللّه تعالى يخزي عنك الشيطان، و عن محبّيك و يعطيك [في الآخرة] بعدد كلّ حبّة خردل ممّا أعطيت صاحبك (و فيما تمنّاه من اللّه و فيما يمنّيه اللّه منه درجة في الجنّة من ذهب) أكبر من الدنيا من الأرض إلى السماء، و بعدد كلّ حبّة منها جبلا من فضّة كذلك، و جبلا من لؤلؤ، و جبلا من ياقوت، و جبلا من جوهر، و جبلا من نور ربّ العزّة كذلك، و جبلا من زمرّد، و جبلا من زبرجد كذلك، و جبلا من مسك، و جبلا من عنبر كذلك. و إنّ عدد خدمك في الجنّة أكثر من عدد قطر المطر، و النبات، و شعور 420 الحيوانات، بك يتمّم اللّه الخيرات، و يمحو عن محبّيك السيّئات، و بك يميز اللّه المؤمنين من الكافرين و المخلصين من المنافقين، و أولاد الرشد من أولاد الغيّ. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أيّكم وقى بنفسه نفس رجل مؤمن البارحة؟ فقال عليّ (عليه السلام): أنا يا رسول اللّه! وقيت بنفسي نفس ثابت بن قيس بن شمّاس الأنصاريّ. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): حدّث بالقصّة إخوانك المؤمنين، و لا تكشف عن اسم المنافق المكايد لنا، فقد كفاكما اللّه شرّه، و أخّره للتوبة لعلّه يتذكّر أو يخشى. فقال عليّ (عليه السلام): بينا أنا أسير في بني فلان بظاهر المدينة و بين يدي- بعيدا منّي- ثابت بن قيس، إذا بلغ بئرا عادية عميقة بعيدة القعر، و هناك رجل من المنافقين فدفعه ليرميه في البئر، فتماسك ثابت، ثمّ عاد فدفعه، و الرجل لا يشعر بي حتّى وصلت إليه، و قد اندفع ثابت في البئر، فكرهت أن أشتغل بطلب المنافق خوفا على ثابت، فوقعت في البئر لعلّي آخذه، فنظرت فإذا [أنا] قد سبقته إلى قرار البئر. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): و كيف لا تسبقه و أنت أرزن منه! و لو لم يكن من رزانتك إلّا ما في جوفك من علم الأوّلين و الآخرين الذي أودعه اللّه رسوله، و أودعك لكان من حقّك أن تكون أرزن من كلّ شيء فكيف كان حالك و حال ثابت؟ قال: يا رسول اللّه! صرت إلى قرار البئر، و استقررت قائما، و كان ذلك أسهل عليّ و أخف على رجلي من خطاي التي أخطوها رويدا [رويدا]. 421 ثمّ جاء ثابت فانحدر فوقع على يديّ، و قد بسطتهما له، فخشيت أن يضرّني سقوطه عليّ أو يضرّه. فما كان إلّا كباقة ريحان تناولتها بيدي، ثمّ نظرت فإذا ذلك المنافق، و معه آخران على شفير البئر، و هو يقول لهما: أردنا واحدا فصار اثنين. فجاءوا بصخرة فيها مقدار مائتي منّ، فأرسلوها علينا، فخشيت أن تصيب ثابتا فاحتضنته، و جعلت رأسه إلى صدري، و انحنيت عليه فوقعت الصخرة على مؤخّر رأسي فما كانت إلّا كترويحة بمروحة روحت بها في حمّارة القيظ، ثمّ جاءوا بصخرة أخرى فيها قدر ثلاثمائة منّ، فأرسلوها علينا، فانحنيت على ثابت، فأصابت مؤخّر رأسي، فكانت كماء، صببته على رأسي و بدني في يوم شديد الحرّ، ثمّ جاءوا بصخرة ثالثة فيها قدر خمسمائة منّ، يديرونها على الأرض لا يمكنهم أن يقلّبوها، فأرسلوها علينا فانحنيت على ثابت، فأصابت مؤخّر رأسي و ظهري، فكانت كثوب ناعم صببته على بدني و لبسته فتنعّمت به، ثمّ سمعتهم يقولون: لو أنّ لابن أبي طالب و ابن قيس مائة الف روح ما نجت واحدة منها من بلاء هذه الصخور، ثمّ انصرفوا، و قد دفع اللّه عنّا شرّهم. فأذن اللّه عزّ و جلّ لشفير البئر فانحطّ و لقرار البئر فارتفع فاستوى القرار و الشفير بعد بالأرض فخطونا و خرجنا. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): يا أبا الحسن! إنّ اللّه عزّ و جلّ قد أوجب لك بذلك من الفضائل، و الثواب ما لا يعرفه غيره، ينادي مناد يوم القيامة: أين محبّو عليّ ابن أبي طالب؟ فيقوم قوم من الصالحين، فيقال لهم: خذوا بأيدي من شئتم من عرصات القيامة، فأدخلوهم الجنّة. فأقلّ رجل منهم ينجو بشفاعته من أهل [تلك] العرصات ألف ألف رجل، 422 ثمّ ينادي مناد: أين البقيّة من محبّي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؟ فيقوم قوم مقتصدون، فيقال لهم: تمنّوا على اللّه عزّ و جلّ ما شئتم، فيتمنّون، فيفعل بكلّ واحد [منهم] ما تمنّى، ثمّ يضاعف له مائة ألف ضعف. ثمّ ينادي مناد: أين البقيّة من محبّي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؟ فيقوم قوم ظالمون لأنفسهم معتدون عليها. فيقال: أين المبغضون لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام)؟ فيؤتى بهم جمّ غفير و عدد عظيم كثير، فيقال: أ لا نجعل كلّ ألف من هؤلاء فداء لواحد من محبّي عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ليدخلوا الجنّة. فينجّى اللّه عزّ و جلّ محبّيك، و يجعل أعداءك فداءهم. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): هذا الأفضل الأكرم محبّه محبّ اللّه و [محبّ] رسوله، و مبغضه مبغض اللّه و [مبغض] رسوله هم خيار خلق اللّه من أمّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم). ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لعليّ (عليه السلام): أنظر! فنظر إلى عبد اللّه بن أبيّ و إلى سبعة [نفر] من اليهود، فقال: قد شاهدت، خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): أنت يا عليّ! أفضل شهداء اللّه في الأرض بعد محمّد رسول اللّه. قال فذلك قوله تعالى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَ عَلى سَمْعِهِمْ وَ عَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ تبصرها الملائكة، فيعرفونهم بها، و يبصرها رسول اللّه محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم)، و يبصرها خير خلق اللّه بعده عليّ بن أبي طالب (عليه السلام). 423 ثمّ قال: وَ لَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ في الآخرة (بما كان) من كفرهم باللّه، و كفرهم بمحمّد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) . (1032) 6- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): فقال رجل للصادق (عليه السلام): فإذا كان هؤلاء العوامّ من اليهود لا يعرفون الكتاب إلّا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمّهم بتقليدهم، و القبول من علمائهم؟ و هل عوامّ اليهود إلّا كعوامّنا يقلّدون علماءهم؟ فإن لم يجز لأولئك القبول من علمائهم لم يجز لهؤلاء القبول من علمائهم. فقال (عليه السلام): بين عوامّنا و علمائنا و بين عوامّ اليهود و علمائهم فرق من جهة، و تسوية من جهة. أمّا من حيث أنّهم استووا فإنّ اللّه قد ذمّ عوامّنا بتقليدهم علماءهم كما [قد] ذمّ عوامّهم، و أمّا من حيث أنّهم افترقوا فلا! قال: بيّن لي ذلك يا ابن رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)!؟ قال (عليه السلام): إنّ عوامّ اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، و بأكل الحرام، و بالرشاء، و بتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات و العنايات 424 و المصانعات، و عرفوهم بالتعصّب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، و أنّهم إذا تعصّبوا أزالوا حقوق من تعصّبوا عليه، و أعطوا ما لا يستحقّه من تعصّبوا له من أموال غيرهم، و ظلموهم من أجلهم. و عرفوهم بأنّهم يقارفون المحرّمات، و اضطرّوا بمعارف قلوبهم إلى أنّ من فعل ما يفعلونه فهو فاسق لا يجوز أن يصدّق على اللّه، و لا على الوسائط بين الخلق و بين اللّه. فلذلك ذمّهم [اللّه] لمّا قلّدوا من قد عرفوا، و من قد علموا أنّه لا يجوز قبول خبره، و لا تصديقه في حكايته، و لا العمل بما يؤدّيه إليهم عمّن لم يشاهدوه، و وجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، و أشهر من أن لا تظهر لهم. و كذلك عوامّ أمّتنا إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، و العصبيّة الشديدة، و التكالب على حطام الدنيا و حرامها، و إهلاك من يتعصّبون عليه و إن كان لإصلاح أمره مستحقّا و بالترفّق بالبرّ و الإحسان على من تعصّبوا له، و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقّا. فمن قلّد من عوامّنا [من] مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمّهم اللّه تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم. فأمّا من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه، فللعوامّ أن يقلّدوه. و ذلك لا يكون إلّا [في] بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنّ من ركب من 425 القبائح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامّة فلا تقبلوا منهم عنّا شيئا، و لا كرامة لهم. و إنّما كثر التخليط فيما يتحمّل عنّا أهل البيت لذلك لأنّ الفسقة يتحمّلون عنّا، فهم يحرّفونه بأسره، لجهلهم، و يضعون الأشياء على غير [مواضعها و] وجوهها، لقلّة معرفتهم، و آخرين يتعمّدون الكذب علينا ليجرّوا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنّم. و منهم قوم نصّاب لا يقدرون على القدح فينا يتعلّمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجّهون به عند شيعتنا، و يتنقّصون [بنا] عند نصّابنا، ثمّ يضيفون إليه أضعافه و أضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها فيتقبّله [المسلمون] المستسلمون من شيعتنا على أنّه من علومنا، فضّلوا و أضلّوهم، و هم أضرّ على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد على الحسين بن عليّ (عليهما السلام) و أصحابه، فإنّهم يسلبونهم الأرواح و الأموال، و للمسلوبين عند اللّه أفضل الأحوال لما لحقهم من أعدائهم. و هؤلاء علماء السوء الناصبون المشبّهون بأنّهم لنا موالون و لأعدائنا معادون، يدخلون الشكّ و الشبهة على ضعفاء شيعتنا فيضلّونهم، و يمنعونهم عن قصد الحقّ المصيب. [لا جرم] أنّ من علم اللّه من قلبه- من هؤلاء العوامّ- أنّه لا يريد إلّا صيانة دينه و تعظيم وليّه لم يتركه في يد هذا الملبّس الكافر، و لكنّه يقيّض له مؤمنا يقف به على الصواب، ثمّ يوفّقه اللّه تعالى للقبول منه فيجمع له بذلك خير الدنيا و الآخرة، و يجمع على من أضلّه لعن الدنيا و عذاب الآخرة. ثمّ قال: [قال] رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): شرار علماء أمّتنا المضلّون عنّا القاطعون 426 للطرق إلينا، المسمّون أضدادنا بأسمائنا، الملقّبون أضدادنا بألقابنا، يصلّون عليهم و هم للعن مستحقّون، و يلعنوننا و نحن بكرامات اللّه مغمورون، و بصلوات اللّه و صلوات ملائكته المقرّبين علينا- عن صلواتهم علينا- مستغنون. ثمّ [قال:] قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): من خير خلق اللّه بعد أئمّة الهدى و مصابيح الدجى؟ قال: العلماء إذا صلحوا. قيل: فمن شرّ خلق اللّه بعد إبليس و فرعون و نمرود، و بعد المتسمّين بأسمائكم و المتلقّبين بألقابكم و الآخذين لأمكنتكم، و المتأمّرين في ممالككم؟ قال: العلماء إذا فسدوا هم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق، و فيهم قال اللّه عزّ و جلّ: أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ. إِلَّا الَّذِينَ تابُوا الآية . (1033) 7- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قيل للصادق (عليه السلام): إنّ عمّار الدهنيّ شهد اليوم عند [ابن] أبي ليلى، قاضي الكوفة بشهادة، فقال له القاضي: قم يا عمّار! فقد عرفناك، لا تقبل شهادتك لأنّك رافضيّ، فقام عمّار و قد ارتعدت فرائصه، و استفرغه البكاء. فقال له ابن أبي ليلي: أنت رجل من أهل العلم و الحديث إن كان يسوؤك أن 427 يقال لك رافضيّ فتبرّأ من الرفض، فأنت من إخواننا. فقال له عمّار: يا هذا! ما ذهبت و اللّه حيث ذهبت، و لكنّي بكيت عليك و عليّ، أمّا بكائي على نفسي فإنّك نسبتني إلى رتبة شريفة لست من أهلها، زعمت أنّي رافضيّ، و يحك! لقد حدّثني الصادق (عليه السلام): أنّ أوّل من سمّي الرافضة السحرة الذين لمّا شاهدوا آية موسى (عليه السلام) في عصاه آمنوا به، [و رضوا به] و اتّبعوه، و رفضوا أمر فرعون، و استسلموا لكلّ ما نزل بهم، فسمّاهم فرعون الرافضة لمّا رفضوا دينه. فالرافضيّ من رفض كلّما كرهه اللّه تعالى، و فعل كلّ ما أمره اللّه، فأين في الزمان مثل هذا، فإنّما بكيت على نفسي خشية أن (يطّلع اللّه تعالى) على قلبي و قد تقبّلت هذا الاسم الشريف على نفسي، فيعاتبني ربّي عزّ و جلّ و يقول: يا عمّار! أ كنت رافضا للأباطيل، عاملا للطاعات كما قال لك؟ فيكون ذلك تقصيرا بي في الدرجات إن سامحني، و موجبا لشديد العقاب عليّ إن ناقشني إلّا أن يتداركني مواليّ بشفاعتهم. و أمّا بكائي عليك، فلعظم كذبك في تسميتي بغير اسمي و شفقتي الشديدة عليك من عذاب اللّه تعالى أن صرّفت أشرف الأسماء إلى أن جعلته من أرذلها كيف يصبر بذلك على عذاب [اللّه و عذاب] كلمتك هذه! فقال الصادق (عليه السلام): لو أنّ على عمّار من الذنوب ما هو أعظم من السماوات و الأرضين لمحيت عنه بهذه الكلمات، و إنّها لتزيد في حسناته عند ربّه عزّ و جلّ حتّى يجعل كلّ خردلة منها أعظم من الدنيا ألف مرّة . 428 (1034) 8- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال جعفر بن محمّد (عليهما السلام): استعمال التقيّة لصيانة الإخوان، فإن كان هو يحمي الخائف فهو من أشرف (خصال الكرم). و المعرفة بحقوق الإخوان من أفضل الصدقات و الصلوات و الزكاة و الحجّ و المجاهدات . (1035) 9- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال جعفر بن محمّد الصادق (عليهما السلام): ما أنعم اللّه عزّ و جلّ على عبد أجلّ من أن لا يكون في قلبه مع اللّه تعالى غيره . (1036) 10- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال جعفر بن محمّد (عليهما السلام): من رعى حقّ أبويه الأفضلين محمّد و عليّ (عليهما السلام) لم يضرّه ما أضاع من حقّ أبوي نفسه و سائر عباد اللّه، فإنّهما (صلوات الله عليهما) يرضيانهم بسعيهما . 429 (1037) 11- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال جعفر بن محمّد (عليهما السلام): من ضاق عن قضاء حقّ قرابة أبوي دينه و أبوي نسبه، و قدح كلّ واحد منهما في الآخر، فقدّم قرابة أبوي دينه على قرابة أبوي نسبه. قال اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة: كما قدّم قرابة أبوي دينه، فقدّموه إلى جناني، فيزداد فوق ما كان أعدّ له من الدرجات ألف ألف ضعفها . (1038) 12- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الصادق (عليه السلام): وَ قُولُوا لِلنَّاسِ كلّهم حُسْناً مؤمنهم و مخالفهم، أمّا المؤمنون فيبسط لهم وجهه و بشره. و أمّا المخالفون فيكلّمهم بالمداراة لاجتذابهم إلى الإيمان، فإن ييأس من ذلك يكفّ شرورهم عن نفسه و عن إخوانه المؤمنين . (1039) 13- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال الإمام (عليه السلام): قال الصادق (عليه السلام): وَ لَمَّا جاءَهُمْ جاء هؤلاء اليهود و من يليهم من النواصب رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ القرآن مشتملا على 430 [وصف] فضل محمّد و عليّ، و إيجاب ولايتهما و ولاية أوليائهما، و عداوة أعدائهما. نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ اليهود التوراة و كتب أنبياء اللّه (عليهم السلام) وَراءَ ظُهُورِهِمْ و تركوا العمل بما فيها، و حسدوا محمّدا على نبوّته، و عليّا على وصيّته، و جحدوا على ما وقفوا عليه من فضائلهما كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ فعلوا من جحد ذلك، و الردّ له فعل من لا يعلم مع علمهم بأنّه حقّ، وَ اتَّبَعُوا هؤلاء اليهود و النواصب ما تَتْلُوا ما تقرأ الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ. و زعموا أنّ سليمان بذلك السحر و النيرنجات نال ما ناله من الملك العظيم، فصدّوهم به عن كتاب اللّه. و ذلك أنّ اليهود الملحدين، و النواصب المشاركين لهم في إلحادهم لمّا سمعوا من رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فضائل عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و شاهدوا منه و من عليّ (عليه السلام) المعجزات التي أظهرها اللّه تعالى لهم على أيديهما، أفضى بعض اليهود و النصّاب إلى بعض، و قالوا: ما محمّد إلّا طالب دنيا بحيل و مخاريق و سحر و نيرنجات تعلّمها، و علّم عليّا (عليه السلام) بعضها، فهو يريد أن يتملّك علينا في حياته، و يعقد الملك لعليّ بعده. و ليس ما يقوله عن اللّه تعالى بشيء إنّما هو قوله، فيعقد علينا، و على ضعفاء عباد اللّه بالسحر و النيرنجات التي يستعملها. 431 و أوفر الناس كان حظّا من هذا السحر سليمان بن داود الذي ملك بسحره الدنيا كلّها من الجنّ و الإنس و الشياطين، و نحن إذا تعلّمنا بعض ما كان تعلّمه سليمان، تمكّنا من إظهار مثل ما يظهره محمّد و عليّ، و ادّعينا لأنفسنا ما يجعله محمّد لعليّ، و قد استغنينا عن الانقياد لعليّ. فحينئذ ذمّ اللّه تعالى الجميع من اليهود و النواصب، فقال اللّه عزّ و جلّ: نبذوا كِتابَ اللَّهِ الامر بولاية محمّد و عليّ وَراءَ ظُهُورِهِمْ فلم يعملوا به وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا كفرة الشَّياطِينُ من السحر و النيرنجات عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ؛ الذين يزعمون أنّ سليمان به ملك، و نحن أيضا به نظهر العجائب حتّى ينقاد لنا الناس، و نستغني عن الانقياد لعليّ (عليه السلام). قالوا: و كان سليمان كافرا ساحرا ماهرا بسحره، ملك ما ملك، و قدر على ما قدر، فردّ اللّه تعالى عليهم، فقال: وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ و لا استعمل السحر كما قال هؤلاء الكافرون وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ أي بتعليمهم الناس السحر الذي نسبوه إلى سليمان كفروا. ثمّ قال: وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ قال: كفر الشياطين بتعليمهم الناس السحر، و بتعليمهم إيّاهم بما أنزل اللّه على الملكين ببابل هاروت و ماروت- اسم الملكين-. قال الصادق (عليه السلام): و كان بعد نوح (عليه السلام) قد كثر السحرة و المموّهون ، فبعث اللّه تعالى ملكين إلى نبيّ ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة، و ذكر ما 432 يبطل به سحرهم، و يردّ به كيدهم. فتلقّاه النبيّ عن الملكين، و أدّاه إلى عباد اللّه بأمر اللّه، و أمرهم أن يقفوا به على السحر، و أن يبطلوه، و نهاهم أن يسحروا به الناس. و هذا كما يدلّ على السمّ ما هو؟ و على ما يدفع به غائلة السمّ، ثمّ يقال للمتعلّم ذلك: هذا السمّ، فمن رأيته سمّ فادفع غائلته بكذا، و إيّاك أن تقتل بالسمّ أحدا. ثمّ قال: وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ و هو أنّ ذلك النبيّ أمر الملكين أن يظهرا للناس بصورة بشرين و يعلّمانهم ما علّمهما اللّه تعالى من ذلك و يعظاهم. فقال اللّه تعالى: وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ ذلك السحر و إبطاله حَتَّى يَقُولا للمتعلّم إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ امتحان، للعباد ليطيعوا اللّه عزّ و جلّ فيما يتعلّمون من هذا و يبطلوا به كيد الساحر، و لا يسحروا لهم. فَلا تَكْفُرْ باستعمال هذا السحر، و طلب الإضرار به و دعاء الناس إلى أن يعتقدوا [بك] إنّك به تحيي و تميت و تفعل ما لا يقدر عليه إلّا اللّه تعالى، فإنّ ذلك كفر. قال اللّه تعالى: فَيَتَعَلَّمُونَ يعني طالبي السحر مِنْهُما يعني ممّا كتبت الشياطين على ملك سليمان من النيرنجات و ما أنزل على الملكين ببابل هاروت و ماروت، يتعلّمون من هذين الصنفين. ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ هذا من يتعلّم للإضرار بالناس، يتعلّمون التفريق بضروب الحيل و التمائم و الإيهام أنّه قد دفن [كذا] و عمل كذا، ليجلب قلب المرأة عن الرجل، و قلب الرجل عن المرأة، و يؤدّي إلى الفراق بينهما. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ أي ما المتعلّمون لذلك بضارّين به من أحد إلّا بإذن اللّه بتخلية اللّه و علمه، فإنّه 433 لو شاء لمنعهم بالجبر و القهر. ثمّ قال: وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ لأنّهم إذا تعلّموا ذلك السحر ليسحروا به و يضرّوا، فقد تعلّموا ما يضرّهم في دينهم و لا ينفعهم فيه، بل ينسلخون عن دين اللّه بذلك. وَ لَقَدْ عَلِمُوا هؤلاء المتعلّمون لَمَنِ اشْتَراهُ بدينه الذي ينسلخ عنه بتعلّمه ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ من نصيب في ثواب الجنّة وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ و رهنوها بالعذاب لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي لو كانوا يعلمون أنّهم قد باعوا الآخرة، و تركوا نصيبهم من الجنّة لأنّ المتعلّمين لهذا السحر هم الذين يعتقدون أن لا رسول و لا إله و لا بعث و لا نشور. فقال: وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ لأنّهم يعتقدون أن لا آخرة، فهم يعتقدون أنّها إذا لم تكن آخرة فلا خلاق لهم في دار بعد الدنيا، و إن كان [بعد الدنيا] آخرة، فهم مع كفرهم بها لا خلاق لهم فيها. ثمّ قال: وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ باعوا به أنفسهم بالعذاب إذا باعوا الآخرة بالدنيا، و رهنوا بالعذاب [الدائم] أنفسهم لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أنّهم قد باعوا أنفسهم بالعذاب، و لكن لا يعلمون ذلك لكفرهم به، فلمّا تركوا النظر في حجج اللّه حتّى يعلموا، عذّبهم على اعتقادهم الباطل و جحدهم الحقّ . 434
موسوعة الإمام العسكري — مرتفع و إلى متى يسخر بنا هؤلاء- يعنون موسى ثمّ يوشع بن نون- و يسجدوننا في الأباطيل و جعلوا استاهم نح — الإمام العسكري عليه السلام
م، تفسير الإمام (عليه السلام) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ خالِدِينَ فِيها لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ قَالَ الْإِمَامُ عليه السلام قَالَ
اللَّهُ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ فِي رَدِّهِمْ نُبُوَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وَ وَلَايَةَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام وَ آلِهِمَا عليهما السلام وَ ماتُوا عَلَى كُفْرِهِمْ وَ هُمْ كُفَّارٌ أُولئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ يُوجِبُ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمُ الْبُعْدَ مِنَ الرَّحْمَةِ وَ السَّحْقَ مِنَ الثَّوَابِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الْمَلَائِكَةِ يَلْعَنُونَهُمْ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ كُلٌّ يَلْعَنُهُمْ لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الْمَأْمُورِينَ الْمُنْتَهِينَ يَلْعَنُونَ الْكَافِرِينَ وَ الْكَافِرُونَ أَيْضاً يَقُولُونَ لَعَنَ اللَّهُ الْكَافِرِينَ فَهُمْ فِي لَعْنِ أَنْفُسِهِمْ أَيْضاً خالِدِينَ فِيها فِي اللَّعْنَةِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ يَوْماً وَ لَا سَاعَةً وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ لَا يُؤَخَّرُونَ سَاعَةً إِلَّا يَحِلُ بِهِمُ الْعَذَابُ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّ هَؤُلَاءِ الْكَاتِمِينَ لِصِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ الْجَاحِدِينَ لِحِلْيَةِ عَلِيٍّ وَلِيِّ اللَّهِ إِذَا أَتَاهُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ أَرْوَاحَهُمْ أَتَاهُمْ بِأَفْظَعِ الْمَنَاظِرِ وَ أَقْبَحِ الْوُجُوهِ فَيُحِيطُ بِهِمْ عِنْدَ نَزْعِ أَرْوَاحِهِمْ مَرَدَةُ شَيَاطِينِهِمْ الَّذِينَ كَانُوا يَعْرِفُونَهُمْ ثُمَّ يَقُولُ مَلَكُ الْمَوْتِ أَبْشِرِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْخَبِيثَةُ الْكَافِرَةُ بِرَبِّهَا بِجَحْدِ نُبُوَّةِ نَبِيِّهَا صلى الله عليه وآله وسلم وَ إِمَامَةِ عَلِيٍّ وَصِيِّهِ عليه السلام بِلَعْنَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ غَضَبٍ ثُمَّ يَقُولُ ارْفَعْ رَأْسَكَ وَ طَرْفَكَ وَ انْظُرْ فَيَرَى دُونَ الْعَرْشِ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى سَرِيرٍ بَيْنَ يَدَيْ عَرْشِ الرَّحْمَنِ وَ يَرَى عَلِيّاً عليه السلام عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ سَائِرَ الْأَئِمَّةِ عليهم السلام عَلَى مَرَاتِبِهِمُ الشَّرِيفَةِ بِحَضْرَتِهِ ثُمَّ يَرَى الْجِنَانَ قَدْ فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَ يَرَى الْقُصُورَ وَ الدَّرَجَاتِ وَ الْمَنَازِلَ الَّتِي تَقْصُرُ عَنْهَا أَمَانِيُّ الْمُتَمَنِّينَ فَيَقُولُ لَهُ لَوْ كُنْتَ لِأَوْلِيَائِكَ مُوَالِياً كَانَتْ رُوحُكَ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى حَضْرَتِهِمْ وَ كَانَ يَكُونُ مَأْوَاكَ فِي تِلْكَ الْجِنَانِ وَ كَانَتْ تَكُونُ مَنَازِلُكَ [فِيهَا و أولياؤك وَ [أُولَئِكَ مُجَاوِرُوكَ وَ مُقَارِبُوكَ فَانْظُرْ فَيُرْفَعُ حُجُبُ الْهَاوِيَةِ فَيَرَاهَا بِمَا فِيهَا مِنْ بَلَايَاهَا وَ دَوَاهِيهَا وَ عَقَارِبِهَا وَ حَيَّاتِهَا وَ أَفَاعِيهَا وَ صُرُوفِ عَذَابِهَا وَ نَكَالِهَا فَيُقَالُ لَهُ فَتِلْكَ إِذاً مَنَازِلُكَ ثُمَّ تَمَثَّلُ لَهُ شَيَاطِينُهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا يُغْوُونَهُ وَ يَقْبَلُ مِنْهُمْ مُقَرَّنِينَ هُنَاكَ فِي الْأَصْفَادِ وَ الْأَغْلَالِ فَيَكُونُ مَوْتُهُ بِأَشَدِّ حَسْرَةٍ وَ أَعْظَمِ أَسَفٍ.
