(صلوات الله عليه) إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَرِضَ لَيَالِيَ وَ أَيَّاماً يُنَادَى بِالصَّلَاةِ فنقول [فَيَقُولُ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم نَظَرْتُ فَإِذَا الصَّلَاةُ عَلَمُ الْإِسْلَامِ وَ قِوَامُ الدِّينِ فَرَضِينَا لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لِدِينِنَا فَبَايَعْنَا أَبَا بَكْرٍ. فهذه ما وقفت عليه من أخبارهم في هذا الباب بعد التصفح و لنوضح بعض ألفاظها قال في النهاية رجل أسيف أي سريع البكاء و الحزن و قيل هو الرقيق و قال المخضب بالكسر شبه المركن و هي إجانة يغسل فيها الثياب و قال ناء ينوء نوءا نهض قوله أن نفتتن أي نقطع الصلاة مفتونين برؤيته و السجف بالفتح و الكسر الستر و في النهاية في حديث مرض النبي فاستعز برسول الله أي اشتد به المرض و أشرف على الموت يقال عز يعز بالفتح إذا اشتد به المرض و غيره و استعز عليه إذا اشتد عليه و غلبه ثم يبنى الفعل للمفعول به الذي هو الجار و المجرور و قال في حديث عمر إنه كان مجهرا أي صاحب جهر و رفع لصوته يقال جهر بالقول إذا رفع به صوته فهو جهر و أجهر فهو مجهر إذا عرف بشدة الصوت و قال الجوهري رجل مجهر بكسر الميم إذا كان من عادته أن يجهر بكلامه أقول فإذ قد تبينت لك تلك الأخبار فلنشرع في الكلام عليها و إبطال التمسك بها فنقول. أما الجواب عنها على وجه الإجمال فهو أنها أخبار آحاد لم تبلغ حد التواتر و قد وردت من جانب الخصوم و تعارضها رواياتنا الواردة عن أهل البيت عليهم السلام و قد تقدم بعضها فلا تعويل عليها. و أما على التفصيل فإن أكثر الروايات المذكورة تنتهي إلى عائشة و هي امرأة لم تثبت لها العصمة بالاتفاق و توثيقها محل الخلاف بيننا و بين المخالفين و سيأتي في أخبارنا من ذمها و القدح فيها و أنها كانت ممن يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما فيه كفاية للمستبصر و مع ذلك يقدح في رواياتها تلك بخصوصها أن فيها التهمة من وجهين. أحدهما بغضها لأمير المؤمنين عليه السلام كما ستطلع عليه من الأخبار الواردة في ذلك من طرق أصحابنا و المخالفين. - و ذكر السيد الأجل رضي الله عنه في الشافي أن محمد بن إسحاق روى أن عائشة لما وصلت إلى المدينة راجعة من البصرة لم تزل تحرض الناس على أمير المؤمنين عليه السلام و كتبت إلى معاوية و أهل الشام مع الأسود بن أبي البختري تحرضهم عليه. - قال و روي عن مسروق أنه قال دخلت على عائشة فجلست إليها فحدثتني و استدعت غلاما لها أسود يقال له عبد الرحمن فجاء حتى وقف فقالت يا مسروق أ تدري لم سميته عبد الرحمن فقلت لا قالت حبا مني لعبد الرحمن بن ملجم. و في رواية عبيد الله بن عبد الله التي ذكرناها في هذا المقام دلالة واضحة لأولي البصائر على بغضها حيث سمت أحد الرجلين اللذين خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معتمدا عليهما و تركت تسمية الآخر و ليس ذلك إلا إخفاء لقربه هذا من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم و فضله و قد أشعر سؤال ابن عباس بذلك فلا تغفل. و بالجملة بغضها لأمير المؤمنين عليه السلام أولا و آخرا هو أشهر من كفر إبليس فلا يؤمن عليها التدليس و كفى حجة قاطعة عليه قتالها و خروجها عليه كما أنه كاف في الدلالة على كفرها و نفاقها المانعين من قبول روايتها مطلقا و سيأتي في أبواب فضائل أمير المؤمنين عليه السلام من الأخبار العامية و غيرها الدالة على كفر مبغضه عليه السلام ما فيه كفاية و لو قبلنا من المخالفين دعواهم الباطل في توبتها و رجوعها فمن أين لهم إثبات ورود تلك الأخبار بعدها فبطل التمسك بها. و ثانيهما جر النفع في الروايات المذكورة للفخر بخلافة أبيها إذ أمر الصلاة كما ستطلع عليه إن شاء الله تعالى كان عمدة أسباب انعقاد الخلافة لأبيها كما رووه في أخبارهم و أيضا في أسانيد تلك الروايات جماعة من النواصب المبغضين المنحرفين عن أمير المؤمنين عليه السلام و في بعضها مكحول و - قد روي في كتاب الإختصاص عن سعيد بن عبد العزيز قال كان الغالب على مكحول عداوة علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) و كان إذا ذكر عليا عليه السلام لا يسميه و يقول أبو زينب. و بعد التنزل عن هذا المقام نقول رواياتها تشتمل على أنواع من الاختلاف فكثير منها تدل على أنه لما جاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جلس إلى جنب أبي بكر و بعضها يدل على أنه كان بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا و أبو بكر يصلي بالناس و الناس خلف أبي بكر و بعضها يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان في الصف و لعل عائشة في بعض المواطن استحيت في حضور طائفة من العارفين بصورة الواقعة فقربت كلامها إلى ما رواه أصحابنا من أنه صلى الله عليه وآله وسلم تقدمه في الصلاة و عزله عن الإمامة و في الجهلة البالغين غايته قالت كان في صف هذا هو الصحيح في وجه الجمع بين تلك الأخبار. و من جملة وجوه اختلافها أن كثيرا منها يدل على أن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر و في بعض تصريح بأنهم كانوا يأتمون بأبي بكر و في بعضها أنه يسمعهم التكبير و تفطن لذلك شارح المواقف ففسر بعد ما ذكر رواية البخاري عن عروة عن أبيه عن عائشة المشتملة على أن الناس كانوا يصلون بصلاة أبي بكر قال أي بتكبيره و الصحيح في وجه الجمع هو ما ذكرنا. و من جملتها أن في بعض الأخبار أن أبا بكر أراد أن يتأخر فأشار إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا يتأخر و يبعد من ديانة أبي بكر أن يخالف أمره و في بعضها تصريح بأنه تأخر و قعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى جنبه. و من جملتها أن أكثرها صريحة في اقتداء أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم و في رواية الترمذي التي ذكرها في جامع الأصول في فروع الاقتداء تصريح بأنه صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الذي مات فيه صلى قاعدا خلف أبي بكر و هذا غير ما ذكرنا من اختلافها في جلوسه صلى الله عليه وآله وسلم و في اقتداء الناس به فلا تغفل. و من جملتها أن بعضها يدل على أن قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إنكن صواحب يوسف كان لمعاودتها القول بأن أبا بكر رجل أسيف لا يقدر على القراءة و لا يملك نفسه من البكاء و في بعضها أن ذلك كان لبعث حفصة إلى عمر أن يصلي بالناس و أنها قالت لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرا و ليت شعري إذا كان أبو بكر لا يملك نفسه من البكاء و لا يستطيع القراءة لقيامه مقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حياته و لا ريب أن حزنه و بكاءه كان لاحتمال أن يكون ذلك مرض موته عليه السلام فكيف ملك نفسه في السعي إلى السقيفة لعقدة البيعة و لم يمنعه الحزن و الأسف عن الحيل و التدابير في جلب الخلافة إلى نفسه و عن القيام مقامه صلى الله عليه وآله وسلم في الرئاسة العامة مع أن جسده الطاهر المطهر كان بين أظهرهم لم ينقل إلى مضجعه. فهذه وجوه التخالف في أخبار عائشة مع قطع النظر عن مخالفتها لما رواه غيرها. و أما روايات أنس فأول ما فيها أن أنسا من الثلاثة الكذابين كما سبق في كتاب أحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم و سيأتي و هو الذي دعا عليه أمير المؤمنين عليه السلام لما أنكر حديث الغدير فابتلاه الله بالبرص و بعد قطع النظر عن حاله و حال من روى عنه. فمن رواياته ما صرحت بأن رسول الله لم يخرج إلى الصلاة في مرض موته لأنه قال لم يخرج رسول الله ثلاثا و أبو بكر يصلي بالناس و أقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم فرفع رسول الله الحجاب فأومأ إلى أبي بكر أن يتقدم و أرخى الحجاب فلم نقدر عليه حتى مات و سوق الكلام في بعض رواياته الأخر أيضا يدل على ذلك و هي مخالفة لروايات عائشة و هو ظاهر و لروايته المذكورة أولا الدالة على أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى خلف أبي بكر في مرضه و أنها كانت آخِر صلاة صلاها و لعل السر في وضع أنس تلك الأخبار الدالة على أنه عليه السلام لم يخرج إلى الصلاة أنه أراد إبطال ما كانت الشيعة يتمسكون به من أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما سمع صوته خرج إلى الصلاة و أخره عن المحراب فتفطن. و من وجوه تخالفها أنه قوله فذهب أبو بكر يتقدم و قوله فأومأ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم صريح في أن رفع الحجاب و الإيماء كان قبل الصلاة و قبل أن يتقدم أبو بكر و قوله في الرواية الأخرى بينما هم في صلاة الفجر و أبو بكر يصلي بهم و قوله في الرواية الأخرى و هَمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم و قوله أن أتموا صلاتكم يدل على أنه كان بعد اشتغالهم بالصلاة و التأويلات البعيدة ظاهرة البطلان. و أما رواية عبد الله بن زمعة فكونه من رجال أهل الخلاف واضح و ذكره ابن الأثير و غيره في كتبهم و لم يذكروا له توثيقا و لا مدحا قالوا عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي عداده في المدنيين روى عنه عروة بن الزبير و أبو بكر بن عبد الرحمن و روايته تخالف رواية عبيد الله بن عبد الله لدلالتها على أنه لما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مروا أبا بكر يصلي بالناس و جاء الرسول كان أبو بكر غائبا فقام عمر فصلى بالناس تلك الصلاة و لما سمع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم صوت عمر قال يأبى الله ذلك و المسلمون و كرر ذلك القول و بعث إلى أبي بكر فجاء بعد ما صلى عمر و دلالة رواية عبيد الله على أنه لما أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر بالصلاة فجاء الرسول خاطب أبا بكر فقال أبو بكر يا عمر صل بالناس فقال عمر أنت أحق بذلك فدلت على أن أبا بكر كان حاضرا حينئذ. و من القرائن على وضع هذه الرواية هذا التكرير المذكور و تكرير لفظة لا ثلاثا و لقد تنبه لذلك صاحب الإستيعاب فحذف هذه التكريرات لئلا يظن الكذب بهذا الراوي تعصبا و ترويجا للباطل بقدر الإمكان و الرواية على ما ذكره في الإستيعاب في ترجمة أبي بكر توافق ما رواه أصحابنا من أنه لم يأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر على الخصوص بالصلاة بل قال مروا من يصلي بالناس و أنا أذكرها بلفظها ليتضح هذا المعنى. - قَالَ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ هُوَ عَلِيلٌ فَدَعَاهُ بِلَالٌ إِلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ لَنَا مُرُوا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَالَ فَخَرَجْتُ فَإِذَا عُمَرُ فِي النَّاسِ وَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ غَائِباً فَقُلْتُ قُمْ يَا عُمَرُ فَصَلِّ بِالنَّاسِ فَقَامَ عُمَرُ فَلَمَّا كَبَّرَ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم صَوْتَهُ وَ كَانَ مِجْهَراً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ يَأْبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَ الْمُسْلِمُونَ فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ طُولَ عِلَّتِهِ حَتَّى مَاتَ صلى الله عليه وآله وسلم.. ثم إن هاهنا نكتة لا ينبغي الغفلة عنها و هي أنه إذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أولا على وجه العموم الشامل لكل بر و فاجر أن يصلي بالناس أحد ثم سمع صوت عمر و قال يأبى الله ذلك و المسلمون مرة واحدة على ما في هذه الرواية أو كرر هذا القول أو قال لا لا لا ثلاثا و قال ليصل بالناس ابن أبي قحافة مغضبا و قد كان رضي بصلاة عبد الرحمن بن عوف بالناس بل صلى بنفسه خلفه على ما أطبقت عليه رواياتهم و كان إمامة الصلاة دليلا على استحقاق الخلافة كما سيجيء في رواياتهم إن شاء الله تعالى من أنه باحتجاج عمر بأمر الصلاة تمت بيعة أبي بكر لكان ذلك دليلا على عدم استحقاق عمر للخلافة. و لو تنزلنا عن ذلك فهل يبقى لأحد ريب بعد ذلك في أن عبد الرحمن بن عوف الذي صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلفه و لو ركعة واحدة كما ذكره بعضهم كان أولى بالخلافة من عمر بن الخطاب فيكف نص أبو بكر على عمر في الخلافة و ترك عبد الرحمن بن عوف. و كيف كان يقول لطلحة لما خوفه من سؤال الله يوم القيامة أ بالله تخوفني إذا لقيت ربي فساءلني قلت استخلفت عليهم خير أهلك فقال طلحة أ عمر خير الناس يا خليفة رسول الله فاشتد غضبه و قال إي و الله هو خيرهم و أنت شرهم. و كيف قال لعثمان لو تركت عمر لما عدوتك يا عثمان و قد كان عبد الرحمن بن عوف حاضرا عنده و هو ممن شاوره أبو بكر في تعيين الخليفة فعاب عمر بالغلظة ثم لما حكم أبو بكر صريحا بأن طلحة شر الناس و جعل عثمان خير الناس و أولى بالخلافة بعد عمر كيف جعل عمر طلحة و عثمان عدلين في الخلافة و الشورى و هل كان ما فعلوه إلا خبطا في خبط و لا ينفع ابتناء الكلام على جواز تفضيل المفضول إذ كلام أبي بكر صريح في أن خروجه عن عهدة السؤال يوم القيامة يكون باستخلافه الأفضل. فظهر أنه لا يخلو الحال عن أحد الأمرين إما أن لا يدل التقديم في الصلاة على فضل فانهدم أساس خلافتهم أو كان تصريحا أو تلويحا يجري مجرى التصريح باستحقاق الخلافة كما صرح به صاحب الإستيعاب فكان أبو بكر يرى رأي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم باطلا و لذا لم يعد عبد الرحمن في أمر الخلافة شيئا و كان يجوز مخالفة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في اجتهاده كما زعموه و مع ذلك كان يثب على عمر بن الخطاب و يجر لحيته لما أشار بعزل أسامة للمصلحة كما سيجيء إن شاء الله تعالى و كان يقول له ثكلتك أمك يا ابن الخطاب لو اختطفتني الطير كان أحب إلي من أن أرد قضاء قضى به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فانظر بعين البصيرة حتى يتضح لك أن القوم لم يسلكوا في غيهم مسلكا واحدا بل تاهوا في حيرتهم شمالا و يمينا و خسروا خسرانا مبينا. و أما أبو موسى و ابن عمر فحالهما في عداوة أمير المؤمنين عليه السلام ظاهر لا يحتاج إلى البيان و الظاهر أن روايتهما على وجه الإرسال عن عائشة و على تقدير ادعائهما الحضور لا ينتهض قولهما حجة لكونهما من أهل الخلاف و من المجروحين. و أما رواية صاحب الإستيعاب عن الحسن البصري ففيها أن الحسن ممن ورد في ذمه من طرق العامة و الخاصة كقول أمير المؤمنين عليه السلام فيه هذا سامري هذه الأمة و كدعائه عليه لا زلت مسوءا لما طعن على أمير المؤمنين بإراقة دماء المسلمين و غير ذلك مما سيأتي في أبواب أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام و قد عده ابن أبي الحديد من المنحرفين عن علي عليه السلام و حكى أبو المعالي الجويني على ما ذكره بعض الأصحاب عن الشافعي أنه قال بعد ذكر الحسن و فيه كلام. و بعد التنزل عن كونه خصما مجروحا و تسليم أن الطريق إليه حسن نقول إذا كان ذلك من كلام أمير المؤمنين عليه السلام فلما ذا ترك بيعة أبي بكر ستة أشهر أو أقل حتى يقاد بأعنف العنف و يهدد بالقتل بعد ظهور أماراته و كيف كان يتظلم و يبث الشكوى منهم في كل مشهد و مقام كما سيأتي في باب الشكوى و إسناد الكذب إلى الحسن أحسن من إسناد التناقض إلى كلامه عليه السلام و غرضه من الوضع على لسانه عليه السلام إلزام الشيعة و إتمام الحجة عليهم و إلا فإنكاره عليه السلام لصدور الأمر بالصلاة من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم و تعيينه أبا بكر من المشهورات - و قد روى ابن أبي الحديد عن شيخه أبي يعقوب يوسف بن إسماعيل اللمعاني أن عليا عليه السلام كان ينسب عائشة إلى أنها أمرت بلالا أن يأمر أبا بكر بأن يصلي بالناس و أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال ليصل بهم رجل و لم يعين أحدا فقالت مر أبا بكر يصلي بالناس و كان عليه السلام يذكر ذلك لأصحابه في خلواته كثيرا و يقول إنه لم يقل صلى الله عليه وآله وسلم إنّكن كصويحبات يوسف إلا إنكارا لهذه الحال و غضبا منه لأنها و حفصة تبادرتا إلى تعيين أبيهما و أنه استدركها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخروجه و صرفه عن المحراب انتهى. فاتضح لك ضعف التمسك بهذه الأخبار سيما في أركان الدين. و قال السيد الأجل رضي الله عنه في موضع من الشافي ذكر فيه تمسك قاضي القضاة بحكاية الصلاة إن خبر الصلاة خبر واحد و الإذن فيها ورد من جهة عائشة و ليس بمنكر أن يكون الإذن صدر من جهتها لا من جهة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم و قد استدل أصحابنا على ذلك بشيئين أحدهما - بقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم على ما أتت به الرواية لما عرف تقدم أبي بكر في الصلاة و سمع قراءته في المحراب إنّكن كصويحبات يوسف و بخروجه متحاملا من الضعف معتمدا على أمير المؤمنين و الفضل بن العباس إلى المسجد و عزله لأبي بكر عن المقام و إقامة الصلاة بنفسه. و هذا يدل دلالة واضحة على أن الإذن في الصلاة لم يكن منه صلى الله عليه وآله وسلم و قال بعض المخالفين أن السبب في قوله إن كن صويحبات يوسف إنه صلى الله عليه وآله وسلم لما أوذن بالصلاة و قال مروا أبا بكر ليصلي بالناس فقالت له عائشة إن أبا بكر رجل أسيف لا يحتمل قلبه أن يقوم مقامك في الصلاة و لكن تأمر عمر أن يصلي بالناس فقال عند ذلك إنّكن صويحبات يوسف و هذا ليس بشيء لأن النبي لا يجوز أن يكون أمثاله إلا وفقا لأغراضه و قد علمنا أن صويحبات يوسف لم يكن منهن خلاف على يوسف و لا مراجعة له في شيء أمرهن به و إنما افتتن بأسرهن بحسنه و أرادت كل واحدة منهن مثل ما أرادته صاحبتها فأشبهت حالهن حال عائشة في تقديمها أباها للصلاة للتجمل و الشرف بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و لما يعود بذلك عليها و على أبيها من الفخر و جميل الذكر. و لا عبرة بمن حمل نفسه من المخالفين على أن يدعي أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لما خرج إلى المسجد لم يعزل أبا بكر عن الصلاة و أقره في مقامه لأن هذا من قائله غلط فظيع من حيث يستحيل أن يكون النبي صلى الله عليه وآله وسلم و هو الإمام المتبع في سائر الدين متبعا مأموما في حال من الأحوال و كيف يجوز أن يتقدم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم غيره في الصلاة و قد دلت الأخبار على أنه لا يتقدم فيها إلا الأفضل على الترتيب و التنزيل المعروف. و أقول ذلك من مذهب أصحابنا معلوم لا يحتاج إلى بيان و قد ورد من صحاح الأخبار عند المخالفين ما يدل عليه - رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنّاً وَ لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي سُلْطَانِهِ وَ لَا يَقْعُدُ فِي بَيْتِهِ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ: وَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ: وَ لَا يَؤُمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي أَهْلِهِ.. و روى في جامع الأصول ما يدل على هذا المعنى بتغيير في اللفظ عن مسلم و الترمذي و النسائي و أبي داود و قال قال شعبة قلت لإسماعيل ما تكرمته قال فراشه. - وَ رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَيْضاً عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَحَدُهُمْ وَ أَحَقُّهُمْ بِالْإِمَامَةِ أَقْرَؤُهُمْ:. - وَ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص: لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ وَ لْيَؤُمَّكُمْ قَرَّاؤُكُمْ.. و قد ذكر في المشكاة هذه الروايات على الوجه الذي ذكرناها. و قد قال بالترتيب في الإمامة جمهور العامة و إنما اختلفوا في تقدم الفقه أو القراءة فذهب أصحاب أبي حنيفة إلى تقدم القراءة لظاهر الخبر و الشافعي و مالك إلى تقدم الفقه على القراءة فلو دل التقدم على الأفضلية فتقدم أحد على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مما لا نزاع في بطلانه و لو لم يدل عليها و جاز تقديم المفضول و كان من قبيل ترك الأولى فسقط الاحتجاج بتقدم أبي بكر و أضرابه إذ يجوز حينئذ أن يكون مفضولا بالنسبة إلى كل واحد من مؤتميه و هو واضح. و أنت بعد اطلاعك على أخبارهم السالفة لا ترتاب في بطلان القول بأنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى خلف أبي بكر إذ بعض روايات عائشة صريحة في أنه جلس بين يدي أبي بكر و بعضها صريحة في أنه اقتدى أبو بكر بصلاته صلى الله عليه وآله وسلم و إن كان جلس إلى جنب أبي بكر و بعض روايات أنس دلت على عدم خروجه في مرضه إلى الصلاة كما سبق فكان منافيا لما دل على اقتدائه بأبي بكر و تلك الروايات أكثر فلا يصلح ما دلت على أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى خلف أبي بكر معارضة لها و لو سلمنا كونها صالحة للمعارضة لها فإذا تعارضتا تساقطتا فبقي ما رواه أصحابنا سليما عن معارض و قد صرح الثقات عندهم من أرباب السير كصاحب الكامل و غيره بأنه كان يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و كفاك شاهدا على بطلانه اعتراف قاضي القضاة الذي يتشبث بكل رطب و يابس فلو لا أنه رأى القول بذلك فظيعا ظاهر البطلان لما فاته التمسك به. فظهر أن ما ذكره المتعصبون من متأخريهم كصاحب المواقف و شارحه و الشارح الجديد للتجريد من أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى خلفه و أن الروايات الصحيحة متعاضدة على ذلك إنما نشأ من فرط الجهل و الطغيان في العصبية و لقد أحال السيد حيث أورد في بيان تعاضد الروايات الصحيحة روايتين مجهولتين غير مسندتين إلى أصل أو كتاب - قال روي عن ابن عباس أنه قال لم يصل النبي صلى الله عليه وآله وسلم خلف أحد من أمته إلا خلف أبي بكر و صلى خلف عبد الرحمن بن عوف في سفر ركعة واحدة. - قال و روي عن رافع بن عمرو بن عبيد عن أبيه أنه قال لما ثقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الخروج أمر أبا بكر أن يقوم مقامه فكان يصلي بالناس و ربما خرج النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد ما دخل أبو بكر في الصلاة فصلى خلفه و لم يصل خلف أحد غيره إلا أنه صلى خلف عبد الرحمن بن عوف ركعة واحدة في سفر. ثم ذكر رواية أنس الدالة على أنه رفع الستر فنظر إلى صلاتهم و تبسم كما سبق ثم قال و أما ما - روى البخاري عن عروة عن أبيه عن عائشة و ذكر الرواية السابقة إلى قولها فكان أبو بكر يصلي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و الناس يصلون بصلاة أبي بكر. ثم فسره فقال أي بتكبيره و جمع بينها و بين الخبرين السابقين بأن هذا إنما كان في وقت آخر. و ليت شعري إذا كانت الروايتان صحيحتين فلم لم يسندهما إلى كتاب أو أصل معروف كما أسند رواية عروة عن عائشة و لو كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صلى خلفه في مرضه فلم كانت عائشة مع حرصها على إثبات فضل لأبيها تارة تروي اقتداء الناس بأبي بكر و اقتداء أبي بكر بصلاته صلى الله عليه وآله وسلم و تارة جلوسه بين يدي أبي بكر و لم لم يقل عُمَرُ يوم السقيفة أيكم تطيب نفسه أن يتقدم على من فضله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نفسه و صلى خلفه. و العجب من السيد الشريف أنه ترك التمسك برواية الترمذي عن عائشة و روايته و رواية النسائي عن أنس و تمسك بهاتين لها فعجز عن إسنادهما إلى أصل. و أما ما ذكره في وجه الجمع فظاهر البطلان إذ لو كان المراد بوقت آخر غير مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم فكثير من الروايات السابقة مع اتفاق كلمة أرباب السير يشهد بخلافه و لو كان المراد وقوع الأمرين كليهما في مرض الموت كل في وقت فسوق رواية عبيد الله بن عبد الله عن عائشة التي رواها البخاري و مسلم و عدوها من المتفق عليه و سوق كلام أرباب السير أيضا ينادي بفساده و لو كان المراد أن ما تضمنه خبر رافع بن عمرو بن عبيد عن أبيه كان في غير مرض موته صلى الله عليه وآله وسلم فواضح البطلان إذ لم يذكر أحد من أرباب السير و الرواة أنه أمر صلى الله عليه وآله وسلم أبا بكر أن يصلي بالناس إلا في تلك الحال و لم يكن أحد يفهم من قولهم لما ثقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن الخروج و من حكايتهم الصلاة في مرضه و أمره أبا بكر بالصلاة إلا مرض الموت مع أن رواية الترمذي و النسائي صريحة في وقوعه حينئذ. على أن التمسك بصلاته صلى الله عليه وآله وسلم خلف أبي بكر في إثبات الفضل لأبي بكر حماقة عجيبة إذ هو من قبيل الاستدلال بمقدمة مع الاعتراف بنقيضها فإن التقدم في الصلاة لو دل على فضل الإمام لكان أبو بكر أفضل من الرسول صلى الله عليه وآله وسلم و إلا فانقلع الأساس من أصله و قد نبهناك عليه فلا تغفل. ثم قال السيد رضي الله عنه و مما يدل على بطلان هذه الدعوى أنه صلى الله عليه وآله وسلم لو لم يعزله عند خروجه عن الصلاة لما كان فيما وردت به الرواية من الاختلاف في أنه صلى الله عليه وآله وسلم لما صلى بالناس ابتدأ من القرآن من حيث ابتدأ أبو بكر أو من حيث انتهى معنى على أنا لا نعلم لو تجاوزنا عن جميع ما ذكرناه وجها يكون منه خبر الصلاة شبهة في النص مع تسليم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بها أيضا لأن الصلاة ولاية مخصوصة في حالة مخصوصة لا تعلق لها بالإمامة لأن الإمامة تشتمل على ولايات كثيرة من جملتها الصلاة ثم هي مستمرة في الأوقات كلها فأي نسبة مع ما ذكرناه بين الأمرين. على أنه لو كانت الصلاة دالة على النص لم يخل من أن يكون دالة من حيث كانت تقديما في الصلاة أو من حيث اختصت مع أنها تقديم فيها بحال المرض فإن دلت من الوجه الأول وجب أن يكون جميع من قدمه الرسول في طول حياته للصلاة إماما للمسلمين و قد علمنا أنه صلى الله عليه وآله وسلم قد ولّى الصلاة جماعة لا يجب شيء من هذا فيهم و إن دلت من الوجه الثاني فالمرض لا تأثير له في إيجاب الإمامة فلو دل تقديمه في الصلاة في حال المرض على الإمامة لدل على مثله التقديم في حال الصحة و لو كان للمرض تأثير لوجب أن يكون تأميره أسامة بن زيد و تأكيده أمره في حال المرض مع أن ولايته تشتمل على الصلاة و غيرها موجبا للإمامة لأنه لا خلاف في أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول إلى أن فاضت نفسه الكريمة (صلوات الله عليه و آله) نَفِّذُوا جيش أسامة و يكرر ذلك و يردده. فإن قيل لم تدل الصلاة على الإمامة من الوجهين اللذين أفسدتموهما لكن من حيث كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم مُؤْتَمّاً بأبي بكر في الصلاة و مصليا خلفه قلنا قد مضى ما يبطل هذا الظن فكيف يجعل ما هو مستحيل في نفسه حجة على أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم عند مخالفينا قد صلى خلف عبد الرحمن بن عوف و لم يكن ذلك مُوجِباً له الإمامةَ و خبر صلاة عبد الرحمن بن عوف أثبت عندهم و أظهر فيهم من صلاته خلف أبي بكر لأن الأكثر منهم يعترف بعزله عن الصلاة عند خروجه صلى الله عليه وآله وسلم و قد بينا أن المرض لا تأثير له فليس لهم أن يفرقوا بين صلاته خلف عبد الرحمن و بينها خلف أبي بكر للمرض انتهى أقول ما ذكره السيد رضي الله تعالى عنه من عزله عن الصلاة فقد عرفت اشتمال رواياتهم عليه إذ في بعض روايات عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان بين يدي أبي بكر يصلي قاعدا و ظهر من رواياتها الأخرى التي رواها مسلم و البخاري أن أبا بكر كان يُسْمِعُ الناسَ التكبيرَ و قد عرفت اعتراف شارح المواقف بذلك و تأويله ما في الروايات الأخر من أن الناس كانوا يصلّون بصلاة أبي بكر بأن المراد يصلّون بتكبيره و لا بد لهم من هذا الجمع و إلا لتناقضت رواياتهم الصحيحة و قد صرح بهذا التأويل بعض فقهائهم بناء على عدم جواز إمامة المأموم و لعله لم يقل أحد بصحة الصلاة على هذا الوجه و ظاهر المقام أيضا ذلك إذ ما بال أبي بكر يقتدي برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و الناس يقتدون بأبي بكر مع حضوره صلى الله عليه وآله وسلم و لم يدل دليل على عدم جواز العدول في نية الاقتداء بإمام إلى الايتمام بإمام آخر سيما الرسول صلى الله عليه وآله وسلم و جواز العدول من الإمامة إلى الايتمام حتى يجوز اقتداء أبي بكر بصلاته صلى الله عليه وآله وسلم و لا يجوز اقتداء الناس. على أن علم عائشة بأن الناس كانوا يأتمون بأبي بكر لا يخلو عن غرابة إذ يبعد أن تكون عائشة سألت الناس واحدا واحدا فأجابوا بأنا اقتدينا بأبي بكر و مجرد تأخر أفعالهم عن أفعاله على تقدير وقوعه لا يدل على ايتمامهم به و إلا لكان الناس خلف كل إمام مؤتمين بمن يرفع صوته بالتكبير مع أن أكثر الناس كانوا لا يرون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لكونه جالسا فكانوا ينتظرون سماع صوت بالتكبير و نحوه و لا يخفى أن العزل عن الصلاة ليس إلا هذا فعلى تقدير مساعدتهم على أنه أمر أبا بكر بالصلاة نقول إنه صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا بكر أولا أن يصلي بالناس فلما وجد من نفسه خفة خرج فعزله عنها فظهر أنه قد جرت قصة الصلاة مجرى قصة البراءة و الحمد لله وحده. و أما ما ذكره السيد رضوان الله عليه من أنه صلى الله عليه وآله وسلم ولّى الصلاةَ جماعةً فمنهم سالم مولى أبي حذيفة على ما رواه البخاري و أبو داود في صحيحيهما و حكاه عنهما في جامع الأصول في صفة الإمام و ذكره في المشكاة في الفصل الثالث من باب الإمامة عن ابن عمر قال لما قدم المهاجرون الأولون المدينة كان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة و فيهم عمر و أبو سلمة بن عبد الأسد. قال في جامع الأصول و في رواية أخرى نحوه و فيها و فيهم عمر و أبو سلمة و زيد و عامر بن ربيعة أخرجه البخاري و أبو داود و الظاهر أنه كان على وجه الاستمرار كما يدل عليه لفظة كان و أنه كان بأمره صلى الله عليه وآله وسلم عموما أو خصوصا و إلا لعزله و لم يصلّ الأصحاب خلفه. و منهم ابن أم مكتوم على ما - رواه أبو داود في صحيحه و ذكره في جامع الأصول في صفة الإمام و أورده في المشكاة في الفصل الثاني من الباب المذكور عن أنس قال استخلف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن أم مكتوم يؤم الناس و هو أعمى. و استدلوا بهذا الخبر على إمامة الأعمى. - و قال في مصباح الأنوار أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن عبد المنذر في غزاة بدر أن يصلي بالناس فلم يزل يصلي بهم حتى انصرف النبي صلى الله عليه وآله وسلم و استخلف عام الفتح ابن أم مكتوم الأعمى فلم يزل يصلي بالناس في المدينة و استخلف في غزاة حنين كلثوم بن حصين أحد بني غِفار و استخلف عام خيبر أبا ذر الغفاريَّ و في غزاة الحديبية ابنَ عُرْفُطَةَ و استخلف عَتَّابَ بن أَسِيد على مكة و رسول الله ص مقيم بالأبطح و أمره أن يصلي بمكة الظهر و العصر و العشاء الآخرة و كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي بهم الفجر و المغرب و استخلف في غزاة ذات السلاسل سعد بن عبادة و استخلف في طلب كرز بن جابر الفهري زيد بن حارثة و استخلف في غزاة سعد العشيرة أبا سلم بن عبد الأسد المخزومي و استخلف في غزاة الأُكَيْدَر ابن أم مكتوم و استخلف في غزاة بدر الموعد عبد الله بن رواحة. فما ادعى أحد منهم الخلافة و لا طمع في الإمرة و الولاية انتهى. و قد ذكر ابن عبد البر في الإستيعاب استخلاف كلثوم بن حصين الغفاري على المدينة مرتين مرة في عمرة القضاء و مرة عام الفتح في خروجه إلى مكة و حنين و الطائف و استعمال عَتَّابِ بن أَسِيد على مكة عام الفتح حين خرج إلى حنين و أنه أقام للناس الحج تلك السنة و هي سنة ثمان قال فلم يزل عتّاب أميرا على مكة حتى قبض صلى الله عليه وآله وسلم و أقره أبو بكر عليها إلى أن مات و استعمال زيد بن حارثة و عبد الله بن رواحة.. و أما ما ذكره السيد رضوان الله عليه من أنهم زعموا أنه صلى الله عليه وآله وسلم صلى خلف عبد الرحمن فيدل عليه رواياتهم و كلام علمائهم و قد روى في جامع الأصول في باب إمامة الصلاة و في كتاب الطهارة روايات عديدة حكاها عن البخاري و مسلم و أبي داود و النسائي و عن الموطإ لا فائدة في ذكرها بلفظها و قد اعترف بها من المخالفين من ادعى صلاته عليه السلام خلف أبي بكر كشارح المواقف و من اعترف منهم بأنه صلى الله عليه وآله وسلم لم يصل خلف أبي بكر كقاضي القضاة. و قد ذكر ابن عبد البر صلاته صلى الله عليه وآله وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف و لم يذكر ما ذكره في المغني من ضيق الوقت و كذا ليس ذلك في رواياتهم التي أشرنا إليها و لا يذهب عليك أنه اعتذار سخيف إذ على تقدير ضيق الوقت كان يجوز له صلى الله عليه وآله وسلم أن يصلي منفردا أو يقوم إلى جانب عبد الرحمن و يصلي حتى يصلي عبد الرحمن بصلاته صلى الله عليه وآله وسلم و الناس بصلاة عبد الرحمن كما دلت عليه كثير من رواياتهم التي اعتمدوا عليها في صلاة أبي بكر أو يصلوا جميعا بصلاة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فصلاة عبد الرحمن أبلغ و أقوى في الدلالة على الخلافة على ما زعموه مع أنه لم يقل أحد بخلافة عبد الرحمن و لا ادعاها هو و حينئذ فنقول إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خلف عبد الرحمن على ما زعموه و لم يصل خلف أبي بكر فليس ذلك إلا إزالة لهذه الشبهة الضعيفة و إن كان لو صلى لم يدل على استحقاقه للإمامة كما لم يدل في حق عبد الرحمن. و أما الفرق بين التقدم في الصلاة و الإمامة فغير منحصر فيما ذكره السيد رضي الله عنه أما على مذهب الأصحاب من اشتراط العصمة و التنصيص فواضح و أما على زعم المخالفين فلإطباقهم بل لاتفاق المسلمين على أن الإمامة لا تكون إلا في قريش قال صاحب المغني قد استدل شيوخنا على ذلك بما - روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أن الأئمة من قريش. و - روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال هذا الأمر لا يصلح إلا في هذا الحي من قريش. و قووا ذلك بما كان يوم السقيفة من كون ذلك سببا لصرف الأنصار عما كانوا عزموا عليه لأنهم عند هذه الرواية انصرفوا عن ذلك و تركوا الخوض فيه و قووا ذلك بأن أحدا لم ينكره في تلك الحال فإن أبا بكر استشهد في ذلك بالحاضرين فشهدوا حتى صار خارجا عن باب خبر الواحد إلى الاستفاضة و قووا ذلك بأن ما جرى هذا المجرى إذا ذكر في ملإ من الناس و ادعى عليه المعرفة فتركهم النكير يدل على صحة الخبر المذكور. ثم حكى في فصل آخر عن أبي علي أنه قال إذا لم يوجد في قريش من يصلح للإمامة يجوز أن ينصب من غيرهم و أما على تقدير وجوده في قريش فلا خلاف في عدم جواز العدول عنهم إلى غيرهم و لا خلاف بين الأمة في أن إمام الصلاة لا يشترط فيه أن يكون قرشيا فالاستدلال بصلوح الرجل لإمامة الصلاة على كونه صالحا للخلافة باطل باتفاق الكل. و أيضا اتفق الكل على اشتراط العدالة في الإمام و جوزت العامة أن يتقدم في الصلاة كل بر و فاجر - وَ مِمَّا رَوَوْهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي صَحِيحِهِ وَ رَوَاهُ فِي الْمِشْكَاةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلَّ أَمِيرٍ بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً وَ إِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ وَ الصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرّاً كَانَ أَوْ فَاجِراً وَ إِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ.. و أيضا يشترط في الإمام الحرية بالاتفاق بخلاف المتقدم في الصلاة فقد اختلف الأصحاب في اشتراطها و ذهب أكثر العامة إلى جواز الاقتداء بالعبد من غير كراهة و استدل عليه في شرح الوجيز بأن عائشة كان يؤمها عبد لها يكنى أبا عمر و ذهب أبو حنيفة إلى أنه يكره إمامة العبد و أيضا يشترط في الإمام أن يكون بالغا بالاتفاق و جوز الشافعي الاقتداء بالصبي المميز و استدلوا عليه بأن عمرو بن سلمة كان يؤم قومه على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و هو ابن سبع و منع أبو حنيفة و مالك و أحمد من الاقتداء به في الفريضة و في النافلة اختلف الرواية عنهم. و أيضا يشترط في الإمام بالاتفاق نوع من العلم فيما يتعلق بحقوق الناس و السياسات و لم يشترط ذلك في المتقدم في الصلاة بالاتفاق فظهر أن الإمامة بمراحل عن تولي الصلاة و مع ذلك فقد تم بما تمسك به عمر بن الخطاب يوم السقيفة من إمامة أبي بكر في الصلاة أمر بيعته و انصرف الأنصار بذلك عن دعواهم - روى ابن عبد البر في الإستيعاب بإسناده عن عبد الله بن مسعود قال كان رجوع الأنصار يوم سقيفة بني ساعدة بكلام قاله عمر بن الخطاب نشدتكم الله هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس قالوا اللهم نعم قال فأيكم تطيب نفسه أن يزيله عن مقام أقامه فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقالوا كلنا لا تطيب نفسه و نستغفر الله. و قد روى هذا المعنى كثير من الثقات عندهم و نقلة آثارهم. فانظر أيها العاقل بعين الإنصاف كيف استزلهم الشيطان و قادهم إلى النار بكلام عمر بن الخطاب كما استهوى قوم موسى بخوار العجل و أنساهم ما نطق به الرسول الأمين صلى الله عليه وآله وسلم من النصوص الصريحة في أمير المؤمنين عليه السلام كما أغفل بني إسرائيل عن آيات رب العالمين فنبذوا الحق وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ و قد أورد السيد بن طاوس رضي الله تعالى عنه في كتاب الطرائف فصلا طويلا في ذلك تركناه حذرا من التكرار و الإطناب و فيما أوردناه غنية لأولي الألباب.
بحار الأنوار - ج ٢٨ - الصفحة ١٤٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
لَهُ عُمَرُ: إِنَّ النَّاسَ عَبِيدُ هَذِهِ الدُّنْيَا لَا يُرِيدُونَ غَيْرَهَا، فَامْنَعْ عَنْ عَلِيٍّ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ الْخُمُسَ، وَ الْفَيْءَ، وَ فَدَكاً، فَإِنَّ شِيعَتَهُ إِذَا عَلِمُوا ذَلِكَ تَرَكُوا عَلِيّاً وَ أَقْبَلُوا إِلَيْكَ رَغْبَةً فِي الدُّنْيَا وَ إِيثَاراً وَ مُحَابَاةً عَلَيْهَا، فَفَعَلَ أَبُو بَكْرٍ ذَلِكَ وَ صَرَفَ عَنْهُمْ جَمِيعَ ذَلِكَ. فَلَمَّا قَامَ- أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ- أَمَرَ مُنَادِيَهُ: مَنْ كَانَ لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم دَيْنٌ أَوْ عِدَةٌ فَلْيَأْتِنِي حَتَّى أَقْضِيَهُ، وَ أَنْجَزَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَ لِجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ. قَالَ: [قَالَ] عَلِيٌّ (عليه السلام) لِفَاطِمَةَ (عليها السلام): صِيرِي إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ ذَكِّرِيهِ فَدَكاً، فَصَارَتْ فَاطِمَةُ إِلَيْهِ وَ ذَكَرَتْ لَهُ فَدَكاً مَعَ الْخُمُسِ وَ الْفَيْءِ، فَقَالَ: هَاتِي بَيِّنَةً يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ. فَقَالَتْ: أَمَّا فَدَكُ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ قُرْآناً يَأْمُرُ فِيهِ بِأَنْ يُؤْتِيَنِي وَ وُلْدِي حَقِّي، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ فَكُنْتُ أَنَا وَ وُلْدِي أَقْرَبَ الْخَلَائِقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَنَحَلَنِي وَ وُلْدِي فَدَكاً، فَلَمَّا تَلَا عَلَيْهِ جَبْرَئِيلُ (عليه السلام): وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): مَا حَقُّ الْمِسْكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ، فَقَسَمَ الْخُمُسَ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، فَقَالَ: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ فَمَا لِلَّهِ فَهُوَ لِرَسُولِهِ، وَ مَا لِرَسُولِ اللَّهِ فَهُوَ لِذِي الْقُرْبَى، وَ نَحْنُ ذُو الْقُرْبَى. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى. فَنَظَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَ قَالَ: مَا تَقُولُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: وَ مَنِ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينُ وَ أَبْنَاءُ السَّبِيلِ؟ فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام: الْيَتَامَى الَّذِينَ يَأْتَمُّونَ بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ بِذِي الْقُرْبَى، وَ الْمَسَاكِينُ الَّذِينَ أَسْكَنُوا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ ابْنُ السَّبِيلِ الَّذِي يَسْلُكُ مَسْلَكَهُمْ. قَالَ عُمَرُ: فَإِذًا الْخُمُسُ وَ الْفَيْءُ كُلُّهُ لَكُمْ وَ لِمَوَالِيكُمْ وَ أَشْيَاعِكُمْ؟! فَقَالَتْ فَاطِمَةُ (عليها السلام): أَمَّا فَدَكُ فَأَوْجَبَهَا اللَّهُ لِي وَ لِوُلْدِي دُونَ مَوَالِينَا وَ شِيعَتِنَا، وَ أَمَّا الْخُمُسُ فَقَسَمَهُ اللَّهُ لَنَا وَ لِمَوَالِينَا وَ أَشْيَاعِنَا كَمَا يُقْرَأُ فِي كِتَابِ اللَّهِ. قَالَ عُمَرُ: فَمَا لِسَائِرِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ وَ التَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ؟ قَالَتْ فَاطِمَةُ: إِنْ كَانُوا مَوَالِيَنَا وَ مِنْ أَشْيَاعِنَا فَلَهُمُ الصَّدَقَاتُ الَّتِي قَسَمَهَا اللَّهُ وَ أَوْجَبَهَا فِي كِتَابِهِ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقابِ.. إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ، قَالَ عُمَرُ: فَدَكُ لَكِ خَاصَّةً وَ الْفَيْءُ لَكُمْ وَ لِأَوْلِيَائِكُمْ؟ مَا أَحْسَبُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ يَرْضَوْنَ بِهَذَا!! قَالَتْ فَاطِمَةُ: فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ رَضِيَ بِذَلِكِ، وَ رَسُولُهُ رَضِيَ بِهِ، وَ قَسَمَ عَلَى الْمُوَالاةِ وَ الْمُتَابَعَةِ لَا عَلَى الْمُعَادَاةِ وَ الْمُخَالَفَةِ، وَ مَنْ عَادَانَا فَقَدْ عَادَى اللَّهَ، وَ مَنْ خَالَفَنَا فَقَدْ خَالَفَ اللَّهَ، وَ مَنْ خَالَفَ اللَّهَ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ مِنَ اللَّهِ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ وَ الْعِقَابَ الشَّدِيدَ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ. فَقَالَ عُمَرُ: هَاتِي بَيِّنَةً يَا بِنْتَ مُحَمَّدٍ عَلَى مَا تَدَّعِينَ؟! فَقَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام: قَدْ صَدَّقْتُمْ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَ جَرِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَ لَمْ تَسْأَلُوهُمَا الْبَيِّنَةَ! وَ بَيِّنَتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ جَابِراً وَ جَرِيراً ذَكَرَا أَمْراً هَيِّناً، وَ أَنْتَ تَدَّعِينَ أَمْراً عَظِيماً يَقَعُ بِهِ الرِّدَّةُ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ!. فَقَالَتْ (عليها السلام): إِنَّ الْمُهَاجِرِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ هَاجَرُوا إِلَى دِينِهِ، وَ الْأَنْصَارُ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ بِذِي الْقُرْبَى أَحْسَنُوا، فَلَا هِجْرَةَ إِلَّا إِلَيْنَا، وَ لَا نُصْرَةَ إِلَّا لَنَا، وَ لَا اتِّبَاعَ بِإِحْسَانٍ إِلَّا بِنَا، وَ مَنِ ارْتَدَّ عَنَّا فَإِلَى الْجَاهِلِيَّةِ. فَقَالَ لَهَا عُمَرُ: دَعِينَا مِنْ أَبَاطِيلِكِ، وَ أَحْضِرِينَا مَنْ يَشْهَدُ لَكِ بِمَا تَقُولِينَ!!. فَبَعَثَتْ إِلَى عَلِيٍّ وَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ وَ أُمِّ أَيْمَنَ وَ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ- وَ كَانَتْ تَحْتَ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ- فَأَقْبَلُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَ شَهِدُوا لَهَا بِجَمِيعِ مَا قَالَتْ وَ ادَّعَتْهُ. فَقَالَ: أَمَّا عَلِيٌّ فَزَوْجُهَا، وَ أَمَّا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ ابْنَاهَا، وَ أَمَّا أُمُّ أَيْمَنَ فَمَوْلَاتُهَا، وَ أَمَّا أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَقَدْ كَانَتْ تَحْتَ جَعْفَرِ ابْنِ أَبِي طَالِبٍ فَهِيَ تَشْهَدُ لِبَنِي هَاشِمٍ، وَ قَدْ كَانَتْ تَخْدُمُ فَاطِمَةَ، وَ كُلُّ هَؤُلَاءِ يَجُرُّونَ إِلَى أَنْفُسِهِمْ!. فَقَالَ عَلِيٌّ عليه السلام: أَمَّا فَاطِمَةُ فَبَضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَ مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَى رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، وَ مَنْ كَذَّبَهَا فَقَدْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ، وَ أَمَّا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ فَابْنَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، مَنْ كَذَّبَهُمَا فَقَدْ كَذَّبَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِذْ كَانَ أَهْلُ الْجَنَّةِ صَادِقِينَ، وَ أَمَّا أَنَا فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله): أَنْتَ مِنِّي وَ أَنَا مِنْكَ، وَ أَنْتَ أَخِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ، وَ الرَّادُّ عَلَيْكَ هُوَ الرَّادُّ عَلَيَّ، وَ مَنْ أَطَاعَكَ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَ مَنْ عَصَاكَ فَقَدْ عَصَانِي، وَ أَمَّا أُمُّ أَيْمَنَ فَقَدْ شَهِدَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْجَنَّةِ، وَ دَعَا لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ وَ ذُرِّيَّتِهَا. قَالَ عُمَرُ: أَنْتُمْ كَمَا وَصَفْتُمْ أَنْفُسَكُمْ، وَ لَكِنْ شَهَادَةُ الْجَارِّ إِلَى نَفْسِهِ لَا تُقْبَلُ. فَقَالَ عَلِيٌّ (عليه السلام): إِذَا كُنَّا كَمَا نَحْنُ كَمَا تَعْرِفُونَ وَ لَا في المصدر: إذا كانا من أهل. تُنْكِرُونَ، وَ شَهَادَتُنَا لِأَنْفُسِنَا لَا تُقْبَلُ، وَ شَهَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ لَا تُقْبَلُ، فَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، إِذَا ادَّعَيْنَا لِأَنْفُسِنَا تَسْأَلُنَا الْبَيِّنَةَ؟! فَمَا مِنْ مُعِينٍ يُعِينُ، وَ قَدْ وَثَبْتُمْ عَلَى سُلْطَانِ اللَّهِ وَ سُلْطَانِ رَسُولِهِ، فَأَخْرَجْتُمُوهُ مِنْ بَيْتِهِ إِلَى بَيْتِ غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ وَ لَا حُجَّةٍ: وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. ثُمَّ قَالَ لِفَاطِمَةَ: انْصَرِفِي حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ قَالَ الْمُفَضَّلُ: قَالَ مَوْلَايَ جَعْفَرٌ (عليه السلام): كُلُّ ظُلَامَةٍ حَدَثَتْ فِي الْإِسْلَامِ أَوْ تَحْدُثُ، وَ كُلُّ دَمٍ مَسْفُوكٍ حَرَامٍ، وَ مُنْكَرٍ مَشْهُورٍ، وَ أَمْرٍ غَيْرِ مَحْمُودٍ، فَوِزْرُهُ فِي أَعْنَاقِهِمَا وَ أَعْنَاقِ مَنْ شَايَعَهُمَا أَوْ تَابَعَهُمَا وَ رَضِيَ بِوِلَايَتِهِمَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. بيان: يظهر من هذا الخبر أنّ لذي القربى حقّين: حقّا مختصّا و حقّا مشتركا، و أشار سبحانه مع الآية الأولى إليهما جميعا، فلمّا سألوا عن حقّ المسكين و ابن السبيل أنزل آية الخمس لبيان أنّ اشتراكهما إنّما هو في الخمس لا في سائر الفيء، فلا ينافي اختصاص فدك بهم (عليهم السلام)، و أمّا تفسيرها (عليها السلام) اليتامى بالذين يأتمون، فلعل المعنى أنّ المراد بهم يتامى الشيعة لا مطلق الأيتام، فلا يكون الغرض بيان أنّ اليتيم مشتق من الائتمام، لاختلاف بناء الكلمتين، مع أنّه يحتمل أن يكون مبنيّا على الاشتقاق الكبير، و يحتمل أن يكون تأويلا لبطن الآية بأنّ المراد باليتيم من انقطع عن والديه الروحانيين- أي النبيّ و الإمام عليهما السلام- من الشيعة موافقا للأخبار الكثيرة الواردة في ذلك، و أمّا ما فسّرت به المسكين فلا ينافي البناء، لأنّ المسكين و المسكن و السكنى متساوقة في الاشتقاق، و هو على وزن مفعيل، يقال تمسكن كما يقال تمدرع و تمندل. و ابن السبيل: أظهر، فإنّه فسّرته بسبيل الحقّ و الصراط المستقيم، ثم إنّه يدلّ ظاهرا على عدم اختصاص الخمس ببني هاشم- كما هو مذهب أكثر العامّة فيمكن أن يكون هذا على سبيل التنزّل، أو يكون المراد أنّه غير شامل لجميع بني هاشم بل مختص بمن كان منهم تابعا للحق.