بحار الأنوار - ج ٦ - الصفحة ١٨٩. — الله تعالى (حديث قدسي)
عليه السلام قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَ كُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ قَالَ الْإِمَامُ عليه السلام قَالَ
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ١٣ - الصفحة ٤٤٩. — الإمام الصادق عليه السلام
كِتَابُ الْغَارَاتِ، لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ مِنْ وُلْدِ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ
كَانَ عَلِيٌّ عليه السلام إِذَا نَعَتَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ لَمْ يَكُ بِالطَّوِيلِ الْمُمَّغِطِ وَ لَا الْقَصِيرِ الْمُتَرَدِّدِ وَ كَانَ رَبْعَةً مِنَ الْقَوْمِ وَ لَمْ يَكُ بِالْجَعْدِ الْقَطَطِ وَ لَا السَّبِطِ كَانَ جَعْداً رَجِلًا وَ لَمْ يَكُ بِالْمُطَهَّمِ وَ لَا الْمُكَلْثَمِ وَ كَانَ فِي الْوَجْهِ تَدْوِيراً أَبْيَضَ مُشْرَبٍ أَدْعَجَ الْعَيْنِ أَهْدَبَ الْأَشْفَارِ جَلِيلَ الْمُشَاشِ وَ الْكَتَدِ أَجْرَدَ ذَا مَسْرُبَةٍ شَثْنَ الْكَفَّيْنِ وَ الْقَدَمَيْنِ إِذَا مَشَى تَقَلَّعَ كَأَنَّمَا يَمْشِي فِي صَبَبٍ وَ إِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ مَعاً بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ وَ هُوَ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ أَجْوَدُ النَّاسِ كَفّاً وَ أَجْرَأُ النَّاسِ صَدْراً وَ أَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً وَ أَوْفَى النَّاسِ ذِمَّةً وَ أَلْيَنُهُمْ عَرِيكَةً- وَ أَكْرَمُهُمْ عَشِيرَةً بِأَبِي مَنْ لَمْ يَشْبَعْ ثَلَاثاً مُتَوَالِيَةً مِنْ خُبْزِ بُرٍّ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا وَ لَمْ يَنْخُلْ دَقِيقَةً. أقول: قد مضت الأخبار في وصف خاتم النبوة في الأبواب السابقة فلا نعيدها. الآيات آل عمران فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ الأنعام قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ الأعراف خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ التوبة وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ النحل وَ اصْبِرْ وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ الكهف فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً و قال تعالى الكهف فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً وَ لا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَ قُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً طه طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى و قال تعالى طه فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ غُرُوبِها وَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَ أَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَ الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى الشعراء وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَ اخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ وَ تَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ النمل وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَ لا تَكُنْ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ إلى قوله تعالى فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ و قال تعالى النمل إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَها وَ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَ أَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ العنكبوت اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَ أَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ الروم فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ الأحزاب وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ وَ دَعْ أَذاهُمْ وَ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا فاطر فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ يس وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَ قُرْآنٌ مُبِينٌ إلى قوله تعالى فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَ ما يُعْلِنُونَ المؤمن فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ السجدة وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ الزخرف وَ قِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ الأحقاف فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ محمد فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَ مَثْواكُمْ ق فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ أَدْبارَ السُّجُودِ إلى قوله تعالى نَحْنُ أَعْلَمُ بِما يَقُولُونَ وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخافُ وَعِيدِ الطور وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَ إِدْبارَ النُّجُومِ القلم ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ إلى قوله تعالى فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نادى وَ هُوَ مَكْظُومٌ المعارج فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا الجن قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَ لا رَشَداً قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَ لَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَ رِسالاتِهِ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذابَ وَ إِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَ أَقَلُّ عَدَداً قُلْ إِنْ أَدْرِي أَ قَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَ أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً المزمل يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَ أَقْوَمُ قِيلًا إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا وَ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلًا إلى قوله تعالى إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَ آخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ المدثر يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ وَ لِرَبِّكَ فَاصْبِرْ الدهر إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا وَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَ سَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا تفسير قال الطبرسي (رحمه الله) فَبِما رَحْمَةٍ ما زائدة مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ أي إن لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا أي جافيا سيئ الخلق غَلِيظَ الْقَلْبِ أي قاسي الفؤاد غير ذي رحمة لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ لتفرق أصحابك عنك فَاعْفُ عَنْهُمْ ما بينك و بينهم وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ ما بينهم و بيني وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ أي استخراج آرائهم [استخرج آراءهم و اعلم ما عندهم و اختلف في فائدة مشاورته إياهم مع استغنائه بالوحي على أقوال. أحدها أن ذلك على وجه التطييب لنفوسهم و التألف لهم و الرفع من أقدارهم و ثانيها أن ذلك ليقتدي به أمته في المشاورة و لا يرونها نقيصة كما مدحوا بأن أمرهم شُورى بَيْنَهُمْ و ثالثها أن ذلك لأمرين لإجلال أصحابه و ليقتدي أمته به في ذلك. و رابعها أن ذلك ليمتحنهم بالمشاورة ليتميز الناصح من الغاش. و خامسها أن ذلك في أمور الدنيا و مكايد الحرب و لقاء العدو و في مثل ذلك يجوز أن يستعين بآرائهم فإذا عزمت أي فإذا عقدت قلبك على الفعل و إمضائه و رووا عن جعفر بن محمد و عن جابر بن يزيد فإذا عزمت بالضم فالمعنى إذا عزمت لك و وفقتك و أرشدتك فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ أي فاعتمد على الله و ثق به و فوض أمرك إليه و في هذه الآية دلالة على تخصيص نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بمكارم الأخلاق و محاسن الأفعال و من عجيب أمره أنه كان أجمع الناس لدواعي الترفع ثم كان أدناهم إلى التواضع و ذلك أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان أوسط الناس نسبا و أوفرهم حسبا و أسخاهم و أشجعهم و أزكاهم و أفصحهم و هذه كلها من دواعي الترفع ثم كان من تواضعه أنه كان يرقع الثوب و يخصف النعل و يركب الحمار و يعلف الناضح و يجيب دعوة المملوك و يجلس في الأرض و يأكل في الأرض و كان يدعو إلى الله من غير زبر و لا كهر و لا زجر و لقد أحسن من مدحه في قوله فما حملت من ناقة فوق ظهرها.* * * أبر و أوفى ذمة من محمد. و في قوله تعالى قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ أي خزائن رحمته أو مقدوراته أو أرزاق الخلائق وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ الذي يختص الله تعالى بعلمه و إنما أعلم ما علمني وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ أي لا أقدر على ما يقدر عليه الملك فأشاهد من أمر الله و غيبه ما تشاهده الملائكة إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ يريد ما أخبركم إلا بما أنزل الله إلي. أقول الحاصل أني لا أقدر أن آتيكم بمعجزة و آية إلا بما أقدرني الله عليه و أذن لي فيه و لا أعلم شيئا إلا بتعليمه تعالى و لا أعلم شيئا من قبل نفسي إلا بإلهام أو وحي منه تعالى و لا أقول إني مبرأ من الصفات البشرية من الأكل و الشرب و غير ذلك. و قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى خُذِ الْعَفْوَ أي ما عفا من أموال الناس أي ما فضل من النفقة فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأخذ الفضل من أموالهم ليس فيها شيء موقت ثم نزلت آية الزكاة فصار منسوخا بها و قيل معناه خُذِ الْعَفْوَ من أخلاق الناس و اقبل الميسور منها و قيل هو العفو في قبول العذر من المعتذر و ترك المؤاخذة بالإساءة وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ يعني بالمعروف و هو كل ما حسن في العقل أو الشرع وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ أي أعرض عنهم عند قيام الحجة عليهم و الإياس من قبولهم و لا تقابلهم بالسفه صيانة لقدرك و في قوله تعالى وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ أي يستمع إلى ما يقال له و يصغي إليه و يقبله قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ أي يستمع إلى ما هو خير لكم و هو الوحي أو هو يسمع الخير و يعمل به و منهم من قرأ أذن خير لكم بالرفع و التنوين فيهما فالمعنى أن كونه أذنا أصلح لكم لأنه يقبل عذركم و يستمع إليكم و لو لم يقبل عذركم لكان شرا لكم فكيف تعيبونه بما هو أصلح لكم يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ أي لا يضره كونه أذنا فإنه أذن خير فلا يقبل إلا الخير الصادق من الله و يصدق المؤمنين أيضا فيما يخبرونه و يقبل منهم دون المنافقين و قيل يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ أي يؤمنهم فيما يلقي إليهم من الأمان وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ أي و هو رحمة لهم لأنهم إنما نالوا الإيمان بهدايته و دعائه إياهم. و في قوله تعالى وَ اصْبِرْ أي فيما تبلغه من الرسالة و فيما تلقاه من الأذى وَ ما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ أي بتوفيقه و تيسيره و ترغيبه فيه وَ لا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ أي على المشركين في إعراضهم عنك فإنه يكون الظفر و النصرة لك عليهم و لا عتب عليك في إعراضهم وَ لا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ أي لا يكن صدرك في ضيق من مكرهم بك و بأصحابك فإن الله يرد كيدهم في نحورهم. و في قوله فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ أي مهلك و قاتل نفسك على آثارهم قومك الذين قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً تمردا منهم على ربهم إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أي القرآن أَسَفاً أي حزنا و تلهفا. و في قوله تعالى فَلا تُمارِ فِيهِمْ أي فلا تجادل الخائضين في أمر الفتية و عددهم إِلَّا مِراءً ظاهِراً أي إلا بما أظهرنا لك من أمرهم أي إلا بحجة و دلالة و إخبار من الله سبحانه أو الأمراء يشهده الناس و يحضرونه فلو أخبرتهم في غير مرأى من الناس لكذبوا عليك و لبسوا على الضعفة فادعوا أنهم كانوا يعرفونه لأن ذلك من غوامض علومهم وَ لا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً أي لا تستخبر في أهل الكهف و عددهم من أهل الكتاب أحدا و الخطاب له صلى الله عليه وآله وسلم و المراد غيره وَ لا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ فيه وجهان. أحدهما أنه نهي من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يقول إني أفعل شيئا في الغد إلا أن يقيد ذلك بمشية الله تعالى فيقول إن شاء الله تعالى و فيه إضمار القول. و ثانيهما أن قوله أَنْ يَشاءَ اللَّهُ بمعنى المصدر و تقديره و لا تقولن إني فاعل شيئا غدا إلا بمشية الله و المعنى لا تقل إني أفعل إلا ما يشاء الله و يريده من الطاعات وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ أي إذا نسيت الاستثناء ثم تذكرت فقل إن شاء الله و إن كان بعد يوم أو شهر أو سنة و قد روي ذلك عن أئمتنا عليه السلام و يمكن أن يكون الوجه فيه أنه إذا استثنى بعد النسيان فإنه يحصل له ثواب المستثني من غير أن يؤثر الاستثناء بعد انفصال الكلام في الكلام و في إبطال الحنث و سقوط الكفارة في اليمين و قيل معناه و اذكر ربك إذا غضبت بالاستغفار ليزول عنك الغضب و قيل إنه أمر بالانقطاع إلى الله تعالى و معناه وَ اذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ شيئا بك إليه حاجة يذكره لك و قيل المراد به الصلاة و المعنى إذا نسيت صلاة فصلها إذا ذكرتها. أقول يحتمل أن يكون الخطاب متوجها إليه صلى الله عليه وآله وسلم و المراد به غيره و يمكن أن يكون المراد بالنسيان الترك و سيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. ثم قال في قوله وَ قُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً أي قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات و الدلالات على النبوة ما يكون أقرب إلى الرشد و أدل من قصة أصحاب الكهف. قوله تعالى طه ذهب أكثر المفسرين إلى أن معناه يا رجل بلسان الحبشية أو النبطية و قيل هو من أسماء النبي صلى الله عليه وآله وسلم و قال الطبرسي روي عن الحسن أنه قرأ طه بفتح الطاء و سكون الهاء فإن صح فأصله طأ فأبدل من الهمزة هاء و معناه طأ الأرض بقدميك جميعا فقد روي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يرفع إحدى رجليه في الصلاة ليزيد تعبه فأنزل الله طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى فوضعها و روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام و قال قتادة كان يصلي الليل كله و يعلق صدره بحبل حتى لا يغلبه النوم فأمره الله سبحانه أن يخفف عن نفسه و ذكر أنه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كل هذا التعب. قوله تعالى ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى قال البيضاوي ما أنزلناه عليك لتتعب بفرط تأسفك على كفر قريش إذ ما عليك إلا أن تبلغ أو بكثرة الرياضة و كثرة التهجد و القيام على ساق و الشقاء شائع بمعنى التعب و قيل رد و تكذيب للكفرة فإنهم لما رأوا كثرة عبادته قالوا إنك لتشقى بترك ديننا و إن القرآن أنزل عليك لتشقى به إِلَّا تَذْكِرَةً لكن تذكيرا و انتصابه على الاستثناء المنقطع لِمَنْ يَخْشى لمن في قلبه خشية و رقة يتأثر بالإنذار أو لمن علم الله منه أنه يخشى بالتخويف منه فإنه المنتفع به. قوله تعالى وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قيل أي و صل و أنت حامد لربك على هدايته و توفيقه أو نزهه عن الشرك و عن سائر ما يضيفون إليه من النقائص حامدا له على ما ميزك بالهدى معترفا بأنه المولى للنعم كلها قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يعني الفجر وَ قَبْلَ غُرُوبِها يعني الظهر و العصر لأنهما في آخر النهار أو العصر وحده وَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ ساعاته فَسَبِّحْ يعني المغرب و العشاء و قيل صلاة الليل وَ أَطْرافَ النَّهارِ تكرير لصلاتي الصبح و المغرب إرادة الاختصاص أو أمر بصلاة الظهر فإنه نهاية النصف الأول من النهار و بداية النصف الأخير لَعَلَّكَ تَرْضى أي سبح في هذه الأوقات طمعا أن تنال عند الله ما به ترضى نفسك وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ أي نظر عينيك إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ استحسانا و تمنيا أن يكون لك مثله أَزْواجاً مِنْهُمْ أصنافا من الكفرة زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا الزهرة الزينة و البهجة منصوب بمحذوف دل عليه متعنا أو به على تضمينه معنى أعطينا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ أي لنبلوهم و نختبرهم فيه أو لنعذبهم في الآخرة بسببه وَ رِزْقُ رَبِّكَ و ما ادخره لك في الآخرة أو ما رزقك من الهدى و النبوة خَيْرٌ مما منحهم في الدنيا وَ أَبْقى فإنه لا ينقطع. وَ أْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ قال الطبرسي أي أهل بيتك و أهل دينك بالصلاة روى أبو سعيد الخدري قال لما نزلت هذه الآية كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يأتي باب فاطمة و علي تسعة أشهر وقت كل صلاة فيقول الصلاة يرحمكم الله إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و رواه ابن عقدة من طرق كثيرة عن أهل البيت عليهم السلام و عن غيرهم مثل أبي بردة و أبي رافع. و قال أبو جعفر عليه السلام أمره الله تعالى أن يخص أهله دون الناس ليعلم الناس أن لأهله عند الله منزلة ليست للناس فأمرهم مع الناس عامة و أمرهم خاصة. وَ اصْطَبِرْ عَلَيْها أي و اصبر على فعلها و على أمرهم بها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً لخلقنا و لا لنفسك بل كلفناك للعبادة و أداء الرسالة و ضمنا رزق جميع العباد نَحْنُ نَرْزُقُكَ الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم و المراد به جميع الخلق أي نرزق جميعهم و لا نسترزقهم وَ الْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى أي العاقبة المحمودة لأهل التقوى. قوله تعالى وَ اخْفِضْ جَناحَكَ أي لين جانبك لهم مستعار من خفض الطائر جناحه إذا أراد أن ينحط الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ أي إلى التهجد أو للإنذار وَ تَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ أي ترددك في تصفح أحوال المتهجدين كما روي أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما نسخ فرض قيام الليل طاف تلك الليلة ببيوت أصحابه لينظر ما يصنعون حرصا على كثرة طاعاتهم فوجدها كبيوت الزنابير لما سمع من دندنتهم بذكر الله و التلاوة أو تصرفك فيما بين المصلين بالقيام و الركوع و السجود و القعود إذا أمهم. قال الطبرسي و قيل معناه و تقلبك في أصلاب الموحدين من نبي إلى نبي حتى أخرجك نبيا و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليه السلام قالا في أصلاب النبيين نبي بعد نبي حتى أخرجه من صلب أبيه من نكاح غير سفاح من لدن آدم. قوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ أي سبب للانتهاء عن المعاصي حال الاشتغال بها و غيرها من حيث إنها تذكر الله و تورث للنفس خشية منه أو الصلاة الكاملة هي التي تكون كذلك فإن لم تكن كذلك فكأنها ليست بصلاة - كما روى الطبرسي مرسلا عن أبي عبد الله عليه السلام قال من أحب أن يعلم أ قبلت صلاته أم لم تقبل فلينظر هل منعته صلاته عن الفحشاء و المنكر فبقدر ما منعته قبلت منه. وَ لَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ أي ذكر الله إياكم برحمته أكبر من ذكركم إياه بطاعته أو ذكر العبد لله في جميع الأحوال أكبر الطاعات أو أكبر في النهي عن الفحشاء و المنكر و سيأتي لها في كتاب الإمامة تأويلات أخر. قوله تعالى فَاصْبِرْ أي على أذاهم إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ بنصرتك و إظهار دينك على الدين كله حَقٌّ وَ لا يَسْتَخِفَّنَّكَ أي و لا يحملنك على الخفة و القلق الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ بتكذيبهم. قوله تعالى وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً على سائر الأمم وَ لا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَ الْمُنافِقِينَ تهييج له على ما هو عليه مخالفتهم وَ دَعْ أَذاهُمْ أي إيذاءهم إياك و لا تحتفل به أو إيذاؤك إياهم مجازاة و مؤاخذة على كفرهم و لذلك قيل إنه منسوخ وَ كَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا موكولا إليه الأمر في الأحوال كلها قوله تعالى فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ أي فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم و إصرارهم على التكذيب إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَصْنَعُونَ فيجازيهم عليه. قوله تعالى وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ قال البيضاوي رد لقولهم إن محمدا شاعر أي ما علمناه الشعر بتعليم القرآن فإنه غير مقفى و لا موزون و ليس معناه ما يتوخاه الشعراء من التخييلات المرغبة و المنفرة وَ ما يَنْبَغِي لَهُ و ما يصح له الشعر و لا يتأتى له إن أراد قرضه على ما اختبرتم طبعه نحوا من أربعين سنة و قوله أنا النبي لا كذب.* * * أنا ابن عبد المطلب. و قوله هل أنت إلا إصبع دميت.* * * و في سبيل الله ما لقيت. اتفاقي من غير تكلف و قصد منه إلى ذلك و قد يقع مثله كثيرا في تضاعيف المنثورات على أن الخليل ما عد المشطور من الرجز شعرا و روي أنه حرك الباءين و كسر التاء الأولى بلا إشباع و سكن الثانية و قيل الضمير للقرآن أي و ما يصح للقرآن أن يكون شعرا. و في قوله تعالى وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ و أقبل على أمر دينك و تدارك فرطاتك بترك الأولى و الاهتمام بأمر العدى بالاستغفار فإنه تعالى كافيك في النصر و إظهار الأمر وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَ الْإِبْكارِ و دم على التسبيح و التحميد لربك و قيل صل لهذين الوقتين إذ كان الواجب بمكة ركعتان بكرة و ركعتان عشاء. و في قوله تعالى وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ أي في الجزاء و حسن العاقبة ادْفَعْ أي السيئة حيث اعترضتك بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ منها و هي الحسنة أو بأحسن ما يمكن رفعها به من الحسنات فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ أي إذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق مثل الولي الشفيق وَ ما يُلَقَّاها أي هذه السجية و هي مقابلة الإساءة بالإحسان إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا فإنها تحبس النفس عن الانتقام وَ ما يُلَقَّاها إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ من الخير و كمال النفس و قيل الحظ العظيم الجنة وَ إِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ أي نخس شبه به وسوسته لأنها بعث على ما لا ينبغي كالدفع بما هو أسوأ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ من شره و لا تطعه إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لاستعاذتك الْعَلِيمُ بنيتك أو بصلاحك. و في قوله تعالى وَ قِيلِهِ عطف على الساعة أي و قول الرسول فَاصْفَحْ عَنْهُمْ فأعرض عن دعوتهم آيسا عن إيمانهم وَ قُلْ سَلامٌ تسلم منكم و متاركة فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ تسلية للرسول و تهديد لهم. و في قوله تعالى وَ لا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ أي لكفار قريش بالعذاب فإنه نازل بهم في وقته لا محالة كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ استقصروا من هوله مدة لبثهم في الدنيا حتى يحسبونها ساعة بَلاغٌ أي هذا الذي وعظتم به أو هذه السورة كفاية أو تبليغ من الرسول ص. قوله تعالى فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ قال الطبرسي (رحمه الله) أي أقم على هذا العلم و اثبت عليه و قيل يتعلق بما قبله أي إذا جاءتهم الساعة فاعلم أنه لا إله إلا الله أي يبطل الممالك عند ذلك فلا ملك و لا حكم لأحد إلا الله و قيل إن هذا إخبار بموته أي فاعلم أن الحي الذي لا يموت هو الله وحده و قيل إنه صلى الله عليه وآله وسلم كان ضيق الصدر من أذى قومه فقيل له فاعلم أنه لا كاشف لذلك إلا الله وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ الخطاب له و المراد به الأمة و قيل المراد به الانقطاع إلى الله تعالى فإن الاستغفار عبادة يستحق به الثواب وَ اللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَ مَثْواكُمْ أي متصرفكم في أعمالكم في الدنيا و مصيركم في الآخرة إلى الجنة أو إلى النار و قيل متقلبكم في أصلاب الآباء إلى أرحام الأمهات وَ مَثْواكُمْ أي مقامكم في الأرض و قيل مُتَقَلَّبَكُمْ من ظهر إلى بطن وَ مَثْواكُمْ في القبور و قيل متصرفكم بالنهار و مضجعكم بالليل. و قال البيضاوي في قوله تعالى وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ أي نزهه عن العجز عما يمكن و الوصف بما يوجب التشبيه حامدا له على ما أنعم عليك من إصابة الحق و غيرها قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ قَبْلَ الْغُرُوبِ يعني الفجر و العصر وَ مِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ أي و سبحه بعض الليل وَ أَدْبارَ السُّجُودِ و أعقاب الصلاة و قيل المراد بالتسبيح الصلاة فالصلاة قبل الطلوع الصبح و قبل الغروب الظهر و العصر و من الليل العشاءان و التهجد وَ أَدْبارَ السُّجُودِ النوافل بعد المكتوبات و قيل الوتر بعد العشاء. و قال الطبرسي (رحمه الله) وَ أَدْبارَ السُّجُودِ فيه أقوال أحدها أن المراد به الركعتان بعد المغرب وَ إِدْبارَ النُّجُومِ الركعتان قبل الفجر عن علي و الحسن بن علي ع. و ثانيها أنه التسبيح بعد كل صلاة. و ثالثها أنه النوافل بعد المفروضات. و رابعها أنه الوتر من آخر الليل و روي ذلك عن أبي عبد الله ع. قوله تعالى وَ ما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ قال البيضاوي أي بمسلط تقسرهم على الإيمان أو تفعل بهم ما تريد و إنما أنت داع. و في قوله تعالى وَ اصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ بإمهالهم و إبقائك في عنائهم فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنا في حفظنا بحيث نراك و نكلؤك وَ سَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ عن أي مكان قمت أو من منامك أو إلى الصلاة وَ مِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ فإن العبادة فيه أشق على النفس و أبعد عن الرئاء وَ إِدْبارَ النُّجُومِ و إذا أدبرت النجوم من آخر الليل. و قال الطبرسي (رحمه الله) يعني الركعتين قبل صلاة الفجر و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله ع. و قال البيضاوي في قوله تعالى ن من أسماء الحروف و قيل اسم الحوت و المراد به الجنس أو اليهموت و هو الذي عليه الأرض أو الدواة فإن بعض الحيتان يستخرج منه شيء أسود يكتب به. و قال الطبرسي روي مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال هو نهر في الجنة قال الله له كن مدادا فجمد و كان أبيض من اللبن و أحلى من الشهد ثم قال للقلم اكتب فكتب القلم ما كان و ما هو كائن إلى يوم القيامة عن أبي جعفر الباقر ع. وَ الْقَلَمِ قال البيضاوي هو الذي خط اللوح أو الذي يخط به أقسم به لكثرة فوائده وَ ما يَسْطُرُونَ و ما يكتبون و الضمير للقلم بالمعنى الأول على التعظيم أو بالمعنى الثاني على إرادة الجنس و إسناد الفعل إلى الآلة و إجرائه مجرى أولي العلم لإقامته مقامه أو لأصحابه أو للحفظة و ما مصدرية أو موصولة ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ جواب القسم و المعنى ما أنت بمجنون منعما عليك بالنبوة و حصافة الرأي وَ إِنَّ لَكَ لَأَجْراً على الاحتمال أو الإبلاغ غَيْرَ مَمْنُونٍ مقطوع أو ممنون به عليك من الناس فإنه تعالى يعطيك بلا توسط وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ إذ تحتمل من قومك ما لا يحتمله أمثالك فَسَتُبْصِرُ وَ يُبْصِرُونَ بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ أيكم الذي فتن بالجنون و الباء مزيدة أو بأيكم الجنون على أن الْمَفْتُونُ مصدر أو بأي الفريقين منكم الجنون أ بفريق المؤمنين أو بفريق الكافرين أي في أيهما من يستحق هذا الاسم فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ و هو إمهالهم و تأخير نصرتك عليهم وَ لا تَكُنْ كَصاحِبِ الْحُوتِ يونس إِذْ نادى في بطن الحوت وَ هُوَ مَكْظُومٌ مملو غيظا في الضجرة فتبتلي ببلائه. و قال الطبرسي (رحمه الله) إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ أي على دين عظيم و قيل معناه أنك متخلق بأخلاق الإسلام و على طبع كريم و قيل سمي خلقه عظيما لاجتماع مكارم الأخلاق فيه و يعضده ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. - و قال صلى الله عليه وآله وسلم أدبني ربي فأحسن تأديبي. - و قال و أخبرني السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني عن أبي القاسم الحسكاني بإسناده عن الضحاك بن مزاحم قال لما رأت قريش تقديم النبي صلى الله عليه وآله وسلم عليا عليه السلام و إعظامه له نالوا من علي عليه السلام و قالوا قد افتتن به محمد صلى الله عليه وآله وسلم فأنزل الله تعالى ن وَ الْقَلَمِ وَ ما يَسْطُرُونَ قسم أقسم الله به ما أَنْتَ يا محمد بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَ إِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ يعني القرآن إلى قوله بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ و هم النفر الذين قالوا ما قالوا وَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ علي بن أبي طالب ع.. و قال البيضاوي في قوله تعالى مُلْتَحَداً أي منحرفا و ملتجئا إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ استثناء من قوله لا أَمْلِكُ فإن التبليغ إرشاد و إنفاع أو من مُلْتَحَداً و رِسالاتِهِ عطف على بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَ مَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ في الأمر بالتوحيد إذ الكلام فيه حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ في الدنيا كوقعة بدر أو في الآخرة قُلْ إِنْ أَدْرِي أي ما أدري أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً غاية يطول مدتها كأنه لما سمع المشركون حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ قالوا متى يكون إنكارا فقيل قل إنه كائن لا محالة و لكن لا أدري وقته فَلا يُظْهِرُ فلا يطلع عَلى غَيْبِهِ أَحَداً أي على الغيب المخصوص به علمه إِلَّا مَنِ ارْتَضى يعلم بعضه حتى يكون له معجزة مِنْ رَسُولٍ بيان لمن. فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ من بين يدي المرتضى وَ مِنْ خَلْفِهِ رَصَداً حرسا من الملائكة يحرسونه من اختطاف الشياطين و تخاليطهم لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا أي ليعلم النبي الموحى إليه أن قد أبلغ جبرئيل و الملائكة النازلون بالوحي أو ليعلم الله أن أبلغ الأنبياء بمعنى ليتعلق علمه به موجودا رِسالاتِ رَبِّهِمْ كما هي محروسة عن التغيير وَ أَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ بما عند الرسل وَ أَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً حتى القطر و الرمل و في قوله تعالى يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ أي قم إلى الصلاة أو داوم عليها إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ الاستثناء من الليل و نصفه بدل من قليلا و قلته بالنسبة إلى الكل و التخيير بين قيام النصف و الزائد عليه كالثلثين و الناقص عنه كالثلث أو نصفه بدل من الليل و الاستثناء منه و الضمير في منه و عليه للأقل من النصف كالثلث فيكون التخيير بينه و بين الأقل منه كالربع و الأكثر منه كالنصف أو للنصف و التخيير بين أن يقوم أقل منه على البت و أن يختار أحد الأمرين من الأقل و الأكثر أو الاستثناء من أعداد الليل فإنه عام و التخيير بين قيام النصف و الناقص عنه و الزائد عليه وَ رَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا اقرأه على تؤدة و تبيين حروف بحيث يتمكن السامع من عدها إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا يعني القرآن فإنه لما فيه من التكاليف الشاقة ثقيل على المكلفين أو رصين لرزانة لفظه و متانة معناه أو ثقيل على المتأمل فيه لافتقاره إلى مزيد تصفية للسر و تحديد للنظر أو ثقيل في الميزان أو على الكفار و الفجار أو ثقيل تلقيه لقول عائشة رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فينفصم عنه و إن جبينه ليرفض عرقا إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ إن النفس التي تنشأ من مضجعها إلى العبادة من نشأ من مكانه إذا نهض أو قيام الليل على أن الناشئة له أو العبادة التي تنشأ بالليل أي تحدث أو ساعات الليل فإنها تحدث واحدة بعد أخرى أو ساعاتها الأول من نشأت إذا ابتدأت هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً أي كلفة أو ثبات قدم وَ أَقْوَمُ قِيلًا و أسد مقالا أو أثبت قراءة لحضور القلب و هدوء الأصوات إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا تقلبا في مهامك و اشتغالا بها فعليك بالتهجد فإن مناجات الحق تستدعي فراغا وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ و دم على ذكره ليلا و نهارا وَ تَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا و انقطع إليه بالعبادة و جرد نفسك عما سواه رَبُّ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ خبر محذوف أو مبتدأ خبره لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا مسبب عن التهليلة فإن توحده بالألوهية يقتضي أن توكل إليه الأمور وَ اصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ من الخرافات وَ اهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا بأن تجانبهم و تداريهم و لا تكافيهم و تكل أمرهم إلى الله كما قال وَ ذَرْنِي وَ الْمُكَذِّبِينَ دعني و إياهم و كل إلي أمرهم أُولِي النَّعْمَةِ أرباب التنعم يريد صناديد قريش وَ مَهِّلْهُمْ قَلِيلًا زمانا أو إمهالا إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَ نِصْفَهُ وَ ثُلُثَهُ استعار الأدنى للأقل لأن الأقرب إلى الشيء أقل بعدا منه و نصفه و ثلثه عطف على أدنى. وَ طائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ و يقوم ذلك جماعة من أصحابك وَ اللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يعلم مقادير ساعاتهما كما هي إلا الله عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ أي لن تحصوا تقدير الأوقات و لن تستطيعوا ضبط الساعات فَتابَ عَلَيْكُمْ بالترخيص في ترك القيام المقدور و رفع التبعة فيه فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ فصلوا ما تيسر عليكم من صلاة الليل عبر عن الصلاة بالقراءة كما عبر عنها بسائر أركانها قيل كان التهجد واجبا على التخيير المذكور فعسر عليهم القيام به فنسخ به ثم نسخ هذا بالصلوات الخمس أو فاقرءوا القرآن بعينه كيفما تيسر عليكم عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى استئناف يبين حكمة أخرى مقتضية للترخيص و التخفيف و لذلك كرر الحكم مرتبا عليه و قال وَ آخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ و الضرب في الأرض ابتغاء للفضل أو المسافرة للتجارة و تحصيل العلم. يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ أي المتدثر و هو لابس الدثار و سيأتي القول فيه قُمْ من مضجعك أو قم قيام عزم و جد فَأَنْذِرْ مطلق للتعميم أو مقدر بمفعول دل عليه قوله وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ و خصص ربك بالتكبير و هو وصفه بالكبرياء عقدا و قولا وَ ثِيابَكَ فَطَهِّرْ من النجاسات فإن التطهير واجب في الصلاة محبوب في غيرها و ذلك بغسلها أو بحفظها عن النجاسة كتقصيرها مخافة جر الذيول فيها و هو أول ما أمر به من رفض العادات المذمومة أو طهر نفسك من الأخلاق و الأفعال الذميمة أو فطهر دثار النبوة عما يدنسه من الحقد و الضجر و قلة الصبر وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ و اهجر العذاب بالثبات على هجر ما يؤدي إليه من الشرك و غيره من القبائح وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ و لا تعط مستكثرا نهى عن الاستغزار و هو أن يهب شيئا طامعا في عوض أكثر نهي تنزيه أو نهيا خاصا به صلى الله عليه وآله وسلم أو لا تمنن على الله بعبادتك مستكثرا إياها أو على الناس بالتبليغ مستكثرا به الأجر منهم أو مستكثرا إياه وَ لِرَبِّكَ و لوجهه أو أمره فَاصْبِرْ فاستعمل الصبر أو فاصبر على مشاق التكاليف و أذى المشركين. و في قوله تعالى وَ لا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً أي كل واحد من مرتكب الإثم الداعي لك إليه و من الغالي في الكفر الداعي إليه وَ اذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا أي و داوم على ذكره أو دم على صلاة الفجر و الظهر و العصر فإن الأصيل يتناول وقتيهما وَ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ و بعض الليل فصل له و لعل المراد به صلاة المغرب و العشاء وَ سَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا و تهجد له طائفة طويلة من الليل.
بحار الأنوار - ج ١٦ - الصفحة ١٩٤. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ وَ عَلِيٌّ أَوْلَى بِهِ مِنْ بَعْدِي فَقِيلَ لَهُ مَا مَعْنَى ذَلِكَ فَقَالَ قَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ تَرَكَ دَيْناً أَوْ ضَيَاعاً فَعَلَيَّ وَ مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ فَالرَّجُلُ لَيْسَتْ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ وِلَايَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَ لَيْسَ لَهُ عَلَى عِيَالِهِ أَمْرٌ وَ لَا نَهْيٌ إِذَا لَمْ يُجْرِ عَلَيْهِمُ النَّفَقَةَ وَ النَّبِيُّ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ بَعْدَهُمَا أَلْزَمَهُمْ هَذَا فَمِنْ هُنَاكَ صَارُوا أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَ مَا كَانَ سَبَبُ إِسْلَامِ عَامَّةِ الْيَهُودِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ إِنَّهُمْ آمَنُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَ عَلَى عِيَالاتِهِمْ. بيان: قال الجزري فيه من ترك ضياعا فإلي الضياع العيال و أصله مصدر ضاع يضيع ضياعا فسمي العيال بالمصدر و إن كسرت الضاد كان جمع ضائع كجائع و جياع انتهى. قوله عليه السلام ليست له على نفسه ولاية لأنه إما أن يصير أجيرا لغيره فيكون لغيره عليه الولاية أو يشتغل بسائر المكاسب وجوبا فليس له الاشتغال بفضول الطاعات و المباحات أو ليست له على نفسه ولاية أن يمنعها عن السؤال و الطلب أو المعنى أن الإمام لما كان منفقا عليه حينئذ فله الولاية عليه فليس له حقيقة على نفسه ولاية أو أنه لما لم يكن له مال يجعله بضاعة للكسب فلا ولاية له على نفسه بأن يكلف نفسه الكسب و أما عدم الأمر و النهي له على عياله فلأنه ليس له منعهم عن الخروج من البيت و لا الأمر بالخدمات لأنه يجب عليهم الخروج لتحصيل المعاش.
بحار الأنوار - ج ١٦ - الصفحة ٢٦٠. — الإمام الصادق عليه السلام
بحار الأنوار - ج ١٨ - الصفحة ٣٨٨. — الإمام الصادق عليه السلام
أن أصحاب السير ذكروا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ذات يوم جالسا إذ جاء أعرابي فجثا بين يديه ثم قال إني جئت لأنصحك قال و ما نصيحتك قال قوم من العرب قد عملوا على أن يبيتوك بالمدينة و وصفهم له قال فأمر أمير المؤمنين عليه السلام أن ينادي ب الصلاة جامعة فاجتمع المسلمون فصعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه ثم قال أيها الناس إن هذا عدو الله و عدوكم قد أقبل عليكم يزعم أنه يبيتكم بالمدينة فمن للوادي فقام رجل من المهاجرين فقال أنا له يا رسول الله فناوله اللواء و ضم إليه سبعمائة رجل و قال له امض على اسم الله فمضى فوافى القوم ضحوة فقالوا له من الرجل قالوا رسول لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إما أن تقولوا لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله أو لأضربنكم بالسيف قالوا له ارجع إلى صاحبك فإنا في جمع لا تقوم له فرجع الرجل فأخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذلك فقال النبي
صلى الله عليه وآله وسلم من للوادي فقام رجل من المهاجرين فقال أنا له يا رسول الله قال فدفع إليه الراية و مضى ثم عاد بمثل ما عاد به صاحبه الأول فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أين علي بن أبي طالب فقام أمير المؤمنين عليه السلام فقال أنا ذا يا رسول الله قال امض إلى الوادي قال نعم و كانت له عصابة لا يتعصب بها حتى يبعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم في وجه شديد فمضى إلى منزل فاطمة عليها السلام فالتمس العصابة منها فقالت أين تريد و أين بعثك أبي قال إلى وادي الرمل فبكت إشفاقا عليه فدخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم و هي على تلك الحال فقال لها ما لك تبكين أ تخافين أن يقتل بعلك كلا إن شاء الله فقال له علي عليه السلام لا تنفس علي بالجنة يا رسول الله ثم خرج و معه لواء النبي صلى الله عليه وآله وسلم فمضى حتى وافى القوم بسحر فأقام حتى أصبح ثم صلى بأصحابه الغداة و صفهم صفوفا و اتكأ على سيفه مقبلا على العدو فقال لهم يا هؤلاء أنا رسول رسول الله إليكم أن تقولوا لا إله إلا الله و أن محمدا عبده و رسوله و إلا أضربنكم بالسيف قالوا ارجع كما رجع صاحباك قال أنا أرجع لا و الله حتى تسلموا أو أضربكم بسيفي هذا أنا علي بن أبي طالب بن عبد المطلب فاضطرب القوم لما عرفوه ثم اجترءوا على مواقعته فواقعهم عليه السلام فقتل منهم ستة أو سبعة و انهزم المشركون و ظفر المسلمون و حازوا الغنائم و توجه إلى النبي ص. فَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَائِلًا فِي بَيْتِي إِذَا انْتَبَهَ فَزِعاً مِنْ مَنَامِهِ فَقُلْتُ لَهُ اللَّهُ جَارُكَ قَالَ صَدَقْتِ اللَّهُ جَارِي لَكِنْ هَذَا جَبْرَئِيلُ عليه السلام يُخْبِرُنِي أَنَّ عَلِيّاً عليه السلام قَادِمٌ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّاسِ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا عَلِيّاً عليه السلام فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ لَهُ صَفَّيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَلَمَّا بَصُرَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم تَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ وَ أَهْوَى إِلَى قَدَمَيْهِ يُقَبِّلُهُمَا فَقَالَ لَهُ صلى الله عليه وآله وسلم ارْكَبْ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَ رَسُولَهُ عَنْكَ رَاضِيَانِ فَبَكَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَرَحاً وَ انْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ تَسَلَّمَ الْمُسْلِمُونَ الْغَنَائِمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لِبَعْضِ مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي الْجَيْشِ كَيْفَ رَأَيْتُمْ أَمِيرَكُمْ قَالُوا لَمْ نُنْكِرْ مِنْهُ شَيْئاً إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَؤُمَّ بِنَا فِي صَلَاةٍ إِلَّا قَرَأَ فِيهَا بِقُلْ هُوَ اللَّهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم أَسْأَلُهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ لَهُ لِمَ لَمْ تَقْرَأْ بِهِمْ فِي فَرَائِضِكَ إِلَّا بِسُورَةِ الْإِخْلَاصِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْبَبْتُهَا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهَا ثُمَّ قَالَ لَهُ يَا عَلِيُّ لَوْ لَا أَنِّي أُشْفِقُ أَنْ تَقُولَ فِيكَ طَوَائِفُ مَا قَالَتِ النَّصَارَى فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ لَقُلْتُ فِيكَ الْيَوْمَ مَقَالًا لَا تَمُرُّ بِمَلَإٍ مِنْهُمْ إِلَّا أَخَذُوا التُّرَابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ. و قد ذكر كثير من أصحاب السير أن في هذه الغزاة نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً إلى آخرها فتضمنت ذكر الحال فيما فعله أمير المؤمنين عليه السلام فيها.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢١ - الصفحة ٨٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وَ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا وَلَدَتْ إِبْرَاهِيمَ جَاءَ جَبْرَئِيلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا أَبَا إِبْرَاهِيمَ. وَ رُوِيَ عَنْهُ أَيْضاً قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صلى الله عليه وآله وسلم وُلِدَ اللَّيْلَةَ لِي غُلَامٌ فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ قَالَ ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أُمِّ سَيْفٍ امْرَأَةِ قَيْنٍ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ أَبُو يُوسُفَ . و فيها ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و كانت أكبر بناته و أول من تزوجت منهن تزوجها ابن خالتها أبو العاص بن الربيع قبل النبوة فولد له عليا و أمامة أما علي فمات في ولاية عمر و أما أمامة فماتت سنة خمسين. 22 و قال ابن الأثير في الكامل،: و فيها بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عمرو بن العاص إلى جيفر و عمرو ابني الجلندى فأخذ الصدقة من أغنامهم و ردها على فقرائهم و فيها بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كعب بن عمير إلى ذات اطلاع من الشام فأصيب هو و أصحابه و فيها بعث أيضا عيينة بن حصن الفزاري إلى بني العنبر من تميم فأغار عليهم و سبى منهم نساء..