بحار الأنوار - ج ٢٩ - الصفحة ١٩٤. — الإمام الصادق عليه السلام
عليه السلام: الْقَطَّانُ، عَنْ أَحْمَدَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنْ عَلِيِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام قَالَ
سَأَلْتُهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام لِمَ لَمْ يَسْتَرْجِعْ فَدَكَ لَمَّا وَلِيَ النَّاسَ؟ فَقَالَ: لِأَنَّا أَهْلُ بَيْتٍ وَلِيُّنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَأْخُذُ لَنَا حُقُوقَنَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا إِلَّا هُوَ ، وَ نَحْنُ أَوْلِيَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا نَحْكُمُ لَهُمْ وَ نَأْخُذُ حُقُوقَهُمْ مِمَّنْ يَظْلِمُهُمْ ، وَ لَا نَأْخُذُ لِأَنْفُسِنَا. اعلم أنّ بعض المخالفين تمسّكوا في تصحيح ما زعموه في أمر الميراث و قصّة فدك بإمضاء أمير المؤمنين عليه السلام ما فعلته الخلفاء لمّا صار الأمر إليه، و قد استدلّ قاضي القضاة بذلك على أنّ أمير المؤمنين عليه السلام لم يكن شاهدا في قضيّة فدك، إذ لو كان هو الشاهد فيها لكان الأقرب أن يحكم بعلمه، و كذلك في ترك الحجر لنساء النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: و ليس لهم بعد ذلك إلّا التعلّق بالتقيّة التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام، و لو علموا ما عليهم في ذلك لاشتدّ هربهم منه، لأنّه إن جاز للأئمّة التقيّة- و حالهم في العصمة ما يقولون- ليجوزنّ ذلك من رسول اللّه، و تجويز ذلك فيه يوجب أن لا يوثق بنصّه على أمير المؤمنين عليه السلام لتجويز التقيّة، و متى قالوا يعلم بالمعجز إمامته فقد أبطلوا كون النصّ طريقا للإمامة، و الكلام مع ذلك لازم لهم، بأن يقال: جوّزوا مع ظهور المعجز أن يدّعي الإمامة تقيّة، و أن يفعل سائر ما يفعله تقيّة؟ و كيف يوثق مع ذلك بما ينقل عن الرسول و عن الأئمّة؟! و هلّا جاز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام نبيّا بعد الرسول و ترك ادّعاء ذلك تقيّة و خوفا؟! فإنّ الشبهة في ذلك أوكد من النصّ، لأنّ التعصّب للنبيّ في النبوة أعظم من التعصّب لأبي بكر و غيره في الإمامة! فإن عوّلوا في ذلك على علم الاضطرار فعندهم أنّ الضرورة في النصّ على الإمامة قائمة، و إن فزعوا في ذلك إلى الإجماع، فمن قولهم أنّه لا يوثق به و يلزمهم في الإجماع أن يجوز أن يقع على طريق التقيّة لأنّه لا يكون أوكد من قول الرسول و قول الإمام عندهم، و بعد، فقد ذكر الخلاف في ذلك كما ذكر الخلاف في أنّه إله، فلا يصحّ على شروطهم أن يتعلّقوا بذلك. و أجاب عنه السيّد الأجل رضي اللّه عنه في الشافي بما هذا لفظه: أمّا قوله: إن جازت التقيّة للأئمّة- و حالهم في العصمة ما يدّعون - جازت على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فالفرق بين الأمرين واضح، لأنّ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم مبتدئ بالشرع، و مفتتح لتعريف الأحكام التي لا تعرف إلّا من جهته و بيانه، فلو جازت عليه التقيّة لأخلّ ذلك بإزاحة علّة المكلّفين، و لفقدوا الطريق إلى معرفة مصالحهم الشرعيّة، و قد بيّنا أنّها لا تعرف إلّا من جهته، و الإمام بخلاف هذا الحكم، لأنّه مفيد للشرائع التي قد علمت من غير جهته، و ليس يقف العلم بها و الحقّ فيها على قوله دون غيره، فمن اتّقى في بعض الأحكام بسبب يوجب ذلك لم يخل تقيّته بمعرفة الحقّ و إمكان الوصول إليه، و الإمام و الرسول- و إن استويا في العصمة- فليس يجب أن يستويا في جواز التقيّة للفرق الذي ذكرناه، لا أنّ الإمام لم يجز التقيّة عليه لأجل العصمة، و ليس للعصمة تأثير في جواز التقيّة و لا نفي جوازها. فإن قيل: أ ليس من قولكم إنّ الإمام حجّة في الشرائع و قد يجوز عندكم أن ينتهي الأمر إلى أن يكون الحقّ لا يعرف إلّا من جهته و بقوله، بأن يعرض الناقلون عن النقل فلا يرد إلّا من جهة من يقوم الحجّة بقوله و هذا يوجب مساواة الإمام للرسول فيما فرّقتم بينهما فيه؟. قلنا: إذا كانت الحال في الإمام ما صوّرتموه و تعيّنت الحجّة في قوله، فإنّ التقيّة لا تجوز عليه كما لا تجوز على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. فإن قيل: فلو قدّرنا أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد بيّن جميع الشرائع و الأحكام التي يلزمه بيانها حتّى لم يبق شبهة في ذلك و لا ريب، لكان يجوز عليه و الحال هذه- التقيّة في بعض الأحكام. قلنا: ليس يمنع عند قوّة أسباب الخوف الموجبة للتقيّة أن يتّقي إذا لم يكن التقيّة مخلّة بالوصول إلى الحقّ و لا منفرة عنه. ثم يقال له: أ ليست التقيّة عندك جائزة على جميع المؤمنين عند حصول أسبابها و على الإمام و الأمير؟!. فإن قال: هي جائزة على المؤمنين و ليست جائزة على الإمام و الأمير. قلنا: و أيّ فرق بين ذلك؟ و الإمام و الأمير عندك ليسا بحجّة في شيء كما أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حجّة فيمنع من ذلك لمكان الحجّة بقولهما، فإن اعترف بجوازها عليهما قيل له فإلا جاز على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قياسا على الأمير و الإمام. فإن قال: لأنّ قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حجّة، و ليس الإمام و الأمير كذلك. قيل له: و أيّ تأثير في الحجّة في ذلك إذا لم تكن التقيّة مانعة من إصابة الحقّ، و لا بمخلّة بالطريق إليه. و خبرنا عن الجماعة التي نقلها في باب الأخبار حجّة لو ظفر بهم جبّار ظالم متفرّقين أو مجتمعين فسألهم عن مذاهبهم- و هم يعلمون أو يغلب في ظنونهم أنّهم متى ذكروها على وجهها قتلهم و أباح حريمهم أ ليست التقيّة جائزة على هؤلاء مع الحجّة في أقوالهم؟ فإن منع من جواز التقيّة على ما ذكرناه دفع ما هو معلوم. و قيل له: و أيّ فرق بين هذه الجماعة و بين من نقص عن عدّتها في جواز التقيّة؟ فلا يجد فرقا. فإن قال: إنّما جوّزنا التقيّة على من ذكرتم لظهور الإكراه و الأسباب الملجئة إلى التقيّة و منعناكم من مثل ذلك، لأنّكم تدعون تقيّة لم تظهر أسبابها و لا الأمور الحاملة عليها من إكراه و غيره. قيل له: هذا اعتراف بما أردناه من جواز التقيّة عند وجود أسبابها، و صار الكلام الآن في تفصيل هذه الجملة، و لسنا نذهب في موضع من المواضع إلى أنّ الإمام اتّقى بغير سبب موجب لتقيّة، و حامل على فعله، و الكلام في التفصيل غير الكلام في الجملة، و ليس كلّ الأسباب التي توجب التقيّة تظهر لكلّ أحد، و يعلمها جميع الخلق، بل ربّما اختلفت الحال فيها، و على كلّ حال فلا بدّ أن تكون معلومة لمن وجب تقيّته، و معلومة أو مجوّزة لغيره، و لهذا قد نجد بعض الملوك يسأل رعيّته عن أمر فيصدقه بعضهم في ذلك و لا يصدقه آخرون، و يستعملون ضربا من التورية، و ليس ذلك إلّا لأنّ من صدق لم يخف على نفسه و من جرى مجرى نفسه، و من ورّى فلأنّه خاف على نفسه و غلب في ظنّه وقوع الضرر به متى صدق فيما سئل عنه، و ليس يجب أن يستوي حال الجميع، و أن يظهر لكلّ أحد السبب في تقيّة من اتّقى ممّن ذكرناه بعينه حتى يقع الإشارة إليه على سبيل التفصيل، و حتى يجري مجرى العرض على السيف في الملإ من الناس، بل ربّما كان ظاهرا كذلك، و ربّما كان خافيا. فإن قيل: مع تجويز التقيّة على الإمام كيف السبيل إلى العلم بمذاهبه و اعتقاده؟ و كيف يتخلّص لنا ما يفتي به على سبيل التقيّة من غيره؟. قلنا: أوّل ما نقوله في ذلك أنّ الإمام لا يجوز أن يتّقي فيما لا يعلم إلّا من جهته، و الطريق إليه إلّا من ناحيته، و قوله و إنّما يجوز التقيّة عليه فيما قد بان بالحجج و البيّنات و نصبت عليه الدلالات حتى لا يكون تقيّته فيه مزيلة لطريق إصابة الحقّ و موقعة للشبهة، ثم لا تبقى في شيء إلّا و يدلّ على خروجه منه مخرج التقيّة، إمّا لما يصاحب كلامه أو يتقدّمه أو يتأخّر عنه، و من اعتبر جميع ما روي عن أئمّتنا عليهم السلام على سبيل التقيّة وجده لا يعرى ممّا ذكرناه. ثم إنّ التقيّة إنّما تكون من العدوّ دون الوليّ، و من المتّهم دون الموثوق به، فما يصدر منهم إلى أوليائهم و شيعتهم و نصحائهم في غير مجالس الخوف يرتفع الشكّ في أنّه على غير جهة التقيّة، و ما يفتون به العدوّ أو يمتحنون به في مجالس الجور يجوز أن يكون على سبيل التقيّة كما يجوز أن يكون على غيرها، ثم يقلب هذا السؤال على المخالف فيقال له: إذا أجزت على جميع الناس التقيّة عند الخوف الشديد و ما يجري مجراه، فمن أين تعرف مذاهبهم و اعتقادهم؟! و كيف تفصل بين ما يفتي به المفتي منهم على سبيل التقيّة و بين ما يفتي به و هو مذهب له يعتقد بصحّته؟! فلا بدّ من الرجوع إلى ما ذكرناه. فإن قال: أعرف مذهب غيري و إن أجزت عليه التقيّة بأن يضطرّني إلى اعتقاده، و عند التقيّة لا يكون ذلك. قلنا: و ما المانع لنا من أن نقول هذا بعينه فيما سألت عنه، فأمّا ما تلا كلامه الذي حكيناه عنه من الكلام في التقيّة، و قوله: إنّ ذلك يوجب أن لا يوثق بنصّه على أمير المؤمنين عليه السلام، فإنّما بناه على أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يجوز عليه التقيّة في كلّ حال، و قد بيّنا ما في ذلك و استقصيناه. و قوله: أ لا جاز أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام نبيّا، و عدل عن ادّعاء ذلك تقيّة.. فيبطله ما ذكرنا من أنّ التقيّة لا يجوز على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم و الإمام عليه السلام فيما لا يعلم إلّا من جهته، و يبطله زائدا على ذلك ما نعلمه نحن و كلّ عاقل ضرورة من نفي النبوّة بعده على كلّ حال من دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم. و قوله: إن عوّلوا على علم الاضطرار فعندهم أنّ الضرورة في النصّ على الإمام قائمة، فمعاذ اللّه أن ندّعي الضرورة في العلم بالنصّ على من غاب عنه فلم يسمعه، و الذي نذهب إليه أنّ كل من لم يشهده لا يعلمه إلّا باستدلال و ليس كذلك نفي النبوّة، لأنّه معلوم من دينه صلى الله عليه وآله وسلم ضرورة، و لو لم يشهد بالفرق بين الأمرين إلّا اختلاف العقلاء في النصّ مع تصديقهم بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم و أنّهم لم يختلفوا في نفي النبوّة لكفى، و لا اعتبار بقوله في ذلك خلاف ما قد ذكر كما ذكر في أنّه عليه السلام إله، لأنّه هذا الخلاف لا يعتدّ به، و المخالف فيه خارج عن الإسلام فلا يعتبر في إجماع المسلمين بقوله، كما لا يعتبر في إجماع المسلمين بقول من خالف في أنّه إله، على أنّ من خالف و ادّعى نبوّته لا يكون مصدّقا للرسول صلى الله عليه وآله وسلم و لا عالما بنبوّته، و لا يدّعي علم الاضطرار في أنّه لا نبيّ بعده و إنّما يعلم ضرورة من دينه صلى الله عليه وآله وسلم نفي النبوّة بعده من أقرّ بنبوّته. فأمّا قوله: إنّ الإجماع لا يوثق به عندهم، فمعاذ اللّه أن نطعن في الإجماع و كونه حجّة، فإن أراد أنّ الإجماع الذي لا يكون فيه قول إمام ليس بحجّة فذلك ليس بإجماع عندنا و عندهم، و ما ليس بإجماع فلا حجّة فيه، و قد تقدّم عند كلامنا في الإجماع من هذا الكتاب ما فيه كفاية. و قوله: يجوز أنّ يقع الإجماع على طريق التقيّة لا يكون أوكد من قول الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو قول الإمام عليه السلام عندهم، باطل، لأنّا قد بيّنا أنّ التقيّة لا تجوز على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم و الإمام عليه السلام على كلّ حال، و إنّما تجوز على حال دون أخرى، على أنّ القول بأنّ الأمّة بأسرها مجتمع على طريق التقيّة طريف، لأنّ التقيّة سببها الخوف من الضرر العظيم، و إنّما يتّقي بعض الأمّة من بعض لغلبته عليه و قهره له، و جميع الأمّة لا تقيّة عليها من أحد. فإن قيل: يتّقي من مخالفيها في الشرائع. قلنا: الأمر بالضدّ من ذلك، لأنّ من خالطهم و صاحبهم من مخالفيهم في الحال أقلّ عددا و أضعف بطشا منهم، فالتقيّة لمخالفيهم منهم أولى، و هذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى الإطالة و الاستقصاء. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه. لكثرة تشنيع المخالفين في ذلك علينا مع كثرة الدلائل القاطعة عليها.. قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ. قوله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً. ما رواه الْفَخْرُ الرَّازِيُ وَ غَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخَذَ مُسَيْلَمَةُ الْكَذَّابُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: أَ تَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَ فَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَ كَانَ مُسَيْلَمَةُ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ بَنِي حَنِيفَةَ، وَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وآله وسلم رَسُولُ قُرَيْشٍ، فَتَرَكَهُ، وَ دَعَا الْآخَرَ فَقَالَ: أَ تَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ! قَالَ: أَ فَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي أَصَمُّ.. ثَلَاثاً. فَقَدَّمَهُ وَ قَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ: أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ فَمَضَى عَلَى صِدْقِهِ وَ يَقِينِهِ فَهَنِيئاً لَهُ، وَ أَمَّا الْآخَرُ فَقَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ. مَا رَوَاهُ الْخَاصَّةُ وَ الْعَامَّةُ أَنَّ أُنَاساً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فُتِنُوا فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهِ، وَ كَانَ فِيهِمْ مَنْ أُكْرِهَ فَأَجْرَى كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ بِقَلْبِهِ مُصِرّاً عَلَى الْإِيمَانِ مِنْهُمْ عَمَّارٌ وَ أَبَوَاهُ: يَاسِرٌ وَ سُمَيَّةُ، وَ صُهَيْبٌ وَ بِلَالٌ وَ خَبَّابٌ وَ سَالِمٌ عُذِّبُوا، وَ أَمَّا سُمَيَّةُ فَقَدْ رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وَ وُجِئَتْ فِي قُبُلِهَا بِحَرْبَةٍ، وَ قَالُوا: إِنَّكِ أَسْلَمْتِ مِنْ أَجْلِ الرِّجَالِ فَقُتِلَتْ، وَ قُتِلَ يَاسِرٌ، وَ هُمَا أَوَّلُ قَتِيلَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَ أَمَّا عَمَّارٌ فَقَدْ أَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا بِلِسَانِهِ مُكْرَهاً، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ عَمَّاراً كَفَرَ. فَقَالَ: كَلَّا، إِنَّ عَمَّاراً مُلِئَ إِيمَاناً مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ، وَ اخْتَلَطَ الْإِيمَانُ بِلَحْمِهِ وَ دَمِهِ، فَأَتَى عَمَّارٌ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ هُوَ يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ يَقُولُ: مَا لَكَ! إِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ . خَبَرُ مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّ أَكْرَهَهُ سَيِّدُهُ فَكَفَرَ ثُمَّ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ فَأَسْلَمَ وَ حَسُنَ إِسْلَامُهُمَا وَ هَاجَرَا . و قال ابن عبد البرّ في الإستيعاب في ترجمة عمّار: إنّ نزول الآية فيهم ممّا أجمع أهل التفسير عليه. و يدل عليها أيضا ما يدلّ على نفي الحرج نحو قوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و لزوم الحرج في مواضع التقيّة- سيّما إذا انتهت الحال إلى القتل و هتك العرض- واضح.. : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. و قد فسّر مجاهد الاضطرار في آية الأنعام باضطرار الإكراه خاصّة. و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ على بعض التفاسير. و لا خلاف في شرعيّتها مع الخوف على النفس من الكفّار الغالبين. و قال الشافعي- من العامّة- بأنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحال بين المسلمين و المشركين حلّت التقيّة، ذكر ذلك الفخر الرازي في تفسير الآية الثانية، و قال: التقيّة جائزة لصون النفس، و هل هي جائزة لصون المال، يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، - لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ،. - وَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ. ، و لأنّ الحاجة إلى المال شديدة، و الماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء و جاز الاقتصار على التيمّم دفعا لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز هاهنا؟. و قال في تفسير الآية الأولى.: ، مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر و أكل الخنزير و أكل الميتة، فإذا أكرهه عليه بالسيف فهاهنا يجب الأكل، و ذلك لأنّ صون الروح عن الفوات واجب و لا سبيل إليه في هذه الصورة إلّا بهذا الأكل، و ليس في هذا الأكل ضرر على حيوان و لا إهانة بحقّ اللّه، فوجب أن يجب، لقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. أن يكون ذلك الفعل مباحا و لا يصير واجبا، و مثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر مباح له ذلك و لكنّه لا يجب. قال: و أجمعوا على أنّه لا يجب عليه التكلّم بكلمة الكفر، و يدلّ عليه وجوه: أحدها: إنّا روينا أنّ بلالا صبر على ذلك العذاب و كان يقول: أحد.. أحد، و لم يقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بئسما صنعت، بل عظّموه عليه، فدلّ ذلك على أنّه لا يجب عليه التكلّم بكلمة الكفر. و ثانيها: ما روي من قصّة المسيلمة، التي سبق ذكرها، قال:. أنّه لا يجب و لا يباح بل يحرم، و هذا مثل ما أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه، فهاهنا يبقى الفعل على الحرمة الأصليّة انتهى. و لا خلاف ظاهرا في أنّه متى أمكن التخلّص من الكذب في صورة التقيّة بالتورية لم يجز ارتكاب الكذب، و اختلفوا فيما لو ضيق المكره الأمر عليه و شرح له كلّ أقسام التعريضات و طلب منه أن يصرّح بأنّه ما أراد شيئا منها و لا أراد إلّا ذلك المعين، و لم يتفطّن في تلك الحال بتورية يتخلّص منه فالخاصّة و أكثر العامّة ذهبوا إلى جواز الكذب حينئذ. و حكى الفخر الرازي عن القاضي أنّه قال: يجب حينئذ تعريض النفس للقتل، لأنّ الكذب إنّما يقبح لكونه كذبا، فوجب أن يقبح على كلّ حال، و لو جاز أن يخرج من القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل اللّه الكذب لرعاية بعض المصالح، و حينئذ لا يبقى وثوق بعهد اللّه و لا بوعيده، لاحتمال أنّه فعل ذلك الكذب لرعاية المصالح التي لا يعرفها إلّا اللّه تعالى. و يرد عليه: أنّ الكذب و إن كان قبيحا إلّا أنّ جواز ارتكابه في محلّ النزاع لأنّه أقلّ القبيحين، و التعريض للقتل- لو سلّمنا عدم قبحه لذاته جاز أن يغلب المفسدة العرضيّة فيه على الذاتيّة في الكذب، و يلزمه تجويز تعريض نبيّ من الأنبياء للقتل للتحرّز عن الكذب في درهم، و بطلانه لا يخفى على أحد. و أمّا ما تمسّك به من تطرّق الكذب إلى وعد اللّه سبحانه و وعيده، فيتوجّه عليه: أوّلا: أنّ العقل يجزم ببطلان الاحتمال المذكور، لأنّ سبحانه هو الذي بيده أزّمة الأمور، و هو القادر الذي لا يضادّه في ملكه أحد، و العالم بالعواقب، فلا يجوز عليه نظم الأمور على وجه لا يمكن فيه رعاية المصلحة إلّا بالكذب. و ثانيا: أنّ ذلك باطل بالضرورة من الدين و إجماع المليّين- لا من حيث عدم جواز الكذب- لرعاية المصالح، و هو واضح. ثم إنّ الشهيد رحمه الله عرّف التقيّة في قواعده بأنّها: مجاملة الناس بما يعرفون و ترك ما ينكرون حذرا من غوائلهم، قال: و أشار إليه أمير المؤمنين عليه السلام و موردها الطاعة و المعصية غالبا، فمجاملة الظالم فيما يعتقده ظلما و الفاسق المتظاهر بفسقه اتّقاء شرّهما من باب المداهنة الجائزة و لا تكاد تسمّى تقيّة. و قسّمها بانقسام الأحكام الخمسة، و عدّ من الحرام التقيّة في قتل الغير، و قال: التقيّة تبيح كلّ شيء حتّى إظهار كلمة الكفر و لو تركها حينئذ أثم، أمّا في هذا المقام و مقام التبرّي من أهل البيت عليهم السلام فإنّه لا يأثم بتركها، بل صبره إمّا مباح أو مستحب، و خصوصا إذا كان ممّن يقتدى به، انتهى. و حكى الشيخ الطبرسي رحمه الله في مجمع البيان عن الشيخ المفيد رضي اللّه عنه أنّه قال: التقيّة قد تجب أحيانا و تكون فرضا، و تجوز أحيانا من غير وجوب و يكون في وقت أفضل من تركها، و قد يكون تركها أفضل و إن كان فاعلها معذورا و معفوّا عنه، متفضّلا عليه بترك اللوم عليها. و قال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله: ظاهر الروايات يدلّ على أنّها واجبة عند الخوف على النفس، و قد روى رخصة في جواز الإفصاح بالحقّ عنده. و أنت إذا وقفت على ما حكيناه ظهر لك أنّ القول بالتقيّة ليس من خصائص الخاصّة حتى يعيّروا به- كما يوهمه كلام قاضي القضاة و الفخر الرازي و غيرهما- و أكثر أحكامها ممّا قال به جلّ العامّة أو طائفة منهم. ثم إنّ ما جعله قاضي القضاة من مفاسد القول بجواز التقية على الإمام أعني لزوم جوازها على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم - ممّا رووه في أخبارهم و اتّفقوا على صحّته. - روى البخاري في صحيحه في باب فضل مكّة و بنيانها بأربعة أسانيد،- و مسلم في صحيحه، و مالك في الموطأ، و الترمذي و النسائي في صحيحيهما، و ذكرهما في جامع الأصول في فضل الأمكنة من حرف الفاء بألفاظ مختلفة. منها:- و هو. لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ وَ الْمُوطَأِ وَ النَّسَائِيِّ- أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ قَالَ لَهَا: أَ لَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ لَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْ لَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ. قال عبد اللّه: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ما أرى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلم ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلّا أنّ البيت لم يتم على قواعد إبراهيم. و مِنْ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم عَنِ الْجِدَارِ، أَ مِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّ قَوْمَكِ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ. قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعاً؟ قَالَ: فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَ يَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَ لَوْ لَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدِهِمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجِدَارَ فِي الْبَيْتِ وَ أَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ .. و مِنْ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ! لَوْ لَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَ أَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَ جَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ، بَاباً شَرْقِيّاً وَ بَاباً غَرْبِيّاً، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ فَذَلِكِ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ: وَ شَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَ بَنَاهُ وَ أَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَ قَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ عليه السلام حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ، قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ لَهُ أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ: أُرِيكَهُ الْآنَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَاهُنَا. فَخَرَرْتُ مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا.. . و باقي ألفاظ الروايات مذكورة في جامع الأصول. و لا ريب في أنّ الظاهر أنّ تعليق الإمضاء بحدثان عهد القوم و قربه من الكفر و الجاهليّة يستلزم خوفه صلى الله عليه وآله وسلم في ارتدادهم و خروجهم عن الإسلام أن يعود بذلك ضرر على نفسه صلى الله عليه وآله وسلم أو إلى غيره، و يتطرّق بذلك الوهن في الإسلام، و ذلك هو الذي جعله قاضي القضاة مفزعا للشيعة عند لزوم الكلام. ثم إنّ هذه الروايات تدلّ دلالة ظاهرة على أنّ إيمان القوم لم يكن ثابتا مستقرا، و إلّا لما كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خائفا وجلا من تغيير ما أسّسه أئمّة القوم في الجاهليّة و الكفر، و إنّهم ممّن قال اللّه تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ. بل الظاهر من الكلام لمن أنصف و راجع الوجدان الصحيح أنّ القوم لم يكونوا مذعنين لرسالته صلى الله عليه وآله وسلم إلّا بألسنتهم، و إلّا لما خاف ارتدادهم لأمر لا يعود بإبقائه إليهم نفع في آخرتهم و دنياهم، و كانوا يحبّون بقاءه لكونه من قواعد الجاهليّة و أساس الكفر، و لا ريب في أنّ توجيه الكلام إلى عائشة و التعبير عن القوم بلفظ يفيد نوعا من الاختصاص بها يقتضي كون الحكم أخصّ و أقرب إلى من كان أقرب إليها و أخصّ بها، لكونه متّبعا في القوم أو أشدّ عصبيّة منهم.. أو نحو ذلك، و ليس في القوم أقرب إلى عائشة من أبيها. فإن قيل: تركه صلى الله عليه وآله وسلم لهدم ما أسّسه القوم لم يكن لخوفه على نفسه أو غيره حتى يدخل في التقيّة، بل هو من قبيل رعاية المصالح في تأليف قلوب القوم و ميلهم إلى الإسلام، و ذلك من قبيل أمره سبحانه بمشاورة القوم و الرفق بهم في قوله: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ. قلنا: أوّلا: هذا بعيد من الظاهر، إذ الخوف من إنكار قلوب عامّة القوم- كما يظهر من إضافة ما يفيد مفاد الجمع لحدثان عهدهم بالجاهليّة و الكفر مع الأمن من لحوق الضرر و لو إلى أحد من المسلمين- ممّا لا معنى له عند الرجوع إلى فطرة سليمة. و ثانيا: أنّه يجوز أن يكون المانع لأمير المؤمنين عليه السلام من نقض أحكامهم مثل ذلك، و لم يكن أئمّة الكفر و الجاهليّة في صدور قوم عائشة أمكن من أبي بكر و عمر في قلوب القوم الذين كانوا يبايعون أمير المؤمنين عليه السلام على سيرتهما و اقتفاء أثرهما، و إذا لم يكن ذلك من التقيّة بطل قول قاضي القضاة، و ليس لهم بعد ذلك إلّا التعلّق بالتقيّة التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام. و ثالثا: إذا جاز على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ترك الإنكار على تغيير ما حرّم اللّه خوفا من هذا النوع من الضعف في الإسلام الذي يئول إلى خروج قوم منافقين أو متزلزلين في الإسلام عن الإسلام من غير أن يعود به ضرر إلى المسلمين و لا إلى نفسه صلى الله عليه وآله وسلم، فبالأولى أن يجوز لأمير المؤمنين إمضاء الباطل من أحكام القوم للخوف على نفسه أو غيره من المسلمين، لكون ذلك أضرّ في الإسلام، و كما لم تمنع العصمة في النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم عن تركه إنكار المنكر لم تمنع في أمير المؤمنين عليه السلام، و يتوجه على قول قاضي القضاة: جوّزوا مع ظهور المعجز أن يدّعي الإمامة تقيّة.. أنّه إن كان المراد تجويز ظهور المعجز بعد ادّعاء الإمامة مع كونه غير نبيّ و لا إمام فبطلانه واضح. و إن كان المراد تجويز ادّعاء الإمامة مع كونه نبيّا حتى يكون ما بعده كالإعادة لهذا الكلام فيرد عليه: أنّه إن كان ذلك الادّعاء على وجه الكذب فامتناع ظهور المعجز على طبقه واضح. و إن كان على وجه التورية حتى يكون المراد من الإمامة النبوّة لكن لم يعرف ذلك أحد من الناس، و كانوا معتقدين لإمامته متديّنين بها لا بنبوّته فهو أيضا باطل، إذ في ظهور المعجز- مع تلك الدعوى- إغراء للمكلّفين بالباطل، و هو قبيح..
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٢٩ - الصفحة ٣٩٦. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
ن، عليه السلام قَالَ
سَأَلْتُهُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) لِمَ لَمْ يَسْتَرْجِعْ فَدَكَ لَمَّا وَلِيَ النَّاسَ؟ فَقَالَ: لِأَنَّا أَهْلُ بَيْتٍ وَلِيُّنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَأْخُذُ لَنَا حُقُوقَنَا مِمَّنْ يَظْلِمُنَا إِلَّا هُوَ، وَ نَحْنُ أَوْلِيَاءُ الْمُؤْمِنِينَ، إِنَّمَا نَحْكُمُ لَهُمْ وَ نَأْخُذُ حُقُوقَهُمْ مِمَّنْ يَظْلِمُهُمْ، وَ لَا نَأْخُذُ لِأَنْفُسِنَا. اعلم أنّ بعض المخالفين تمسّكوا في تصحيح ما زعموه في أمر الميراث و قصّة فدك بإمضاء أمير المؤمنين (عليه السلام) ما فعلته الخلفاء لمّا صار الأمر إليه، و قد استدلّ قاضي القضاة بذلك على أنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن شاهدا في قضيّة فدك، إذ لو كان هو الشاهد فيها لكان الأقرب أن يحكم بعلمه، و كذلك في ترك الحجر لنساء النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، ثم قال: و ليس لهم بعد ذلك إلّا التعلّق بالتقيّة التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام، و لو علموا ما عليهم في ذلك لاشتدّ هربهم منه، لأنّه إن جاز للأئمّة التقيّة- و حالهم في العصمة ما يقولون- ليجوزنّ ذلك من رسول اللّه، و تجويز ذلك فيه يوجب أن لا يوثق بنصّه على أمير المؤمنين (عليه السلام) لتجويز التقيّة، و متى قالوا يعلم بالمعجز إمامته فقد أبطلوا كون النصّ طريقا للإمامة، و الكلام مع ذلك لازم لهم، بأن يقال: جوّزوا مع ظهور المعجز أن يدّعي الإمامة تقيّة، و أن يفعل سائر ما يفعله تقيّة؟ و كيف يوثق مع ذلك بما ينقل عن الرسول و عن الأئمّة؟! و هلّا جاز أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) نبيّا بعد الرسول و ترك ادّعاء ذلك تقيّة و خوفا؟! فإنّ الشبهة في ذلك أوكد من النصّ، لأنّ التعصّب للنبيّ في النبوة أعظم من التعصّب لأبي بكر و غيره في الإمامة! فإن عوّلوا في ذلك على علم الاضطرار فعندهم أنّ الضرورة في النصّ على الإمامة قائمة، و إن فزعوا في ذلك إلى الإجماع، فمن قولهم أنّه لا يوثق به و يلزمهم في الإجماع أن يجوز أن يقع على طريق التقيّة لأنّه لا يكون أوكد من قول الرسول و قول الإمام عندهم، و بعد، فقد ذكر الخلاف في ذلك كما ذكر الخلاف في أنّه إله، فلا يصحّ على شروطهم أن يتعلّقوا بذلك. و أجاب عنه السيّد الأجل رضي اللّه عنه في الشافي بما هذا لفظه: أمّا قوله: إن جازت التقيّة للأئمّة- و حالهم في العصمة ما يدّعون - جازت على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فالفرق بين الأمرين واضح، لأنّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) مبتدئ بالشرع، و مفتتح لتعريف الأحكام التي لا تعرف إلّا من جهته و بيانه، فلو جازت عليه التقيّة لأخلّ ذلك بإزاحة علّة المكلّفين، و لفقدوا الطريق إلى معرفة مصالحهم الشرعيّة، و قد بيّنا أنّها لا تعرف إلّا من جهته، و الإمام بخلاف هذا الحكم، لأنّه مفيد للشرائع التي قد علمت من غير جهته، و ليس يقف العلم بها و الحقّ فيها على قوله دون غيره، فمن اتّقى في بعض الأحكام بسبب يوجب ذلك لم يخل تقيّته بمعرفة الحقّ و إمكان الوصول إليه، و الإمام و الرسول- و إن استويا في العصمة- فليس يجب أن يستويا في جواز التقيّة للفرق الذي ذكرناه، لا أنّ الإمام لم يجز التقيّة عليه لأجل العصمة، و ليس للعصمة تأثير في جواز التقيّة و لا نفي جوازها. فإن قيل: أ ليس من قولكم إنّ الإمام حجّة في الشرائع و قد يجوز عندكم أن ينتهي الأمر إلى أن يكون الحقّ لا يعرف إلّا من جهته و بقوله، بأن يعرض الناقلون عن النقل فلا يرد إلّا من جهة من يقوم الحجّة بقوله و هذا يوجب مساواة الإمام للرسول فيما فرّقتم بينهما فيه؟. قلنا: إذا كانت الحال في الإمام ما صوّرتموه و تعيّنت الحجّة في قوله، فإنّ التقيّة لا تجوز عليه كما لا تجوز على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله). فإن قيل: فلو قدّرنا أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قد بيّن جميع الشرائع و الأحكام التي يلزمه بيانها حتّى لم يبق شبهة في ذلك و لا ريب، لكان يجوز عليه و الحال هذه- التقيّة في بعض الأحكام. قلنا: ليس يمنع عند قوّة أسباب الخوف الموجبة للتقيّة أن يتّقي إذا لم يكن التقيّة مخلّة بالوصول إلى الحقّ و لا منفرة عنه. ثم يقال له: أ ليست التقيّة عندك جائزة على جميع المؤمنين عند حصول أسبابها و على الإمام و الأمير؟!. فإن قال: هي جائزة على المؤمنين و ليست جائزة على الإمام و الأمير. قلنا: و أيّ فرق بين ذلك؟ و الإمام و الأمير عندك ليسا بحجّة في شيء كما أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حجّة فيمنع من ذلك لمكان الحجّة بقولهما، فإن اعترف بجوازها عليهما قيل له فإلا جاز على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قياسا على الأمير و الإمام. فإن قال: لأنّ قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حجّة، و ليس الإمام و الأمير كذلك. قيل له: و أيّ تأثير في الحجّة في ذلك إذا لم تكن التقيّة مانعة من إصابة الحقّ، و لا بمخلّة بالطريق إليه. و خبرنا عن الجماعة التي نقلها في باب الأخبار حجّة لو ظفر بهم جبّار ظالم متفرّقين أو مجتمعين فسألهم عن مذاهبهم- و هم يعلمون أو يغلب في ظنونهم أنّهم متى ذكروها على وجهها قتلهم و أباح حريمهم أ ليست التقيّة جائزة على هؤلاء مع الحجّة في أقوالهم؟ فإن منع من جواز التقيّة على ما ذكرناه دفع ما هو معلوم. و قيل له: و أيّ فرق بين هذه الجماعة و بين من نقص عن عدّتها في جواز التقيّة؟ فلا يجد فرقا. فإن قال: إنّما جوّزنا التقيّة على من ذكرتم لظهور الإكراه و الأسباب الملجئة إلى التقيّة و منعناكم من مثل ذلك، لأنّكم تدعون تقيّة لم تظهر أسبابها و لا الأمور الحاملة عليها من إكراه و غيره. قيل له: هذا اعتراف بما أردناه من جواز التقيّة عند وجود أسبابها، و صار الكلام الآن في تفصيل هذه الجملة، و لسنا نذهب في موضع من المواضع إلى أنّ الإمام اتّقى بغير سبب موجب لتقيّة، و حامل على فعله، و الكلام في التفصيل غير الكلام في الجملة، و ليس كلّ الأسباب التي توجب التقيّة تظهر لكلّ أحد، و يعلمها جميع الخلق، بل ربّما اختلفت الحال فيها، و على كلّ حال فلا بدّ أن تكون معلومة لمن وجب تقيّته، و معلومة أو مجوّزة لغيره، و لهذا قد نجد بعض الملوك يسأل رعيّته عن أمر فيصدقه بعضهم في ذلك و لا يصدقه آخرون، و يستعملون ضربا من التورية، و ليس ذلك إلّا لأنّ من صدق لم يخف على نفسه و من جرى مجرى نفسه، و من ورّى فلأنّه خاف على نفسه و غلب في ظنّه وقوع الضرر به متى صدق فيما سئل عنه، و ليس يجب أن يستوي حال الجميع، و أن يظهر لكلّ أحد السبب في تقيّة من اتّقى ممّن ذكرناه بعينه حتى يقع الإشارة إليه على سبيل التفصيل، و حتى يجري مجرى العرض على السيف في الملإ من الناس، بل ربّما كان ظاهرا كذلك، و ربّما كان خافيا. فإن قيل: مع تجويز التقيّة على الإمام كيف السبيل إلى العلم بمذاهبه و اعتقاده؟ و كيف يتخلّص لنا ما يفتي به على سبيل التقيّة من غيره؟. قلنا: أوّل ما نقوله في ذلك أنّ الإمام لا يجوز أن يتّقي فيما لا يعلم إلّا من جهته، و الطريق إليه إلّا من ناحيته، و قوله و إنّما يجوز التقيّة عليه فيما قد بان بالحجج و البيّنات و نصبت عليه الدلالات حتى لا يكون تقيّته فيه مزيلة لطريق إصابة الحقّ و موقعة للشبهة، ثم لا تبقى في شيء إلّا و يدلّ على خروجه منه مخرج التقيّة، إمّا لما يصاحب كلامه أو يتقدّمه أو يتأخّر عنه، و من اعتبر جميع ما روي عن أئمّتنا (عليهم السلام) على سبيل التقيّة وجده لا يعرى ممّا ذكرناه. ثم إنّ التقيّة إنّما تكون من العدوّ دون الوليّ، و من المتّهم دون الموثوق به، فما يصدر منهم إلى أوليائهم و شيعتهم و نصحائهم في غير مجالس الخوف يرتفع الشكّ في أنّه على غير جهة التقيّة، و ما يفتون به العدوّ أو يمتحنون به في مجالس الجور يجوز أن يكون على سبيل التقيّة كما يجوز أن يكون على غيرها، ثم يقلب هذا السؤال على المخالف فيقال له: إذا أجزت على جميع الناس التقيّة عند الخوف الشديد و ما يجري مجراه، فمن أين تعرف مذاهبهم و اعتقادهم؟! و كيف تفصل بين ما يفتي به المفتي منهم على سبيل التقيّة و بين ما يفتي به و هو مذهب له يعتقد بصحّته؟! فلا بدّ من الرجوع إلى ما ذكرناه. فإن قال: أعرف مذهب غيري و إن أجزت عليه التقيّة بأن يضطرّني إلى اعتقاده، و عند التقيّة لا يكون ذلك. قلنا: و ما المانع لنا من أن نقول هذا بعينه فيما سألت عنه، فأمّا ما تلا كلامه الذي حكيناه عنه من الكلام في التقيّة، و قوله: إنّ ذلك يوجب أن لا يوثق بنصّه على أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإنّما بناه على أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يجوز عليه التقيّة في كلّ حال، و قد بيّنا ما في ذلك و استقصيناه. و قوله: أ لا جاز أن يكون أمير المؤمنين (عليه السلام) نبيّا، و عدل عن ادّعاء ذلك تقيّة.. فيبطله ما ذكرنا من أنّ التقيّة لا يجوز على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الإمام (عليه السلام) فيما لا يعلم إلّا من جهته، و يبطله زائدا على ذلك ما نعلمه نحن و كلّ عاقل ضرورة من نفي النبوّة بعده على كلّ حال من دين الرسول (صلّى اللّه عليه و آله). و قوله: إن عوّلوا على علم الاضطرار فعندهم أنّ الضرورة في النصّ على الإمام قائمة، فمعاذ اللّه أن ندّعي الضرورة في العلم بالنصّ على من غاب عنه فلم يسمعه، و الذي نذهب إليه أنّ كل من لم يشهده لا يعلمه إلّا باستدلال و ليس كذلك نفي النبوّة، لأنّه معلوم من دينه (صلّى اللّه عليه و آله) ضرورة، و لو لم يشهد بالفرق بين الأمرين إلّا اختلاف العقلاء في النصّ مع تصديقهم بالرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و أنّهم لم يختلفوا في نفي النبوّة لكفى، و لا اعتبار بقوله في ذلك خلاف ما قد ذكر كما ذكر في أنّه (عليه السلام) إله، لأنّه هذا الخلاف لا يعتدّ به، و المخالف فيه خارج عن الإسلام فلا يعتبر في إجماع المسلمين بقوله، كما لا يعتبر في إجماع المسلمين بقول من خالف في أنّه إله، على أنّ من خالف و ادّعى نبوّته لا يكون مصدّقا للرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و لا عالما بنبوّته، و لا يدّعي علم الاضطرار في أنّه لا نبيّ بعده و إنّما يعلم ضرورة من دينه (صلّى اللّه عليه و آله) نفي النبوّة بعده من أقرّ بنبوّته. فأمّا قوله: إنّ الإجماع لا يوثق به عندهم، فمعاذ اللّه أن نطعن في الإجماع و كونه حجّة، فإن أراد أنّ الإجماع الذي لا يكون فيه قول إمام ليس بحجّة فذلك ليس بإجماع عندنا و عندهم، و ما ليس بإجماع فلا حجّة فيه، و قد تقدّم عند كلامنا في الإجماع من هذا الكتاب ما فيه كفاية. و قوله: يجوز أنّ يقع الإجماع على طريق التقيّة لا يكون أوكد من قول الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أو قول الإمام (عليه السلام) عندهم، باطل، لأنّا قد بيّنا أنّ التقيّة لا تجوز على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الإمام (عليه السلام) على كلّ حال، و إنّما تجوز على حال دون أخرى، على أنّ القول بأنّ الأمّة بأسرها مجتمع على طريق التقيّة طريف، لأنّ التقيّة سببها الخوف من الضرر العظيم، و إنّما يتّقي بعض الأمّة من بعض لغلبته عليه و قهره له، و جميع الأمّة لا تقيّة عليها من أحد. فإن قيل: يتّقي من مخالفيها في الشرائع. قلنا: الأمر بالضدّ من ذلك، لأنّ من خالطهم و صاحبهم من مخالفيهم في الحال أقلّ عددا و أضعف بطشا منهم، فالتقيّة لمخالفيهم منهم أولى، و هذا أظهر من أن يحتاج فيه إلى الإطالة و الاستقصاء. انتهى كلامه رفع اللّه مقامه. لكثرة تشنيع المخالفين في ذلك علينا مع كثرة الدلائل القاطعة عليها.. قوله تعالى: مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ. قوله تعالى: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً. ما رواه الْفَخْرُ الرَّازِيُ وَ غَيْرُهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: أَخَذَ مُسَيْلَمَةُ الْكَذَّابُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ لِأَحَدِهِمَا: أَ تَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَ فَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَ كَانَ مُسَيْلَمَةُ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ بَنِي حَنِيفَةَ، وَ مُحَمَّدٌ (صلّى اللّه عليه و آله) رَسُولُ قُرَيْشٍ، فَتَرَكَهُ، وَ دَعَا الْآخَرَ فَقَالَ: أَ تَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ! قَالَ: أَ فَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ قَالَ: إِنِّي أَصَمُّ.. ثَلَاثاً. فَقَدَّمَهُ وَ قَتَلَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ: أَمَّا هَذَا الْمَقْتُولُ فَمَضَى عَلَى صِدْقِهِ وَ يَقِينِهِ فَهَنِيئاً لَهُ، وَ أَمَّا الْآخَرُ فَقَبِلَ رُخْصَةَ اللَّهِ فَلَا تَبِعَةَ عَلَيْهِ. مَا رَوَاهُ الْخَاصَّةُ وَ الْعَامَّةُ أَنَّ أُنَاساً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فُتِنُوا فَارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهِ، وَ كَانَ فِيهِمْ مَنْ أُكْرِهَ فَأَجْرَى كَلِمَةَ الْكُفْرِ عَلَى لِسَانِهِ مَعَ أَنَّهُ كَانَ بِقَلْبِهِ مُصِرّاً عَلَى الْإِيمَانِ مِنْهُمْ عَمَّارٌ وَ أَبَوَاهُ: يَاسِرٌ وَ سُمَيَّةُ، وَ صُهَيْبٌ وَ بِلَالٌ وَ خَبَّابٌ وَ سَالِمٌ عُذِّبُوا، وَ أَمَّا سُمَيَّةُ فَقَدْ رُبِطَتْ بَيْنَ بَعِيرَيْنِ وَ وُجِئَتْ فِي قُبُلِهَا بِحَرْبَةٍ، وَ قَالُوا: إِنَّكِ أَسْلَمْتِ مِنْ أَجْلِ الرِّجَالِ فَقُتِلَتْ، وَ قُتِلَ يَاسِرٌ، وَ هُمَا أَوَّلُ قَتِيلَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَ أَمَّا عَمَّارٌ فَقَدْ أَعْطَاهُمْ مَا أَرَادُوا بِلِسَانِهِ مُكْرَهاً، فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ عَمَّاراً كَفَرَ. فَقَالَ: كَلَّا، إِنَّ عَمَّاراً مُلِئَ إِيمَاناً مِنْ قَرْنِهِ إِلَى قَدَمِهِ، وَ اخْتَلَطَ الْإِيمَانُ بِلَحْمِهِ وَ دَمِهِ، فَأَتَى عَمَّارٌ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ يَبْكِي، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَمْسَحُ عَيْنَيْهِ يَقُولُ: مَا لَكَ! إِنْ عَادُوا لَكَ فَعُدْ لَهُمْ بِمَا قُلْتَ. خَبَرُ مَوْلَى الْحَضْرَمِيِّ أَكْرَهَهُ سَيِّدُهُ فَكَفَرَ ثُمَّ أَسْلَمَ مَوْلَاهُ فَأَسْلَمَ وَ حَسُنَ إِسْلَامُهُمَا وَ هَاجَرَا. و قال ابن عبد البرّ في الإستيعاب في ترجمة عمّار: إنّ نزول الآية فيهم ممّا أجمع أهل التفسير عليه. و يدل عليها أيضا ما يدلّ على نفي الحرج نحو قوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و لزوم الحرج في مواضع التقيّة- سيّما إذا انتهت الحال إلى القتل و هتك العرض- واضح..: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَ لا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ. و قد فسّر مجاهد الاضطرار في آية الأنعام باضطرار الإكراه خاصّة. و يدلّ عليه قوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ على بعض التفاسير. و لا خلاف في شرعيّتها مع الخوف على النفس من الكفّار الغالبين. و قال الشافعي- من العامّة- بأنّ الحالة بين المسلمين إذا شاكلت الحال بين المسلمين و المشركين حلّت التقيّة، ذكر ذلك الفخر الرازي في تفسير الآية الثانية، و قال: التقيّة جائزة لصون النفس، و هل هي جائزة لصون المال، يحتمل أن يحكم فيها بالجواز، - لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: حُرْمَةُ مَالِ الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ،. - وَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ: مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ.، و لأنّ الحاجة إلى المال شديدة، و الماء إذا بيع بالغبن سقط فرض الوضوء و جاز الاقتصار على التيمّم دفعا لذلك القدر من نقصان المال، فكيف لا يجوز هاهنا؟. و قال في تفسير الآية الأولى.:، مثل ما إذا أكرهه على شرب الخمر و أكل الخنزير و أكل الميتة، فإذا أكرهه عليه بالسيف فهاهنا يجب الأكل، و ذلك لأنّ صون الروح عن الفوات واجب و لا سبيل إليه في هذه الصورة إلّا بهذا الأكل، و ليس في هذا الأكل ضرر على حيوان و لا إهانة بحقّ اللّه، فوجب أن يجب، لقوله تعالى: وَ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ. أن يكون ذلك الفعل مباحا و لا يصير واجبا، و مثاله ما إذا أكرهه على التلفظ بكلمة الكفر مباح له ذلك و لكنّه لا يجب. قال: و أجمعوا على أنّه لا يجب عليه التكلّم بكلمة الكفر، و يدلّ عليه وجوه: أحدها: إنّا روينا أنّ بلالا صبر على ذلك العذاب و كان يقول: أحد.. أحد، و لم يقل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم بئسما صنعت، بل عظّموه عليه، فدلّ ذلك على أنّه لا يجب عليه التكلّم بكلمة الكفر. و ثانيها: ما روي من قصّة المسيلمة، التي سبق ذكرها، قال:. أنّه لا يجب و لا يباح بل يحرم، و هذا مثل ما أكرهه إنسان على قتل إنسان آخر أو على قطع عضو من أعضائه، فهاهنا يبقى الفعل على الحرمة الأصليّة انتهى. و لا خلاف ظاهرا في أنّه متى أمكن التخلّص من الكذب في صورة التقيّة بالتورية لم يجز ارتكاب الكذب، و اختلفوا فيما لو ضيق المكره الأمر عليه و شرح له كلّ أقسام التعريضات و طلب منه أن يصرّح بأنّه ما أراد شيئا منها و لا أراد إلّا ذلك المعين، و لم يتفطّن في تلك الحال بتورية يتخلّص منه فالخاصّة و أكثر العامّة ذهبوا إلى جواز الكذب حينئذ. و حكى الفخر الرازي عن القاضي أنّه قال: يجب حينئذ تعريض النفس للقتل، لأنّ الكذب إنّما يقبح لكونه كذبا، فوجب أن يقبح على كلّ حال، و لو جاز أن يخرج من القبح لرعاية بعض المصالح لم يمتنع أن يفعل اللّه الكذب لرعاية بعض المصالح، و حينئذ لا يبقى وثوق بعهد اللّه و لا بوعيده، لاحتمال أنّه فعل ذلك الكذب لرعاية المصالح التي لا يعرفها إلّا اللّه تعالى. و يرد عليه: أنّ الكذب و إن كان قبيحا إلّا أنّ جواز ارتكابه في محلّ النزاع لأنّه أقلّ القبيحين، و التعريض للقتل- لو سلّمنا عدم قبحه لذاته جاز أن يغلب المفسدة العرضيّة فيه على الذاتيّة في الكذب، و يلزمه تجويز تعريض نبيّ من الأنبياء للقتل للتحرّز عن الكذب في درهم، و بطلانه لا يخفى على أحد. و أمّا ما تمسّك به من تطرّق الكذب إلى وعد اللّه سبحانه و وعيده، فيتوجّه عليه: أوّلا: أنّ العقل يجزم ببطلان الاحتمال المذكور، لأنّ سبحانه هو الذي بيده أزّمة الأمور، و هو القادر الذي لا يضادّه في ملكه أحد، و العالم بالعواقب، فلا يجوز عليه نظم الأمور على وجه لا يمكن فيه رعاية المصلحة إلّا بالكذب. و ثانيا: أنّ ذلك باطل بالضرورة من الدين و إجماع المليّين- لا من حيث عدم جواز الكذب- لرعاية المصالح، و هو واضح. ثم إنّ الشهيد (رحمه الله) عرّف التقيّة في قواعده بأنّها: مجاملة الناس بما يعرفون و ترك ما ينكرون حذرا من غوائلهم، قال: و أشار إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) و موردها الطاعة و المعصية غالبا، فمجاملة الظالم فيما يعتقده ظلما و الفاسق المتظاهر بفسقه اتّقاء شرّهما من باب المداهنة الجائزة و لا تكاد تسمّى تقيّة. و قسّمها بانقسام الأحكام الخمسة، و عدّ من الحرام التقيّة في قتل الغير، و قال: التقيّة تبيح كلّ شيء حتّى إظهار كلمة الكفر و لو تركها حينئذ أثم، أمّا في هذا المقام و مقام التبرّي من أهل البيت (عليهم السلام) فإنّه لا يأثم بتركها، بل صبره إمّا مباح أو مستحب، و خصوصا إذا كان ممّن يقتدى به، انتهى. و حكى الشيخ الطبرسي (رحمه الله) في مجمع البيان عن الشيخ المفيد رضي اللّه عنه أنّه قال: التقيّة قد تجب أحيانا و تكون فرضا، و تجوز أحيانا من غير وجوب و يكون في وقت أفضل من تركها، و قد يكون تركها أفضل و إن كان فاعلها معذورا و معفوّا عنه، متفضّلا عليه بترك اللوم عليها. و قال الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله): ظاهر الروايات يدلّ على أنّها واجبة عند الخوف على النفس، و قد روى رخصة في جواز الإفصاح بالحقّ عنده. و أنت إذا وقفت على ما حكيناه ظهر لك أنّ القول بالتقيّة ليس من خصائص الخاصّة حتى يعيّروا به- كما يوهمه كلام قاضي القضاة و الفخر الرازي و غيرهما- و أكثر أحكامها ممّا قال به جلّ العامّة أو طائفة منهم. ثم إنّ ما جعله قاضي القضاة من مفاسد القول بجواز التقية على الإمام أعني لزوم جوازها على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) - ممّا رووه في أخبارهم و اتّفقوا على صحّته. - روى البخاري في صحيحه في باب فضل مكّة و بنيانها بأربعة أسانيد، - و مسلم في صحيحه، و مالك في الموطأ، و الترمذي و النسائي في صحيحيهما، و ذكرهما في جامع الأصول في فضل الأمكنة من حرف الفاء بألفاظ مختلفة. منها: - و هو. لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ وَ الْمُوطَأِ وَ النَّسَائِيِّ- أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ أَخْبَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ سَلَّمَ قَالَ لَهَا: أَ لَمْ تَرَيْ أَنَّ قَوْمَكِ حِينَ بَنَوُا الْكَعْبَةَ اقْتَصَرُوا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ لَا تَرُدُّهَا عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ؟ قَالَ: لَوْ لَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَفَعَلْتُ. قال عبد اللّه: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ما أرى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلّا أنّ البيت لم يتم على قواعد إبراهيم. و مِنْ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَ مُسْلِمٍ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) عَنِ الْجِدَارِ، أَ مِنَ الْبَيْتِ هُوَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَمَا لَهُمْ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ؟ قَالَ: إِنَّ قَوْمَكِ قَصُرَتْ بِهِمُ النَّفَقَةُ. قُلْتُ: فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعاً؟ قَالَ: فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَ يَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا، وَ لَوْ لَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدِهِمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ أَنْ أُدْخِلَ الْجِدَارَ فِي الْبَيْتِ وَ أَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بِالْأَرْضِ.. و مِنْ لَفْظِ الْبُخَارِيِّ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ (صلّى اللّه عليه و آله) قَالَ لَهَا: يَا عَائِشَةُ! لَوْ لَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِالْجَاهِلِيَّةِ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَ أَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَ جَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ، بَاباً شَرْقِيّاً وَ بَاباً غَرْبِيّاً، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ فَذَلِكِ الَّذِي حَمَلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ: وَ شَهِدْتُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَ بَنَاهُ وَ أَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الْحِجْرِ، وَ قَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الْإِبِلِ، قَالَ جَرِيرٌ: فَقُلْتُ لَهُ أَيْنَ مَوْضِعُهُ؟ قَالَ: أُرِيكَهُ الْآنَ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ الْحِجْرَ، فَأَشَارَ إِلَى مَكَانٍ فَقَالَ: هَاهُنَا. فَخَرَرْتُ مِنَ الْحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا... و باقي ألفاظ الروايات مذكورة في جامع الأصول. و لا ريب في أنّ الظاهر أنّ تعليق الإمضاء بحدثان عهد القوم و قربه من الكفر و الجاهليّة يستلزم خوفه (صلّى اللّه عليه و آله) في ارتدادهم و خروجهم عن الإسلام أن يعود بذلك ضرر على نفسه (صلّى اللّه عليه و آله) أو إلى غيره، و يتطرّق بذلك الوهن في الإسلام، و ذلك هو الذي جعله قاضي القضاة مفزعا للشيعة عند لزوم الكلام. ثم إنّ هذه الروايات تدلّ دلالة ظاهرة على أنّ إيمان القوم لم يكن ثابتا مستقرا، و إلّا لما كان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) خائفا وجلا من تغيير ما أسّسه أئمّة القوم في الجاهليّة و الكفر، و إنّهم ممّن قال اللّه تعالى: وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَ إِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيا وَ الْآخِرَةَ ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ. بل الظاهر من الكلام لمن أنصف و راجع الوجدان الصحيح أنّ القوم لم يكونوا مذعنين لرسالته (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا بألسنتهم، و إلّا لما خاف ارتدادهم لأمر لا يعود بإبقائه إليهم نفع في آخرتهم و دنياهم، و كانوا يحبّون بقاءه لكونه من قواعد الجاهليّة و أساس الكفر، و لا ريب في أنّ توجيه الكلام إلى عائشة و التعبير عن القوم بلفظ يفيد نوعا من الاختصاص بها يقتضي كون الحكم أخصّ و أقرب إلى من كان أقرب إليها و أخصّ بها، لكونه متّبعا في القوم أو أشدّ عصبيّة منهم.. أو نحو ذلك، و ليس في القوم أقرب إلى عائشة من أبيها. فإن قيل: تركه (صلّى اللّه عليه و آله) لهدم ما أسّسه القوم لم يكن لخوفه على نفسه أو غيره حتى يدخل في التقيّة، بل هو من قبيل رعاية المصالح في تأليف قلوب القوم و ميلهم إلى الإسلام، و ذلك من قبيل أمره سبحانه بمشاورة القوم و الرفق بهم في قوله: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ. قلنا: أوّلا: هذا بعيد من الظاهر، إذ الخوف من إنكار قلوب عامّة القوم- كما يظهر من إضافة ما يفيد مفاد الجمع لحدثان عهدهم بالجاهليّة و الكفر مع الأمن من لحوق الضرر و لو إلى أحد من المسلمين- ممّا لا معنى له عند الرجوع إلى فطرة سليمة. و ثانيا: أنّه يجوز أن يكون المانع لأمير المؤمنين (عليه السلام) من نقض أحكامهم مثل ذلك، و لم يكن أئمّة الكفر و الجاهليّة في صدور قوم عائشة أمكن من أبي بكر و عمر في قلوب القوم الذين كانوا يبايعون أمير المؤمنين عليه السلام على سيرتهما و اقتفاء أثرهما، و إذا لم يكن ذلك من التقيّة بطل قول قاضي القضاة، و ليس لهم بعد ذلك إلّا التعلّق بالتقيّة التي هي مفزعهم عند لزوم الكلام. و ثالثا: إذا جاز على الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ترك الإنكار على تغيير ما حرّم اللّه خوفا من هذا النوع من الضعف في الإسلام الذي يئول إلى خروج قوم منافقين أو متزلزلين في الإسلام عن الإسلام من غير أن يعود به ضرر إلى المسلمين و لا إلى نفسه (صلّى اللّه عليه و آله)، فبالأولى أن يجوز لأمير المؤمنين إمضاء الباطل من أحكام القوم للخوف على نفسه أو غيره من المسلمين، لكون ذلك أضرّ في الإسلام، و كما لم تمنع العصمة في النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عن تركه إنكار المنكر لم تمنع في أمير المؤمنين (عليه السلام)، و يتوجه على قول قاضي القضاة: جوّزوا مع ظهور المعجز أن يدّعي الإمامة تقيّة.. أنّه إن كان المراد تجويز ظهور المعجز بعد ادّعاء الإمامة مع كونه غير نبيّ و لا إمام فبطلانه واضح. و إن كان المراد تجويز ادّعاء الإمامة مع كونه نبيّا حتى يكون ما بعده كالإعادة لهذا الكلام فيرد عليه: أنّه إن كان ذلك الادّعاء على وجه الكذب فامتناع ظهور المعجز على طبقه واضح. و إن كان على وجه التورية حتى يكون المراد من الإمامة النبوّة لكن لم يعرف ذلك أحد من الناس، و كانوا معتقدين لإمامته متديّنين بها لا بنبوّته فهو أيضا باطل، إذ في ظهور المعجز- مع تلك الدعوى- إغراء للمكلّفين بالباطل، و هو قبيح..
بحار الأنوار - ج ٢٩ - الصفحة ٣٩٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
(صلّى اللّه عليه و آله): فَاطِمَةُ مُهْجَةُ قَلْبِي وَ ابْنَاهَا ثَمَرَةُ فُؤَادِي، وَ بَعْلُهَا نُورُ بَصَرِي، وَ الْأَئِمَّةُ مِنْ وُلْدِهَا أُمَنَاءُ رَبِّي، وَ حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ خَلْقِهِ، مَنِ اعْتَصَمَ بِهِمْ نَجَا، وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُمْ هَوَى.. ينبغي أن يعلم أنّ من أقوى الحجج على خلفائهم الثلاثة إنكار أئمّتنا (عليهم السلام) لهم، و قولهم فيهم بأنّهم على الباطل، لاعتراف جمهور علماء أهل الخلاف بفضلهم و علوّ درجتهم، و لو وجدوا سبيلا إلى القدح فيهم و الطعن عليهم لسارعوا إلى ذلك مكافاة الطعن الشيعة في أئمّتهم، و ذلك من فضل اللّه تعالى على أئمّتنا (صلوات الله عليهم)، حيث أذهب عنهم الرجس و طهّرهم تطهيرا، حتى أنّ الناصب المعاند اللغوي الشهرستاني قال في مفتتح شرح كتاب كشف الحق بعد ما بالغ في ذمّ المصنّف (قدس الله روحه) -: و من الغرائب أنّ ذلك الرجل و أمثاله ينسبون مذهبهم إلى الأئمّة الاثني عشر (رضوان اللّه عليهم أجمعين) و هم صدور إيوان الاصطفاء، و بدور سماء الاجتباء، و مفاتيح أبواب الكرم، و مجاريح هواطل النعم، و ليوث غياض البسالة، و غيوث رياض الأيالة، و سبّاق مضامير السماحة، و خزّان نفوذ الرجاحة، و الأعلام الشوامخ في الإرشاد و الهداية، و الجبال الرواسخ في الفهم و الدراية.. ثم ذكر. أبياتا أنشدها في مدحهم، ثم ذكر أنّ الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يثنون على الصحابة، و استشهد برواية نقلها من كتاب كشف الغمّة، و زعم أنّ الباقر (عليه السلام) سمى فيها أبا بكر: صدّيقا.
بحار الأنوار - ج ٢٩ - الصفحة ٦٤٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
في (ك): عنه، بدلا من: منه. الْمَرَاعِيَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ كُلَّهَا مِنْ مَوَاشِي الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ إِلَّا عَنْ بَنِي أُمَيَّةَ. أنّه أعطى من بيت المال الصدقة المقاتلة و غيرها، و ذلك ممّا لا يحلّ في الدين، و دفع الاعتراضات الواردة عليه مذكور في الشافي. إتمامه الصلاة بمنى مع كونه مسافرا، و هو مخالف للسنّة و لسيرة من تقدّمه. فقد رَوَى فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: صَلَّى بِنَا عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ، فَقِيلَ ذَلِكَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَقَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَفَرَّقَتْ بِكُمُ الطُّرُقُ، فَيَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ. قال: أخرجه البخاري و مسلم و أبو داود . وَ فِي أُخْرَى لِأَبِي دَاوُدَ زِيَادَةُ: وَ مَعَ عُثْمَانَ صَدْراً مِنْ إِمَارَتِهِ، ثُمَّ أَتَمَّهَا.. وَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِ ، قَالَ: صَلَّى عُثْمَانُ بِمِنًى أَرْبَعاً حَتَّى بَلَغَ ذَلِكَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ. وَ لَهُ فِي أُخْرَى، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ فِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ. وَ رَوَى الْبُخَارِيُ وَ مُسْلِمٌ وَ النَّسَائِيُ - عَلَى مَا أَوْرَدَهُ صَاحِبُ جَامِعِ الْأُصُولِ -، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ وَ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَهُ، وَ عُمَرُ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَ عُثْمَانُ صَدْراً مِنْ خِلَافَتِهِ، ثُمَّ إِنَّ عُثْمَانَ صَلَّى بَعْدُ أَرْبَعاً، وَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَلَّى أَرْبَعاً، وَ إِذَا صَلَّى وَحْدَهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ . قال: أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ أَنَّهُ: صَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ بِمِنًى وَ غَيْرِهِ رَكْعَتَيْنِ، وَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ وَ عُثْمَانُ رَكْعَتَيْنِ صَدْراً مِنْ خِلَافَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا أَرْبَعاً. و أخرجه البخاري و لم يقل: و غيره. وَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ مُخْتَصَرٌ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ [وَ آلِهِ] وَ سَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ. وَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ صَلَّى الصَّلَاةَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّاهَا بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ صَلَّاهَا بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَ أَنَّ عُثْمَانَ صَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ شَطْرَ إِمَارَتِهِ ثُمَّ أَتَمَّهَا بَعْدُ. قال: أخرجه الموطأ. وَ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ بِمِنًى وَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ وَ مَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ وَ مَعَ عُثْمَانَ صَدْراً مِنْ إِمَارَتِهِ. قال: أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُ. عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قَالَ- وَ قَدْ سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ، فَقَالَ-: حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَ حَجَجْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ عُمَرَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَ مَعَ عُثْمَانَ سِتَّ سِنِينَ مِنْ خِلَافَتِهِ أَوْ ثَمَانِيَ سِنِينَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ. قال: أخرجه الترمذي . وَ عَنْ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ: كَيْفَ أُصَلِّي إِذَا كُنْتُ بِمَكَّةَ إِذَا لَمْ أُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ؟!. قَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ . وَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِ، قَالَ: تَفُوتُنِي الصَّلَاةُ فِي جَمَاعَةٍ- وَ أَنَا بِالْبَطْحَاءِ- مَا تَرَى أُصَلِّي؟. قَالَ: رَكْعَتَيْنِ، سُنَّةَ أَبِي الْقَاسِمِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ . وَ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ- وَ نَحْنُ أَكْثَرُ مَا كُنَّا وَ آمَنُهُ- بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ. أخرجه البخاري و مسلم و الترمذي. وَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَ النَّسَائِيِ، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِمِنًى وَ النَّاسُ أَكْثَرُ مَا كَانُوا، فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ . وَ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ: إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَصْحَابِ عَابُوا عَلَيْهِ مَا صَنَعَ بِمِنًى، قَالَ: وَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَ عِشْرِينَ حَجَّ عُثْمَانُ فَضَرَبَ فُسْطَاطَهُ بِمِنًى- وَ كَانَ أَوَّلَ فُسْطَاطٍ ضَرَبَهُ عُثْمَانُ بِمِنًى- وَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِهَا وَ بِعَرَفَةَ، وَ كَانَ أَوَّلُ مَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّاسُ فِي عُثْمَانَ ظَاهِراً حِينَ أَتَمَّ الصَّلَاةَ بِمِنًى، فَعَابَ ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَ قَالَ لَهُ عَلِيٌّ عليه السلام: مَا حَدَثَ أَمْرٌ وَ لَا قَدُمَ عَهْدٌ، وَ لَقَدْ عَهِدْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ وَ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ يُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ وَ أَنْتَ صَدْراً مِنْ خِلَافَتِكَ، فَمَا أَدْرِي مَا تَرْجِعُ إِلَيْهِ؟ أَ لَمْ تُصَلِّ فِي هَذَا الْمَكَانِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ وَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ صَلَّيْتَهُمَا أَنْتَ رَكْعَتَيْنِ؟. قَالَ: بَلَى! وَ لَكِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ بَعْضَ مَنْ حَجَّ مِنَ الْيَمَنِ وَ جُفَاةَ النَّاسِ قَالُوا إِنَّ الصَّلَاةَ لِلْمُقِيمِ رَكْعَتَانِ، وَ احْتَجُّوا بِصَلَاتِي وَ قَدِ اتَّخَذْتُ بِمَكَّةَ أَهْلًا وَ لِي بِالطَّائِفِ مَالٌ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا فِي هَذَا عُذْرٌ، أَمَّا قَوْلُكَ اتَّخَذْتُ بِهَا أَهْلًا فَإِنَّ زَوْجَكَ بِالْمَدِينَةِ تَخْرُجُ بِهَا إِذَا شِئْتَ وَ إِنَّهَا تَسْكُنُ بِسُكْنَاكَ، وَ أَمَّا مَالُكَ بِالطَّائِفِ، فَبَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ مَسِيرَةُ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَ أَمَّا قَوْلُكَ عَنْ حَاجِّ الْيَمَنِ وَ غَيْرِهِمْ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَ الْإِسْلَامُ قَلِيلٌ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ فَصَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ، وَ قَدْ ضَرَبَ الْإِسْلَامُ بِجِرَانِهِ . فَقَالَ: أَعْمَلُهُ بِمَا أَرَى . فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ فَلَاقَى ابْنَ مَسْعُودٍ، فَقَالَ: وَ الْخِلَافُ شَرٌّ ، وَ قَدْ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي أَرْبَعاً. فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: قَدْ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي رَكْعَتَيْنِ، وَ أَمَّا الْآنَ فَسَوْفَ أُصَلِّي أَرْبَعاً. قَالَ: وَ قِيلَ كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ . وَ رَوَى نَحْوَ ذَلِكَ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ، وَ قَالَ: أَنْكَرَ الْأَصْحَابُ عَلَيْهِ ضَرْبَ الْفُسْطَاطِ بِمِنًى وَ إِطْعَامَهُ النَّاسَ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ شِعَارِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَ لَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مُنْذُ بُعِثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى ذَلِكَ الزَّمَانِ، وَ قَدْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: لَنَضْرِبَنَّ لَكَ فُسْطَاطاً بِمِنًى، فَقَالَ: لَا، مِنَى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ.. وَ رُوِيَ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَ لَا نَبْنِي لَكَ بِمِنًى بَيْتاً يُظَلِّلُ مِنَ الشَّمْسِ؟، فَقَالَ: لَا، إِنَّمَا هُوَ مُنَاخٌ لِمَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ.. قال: أخرجه الترمذي و أبو داود ثم إنّ الشافعي ذهب إلى أنّ قصر الصلاة رخصة ليس بعزيمة، لقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ)، و قال: و القصر أفضل. و قال مالك و أبو حنيفة: إنّه عزيمة، و يدلّ عليه من طرق الجمهور روايات كثيرة، و نفي الجناح لا ينافي كون القصر عزيمة، و سيأتي القول فيه في بابه، مع أنّ القول بالتخيّر لا ينفع في دفع الطعن عنه، إذ لو كان له سبيل إليه لما اعتذر بالأعذار الواهية كما عرفت، بل يظهر من إعراض المعترض و المعتذر عنه رأسا اتّفاق الأصحاب على بطلانه. جرأته على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم و مضادّته له.، فقد حكى الْعَلَّامَةُ رحمه اللّه فِي كِتَابِ كَشْفِ الْحَقِ، عَنِ الْحُمَيْدِيِ، قَالَ: قَالَ السُّدِّيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً) إِنَّهُ لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو سَلَمَةَ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ وَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ امْرَأَتَيْهِمَا: أُمَّ سَلَمَةَ وَ حَفْصَةَ، قَالَ طَلْحَةُ وَ عُثْمَانُ: أَ يَنْكِحُ مُحَمَّدٌ نِسَاءَنَا إِذَا مِتْنَا وَ لَا تُنْكَحُ نِسَاؤُهُ إِذَا مَاتَ؟! وَ اللَّهِ لَوْ قَدْ مَاتَ لَقَدْ أَجْلَبْنَا عَلَى نِسَائِهِ بِالسِّهَامِ، وَ كَانَ طَلْحَةُ يُرِيدُ عَائِشَةَ، وَ عُثْمَانُ يُرِيدُ أُمَّ سَلَمَةَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: (وَ ما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَ لا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً* إِنْ تُبْدُوا شَيْئاً أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) ، وَ أُنْزِلَ: (إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) . عدم إذعانه لقضاء رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بالحقّ.، فقد رَوَى الْعَلَّامَةُ رحمه اللّه فِي كَشْفِ الْحَقِ، عَنِ السُّدِّيِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: (وَ يَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرَّسُولِ وَ أَطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ) ، (وَ إِذا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَ إِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتابُوا أَمْ يَخافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ رَسُولُهُ بَلْ أُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ .) الْآيَاتِ، وَ قَالَ : نَزَلَتْ فِي عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بَنِي النَّضِيرِ فَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، فَقَالَ عُثْمَانُ لِعَلِيٍّ عليه السلام: ائْتِ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ فَاسْأَلْهُ أَرْضَ.. كَذَا وَ كَذَا، فَإِنْ أَعْطَاكَهَا فَأَنَا شَرِيكٌ فِيهَا، وَ آتِيهِ أَنَا فَأَسْأَلُهُ إِيَّاهَا فَإِنْ أَعْطَانِيهَا فَأَنْتَ شَرِيكِي فِيهَا، فَسَأَلَهُ عُثْمَانُ أَوَّلًا فَأَعْطَاهُ إِيَّاهَا، فَقَالَ لِي عَلِيٌّ عليه السلام: أَشْرِكْنِي، فَأَبَى عُثْمَانُ، فَقَالَ: بَيْنِي وَ بَيْنَكَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم، فَأَبَى أَنْ يُخَاصِمَهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم، فَقِيلَ لَهُ: لِمَ لَا تَنْطَلِقُ مَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم؟!، فَقَالَ هُوَ ابْنُ عَمِّهِ فَأَخَافُ أَنْ يَقْضِيَ لَهُ!. فَنَزَلَتِ الْآيَاتُ، فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيَّ ص مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ أَقَرَّ لِعَلِيٍّ عليه السلام بِالْحَقِّ. و قد مرّ هذا من تفسير عليّ بن إبراهيم، و أنّها نزلت فيه بوجه آخر.. أنّه زعم أنّ في المصحف لحنا، - فقد حَكَى الْعَلَّامَةُ رحمه اللّه فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ، عَنْ تَفْسِيرِ الثَّعْلَبِيِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) ، قَالَ: قَالَ عُثْمَانُ: إِنَّ فِي الْمُصْحَفِ لَحْناً . فَقِيلَ لَهُ: أَ لَا تُغَيِّرُهُ؟. فَقَالَ: دَعُوهُ! فَلَا يُحَلِّلُ حَرَاماً وَ لَا يُحَرِّمُ حَلَالًا. ، وَ رَوَاهُ الرَّازِيُّ أَيْضاً فِي تَفْسِيرِهِ. تقديمه الخطبتين في العيدين، و كون الصلاة مقدّمة على الخطبتين قبل عثمان ممّا تضافرت به الأخبار العاميّة.، فقد رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ : أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ يُصَلِّي قَبْلَ الْخُطْبَةِ . وَ عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَامَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَصَلَّى فَبَدَأَ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ ثُمَّ خَطَبَ النَّاسَ. وَ عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ أَبَا بَكْرٍ (3) صحيح مسلم 1- 325- كتاب العيدين-، حديث 884. وَ عُمَرَ كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِيدَيْنِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ. و الأخبار في ذلك من طرق أهل البيت عليهم السلام مستفيضة. و قال العلّامة رحمه اللّه في المنتهى: لا نعرف في ذلك خلافا إلّا من بني أميّة. وَ رَوَى الْكُلَيْنِيُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى، عَنْ يُونُسَ، عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمَّارٍ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام، قَالَ: الْخُطْبَةُ فِي الْعِيدَيْنِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَ إِنَّمَا أَحْدَثَ الْخُطْبَةَ قَبْلَ الصَّلَاةِ عُثْمَانُ . وَ رَوَى الشَّيْخُ فِي التَّهْذِيبِ بِإِسْنَادِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ صَفْوَانَ، عَنِ الْعَلَاءِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَحَدِهِمَا عليهما السلام فِي صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ، قَالَ: الصَّلَاةُ قَبْلَ الْخُطْبَتَيْنِ... ، وَ كَانَ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ عُثْمَانُ لَمَّا أَحْدَثَ إِحْدَاثَهُ، كَانَ إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ قَامَ النَّاسُ لِيَرْجِعُوا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَدَّمَ الْخُطْبَتَيْنِ وَ احْتَبَسَ النَّاسَ لِلصَّلَاةِ . إحداثه الأذان يوم الجمعة زائدا على ما سنّه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، و هو بدعة محرّمة، و يعبّر عنه تارة ب: الأذان الثالث، لأنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم شرّع للصلاة أذانا و إقامة فالزيادة ثالث، أو مع صلاة الصبح، و تارة ب: الأذان الثاني، و الوجه واضح، و هو ما يقع ثانيا بالزمان، أو ما لم يكن بين يدي الخطيب، لأنّه الثاني باعتبار الإحداث سواء وقع أولا بالزمان أو ثانيا. و قال ابن إدريس: ما يفعل بعد نزول الإمام. و قَدْ رَوَى إِحْدَاثَ عُثْمَانَ الْأَذَانَ الثَّالِثَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْكَامِلِ فِي حَوَادِثِ سَنَةِ ثَلَاثِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَ رَوَاهُ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ، وَ رَوَاهُ مِنْ أَصْحَابِ صِحَاحِهِمُ الْبُخَارِيِ وَ أَبِي دَاوُدَ وَ التِّرْمِذِيِ وَ النَّسَائِيِ عَلَى مَا رَوَاهُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ عَنْهُمْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ السَّائِبِ فِي رِوَايَاتٍ عَدِيدَةٍ: - مِنْهَا: أَنَّهُ كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ نَادَى النِّدَاءَ الثَّالِثَ عَلَى الزَّوْرَاءِ . وَ رُوِيَ، عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: مَا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ أَحَبُّ إِلَيَّ. ما ذكره في روضة الأحباب أنّه لّما حجّ في سنة ست و عشرين من الهجرة أمر بتوسيع المسجد الحرام، فابتاع دار من رضي بالبيع من الساكنين في جوار المسجد، و من لم يرض به أخذ داره قهرا، ثم لمّا اجتمعوا إليه و شكوا و تظلّموا أمر بحبسهم حتّى كلّمهم فيهم عبد اللّه بن خالد بن الوليد فشفّعه فيهم و أطلقهم. و لا ريب في أنّ غصب الدور و جعلها مسجدا حرام في الشريعة باتّفاق المسلمين. إنّه لم يتمكّن من الإتيان بالخطبة، فقد رُوِيَ فِي رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ مِنْ خِلَافَتِهِ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَعَرَضَهُ الْعِيُّ فَعَجَزَ عَنْ أَدَاءِ الْخُطْبَةِ وَ تَرَكَهَا، فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: أَيُّهَا النَّاسُ! سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً وَ بَعْدَ عِيٍّ نُطْقاً، وَ إِنَّكُمْ إِلَى إِمَامٍ فَعَّالٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى إِمَامٍ قَوَّالٍ، أَقُولُ قَوْلِي وَ اسْتَغْفِرُوا اللَّهَ لِي وَ لَكُمْ.. فَنَزَلَ. قَالَ: وَ فِي رِوَايَةٍ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ.. وَ عَجَزَ عَنِ الْكَلَامِ. وَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ كُلِّ مَرْكَبٍ صَعْبٌ، وَ إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ كَانَا يُعِدَّانِ لِهَذَا الْمَقَامِ مَقَالًا وَ أَنْتُمْ إِلَى إِمَامٍ عَادِلٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى إِمَامٍ قَائِلٍ، وَ إِنْ أَعِشْ فَآتِكُمُ الْخُطْبَةَ عَلَى وَجْهِهَا، وَ يَعْلَمُ اللَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَ قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ - قَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام: وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ، وَ فِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَ عَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ. . إِنَّهُ رَوَى أَبُو عُثْمَانَ فِي كِتَابِ الْبَيَانِ وَ التَّبْيِينِ، إِنَّ عُثْمَانَ صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَأُرْتِجَ عَلَيْهِ. فَقَالَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ كَانَا يُعِدَّانِ لِهَذَا الْمَقَامِ مَقَالًا، وَ أَنْتُمْ إِلَى إِمَامٍ عَادِلٍ أَحْوَجُ مِنْكُمْ إِلَى إِمَامٍ خَطِيبٍ، وَ سَآتِيكُمْ الْخُطْبَةَ عَلَى وَجْهِهَا.. ثُمَّ نَزَلَ. قَالَ: وَ خَطَبَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَحَصِرَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّا نَحْمَدُكَ وَ نَسْتَعِينُكَ وَ نُشْرِكُ بِكَ!. قَالَ: وَ خَطَبَ مُصْعَبُ بْنُ حَيَّانَ خُطْبَةَ نِكَاحٍ فَحَصِرَ، فَقَالَ: لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَتْ أُمُّ الْجَارِيَةِ: عَجَّلَ اللَّهُ مَوْتَكَ، أَ لِهَذَا دَعَوْتُكَ؟. انتهى. و الظاهر من هذه الروايات أنّ الخطبة كانت خطبة الجمعة الواجبة، و أنّ عثمان لما حصر و عرضه العيّ ترك الخطبة و لم يأمر أحدا بالقيام بها و إقامة الصلاة، و إلّا لرووه و لم يهملوا ذكره، فالأمر في ذلك ليس مقصورا على العجز و القصور بل فيه ارتكاب المحظور، فيكون أوضح في الطعن. جهله بالأحكام.، فقد رَوَى الْعَلَّامَةُ قدّس اللّه روحه فِي كَشْفِ الْحَقِ، عَنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ، وَ أَوْرَدَهُ صَاحِبُ رَوْضَةِ الْأَحْبَابِ أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَى زَوْجِهَا فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُثْمَانَ فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ عَلِيٌّ عليه السلام، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ: (وَ حَمْلُهُ وَ فِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) ، وَ قَالَ تَعَالَى: (وَ فِصالُهُ فِي عامَيْنِ) فَلَمْ يَصِلْ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ رَجْمِهَا،. (5) وضع في مطبوع البحار على كلمة: عثمان، رمز نسخة بدل. فَقَتَلَ الْمَرْأَةَ لِجَهْلِهِ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: 3- رأي الخليفة في المعترفة بالزّنا. 8- 227- 230. (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ). و من الشواهد على جهله أن مرويّاته في كتب الجمهور- مع حرص أتباعه من بني أميّة و المتأخّرين عنهم على إظهار فضله- لم يزد على مائة و ستة و أربعين. و قد رووا عن أبي هريرة الدوسي خمسة آلاف و ثلاثمائة و أربعة و سبعين حديثا، و ذلك إمّا لغلبة الغباوة حيث لم يأخذ في طول الصحبة إلّا نحوا ممّا ذكر، أو لقلّة الاعتناء برواية كلام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، و كلاهما يمنعان عن استيهال الخلافة و الإمامة. اعلم أنّ عبد الحميد بن أبي الحديد- بعد ما أورد مطاعن عثمان- أجاب عنها إجمالا، فقال: إنّا لا ننكر أنّ عثمان أحدث أحداثا أنكرها كثير من المسلمين، و لكنّا ندّعي مع ذلك أنّها لم تبلغ درجة الفسق، و لا أحبطت ثوابه، و أنّها من الصغائر المكفّرة، و ذلك لأنّا قد علمنا أنّه مغفور له، و أنّه من أهل الجنّة لثلاثة أوجه: أحدها: أنّه من أهل بدر، - و قد قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ، فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ. و عثمان- و إن لم يشهد بدرا- لكنّه تخلّف على رقيّة بنت رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله]، و ضمن رسول اللّه صلّى اللّه عليه [و آله] لسهمه و أجره باتّفاق سائر الناس. و الثاني: أنّه من أهل بيعة الرضوان الذين قال اللّه تعالى فيهم: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ)، و هو و إن لم يشهد تلك البيعة و لكنّه - كَانَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، وَ لِأَجْلِهِ كَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ، حَيْثُ أُرْجِفَ بِأَنَّ قُرَيْشاً قَتَلَتْ عُثْمَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: إِنْ كَانُوا قَتَلُوهُ لَأُضْرِمَنَّهَا عَلَيْهِمْ نَاراً، ثُمَّ جَلَسَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَ بَايَعَ النَّاسَ عَلَى الْمَوْتِ. ثُمَ قَالَ: إِنْ كَانَ عُثْمَانُ حَيّاً فَأَنَا أُبَايِعُ عَنْهُ، فَمَسَحَ بِشِمَالِهِ عَلَى يَمِينِهِ، وَ قَالَ: شِمَالِي خَيْرٌ مِنْ يَمِينِ عُثْمَانَ، رَوَى ذَلِكَ أَهْلُ السِّيَرِ مُتَّفِقاً عَلَيْهِ. و الثالث: أنّه من جملة العشرة الذين تظاهرت الأخبار بأنّهم من أهل الجنّة. و إذا كانت هذه الوجوه دالّة على أنّه مغفور له، و أنّ اللّه تعالى قد رضي عنه، و أنّه من أهل الجنّة، بطل أن يكون فاسقا، لأنّ الفاسق يخرج عندنا من الإيمان و ينحبط ثوابه، و يحكم له بالنار، و لا يغفر له، و لا يرضى عنه، و لا يرى الجنّة و لا يدخلها، فاقتضت هذه الوجوه أن يحكم بأنّ كلّ ما وقع منه فهو من باب الصغائر المكفّرة توفيقا بين الأدلّة. انتهى كلامه. و يرد على ما ذكره إجمالا أنّ المستند في جميع تلك الوجوه ليس إلّا ما تفرّد المخالفون بروايته، و لا يصحّ التمسّك به في مقام الاحتجاج كما مرّ مرارا، و الأصل في أكثرها - مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي، هَلْ تَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟. قَالَ: نَعَمْ. فَقَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ وَ لَمْ يَشْهَدْ؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: تَعْلَمُ أَنَّهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ فَلَمْ يَشْهَدْهَا؟. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعَالَ أُبَيِّنْ لَكَ، أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَفَا عَنْهُ وَ غَفَرَ لَهُ، وَ أَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإِنَّهُ كَانَتْ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ وَ كَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ: إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْراً وَ سَهْمَهُ، وَ أَمَّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، فَلَوْ كَانَ أَحَدٌ أَعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ عُثْمَانَ لَبَعَثَهُ مَكَانَهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ عُثْمَانَ وَ كَانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ بَعْدَ مَا ذَهَبَ عُثْمَانُ إِلَى مَكَّةَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ سَلَّمَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ، فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ. فَقَالَ: هَذِهِ لِعُثْمَانَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ ابْنُ عُمَرَ: اذْهَبْ بِهَا الْآنَ مَعَكَ . و ابن عمر هو الذي قعد عن نصرة أمير المؤمنين عليه السلام و بايع رجل الحجّاج، و لا عبرة بقوله و روايته، مع قطع النظر عن سائر رواة الخبر، و حديث العشرة المبشّرة أيضا ممّا تفرّدوا بروايته، و سيأتي في قصّة الجمل تكذيب أمير المؤمنين عليه السلام هذه الرواية، و يؤيّد ضعفه أيضا أنّه ليس بمرويّ في صحاحهم إلّا عن رجلين عدّا أنفسهما من جملة العشرة، و هما سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل و عبد الرحمن بن عوف، و التهمة في روايتهما لتزكيتهما أنفسهما واضحة. و يؤكّده أيضا ما ذكره السيّد الأجل رضي اللّه عنه في الشافي من: أنّه تعالى لا يجوز أن يعلم مكلّفا- يجوز أن يقع منه القبيح و الحسن و ليس بمعصوم من الذنوب- بأنّ عاقبته الجنّة، لأنّ ذلك يغريه بالقبيح، و لا خلاف في أنّ أكثر العشرة لم يكونوا معصومين من الذنوب، و قد أوقع بعضهم بالاتّفاق كبائر و إن ادّعى المخالفون أنّهم تابوا منها، قال: و ممّا يبيّن بطلان هذا الخبر أنّ أبا بكر لم يحتجّ به لنفسه و لا احتجّ له به في مواطن وقع فيه الاحتياج إلى الاحتجاج كالسقيفة و غيرها، و كذلك عمر، و عثمان لما حصر و طولب بخلع نفسه و همّوا بقتله، و قد رأينا احتجّ بأشياء تجري مجرى الفضائل و المناقب، و ذكر القطع له بالجنّة أولى منها و أحرى بأن يعتمد عليه في الاحتجاج، و في عدول الجماعة عن ذكره دلالة واضحة على بطلانه. انتهى. و يؤيّد بطلانه- أيضا- أنّ كثيرا من أعيان المهاجرين و الأنصار كانوا بين قاصد لقتل عثمان خارج عليه و بين راض بقتله، و تركوه بعد قتله منبوذا بالعراء غير مدفون حتى دفن في المزبلة بعد ثلاثة أيّام، و كيف يظنّ ذلك بأمثال هؤلاء مع علمهم بكونه من أهل الجنّة؟ و كيف لم يحتجّ أنصاره من بني أميّة عليهم بهذا؟ و هل يظنّ بأمير المؤمنين عليه السلام أن يتركه كذلك ثلاثة أيّام مع علمه بذلك؟ و أيضا لو صحّ ذلك لزم كفر طلحة بكونه من المستحلّين بقتله، و لا ريب في أنّ استحلال قتل من شهد له رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بالجنّة لصغائر مكفّرة ليس بأدون من استحلال شرب جرعة من الخمر، و كذلك يلزم كفر كلّ من المتخاصمين يوم الجمل لكون كلّ منهما مستحلّين لقتل الآخر مع الشهادة لهما بالجنّة، و الأوّل باطل عند المخالفين، و الثاني عند الجميع، فإنّ من الخصمين أمير المؤمنين عليه السلام و قد استحلّ قتل طلحة و الزبير، و القول بعدم علمهم بهذه الشهادة ظاهر الفساد. و يؤكّد بطلانه- أيضا- ما رُوِيَ مِنْ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ سَأَلَ حُذَيْفَةَ عَنْ عَدِّ رَسُولِ اللَّهِ ص إِيَّاهُ فِي جُمْلَةِ الْمُنَافِقِينَ، إِذْ لَوْ كَانَ مِمَّنْ قُطِعَ لَهُ بِالْجَنَّةِ لَمْ يَخْتَلِجْهُ الشَّكُّ فِي النِّفَاقِ. ثم لو قطعنا النظر عن تفرّد المخالفين بتلك الروايات و دلالة الشواهد و الأدلّة المعارضة لها على وضعها و بطلانها، نقول: يرد على ما استند إليه من الرواية أنّها إمّا أن تحمل على ظاهرها الّذي فهمه ابن أبي الحديد من الرخصة العامّة و المغفرة الشاملة لما تقدّم من ذنبهم و ما تأخّر، أو يتطرّق التجوّز إليها و تخصيص عمومها، و على الأوّل يلزم سقوط التكليف عن البدريّين و الرخصة لهم في ارتكاب المحرّمات كبائرها و صغائرها، و لو كان الفعل ممّا يؤدّي إلى الكفر كالاستخفاف بالقرآن و نحو ذلك، و هذا لو لم يكن الاعتقاد مندرجا في العمل المشتمل عليه الرواية و إلّا فالأمر أوضح، و البدريّون- على المشهور- كانوا ثلاثمائة و ثلاثة عشر رجلا مع القوم الذين ضرب لهم رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بسهامهم و هم غائبون، و عدّتهم ثمانية. و سقوط التكليف عن هؤلاء القوم مخالف للإجماع و لضرورة الدين، و لم يدّع أحد العصمة في أهل البدر إلّا في عليّ عليه السلام، و لا ريب في أنّ الباقين كانوا يكتسبون الآثام و يقارفون الذنوب، و في إعلامهم بالمغفرة لهم في الذنوب التي يرتكبونها بعد ذلك إغراء ظاهر لهم بالقبيح، و هو قبيح. و على الثاني، فإمّا أن يخصّص الرخصة بالصغائر و يعمّم المغفرة بالذنوب السالفة و المستأنفة، و حينئذ يتوجّه مع مخالفة الضرورة و الإجماع أنّه لا يستلزم المدّعى، إذ الرخصة في الصغائر و غفرانها ممّا لا يوجب كون ما صدر منهم من الصغائر المكفّرة، و مع ذلك تعميم المغفرة- المبتني عليه الوجهان- مخالف للظاهر، و هو ظاهر. و إمّا أن يخصّص المغفرة بالذنوب السالفة و يكون المراد بلفظة: اعملوا ما شئتم، المبالغة في حسن ما عملوا في بدر و إظهار الرضا الكامل لعملهم الصالح من غير رخصة لهم في الأيّام الآتية، و حينئذ فلا تعلّق للرواية بالمدّعى، هذا على تقدير تسليم المساواة التّي ادّعاها ابن أبي الحديد في عثمان للبدريّين. و مستند من رواه من أهل السير ليس إلّا قول ابن عمر كما عرفت. و أمّا ما تمسّك به ثانيا من أنّه في حكم من بايع بيعة الرضوان، و أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بايع عنه، فبعد تسليم صحّة الرواية يتوجّه عليه أنّه لا دلالة له على المدّعى بوجوه: الأول: أن دخول عثمان و أضرابه في المؤمنين ممنوع، و قد علّق اللّه الرضا في الآية على الإيمان و البيعة دون البيعة وحدها حتى يكون جميع من بايع تحت الشجرة مرضيّا، و قد ورد عن أهل البيت عليهم السلام ما يدلّ على... الثاني: أنّ كون الألف و اللام للاستغراق ممنوع، كما أشار إليه السيد رضي اللّه عنه في الشافي حيث قال: الظاهر عندنا أنّ آلة التعريف مشتركة متردّدة بين العموم و الخصوص، و إنّما يحمل على أحدهما بدلالة غير الظاهر، و قد دلّلنا على ذلك في مواضع كثيرة، و خاصّة في كلامنا المنفرد للوعيد من جملة مسائل أهل الموصل. - قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام: إِنَّهُ تَعَالَى قَدْ وَصَفَ مَنْ رَضِيَ عَنْهُ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ بِأَوْصَافٍ قَدْ عَلِمْنَا أَنَّهَا لَمْ تَحْصُلْ لِجَمِيعِ الْمُبَايِعِينَ، فَيَجِبُ أَنْ يَخْتَصَّ الرِّضَا بِمَنِ اخْتَصَّ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ: (فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَ أَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) . و لا خلاف بين أهل النقل في أنّ الفتح الذي كان بعد بيعة الرضوان بلا فصل- هو فتح خيبر، - و أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بعث أبا بكر و عمر فرجع كلّ واحد منهما منهزما ناكصا على عقبيه، فغضب النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ قَالَ: لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَداً رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ كَرَّارٌ غَيْرُ فَرَّارٍ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ . فَدَعَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام - فَكَانَ أَرْمَدَ فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ فَزَالَ مَا كَانَ يَشْتَكِي- وَ أَعْطَاهُ الرَّايَةَ وَ مَضَى مُتَوَجِّهاً وَ كَانَ الْفَتْحُ عَلَى يَدَيْهِ. ، فيجب أن يكون هو المخصوص بحكم الآية، و من كان معه في ذلك الفتح من أهل البيعة تحت الشجرة لتكامل الشرائط فيهم، و يجب أن يخرج عنها من لم يجتمع له الشرائط، و ليس لأحد أن يقول إنّ الفتح كان لجميع المسلمين و إن تولاه بعضهم و جرى على يديه، فيجب أن يكون جميع أهل بيعة الرضوان ممّن رزق الفتح و أُثيب به، و هذا يقتضي شمول الرضا للجميع، و ذلك لأنّ هذا عدول عن الظاهر، لأنّ من فعل الشيء بنفسه هو الذي يضاف إليه على سبيل الحقيقة، و يقال إنّه أثيب به و رزق إيّاه، و لو جاز ذلك جاز أن يوصف من كان بخراسان من المسلمين بأنّه هزم جنود الروم و فتح حصونهم و إن وصفنا بذلك من يتولاهم و يجري على يديه. انتهى. و دخول عثمان في جملة من جرى الفتح على أيديهم [مع أنّه] ممّا لم يذكره أرباب السير، بل الظاهر عدمه كما خرج عنهم المتقدّمان عليه، فهو في محلّ المنع، كما أنّ دخوله فيمن أنزلت عليه السكينة ممنوع. الثالث: أنّه بعد تسليم شمول الآية له لا دلالة للرضا عن المؤمنين حال البيعة، أو لها على أنّه لا يصدر عنهم كبيرة بعد ذلك حتى يكون أحداث عثمان من الصغائر المكفّرة، و قد كان أهل بيعة الرضوان- على ما ذكره أرباب السير ألفا و خمسمائة أو ثلاثمائة، و قد كان منهم من يرتكب أنواع المحرّمات، و هل يقول عاقل بعدم صدور كبيرة واحدة عن أحد من هؤلاء مع كثرتهم. و ما تمسّك به من حديث بشارة العشرة فبعد ما عرفت من أنّها من الروايات الّتي تفرّدوا بها و قامت الشواهد على ضعفها و بطلانها، يتوجّه عليه أنّ الرواية- على تقدير صحّتها- لا تدلّ على صلاحيّة الإمامة، إذ ليس جميع أهل الجنّة مستأهلين للإمامة، و ليس المانع عنه مقصورا على ارتكاب الكبيرة المخرجة عن الإسلام الموجبة لدخول النار- على ما زعمه ابن أبي الحديد و أصحابه-. و من جملة الموانع الضعف عن القيام بأمر الإمامة و عدم القدرة على دفع الأشرار و الجهل بالأحكام، و عدم استقرار الرأي لضعف العقل و نحو ذلك. ، و قد عزم- غير مرّة- على عزل كثير منهم لما رأى من ظلمهم و انحراف الناس عنه لأجلهم فحال مروان بينه و بين ما أراد حتى حصبوه على المنبر، و آل الحال إلى الحصر و القتل. كما عرفت، فبعد تسليم الرواية أيضا لا يتمّ الجواب.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٣١ - الصفحة ٢٢٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٣٢ - الصفحة ١١٦. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
نهج، نهج البلاغة وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ
عليه السلام فِي بَعْضِ أَيَّامِ صِفِّينَ وَ قَدْ رَأَى الْحَسَنَ يَتَسَرَّعُ إِلَى الْحَرْبِ امْلِكُوا عَنِّي هَذَا الْغُلَامَ لَا يَهُدَّنِي فَإِنِّي أَنْفَسُ بِهَذَيْنِ يَعْنِي الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ عليهما السلام عَلَى الْمَوْتِ لِئَلَّا يَنْقَطِعَ بِهِمَا نَسْلُ رَسُولِ اللَّهِ ص. قال السيد الرضي و قوله عليه السلام املكوا عني هذا الغلام من أعلى الكلام و أفصحه. بيان في أكثر النسخ أملكوا بفتح الهمزة و قال ابن أبي الحديد الألف في املكوا ألف وصل لأن الماضي ثلاثي من ملكت الفرس و الدار أملك بالكسر أي احجروا عليه كما يحجر المالك على مملوكه و عن متعلقة بمحذوف و تقديره استولوا عليه و أبعدوه عني و لما كان الملك سبب الحجر عبر بالسبب عن المسبب. و وجه علو هذا الكلام و فصاحته أنه لما كان في أملكوا معنى البعد أعقبه بعن و ذلك أنهم لا يملكونه دونه إلا و قد أبعدوه عنه قوله لا يهدني أي لئلا يهدني و هد البناء كسره و نفست به بالكسر أي بخلت به. 468 - كا، الكافي فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ أَعْيَنَ قَالَ: حَرَّضَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام النَّاسَ بِصِفِّينَ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ دَلَّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ وَ تُشْفِي بِكُمْ عَلَى الْخَيْرِ وَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَ جَعَلَ ثَوَابَهُ مَغْفِرَةً لِلذَّنْبِ وَ مَساكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَ قَالَ جَلَّ وَ عَزَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ الصَّفَّ فَسَوُّوا صُفُوفَكُمْ كَالْبُنْيَانِ الْمَرْصُوصِ فَقَدِّمُوا الدَّارِعَ وَ أَخِّرُوا الْحَاسِرَ وَ عَضُّوا عَلَى النَّوَاجِذِ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ وَ الْتَوُوا عَلَى أَطْرَافِ الرِّمَاحِ فَإِنَّهُ أَمْوَرُ لِلْأَسِنَّةِ وَ غُضُّوا الْأَبْصَارَ فَإِنَّهُ أَرْبَطُ لِلْجَأْشِ وَ أَسْكَنُ لِلْقُلُوبِ وَ أَمِيتُوا الْأَصْوَاتَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ وَ أَوْلَى بِالْوَقَارِ وَ لَا تَمِيلُوا بِرَايَاتِكُمْ وَ لَا تُزِيلُوهَا وَ لَا تَجْعَلُوهَا إِلَّا مَعَ شُجْعَانِكُمْ فَإِنَّ الْمَانِعَ لِلذِّمَارِ وَ الصَّابِرَ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ هُمْ أَهْلُ الْحِفَاظِ وَ لَا تُمَثِّلُوا بِقَتِيلٍ وَ إِذَا وَصَلْتُمْ إِلَى رِحَالِ الْقَوْمِ فَلَا تَهْتِكُوا سِتْراً وَ لَا تَدْخُلُوا دَاراً وَ لَا تَأْخُذُوا شَيْئاً مِنْ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مَا وَجَدْتُمْ فِي عَسْكَرِهِمْ وَ لَا تَهِيجُوا امْرَأَةً بِأَذًى وَ إِنْ شَتَمْنَ أَعْرَاضَكُمْ وَ سَبَبْنَ أُمَرَاءَكُمْ وَ صُلَحَاءَكُمْ فَإِنَّهُنَّ ضِعَافُ الْقُوَى وَ الْأَنْفُسِ وَ الْعُقُولِ وَ قَدْ كُنَّا نُؤْمَرُ بِالْكَفِّ عَنْهُنَّ وَ هُنَّ مُشْرِكَاتٌ وَ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَنَاوَلُ الْمَرْأَةَ فَيُعَيَّرُ بِهَا وَ عَقِبُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَ اعْلَمُوا أَنَّ أَهْلَ الْحِفَاظِ هُمُ الَّذِينَ يَحُفُّونَ بِرَايَاتِكُمْ وَ يَكْتَنِفُونَهَا وَ يَصْبِرُونَ حِفَافَيْهَا وَ وَرَاءَهَا وَ أَمَامَهَا وَ لَا يُضَيِّعُونَهَا لَا يَتَأَخَّرُونَ عَنْهَا فَيُسْلِمُوهَا وَ لَا يَتَقَدَّمُونَ عَلَيْهَا فَيُفْرِدُوهَا رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً وَاسَى أَخَاهُ بِنَفْسِهِ وَ لَمْ يَكِلْ قِرْنَهُ إِلَى أَخِيهِ فَيَجْتَمِعَ عَلَيْهِ قِرْنُهُ وَ قِرْنُ أَخِيهِ فَيَكْتَسِبَ بِذَلِكَ اللَّائِمَةَ وَ يَأْتِيَ بِدَنَاءَةٍ وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ وَ هُوَ يُقَاتِلُ الِاثْنَيْنِ وَ هَذَا مُمْسِكٌ يَدَهُ قَدْ خَلَّى قِرْنَهُ عَلَى أَخِيهِ هَارِباً يَنْظُرُ إِلَيْهِ وَ هَذَا فَمَنْ يَفْعَلْهُ يَمْقُتْهُ اللَّهُ فَلَا تَعَرَّضُوا لِمَقْتِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَإِنَّمَا مَمَرُّكُمْ إِلَى اللَّهِ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَ إِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا وَ ايْمُ اللَّهِ لَئِنْ فَرَرْتُمْ مِنْ سُيُوفِ الْعَاجِلَةِ لَا تَسْلَمُونَ مِنْ سُيُوفِ الْآجِلَةِ فَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصِّدْقِ فَإِنَّمَا يَنْزِلُ النَّصْرُ بَعْدَ الصَّبْرِ فَ جاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ وَ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ. 469 - وَ فِي كَلَامٍ آخَرَ لَهُ قَالَ عليه السلام وَ إِذَا لَقِيتُمْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ غَداً فَلَا تُقَاتِلُوهُمْ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فَإِذَا بَدَءُوا بِكُمْ فَانْهُدُوا إِلَيْهِمْ وَ عَلَيْكُمُ السَّكِينَةَ وَ الْوَقَارَ وَ عَضُّوا عَلَى الْأَضْرَاسِ فَإِنَّهُ أَنْبَى لِلسُّيُوفِ عَنِ الْهَامِ وَ غُضُّوا الْأَبْصَارَ وَ مُدُّوا جِبَاهَ الْخُيُولِ وَ وُجُوهَ الرِّجَالِ وَ أَقِلُّوا الْكَلَامَ فَإِنَّهُ أَطْرَدُ لِلْفَشَلِ وَ أَذْهَبُ بِالْوَهَلِ وَ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الْمُبَارَزَةِ وَ الْمُنَازَلَةِ وَ الْمُجَادَلَةِ وَ اثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ كَثِيراً فَإِنَّ الْمَانِعَ لِلذِّمَارِ عِنْدَ نُزُولِ الْحَقَائِقِ هُمْ أَهْلُ الْحِفَاظِ الَّذِينَ يَحُفُّونَ بِرَايَاتِهِمْ وَ يَضْرِبُونَ حَافَتَيْهَا وَ أَمَامَهَا وَ إِذَا حَمَلْتُمْ فَافْعَلُوا فِعْلَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَ عَلَيْكُمْ بِالتَّحَامِي فَإِنَّ الْحَرْبَ سِجَالٌ لَا يَشْتَدُّنَّ عَلَيْكُمْ كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ وَ لَا حَمْلَةً بَعْدَ جَوْلَةٍ وَ مَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ فَاقْبَلُوا مِنْهُ وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ فَإِنَّ بَعْدَ الصَّبْرِ النَّصْرَ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بيان: قال الجوهري رصصت الشيء رصا ألصقت بعضه ببعض و منه بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ و الدارع لابس الدرع و الحاسر الذي لا مغفر عليه و لا درع. قوله عليه السلام و التووا على أطراف الرماح في القاموس تلوى انعطف كالتوى و المور التحرك و الاضطراب أي إذا وصلت إليكم أطراف الرماح فانعطفوا ليزلق و يتحرك فلا ينفذ. و حمله ابن ميثم على الالتواء عند إرسال الرمح و رميه إلى العدو بأن يميل صدره و يده فإن ذلك أنفذ و فيه بعد. و قال الجوهري الجأش جأش القلب و هو رواعه إذا اضطرب عند الفزع يقال فلان رابط الجأش أي ربط نفسه عن الفرار لشجاعته. و مثله في القاموس و زاد و نفس الإنسان و قد لا يهمز و جمعه جؤش. و إنما أمرهم عليه السلام بغض الأبصار لئلا يروا ما يهولهم لئلا يرى العدو منهم جبنا و كذا قلة الكلام و ترك رفع الأصوات علامة الشجاعة فإن الجبان يصيح و يرعد و يبرق. و قال الجوهري قولهم فلان حامي الذمار أي إذا زمر و غضب و حمي و يقال الذمار ما وراء الرجل مما يحق عليه أن يحميه لأنهم قالوا حامي الذمار كما قالوا حامي الحقيقة و سمي ذمارا لأنه يحق على أهله الدفع عنها. فالأظهر أن الحقائق هنا جمع الحقيقة بمعنى ما يحق للرجل أن يحميه و المراد بنزول الحقائق نزولها به أو نزوله بها و ما يعرض للإنسان في الحرب هي حالة تحق أن يحمي عنها. و يحتمل أن يكون جمع الحقيقة بمعنى الراية كما ذكره الجوهري و الفيروزآبادي. و قال ابن ميثم أي الشدائد الحقة المتيقنة و أما ما ذكره ابن أبي الحديد و تبعه غيره من أن الحقائق جمع حاقة و هي الأمر الصعب الشديد ففي كونه جمعا لها نظر و الحفاظ بالكسر الذب عن المحارم و قوله عليه السلام حفافيها متعلق بقوله يكتنفونها أو بقوله يصبرون أيضا على التنازع و الحفافان اليمين و اليسار. و في بعض النسخ وراءها بدون العطف فهما الأمام و الوراء. قوله عليه السلام من سيوف الآجلة سمي عقاب الله على فرارهم و تخاذلهم سيفا على الاستعارة أو مجاز المشاكلة و في القاموس نهد الرجل نهض و لعدوه صمد لهم. قوله عليه السلام و مدوا جباه الخيول و وجوه الرجال لعل المراد بهما تسوية الصفوف و إقامتها راكبين و راجلين أو كناية عن تحريكها و توجيهها إلى جانب العدو و الوهن الضعف و الفزع و في النهاية فيه و الحرب بيننا سجال أي مرة لنا و مرة علينا و أصله أن المتسقين بالسجل يكون لكل واحد منهم سجل و السجل الدلو الملأى ماء. و السلام الاستسلام و قد مر شرح بعض أجزاء الخبرين و سيأتي بعضها. 470 - شا، الإرشاد مِنْ كَلَامِهِ عليه السلام فِي تَحْضِيضِهِ عَلَى الْقِتَالِ يَوْمَ صِفِّينَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ عِبَادَ اللَّهِ اتَّقُوا اللَّهَ وَ غُضُّوا الْأَبْصَارَ وَ اخْفِضُوا الْأَصْوَاتَ وَ أَقِلُّوا الْكَلَامَ وَ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ عَلَى الْمُنَازَلَةِ وَ الْمُجَادَلَةِ وَ الْمُبَارَزَةِ وَ الْمُبَالَطَةِ وَ الْمُبَالَدَةِ وَ الْمُعَانَقَةِ وَ الْمُكَادَمَةِ وَ اثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَ تَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ اللَّهُمَّ أَلْهِمْهُمُ الصَّبْرَ وَ أَنْزِلْ عَلَيْهِمُ النَّصْرَ وَ أَعْظِمْ لَهُمُ الْأَجْرَ. إيضاح قال الفيروزآبادي في القاموس بالط القوم تجالدوا بالسيف كتبالطوا. و بني فلان نازلوهم بالأرض و قال المبالدة المبالطة بالسيوف و العصي. كدمه يكدمه و يكدمه كضرب و نصر عضه بأدنى فمه أو أثر فيه بحديدة و كمعظم المعضض و اكدم الأسير بالضم استوثق منه و قال الريح الغلبة و القوة و الرحمة و النصرة و الدولة.