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢١ - الصفحة ١٨٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ
ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَ لكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَ بِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَ لا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَ النَّبِيِّينَ أَرْباباً أَ يَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ وَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ وَ اعْتِقَادُنَا فِي النَّبِيِّ وَ الْأَئِمَّةِ عليهم السلام أَنَّ بَعْضَهُمْ قُتِلُوا بِالسَّيْفِ وَ بَعْضَهُمْ بِالسَّمِّ وَ أَنَّ ذَلِكَ جَرَى عَلَيْهِمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَ أَنَّهُ مَا شُبِّهَ أَمْرُهُمْ لَا كَمَا يَزْعُمُهُ مَنْ يَتَجَاوَزُ الْحَدَّ فِيهِمْ مِنَ النَّاسِ بَلْ شَاهَدُوا قَتْلَهُمْ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَ الصِّحَّةِ لَا عَلَى الْخَيَالِ وَ الْحَيْلُولَةِ وَ لَا عَلَى الشَّكِّ وَ الشُّبْهَةِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ شُبِّهُوا أَوْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فَلَيْسَ مِنْ دِينِنَا فِي شَيْءٍ وَ نَحْنُ مِنْهُ بِرَاءٌ وَ قَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ الْأَئِمَّةُ عليهم السلام أَنَّهُمْ يُقْتَلُونَ فَمَنْ قَالَ إِنَّهُمْ لَمْ يُقْتَلُوا فَقَدْ كَذَّبَهُمْ وَ مَنْ كَذَّبَهُمْ فَقَدْ كَذَّبَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ كَفَرَ بِهِ وَ خَرَجَ بِهِ عَنِ الْإِسْلَامِ وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ. وَ كَانَ الرِّضَا عليه السلام يَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ إِنِّي بَرِيءٌ مِنَ الْحَوْلِ وَ الْقُوَّةِ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ وَ أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنَ الَّذِينَ ادَّعَوْا لَنَا مَا لَيْسَ لَنَا بِحَقٍّ اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا فِينَا مَا لَمْ نَقُلْهُ فِي أَنْفُسِنَا اللَّهُمَّ لَكَ الْخَلْقُ وَ مِنْكَ الرِّزْقُ وَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ اللَّهُمَّ أَنْتَ خَالِقُنَا وَ خَالِقُ آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ وَ آبَائِنَا الْآخِرِينَ اللَّهُمَّ لَا تَلِيقُ الرُّبُوبِيَّةُ إِلَّا بِكَ وَ لَا تَصْلُحُ الْإِلَهِيَّةُ إِلَّا لَكَ فَالْعَنِ النَّصَارَى الَّذِينَ صَغَّرُوا عَظَمَتَكَ وَ الْعَنِ الْمُضَاهِئِينَ لِقَوْلِهِمْ مِنْ بَرِيَّتِكَ اللَّهُمَّ إِنَّا عَبِيدُكَ وَ أَبْنَاءُ عَبِيدِكَ لَا نَمْلِكُ لِأَنْفُسِنَا نَفْعاً وَ لَا ضَرّاً وَ لَا مَوْتاً وَ حَيَاةً وَ لَا نُشُوراً اللَّهُمَّ مَنْ زَعَمَ أَنَّا أَرْبَابٌ فَنَحْنُ مِنْهُ بِرَاءٌ وَ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلَيْنَا الْخَلْقَ وَ عَلَيْنَا الرِّزْقَ فَنَحْنُ بِرَاءٌ مِنْهُ كَبَرَاءَةِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عليها السلام مِنَ النَّصَارَى اللَّهُمَّ إِنَّا لَمْ نَدْعُهُمْ إِلَى مَا يَزْعُمُونَ فَلَا تُؤَاخِذْنَا بِمَا يَقُولُونَ وَ اغْفِرْ لَنَا مَا يَدَّعُونَ وَ لَا تَدَعْ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُمْ دَيَّاراً إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَ لا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً. وَ رُوِيَ عَنْ زُرَارَةَ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ لِلصَّادِقِ عليه السلام إِنَّ رَجُلًا مِنْ وُلْدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَبَإٍ يَقُولُ بِالتَّفْوِيضِ فَقَالَ وَ مَا التَّفْوِيضُ قُلْتُ إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى خَلَقَ مُحَمَّداً وَ عَلِيّاً (صلوات الله عليهما) فَفَوَّضَ إِلَيْهِمَا فَخَلَقَا وَ رَزَقَا وَ أَمَاتَا وَ أَحْيَيَا فَقَالَ عليه السلام كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ إِذَا انْصَرَفْتَ إِلَيْهِ فَاتْلُ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي فِي سُورَةِ الرَّعْدِ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَ هُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ فَانْصَرَفْتُ إِلَى الرَّجُلِ فَأَخْبَرْتُهُ فَكَأَنِّي أَلْقَمْتُهُ حَجَراً أَوْ قَالَ فَكَأَنَّمَا خَرِسَ وَ قَدْ فَوَّضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى نَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَمْرَ دِينِهِ فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ قَدْ فَوَّضَ ذَلِكَ إِلَى الْأَئِمَّةِ عليهم السلام وَ عَلَامَةُ الْمُفَوِّضَةِ وَ الْغُلَاةِ وَ أَصْنَافِهِمْ نِسْبَتُهُمْ مَشَايِخَ قُمْ وَ عُلَمَاءَهُمْ إِلَى الْقَوْلِ بِالتَّقْصِيرِ وَ عَلَامَةُ الْحَلَّاجِيَّةِ مِنَ الْغُلَاةِ دَعْوَى التَّجَلِّي بِالْعِبَادَةِ مَعَ تَرْكِهِمُ الصَّلَاةَ وَ جَمِيعَ الْفَرَائِضِ وَ دَعْوَى الْمَعْرِفَةِ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْعُظْمَى وَ دَعْوَى انْطِبَاعِ الْحَقِّ لَهُمْ وَ أَنَّ الْوَلِيَّ إِذَا خَلُصَ وَ عَرَفَ مَذْهَبَهُمْ فَهُوَ عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام وَ مِنْ عَلَامَتِهِمْ دَعْوَى عِلْمِ الْكِيمِيَاءِ وَ لَمْ يَعْلَمُوا مِنْهُ إِلَّا الدَّغَلَ وَ تَنْفِيقَ الشَّبَهِ وَ الرَّصَاصِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. أقول: قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في شرح هذا الكلام الغلو في اللغة هو تجاوز الحد و الخروج عن القصد قال الله تعالى يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَ لا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ الآية فنهى عن تجاوز الحد في المسيح و حذّر من الخروج عن القصد في القول و جعل ما ادعته النصارى غلوا لتعدية الحد على ما بيناه و الغلاة من المتظاهرين بالإسلام هم الذين نسبوا أمير المؤمنين و الأئمة من ذريته عليه السلام إلى الإلهية و النبوة و وصفوهم من الفضل في الدين و الدنيا إلى ما تجاوزوا فيه الحد و خرجوا عن القصد و هم ضلال كفار حكم فيهم أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) بالقتل و التحريق بالنار و قضت الأئمة عليهم السلام عليهم بالإكفار و الخروج عن الإسلام. و المفوضة صنف من الغلاة و قولهم الذي فارقوا به من سواهم من الغلاة اعترافهم بحدوث الأئمة و خلقهم و نفي القدم عنهم و إضافة الخلق و الرزق مع ذلك إليهم و دعواهم أن الله تعالى تفرد بخلقهم خاصة و أنه فوض إليهم خلق العالم بما فيه و جميع الأفعال. و الحلاجية ضرب من أصحاب التصوف و هم أصحاب الإباحة و القول بالحلول و كان الحلاج يتخصص بإظهار التشيع و إن كان ظاهر أمره التصوف و هم قوم ملحدة و زنادقة يموهون بمظاهرة كل فرقة بدينهم و يدعون للحلاج الأباطيل و يجرون في ذلك مجرى المجوس في دعواهم لزردشت المعجزات و مجرى النصارى في دعواهم لرهبانهم الآيات و البينات و المجوس و النصارى أقرب إلى العمل بالعبادات منهم و هم أبعد من الشرائع و العمل بها من النصارى و المجوس. و أما نصه (رحمه الله) بالغلو على من نسب مشايخ القميين و علمائهم إلى التقصير فليس نسبة هؤلاء القوم إلى التقصير علامة على غلو الناس إذ في جملة المشار إليهم بالشيخوخية و العلم من كان مقصرا و إنما يجب الحكم بالغلو على من نسب المحقين إلى التقصير سواء كانوا من أهل قم أو غيرها من البلاد و سائر الناس. و قد سمعنا حكاية ظاهرة عن أبي جعفر محمد بن الحسن بن الوليد (رحمه الله) لم نجد لها دافعا في التقصير و هي ما حكي عنه أنه قال أول درجة في الغلو نفي السهو عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم و الإمام عليه السلام فإن صحت هذه الحكاية عنه فهو مقصر مع أنه من علماء القميين و مشيختهم. و قد وجدنا جماعة وردت إلينا من قم يقصرون تقصيرا ظاهرا في الدين ينزلون الأئمة عليهم السلام عن مراتبهم و يزعمون أنهم كانوا لا يعرفون كثيرا من الأحكام الدينية حتى ينكت في قلوبهم و رأينا من يقول إنهم كانوا يلجئون في حكم الشريعة إلى الرأي و الظنون و يدعون مع ذلك أنهم من العلماء و هذا هو التقصير الذي لا شبهة فيه. و يكفي في علامة الغلو نفي القائل به عن الأئمة عليهم السلام سمات الحدوث و حكمه لهم بالإلهية و القدم إذ قالوا بما يقتضي ذلك من خلق أعيان الأجسام و اختراع الجواهر و ما ليس بمقدور العباد من الأعراض و لا نحتاج مع ذلك إلى الحكم عليهم و تحقيق أمرهم بما جعله أبو جعفر (رحمه الله) تتمة في الغلو على كل حال.. اعلم أن الغلو في النبي و الأئمة عليهم السلام إنما يكون بالقول بألوهيتهم أو بكونهم شركاء الله تعالى في المعبودية أو في الخلق و الرزق أو أن الله تعالى حل فيهم أو اتحد بهم أو أنهم يعلمون الغيب بغير وحي أو إلهام من الله تعالى أو بالقول في الأئمة عليهم السلام إنهم كانوا أنبياء أو القول بتناسخ أرواح بعضهم إلى بعض أو القول بأن معرفتهم تغني عن جميع الطاعات و لا تكليف معها بترك المعاصي. و القول بكل منها إلحاد و كفر و خروج عن الدين كما دلت عليه الأدلة العقلية و الآيات و الأخبار السالفة و غيرها و قد عرفت أن الأئمة عليهم السلام تبرءوا منهم و حكموا بكفرهم و أمروا بقتلهم و إن قرع سمعك شيء من الأخبار الموهمة لشيء من ذلك فهي إما مؤولة أو هي من مفتريات الغلاة. و لكن أفرط بعض المتكلمين و المحدثين في الغلو لقصورهم عن معرفة الأئمة عليهم السلام و عجزهم عن إدراك غرائب أحوالهم و عجائب شئونهم فقدحوا في كثير من الرواة الثقات لنقلهم بعض غرائب المعجزات حتى قال بعضهم من الغلو نفي السهو عنهم أو القول بأنهم يعلمون ما كان و ما يكون و غير ذلك - مَعَ أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ لَا تَقُولُوا فِينَا رَبّاً وَ قُولُوا مَا شِئْتُمْ وَ لَنْ تَبْلُغُوا. - وَ وَرَدَ أَنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ عَبْدٌ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ. - وَ وَرَدَ لَوْ عَلِمَ أَبُو ذَرٍّ مَا فِي قَلْبِ سَلْمَانَ لَقَتَلَهُ. و غير ذلك مما مر و سيأتي. فلا بد للمؤمن المتدين أن لا يبادر برد ما ورد عنهم من فضائلهم و معجزاتهم و معالي أمورهم إلا إذا ثبت خلافه بضرورة الدين أو بقواطع البراهين أو بالآيات المحكمة أو بالأخبار المتواترة كما مر في باب التسليم و غيره. و أما التفويض فيطلق على معان بعضها منفي عنهم عليه السلام و بعضها مثبت لهم فالأول التفويض في الخلق و الرزق و التربية و الإماتة و الإحياء فإن قوما قالوا إن الله تعالى خلقهم و فوض إليهم أمر الخلق فهم يخلقون و يرزقون و يميتون و يحيون و هذا الكلام يحتمل وجهين. أحدهما أن يقال إنهم يفعلون جميع ذلك بقدرتهم و إرادتهم و هم الفاعلون حقيقة و هذا كفر صريح دلت على استحالته الأدلة العقلية و النقلية و لا يستريب عاقل في كفر من قال به. و ثانيهما أن الله تعالى يفعل ذلك مقارنا لإرادتهم كشق القمر و إحياء الموتى و قلب العصا حية و غير ذلك من المعجزات فإن جميع ذلك إنما تحصل بقدرته تعالى مقارنا لإرادتهم لظهور صدقهم فلا يأبى العقل عن أن يكون الله تعالى خلقهم و أكملهم و ألهمهم ما يصلح في نظام العالم ثم خلق كل شيء مقارنا لإرادتهم و مشيتهم. و هذا و إن كان العقل لا يعارضه كفاحا لكن الأخبار السالفة تمنع من القول به فيما عدا المعجزات ظاهرا بل صراحا مع أن القول به قول بما لا يعلم إذ لم يرد ذلك في الأخبار المعتبرة فيما نعلم و ما ورد من الأخبار الدالة على ذلك كخطبة البيان و أمثالها فلم يوجد إلا في كتب الغلاة و أشباههم مع أنه يحتمل أن يكون المراد كونهم علة غائية لإيجاد جميع المكونات و أنه تعالى جعلهم مطاعين في الأرضين و السماوات و يطيعهم بإذن الله تعالى كل شيء حتى الجمادات و أنهم إذا شاءوا أمرا لا يرد الله مشيتهم و لكنهم لا يشاءون إلا أن يشاء الله. و أما ما ورد من الأخبار في نزول الملائكة و الروح لكل أمر إليهم و أنه لا ينزل ملك من السماء لأمر إلا بدأ بهم فليس ذلك لمدخليتهم في ذلك و لا الاستشارة بهم بل لَهُ الْخَلْقُ وَ الْأَمْرُ تعالى شأنه و ليس ذلك إلا لتشريفهم و إكرامهم و إظهار رفعة مقامهم. الثاني التفويض في أمر الدين و هذا أيضا يحتمل وجهين. أحدهما أن يكون الله تعالى فوض إلى النبي و الأئمة عليهم السلام عموما أن يحلوا ما شاءوا و يحرموا ما شاءوا من غير وحي و إلهام أو يغيروا ما أوحي إليهم بآرائهم و هذا باطل لا يقول به عاقل فإن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان ينتظر الوحي أياما كثيرة لجواب سائل و لا يجيبه من عنده و قد قال تعالى وَ ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى و ثانيهما أنه تعالى لما أكمل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بحيث لم يكن يختار من الأمور شيئا إلا ما يوافق الحق و الصواب و لا يحل بباله ما يخالف مشيته تعالى في كل باب فوض إليه تعيين بعض الأمور كالزيادة في الصلاة و تعيين النوافل في الصلاة و الصوم و طعمة الجد و غير ذلك مما مضى و سيأتي إظهارا لشرفه و كرامته عنده و لم يكن أصل التعيين إلا بالوحي و لم يكن الاختيار إلا بإلهام ثم كان يؤكد ما اختاره صلى الله عليه وآله وسلم بالوحي و لا فساد في ذلك عقلا و قد دلت النصوص المستفيضة عليه مما تقدم في هذا الباب و في أبواب فضائل نبينا صلى الله عليه وآله وسلم من المجلد السادس. و لعل الصدوق (رحمه الله) أيضا إنما نفى المعنى الأول حيث قال في الفقيه و قد فوض الله عز و جل إلى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أمر دينه و لم يفوض إليه تعدي حدوده و أيضا هو (رحمه الله) قد روى كثيرا من أخبار التفويض في كتبه و لم يتعرض لتأويلها. الثالث تفويض أمور الخلق إليهم من سياستهم و تأديبهم و تكميلهم و تعليمهم و أمر الخلق بإطاعتهم فيما أحبوا و كرهوا و فيما علموا جهة المصلحة فيه و ما يعلموا و هذا حق لقوله تعالى ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا و غير ذلك من الآيات و الأخبار - وَ عَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْلُهُمْ عليه السلام نَحْنُ الْمُحَلِّلُونَ حَلَالَهُ وَ الْمُحَرِّمُونَ حَرَامَهُ أَيْ بَيَانُهُمَا عَلَيْنَا وَ يَجِبُ عَلَى النَّاسِ الرُّجُوعُ فِيهِمَا إِلَيْنَا وَ بِهَذَا الْوَجْهِ وَرَدَ خَبَرُ أَبِي إِسْحَاقَ وَ الْمِيثَمِيِّ.. الرابع تفويض بيان العلوم و الأحكام بما رأوا المصلحة فيها بسبب اختلاف عقولهم أو بسبب التقية فيفتون بعض الناس بالواقع من الأحكام و بعضهم بالتقية و يبينون تفسير الآيات و تأويلها و بيان المعارف بحسب ما يحتمل عقل كل سائل و لهم أن يبينوا و لهم أن يسكتوا - كَمَا وَرَدَ فِي أَخْبَارٍ كَثِيرَةٍ عَلَيْكُمُ الْمَسْأَلَةُ وَ لَيْسَ عَلَيْنَا الْجَوَابُ. كل ذلك بحسب ما يريهم الله من مصالح الوقت كما ورد في خبر ابن أشيم و غيره و هو أحد معاني خبر محمد بن سنان في تأويل قوله تعالى لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ و لعل تخصيصه بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم و الأئمة عليهم السلام لعدم تيسر هذه التوسعة لسائر الأنبياء و الأوصياء عليهم السلام بل كانوا مكلفين بعدم التقية في بعض الموارد و إن أصابهم الضرر و التفويض بهذا المعنى أيضا ثابت حق بالأخبار المستفيضة. الخامس الاختيار في أن يحكموا بظاهر الشريعة أو بعلمهم و بما يلهمهم الله من الواقع و مخ الحق في كل واقعة و هذا أظهر محامل خبر ابن سنان و عليه أيضا دلت الأخبار. السادس التفويض في العطاء فإن الله تعالى خلق لهم الأرض و ما فيها و جعل لهم الأنفال و الخمس و الصفايا و غيرها فلهم أن يعطوا ما شاءوا و يمنعوا ما شاءوا كما مر في خبر الثمالي و سيأتي في مواضعه و إذا أحطت خبرا بما ذكرنا من معاني التفويض سهل عليك فهم الأخبار الواردة فيه و عرفت ضعف قول من نفى التفويض مطلقا و لما يحط بمعانيه.
بحار الأنوار - ج ٢٥ - الصفحة ٣٤٢. — الله تعالى (حديث قدسي)
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢٦ - الصفحة ٢٨٠. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
ير، بصائر الدرجات ابْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام قَالَ
وَلَايَةُ عَلِيٍّ مَكْتُوبَةٌ فِي جَمِيعِ صُحُفِ الْأَنْبِيَاءِ وَ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا بِنُبُوَّةِ مُحَمَّدٍ وَ وَصِيَّةِ عَلِيٍّ (صلوات الله عليهما). بيان: كأن لن هنا للتأكيد لا للتأبيد كما جوزه الزمخشري فيه أن التأكيد أيضا للمستقبل و يمكن أن يكون من جملة المكتوب في الصحف.
بحار الأنوار - ج ٢٦ - الصفحة ٢٨٠. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
صَعِدَ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ شَهِدَ بِشَهَادَةِ الْحَقِّ ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً بِالرِّسَالَةِ وَ اخْتَصَّهُ بِالنُّبُوَّةِ وَ أَنْبَأَهُ بِالْوَحْيِ فَأَنَالَ النَّاسَ وَ أَنَالَ وَ فِينَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَعَاقِلُ الْعِلْمِ وَ أَبْوَابُ الْحِكَمِ وَ ضِيَاءُ الْأَمْرِ فَمَنْ يُحِبَّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ يَنْفَعْهُ إِيمَانُهُ وَ يُقْبَلُ مِنْهُ عَمَلُهُ وَ مَنْ لَا يُحِبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَلَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ وَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ عَمَلُهُ وَ لَوْ صَامَ النَّهَارَ وَ قَامَ اللَّيْلَ. شا، الإرشاد مرسلا مثله - ير، بصائر الدرجات الحسن بن علي عن الحسين و أنس عن مالك بن عطية عن أبي حمزة عن أبي الطفيل عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله - سن، المحاسن محمد بن علي عن عبيس بن هشام عن الحسن بن الحسين عن مالك بن عطية عن أبي حمزة عن أبي الطفيل عنه عليه السلام مثله.
بحار الأنوار - ج ٢٧ - الصفحة ١٨١. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
بحار الأنوار - ج ٣٠ - الصفحة ٩٩. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
ن: بإسناده عن الحسن بن جهم قال: حضرت مجلس المأمون يوما- و عنده عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام) و قد اجتمع الفقهاء و أهل الكلام من الفرق المختلفة-... و قال عليّ (عليه السلام): يهلك فيّ اثنان و لا ذنب لي: محبّ مفرط و مبغض مفرّط.. الى أن قال الرضا
(عليه السلام): فمن ادّعى للأنبياء ربوبيّة أو ادّعى للأئمة ربوبيّة أو نبوّة و لغير الأئمّة إمامة، فنحن منه براء في الدنيا و الآخرة. فسأله بعضهم؛ فقال له: يابن رسول اللّه! بأيّ شيء تصحّ الامامة لمدّعيها؟، قال: بالنصّ و الدلائل.. [بحار الأنوار: 25/ 135 من حديث 6، عن عيون أخبار الرضا (عليه السلام): 324- 325]. «رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ أَخْطَأْنا» «رَبَّنا وَ لا تَحْمِلْ عَلَيْنا إِصْراً كَما حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنا» «رَبَّنا وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ وَ اعْفُ عَنَّا وَ اغْفِرْ لَنا وَ ارْحَمْنا أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ» ربّنا.. و تقبّل منّا و تجاوز عن سيّئاتنا و تب علينا و لمن سبقنا بالايمان و لوالدينا و لمن وجب حقّه علينا، و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين و سلام على المرسلين. عبد الزهراء علوي الموضوع/ الصفحه الطعن الرابع عشر: أنّه أبدع في الدين بدعا كثيرة 7 الطعن الخامس عشر التفريط في بيت المال 44 الطعن السادس عشر التلوّن في الأحكام 58 الطعن السابع عشر همّ بإحراق بيت فاطمة (عليها السلام) 59 طعن الثامن عشر: قصّة الشورى و ما أبدع فيها 60 الطعن التاسع عشر وصيّته بدفنه في بيت النبيّ 88 باب [24] نسب عمر و ولادته و وفاته و بعض نوادر أحواله، و ما جرى بينه و بين أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) 97 حسب عمر 108 مقتل عمر و كيفيّة قتله 113 ما جرى بينه وبين أمير المؤمنين (عليه السلام) 132 باب نادر 141 [25] باب تفصيل مثالب عثمان و بدعه و الاحتجاج بها على المخالفين بما رووه في كتبهم و بعض أحواله 149 الطعن الأول تولية من لا يصلح للولاية على المسلمين 149 الطعن الثاني إنكار الصحابة عليه بالاجماع 162 الطعن الثالث رده للحكم بن أبي العاص طريد رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) 169 الطعن الرابع ما صنع مع أبي ذر من الاهانة و الضرب و الشتم و غيره 174 الطعن الخامس ضزب ابن مسعود و إهانته 187 الطعن السادس ما صنع بعمار بن ياسر 193 الطعن السابع: حرقة المصاحف و جمع الناس على قراءة زيد بن ثابت 205 الطعن الثامن: إيثاره أهل بيته من بيت مال المسلمين 218 الطعن التاسع: تعطيله للحدود الواجبة 224 الطعن العاشر: إنه حمى الحمى عن المسلمين 227 الطعن الحادي عشر: أعطى من بيت المال الصدقة المقاتلة و غيرها 230 الطعن الثاني عشر: أتم الصلاة في حال السفر بمنى 230 الطعن الثالث عشر: جرأته على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و مضادّته له 237 الطعن الرابع عشر: عدم إإطذعانه لقضاء رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) بالحق 238 الطعن الخامس عشر: زعم في المصحف لحناً 239 الطعن السادس عشر: تقديمه الخطبتين في العيدين و قدم الصلاة عليهما 240 الطعن السابع عشر: إحداث الأذان يوم الجمعة زائد على ما سنّه رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) 242 الطعن الثامن عشر: مصادرة الدور حول المسجد الحرام لتوسعته و حبس من اعترض 244 الطعن التاسع عشر: عدم تمكّنه من الإتيان بالخطبة 244 الطعن العشرون: جهله بالأحكام 246 تذييل و تتميم: 253 نكير أُبيّ بن كعب: 269 نكير أبي ذر: 270 نكير عمّار بن ياسر: 279 نكير عبد اللّه بن مسعود: 281 نكير حذيفة بن اليمان: 283 نكير المقداد: 284 نكير عبد الرحمن بن حنبل القرشي: 285 نكير طلحة بن عبيد اللّه: 285 نكير الزبير بن العوّام: 287 نكير عبد الرحمن بن عوف: 288 نكير عمرو بن العاص: 290 نكير محمد بن مسلمة الأنصاري: 291 نكير أبي موسى: 292 نكير جبلة بن عمرو الساعدي: 292 نكير جهجاه بن عمرو الغفاري: 294 نكير عائشة 295 باب [26] الشورى و احتجاج أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) على القوم في ذلك اليوم 315 باب [27] احتجاج أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) على جماعة من المهاجرين و الأنصار لمّا تذاكروا فضلهم في أيّام خلافة عثمان و غيره ممّا احتجّ به في أيّام خلافة خلفاء الجور و بعدها 407 باب [28] ما جرى بين أمير المؤمنين (صلوات اللّه عليه) و بين عثمان و ولاته و أعوانه و بعض أحواله 449 باب [29] كيفيّة قتل عثمان و ما احتجّ عليه القوم في ذلك و نسبه و تاريخه 475 باب [30] تبرّي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن دم عثمان و عدم إنكاره أيضا 499 باب [31] ما ورد في لعن بني أميّة و بني العبّاس و كفرهم 507 باب [32] ما ورد في جميع الغاصبين و المرتدّين مجملًا 567 استدراك (تتميم) 587 ما ورد في أبي بكر 587 ما ورد في عمر 589 ما ورد في عثمان 598 ما ورد فيهما أو فيهم 600 ما ورد في عائشة و حفصة و بني أمية 638 ما ورد في أعداء آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) 648 الفهرس 661
بحار الأنوار - ج ٣١ - الصفحة ٦٦٠. — الإمام الرضا عليه السلام
قب، المناقب لابن شهرآشوب: اختلفوا في محاربة علي عليه السلام فقال
ت الزيدية و من المعتزلة النظام و بشر بن المعتمر و من المرجئة أبو حنيفة و أبو يوسف و بشر المريسي و من قال بقولهم إنه كان مصيبا في حروبه بعد النبي ص و إن من قاتله عليه السلام كان على خطإ: و قال أبو بكر الباقلاني و ابن إدريس: من نازع عليا عليه السلام في خلافته فهو باغ و في تلخيص الشافي أنه قالت الإمامية: من حارب أمير المؤمنين كان كافرا يدل عليه إجماع الفرقة و إن من حاربه كان منكرا لإمامته و دافعا لها و دفع الإمامة كفر كما أن دفع النبوة كفر لأن الجهل بهما على حد واحد - وَ قَوْلُهُ عليه السلام مَنْ مَاتَ وَ لَمْ يَعْرِفْ إِمَامَ زَمَانِهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً. و ميتة الجاهلية لا تكون إلا على كفر. و - قوله اللهم وال من والاه و عاد من عاداه. و لا تجب عداوة أحد بالإطلاق دون الفساق. و من حاربه كان يستحل دمه و يتقرب إلى الله بذلك و استحلال دم المؤمن كفر بالإجماع و هو أعظم من استحلال جرعة من الخمر الذي هو كفر بالاتفاق فكيف استحلال دم الإمام - وَ رَوَى عَنْهُ الْمُخَالِفُ وَ الْمُؤَالِفُ يَا عَلِيُّ حَرْبُكَ حَرْبِي وَ سِلْمُكَ سِلْمِي. و معلوم أنه عليه السلام إنما أراد أن أحكام حربك تماثل أحكام حربي و لم يرد أن أحد الحربين هو الآخر لأن المعلوم خلاف ذلك و إذا كان حرب النبي كفرا وجب مثل ذلك في حربه - وَ رَوَى أَبُو عِيسَى فِي جَامِعِهِ وَ السَّمْعَانِيُّ فِي كِتَابِهِ وَ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ وَ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ وَ الْفَضَائِلِ وَ ابْنُ بَطَّةَ فِي الْإِبَانَةِ وَ شِيرَوَيْهِ فِي الْفِرْدَوْسِ وَ السُّدِّيُّ فِي التَّفْسِيرِ وَ الْقَاضِي الْمَحَامِلِيُّ كُلُّهُمْ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَ رَوَى الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَ أَبُو الْجَحَّافِ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صَبِيحٍ كُلُّهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ نَظَرَ إِلَى عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ فَقَالَ أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ وَ سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُمْ. - تَارِيخُ الطَّبَرِيِّ وَ أَرْبَعِينُ ابْنِ الْمُؤَذِّنِ قَالا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ لِعَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ أَنَا حَرْبٌ لِمَنْ حَارَبَكُمْ وَ سِلْمٌ لِمَنْ سَالَمَكُمْ. - ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص لَهُ: عَادَيْتُ مَنْ عَادَاكَ وَ سَالَمْتُ مَنْ سَالَمَكَ . - الْخَرْكُوشِيُّ فِي اللَّوَامِعِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص مَنْ قَاتَلَنِي فِي الْأُولَى وَ قَاتَلَ أَهْلَ بَيْتِي فِي الثَّانِيَةِ فَأُولَئِكَ شِيعَةُ الدَّجَّالِ . - قب، المناقب لابن شهرآشوب عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أَنَّهُ ذَكَرَ الَّذِينَ حَارَبَهُمْ عَلِيٌّ عليه السلام فَقَالَ أَمَا إِنَّهُمْ أَعْظَمُ جُرْماً مِمَّنْ حَارَبَ رَسُولَ اللَّهِ ص قِيلَ لَهُ وَ كَيْفَ ذَلِكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ أُولَئِكَ كَانُوا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ وَ هَؤُلَاءِ قَرَءُوا الْقُرْآنَ وَ عَرَفُوا أَهْلَ الْفَضْلِ فَأَتَوْا مَا أَتَوْا بَعْدَ الْبَصِيرَةِ.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٣٢ - الصفحة ٣٢٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
لَهُمْ نَحْنُ أَهْلُ بَيْتِ النُّبُوَّةِ وَ مَوْضِعُ الرِّسَالَةِ وَ مُخْتَلَفُ الْمَلَائِكَةِ وَ عُنْصُرُ الرَّحْمَةِ وَ مَعْدِنُ الْعِلْمِ وَ الْحِكْمَةِ نَحْنُ أُفُقُ الْحِجَازِ بِنَا يَلْحَقُ الْبَطِيءُ وَ إِلَيْنَا يَرْجِعُ التَّائِبُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَهْضَامِ هَذَا الْوَادِي. إلى آخر ما أورده السيد الرضي رحمه الله في المختار من كتاب نهج البلاغة، الآتي قريبا. 588 - كِتَابُ الْغَارَاتِ، لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُبَارَكِ وَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْعَبَّاسِ عَنْ بَكْرِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ خَالِدٍ الْبَجَلِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُولُ أَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ وَ لَوْ لَا أَنَا مَا قُوتِلَ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ وَ لَا أَصْحَابُ الْجَمَلِ وَ لَوْ لَا أَنِّي أَخْشَى أَنْ تَتَّكِلُوا فَتَدَعُوا الْعَمَلَ لَأَخْبَرْتُكُمْ بِالَّذِي قَضَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ لِمَنْ قَاتَلَهُمْ مُبْصِراً بِضَلَالِهِمْ عَارِفاً لِلْهُدَى الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ. وَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّخَعِيِّ عَنْ سَعِيدٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: اسْتَخْلَفَ عَلِيٌّ عليه السلام حِينَ سَارَ إِلَى النَّهْرَوَانِ رَجُلًا مِنَ النَّخَعِ يُقَالُ لَهُ هَانِئُ بْنُ هَوْذَةَ فَكَتَبَ إِلَى عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّ غَنِيّاً وَ بَاهِلَةَ فَتَنُوا فَدَعَوُا اللَّهَ عَلَيْكَ أَنْ يَظْفَرَ بِكَ [عَدُوُّكَ قَالَ فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ عليه السلام أَجْلِهِمْ عدوك مِنَ الْكُوفَةِ وَ لَا تَدَعْ مِنْهُمْ أَحَداً. وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ قَادِمٍ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ لَيْثٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى قَالَ سَمِعْتُ عَلِيّاً يَقُولُ اغْدُوا خُذُوا حَقَّكُمْ مَعَ النَّاسِ وَ اللَّهُ يَشْهَدُ أَنَّكُمْ تُبْغِضُونِّي وَ أَنِّي أُبْغِضُكُمْ. 589 - نهج، نهج البلاغة قَالَ عليه السلام وَ قَدْ مَرَّ بِقَتْلَى الْخَوَارِجِ يَوْمَ النَّهْرِ بُؤْساً لَكُمْ لَقَدْ ضَرَّكُمْ مَنْ غَرَّكُمْ فَقِيلَ لَهُ مَنْ غَرَّهُمْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عليه السلام الشَّيْطَانُ الْمُضِلُّ وَ الْأَنْفُسُ الْأَمَّارَةُ بِالسُّوءِ غَرَّتْهُمْ بِالْأَمَانِيِّ وَ فَسَحَتْ لَهُمْ فِي الْمَعَاصِي وَ وَعَدَتْهُمُ الْإِظْهَارَ فَاقْتَحَمَتْ بِهِمُ النَّارَ. بيان: و فسحت أي أوسعت لهم بالرخصة في المعاصي و وعدتهم الإظهار أي أن يظهرهم و يغلبهم علينا. 590 - نهج، نهج البلاغة وَ قَالَ عليه السلام لَمَّا سَمِعَ قَوْلَ الْخَوَارِجِ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ. بيان: قال ابن أبي الحديد قال الله تعالى إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أي إذا أراد الله شيئا من أفعاله فلا بد من وقوعه بخلاف غيره من القادرين و تمسكت الخوارج به في إنكارهم عليه عليه السلام في القول بالتحكيم مع عدم رضاه عليه السلام كما ذكر في السير و أراد الخوارج نفي كل ما يسمى حكما و هو باطل لأن الله تعالى قد أمضى حكم كثير من المخلوقين في كثير من الشرائع. 591 - نهج، نهج البلاغة وَ سَمِعَ عليه السلام رَجُلًا مِنَ الْحَرُورِيَّةِ يَتَهَجَّدُ وَ يَقْرَأُ فَقَالَ نَوْمٌ عَلَى يَقِينٍ خَيْرٌ مِنْ صَلَاةٍ فِي شَكٍّ. 592 - نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ عليه السلام فِي تَخْوِيفِ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ فَأَنَا نَذِيرٌ لَكُمْ أَنْ تُصْبِحُوا صَرْعَى بِأَثْنَاءِ هَذَا النَّهْرِ وَ بِأَهْضَامِ هَذَا الْغَائِطِ عَلَى غَيْرِ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لَا سُلْطَانٍ مُبِينٍ مَعَكُمْ قَدْ طَوَّحَتْ بِكُمُ الدَّارُ وَ احْتَبَلَكُمُ الْمِقْدَارُ وَ قَدْ كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ هَذِهِ الْحُكُومَةِ فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْمُنَابِذِينَ حَتَّى صَرَفْتُ رَأْيِي إِلَى هَوَاكُمْ وَ أَنْتُمْ مَعَاشِرَ أَخِفَّاءِ الْهَامِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ وَ لَمْ آتِ لَا أَبَا لَكُمْ بُجْراً وَ لَا أَرَدْتُ بِكُمْ ضُرّاً. بيان: الأهضام جمع هضم و هو المطمئن من الوادي و الغائط ما سفلت من الأرض و السلطان الحجة و لعل المراد بالبينة الحجة الشرعية و بالسلطان الدليل العقلي و قال الجوهري طاح يطوح و يطيح هلك. 591- رواه السيّد الرضيّ (رحمه اللّه) في المختار: من باب قصار نهج البلاغة. و سقط و كذلك إذا تاه في الأرض و طوحه أي توهه و ذهب به هاهنا و هاهنا و المراد بالدار الدنيا و احتبلكم أي أوقفكم في الحبال و المقدار قضاء الله و قدره و الهام جمع الهامة و هي الرأس و خفتها كناية عن قلة العقل أو عن الطيش و عدم الثبات في الرأي و الأحلام جمع حلم بالكسر و هو الأناة و العقل و لا أبا لك كلمة تستعمل في المدح كثيرا و في الذم أيضا و في معرض التعجب و الظاهر هنا الذم أو التعجب و البجر الأمر العظيم و الداهية و يروى هجرا و هو الساقط من القول و يروى عرا و العرو المعرة الإثم. 