بحار الأنوار - ج ٣٢ - الصفحة ٥٦٢. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بحار الأنوار - ج ٣٣ - الصفحة ٣٨٥. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
ثمّ إنّ المفسّرين بعد الرضي رضي اللّه عنه قالوا في قصّة هذا الخنفساء وجوها: منها أنّ الحجّاج رأى خنفساء تدبّ إلى مصلّاه فطردها، فعادت، ثمّ طردها فعادت، فأخذها بيده فقرصته قرصا، ورمت يده منه ورما كانت فيه حتفه. قتله اللّه تعالى بأهون خلقه، كما قتل نمرود بن كنعان بالبقّة. و منها أنّ الحجاج كان إذا رأى خنفساء، يأمر بإبعادها و يقول: هذه وذحة من وذح الشيطان، تشبيها بالبعرة المعلّقة بذنب الشاة. و منها أنّه قد رأى خنفساوات مجتمعات، فقال: وا عجبا! لمن يقول: إنّ اللّه خلق هذه. قيل: فمن خلقها أيّها الأمير! قال: الشّيطان، إنّ ربكم لأعظم شأنا من أن يخلق هذه الوذح. قالوا: فجمعها على «فعل» كبدنة و بدن، فنقل قوله هذا إلى الفقهاء في عصره فأكفروه. و منها: أنّ الحجّاج كان مثفارا: أي ذا أبنة، و كان يمسك الخنفساء حيّة ليشفي بحركتها في الموضع حكاكه. و قالوا: و لا يكون صاحب هذا الدّاء إلّا شانئا مبغضا لأهل البيت عليهم السلام. قالوا: و لسنا نقول كلّ مبغض فيه هذا الدّاء، بل [نقول:] كلّ من فيه هذا الدّاء فهو مبغض. قالوا: و قد روى أبو عمر الزاهد- و لم يكن من رجال الشيعة- في أماليه و أحاديثه عن السّياري، عن أبي خزيمة الكاتب قال: ما فتّشنا أحدا فيه هذا الداء، إلّا وجدناه ناصبيا. - قَالَ أَبُو عُمَرَ: وَ أَخْبَرَنِي الْعَطَّافِيُّ عَنْ رِجَالِهِ، قَالُوا: سُئِلَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الصَّادِقُ عليه السلام عَنْ هَذَا الصِّنْفِ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُمْ: رَحِمٌ مَنْكُوسَةٌ، يُؤْتَى وَ لَا يَأْتِي. وَ مَا كَانَتْ هَذِهِ الْخَصْلَةُ فِي وَلِيِّ اللَّهِ تَعَالَى أَبَداً قَطُّ، وَ لَا تَكُونُ أَبَداً وَ إِنَّمَا كَانَتْ فِي الْفُسَّاقِ وَ الْكُفَّارِ وَ النَّاصِبِ لِلطَّاهِرِينَ. و كان أبو جهل بن هشام المخزومي من القوم، و كان أشدّ الناس عداوة لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم. قالوا: و لذلك قال له عتبة بن ربيعة يوم بدر: يا مصفّر استه. [ثم قال ابن أبي الحديد:] و يغلب على ظنّي أنّه [ عليه السلام أراد] معنى آخر، و ذلك أنّ عادة العرب أن تكنّي الإنسان إذا أرادت تعظيمه بما هو مظنّة التّعظيم، و إذا أرادت تحقيره [كنّته] بما يستحقر و يستهان به، كقولهم في كنية يزيد بن معاوية لعنه اللّه: أبو زنّة، يعنون القرد. و كقولهم في كنية سعيد بن حفص البخاري المحدّث: أبو الفأر. و كقولهم للطفيلي: أبو لقمة. و كقولهم لعبد الملك: أبو الذبّان لبخره. و كقول ابن بسّام لبعض الرؤساء: فأنت لعمري أبو جعفر* * * و لكنّنا نحذف الفاء منه و قال أيضا: لئيم درن الثوب* * * نظيف القصب و القدر أبو النتن أبو الدفر* * * أبو البعر أبو الجعر فلنجاسته بالذّنوب و المعاصي، كنّاه أمير المؤمنين عليه السلام أبا وذحة. و يمكن أن يكنّيه بذلك لدمامته في نفسه، و حقارة منظره، و تشويه خلقته، فإنّه كان دميما قصيرا سخيفا، أخفش العينين معوّج الساقين قصير الساعدين، مجدور الوجه أصلع الرأس، فكنّاه بأحقر الأشياء و هو البعرة. و قد روى قوم [هذه اللّفظة بصيغة أخرى، قالوا]: «إيه أبا ودجة» قالوا: [هي] واحدة الأوداج كنّاه بذلك؛ لأنّه كان قتّالا يقطع الأوداج بالسيف. و رواه قوم «أبا وحرة» [بالراء المهملة] و هي دويبة تشبه الحرباء قصير الظهر، شبّهه بها. [ثمّ قال ابن أبي الحديد:] و هذا و ما قبله ضعيف. و أقول: الذبّان- بكسر الذال و تشديد الباء- جمع الذباب، و من عادته أن يجلس على المنتن. و القعب- بالفتح-: القدح الضخم. و الدفر- بالمهملة ثم الفاء-: النتن و الذلّ. و بالقاف مصدر دقر كفرح، إذا امتلأ من الطعام. و الجعفر [الجعر- بالفتح-: ما يبس من العذرة في المعجز: أي الدّبر.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٣٤ - الصفحة ٩٤. — الإمام الصادق عليه السلام
[1/2] 998- نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ
(عليه السلام): حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) شَهِيداً وَ بَشِيراً وَ نَذِيراً، خَيْرَ الْبَرِيَّةِ طِفْلًا وَ أَنْجَبَهَا كَهْلًا، أَطْهَرَ الْمُطَهَّرِينَ شِيمَةً وَ أَجْوَدَ الْمُسْتَمْطَرِينَ دِيمَةً. فَمَا احْلَوْلَتْ لَكُمُ الدُّنْيَا فِي لَذَّتِهَا، وَ لَا تَمَكَّنْتُمْ مِنْ رَضَاعِ أَخْلَافِهَا، إِلَّا مِنْ بَعْدِ [مَا] صَادَفْتُمُوهَا جَائِلًا خِطَامُهَا، قَلِقاً وَضِينُهَا، قَدْ صَارَ حَرَامُهَا عِنْدَ أَقْوَامٍ بِمَنْزِلَةِ السِّدْرِ الْمَخْضُودِ، وَ حَلَالُهَا بَعِيداً غَيْرَ مَوْجُودٍ، وَ صَادَفْتُمُوهَا- وَ اللَّهِ- ظِلًّا مَمْدُوداً إِلَى أَجْلٍ مَعْدُودٍ، فَالْأَرْضُ لَكُمْ شَاغِرَةٌ، وَ أَيْدِيكُمْ فِيهَا مَبْسُوطَةٌ، وَ أَيْدِي الْقَادَةِ عَنْكُمْ مَكْفُوفَةٌ، وَ سُيُوفُكُمْ عَلَيْهَا مُسَلَّطَةٌ، وَ سُيُوفُهُمْ عَنْكُمْ مَقْبُوضَةٌ. أَلَا [وَ إِنَ] لِكُلِّ دَمٍ ثَائِراً، وَ لِكُلِّ حَقٍّ طَالِباً، وَ إِنَّ الثَّائِرَ فِي دِمَائِنَا كَالْحَاكِمِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ مَنْ طَلَبَ وَ لَا يَفُوتُهُ مَنْ هَرَبَ. فَأُقْسِمُ بِاللَّهِ يَا بَنِي أُمَيَّةَ، عَمَّا قَلِيلٍ لَتَعْرِفُنَّهَا فِي أَيْدِي غَيْرِكُمْ وَ فِي دَارِ عَدُوِّكُمْ. أَلَا إِنَّ أَبْصَرَ الْأَبْصَارِ مَا نَفَذَ فِي الْخَيْرِ طَرْفُهُ، أَلَا إِنَّ أَسْمَعَ الْأَسْمَاعِ مَا وَعَى التَّذْكِيرَ وَ قَبِلَهُ. أَيُّهَا النَّاسُ! اسْتَصْبِحُوا مِنْ شُعْلَةِ مِصْبَاحٍ وَاعِظٍ مُتَّعِظٍ، وَ امْتَاحُوا مِنْ صَفْوِ عَيْنٍ قَدْ رُوِّقَتْ مِنَ الْكَدَرِ. عِبَادَ اللَّهِ! لَا تَرْكَنُوا إِلَى جَهَالَتِكُمْ وَ لَا تَنْقَادُوا لِأَهْوَائِكُمْ، فَإِنَّ النَّازِلَ بِهَذَا الْمَنْزِلِ نَازِلٌ بِشَفَا جُرُفٍ هَارٍ، يَنْقُلُ الرَّدَى عَلَى ظَهْرِهِ مِنْ مَوْضِعٍ لِرَأْيٍ يُحْدِثُهُ بَعْدَ رَأْيٍ، يُرِيدُ أَنْ يُلْصِقَ مَا لَا يَلْتَصِقُ وَ يُقَرِّبَ مَا لَا يَتَقَارَبُ. فَاللَّهَ اللَّهَ أَنْ تَشْكُوا إِلَى مَنْ لَا يُشْكِي شَجْوَكُمْ، وَ لَا مَنْ يَنْقُضُ بِرَأْيِهِ مَا قَدْ أَبْرَمَ لَكُمْ. إِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ إِلَّا مَا حُمِّلَ مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ، الْإِبْلَاغُ فِي الْمَوْعِظَةِ، وَ الِاجْتِهَادُ فِي النَّصِيحَةِ، وَ الْإِحْيَاءُ لِلسُّنَّةِ، وَ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى مُسْتَحِقِّيهَا، وَ إِصْدَارُ السُّهْمَانِ عَلَى أَهْلِهَا. فَبَادِرُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِ تَصْوِيحِ نَبْتِهِ، وَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُشْغَلُوا بِأَنْفُسِكُمْ عَنْ مُسْتَثَارِ الْعِلْمِ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ، وَ انْهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ تَنَاهَوْا عَنْهُ فَإِنَّمَا أُمِرْتُمْ بِالنَّهْيِ بَعْدَ التَّنَاهِى. بيان: [قوله (عليه السلام): ] «شهيدا»: أي على أوصيائه و أمّته و على الأنبياء و أممهم. و الكهل: من جاوز الثلاثين. و قيل: من بلغ الأربعين. و قيل: من جاوز أربعا و ثلاثين إلى إحدى و خمسين. و الشيمة- بالكسر-: الطبيعة و الجبلّة. و الجود- بالفتح-: المطر الغزير. و الديمة- بالكسر-: المطر الدائم في سكون. و احلولى الشيء: صار حلوا ضدّ المرّ. و الرضاع- بالفتح- مصدر رضع الصبي أمّه- بالكسر-: أي امتصّ ثديها. و الأخلاف جمع خلف- بالكسر- و هو حلمة ضرع الناقة، أو الضرع لكلّ ذات خفّ و ظلف. و الجملتان كنايتان عن انتفاعهم و تمتّعهم بالدنيا. و صادفته: أي وجدته. و الجائل: الدائر المتحرّك و الذي يذهب و يجيء. و خطام البعير- بالكسر-: الحبل الذي يقاد به. و القلق: المتحرّك الذي لا يستقرّ في مكانه. و الوضين: بطان منسوج بعضه على بعض يشدّ به الرحل على البعير، كالحزام للسرج. و الغرض عدم تمكّنهم من الانتفاع بالدنيا و صعوبتها عليهم و عدم انقيادها لهم، كما يستصعب الناقة على راكبها إذا كانت جائلة الخطام ليس زمامها في يد راكبها، قلقة الوضين لا يثبت رحلها تحت راكبها. و يحتمل أن يكون كناية عن استقلال الدنيا و استبدادها في غرور الناس، و إقبالها على أهلها من غير أن يزجرها و يمنعها أحد. و السدر المخضود: الذي انثنت أغصانه من كثرة الحمل. أو الذي قطع شوكه و نزع. و هو كناية عن أكلهم الحرام برغبة كاملة و ميل شديد. و الظّل الممدود: الدائم الذي لا تنسخه الشمس. و شغرت الأرض كمنعت: أي لم يبق بها أحد يحميها و يضبطها. و بلدة شاغرة برجلها: إذا لم تمنع من غارة أحد. [و قال ابن الأثير] في [مادّة «شغر» من] النهاية: قيل: الشغر: البعد. و قيل: الاتساع و منه - حديث علي (عليه السلام): [ «قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ في خطامها».. و حديثه الآخر: ] «فالأرض لكم شاغرة»: أي واسعة. و القادة: ولاة الأمر المستحقّون للإمارة و الرياسة. و تسلط السيوف: إشارة إلى واقعة الحسين (عليه السلام) و ما كان من بني أميّة و غيرهم من القتل و سفك الدماء. و الثار: طلب الدم. و المراد بكونه- هنا- كالحاكم في حقّ نفسه: استيفاؤه الحقّ بنفسه من غير افتقار إلى بيّنة و حكم حاكم. و الضمير في [قوله: ] «تعرفنّها» راجع إلى الإمارة، أو إلى الدنيا كالضمائر المتقدّمة، و هو إخبار بانتقال الدولة عن بني أمية إلى بني العبّاس. و الطرف- بالفتح-: نظر العين، يطلق على الواحد و غيره. و نفوذه في الخير رؤية المحاسن و اتّباعها. و وعى الحديث كرمى: أي حفظه و تدبّره. و الامتياح: نزول البئر و ملأ الدلو منها. و الترويق: التصفية. و المراد ب «الواعظ» و «العين» [خ «ل» ]: نفسه (صلوات اللّه عليه). و ركن- كعلم و نصر و منع-: مال. و الهوى: إرادة النفس. و الشفا: شفير الشيء و جانبه. و الجرف- بالضمّ و بضمّتين-: ما تجرّفته السيول و أكلته من الأرض. و الهار: الساقط الضعيف. و الردى: جمع رداة بالفتح فيهما و هي الصخرة: أي هو في تعب دائما. و فسّر هنا بالهلاك أيضا. و إلصاق ما لا يلتصق و تقريب ما لا يتقارب: إثبات الباطل بحجج باطلة. و أشكاه: أزال شكايته. و الشجو: الهمّ و الحزن. و أبرم الأمر: أي أحكمه. و [أحكم] الحبل: أي جعله طاقين ثمّ فتله. و الغرض النهي عن اتّباع إمام لا يقدر على كشف المعضلات و حلّ المشكلات في المعاش و المعاد لقلّة البصيرة. و في بعض النسخ: «و من ينقض» بدون «لا» فالمعنى لا تتّبعوا من ينقض برأيه الفاسد ما أحكمه الشرع. و السّهمان- بالضمّ-: جمع سهم و هو الحظّ و النصيب و إيصالها إليهم. و صوّح النبات: أي يبس و تشقّق أو جفّ أعلاه، و هو كناية عن ذهاب رونق العلم أو اختفاؤه أو مغلوبيّته. و المستثار: مصدر بمعنى الاستثارة و هي الإنهاض و التهييج. و الترتيب بين الأمر بالتناهي لا بين النهي و التناهي. و لا يبعد حمله على ظاهر. [999] - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام) وَ هِيَ مِنْ خُطَبِ الْمَلَاحِمِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُتَجَلِّي لِخَلْقِهِ بِخَلْقِهِ، الظَّاهِرِ لِقُلُوبِهِمْ بِحُجَّتِهِ، خَلَقَ الْخَلْقَ مِنْ غَيْرِ رَوِيَّةٍ، إِذْ كَانَتِ الرَّوِيَّاتُ لَا تَلِيقُ بِذَوِي الضَّمَائِرِ، وَ لَيْسَ بِذِي ضَمِيرٍ فِي نَفْسِهِ. خَرَقَ عِلْمُهُ بَاطِنَ غَيْبِ السُّتُرَاتِ وَ أَحَاطَ بِغُمُوضِ عَقَائِدِ السَّرِيرَاتِ. [وَ] مِنْهَا فِي ذِكْرِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله): اخْتَارَهُ مِنْ شَجَرَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَ مِشْكَاةِ الضِّيَاءِ وَ ذُؤَابَةِ الْعَلْيَاءِ وَ سُرَّةِ الْبَطْحَاءِ وَ مَصَابِيحِ الظُّلْمَةِ وَ يَنَابِيعِ الْحِكْمَةِ. [وَ] مِنْهَا: طَبِيبٌ دَوَّارٌ بِطِبِّهِ، قَدْ أَحْكَمَ مَرَاهِمَهُ، وَ أَحْمَى مَوَاسِمَهُ، يَضَعُ مِنْ ذَلِكَ حَيْثُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنْ قُلُوبٍ عُمْيٍ، وَ آذَانٍ صُمٍّ، وَ أَلْسِنَةٍ بُكْمٍ، مُتَّبِّعٌ بِدَوَائِهِ مَوَاضِعَ الْغَفْلَةِ وَ مَوَاطِنَ الْحَيْرَةِ. لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِأَضْوَاءِ الْحِكْمَةِ وَ لَمْ يَقْدَحُوا بِزِنَادِ الْعُلُومِ الثَّاقِبَةِ، فَهُمْ فِي ذَلِكَ كَالْأَنْعَامِ السَّائِمَةِ وَ الصُّخُورِ الْقَاسِيَةِ. قَدِ انْجَابَتِ السَّرَائِرُ لِأَهْلِ الْبَصَائِرِ، وَ وَضَحَتْ مَحَجَّةُ الْحَقِّ لِخَابِطِهَا، وَ أَسْفَرَتِ السَّاعَةُ عَنْ وَجْهِهَا، وَ ظَهَرَتِ الْعَلَامَةُ لِمُتَوَسِّمِهَا. مَا لِي أَرَاكُمْ أَشْبَاحاً بِلَا أَرْوَاحٍ! وَ أَرْوَاحاً بِلَا أَشْبَاحٍ! وَ نُسَّاكاً بِلَا صَلَاحٍ! وَ تُجَّاراً بِلَا أَرْبَاحٍ! وَ أَيْقَاظاً نُوَّماً! وَ شُهُوداً غُيَّباً وَ نَاظِرَةً عَمْيَاءَ! وَ سَامِعَةً صَمَّاءَ! وَ نَاطِقَةً بَكْمَاءَ!. رَايَةُ ضَلَالَةٍ قَدْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا، وَ تَفَرَّقَتْ بِشُعَبِهَا، تَكِيلُكُمْ بِصَاعِهَا وَ تَخْبِطُكُمْ بِبَاعِهَا، قَائِدُهَا خَارِجٌ مِنَ الْمِلَّةِ عَلَى الضَّلَّةِ، فَلَا يَبْقَى يَوْمَئِذٍ [مِنْكُمْ] إِلَّا ثُفَالَةٌ كَثُفَالَةِ الْقِدْرِ، أَوْ نُفَاضَةٌ كَنُفَاضَةِ الْعِكْمِ، تَعْرُكُكُمْ عَرْكَ الْأَدِيمِ، وَ تَدُوسُكُمْ دَوْسَ الْحَصِيدِ، وَ تَسْتَخْلِصُ الْمُؤْمِنَ مِنْ بَيْنِكُمُ اسْتِخْلَاصَ الطَّيْرِ الْحَبَّةَ الْبَطِينَةَ مِنْ بَيْنِ هَزِيلِ الْحَبِّ! أَيْنَ تَذْهَبُ بِكُمُ الْمَذَاهِبُ! وَ تَتِيهُ بِكُمُ الْغَيَاهِبُ وَ تَخْدَعُكُمُ الْكَوَاذِبُ! وَ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَوْنَ! وَ أَنَّى تُؤْفَكُونَ! فَ لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ، وَ لِكُلِّ غَيْبَةٍ إِيَابٌ، فَاسْتَمِعُوا مِنْ رَبَّانِيِّكُمْ، وَ أَحْضِرُوهُ قُلُوبَكُمْ، وَ اسْتَيْقِظُوا إِنْ هَتَفَ بِكُمْ، وَ لْيَصْدُقْ رَائِدٌ أَهْلَهُ، وَ لْيَجْمَعْ شَمْلَهُ، وَ لْيُحْضِرْ ذِهْنَهُ؛ فَلَقَدْ فَلَقَ لَكُمُ الْأَمْرَ فَلْقَ الْخَرَزَةِ وَ قَرَفَهُ قَرْفَ الصَّمْغَةِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أَخَذَ الْبَاطِلُ مَآخِذَهُ وَ رَكِبَ الْجَهْلُ مَرَاكِبَهُ، وَ عَظُمَتِ الطَّاغِيَةُ وَ قَلَّتِ الدَّاعِيَةُ، وَ صَالَ الدَّهْرُ صِيَالَ السَّبُعِ الْعَقُورِ، وَ هَدَرَ فَنِيقُ الْبَاطِلِ بَعْدَ كُظُومٍ، وَ تَوَاخَى النَّاسُ عَلَى الْفُجُورِ، وَ تَهَاجَرُوا عَلَى الدِّينِ، وَ تَحَابُّوا عَلَى الْكَذِبِ، وَ تَبَاغَضُوا عَلَى الصِّدْقِ. فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَانَ الْوَلَدُ غَيْظاً، وَ الْمَطَرُ قَيْضاً، وَ تَفِيضُ اللِّئَامُ فَيْضاً، وَ تَغِيضُ الْكِرَامُ غَيْضاً. وَ كَانَ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ ذِئَاباً، وَ سَلَاطِينُهُ سِبَاعاً، وَ أَوْسَاطُهُ أُكَّالًا، وَ فُقَرَاؤُهُ أَمْوَاتاً، وَ غَارَ الصِّدْقُ وَ فَاضَ الْكَذِبُ، وَ اسْتُعْمِلَتِ الْمَوَدَّةُ بِاللِّسَانِ، وَ تَشَاجَرَ النَّاسُ بِالْقُلُوبِ، وَ صَارَ الْفُسُوقُ نَسَباً، وَ الْعَفَافُ عَجَباً، وَ لُبِسَ الْإِسْلَامُ لُبْسَ الْفَرْوِ مَقْلُوباً!. تبيين: الملحمة هي الحرب أو الوقعة العظيمة فيها. و موضع القتال مأخوذ من اشتباك الناس فيها كاشتباك لحمة الثوب بالسدى. و قيل: [هي مأخوذة] من اللحم. و التجلّي: الانكشاف. و الخلق الثاني يحتمل المصدر و المخلوق. و الرويّة: التفكّر. و المراد بالضمير إمّا القلب أو ما يضمر من الصور. قوله (عليه السلام): «في نفسه»: أي كائن في نفسه أو في حدّ ذاته إذا تأمّل فيه متأمّل بنظر صحيح و الغامض من الأرض: المطمئنّ. و من الكلام و غيره خلاف الواضح. و المشكاة: كوّة غير نافذة يجعل فيها المصباح، أو عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، أو القنديل. و الذؤابة بالضمّ مهموزا: الناصية أو منبتها من الرأس. و العلياء بالفتح و المدّ كلّ مكان مشرف، و السماء، و رأس الجبل. و سرّة البطحاء: وسطها تشبيها بسرّة الإنسان. و البطحاء و الأبطح: مسيل واسع فيه دقاق الحصى. قيل: استعار [ (عليه السلام) ] الشجرة لصنف الأنبياء (عليهم السلام) و فروعها أشخاصهم و ثمرتها العلوم و الكمالات. و مشكاة الضياء لآل إبراهيم (عليه السلام)، و ذؤابة العلياء لقريش، و سرّة البطحاء لمكة، و المصابيح و الينابيع هم الأنبياء (عليهم السلام). المراد بالطبيب: نفسه (عليه السلام). و الدوران بالطبّ: إتيان المرضى و تتّبعهم، فهو تعريض للأصحاب بقعودهم عمّا يجب عليهم. أو المراد بيان كمال الطبيب، فإنّ الدوّار أكثر تجربة من غيره كما قيل. و المرهم: طلاء ليّن يطلى به الجرح مشتقّ من الرهمة بالكسر و هي المطر الضعيف و إحكامها: إتقانها و منعها عن الفساد. و الوسم: أثر الكي و الميسم- بالكسر-: المكواة. و أحماها: أي أسخنها و لعلّ إحكام المراهم إشارة إلى البشارة بالثواب، أو الأمر بالمعروف. و إحماء المواسم: [إشارة] إلى الإنذار من العقاب، أو النهي عن المنكر و إقامة الحدود. و قدح بالزند- كمنع-: رام الإيراء به و استخرج النار منه. و الزند- بالفتح-: العود الذي يقدح به النار. و ثقبت النار اتقدت. و ثقب الكواكب: أضاء. و القاسية: الشديدة و الغليظة. و انجابت السحابة: انكشفت. و المراد بالسرائر، ما أضمره المعاندون للحقّ في قلوبهم من إطفاء نور اللّه و هدم أركان الشريعة. و قيل: إشارة إلى انكشاف ما يكون بعده لنفسه القدسية و لأهل البصائر من استيلاء بني أمية و عموم ظلمهم. أو انكشاف أسرار الشريعة لأهلها. و الخابط: السائر على غير هدى و لعلّ المراد أنّ ضلالهم ليس لخفاء الحقّ، بل للإصرار على الشقاوة و النفاق. و سفر الصبح و أسفر: أضاء و أشرق. و أسفرت المرأة: كشفت عن وجهها. و المراد بإسفار الساعة و ظهور العلامة: قرب القيامة بعدم بقاء نبيّ ينتظر بعثته، و ظهور الفتن و الوقائع التي هي من أشراطها. و الشبح- بالتحريك-: سواد الإنسان و غيره تراه من بعيد. و المراد بكونهم أشباحا بلا أرواح: تشبيههم بالجمادات و الأموات في عدم الانتفاع بالعقل، و عدم تأثير المواعظ فيهم كما قال تعالى: كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ و أمّا كونهم أرواحا بلا أشباح فقيل: المراد بيان نقصهم؛ لأنّ الروح بلا جسد ناقصة عاطلة عن الأعمال. و قيل: إشارة إلى خفّتهم و طيشهم في الأفعال. و قيل: المراد أنّ منهم من هو كالجماد و الأموات، و منهم من له عقل و فهم و لكن لا قوّة له على الحرب، فالجميع عاطلون عمّا يراد بهم. و قيل: المراد أنّهم إذا خافوا ذهلت عقولهم و طارت ألبابهم، فكانوا كأجسام بلا أرواح، و إذا أمنوا تركوا الاهتمام بأمورهم كأنّهم أرواح لا تعلّق لهم بالأجسام. و النسّاك: العبّاد: أي ليست عبادتهم مقرونة بالإخلاص و على الوجه المأمور به و مع الشرائط المعتبرة، فإنّ منها معرفة الإمام و طاعته. و كونهم تجارا بلا أرباح لعدم ترتّب الثواب على أعمالهم. و قوله (عليه السلام): «راية ضلالة»: منقطع عمّا قبله التقطه السيّد [الرّضي] رضي اللّه عنه من كلامه [ (عليه السلام) ] على عادته، و كأنّه إشارة إلى ما يحدث في آخر الزمان من الفتن كظهور السفياني و غيره. و القطب: حديدة تدور عليها الرحى، و ملاك الأمر و مداره و سيّد القوم. و قيامها على قطبها كناية عن انتظام أمرها و تفرّق شعبها عن انتشار فتنتها في الآفاق و تولّد فتن أخر عنها. و قيل: ليس التّفرق للراية نفسها، بل لنصارها و أصحابها. و حذف المضاف، و معنى تفرقّهم أنّهم يدعون إلى تلك الدعوة المخصوصة في بلاد متفرّقة. [قوله (عليه السلام): ] «و تكيلكم بصاعها»: أي تأخذهم للإهلاك زمرة زمرة، كالكيّال يأخذ ما يكيله جملة جملة. أو يقهركم أربابها على الدخول في أمرهم، و يتلاعبون بكم يرفعونكم و يضعونكم كما يفعل كيّال البرّ بها إذا كاله بصاعه. أو تكيل لكم بصاعها على حذف اللام كما في قوله تعالى: وَ إِذا كالُوهُمْ: أي تحملكم على دينها و دعوتها، و تعاملكم بما يعامل به من استجاب لها أو تفرز لكم من فتنها شيئا و يصل إلى كلّ منكم نصيب منها. و الخبط- بالفتح-: ضرب الشجر بالعصى ليتناثر ورقها، و خبط البعير الأرض بيده خبطا: أي ضربها. و الكلام على الوجهين يفيد الذلّة و الانقهار. و القيام على الضّلّة: الإصرار على الضلال. و ثفالة القدر- بالضمّ-: ما ثفل فيه من الطبيخ، و هي كناية عن الأراذل و من لا ذكر له بين النّاس لعدم الاعتداد بقتلهم. و النفاضة- بالضمّ-: ما سقط من النفض. و العكم- بالكسر-: العدل، و نمط تجعل فيه المرأة ذخيرتها. [و] قال [ابن الأثير] في [مادّة «عكم» من] النهاية: العكوم: الأحمال التي تكون فيها الأمتعة و غيرها، واحدها عكم بالكسر، و منه حديث عليّ (عليه السلام): «نفاضة كنفاضة العكم». انتهى. و المراد بها ما يبقى في العدل بعد التخلية من غبار أو بقيّة زاد لا يعبأ بها فتنفض. و عركه- كنصره-: دلكه و حكّه. و الأديم: الجلد أو المدبوغ منه. و داس الرجل الحنطة: دقّها ليخرج الحبّ من السنبل. و الحصيد: الزرع المقطوع. و استخلصه لنفسه: أي استخصّه. و الغرض تخصيص المؤمن بالقتل و الأذى. و البطينة: السمينة. و الهزيل ضدّ السمين. قوله (عليه السلام): «أين تذهب بكم»: الباء في الموضعين للتعدية. و المذاهب: الطرق و العقائد و إسناد الإذهاب إليها على التجوّز للمبالغة. و تاه يتيه تيها- بالفتح و الكسر-: أي تحيّر و ضلّ. و الغيهب: الظلمة و الشديد السواد من الليل. و الكواذب: الأماني الباطلة و الأوهام الفاسدة. قوله [ (عليه السلام): ] «و من أين تؤتون» على بناء المجهول: أي من أيّ جهة و طريق يأتيكم من يضلّكم من الشياطين أو تلك الأمراض! «و أنّى تؤفكون»: أي أنّى تصرفون عن قصد السبيل! و أين تذهبون! قوله (عليه السلام): «ف لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ»: أي لكلّ أمد و وقت حكم مكتوب على العباد. و الإياب- بالكسر-: الرجوع. قيل: هذا الكلام منقطع عمّا قبله. و قيل: تهديد بالإشارة إلى قرب الموت، و أنّهم بمعرض أن يأخذهم على غفلتهم. و الرّبّاني: منسوب إلى الربّ، و فسر بالمتألّه العارف باللّه، أو الذي يطلب بعلمه وجه اللّه، أو العالم المعلّم، و المراد: نفسه (عليه السلام). و إحضار القلب: الإقبال التامّ إلى كلامه و مواعظه. قوله (عليه السلام): «إن هتف بكم» بكسر الهمزة و في بعض النسخ بالفتح: أي لهتافه بكم و هو الصيّاح. و الرائد: الذي يتقدّم القوم يبصر لهم الكلاء و مساقط الغيث، و في المثل: «لا يكذب الرّائد أهله». و لعلّ المراد بالرائد: نفسه (عليه السلام): أي وظيفتي و شأني الصدق فيما أخبركم به ممّا تردون عليه من الأمور المستقبلة في الدنيا و الآخرة، كما أنّ وظيفتكم الاستماع و إحضار القلب. و الشّمل ما تشتّت من الأمر و المراد به الأفكار و العزائم: أي يجب علي التوجّه إلى نصحكم و تذكيركم بقلب فارغ عن الوساوس و الشواغل، و إقبال تامّ على هدايتكم. و يحتمل أن يراد بالشّمل من تفرّق من القوم في فيافي الضلالة. و الفاعل في [قوله] «فلق» هو الرائد. و قيل: المراد بالرائد: الفكر؛ لكونه مبعوثا من قبل النفس في طلب مرعاها و ماء حياتها من العلوم و سائر الكمالات، فكنّى به عنه و أهله هو النفس، فكأنّه (عليه السلام) قال: فلتصدق أفكاركم و متخيّلاتكم نفوسكم، و صدقها إيّاها تصرّفها على حسب إشارة العقل بلا مشاركة الهوى. أو المراد بالرائد: أشخاص من حضر عنده، فإنّ كلا منهم له أهل و قبيلة يرجع إليهم، فأمرهم أن يصدقهم بتبليغ ما سمع على الوجه الذي ينبغي و النصيحة و الدعوة إليه. و قوله [ (عليه السلام): ] «و ليجمع شمله»: أي ما تفرّق و تشعّب من خواطره في أمور الدنيا و مهماتها. «و ليحضر ذهنه»: أي يوجّهه إلى ما أقول. انتهى. و الفلق: الشقّ. و الخرزة- بالتحريك-: الجوهر. «و قرفه قرف الصمغة»: أي قشره كما تقشر الصمغة من عود الشجرة و تقلع؛ لأنّها إذا قلعت لم يبق لها أثر، و هذا مثل، و المعنى أوضح لكم أمر الفتن أو طريق الحقّ إيضاحا تامّا، فأظهر لكم باطن الأمر كما يرى باطن الخرزة بعد شقّها، و لا أدّخر عنكم شيئا بل ألقي الأمر بكلّيته إليكم. قوله (عليه السلام): «فعند ذلك» قيل: هو متّصل بقوله: «من بين هزيل الحبّ»، فيكون التشويش من السيّد رضي اللّه عنه. و يمكن أن يكون إشارة إلى كلام آخر سقط من البين. [قوله (عليه السلام): ] «و أخذ الشيء مآخذه»: أي تمكّن و استحكم. و الطاغية مصدر بمعنى الطغيان أو صفة محذوف: أي الفئة الطاغية. و كذا الداعية تحتمل الوجهين. و في بعض النسخ «الرّاعية» بالراء المهملة. و الفنيق: الفحل من الإبل «و هدر» ردّد صوته في حنجرته في غير شقشقة. و الكظوم: الإمساك و السكوت. و كون الولد غيظا لكثرة العقوق أو لاشتغال كلّ امرئ بنفسه، فيتمنّى أن لا يكون له ولد. و المطر قيضا بالضاد المعجمة: أي كثيرا. قيل: إنّه من علامات تلك الشرور أو من أشرط الساعة. و قيل: إنّه أيضا من الشرور إذا جاوز الحدّ. و في بعض النسخ بالظاء المعجمة: و هو صميم الصيف و هو المطابق لما في النهاية، قال: و منه حديث أشراط الساعة: «أن يكون الولد غيضا و المطر قيضا»؛ لأنّ المطر إنّما يراد للنبات و برد الهواء، و القيظ ضدّ ذلك انتهى. و حينئذ يحتمل أن يكون المراد تبدّل المطر بشدّة الحرّ و قلّة المطر، أو كثرته في الصيف دون الربيع و الشتاء. أو المراد أنّه يصير سببا لاشتداد الحرّ لكثرته في الصيف، إذ تثور به الأبخرة و يفسد الهواء، أو يصير على خلاف العادة سببا لشدّة الحرّ. «و تفيض اللئام»: أي تكثر. و «تغيض الكرام»: أي تقلّ. [قوله (عليه السلام): ] «و أهل ذلك الزمان»: أي أكابرهم. «أكّالا» بالضمّ و التشديد: جمع آكل. و قال بعض الشارحين: روي «أكالا» بفتح الهمزة و تخفيف الكاف يقال: ما ذقت أكالا: أي طعاما، و قال: لم ينقل هذا إلّا في النفي، فالأجود الرواية الأخرى و هي «آكالا» بمدّ الهمزة على أفعال جمع أكل و هو ما أكل، و قد روي «أكالا» بضمّ الهمزة على فعال. و قالوا: إنّه جمع آكل للمأكول كعرق و عراق، إلّا أنّه شاذّ: أي صار أوساط الناس طعمة للولاة و أصحاب السلاطين كالفريسة للأسد. و غار الماء: ذهب في الأرض. و فاض: أي كثر حتّى سال. و في بعض النسخ «و فار الكذب». قوله (عليه السلام): «و صار الفسوق نسبا»: أي يحصل أنسابهم من الزنا. و قيل: أي يصير الفاسق صديقا للفاسق حتّى يكون ذلك كالنسب بينهم. و أمّا لبسهم الإسلام لبس الفرو فالظاهر أنّ المراد به: تبديل شرائع الإسلام و قلب أحكامه، أو إظهار النيّات الحسنة و الأفعال الحسنة و إبطان خلافها. و قيل: وجه القلب، أنّه لمّا كان الغرض الأصلي من الإسلام أن يكون باطنا ينتفع به القلب و يظهر به منفعة، فقلّب المنافقون غرضه و استعملوه بظاهر ألسنتهم دون قلوبهم، فأشبه قلبهم له لبس الفرو، إذ كان أصله أن يكون حمله ظاهرا لمنفعة الحيوان الذي هو لباسه، فاستعمله الناس مقلوبا. [1000] - نَهْجٌ: [وَ] خُطْبَةٌ لَهُ (عليه السلام): أَمِينُ وَحْيِهِ وَ خَاتَمُ رُسُلِهِ وَ بَشِيرُ رَحْمَتِهِ وَ نَذِيرُ نِقْمَتِهِ. أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَذَا الْأَمْرِ أَقْوَاهُمْ عَلَيْهِ، وَ أَعْمَلُهُمْ بِأَمْرِ اللَّهِ فِيهِ. فَإِنْ شَغَبَ شَاغِبٌ اسْتُعْتِبَ، فَإِنْ أَبَى قُوتِلَ. وَ لَعَمْرِي لَئِنْ كَانَتِ الْإِمَامَةُ لَا تَنْعَقِدُ حَتَّى تَحْضُرَهَا عَامَّةُ النَّاسِ مَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلٌ، وَ لَكِنْ أَهْلُهَا يَحْكُمُونَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهَا ثُمَّ لَيْسَ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَرْجِعَ وَ لَا لِلْغَائِبِ أَنْ يَخْتَارَ. أَلَا وَ إِنِّي أُقَاتِلُ رَجُلَيْنِ: رَجُلًا ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ، وَ آخَرَ مَنَعَ الَّذِي عَلَيْهِ. أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، فَإِنَّهُ خَيْرُ مَا تَوَاصَى الْعِبَادُ بِهِ وَ خَيْرُ عَوَاقِبِ الْأُمُورِ عِنْدَ اللَّهِ، وَ قَدْ فُتِحَ بَابُ الْحَرْبِ بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ، وَ لَا يَحْمِلُ هَذَا الْعَلَمَ إِلَّا أَهْلُ الْبَصَرِ وَ الصَّبْرِ وَ الْعِلْمِ بِمَوَاقِعِ الْحَقِّ، فَامْضُوا لِمَا تُؤْمَرُونَ بِهِ وَ قِفُوا لِمَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ، وَ لَا تَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ حَتَّى تَبَيَّنُوا فَإِنَّ لَنَا مَعَ كُلِّ أَمْرٍ تُنْكِرُونَهُ غِيَراً. أَلَا وَ إِنَّ هَذِهِ الدُّنْيَا الَّتِي أَصْبَحْتُمْ تَتَمَنَّوْنَهَا وَ تَرْغَبُونَ فِيهَا وَ أَصْبَحَتْ تُغْضِبُكُمْ وَ تُرْضِيكُمْ، لَيْسَتْ بِدَارِكُمْ وَ لَا مَنْزِلِكُمُ الَّذِي خُلِقْتُمْ لَهُ وَ لَا الَّذِي دُعِيتُمْ إِلَيْهِ. أَلَا وَ إِنَّهَا لَيْسَتْ بِبَاقِيَةٍ لَكُمْ وَ لَا تَبْقَوْنَ عَلَيْهَا، وَ هِيَ وَ إِنْ غَرَّتْكُمْ مِنْهَا فَقَدْ حَذَّرَتْكُمْ شَرَّهَا، فَدَعُوا غُرُورَهَا لِتَحْذِيرِهَا، وَ أَطْمَاعَهَا لِتَخْوِيفِهَا، وَ سَابِقُوا فِيهَا إِلَى الدَّارِ الَّتِي دُعِيتُمْ إِلَيْهَا، وَ انْصَرِفُوا بِقُلُوبِكُمْ عَنْهَا، وَ لَا يَخِنَّنَّ أَحَدُكُمْ خَنِينَ الْأَمَةِ عَلَى مَا زُوِيَ عَنْهُ مِنْهَا، وَ اسْتَتِمُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، وَ الْمُحَافَظَةِ عَلَى مَا اسْتَحْفَظَكُمْ مِنْ كِتَابِهِ. أَلَا وَ إِنَّهُ لَا يَضُرُّكُمْ تَضْيِيعُ شَيْءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ بَعْدَ حِفْظِكُمْ قَائِمَةَ دِينِكُمْ. أَلَا وَ إِنَّهُ لَا يَنْفَعُكُمْ بَعْدَ تَضْيِيعِ دِينِكُمْ شَيْءٌ حَافَظْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دُنْيَاكُمْ، أَخَذَ اللَّهُ بِقُلُوبِنَا وَ قُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ وَ أَلْهَمَنَا وَ إِيَّاكُمُ الصَّبْرَ. إيضاح: قوله (عليه السلام): «بهذا الأمر»: أي الخلافة. «أقواهم عليه»: أي أحسنهم سياسة و أشجعهم، و [هذا] يدلّ على عدم جواز إمامة المفضول لا سيّما مع قوله (عليه السلام): «فان شغب... إلى آخره». و الشغب بالتسكين: تهييج الشر. و المراد بالاستعتاب: طلب الرجوع بالمراسلة و الكلام و نحوهما. قوله (عليه السلام): «لئن كانت الإمامة» قال ابن أبي الحديد: هذا تصريح بصحّة مذهب أصحابنا في أنّ الاختيار طريق إلى الإمامة، و يبطل قول الإمامية من دعوى النّصّ، و أنّه لا طريق إلى الإمامة سوى النصّ. انتهى. [أقول: ] و فيه نظر، أمّا أوّلا: فلأنّه [ (عليه السلام) ] إنّما احتجّ عليهم بالإجماع، إلزاما لهم لاتّفاقهم على العمل به في خلافة أبي بكر و أخويه، و عدم تمسكه (عليه السلام) بالنّصّ لعلمه (عليه السلام) بعدم التفاتهم إليه. كيف و قد أعرضوا عنه في أول الأمر مع قرب العهد بالرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و سماعهم عنه. و أمّا ثانيا: فلأنّه (عليه السلام) لم يتعرض للنصّ نفيا و إثباتا، فكيف يكون مبطلا لما ادّعاه الإمامية من النصّ؟! و العجب أنّه جعل هذا تصريحا بكون الاختيار طريقا إلى الإمامة! و نفى الدّلالة في قوله (عليه السلام): «إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر...» على نفي إمامة المفضول مع قوله (عليه السلام): «فإن أبى قوتل». مع أنّه لم يصرّح بأنّ الإمامة تنعقد بالاختيار، بل قال: إنّها لا تتوقّف على حضور عامّة الناس، و لا ريب في ذلك؛ نعم يدلّ بالمفهوم عليه و هذا تقيّة منه (عليه السلام). و لا يخفى على من تتبّع سيره (عليه السلام) أنّه لم يمكنه إنكار خلافتهم و القدح فيها صريحا في المجامع، فلذا عبّر بكلام موهم لذلك. قوله (عليه السلام): «و أهلها يحكمون»: و إن كان موهما له أيضا، لكن يمكن أن يكون المراد بالأهل الأحقّاء بالإمامة. و لا يخفى على المتأمّل أنّ ما مهد (عليه السلام) أوّلا بقوله: «إنّ أحقّ الناس أقواهم» يشعر بأنّ عدم صحّة رجوع الشاهد و اختيار الغائب، إنّما هو في صورة الاتّفاق على الأحقّ دون غيره، فتأمّل. قوله (عليه السلام): «رجلا ادّعى»: كمن ادعى الخلافة. «و آخر منع»: كمن لا يطيع الإمام أو يمنع حقوق اللّه. «و خير عواقب الأمور»: عاقبة كلّ شيء آخره. و التقوى خير ما ختم به العمل في الدنيا أو عاقبتها خير العواقب. و قوله (عليه السلام): «هذا العلم» بكسر العين أو بالتحريك كما في بعض النسخ، فعلى الأوّل: المعنى أنّه لا يعلم وجوب قتال أهل القبلة و موقعه و شرائطه. و على الثّاني: إشارة إلى حرب أهل القبلة و القيام به. و يحتمل على بعد أن يراد به الإمامة المشار إليها بقوله: «أحقّ النّاس بهذا الأمر» فيكون إشارة إلى بطلان خلافة غير أهل البصر و الصبر و العلم بمواقع الحقّ. قال ابن أبي الحديد: و ذلك لأنّ المسلمين عظم عندهم حرب أهل القبلة و أكبروه، و من أقدم منهم عليه أقدم مع خوف و حذر. قال الشّافعي: لو لا علي (عليه السلام) لما علم شيء من أحكام أهل البغي. قوله (عليه السلام): «فإنّ لنا» قال ابن ميثم: أي إنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه تغييرا: أي قوّة على التغيير، إن لم يكن في ذلك الأمر مصلحة في نفس الأمر، فلا تتسرّعوا إلى إنكار أمر نفعله حتّى تسألوا عن فائدته، فإنّه يمكن أن يكون إنكاركم لعدم علمكم بوجهه. [و] قال ابن أبي الحديد: أي لست كعثمان أصبر على ارتكاب ما أنهى عنه، بل أغيّر كلّما ينكره المسلمون و يقتضي الحال و الشرع تغييره. انتهى. و يمكن أن يكون المعنى أنّ لنا مع كلّ أمر تنكرونه تغييرا: أي ما يغيّر إنكاركم و يمنعكم عنه من البراهين الساطعة أو الأعمّ منها، و من السيوف القاطعة إن لم تنفعكم البراهين. و في ذكر إغضاب الدنيا توبيخ لأهلها بالرغبة في شيء لا يراعي حقّهم كما قال (عليه السلام): «رغبتك في زاهد فيك ذلّ نفس». و غرور الدنيا بتزيين الزخارف لأهلها و إغفالهم عن الفناء و تحذيرها بما أراهم من الفناء و فراق الأحبّة و نحو ذلك. و الدار التي دعوا إليها هي الجنّة. قوله (عليه السلام): «و لا يخنّن أحدكم»: الخنين بالخاء المعجمة: ضرب من البكاء دون الانتحاب. و أصله خروج الصوت من الأنف كالحنين من الفم. و يروى بالمهملة أيضا، و إضافته إلى الأمة؛ لأنّ الإماء كثيرا ما يبكين و يسمع الحنين منهنّ، و الحرّة تأنف من البكاء و الحنين. و زواه عنه: صرفه و قبضه. و في بعض النسخ: «ما زوي عنه»: أي عن أحدكم و لعلّه أظهر. و الصبر على الطاعة: حبس النفس عليها كقوله تعالى: وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ، أو عدم الجزع من شدّتها أو من البلايا إطاعة للّه، و على أيّ حال هو من الشكر الموجب للمزيد فيه بطلب تمام النعمة. و «من» في قوله: «من كتابه» بيان ل «ما». و القائمة: واحدة قوائم الدواب. و قائمة السيف: مقبضه. و لعلّ المراد بقائمة الدّين. أصوله و ما يقرب منها، و يحتمل أن تكون الإضافة بيانيّة، فإنّ الدين بمنزلة القائمة لأمور الدنيا و الآخرة. [1001] - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): أَرْسَلَهُ عَلَى حِينِ فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، وَ طُولِ هَجْعَةٍ مِنَ الْأُمَمِ، وَ اعْتِزَامٍ مِنَ الْفِتَنِ، وَ انْتِشَارٍ مِنَ الْأُمُورِ وَ تَلَظٍّ مِنَ الْحُرُوبِ، [وَ] الدُّنْيَا كَاسِفَةُ النُّورِ، ظَاهِرَةُ الْغُرُورِ، عَلَى حِينِ اصْفِرَارٍ مِنْ وَرَقِهَا، وَ إِيَاسٍ مِنْ ثَمَرِهَا، وَ اغْوِرَارٍ مِنْ مَائِهَا، قَدْ دَرَسَتْ أَعْلَامُ الْهُدَى، وَ ظَهَرَتْ أَعْلَامُ الرَّدَى، فَهِيَ مُتَجَهِّمَةٌ لِأَهْلِهَا، عَابِسَةٌ فِي وَجْهِ طَالِبِهَا، ثَمَرُهَا الْفِتْنَةُ، وَ طَعَامُهَا الْجِيفَةُ، وَ شِعَارُهَا الْخَوْفُ، وَ دِثَارُهَا السَّيْفُ. فَاعْتَبِرُوا عِبَادَ اللَّهِ! وَ اذْكُرُوا تِيكَ الَّتِي آبَاؤُكُمْ وَ إِخْوَانُكُمْ بِهَا مُرْتَهَنُونَ وَ عَلَيْهَا مُحَاسَبُونَ، وَ لَعَمْرِي مَا تَقَادَمَتْ بِكُمْ وَ لَا بِهِمُ الْعُهُودُ، وَ لَا خَلَتْ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَهُمُ الْأَحْقَابُ وَ الْقُرُونُ، وَ مَا أَنْتُمُ الْيَوْمَ مِنْ يَوْمَ كُنْتُمْ فِي أَصْلَابِهِمْ بِبَعِيدٍ. وَ اللَّهِ مَا أَسْمَعَكُمُ الرَّسُولُ (صلّى اللّه عليه و آله) شَيْئاً إِلَّا وَ هَا أَنَا ذَا الْيَوْمَ مُسْمِعُكُمُوهُ، وَ مَا أَسْمَاعُكُمُ الْيَوْمَ بِدُونِ أَسْمَاعِكُمْ بِالْأَمْسِ، وَ لَا شُقَّتْ لَهُمُ الْأَبْصَارُ وَ جَعَلْتُ لَهُمُ الْأَفْئِدَةُ فِي ذَلِكَ الْأَوَانِ إِلَّا وَ قَدْ أُعْطِيتُمْ مِثْلَهَا فِي هَذَا الزَّمَانِ. وَ وَ اللَّهِ مَا بُصِّرْتُمْ بَعْدَهُمْ شَيْئاً جَهِلُوهُ، وَ لَا أُصْفِيتُمْ بِهِ وَ حُرِمُوهُ، وَ لَقَدْ نَزَلَتْ بِكُمُ الْبَلِيَّةُ جَائِلًا خِطَامُهَا، رِخْواً بِطَانُهَا، فَلَا يَغُرَّنَّكُمْ مَا أَصْبَحَ فِيهِ أَهْلُ الْغُرُورِ، فَإِنَّمَا هُوَ ظِلٌّ مَمْدُودٌ إِلَى أَجَلٍ مَعْدُودٍ. بيان: «فترة [من الرسل»: الفترة] بين الرسل: انقطاع الوحي و الرسالة. و الهجعة: النومة من الليل أو من أوّله. و المراد نوم غفلة الأمم. و الاعتزام: العزم، كأن الفتنة مصمّمة للفساد و الهرج. و الاعتزام أيضا: لزوم القصد في المشي، فالمعنى أنّها مقتصدة في مشيها لاطمئنانها و أمنها. و يروى [ «و اعترام من الفتن» ] بالراء المهملة: أي كثرة [من الفتن.]. و يروى «[و] اعتراض» من اعترض الفرس في الطريق: إذا مشى عرضا. و التّلظّي: التلهّب. و في إضافة الكسف إلى النور توسّع. و غار الماء: ذهب و كذا اغوراره: ذهابه في الأرض. و التجهّم: العبوس. و طعامها الجيفة: أي الحرام؛ لأنّهم كانوا يأخذونه بالنهب و الغارات. أو الميتة؛ لأنّهم لم يكونوا يذبحون الحيوانات، و لمّا كان الخوف باطنا شبّهه بالشعار و السيف ظاهرا شبّهه بالدثار. و «تيك»: إشارة إلى الدنيا أو أعمالهم القبيحة و «الأحقاب»: جمع حقب بضمّتين و هو الدهر. «و و اللّه ما بصرّتم»: لمّا بيّن (عليه السلام) أوّلا أنّه لم تكن الهداية للسابقين أكمل من جهة الفاعل و لا القابل فقطع عذر الحاضرين من هذه، و كان مظنّة أن يدّعي مدّع منهم العلم بأمر يقتضي العدول عن المتابعة لم يعلم به آباؤهم، دفع (عليه السلام) ذلك التوهّم بهذا الكلام. و الصفيّ: ما يصفه الرئيس من المغنم لنفسه قبل القسمة. و لعلّ المراد بالبليّة فتنة معاوية. و قوله (عليه السلام): «جائلا خطامها»: كناية عن خطرها و صعوبة حالها [بالنسبة إلى] من ركن إليها و ركبها، أو عن كونها مالكة لأمرها، فإنّ البعير إذا لم يكن له من يقوده يجول خطامه و الخطام: الزمام. و البطان: الحزام التي تجعل تحت بطن البعير، رخاوتها مستلزمة لصعوبة ركوبها. و تشبيه الدنيا و زخارفها بالظلّ لعدم تأصّله في الوجود و لكونه زائلا بسرعة. و الأجل: مدّة العمر، و وصفها بالمعدود باعتبار أجزائه و كونه منتهى غاية المدّ على تقدير مضاف: أي ممدود إلى انقضاء أجل معدود. و يحتمل أن يكون المراد بالأجل غاية العمر، و وصفه بالمعدود على المجاز. [1002] - يف: مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيُّ، بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عليه السلام) عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ (عليه السلام): أَنَّ عَلِيّاً كَانَ فِي حَلْقَةٍ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ يُنْشِدُونَ الْأَشْعَارَ وَ يَتَفَاخَرُونَ حَتَّى بَلَغُوا إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالُوا: قُلْ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُكَ. فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): اللَّهُ وَفَّقَنَا لِنَصْرِ مُحَمَّدٍ* * * وَ بِنَا أَقَامَ دَعَائِمَ الْإِسْلَامِ وَ بِنَا أَعَزَّ نَبِيَّهُ وَ كِتَابَهُ* * * وَ أَعَزَّنَا بِالنَّصْرِ وَ الْإِقْدَامِ فِي كُلِّ مَعْرَكَةٍ تَطِيرُ سُيُوفُنَا* * * فِيهَا الْجَمَاجِمَ عَنْ فَرَاشِ الْهَامِ يَنْتَابُنَا جِبْرِيلُ فِي أَبْيَاتِنَا* * * بِفَرَائِضِ الْإِسْلَامِ وَ الْأَحْكَامِ فَنَكُونُ أَوَّلَ مُسْتَحِلٍّ حِلَّهُ* * * وَ مُحَرِّمٍ لِلَّهِ كُلَّ حَرَامٍ نَحْنُ الْخِيَارُ مِنَ الْبَرِّيَّةِ كُلِّهَا* * * وَ إِمَامُهَا وَ إِمَامُ كُلِّ إِمَامٍ الْخَائِضُونَ غُمَارَ كُلِّ كَرِيهَةٍ* * * وَ الضَّامِنُونَ حَوَادِثَ الْأَيَّامِ إِنَّا لَنَمْنَعُ مَنْ أَرَدْنَا مَنْعَهُ* * * وَ نَجُودُ بِالْمَعْرُوفِ وَ الْإِنْعَامِ فَقَالُوا: يَا أَبَا الْحَسَنِ مَا تَرَكْتَ لَنَا شَيْئاً نَقُولُهُ. بيان: الأبيات موجودة في الديوان و زاد بعد السابع: و المبرمون قوى الأمور بعزّة* * * و الناقضون مرائر الإبرام و [زاد] بعد الأخير: و تردّ عادية الخميس سيوفنا* * * و نقيم رأس الأصيد القمقام. و الدعامة- بالكسر-: عماد البيت. و فراش الرأس: عظام دقاق تلي القحف. و في الديوان: «فراخ الهام». و قال [الجوهري] في [كتاب] الصحاح، و قول الفرزدق: و يوم جعلنا البيض فيه لعامر* * * مصمّمة تفأى فراخ الجماجم يعني به الدماغ. [و بدل] قوله (عليه السلام): «ينتابنا» [ورد] في الديوان: «يزورنا». [و بدل] قوله (عليه السلام): «و إمامها» [ورد] في الديوان: «و نظامها و زمام كلّ زمام». [و بدل قوله: «الخائضون غمار..» ورد في الديوان: ] «الخائضو غمرات كل كريهة». و القوى: جمع القوة و هي الطاقة من الحبل. و المرير من الحبال: ما لطف و طال و اشتدّ فتله، و الجمع: المرائر. و العادية: الظلم و الشرّ. و في بعض النسخ: [الغادية] بالمعجمة و هي سحابة تنشأ سحابا. و الأصيد: الملك. و القمقام: السيّد. [1003] - ختص: أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ [مِنْ أَصْحَابِنَا] مِنْهُمْ بَكَّارُ بْنُ كَرْدَمٍ وَ عِيسَى بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالُوا سَمِعْنَاهُ يَقُولُ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ مُتَنَقِّبَةٌ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَلَى الْمِنْبَرِ، وَ قَدْ قَتَلَ أَخَاهَا وَ أَبَاهَا فَقَالَتْ: هَذَا قَاتِلُ الْأَحِبَّةِ. فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ: يَا سَلْفَعُ يَا جَرِيَّةُ يَا بَذِيَّةُ يَا مُتَكَبِّرَةُ، يَا الَّتِي لَا تَحِيضُ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ، يَا الَّتِي عَلَى هَنِهَا شَيْءٌ بَيِّنٌ مُدَلًّى. فَمَضَتِ [الْمَرْأَةُ] وَ تَبِعَهَا عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ- وَ كَانَ عُثْمَانِيّاً- فَقَالَ: يَا أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ إِنَّا لَا نَزَالُ يُسْمِعُنَا [عَلِيٌ] الْعَجَائِبَ، مَا نَدْرِي حَقَّهَا مِنْ بَاطِلِهَا، وَ هَذِهِ دَارِي فَادْخُلِي فَإِنَّ لِي أُمَّهَاتِ أَوْلَادٍ حَتَّى يَنْظُرْنَ حَقّاً مَا قَالَ أَمْ بَاطِلًا؟ وَ أَهَبُ لَكِ شَيْئاً. فَدَخَلَتِ [الْمَرْأَةُ بَيْتَ عَمْرٍو] فَأَمَرَ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ فَنَظَرْنَ إِلَيْهَا، فَإِذَا شَيْءٌ عَلَى رَكَبِهَا مُدَلًّى فَقَالَتْ: يَا وَيْلَهَا اطَّلَعَ مِنْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى شَيْءٍ لَمْ تَطَّلِعْ [عَلَيْهِ] إِلَّا أُمِّي أَوْ قَابِلَتِي. قَالَ: وَ وَهَبَ لَهَا عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ شَيْئاً. بيان: إنّما قالت المرأة: «يا ويلتي اطّلع منّي» فغيّره [الصادق] (عليه السلام) ذلك لئلا ينسب إلى نفسه الويل و ما يستهجن، و قد مرّ مثله مرارا و سيأتي الخبر في إخباره (عليه السلام) بالغائبات. [1004] - ختص: الْيَقْطِينِيُّ وَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَمَّادٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ عَنِ ابْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: كُنَّا وُقُوفاً عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِالْكُوفَةِ وَ هُوَ يُعْطِي الْعَطَاءَ فِي الْمَسْجِدِ، إِذْ جَاءَتِ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطَيْتَ الْعَطَاءَ جَمِيعَ الْأَحْيَاءِ مَا خَلَا هَذَا الْحَيَّ مِنْ مُرَادٍ لَمْ تُعْطِهِمْ شَيْئاً فَقَالَ [لَهَا]: اسْكُتِي يَا جَرِيئَةُ يَا بَذِيئَةٌ يَا سَلْفَعُ يَا سَلَقْلَقُ يَا مَنْ لَا تَحِيضُ كَمَا تَحِيضُ النِّسَاءُ! قَالَ: فَوَلَّتْ فَخَرَجَتْ مِنَ الْمَسْجِدِ فَتَبِعَهَا عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ فَقَالَ لَهَا: أَيَّتُهَا الْمَرْأَةُ قَدْ قَالَ عَلِيٌّ فِيكِ مَا قَالَ أَ فَصَدَقَ عَلَيْكِ؟ فَقَالَتْ: وَ اللَّهِ مَا كَذَبَ وَ إِنَّ كُلَّ مَا رَمَانِي بِهِ لَفِيَّ؛ وَ مَا اطَّلَعَ عَلَيَّ أَحَدٌ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي خَلَقَنِي وَ أُمِّيَ الَّتِي وَلَدَتْنِي. فَرَجَعَ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَبِعْتُ الْمَرْأَةَ فَسَأَلْتُهَا عَمَّا رَمَيْتَهَا بِهِ فِي بَدَنِهَا، فَأَقَرَّتْ بِذَلِكَ كُلِّهِ، فَمِنْ أَيْنَ عَلِمْتَ ذَلِكَ؟ فَقَالَ [ (عليه السلام): ]: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) عَلَّمَنِي أَلْفَ بَابٍ مِنَ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ، يُفْتَحُ [مِنْ] كُلِّ بَابٍ أَلْفُ بَابٍ، حَتَّى عَلِمْتُ الْمَنَايَا وَ الْوَصَايَا وَ فَصْلَ الْخِطَابِ وَ حَتَّى عَلِمْتُ الْمُذَكَّرَاتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَ الْمُؤَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ. [1005] - ختص: عَبَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ هَارُونَ بْنِ الْجَهْمِ عَنِ ابْنِ طَرِيفٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: بَيْنَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَوْماً جَالِساً فِي الْمَسْجِدِ وَ أَصْحَابُهُ حَوْلَهُ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ شِيعَتِهِ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنِّي أَدِينُهُ بِوَلَايَتِكَ وَ أُحِبُّكَ فِي السِّرِّ كَمَا أُحِبُّكَ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَ أَتَوَلَّاكَ فِي السِّرِّ كَمَا أَتَوَلَّاكَ فِي الْعَلَانِيَةِ. فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ [ (عليه السلام) ]: صَدَقْتَ، أَمَا لِلْفَقْرِ فَاتَّخِذْ جِلْبَاباً، فَإِنَّ الْفَقْرَ أَسْرَعُ إِلَى شِيعَتِنَا مِنَ السَّيْلِ إِلَى قَرَارِ الْوَادِي! قَالَ: فَوَلَّى الرَّجُلُ وَ هُوَ يَبْكِي فَرَحاً لِقَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ [ (عليه السلام) لَهُ]: «صَدَقْتَ» قَالَ: وَ كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ مِنَ الْخَوَارِجِ وَ صَاحِبٌ لَهُ قَرِيباً مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: اللَّهَ إِنْ رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ قَطُّ، إِنَّهُ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ: إِنِّي أُحِبُّكَ فَقَالَ لَهُ: صَدَقْتَ. فَقَالَ لَهُ الْآخَرُ: مَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ! أَ يَجِدُ بُدّاً مِنْ أَنْ إِذَا قِيلَ [لَهُ]: «إِنِّي أُحِبُّكَ» أَنْ يَقُولَ: صَدَقْتَ؟ أَ تَعْلَمُ أَنِّي أُحِبُّهُ! فَقَالَ: لَا. قَالَ: فَأَنَا أَقُومُ فَأَقُولُ لَهُ مِثْلَ مَا قَالَ لَهُ الرَّجُلُ فَيَرُدُّ عَلَيَّ مِثْلَ مَا رَدَّ عَلَيْهِ. قَالَ: نَعَمْ. فَقَامَ الرَّجُلُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَةِ الرَّجُلِ الْأَوَّلِ، فَنَظَرَ [أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ] إِلَيْهِ مَلِيّاً ثُمَّ قَالَ: كَذَبْتَ لَا وَ اللَّهِ مَا تُحِبُّنِي وَ لَا أَحْبَبْتَنِي [يَوْماً]. قَالَ: فَبَكَى الْخَارِجِيُّ ثُمَّ قَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَسْتَقْبِلُنِي بِهَذَا وَ قَدْ عَلِمَ اللَّهُ خِلَافَهُ! ابْسُطْ يَدَكَ أُبَايِعْكَ. فَقَالَ عَلِيٌّ: عَلَى مَا ذَا؟ قَالَ: عَلَى مَا عَمِلَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَ عُمَرُ. قَالَ: فَمَدَّ يَدَهُ فَقَالَ لَهُ: اصْفِقْ لَعَنَ اللَّهُ الِاثْنَيْنِ وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي بِكَ قَدْ قُتِلْتَ عَلَى ضَلَالٍ وَ وَطِئَ وَجْهَكَ دَوَابُّ الْعِرَاقِ وَ لَا يَعْرِفُكَ قَوْمُكَ. قَالَ: فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ عَلَيْهِ أَهْلُ النَّهْرَوَانِ وَ خَرَجَ الرَّجُلُ مَعَهُمْ فَقُتِلَ. [1006] - كِتَابُ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبَانٍ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: صَعِدَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ أَنَا الَّذِي فَقَأْتُ عَيْنَ الْفِتْنَةِ، وَ لَمْ يَكُنْ لِيَجْتَرِئَ عَلَيْهَا غَيْرِي. وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ لَمْ أَكُنْ فِيكُمْ لَمَا قُوتِلَ أَهْلُ الْجَمَلِ، وَ لَا أَهْلُ صِفِّينَ، وَ لَا أَهْلُ النَّهْرَوَانِ. وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ لَا أَنْ تَتَّكِلُوا وَ تَدَعُوا الْعَمَلَ، لَحَدَّثْتُكُمْ بِمَا قَضَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ [مُحَمَّدٍ] (صلّى اللّه عليه و آله) لِمَنْ قَاتَلَهُمْ مُسْتَبْصِراً فِي ضَلَالَتِهِمْ، عَارِفاً بِالْهُدَى الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ. ثُمَّ قَالَ: سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، فَوَ اللَّهِ إِنِّي بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ. أَنَا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ، وَ أَوَّلُ السَّابِقِينَ، وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ، وَ خَاتَمُ الْوَصِيِّينَ، وَ وَارِثُ النَّبِيِّينَ وَ خَلِيفَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَنَا دَيَّانُ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَ قَسِيمُ اللَّهِ بَيْنَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ النَّارِ. وَ أَنَا الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ، وَ الْفَارُوقُ الَّذِي أُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ، وَ إِنَّ عِنْدِي عِلْمَ الْمَنَايَا وَ الْبَلَايَا وَ فَصْلَ الْخِطَابِ، وَ مَا مِنْ آيَةٍ نَزَلَتْ إِلَّا وَ قَدْ عَلِمْتُ فِيمَا نَزَلَتْ وَ عَلَى مَنْ نَزَلَتْ. أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ وَشِيكٌ أَنَّ تَفْقِدُونِي، إِنِّي مُفَارِقُكُمْ، وَ إِنِّي مَيِّتٌ أَوْ مَقْتُولٌ، مَا يَنْتَظِرُ أَشْقَاهَا أَنْ يَخْضِبَهَا مِنْ فَوْقِهَا؟! وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: مَا يَنْتَظِرُ أَشْقَاهَا أَنْ يَخْضِبَ هَذِهِ مِنْ دَمِ هَذَا؟! - يَعْنِي لِحْيَتَهُ مِنْ دَمِ رَأْسِهِ-. وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ- وَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَسْأَلُونِي عَنْ فِئَةٍ تَبْلُغُ ثَلَاثَمِائَةٍ فَمَا فَوْقَهَا مِمَّا بَيْنَكُمْ وَ بَيْنَ قِيَامِ السَّاعَةِ، إِلَّا أَنْبَأْتُكُمْ بِسَائِقِهَا وَ قَائِدِهَا وَ نَاعِقِهَا، وَ بِخَرَابِ الْعَرَصَاتِ، مَتَى تُخَرَّبُ، وَ مَتَى تُعْمَرُ بَعْدَ خَرَابِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَخْبِرْنَا عَنِ الْبَلَايَا. فَقَالَ [ (عليه السلام) ]: إِذَا سَأَلَ سَائِلٌ فَلْيَعْقِلْ، وَ إِذَا سُئِلَ [مَسْئُولٌ] فَلْيَتَثَبَّتْ، إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أُمُوراً مُلْتَجَّةً مُجَلْجِلَةً، وَ بَلَاءٌ مُكْلِحاً مُبْلِحاً. وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، لَوْ قَدْ فَقَدْتُمُونِي وَ نَزَلَتْ عَزَائِمُ الْأُمُورِ وَ حَقَائِقُ الْبَلَاءِ، لَقَدْ أَطْرَقَ كَثِيرٌ مِنَ السَّائِلِينَ، وَ اشْتَغَلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ- وَ فِي نُسْخَةٍ أُخْرَى: وَ فَشِلَ كَثِيرٌ مِنَ الْمَسْئُولِينَ- وَ ذَلِكَ إِذَا ظَهَرَتْ حَرْبُكُمْ وَ نَصَلَتْ عَنْ نَابٍ، وَ قَامَتْ عَلَى سَاقٍ، وَ صَارَتِ الدُّنْيَا بَلَاءً عَلَيْكُمْ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لِبَقِيَّةِ الْأَبْرَارِ. فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ حَدِّثْنَا عَنِ الْفِتَنِ. فَقَالَ [ (عليه السلام) ]: إِنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَقْبَلَتْ شَبَّهَتْ- وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: اشْتَبَهَتْ- وَ إِذَا أَدْبَرَتْ أَسْفَرَتْ. وَ إِنَّ الْفِتَنَ لَهَا مَوْجٌ كَمَوْجِ الْبَحْرِ، وَ إِعْصَارٌ كَإِعْصَارِ الرِّيحِ، تُصِيبُ بَلَداً وَ تُخْطِئُ الْآخَرَ. فَانْظُرُوا أَقْوَاماً كَانُوا أَصْحَابَ رَايَاتٍ يَوْمَ بَدْرٍ، فَانْصُرُوهُمْ تُنْصَرُوا وَ تُوجَرُوا وَ تُعْذَرُوا. أَلَا [وَ] إِنَّ أَخْوَفَ الْفِتَنِ عَلَيْكُمْ عِنْدِي فِتْنَةُ بَنِي أُمَيَّةَ، [فَ] إِنَّهَا فِتْنَةٌ عَمْيَاءُ وَ صَمَّاءُ، مُطَبَّقَةٌ مُظْلِمَةٌ عَمَتْ فِتْنَتُهَا وَ خَصَّتْ بَلِيَّتُهَا، أَصَابَ الْبَلَاءُ مَنْ أَبْصَرَ فِيهَا، وَ أَخْطَأَ الْبَلَاءُ مَنْ عَمِيَ عَنْهَا، أَهْلُ بَاطِلِهَا ظَاهِرُونَ عَلَى [أَهْلِ] حَقِّهَا، يَمْلَئُونَ الْأَرْضَ بِدَعاً وَ ظُلْماً وَ جَوْراً وَ أَوَّلُ مَنْ يَضَعُ جَبَرُوتَهَا وَ يَكْسِرُ عَمُودَهَا. وَ يَنْزِعُ أَوْتَادَهَا، اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ وَ قَاصِمُ الْجَبَّارِينَ. أَلَا [وَ] إِنَّكُمْ سَتَجِدُونَ بَنِي أُمَيَّةَ أَرْبَابَ سَوْءٍ بَعْدِي، كَالنَّابِ الضَّرُوسِ تَعَضُّ بِفِيهَا، وَ تَخْبِطُ بِيَدَيْهَا، وَ تَضْرِبُ بِرِجْلَيْهَا، وَ تَمْنَعُ دَرَّهَا. وَ ايْمُ اللَّهِ لَا تَزَالُ فِتْنَتُهُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ نُصْرَةُ أَحَدِكُمْ لِنَفْسِهِ إِلَّا كَنُصْرَةِ الْعَبْدِ لِنَفْسِهِ مِنْ سَيِّدِهِ، إِذَا غَابَ سَبَّهُ، وَ إِذَا حَضَرَ أَطَاعَهُ. وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: يَسُبُّهُ فِي نَفْسِهِ. وَ فِي رِوَايَةٍ: وَ ايْمُ اللَّهِ لَوْ شَرَّدُوكُمْ تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ لَجَمَعَكُمُ اللَّهُ لِشَرِّ يَوْمٍ لَهُمْ. فَقَالَ الرَّجُلُ: فَهَلْ مِنْ جَمَاعَةٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ ذَلِكَ! قَالَ: إِنَّهَا سَتَكُونُونَ جَمَاعَةً شَتَّى، عَطَاؤُكُمْ وَ حَجُّكُمْ وَ أَسْفَارُكُمْ [وَاحِدَةٌ] وَ الْقُلُوبُ مُخْتَلِفَةٌ قَالَ وَاحِدٌ [مِنْهُمْ]: كَيْفَ تَخْتَلِفُ الْقُلُوبُ؟ قَالَ: هَكَذَا- وَ شَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ- ثُمَّ قَالَ: يَقْتُلُ هَذَا هَذَا، وَ هَذَا هَذَا، هَرْجاً هَرْجاً وَ يَبْقَى طَغَاماً، جَاهِلِيَّةً لَيْسَ فِيهَا مَنَارُ هُدًى، وَ لَا عَلَمٌ يُرَى، نَحْنُ أَهْلَ الْبَيْتِ مِنْهَا بِمَنْجَاةٍ وَ لَسْنَا فِيهَا بِدُعَاةٍ. قَالَ [الرَّجُلُ]: فَمَا أَصْنَعُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: انْصُرُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ، فَإِنْ لَبَدُوا فَالْبُدُوا وَ إِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فَانْصُرُوهُمْ تُنْصَرُوا وَ تُعْذَرُوا، فَإِنَّهُمْ لَنْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ هُدًى وَ لَنْ يَدْعُوكُمْ إِلَى رَدًى، وَ لَا تَسْبِقُوهُمْ بِالتَّقَدُّمِ فَيَصْرَعْكُمُ الْبَلَاءُ وَ تُشْمِتْ بِكُمُ الْأَعْدَاءُ. قَالَ [الرَّجُلُ]: فَمَا يَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: يُفَرِّجُ اللَّهُ الْبَلَاءَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي كَانْفِرَاجِ الْأَدِيمِ مِنْ بَيْتِهِ، ثُمَّ يَرْفَعُونَ إِلَى مَنْ يَسُومُهُمْ خَسْفاً وَ يَسْقِيهِمْ بِكَأْسٍ مُصَبَّرَةٍ، لَا يُعْطِيهِمْ وَ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إِلَّا السَّيْفُ هَرْجاً هَرْجاً، يَحْمِلُ السَّيْفَ عَلَى عَاتِقِهِ ثَمَانِيَةَ أَشْهُرٍ، حَتَّى تَوَدَّ قُرَيْشٌ بِالدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا أَنْ يَرَوْنِي فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ، فَأُعْطِيَهُمْ وَ آخُذَ مِنْهُمْ بَعْضَ مَا قَدْ مَنَعُونِي وَ أَقْبَلَ عَنْهُمْ بَعْضَ مَا يَرِدُ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَقُولُوا: مَا هَذَا مِنْ قُرَيْشٍ، لَوْ كَانَ هَذَا مِنْ قُرَيْشٍ وَ مِنْ وُلْدِ فَاطِمَةَ لَرَحِمَنَا. وَ يُغْرِيهِ اللَّهُ بِبَنِي أُمَيَّةَ فَجَعَلَهُمُ [اللَّهُ] «مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَ قُتِّلُوا تَقْتِيلًا سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا». أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَحًى تَطْحَنُ ضَلَالَةً، فَإِذَا طَحَنَتْ قَامَتْ عَلَى قُطْبِهَا، أَلَا وَ إِنَّ لِطَحْنِهَا رَوْقاً، وَ إِنَّ رَوْقَهَا حَدُّهَا وَ عَلَى اللَّهِ فَلُّهَا. أَلَا وَ إِنِّي وَ أَبْرَارُ عِتْرَتِي وَ أَطَائِبُ أَرُومَتِي أَحْلَمُ النَّاسِ صِغَاراً وَ أَعْلَمُهُمْ كِبَاراً، مَعَنَا رَايَةُ الْحَقِّ وَ الْهُدَى، مَنْ سَبَقَهَا مَرَقَ، وَ مَنْ خَذَلَهَا مُحِقَ وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ. وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: وَ مَنْ لَزِمَهَا سَبَقَ-. إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عِلْمُنَا وَ مِنْ حُكْمِ اللَّهِ الصَّادِقِ قِيلُنَا، وَ مِنْ قَوْلِ الصَّادِقِ سَمْعُنَا، فَإِنْ تَتَّبِعُونَا تَهْتَدُوا بِبَصَائِرِنَا، وَ إِنِ تَتَوَلَّوْا عَنَّا يُعَذِّبْكُمُ اللَّهُ بِأَيْدِينَا أَوْ بِمَا شَاءَ. نَحْنُ أُفُقُ الْإِسْلَامِ بِنَا يَلْحَقُ الْمُبْطِئُ وَ إِلَيْنَا يَرْجِعُ التَّائِبُ. وَ اللَّهِ لَوْ لَا أَنْ تَسْتَعْجِلُوا وَ يَتَأَخَّرَ الْحَقُّ، لَنَبَّأْتُكُمْ بِمَا يَكُونُ فِي شَبَابِ الْعَرَبِ وَ الْمَوَالِي، فَلَا تَسْأَلُوا أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ الْعِلْمَ قَبْلَ إِبَّانِهِ، وَ لَا تَسْأَلُوهُمُ الْمَالَ عَلَى الْعُسْرِ فَتُبَخِّلُوهُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْهُمُ الْبُخْلُ. وَ كُونُوا أَحْلَاسَ الْبُيُوتَ وَ لَا تَكُونُوا عُجُلًا بُذُراً، [وَ] كُونُوا مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ تُعْرَفُوا بِهِ وَ تَتَعَارَفُوا عَلَيْهِ، فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ وَ جَعَلَ بَيْنَهُمُ الْفَضَائِلَ بِعِلْمِهِ، وَ جَعَلَ مِنْهُ عِبَاداً اخْتَارَهُمْ لِنَفْسِهِ لِيَحْتَجَّ بِهِمْ عَلَى خَلْقِهِ، فَجَعَلَ عَلَامَةَ مَنْ أَكْرَمَ مِنْهُمْ طَاعَتَهُ، وَ عَلَامَةَ مَنْ أَهَانَ مِنْهُمْ مَعْصِيَتَهُ، وَ جَعَلَ ثَوَابَ أَهْلِ طَاعَتِهِ النَّضِرَةَ فِي وَجْهِهِ فِي دَارِ الْأَمْنِ وَ الْخُلْدِ الَّذِي لَا يُرَوِّعُ أَهْلَهُ، وَ جَعَلَ عُقُوبَةَ مَعْصِيَتِهِ نَاراً تَأَجَّجُ لِغَضَبِهِ، [وَ] ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّا أَهْلُ بَيْتٍ بِنَا بَيَّنَ اللَّهُ الْكَذِبَ، وَ بِنَا يُفَرِّجُ اللَّهُ الزَّمَانَ الْكَلِبَ، وَ بِنَا يَنْزِعُ اللَّهُ رِبْقَ الذُّلِّ مِنْ أَعْنَاقِكُمْ، وَ بِنَا يَفْتَحُ اللَّهُ وَ بِنَا يَخْتِمُ اللَّهُ. فَاعْتَبِرُوا بِنَا وَ بِعَدُوِّنَا وَ بِهُدَانَا وَ بِهُدَاهُمْ وَ بِسِيرَتِنَا وَ سِيرَتِهِمْ وَ مَنِيَّتِنَا وَ مَنِيَّتِهِمْ، يَمُوتُونَ بِالدَّالِ وَ الْقُرْحِ وَ الدُّبَيْلَةِ، وَ نَمُوتُ بِالْبَطَنِ وَ الْقَتْلِ وَ الشَّهَادَةِ وَ بِمَا شَاءَ اللَّهُ. ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَى بَنِيهِ فَقَالَ: يَا بَنِيَّ لِيَبِرَّ صِغَارُكُمْ كِبَارَكُمْ، وَ لْيَرْحَمْ كِبَارُكُمْ صِغَارَكُمْ، وَ لَا تَكُونُوا أَمْثَالَ السُّفَهَاءِ الْجُفَاةِ الْجُهَّالِ الَّذِي لَا يُعْطَوْنَ فِي اللَّهِ الْيَقِينَ كَقَيْضِ بَيْضٍ فِي أَدَاحٍ. أَلَا وَيْحَ لِلْفِرَاخِ فِرَاخِ آلِ مُحَمَّدٍ مِنْ خَلَفٍ مُسْتَخْلِفٍ عِتْرِيفٍ مُتْرَفٍ، يُقْتَلُ خَلْفِي وَ خَلَفِ الْخَلَفِ بَعْدِي. أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاتِ، وَ تَنْجِيزَ الْعِدَاتِ، وَ تَمَامَ الْكَلِمَاتِ، وَ فُتِحَتْ لِيَ الْأَسْبَابُ، وَ أُجْرِيَ لِيَ السَّحَابُ، وَ نَظَرْتُ فِي الْمَلَكُوتِ، لَمْ يَعْزُبْ عَنِّي شَيْءٌ فَاتَ وَ لَمْ يَفُتْنِي مَا سَبَقَنِي، وَ لَمْ يَشْرَكْنِي أَحَدٌ فِيمَا أَشْهَدَنِي رَبِّي، أَقُومُ بِهِ يَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ، وَ بِي يُتِمُّ اللَّهُ مَوْعِدَهُ وَ يُكَمِّلُ كَلِمَاتِهِ. وَ أَنَا النِّعْمَةُ الَّتِي أَنْعَمَهَا اللَّهُ عَلَى خَلْقِهِ، وَ الْإِسْلَامُ الَّذِي ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ، كُلُّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ بِهِ عَلَيَّ وَ أَذَلَّ بِهِ مَنْكِبِي. وَ لَيْسَ إِمَامٌ إِلَّا وَ هُوَ عَارِفٌ بِأَهْلِ وَلَايَتِهِ، وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ جَلَّ وَ عَزَّ: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ ثُمَّ نَزَلَ [عَنِ الْمِنْبَرِ] صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى آلِهِ الطَّاهِرِينَ الْأَخْيَارِ وَ سَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً. [1007] - كِتَابُ الْغَارَاتِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ: عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبَانٍ عِنْدَ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) يَخْطُبُ. - قَالَ إِبْرَاهِيمُ: وَ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِمْرَانَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ الْمِنْهَالِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ، قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ (عليه السلام) بِالنَّهْرَوَانِ [...]. وَ سَاقَ الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ سُلَيْمٍ إِلَى قَوْلِهِ: وَ لَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا بيان: قوله [ (عليه السلام) ]: «أمورا ملتجّة» قال الجوهري: التجّت الأصوات: اختلطت. و لججت السفينة: خاضت اللجّة. و التجّ البحر التجاجا [اضطرب و هاج و غمر]. و في بعض النسخ: [ «ملبّجة» ] بالباء الموحّدة قال الجوهري: لبجت به الأرض: إذا جلدت به الأرض [و صرعته]. و قال: الجلجل واحد الجلاجل، و صوته الجلجلة و صوت الرعد أيضا. و المجلجل: السحاب الذي فيه صوت الرعد. و جلجلت الشيء إذا حرّكته بيدك. و تجلجل: أي ساخ فيها و دخل. و تجلجلت قواعد البيت: أي تضعضعت. و قال الفيروزآبادي: كلح- كمنع-: تكشّر في عبوس كتكلّح و أكلح و أكلحته، و دهر كالح: شديد. و قال: بلح الرجل بلوحا: أعيا كبلّح [تبليحا] و [بلح] الماء: ذهب. و البلوح: البئر الذاهبة الماء و بلحت خفارته إذا لم تف. و البالح: الأرض لا تنبت شيئا. قوله: «و نصلت»: أي خرجت كاشفا عن ناب. قال الجوهري: نصل الحافر: خرجت عن موضعه. و في بعض النسخ: «و قلصت» بالتخفيف أو التشديد، يقال: قلص الشيء: ارتفع و قلّص و تقلّص كلّه، بمعنى انضمّ و انزوى. يقال: قلصت شفته: أي انزوت. و [قال الفيروزآبادي] في القاموس: هرج الناس يهرجون: وقعوا في فتنة و اختلاط و قتل. [قوله (عليه السلام) ]: «و إنّ لطحنها روقا»: أي حسنا و إعجابا. «و إنّ روقها حدّها»: أي إذا صارت [الدنيا] بحيث أعجبت الناس فهو نهايتها و وقت انقضائها. «و لازم على اللّه فلّها»: أي كسرها. و الأرومة- كالأكولة و قد تضمّ الأصل. و «البذر» بضمّتين جمع البذور و هو الذي يزيع الأسرار. و النضرة: الحسن و الرونق [و الكلام] إشارة إلى قوله [تعالى]: تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ قوله [ (عليه السلام) ]: «لا يروّع أهله»: أي لا يفزع و لا يخاف. و في بعض النسخ: [لا يروغ] بالغين المعجمة: أي لا يحيد و لا يميل أهلها عنها. و قال [ابن الأثير] في النهاية: الدبيلة: خراج و دمّل كبير تظهر في الجوف فتقتل صاحبها غالبا. و [أيضا] قال [ابن الأثير]: - في حديث علي (عليه السلام): «لا تكونوا كقيض بيض في أداح يكون كسرها وزرا و يخرج حضائها شرّا».. القيض: قشر البيض. و الأداحي: جمع الأدحي و هو الموضع الذي تبيض فيه النعامة و تفرخ، و هو أفعول من «دحوت»؛ لأنّها تدحوه برجلها: أي تبسطه ثم تبيض فيه. و قال الجوهري: «ويح» كلمة رحمة و «ويل» كلمة عذاب. و قال اليزيدي: هما بمعنى واحد تقول: ويح لزيد و ويل لزيد ترفعهما على الابتداء. و قال الخلف: القرن بعد القرن، و الخلف: ما جاء من بعد يقال: هو خلف سوء من أبيه و خلف صدق من أبيه- بالتحريك- إذا قام مقامه. و قال: هما سواء منهم من يحرّك و منهم من يسكّن فيهما جميعا. و الخلف أيضا ما استخلفته من شيء. و يقال: القوم خلفة: أي يختلفون. أقول: المراد بالخلف إمّا معاوية أو يزيد. و قال [الجوهري] في الصحاح: رجل عتريف أو عتروف: أي خبيث فاجر جريء ماض. و قال: أترفته النعمة: أطغته. [قوله (عليه السلام): ] «و أذلّ به منكبي»: لعلّه كناية عن كثرة الحمل و ثقله. أو المعنى أنّ
بحار الأنوار - ج ٣٧ - الصفحة ١٠٩. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
فر، تفسير فرات بن إبراهيم عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ الْجُعْفِيُّ عَنْ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ عليه السلام يَقُولُ
بحار الأنوار - ج ٣٧ - الصفحة ١٧٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
فر، تفسير فرات بن إبراهيم الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ مُعَنْعَناً عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام إِلَى الْيَمَنِ وَ خَالِدٌ عَلَى الْخَيْلِ وَ قَالَ
إِذَا اجْتَمَعْتُمَا فَعَلِيٌّ عَلَى النَّاسِ قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى النَّبِيِّ ص فُتِحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَ أَصَابُوا مِنَ الْغَنَائِمِ غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَ أَخَذَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام جَارِيَةً مِنَ الْخُمُسِ قَالَ فَقَالَ خَالِدٌ يَا بُرَيْدَةُ اغْتَنِمْهَا إِلَى النَّبِيِّ ص فَأَخْبِرْهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ عَيْنَيْهِ فَقَالَ بُرَيْدَةُ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَأَتَيْتُ مَنْزِلَ النَّبِيِّ ص وَ رَسُولُ اللَّهِ فِي بَيْتِهِ وَ سُفَرَاءُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام جُلُوسٌ عَلَى بَابِهِ فَأَتَيْتُ النَّاسَ فَقَالُوا يَا بُرَيْدَةُ مَا الْخَبَرُ قُلْتُ فَتَحَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَصَابُوا مِنَ الْغَنَائِمِ مَا لَمْ يُصِيبُوا مِثْلَهَا قَالُوا فَمَا أَقْدَمَكَ قُلْتُ بَعَثَنِي خَالِدٌ أُخْبِرُ النَّبِيَّ ص بِجَارِيَةٍ أَخَذَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام مِنَ الْخُمُسِ قَالَ فَأَخْبِرْهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ عَيْنَيْهِ قَالَ وَ رَسُولُ اللَّهِ يَسْمَعُ الْكَلَامَ قَالَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ص مُغْضَباً كَأَنَّمَا يُفْقَأُ مِنْ وَجْهِهِ حَبُّ الرُّمَّانِ فَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَنْتَقِصُونَ عَلِيّاً مَنْ تَنَقَّصَ عَلِيّاً فَقَدْ تَنَقَّصَنِي وَ مَنْ فَارَقَ عَلِيّاً فَقَدْ فَارَقَنِي إِنَّ عَلِيّاً مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ طِينَتِي وَ خُلِقْتُ مِنْ طِينَةِ إِبْرَاهِيمَ وَ أَنَا أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَ فَضْلُ إِبْرَاهِيمَ لِي فَضْلٌ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَيْحَكَ يَا بُرَيْدَةُ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْخُمُسِ أَفْضَلَ مِنَ الْجَارِيَةِ الَّتِي أَخَذَهَا وَ أَنَّهُ وَلِيُّكُمْ مِنْ بَعْدِي قَالَ فَلَمَّا رَأَيْتُ شِدَّةَ غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ص قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ الصُّحْبَةِ إِلَّا بَسَطْتَ لِي يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ عَلَى الْإِسْلَامِ جَدِيداً قَالَ فَمَا فَارَقْتُ حَتَّى بَايَعْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ جَدِيداً. تذنيب اعلم أن الاستدلال بخبر الغدير يتوقف على أمرين أحدهما إثبات الخبر و الثاني إثبات دلالته على خلافته (صلوات الله عليه) أما الأول فلا أظن عاقلا يرتاب في ثبوته و تواتره بعد أحاطته بما أسلفناه من الأخبار التي اتفقت المخالف و المؤالف على نقلها و تصحيحها مع أن ما أوردناه قليل من كثير و قد أوردنا كثيرا منها في كتاب الفتن و سيأتي في الأبواب الآتية بعضها و قد قرع سمعك ذكر من صنف الكتاب في ذلك من علماء الفريقين. و قال صاحب إحقاق الحق رحمه الله ذكر الشيخ ابن كثير الشامي الشافعي عند ذكر أحوال محمد بن جرير الطبري إني رأيت كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين و كتابا جمع فيه طرق حديث الطير و نقل عن أبي المعالي الجويني أنه كان يتعجب و يقول رأيت مجلدا ببغداد في يد صحاف فيه روايات هذا الخبر مكتوبا عليه المجلدة الثامنة و العشرون من طرق من كنت مولاه فعلي مولاه و يتلوه المجلد التاسعة و العشرون و أثبت الشيخ ابن الجوزي الشافعي في رسالته الموسومة بأسنى المطالب في مناقب علي بن أبي طالب عليه السلام تواتر هذا الحديث من طرق كثيرة و نسب منكره إلى الجهل و العصبية انتهى.: و قال السيد المرتضى في كتاب الشافي أما الدلالة على صحة الخبر فلا يطالب بها إلا متعنت لظهوره و اشتهاره و حصول العلم لكل من سمع الأخبار به و ما المطالب بتصحيح خبر الغدير و الدلالة عليه إلا كالمطالب بتصحيح غزوات النبي ص الظاهرة المشهورة و أحواله المعروفة و حجة الوداع نفسها لأن ظهور الجميع و عموم العلم به بمنزلة واحدة و بعد فقالت الشيعة بنقله و بتواتره و أكثر رواة أصحاب الحديث ترويه بالأسانيد المتصلة و جميع أصحاب السير ينقلونه عن أسلافهم خلفا عن سلف نقلا بغير إسناد مخصوص كما نقلوا الوقائع و الحوادث الظاهرة و قد أورده مصنفو الحديث في جملة الصحيح و قد استبد هذا الخبر بما لا يشركه فيه سائر الأخبار لأن الأخبار على ضربين أحدهما لا يعتبر في نقله الأسانيد المتصلة كالخبر عن وقعة بدر و خيبر و الجمل و الصفين و الضرب الآخر يعتبر فيه اتصال الأسانيد كأخبار الشريعة و قد اجتمع فيه الطريقان و مما يدل على صحته إجماع علماء الأمة على قبوله و لا شبهة فيما ادعيناه من الإطباق لأن الشيعة جعلته الحجة في النص على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة و مخالفو الشيعة أولوه على اختلاف تأويلاتهم و ما يعلم أن فرقة من فرق الأمة ردت هذا الخبر أو امتنعت من قبوله. و أما ما حكي عن ابن أبي داود السجستاني في دفع الخبر و حكي عن الخوارج مثله و طعن الجاحظ في كتاب العثمانية فيه فنقول أولا إنه لا يعتبر في باب الإجماع عدم تقدم خلافه فإن ابن أبي داود و الجاحظ لو صرحا بالخلاف لسقط خلافهما بما ذكرناه من الإجماع على أنه قد قيل إن ابن أبي داود لم ينكر الخبر و إنما أنكر كون المسجد الذي بغدير خم متقدما و قد حكي عنه التنصل من القدح في الخبر و التبري مما قذفه به محمد بن جرير الطبري و أما الجاحظ فلم يتجاسر أيضا على التصريح بدفع الخبر و إنما طعن على بعض رواته و ادعى اختلاف ما نقل في لفظه و أما الخوارج فما يقدر أحد على أن يحكي عنهم دفعا لهذا الخبر و كتبهم خالية عن ذلك و قد استدل قوم على صحة الخبر بما تظاهرت به الروايات من احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام به في الشورى حيث قال أنشدكم الله هل منكم أحد أخذ رسول الله ص بيده فقال من كنت مولاه فهذا مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه غيري فقال القوم اللهم لا و إذا اعترف به من حضر الشورى من الوجوه و اتصل أيضا بغيرهم من الصحابة ممن لم يحضر الموضع و لم يكن من أحد نكير له مع علمنا بتوفر الدواعي إلى إظهار ذلك لو كان فقد وجب القطع على صحته على أن الخبر لو لم يكن في الوضوح كالشمس لما جاز أن يدعيه أمير المؤمنين عليه السلام سيما مثله في مثل هذا المقام انتهى ما خص كلامه و من أراد التفصيل فليرجع إلى أصل الكتاب. و أما الثاني قلنا في الاستدلال به على إمامته (صلوات الله عليه) مقامان الأول أن المولى جاء بمعنى الأول بالأمر و المتصرف المطاع في كل ما يأمر و الثاني أن المراد به هنا هو هذا المعنى أما الأول فقد قال السيد المرتضى في كتاب الشافي من كان له أدنى اختلاط باللغة و أهلها يعرف أنهم يضعون هذه اللفظة مكان أولى كما أنهم يستعملونها في ابن العم و قد ذكر أبو عبيدة معمر بن المثنى و منزلته في اللغة منزلته في كتابه المعروف بالمجاز في القرآن لما انتهى إلى قوله تعالى مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ أن معنى مولاكم أولى بكم و أنشد بيت لبيد شاهدا له فغدت البيت و ليس أبو عبيدة ممن يغلط في اللغة و لو غلط فيها أو وهم لما جاز أن يمسك عن النكير عليه و الرد لتأويله غيره من أهل اللغة ممن أصاب و ما غلط فيه على عادتهم المعروفة في تتبع بعضهم لبعض ورد بعضهم على بعض فصار قول أبي عبيدة الذي حكيناه مع أنه لم يظهر من أحد من أهل اللغة رد له كأنه قول الجميع و لا خلاف بين المفسرين في أن قوله تعالى وَ لِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَ الْأَقْرَبُونَ أن المراد بالموالي من كان أملك بالميراث و أولى بحيازته و أحق به و قال الأخطل. فأصبحت مولاها من الناس بعده.* * * و أحرى قريش أن تهاب و تحمد. و قال أيضا يخاطب بني أمية. أعطاكم الله جدا تنصرون به.* * * لا جد إلا صغير بعد محتقر. لم تأشروا فيه إذ كنتم مواليه.* * * و لو يكون لقوم غيركم أشروا. و قال غيره. كانوا موالي حق يطلبون به.* * * فأدركوه و ما ملوا و لا تعبوا. و قال العجاج. الحمد لله الذي أعطى الخير.* * * موالي الحق إن المولى شكر. و روي في الحديث أيما امرأة تزوجت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل و كلما استشهد به لم يرد بلفظ مولى فيه إلا معنى أولى دون غيره و قد تقدمت حكايتنا عن المبرد قوله إن أصل تأويل الولي الذي هو أولى أي أحق و مثله المولى و قال في هذا الموضع بعد أن ذكر تأويل قوله تعالى بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا و الولي و المولى معناهما سواء و هو الحقيق بخلقه المتولي لأمورهم و قال الفراء في كتاب سورة النساء: 33. معاني القرآن الولي و المولى في كلام العرب واحد و في قراءة عبد الله بن مسعود إنما مولاكم الله و رسوله مكان وليكم الله و قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنباري في كتابه في القرآن المعروف بالمشكل و المولى في اللغة ينقسم إلى ثمانية أقسام أولهن المولى المنعم ثم المنعم عليه المعتق و المولى الولي و المولى الأولى بشيء و ذكر شاهدا عليه الآية التي قدمنا ذكرها و بيت لبيد و المولى الجار و المولى ابن العم و المولى الصهر و المولى الحليف و استشهد لكل واحد من أقسام المولى بشيء من الشعر لم نذكره لأن غرضنا سواه و قال أبو عمر غلام تغلب في تفسير بيت الحارث بن حلزة الذي هو زعموا أن كل من شرب العير موال لنا أقسام المولى و ذكر في جملة الأقسام أن المولى السيد و إن لم يكن مالكا و المولى الولي و قد ذكر جماعة ممن يرجع إلى مثله في اللغة أن من جملة أقسام مولى السيد الذي ليس هو بمالك و لا معتق و لو ذهبنا إلى ذكر جميع ما يمكن أن يكون شاهدا فيما قصدناه لأكثرنا و فيما أدركناه كفاية و مقنع انتهى كلامه (قدّس سرّه). و قال الجزري في النهاية قد تكرر اسم المولى في الحديث و هو اسم يقع على جماعة كثيرة فهو الرب و المالك و السيد و المنعم و المعتق و الناصر و المحب و التابع و الجار و ابن العم و الحليف و العقيد و الصهر و العبد و المعتق و المنعم عليه و كل من ولي أمرا و قام به فهو مولاه و وليه و منه الحديث من كنت مولاه فعلي مولاه يحمل على أكثر الأسماء المذكورة و منه الحديث أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل و روي وليها أي متولي أمرها. و قال البيضاوي و الزمخشري و غيرهما من المفسرين في تفسير قوله تعالى هِيَ مَوْلاكُمْ هي أولى بكم و قال الزمخشري في قوله تعالى أنت مولانا سيدنا فنحن عبيدك أو ناصرنا أو متولي أمورنا. و أما الثاني ففيه مسالك. المسلك الأول أن المولى حقيقة في الأولى لاستقلالها بنفسها و رجوع سائر الأقسام في الاشتقاق إليها لأن المالك إنما كان مولى لكونه أولى بتدبير رقيقه و بحمل جريرته و المملوك مولى لكونه أولى بطاعة مالكه و المعتق و المعتق كذلك و الناصر لكونه أولى بنصرة من نصره و الحليف لكونه أولى بنصرة حليفه و الجار لكونه أولى بنصرة جاره و الذب عنه و الصهر لكونه أولى بمصاهره و الأمام و الوراء لكونه أولى بمن يليه و ابن العم لكونه أولى بنصرة ابن عمه و العقل عنه و المحب المخلص لكونه أولى بنصرة محبه و إذا كانت لفظة مولى حقيقة في الأولى وجب حملها عليها دون سائر معانيها و هذا الوجه ذكره يحيى بن بطريق في العمدة و أبو الصلاح الحلبي في التقريب. المسلك الثاني ما ذكره السيد في الشافي و غيره في غيره و هو أن ما يحتمله لفظة مولى ينقسم إلى أقسام منها ما لم يكن ص عليه و منها ما كان عليه و معلوم لكل أحد أنه ص لم يرده و منها ما كان عليه و معلوم بالدليل أنه لم يرده و منها ما كان حاصلا له و يجب أن يريده لبطلان سائر الأقسام و استحالة خلو كلامه من معنى و فائدة. فالقسم الأول هو المعتق و الحليف لأن الحليف هو الذي ينضم إلى قبيلة أو عشيرة فيحالفها على نصرته و الدفاع عنه فيكون منتسبا إليها متعززا بها و لم يكن النبي ص حليفا لأحد على هذا الوجه و القسم الثاني ينقسم إلى قسمين أحدهما معلوم أنه لم يرده لبطلانه في نفسه كالمعتق و المالك و الجار و الصهر و الخلف و الإمام إذا عدا من أقسام المولى و الآخر أنه لم يرده من حيث لم يكن فيه فائدة و كان ظاهرا شائعا و هو ابن العم و القسم الثالث الذي يعلم بالدليل أنه لم يرده هو ولاية الدين و النصرة فيه و المحبة أو ولاء العتق و الدليل على أنه ص لم يرد ذلك أن كل أحد يعلم من دينه وجوب تولي المؤمنين و نصرتهم و قد نطق الكتاب به و ليس يحسن أن يجمعهم على الصورة التي حكيت في تلك الحال و يعلمهم ما هم مضطرون إليه من دينه و كذلك هم يعلمون أن ولاء العتق لبني العم قبل الشريعة و بعدها و قول ابن الخطاب في الحال على ما تظاهرت به الرواية لأمير المؤمنين عليه السلام أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن يبطل أن يكون المراد ولاء العتق و بمثل ما ذكرناه في إبطال أن يكون المراد بالخبر ولاء العتق أو إيجاب النصرة في الدين أستبعد أن يكون أراد به قسم ابن العم لاشتراك خلو الكلام عن الفائدة بينهما فلم يبق إلا القسم الرابع الذي كان حاصلا له و يجب أن يريده و هو الأولى بتدبير الأمر و أمرهم و نهيهم انتهى. أقول أكثر المخالفين لجئوا في دفع الاستدلال به إلى تجويز كون المراد الناصر و المحب و لا يخفى على عاقل أنه ما كان يتوقف بيان ذلك على اجتماع الناس لذلك في شدة الحر بل كان هذا أمرا يجب أن يوصي به عليا عليه السلام بأن ينصر من كان الرسول ص ينصره و يحب من كان يحبه و لا يتصور في أخبار الناس بذلك فائدة يعتد بها إلا إذا أريد بذلك نوع من النصرة و المحبة يكون للأمراء بالنسبة إلى رعاياهم أو أريد به جلب محبتهم بالنسبة إليه و وجوب متابعتهم له حيث ينصرهم في جميع المواطن و يحبهم على الدين و بهذا أيضا يتم المدعى. و أيضا نقول على تقدير أن يراد به المحب و الناصر أيضا يدل على إمامته عليه السلام عند ذوي العقول المستقيمة و الفطرة القويمة بقرائن الحال فإنا لو فرضنا أن أحدا من الملوك جمع عند قرب وفاته جميع عسكره و أخذ بيد رجل هو أقرب أقاربه و أخص الخلق به و قال من كنت محبه و ناصره فهذا محبه و ناصره ثم دعا لمن نصره و والاه و لعن من خذله و لم يواله ثم لم يقل هذا لأحد غيره و لم يعين لخلافته رجلا سواه فهل يفهم أحد من رعيته و من حضر ذلك المجلس إلا أنه يريد بذلك استخلافه و تطميع الناس في نصره و محبته و حث الناس على إطاعته و قبول أمره و نصرته على عدوه و بوجه آخر نقول ظاهر قوله من كنت ناصره فعلي ناصره يتمشى منه النصرة لكل أحد كما كان يتأتى من النبي ص و لا يكون ذلك إلا بالرئاسة العامة إذ لا يخفى على منصف أنه لا يحسن من أمير قوي الأركان كثير الأعوان أن يقول في شأن بعض آحاد الرعايا من كنت ناصره فهذا ناصره فأما إذا استخلفه و أمره على الناس فهذا في غاية الحسن لأنه جعله بحيث يمكن أن يكون ناصر من نصره: المسلك الثالث ما سبق في كلام الصدوق من وجود القرينة في الكلام على أن المراد بالمولى الأولى و به يثبت أنه الإمام و هو العمدة في هذا المقام و لا ينكره إلا جاهل بأساليب الكلام أو متجاهل لعصبيته عما تتسارع إليه الأفهام قال السيد في الشافي فأما الدلالة على أن المراد بلفظة مولى في خبر الغدير الأولى فهو أن من عادة أهل اللسان في خطابهم إذا أوردوا جملة مصرحة و عطفوا عليها بكلام محتمل لما تقدم التصريح به و لغيره لم يجز أن يريدوا بالمحتمل إلا المعنى الأول يبين صحة ما ذكرناه أن أحدهم إذا قال مقبلا على جماعة مفهما لهم و له عدة عبيد أ لستم عارفين بعبدي فلان ثم قال عاطفا على كلامه فاشهدوا أن عبدي حر لوجه الله لم يجز أن يريد بقوله عبدي بعد أن قدم ما قدمه إلا العبد الذي سماه في أول كلامه دون غيره من سائر عبيده و متى أراد سواه كان عندهم لغوا خارجا من طريق البيان. ثم اعترض بأن ما ذكرتم من المثال إنما يقبح أن يريد غير ما مهده سابقا من العبيد لأنه حينئذ تكون المقدمة لغوا لا فائدة فيها و ليس الأمر في خبر الغدير كذلك لأنه يمكن أن يكون المعنى إذا كنت أولى بكم و كانت طاعتي واجبة عليكم فافعلوا كذا و كذا فإنه من جملة ما آمركم فيه بطاعتي و هذه عادة الحكماء فيما يلزمونه من يجب عليه طاعتهم فافترق الأمران ثم أجاب بأنه لو كان الأمر على ما ذكرت لوجب أن يكون متى حصل في المثال الذي أوردناه فائدة لمقدمته و إن قلت أن يحسن ما حكمنا بقبحه و وافقتنا عليه و نحن نعلم أن القائل إذا أقبل على جماعة فقال أ لستم تعرفون صديقي زيدا الذي كنت ابتعت منه عبدي فلانا الذي صفته كذا و كذا و أشهدناكم على أنفسنا بالمبايعة فاشهدوا أني قد وهبت له عبدي أو قد رددت إليه عبدي لم يجز أن يريد بالكلام الثاني إلا العبد الذي سماه و عينه في صلب الكلام و إن كان متى لم يرد ذلك يصح أن يحصل فيما قدمه فائدة لأنه لا يمتنع أن يريد بما قدمه من ذكر العبد تعريف الصديق و يكون وجه التعلق بين الكلامين أنكم إذا كنتم قد شهدتم بكذا و عرفتموه فاشهدوا أيضا بكذا و هو لو صرح بما قدمناه حتى يقول بعد المقدمة فاشهدوا أني قد وهبت له أو رددت إليه عبدي فلانا الذي كنت ملكته منه و يذكر من عبيده غير من تقدم ذكره يحسن و كان وجه حسنه ما ذكرناه انتهى كلامه نور الله ضريحه. أقول فإذا ثبت أن المراد بالمولى هاهنا الأولى الذي تقدم ذكره و الأولى في الكلام المتقدم غير مقيد بشيء من الأشياء و حال من الأحوال فلو لم يكن المراد العموم لزم الإلغاز في الكلام المتقدم و من قواعدهم المقررة أن حذف المتعلق من غير قرينة دالة على خصوص أمر من الأمور يدل على العموم لا سيما و قد انضم إليه قوله ص من أنفسكم فإن للمرء أن يتصرف في نفسه ما يشاء و يتولى من أمره ما يشاء فإذا حكم بأنه أولى بهم من أنفسهم يدل على أن له أن يأمرهم بما يشاء و يدبر فيهم ما يشاء في أمر الدين و الدنيا و أنه لا اختيار لهم معه و هل هذا إلا معنى الإمامة و الرئاسة العامة. و أيضا لا يخفى على عاقل أن ما قررهم ص إنما أشار به إلى ما أثبت الله تعالى له في كتابه العزيز حيث قال النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ و قد أجمع المفسرون على أن المراد به ما ذكرناه قال الزمخشري في كتاب الكشاف النبي أولى بالمؤمنين في كل شيء من أمور الدين و الدنيا من أنفسهم و لهذا أطلق و لم يقيد فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم و حكمه أنفذ عليهم من حكمها و حقه آثر لديهم من حقوقها و شفقتهم عليه أقدم من شفقتهم عليها و أن يبذلوها دونه و يجعلوها فداءه إذا أعضل خطب و وقاءه إذا لحقت حرب و أن لا يتبعوا ما تدعوهم إليه نفوسهم و لا ما تصرفهم عنه و يتبعوا كل ما دعاهم إليه رسول الله ص و صرفهم عنه إلى آخر كلامه و نحوه قال البيضاوي و غيره من المفسرين. و قال السيد فأما الدليل على أن لفظة أولى يفيد معنى الإمامة فهو أنا نجد أهل اللغة لا يضعون هذا اللفظ إلا فيمن كان يملك ما وصف بأنه أولى به و ينفذ فيه أمره و نهيه أ لا تراهم يقولون السلطان أولى بإقامة الحدود من الرعية و ولد الميت أولى بميراثه من كثير من أقاربه و مرادهم في جميع ذلك ما ذكرناه و لا خلاف بين المفسرين في أن قوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ المراد به أنه أولى بتدبيرهم و القيام بأمرهم حيث وجبت طاعته عليهم و نحن نعلم أنه لا يكون أولى بتدبير الخلق و أمرهم و نهيهم من كل أحد إلا من كان إماما لهم مفترض الطاعة عليهم. فإن قال سلمنا أن المراد بالمولى في الخبر ما تقدم من معنى الأولى من أين لكم أنه أراد كونه أولى بهم في تدبيرهم و أمرهم و نهيهم دون أن يكون أراد به أولى بأن يوالوه و يحبوه و يعظموه و يفضلوه قيل له سؤالك يبطل من وجهين أحدهما أن الظاهر من قول القائل فلان أولى بفلان أنه أولى بتدبيره و أحق بأمره و نهيه فإذا انضاف إلى ذلك القول أولى به من نفسه زالت الشبهة في أن المراد ما ذكرناه أ لا تراهم يستعملون هذه اللفظة مطلقة في كل موضع حصل فيه محض التدبير و الاختصاص بالأمر و النهي كاستعمالهم لها في السلطان و رعيته و الوالد ولده و السيد و عبده و إن جاز أن يستعملوها مقيدة في غير هذا الموضع إذا قالوا فلان أولى بمحبة فلان أو بنصرته أو بكذا و كذا منه إلا أن مع الإطلاق لا يعقل عنهم إلا المعنى الأول. و الوجه الآخر أنه إذا ثبت أن النبي ص أراد بما قدمه من كونه أولى بالخلق من نفوسهم أنه أولى بتدبيرهم و تصريفهم من حيث وجبت طاعته عليهم بلا خلاف وجب أن يكون ما أوجبه لأمير المؤمنين عليه السلام في الكلام الثاني جاريا ذلك المجرى يشهد بصحة ما قلناه أن القائل من أهل اللسان إذا قال فلان و فلان و ذكر جماعة شركائي في المتاع الذي من صفته كذا و كذا ثم قال عاطفا على كلامه من كنت شريكه فعبد الله شريكه اقتضى ظاهر لفظه أن عبد الله شريكه في المتاع الذي قدم ذكره و أخبر أن الجماعة شركاؤه فيه و متى أراد أن عبد الله شريكه في غير الأمر الأول كان سفيها عابثا ملغزا. فإن قيل إذا نسلم لكم أنه عليه السلام أولى بهم بمعنى التدبير و وجوب الطاعة من أين لكم عموم وجوب الطاعة في جميع الأمور التي تقوم بها الأئمة و لعله أراد به أولى بأن يطيعوه في بعض الأشياء دون بعض قيل له الوجه الثاني الذي ذكرناه في جواب سؤالك المتقدم يسقط هذا السؤال و مما يبطله أيضا أنه إذا ثبت أنه عليه السلام مفترض الطاعة على جميع الخلق في بعض الأمور دون بعض وجبت إمامته و عموم فرض طاعته و امتثال تدبيره فلا يكون إلا الإمام لأن الأمة مجمعة على أن من هذه صفته هو الإمام. و لأن كل من أوجب لأمير المؤمنين عليه السلام من خبر الغدير فرض الطاعة على الخلق أوجبها عامة في الأمور كلها على الوجه الذي يجب للأئمة و لم يخص شيئا دون شيء و بمثل هذا الوجه نجيب من قال كيف علمتم عموم القول لجميع الخلق مضافا إلى عموم إيجاب الطاعة لسائر الأمور و لستم ممن يثبت للعموم صيغة في اللغة فتتعلقون بلفظة من و عمومها و ما الذي يمنع على أصولكم من أن يكون أوجب طاعته على واحد من الناس أو جماعة من الأمة قليلة العدد لأنه لا خلاف في عموم طاعة النبي ص و عموم قوله من بعد فمن كنت مولاه و إلا لم يكن للعموم صورة و قد بينا أن الذي أوجبه ثانيا يجب مطابقته لما قدمه في وجهه و عمومه في الأمور و كذا يجب عمومه في المخالفين بتلك الطريقة لأن كل من أوجب من الخبر فرض الطاعة و ما يرجع إلى معنى الإمامة ذهب إلى عمومه لجميع المكلفين كما ذهب إلى عمومه في جميع الأفعال انتهى. و أما ما زعم بعضهم من أن قوله ص اللهم وال من والاه قرينة على أن المراد بالمولى الموالي و الناصر فلا يخفى وهنه إذ لم يكن استدلالنا بمحض تقدم ذكر الأولى حتى يعارضونا بذلك بل إنما استدللنا بسياق الكلام و تمهيد المقدمة و التفريع عليها و ما يحكم به عرف أرباب اللسان في ذلك و أما الدعاء بموالاة من والاه فليس بتلك المثابة و إنما يتم هذا لو ادعى أحد أن اللفظ بعد ما أطلق على أحد معانيه لا يناسب أن يطلق ما يناسبه و يدانيه في الاشتقاق على معنى آخر و كيف يدعي ذلك عاقل مع أن ذلك مما يعد من المحسنات البديعية بل نقول تعقيبه بهذا يؤيد ما ذكرناه و يقوى ما أسسناه بوجوه. الأول أنه لما أثبت ص له الرئاسة العامة و الإمامة الكبرى و هي مما يحتاج إلى الجنود و الأعوان و إثبات مثل ذلك لواحد من بين جماعة مما يفضي إلى هيجان الجسد المورث لترك النصرة و الخذلان لا سيما أنه ص كان عالما بما في صدور المنافقين الحاضرين من عداوته و ما انطوى عليه جنوبهم من السعي في غصب خلافته عليه السلام أكد ذلك بالدعاء لأعوانه و اللعن على من قصر في شأنه و لو كان الغرض محض كونه ص ناصرا لهم أو ثبوت الموالاة بينه و بينهم كسائر المؤمنين لم يكن يحتاج إلى مثل تلك المبالغات و الدعاء له بما يدعى للأمراء و أصحاب الولايات. و الثاني أنه يدل على عصمته اللازمة لإمامته عليه السلام لأنه لو كان يصدر منه المعصية لكان يجب على من يعلم ذلك منه منعه و زجره و ترك موالاته و إبداء معاداته لذلك و دعاء الرسول ص لكل من يواليه و ينصره و لعنه على كل من يعاديه و يخذله يستلزم عدم كونه أبدا على حال يستحق عليها ترك الموالاة و النصرة. و الثالث أنه إذا كان المراد بالمولى الأولى كما نقوله كان المقصود منه طلب موالاته و متابعته و نصرته من القوم و إن كان المراد الناصر و المحب كان المقصود بيان كونه ص ناصر و محبا لهم فالدعاء لمن يواليه و ينصره و اللعن على من يتركهما في الأول أهم و به أنسب من الثاني إلا أن يؤول الثاني بما يرجع إلى الأول في المال كما أومأنا إليه سابقا: المسلك الرابع أن الأخبار المروية من طرق الخاصة و العامة الدالة على أن قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ نزلت في يوم الغدير تدل على أن المراد بالمولى ما يرجع إلى الإمامة الكبرى إذ ما يكون سببا لكمال الدين و تمام النعمة على المسلمين لا يكون إلا ما يكون من أصول الدين بل من أعظمها و هي الإمامة التي بها يتم نظام الدنيا و الدين و بالاعتقاد بها تقبل أعمال المسلمين و قال الشيخ جلال الدين السيوطي و هو من أكابر متأخري المخالفين في كتاب الإتقان أخرج أبو عبيدة عن محمد بن كعب قال نزلت سورة المائدة في حجة الوداع فيما بين مكة و المدينة و منها الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ و في الصحيح عن عمر أنها نزلت عشية عرفة يوم الجمعة عام حجة الوداع لكن أخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري أنها نزلت يوم غدير خم و أخرج مثله من حديث أبي هريرة انتهى و روى السيوطي أيضا في الدر المنثور بأسانيد أن اليهود قالوا لو علينا نزلت هذه الآية لاتخذنا يومها عيدا. وَ رَوَى الشَّيْخُ الطَّبْرِسِيُّ فِي مَجْمَعِ الْبَيَانِ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ نِزَارٍ الْحُسَيْنِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسْكَانِيِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرَازِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْجُرْجَانِيِّ عَنْ أَبِي أَحْمَدَ الْأَنْصَارِيِّ الْبَصْرِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَمَّارِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيِّ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ عَلَى إِكْمَالِ الدِّينِ وَ إِتْمَامِ النِّعْمَةِ وَ رِضَى الرَّبِّ بِرِسَالَتِي وَ وَلَايَةِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ مِنْ بَعْدِي وَ قَالَ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ قَالَ وَ قَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ نَزَلَ فِي الْمَسِيرِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ. انتهى و قد مر سائر الأخبار في ذلك. المسلك الخامس أن الأخبار المتقدمة الدالة على نزول قوله تعالى يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ مما يعين أن المراد بالمولى الأولى و الخليفة و الإمام لأن التهديد بأنه إن لم يبلغه فكأنه لم يبلغ شيئا من رسالاته و ضمان العصمة له يجب أن يكون في إبلاغ حكم يكون بإبلاغه إصلاح الدين و الدنيا لكافة الأنام و به يتبين الناس الحلال و الحرام إلى يوم القيامة و يكون قبوله صعبا على الأقوام و ليس ما ذكروه من الاحتمالات في لفظ المولى مما يظن فيه أمثال ذلك إلا خلافته و إمامته عليه السلام إذ بها يبقى ما بلغه ص من أحكام الدين و بها ينتظم أمور المسلمين و لضغائن الناس لأمير المؤمنين كان مظنة إثارة الفتن من المنافقين فلذا ضمن الله له العصمة من شرهم. قال الرازي في تفسيره الكبير في بيان محتملات نزول تلك الآية العاشر نزلت هذه الآية في فضل علي عليه السلام و لما نزلت هذه الآية أخذ بيده و قال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه فلقيه عمر فقال هنيئا لك يا ابن أبي طالب أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة و هو قول ابن عباس و البراء بن عازب و محمد بن علي. و قال الطبرسي رحمه الله روى العياشي في تفسيره بإسناده عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس و جابر بن عبد الله قال أمر الله تعالى أن ينصب عليا للناس فيخبرهم بولايته فتخوف رسول الله ص أن يقولوا حابى ابن عمه و أن يطعنوا في ذلك عليه فأوحى الله إليه الآية فقام ص بولايته يوم غدير خم و هذا الخبر بعينه حدثناه السيد أبو الحمد عن الحاكم أبي القاسم الحسكاني بإسناده عن ابن أبي عمير في كتاب شواهد التنزيل لقواعد التأويل و فيه أيضا بالإسناد المرفوع إلى حيان بن علي العنزي عن أبي صالح عن ابن عباس قال نزلت هذه الآية في علي عليه السلام فأخذ رسول الله ص بيده فقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و قد أورد هذا الخبر أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره بإسناده مرفوعا إلى ابن عباس قال نزلت هذه الآية في علي عليه السلام أمر النبي ص أن يبلغ فأخذ رسول الله ص بيد علي عليه السلام فقال من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه و عاد من عاداه و قد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليه السلام أن الله أوحى إلى نبيه ص أن يستخلف عليا عليه السلام فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة من أصحابه فأنزل الله سبحانه هذه الآية تشجيعا له على القيام بما أمره بأدائه و المعنى إن تركت تبليغ ما أنزل إليك و كتمته كنت كأنك لم تبلغ شيئا من رسالات ربك في استحقاق العقوبة. المسلك السادس هو أن الأخبار الخاصية و العامية المشتملة على صريح النص في تلك الواقعة إن لم ندع تواترها معنى مع أنها كذلك فهي تصلح لكونها قرينة لكون المراد بالمولى ما يفيد الإمامة الكبرى و الخلافة العظمى لا سيما مع انضمام ما جرت به عادة الأنبياء عليهم السلام و السلاطين و الأمراء من استخلافهم عند قرب وفاتهم و هل يريب عاقل في أن نزول النبي ص في زمان و مكان لم يكن نزول المسافر متعارفا فيهما حيث كان الهواء على ما روي في غاية الحرارة حتى كان الرجل يستظل بدابته و يضع الرداء تحت قدميه من شدة الرمضاء و المكان مملوءا من الأشواك ثم صعوده على الأقتاب و الدعاء لأمير المؤمنين علي عليه السلام على وجه يناسب شأن الملوك و الخلفاء و ولاة العهد لم يكن إلا لنزول الوحي الإيجابي الفوري في ذلك الوقت لاستدراك أمر عظيم الشأن جليل القدر و هو استخلافه و الأمر بوجوب طاعته. المسلك السابع نقول يكفي في القرينة على إرادة الإمامة من المولى فهم من حضر ذلك المكان و سمع هذا الكلام هذا المعنى كحسان حيث نظمه في أشعاره المتواترة و غيره من شعراء الصحابة و التابعين و غيرهم و كالحارث بن النعمان الفهري كما مر عن الثعلبي و غيره أنه هكذا فهم الخطاب حيث سمعه و غيرهم من الصحابة و التابعين على ما مر بيانه في ضمن الأخبار و لنعم ما قال الغزالي في كتاب سر العالمين في مقالته الرابعة التي وضعها لتحقيق أمر الخلافة بعد عدة من الأبحاث و ذكر الاختلاف لكن أسفرت الحجة وجهها و أجمع الجماهير على متن الحديث من خطبته ص في يوم غدير خم باتفاق الجميع و هو يقول من كنت مولاه فعلي مولاه فقال عمر بخ بخ لك يا أبا الحسن لقد أصبحت مولاي و مولى كل مؤمن و مؤمنة فهذا تسليم و رضى و تحكيم ثم بعد هذا غلب الهوى بحب الرئاسة و حمل عمود الخلافة و عقود البنود و خفقان الهواء في قعقعة الرايات و اشتباك ازدحام الخيول و فتح الأمصار سقاهم كأس الهوى فعادوا إلى الخلاف الأول فنبذوا الحق وَراءَ ظُهُورِهِمْ وَ اشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ انتهى. أقول لا يخفى على من شم رائحة الإنصاف أن تلك الوجوه التي نقلناها عن القوم مع تتميمات ألحقناها بها و نكات تفردنا بإيرادها لو كان كل منها مما يمكن لمباهت و معاند أن يناقش فيها فبعد اجتماعها و تعاضد بعضها ببعض لا يبقى لأحد مجال الريب فيها و العجب من هؤلاء المخالفين مع ادعائهم غاية الفضل و الكمال كيف طاوعتهم أنفسهم أن يبدوا في مقابلة تلك الدلائل و البراهين احتمالات يحكم كل عقل باستحالتها و لو كان مجرد التمسك بذيل الجهالات و الالتجاء بمحض الاحتمالات مما يكفي لدفع الاستدلالات لم يبق شيء من الدلائل إلا و لمباهت فيه مجال و لا شيء من البراهين إلا و لجاهل فيه مقال فكيف يثبتون الصانع و يقيمون البراهين فيه على الملحدين و كيف يتكلمون في إثبات النبوات و غيره من مقاصد الدين أعاذنا الله و إياهم من العصبية و العناد و وفقنا جميعا لما يهدي إلى الرشاد. تذييل قال أبو الصلاح الحلبي في كتاب تقريب المعارف و قد لخصه من الشافعي فإن قيل فطرقكم من هذا الخبر يوجب كون علي عليه السلام إماما في الحال و الإجماع بخلاف ذلك قلنا هذا يسقط من وجوه. أحدها أنه جرى في استخلافه عليا (صلوات الله عليهما) على عادة المستخلفين الذين يطلقون إيجاب الاستخلاف في الحال و مرادهم بعد الوفاة و لا يفتقرون إلى بيان لعلم السامعين بهذا العرف المستقر. و ثانيها أن الخبر إذا أفاد فرض طاعته و إمامته عليه السلام على العموم و خرج حال الحياة بإجماع بقي ما عداه و ليس لأحد أن يقول على هذا الوجه فألحقوا بحال حياة النبي ص أحوال المتقدمين على أمير المؤمنين عليه السلام لأنا إنما أخرجنا حال الحياة من عموم الأحوال للدليل و لا دليل على إمامة المتقدمين و لأن كل قائل بالنص قائل بإيجاب إمامته عليه السلام بعد النبي ص بلا فصل فإذا كان الخبر دالا على النص بما أوضحنا سقط السؤال. و ثالثها أنا نقول بموجبه من كونه عليه السلام مفترض الطاعة على كل مكلف و في كل أمر و حال منذ نطق به إلى أن قبضه الله تعالى إليه و إلى الآن و موسوما بذلك و لا يمنع منه إجماع لاختصاصه بالمنع من وجود إمامين و ليس هو في حياة النبي ص كذلك لكونه عليه السلام مرعيا للنبي ص و تحت يده و إن كان مفترض الطاعة على أمته كالنبي ص لأنه لم يكن الإمام إماما من حيث فرض الطاعة فقط لثبوته للأمراء و إنما كان كذلك لأنه لا يد فوق يده و هذا لم يحصل إلا بعد وفاته صلوات الله عليه و آله انتهى. أقول من أراد الإحاطة على الاعتراضات الموردة في هذا المقام و أجوبتها الشافية فليرجع إلى كتاب الشافي و فيما ذكرناه كفاية لإتمام الحجة و وضوح المحجة وَ اللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
بحار الأنوار - ج ٣٧ - الصفحة ٢٣٤. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
أَمَا إِنَّكُمْ تُعْرَضُونَ عَلَى لَعْنِي وَ دُعَائِي كَذَّاباً فَمَنْ لَعَنَنِي كَارِهاً مُكْرَهاً يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ كَانَ مُكْرَهاً وَرَدْتُ أَنَا وَ هُوَ عَلَى مُحَمَّدٍ ص مَعاً وَ مَنْ أَمْسَكَ لِسَانَهُ فَلَمْ يَلْعَنِّي سَبَقَنِي كَرَمْيَةِ سَهْمٍ أَوْ لَمْحَةٍ بِالْبَصَرِ وَ مَنْ لَعَنَنِي مُنْشَرِحاً صَدْرُهُ بِلَعْنَتِي فَلَا حِجَابَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ اللَّهِ وَ لَا حُجَّةَ لَهُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ ص أَلَا إِنَّ مُحَمَّداً أَخَذَ بِيَدِي يَوْماً فَقَالَ مَنْ بَايَعَ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَ ثُمَّ مَاتَ وَ هُوَ يُحِبُّكَ فَقَدْ قَضى نَحْبَهُ وَ مَنْ مَاتَ وَ هُوَ يُبْغِضُكَ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً يُحَاسَبُ بِمَا عَمِلَ فِي الْإِسْلَامِ. بيان: قوله فلا حجاب بينه و بين الله أي لا يحجبه شيء عن عذاب الله و هؤلاء الخمس إشارة إلى أصابعه ص و في بعض النسخ بالتاء المثناة فالمراد الصلوات الخمس.