593 - نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عليه السلام فِي الْخَوَارِجِ لَمَّا سَمِعَ قَوْلَهُمْ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ قَالَ كَلِمَةُ حَقٍّ يُرَادُ بِهَا بَاطِلٌ نَعَمْ إِنَّهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَ لَكِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ لَا إِمْرَةَ وَ إِنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ أَمِيرٍ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ يَعْمَلُ فِي إِمْرَتِهِ الْمُؤْمِنُ وَ يَسْتَمْتِعُ فِيهَا الْكَافِرُ وَ يُبَلِّغُ اللَّهُ فِيهَا الْأَجَلَ وَ يُجْمَعُ بِهِ الْفَيْءُ وَ يُقَاتَلُ بِهِ الْعَدُوُّ وَ تَأْمَنُ بِهِ السُّبُلُ وَ يُؤْخَذُ بِهِ لِلضَّعِيفِ مِنَ الْقَوِيِّ حَتَّى يَسْتَرِيحَ بَرٌّ وَ يُسْتَرَاحَ مِنْ فَاجِرٍ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ تَحْكِيمَهُمْ قَالَ حُكْمَ اللَّهِ أَنْتَظِرُ فِيكُمْ وَ قَالَ أَمَّا الْإِمْرَةُ الْبَرَّةُ فَيَعْمَلُ فِيهَا التَّقِيُّ وَ أَمَّا الْإِمْرَةُ الْفَاجِرَةُ فَيَتَمَتَّعُ فِيهَا الشَّقِيُّ إِلَى أَنْ تَنْقَطِعَ مُدَّتُهُ وَ تُدْرِكَهُ مَنِيَّتُهُ. بيان: قوله عليه السلام كلمة حق الظاهر أن المراد بالكلمة قولهم لا حكم إلا لله و الباطل الذي أريد بها المعنى الذي قصدوه لا ما يفهم من كلام بعض الشارحين أن دعاء أصحاب معاوية إياكم إلى كتاب الله كلمة حق لكن مقصودهم بها ليس العمل بكتاب الله بل فتوركم عن الحرب و تفرق أهوائكم و معناها الحق حصر الحكم حقيقة فيه سبحانه إذ حكم غيره تعالى إنما يجب متابعته لأنه حكمه تعالى. قوله عليه السلام و إنه لا بد للناس إلخ قال بعض الشارحين الألفاظ كلها ترجع إلى إمرة الفاجر قال يعمل فيها المؤمن أي ليست بمانعة للمؤمن من العمل و يستمتع فيها الكافر أي يتمتع بمدته و يبلغ الله فيها الأجل لأن إمارة الفاجر كإمارة البر في أن المدة المضروبة فيها تنتهي إلى الأجل الموقت للإنسان. و قال بعضهم الضمير في إمرته راجع إلى الأمير مطلقا فالإمرة التي يعمل فيها المؤمن الإمرة البرة و التي يستمتع فيها الكافر الإمرة الفاجرة و المراد بعمل المؤمن في إمرة البر عمله على وفق أوامر الله و نواهيه و باستمتاع الكافر في إمرة الفاجر انهماكه في اللذات الحاضرة و يبلغ الله فيها الأجل أي في إمرة الأمير سواء كان برا أو فاجرا و فائدتها تذكير العصاة ببلوغ الأجل و تخويفهم به و يؤيد هذا الوجه الرواية الأخرى. و يمكن أن يكون المعنى أنه لا بد في انتظام أمور المعاش أمير بر أو فاجر ليعمل المؤمن بما يستوجب به جنات النعيم و يتمتع فيها الكافر ليكون حجة عليه و لعله أظهر لفظا و معنى. قوله عليه السلام حتى يستريح كلمة حتى إما لبيان الغاية و المعنى تستمر تلك الحال حتى يستريح البر من الأمراء و هو الظاهر أو مطلقا و يستريح الناس من الفاجر أو مطلقا بالموت أو العزل و فيهما راحة للبر لأن الآخرة خير من الأولى و لا يجري الأمور غالبا على مراده و لا يستلذ كالفاجر بالانهماك في الشهوات و راحة للناس من الفاجر لخلاصهم من جوره و إن انتظم به نظام الكل في المعاش. و إما لترتب الغاية أي حتى يستريح البر من الناس في دولة البر من الأمراء و يستريح الناس مطلقا من بغي بعض الفجار و من الشرور و المكاره في دولة الأمير مطلقا برا كان أو فاجرا و لا ينافي ذلك إصابة المكروه من فاجر أحيانا. قوله عليه السلام حكم الله أنتظر أي جريان القضاء بقتلهم و حلول وقته. قوله عليه السلام إلى أن تنقطع مدته أي مدة دولته أو حياته. 594 - نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عليه السلام كَلَّمَ بِهِ الْخَوَارِجَ أَصَابَكُمْ حَاصِبٌ وَ لَا بَقِيَ مِنْكُمْ آبِرٌ أَ بَعْدَ إِيمَانِي بِاللَّهِ وَ جِهَادِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي بِالْكُفْرِ لَ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ ما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ فَأُوبُوا شَرَّ مَآبٍ وَ ارْجِعُوا عَلَى أَثَرِ الْأَعْقَابِ أَمَا إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي ذُلًّا شَامِلًا وَ سَيْفاً قَاطِعاً وَ أَثَرَةً يَتَّخِذُهَا الظَّالِمُونَ فِيكُمْ سُنَّةً. قال السيد رضي الله عنه قوله عليه السلام و لا بقي منكم آبر يروى على ثلاثة أوجه أحدها بالراء من قولهم رجل آبر للذي يأبر النخل أي يصلحه. و يروى آثر و هو الذي يأثر الحديث أي يحكيه و يرويه و هو أصح الوجوه عندي كأنه عليه السلام قال و لا بقي منكم مخبر. و يروى آبز بالزاء المعجمة و هو الواثب و الهالك أيضا يقال له آبز. 595 - وَ قَالَ عليه السلام لَمَّا عَزَمَ عَلَى حَرْبِ الْخَوَارِجِ وَ قِيلَ لَهُ إِنَّهُمْ قَدْ عَبَرُوا جِسْرَ النَّهْرَوَانَ مَصَارِعُهُمْ دُونَ النُّطْفَةِ وَ اللَّهِ لَا يُفْلِتُ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ وَ لَا يَهْلِكُ مِنْكُمْ عَشَرَةٌ. قال الرضي رحمه الله يعني بالنطفة ماء النهر و هو أفصح كناية عن الماء و إن كان كثيرا جما. بيان روي أنه كلمهم بهذا الكلام لما اعتزلوه و تنادوا من كل ناحية لا حكم إلا لله الحكم لله يا علي لا لك و قالوا بان لنا خطاؤنا فرجعنا و تبنا فارجع إليه أنت و تب و قال بعضهم اشهد على نفسك بالكفر ثم تب منه حتى نطيعك و الحاصب الريح الشديدة التي تثير الحصباء و هي صغار الحصى و إصابة الحاصب كناية عن العذاب و قيل أي أصابكم حجارة من السماء و الأوب بالفتح و الإياب بالكسر الرجوع و الأعقاب مؤخر الأقدام و أثرها بالتحريك علامتها و الرجوع على العقب هو القهقرى فهو كالتأكيد للسابق قيل هو أمر لهم بالإياب و الرجوع إلى الحق من حيث خرجوا منه قهرا كان القاهر يضرب في وجوههم يردهم على أعقابهم و الرجوع هكذا شر الأنواع و قيل هو دعاء عليهم بالذل و انعكاس الحال. أقول و يحتمل أن يكون الأمر على التهديد كقوله تعالى قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ و الأثرة بالتحريك الاسم من قولك فلان يستأثر على أصحابه أي يختار لنفسه أشياء حسنة و يخص نفسه بها و الاستيثار الانفراد بالشيء أو من آثر يؤثر إيثارا إذا أعطى أي يفضل الظالمون غيركم عليكم في نصيبكم و يعطونهم دونكم و قيل يجوز أن يكون المراد بالأثرة النمام. و النهروان بفتح النون و الراء و جوز تثليث الراء ثلاث قرى أعلى و أوسط و أسفل بين واسط و بغداد. و الصرع الطرح على الأرض و المصرع يكون مصدرا و موضعا و المراد هنا مواضع هلاكهم و الإفلات و التفلت و الانفلات التخلص من الشيء فجأة من غير تمكث. و هذا الخبر من معجزاته عليه السلام المتواترة و روي أنه لما قتل الخوارج وجدوا المفلت منهم تسعة تفرقوا في البلاد و وجدوا المقتول من أصحابه عليه السلام ثمانية. و يمكن أن يكون خفي على القوم مكان واحد من المقتولين أو يكون التعبير بعدم هلاك العشرة للمشاكلة و المناسبة بين القرينتين. 596 - نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عليه السلام لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ لَمَّا عَزَمَ عَلَى الْمَسِيرِ إِلَى الْخَوَارِجِ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ سِرْتَ فِي هَذَا الْوَقْتِ خَشِيتُ أَنْ لَا تَظْفَرَ بِمُرَادِكَ مِنْ طَرِيقِ عِلْمِ النُّجُومِ فَقَالَ عليه السلام أَ تَزْعُمُ أَنَّكَ تَهْدِي إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا صُرِفَ عَنْهُ السُّوءُ وَ تُخَوِّفُ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِي مَنْ سَارَ فِيهَا حَاقَ بِهِ الضُّرُّ فَمَنْ صَدَّقَكَ بِهَذَا فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْآنَ وَ اسْتَغْنَى عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِاللَّهِ تَعَالَى فِي نَيْلِ الْمَحْبُوبِ وَ دَفْعِ الْمَكْرُوهِ وَ يَنْبَغِي فِي قَوْلِكَ لِلْعَامِلِ بِأَمْرِكَ أَنْ يُولِيَكَ الْحَمْدَ دُونَ رَبِّهِ لِأَنَّكَ بِزَعْمِكَ أَنْتَ هَدَيْتَهُ إِلَى السَّاعَةِ الَّتِي نَالَ فِيهَا النَّفْعَ وَ آمن [أَمِنَ الضُّرَّ ثُمَّ أَقْبَلَ عليه السلام عَلَى النَّاسِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِيَّاكُمْ وَ تَعَلُّمَ النُّجُومِ إِلَّا مَا يُهْتَدَى بِهِ فِي بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ فَإِنَّهَا تَدْعُو إِلَى الْكِهَانَةِ الْمُنَجِّمُ كَالْكَاهِنِ وَ الْكَاهِنُ كَالسَّاحِرِ وَ السَّاحِرُ كَالْكَافِرِ وَ الْكَافِرُ فِي النَّارِ سِيرُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ وَ عَوْنِهِ. 597 - نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عليه السلام وَ قَدْ قَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ نَهَيْتَنَا عَنِ الْحُكُومَةِ ثُمَّ أَمَرْتَنَا بِهَا فَمَا نَدْرِي أَيُّ الْأَمْرَيْنِ أَرْشَدُ فَصَفَّقَ عليه السلام إِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ هَذَا جَزَاءُ مَنْ تَرَكَ الْعُقْدَةَ أَمَا وَ اللَّهِ لَوْ أَنِّي حِينَ أَمَرْتُكُمْ بِمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ حَمَلْتُكُمْ عَلَى الْمَكْرُوهِ الَّذِي يَجْعَلُ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً فَإِنِ اسْتَقَمْتُمْ هَدَيْتُكُمْ وَ إِنِ اعْوَجَجْتُمْ قَوَّمْتُكُمْ وَ إِنْ أَبَيْتُمْ تَدَارَكْتُكُمْ لَكَانَتِ الْوُثْقَى وَ لَكِنْ بِمَنْ وَ إِلَى مَنْ أُرِيدُ أَنْ أُدَاوِيَ بِكُمْ وَ أَنْتُمْ دَائِي كَنَاقِشِ الشَّوْكَةِ بِالشَّوْكَةِ وَ هُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ضَلَعَهَا مَعَهَا اللَّهُمَّ قَدْ مَلَّتْ أَطِبَّاءُ هَذَا الدَّاءِ الدَّوِيِّ وَ كَلَّتِ النَّزَعَةُ بِأَشْطَانِ الرَّكِيِّ أَيْنَ الْقَوْمُ الَّذِينَ دُعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَبِلُوهُ وَ قَرَءُوا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَ هِيجُوا إِلَى الْجِهَادِ فَوَلَّهُوا اللِّقَاحَ إِلَى أَوْلَادِهَا وَ سَلَبُوا السُّيُوفَ أَغْمَادَهَا وَ أَخَذُوا بِأَطْرَافِ الْأَرْضِ زَحْفاً كذا في طبع الكمبانيّ من البحار- غير أن كلمة «إلى» كانت محذوفة منها- و فيما عندي من نسخ نهج البلاغة: «فولهوا و له اللقاح إلى أولادها». و قد أشار المصنّف في شرحه الآتى الآن أن في بعض النسخ الذي كان عنده كان كذلك. زَحْفاً وَ صَفّاً صَفّاً بَعْضٌ هَلَكَ وَ بَعْضٌ نَجَا لَا يُبَشَّرُونَ بِالْأَحْيَاءِ وَ لَا يُعَزَّوْنَ عَنِ الْمَوْتَى مُرْهُ الْعُيُونِ مِنَ الْبُكَاءِ خُمْصُ الْبُطُونِ مِنَ الصِّيَامِ ذُبُلُ الشِّفَاهِ مِنَ الدُّعَاءِ صُفْرُ الْأَلْوَانِ مِنَ السَّهَرِ عَلَى وُجُوهِهِمْ غَبَرَةُ الْخَاشِعِينَ أُولَئِكَ إِخْوَانِيَ الذَّاهِبُونَ فَحَقٌّ لَنَا أَنْ نَظْمَأَ إِلَيْهِمْ وَ نَعَضَّ الْأَيْدِيَ عَلَى فِرَاقِهِمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ يُسَنِّي لَكُمْ طُرُقَهُ وَ يُرِيدُ أَنْ يَحُلَّ دِينَكُمْ عُقْدَةً عُقْدَةً وَ يُعْطِيَكُمْ بِالْجَمَاعَةِ الْفُرْقَةَ وَ بِالْفُرْقَةِ الْفِتْنَةَ فَاصْدِفُوا عَنْ نَزَعَاتِهِ وَ نَفَثَاتِهِ وَ اقْبَلُوا النَّصِيحَةَ مِمَّنْ أَهْدَاهَا إِلَيْكُمْ وَ اعْقِلُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ. إيضاح قوله عليه السلام هذا جزاء من ترك العقدة أي الرأي و الحزم و قيل مراده عليه السلام هذا جزاؤكم حين تركتم الرأي الأصوب فيكون هذا إشارة إلى حيرتهم التي دل عليها قولهم فما ندري أي الأمرين أرشد فيكون ترك العقدة منهم لا منه ع. و يمكن حمله على ظاهره الألصق بقوله عليه السلام بعد ذلك حملتكم على المكروه إلخ و لا يلزم خطاؤه كما توهمه الخوارج بأن يكون المراد كان هذا جزائي حين تركت العقدة أي هذا مما يترتب على ترك العقدة و إن كان تركها اضطرارا لا اختيارا و لا عن فساد رأي كما يدل عليه صريح قوله عليه السلام بعد ذلك و لكن بمن و إلى من فإن ترك الأصلح إذا لم يمكن العمل بالأصلح مما لا فساد فيه و لا ريب في عدم إمكان حربه عليه السلام بعد رفعهم المصاحف و افتراق أصحابه. قوله عليه السلام على المكروه أي الحرب إشارة إلى قوله تعالى فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَ يَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً و المكروه مكروه لهم لا له ع. قوله و إن اعوججتم لعل المراد بالاعوجاج اليسير من العصيان لا الإباء المطلق و بالتقويم الإرشاد و التحريض و التشجيع و بالإباء الإباء المطلق و بالتدارك الاستنجاد بغيرهم من قبائل العرب و أهل الحجاز و خراسان فإن كلهم كانوا من شيعته عليه السلام كذا ذكره ابن أبي الحديد. قوله عليه السلام و لكن بمن أي بمن أستعين في هذا الأمر الذي لا بد له من ناصر و معين و إلى من أرجع في ذلك. قوله عليه السلام كناقش الشوكة هذا مثل للعرب لا تنقش الشوكة بالشوكة فإن ضلعها معها أي إذا استخرجت الشوكة بمثلها فكما أن الأولى انكسرت في رجلك و بقيت في لحمك كذلك تنكسر الثانية فإن ضلعها بالتحريك أي ميلها معها أي طباع بعضكم يشبه طباع بعض و يميل إليها كما تميل الشوكة إلى مثلها. و قال ابن الأثير في مادة نقش من النهاية نقش الشوكة إذا استخرجها من جسمه و به سمي المنقاش الذي ينقش به. و الداء الدوي الشديد من دوي إذا مرض و النزعة جمع نازع و هو الذي يستقي الماء و الشطن هو الحبل و الركي جميع الركية و هي البئر كأنهم عن المصلحة في قعر بئر عميق و كل عليه السلام من جذبهم إليه أو شبه عليه السلام وعظه لهم و قلة تأثيره فيهم بمن يستقي من بئر عميقة لأرض وسيعة و عجز عن سقيها. قوله عليه السلام فولهوا اللقاح اللقاح بكسر اللام الإبل الواحدة لقوح و هي الحلوب أي جعلوا اللقاح والهة إلى أولادها بركوبهم إياها عند خروجهم إلى الجهاد و في بعض النسخ فولهوا وله اللقاح إلى أولادها و الوله إلى الشيء الاشتياق إليه. و أخذوا بأطراف الأرض أي أخذوا الأرض بأطرافها كما قيل أو أخذوا على الناس بأطراف الأرض أي حصروهم يقال لمن استولى على غيره و ضيق عليه قد أخذ بأطراف الأرض و أخذوا أطرافها من قبيل أخذت بالخطام و الزحف الجيش يزحفون إلى العدو أي يمشون و يكون مصدرا كالصف و نصبهما على الحالية أي زحفا بعد زحف و صفا بعد صف في الأطراف أو المصدرية أي يزحفون زحفا قوله لا يبشرون أي لشدة ولههم إلى الجهاد لا يفرحون ببقاء حيهم حتى يبشروا به و لا يحزنون لقتل قتيلهم حتى يعزوا به أو لما قطعوا العلائق الدنيوية إذا ولد لأحدهم مولود لم يبشر به و إذا مات منهم أحد لم يعزوا عنه و الأول أظهر لا سيما على نسخة القيل. و قال في النهاية المره مرض في العين لترك الكحل و قال الخمص الجوع و المجاعة و رجل خمص إذا كان ضامر البطن و ذبل أي قل ماؤه و ذهبت نضارته و قال الجوهري يقال حق لك أن تفعل أي خليق بك و قال سناه أي فتحه و سهله و يقال صدف عن الأمر أي انصرف عنه و نزغ الشيطان بينهم أي أفسد و أغرى و نفثاته وساوسه التي ينفث بها. 598 - نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عليه السلام قَالَ لِلْبُرْجِ بْنِ مُسْهِرٍ الطَّائِيِّ وَ قَدْ قَالَ لَهُ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ وَ كَانَ مِنَ الْخَوَارِجِ اسْكُتْ قَبَحَكَ اللَّهُ يَا أَثْرَمُ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ ظَهَرَ الْحَقُّ فَكُنْتَ فِيهِ ضَئِيلًا شَخْصُكَ خَفِيّاً صَوْتُكَ حَتَّى إِذَا نَعَرَ الْبَاطِلُ نَجَمْتَ نُجُومَ قَرْنِ الْمَاعِزِ. بيان: قبحك الله بالتخفيف و التشديد أي نحاك عن الخير و قيل كسرك يقال قبحت الجوزة أي كسرتها و الثرم سقوط الأسنان و الضئيل الدقيق النحيف الخفي و نعر أي صاح كناية عن ظهور الباطل و قوة أهله و نجم طلع أي طلعت بلا شرف و لا شجاعة و لا قدم بل على غفلة و الماعز واحد المعز من الغنم و هو خلاف الضأن. 599 - كِتَابُ الْغَارَاتِ، لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانٍ عَنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ الْمَنْصُورِ بْنِ عُمَرَ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ وَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ عليه السلام بِالنَّهْرَوَانِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَمَّا بَعْدُ أَنَا فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا غَيْرِي وَ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى لَمْ يَكُنْ لِيَفْقَأَهَا أَحَدٌ غَيْرِي وَ لَوْ لَمْ أَكُ فِيكُمْ مَا قُوتِلَ أَصْحَابُ الْجَمَلِ وَ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ لَا أَنْ تَتَّكِلُوا وَ تَدَعُوا الْعَمَلَ لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا قَضَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ ص لِمَنْ قَاتَلَهُمْ مُبْصِراً لِضَلَالَتِهِمْ عَارِفاً لِلْهُدَى الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي إِنِّي مَيِّتٌ أَوْ مَقْتُولٌ بَلْ قَتْلًا مَا يَنْتَظِرُ أَشْقَاهَا أَنْ يَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا بِدَمٍ وَ ضَرَبَ بِيَدِهِ إِلَى لِحْيَتِهِ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِّي عَنْ شَيْءٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ السَّاعَةِ وَ لَا عَنْ فِئَةٍ تُضِلُّ مِائَةً أَوْ تَهْدِي مِائَةً إِلَّا نَبَّأْتُكُمْ بِنَاعِقِهَا وَ سَائِقِهَا فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ حَدِّثْنَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَنِ الْبَلَاءِ قَالَ إِنَّكُمْ فِي زَمَانٍ إِذَا سَأَلَ سَائِلٌ فَلْيَعْقِلْ وَ إِذَا سُئِلَ مَسْئُولٌ فَلْيَثَّبَّتْ أَلَا وَ إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أُمُوراً أَتَتْكُمْ جَلَلًا مُزَوَّجاً وَ بَلَاءً مُكْلِحاً مُلِحّاً وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ أَنْ لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَ نَزَلَتْ بِكُمْ كَرَاهِيَةُ الْأُمُورِ وَ حَقَائِقُ الْبَلَاءِ لَقَدْ أَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ وَ ذَلِكَ إِذَا قَلَّصَتْ حَرْبُكُمْ وَ شَمَّرَتْ عَنْ سَاقٍ وَ كَانَتِ الدُّنْيَا بَلَاءً عَلَيْكُمْ وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِي حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ فَانْصُرُوا أَقْوَاماً كَانُوا أَصْحَابَ رَايَاتٍ يَوْمَ بَدْرٍ وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ تُنْصَرُوا وَ تُؤْجَرُوا وَ لَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَصْرَعَكُمُ الْبَلِيَّةُ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثْنَا عَنِ الْفِتَنِ قَالَ إِنَّ الْفِتْنَةَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ وَ إِذَا أَدْبَرَتِ اسْتَقَرَّتْ يُشْبِهْنَ مُقْبِلَاتٍ وَ يُعْرَفْنَ مُدْبِرَاتٍ إِنَّ الْفِتَنَ تَحُومُ كَالرِّيَاحِ يُصِبْنَ بَلَداً وَ يُخْطِئْنَ أُخْرَى أَلَا إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عِنْدِي عَلَيْكُمْ فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ إِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ مُظْلِمَةٌ مُطَيَّنَةٌ عَمَّتْ فِتْنَتُهَا وَ خَصَّتْ بَلِيَّتُهَا وَ أَصَابَ الْبَلَاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا وَ أَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا يَظْهَرُ أَهْلُ بَاطِلِهَا عَلَى أَهْلِ حَقِّهَا حَتَّى تُمْلَأَ الْأَرْضُ عُدْوَاناً وَ ظُلْماً وَ بِدَعاً أَلَا وَ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ يَضَعُ جَبَرُوتَهَا وَ يَكْسِرُ عَمَدَهَا وَ يَنْزِعُ أَوْتَادَهَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَ ايْمُ اللَّهِ لَتَجِدُنَّ بَنِي أُمَيَّةَ أَرْبَابَ سَوْءٍ لَكُمْ بَعْدِي كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعَضُّ بِفِيهَا وَ تَخْبِطُ بِيَدَيْهَا وَ تَضْرِبُ بِرِجْلَيْهَا وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا لَا يَزَالُونَ بِكُمْ حَتَّى لَا يَتْرُكُوا فِي مِصْرِكُمْ إِلَّا تَابِعاً لَهُمْ أَوْ غَيْرَ ضَارٍ وَ لَا يَزَالُ بَلَاؤُهُمْ بِكُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ انْتِصَارُ أَحَدِكُمْ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلَ انْتِصَارِ الْعَبْدِ مِنْ رَبِّهِ إِذَا رَآهُ أَطَاعَهُ وَ إِذَا تَوَارَى عَنْهُ شَتَمَهُ وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ فَرَّقُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ حَجَرٍ لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ أَلَا إِنَّ مِنْ بَعْدِي جُمَّاعَ شَتَّى أَلَا إِنَّ قِبْلَتَكُمْ وَاحِدَةٌ وَ حَجَّكُمْ وَاحِدٌ وَ عُمْرَتَكُمْ وَاحِدَةٌ وَ الْقُلُوبَ مُخْتَلِفَةٌ ثُمَّ أَدْخَلَ عليه السلام أَصَابِعَهُ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ مَا هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ هَذَا هَكَذَا يَقْتُلُ هَذَا هَذَا وَ يَقْتُلُ هَذَا هَذَا قِطَعاً جَاهِلِيَّةً لَيْسَ فِيهَا هُدًى وَ لَا عَلَمٌ يُرَى نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ وَ لَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا نَصْنَعُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ قَالَ انْظُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وَ إِنِ اسْتَصْرَخُوكُمْ فَانْصُرُوهُمْ تُؤْجَرُوا وَ لَا تَسْبِقُوهُمْ فَتَصْرَعَكُمُ الْبَلِيَّةُ فَقَامَ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ ثُمَّ مَا يَكُونُ بَعْدَ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ يُفَرِّجُ الْفِتَنَ بِرَجُلٍ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ كَتَفْرِيجِ الْأَدِيمِ بِأَبِي ابْنُ خِيَرَةِ الْإِمَاءِ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَ يَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ فَلَا يُعْطِيهِمْ إِلَّا السَّيْفَ هَرْجاً هَرْجاً يَضَعُ السَّيْفَ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ وَدَّتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ ذَلِكَ بِالدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا لَوْ يَرَوْنِي مَقَاماً وَاحِداً قَدْرَ حَلْبِ شَاةٍ أَوْ جَزْرِ جَزُورٍ لِأَقْبَلَ مِنْهُمْ بَعْضَ الَّذِي يَرُدُّ عَلَيْهِمْ حَتَّى تَقُولُ قُرَيْشٌ لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ لَرَحِمَنَا فَيُغْرِيهِ اللَّهُ بِبَنِي أُمَيَّةَ فَيَجْعَلُهُمْ مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا. بيان: الجلل محركة الأمر العظيم مزوجا أي مقرونا بمثله و الكلوح العبوس يقال كلح و أكلح و قلصت بالتشديد أي انضمت و اجتمعت و بالتخفيف أي كثرت و تزايدت من قلصت البئر إذا ارتفع ماؤها و شمرت عن ساق أي كشفت عن شدة و حام الطائر و غيره حول الشيء دار مطينة أي مخفية و الناب الناقة المسنة و الضروس السيئة الخلق تعض حالبها و جماع الناس كرمان أخلاطهم من قبائل شتى و كلما تجمع و انضم بعضه إلى بعض و لبد كنصر و فرح أقام و لزق كتفريج الأديم أي الجلد عن اللحم و ابن خيرة الإماء القائم عليه السلام يسومهم خسفا أي يوليهم ذلا و كأس مصبرة ممزوجة بالصبر و في النهاية فيه بين يدي الساعة هرج أي قتال و اختلاط و أصل الهرج الكثرة في الشيء و الاتساع. أقول و قد مضى بعض هذه الخطبة مشروحا. 600 - نهج، نهج البلاغة مِنْ كَلَامٍ لَهُ عليه السلام قَالَهُ لِلْخَوَارِجِ وَ قَدْ خَرَجَ إِلَى مُعَسْكَرِهِمْ وَ هُمْ مُقِيمُونَ عَلَى إِنْكَارِ الْحُكُومَةِ فَقَالَ عليه السلام أَ كُلُّكُمْ شَهِدَ مَعَنَا صِفِّينَ قَالُوا مِنَّا مَنْ شَهِدَ وَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَشْهَدْ قَالَ عليه السلام فَامْتَازُوا فِرْقَتَيْنِ فَلْيَكُنْ مَنْ شَهِدَ صِفِّينَ فِرْقَةً وَ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا فِرْقَةً حَتَّى أُكَلِّمَ كُلًّا بِكَلَامِهِ وَ نَادَى النَّاسَ فَقَالَ أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلَامِ وَ أَنْصِتُوا لِقَوْلِي وَ أَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا ثُمَّ كَلَّمَهُمْ عليه السلام بِكَلَامٍ طَوِيلٍ مِنْهُ أَ لَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً وَ غِيلَةً وَ مَكْراً وَ خَدِيعَةً إِخْوَانُنَا وَ أَهْلُ دَعْوَتِنَا اسْتَقَالُونَا وَ اسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَالرَّأْيُ الْقَبُولُ مِنْهُمْ وَ التَّنْفِيسُ عَنْهُمْ فَقُلْتُ لَكُمْ هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ وَ بَاطِنُهُ عُدْوَانٌ وَ أَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وَ آخِرُهُ نَدَامَةٌ فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ وَ الْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ وَ عَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بِنَوَاجِذِكُمْ وَ لَا تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ وَ إِنْ تُرِكَ ذَلَّ وَ قَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْفَعْلَةُ وَ قَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا وَ اللَّهِ لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا وَ لَا حَمَّلَنِي اللَّهُ ذَنْبَهَا وَ وَ اللَّهِ إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ الَّذِي يُتَّبَعُ وَ إِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِي مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُهُ فَلَقَدْ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ إِنَّ الْقَتْلَ لَيَدُورُ بَيْنَ الْآبَاءِ وَ الْأَبْنَاءِ وَ الْإِخْوَانِ وَ الْقَرَابَاتِ فَمَا نَزْدَادُ عَلَى كُلِّ مُصِيبَةٍ وَ شِدَّةٍ إِلَّا إِيمَاناً وَ مُضِيّاً عَلَى الْحَقِّ وَ تَسْلِيماً لِلْأَمْرِ وَ صَبْراً عَلَى مَضَضِ الْجِرَاحِ وَ لَكِنَّا إِنَّمَا أَصْبَحْنَا نُقَاتِلُ إِخْوَانَنَا فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا دَخَلَ فِيهِ مِنَ الزَّيْغِ وَ الِاعْوِجَاجِ وَ الشُّبْهَةِ وَ التَّأْوِيلِ فَإِذَا طَمِعْنَا فِي خَصْلَةٍ يَلُمُّ اللَّهُ بِهَا شَعَثَنَا وَ نَتَدَانَى بِهَا إِلَى الْبَقِيَّةِ فِيمَا بَيْنَنَا رَغِبْنَا فِيهَا وَ أَمْسَكْنَا عَمَّا سِوَاهَا. 601 - ج، الإحتجاج أَ لَمْ تَقُولُوا إِلَى آخِرِ الْكَلَامِ توضيح قوله عليه السلام بكلامه أي بالكلام الذي يليق به. و قال في النهاية فيه نشدتك الله و الرحم أي سألتك بالله و بالرحم و قال الجوهري الغيلة بالكسر الخديعة و نفس تنفيسا فرج تفريجا قوله ع أوله رحمة لأنه كان وسيلة إلى حقن الدماء و الفعلة بالفتح المرة من الفعل و المراد بها الرضا بالحكومة و فريضتها ما وجب بسببها و ترتب عليها و إن الكتاب لمعي أي لفظا و معنى و المضض وجع المصيبة قوله عليه السلام إلى البقية أي إلى بقاء ما بقي فيما بيننا من الإسلام كما ذكره ابن ميثم و الأظهر عندي أنه من الإبقاء بمعنى الرحم و الإشفاق و الإصلاح كما في الصحيفة لا تبقى على من تضرع إليها. و قال في القاموس أبقيت ما بيننا لم أبالغ في فساده و الاسم البقية و أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ أي إبقاء. و قال ابن أبي الحديد هذا الكلام ليس يتلو بعضه بعضا و لكنه ثلاثة فصول لا يلتصق أحدها بالآخر آخر الفصل الأول قوله عليه السلام و إن ترك ذل. و آخر الفصل الثاني قوله على مضض الجراح و الفصل الثالث ينتهي آخر الكلام. 602 - نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عليه السلام فِي التَّحْكِيمِ إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ وَ إِنَّمَا حَكَّمْنَا الْقُرْآنَ وَ هَذَا الْقُرْآنُ إِنَّمَا هُوَ خَطٌّ مَسْطُورٌ بَيْنَ الدَّفَّتَيْنِ لَا يَنْطِقُ بِلِسَانٍ وَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ تَرْجُمَانٍ وَ إِنَّمَا يَنْطِقُ عَنْهُ الرِّجَالُ وَ لَمَّا دَعَانَا الْقَوْمُ إِلَى أَنْ نُحَكِّمَ بَيْنَنَا الْقُرْآنَ لَمْ نَكُنِ الْفَرِيقَ الْمُتَوَلِّي عَنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ فَرَدُّهُ إِلَى اللَّهِ أَنْ نَحْكُمَ بِكِتَابِهِ وَ رَدُّهُ إِلَى الرَّسُولِ أَنْ نَأْخُذَ بِسُنَّتِهِ فَإِذَا حُكِمَ بِالصِّدْقِ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ وَ إِنْ حُكِمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ص فَنَحْنُ أَحَقُّ النَّاسِ وَ أَوْلَاهُمْ بِهِ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ لِمَ جَعَلْتَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُمْ أَجَلًا فِي التَّحْكِيمِ فَإِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِيَتَبَيَّنَ الْجَاهِلُ وَ يَتَثَبَّتَ الْعَالِمُ وَ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ فِي هَذِهِ الْهُدْنَةِ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ لَا يُؤْخَذُ بِأَكْظَامِهَا فَتَعْجَلَ عَنْ تَبَيُّنِ الْحَقِّ وَ تَنْقَادَ لِأَوَّلِ الْغَيِّ إِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ مَنْ كَانَ الْعَمَلُ بِالْحَقِّ أَحَبَّ إِلَيْهِ وَ إِنْ نَقَصَهُ وَ كَرَثَهُ مِنَ الْبَاطِلِ وَ إِنْ جَرَّ إِلَيْهِ فَائِدَةً وَ زَادَهُ فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ وَ مِنْ أَيْنَ أُتِيتُمْ اسْتَعِدُّوا لِلْمَسِيرِ إِلَى قَوْمٍ حَيَارَى عَنِ الْحَقِّ لَا يُبْصِرُونَهُ وَ مُوزَعِينَ بِالْجَوْرِ لَا يَعْدِلُونَ عَنْهُ جُفَاةٍ عَنِ الْكِتَابِ نُكُبٍ عَنِ الطَّرِيقِ مَا أَنْتُمْ بِوَثِيقَةٍ يُعْلَقُ بِهَا وَ لَا زَوَافِرِ عِزٍّ يُعْتَصَمُ إِلَيْهَا لَبِئْسَ حُشَّاشُ نَارِ الْحَرْبِ أَنْتُمْ أُفٍّ لَكُمْ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْكُمْ بَرْحاً يَوْماً أُنَادِيكُمْ وَ يَوْماً أُنَاجِيكُمْ فَلَا أَحْرَارُ صِدْقٍ عِنْدَ النِّدَاءِ وَ لَا إِخْوَانُ ثِقَةٍ عِنْدَ النَّجَاءِ. 603 ج، الإحتجاج قَالَ عليه السلام إِنَّا لَمْ نُحَكِّمِ الرِّجَالَ إِلَى قَوْلِهِ وَ تَنْقَادُ لِأَوَّلِ الْغَيِّ. توضيح قوله عليه السلام إنا لم نحكم حاصل الجواب أنا لم نرض بتحكيم الرجلين مطلقا بل على تقدير حكمهما بالصدق في الكتاب و السنة لأن القوم دعونا إلى تحكيم القرآن لا تحكيم الرجلين و إنما رضينا بتحكيم الرجلين لحاجة القرآن إلى الترجمان فالحاكم حقيقة هو القرآن لا الرجلان فإذا خالف الرجلان حكم الكتاب و السنة لم يجب علينا قبول قولهما. مع أن رضاه عليه السلام كان اضطرارا كما عرفت مرارا. قوله عليه السلام فإذا حكم بالصدق أي إذا حكم بالصدق في الكتاب و السنة فيجب أن يحكم بخلافتنا لأنا أحق الناس بالكتاب و السنة و إذا حكم بالصدق فيهما فنحن أولى الناس باتباع حكمهما فعدم اتباعنا لعدم حكمهم بالصدق و إلا لاتبعناه و إذا حكم بالصدق فيهما فنحن أحق الناس بهذا الحكم فيجب عليهم اتباع قولنا لا علينا اتباع قولهم. و الضمير في قوله أحق الناس به عائد إلى الكتاب أو إلى الله أو إلى الحكم و في قوله أولاهم به إلى الرسول أو إلى الحكم. قوله عليه السلام ليتبين الجاهل أي ليظهر للجاهل وجه الحق و التبين يكون لازما و متعديا و يتثبت العالم بدفع الشبهة و يطمئن قلبه. قوله عليه السلام و لا يؤخذ بأكظامها معطوف على يتبين. و قال ابن الأثير في كظم من كتاب النهاية و في حديث علي بأكظامها هي جمع كظم بالتحريك و هو مخرج النفس من الحلق و أول الغي هو أول شبهة عرضت لهم من رفع المصاحف و كرنه الغم أو أكرثه أي اشتد عليه و بلغ منه المشقة و تاه يتيه تيها تحير و ضل أو تكبر و من أين أتيتم أي هلكتم أو دخل عليكم الشيطان و الشبهة و الحيلة و قال الجوهري أوزعته بالشيء أغريته به لا يعدلون به أي ليس للجور عندهم عديل و يروى لا يعدلون عنه أي لا يتركونه إلى غيره و الجفاء البعد عن الشيء. و نكب عن الطريق ينكب نكبا عدل ما أنتم بوثيقة أي بعروة وثيقة أو بذي وثيقة و الوثيقة الثقة و علق بالشيء كفرح و تعلق به أي نشب و استمسك و زافرة الرجل أنصاره و خاصته و الحشاش بضم الحاء و تشديد الشين جمع حاش و هو الموقد للنار و كذلك الحشاش بالكسر و التخفيف و قيل هو ما يحش به النار أي يوقد و البرح الشدة و في بعض النسخ بالتاء و هو الحزن يوما أناديكم أي جهرا و يوما أناجيكم أي سرا فلا أحرار أي لا تنصرون و لا تحمون و لا إخوان ثقة أي لا تكتمون السر و لا تعملون بلوازم الإخاء. 