بحار الأنوار - ج ٣٩ - الصفحة ٣٢٣. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
نهج، نهج البلاغة مِنْ كَلَامٍ لَهُ
عليه السلام لِأَصْحَابِهِ أَمَا إِنَّهُ سَيَظْهَرُ عَلَيْكُمْ بَعْدِي رَجُلٌ رَحْبُ الْبُلْعُومِ مُنْدَحِقُ الْبَطْنِ يَأْكُلُ مَا يَجِدُ وَ يَطْلُبُ مَا لَا يَجِدُ فَاقْتُلُوهُ وَ لَنْ تَقْتُلُوهُ أَلَا وَ إِنَّهُ سَيَأْمُرُكُمْ بِسَبِّي وَ الْبَرَاءَةِ مِنِّي فَأَمَّا السَّبُّ فَسُبُّونِي فَإِنَّهُ لِي زَكَاةٌ وَ لَكُمْ نَجَاةٌ وَ أَمَّا الْبَرَاءَةُ فَلَا تَبَرَّءُوا مِنِّي فَإِنِّي وُلِدْتُ عَلَى الْفِطْرَةِ وَ سَبَقْتُ إِلَى الْإِيمَانِ وَ الْهِجْرَةِ. أقول: قال ابن أبي الحديد مندحق البطن بارزها و الدحوق من النوق التي يخرج رحمها بعد الولادة و سيظهر سيغلب و رحب البلعوم واسعه و كثير من الناس يذهب إلى أنه عليه السلام عنى زيادا و كثير منهم يقول إنه عنى الحجاج و قال قوم إنه عنى المغيرة بن شعبة و الأشبه عندي أنه عنى معاوية لأنه كان موصوفا بالنهم و كثرة الأكل و كان بطنا. ثم قال وَ رَوَى صَاحِبُ كِتَابِ الْغَارَاتِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ كُلَيْبٍ الْمَسْعُودِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سُلَيْمَانَ الْعَدَوِيِ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عليه السلام قَالَ: خَطَبَ عَلِيٌّ عليه السلام عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ فَقَالَ سَيُعْرَضُ عَلَيْكُمْ سَبِّي وَ سَتُذْبَحُونَ عَلَيْهِ فَإِنْ عُرِضَ عَلَيْكُمْ سَبِّي فَسُبُّونِي وَ إِنْ عُرِضَ عَلَيْكُمُ الْبَرَاءَةُ مِنِّي فَإِنِّي عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ ص و لم يقل فلا تبرءوا مني وَ قَالَ أَيْضاً حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام قَالَ قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام لَيُذْبَحُنَ عَلَى سَبِّي وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى حَلْقِهِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ أَمَرُوكُمْ بَسَبِّي فَسُبُّونِي وَ إِنْ أَمَرُوكُمْ أَنْ تَتَبَرَّءُوا مِنِّي فَإِنِّي عَلَى دِينِ مُحَمَّدٍ ص و لم ينههم عن إظهار البراءة ثم قال إنه أباح لهم سبه عند الإكراه لأن الله تعالى قد أباح عند الإكراه التلفظ بكلمة الكفر فقال إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ و أما قوله فإنه لي زكاة و لكم نجاة فمعناه أنكم تنجون من القتل إذا أظهرتم ذلك و معنى الزكاة يحتمل أمرين أحدهما ما ورد في الأخبار النبوية أن سب المؤمن زكاة له و زيادة في حسناته الثاني أن يريد أن سبهم لي لا ينقص في الدنيا من قدري بل أزيد به شرفا و علو قدر و شياع ذكر فالزكاة بمعنى النماء و الزيادة.: فإن قيل فأي فرق بين السب و البراءة و كيف أجاز لهم السب و منعهم من التبري و السب أفحش من التبري فالجواب أما الذي يقوله أصحابنا في ذلك فإنه لا فرق عندهم بين السب و التبري منه في أن كلا منهما فسق و حرام و كبيرة و أن المكره عليهما يجوز له فعلهما عند خوفه على نفسه كما يجوز له إظهار كلمة الكفر عند الخوف و يجوز أن لا يفعلهما و إن قتل إذا قصد بذلك إعزاز الدين كما يجوز له أن يسلم نفسه للقتل و لا يظهر كلمة الكفر إعزازا للدين و إنما استفحش عليه السلام البراءة لأن هذه اللفظة ما وردت في القرآن العزيز إلا من المشركين أ لا ترى إلى قوله تعالى بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ و قال الله تعالى أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَ رَسُولُهُ فقد صارت بحكم العرف الشرعي مطلقة على المشركين خاصة فإذن يحمل هذا النهي على ترجيح تحريم لفظ البراءة على تحريم لفظ السب و إن كان حكمهما واحدا أ لا ترى أن إلقاء المصحف في العذرة أفحش من إلقائه في دن الشراب و إن كانا جميعا محرمين و كان حكمهما واحدا - فَأَمَّا الْإِمَامِيَّةُ فَتَرْوِي عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا عُرِضْتُمْ عَلَى الْبَرَاءَةِ مِنَّا فَمُدُّوا الْأَعْنَاقَ. و يقولون إنه لا يجوز التبري عنه و إن كان الحالف صادقا و أن عليه الكفارة و يقولون إن للبراءة من الله و من الرسول و من إحدى الأئمة حكما واحدا و يقولون الإكراه على السب يبيح إظهاره و لا يجوز الاستسلام للقتل و يجوز أن يظهر التبري و الأولى أن يستسلم للقتل. فإن قيل كيف علل نهيه لهم من البراءة منه بقوله فإني ولدت على الفطرة فإن هذا التعليل لا يختص به لأن كل ولد يولد على الفطرة و إنما أبواه يهودانه و ينصرانه و الجواب أنه علل نهيه لهم عن البراءة منه بمجموع أمور و هو كونه ولد على الفطرة و سبق إلى الإيمان و الهجرة و لم يعلل بآحاد هذا المجموع و مراده هنا بالولادة على الفطرة أنه لم يولد في الجاهلية لأنه ولد لثلاثين عاما مضت من عام الفيل و النبي أرسل لأربعين مضت من عام الفيل و قد جاء في الأخبار الصحيحة أنه مكث قبل الرسالة سنين عشرا يسمع الصوت و يرى الضوء و لا يخاطبه أحد و كان ذلك إرهاصا لرسالته فحكم تلك السنين العشر حكم أيام رسالته ص فالمولود فيها إذا كان في حجره و هو المتولي لتربيته مولود في أيام كأيام النبوة و ليس بمولود في جاهلية محضة ففارقت حاله حال من يدعي له من الصحابة مماثلته في الفضل و قد روي أن السنة التي ولد فيها هذه السنة التي بدئ فيها رسول الله ص فأسمع الهتاف من الأحجار و الأشجار و كشف عن بصره فشاهد أنوارا و أشخاصا و لم يخاطب منها بشيء و هذه السنة هي السنة التي ابتدأ فيها بالتبتل و الانقطاع و العزلة في جبل حراء فلم يزل به حتى كوشف بالرسالة و أنزل عليه الوحي و كان رسول الله ص يتيمن بتلك السنة و بولادة علي عليه السلام فيها و يسميها سنة الخير و سنة البركة و قال لأهله ليلة ولادته و فيها شاهد ما شاهد من الكرامات و القدرة الإلهية و لم يكن من قبلها شاهد من ذلك شيئا لقد ولد لنا مولود يفتح الله علينا به أبوابا كثيرة من النعمة و الرحمة و كان كما قال (صلوات الله عليه) فإنه كان ناصره و المحامي عنه و كاشف الغم عن وجهه و بسيفه ثبت دين الإسلام و رست دعائمه و تمهدت قواعده. و في المسألة تفصيل آخر و هو أن يعني بقوله فإني ولدت على الفطرة التي لم تتغير و لم تحل و ذلك أن معنى - قَوْلِ النَّبِيِّ ص كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ. أن كل مولود فإن الله تعالى قد هيأه بالعقل الذي خلقه فيه و بصحة الحواس و المشاعر لأن يتعلم التوحيد و العدل و لم يجعل فيه مانعا يمنعه من ذلك و لكن التربية و العقيدة في الوالدين و الإلف لاعتقادهما و حسن الظن فيهما يصده عما فطر عليه و أمير المؤمنين عليه السلام دون غيره ولد على الفطرة التي لم تحل و لم يصد عن مقتضاها مانع لا من جانب الأبوين و لا من جهة غيرهما و غيره ولد على الفطرة و لكنه حال عن مقتضاها و زال عن موجبها. و يمكن أن يفسر أنه أراد بالفطرة العصمة و أنه منذ ولد لم يواقع قبيحا و لا كان كافرا طرفة عين و لا مخطئا و لا غالطا في شيء من الأشياء المتعلقة بالدين و هذا تفسير الإمامية انتهى كلامه. و أقول الأخبار في البراءة من طرق الخاصة و العامة مختلفة و الأظهر في الجمع بينها أن يقال بجواز التكلم بها عند الضرورة الشديدة و جواز الامتناع عنه و تحمل ما تترتب عليه و أما أن أيهما أولى ففيه إشكال بل لا يبعد القول بذلك في السب أيضا و ذهب إلى ما ذكرناه في البراءة جماعة من علمائنا و أما ما نسبه ابن أبي الحديد إليهم جميعا من تحريم القول بالبراءة فلعله اشتبه عليه ما ذكروه من تحريم الحلف بالبراءة اختيارا فإنهم قطعوا بتحريم ذلك و إن كان صادقا و لا تعلق له بأحكام المضطر. و قال الشيخ الشهيد في قواعده التقية تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة فالواجب إذا علم أو ظن نزول الضرر بتركها به أو ببعض المؤمنين و المستحب إذا كان لا يخاف ضررا عاجلا و يتوهم ضررا آجلا أو ضررا سهلا أو كان تقية في المستحب كالترتيب في تسبيح الزهراء عليها السلام و ترك بعض فصول الأذان و المكروه التقية في المستحب حيث لا ضرر عاجلا و لا آجلا و يخاف منه الالتباس على عوام المذهب و الحرام التقية حيث يؤمن الضرر عاجلا و آجلا أو في قتل مسلم - قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام إِنَّمَا جُعِلَتِ التَّقِيَّةُ لِيُحْقَنَ بِهَا الدِّمَاءُ فَإِذَا بَلَغَ الدَّمَ فَلَا تَقِيَّةَ. و المباح التقية في بعض المباحات التي رجحها العامة و لا يصل بتركها ضرر. ثم قال رحمه الله التقية يبيح كل شيء حتى إظهار كلمة الكفر و لو تركها حينئذ أثم إلا في هذا المقام و مقام التبري من أهل البيت عليهم السلام فإنه لا يأثم بتركها بل صبره إما مباح أو مستحب و خصوصا إذا كان ممن يقتدى به. و قال الشيخ أمين الدين الطبرسي قال أصحابنا التقية جائزة في الأحوال كلها عند الضرورة و ربما وجب فيها لضرب من اللطف و الاستصلاح و ليس يجوز من الأفعال في قتل المؤمن و لا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد في الدين قال المفيد رضي الله عنه إنها قد تجب أحيانا و تكون فرضا و تجوز أحيانا من غير وجوب و تكون في وقت أفضل من تركها و قد يكون تركها أفضل و إن كان فاعلها معذورا و معفوا عنه متفضلا عليه بترك اللوم عليها و قال الشيخ أبو جعفر الطوسي رحمه الله ظاهر الروايات يدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس و قد روي رخصته في جواز الإفصاح بالحق عنده انتهى. أقول سيأتي تمام القول في ذلك في باب التقية إن شاء الله تعالى.
من الأخبار الواردة بسبب قتله عليه السلام و كيف جرى الأمر في ذلك ما رواه جماعة من أهل السير منهم أبو مخنف و إسماعيل بن راشد أبو هاشم الرفاعي و أبو عمرو الثقفي و غيرهم أن نفرا من الخوارج اجتمعوا بمكة فتذاكروا الأمراء فعابوهم و عابوا أعمالهم و ذكروا أهل النهروان و ترحموا عليهم فقال بعضهم لبعض لو أنا شرينا أنفسنا لله فأتينا أئمة الضلال فطلبنا غرتهم و أرحنا منهم العباد و البلاد و ثأرنا بإخواننا الشهداء بالنهروان فتعاهدوا عند انقضاء الحج على ذلك فقال عبد الرحمن بن ملجم لعنه الله أنا أكفيكم عليا و قال البرك بن عبيد الله التميمي أنا أكفيكم معاوية و قال عمرو بن بكر التميمي أنا أكفيكم عمرو بن العاص و تعاقدوا على ذلك و توافقوا على الوفاء و اتعدوا شهر رمضان في ليلة تسع عشرة منه ثم تفرقوا فأقبل ابن ملجم لعنه الله و كان عداده في كندة (5) ثار بالقتيل: طلب دمه. و في المصدر: و ارحنا منهم العباد و البلاد للّه و ثارنا. حتى قدم الكوفة فلقي بها أصحابه فكتمهم أمره مخافة أن ينتشر منه شيء فهو في ذلك إذ زار رجلا من أصحابه ذات يوم من تيم الرباب فصادف عنده قطام بنت الأخضر التيمية و كان أمير المؤمنين عليه السلام قتل أباها و أخاها بالنهروان و كانت من أجمل نساء أهل زمانها فلما رآها ابن ملجم شغف بها و اشتد إعجابه بها و سأل في نكاحها و خطبها فقالت له ما الذي تسمي لي من الصداق فقال لها احتكمي ما بدا لك فقالت له أنا محتكمة عليك ثلاثة آلاف درهم و وصيفا و خادما و قتل علي بن أبي طالب فقال لها لك جميع ما سألت فأما قتل علي بن أبي طالب عليه السلام فأنى لي بذلك فقالت تلتمس غرته فإن أنت قتلته شفيت نفسي و هنأك العيش معي و إن أنت قتلت فما عند الله خير لك من الدنيا فقال أما و الله ما أقدمني هذا المصر و قد كنت هاربا منه لا آمن مع أهله إلا ما سألتني من قتل علي بن أبي طالب فلك ما سألت قالت فأنا طالبة لك بعض من يساعدك على ذلك و يقويك ثم بعثت إلى وردان بن مجالد من تيم الرباب فخبرته الخبر و سألته معونة ابن ملجم لعنه الله فتحمل ذلك لها و خرج ابن ملجم فأتى رجلا من أشجع يقال له شبيب بن بجرة فقال يا شبيب هل لك في شرف الدنيا و الآخرة قال و ما ذاك قال تساعدني على قتل علي بن أبي طالب و كان شبيب على رأي الخوارج فقال له يا ابن ملجم هبلتك الهبول لقد جئت شيئا إدا و كيف تقدر على ذلك فقال له ابن ملجم نكمن له في المسجد الأعظم فإذا خرج لصلاة الفجر فتكنا به فإن نحن قتلناه شفينا أنفسنا و أدركنا ثارنا فلم يزل به حتى أجابه فأقبل معه حتى دخلا المسجد الأعظم على قطام و هي معتكفة في المسجد الأعظم قد ضربت عليها قبة فقالا لها قد اجتمع رأينا على قتل هذا الرجل فقالت لهما إذا أردتما ذلك فأتياني في هذا الموضع فانصرفا من عندها فلبثا أياما ثم أتياها و معهما الآخر ليلة الأربعاء لتسع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة فدعت لهم بحرير فعصبت به صدورهم و تقلدوا أسيافهم و مضوا و جلسوا مقابل السدة التي كان يخرج منها أمير المؤمنين عليه السلام إلى الصلاة و قد كانوا قبل ذلك ألقوا إلى الأشعث بن قيس ما في نفوسهم من العزيمة على قتل أمير المؤمنين عليه السلام و واطأهم على ذلك و حضر الأشعث بن قيس في تلك الليلة لمعونتهم على ما اجتمعوا عليه و كان حجر بن عدي في تلك الليلة بائتا في المسجد فسمع الأشعث يقول يا ابن ملجم النجاء النجاء لحاجتك فقد فضحك الصبح فأحس حجر بما أراد الأشعث فقال له قتلته يا أعور و خرج مبادرا ليمضي إلى أمير المؤمنين عليه السلام ليخبره الخبر و يحذره من القوم و خالفه أمير المؤمنين عليه السلام من الطريق فدخل المسجد فسبقه ابن ملجم فضربه بالسيف و أقبل حجر و الناس يقولون قتل أمير المؤمنين ع. و ذكر عبد الله بن محمد الأزدي قال إني لأصلي في تلك الليلة في المسجد الأعظم مع رجال من أهل المصر كانوا يصلون في ذلك الشهر من أوله إلى آخره إذ نظرت إلى رجال يصلون قريبا من السدة و خرج علي بن أبي طالب عليه السلام لصلاة الفجر فأقبل ينادي الصلاة الصلاة فما أدري أ نادى أم رأيت بريق السيوف و سمعت قائلا يقول لله الحكم لا لك يا علي و لا لأصحابك و سمعت عليا يقول لا يفوتنكم الرجل فإذا عليه السلام مضروب و قد ضربه شبيب بن بجرة فأخطأه و وقعت ضربته في الطاق و هرب القوم نحو أبواب المسجد و تبادر الناس لأخذهم فأما شبيب بن بجرة فأخذه رجل فصرعه و جلس على صدره و أخذ السيف ليقتله به فرأى الناس يقصدون نحوه فخشي أن يعجلوا عليه و لم يسمعوا منه فوثب عن صدره و خلاه و طرح السيف من يده و مضى شبيب هاربا حتى دخل منزله و دخل عليه ابن عم له فرآه يحل الحرير عن صدره فقال له ما هذا لعلك قتلت أمير المؤمنين فأراد أن يقول لا قال نعم فمضى ابن عمه و اشتمل على سيفه ثم دخل عليه فضربه به حتى قتله و أما ابن ملجم فإن رجلا من همدان لحقه فطرح عليه قطيفة كانت في يده ثم صرعه و أخذ السيف من يده و جاء به إلى أمير المؤمنين عليه السلام و أفلت الثالث و انسل بين الناس. فلما دخل ابن ملجم على أمير المؤمنين عليه السلام نظر إليه ثم قال النفس بالنفس فإن أنا مت فاقتلوه كما قتلني و إن أنا عشت رأيت فيه رأيي فقال ابن ملجم و الله لقد ابتعته بألف و سممته بألف فإن خانني فأبعده الله قال و نادته أم كلثوم يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين قال إنما قتلت أباك قالت يا عدو الله إني لأرجو أن لا يكون عليه بأس قال لها فأراك أنما تبكين علي إذا لقد و الله ضربته ضربة لو قسمت على أهل الأرض لأهلكتهم فأخرج من بين يديه عليه السلام و إن الناس ينهشون لحمه بأسنانهم كأنهم سباع و هم يقولون يا عدو الله ما فعلت أهلكت أمة محمد ص و قتلت خير الناس و إنه لصامت لم ينطق فذهب به إلى الحبس و جاء الناس إلى أمير المؤمنين عليه السلام فقالوا له يا أمير المؤمنين مرنا بأمرك في عدو الله و الله لقد أهلك الأمة و أفسد الملة فقال لهم أمير المؤمنين عليه السلام إن عشت رأيت فيه رأيي و إن أهلكت فاصنعوا به كما يصنع بقاتل النبي اقتلوه ثم حرقوه بعد ذلك بالنار. قال فلما قضى أمير المؤمنين عليه السلام نحبه و فرغ أهله من دفنه جلس الحسن عليه السلام و أمر أن يؤتى بابن ملجم فجيء به فلما وقف بين يديه قال له يا عدو الله قتلت أمير المؤمنين و أعظمت الفساد في الدين ثم أمر فضربت عنقه و استوهبت أم الهيثم بنت الأسود النخعية جثته منه لتتولى إحراقها فوهبها لها فأحرقتها بالنار و في أمر قطام و قتل أمير المؤمنين عليه السلام يقول فلم أر مهرا ساقه ذو سماحة* * * كمهر قطام من فصيح و أعجمي ثلاثة آلاف و عبد و قينة* * * و ضرب علي بالحسام المسمم و لا مهر أغلى من علي و إن غلا* * * و لا فتك إلا دون فتك ابن ملجم . و أما الرجلان اللذان كانا مع ابن ملجم في العقد على قتل معاوية و عمرو بن العاص فإن أحدهما ضرب معاوية و هو راكع فوقعت ضربته في أليته و نجا منها و أخذ و قتل من وقته و أما الآخر فإنه وافى عمرا في تلك الليلة و قد وجد علة فاستخلف رجلا يصلي بالناس يقال له خارجة بن أبي حبيبة العامري فضربه بسيفه و هو يظن أنه عمرو فأخذ و أتى به عمرو فقتله و مات خارجة في اليوم الثاني . كشف، كشف الغمة من مناقب الخوارزمي مرفوعا إلى إسماعيل بن راشد مثله.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٢ - الصفحة ٢٢٨. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
إِنَّ يَزِيدَ بْنَ مُعَاوِيَةَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَ هُوَ يُرِيدُ الْحَجَّ- فَبَعَثَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَتَاهُ- فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ أَ تُقِرُّ لِي أَنَّكَ عَبْدٌ لِي- إِنْ شِئْتُ بِعْتُكَ وَ إِنْ شِئْتُ اسْتَرْقَقْتُكَ- فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ وَ اللَّهِ يَا يَزِيدُ مَا أَنْتَ بِأَكْرَمَ مِنِّي- فِي قُرَيْشٍ حَسَباً وَ لَا كَانَ أَبُوكَ- أَفْضَلَ مِنْ أَبِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَ الْإِسْلَامِ وَ مَا أَنْتَ بِأَفْضَلَ مِنِّي فِي الدِّينِ وَ لَا بِخَيْرٍ مِنِّي- فَكَيْفَ أُقِرُّ لَكَ بِمَا سَأَلْتَ- فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ إِنْ لَمْ تُقِرَّ لِي وَ اللَّهِ قَتَلْتُكَ- فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ لَيْسَ قَتْلُكَ إِيَّايَ بِأَعْظَمَ- مِنْ قَتْلِكَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَأَمَرَ بِهِ فَقُتِلَ ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَقَالَ لَهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ لِلْقُرَشِيِّ- فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام أَ رَأَيْتَ إِنْ لَمْ أُقِرَّ لَكَ أَ لَيْسَ تَقْتُلُنِي- كَمَا قَتَلْتَ الرَّجُلَ بِالْأَمْسِ- فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ بَلَى- فَقَالَ لَهُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام قَدْ أَقْرَرْتُ لَكَ بِمَا سَأَلْتَ أَنَا عَبْدٌ مُكْرَهٌ- فَإِنْ شِئْتَ فَأَمْسِكْ وَ إِنْ شِئْتَ فَبِعْ- فَقَالَ لَهُ يَزِيدُ لَعَنَهُ اللَّهُ- أَوْلَى لَكَ حَقَنْتَ دَمَكَ وَ لَمْ يَنْقُصْكَ ذَلِكَ مِنْ شَرَفِكَ. بيان قال الجوهري قولهم أولى لك تهدد و وعيد و قال الأصمعي معناه قاربه ما يهلكه أي نزل به انتهى أقول هذا المعنى لا يناسب المقام و إن احتمل أن يكون الملعون بعدُ في مقام التهديد و لم يرض بذلك عنه (صلوات الله عليه) و يمكن أن يكون المراد أن هذا أولى لك و أحرى مما صنعه القرشي. ثم اعلم أن في هذا الخبر إشكالا و هو أن المعروف في السير أن هذا الملعون لم يأت المدينة بعد الخلافة بل لم يخرج من الشام حتى مات و دخل النار فنقول مع عدم الاعتماد على السير لا سيما مع معارضة الخبر يمكن أن يكون اشتبه على بعض الرواة و كان في الخبر أنه جرى ذلك بينه عليه السلام و بين من أرسله الملعون لأخذ البيعة و هو مسلم بن عقبة كما مر. قال ابن الأثير في الكامل لما سيّر يزيد مسلم بن عقبة قال فإذا ظهرت عليهم فأبحها ثلاثا بما فيها من مال أو دابة أو سلاح فهو للجند فإذا مضت الثلاث فاكفف عن الناس و انظر علي بن الحسين فاكفف عنه و استوص به خيرا فإنه لم يدخل مع الناس و قد أتاني كتابه و قد كان مروان بن الحكم كلم ابن عمر لما أخرج أهل المدينة عامل يزيد و بني أمية- في أن يغيب أهله عنده فلم يفعل فكلم علي بن الحسين و قال إن لي رحما و حرمي تكون مع حرمك فقال افعل فبعث بامرأته و هي عائشة ابنة عثمان بن عفان و حرمه إلى علي بن الحسين فخرج علي بحرمه و حرم مروان إلى ينبع و قيل بل أرسل حرم مروان و أرسل معهم ابنه عبد الله إلى الطائف و لما ظفر مسلم بن عقبة على المدينة و استباحهم دعا الناس إلى البيعة ليزيد على أنهم خول له يحكم في دمائهم و أموالهم و أهليهم ما شاء فمن امتنع من ذلك قتله فقتل لذلك جماعة ثم أتى مروان بعلي بن الحسين فجاء يمشي بين مروان و ابنه عبد الملك حتى جلس بينهما عنده فدعا مروان بشراب ليتحرم بذلك فشرب منه يسيرا ثم ناوله علي بن الحسين فلما وقع في يده قال مسلم لا تشرب من شرابنا فأرعد كفه و لم يأمنه على نفسه و أمسك القدح فقال جئت تمشي بين هؤلاء لتأمن عندي و الله لو كان إليهما لقتلتك و لكن أمير المؤمنين أوصاني بك و أخبرني أنك كاتبته فإن شئت فاشرب فشرب ثم أجلسه معه على السرير ثم قال لعل أهلك فزعوا قال إي و الله فأمر بدابته فأسرجت له ثم حمله عليها فرده و لم يلزمه البيعة ليزيد على ما شرط على أهل المدينة.
بحار الأنوار - ج ٤٦ - الصفحة ١٣٧. — الإمام الباقر عليه السلام
قب، المناقب لابن شهرآشوب: يُنْقَلُ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قال
حدثني خير الجعافر جعفر بن محمد و كان علي بن غراب يقول حدثني الصادق جعفر بن محمد. حلية أبي نعيم أن جعفر الصادق عليه السلام حدث عنه من الأئمة و الأعلام مالك بن أنس و شعبة بن الحجاج و سفيان الثوري و ابن الجريح و عبد الله بن عمرو و روح بن القاسم و سفيان بن عيينة و سليمان بن بلال و إسماعيل بن جعفر و حاتم بن إسماعيل و عبد العزيز بن المختار و وهيب بن خالد و إبراهيم بن طهمان في آخرين قال و أخرج عنه مسلم في صحيحه محتجا بحديثه. و قال غيره روى عنه مالك و الشافعي و الحسن بن صالح و أبو أيوب السختياني و عمر بن دينار و أحمد بن حنبل و قال مالك بن أنس ما رأت عين و لا سمعت أذن و لا خطر على قلب بشر أفضل من جعفر الصادق فضلا و علما و عبادة و ورعا. و سأل سيف الدولة عبد الحميد المالكي قاضي الكوفة عن مالك فوصفه و قال كان جره بنده جعفر الصادق أي الربيب و كان مالك كثيرا ما يدّعي سماعه و ربما قال حدثني الثقة يعنيه ع. وَ جَاءَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَيْهِ لِيَسْمَعَ مِنْهُ وَ خَرَجَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَصًا فَقَالَ لَهُ أَبُو حَنِيفَةَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا بَلَغْتَ مِنَ السِّنِّ مَا تَحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى الْعَصَا قَالَ هُوَ كَذَلِكَ وَ لَكِنَّهَا عَصَا رَسُولِ اللَّهِ أَرَدْتُ التَّبَرُّكَ بِهَا فَوَثَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَيْهِ وَ قَالَ لَهُ أُقَبِّلُهَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَحَسَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ذِرَاعِهِ وَ قَالَ لَهُ وَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ هَذَا بِشْرُ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَنَّ هَذَا مِنْ شَعْرِهِ فَمَا قَبَّلْتَهُ وَ تُقَبِّلُ عَصًا.. أبو عبد الله المحدث في رامش أفزاي أن أبا حنيفة من تلامذته و أن أمّه كانت في حبالة الصادق عليه السلام قال و كان محمد بن الحسن أيضا من تلامذته و لأجل ذلك كانت بنو العباس لم تحترمهما قال و كان أبو يزيد البسطامي طيفور السقّاء خدمه و سقاه ثلاث عشرة سنة. و قال أبو جعفر الطوسي كان إبراهيم بن أدهم و مالك بن دينار من غلمانه و دخل إليه سفيان الثوري يوما فسمع منه كلاما أعجبه فقال هذا و الله يا ابن رسول الله الجوهر فقال له بل هذا خير من الجوهر و هل الجوهر إلا حجر. بيان اعلم أن ما ذكره علماؤنا من أن بعض المخالفين كانوا من تلامذة الأئمة عليهم السلام و خدمهم و أتباعهم ليس غرضهم مدح هؤلاء المخالفين أو إثبات كونهم من المؤمنين بل الغرض أن المخالفين أيضا يعترفون بفضل الأئمة عليهم السلام و ينسبون أئمتهم و أنفسهم إليهم لإظهار فضلهم و علمهم و إلا فهؤلاء المبتدعين أشهر في الكفر و العناد من إبليس وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ
بحار الأنوار - ج ٤٧ - الصفحة ٢٧. — الإمام الصادق عليه السلام
يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ أَنَّ دَاوُدَ الرَّقِّيَّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَقَالَ
بحار الأنوار - ج ٤٩ - الصفحة ٢٣٦. — الإمام الرضا عليه السلام
ن، عيون أخبار الرضا ( عليه السلام قَالَ
أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَ السَّلَامُ سَيُقْتَلُ رَجُلٌ مِنْ وُلْدِي بِأَرْضِ خُرَاسَانَ بِالسَّمِّ ظُلْماً اسْمُهُ اسْمِي وَ اسْمُ أَبِيهِ اسْمُ ابْنِ عِمْرَانَ مُوسَى عليه السلام أَلَا فَمَنْ زَارَهُ فِي غُرْبَتِهِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْهَا وَ مَا تَأَخَّرَ وَ لَوْ كَانَتْ مِثْلَ عَدَدِ النُّجُومِ وَ قَطْرِ الْأَمْطَارِ وَ وَرَقِ الْأَشْجَارِ. أقول: قد أوردنا كثيرا من أخبار هذا الباب في باب ثواب زيارته و في باب معجزاته و في باب أحواله متوجها إلى خراسان و في باب ولاية العهد و باب احتجاج المأمون على المخالفين.
بحار الأنوار - ج ٤٩ - الصفحة ٢٨٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
بْنِ جَعْفَرِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ صَالِحٍ الصَّيْمَرِيُ أَنْفَذَ الشَّيْخُ الْحُسَيْنُ بْنُ رَوْحٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ مَجْلِسِهِ فِي دَارِ الْمُقْتَدِرِ إِلَى شَيْخِنَا أَبِي عَلِيِّ بْنِ هَمَّامٍ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَ أَمْلَاهُ أَبُو عَلِيٍّ عَلَيَّ وَ عَرَّفَنِي أَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَاجَعَ فِي تَرْكِ إِظْهَارِهِ فَإِنَّهُ فِي يَدِ الْقَوْمِ وَ حَبْسِهِمْ فَأُمِرَ بِإِظْهَارِهِ وَ أَنْ لَا يَخْشَى وَ يَأْمَنَ فَتَخَلَّصَ وَ خَرَجَ مِنَ الْحَبْسِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ يَسِيرَةٍ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ. التَّوْقِيعُ عَرِّفْ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ عَرَّفَكَ اللَّهُ الْخَيْرَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ وَ عَرَّفَكَ الْخَيْرَ كُلَّهُ وَ خَتَمَ بِهِ عَمَلَكَ مَنْ تَثِقُ بِدِينِهِ وَ تَسْكُنُ إِلَى نِيَّتِهِ مِنْ إِخْوَانِنَا أَسْعَدَكُمُ اللَّهُ وَ قَالَ ابْنُ دَاوُدَ أَدَامَ اللَّهُ سَعَادَتَكُمْ مَنْ تَسْكُنُ إِلَى دِينِهِ وَ تَثِقُ بِنِيَّتِهِ جَمِيعاً بِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ الْمَعْرُوفَ بِالشَّلْمَغَانِيِّ زَادَ ابْنُ دَاوُدَ وَ هُوَ مِمَّنْ عَجَّلَ اللَّهُ لَهُ النَّقِمَةَ وَ لَا أَمْهَلَهُ قَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ وَ فَارَقَهُ اتَّفَقُوا وَ أَلْحَدَ فِي دِينِ اللَّهِ وَ ادَّعَى مَا كَفَرَ مَعَهُ بِالْخَالِقِ قَالَ هَارُونُ فِيهِ بِالْخَالِقِ جَلَّ وَ تَعَالَى وَ افْتَرَى كَذِباً وَ زُوراً وَ قَالَ بُهْتَاناً وَ إِثْماً عَظِيماً قَالَ هَارُونُ وَ أَمْراً عَظِيماً كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِاللَّهِ وَ ضَلُّوا ضَلالًا بَعِيداً وَ خَسِرُوا خُسْراناً مُبِيناً وَ إِنَّنَا قَدْ بَرِئْنَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ إِلَى رَسُولِهِ وَ آلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَ سَلَامُهُ وَ رَحْمَتُهُ وَ بَرَكَاتُهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُ وَ لَعَنَّاهُ عَلَيْهِ لَعَائِنُ اللَّهِ اتَّفَقُوا زَادَ ابْنُ دَاوُدَ تَتْرَى فِي الظَّاهِرِ مِنَّا وَ الْبَاطِنِ فِي السِّرِّ وَ الْجَهْرِ وَ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَ عَلَى مَنْ شَايَعَهُ وَ بَايَعَهُ أَوْ بَلَغَهُ هَذَا الْقَوْلُ مِنَّا وَ أَقَامَ عَلَى تَوَلِّيهِ بَعْدَهُ وَ أَعْلِمْهُمْ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ تَوَلَّاكُمُ اللَّهُ قَالَ ابْنُ ذَكَا أَعَزَّكُمُ اللَّهُ أَنَّا مِنَ التَّوَقِّي وَ قَالَ ابْنُ دَاوُدَ اعْلَمْ أَنَّنَا مِنَ التَّوَقِّي لَهُ قَالَ هَارُونُ وَ أَعْلِمْهُمْ أَنَّنَا فِي التَّوَقِّي وَ الْمُحَاذَرَةِ مِنْهُ قَالَ ابْنُ دَاوُدَ وَ هَارُونُ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ مِمَّنْ تَقَدَّمَنَا لِنُظَرَائِهِ قَالَ الصَّيْمَرِيُّ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَهُ مِنْ نُظَرَائِهِ وَ قَالَ ابْنُ ذَكَا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِمَّنْ تَقَدَّمَنَا لِنُظَرَائِهِ اتَّفَقُوا مِنَ الشَّرِيعِيِّ وَ النُّمَيْرِيِّ وَ الْهِلَالِيِّ وَ الْبِلَالِيِّ وَ غَيْرِهِمْ وَ عَادَةُ اللَّهِ قَالَ ابْنُ دَاوُدَ وَ هَارُونُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ وَ اتَّفَقُوا مَعَ ذَلِكَ قَبْلَهُ وَ بَعْدَهُ عِنْدَنَا جَمِيلَةٌ وَ بِهِ نَثِقُ وَ إِيَّاهُ نَسْتَعِينُ وَ هُوَ حَسْبُنَا فِي كُلِّ أُمُورِنَا وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَ هَارُونُ وَ أَخَذَ أَبُو عَلِيٍّ هَذَا التَّوْقِيعَ وَ لَمْ يَدَعْ أَحَداً مِنَ الشُّيُوخِ إِلَّا وَ أَقْرَأَهُ إِيَّاهُ وَ كُوتِبَ مَنْ بَعُدَ مِنْهُمْ بِنُسْخَتِهِ فِي سَائِرِ الْأَمْصَارِ فَاشْتَهَرَ ذَلِكَ فِي الطَّائِفَةِ فَاجْتَمَعَتْ عَلَى لَعْنِهِ وَ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ وَ قُتِلَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الشَّلْمَغَانِيُّ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَ عِشْرِينَ وَ ثَلَاثِمِائَةٍ. . ذكر أمر أبي بكر البغدادي ابن أخي الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه و أبي دلف المجنون أخبرني الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان عن أبي الحسن علي بن بلال المهلبي قال سمعت أبا القاسم جعفر بن محمد بن قولويه يقول أما أبو دلف الكاتب لا حاطه الله فكنا نعرفه ملحدا ثم أظهر الغلو ثم جن و سلسل ثم صار مفوضا و ما عرفناه قط إذا حضر في مشهد إلا استخف به و لا عرفته الشيعة إلا مدة يسيرة و الجماعة تتبرأ عنه و ممن يومي إليه و ينمس به. و قد كنا وجهنا إلى أبي بكر البغدادي لما ادعى له هذا ما ادعاه فأنكر ذلك و حلف عليه فقبلنا ذلك منه فلما دخل بغداد مال إليه و عدل من الطائفة و أوصى إليه لم نشك أنه على مذهبه فلعناه و برئنا منه لأن عندنا أن كل من ادعى الأمر بعد السمري فهو كافر منمس ضال مضل و بالله التوفيق. و ذكر أبو عمرو محمد بن محمد بن نصر السكري قال لما قدم ابن محمد بن الحسن بن الوليد القمي من قبل أبيه و الجماعة و سألوه عن الأمر الذي حكي فيه من النيابة أنكر ذلك و قال ليس إلي من هذا الأمر شيء و لا ادعيت شيئا من هذا و كنت حاضرا لمخاطبته إياه بالبصرة. و ذكر ابن عياش قال اجتمعت يوما مع أبي دلف فأخذنا في ذكر أبي بكر البغدادي فقال لي تعلم من أين كان فضل سيدنا الشيخ قدس الله روحه و قدس به على أبي القاسم الحسين بن روح و على غيره فقلت له ما أعرف قال لأن أبا جعفر محمد بن عثمان قدم اسمه على اسمه في وصيته قال فقلت له فالمنصور إذا أفضل من مولانا أبي الحسن موسى عليه السلام قال و كيف قلت لأن الصادق قدم اسمه على اسمه في الوصية. فقال لي أنت تتعصب على سيدنا و تعاديه فقلت الخلق كلهم تعادي أبا بكر البغدادي و تتعصب عليه غيرك وحدك و كدنا نتقاتل و نأخذ بالأزياق. و أمر أبي بكر البغدادي في قلة العلم و المروءة أشهر و جنون أبي دلف أكثر من أن يحصى لا نشغل كتابنا بذلك و لا نطول بذكره ذكر ابن نوح طرفا من ذلك. و روى أبو محمد هارون بن موسى عن أبي القاسم الحسين بن عبد الرحيم الأبراروري قال أنفذني أبي عبد الرحيم إلى أبي جعفر محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه في شيء كان بيني و بينه فحضرت مجلسه و فيه جماعة من أصحابنا و هم يتذاكرون شيئا من الروايات و ما قاله الصادقون عليه السلام حتى أقبل أبو بكر محمد بن أحمد بن عثمان المعروف بالبغدادي ابن أخي أبي جعفر العمري فلما بصر به أبو جعفر رضي الله عنه قال للجماعة أمسكوا فإن هذا الجائي ليس من أصحابكم. و حكي أنه توكل لليزيدي بالبصرة فبقي في خدمته مدة طويلة و جمع مالا عظيما فسعى به إلى اليزيدي فقبض عليه و صادره و ضربه على أم رأسه حتى نزل الماء في عينيه فمات أبو بكر ضريرا. و قال أبو نصر هبة الله بن محمد بن أحمد الكاتب ابن بنت أم كلثوم بنت أبي جعفر محمد بن عثمان العمري رضي الله عنه أن أبا دلف محمد بن مظفر الكاتب كان في ابتداء أمره مخمسا مشهورا بذلك لأنه كان تربية الكرخيين و تلميذهم و صنيعتهم و كان الكرخيون مخمسة لا يشك في ذلك أحد من الشيعة و قد كان أبو دلف يقول ذلك و يعترف به و يقول نقلني سيدنا الشيخ الصالح قدس الله روحه و نور ضريحه و نور ضريحه عن مذهب أبي جعفر الكرخي إلى المذهب الصحيح يعني أبا بكر البغدادي. و جنون أبي دلف و حكايات فساد مذهبه أكثر من أن تحصى فلا نطول بذكره هاهنا. قد ذكرنا جملا من أخبار السفراء و الأبواب في زمان الغيبة لأن صحة ذلك مبني على ثبوت إمامة صاحب الزمان و في ثبوت وكالتهم و ظهور المعجزات على أيديهم دليل واضح على إمامة من ائتموا إليه فلذلك ذكرنا هذا فليس لأحد أن يقول ما الفائدة في ذكر أخبارهم فيما يتعلق بالكلام في الغيبة لأنا قد بينا فائدة ذلك فسقط هذا الاعتراض.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥١ - الصفحة ٣٧٦. — غير محدد
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٢ - الصفحة ٣٤١. — الإمام الباقر عليه السلام
[1/2] 90- النهج، نهج البلاغة رَوَى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام قَالَ
خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيٌّ عليه السلام بِهَذِهِ الْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ وَ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا أَتَاهُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لَنَا رَبَّنَا لِنَزْدَادَ لَهُ حُبّاً وَ بِهِ مَعْرِفَةً فَغَضِبَ عليه السلام وَ نَادَى الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَاجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ حَتَّى غَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ هُوَ مُغْضَبٌ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ فَحَمِدَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَفِرُهُ الْمَنْعُ وَ لَا يُكْدِيهِ الْإِعْطَاءُ وَ الْجُودُ إِذْ كُلُّ مُعْطٍ مُنْتَقِصٌ سِوَاهُ وَ كُلُّ مَانِعٍ مَذْمُومٌ مَا خَلَاهُ وَ هُوَ الْمَنَّانُ بِفَوَائِدِ النِّعَمِ وَ عَوَائِدِ الْمَزِيدِ وَ الْقِسَمِ عِيَالُهُ الْخَلَائِقُ ضَمِنَ أَرْزَاقَهُمْ وَ قَدَّرَ أَقْوَاتَهُمْ وَ نَهَجَ سَبِيلَ الرَّاغِبِينَ إِلَيْهِ وَ الطَّالِبِينَ مَا لَدَيْهِ وَ لَيْسَ بِمَا سُئِلَ بِأَجْوَدَ مِنْهُ بِمَا لَمْ يُسْأَلْ الْأَوَّلُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ لَهُ قَبْلٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَ الْآخِرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ بَعْدٌ فَيَكُونَ شَيْءٌ بَعْدَهُ وَ الرَّادِعُ أَنَاسِيَّ الْأَبْصَارِ عَنْ أَنْ تَنَالَهُ أَوْ تُدْرِكَهُ مَا اخْتَلَفَ عَلَيْهِ دَهْرٌ فَتَخْتَلِفَ مِنْهُ الْحَالُ وَ لَا كَانَ فِي مَكَانٍ فَيَجُوزَ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ وَ لَوْ وَهَبَ مَا تَنَفَّسَتْ عَنْهُ مَعَادِنُ الْجِبَالِ وَ ضَحِكَتْ عَنْهُ أَصْدَافُ الْبِحَارِ مِنْ فِلِزِّ اللُّجَيْنِ وَ الْعِقْيَانِ وَ نُثَارَةِ الدُّرِّ وَ حَصِيدِ الْمَرْجَانِ مَا أَثَّرَ ذَلِكَ فِي جُودِهِ وَ لَا أَنْفَدَ سَعَةَ مَا عِنْدَهُ وَ لَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ ذَخَائِرِ الْإِنْعَامِ مَا لَا تُنْفِدُهُ مَطَالِبُ الْأَنَامِ لِأَنَّهُ الْجَوَادُ الَّذِي لَا يَغِيضُهُ سُؤَالُ السَّائِلِينَ وَ لَا يُبْخِلُهُ إِلْحَاحُ الْمُلِحِّينَ فَانْظُرْ أَيُّهَا السَّائِلُ فَمَا دَلَّكَ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَتِهِ فَأْتَمَّ بِهِ وَ اسْتَضِئْ بِنُورِ هِدَايَتِهِ وَ مَا كَلَّفَكَ الشَّيْطَانُ عِلْمَهُ مِمَّا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ عَلَيْكَ فَرْضُهُ وَ لَا فِي سُنَّةِ النَّبِيِّ وَ أَئِمَّةِ الْهُدَى أَثَرُهُ فَكِلْ عِلْمَهُ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ مُنْتَهَى حَقِّ اللَّهِ عَلَيْكَ وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ فَمَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى اعْتِرَافَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْ تَنَاوُلِ مَا لَمْ يُحِيطُوا بِهِ عِلْماً وَ سَمَّى تَرْكَهُمُ التَّعَمُّقَ فِيمَا لَمْ يُكَلِّفْهُمُ الْبَحْثَ عَنْ كُنْهِهِ رُسُوخاً فَاقْتَصِرْ عَلَى ذَلِكَ فَلَا تُقَدِّرْ عَظَمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ عَلَى قَدْرِ عَقْلِكَ فَتَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ هُوَ الْقَادِرُ الَّذِي إِذَا ارْتَمَتِ الْأَوْهَامُ لِتُدْرِكَ مُنْقَطَعَ قُدْرَتِهِ وَ حَاوَلَ الْفِكْرُ الْمُبَرَّأُ مِنْ خَطَرِ الْوَسَاوِسِ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ مِنْ عَمِيقَاتِ غُيُوبِ مَلَكُوتِهِ وَ تَوَلَّهَتِ الْقُلُوبُ إِلَيْهِ لِتَجْرِيَ فِي كَيْفِيَّةِ صِفَاتِهِ وَ غَمَضَتْ مَدَاخِلُ الْعُقُولِ فِي حَيْثُ لَا تَبْلُغُهُ الصِّفَاتُ لِتَنَالَ عِلْمَ ذَاتِهِ رَدَعَهَا وَ هِيَ تَجُوبُ مَهَاوِيَ سُدَفِ الْغُيُوبِ مُتَخَلِّصَةً إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى فَرَجَعَتْ إِذْ جُبِهَتْ مُعْتَرِفَةً بِأَنَّهُ لَا يُنَالُ بِجَوْرِ الِاعْتِسَافِ كُنْهُ مَعْرِفَتِهِ وَ لَا تَخْطُرُ بِبَالِ أُولِي الرَّوِيَّاتِ خَاطِرَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ جَلَالِ عِزَّتِه الَّذِي ابْتَدَعَ الْخَلْقَ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ امْتَثَلَهُ وَ لَا مِقْدَارٍ احْتَذَى عَلَيْهِ مِنْ خَالِقٍ مَعْبُودٍ كَانَ قَبْلَهُ وَ أَرَانَا مِنْ مَلَكُوتِ قُدْرَتِهِ وَ عَجَائِبِ مَا نَطَقَتْ بِهِ آثَارُ حِكْمَتِهِ وَ اعْتِرَافِ الْحَاجَةِ مِنَ الْخَلْقِ إِلَى أَنْ يُقِيمَهَا بِمِسَاكِ قُوَّتِهِ مَا دَلَّنَا بِاضْطِرَارِ قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ وَ ظَهَرَتْ فِي الْبَدَائِعِ الَّتِي أَحْدَثَهَا آثَارُ صَنْعَتِهِ وَ أَعْلَامُ حِكْمَتِهِ فَصَارَ كُلُّ مَا خَلَقَ حُجَّةً لَهُ وَ دَلِيلًا عَلَيْهِ وَ إِنْ كَانَ خَلْقاً صَامِتاً فَحُجَّتُهُ بِالتَّدْبِيرِ نَاطِقَةٌ وَ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمُبْدِعِ قَائِمَةٌ فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ شَبَّهَكَ بِتَبَايُنِ أَعْضَاءِ خَلْقِكَ وَ تَلَاحُمِ حِقَاقِ مَفَاصِلِهِمُ الْمُحْتَجِبَةِ لِتَدْبِيرِ حِكْمَتِكَ لَمْ يَعْقِدْ غَيْبَ ضَمِيرِهِ عَلَى مَعْرِفَتِكَ وَ لَمْ يُبَاشِرْ قَلْبَهُ الْيَقِينُ بِأَنَّهُ لَا نِدَّ لَكَ وَ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ تَبَرُّؤَ التَّابِعِينَ مِنَ الْمَتْبُوعِينَ إِذْ يَقُولُونَ تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعالَمِينَ كَذَبَ الْعَادِلُونَ بِكَ إِذْ شَبَّهُوكَ بِأَصْنَامِهِمْ وَ نَحَلُوكَ حِلْيَةَ الْمَخْلُوقِينَ بِأَوْهَامِهِمْ وَ جَزَّءُوكَ تَجْزِئَةَ الْمُجَسَّمَاتِ بِخَوَاطِرِهِمْ وَ قَدَّرُوكَ عَلَى الْخِلْقَةِ الْمُخْتَلِفَةِ الْقُوَى بِقَرَائِحِ عُقُولِهِمْ فَأَشْهَدُ أَنَّ مَنْ سَاوَاكَ بِشَيْءٍ مِنْ خَلْقِكَ فَقَدْ عَدَلَ بِكَ وَ الْعَادِلُ بِكَ كَافِرٌ بِمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ مُحْكَمَاتُ آيَاتِكَ وَ نَطَقَتْ بِهِ عَنْهُ شَوَاهِدُ حُجَجِ بَيِّنَاتِكَ وَ أَنَّكَ أَنْتَ اللَّهُ الَّذِي لَمْ يَتَنَاهَ فِي الْعُقُولِ فَيَكُونَ فِي مَهَبِّ فِكْرِهَا مُكَيَّفاً وَ لَا فِي رَوِيَّاتِ خَوَاطِرِهَا مَحْدُوداً مُصَرَّفاً- وَ مِنْهَا قَدَّرَ مَا خَلَقَ فَأَحْكَمَ تَقْدِيرَهُ وَ دَبَّرَهُ فَأَلْطَفَ تَدْبِيرَهُ وَ وَجَّهَهُ لِوِجْهَتِهِ فَلَمْ يَتَعَدَّ حُدُودَ مَنْزِلَتِهِ فَلَمْ يَقْصُرْ دُونَ الِانْتِهَاءِ إِلَى غَايَتِهِ وَ لَمْ يَسْتَصْعِبْ إِذْ أُمِرَ بِالْمُضِيِّ عَلَى إِرَادَتِهِ وَ كَيْفَ وَ إِنَّمَا صَدَرَتِ الْأُمُورُ عَنْ مَشِيَّتِهِ الْمُنْشِئُ أَصْنَافَ الْأَشْيَاءِ بِلَا رَوِيَّةِ فِكْرٍ آلَ إِلَيْهَا وَ لَا قَرِيحَةِ غَرِيزَةٍ أَضْمَرَ عَلَيْهَا وَ لَا تَجْرِبَةٍ أَفَادَهَا مِنْ حَوَادِثِ الدُّهُورِ وَ لَا شَرِيكٍ أَعَانَهُ عَلَى ابْتِدَاعِ عَجَائِبِ الْأُمُورِ فَتَمَّ خَلْقُهُ وَ أَذْعَنَ لِطَاعَتِهِ وَ أَجَابَ إِلَى دَعْوَتِهِ وَ لَمْ يَعْتَرِضْ دُونَهُ رَيْثُ الْمُبْطِئِ وَ لَا أَنَاةُ الْمُتَلَكِّئِ فَأَقَامَ مِنَ الْأَشْيَاءِ أَوَدَهَا وَ نَهَجَ حُدُودَهَا وَ لَاءَمَ بِقُدْرَتِهِ بَيْنَ مُتَضَادِّهَا وَ وَصَلَ أَسْبَابَ قَرَائِنِهَا وَ فَرَّقَهَا أَجْنَاساً مُخْتَلِفَاتٍ فِي الْحُدُودِ وَ الْأَقْدَارِ وَ الْغَرَائِزِ وَ الْهَيْئَاتِ بَدَايَا خَلَائِقَ أَحْكَمَ صُنْعَهَا وَ فَطَرَهَا عَلَى مَا أَرَادَ وَ ابْتَدَعَهَا- مِنْهَا فِي صِفَةِ السَّمَاءِ وَ نَظَمَ بِلَا تَعْلِيقٍ رَهَوَاتِ فُرَجِهَا وَ لَاحَمَ صُدُوعَ انْفِرَاجِهَا وَ شَجَّ بَيْنَهَا وَ بَيْنَ أَزْوَاجِهَا وَ ذَلَّلَ لِلْهَابِطِينَ بِأَمْرِهِ وَ الصَّاعِدِينَ بِأَعْمَالِ خَلْقِهِ حُزُونَةَ مِعْرَاجِهَا وَ نَادَاهَا بَعْدَ إِذْ هِيَ دُخَانٌ فَالْتَحَمَتْ عُرَى أَشْرَاجِهَا وَ فَتَقَ بَعْدَ الِارْتِتَاقِ صَوَامِتَ أَبْوَابِهَا وَ أَقَامَ رَصَداً مِنَ الشُّهُبِ الثَّوَاقِبِ عَلَى نِقَابِهَا وَ أَمْسَكَهَا مِنْ أَنْ تَمُورَ فِي خَرْقِ الْهَوَاءِ بَائِدَةً [رَائِدَةً] وَ أَمَرَهَا أَنْ تَقِفَ مُسْتَسْلِمَةً لِأَمْرِهِ وَ جَعَلَ شَمْسَهَا آيَةً مُبْصِرَةً لِنَهَارِهَا وَ قَمَرَهَا آيَةً مَمْحُوَّةً مِنْ لَيْلِهَا وَ أَجْرَاهُمَا فِي مَنَاقِلِ مَجْرَاهُمَا وَ قَدَّرَ مَسِيرَهُمَا فِي مَدَارِجِ دَرَجِهِمَا لِيُمَيِّزَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَ النَّهَارِ بِهِمَا وَ لِيُعْلَمَ عَدَدُ السِّنِينَ وَ الْحِسَابُ بِمَقَادِيرِهَا ثُمَّ عَلَّقَ فِي جَوِّهَا فَلَكَهَا وَ نَاطَ بِهَا زِينَتَهَا مِنْ خَفِيَّاتِ دَرَارِيِّهَا وَ مَصَابِيحِ كَوَاكِبِهَا وَ رَمَى مُسْتَرِقِي السَّمْعِ بِثَوَاقِبِ شُهُبِهَا وَ أَجْرَاهَا عَلَى إِذْلَالِ تَسْخِيرِهَا مِنْ ثَبَاتِ ثَابِتِهَا وَ مَسِيرِ سَائِرِهَا وَ هُبُوطِهَا وَ صُعُودِهَا وَ نُحُوسِهَا وَ سُعُودِهَا- مِنْهَا فِي صِفَةِ الْمَلَائِكَةِ ع- ثُمَّ خَلَقَ سُبْحَانَهُ لِإِسْكَانِ سَمَاوَاتِهِ وَ عِمَارَةِ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى مِنْ مَلَكُوتِهِ خَلْقاً بَدِيعاً مِنْ مَلَائِكَتِهِ مَلَأَ بِهِمْ فُرُوجَ فِجَاجِهَا وَ حَشَا بِهِمْ فُتُوقَ أَجْوَائِهَا وَ بَيْنَ فَجَوَاتِ تِلْكَ الْفُرُوجِ زَجَلُ الْمُسَبِّحِينَ مِنْهُمْ فِي حَظَائِرِ الْقُدُسِ وَ سُتُرَاتِ الْحُجُبِ وَ سُرَادِقَاتِ الْمَجْدِ وَ وَرَاءَ ذَلِكَ الرَّجِيجِ الَّذِي تَسْتَكُّ مِنْهُ الْأَسْمَاعُ سُبُحَاتُ نُورٍ تَرْدَعُ الْأَبْصَارَ عَنْ بُلُوغِهَا فَتَقِفُ خَاسِئَةً عَلَى حُدُودِهَا أَنْشَأَهُمْ عَلَى صُوَرٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَ أَقْدَارٍ مُتَفَاوِتَاتٍ أُولِي أَجْنِحَةٍ تُسَبِّحُ جَلَالَ عِزَّتِهِ لَا يَنْتَحِلُونَ مَا ظَهَرَ فِي الْخَلْقِ مِنْ صُنْعِهِ وَ لَا يَدَّعُونَ أَنَّهُمْ يَخْلُقُونَ شَيْئاً مَعَهُ مِمَّا انْفَرَدَ بِهِ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ جَعَلَهُمُ فِيمَا هُنَالِكَ أَهْلَ الْأَمَانَةِ عَلَى وَحْيِهِ وَ حَمَّلَهُمْ إِلَى الْمُرْسَلِينَ وَدَائِعَ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ وَ عَصَمَهُمْ مِنْ رَيْبِ الشُّبُهَاتِ فَمَا مِنْهُمْ زَائِغٌ عَنْ سَبِيلِ مَرْضَاتِهِ وَ أَمَدَّهُمْ بِفَوَائِدِ الْمَعُونَةِ وَ أَشْعَرَ قُلُوبَهُمْ تَوَاضُعَ إِخْبَاتِ السَّكِينَةِ وَ فَتَحَ لَهُمْ أَبْوَاباً ذُلُلًا إِلَى تَمَاجِيدِهِ وَ نَصَبَ لَهُمْ مَنَاراً وَاضِحَةً عَلَى أَعْلَامِ تَوْحِيدِهِ لَمْ تُثْقِلْهُمْ مُؤْصِرَاتُ الْآثَامِ وَ لَمْ تَرْتَحِلْهُمْ عُقَبُ اللَّيَالِي وَ الْأَيَّامِ وَ لَمْ تَرْمِ الشُّكُوكُ بِنَوَازِعِهَا عَزِيمَةَ إِيمَانِهِمْ وَ لَمْ تَعْتَرِكِ الظُّنُونُ عَلَى مَعَاقِدِ يَقِينِهِمْ وَ لَا قَدَحَتْ قَادِحَةُ الْإِحَنِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ لَا سَلَبَتْهُمُ الْحَيْرَةُ مَا لَاقَ مِنْ مَعْرِفَتِهِ بِضَمَائِرِهِمْ وَ سَكَنَ بِعَظَمَتِهِ وَ هَيْبَةِ جَلَالِهِ فِي أَثْنَاءِ صُدُورِهِمْ وَ لَمْ تَطْمَعْ فِيهِمُ الْوَسَاوِسُ فَتَقْتَرِعَ بِرَيْنِهَا عَلَى فِكْرِهِمْ مِنْهُمْ مَنْ هُوَ فِي خَلْقِ الْغَمَامِ الدُّلَّحِ وَ فِي عِظَمِ الْجِبَالِ الشُّمَّخِ وَ فِي قُتْرَةِ الظَّلَامِ الْأَيْهَمِ وَ مِنْهُمْ مَنْ قَدْ خَرَقَتْ أَقْدَامُهُمْ تُخُومَ الْأَرْضِ السُّفْلَى فَهِيَ كَرَايَاتٍ بِيضٍ قَدْ نَفَذَتْ فِي مَخَارِقِ الْهَوَاءِ وَ تَحْتَهَا رِيحٌ هَفَّافَةٌ تَحْبِسُهَا عَلَى حَيْثُ انْتَهَتْ مِنَ الْحُدُودِ الْمُتَنَاهِيَةِ قَدِ اسْتَفْرَغَتْهُمْ أَشْغَالُ عِبَادَتِهِ وَ وَسَّلَتْ حَقَائِقُ الْإِيمَانِ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ وَ قَطَعَهُمُ الْإِيقَانُ بِهِ إِلَى الْوَلَهِ إِلَيْهِ وَ لَمْ تُجَاوِزْ رَغَبَاتُهُمْ مَا عِنْدَهُ إِلَى مَا عِنْدَ غَيْرِهِ قَدْ ذَاقُوا حَلَاوَةَ مَعْرِفَتِهِ وَ شَرِبُوا مِنْ كَأْسِ الرَّوِيَّةِ مِنْ مَحَبَّتِهِ وَ تَمَكَّنَتْ مِنْ سُوَيْدَاءِ قُلُوبِهِمْ وَشِيجَةُ خِيفَتِهِ فَحَنَوْا بِطُولِ الطَّاعَةِ اعْتِدَالَ ظُهُورِهِمْ وَ لَمْ يُنْفِدْ طُولُ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ مَادَّةَ تَضَرُّعِهِمْ وَ لَا أَطْلَقَ عَنْهُمْ عَظِيمُ الزُّلْفَةِ رِبَقَ خُشُوعِهِمْ وَ لَمْ يَتَوَلَّهُمُ الْإِعْجَابُ فَيَسْتَكْثِرُوا مَا سَلَفَ مِنْهُمْ وَ لَا تَرَكَتْ لَهُمُ اسْتِكَانَةُ الْإِجْلَالِ نَصِيباً فِي تَعْظِيمِ حَسَنَاتِهِمْ وَ لَمْ تَجْرِ الْفَتَرَاتُ فِيهِمْ عَلَى طُولِ دُءُوبِهِمْ وَ لَمْ تَغِضْ رَغَبَاتُهُمْ فَيُخَالِفُوا عَنْ رَجَاءِ رَبِّهِمْ وَ لَمْ تَجِفَّ لِطُولِ الْمُنَاجَاةِ أَسَلَاتُ أَلْسِنَتِهِمْ وَ لَا مَلَكَتْهُمُ الْأَشْغَالُ فَتَنْقَطِعَ بِهَمْسِ الْخَيْرِ إِلَيْهِ أَصْوَاتُهُمْ وَ لَمْ تَخْتَلِفْ فِي مَقَاوِمِ الطَّاعَةِ مَنَاكِبُهُمْ وَ لَمْ يَثْنُوا إِلَى رَاحَةِ التَّقْصِيرِ فِي أَمْرِهِ رِقَابَهُمْ وَ لَا تَعْدُوا عَلَى عَزِيمَةِ جِدِّهِمْ بَلَادَةُ الْغَفَلَاتِ وَ لَا تَنْتَضِلُ فِي هِمَمِهِمْ خَدَائِعُ الشَّهَوَاتِ قَدِ اتَّخَذُوا ذَا الْعَرْشِ ذَخِيرَةً لِيَوْمِ فَاقَتِهِمْ وَ يَمَّمُوهُ عِنْدَ انْقِطَاعِ الْخَلْقِ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ بِرَغْبَتِهِمْ لَا يَقْطَعُونَ أَمَدَ غَايَةِ عِبَادَتِهِ وَ لَا يَرْجِعُ بِهِمُ الِاسْتِهْتَارُ بِلُزُومِ طَاعَتِهِ إِلَّا إِلَى مَوَادَّ مِنْ قُلُوبِهِمْ غَيْرِ مُنْقَطِعَةٍ مِنْ رَجَائِهِ وَ مَخَافَتِهِ لَمْ تَنْقَطِعْ أَسْبَابُ الشَّفَقَةِ مِنْهُمْ فَيَنُوا فِي جِدِّهِمْ وَ لَمْ تَأْسِرْهُمُ الْأَطْمَاعُ فَيُؤْثِرُوا وَشِيكَ السَّعْيِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ وَ لَمْ يَسْتَعْظِمُوا مَا مَضَى مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَ لَوِ اسْتَعْظَمُوا ذَلِكَ لَنَسَخَ الرَّجَاءُ مِنْهُمْ شَفَقَاتِ وَجَلِهِمْ وَ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي رَبِّهِمْ بِاسْتِحْوَاذِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ وَ لَمْ يُفَرِّقْهُمْ سُوءُ التَّقَاطُعِ وَ لَا تَوَلَّاهُمْ غِلُّ التَّحَاسُدِ وَ لَا شَعَّبَتْهُمْ مَصَارِفُ الرِّيَبِ وَ لَا اقْتَسَمَتْهُمْ أَخْيَافُ الْهِمَمِ فَهُمْ أُسَرَاءُ إِيمَانٍ لَمْ يَفُكَّهُمْ مِنْ رِبْقَتِهِ زَيْغٌ وَ لَا عُدُولٌ وَ لَا وَنًى وَ لَا فُتُورٌ وَ لَيْسَ فِي أَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ مَوْضِعُ إِهَابٍ إِلَّا وَ عَلَيْهِ مَلَكٌ سَاجِدٌ أَوْ سَاعٍ حَافِدٌ يَزْدَادُونَ عَلَى طُولِ الطَّاعَةِ بِرَبِّهِمْ عِلْماً وَ تَزْدَادُ عِزَّةُ رَبِّهِمْ فِي قُلُوبِهِمْ عِظَماً- وَ مِنْهَا فِي صِفَةِ الْأَرْضِ وَ دَحْوِهَا عَلَى الْمَاءِ كَبَسَ الْأَرْضَ عَلَى مَوْرِ أَمْوَاجٍ مُسْتَفْحِلَةٍ وَ لُجَجِ بِحَارٍ زَاخِرَةٍ تَلْتَطِمُ أَوَاذِيُّ أَمْوَاجِهَا وَ تَصْطَفِقُ مُتَقَاذِفَاتُ أَثْبَاجِهَا وَ تَرْغُو زَبَداً كَالْفُحُولِ عِنْدَ هِيَاجِهَا فَخَضَعَ جِمَاحُ الْمَاءِ الْمُتَلَاطِمِ لِثِقَلِ حَمْلِهَا وَ سَكَنَ هَيْجُ ارْتِمَائِهِ إِذْ وَطِئَتْهُ بِكَلْكَلِهَا وَ ذَلَّ مُسْتَخْذِياً إِذْ تَمَعَّكَتْ عَلَيْهِ بِكَوَاهِلِهَا فَأَصْبَحَ بَعْدَ اصْطِخَابِ أَمْوَاجِهِ سَاجِياً مَقْهُوراً وَ فِي حَكَمَةِ الذُّلِّ مُنْقَاداً أَسِيراً وَ سَكَنَتِ الْأَرْضُ مَدْحُوَّةً فِي لُجَّةِ تَيَّارِهِ وَ رَدَّتْ مِنْ نَخْوَةِ بَأْوِهِ وَ اعْتِلَائِهِ وَ شُمُوخِ أَنْفِهِ وَ سُمُوِّ غُلَوَائِهِ وَ كَعَمَتْهُ عَلَى كِظَّةِ جَرْيَتِهِ فَهَمَدَ بَعْدَ نَزَقَاتِهِ وَ لَبَدَ بَعْدَ زَيَفَانِ وَثَبَاتِهِ فَلَمَّا سَكَنَ هَيْجُ الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ أَكْنَافِهَا وَ حَمَلَ شَوَاهِقَ الْجِبَالِ الْبُذَّخِ عَلَى أَكْنَافِهَا فَجَّرَ يَنَابِيعَ الْعُيُونِ مِنْ عَرَانِينِ أُنُوفِهَا وَ فَرَّقَهَا فِي سُهُوبِ بِيدِهَا وَ أَخَادِيدِهَا وَ عَدَّلَ حَرَكَاتِهَا بِالرَّاسِيَاتِ مِنْ جَلَامِيدِهَا وَ ذَوَاتِ الشَّنَاخِيبِ الشُّمِّ مِنْ صَيَاخِيدِهَا فَسَكَنَتْ مِنَ الْمَيَدَانِ بِرُسُوبِ الْجِبَالِ فِي قِطَعِ أَدِيمِهَا وَ تَغَلْغُلِهَا مُتَسَرِّبَةً فِي جَوْبَاتِ خَيَاشِيمِهَا وَ رُكُوبِهَا أَعْنَاقَ سُهُولِ الْأَرَضِينَ وَ جَرَاثِيمِهَا وَ فَسَحَ بَيْنَ الْجَوِّ وَ بَيْنَهَا وَ أَعَدَّ الْهَوَاءَ مُتَنَسَّماً لِسَاكِنِهَا وَ أَخْرَجَ إِلَيْهَا أَهْلَهَا عَلَى تَمَامِ مَرَافِقِهَا ثُمَّ لَمْ يَدَعْ جُرُزَ الْأَرْضِ الَّتِي تَقْصُرُ مِيَاهُ الْعُيُونِ عَنْ رَوَابِيهَا وَ لَا تَجِدُ جَدَاوِلُ الْأَنْهَارِ ذَرِيعَةً إِلَى بُلُوغِهَا حَتَّى أَنْشَأَ لَهَا نَاشِئَةَ سَحَابٍ تُحْيِي مَوَاتَهَا وَ تَسْتَخْرِجُ نَبَاتَهَا أَلَّفَ غَمَامَهَا بَعْدَ افْتِرَاقِ لُمَعِهِ وَ تَبَايُنِ قَزَعِهِ حَتَّى إِذَا تَمَخَّضَتْ لُجَّةُ الْمُزْنِ فِيهِ وَ الْتَمَعَ بَرْقُهُ فِي كُفَفِهِ وَ لَمْ يَنَمْ وَمِيضُهُ فِي كَنَهْوَرِ رَبَابِهِ وَ مُتَرَاكِمِ سَحَابِهِ أَرْسَلَهُ سَحّاً مُتَدَارِكاً قَدْ أَسَفَّ هَيْدَبُهُ تمر به [تَمْرِيهِ الْجَنُوبُ دِرَرَ أَهَاضِيبِهِ وَ دُفَعَ شَآبِيبِهِ فَلَمَّا أَلْقَتِ السَّحَابُ بَرْكَ بِوَانَيْهَا وَ بَعَاعَ مَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ مِنَ العب [الْعِبْءِ الْمَحْمُولِ عَلَيْهَا أَخْرَجَ بِهِ مِنْ هوامل [هَوَامِدِ الْأَرْضِ النَّبَاتَ وَ مِنْ زُعْرِ الْجِبَالِ الْأَعْشَابَ فَهِيَ تَبْهَجُ بِزِينَةِ رِيَاضِهَا وَ تَزْدَهِي بِمَا أُلْبِسَتْهُ مِنْ ربط [رَيْطِ أَزَاهِيرِهَا وَ حِلْيَةِ مَا شُمِّطَتْ بِهِ مِنْ نَاضِرِ أَنْوَارِهَا وَ جَعَلَ ذَلِكَ بَلَاغاً لِلْأَنَامِ وَ رِزْقاً لِلْأَنْعَامِ وَ خَرَقَ الْفِجَاجَ فِي آفَاقِهَا وَ أَقَامَ الْمَنَارَ لِلسَّالِكِينَ عَلَى جَوَادِّ طُرُقِهَا فَلَمَّا مَهَدَ أَرْضَهُ وَ أَنْفَذَ أَمْرَهُ اخْتَارَ آدَمَ عليه السلام خِيَرَةً مِنْ خَلْقِهِ وَ جَعَلَهُ أَوَّلَ جِبِلَّتِهِ وَ أَسْكَنَ جَنَّتَهُ وَ أَرْغَدَ فِيهَا أُكُلَهُ وَ أَوْعَزَ إِلَيْهِ فِيمَا نَهَاهُ عَنْهُ وَ أَعْلَمَهُ أَنَّ فِي الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ التَّعَرُّضَ لِمَعْصِيَتِهِ وَ الْمُخَاطَرَةَ بِمَنْزِلَتِهِ فَأَقْدَمَ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ مُوَافَاةً لِسَابِقِ عِلْمِهِ فَأَهْبَطَهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ لِيَعْمُرَ أَرْضَهُ بِنَسْلِهِ وَ لِيُقِيمَ الْحُجَّةَ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ وَ لَمْ يُخْلِهِمْ بَعْدَ أَنْ قَبَضَهُ مِمَّا يُؤَكِّدُ عَلَيْهِمْ حُجَّةَ رُبُوبِيَّتِهِ وَ يَصِلُ بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ مَعْرِفَتِهِ بَلْ تَعَاهَدَهُمْ بِالْحُجَجِ عَلَى أَلْسُنِ الْخِيَرَةِ مِنْ أَنْبِيَائِهِ وَ مُتَحَمِّلِي وَدَائِعِ رِسَالاتِهِ قَرْناً فَقَرْناً حَتَّى تَمَّتْ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم حُجَّتُهُ وَ بَلَغَ الْمَقْطَعَ عُذْرُهُ وَ نُذُرُهُ وَ قَدَّرَ الْأَرْزَاقَ فَكَثَّرَهَا وَ قَلَّلَهَا وَ قَسَّمَهَا عَلَى الضِّيقِ وَ السَّعَةِ فَعَدَلَ فِيهَا لِيَبْتَلِيَ مَنْ أَرَادَ بِمَيْسُورِهَا وَ مَعْسُورِهَا وَ لِيَخْتَبِرَ بِذَلِكَ الشُّكْرَ وَ الصَّبْرَ مِنْ غَنِيِّهَا وَ فَقِيرِهَا ثُمَّ قَرَنَ بِسَعَتِهَا عَقَابِيلَ فَاقَتِهَا وَ بِسَلَامَتِهَا طَوَارِقَ آفَتِهَا وَ بِفُرَجِ أَفْرَاحِهَا غُصَصَ أَتْرَاحِهَا وَ خَلَقَ الْآجَالَ فَأَطَالَهَا وَ قَصَّرَهَا وَ قَدَّمَهَا وَ أَخَّرَهَا وَ وَصَلَ بِالْمَوْتِ أَسْبَابَهَا وَ جَعَلَهُ خَالِجاً لِأَشْطَانِهَا وَ قَاطِعاً لِمَرَائِرِ قرانها [أَقْرَانِهَا عَالِمُ السِّرِّ مِنْ ضَمَائِرِ الْمُضْمِرِينَ وَ نَجْوَى الْمُتَخَافِتِينَ وَ خَوَاطِرِ رَجْمِ الظُّنُونِ وَ عُقَدِ عَزِيمَاتِ الْيَقِينِ وَ مَسَارِقِ إِيمَاضِ الْجُفُونِ وَ مَا ضَمِنَتْهُ أَكْنَافُ الْقُلُوبِ وَ غَيَابَاتُ الْغُيُوبِ وَ مَا أَصْغَتْ لِاسْتِرَاقِهِ مَصَائِخُ الْأَسْمَاعِ وَ مَصَايِفُ الذَّرِّ وَ مَشَاتِي الْهَوَامِّ وَ رَجْعِ الْحَنِينِ مِنَ الْمُولَهَاتِ وَ هَمْسِ الْأَقْدَامِ وَ مُنْفَسَحِ الثَّمَرَةِ مِنْ وَلَائِجِ غُلُفِ الْأَكْمَامِ وَ مُنْقَمَعِ الْوُحُوشِ مِنْ غِيرَانِ الْجِبَالِ وَ أَوْدِيَتِهَا وَ مُخْتَبَإِ الْبَعُوضِ بَيْنَ سُوقِ الْأَشْجَارِ وَ أَلْحِيَتِهَا وَ مَغْرِزِ الْأَوْرَاقِ مِنَ الْأَفْنَانِ وَ مَحَطِّ الْأَمْشَاجِ مِنْ مَسَارِبِ الْأَصْلَابِ وَ نَاشِئَةِ الْغُيُومِ وَ مُتَلَاحِمِهَا وَ دُرُورِ قَطْرِ السَّحَابِ وَ مُتَرَاكِمِهَا وَ مَا تَسْفِي الْأَعَاصِيرُ بِذُيُولِهَا وَ تَعْفُو الْأَمْطَارُ بِسُيُولِهَا وَ عَوْمِ نبات [بَنَاتِ الْأَرْضِ فِي كُثْبَانِ الرِّمَالِ وَ مُسْتَقَرِّ ذَوَاتِ الْأَجْنِحَةِ بِذُرَى شَنَاخِيبِ الْجِبَالِ وَ تَغْرِيدِ ذَوَاتِ الْمَنْطِقِ فِي دَيَاجِيرِ الْأَوْكَارِ وَ مَا أَوْعَتْهُ الْأَصْدَافُ وَ حَضَنَتْ عَلَيْهِ أَمْوَاجُ الْبِحَارِ وَ مَا غَشِيَتْهُ سُدْفَةُ لَيْلٍ أَوْ ذَرَّ عَلَيْهِ شَارِقُ نَهَارٍ وَ مَا اعْتَقَبَتْ عَلَيْهِ أَطْبَاقُ الدَّيَاجِيرِ وَ سُبُحَاتُ النُّورِ وَ أَثَرِ كُلِّ خُطْوَةٍ وَ حِسِّ كُلِّ حَرَكَةٍ وَ رَجْعِ كُلِّ كَلِمَةٍ وَ تَحْرِيكِ كُلِّ شَفَةٍ وَ مُسْتَقَرِّ كُلِّ نَسَمَةٍ وَ مِثْقَالِ كُلِّ ذَرَّةٍ وَ هَمَاهِمِ كُلِّ نَفْسٍ هَامَّةٍ وَ مَا عَلَيْهَا مِنْ ثَمَرِ شَجَرَةٍ أَوْ سَاقِطِ وَرَقَةٍ أَوْ قَرَارَةِ نُطْفَةٍ أَوْ نُقَاعَةِ دَمٍ وَ مُضْغَةٍ أَوْ نَاشِئَةِ خَلْقٍ وَ سُلَالَةٍ لَمْ تَلْحَقْهُ فِي ذَلِكَ كُلْفَةٌ وَ لَا اعْتَرَضَتْهُ فِي حِفْظِ مَا ابْتَدَعَ مِنْ خَلْقِهِ عَارِضَةٌ وَ لَا اعْتَوَرَتْهُ فِي تَنْفِيذِ الْأُمُورِ وَ تَدَابِيرِ الْمَخْلُوقِينَ مَلَالَةٌ وَ لَا فَتْرَةٌ بَلْ نَفَذَ فِيهِمْ عِلْمُهُ وَ أَحْصَاهُمْ عَدُّهُ وَ وَسِعَهُمْ عَدْلُهُ وَ غَمَرَهُمْ فَضْلُهُ مَعَ تَقْصِيرِهِمْ عَنْ كُنْهِ مَا هُوَ أَهْلُهُ اللَّهُمَّ أَنْتَ أَهْلُ الْوَصْفِ الْجَمِيلِ وَ التَّعَدُّدِ الْكَثِيرِ إِنْ تُؤَمَّلْ فَخَيْرُ مَأْمُولٍ وَ إِنْ تُرْجَ فَخَيْرُ مَرْجُوٍّ اللَّهُمَّ وَ قَدْ بَسَطْتَ لِي لِسَاناً فِيمَا لَا أَمْدَحُ بِهِ غَيْرَكَ وَ لَا أُثْنِي بِهِ عَلَى أَحَدٍ سِوَاكَ وَ لَا أُوَجِّهُهُ إِلَى مَعَادِنِ الْخَيْبَةِ وَ مَوَاضِعِ الرِّيبَةِ وَ عَدَلْتَ بِلِسَانِي عَنْ مَدَائِحِ الْآدَمِيِّينَ وَ الثَّنَاءِ عَلَى الْمَرْبُوبِينَ الْمَخْلُوقِينَ اللَّهُمَّ وَ لِكُلِّ مُثْنٍ عَلَى مَنْ أَثْنَى عَلَيْهِ مَثُوبَةٌ مِنْ جَزَاءٍ أَوْ عَارِفَةٌ مِنْ عَطَاءٍ وَ قَدْ رَجَوْتُكَ دَلِيلًا عَلَى ذَخَائِرِ الرَّحْمَةِ وَ كُنُوزِ الْمَغْفِرَةِ اللَّهُمَّ وَ هَذَا مَقَامُ مَنْ أَفْرَدَكَ بِالتَّوْحِيدِ الَّذِي هُوَ لَكَ وَ لَمْ يَرَ مُسْتَحِقّاً لِهَذِهِ الْمَحَامِدِ وَ الْمَمَادِحِ غَيْرَكَ وَ بِي فَاقَةٌ إِلَيْكَ لَا يَجْبُرُ مَسْكَنَتَهَا إِلَّا فَضْلُكَ وَ لَا يَنْعَشُ مِنْ خَلَّتِهَا إِلَّا مَنُّكَ وَ جُودُكَ فَهَبْ لَنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ رِضَاكَ وَ أَغْنِنَا عَنْ مَدِّ الْأَيْدِي إِلَى مَنْ سِوَاكَ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. التوحيد، عن علي بن أحمد الدقاق عن محمد بن جعفر الأسدي عن محمد بن إسماعيل البرمكي عن علي بن العباس عن إسماعيل بن مهران عن إسماعيل بن الحق الجهني عن فرج بن فروة عن مسعدة بن صدقة عن أبي عبد الله عليه السلام مثله مع اختصار و قد مر في كتاب التوحيد. بيان قد مضى شرح أكثر أجزاء هذه الخطبة في كتاب التوحيد و لعل غضبه عليه السلام لعلمه بأن غرض السائل وصفه سبحانه بصفات الأجسام أو لأنه سأل بيان كنه حقيقته سبحانه أو وصفه بصفات أرفع و أبلغ مما نطق به الكتاب و الآثار لزعمه أنه لا يكفي في معرفته سبحانه و يؤيد كلا من الوجوه بعض الفقرات و جامعةً منصوبة على الحالية أي عليكم الصلاةُ على رفع الصلاة كما حكي أو احضروا الصلاةَ على نصبها جامعةً لكل الناس و ربما يقرأ برفعهما على الابتداء و الخبرية و هذا النداء كان شائعا في الخطوب الجليلة و إن كان أصله للصلاة. لا يفره أي لا يكثره المنع أي ترك العطاء و لا يكديه الإعطاء أي لا يجعله قليل الخير مبطئا فيه يقال كدت الأرض إذا أبطأ نباتها و أكدى فلان الأرض إذا جعلها كادية أو لا ترده كثرة العطاء عن عادته فيه من قولهم أكديت الرجل عن الشيء أي رددته عنه ذكره الجوهري و قال الكدية الأرض الصلبة و أكدى الحافر إذا بلغ الكدية فلا يمكنه أن يحفر و أكدى الرجل إذا قل خيره و انتقص يكون متعديا و لازما كنقص و هذا في النسخ على بناء المفعول و التعليل بالجملتين باللف و النشر المرتب أو المشوش لمطابقة الإعطاء و المنع في كل منهما و على التقديرين التعليل في الأولى ظاهر و الفقرة الثانية ليست في نسخ التوحيد و هو الصواب و على تقديرها ففي أصل الجملة و التعليل بها معا إشكال أما الأول فلأنه إن أريد بالمنع ما كان مستحسنا أو الأعم فكيف يصح الحكم بكونه مذموما و إن أريد به ما لم يكن مستحسنا فلا يستقيم الاستثناء. و يمكن أن يجاب باختيار الثاني من الأول أي الأعم و يقال المراد بالمذموم من أمكن أن يلحقه الذم فيصير حاصل الكلام أن كل مانع غيره يمكن أن يلحقه الذم بخلافه سبحانه فإنه لا يحتمل أن يلحقه بالمنع ذم أو يقال المانع لا يصدق على غيره تعالى إلا إذا بخل بما افترض عليه و إذا أطلق عليه سبحانه يراد به مقابل المعطي و المراد بالعنوان المعنى الشامل لهما وَ يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا مَرَّ مَرْوِيّاً عَنِ الرِّضَا عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجَوَادِ فَقَالَ عليه السلام إِنَّ لِكَلَامِكَ وَجْهَيْنِ فَإِنْ كُنْتَ تَسْأَلُ عَنِ الْمَخْلُوقِ فَإِنَّ الْجَوَادَ هُوَ الَّذِي يُؤَدِّي مَا افْتَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ وَ الْبَخِيلَ هُوَ الَّذِي يَبْخَلُ بِمَا افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ إِنْ أَرَدْتَ الْخَالِقَ فَهُوَ الْجَوَادُ إِنْ أَعْطَى وَ هُوَ الْجَوَادُ إِنْ مَنَعَ لِأَنَّهُ إِنْ أَعْطَى عَبْداً أَعْطَاهُ مَا لَيْسَ لَهُ وَ إِنْ مَنَعَهُ مَنَعَهُ مَا لَيْسَ لَهُ.. و أما الثاني فيحتمل أن تكون جملة مستقلة غير داخلة تحت التعليل مسوقة لرفع توهم ينشأ من التعليل بعدم الانتقاص بالإعطاء فإن لمتوهم أن يقول إذا لم ينقص من خزائنه شيء بالإعطاء فيجب أن لا يتصف بالمنع أصلا و لو اتصف به لكان مذموما مع أن من أسمائه تعالى المانع فرد ذلك الوهم بأن منعه سبحانه ليس للانتقاص بالإعطاء بل لقبح الإعطاء و عدم اقتضاء المصلحة له و مثل ذلك المنع لا يستتبع الذم و استحقاقه و لو حملت على التعليل فيمكن أن يكون من قبيل الاستدلال بعدم المعلول على عدم العلة فإن الوفور بالمنع أو إكداء الإعطاء علة للبخل التابع للخوف من الفاقة و هو علة لترتب الذم من حيث إنه نقص أو لاقتضائه المنع و رد السائل و نفي الذم يدل على عدم الوفور أو الإكداء المدعى في الجملتين المتقدمتين. المنان بفوائد النعم المن يكون بمعنى الإنعام و بمعنى تعديد النعم و الأول هنا أظهر و ربما يحمل على الثاني فإن منه سبحانه حسن و إن كان في المخلوق صفة ذم و الفائدة الزيادة تحصل للإنسان من مال أو غيره و العائد المعروف و العطف و قيل عوائد المزيد و القسم معتادهما و المزيد الزيادة و لعل المراد به ما لا يتوهم فيه استحقاق العبد و القسم جمع القسمة و هي الاسم من قسمه كضربه و قسمه بالتشديد أي جزأه و عيال الرجال بالكسر أهل بيته و من يمونهم جمع عيل و جمعه عيائل. ضمن أرزاقهم أي كفلها و قدر أقواتهم أي جعل لكل منهم من القوت قدرا تقتضيه الحكمة و المصلحة و نهج سبيل الراغبين إليه نهجت الطريق أبنته و أوضحته و نهج السبيل لصلاح المعاد كما أن ضمان الأرزاق لصلاح المعاش و يحتمل الأعم ليس بما سئل إلخ عدم الفرق بينهما بالنظر إلى الجود لا ينافي الحث على السؤال لأنه من معدات السائل لاستحقاق الإنعام لأن نسبته سبحانه إلى الخلق على السواء و إن استحق السائل ما لا يستحقه غيره بخلاف المخلوقين فإن السؤال يهيج جودهم بالطبع مع قطع النظر عن الاستعداد. الأول الذي لم يكن له قبل فيكون شيء قبله قيل وجوده سبحانه ليس بزماني فلا يطلق عليه القبلية و البعدية كما يطلق على الزمانيات فمعناه الأول الذي لا يصدق عليه القبلية ليمكن أن يكون شيء ما قبله و الآخر الذي لا يصدق عليه البعدية الزمانية ليمكن أن يكون شيء ما بعده و قد يحمل على وجه آخر و هو أنه لم يكن سبقه عدم فيقال إنه مسبوق بشيء من الأشياء إما المؤثر فيه أو الزمان المقدم عليه و إنه ليس بذات يمكن فناؤها و عدمها فيكون بعده شيء من الأشياء إما الزمان أو غيره و يمكن أن يكون المراد بالقبل الزمان المتقدم سواء كان أمرا موجودا أو موهوما و بالشيء موجودا من الموجودات أي ليس قبله زمان حتى يتصور تقدم موجود عليه و كذا بقاء موجود بعده و الرادع أناسي الأبصار عن أن تناله أو تدركه الأناسي بالتشديد جمع إنسان و إنسان العين المثال الذي يرى في السواد و لا يجمع على أناس كما يجمع الإنسان بمعنى البشر عليه و قيل الأناسي جمع إنسان العين مشدد و الآخر يشدد و يخفف و قرئ أناسي كثيرا بالتخفيف و ردعها أي منعها كناية عن عدم إمكان إحساسها له لأنه سبحانه ليس بجسم و لا جسماني و لا في جهة و نلت الشيء أصبته و أدركته أي تبعته فلحقته و المراد بالنيل الإدراك التام و بالإدراك غيره و يحتمل العكس و أن يكون العطف لتغاير اللفظين أو يكون إشارة إلى جهتين لامتناع الرؤية فالنيل إشارة إلى استلزام كونه ذا جهة و جسمانيا و الإدراك إلى أنه يستلزم وجود كنه ذاته في الأذهان و هو ممتنع كما أشرنا إليه في كتاب التوحيد. ما اختلف عليه دهر ظاهره نفي الزمانية عنه تعالى و يحتمل أن يراد به جريانه على خلاف مراده أحيانا و على وفق إرادته أحيانا حتى يلحقه ما يلحق الخلق من الشدة و الرخاء و النعم و البؤس و الصحة و السقم و نحو ذلك. و لو وهب ما تنفست استعار التنفس هنا لإبراز المعادن ما يخرج منهما كما يخرج الهواء من تنفس الحيوان و ضحكت عنه أي تفتحت و انشقت حتى ظهر و يقال للطلع حين تنشق الضحك بفتح الضاد و قد مر بيان لطف تلك التشبيهات. و الفلز بكسر الفاء و اللام و تشديد الزاي الجواهر المعدنية كالذهب و الفضة و في الصحاح ما ينقيه الكير مما يذاب من جواهر الأرض و اللجين مصغرا الفضة و العقيان بالكسر الذهب الخالص و نثرت الشيء كنصرت رميته متفرقا و نثارة الدر بالضم ما تناثر منه و الدر جمع درة و هي اللؤلؤة العظيمة أو مطلقا و حصد الزرع قطعه بالمنجل و الحصيد المحصود و المراد بالمرجان إما صغار اللؤلؤ و وصفه بالحصيد لعله يناسب ما تذكره التجار أن الصدف كثيرا ما يغرز عرقه في أرض البحر فيحصده الغواصون و لذا قيل إنه حيوان يشبه النبات و قال بعض شارحي النهج كأن المراد المتبدد من المرجان كما يتبدد الحب المحصود و يجوز أن يعنى المحكم من قولهم شيء مستحصد أي مستحكم قال و يروى و حصباء المرجان و الحصباء الحصى و قال قوم هو البسد يعني الحجر الأحمر و أنفده أي أفناه و ذخائر الإنعام ما بقي عنده من نعمه الجسام بعد العطايا المفروضة و المطالب جمع المطلب بمعنى المصدر لا يغيضه جاء متعديا كما جاء لازما و لا يبخله أي لا يجعله بخيلا و يقال أيضا بخله تبخيلا إذا رماه بالبخل و روي على صيغة الإفعال أي لا يجده بخيلا و التعليل بقوله لأنه الجواد إما للجملة الشرطية بتواليها فالوجه في التعليل بنفي التبخيل ظاهر إذ لو أثر العطاء المفروض في جوده لبخله الإلحاح فإنه في الحقيقة منع التأثير في الجود فنفيه يدل على نفيه و إما لبقاء ما لا ينفده المطالب فوجه التعليل أن العادة قد جرت بلحوق البخل لمن ينفد ما عنده بالطلب و إن أمكن عقلا عدمه بأن يسمح بكل ما عنده فنفي التبخيل يدل على نفي الإنفاد. فانظر أيها السائل إلخ الايتمام الاقتداء و الأثر بالتحريك نقل الحديث و روايته و وكل الأمر إليه وكلا و وكولا سلمه و تركه و يدل على المنع من الخوض في صفاته سبحانه و من البحث عما لم يرد منها في الكتاب و السنة. و اعلم أن الراسخين في العلم إلى آخره الراسخ في العلم الثابت فيه و اقتحم المنزل أي دخله بغتة و من غير روية و السدد جمع سدة و هي باب الدار و ضرب الباب نصبه و دون الشيء ما قرب منه قبل الوصول إليه و المتعمق في الأمر الذي يبالغ فيه و يطلب أقصى غايته و قدر الشيء مبلغه و تقديره أن تجعل له قدرا و تقيسه بشيء و المعنى لا تقس عظمة الله بمقياس عقلك و مقداره و الظاهر أن المراد بإقرار الراسخين في العلم و مدحهم ما تضمنه قوله سبحانه فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ إلى قوله وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ فإقرارهم قولهم آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا و مدح الله تعالى إياهم ذكر كلامهم المتضمن للإيمان و التسليم في مقام المدح أو تسمية ترك تعمقهم رسوخا في العلم فالعطف في قوله و سمى للتفسير أو الإشارة إلى أنهم أولو الألباب بقوله وَ ما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ و حينئذ فالمراد بالمتشابه ما يشمل كنه ذاته و صفاته سبحانه مما استأثر الله بعلمه و على هذا فمحل الوقف في الآية إِلَّا اللَّهُ كما هو المشهور بين المفسرين و القراء فتفيد اختصاص علم المتشابه به سبحانه و قوله وَ الرَّاسِخُونَ مبتدأ و يَقُولُونَ خبره و هو بظاهره مناف لما دلت عليه الأخبار المستفيضة من أنهم عليه السلام يعلمون ما تشابه من القرآن كما مر في كتاب الإمامة و على هذا فالوقف على الْعِلْمِ و إليه ذهب أيضا جماعة من المفسرين فقوله يَقُولُونَ حال من الراسخين أو استئناف موضح لحالهم و يمكن الجمع بينها بوجوه الأول أن يكون ما ذكره عليه السلام هنا مبنيا على ما اشتهر بين المخالفين إلزاما عليهم. الثاني أن يكون للآية ظهر و بطن أحدها أن يكون المراد بالمتشابه مثل العلم بكنه الواجب و ما استأثر الله عز و جل بعلمه من صفاته و كنه ذاته و أمثال ذلك مما تفرد سبحانه بعلمه و إليه يشير ظاهر هذا الكلام و ثانيهما أن يراد به ما علم الراسخون في العلم تأويله و إليه أشير في سائر الأخبار فيكون القارئ مخيرا في الوقف على كل من الموضعين الثالث ما قيل إنه يمكن حمل حكاية قول الراسخين على اعترافهم و تسليمهم قبل أن يعلمهم الله تأويل ما تشابه من القرآن فكأنه سبحانه بين أنهم لما آمنوا بجملة ما أنزل من المحكمات و المتشابهات و لم يتبعوا ما تشابه منه كالذين في قلوبهم زيغ بالتعلق بالظاهر أو بتأويل باطل فآتاهم الله علم التأويل و ضمهم إلى نفسه في الاستثناء و الاستئناف في قوة رفع الاستبعاد عن مشاركتهم له تعالى في ذلك العلم و بيان أنهم إنما استحقوا إفاضة ذلك العلم باعترافهم بالجهل و قصورهم عن الإحاطة بالمتشابهات من تلقاء أنفسهم و إن علموا التأويل بتعليم إلهي وَ قَدْ وَرَدَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ بِبَعْضِ الْغُيُوبِ قَالَ لَهُ رَجُلٌ أُعْطِيتَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عِلْمَ الْغَيْبِ فَقَالَ عليه السلام لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ وَ إِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ. و قد مر بعض الكلام فيه في كتاب التوحيد. إذا ارتمت يقال ارتمى القوم إذا تراموا بالنبال و الأوهام خطرات القلب و في اصطلاح المتكلمين إحدى القوى الباطنة شبه عليه السلام جولان الأفكار و تعارضها بالترامي و المنقطع موضع الانقطاع و يحتمل المصدر و حاولت الشيء أردته و الخطر بالتسكين مصدر خطر له خاطر أي عرض في قلبه و روي من خطرات الوساوس و الوسوسة حديث النفس و الشيطان بما لا خير فيه و لا نفع و الاسم الوسواس. و الملكوت العز و السلطان و تولهت إليه أي اشتد عشقها و حنت إليه و الوله بالتحريك التحير و ذهاب العقل من حزن أو فرح لتجري في كيفية صفاته أي لتجد مجرى و مسلكا في ذلك و غمض الشيء بالفتح و الضم أي خفي مأخذه و الغامض من الكلام خلاف الواضح و مداخل العقول طرق الفكر و فاعل تنال ضمير العقول أي إذا دقت و غمضت طرق العقول و وصلت إلى حد لا تبلغ الصفات لدقة تلك الطرق و خفائها أو إذا دقت و انتهت العقول إلى أنها لا تعتبر مع ملاحظة الحق صفة من صفاته كما قيل طالبة بذلك أن تصل إلى علم ذاته و في بعض النسخ علم ذلك و الأول أظهر. ردعها الردع الرد و الكف و الجملة جزاء للشرط السابق و الضمير المنصوب راجع إلى الأوهام أو غيرها مما سبق و هي تجوب أي تقطع و الواو للحال و المهاوي جمع مهواة و هي الحفرة أو ما بين الجبلين و المراد هنا المهلكة و السدف جمع سدفة و هي القطعة من الليل المظلم و يطلق على الضياء أيضا و خلصته تخليصا نحيته فتخلص فقوله متخلصة إليه أي متوجهة إليه بكليتها متنحية عن غيره و جبهه كمنعه أي ضرب جبهته فرده و الجور العدول عن الطريق و الاعتساف قطع المسافة على غير جادة معلومة و المراد بجور اعتسافها شدة جولانها في ذلك المسلك الذي لا جادة له و لا يفضي إلى المقصود و الخاطرة المنفية ما يكون مطابقا للواقع. الذي ابتدع الخلق الابتداء الإنشاء و الإحداث و مثال الشيء بالكسر صورته و صفته و مقداره و امتثله أي تبعه و لم يتجاوز عنه و احتذى عليه أي اقتدى به و قوله من خالق متعلق بمحذوف و هو صفة لمقدار أو لمثال أيضا كناشئ و المراد بنفي امتثال المثال أنه لم يمثل لنفسه مثالا قبل شروعه في خلق العالم ليخلق العالم على هيئته و بنفي احتذاء المقدار أنه لم يقتد بخالق كان قبله فالظرف صفة للمقدار فقط و يحتمل أن يكون الثاني كالتأكيد للأول فالظرف صفة للمثال و المقدار معا و يكون المراد بالأول نفي الاقتداء بالغير في التصوير و بالثاني في التقدير أو يكون المراد بالمثال ما يرتسم في الخيال من صورة المصنوع و هيئته و لم يكن على حذو فعل فاعل آخر لتنزهه عن الصور و الخواطر فالظرف صفة لمقدار و وصف الخالق بالمعبود لأنه من لوازمه أو لأنه لو كان كذلك لكان هو المعبود. و المساك بالكسر ما يمسك به و فيه دلالة على احتياج الباقي في بقائه إلى المؤثر و قوله ما دلنا مفعول ثان لأرانا و اضطرار قيام الحجة عبارة عن إفادتها العلم القطعي بعد تحقق الشروط و ارتفاع الموانع و الظرف في قوله على معرفته متعلق بقوله دلنا و أعلام الحكمة ما يدل عليها و الضمير في قوله فحجته يحتمل عوده إلى الخلق الصامت كالضمير في دلالته أو إلى الله سبحانه فأشهد و في بعض النسخ بالواو بتباين المشبه به في الحقيقة هو الخلق و إنما أدخل الباء على التباين تنبيها على وجه الخطإ في التشبيه و التلاحم التلاصق و الحقاق بالكسر جمع حقة بالضم و هي في الأصل وعاء من خشب و حقاق المفاصل النقر التي ترتكز فيها العظام و احتجابها استتارها بالجلد و اللحم و قوله لتدبير متعلق بالمحتجبة أي المستورة للتدبير الذي اقتضته الحكمة قيل و من حكمة احتجابها أنها لو خلقت ظاهرة ليبست رباطاتها فيتعذر تصرف الحيوان و كانت معرضة للآفات أو بالتباين و التلاحم. و قال بعض شارحي النهج و من روى المحتجة أراد أنها كالمستدل على التدبير الحكمي من لدنه سبحانه و العقد الشد و فاعل الفعل الموصول المشبه و غيب منصوب على المفعولية و هو كل ما غاب و الضمير اسم من أضمرت في نفسي شيئا أو إضافة الغيب إلى الضمير من إضافة الصفة إلى الموصوف و المراد بغيب الضمير حقيقة عقيدته و باطنها لا ما يظهره منها لغيره أو يظهر له بحسب توهمه و في بعض النسخ لم يعتقد على صيغة المجهول و غيب بالرفع و المباشرة لمس البشرة و الفاعل اليقين و في بعض النسخ قلبه بالرفع على أنه الفاعل و اليقين بالنصب و الأول الأظهر و الند المثل و إن في الآية مخففة من المثقلة و يظهر من كلامه عليه السلام أن التسوية في الآية يشمل هذا التشبيه و لا يخص التسوية في استحقاق العبادة كذب العادلون بك أي المسوون بك غيرك و نحلوك أي أعطوك حلية المخلوقين أي صفاتهم و التعبير بالنحلة و الحلية لزعم هؤلاء أنها كمال له عز و جل و جزءوك أي أثبتوا لك أجزاء و خواطرهم ما يخطر ببالهم من الأوهام الفاسدة و قدروك على الخلقة أي جعلوا لك قدرا في العظمة المعنوية كقدر الخلق فأثبتوا لك صفاتهم و قرائح عقولهم ما يستنبطونه بآرائهم و القريحة في الأصل أول ما يستنبط من البئر و محكمات الآيات نصوص الكتاب و شواهد الحجج الأدلة العقلية و نطقها دلالتها القطعية أو الشواهد الهداة المبينون للحجج التي هي الأدلة و كأنه ضمن النطق معنى الكشف فعدي بعن و إضافة الحجج إلى البينات للمبالغة. لم يتناه في العقول أي لم تقدرك العقول بالنهاية و الكنه بحيث لا تكون لك صفة وراء ما أدركته أو لم تحط بك العقول فتكون محدودا متناهيا فيها و مهب الفكر هبوبها و لعله عليه السلام شبه الحركات الفكرية بهبوب الرياح و الأفكار بما تجمعها و تذروها من الحشائش إشعارا بضعفها و سفالة ما يحصل منها و قيل التناهي في العقل هو أن يدرك العقل الشيء مرسما في القوى الجزئية و هي مهاب الفكر التي ترتسم فيها الصور و تزول كالريح الهابة تمر بشيء و قيل مهاب الفكر جهاتها و رويات الخواطر ما يخطر بالبال بالنظر و الفكر و المحدود المحاط بالحدود و المراد بالحدود ما يلزم الإحاطة التامة أو الصفات و الكيفيات التي لا يتعداها المعلوم و المصرف القابل للتغير و الحركة أو المحكوم عليه بالتجزئة و التحليل و التركيب. قدر ما خلق فأحكم تقديره أي جعل لكل شيء مقدارا مخصوصا بحسب الحكمة أو هيأ كل شيء لما أراد منه من الخصائص و الأفعال أو قدره للبقاء إلى أجل معلوم فأحكم أي أتقن و التدبير في الأمر النظر إلى ما تئول إليه عاقبته فألطف تدبيره أي أعمل فيه تدبيرات دقيقة لطيفة أو كانت تدبيراته مقرونة باللطف و الرفق و الرحمة على عباده و وجهه لوجهته أي جعل كلا منها مهيأة و ميسرة لما خلق له كالحبوب للأكل و الدواب للركوب و كل صنف من الإنسان لأمر من الأمور المصلحة للنظام و يحتمل أن يكون إشارة إلى أمكنتها و الأول أعم و أظهر و الوجهة بالكسر الناحية و كل أمر استقبلته و قصر السهم عن الهدف إذا لم يبلغه و قصرت عن الشيء أي عجزت عنه و استصعب الأمر علينا أي صعب و الصعب غير المنقاد و مضى الشيء مضيا و مضوا أي نفذ و لم يمتنع و صدر كعقد رجع و انصرف كرجوع الشاربة عن الماء و المسافرين عن مقصدهم و لما كانت الأمور لإمكانها محتاجة في الوجود إلى مشيته فكأنما توجهت إليها فرجعت فائزة بمقصدها و المشية الإرادة و أصلها المشيئة بالهمز. آل إليها أي رجع و الغريزة الطبيعة و قريحة الغريزة ما يستنبطه الذهن و قيل قوة الفكر للعقل أضمر عليها أي أخفاه في نفسه محتويا عليها و التجربة الاختبار مرة بعد أخرى و يقال أفدته مالا أي أعطيته و أفدت منه مالا أخذته و حكى الجوهري عن أبي زيد أفدت المال أعطيته غيري و أفدته استفدته و ابتداع الخلائق إحداثها فتم خلقه يمكن أن يراد بالخلق المعنى المصدري و يكون الضمير راجعا إليه سبحانه كالضمير في طاعته و دعوته أو إلى ما خلق المذكور سابقا و على الأول يكون في أذعن و أجاب راجعين إلى الخلق على الاستخدام أو إلى ما خلق و يمكن أن يراد به المخلوق و تمام مخلوقاته بإفاضته عليها ما يليق بها و تستعد له و إذعان ما خلق لطاعته و إجابته إلى دعوته إما بمعنى استعداده لما خلق له أو تهيئه لنفوذ تقديراته و إرادته سبحانه فيه و فيه إشارة إلى قوله تعالى أَتَيْنا طائِعِينَ و ربما تحمل أمثالها على ظاهره بناء على أن لكل مخلوق شعورا كما هو ظاهر قوله تعالى وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ و اعترض الشيء دون الشيء أي حال بينه و بينه و دونه أي قبل الوصول إليه و الضمير في دونه أيضا راجع إليه سبحانه و يحتمل أن يكون راجعا إلى مصدر أذعن و أجاب و الريث البطوء و الأناة كفتاه الاسم من تأنى في الأمر أي تمكث و لم يعجل و تلكأ توقف و أبطأ. فأقام من الأشياء أودها الأود بالتحريك الاعوجاج و إقامته إعداد كل شيء لما ينبغي له أو دفع المفاسد التي تقتضيها الأشياء لو خليت و طباعها و نهج أي أوضح و حد الشيء منتهاه و أصل الحد المنع و الفصل بين الشيئين و نهج الحدود قيل إيضاحه لكل شيء غايته و تيسيرها له أو المعنى جعل لكل شخص و نوع مشخصا و مميزا واضحا يمتاز به عن غيره فإن من أعاظم المصالح و أعزها امتياز الأنواع و الأشخاص بعضها عن بعض أقول و يحتمل أن يكون المراد بالحدود حدود أمكنتها كمكان العناصر فإن لكل منها حدا لا تتجاوزه و لعله أنسب بما بعده. و لاءم أي جمع بين متضاداتها كجمع العناصر المتباينة في الكيفيات و الصفات لحصول المزاج و كالألفة بين الروح و البدن. و وصل أسباب قرائنها السبب في الأصل الحبل و يقال لكل ما يتوصل به إلى شيء و القرينة فعيلة بمعنى مفعولة و قرائن الأشياء ما اقترن منها بعضها ببعض و وصل أسبابها ملزوم لاتصالها و قال ابن ميثم القرائن النفوس المقرونة بالأبدان و اعتدال المزاج بسبب بقاء الروح أي وصل أسباب أنفسها بتعديل أمزجتها و المراد بالأجناس هنا أعم مما هو مصطلح المنطقيين و كذا المراد بالحدود غير ما هو المعروف عندهم و إن كان المقام لا يأباهما. و الغرائز الطبائع و القوى النفسانية و البدايا جمع بداية و هي الحالة العجيبة يقال أبدأ الرجل إذا أتى بالأمر المعجب و البديئة أيضا الحالة المبتدأة المبتكرة أي عجائب مخلوقات أو مخلوقات مبتدأة بلا اقتفاء مثال و هو خبر مبتدأ محذوف أي هي بدايا و الفطر الابتداء و الاختراع و الابتداع كالتفسير له و نظم أي جمع و ألف بلا تعليق أي من غير أن يعلق بعضها ببعض بخيط أو نحوه و رهوات فرجها الرهوة المكان المرتفع و المنخفض أيضا فنظمها تسويتها - و قال في النهاية في حديث علي و نظم رهوات فرجها. أي المواضع المنفتحة منها و هو مأخوذ من قولهم رها رجليه رهوا أي فتح و فيه دلالة على أن السماء كانت ذات فرج و صدوع فنظمها سبحانه و هو مناسب لما مر من أن مادتها الدخان المرتفع من الماء إذ مثل ذلك تكون قطعا و ذات فرج و أول بعض الشارحين بتباين أجزاء المركب لو لا التركيب و التأليف أو بالفواصل التي كانت بين السماوات لو لا أن الصانع خلقها أكرا متماسة و إنما اضطره إلى ذلك الاعتقاد بقواعد الفلاسفة و تقليدهم. و ملاحمة الصدوع إلصاق الأجزاء ذوات الصدوع بعضها ببعض و إضافة الصدوع إلى الانفراج من إضافة الخاص إلى العام و وشج بالتشديد أي شبك و الضمير في بينها راجع إلى ما يرجع إليه الضمائر السابقة. و قال ابن ميثم المراد بأزواجها نفوسها التي هي الملائكة السماوية بمعنى قرائنها و كل قرين زوج أي ربط ما بينها و بين نفوسها بقبول كل جرم سماوي لنفسها التي لا يقبلها غيره. و أقول القول بكون السماوات حيوانات ذوات نفوس مخالف للمشهور بين أهل الإسلام بل نقل السيد المرتضى رضي الله عنه إجماع المسلمين على أن الأفلاك لا شعور لها و لا إرادة بل هي أجسام جمادية يحركها خالقها و يمكن أن يراد بالأزواج الملائكة الموكلون بها أو القاطنون فيها أو المراد أشباهها من الكواكب و الأفلاك الجزئية و يمكن حمل الفقرات السابقة أيضا على هذين الوجهين الأخيرين و يمكن أن يكون المراد بأزواجها أشباهها في الجسمية و الإمكان من الأرضيات و يناسب ما جرى على الألسن من تشبيه العلويات بالآباء و السفليات بالأمهات. و ذلل للهابطين يقال ذلل البعير أي جعله ذلولا و هو ضد الصعب الذي لا ينقاد من الذل بالكسر و هو اللين و الحزونة خلاف السهولة و المعراج السلم و المصعد و نداء السماء إشارة إلى ما مر من قوله سبحانه فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً فالتحمت عرى أشراجها التحمت أي التزقت و التأمت و عرى العيبة هي الحلق التي تضم بعضها إلى بعض و تشد و تقفل و الشرج بفتحتين عرى العيبة و الجمع أشراج و قيل قد تطلق الأشراج على حروف العيبة التي تخاط و لعل هذا الالتحام كناية عن تمام خلقها و فيضان الصور السماوية عليها. و فتق بعد الارتتاق صوامت أبوابها فتق الثوب فتقا نقضت خياطته حتى انفصل بعضه عن بعض و رتقت الفتق رتقا أي سددته فارتتق و الأبواب الصامتة و المصمتة المغلقة منها و فتق صوامت الأبواب إما كناية عن إيجاد الأبواب فيها و خرقها بعد ما كانت رتقا لا باب فيها أو فتح الأبواب المخلوقة فيها حين إيجادها و هذه الأبواب هي التي منها عروج الملائكة و هبوطها و صعود أعمال العباد و أدعيتهم و أرواحهم كما قال تعالى لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ و التي تنزل منها الأمطار كما أشار إليه بقوله فَفَتَحْنا أَبْوابَ السَّماءِ بِماءٍ مُنْهَمِرٍ و أقام رصدا هو بالتحريك جمع راصد كخدم و خادم أو اسم جمع كما قيل و يكون مصدرا كالرصد بالفتح و الراصد القاعد على الطريق منتظرا لغيره للاستلاب أو المنع و المرصاد الطريق و المكان يرصد فيه العدو و أرصدت له أعددت و الثواقب التي تثقب الشياطين أو الهواء أو يثقب الجو بضوئها و النقاب بالكسر جمع نقب بالفتح و هو الثقب و الخرق و المراد إقامة الشهب الثواقب لطرد الشياطين عن استراق السمع كما أشار إليه سبحانه بقوله وَ أَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً و لا صراحة فيه بكون ذلك المنع مقارنا لإيجاد السماء حتى ينافي ما دل على حدوثها و يحتمل تخلل الرخصة بين المنعين أيضا. و أمسكها من أن تمور أي تموج و تضطرب و الخرق يكون بمعنى الثقب في الحائط و الشق في الثوب و غيره و هو في الأصل مصدر خرقته إذا قطعته و مزقته و يكون بمعنى القفر و الأرض الواسعة تنخرق فيها الرياح أي تهب و تشتد و الهواء يقال للجسم الذي هو أحد العناصر و يقال لكل خال هواء كما قال سبحانه وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ أي خالية من العقل أو الخير و المراد بالمور في خرق الهواء أما الحركة الطبيعية أو القسرية في الفواصل التي تحدث بحركتها في الجسم الذي هو أحد العناصر إذ لا دليل على انحصاره في الذي بين السماء و الأرض أو حركتها في المكان الخالي الموهوم أو الموجود طبعا أو قسرا أو حركة أجزائها فيما بين السماء و الأرض و الأيد بالفتح القوة و الظرف متعلق بالإمساك و الاستسلام الانقياد و يحتمل أن يكون الأمر كناية عن تعلق الإرادة كما مر. آية مبصرة الآية العلامة و المبصر المدرك بالبصر و فسرت المبصرة في قوله تعالى وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً بالبينة الواضحة و بالمضيئة التي يبصر بها و بالمبصرة للناس من أبصرته فبصر و بالمبصر أهله كقولهم أجبن الرجل إذا كان أهله جبناء و المحو إذهاب الأثر و طمس النور و فسر محو القمر بكونه مظلما في نفسه غير مضيء بذاته كالشمس و بنقصان نوره بالنظر إلى الشمس و بنقصان نوره شيئا فشيئا إلى المحاق. وَ رُوِيَ أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام عَنِ اللَّطْخَةِ الَّتِي فِي وَجْهِ الْقَمَرِ فَقَالَ ذَاكَ مَحْوُ آيَةِ اللَّيْلِ. و يمكن أن يكون لها مدخل في نقصان ضوء القمر من ليلها قيل من لابتداء الغاية أو لبيان الجنس و يتعلق بممحوة أو يجعل و قيل أراد من آيات ليلها. و المنقل في الأصل الطريق في الجبل و المدرج المسلك و درج أي مشى و الدرج بالتحريك الطريق و درجيهما في بعض النسخ على لفظ التثنية و في بعضها مفرد و مناقلهما و مدارجهما منازلهما و بروجهما و الظاهر أن التمييز و العلم غايتان لمجموع الأفعال السابقة فيكون إشارة إلى قوله تعالى وَ جَعَلْنَا اللَّيْلَ وَ النَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وَ جَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ و إلى قوله عز و جل هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسابَ و يحتمل أن يكون التمييز غاية للأول و العلم غاية للأخير أو الأخيرين فيكون نشرا على ترتيب اللف و ظاهر كلامه عليه السلام تفسير الآيتين المفردتين في الآية الأولى بالشمس و القمر لا بالليل و النهار و إن كان المراد بالآيتين أولا الليل و النهار و قيل المراد جعلناهما ذوي آيتين فتكون الشمس و القمر مقصودين بهما في الموضعين و المراد بالحساب حساب الأعمار و الآجال التي يحتاج إليه الناس في أمور دينهم و دنياهم و مقاديرهما مقادير سيرهما و تفاوت أحوالهما. ثم علق في جوها فلكها الظاهر أن كلمة ثم هنا للترتيب الذكري و لعل المعنى أنه أقر فلكها في مكانه من الجو بقدرته و لا ينافي نفي التعليق في نظم الأجزاء كما سبق و الجو الفضاء الواسع أو ما بين السماء و الأرض و الفلك بالتحريك مدار النجوم و قيل أراد بالفلك دائرة معدل النهار و قيل أراد به الجنس و هو أجسامها المستديرة التي يصدق عليها هذا الاسم و قيل الفلك هنا عبارة عن السماء الدنيا فيكون على وفق قوله سبحانه إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ و التوجيه مشترك و على المشهور من عدم كون جميعها في السماء الدنيا لعل الأظهر أن يراد بالفلك ما ارتكز فيه كوكب يتحرك بحركته و بالجو الفضاء الواسع الموهوم أو الموجود الذي هو مكان الفلك و وجه إضافته إليها واضح فإن الفلك من جملتها و كذا إضافة الفلك إليها و يحتمل حينئذ أن يراد بفلكها المحيط المحرك لجملتها و يمكن على طريقة الاستخدام أو بدونه أن يراد بضمير السماء الذي أحاط بجميع ما ارتكزت فيه الكواكب المدير لها فكون فلكها في جوها ظاهر أو يراد بالسماء الأفلاك الكلية و بالفلك الأفلاك الجزئية الواقعة في جوفها و في بعض النسخ علق في جوها فلكا بدون الضمير و هو يناسب كون الكواكب كلها في فلك واحد. و ناط أي علق و الدراري جمع دري و هو المضيء و كأنه نسب إلى الدر تشبيها به لصفائه و قال الفراء الكوكب الدري عند العرب هو العظيم المقدار و قيل هو أحد الكواكب السبعة السيارة و في النهاية الكواكب الخمسة السيارة و لا يخفى أن وصف الدراري بالخفيات ينافي القولين ظاهرا و استراق السمع الاستماع مختفيا بثواقب شهبها أي بشهبها الثاقبة تلميحا إلى قوله سبحانه إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ و قوله إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ و الأذلال جمع ذل بالكسر يقال أمور الله جارية أذلالها بالنصب و على أذلالها أي مجاريها و يقال دعه على أذلاله أي على حاله و ثبات الثوابت بالنسبة إلى سير السيارات و المراد بالهبوط إما مقابل الشرف كما هو مصطلح المنجمين أو التوجه إلى حضيض الحامل أو التدبير أو التوجه إلى الغروب فإنه الهبوط حسا و يقابله الصعود و النحوس ضد السعود ثم خلق الظاهر أن كلمة ثم هنا للترتيب الحقيقي و سيأتي بعض الأخبار الدالة على تقدم خلق الملائكة على السماوات و يمكن الجمع بالتخصيص هاهنا بسكان السماوات الذين لا يفارقونها و عمارة المنزل جعله آهلا ضد الخراب الذي لا أهل له و الصفيح السطح و وجه كل شيء عريض و الصفيح أيضا اسم من أسماء السماء و المراد هنا سطح كل سماء و يقابله الصفيح الأسفل و هو الأرض أو فوق السماء السابعة أو فوق الكرسي و الملكوت كرهبوت العز و السلطان و الفروج الأماكن الخالية و الفج الطريق الواسع بين الجبلين و حشوت الوسادة بالقطن جعلتها مملوة منه و الفتق الشق و الجو الفضاء الواسع و ما بين السماء و الأرض و هذا الكلام صريح في عدم تلاصق السماوات و في تجسم الملائكة و أن ما بين السماوات مملوة منهم و به تندفع شبهة لزوم الخلإ كما ستعرف و الفجوة الفرجة و الموضع المتسع بين الشيئين و زجل المسبحين صوتهم الرفيع العالي و الحظيرة في الأصل الموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الغنم و الإبل يقيها الحر و البرد و الريح و القدس بالضم و بضمتين الطهر اسم و مصدر و السترات بضمتين جمع سترة بالضم و هو ما يستتر به كالستارة و الحجاب ما احتجب به و السرادق الذي يمد فوق صحن البيت من الكرسف و المجد الشرف و العظمة و الرجيج الزلزلة و الاضطراب و منه رجيج البحر. تستك منه الأسماع أي تصم و فسروا السبحات بالنور و البهاء و الجلال و العظمة و قيل سبحات الوجه محاسنه لأنك إذا رأيت الوجه الحسن قلت سبحان الله و لعل المراد بها الأنوار التي تحجب بها الأبصار و يعبر عنها بالحجب و ردعه كمنعه كفه و رده و الخاسئ من الكلاب و غيرها المبعد لا يترك أن يدنو من الناس يقال خسأت الكلب أي طردته و أبعدته و الضمير في حدودها راجع إلى السحاب و قيل أي تقف الأبصار حيث تنتهي قوتها لأن قوتها متناهية فإذا بلغت حدودها وقفت. أولي أجنحة تسبح جلال عزته إشارة إلى قوله تعالى أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ و تسبح في أكثر النسخ بالتشديد من التسبيح و هو التنزيه و التقديس من النقائص و الجلال العظمة و العزة القوة و الشدة و الغلبة و الجملة صفة لأولي أجنحة و في بعض النسخ تسبح بالتخفيف من السباحة و خلال بالخاء المعجمة المكسورة و هو وسط الشيء أو جمع خلل بالتحريك و هو الفرجة بين الشيئين و في بعضها خلال بحار عزته و لعل المراد بسباحتهم سيرهم في أطباق السماوات و فوقها أو عروجهم و نزولهم لأداء الرسالات و غيرها أو سيرهم في مراتب القرب بالعبادة و التسبيح. لا ينتحلون انتحل الشيء و تنحله إذا ادعاه لنفسه و هو لغيره أي لا يدعون الربوبية لأنفسهم كما يدعيها البشر لهم و لأنفسهم فتكون هذه الفقرة لنفي ادعاء الاستبداد و الثانية لنفي ادعاء المشاركة أو الأولى لنفي ادعائهم الخالقية فيما لهم مدخل في وجوده بأمره تعالى و الثانية لنفي ذلك فيما خلقه الله سبحانه بمجرد أمره و إرادته مكرمون بالتخفيف من الإكرام و قرئ بالتشديد من التكريم و اللام في قوله بالقول عوض عن المضاف إليه أي لا يسبقون الله بقولهم بل هم تابع لقوله سبحانه كما أن علمهم تابع لأمره. جعلهم فيما هنالك لعله مخصوص ببعض الملائكة كما قال عز و جل اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا و يكفي للنسبة إلى الجميع كون بعضهم كذلك و ما هنالك عبارة عن مراتب الملائكة أو الأشغال و الأمور المفوضة إليهم أو عن أربابها و أصحابها و في قوله حملهم تضمين معنى البعث أو الإرسال و نحوه و عصمهم هذا يشمل جميعهم و الريب الشك أو التهمة و الزيغ العدول عن الحق و المرضاة ضد السخط و الإمداد الإعانة و التقوية و الفائدة ما استفدته من طريفة مال أو علم أو غيرهما و المعونة مفعلة بضم العين من استعان به فأعانه و قيل الميم أصلية مأخوذة من الماعون و لعل المعنى تأييدهم بأسباب الطاعات و القربات و المعارف و الألطاف الصارفة لهم عن المعاصي. و أشعر قلوبهم أي ألزمهم مأخوذ من الشعار و هو ما يلبس تحت الدثار و قيل من الشعور بمعنى الإدراك يقال أشعره الأمر و به أي أعلمه و التواضع التخاشع و التذلل و أخبت الرجل خضع لله و خشع قلبه و السكينة الطمأنينة و الوقار و