604 - نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عليه السلام لِلْخَوَارِجِ فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وَ ضَلَلْتُ فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ص بِضَلَالِي وَ تَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي وَ تُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبَرَاءَةِ وَ السُّقْمِ وَ تَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ وَ قَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص رَجَمَ الزَّانِيَ [الْمُحْصَنَ ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ وَرَّثَهُ أَهْلَهُ وَ قَتَلَ الْقَاتِلَ وَ وَرَّثَ مِيرَاثَهُ أَهْلَهُ وَ قَطَعَ السَّارِقَ وَ جَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ ثُمَّ قَسَمَ عَلَيْهِمَا مِنَ الْفَيْءِ وَ نَكَحَا الْمُسْلِمَاتِ فَأَخَذَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ص بِذُنُوبِهِمْ وَ أَقَامَ حَقَّ اللَّهِ فِيهِمْ وَ لَمْ يَمْنَعْهُمْ سَهْمَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَ لَمْ يُخْرِجْ أَسْمَاءَهُمْ مِنْ بَيْنِ أَهْلِهِ ثُمَّ أَنْتُمْ شِرَارُ النَّاسِ وَ مَنْ رَمَى بِهِ الشَّيْطَانُ مَرَامِيَهُ وَ ضَرَبَ بِهِ تِيهَهُ وَ سَيَهْلِكُ فِيَّ صِنْفَانِ مُحِبٌّ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْحُبُّ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَ مُبْغِضٌ مُفْرِطٌ يَذْهَبُ بِهِ الْبُغْضُ إِلَى غَيْرِ الْحَقِّ وَ خَيْرُ النَّاسِ فِيَّ حَالًا النَّمَطُ الْأَوْسَطُ فَالْزَمُوهُ وَ الْزَمُوا السَّوَادَ الْأَعْظَمَ فَإِنَّ يَدَ اللَّهِ على [مَعَ الْجَمَاعَةِ وَ إِيَّاكُمْ وَ الْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّاذَّ مِنَ النَّاسِ لِلشَّيْطَانِ كَمَا أَنَّ الشَّاذَّةَ مِنَ الْغَنَمِ لِلذِّئْبِ أَلَا مَنْ دَعَا إِلَى هَذَا الشِّعَارِ فَاقْتُلُوهُ وَ لَوْ كَانَ تَحْتَ عِمَامَتِي هَذِهِ وَ إِنَّمَا حُكِّمَ الْحَكَمَانِ لِيُحْيِيَا مَا أَحْيَا الْقُرْآنُ وَ يُمِيتَا مَا أَمَاتَ الْقُرْآنُ وَ إِحْيَاؤُهُ الِاجْتِمَاعُ عَلَيْهِ وَ إِمَاتَتُهُ الِافْتِرَاقُ عَنْهُ فَإِنْ جَرَّنَا الْقُرْآنُ إِلَيْهِمْ اتَّبَعْنَاهُمْ وَ إِنْ جَرَّهُمْ إِلَيْنَا الْقُرْآنُ اتَّبَعُونَا فَلَمْ آتِ لَا أَبَا لَكُمْ بُجْراً وَ لَا خَتَلْتُكُمْ عَنْ أَمْرِكُمْ وَ لَا لَبَّسْتُهُ عَلَيْكُمْ وَ إِنَّمَا اجْتَمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى اخْتِيَارِ رَجُلَيْنِ أَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ لَا يَتَعَدَّيَا الْقُرْآنَ فَتَاهَا عَنْهُ وَ تَرَكَا الْحَقَّ وَ هُمَا يُبْصِرَانِهِ وَ كَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا فَمَضَيَا عَلَيْهِ وَ قَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكُومَةِ بِالْعَدْلِ وَ الصَّمْدِ لِلْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا. إيضاح قوله عليه السلام و ضللت بكسر اللام و فتحها أقول لما قالت الخوارج لعنهم الله إن الدار دار الكفر لا يجوز الكف عن أحد من أهلها قتلوا الناس حتى الأطفال و قتلوا البهائم و ذهبوا إلى تكفير أهل الكبائر مطلقا و لذا أكفروا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) و من تبعه على تصويب التحكيم فلذا احتج عليه السلام عليهم بأنه لو كان صاحب الكبيرة كافرا لما صلى عليه رسول الله ص و لا ورثه من المسلم و لا مكنه من نكاح المسلمات و لا قسم عليهم من الفيء و لأخرجه من إطلاق لفظ الإسلام عليه. و قوله عليه السلام و ورث ميراثه يدل ظاهرا على عدم إرث المسلم من الكافر و لعله إلزام عليهم. قوله عليه السلام و نكحا أي السارق و الزاني المسلمات و لم يمنعهما رسول الله ص من ذلك. قوله عليه السلام من بين أهله أي أهل الإسلام و مرامي الشيطان طرق الضلال التي يسوق الإنسان إليها بوساوسه و ضرب به تيهه أي وجهه إليه من ضربت في الأرض إذا سافرت و الباء للتعدية و التيه بالكسر و الفتح الحيرة و بالكسر المفازة يتاه فيها. و تقييد البغض بالإفراط لعله لتخصيص أكمل الأفراد بالذكر أو لأن المبغض مطلقا مجاوز عن الحد أو لأن الكلام إخبار عما سيوجد منهم مع أن فيه رعاية الازدواج و التناسب بين الفقرتين. - وَ قَالَ فِي النَّهَايَةِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عليه السلام خَيْرُ هَذِهِ الْأُمَّةِ النَّمَطُ الْأَوْسَطُ. النمط الطريقة و من الطرائق و الضرب من الضروب يقال ليس هذا من ذلك النمط أي من ذلك الضرب و النمط الجماعة من الناس أمرهم واحد و قال فيه عليكم بالسواد الأعظم أي جملة الناس و معظمهم الذين يجتمعون على طاعة السلطان و سلوك المنهج المستقيم و قال إن يد الله على الجماعة أي إن الجماعة من أهل الإسلام في كنف الله و يد الله كناية عن الحفظ و الدفاع عنهم. قوله عليه السلام إلى هذا الشعار قال ابن ميثم أي مفارقة الجماعة و الاستبداد بالرأي و قوله عليه السلام و لو كان تحت عمامتي كناية عن أقصى القرب من عنايته أي و لو كان ذلك الداعي في هذا الحد من عنايتي به و قال ابن أبي الحديد كان شعارهم أن يحلقوا وسط رءوسهم و يبقوا الشعر مستديرا حوله كالإكليل و قال و لو كان تحت عمامتي أي و لو اعتصم و احتمى بأعظم الأشياء حرمة فلا تكفوا عن قتله. أقول و يحتمل أن يكون شعارهم قولهم لا حكم إلا لله و أن يكون كنى بقوله تحت عمامتي عن نفسه. قوله عليه السلام و إحياؤه الاجتماع عليه أي ما يحييه القرآن هو الاجتماع عليه و ما يميته هو الافتراق عنه أو إن الاجتماع على القرآن إحياؤه إذ به يحصل الأثر و الفائدة المطلوبة منه و الافتراق عنه إماتة له و البجر بالضم و الفتح الداهية و الأمر العظيم و الختل الخداع. قوله عليه السلام و إنما اجتمع يظهر منه جوابان عن شبهتهم أحدهما إني ما اخترت التحكيم بل اجتمع رأي ملئكم عليه و قد ظهر أنه عليه السلام كان مجبورا في التحكيم. و ثانيهما أنا اشترطنا عليهما في كتاب التحكيم أن لا يتجاوزا حكم القرآن فلما تعديا لم يجب علينا اتباع حكمهما. و الملأ أشراف الناس و رؤسائهم و مقدموهم الذين يرجع إلى قولهم ذكره في النهاية و الصمد القصد. و سوء رأيهما مفعول سبق أو الاستثناء أيضا على التنازع أي ذكرنا أولا أنا إنما نتبع حكمهما إذا لم يختارا سوء الرأي و الجور في الحكم. 605 - نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عليه السلام فِي مَعْنَى الْحَكَمَيْنِ فَأَجْمَعَ رَأْيُ مَلَئِكُمْ عَلَى أَنِ اخْتَارُوا رَجُلَيْنِ فَأَخَذْنَا عَلَيْهِمَا أَنْ يُجَعْجِعَا عِنْدَ الْقُرْآنِ وَ لَا يُجَاوِزَاهُ وَ يَكُونَ أَلْسِنَتُهُمَا مَعَهُ وَ قُلُوبُهُمَا تَبَعَهُ فَتَاهَا عَنْهُ وَ تَرَكَا الْحَقَّ وَ هُمَا يُبْصِرَانِهِ وَ كَانَ الْجَوْرُ هَوَاهُمَا وَ الِاعْوِجَاجُ رَأْيَهُمَا وَ قَدْ سَبَقَ اسْتِثْنَاؤُنَا عَلَيْهِمَا فِي الْحُكْمِ بِالْعَدْلِ وَ الْعَمَلِ بِالْحَقِّ سُوءَ رَأْيِهِمَا وَ جَوْرَ حُكْمِهِمَا وَ الثِّقَةَ فِي أَيْدِينَا لِأَنْفُسِنَا حِينَ خَالَفَا سَبِيلَ الْحَقِّ وَ أَتَيَا بِمَا لَا يُعْرَفُ مِنْ مَعْكُوسِ الْحُكْمِ. إيضاح قال في النهاية في حديث علي عليه السلام فأخذنا عليهما أن يجعجعا عند القرآن. أي يقيما عنده يقال جعجع القوم إذا أناخوا بالجعجاع و هي الأرض و الجعجاع أيضا الموضع الضيق الخشن و قال في القاموس التبع محركة التابع يكون واحدا و جمعا و يجمع على أتباع. قوله عليه السلام و الثقة في أيدينا أي أنا على برهان و ثقة في أمورنا قوله عليه السلام بما لا يعرف أي لا يصدق به. 606 - نهج، نهج البلاغة مِنْ وَصِيَّتِهِ عليه السلام لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ لَمَّا بَعَثَهُ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى الْخَوَارِجِ لَا تُخَاصِمْهُمْ بِالْقُرْآنِ فَإِنَّ الْقُرْآنَ حَمَّالٌ ذُو وُجُوهٍ تَقُولُ وَ يَقُولُونَ وَ لَكِنْ حَاجِّهِمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنَّهُمْ لَنْ يَجِدُوا عَنْهَا مَحِيصاً. بيان: قوله عليه السلام و لكن حاجهم بالسنة قال ابن أبي الحديد - كَقَوْلِ النَّبِيِّ ص عَلِيٌّ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَلِيٍّ يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُمَا دَارَ. و غير ذلك من النصوص. و قال الجوهري يقال ما عنه محيص أي محيد و مهرب. 607 - نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ عليه السلام وَ قَدْ أَرْسَلَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْلَمُ لَهُ عِلْمَ قَوْمٍ مِنْ جُنْدِ الْكُوفَةِ هَمُّوا بِاللَّحَاقِ بِالْخَوَارِجِ وَ كَانُوا عَلَى خَوْفٍ مِنْهُ ع فَلَمَّا عَادَ إِلَيْهِ الرَّجُلُ قَالَ لَهُ أَمِنُوا فَقَطَنُوا أَمْ جَبَنُوا فَظَعَنُوا فَقَالَ الرَّجُلُ بَلْ ظَعَنُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ عليه السلام بُعْداً لَهُمْ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ أَمَا لَوْ أُشْرِعَتِ الْأَسِنَّةُ إِلَيْهِمْ وَ صُبَّتِ السُّيُوفُ عَلَى هَامَاتِهِمْ لَقَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ الْيَوْمَ قَدِ اسْتَفَلَّهُمْ وَ هُوَ غَداً مُتَبَرِّئٌ مِنْهُمْ وَ مُخَلٍّ عَنْهُمْ فَحَسْبُهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنَ الْهُدَى وَ ارْتِكَاسِهِمْ فِي الضَّلَالِ وَ الْعَمَى وَ صَدِّهِمْ عَنِ الْحَقِّ وَ جِمَاحِهِمْ فِي التِّيهِ. بيان: قطن بالمكان أقام و قوله بعدا منصوب على المصدر و هو ضد القرب و الهلاك قوله عليه السلام قد استفلهم في بعض النسخ بالقاف أي حملهم أو اتخذهم قليلا و سهل عليه أمرهم و في أكثر النسخ بالفاء أي وجدهم فلا لا خير فيهم أو مفلولين منهزمين و في بعضها استفزهم أي استخفهم و في بعضها استقبلهم أي قبلهم و المراد بالغد اليوم الذي تصب السيوف على هاماتهم أو يوم القيامة. و قال الجوهري الركس رد الشيء مقلوبا و ارتكس فلان في أمر كان قد نجا منه و جمح الفرس كمنع اعتز فارسه و غلبه و التيه المفازة و الضلال. 608 - ج، الإحتجاج رُوِيَ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ إِلَى الْخَوَارِجِ وَ كَانَ بِمَرْأًى مِنْهُمْ وَ مَسْمَعٍ لِيَسْأَلَهُمْ مَا ذَا الَّذِي نَقَمُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمُ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا ذَا نَقَمْتُمْ عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا لَهُ فِي الْجَوَابِ نَقَمْنَا يَا ابْنَ الْعَبَّاسِ عَلَى صَاحِبِكَ خِصَالًا كُلُّهَا مُكَفِّرَةٌ مُوبِقَةٌ تَدْعُو إِلَى النَّارِ أَمَّا أَوَّلُهَا فَإِنَّهُ مَحَى اسْمَهُ مِنِ إِمْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ ثُمَّ كَتَبَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَنَحْنُ الْمُؤْمِنُونَ فَلَسْنَا نَرْضَى أَنْ يَكُونُ أَمِيرَنَا وَ أَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُ شَكَّ فِي نَفْسِهِ حِينَ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ انْظُرَا فَإِنْ كَانَ مُعَاوِيَةُ أَحَقَّ بِهَا فَأَثْبِتَاهُ وَ إِنْ كُنْتُ أَوْلَى بِهَا فَأَثْبِتَانِي فَإِذَا هُوَ شَكَّ فِي نَفْسِهِ فَلَمْ يَدْرِ أَ هُوَ الْمُحِقُّ أَمْ مُعَاوِيَةُ فَنَحْنُ فِيهِ أَشَدُّ شَكّاً وَ الثَّالِثَةُ أَنَّهُ جَعَلَ الْحَكَمَ إِلَى غَيْرِهِ وَ قَدْ كَانَ عِنْدَنَا أَحْكَمَ النَّاسِ وَ الرَّابِعَةُ أَنَّهُ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ وَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إِلَيْهِ وَ الْخَامِسَةُ أَنَّهُ قَسَّمَ بَيْنَنَا الْكُرَاعَ وَ السِّلَاحَ يَوْمَ الْبَصْرَةِ وَ مَنَعَنَا النِّسَاءَ وَ الذُّرِّيَّةَ وَ السَّادِسَةُ أَنَّهُ كَانَ وَصِيّاً فَضَيَّعَ الْوَصِيَّةَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ سَمِعْتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَقَالَةَ الْقَوْمِ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِجَوَابِهِمْ فَقَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ قُلْ لَهُمْ أَ لَسْتُمْ تَرْضَوْنَ بِحُكْمِ اللَّهِ وَ حُكْمِ رَسُولِهِ قَالُوا نَعَمْ قَالَ أَبْدَأُ عَلَى مَا بَدَأْتُمْ بِهِ فِي بَدْءِ الْأَمْرِ ثُمَّ قَالَ كُنْتُ أَكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ص الْوَحْيَ وَ الْقَضَايَا وَ الشُّرُوطَ وَ الْأَمَانَ يَوْمَ صَالَحَ أَبَا سُفْيَانَ وَ سُهَيْلَ بْنَ عَمْرٍو فَكَتَبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ أَبُو سُفْيَانَ وَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ سُهَيْلٌ إِنَّا لَا نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ وَ لَا نُقِرُّ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ وَ لَكُنَّا نَحْسَبُ ذَلِكَ شَرَفاً لَكَ أَنْ تُقَدِّمَ اسْمَكَ قَبْلَ أَسْمَائِنَا وَ إِنْ كُنَّا أَسَنَّ مِنْكَ وَ أَبِي أَسَنُّ مِنْ أَبِيكَ فَأَمَرَنِيَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَالَ اكْتُبْ مَكَانَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ فَمَحَوْتُ ذَلِكَ وَ كَتَبْتُ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ وَ مَحَوْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ كَتَبْتُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ لِي إِنَّكَ تُدْعَى إِلَى مِثْلِهَا فَتُجِيبُ وَ أَنْتَ مُكْرَهٌ وَ هَكَذَا كَتَبْتُ بَيْنِي وَ بَيْنَ مُعَاوِيَةَ وَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ هَذَا مَا اصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ مُعَاوِيَةُ وَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فَقَالا لَقَدْ ظَلَمْنَاكَ بِأَنْ أَقْرَرْنَا بِأَنَّكَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ قَاتَلْنَاكَ وَ لَكِنِ اكْتُبْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَمَحَوْتُ كَمَا مَحَا رَسُولُ اللَّهِ ص فَإِنْ أَبَيْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ جَحَدْتُمْ فَقَالُوا هَذِهِ لَكَ خَرَجْتَ مِنْهَا فَقَالَ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ أَنِّي شَكَكْتُ فِي نَفْسِي حَيْثُ قُلْتُ لِلْحَكَمَيْنِ انْظُرَا فَإِنْ كَانَ مُعَاوِيَةُ أَحَقَّ بِهَا مِنِّي فَأَثْبِتَاهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ شَكّاً مِنِّي وَ لَكِنِّي أَنْصَفْتُ فِي الْقَوْلِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَ إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَكّاً وَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ نَبِيَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَالُوا وَ هَذِهِ لَكَ قَالَ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ أَنِّي جَعَلْتُ الْحَكَمَ إِلَى غَيْرِي وَ قَدْ كُنْتُ عِنْدَكُمْ أَحْكَمَ النَّاسِ فَهَذَا رَسُولُ اللَّهِ ص قَدْ جَعَلَ الْحَكَمَ إِلَى سَعْدٍ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَ قَدْ كَانَ أَحْكَمَ النَّاسِ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فَتَأَسَّيْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ ص قَالُوا وَ هَذِهِ لَكَ بِحُجَّتِنَا قَالَ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ أَنِّي حَكَّمْتُ فِي دِينِ اللَّهِ الرِّجَالَ فَمَا حَكَّمْتُ الرِّجَالَ وَ إِنَّمَا حَكَّمْتُ كَلَامَ رَبِّيَ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ حَكَماً بَيْنَ أَهْلِهِ وَ قَدْ حَكَّمَ اللَّهُ الرِّجَالَ فِي طَائِرٍ فَقَالَ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ فَدِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ أَعْظَمُ مِنْ دَمِ طَائِرٍ قَالُوا وَ هَذِهِ لَكَ بِحُجَّتِنَا قَالَ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ أَنِّي قَسَمْتُ يَوْمَ الْبَصْرَةِ لَمَّا أَظْفَرَنِي اللَّهُ بِأَصْحَابِ الْجَمَلِ الْكُرَاعَ وَ السِّلَاحَ وَ مَنَعْتُكُمُ النِّسَاءَ وَ الذُّرِّيَّةَ فَإِنِّي مَنَنْتُ عَلَى أَهْلِ الْبَصْرَةِ كَمَا مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَإِنْ عَدَوْا عَلَيْنَا أَخَذْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَ لَمْ نَأْخُذْ صَغِيراً بِكَبِيرٍ وَ بَعْدُ فَأَيُّكُمْ كَانَ يَأْخُذُ عَائِشَةَ فِي سَهْمِهِ قَالُوا وَ هَذِهِ لَكَ بِحُجَّتِنَا قَالَ وَ أَمَّا قَوْلُكُمْ أَنِّي كُنْتُ وَصِيّاً فَضَيَّعْتُ الْوَصِيَّةَ فَأَنْتُمْ كَفَرْتُمْ وَ قَدَّمْتُمْ عَلَيَّ وَ أَزَلْتُمُ الْأَمْرَ عَنِّي وَ لَيْسَ عَلَى الْأَوْصِيَاءِ الدُّعَاءُ إِلَى أَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا يَبْعَثُ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ (صلوات اللّه عليهم) فَيَدْعُونَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ وَ الْوَصِيُّ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ مُسْتَغْنٍ عَنِ الدُّعَاءِ إِلَى نَفْسِهِ وَ ذَلِكَ لِمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ص وَ لَقَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا فَلَوْ تَرَكَ النَّاسُ الْحَجَّ لَمْ يَكُنِ الْبَيْتُ لِيَكْفُرَ بِتَرْكِهِمْ إِيَّاهُ وَ لَكِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِتَرْكِهِمُ الْبَيْتَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَصَبَهُ لَهُمْ عَلَماً وَ كَذَلِكَ نَصَبَنِي عَلَماً حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص يَا عَلِيُّ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى وَ أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْكَعْبَةِ تُؤْتَى وَ لَا تَأْتِي فَقَالُوا وَ هَذِهِ لَكَ بِحُجَّتِنَا فَأَذْعَنُوا فَرَجَعَ بَعْضُهُمْ وَ بَقِيَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ آلَافٍ لَمْ يَرْجِعُوا مِمَّنْ كَانُوا قَعَدُوا عَنْهُ فَقَاتَلَهُمْ فَقَتَلَهُمْ. بيان: قوله عليه السلام فدماء المسلمين لعل المراد أن تحكيم الرجال في الطائر لما كان لجهل الناس و الاضطرار فالضرورة هنا أشد فالكلام على التنزل فإنه عليه السلام منع أولا تحكيم الرجال و قال بعد التسليم لا فساد فيه و يحتمل أن يكون مؤيدا لأول الكلام ردا لشبهة أصحاب معاوية بالمقايسة بالطائر أي لم نحكم الرجال لأن التحكيم إنما ورد في الأمور الجزئية التي لا مفسدة كثيرا في الخطإ فيها و لا يمكن مقايسة دماء المسلمين بها فإنه قياس مع الفارق و لكنه بعيد و لا يجري في بعض الأخبار التي وردت بهذا الوجه. 609 - ب، قرب الإسناد الْيَقْطِينِيُّ عَنِ الْقَدَّاحِ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عليهما السلام أَنَّ عَلِيّاً ع كَانَ يُبَاشِرُ الْقِتَالَ بِنَفْسِهِ وَ أَنَّهُ نَادَى ابْنَهُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَنَفِيَّةِ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ قَدِّمْ يَا بُنَيَّ اللِّوَاءَ فَقَدَّمَ ثُمَّ قَالَ قَدِّمْ يَا بُنَيَّ اللِّوَاءَ فَقَدَّمَ ثُمَّ وَقَفَ فَقَالَ لَهُ قَدِّمْ يَا بُنَيَّ فَتَكَعْكَعَ الْفَتَى فَقَالَ قَدِّمْ يَا ابْنَ اللَّخْنَاءِ ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ حَتَّى أَخَذَ مِنْهُ اللِّوَاءَ فَمَشَى بِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ أَمْسَكَ ثُمَّ تَقَدَّمَ عَلِيٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَضَرَبَ قُدُماً. إيضاح قال الجوهري كعكعته فتكعكع أي حبسته فاحتبس و تكعكع أي جبن و رجل كعكع بالضم أي جبان ضعيف و قال لخن السقاء بالكسر أي أنتن و منه قولهم أمة لخناء و يقال اللخناء التي لم تختن و قال مضى قدما لم يعرج و لم ينثن. 610 - يد، التوحيد الدَّقَّاقُ عَنِ الْأَسَدِيِّ عَنِ الْبَرْمَكِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الْجَعْفَرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ الْهَاشِمِيِّ عَنْ سَعْدٍ الْخَفَّافِ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: لَمَّا وَقَفَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام عَلَى الْخَوَارِجِ وَ وَعَظَهُمْ وَ ذَكَّرَهُمْ وَ حَذَّرَهُمُ الْقِتَالَ قَالَ لَهُمْ مَا تَنْقِمُونَ مِنِّي إِلَّا أَنِّي أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ فَقَالُوا أَنْتَ كَذَلِكَ وَ لَكِنَّكَ حَكَّمْتَ فِي دِينِ اللَّهِ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ فَقَالَ عليه السلام وَ اللَّهِ مَا حَكَّمْتُ مَخْلُوقاً وَ إِنَّمَا حَكَّمْتُ الْقُرْآنَ وَ لَوْ لَا أَنِّي غُلِبْتُ عَلَى أَمْرِي وَ خُولِفْتُ فِي رَأْيِي لَمَا رَضِيتُ أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا بَيْنِي وَ بَيْنَ أَهْلِ حَرْبِ اللَّهِ حَتَّى أُعْلِيَ كَلِمَةَ اللَّهِ وَ أَنْصُرَ دِيْنَ اللَّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْجَاهِلُونَ وَ الْكَافِرُونَ. 611 - ب، قرب الإسناد هَارُونُ عَنِ ابْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عليهما السلام أَنَّ عَلِيّاً عليه السلام كَانَ يَدْعُو عَلَى الْخَوَارِجِ فَيَقُولُ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ رَبَّ الْبَيْتِ الْمَعْمُورِ وَ السَّقْفِ الْمَرْفُوعِ وَ الْبَحْرِ الْمَسْجُورِ وَ الْكِتَابِ الْمَسْطُورِ أَسْأَلُكَ الظَّفَرَ عَلَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَبَذُوا كِتَابَكَ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَ فَارَقُوا أُمَّةَ أَحْمَدَ ص عُتُوّاً عَلَيْكَ. 612 - مد، العمدة بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ مِنْ مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قَدِمَ عَلَى عَلِيٍّ عليه السلام قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ مِنَ الْخَوَارِجِ فِيهِمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْجَعْدُ بْنُ بَعْجَةَ فَقَالَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ يَا عَلِيُّ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام بَلْ مَقْتُولٌ قَتْلًا ضَرْبَةً عَلَى هَذَا يُخْضَبُ هَذِهِ يَعْنِي لِحْيَتَهُ وَ رَأْسَهُ عَهْدٌ مَعْهُودٌ وَ قَضَاءٌ مَقْضِيٌ وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى وَ عَاتَبَهُ فِي لِبَاسِهِ فَقَالَ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَلْبَسَ فَقَالَ مَا لَكَ وَ لِلِبَاسِي هُوَ أَبْعَدُ مِنَ الْكِبْرِ وَ أَجْدَرُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِيَ الْمُسْلِمُ. 613 - ل، الخصال فِي خَبَرِ الْيَهُودِيِّ السَّائِلِ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَمَّا فِيهِ مِنْ خِصَالِ الْأَوْصِيَاءِ قَالَ عليه السلام وَ أَمَّا السَّابِعَةُ يَا أَخَا الْيَهُودِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ عَهِدَ إِلَيَّ أَنْ أُقَاتِلَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مِنْ أَيَّامِي قَوْماً مِنْ أَصْحَابِي يَصُومُونَ النَّهَارَ وَ يَقُومُونَ اللَّيْلَ وَ يَتْلُونَ الْكِتَابَ يَمْرُقُونَ بِخِلَافِهِمْ عَلَيَّ وَ مُحَارَبَتِهِمْ إِيَّايَ مِنَ الدِّينِ مُرُوقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ فِيهِمْ ذُو الثُّدَيَّةِ يُخْتَمُ لِي بِقَتْلِهِمْ بِالسَّعَادَةِ فَلَمَّا انْصَرَفْتُ إِلَى مَوْضِعِي هَذَا يَعْنِي بَعْدَ الْحَكَمَيْنِ أَقْبَلَ بَعْضُ الْقَوْمِ عَلَى بَعْضٍ بِاللَّائِمَةِ فِيمَا صَارُوا إِلَيْهِ مِنْ تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ فَلَمْ يَجِدُوا لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ ذَلِكَ مَخْرَجاً إِلَّا أَنْ قَالُوا كَانَ يَنْبَغِي لِأَمِيرِنَا أَنْ لَا يُتَابِعَ مَنْ أَخْطَأَ وَ أَنْ يَقْضِيَ بِحَقِيقَةِ رَأْيِهِ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ وَ قَتْلِ مَنْ خَالَفَهُ مِنَّا فَقَدْ كَفَرَ بِمُتَابَعَتِهِ إِيَّانَا وَ طَاعَتِهِ لَنَا فِي الْخَطَإِ وَ أُحِلَّ لَنَا بِذَلِكَ قَتْلُهُ وَ سَفْكُ دَمِهِ فَتَجَمَّعُوا عَلَى ذَلِكَ وَ خَرَجُوا رَاكِبِينَ رُءُوسَهُمْ يُنَادُونَ بِأَعْلَى أَصْوَاتِهِمْ لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ ثُمَّ تَفَرَّقُوا فُرْقَةً بِالنُّخَيْلَةِ وَ أُخْرَى بِحَرُورَاءَ وَ أُخْرَى رَاكِبَةً رَأْسَهَا تَخْبِطُ الْأَرْضَ شَرْقاً حَتَّى عَبَرَتْ دِجْلَةَ فَلَمْ تَمُرَّ بِمُسْلِمٍ إِلَّا امْتَحَنَتْهُ فَمَنْ تَابَعَهَا اسْتَحْيَتْهُ وَ مَنْ خَالَفَهَا قَتَلَتْهُ فَخَرَجْتُ إِلَى الْأُولَيَيْنِ وَاحِدَةٍ بَعْدَ أُخْرَى أَدْعُوهُمْ إِلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الرُّجُوعِ إِلَيْهِ فَأَبَيَا إِلَّا السَّيْفَ لَا يَقْنَعُهُمَا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَمَّا أَعْيَتِ الْحِيلَةُ فِيهِمَا حَاكَمْتُهُمَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَقَتَلَ اللَّهُ هَذِهِ وَ هَذِهِ كَانُوا يَا أَخَا الْيَهُودِ لَوْ لَا مَا فَعَلُوا لَكَانُوا رُكْناً قَوِيّاً وَ سَدّاً مَنِيعاً فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا مَا
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْحَى إِلَيَّ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي- يَا مُحَمَّدُ مَنْ خَلَّفْتَ فِي الْأَرْضِ عَلَى أُمَّتِكَ- وَ هُوَ أَعْلَمُ بِذَلِكَ قُلْتُ يَا رَبِّ أَخِي- قَالَ يَا مُحَمَّدُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ قُلْتُ نَعَمْ يَا رَبِّ- قَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنِّي اطَّلَعْتُ إِلَى الْأَرْضِ اطِّلَاعَةً فَاخْتَرْتُكَ مِنْهَا- فَلَا أُذْكَرُ حَتَّى تُذْكَرَ مَعِي أَنَا الْمَحْمُودُ وَ أَنْتَ مُحَمَّدٌ- ثُمَّ اطَّلَعْتُ إِلَى الْأَرْضِ اطِّلَاعَةً أُخْرَى- فَاخْتَرْتُ مِنْهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَجَعَلْتُهُ وَصِيَّكَ- فَأَنْتَ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ وَ عَلِيٌّ سَيِّدُ الْأَوْصِيَاءِ- ثُمَّ اشْتَقَقْتُ لَهُ اسْماً مِنْ أَسْمَائِي- فَأَنَا الْأَعْلَى وَ هُوَ عَلِيٌّ- يَا مُحَمَّدُ إِنِّي خَلَقْتُ عَلِيّاً وَ فَاطِمَةَ- وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ الْأَئِمَّةَ مِنْ نُورٍ وَاحِدٍ- ثُمَّ عَرَضْتُ وَلَايَتَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ- فَمَنْ قَبِلَهَا كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ- وَ مَنْ جَحَدَهَا كَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ- يَا مُحَمَّدُ لَوْ أَنَّ عَبْداً مِنْ عِبَادِي عَبَدَنِي حَتَّى يَنْقَطِعَ - ثُمَّ لَقِيَنِي جَاحِداً لِوَلَايَتِهِمْ أَدْخَلْتُهُ نَارِي- ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ أَ تُحِبُّ أَنْ تَرَاهُمْ- قُلْتُ نَعَمْ قَالَ تَقَدَّمْ أَمَامَكَ فَتَقَدَّمْتُ أَمَامِي- وَ إِذَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ- وَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ- وَ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ وَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى- وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ- وَ الْحُجَّةُ الْقَائِمُ كَأَنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌ فِي وَسَطِهِمْ- فَقُلْتُ يَا رَبِّ مَنْ هَؤُلَاءِ فَقَالَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَ هَذَا الْقَائِمُ- يُحِلُّ حَلَالِي وَ يُحَرِّمُ حَرَامِي وَ يَنْتَقِمُ مِنْ أَعْدَائِي- يَا مُحَمَّدُ أَحْبِبْهُ فَإِنِّي أُحِبُّهُ وَ أُحِبُّ مَنْ يُحِبُّهُ- قَالَ جَابِرٌ فَلَمَّا انْصَرَفَ سَالِمٌ مِنَ الْكَعْبَةِ تَبِعْتُهُ- فَقُلْتُ يَا أَبَا عُمَرَ أَنْشُدُكَ اللَّهَ- هَلْ أَخْبَرَكَ أَحَدٌ غَيْرُ أَبِيكَ بِهَذِهِ الْأَسْمَاءِ- قَالَ اللَّهُمَّ أَمَّا الْحَدِيثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص فَلَا- وَ لَكِنِّي كُنْتُ مَعَ أَبِي عِنْدَ كَعْبِ الْأَحْبَارِ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ- إِنَّ الْأَئِمَّةَ بَعْدَ نَبِيِّهَا عَلَى عَدَدِ نُقَبَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ- وَ أَقْبَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ كَعْبٌ- هَذَا الْمُقَفِّي أَوَّلُهُمْ وَ أَحَدَ عَشَرَ مِنْ وُلْدِهِ- وَ سَمَّاهُ كَعْبٌ بِأَسْمَائِهِمْ فِي التَّوْرَاةِ- تقوبيت قيذوا دبيرا مفسورا مسموعا- دوموه مثبو هذار يثمو بطور نوقس قيدموا- قَالَ أَبُو عَامِرٍ هِشَامٌ الدَّسْتُوَانِيُّ لَقِيتُ يَهُودِيّاً بِالْحِيرَةِ- يُقَالُ لَهُ عثوا ابْنُ أوسوا وَ كَانَ حِبْرَ الْيَهُودِ وَ عَالِمَهُمْ- وَ سَأَلْتُهُ عَنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَ تَلَوْتُهَا عَلَيْهِ- فَقَالَ لِي مِنْ أَيْنَ عَرَفْتَ هَذِهِ النُّعُوتَ- قُلْتُ هِيَ أَسْمَاءٌ قَالَ لَيْسَتْ أَسْمَاءً وَ لَكِنَّهَا نُعُوتٌ لِأَقْوَامٍ- وَ أَوْصَافٌ بِالْعِبْرَانِيَّةِ صَحِيحَةٌ نَجِدُهَا عِنْدَنَا فِي التَّوْرَاةِ- وَ لَوْ سَأَلْتَ عَنْهَا غَيْرِي لَعَمِيَ عَنْ مَعْرِفَتِهَا أَوْ تَعَامَى- قُلْتُ وَ لِمَ ذَلِكَ قَالَ أَمَّا الْعَمَى فَلِلْجَهْلِ بِهَا- وَ أَمَّا التَّعَامِي لِئَلَّا تَكُونَ عَلَى دِينِهِ ظَهِيراً وَ بِهِ خَبِيراً- وَ إِنَّمَا أَقْرَرْتُ لَكَ بِهَذِهِ النُّعُوتِ- لِأَنِّي رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ هَارُونَ بْنِ عِمْرَانَ مُؤْمِنٌ بِمُحَمَّدٍ ص أُسِرُّ ذَلِكَ عَنْ بِطَانَتِي مِنَ الْيَهُودِ الَّذِينَ لَمْ أُظْهِرْ لَهُمُ الْإِسْلَامَ- وَ لَنْ أُظْهِرَهُ بَعْدَكَ لِأَحَدٍ حَتَّى أَمُوتَ- قُلْتُ وَ لِمَ ذَاكَ قَالَ- لِأَنِّي أَجِدُ فِي كُتُبِ آبَائِيَ الْمَاضِينَ مِنْ وُلْدِ هَارُونَ- أَلَّا نُؤْمِنَ بِهَذَا النَّبِيِّ الَّذِي اسْمُهُ مُحَمَّدٌ ظَاهِراً- وَ نُؤْمِنَ بِهِ بَاطِناً حَتَّى يَظْهَرَ الْمَهْدِيُّ الْقَائِمُ مِنْ وُلْدِهِ- فَمَنْ أَدْرَكَهُ مِنَّا فَلْيُؤْمِنْ بِهِ- وَ بِهِ نَعْتُ الْأَخِيرِ مِنَ الْأَسْمَاءِ- قُلْتُ وَ بِمَا نُعِتَ قَالَ نُعِتَ بِأَنَّهُ يَظْهَرُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ- وَ يَخْرُجُ إِلَيْهِ الْمَسِيحُ فَيَدِينُ بِهِ وَ يَكُونُ لَهُ صَاحِباً- قُلْتُ فَانْعَتْ لِي هَذِهِ النُّعُوتَ لِأَعْلَمَ عِلْمَهَا- قَالَ نَعَمْ فَعِهِ عَنِّي وَ صُنْهُ إِلَّا عَنْ أَهْلِهِ وَ مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- أَمَّا تقوبيت فَهُوَ أَوَّلُ الْأَوْصِيَاءِ وَ وَصِيُّ آخِرِ الْأَنْبِيَاءِ- وَ أَمَّا قيذوا فَهُوَ ثَانِي الْأَوْصِيَاءِ وَ أَوَّلُ الْعِتْرَةِ الْأَصْفِيَاءِ- وَ أَمَّا دبيرا فَهُوَ ثَانِي الْعِتْرَةِ وَ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ- وَ أَمَّا مفسورا فَهُوَ سَيِّدُ مَنْ عَبَدَ اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ- وَ أَمَّا مسموعا فَهُوَ وَارِثُ عِلْمِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ- وَ أَمَّا دوموه فَهُوَ الْمِدْرَةُ النَّاطِقُ عَنِ اللَّهِ الصَّادِقُ- وَ أَمَّا مثبو فَهُوَ خَيْرُ الْمَسْجُونِينَ فِي سِجْنِ الظَّالِمِينَ- وَ أَمَّا هذار فَهُوَ الْمَنْخُوعُ بِحَقِّهِ النَّازِحُ الْأَوْطَانِ الْمَمْنُوعُ- وَ أَمَّا يثمو فَهُوَ الْقَصِيرُ الْعُمُرِ الطَّوِيلُ الْأَثَرِ- وَ أَمَّا بطور فَهُوَ رَابِعٌ اسْمُهُ- وَ أَمَّا نوقس فَهُوَ سَمِيُّ عَمِّهِ- وَ أَمَّا قيدموا فَهُوَ الْمَفْقُودُ مِنْ أَبِيهِ وَ أُمِّهِ- الْغَائِبُ بِأَمْرِ اللَّهِ وَ عِلْمِهِ وَ الْقَائِمُ بِحُكْمِهِ. بيان: في القاموس المدرة كمنبر السيد الشريف و المقدم في اللسان و اليد عند الخصومة و القتال المنخوع بالنون أو بالباء و الخاء المعجمة و قوله بحقه متعلق به أي أقروا بحقه و منعوه منه و أخرجوه عن وطنه و هي أوصاف الرضا عليه السلام في القاموس نخع لي بحقي كمنع أقر و قال بخع بالحق بخوعا أقر به و خضع له. و قال نزح كمنع و ضرب بعد قوله فهو رابع اسمه بالموحدة أي هو رابع من سمي بهذا الاسم من الأئمة فهو سمي عمه أي الأعلى و هو الحسن عليه السلام 22- و من المقتضب، أيضا عن ثوابة الموصلي عن الحسن بن أحمد بن حازم عن حاجب بن سليمان أبي موزج قال لقيت ببيت المقدس عمران بن خاقان الوافد إلى المنصور- قد أسلم على يده و كان قد حج اليهود ببيانه و علمه- و كانوا لا يستطيعون جحده- لما في التوراة من علامات رسول الله و الخلفاء من بعده- فقال لي يوما يا أبا موزج- إنا نجد في التوراة ثلاثة عشر اسما- منها محمد و اثنا عشر بعده من أهل بيته- و هم أوصياؤه و خلفاؤه مذكورون في التوراة- ليس فيهم القائمون بعده من تيم و لا عدي و لا بني أمية- و إني لأظن ما تقوله هذه الشيعة حقا- قلت فأخبرني به قال- لتعطيني عهد الله و ميثاقه أن لا تخبر الشيعة بشيء من ذلك- فيظهروه علي قلت- و ما تخاف من ذلك و القوم من بني هاشم- قال ليست أسماؤهم أسماء هؤلاء- بل هم من ولد الأول منهم و هو محمد- و من بقيته في الأرض من بعده- فأعطيته ما أراد من المواثيق- و قال لي حدث به بعدي إن تقدمتك- و إلا فلا عليك أن لا تخبر به أحدا- قال نجدهم في التوراة قرأ منه ما ترجمته- إن شموعلي يخرج من صلبه ابن مبارك- صلواتي عليه و قدسي يلد اثني عشر ولدا- يكون ذكرهم باقيا إلى يوم القيامة- و عليهم القيامة تقوم طوبى لمن عرفهم بحقيقتهم بيان و كان قد حج اليهود أي غلبهم في الخصومة و لعل كون الاثني عشر من ولده على تقدير كونه مطابقا لما في كتبهم و لم يحرفوه على التغليب أو التجوز.
بحار الأنوار - ج ٣٦ - الصفحة ٢٢٢. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
ك، إكمال الدين ن، عيون أخبار الرضا ( عليه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
بحار الأنوار - ج ٥٤ - الصفحة ٣٣٨. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
قال السيد المرتضى رحمه الله في كتاب الغرر و الدرر إن سأل سائل عن قوله عز و علا وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ إلى قوله تعالى وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ فقال كيف ينزل الله سبحانه السحر على الملائكة أم كيف تعلم الملائكة الناس السحر و التفريق بين المرء و زوجه و كيف نسب الضرر الواقع عند ذلك إلى أنه بإذنه و هو تعالى قد نهى عنه و حذر من فعله و كيف أثبت العلم لهم و نفاه عنهم بقوله وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ثم بقوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الجواب قلنا في الآية وجوه كل منها يزيل الشبهة الداخلة على من لم يمعن النظر فيها أولها أن يكون ما في قوله تعالى وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بمعنى الذي فكأنه تعالى خبر عن طائفة من أهل الكتاب بأنهم اتبعوا ما تكذب فيه الشياطين على ملك سليمان و تضيفه إليه من السحر فبرأه الله عز و جل من قرفهم و أكذبهم في قولهم فقال تعالى
وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا باستعمال السحر و التمويه على الناس ثم قال يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ و أراد أنهم يعلمونهم السحر و ما الذي أنزل على الملكين و إنما أنزل على الملكين وصف السحر و ماهيته و كيفية الاحتيال فيه ليعرفا ذلك و يعرفاه الناس فيجتنبوه و يحذروا منه كما أنه تعالى قد أعلمنا ضروب المعاصي و وصف لنا أحوال القبائح لنجتنبها لا لنواقعها إلا أن الشياطين كانوا إذا علموا ذلك و عرفوه استعملوه و أقدموا على فعله و إن كان غيرهم من المؤمنين لما عرفه اجتنبه و حارزه و انتفع باطلاعه على كيفيته ثم قال وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ يعني الملكين و معنى يعلمان يعلمان و العرب تستعمل لفظة علمه بمعنى أعلمه. قال القطامي تعلم أن بعد الغي رشدا* * * و أن لتانك الغمر انقشاعا و قال كعب بن زهير تعلم رسول الله أنك مدركي* * * و أن وعيدا منك كالأخذ باليد و معنى تعلم في البيتين معنى اعلم و الذي يدل على أنه هاهنا الإعلام لا التعليم قوله وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ أي أنهما لا يعرفان صفات السحر و كيفيته إلا بعد أن يقولا إنما نحن محنة لأن الفتنة بمعنى المحنة من حيث ألقيا إلى المكلفين أمرا لينزجروا عنه و ليتمتعوا من مواقعته و هم إذا عرفوه أمكن أن يستعملوه و يرتكبوه فقالا لمن يطلعانه على ذلك لا تكفر باستعماله و لا تعدل عن الغرض في إلقاء هذا إليك فإنه إنما ألقي إليك و اطلعت عليه لتجتنبه لا لتفعله ثم قال فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ أي فيعرفون من جهتهما ما يستعملونه في هذا الباب و إن كان الملكان ما ألقياه إليهم لذلك و لهذا قال وَ يَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَ لا يَنْفَعُهُمْ لأنهم لما قصدوا بتعلمه أن يفعلوه و يرتكبوه لا أن يجتنبوه صار ذلك بسوء اختيارهم ضررا عليهم. و ثانيها أن يكون ما أُنْزِلَ موضعه موضع جر و يكون معطوفا بالواو على مُلْكِ سُلَيْمانَ أي و اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان و على ما أنزل على الملكين و معنى ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ أي معهما و على ألسنتهما كما قال تعالى رَبَّنا وَ آتِنا ما وَعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ أي على ألسنتهم و معهم و ليس بمنكر أن يكون ما أُنْزِلَ معطوفا على ملك سليمان و إن اعترض بينهما من الكلام ما اعترض لأن رد الشيء إلى نظيره و عطفه على ما هو أولى هو الواجب و إن اعترض بينهما ما ليس منهما و لهذا نظائر في القرآن و كلام العرب كثيرة قال الله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً قَيِّماً و قيم من صفات الكتاب حال منه لا من صفة عوج و إن تباعد ما بينهما و مثله يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ كُفْرٌ بِهِ وَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فالمسجد الحرام هاهنا معطوف على الشهر الحرام أي يسألونك عن الشهر و عن المسجد الحرام و حكي عن بعض علماء أهل اللغة أنه قال العرب تلف الخبرين المختلفين ثم ترمي بتفسيرهما جملة ثقة بأن السامع يرد إلى كل خبره كقوله عز و جل وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ و هذا واضح في مذهب العرب كثير النظائر. ثم قال تعالى وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ و المعنى أنهما لا يعلمان أحدا بل ينهيان عنه و يبلغ من نهيهما عنه و صدهما عن فعله و استعماله أن يقولا إنما نحن فتنة فَلا تَكْفُرْ باستعمال السحر و الإقدام على فعله و هذا كما يقول الرجل ما أمرت فلانا بكذا و لقد بالغت في نهيه حتى قلت له إنك إن فعلته أصابك كذا و كذا و هذا هو نهاية البلاغة في الكلام و الاختصار الدال مع اللفظ القليل على المعاني الكثيرة لأنه أشعر بقوله تعالى وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ عن بسط الكلام الذي ذكرناه و لهذا نظائر في القرآن قال الله تعالى مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَ ما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ و مثل قوله تعالى يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي فيقال للذين اسودت وجوههم أ كفرتم بعد إيمانكم و أمثاله أكثر من أن نورد ثم قال تعالى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ و ليس يجوز أن يرجع الضمير على هذا الجواب إلى الملكين و كيف يرجع إليهما و قد نفى تعالى عنهما التعليم بل يرجع إلى الكفر و السحر و قد تقدم ذكر السحر و تقدم أيضا ذكر ما يدل على الكفر و يقتضيه في قوله تعالى وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا فدل كفروا على الكفر و العطف عليه مع السحر جائز و إن كان التصريح وقع بذكر السحر دونه و مثل ذلك قوله تعالى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى وَ يَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرى أي يتجنب الذكرى الأشقى و لم يتقدم تصريح بالذكرى لكن دل عليها قوله سَيَذَّكَّرُ و يجوز أيضا أن يكون معنى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما أي بدلا مما علمهم الملكان و يكون المعنى أنهم يعدلون عما علمهم و وقفهم عليه الملكان من النهي عن السحر إلى تعلمه و استعماله. كما يقول القائل ليت لنا من كذا و كذا كذا أي بدلا منه كما قال الشاعر. جمعت من الخيرات وطبا و علبة* * * و صرا لأخلاف المزممة البزل و من كل أخلاق الكرام تميمة* * * و سعيا على الجار المجاور بالبخل يريد جمعت مكان الخيرات و مكان أخلاق الكرام هذه الخصال الذميمة. و قوله ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ فيه وجهان أحدهما أن يكونوا يغوون أحد الزوجين و يحملونه على الشرك بالله تعالى فيكون بذلك قد فارق زوجه الآخر المؤمن المقيم على دينه ليفرق بينهما اختلاف النحلة و الملة و الوجه الآخر أن يسعوا بين الزوجين بالنميمة و الوشاية و الإغراء و التمويه بالباطل حتى يؤول أمرهما إلى الفرقة و المباينة. و ثالث الوجوه في الآية أن تحمل ما في قوله تعالى وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ على الجحد و النفي فكأنه تعالى قال و اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان و ما كفر سليمان و ما أنزل الله السحر على الملكين و لكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر ببابل هاروت و ماروت و يكون قوله تعالى بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ من المؤخر الذي معناه التقديم فيكون على هذا التأويل هاروت و ماروت رجلين من جملة الناس هذان اسماهما و إنما ذكرا بعد ذكر الناس تمييزا و تبيينا و يكون الملكان المذكوران اللذان نفى تعالى عنهما السحر جبرئيل و ميكائيل لأن سحرة اليهود فيما ذكر كانت تدعي أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبرئيل و ميكائيل إلى سليمان فأكذبهما الله تعالى بذلك و يجوز أن يكون هاروت و ماروت يرجعان إلى الشياطين كأنه تعالى قال و لكن الشياطين هاروت و ماروت كفروا و يسوغ ذلك كما ساغ في قوله وَ كُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ يعني تعالى حكم داود و سليمان و يكون قوله تعالى على هذا التأويل وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ راجعا إلى هاروت و ماروت اللذين هما من الشياطين أو من الإنس المتعلمين للسحر من الشياطين و العاملين به و معنى قولهما إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ يكون على طريق الاستهزاء أو التماجن و التخالع كما يقول الماجن من الناس إذا فعل قبيحا أو قال باطلا هذا فعل من لا يفلح و قول من لا ينجو و الله لا حصلت إلا على الخسران و ليس ذلك منه على سبيل النصيحة للناس و تحذيرهم من مثل فعل فعله بل على جهة المجون و التهالك و يجوز أيضا على هذا التأويل الذي تضمن الجحد و النفي أن يكون هاروت و ماروت اسمين للملكين و نفى عنهما إنزال السحر بقوله تعالى وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ و يكون قوله تعالى وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ يرجع إلى قبيلتين من الجن أو إلى شياطين الجن و الإنس فتحسن التثنية لهذا و قد روي هذا التأويل في حمل ما على النفي عن ابن عباس و غيره من المفسرين و حكي عنه أيضا أنه كان يقرأ عَلَى الْمَلِكَيْنِ بكسر اللام و يقول متى كان العلجان ملكين إنما كانا ملكين و على هذه القراءة لا ينكر أن يرجع قوله تعالى وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ إليهما و يمكن على هذه القراءة في الآية وجه آخر و هو أن لا يحمل قوله تعالى وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ على الجحد و النفي و هو أن لا يكون هؤلاء الذين أخبر عنهم اتبعوا ما تتلوا الشياطين و تدعيه على ملك سليمان و اتبعوا ما أنزل على هذين الملكين من السحر و لا يكون الإنزال مضافا إلى الله تعالى و إن أطلق لأنه عز و جل لا ينزل السحر بل يكون منزله إليهما بعض الضلال و العصاة و أن يكون معنى أنزل و إن كان من الأرض حمل إليهما لا من السماء أنه أتى به عن نجود الأرض و البلاد و أعاليهما فإن من هبط من نجد من البلاد إلى غورها يقال نزل و هبط و ما جرى هذا المجرى. فأما قوله تعالى وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ فيحتمل وجوها منها أن يريد تعالى بالإذن العلم من قولهم أذنت فلانا بكذا و كذا إذا أعلمته و أذنت بكذا و كذا إذا أسمعته و علمته و قال الشاعر. في سماع يأذن الشيخ له* * * و حديث مثل ماذي مشار. و منها أن يكون إلا زائدة و يكون المعنى و ما هم بضارين به من أحد إلا بأن يخلي الله تعالى بينهم و بينه و لو شاء لمنعهم بالقهر و القسر زائدا على منعهم بالنهي و الزجر. و منها أن يكون الضرر الذي عنى به أنه لا يكون إلا بإذنه و أضافه إليه ما هو يلحق المسحور عن الأدوية و الأغذية التي أطعمه إياه السحرة و يدعون أنها موجبة لما يقصدونه فيه من الأمور و معلوم أن الضرر الحاصل عن ذلك من فعل الله تعالى بالعادة لأن الأغذية لا توجب ضررا و لا نفعا و إن كان المعرض للضرر من حيث كان كالفاعل له هو المستحق للذم و عليه يجب العوض. و منها أن يكون الضرر المذكور إنما هو ما يحصل من التفريق بين الأزواج لأنه أقرب إليه في ترتيب الكلام و المعنى أنهم إذا أغروا أحد الزوجين فكفر فبانت منه زوجته فاستضر بذلك كانوا ضارين له بما حسنوا له من الكفر إلا أن الفرقة لم تكن إلا بإذن الله و حكمه لأنه تعالى هو الذي حكم و أمر بالتفريق بين المختلفتين الأديان فلهذا قوله تعالى وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ و المعنى أنه لو لا حكم الله تعالى و إذنه في الفرقة بين هذين الزوجين باختلاف الملة لم يكونوا بضارين له هذا الضرر من الضرر الحاصل عند الفرقة و يقوى هذا الوجه ما روي أنه كان من دين سليمان أنه من سحر بانت منه امرأته. و أما قوله تعالى وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ ثم قوله تعالى لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ففيه وجوه أولها أن يكون الذين علموا غير الذين لم يعلموا و يكون الذين علموا الشياطين أو الذين خبر عنهم بأنهم نبذوا كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ وَ اتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ و الذين لم يعلموا هم الذين عملوا السحر و شروا به أنفسهم. و ثانيها أن يكون الذين علموا هم الذين لم يعلموا لأنهم علموا شيئا و لم يعلموا غيره فكأنه تعالى وصفهم بأنهم عالمون بأنه لا نصيب لمن اشترى ذلك و رضيه لنفسه على الجملة و لم يعلموا كنه ما يصير إليه من العقاب الذي لا نفاد له و لا انقطاع. و ثالثها أن تكون الفائدة في نفي العلم بعد إثباته أنهم لم يعملوا بما علموه فكأنهم لم يعلموا و هذا كما يقول أحدنا لغيره ما أدعوك إليه خير لك و أعود عليك لو كنت تعقل و تنظر في العواقب و هو يعقل و ينظر إلا أنه لم يعمل بموجب علمه فحسن أن يقال له مثل هذا القول و قال كعب بن زهير يصف ذئبا و غراباه تبعاه ليصيبا من زاده إذا حضراني قلت لو يعلمانه* * * أ لم تعلما أني من الزاد مرمل. فنفى عنهما العلم ثم أثبته بقوله أ لم تعلما أني من الزاد مرمل و إنما المعنى في نفيه العلم عنهما أنهما لم يعملا بما علما فكأنهما لم يعلما و رابعها أن يكون المعنى أن هؤلاء القوم الذين قد علموا أن الآخرة لا حظ لهم فيها مع عملهم القبيح إلا أنهم ارتكبوه طمعا في طعام الدنيا و زخرفها فقال تعالى وَ لَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ أي الذي آثروه و جعلوه عوضا عن الآخرة لا يتم لهم و لا يبقى عليهم و إنه منقطع زائل و مضمحل باطل و أن المآل إلى المستحق في الآخرة و كل ذلك واضح بحمد الله انتهى. و أقول قال في الصحاح و الغمرة الشدة و الجمع غمر قال القطامي يصف سفينة نوح و حان لتالك الغمر انحسار و قال الانحسار الانكشاف و قال قشعت الريح السحاب أي كشفته فانقشع و تقشع و قال الوطب سقاء اللبن خاصة و قال العلبة محلب من جلد و قال صررت الناقة شددت عليها الصرار و هو خيط يشد فوق الخلف و التودية لئلا يرضعها ولدها و قال الخلف بالكسر حلمة ضرع الناقة و المزممة من الزمام و البزل جمع البازل و هو جمل أو ناقة كمل لها تسع سنين و الماذي العسل الأبيض و يقال شرت العسل أي اجتنيتها و أشرت لغة ذكره الجوهري و استشهد بالبيت. قوله وَ اتَّبَعُوا حكاية عما تقدم ذكره و هم اليهود ثم فيه أقوال أحدها أنهم اليهود الذين كانوا في زمان محمد صلى الله عليه وآله وسلم و ثانيها أنهم الذين تقدموا من اليهود و ثالثها أنهم الذين كانوا في زمن سليمان من السحرة لأن أكثر اليهود ينكرون نبوة سليمان و يعدونه من جملة الملوك في الدنيا فالذين منهم كانوا في زمانه لا يمتنع أن يعتقدوا فيه أنه إنما وجد ذلك الملك العظيم بسبب السحر و رابعها أنه يتناول الكل و هذا أولى لأنه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره إذ لا دليل على التخصيص و خامسها أنه عائد إلى من تقدم ذكره في قوله نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ قال السدي لما جاءهم محمد صلى الله عليه وآله وسلم عارضوا بالتوراة فخاصموه بها فاتفقت التوراة و القرآن فنبذوا التوراة و أخذوا بكتاب آصف و سحر هاروت و ماروت فلم يوافق القرآن فهذا هو قوله وَ لَمَّا جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ ثم أخبر عنهم بأنهم اتبعوا كتب السحرة. ذكروا في تفسير تَتْلُوا وجهين أحدهما أن المراد منه التلاوة و الإخبار و ثانيهما قال أبو مسلم تَتْلُوا أي تكذب على ملك سليمان يقال تلا عليه إذا كذب و تلا عنه إذا صدق و إذا أبهم جاز الأمران و الأقرب هو الأول لأن التلاوة حقيقة في الخبر إلا أن المخبر لا يقال في خبره إذا كان كذبا أنه يقول على فلان و إنه قد تلا على فلان ليميز بينه و بين الصدق الذي لا يقال على فلان بل يقال روي عن فلان و أخبر عن فلان و تلا عن فلان و ذلك لا يليق إلا بالإخبار و التلاوة و لا يمتنع أن يكون الذي كانوا يخبرون به عن سليمان ما يتلى و يقرأ فيجتمع فيه كل الأوصاف. اختلفوا في الشياطين فقيل المراد شياطين الجن و هو قول الأكثرين و قيل شياطين الإنس و هو قول المتكلمين من المعتزلة و قيل شياطين الإنس و الجن معا أما الذين حملوه على شياطين الجن فقالوا إن الشياطين كانوا يسترقون السمع ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها و يلقونها إلى الكهنة و قد دونوها في كتب يقرءونها و يعلمونها الناس و فشا ذلك في زمان سليمان حتى قالوا إن الجن تعلم الغيب فكانوا يقولون هذا علم سليمان و ما تم له ملكه إلا بهذا العلم و به سخر الجن و الإنس و الريح التي تجري بأمره و أما الذين حملوه على شياطين الإنس فقالوا روي في الخبر أن سليمان كان قد دفن كثيرا من العلوم التي خصه الله بها تحت سرير ملكه حرصا على أنه إن هلك الظاهر منها بقي ذلك المدفون فلما مضت مدة على ذلك توصل قوم من المنافقين إلى أن كتبوا في خلال ذلك أشياء من السحر تناسب تلك الأشياء من بعض الوجوه ثم بعد موته و اطلاع الناس على تلك الكتب أوهموا الناس أنه من عمل سليمان و أنه ما وصل إلى ما وصل إليه إلا بسبب هذه الأشياء فهذا معنى ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ و احتج القائلون بهذا الوجه على فساد القول الأول بأن شياطين الجن لو قدروا على تغيير كتب الأنبياء و شرائعهم بحيث يبقى ذلك التحريف مخفيا فيما بين الناس لارتفع الوثوق عن جميع الشرائع و ذلك يفضي إلى الطعن في كل الأديان فإن قيل إذا جوزتم ذلك على شياطين الإنس فلم لا يجوز مثله من شياطين الجن قلنا الفرق أن الذي يفتعله الإنسان لا بد و أن يظهر من بعض الوجوه أما لو جوزنا هذا الافتعال من الجن و هو أن يزيد في كتب سليمان بخط مثل خط سليمان فإنه لا يظهر ذلك و يبقى مخفيا فيفضي إلى الطعن في جميع الأديان. أما قوله عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ فقيل في ملك سليمان عن ابن جريح و قيل على عهد ملك سليمان و الأقرب أن يكون المراد و اتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان لأنهم كانوا يقرءون من كتب السحر فيقولون إن سليمان إنما وجد ذلك الملك بسبب هذا العلم فكانت تلاوتهم لتلك الكتب كالافتراء على ملك سليمان و الله أعلم. اختلفوا في المراد بملك سليمان فقال القاضي إن ملك سليمان هو النبوة أو يدخل فيها النبوة و تحت النبوة الكتاب المنزل عليه و الشريعة فإذا صح ذلك ثم أخرج القوم صحيفة فيها ضروب السحر و قد دفنوها تحت سرير ملكه ثم أخرجوها بعد موته و أوهموا أنها من جهته صار ذلك منهم تقولا على ملكه في الحقيقة و الأصح عندي أن يقال القوم لما ادعوا أن سليمان إنما وجد تلك المملكة بسبب ذلك العلم كان ذلك الادعاء كالافتراء على ملك سليمان و الله أعلم. السبب في أنهم أضافوا السحر إلى سليمان وجوه أحدها أنهم أضافوا السحر إلى سليمان تفخيما لشأنه و تعظيما لأمره و ترغيبا للقوم في قبول ذلك منهم. و ثانيها أن اليهود ما كانوا يقرون بنبوة سليمان بل كانوا يقولون إنما وجد ذلك الملك بسبب السحر. و ثالثها أن الله تعالى لما سخر الجن ل سليمان فكان يخالطهم و يستفيد منهم أسرارا عجيبة. فغلب على الظنون أنه عليه السلام استفاد السحر منهم. أما قوله تعالى وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ فهذا تنزيه له عليه السلام عن الكفر و ذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر و السحر و قيل فيه أشياء أحدها ما روي عن بعض أحبار اليهود أنهم قالوا أ لا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبيا و ما كان إلا ساحرا فأنزل الله هذه الآية. و ثانيها أن السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان فنزهه الله منه. و ثالثها أن قوما زعموا أن قوام ملكه كان بالسحر فبرأه الله منه لأن كونه نبيا ينافي كونه ساحرا كافرا ثم بين تعالى أن الذي برأه منه لاحق بغيره فقال وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يشير به إلى ما تقدم ذكره ممن اتخذ السحر كالحرفة لنفسه و ينسبه إلى سليمان ثم بين تعالى ما به كفروا فقد كان يجوز أن يتوهم أنهم كفروا لا بالسحر فقال تعالى يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ و اعلم أن الكلام في السحر يقع من وجوه الأول في البحث عنه بحسب اللغة فنقول ذكر أهل اللغة إنه في الأصل عبارة عما لطف و خفي سببه و السحر بالفتح هو الغذاء لخفائه و لطف مجاريه قال لبيد و نسحر بالطعام و بالشراب. قيل فيه وجهان أحدهما أنا نعلل و نخدع كالمسحور و المخدوع و الآخر نغذي و أي الوجهين كان فمعناه الخفاء و قال. فإن تسألينا مم نحن فإننا* * * عصافير من هذا الأنام المسحر. و هذا الوجه يحتمل من المعنى ما احتمله الأول و يحتمل أيضا أن يريد بالمسحر أنه ذو السحر و السحر هو الرئة و ما تعلق بالحلقوم و هذا أيضا يرجع إلى معنى الخفاء و منه قول عائشة توفي رسول الله بين سحري و نحري و قوله تعالى إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ يعني من المجوف الذي يطعم و يشرب يدل عليه قولهم ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا و قال تعالى حكاية عن موسى عليه السلام أنه قال للسحرة ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ و قال فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَ اسْتَرْهَبُوهُمْ فهذا هو معنى السحر في أصل اللغة. الوجه الثاني اعلم أن لفظ السحر في عرف الشرع مختص بكل أمر مخفي سببه و يتخيل على غير حقيقته و يجري مجرى التمويه و الخداع و متى أطلق و لم يقيد أفاد ذم فاعله قال تعالى سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ يعني موهوا عليهم حتى ظنوا أن حبالهم و عصيهم تسعى و قال تعالى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى و قد يستعمل مقيدا فيما يمدح و يحمد رُوِيَ أَنَّهُ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ وَ قَالَ لِعَمْرٍو خَبِّرْنِي عَنِ الزِّبْرِقَانِ فَقَالَ مُطَاعٌ فِي نَادِيهِ شَدِيدُ الْعَارِضِ مَانِعٌ لِمَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ قَالَ الزِّبْرِقَانُ هُوَ وَ اللَّهِ يَعْلَمُ أَنِّي أَفْضَلُ مِنْهُ فَقَالَ عَمْرٌو إِنَّهُ زَمِرُ الْمُرُوءَةِ ضَيِّقُ الْعَطَنِ أَحْمَقُ الْأَبِ لَئِيمُ الْخَالِ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَقْتُ فِيهِمَا أَرْضَانِي فَقُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَلِمْتُ وَ أَسْخَطَنِي فَقُلْتُ أَسْوَأَ مَا عَلِمْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْراً. فسمى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعض البيان سحرا لأن صاحبه يوضح الشيء المشكل و يكشف عن حقيقته بحسن بيانه و بليغ عبارته. فإن قيل كيف يجوز أن يسمى ما يوضح الحق و ينبئ عنه سحرا و هذا القائل إنما قصد إظهار الخفي لا إخفاء الظاهر و لفظ السحر إنما يكون عند إخفاء الظاهر. قلنا إنما سماه سحرا لوجهين الأول أن ذلك العذر للطفه و حسنه استمال القلوب فأشبه السحر الذي يستميل القلوب فمن هذا الوجه سمي سحرا لا من الوجه الذي ظننت. الثاني أن المقتدر على البيان يكون قادرا على تحسين ما يكون قبيحا و تقبيح ما يكون حسنا فذلك يشبه السحر من هذا الوجه في أقسام السحر. و هم قوم يعبدون الكواكب و يزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم و منها تصدر الخيرات و الشرور و السعادة و النحوسة و هم الذين بعث الله تعالى إبراهيم مبطلا لمقالتهم و رادا عليهم في مذاهبهم. و هؤلاء فرق ثلاث. و أنه لا حاجة بهذية ذواتها و صفاتها إلى موجب و مدبر و خالق و علة البتة ثم إنها هي المدبرة لعالم الكون و الفساد و هؤلاء هم الصابئة الدهرية. لأن كل جسم مركب و كل مركب فإنه مفتقر إلى كل واحد من أجزائه و كل واحد من أجزائه غيره فكل جسم فهو مفتقر إلى غيره فهو ممكن لذاته و كل ممكن لذاته فهو مؤثر فله مؤثر و هذه الأجرام الفلكية و الكوكبية لا بد لها من مؤثر ثم قالوا ذلك المؤثر إما أن يكون حادثا أو قديما فإن كان حادثا افتقر إلى مؤثر آخر و لزم التسلسل و هو محال و إن كان قديما فإما أن يكون كل ما لا بد منه في مؤثريته حاصلا في الأزل أو ليس كذلك و يدخل في هذا التقسيم قول من يقول إنه إنما خلق العالم في الحيز الذي خلقه فيه لأن خلقه في ذلك الحيز أصلح من خلقه في حيز آخر أو لأن خلقه كان موقوفا على انقضاء الأزل أو لأن خلقه كان موقوفا على حضور وقت معين إما مقدر أو محقق فإن قلنا إن كل ما لا بد منه في مؤثريته كان حاصلا في الأزل لزم أن يكون الأثر واجب الترتب عليه في أزل لأن الأزل لو لم يكن واجب الترتب عليه فهو إما ممتنع الترتب عليه فهو ليس بمؤثر البتة و قد فرضناه مؤثرا هذا خلف و إن كان ممكن الترتب عليه و ممكن اللاترتب عليه أيضا فلنفرض تارة مصدرا للأثر بالفعل و أخرى غير مصدر له بالفعل فامتياز الحيز الذي صار المؤثر فيه مصدرا للأثر بالفعل عن الحيز الذي لم يصر فيه كذلك إما أن يتوقف على انضمام قيد إليه أو لم يتوقف فإن توقف لم يكن الحاصل قبل انضمام هذا القيد إليه كل ما لا بد منه في المؤثرية و قد فرضناه كذلك و هذا خلف و إن لم يتوقف فقد ترجح الممكن من غير مرجح البتة و تجويزه يسد باب الاستدلال بالممكن على وجود الصانع و أما إن قلنا بأن كل ما لا بد منه في المؤثرية ما كان حاصلا في الأزل فإن استمر ذلك السلب وجب أن لا يصير البتة مؤثرا لكنا قد فرضناه مؤثرا في الأزل هذا خلف و إن تغير فقد حدث بعض ما لا بد منه في المؤثرية فإن كان حدوثه لا لأمر فقد وقع الممكن لا عن مؤثر و هو محال و إن كان حدوثه لأمر لم يكن الشيء الذي فرضناه حادثا أولا كذلك لأنه حصل قبله حادث آخر و كنا فرضناه حادثا أولا و هذا خلف و أيضا فإنا ننقل الكلام إليه و يلزم التسلسل و هو محال. قالوا و هذا يقتضي استناد الممكنات إلى مؤثر تام المؤثرية في الأزل و متى كان كذلك وجب كون الآثار أزلية دائمة فهذا يقتضي أن لا يحصل في العالم شيء من التغيرات البتة لكن التغيرات مشاهدة قطعا فلا بد من حيلة فنقول ذلك المؤثر القديم الواجب لذاته إلا أن كل حادث مسبوق بحادث آخر حتى يكون انقضاء المتقدم شرطا لحصول المتأخر عن ذلك المبدإ القديم و على هذا الطريق يصير المبدأ القديم مبدأ للحوادث المتغيرة فإذن لا بد من توسط حركة دائمة يكون كل جزء منها مسبوقا بالآخر لا إلى أول و هذه الحركة يمتنع أن تكون مستقيمة و إلا لزم القول بأبعاد غير متناهية و هو محال فلا بد من جرم متحرك بالاستدارة و هو الفلك فثبت أن حركات الأفلاك كالمبادئ القريبة للحوادث الحادثة في هذا العالم و المدبرات الملاصقة بها فلا جرم قالوا بإلهيتها و اشتغلوا بعبادتها و تعظيمها و اتخذوا لكل واحد منها هيكلا مخصوصا و صمنا معينا فاشتغلوا بخدمتها فهذا هو دين عبدة الأصنام و الأوثان ثم إن هؤلاء قالوا إن المبدأ الفاعلي لا يكفي وجوده في حصول الفعل بل لا بد من حضور المبدإ القابلي المنفعلي و لا يكفي حضوره أيضا ما لم تكن الشرائط حاصلة و الموانع زائلة و ربما حدث أمر مشكل غريب في العالم الأعلى يصلح لإفادة هيئة غريبة في مادة العالم الأسفل فإذا لم تكن المادة السفلية متهيئة لقبول تلك الهيئة من الأشكال العلوية لم تحدث تلك الهيئة ثم إن فوات تلك التهيؤ تارة تكون لأجل كون المادة ممنوة بالمعوقات المانعة عن قبول ذلك الأثر و تارة لأجل فوات بعض الشرائط لكن لو تهيأت لنا تقدمه المعرفة بطبيعة ذلك التشكل و بوقت حدوثه و بطبيعة الأمور المعتبرة في كون المادة السفلية قابلة لذلك الأثر لكان يمكننا تهيئة المادة لقبول ذلك الأثر و إماطة الموانع عنها و تحصيل المعدات لها حتى يتم ذلك الفيضان و يسري في القابليات لما تقرر أن الفاعل التام متى لقي المنفعل التام ظهر الفعل التام لا محالة فإذا عرفت هذا فالساحر هو الذي يعرف القوى العالية الفعالة بسائطها و مركباتها و يعرف ما يليق بكل واحد من العوالم السفلية و يعرف المعدات ليعدها و العوائق لينحيها معرفة بحسب الطاقة البشرية فحينئذ يكون الإنسان متمكنا من استجذاب ما يخرق العادة و من دفع ما يدافعها بتقريب المنفعل من الفاعل و هذا معنى قول بطلميوس علم النجوم منك و منها فهذا هو الإشارة إلى خلاصة قوله الفلاسفة الصابئة في حقيقة السحر و ماهيته. خلقها و أوجدها بعد العدم إلا أنهم قالوا إنه سبحانه أعطاه قوة عالية نافذة في هذا العالم و فوض تدبير هذا العالم إليهم قالوا الدليل على كون هذه الأجرام الفلكية أحياء وجهان الأول أنه لا شك أن الحياة أشرف من الجمادية فكيف يحسن في الحكمة خلق الحياة في الأجسام الخسيسة نحو أبدان الديدان و الخنافس و إخلاء هذه الأجرام الشريفة النورانية الروحانية عن الحياة الثاني أن هذه الأفلاك متحركة بالاستدارة فحركتها إما أن تكون طبيعية أو قسرية أو إرادية لا جائز أن تكون طبيعية لأن المهروب عنه بالطبع لا يكون بعينه مطلوبا بالطبع و كل نقطة فرضنا الفلك متحركا عنه فإن حركته عنها هي عين حركته إليها فيستحيل كون تلك الحركة طبيعية و لا جائز أن تكون قسرية لأن القسر هو الذي يكون على خلاف الطبيعة فإذ قد بطلت الطبيعية وجب بطلان كونها قسرية و لما بطل القسمان ثبت كونها إرادية فثبت أن الأفلاك و الكواكب أجرام حية عاقلة قالوا إذا ثبت هذا فنقول الوقوف على جميع الطبائع العلوية و السفلية مما لا يفي به وسع البشر و طاقة النفس الناطقة لوجوه أربعة أولها أنه لا سبيل إلى إثبات الكواكب إلا بواسطة القوة الباصرة و لا ارتياب أنها عن إدراك الصغير من البعيد قاصرة فإن أصغر كوكب مما في القدر السابع من الفلك الثامن و هو الذي يمتحن به حدة البصر مثل كرة الأرض بضع عشرة مرة و إن كرة الأرض أعظم من العطارد كذا ألف مرة فلو تكوكب الفلك الأعظم بكواكب على قدر الكواكب الصغيرة المذكورة من الثوابت فلا شك أن الحس لا يدركه و البصر لا يمتد عليه فضلا عما يكون في مقدار عطارد أو أصغر منه و على هذا التقدير لا يبعد أن يكون في السماوات كواكب كثيرة فعالة و إن كنا لا نعرف وجودها فضلا عن أن نعرف طبائعها و لهذا نقل صاحب كتاب تتكلوشا عن رواياي البشر أنه بقي في الفلك وراء الكواكب المرصودة كواكب لم ترصد إما لفرط صغرها أو لخفاء آثارها و أفعالها. و ثانيها أن الكواكب التي نراها ليست بأسرها مرصودة بل المرصودة منها ألف و اثنان و عشرون و البواقي غير مرصودة و مما يحقق ذلك ما ثبت بالدلالة أن المجردة ليست إلا أجرام كوكبيه صغيرة جدا مرتكزة في فلك الثوابت على هذا السمت المخصوص و ظاهر أن الوقوف على طبائعها متعذرة. و ثالثها أن هذه الكواكب المرصودة مما لم يحصل الوقوف التام على طبائعها لأن أقوال الأحكاميين ضعيفة قليلة الحاصل لا سيما في طبائع الثوابت. و رابعها أنا بتقدير أن نعرف طبائع هذه الكواكب على بساطتها لكنه لا يمكننا الوقوف على طبائعها حال امتزاجها إلا على سبيل التقريب البعيد عن التحقيق. ثم إنا نعلم أن الحوادث الحادثة في هذا العالم لا يصدر عن طبائعها البسيطة و إلا لدامت هذه الحوادث بدوام تلك الطبائع بل إنما يحصل عن امتزاجاتها و تلك الامتزاجات غير متناهية فلا سبيل إلى الوقوف عليها على سبيل القياس فقد ثبت بهذه الوجوه الأربعة تعذر الوقوف على طبائعها الفعالة و أما القوى المنفعلة فالوقوف التام عليها كالمتعذر لأن القبول التام لا يتحقق إلا مع شرائط مخصوصة في القابل من الكم و الكيف و الوضع و الأين و سائر المقولات و المواد السفلية غير ثابتة على حالة واحدة بل هي أبدا في الاستحالة و التغير و إن كان لا يظهر في الحس فقد ظهر بما قررنا أن الوقوف التام على أحوال القوى الفعالة السماوية و القوى الأرضية المنفعلة غير حاصل للبشر و لو حصل ذلك لأحد لوجب أن يكون ذلك الشخص عالما بجميع التفاصيل الحاصلة من الماضية و الآتية و أن يكون متمكنا من إحداث جميع الأمور التي لا نهاية لها. ثم قالوا فهذه المباحث و الملامح مما يوهن العقل عن التمكن من هذه الصناعة إلا أنه نعم ما قيل من أن ما لا يدرك كله لا يترك كله فالقوى البشرية و إن قصرت عن اكتناه هذه القوى العالية الفعالة و السافلة المنفعلة و لكن يمكنها الاطلاع على بعض أحوالها و إن كان ذلك القدر تافها حقيرا بالنسبة إلى ما في الوجود لكنه عظيم بالنسبة إلى قدرة الإنسان و قوته لأن الأحكاميين من أهل النجوم قد وقفوا بسبب التجارب المتطاولة قرنا بعد قرن على كثير من أحوال السبعة السيارة و كثير من الثوابت و عرفوا من أحوال البروج و الحدود و الوجوه و المثلثات ما يعظم الانتفاع بمعرفته لمن اطلع عليه و أحاط به و ليس يلزمنا أنه لما تعذر علينا تحصيل اليقين التام بها بواسطة البراهين المنطبقة أن يترك الانتفاع بها مع ما تشاهد من صحة قوانينها الكلية كما لا يلزم من عدم قيام الدلائل الطبيعية على طبائع الأغذية و الأدوية البسيطة و المركبة أن لا ينتفع بها بل هذه الصناعة أولى بالرعاية من صناعة الطب و ذلك لأنهما بعد اشتراكهما في عدم البراهين المنطبقة على مطالبها امتازت هذه الصناعة عن صناعة الطب بوصف نافع و ذلك أن الدواء المتناول لو لم ينفع يحصل من تناوله ضرر عظيم و أما هذه الصناعة فلو لن تنفع لم تضر و أما ظن حصول النفع فهو قائم في الموضعين و إذا كان كذلك كانت هذه الصناعة أولى بالرعاية من صناعة الطب. فإن قال قائل كيف السبيل إلى معرفة طبائع هذه الكواكب و البروج و أما التجربة فهي متعذرة و ذلك لأن أقل ما لا بد منه في التجربة أن يعود الأمر مرتين و عودة الفلك إلى شكله المعين ممتنع عند بعض الفلاسفة و لو أمكن على بعده فإنما يقع لو عاد جميع الكواكب إلى الموضع الذي كان واقفا عليه في المرة الأولى و ذلك مما لا يحصل إلا بعد المدة التي تسمى بعمر العالم فأي عمر يفي بذلك و أي عقل يصل إليه. الجواب أنه لا حاجة في هذه التجربة إلى عود الفلك إلى الشكل الأول من جميع الوجوه بل لما رأينا كوكبا حصل في برج و صدر عنه أثر و شاهدنا هذا الأثر مع حصوله في ذلك البرج مدة بعد أخرى غلب على ظننا أن حصوله في ذلك البرج مستعقب لهذا الأثر و هذا القدر كاف في حصول الظن و أيضا قد تحصل معرفة طبائع هذه الكواكب على سبيل الإلهام يحكى عن جالينوس أنه عرف كثيرا من الأمور الطبية برؤيا رآها و إذا كان ذلك ممكنا فلا سبيل إلى دفعه. قالوا إذا ثبت ذلك فإن التجارب التي مارسها الأحكاميون من المنجمين دلت على أن لكل اختصاصا بأشياء معينة في هذا العالم من الأمكنة و الأزمنة و الأيام و الساعات و الأغذية و الروائح و الأشكال التي يتعلق بها كوكب معين في وقت يكون الكوكب فيه قويا على ذلك الفعل الذي يطلب منه لم يبعد أن يحصل ذلك الأثر الخارق للعادة لا سيما إذا كان المتولي لمباشرة ذلك العمل القوي النفس صافي الروح بحيث يكون روحه في الاستعلاء و الاستيلاء من جوهر الأرواح السماوية فهناك يتم الأمر و يحصل الغرض فهذا مجموع أقوال الصابئة في تقرير هذا النوع من السحر. أما المعتزلة فقد اتفقت كلمتهم على أن غير الله لا يقدر على خلق الجسم و الحياة و اللون و الطعم و احتجوا بوجوه ذكرها القاضي و لخصها في تفسيره و في سائر كبته و نحن ننقل تلك الوجوه و ننظر فيها أولها و هو النكتة العقلية التي عليها يقولون إن كل ما سوى الله إما متحيز أو قائم بالمتحيز فلو كان غير الله فاعلا للجسم و الحياة لكان ذلك الغير متحيزا و ذلك المتحيز لا بد و أن يكون قادرا بالقدرة إذ لو كان قادرا لذاته لكان كل جسم كذلك بناء على أن الأجسام متماثلة لكن القادر بالقدرة لا يصح منه فعل الجسم و الحياة و يدل عليه وجهان الأول أن العلم الضروري حاصل بأن الواحد منا لا يقدر على خلق الجسم و الحياة ابتداء فقدرتنا مشتركة في امتناع ذلك عليها فهذا الامتناع حكم مشترك فلا بد له من علة مشتركة و لا مشترك هاهنا إلا كوننا قادرين بالقدرة و إذا ثبت هذا وجب في من كان قادرا بالقدرة أن يتعذر عليه فعل الجسم و الحياة. الثاني أن هذه القدرة التي لنا لا شك أن بعضها يخالف بعضا فلو قدرنا قدرة صالحة لخلق الجسم و الحياة لم يكن مخالفتها لهذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض فلو كفى ذلك القدر من المخالفة في صلاحيتها لخلق الجسم لوجب في هذه القدرة التي يخالف بعضها بعضا أن تكون صالحة لخلق الجسم و الحياة و لما لم يكن كذلك علمنا أن القادر بالقدرة لا يقدر على خلق الجسم و الحياة. و ثانيها أنا لو جوزنا ذلك لتعذر الاستدلال بالمعجزات على النبوات لأنا لما جوزنا استحداث الخوارق بواسطة تمزيج القوى السماوية بالقوى الأرضية لم يمكننا القطع بأن هذه الخوارق التي ظهرت على أيدي الأمناء صدرت عن الله تعالى بل يجوز فيها أنهم أتوا بها من طريق السحر و حينئذ يبطل القول بالنبوات من كل الوجوه. و ثالثها أنا لو جوزنا أن يكون في الناس من يقدر على خلق الجسم و الحياة و الألوان لقدر ذلك الإنسان على تحصيل الأموال العظيمة من غير تعب لكنا نرى من يدعي السحر متوسلا إلى اكتساب الحقير من المال بجهد جهيد فعلمنا كذبه و بهذا الطريق يعلم فساد ما يدعيه قوم من الكيمياء فإنا نقول لو أمكنهم ببعض الأدوية أن يقلبوا غير الذهب ذهبا لكان إما أن يمكنهم ذلك بالقليل من الأموال فكان ينبغي أن يغنوا أنفسهم بذلك عن المشقة و الذلة أو لا يمكن إلا بالآلات العظام و الأموال الخطيرة فكان يجب أن يظهروا ذلك للملوك المتمكنين من ذلك بل كان يجب أن يفطن الملوك لذلك لأنه أنفع لهم من فتح البلاد التي لا يتم إلا بإخراج الأموال و الكنوز و في علمنا بانصراف النفوس و الهمم عن ذلك دلالة على فساد هذا القول قال القاضي فثبت بهذه الجملة أن الساحر لا يصح أن يكون فاعلا لشيء من ذلك. و اعلم أن هذه الدلائل ضعيفة جدا أما الوجه الأول فنقول ما الدليل على أن كل ما سوى الله تعالى إما أن يكون متحيزا أو قائما بالمتحيز أ ما علمتهم أن الفلاسفة مصرون على إثبات العقول و النفوس الفلكية و النفوس الناطقة و زعموا أنها في أنفسها ليست بمتحيزة و لا قائمة بالمتحيز فما الدليل على فساد القول بها. فإن قالوا لو وجد موجود هكذا لزم أن يكون مثلا لله تعالى قلنا لا نسلم و ذلك لأن الاشتراك في السلوب لا يقتضي الاشتراك في الماهية سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون بعض الأجسام يقدر على ذلك لذاته قوله الأجسام متساوية فلو كان جسم كذلك لكان كل جسم كذلك قلنا ما الدليل على تماثل الأجسام. فإن قالوا إنه لا معنى للجسم إلا الممتد في الجهات الشاغل للأحياز فلا تفاوت بينها في هذا المعنى قلنا الامتداد في الجهات و الشغل للأحياز صفة من صفاتها و لازم من لوازمها و لا بد أن تكون الأشياء المختلفة في الماهية مشتركة في بعض اللوازم سلمنا أنه يجب أن يكون قادرا بالقدرة فلم قلتم إن القادر بالقدرة لا يصح منه خلق الجسم و الحياة قوله لأن القدرة التي لنا مشتركة في هذا الامتناع فهذا الامتناع حكم مشترك فلا بد له من علة مشتركة و لا مشترك سوى كوننا قادرين بالقدرة قلنا هذه المقدمات بأسرها ممنوعة فلا نسلم أن الامتناع حكم معلل و ذلك لأن الامتناع عدمي و العدمي لا يعلل سلمنا أنه أمر وجودي و لكن من مذهبهم أن كثيرا من الأحكام لا يعلل فلم لا يجوز أن يكون هاهنا كذلك سلمنا أنه معلل فلم قلتم إن الحكم المشترك لا بد له عن علة مشتركة أ ليس أن القبح حصل في الظلم معللا بكونه ظلما و في الكذب بكونه كذبا و في الجهل بكونه جهلا سلمنا أنه لا بد من علة مشتركة لكن لا نسلم أنه لا مشترك إلا كوننا قادرين بالقدرة فلم لا يجوز أن تكون هذه القدرة التي لنا مشتركة في وصف معين و تلك القدرة التي تصلح لخلق الجسم تكون خارجة عن ذلك الوصف فما الدليل على أن الأمر ليس كذلك. أما الوجه الثاني و هو أنه ليست مخالفة تلك القدرة لبعض هذه القدرة أشد من مخالفة بعض هذه القدرة للبعض فنقول هذا أضعف لأنا لا نعلل صلاحيتها لخلق الجسم بكونها مخالفة لهذه القدرة بل لخصوصيتها المعينة التي لأجلها خالفت سائر القدر و تلك الخصوصية معلوم أنها غير حاصلة في سائر القدر و نظير ما ذكروه أن يقال ليست مخالفة الصوت للبياض أشد من مخالفة السواد للبياض فلو كانت تلك المخالفة مانعة للصوت من صحة أن يرى لوجب لكون السواد مخالفا للبياض أن يمتنع رؤيته و لما كان هذا الكلام فاسدا فكذا ما قالوه و العجب من القاضي أنه لما حكي هذه الوجوه عن الشعرية في مسألة الرؤية زيفها بهذه الأسئلة ثم إنه نفسه تمسك بها في هذه المسألة التي هي الأصل في إثبات النبوة و الرد على من أثبت متوسطا بين الله و بيننا. أما الوجه الثالث و هو أن القول بصحة النبوات لا يبقى مع تجويز هذا الأصل فنقول إما أن يكون القول بصحة النبوات متفرعا على فساد هذه القاعدة أو لا يكون فإن كان الأول امتنع إفساد هذا الأصل بالبناء على صحة النبوات و إلا وقع الدور و إن كان الثاني فقد سقط هذا الكلام بالكلية. و أما الوجه الرابع فلقائل أن يقول الكلام في الإمكان غير و في الوقوع غير و نحن لا نقول بأن هذه الحالة حاصلة لكل أحد بل هذه الحالة لا تحصل للبشر إلا في الأعصار المتباعدة فكيف يلزمنا ما ذكرتموه فهذا هو الكلام في النوع الأول من السحر. قالوا اختلف الناس في أن الذي يشير إليه كل إنسان بقوله أنا ما هو فمن الناس من يقول إنه هو هذه البنية و منهم من يقول إنه جسم سار في هذه البنية و منهم من يقول إنه موجود ليس بجسم و لا جسماني أما إذا قلنا إن الإنسان هو هذه البنية فلا شك أن هذه البنية مركبة من الأخلاط الأربعة فلم لا يجوز أن يتفق في بعض الأعصار النادرة أن يكون مزاج من الأمزجة في ناحية من النواحي يقتضي القدرة على خلق الجسم و العلم بالأمور الغائبة عنا و هكذا الكلام إذا قلنا إن الإنسان جسم سار في هذه البنية أما إذا قلنا إن الإنسان هو النفس فلم لا يجوز أن يقال النفوس مختلفة فيتفق في بعض النفوس أن تكون لذاتها قادرة على هذه الحوادث الغريبة مطلعة على الأسرار الغائبة عنا فهذا الاحتمال مما لم يقم دلالة على فساده سوى الوجوه المتقدمة و قد بان بطلانها. ثم الذي يؤكد هذا الاحتمال وجوه أولها أن الجذع الذي يتمكن الإنسان من المشي عليه لو كان موضوعا على الأرض لا يمكنه المشي عليه لو كان كالجسر على هاوية تحته و ما ذاك إلا لأن تخيل السقوط متى قوي أوجبه و ثانيها أجمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر و المصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان و الدوران و ما ذاك إلا لأن النفوس خلقت مطيعة للأوهام و ثالثها حكى صاحب الشفاء عن أرسطو في طبائع الحيوان أن الدجاجة إذا تشبهت كثيرا بالديكة في الصوت و في الجواب مع الديكة نبت على ساقيها مثل الشيء النابت على ساق الديك ثم قال صاحب الشفاء و هذا يدل على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية. و رابعها أجمعت الأمم على أن الدعاء مظنة للإجابة و أجمعوا على أن الدعاء اللساني الخالي عن المطلب النفساني قليل البركة عديم الأثر فدل ذلك على أن للهمم و النفوس آثارا و هذا الاتفاق غير مختص بملة معينة و نحلة مخصوصة و خامسها أنك لو أنصفت لعلمت أن المبادي القريبة للأفعال الحيوانية ليست إلا التصورات النفسانية لأن القوة المحركة المخلوقة المطبوعة المغروزة في العضلات صالحة للفعل و تركه أو ضده و لن يترجح أحد الطرفين على الآخر إلا لمرجح و ما ذاك إلا تصور كون الفعل جميلا أو لذيذا أو تصور كونه قبيحا أو مؤلما فتلك التصورات هي المبادئ لصيرورة القوى العضلية مبادئ بالفعل لوجود الأفعال بعد أن كانت كذلك بالقوة و إذا كانت هذه التصورات هي المبادئ لمبادئ هذه الأفعال فأي استبعاد في كونها مبادئ للأفعال بأنفسها و إلغاء الواسطة عن درجة الاعتبار و سادسها التجربة و العيان شاهدان بأن هذه التصورات مبادئ قريبة لحدوث الكيفيات في الأبدان فإن الغضبان يشتد سخونة مزاجه حتى أنه يفيد سخونة قوية يحكى عن بعض الملوك أنه عرض له فالج فأعيا الأطباء مزاولة علاجه فدخل عليه بعض الحذاق منهم على حين غفلة منه و شافهه بالشتم و القدح في العرض فاشتد غضب الملك و قفز من مرقده قفزة اضطرارية لما ناله من شدة ذلك الكلام فزالت تلك العلة المزمنة و المرضة المهلكة و إذا جاز كون التصورات مبادئ لحدوث الحوادث في البدن فأي استبعاد من كونها مبادئ لحدوث الحوادث خارج البدن و سابعها أن الإصابة بالعين أمر قد اتفق عليها العقلاء و ذلك أيضا يحقق إمكان ما قلناه. إذا عرفت هذا فنقول النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدا فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات و الأدوات و قد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه و تحقيقه أن النفس إذا كانت قوية مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماوات كانت كأنها روح من الأرواح السماوية فكانت قوية على التأثير في مواد هذا العالم أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه اللذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن فإذا أراد هذا الإنسان صيرورتها بحيث يتعدى تأثيرها من بدنها إلى بدن آخر اتخذ تمثال ذلك الغير و وضعه عند الحس ليشتغل الحس به فيتبعه الخيال عليه و أقبلت النفس الناطقة عليه فقويت التأثيرات النفسانية و التصرفات الروحانية و لذلك اجتمعت الأمم على أنه لا بد لمزاول هذه الأعمال من الانقطاع عن المألوفات و المشتهيات و تقليله الغذاء و الانقطاع عن مخاطبة القلب فكلما كانت هذه الأمور أتم كان ذلك التأثير أقوى فإذا اتفق أن كانت النفس مناسبة لهذا الأمر نظرا إلى ماهيتها و خاصيتها عظم التأثير و السبب اللمي فيه أن النفس إذا اشتغلت بالجانب الواحد استعملت جميع قوتها في ذلك الفعل و إذا اشتغلت بالأفعال الكثيرة تفرقت قوتها و توزعت على تلك الأفعال فتصل إلى كل واحد من تلك الأفعال شعبة من تلك القوة و جدول من ذلك النهر و لذلك ترى أن إنسانين يستويان في قوة الخاطر إذا اشتغل أحدهما بصناعة واحدة و اشتغل الآخر بصناعتين فإن ذا الفن الواحد يكون أقوى من ذي الفنين و من حاول الوقوف على حقيقة مسألة من المسائل فإنه حال تفكره فيها لا بد و إن يفرغ خاطره عما عداه فإنه عند تفريغ الخاطر يتوجه الخاطر بكليته إليه فيكون الفعل أسهل و أحسن و إذا كان كذلك فإذا كان الإنسان مشغول الهم و الهمة بقضاء اللذات و تحصيل الشهوات كانت القوة النفسانية مشغولة بها مستغرقة فيها فلا يكون انجذابها إلى تحصيل الفعل الغريب الذي يحاوله انجذابا قويا لا سيما و هنا آفة أخرى و هي أن مثل هذه النفس اعتادت الاشتغال باللذات من أول أمرها إلى آخره و لم تشتغل قط باستحداث هذه الأفعال الغريبة فهي بالطبع حنون إلى الأول عزوف للثاني فإذا وجدت مطلوبها من النمط الأول فإني تلتفت إلى الجانب الآخر. فقد ظهر من هذا أن مزاولة هذه الأعمال لا تتأتى إلا مع التجرد عن الأحوال الجسمانية و ترك مخالطة الخلق و الإقبال بالكلية على عالم الصفا و الأرواح و أما الرقي فإن كانت معلومة فالأمر فيها ظاهر لأن الغرض منها أن حس البصر كما شغلناه بالأمور المناسبة لذلك الغرض فحس السمع نشغله أيضا بالأمور المناسبة لذلك الغرض فإن الحواس متى تطابقت نحو التوجه إلى الغرض الواحد كان توجه النفس إليه حينئذ أقوى و أما إذا كانت بألفاظ غير معلومة حصلت للنفس هناك حالة شبيهة بالحيرة و الدهشة و يحصل للنفس في أثناء ذلك انقطاع عن المحسوسات و إقبال على ذلك الفعل و جد عظيم فيقوى التأثير النفساني فيحصل الغرض و هكذا القول في الدخن. قالوا فقد ثبت أن هذا القدر من القوة النفسانية مستقل بالتأثير فإن انضم إليه النوع الأول من السحر و هو الاستعانة بالكواكب و تأثيراتها عظم التأثير بل هاهنا نوعان آخران الأول أن النفوس التي فارقت الأبدان قد يكون فيها ما هو شديد المشابهة لهذه النفس في قوتها و في تأثيراتها فإذا صارت هذه النفوس صافية لم يبعد أن ينجذب إليها ما تشابهها من النفوس المفارقة و يحصل لتلك النفوس نوع ما من التعلق بهذا البدن فتعاضد النفوس الكثيرة على ذلك الفعل و إذا كملت القوة تزايدت قوى التأثير الثاني أن هذه النفوس الناطقة إذا صارت صافية عن الكدورات البدنية صارت قابلة للأنوار الفائضة من الأرواح السماوية و النفوس الفلكية فتتقوى هذه النفوس بأنوار تلك الأرواح فتقوى على أمور غريبة خارقة للعادة فهذا شرح سحر أصحاب الأوهام و الرُّقى. و اعلم أن القول بالجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة و المعتزلة أما أكابر الفلاسفة فإنهم ما أنكروا القول به إلا أنهم سموها بالأرواح الأرضية و هي في أنفسها مختلفة منها خيرة و منها شريرة فالخير منهم الجن و الشريرة هم كفار الجن و شياطينهم ثم قال خلق منهم هذا الأرواح جواهر قائمة بأنفسها لا متحيزة و لا حالة في المتحيز و هي قادرة عالمة مدركة للجزئيات و اتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية إلا أن القوة الحاصلة للنفوس الناطقة بسبب اتصالها بهذه الأرواح الأرضية أضعف من القوة الحاصلة لها بسبب اتصالها بتلك الأرواح السماوية إما أن الاتصال أسهل فلأن المناسبة بين نفوسنا و بين هذه الأرواح الأرضية أرسل فإن المشابهة و المشاكلة بينها أتم و أشد من المشاكلة بين نفوسنا و بين الأرواح السماوية و إما أن القوة الحاصلة بسبب الاتصال بالأرواح السماوية أقوى فلأن الأرواح السماوية بالنسبة إلى الأرواح الأرضية كالشمس بالنسبة إلى الشعلة و البحر بالنسبة إلى القطرة و السلطان بالنسبة إلى الرعية قالوا و هذه الأشياء و إن لم يقم على وجودها برهان قاهر فلا أقل من الاحتمال و الإمكان ثم إن أصحاب الصنعة و أرباب التجربة شاهدوا أن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة قليلة من الرُّقى و الدخن و التجريد فهذا النوع هو المسمى بالعزائم و عمل تسخير الجن. فهذا النوع مبني على مقدمات أحدها أن أغلاط البصر كثيرة فإن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة و الشط متحركا و ذلك يدل على أن الساكن يرى متحركا و المتحرك يرى ساكنا و القطرة النازلة ترى خطا مستقيما و الزبالة التي تدار بسرعة ترى دائرة و القبة ترى في الماء كالإجاصة و الشخص الصغير يرى في الضباب عظيما و كبخار الأرض الذي يريك قرص الشمس عند طلوعها عظيما فإذا فارقته و ارتفعت صغرت و أما رؤية العظيم من البعيد صغيرا فظاهر فهذه الأشياء قد هدت العقول إلى أن القوة الباصرة قد تبصر الشيء على خلاف ما هو عليه في الجملة لبعض الأسباب العارضة. و ثانيها أن القوة الباصرة إنما تقف على المحسوس وقوفا تاما إذا أدركت المحسوس في زمان له مقدار فأما إذا أدركت المحسوس في زمان صغير جدا ثم أدركت بعده محسوسا آخر و هكذا فإنه يختلط البعض بالبعض و لا يتميز بعض المحسوسات عن البعض و لذلك فإن الرحى إذا أخرجت من مركزها إلى محيطها خطوطا كثيرة بألوان مختلفة ثم استدارت فإن الحس يرى لونا واحدا كأنه مركب من كل تلك الألوان. و ثالثها أن النفس إذا كانت مشغولة بشيء فربما حضر عند الحس شيء آخر فلا يشعر الحس به البتة كما أن الإنسان عند دخوله على السلطان قد يلقاه إنسان و يتكلم معه فلا يعرفه و لا يفهم كلامه لما أن قلبه مشغول بشيء آخر و كذا الناظر في المرآة فإنه ربما قصد أن يرى قذاة في عينه فيراها و لا يرى ما هو أكثر منها إن كان بوجهه أثر أو بجبهته أو بسائر أعضائه التي تقابل المرآة و ربما قصد أن يرى سطح المرآة هل هو مستو أم لا فلا يرى شيئا مما في المرآة إذا عرفت هذه المقدمات سهل عند ذلك تصور كيفية هذا النوع من السحر و ذلك لأن المشعبذ الحاذق يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به و يأخذ عيونهم إليه حتى إذا استفز عنهم الشغل بذلك الشيء و التحديق نحوه عمل شيئا آخر عملا بسرعة شديدة فيبقى ذلك العمل خفيا لتعلمون الشيئين أحدهما اشتغالهم بالأمر الأول و الثاني سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني و حينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه فيتعجبون منه جدا و لو أنه سكت و لم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمل و لم تتحرك النفوس و الأوهام إلى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون لكل ما يفعله فهذا هو المراد من قولهم إن المشعبذ يأخذ بالعيون لأنه بالحقيقة يأخذ بالعيون إلى غير الجهة التي يحتال و كلما كان أخذه للعيون و الخواطر و جذبه لها إلى سواء مقصوده أقوى كان أحذق في عمله و كلما كانت الأحوال التي تفيد حس البصر نوعا من أنواع الخلل أشد كان هذا العمل أحسن مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدا فإن الضوء الشديد يفيد البصر كلالا و اختلالا و كذا الظلمة الشديدة و كذلك الألوان المشرقة القوية تفيد البصر كلالا و اختلالا و الألوان المظلمة قلما تقف القوة الباصرة على أحوالها فهذا مجامع القول في هذا النوع من السحر. الأعمال العجيبة التي تطرأ من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية تارة و على ضروب الخيلاء أخرى مثل فارسين يقتتلان فيقتل أحدهما الآخر و كفارس على فرس في يده بوق كلما مضت ساعة من النهار ضرب البوق من غير أن يمسه أحد و منها الصور التي تصورها الروم و أهل الهند حتى لا يفرق الناظر بينها و بين الإنسان حتى يصورونها ضاحكة و باكية و حتى يفرق فيها بين ضحك السرور و ضحك الخجل و ضحك الشامت فهذه الوجوه من لطيف أمور التخائيل و كان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب و من هذا الباب تركيب صندوق الساعات و يندرج في هذا الباب علم جر الأثقال و هو أن يجر ثقيلا عظيما بآلة خفيفة و هذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعده من باب السحر لأن لها أسبابا معلومة تعيينية من اطلع عليها قدر عليها إلا أن الاطلاع عليها لما كان عسرا شديدا لا يصل إليه إلا الفرد بعد الفرد لا جرم عد أهل الظاهر ذلك من باب السحر و من هذا الباب عمل ارجعانوس الموسيقات في هيكل أورشليم العتيق عند تجديده إياه و ذلك أنه اتفق له أن كان مجتازا بفلاة من الأرض فوجد فيها فرخا من فراخ البراصل و البراصل هو طائر عطوف فكان يصفر صفيرا حزينا بخلاف صفير سائر البراصل فكانت البراصل تجيئه بلطائف الزيتون فتطرحها عنده فيأكل بعضها و يفضل بعضها عن حاجته فوقف هذا الموسيقات هناك و تأمل حال هذا الفرخ و علم أن في صفيره المخالف لصفير البراصل ضربا من التوجع و الاستعطاف حتى رقت له الطيور و جاءته بما يأكله فتلطف لعمل آلة تشبه الصفارة إذا استقبل الريح بها أدت ذلك الصفير و لم يزل يجرب ذلك حتى وثق بها و جاءته البراصل بالزيتون كما كانت تجيء إلى ذلك الفرخ لأنها تظن أن هناك فرخا من جنسها فلما صح له ما أراد أظهر النسك و عمد إلى هيكل أورشليم و سأل عن الليلة التي دفن فيها اسطرحن الناسك القيم بعمارة ذلك الهيكل فأخبر أنه دفن في أول ليلة من آب فأخذ صورة من زجاج مجوف على هيئة البرصلة و نصبها فوق ذلك الهيكل و جعل فوق تلك الصورة قبة و أمرهم بفتحها في أول آب فكان يظهر صوت البرصلة بسبب نفوذ الريح في تلك الصورة و كانت البراصل تجيء بالزيتون حتى كانت تمتلئ القبة كل يوم من ذلك الزيتون و الناس اعتقدوا أنه من كرامات ذلك المدفون و يدخل في هذا الباب أنواع كثيرة لا يليق شرحها في هذا الموضع. من أن يجعل في طعامه بعض الأدوية المُبَلِّدة المزيلة للعقل و الدخن المسكرة نحو دِماغ الحمار إذا تناول الإنسان تبلد عقله و قلت فطنته و اعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص فإن أثر المغناطيس مشاهد إلا أن الناس قد أكثروا فيه و خلطوا الصدق بالكذب و الباطل بالحق. و هو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم و أن الجن يطيعونه و ينقادون له في أكثر الأمور فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التميز اعتقد أنه حق و تعلق قلبه بذلك و حصل في نفسه نوع من الرعب و المخافة فإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل حينئذ ما شاء و إن من جرب الأمور و عرف أحوال العالم علم أن لتعلق القلب أثرا عظيما في تنفيذ الأعمال و إخفاء الأسرار. و ذلك شائع في الناس فهذا جملة الكلام في أقسام السحر و شرح أنواعه و أصنافه و الله أعلم. أن هذه الأنواع هل هي ممكنة أم لا أما المعتزلة فقد اتفقوا على إنكارها إلا النوع المنسوب إلى التخيل و المنسوب إلى إطعام بعض الأدوية المبلدة و المنسوب إلى التضريب و النميمة و أما الأقسام الخمسة الأول فقد أنكروها و لعلهم كفروا من قال بها و جوز وجودها و أما أهل السنة فقد جوزوا أن يقدر الساحر على أن يطير في الهواء و يقلب الإنسان حمارا و الحمار إنسانا إلا أنهم قالوا إن الله تعالى هو الخالق لهذه الأشياء عند ما يقرأ الساحر رقى مخصوصة و كلمات معينة فأما أن يكون المؤثر في ذلك هو الفلك و النجوم فلا و أما الفلاسفة و المنجمون و الصابئة فقولهم على ما سلف تقريره. و احتج أصحابنا على فساد قول الصابئة أنه قد ثبت أن العالم محدث فوجب أن يكون موجودة قادرا فإن الشيء الذي حكم العقل بأنه مقدوره إنما يصح أن يكون مقدورا له لكونه ممكنا و الإمكان قدر مشترك بين كل الممكنات فإذن كل الممكنات مقدور لله و لو وجد شيء من تلك المقدورات بسبب آخر يلزم أن يكون ذلك السبب مزيلا لتعلق قدرة الله تعالى بذلك المقدور فيكون الحادث سببا لعجز الله و هو محال فثبت أنه يستحيل وقوع شيء من الممكنات إلا بقدرة الله و عنده يبطل كل ما قاله الصابئة. قالوا إذا ثبت هذا النوع فندعي أنه لا يمتنع وقوع هذه الخوارق بإجراء العادة عند سحر السحرة فقد احتجوا على وقوع هذا النوع من السحر بالقرآن و الخبر أما القرآن فقوله تعالى في هذه الآية وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ و الاستثناء يدل على حصول الآثار بسببه و أما الأخبار فأحدها ما روي أنه عليه السلام سحر و أن السحر عمل فيه حتى قال إنه ليخيل إلي أني أقول الشيء و أفعله و لم أقله و لم أفعله و إن امرأة يهودية سحرته و جعلت ذلك السحر تحت راعوفة البئر فلما استخرج ذلك زال عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذلك العارض و نزلت المعوذتان بسببه. و ثانيها أن امرأة أتت عائشة فقالت لها إني ساحرة فهل لي من توبة فقالت و ما سحرك فقالت صرت إلى الموضع الذي فيه هاروت و ماروت ببابل أتعلم علم السحر فقالا لي يا أمة الله لا تختاري عذاب الآخرة بأمر الدنيا فأبيت فقالا لي اذهبي فبولي على ذلك الرماد فذهبت لأبول عليه ففكرت في نفسي فقلت لا فعلت و جئت إليهما فقلت قد فعلت فقالا لي ما رأيت لما فعلت فقلت ما رأيت شيئا فقالا لي أنت على رأس أمرك فاتقي الله و لا تفعلي فأبيت فقالا لي اذهبي فافعلي فذهبت ففعلت فرأيت كأن فارسا مقنعا بالحديد قد خرج من فرجي فصعد إلى السماء فجئتهما فأخبرتهما فقالا إيمانك قد خرج عنك فقد أحسنت السحر فقلت و ما هو قالا لا تريدين شيئا فتصورينه في وهمك إلا كان فصورت في نفسي حبا من حنطة فإذا أنا بحب فقلت انزرع فانزرع فخرج من ساعته سنبلا فقلت انطحن فانطحن فقلت انخبز فانخبز و أنا لا أريد شيئا أصوره في نفسي إلا حصل فقالت عائشة ليست لك توبة. و ثالثها ما يذكرونه من الحكايات الكثيرة في هذا الباب و هي مشهورة أما المعتزلة فقد احتجوا على إنكاره بوجوه أحدها قوله تعالى وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى و ثانيها قوله تعالى في صفة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وَ قالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً و لو صار صلى الله عليه وآله وسلم مسحورا لما استحقوا الذم بسبب هذا القول و ثالثها أنه لو جاز ذلك من الساحر فكيف يتميز المعجز من السحر ثم قالوا هذه الدلائل يقينية و الأخبار التي ذكرتموها من باب الآحاد فلا تصلح معارضة لهذه الدلائل. اتفق المحققون على ذلك لأن العلم لذاته شريف و أيضا لعموم قوله تعالى هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ و لأن السحر لو لم يعلم لما أمكن الفرق بينه و بين المعجز و العلم بكون المعجز معجزا واجب و ما يتوقف الواجب عليه فهو واجب فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبا و ما يكون واجبا كيف يصير حراما و قبيحا. اختلف الفقهاء في أن الساحر هل يكفر أم لا - رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَتَى كَاهِناً أَوْ عَرَّافاً فَصَدَّقَهُمَا بِقَوْلٍ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمَّدٍ. و اعلم أنه لا نزاع بين الأمة في أن من اعتقد أن الكواكب هي المدبرة لهذا العالم و هي الخالقة لما فيه من الحوادث و الخيرات و الشرور فإنه يكون كافرا على الإطلاق و هذا هو النوع الأول من السحر و أما النوع الثاني و هو أن يعتقد أنه قد يبلغ روح الإنسان في التصفية و القوة إلى حيث يقدر بها على إيجاد الأجسام و الحياة و القدرة و تغيير البنية و الشكل فالأظهر إجماع الأمة أيضا على تكفيره أما النوع الثالث و هو أن يعتقد الساحر أنه قد يبلغ في التصفية و قراءة الرقي و تدخين بعض الأدوية إلى حيث يخلق الله تعالى في عقب أفعاله على سبيل العادة الأجسام و الحياة و القدرة و تغيير البنية و الشكل فهنا المعتزلة اتفقوا على تكفير من يجوز ذلك قالوا لأنه مع هذا الاعتقاد لا يمكنه أن يعرف صدق الأنبياء و الرسل و هذا ركيك من القول فإن لقائل أن يقول إن الإنسان لو ادعى النبوة و كان كاذبا في دعواه فإنه لا يجوز من الله تعالى إظهار هذه الأشياء على يده لئلا يحصل التلبيس أما إذا لم يدع النبوة و ظهرت هذه الأشياء على يده لم يفض ذلك إلى التلبيس لأن المحق يتميز عن المبطل بما أن المحق تحصل له هذه الأشياء مع ادعاء النبوة و أما سائر الأنواع التي عددناه من السحر فلا شك أنه ليس بكفر. فإن قيل إن اليهود لما أضافوا السحر إلى سليمان قال الله تعالى تنزيها عنه وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ و هذا يدل على أن السحر على الإطلاق كفر و أيضا قال وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ و هذا أيضا يقتضي أن يكون السحر على الإطلاق كفرا و حكي عن الملكين أنهما لا يعلمان أحدا السحر حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ و هو يدل على أن السحر كفر على الإطلاق. قلنا حكاية الحال يكفي في صدقها صورة واحدة فنحملها على سحر من يعتقد إلهية النجوم.. ثم قال بعد إيراد المسألة الرابعة عشر في حكم قتل الساحر فهذا هو الكلام الكلي في السحر و لنرجع إلى التفسير أما قوله تعالى وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فظاهر الآية يقتضي أنهم إنما كفروا لأجل أنهم كانوا يعلمون الناس السحر لأن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية و تعليم ما لا يكون كفرا لا يوجب الكفر فصارت الآية دالة على أن تعليم السحر كفر و على أن السحر أيضا كفر و لمن منع ذلك أن يقول لا نسلم أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلية بل المعنى أنهم كفروا و هم مع ذلك يعلمون السحر. فإن قيل هذا مشكل لأن الله أخبر في آخر الآية أن الملكين يعلمان السحر فلو كان تعليم السحر كفرا لزم تكفير الملكين و أنه غير جائز لما ثبت أن الملائكة بأسرهم معصومون و أيضا فلأنكم دللتم على أنه ليس كلما يسمى سحرا فهو كفر. قلنا اللفظ المشترك لا يكون عاما في جميع مسمياته فنحن نحمل هذا السحر الذي هو كفر على النوع الأول من الأشياء المسماة بالسحر و هو اعتقاد إلهية الكواكب و الاستعانة بها في إظهار المعجزات و خوارق العادات فهذا السحر كفر و الشياطين إنما كفروا بإتيانهم بهذا السحر لا بسائر الأقسام و أما الملكان فلا نسلم أنهما إنما علما هذا النوع من السحر بل لعلهما يعلمان سائر الأنواع على ما قال تعالى فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ و أيضا فبتقدير أن يقال إنهما علما هذا النوع إنما يكون كفرا إذا قصد المعلم أن يعتقد المتعلم حقيته و كونه صوابا فأما أن يعلمه ليحترز عنه فهذا التعليم لا يكون كفرا و تعليم الملائكة كان لأجل أن يصير المكلف محترزا عنه على ما قال تعالى حكاية عنهما وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ و أما الشياطين الذين علموا السحر الناس فكان مقصودهم اعتقاد حقية هذه الأشياء فظهر الفرق. قرأ نافع و ابن كثير و عاصم و أبو عمرو بتشديد لكِنَ و الشَّياطِينُ بالنصب على أنه اسم لكن و الباقون لكن بالتخفيف و الشياطين بالرفع و المعنى واحد.. أما قوله تعالى وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ وَ مارُوتَ ففيه مسائل فيه وجهان الأول أنه بمعنى الذي ثم هؤلاء اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال أولها أنه عطف على السحر أي يعلمون الناس السحر و يعلمونهم ما أنزل على الملكين أيضا. و ثانيها أنه عطف على قوله ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ أي و اتبعوا ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان وَ ما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ لأن السحر منه ما هو كفر و هو الذي تتلوا الشياطين و منه ما تأثيره بالتفريق بين المرء و زوجه و هو الذي أنزل على الملكين فكأنه تعالى أخبر عن اليهود بأنهم اتبعوا كلا الأمرين و لم يقتصروا على أحدهما. و ثالثها أن موضعه جر عطفا على ملك سليمان و تقديره ما تتلوا الشياطين افتراء على ملك سليمان و على ما أنزل على الملكين و هو اختيار أبي مسلم و أنكر في الملكين أن يكون السحر نازلا عليهما. و احتج عليه بوجوه الأول أن السحر لو كان نازلا عليهما لكان منزله هو الله تعالى و ذلك غير جائز لأن السحر كفر و عبث و لا يليق بالله تعالى إنزال ذلك. الثاني أن قوله وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ يدل على أن تعليم السحر كفر و لو ثبت في الملائكة أنهم يعلمون السحر لزمهم الكفر و ذلك باطل. الثالث كما لا يجوز في الأنبياء أن يبعثوا لتعليم السحر فكذلك في الملائكة بالطريق الأولى. الرابع أن السحر لا يضاف إلا إلى الكفرة و الفسقة و الشياطين المردة فكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه و يتوعد عليه بالعقاب و هل السحر إلا الباطل المموه و قد جرت عادة الله تعالى بإبطاله كما قال في قصة موسى عليه السلام ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ ثم إنه سلك في تفسير الآية مسلكا آخر يخالف قول أكثر المخالفين فقال كما أن الشياطين نسبوا السحر إلى ملك سليمان مع أن ملك سليمان كان مبرأ عنه فكذلك نسبوا ما أنزل على الملكين إلى السحر مع أن المنزل عليهما كان مبرأ عن السحر و ذلك لأن المنزل عليهما كان هو الشرع و الدين و الدعاء إلى الخير و أنهما كانا يعلمان الناس ذلك مع قولهما إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ توكيدا لبعثهم على القبول و التمثل فكانت طائفة تتمثل و أخرى تخالف و تعدل عن ذلك فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُما أي من الفتنة و الكفر مقدار ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَ زَوْجِهِ و هذا تقرير مذهب أبي مسلم الوجه الثاني أن يكون ما بمعنى الجحد و يكون معطوفا على قوله وَ ما كَفَرَ سُلَيْمانُ كأنه قال لم يكفر سليمان و لم ينزل على الملكين سحر لأن السحرة كانت تضيف السحر إلى سليمان و تزعم أنه مما أنزل على الملكين ببابل هاروت و ماروت فرد الله عليهم في القولين و قوله وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ جحد أيضا أي لا يعلمان أحدا بل ينهيان عنه أشد النهي و أما قوله حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي ابتلاء و امتحان فَلا تَكْفُرْ فهو كقولك ما أمرت فلانا بكذا حتى قلت له إن فعلت كذا نالك كذا أي ما أمرته به بل حذرته عنه. و اعلم أن هذه الأقوال و إن كانت حسنة إلا أن القول الأول أحسن منها و ذلك لأن عطف قوله وَ ما أُنْزِلَ على ما يليه أولى من عطفه على ما بعد عنه إلا لدليل منفصل أما قوله لو نزل السحر عليهما لكان منزل ذلك السحر هو الله تعالى قلنا تعريف صفة الشيء قد يكون لأجل الترغيب في إدخاله في الوجود و قد يكون لأجل أن يقع الاحتراز عنه كما قال الشاعر. عرفت الشر لا للشر لكن لتوقيه. قوله ثانيا إن تعليم السحر كفر لقوله تعالى وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ فالجواب أنا بينا أنه واقعة حال فيكفي في صدقها صورة واحدة و هي ما إذا اشتغل بتعليم سحر من يقول بإلهية الكواكب و يكون قصده من ذلك التعليم إثبات أن ذلك المذهب حق قوله ثالثا إنه لا يجوز بعثة الأنبياء لتعليم السحر فكذا الملائكة قلنا لا نسلم أنه لا يجوز بعثة الأنبياء لتعليمه بحيث يكون الغرض من ذلك التعليم التنبيه على إبطاله قوله رابعا إنما يضاف السحر إلى الكَفَرة أو المَرَدة فكيف يضاف إلى الله ما ينهى عنه قلنا فرق بين العمل و بين التعليم فلم لا يجوز أن يكون العمل به منهيا عنه و أما تعليمه لغرض التنبيه على فساده فإنه يكون مأمورا به. و هو مروي أيضا عن الضحاك و ابن عباس ثم اختلفوا فقال الحسن كانا عِجْلَين أَقْلَفَيْنِ ببابل يعلمان الناس السحر و قيل كانا رجلين صالحين من الملوك و القراءة المشهورة بفتح اللام و هما كانا ملكين نزلا من السماء و هاروت و ماروت اسمان لهما ثم قيل هما جبرئيل و ميكائيل عليه السلام و قيل غيرهما أما الذين كسروا اللام فقد احتجوا بوجوه أحدها أنه لا يليق بالملائكة تعليم السحر. و ثانيها كيف يجوز إنزال الملكين مع قوله وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ و ثالثها لو أنزل الملكين لكان إما أن يجعلهما في صورة رجلين أو لا يجعلهما كذلك فإن جعلهما في صورة رجلين مع أنهما ليسا برجلين كان ذلك تجهيلا و تلبيسا و هو غير جائز و لو جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون كل واحد من الناس الذين نشاهدهم لا يكون في الحقيقة إنسانا بل ملكا من الملائكة و إن لم يجعلهما في صورة الرجلين قدح ذلك في قوله تعالى وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا و الجواب عن الأول أنا سنبين وجه الحكمة و إنزال الملائكة لتعليم السحر و عن الثاني أن هذه الآية عامة و قراءة الْمَلَكَيْنِ بفتح اللام متواترة و خاصة و الخاص يقدم على العام و عن الثالث أن الله تعالى ينزلهما في صورة رجلين و كان الواجب على المكلفين في زمان الأنبياء أن لا يقطعوا على من صورته صورة الإنسان بكونه إنسانا كما أن في زمان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان الواجب على من شاهد دحية الكلبي أن لا يقطع بكونه من البشر بل الواجب التوقف فيه. فقد اختلفوا في سبب نزولهما فروي عن ابن عباس أن الملائكة لما قالت أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ فأجابهم الله تعالى بقوله إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ ثم إن الله وكل عليهم جمعا من الملائكة و هم الكرام الكاتبون فكانوا يعرجون بأعمالهم الخبيثة فعجبت الملائكة منهم و من تبقية الله إياهم مع ما يظهر منهم من القبائح ثم أضافوا إليها عمل السحر فازداد تعجب الملائكة فأراد الله تعالى أن يبتلي الملائكة فقال لهم اختاروا ملكين من أعظم الملائكة علما و زهدا و ديانة لإنزالهما إلى الأرض فاختبرهما فاختاروا هاروت و ماروت و ركب فيهما شهوة الإنس و أنزلهما و نهاهما عن الشرك و القتل و الزنا و الشرب فنزلا فذهب إليهما امرأة من أحسن النساء و هي الزهرة فراوداها عن نفسها فأبت إلا بعد أن يعبدا الصنم و إلا بعد أن يشربا فامتنعا أولا ثم غلبت الشهوة عليهما فأطاعا في كل ذلك فعند إقدامهما على الشرب و عبادة الصنم دخل سائل عليهم فقالت إن أظهر هذا السائل للناس ما رأى منا فسد أمرنا فإن أردتما الوصول إلي فاقتلا هذا الرجل فامتنعا منه ثم اشتغلا بقتله فلما فرغا من القتل طلبا المرأة فلم يجداها ثم إن الملكين عند ذلك ندما و تحسرا و تضرعا إلى الله تعالى فخيرهما بين عذاب الدنيا و عذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا و هما معذبان ببابل معلقان بين السماء و الأرض يعلمان الناس السحر. ثم لهم في الزهرة قولان أحدهما أن الله تعالى لما ابتلى الملكين بشهوة بني آدم أمر الله الكوكب الذي يقال له الزهرة و فلكها حتى هبط إلى الأرض إلى أن كان ما كان فحينئذ ارتفعت الزهرة و فلكها إلى موضعها من السماء موبخين لهما على ما شاهداه منهما و القول الثاني أن المرأة كانت فاجرة من أهل الأرض و واقعاها بعد شرب الخمر و قتل النفس و عبادة الصنم ثم علماها الاسم الذي به كانا يعرجان إلى السماء فتكلمت به و عرجت إلى السماء و كان اسمها بيدخت فمسخها الله تعالى و جعلها هي الزهرة. و اعلم أن هذه الرواية فاسدة مردودة غير مقبولة لأنه ليس في كتاب الله ما يدل عليها بل فيه ما يبطلها من وجوه الأول ما تقدم من الدلائل الدالة على عصمة الملائكة عن كل المعاصي و ثانيها أن قولهم إنهما خيرا بين عذاب الدنيا و عذاب الآخرة فاسد بل كان الأولى أن يخيرا بين التوبة و العذاب لأن الله تعالى خير بينهما من أشرك به طول عمره فكيف يبخل عليهما بذلك و ثالثها أن من أعجب الأمور قولهم إنهما يعلمان الناس السحر في حال كونهما معذبين و يدعوان إليه و هما يعاقبان. و لما ظهر فساد هذا القول فنقول السبب في إنزالهما وجوه أحدها أن السحرة كثرت في ذلك الزمان و استنبطت أبوابا غريبة و كانوا يدعون النبوة و يتحدون الناس بها فبعث الله تعالى هذين الملكين لأجل أن يعلما الناس أبواب السحر حتى يتمكنوا من معارضة أولئك الذين كانوا يدعون النبوة كذبا و لا شك أن هذا من أحسن الأغراض و المقاصد. و ثانيها أن العلم بكون المعجزة مخالفا للسحر متوقف على العلم بماهية المعجزة و الناس كانوا جاهلين بماهية السحر فلا جرم تعذرت عليهم معرفة حقيقة المعجزة فبعث الله هذين الملكين لتعريف ماهية السحر لأجل هذا الغرض و ثالثها لا يمتنع أن يقال السحر الذي يوقع الفرقة بين أعداء الله و الألفة بين أولياء الله كان مباحا عندهم أو مندوبا فالله تعالى بعث الملكين لتعليم السحر لهذا الغرض ثم إن القوم تعلموا ذلك منهما و استعملوه في الشر و إيقاع الفرقة بين أولياء الله و الألفة بين أعداء الله و رابعها أن تحصيل العلم بكل شيء حسن و لما كان السحر منهيا عنه وجب أن يكون متصورا معلوما لأن الذي لا يكون متصورا امتنع النهي عنه و خامسها لعل الجن كان عندهم أنواع من السحر لم يقدر البشر على الإتيان بمثلها فبعث الله الملائكة ليعلموا البشر أمورا يقدرون بها على معارضة الجن و سادسها يجوز أن يكون ذلك تشديدا في التكليف من حيث إذا علمه ما أمكنه أن يتوصل به إلى اللذات العاجلة ثم منعه من استعمالها كان ذلك في نهاية المشقة فيستوجب به الثواب الزائد كما ابتلى قوم طالوت بالنهر على ما قال فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي فثبت بهذه الوجوه أنه لا يبعد من الله تعالى إنزال الملكين لتعليم السحر. لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له و لا يجوز كونهما رسولين لأنه ثبت أنه تعالى لا يبعث الرسول من الملائكة إلى الإنس و الله أعلم. علمان لهما و هما اسمان أعجميان بدليل منع الصرف و لو كانا من الهرت و المرت و هو الكسر كما زعم بعضهم لانصرفا و قرأ الزهري هَارُوتُ وَ مَارُوتُ بالرفع على هما هاروت و ماروت و أما قوله تعالى وَ ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فاعلم أنه تعالى شرح حالهما فقال و هذان الملكان لا يعلمان السحر إلا بعد التحذير الشديد من العمل به و هو قولهما إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ و المراد هاهنا بالفتنة المحنة التي بها يتميز المطيع عن العاصي كقولهم فتنت الذهب بالنار إذا عرض على النار ليتميز الخالص عن المشوب و قد بينا الوجوه في أنه كيف يحسن بعثة الملكين لتعليم السحر فالمراد أنهما لا يعلمان أحدا السحر و لا يصفانه لأحد و لا يكشفان له وجوه الاحتيال حتى يبذلا له النصيحة فيقولا لهإِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ أي هذا الذي نصفه لك و إن كان الغرض فيه أن يتميز السحر من المعجز و لكنه يمكنك أن تتوصل إلى المفاسد و المعاصي فإياك بعد وقوفك عليه أن تستعمله فيما نهيت عنه أو تتوصل به إلى شيء من الأغراض العاجلة.. الأول أن هذا التفريق إنما يكون بأن يعتقد أن ذلك السحر مؤثر في هذا التفريق فيصير كافرا و إذا صار كافرا بانت منه امرأته فيحصل التفريق بينهما الثاني يفرق بينهما بالتمويه و التخييل و التضريب و سائر الوجوه المذكورة. لأن الذي يتعلمون منهما ليس إلا هذا القدر لكن هذه الصورة تنبيها على سائر الصور فإن استنامة المرء إلى زوجه و ركونه إليها معروف زائد على كل مودة فنبه بذكر ذلك على أن السحر إذا ما أمكن به هذا الأمر على شدته فغيره به أولى. أما قوله وَ ما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ فإنه يدل على ما ذكرناه لأنه أطلق الضرر و لم يقصره على التفريق بين المرء و زوجه فدل ذلك على أنه تعالى إنما ذكره لأنه أعلى مراتبه أما قوله بِإِذْنِ اللَّهِ فاعلم أن الإذن حقيقة في الأمر و الله لا يأمر بالسحر و لأنه تعالى أراد عيبهم و ذمهم و لو كان قد أمرهم به لما جاز أن يذمهم عليه فلا بد من التأويل و فيه وجوه أحدها قال الحسن المراد منه التخلية يعني الساحر إذا سحر إنسانا فإن شاء الله منعه منه و إن شاء خلي بينه و بين ضرر السحر و ثانيها قال الأصم المراد إلا بعلم الله و إنما سمي الأذان أذانا لأنه إعلام الناس وقت الصلاة و سمي الأُذُن أُذُنا لأن بالحاسة القائمة بذلك يدرك الإِذْن و كذلك قوله وَ أَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ أي إعلام و قوله فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ معناه فاعلموا و قوله فَقُلْ آذَنْتُكُمْ يعني أعلمتكم و ثالثها أن الضرر الحاصل عند فعل السحر إنما يحصل بخلق الله تعالى و إيجاده و إبداعه و ما كان كذلك فإنه يصح أن يضاف إلى إذن الله تعالى كما قال إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ و رابعها أن يكون المراد بالإذن الأمر و هذا الوجه لا يليق إلا بأن يفسر التفريق بين المرء و زوجه بأن يصير كافرا و الكفر يقتضي التفريق فإن هذا حكم شرعي و ذلك لا يكون إلا بأمر الله.. لوجوه أحدها أنهم لما نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم و أقبلوا على التمسك بما تتلوا الشياطين فكأنهم قد اشتروا ذلك السحر بكتاب الله و ثانيها أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة فلما استعمل السحر فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا و ثالثها أنه لما استعمل السحر علمنا أنه إنما تحمل المشقة ليتمكن من ذلك الاستعمال فكأنه اشترى بالمحن التي تحملها قدرته على ذلك الاستعمال. قال القَفَّال يشبه أن يكون أصل الكلمة من الخلق معناه التقدير و منه خلق الأديم و منه يقال قدر الرجل كذا درهما رزقا على عمل كذا و قال الآخرون الخَلاق الخَلاص قال أُمَية بن أبي صَلْت يدعون بالويل فيها لا خلاق لهم* * * إلا سرابيل قَطران و أغلال. بقي في الآية سؤال و هو أنه كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله وَ لَقَدْ عَلِمُوا ثم نفاه عنهم في قوله لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ و الجواب من وجوه أحدها أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا فالذين علموا هم الذين علموا السحر و دعوا الناس إلى تعلمه و هم الذين قال الله في حقهم نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّهِ وَراءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ و أما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر فهم الذين لا يعلمون و هذا جواب الأخفش و قطرب و ثانيها لو سلمنا أن القوم واحد و لكنهم علموا أشياء و جهلوا أشياء أخر علموا أنه ليس لهم في الآخرة خلاق و لكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة و ما حصل لهم من مضارها و عقوباتها و ثالثها لو سلمنا أن القوم واحد و المعلوم واحد و لكنهم لم ينتفعوا بعلمهم بل أعرضوا عنه فصار ذلك العلم كالعدم كما سمى الله تعالى الكفار صما و بكما و عميا إذ لم ينتفعوا بهذه الحواس و يقال للرجل في شيء يفعله لكنه لا يضعه موضعه صنعت و لم تصنع انتهى. و إنما أوردت أكثر كلامهم في هذا المقام مع طوله و اشتماله على الزوائد الكثيرة لمناسبته لما سيأتي في بعض الأبواب الآتية و لتطلع على مذاهبهم الواهية في تلك الأبواب و سأل شيخنا البهائي رحمه الله بعض أخلائه عن قول البيضاوي في تفسير هذه الآية حيث قال و ما روي من أنهما مثلا بشرين و ركبت فيهما الشهوة فتعرضا لامرأة يقال لها الزهرة فحملتهما على المعاصي و الشرك ثم صعدت السماء بما تعلمت منهما فمحكي عن اليهود و لعله من رموز الأوائل و حله لا يخفى على ذوي البصائر بينوا حتى نصير من ذوي البصائر فأجاب الشيخ رحمه الله بعد أن أورد هذه القصة نحوا مما رواه الرازي في هذه القصة هي ما رواه قدماء المفسرين من العامة عن ابن عباس و لم يرتض بهذه الرواية متأخروهم و أطنب الفخر الرازي و غيره في تزييفها و قال إنها فاسدة مردودة غير مقبولة لوجوه ثلاثة إلى آخر ما نقلناه من الوجوه في عرض كلامه ثم قال و في كل من هذه الوجوه نظر أما الأول فلأنه لم يثبت بقاؤهما على العصمة بعد أن مثلهما الله سبحانه بصورة البشر و ركب فيهما قوتي الشهوة و الغضب و جعلهما كسائر بني آدم كما يظهر من القصة و أما الثاني فلأن التخيير بين التوبة و العذاب و إن كان هو الأصلح بحالهما لكن فعل الأصلح مطلقا غير واجب عليه سبحانه على مذهب هذا المفسر بل فعل الأصلح الذي من هذا القبيل غير واجب عندنا أيضا فإنا لا نوجب عليه سبحانه كل ما هو أصلح بحال العبد كما ظنه مخالفونا و شنعوا علينا بما شنعوا بل إنما نوجب عليه سبحانه كل أصلح لو لم يفعله كان مناقضا لغرضه كما ذكرته في الحواشي التي علقتها على تفسير البيضاوي و لعله سبحانه لم يلهمهما التوبة و أغفلهما عنها لمصلحة لا يعلمها إلا هو فلا بخل منه سبحانه على هذا التقدير. و أما الثالث فلأن التعليم حال التعذيب غير ممتنع و ظني أن تزييف الفخر الرازي لهذه الرواية هو الباعث على عدول البيضاوي عن حمل هذه القصة على ظاهرها و تنزيلها على محض الرمز و الذي سمعته من والدي رحمه الله في حله أنه إشارة إلى أن شخص العالم العامل الكامل المقرب من حظائر القدس قد يوكل إلى نفسه الغرارة و لا يلحقه التوفيق و العناية فينبذ علمه وراء ظهره و يقبل على مشتهيات نفسه الخبيثة الخسيسة و يطوي كشحه عن اللذات الحقيقية و المراتب العلية فينحط إلى أسفل سافلين و الشخص الناقص الجاهل المنغمس في الأوزار قد يختلط بذلك الشخص العالم قاصدا بذلك الفساد و الفحشاء فيدركه بذلك التوفيق الإلهي فيستفيد من ذلك العلم ما يضرب بسببه صفحا عن أدناس دار الغرور و أرجاس عالم الزور و يرتفع ببركة ما يعلمه عن حضيض الجهل و الخسران إلى أوج العزة و العرفان فيصير به المتعلم في أرفع درج العلاء و المعلم في أسفل درك الشقاء و رأيت في بعض التفاسير أن المراد بالملكين المذكورين الروح و القلب فإنهما من العالم الروحاني اهبطا إلى العالم الجسماني لإقامة الحق فافتتنا بزهرة الحياة الدنيا و وقعا في شبكة الشهوة فشربا خمر الغفلة و زنيا ببغي الدنيا و عبدا صنم الهوى و قتلا نفسهما بحرمانهما من النعيم الباقي فاستحقا أليم النكال و قطيع العذاب هذا و هذه القصة كما رواها علماء العامة عن ابن عباس فقد رواها علماؤنا رضوان الله عليهم عن الإمام أبي جعفر الباقر عليه السلام و ذكرها الشيخ الجليل أبو علي الطبرسي في مجمع البيان لكن بين ما رواه العامة و ما رواه أصحابنا اختلاف يسير فإن الرواية التي رواها أصحابنا ليس فيها أنهما يعلمان الناس السحر في وقت تعذيبهما بل هي صريحة في أن التعليم كان قبل التعذيب و كذلك ليس فيها أن تلك المرأة تعلمت منهما الاسم الأعظم و صعدت ببركته إلى السماء و الحاصل أن هذه القصة مروية من طرقنا و من طرق العامة معا و ليس من جملة الحكايات الغير المسندة كما يظهر من كلام الفاضل الدواني في شرح العقائد العضدية حيث قال إن هذه القصة ليست في كتاب الله و لا في سنة رسول الله ما يدل على صدقها ثم إنه استدل على أنه من جملة الأكاذيب بأن تمكن تلك المرأة من الصعود إلى السماء بما تعلمته من الملكين أعني الاسم الأعظم و عدم تمكنهما من ذلك مع علمهما به غير معقول و لا يخفى أن دليله هذا إنما يتم لو ثبت أنه جل اسمه لم ينسهما الاسم الأعظم بعد اقترافهما تلك الكبائر العظيمة و استحقاقهما الطرد و الخذلان و دون ثبوته خرط القتاد انتهى كلامه رحمه الله. لَنْ يَسْتَنْكِفَ أي لم يأنف و لم يمتنع الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ أي من أن يكون عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ أي و لا هم يستكبرون من الإقرار بعبودية الله سبحانه قال الطبرسي رحمه الله استدل بهذه الآية من قال إن الملائكة أفضل من الأنبياء قالوا إن تأخير ذكر الملائكة في مثل هذا الخطاب يقتضي تفضيلهم لأن العادة لم تجر بأن يقال لن يستنكف الأمير أن يفعل كذا و لا الحارس بل يقدم الأدون و يؤخر الأعظم فيقال لن يستنكف الوزير أن يفعل كذا و لا السلطان و أجاب أصحابنا عن ذلك بأن قالوا إنما أخر ذكر الملائكة لأن جميع الملائكة أفضل و أكثر ثوابا من المسيح و هذا لا يقتضي أن يكون كل واحد منهم أفضل منه و إنما الخلاف في ذلك و أيضا فإنا و إن ذهبنا إلى أن الأنبياء أفضل من الملائكة فإنا نقول مع قولنا بالتفاوت إنه لا تفاوت كثيرا في الفضل بينهما و مع التقارب و التداني يحسن أن يقدم ذكر الأفضل أ لا ترى أنه يحسن أن يقال ما يستنكف الأمير فلان و لا الأمير فلان إذا كانا متساويين في المنزلة أو متقاربين و قال البيضاوي لعله أراد بالعطف المبالغة باعتبار التكثير لا باعتبار التكبير كقولك أصبح الأمير لا يخالفه رئيس و لا مرءوس. إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ أي مطلق الملائكة أو المقربين منهم وَ لَهُ يَسْجُدُونَ أي يخضعون بالعبادة أو التذلل و لا يشركون به غيره. وَ لِلَّهِ يَسْجُدُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ قال البيضاوي أي ينقاد انقيادا يعم الانقياد لإرادته و تأثيره طبعا و الانقياد لتكليفه و أمره طوعا ليصح إسناده إلى عامة أهل السماوات و الأرض و قوله مِنْ دابَّةٍ بيان لهما لأن الدبيب هو الحركة الجسمانية سواء كان في أرض أو سماء و الملائكة عطف على المبين به عطف جبرئيل على الملائكة للتعظيم أو عطف المجردات على الجسمانيات و به احتج من قال إن الملائكة أرواح مجردة أو بيان لما في الأرض و الملائكة تكرير لما في السماوات و تعيين له إجلالا و تعظيما و المراد بهما ملائكتهما من الحفظة و غيرهم و ما لما استعمل للعقلاء كما استعمل لغيرهم كان استعماله حيث اجتمع القبيلان أولى من إطلاق من تغليبا للعقلاء وَ هُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ عن عبادته يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ يخافون أن يرسل عذابا من فوقهم أو يخافونه و هو فوقهم بالقهر و قوله وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ و الجملة حال من الضمير في لا يَسْتَكْبِرُونَ أو بيان له و تقرير لأن من خاف الله لم يستكبر عن عبادته وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ من الطاعة و التدبير و فيه دليل على أن الملائكة مكلفون مدارون بين الخوف و الرجاء و قال في قولهوَ ما نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ حكاية قول جبرئيل حين استبطأه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما سئل عن أصحاب الكهف و ذي القرنين و الروح و لم يدر ما يجيب و رجا أن يوحى إليه فيه فأبطأ عليه خمسة عشر يوما و قيل أربعين حتى قال المشركون ودعه ربه و قلاه ثم نزل تبيان ذلك و التنزل النزول على مهل لأنه مطاوع نزل و قد يطلق بمعنى النزول مطلقا كما يطلق نزل بمعنى أنزل و المعنى و ما ننزل وقتا غب وقت إلا بأمر الله تعالى على ما تقتضيه حكمته لَهُ ما بَيْنَ أَيْدِينا وَ ما خَلْفَنا وَ ما بَيْنَ ذلِكَ و هو ما نحن فيه من الأماكن و الأحايين لا تنتقل من مكان إلى مكان أو لا تنزل في زمان دون زمان إلا بأمره و مشيته وَ ما كانَ رَبُّكَ نَسِيًّا أي تاركا لك أي ما كان عدم النزول إلا لعدم الأمر به و لم يكن ذلك عن ترك الله لك و توديعه إياك كما زعمت الكفرة و إنما كان لحكمة رآها فيه وَ لا يَسْتَحْسِرُونَ أي لا يعبئون منها لا يَفْتُرُونَ حال من الواو في يسبحون. وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً نزلت في خزاعة حيث قالوا الملائكة بنات الله سُبْحانَهُ تنزيه له عن ذلك بَلْ عِبادٌ أي بل هم عباد من حيث هم مخلوقون و ليسوا بأولاد مُكْرَمُونَ مقربون لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ لا يقولون شيئا حتى يقوله كما هو ديدن العبيد المقربين وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ و لا يعملون قط ما لم يأمرهم به يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ لا تخفى عليه خافية مما قدموا و أخروا أو هو كالعلة لما قبله و التمهيد لما بعده فإنه لإحاطتهم بذلك يضبطون أنفسهم و يراقبون أحوالهم وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ من عظمته و مهابته مُشْفِقُونَ مرتعدون و أصل الخشية خوف مع تعظيم و لذلك خص بها العلماء و الإشفاق خوف مع اعتناء فإن عدي بمن فمعنى الخوف فيه أظهر و إن عدي بعلى فبالعكس. وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ أي من الملائكة أو من الخلائق كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ أي من ظلم بالإشراك و ادعاء الربوبية و على تقدير إرجاع الضمير إلى الملائكة لا ينافي عصمتهم فإن الفرض لا ينافي امتناع الوقوع كقوله تعالى لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ عَلَيْها أي على النار مَلائِكَةٌ يلي أمرها و هم الزبانية غِلاظٌ شِدادٌ غلاظ الأقوال شداد الأفعال أو غلاظ الخلق شداد الخلق أقوياء على الأفعال الشديدة لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ فيما مضى وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ فيما يستقبل أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر و التزامها و يؤدون ما يؤمرون به قال الطبرسي رحمه الله في هذا دلالة على أن الملائكة الموكلين بالنار معصومون عن القبائح لا يخالفون الله في أوامره و نواهيه و قال الجبائي إنما عنى أنهم لا يعصونه و يفعلون ما يأمرهم به في دار الدنيا لأن الآخرة ليست بدار تكليف و إنما هي دار جزاء المؤمنين و إنما أمرهم الله تعالى بتعذيب أهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم و لذاتهم في تعذيب أهل النار كما جعل سرورهم و لذاتهم في الجنة انتهى. و أقول كون الآخرة دار جزاء الملائكة غير معلوم و إنما المعلوم أنها دار جزاء الإنس فلا ينافي كون الملائكة مكلفين فيها بل يمكن أن يكون جزاؤهم مقارنا لأفعالهم من حصول اللذات الحقيقية و رفع الدرجات الصورية و المعنوية بل أصل خدماتهم و جزاؤهم كما ورد أن طعامهم التسبيح و شرابهم التقديس و قال الشيخ المفيد رحمه الله في كتاب المقالات أقول إن الملائكة مكلفون و موعودون و متوعدون قال الله تبارك و تعالى وَ مَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ و أقول إنهم معصومون مما يوجب لهم العقاب بالنار و على هذا القول جمهور الإمامية و سائر المعتزلة و أكثر المرجئة و جماعة من أصحاب الحديث و قد أنكر قوم من الإمامية أن تكون الملائكة مكلفين و زعموا أنهم إلى الأعمال مضطرون و وافقهم على ذلك جماعة من أصحاب الحديث.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٦ - الصفحة ٢٦٧. — غير محدد
بحار الأنوار - ج ٦٣ - الصفحة ٢٢٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وَ مِنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ
دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْعَبَّاسِ وَ قَدْ أَخَذَ الْقَوْمُ الْمَجْلِسَ فَمَدَّ يَدَهُ إِلَيَّ وَ السُّفْرَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ مَوْضُوعَةٌ فَأَخَذَ بِيَدِي فَذَهَبْتُ لِأَخْطُوَ إِلَيْهِ فَوَقَعَتْ رِجْلِي عَلَى طَرَفِ السُّفْرَةِ فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَدْخُلَنِي إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ- فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ فَقَدْ وَكَّلْنا بِها قَوْماً لَيْسُوا بِها بِكافِرِينَ قَوْماً وَ اللَّهِ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ كَثِيراً. بيان يظهر من الخبر أن الضمير في قوله بها راجع إلى النعمة و المراد بالكفر ترك الشكر و الاستخفاف بالنعمة و يأبى عنهما ظاهر سياق الآية حيث قال أُولئِكَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ وَ الْحُكْمَ وَ النُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِها الآية و قال الطبرسي فإن يكفر بها أي بالكتاب و النبوة و الحكم هؤُلاءِ يعني الكفار الذين جحدوا نبوة النبي ص في ذلك الوقت فَقَدْ وَكَّلْنا بِها أي بمراعاة أمر النبوة و تعظيمها و الأخذ بهدى الأنبياء و اختلف في القوم فقيل هم الأنبياء الذين جرى ذكرهم آمنوا به ص قبل مبعثه و قيل الملائكة و قيل من آمن به من أصحابه و قيل هؤلاء كفار قريش و القوم أهل المدينة انتهى. و قد ورد في الأخبار أنهم العجم و الموالي فاستشهاده عليه السلام يمكن أن يكون على سبيل التنظير و أن كفران النعمة المعنوية كما أنه سبب لزوالها فكذا كفران النعم الظاهرة يصير سببا له أو يكون المراد بالآية أعم منهما و يحتمل أن يكون في مصحفهم عليه السلام متصلا بآيات مناسبة لذلك. قوله عليه السلام قوما هو بيان لقوما المذكور في الآية أو لهؤلاء أي مع هذه الصفات صاروا مستحقين للإبدال بسبب كفران النعمة و الأول أظهر.
بحار الأنوار - ج ٦٣ - الصفحة ٤٠٩. — الإمام الصادق عليه السلام
إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حَيْثُ خَلَقَ الْخَلْقَ خَلَقَ مَاءً عَذْباً وَ مَاءً مَالِحاً أُجَاجاً فَامْتَزَجَ الْمَاءَانِ فَأَخَذَ طِيناً مِنْ أَدِيمِ الْأَرْضِ فَعَرَكَهُ عَرْكاً شَدِيداً فَقَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ وَ هُمْ كَالذَّرِّ يَدِبُّونَ إِلَى الْجَنَّةِ بِسَلَامٍ وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ إِلَى النَّارِ وَ لَا أُبَالِي ثُمَّ قَالَ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ ثُمَّ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى النَّبِيِّينَ فَقَالَ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ وَ أَنَّ هَذَا مُحَمَّدٌ رَسُولِي وَ أَنَّ هَذَا عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ قَالُوا بَلَى فَثَبَتَتْ لَهُمُ النُّبُوَّةُ وَ أَخَذَ الْمِيثَاقَ عَلَى أُولِي الْعَزْمِ أَنَّنِي رَبُّكُمْ وَ مُحَمَّدٌ رَسُولِي وَ عَلِيٌّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَوْصِيَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ وُلَاةُ أَمْرِي وَ خُزَّانُ عِلْمِي وَ أَنَّ الْمَهْدِيَّ أَنْتَصِرُ بِهِ لِدِينِي وَ أُظْهِرُ بِهِ دَوْلَتِي وَ أَنْتَقِمُ بِهِ مِنْ أَعْدَائِي وَ أُعْبَدُ بِهِ طَوْعاً وَ كَرْهاً قَالُوا أَقْرَرْنَا يَا رَبِّ وَ شَهِدْنَا وَ لَمْ يَجْحَدْ آدَمُ وَ لَمْ يُقِرَّ فَثَبَتَتِ الْعَزِيمَةُ لِهَؤُلَاءِ الْخَمْسَةِ فِي الْمَهْدِيِّ وَ لَمْ يَكُنْ لِآدَمَ عَزْمٌ عَلَى الْإِقْرَارِ بِهِ وَ هُوَ قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ لَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً قَالَ إِنَّمَا هُوَ فَتَرَكَ ثُمَّ أَمَرَ نَاراً فَأُجِّجَتْ فَقَالَ لِأَصْحَابِ الشِّمَالِ ادْخُلُوهَا فَهَابُوهَا وَ قَالَ لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ ادْخُلُوهَا فَدَخَلُوهَا فَكَانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَ سَلَاماً فَقَالَ أَصْحَابُ الشِّمَالِ يَا رَبِّ أَقِلْنَا فَقَالَ قَدْ أَقَلْتُكُمْ اذْهَبُوا فَادْخُلُوهَا فَهَابُوهَا فَثَمَّ ثَبَتَتِ الطَّاعَةُ وَ الْوَلَايَةُ وَ الْمَعْصِيَةُ. توضيح قوله عليه السلام فأخذ طينا أي مزجه بالماءين ليحصل فيه استعداد الخير و الشر إلى الجنة أي امضوا إليها سالمين من العذاب و النكال أو إلى ما يوجب الجنة سالمين من شبه الشياطين و وساوسهم. أن تقولوا كذا في أكثر النسخ بصيغة الخطاب كما في القراءات المشهورة فيكون ذكر تتمة الآية استطرادا و الأصوب هنا أن يقولوا بصيغة الغيبة موافقا لقراءة أبي عمرو في الآية قوله عليه السلام ثم أخذ لعل كلمة ثم هنا للتراخي الرتبي لا الزماني لما بين الميثاقين من التفاوت و إلا فالظاهر تقدم أخذ الميثاق من النبيين على غيرهم كما أن ميثاق أولي العزم مقدم على غيرهم أيضا و أريد بأولي العزم نوح و إبراهيم و موسى و عيسى و محمد (صلوات الله عليهم) و لا ينافي دخول الإقرار بنبوة نبينا ص فيما عهد إليهم دخوله في المعهود إليهم. قيل و لما كانوا معهودين معلومين جاز أن يشار إليهم بهؤلاء الخمسة مع عدم ذكرهم مفصلا و إنما زاد في أخذ الميثاق على من زاد في رتبته و شرفه لأن التكليف إنما يكون بقدر الفهم و الاستعداد فكلما زاد زاد و أنما يعرف مراتب الوجود من له حظ منها و بقدر حظه منها و أما آدم فلما لم يعزم على الإقرار بالمهدي لم يعد من أولي العزم و إنما عزم على الإقرار بغيره من الأوصياء. إنما هو فترك يعني معنى فنسي هنا ليس إلا فترك و لعل السر في عدم عزمه عليه السلام على الإقرار بالمهدي استبعاده أن يكون لهذا النوع الإنساني اتفاق على أمر واحد انتهى. و أقول الظاهر أن المراد بعدم العزم عدم الاهتمام به و بتذكره أو عدم التصديق اللساني حيث لم يكن شيء من ذلك واجبا لا عدم التصديق به مطلقا فإنه لا يناسب منصب النبوة بل و لا ما هو أدون منه و قوله إنما هو فترك أي معنى النسيان هنا الترك لأن النسيان غير مجوز على الأنبياء عليهم السلام أو كان في قراءتهم عليه السلام فترك مكان فنسي أو المعنى أن العزم إنما هو ما ذكر أي العزم على الإقرار المذكور فترك آدم عليه السلام أو كان المطلوب الإقرار التام و لم يأت به أو عزم أولا ثم ترك و الأول كأنه أظهر. و في القاموس الأجيج تلهب النار كالتأجج و أججتها تأجيجا فتأججت.
بحار الأنوار - ج ٦٤ - الصفحة ١١٣. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّداً بِالنُّبُوَّةِ وَ اصْطَفَاهُ بِالرِّسَالَةِ فَأَنَالَ فِي النَّاسِ وَ أَنَالَ وَ عِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ مَفَاتِيحُ الْعِلْمِ وَ أَبْوَابُ الحِكْمَةِ وَ ضِيَاءُ الْأَمْرِ وَ فَصْلُ الْخِطَابِ وَ مَنْ يُحِبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ وَ يُتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمَلُهُ وَ مَنْ لَا يُحِبُّنَا أَهْلَ الْبَيْتِ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ وَ لَا يُتَقَبَّلُ مِنْهُ عَمَلُهُ وَ إِنْ أَدْأَبَ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ لَمْ يَزَلْ. بيان فأنال في الناس و أنال أي أعطى الناس و نشر فيهم العلوم الكثيرة فمنهم من غير و منهم من نسي و منهم من لم يفهم المراد فأخطأ فنصب أوصياءه المعصومين عن الخطاء و الزلل ليميزوا بين الحق و الباطل و جعل عندهم مفاتيح العلم و أبواب الحكمة و ضياء الأمر و وضوحه و الخطاب الفاصل بين الحق و الباطل فيجب الرجوع إليهم فيما اختلفوا و قد مرت الأخبار الكثيرة في ذلك في كتاب العلم و في القاموس دأب في عمله كمنع دأبا و يحرك و دءوبا بالضم جد و تعب و أدأبه.
بحار الأنوار - ج ٦٥ - الصفحة ٩٥. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
فَقُلْتُ يَا غُلَامُ مَا تَرَى مَا يَصْنَعُ أَبُوكَ يَأْمُرُنَا بِالشَّيْءِ ثُمَّ يَنْهَانَا عَنْهُ أَمَرَنَا أَنْ نَتَوَلَّى أَبَا الْخَطَّابِ ثُمَّ أَمَرَنَا أَنْ نَلْعَنَهُ وَ نَتَبَرَّأَ مِنْهُ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام وَ هُوَ غُلَامٌ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقاً لِلْإِيمَانِ لَا زَوَالَ لَهُ وَ خَلَقَ خَلْقاً لِلْكُفْرِ لَا زَوَالَ لَهُ وَ خَلَقَ خَلْقاً بَيْنَ ذَلِكَ أَعَارَهُمُ الْإِيمَانَ يُسَمَّوْنَ الْمُعَارِينَ إِذَا شَاءَ سَلَبَهُمْ وَ كَانَ أَبُو الْخَطَّابِ مِمَّنْ أُعِيرَ الْإِيمَانَ قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ عليه السلام وَ مَا قَالَ لِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّهُ نَبْعَةُ نُبُوَّةٍ. بيان: في المصباح البهمة ولد الضأن يطلق على الذكر و الأنثى و الجمع بهم مثل تمرة و تمر و جمع البهم بهام مثل سهم و سهام و تطلق البهام على أولاد الضأن و المعز إذا اجتمعت تغليبا فإذا انفردت قيل لأولاد الضأن بهام و لأولاد المعز سخال و قال ابن فارس البهم صغار الغنم و قال أبو زيد يقال لأولاد الغنم ساعة تضعها الضأن و المعز ذكرا كان الولد أو أنثى سخلة ثم هي بهمة و الجمع بهم و قال الغلام الابن الصغير و أبو الخطاب هو محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي و كان في أول الحال ظاهرا من أجلاء أصحاب الصادق عليه السلام ثم ارتد و ابتدع مذاهب باطلة و لعنه الصادق عليه السلام و تبرأ منه و روى الكشي روايات كثيرة تدل على كفره و لعنه و اختلف الأصحاب فيما رواه في حال استقامته و الأكثر على جواز العمل بها و كأنه متفرع على المسألة السابقة فمن ادعى جواز تحقق الإيمان و زواله يجوز العمل بروايته لأنه حينئذ كان مؤمنا و من زعم أنه كاشف من عدم كونه مؤمنا لا يجوز العمل بها. إنه نبعة نبوة أي علمه من ينبوع النبوة أو هو غصن من شجرة النبوة و الرسالة في القاموس نبع الماء ينبع مثلثة نبعا و نبوعا خرج من العين و النبع شجر للقسي و للسهام ينبت في قلة الجبل..
بحار الأنوار - ج ٦٦ - الصفحة ٢١٩. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)