بحار الأنوار - ج ٥٤ - الصفحة ١٠٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
فَنَظَرَ إِلَيَّ الزَّرَّاقِيُّ وَ كَانَ حَاجِباً لِلْمُتَوَكِّلِ فَأَمَرَ أَنْ أُدْخَلَ إِلَيْهِ فَأُدْخِلْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا صَقْرُ مَا شَأْنُكَ فَقُلْتُ خَيْرٌ أَيُّهَا الْأُسْتَادُ فَقَالَ اقْعُدْ فَأَخَذَنِي مَا تَقَدَّمَ وَ مَا تَأَخَّرَ وَ قُلْتُ أَخْطَأْتُ فِي الْمَجِيءِ قَالَ فَوَحَى النَّاسَ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ لِي مَا شَأْنُكَ وَ فِيمَ جِئْتَ قُلْتُ لِخَبَرٍ مَّا فَقَالَ لَعَلَّكَ تَسْأَلُ عَنْ خَبَرِ مَوْلَاكَ فَقُلْتُ لَهُ وَ مَنْ مَوْلَايَ مَوْلَايَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ اسْكُتْ مَوْلَاكَ مَوْلَاكَ هُوَ الْحَقُّ فَلَا تَحْتَشِمْنِي فَإِنِّي عَلَى مَذْهَبِكَ فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ أَ تُحِبُّ أَنْ تَرَاهُ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ اجْلِسْ حَتَّى يَخْرُجَ صَاحِبُ الْبَرِيدِ مِنْ عِنْدِهِ قَالَ فَجَلَسْتُ فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لِغُلَامٍ لَهُ خُذْ بِيَدِ الصَّقْرِ وَ أَدْخِلْهُ إِلَى الْحُجْرَةِ الَّتِي فِيهَا الْعَلَوِيُّ الْمَحْبُوسُ وَ خَلِّ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ قَالَ فَأَدْخَلَنِي إِلَى الْحُجْرَةِ وَ أَوْمَأَ إِلَى بَيْتٍ فَدَخَلْتُ فَإِذَا هُوَ عليه السلام جَالِسٌ عَلَى صَدْرِ حَصِيرٍ وَ بِحِذَائِهِ قَبْرٌ مَحْفُورٌ قَالَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ ثُمَّ أَمَرَنِي بِالْجُلُوسِ ثُمَّ قَالَ لِي يَا صَقْرُ مَا أَتَى بِكَ قُلْتُ سَيِّدِي جِئْتُ أَتَعَرَّفُ خَبَرَكَ قَالَ ثُمَّ نَظَرْتُ إِلَى الْقَبْرِ فَبَكَيْتُ فَنَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ يَا صَقْرُ لَا عَلَيْكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْنَا بِسُوءٍ الْآنَ فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ ثُمَّ قُلْتُ يَا سَيِّدِي حَدِيثٌ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم لَا أَعْرِفُ مَعْنَاهُ قَالَ وَ مَا هُوَ فَقُلْتُ قَوْلُهُ لَا تُعَادُوا الْأَيَّامَ فَتُعَادِيَكُمْ مَا مَعْنَاهُ فَقَالَ نَعَمْ الْأَيَّامُ نَحْنُ مَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَ الْأَرْضُ فَالسَّبْتُ اسْمُ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ الْأَحَدُ كِنَايَةٌ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ الْإِثْنَيْنِ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ الثَّلَاثَاءُ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَ الْأَرْبِعَاءُ مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ وَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وَ أَنَا وَ الْخَمِيسُ ابْنِيَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَ الْجُمُعَةُ ابْنُ ابْنِي وَ إِلَيْهِ تَجْتَمِعُ عِصَابَةُ الْحَقِّ وَ هُوَ الَّذِي يَمْلَؤُهَا قِسْطاً وَ عَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْماً وَ جَوْراً فَهَذَا مَعْنَى الْأَيَّامِ فَلَا تُعَادُوهُمْ فِي الدُّنْيَا فَيُعَادُوكُمْ فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ قَالَ عليه السلام وَدِّعْ وَ اخْرُجْ فَلَا آمَنُ عَلَيْكَ. قال الصدوق ره الأيام ليست بأئمة و لكن كني بها عن الأئمة لئلا يدرك معناه غير أهل الحق كما كنى الله عز و جل بالتين و الزيتون و طور سينين و هذا البلد الأمين عن النبي و علي و الحسن و الحسين و كما كنى عز و جل بالنعاج عن النساء على قول من روى ذلك في قصة داود و الخصمين و كما كنى بالسير في الأرض عن النظر في القرآن سُئِلَ الصَّادِقُ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ قَالَ مَعْنَاهُ أَ وَ لَمْ يَنْظُرُوا فِي الْقُرْآنِ. و كما كنى عز و جل بالسر عن النكاح في قوله عز و جل وَ لكِنْ لا تُواعِدُوهُنَّ سِرًّا و كما كنى عز و جل بأكل الطعام عن التغوط فقال في عيسى و أمه كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ و معناه أنهما كانا يتغوطان و كما كنى بالنحل عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قوله وَ أَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ و مثل هذا كثير. بيان فأخذني ما تقدم أي بالسؤال عما تقدم و عما تأخر أي عن الأمور المختلفة لاستعلام حالي و سبب مجيئي لذا ندم على الذهاب إليه لئلا يطلع على حاله و مذهبه أو الموصول فاعل أخذني بتقدير أي أخذني التفكر فيما تقدم من الأمور من ظنه التشيع بي و فيما تأخر مما يترتب على مجيئي من المفاسد فوحى الناس أي أشار إليهم أن يبعدوا عنه أو على بناء التفعيل أي عجلهم في الذهاب عنه أو هو على بناء المجرد و الناس فاعل أي أسرعوا في الذهاب قال في المصباح الوحي الإشارة و الوحى السرعة يمد و يقصر و موت وحي مثل سريع وزنا و معنى يقال وحيت الذبيحة أحيها من باب وعد ذبحتها ذبحا وحيا و وحى الدواء للموت توحية عجله و أوحاه بالألف مثله انتهى و صاحب البريد الرسول المستعجل إذ البريد يطلق على الرسول و على دابته و يحتمل أن يراد به هنا رئيس هذه الطائفة في القاموس البريد المرتب و الرسل على دواب البريد و في الصحاح البريد المرتب يقال حمل فلان على البريد و صاحب البريد قد أبرد إلى الأمير فهو مبرد و الرسول بريد و في النهاية البريد كلمة فارسية يراد بها في الأصل البغل و أصلها بريدة دم أي محذوف الذنب لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها فأعربت و خففت ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدا و المسافة التي بين السكتين بريدا انتهى. لا عليك أي لا حزن عليك و الكناية عن العسكري عليه السلام بالخميس إما لكون إمامته أو ولادته في يوم الخميس و إن كان ضبط بعضهم مخالفا لذلك إذ الأكثر لم يعينوا خصوص اليوم أو لأن سني إمامته خمس سنين إذ السنة السادسة لم تكمل أو لأنه عليه السلام خامس من سمي أو كني بالحسن أو لأنه متصل بالقائم عليه السلام المكنى عنه بالجمعة أو لعلة أخرى لا نعرفها و لعل هذه من بطون الخبر فإن لأخبارهم عليه السلام ظهرا و بطنا كالقرآن و يكون ظاهره أيضا مرادا بأن يكون المعنى أن التشؤم و التطير بها يوجب تأثيرها و هذا معنى معاداتها لهم فأما المتوكلون معاداتهم (خ). على الله المتوسلون بولاء أهل البيت عليهم السلام فلا تضرهم نحوسة الأيام و الساعات كما سيأتي في رواية الشيخ في مجالسه.
بحار الأنوار - ج ٥٦ - الصفحة ٢٠. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
3] إلى الآخر يقتضي أن تكون الفاصلة أقل من شهر مع أن الأول كان في أواخر رجب و الثاني في أواخر شهر رمضان و الثالث في أواخر شهر ذي الحجة. و يمكن الجواب عنه بوجهين الأول ما ذكره بعض الأفاضل و هو أن يقال من السنة التاسعة عشر من مبعثه صلى الله عليه وآله وسلم التي وقع فيها قتل پرويز من ملوك العجم إلى آخر زمانه صلى الله عليه وآله وسلم اتفق جلوس ثلاثة من ملوك العجم هم شيرويه و أردشير و توران دخت و كان الأولان قبل فتح مكة و الأخير بعده فيمكن إسقاط كل منهم برهة مما مضى من السنة عند جلوسه كما هو عادتهم المستمرة فكان ذلك منشأ لهذا الاختلاف فهذا أيضا دليل بل دلائل أخرى مستنبطة من الروايتين المذكورتين على بطلان كون المراد بالنيروز المعتبر شرعا هو الاعتدال الربيعي فإنه على ذلك لا يمكن توجيه التواريخ المذكورة فيهما أصلا و كذا حال سائر ما مر من تفاسيره سوى أول فروردين فتعين أن المراد به أول فروردين كما هو المطلوب انتهى. الثاني ما خطر ببالي و هو أنه لم يصرح في الحديث بالمبعث بل قال هبط فيه جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم و لا تلازم بينهما إذ المبعث هو أمر الرسول بتبليغ الرسالة إلى القوم و يمكن أن يكون نزول جبرئيل عليه صلى الله عليه وآله وسلم قبل ذلك بسنين كما يومئ إليه بعض الأخبار أيضا. و أما كون كسر الأصنام في فتح مكة فلا يظهر من هذا الخبر و لا من أكثر الأخبار الواردة فيه بل صريح بعض الأخبار و ظاهر بعضها كون ذلك قبل الهجرة فيمكن الجمع بينهما بالقول بتعدد وقوع ذلك و يكون أحدهما موافقا للنيروز كَمَا رُوِيَ مِنْ كَشْفِ الْغُمَّةِ مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ: انْطَلَقْتُ أَنَا وَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم حَتَّى أَتَيْنَا الْكَعْبَةَ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم اجْلِسْ وَ اصْعَدْ عَلَى مَنْكِبَيَّ فَنَهَضْتُ بِهِ فَرَأَى بِي ضَعْفاً وَ جَلَسَ لِي نَبِيُّ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ قَالَ لِي اصْعَدْ عَلَى مَنْكِبَيَّ فَصَعِدْتُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ قَالَ فَنَهَضَ بِي قَالَ فَإِنَّهُ يَخْتَلُّ إِلَيَّ أَنِّي لَوْ شِئْتُ لَنِلْتُ أُفُقَ السَّمَاءِ حَتَّى صَعِدْتُ عَلَى الْبَيْتِ وَ عَلَيْهِ تِمْثَالُ صُفْرٍ أَوْ نُحَاسٍ فَجَعَلْتُ أُزَاوِلُهُ عَنْ يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ وَ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم اقْذِفْ بِهِ فَقَذَفْتُ بِهِ فَتَكَسَّرَ كَمَا تَكَسَّرُ الْقَوَارِيرُ ثُمَّ نَزَلْتُ وَ انْطَلَقْتُ أَنَا وَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم نَسْتَبِقُ حَتَّى تَوَارَيْنَا بِالْبُيُوتِ خَشْيَةَ أَنْ يَلْقَانَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ. و الأخبار بهذا المضمون كثيرة و قد تقدمت و كلها دالة على أن ذلك كان قبل الهجرة و إلا لم يكن لخوفهما و إخفائهما من القوم معنى فارتفع التنافي على أي تفسير كان لعدم معلومية تاريخ نزول جبرئيل (عليه السلام) و لا كسر الأصنام. فإن قيل قد صرح في الخبر بأنه اليوم الذي حمل فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلخ فحمله على ما وقع في الليل بعيد. قلنا حمل اليوم على ما يشمل الليل شائع و سراية فضل الليلة و بركاتها إلى اليوم كثيرة كمواليد النبي صلى الله عليه وآله وسلم و الأئمة عليهم السلام و غير ذلك. فإن قيل تاريخ فتح نهروان و قتل ذي الثدية أيضا مضبوط في مناقب ابن شهرآشوب بتاسع شهر صفر سنة تسع و ثلاثين و لا يوافق أول فروردينهم لكونه في السنة المزبورة قبله في أواسط المحرم أو بعده في أواسط شوال على اختلاف الاعتبارين كما مر و لا أول الربيع لكونه فيها بعده في أواخر شوال و لا يجري فيه شيء من التوجيهين. قلنا سنة الفتح المذكور مضبوطة عند جمهور المؤرخين بما ذكر أو بثمان و ثلاثين و أما شهره و يومه فهم ساكتون عنهما فلا اعتماد في مثل ذلك على نقل واحد منهم. الفائدة الرابعة قال أبو ريحان في الكتاب المذكور قال بعض الحشوية إن سليمان بن داود عليه السلام لما افتقد خاتمه و ذهب عنه ملكه ثم رد إليه بعد أربعين يوما عاد إليه بهاؤه و أتته الملوك و عكفت عليه الطيور فقالت الفرس نوروز آمد أي جاء اليوم الجديد فسمي النوروز و أمر سليمان الريح فحملته و استقبله الخطاف فقال أيها الملك إن لي عشا فيه بيضات فاعدل فعدل و لما نزل حمل الخطاف في منقاره ماء فرشه بين يديه و أهدى له رجل جرادة فذلك سبب رش الماء و الهدايا في النيروز و قالت علماء العجم هو يوم مختار لأنه سمي بهرمز و هو اسم الله عز و جل الخالق الصانع المربي للدنيا و أهلها الذي لا يقدر الواصفون على وصف جزء من أجزاء نعمه و إحسانه و قال سعيد بن الفضل جبل دماوند و هو بفارس ترى عليه كل ليلة نوروز بروق تسطع و تلمع على صحو الهواء و تغيمه على كل حال من الزمان و أعجب من هذا نيران كلواذا و إن كان القلب لا يطمئن إليها دون مشاهدتها فقد أخبرني أبو الفرج الزنجاني الحاسب أنه شاهد ذلك مع جماعة قصدوا كلواذا سنة دخول عضد الدولة بغداد و إذا بها نيران و شموع لا تحصى كثرة تظهر في الجانب الغربي من دجلة بإزاء كلواذا في الليلة التي يكون في صبيحتها النوروز فإن السلطان وضع هناك رصدة يتجسسون الحقيقة كيلا يكون ذلك من المجوس أمرا مموها فلم يقفوا إلا أنها كلما قربوا منها تباعدت و كلما تباعدوا منها قربت فقلت لأبي الفرج إن يوم النيروز زائل عن مكانه لإهمال الفرس كبيستهم فلم لم يتأخر عنه هذا الأمر و إن لم يجب تأخره فهل كان يتقدم وقت استعمال الكبيسة فلم يكن عنده جواب مقنع. و قال أصحاب النيرنجات من لعق يوم النيروز قبل الكلام إذا أصبح ثلاث لعقات عسل و بخر بثلاث قطاع من شمع كان ذلك شفاء من الأدواء و كان النيروز فيه جرى الرسم بتهادي الناس بينهم السكر و السبب فيه كما حكي مؤبد بغداد أن قصب السكر إنما ظهر في مملكة جم يوم النيروز و لم يكن يعرف قبل ذلك الوقت و هو أنه رأى قصبة كثيرة الماء قد مجت شيئا من عصارتها فذاقها فوجد فيها حلاوة لذيذة فأمر باستخراج مائها و عمل منه السكر فارتفع في اليوم الخامس و تهادوه تبركا به و كذلك استعمل في المهرجان و إنما خصوا وقت الانقلاب الصيفي بالابتداء في السنة لأن الانقلابين أولى أن يوقف عليهما بالآلات و العيان من الاعتدالين و ذلك أن الانقلابين هما أوائل إقبال الشمس إلى أحد قطبي الكل و إدبارها عنه بعينه و إذا رصد الظل المنتصب في الانقلاب الصيفي و الظل البسيط في الانقلاب الشتوي في أي موضع اتفق من الأرض لم يخف على الراصد يوم الانقلاب و لو كان من علم الهندسة و الهيئة بأبعد البعد فأما الاعتدالان فإنه لا يوقف على يومهما إلا بعد تقدم المعرفة بعرض البلد و الميل الكلي ثم لا يكون ذلك ظاهرا إلا لمن تأمل الهيئة و مهر في علمها و عرف آلات الرصد و نصبها و العمل بها فكان الانقلابان لهذه الأسباب أولى بالابتداء من الاعتدالين و كان الصيفي منهما أقرب إلى سمت الرءوس الشمالية فآثروه على الشتوي. و أيضا فلأنه هو وقت إدراك الغلات فهو أصوب لافتتاح الخراج فيه من غيره و كثير من العلماء و الحكماء اليونانيين أقاموا الطالع لوقت طلوع كلب الجبار و استفتحوا به السنة دون الاعتدال الربيعي من أجل أن طلوعه فيما مضى كان موافقا لهذا الانقلاب أو بالقرب منه و قد زال هذا اليوم أعني النيروز عن وقته حتى صار في زماننا يوافق دخول الشمس برج الحمل و هو أول الربيع فجرى الرسم لملوك خراسان فيه أن يخلعوا على أساورتهم أي قواد جيوشهم الخلع الربيعية و الصيفية و اليوم السادس منه و هو روز خرداد منه النوروز الكبير و عند الفرس عيد عظيم الشأن. قيل إن فيه فرغ الله عن خلق الخلائق لأنه آخر الأيام الستة المذكورة و فيه خلق المشتري و أسعد ساعاته ساعات المشتري و قال أصحاب النيرنجات من ذاق صبيحة هذا اليوم قبل الكلام السكر و تدهن بالزيت دفع عنه في عامة سنته أنواع البلايا و قالوا أمر جمشيد الناس أن يغتسلوا يوم النيروز بالماء ليتطهروا من الذنوب و يفعلوا ذلك كل سنة ليدفع الله عنهم آفات السنة و زعم بعض الناس أن جم كان أمر بحفر أنهار و أن الماء جرى فيها في هذا اليوم فاستبشر الناس بالخصب و اغتسلوا بذلك الماء المرسل فتبرك الخلف بمحاكاة السلف و قيل بل السبب في الاغتسال هو أن هذا اليوم لهروزا و هو ملك الماء و الماء يناسبه فلذلك صار الناس يقومون في هذا اليوم عند طلوع الفجر فيعمدون إلى ماء القنا و الحياض و ربما استقبلوا المياه الجارية فيفيضون على أنفسهم منها تبركا و دفعا للآفات و فيه يرش الناس الماء بعضهم على بعض و سببه هو سبب الاغتسال و لما كان بعد جم جعلت الملوك هذا الشهر أعنى فروردين ماه كله أعيادا مقسومة في أسداسه فالخمسة الأولى للملوك و الثانية للأشراف و الثالثة لخدام الملوك و الرابعة لحواشيه و الخامسة للعامة و السادسة للرعاة إلى آخر ما قال. و أقول إنما أوردت هذا الهذيانات لتطلع على بعض خرافاتهم و لأن فيها تأييدا لبعض ما أسلفنا في الفوائد السابقة و وجدت في بعض الكتب المعتبرة اعلم أن جمشيد ملك الدنيا و عمر أقاليم إيران فاستوت له أسبابه و استقامت له أموره يوم النيروز أول فروردين القديم فصار أول سنة العجم و هو يوم ولد فيه كيومرث بن هبة الله بن آدم عليه السلام و أما النيروز السلطاني يوم نزول الشمس أول دقيقة من برج الحمل فوضع في عهد السلطان جلال الدين ملك شاه بن آلبأرسلان و اتفق يوم الخميس التاسع من شهر رمضان سنة إحدى و سبعين و أربعمائة و المهرجان هو يوم النصف من مهر ماه قصد أفريدون الضحاك و أسره بأرض المغرب و سجنه بجبل دماوند هذا اليوم فقال أفريدون لأصحابه أين كار كه من كردم مهرجان بان هست فسمي لذلك مهرجان و أول من وضع رسم التهنئة في النيروز و المهرجان أفريدون انتهى. و أقول روى المنجمون و الأحكاميون في كتبهم عن أمير المؤمنين عليه السلام أياما منحوسة في الشهر و حملوه على شهور الفرس القديم و هي الثالث و الخامس و الثالث عشر و السادس عشر و الحادي و العشرون و الرابع و العشرون و الخامس و العشرون و جمعوها في هذين البيتين بالفارسية. هفت روزى نحس باشد در مهى* * * زان حذر كن تا نيابى هيچ رنج سه و پنج سيزده با شانزده* * * بيست و يك با بيست و چار و بيست و پنج. و ربما يحمل على الشهور العربية كما مر و رووا أيضا عن الصادق عليه السلام نحوسة بعض أيام شهور الفرس القديمة كما نظمه سلطان المحققين نصير الملة و الدين الطوسي (قدس الله سره) القدوسي في هذه الأبيات بالفارسية. ز قول جعفر صادق خلاصه سادات* * * ز ماه فارسيان هفت روز مذمومست نخست روز سيم باز پنجم و پس از آن* * * چه روز سيزدهم روز شانزده شومست ديگر ز عشر سيم بيست و يك چه بيست و چهار* * * چه بيست و پنج كه آنهم بنحس مرقومست بجز عبادت كارى مكن در اين ايام* * * اگر چه نيك و بدت هم ز رزق مقسومست بماند بيست و سه روز اى خجسته مختار* * * كه در عموم حوائج بخير موسومست ولى چهار و هشتم سفر مكن زنهار* * * كه خوف هلك در اين هر دو نص محتومست بروز پانزدهم پيش پادشاه مرو* * * اگر چه سنگ دلش بر تو نيز چون مومست گريز نيز در اين روز ناپسند آمد* * * كه ره مخوف و هواى خلاص مسمومست مكن دوازدهم با كسى مناظره اى* * * كه در خصومت اين روز صلح معدومست ز روزهاى گزيده همين چهار آنگه* * * در اين حوائج در سلك نحس منظومست. - و رَوَوْا أَيْضاً عَنْ مُوسَى كَلِيمِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّ لِلشُّهُورِ الرُّومِيَّةِ أَيَّاماً مَنْحُوسَةً مَنْ تَوَجَّهَ فِيهَا إِلَى الْقِتَالِ قُتِلَ وَ مَنْ سَافَرَ فِيهَا لَمْ يَظْفَرْ بِمَقْصُودِهِ وَ مَنْ تَزَوَّجَ لَمْ يَتَمَتَّعْ وَ هِيَ أَرْبَعَةٌ وَ عِشْرُونَ يَوْماً فِي كُلِّ شَهْرِ يَوْمَانِ وَ هِيَ الْعَاشِرُ وَ الْعِشْرُونَ مِنْ تِشْرِينِ الْأَوَّلِ وَ الْأَوَّلُ وَ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ تِشْرِينِ الْآخِرِ وَ الْخَامِسَ عَشَرَ وَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ كَانُونِ الْأَوَّلِ وَ السَّابِعُ وَ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ كَانُونِ الْآخِرِ وَ السَّادِسَ عَشَرَ وَ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شُبَاطَ وَ الرَّابِعُ وَ الْيَوْمُ الْعِشْرُونَ مِنْ آزَارَ وَ الْعِشْرُونَ وَ الثَّالِثُ مِنْ نَيْسَانَ وَ السَّادِسُ وَ الثَّامِنُ مِنْ أَيَّارَ وَ الثَّالِثُ وَ الثَّامِنُ مِنْ حَزِيرَانَ وَ الْعِشْرُونَ وَ السَّادِسُ مِنْ تَمُّوزَ وَ الرَّابِعُ وَ الْخَامِسَ عَشَرَ مِنْ آبَ وَ الْأَوَّلُ وَ الثَّالِثُ مِنْ أَيْلُولَ وَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ التَّاسِعُ وَ الْعَاشِرُ مِنْ تِشْرِينِ الْأَوَّلِ وَ التَّاسِعُ وَ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ كَانُونِ الْأَوَّلِ وَ الثَّانِي وَ الرَّابِعَ عَشَرَ مِنْ كَانُونِ الْآخِرِ وَ الثَّانِي عَشَرَ وَ السَّادِسَ عَشَرَ مِنْ شُبَاطَ وَ الثَّالِثُ وَ الْعَاشِرُ مِنْ حَزِيرَانَ وَ فِي بَعْضِهَا وَ الرَّابِعُ وَ الْحَادِي عَشَرَ مِنْ آبَ. 8- الْمَكَارِمُ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام قَالَ: لَا تَدَعِ الْحِجَامَةَ فِي سَبْعٍ مِنْ حَزِيرَانَ فَإِنْ فَاتَكَ فَأَرْبَعَ عَشَرَةَ. الآيات البقرة وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً إلى آخر الآيات و قال تعالى قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ و قال تعالى تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ آل عمران شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَ الْمَلائِكَةُ وَ أُولُوا الْعِلْمِ و قال سبحانه فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ و قال عز و جل وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ الآية و قال عز و جل إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ الآية الأنعام وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ و قال سبحانه وَ هُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذا جاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ و قال تعالى وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَ كُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ و قال تعالى هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ الأنفال أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ إلى قوله تعالى إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا الرعد لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ و قال تعالى وَ يُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَ الْمَلائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ الحجر ما نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَ ما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ و قال سبحانه وَ نَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقالُوا سَلاماً إلى آخر القصة الإسراء قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا مريم فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا الحج اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَ مِنَ النَّاسِ الفرقان يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ إلى قوله تعالى وَ يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَ نُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا الأحزاب فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها سبأ وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ قالُوا سُبْحانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ فاطر جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الصافات وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً و قال تعالى فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ إلى قوله سبحانه وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ الزمر وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ السجدة إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَ لا تَحْزَنُوا وَ أَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ و قال سبحانه فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ حمعسق وَ الْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ الزخرف وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً إِنَّ الْإِنْسانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَ أَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ إلى قوله وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَ يُسْئَلُونَ و قال وَ لَوْ نَشاءُ لَجَعَلْنا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ الذاريات فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً الحاقة وَ الْمَلَكُ عَلى أَرْجائِها المعارج تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَ الرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ المدثر عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا المرسلات وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً وَ النَّاشِراتِ نَشْراً فَالْفارِقاتِ فَرْقاً فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً عُذْراً أَوْ نُذْراً النبأ يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمنُ وَ قالَ صَواباً النازعات وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً وَ النَّاشِطاتِ نَشْطاً وَ السَّابِحاتِ سَبْحاً فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً عبس بِأَيْدِي سَفَرَةٍ كِرامٍ بَرَرَةٍ قُتِلَ الْإِنْسانُ تفسير وَ إِذْ قالَ رَبُّكَ قد مر تفسيرها في المجلد الخامس و تدل الآيات على كثير من أحوال الملائكة قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ قال الطوسي رحمه الله رُوِيَ أَنَّ ابْنَ صُورِيَا وَ جَمَاعَةً مِنْ يَهُودِ فَدَكَ أَتَوُا النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَسَأَلُوهُ عَنْ مَسَائِلَ فَأَجَابَهُمْ فَقَالَ لَهُ ابْنُ صُورِيَا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ إِنْ قُلْتَهَا آمَنْتُ بِكَ وَ اتَّبَعْتُكَ أَيُّ مَلَكٍ يَأْتِيكَ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ قَالَ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ قَالَ ذَلِكَ عَدُوُّنَا وَ يَنْزِلُ بِالْقِتَالِ وَ الشِّدَّةِ وَ الْحَرْبِ وَ مِيكَائِيلُ يَنْزِلُ بِالْيُسْرِ وَ الرَّخَاءِ فَلَوْ كَانَ مِيكَائِيلُ هُوَ الَّذِي يَأْتِيكَ لَآمَنَّا بِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ. لا من تلقاء نفسه و إنما أضافه إلى قلبه لأنه إذا أنزل عليه كان يحفظه و يفهمه بقلبه و معنى قوله بإذن الله بأمر الله و قيل أراد بعلمه أو بإعلام الله إياه ما ينزله على قلبك مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ أي من الكتب موافقا لها وَ هُدىً وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ معناه كان فيما أنزله من الأمر بالحرب و الشدة على الكافرين فإنه هدى و بشرى للمؤمنين مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ معناه من كان معاديا لله أي يفعل فعل المعادي من المخالفة و العصيان و قيل المراد معاداة أوليائه وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ أعاد ذكرهما لفضلهما و لأن اليهود خصوهما بالذكر فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ إنما لم يقل لهم لأنه قد يجوز أن ينتقلوا عن العداوة بالإيمان انتهى. و أقول الظاهر أن التعبير بالكافرين عنهم لبيان أن هذا أيضا من موجبات كفرهم و تدل الآية على أنه تجب محبة الملائكة و أن عداوتهم كفر. وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ قال الطبرسي رحمه الله أي نشاهده فنصدقه وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً على ما اقترحوه لما آمنوا به فاقتضت الحكمة استئصالهم و ذلك معنى قوله لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ و قيل معناه لو أنزلنا ملكا في صورته لقامت الساعة أو وجب استئصالهم وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً أي الرسول و الذي ينزل عليه ليشهد بالرسالة كما يطلبون ذلك لَجَعَلْناهُ رَجُلًا لأنهم لا يستطيعون أن يروا الملك في صورته لأن أعين الخلق تحار عن رؤية الملائكة إلا بعد التجسم بالأجسام الكثيفة و لذلك كانت الملائكة تأتي الأنبياء في صورة الإنس و كان جبرئيل عليه السلام يأتي النبي صلى الله عليه وآله وسلم في صورة دحية الكلبي و كذلك نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرابَ و إتيانهم إبراهيم و لوطا في صورة الضيفان من الآدميين وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ قال الزجاج كانوا هم يلبسون على ضعفتهم في أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيقولون إنما هذا بشر مثلكم فقال لو أنزلنا ملكا فرأوهم الملك رجلا لكان يلحقهم فيه من اللبس مثل ما لحق ضعفتهم منهم و قيل لو أنزلنا ملكا لما عرفوه إلا بالتفكر و هم لا يتفكرون فيبقون في اللبس الذي كانوا فيه و أضاف اللبس إلى نفسه لأنه يقع عند إنزاله الملائكة. و قال رحمه الله في قوله تعالى وَ يُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً أي ملائكة يحفظون أعمالكم و يحصونها عليكم و يكتبونها و في هذا لطف للعباد لينزجروا عن المعاصي إذا علموا أن عليهم حفظة من عند الله يشهدون بها عليهم يوم القيامة تَوَفَّتْهُ أي تقبض روحه رُسُلُنا أي أعوان ملك الموت عن ابن عباس و غيره قالوا و إنما يقبضون بأمره و لذا أضاف التوفي إليه في قوله قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ وَ هُمْ لا يُفَرِّطُونَ أي لا يضيعون أو لا يغفلون و لا يتوانون أو لا يعجزون. و قال البيضاوي في قوله سبحانه وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ حذف مفعوله لدلالة الظرف عليه أي و لو ترى الظالمين فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ أي في شدائده من غمره الماء إذا غشيه وَ الْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ بقبض أرواحهم كالمتقاضي الملظ أو بالعذاب أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ أي يقولون لهم أخرجوها إلينا من أجسادكم تغليظا و تعنيفا عليهم أو أخرجوها من العذاب و خلصوها من أيدينا الْيَوْمَ يريد به وقت الإماتة أو الوقت الممتد من الإماتة إلى ما لا نهاية له تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ أي الهوان يريد العذاب المتضمن لشدة و إهانة انتهى. لَهُ مُعَقِّباتٌ قال الطبرسي رحمه الله اختلف في الضمير الذي في له على وجوه أحدها أنه يعود إلى من في قوله مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَ مَنْ جَهَرَ بِهِ و الآخر أنه يعود إلى اسم الله تعالى و هو عالم الغيب و الشهادة. و ثالثها أنه يعود إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ و اختلف في المعقبات على أقوال أحدها أنها الملائكة يتعاقبون تعقب ملائكة الليل ملائكة النهار و ملائكة النهار ملائكة الليل و هم الحفظة يحفظون على العبد عمله و قال الحسن هم أربعة أملاك يجتمعون عند صلاة الفجر و هو معنى قوله إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً و قد روي ذلك أيضا عن أئمتنا ع. و الثاني أنهم ملائكة يحفظونه من المهالك حتى ينتهوا به إلى المقادير فيحولون بينه و بين المقادير عن علي عليه السلام و قيل هم عشرة أملاك على كل آدمي يحفظونه من بين يديه و من خلفه يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ أي يطوفون به كما يطوف الملك الموكل بالحفظ و قيل يحفظون ما تقدم من عمله و ما تأخر إلى أن يموت فيكتبونه و قيل يحفظونه من وجوه المهالك و المعاطب و من الجن و الإنس و الهوام و قال ابن عباس يحفظونه مما لم يقدر نزوله فإذا جاء المقدر بطل الحفظ و قيل من أمر الله أي بأمر الله و قيل يحفظونه عن خلق الله فتكون من بمعنى عن قال كعب لو لا أن الله وكل بكم ملائكته يذبون عنكم في مطعمكم و مشربكم و عوراتكم ليخطفنكم الجن انتهى. و قال الرازي في تفسيره رُوِيَ أَنَّهُ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنِ الْعَبْدِ كَمْ مَعَهُ مِنْ مَلَكٍ فَقَالَ عليه السلام مَلَكٌ عَنْ يَمِينِكَ لِلْحَسَنَاتِ هُوَ أَمِينٌ عَلَى الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ فَإِذَا عَمِلْتَ حَسَنَةً كَتَبَ عَشْراً وَ إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً قَالَ الَّذِي عَلَى الشِّمَالِ لِصَاحِبِ الْيَمِينِ أَكْتُبُ-؟ قَالَ لَا لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَإِذَا قَالَ ثَلَاثاً قَالَ نَعَمْ اكْتُبْ أَرَاحَنَا اللَّهُ مِنْهُ فَبِئْسَ الْقَرِينُ مَا أَقَلَّ مُرَاقَبَتَهُ لِلَّهِ وَ اسْتِحْيَاءَهُ مِنَّا فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى لَهُ مُعَقِّباتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ وَ مَلَكٌ قَابِضٌ عَلَى نَاصِيَتِكَ فَإِذَا تَوَاضَعْتَ لِرَبِّكَ رَفَعَكَ وَ إِنْ تَجَبَّرْتَ قَصَمَكَ وَ مَلَكَانِ عَلَى شَفَتَيْكَ يَحْفَظَانِ عَلَيْكَ الصَّلَاةَ وَ مَلَكٌ عَلَى فِيكَ لَا يَدَعُ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَّةُ فِي فِيكَ وَ مَلَكٌ عَلَى عَيْنَيْكَ فَهَؤُلَاءِ عَشَرَةُ أَمْلَاكٍ عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ فَهُمْ عِشْرُونَ مَلَكاً عَلَى كُلِّ آدَمِيٍّ. ثم قال فإن قيل ما الفائدة في جعل هؤلاء الملائكة موكلين علينا قلنا اعلم أن هذا الكلام غير مستبعد و ذلك لأن المنجمين اتفقوا على أن التدبير في كل يوم لكوكب على حدة و كذا القول في كل ليلة و لا شك أن تلك الكواكب لها أرواح عندهم فتلك التدبيرات المختلفة في الحقيقة لتلك الأرواح و أما أصحاب الطلسمات فهذا الكلام مشهور في ألسنتهم و لذلك فإنهم يقولون أخبرني طبائع التام و مرادهم بالطبائع التام أن لكل إنسان روحا فلكية تتولى إصلاح مهماته و رفع بلياته و آفاته و إذا كان هذا متفقا عليه بين قدماء الفلاسفة و أصحاب الأحكام فكيف يستبعد مجيئه من الشرع و تمام التحقيق فيه أن الأرواح البشرية مختلفة في جواهرها و طبائعها فبعضها خيرة و بعضها شريرة و بعضها قوية القهر و السلطان و بعضها سخفة و كما أن الأمر في الأرواح البشرية كذلك الأمر في الأرواح الفلكية لكنه لا شك أن الأرواح الفلكية في كل باب و صفة أقوى من الأرواح البشرية فكل طائفة من الأرواح تكون مشاركة في طبيعة خاصة و صفة مخصوصة فإنها تكون في مرتبة روح من الأرواح الفلكية مشاكلة لها في الطبيعة و الخاصية و تكون تلك الأرواح البشرية كأنها أولاد لذلك الروح الفلكي و متى كان الأمر كذلك فإن ذلك الروح الفلكي يكون معينا لها على مهماتها و مرشدا لها إلى مصالحها و عاصما لها من صنوف الآفات فهذا كلام ذكره محققو الفلاسفة و إذا كان الأمر كذلك علمنا أن الذي وردت به الشريعة أمر معقول مقبول عند الكل فكيف يمكن استنكاره من الشريعة. فإن قيل ما الفائدة في اختصاص هؤلاء الملائكة مع بني آدم و تسليطهم عليهم قلنا فيه وجوه الأول أن الشياطين يدعون إلى الشرور و المعاصي و هؤلاء الملائكة يدعون إلى الخيرات و الطاعات. الثاني قال مجاهد ما من عبد إلا و معه ملك موكل يحفظه من الجن و الإنس و الهوام في نومه و يقظته. الثالث أنا نرى أن الإنسان قد يقع في قلبه داع قوى من غير سبب ثم يظهر بالأخرة أن وقوع تلك الداعية في قلبه كان سببا من أسباب مصلحته و خيراته و قد ينكشف أيضا بالأخرة أنه كان سببا لوقوعه في آفة أو معصية و مفسدة فظهر أن الداعي إلى الأمر الأول كان مريدا للخير و الراحة و إلى الأمر الثاني كان مريدا للفساد و المحنة و الأول هو الملك الهادي و الثاني هو الشيطان المغوي. الرابع أن الإنسان إذا علم أن الملائكة تحصي عليه أعماله كان إلى الحذر من المعاصي أقرب لأن من آمن يعتقد جلالة الملائكة و علو مراتبهم فإذا حاول الإقدام على معصية و اعتقد أنهم يشاهدونها زجرة الحياء منهم عن الإقدام عليها كما يزجره إذا حضر من يعظمه من البشر و إذا علم أن الملائكة يكتبونها كان الردع أكمل. فإن قيل ما الفائدة في كتب أعمال العباد قلنا هاهنا مقامان. المقام الأول أن تفسير الكتبة بالمعنى المشهور من الكتب قال المتكلمون الفائدة في تلك الصحف وزنها فإن رجحت كفة الطاعات ظهر للخلائق أنه من أهل الجنة و بالضد قال القاضي هذا يبعد لأن الأدلة قد دلت على أن كل أحد قبل مماته عند المعاينة يعلم أنه من السعداء أو من الأشقياء فلا يجوز توقيف حصول تلك المعرفة على الميزان ثم أجاب و قال لا يمتنع ما رويناه لأمر يرجع إلى حصول سروره عند الخلق العظيم أنه من أولياء الله في الجنة و بالضد من ذلك في أعداء الله. و المقام الثاني و هو قول حكماء الإسلام إن الكتبة عبارة عن نقوش مخصوصة وضعت بالاصطلاح لتعريف بعض المعاني المخصوصة فلو قدرنا تلك النقوش دالة على تلك المعاني لأعيانها و ذواتها كانت تلك الكتبة أقوى و أكمل إذا ثبت هذا فنقول إن الإنسان إذا أتى بعمل من الأعمال مرات و كرات كثيرة متوالية حصلت في نفسه بسبب تكرارها ملكة قوية راسخة فإن كانت تلك الملكة نافعة في السعادات الروحانية عظم ابتهاجه بها بعد الموت و إن كانت تلك الملكة ضارة في الأحوال الروحانية عظم تضرره بها بعد الموت إذا ثبت هذا فنقول إن التكرير الكثير لما كان سببا لحصول تلك الملكة الراسخة كان لكل واحد من تلك الأعمال المتكررة أثر في حصول تلك الملكة الراسخة و ذلك الأثر و إن كان غير محسوس إلا أنه حاصل في الحقيقة و إذا عرفت هذا ظهر أنه لا يحصل للإنسان لمحة و لا حركة و لا سكون إلا و يحصل منه في جوهر نفسه أثر من آثار السعادة أو أثر من آثار الشقاوة قل أو كثر فهذا هو المراد من كتبة الأعمال عند هؤلاء و الله العالم بحقائق الأمور انتهى. و إنما نقلنا كلامه لتطلع على تحريفات الفلاسفة و تأويلاتهم للآيات و الأخبار من غير ضرورة سوى الاستبعادات الوهمية و عدم الاعتناء بكلام صاحب الشريعة. وَ يَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً أي العابدين لغير الله و المعبودين أَ هؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ على الإنكار ليعترفوا بخلافه قالُوا سُبْحانَكَ أي تنزيها لك عن أن يعبد سواك أَنْتَ وَلِيُّنا أي ناصرنا و أولى بنا مِنْ دُونِهِمْ أي من دون هؤلاء الكفار و ما كنا نرضى بعبادتهم إيانا بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَ أي إبليس و ذريته حيث أطاعوهم فيما دعوهم إليه من عبادة الملائكة و غيرهم أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ مصدقون بالشياطين مطيعون لهم. جاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا قال الطبرسي رحمه الله أي إلى الأنبياء بالرسالات و الوحي أُولِي أَجْنِحَةٍ جعلهم كذلك ليتمكنوا بها من العروج إلى السماء و من النزول إلى الأرض فمنهم من له جناحان و منهم من له ثلاثة أجنحة و منهم من له أربعة أجنحة عن قتادة و قال يزيد فيها ما يشاء و هو قوله يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ جَبْرَئِيلَ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ. و قيل أراد بقوله يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ ما يَشاءُ حسن الصوت و قيل هو الملاحة في العينين و - عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: هُوَ الْوَجْهُ الْحَسَنُ وَ الصَّوْتُ الْحَسَنُ وَ الشَّعْرُ الْحَسَنُ.. و قال الرازي أقل ما يكون لذي الجناح أن يكون له جناحان و ما بعدهما زيادة و قال قوم فيه إن الجناح إشارة إلى الجهة و بيانه هو أن الله ليس فوقه شيء و كل شيء فهو تحت قدرته و نعمته و الملائكة لهم وجه إلى الله يأخذون منه نعمه و يعطون من دونهم ما أخذوا بإذن الله كما قال تعالى نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ و قوله عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى و قال تعالى في حقهم فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً فهما جناحان و فيهم من يفعل الخير بواسطة و فيهم من يفعله لا بواسطة فالفاعل بواسطة فيه ثلاث جهات و فيهم من له أربع جهات و أكثر و الظاهر ما ذكرناه أولا و هو الذي عليه إطباق المفسرون. و قال في قوله تعالى وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا الآيات هذه الأشياء الثلاثة المقسم بها يحتمل أن تكون صفات ثلاثة لموصوف واحد و يحتمل أن تكون أشياء ثلاثة متبائنة أما على التقدير الأول ففيه وجوه الأول أنها صفات الملائكة و تقريره أن الملائكة يقفون صفوفا إما في السماوات لأداء العبادات كما أخبر الله تعالى عنهم أنهم قالوا وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ و قيل إنهم يصفون أجنحتهم في الهواء و يقفون منتظرين وصول أمر الله إليهم و يحتمل أيضا أن يقال معنى كونهم صفوفا أن لكل واحد منهم مرتبة و درجة معينة في الشرف و الفضيلة أو في الذات و العلية و تلك الدرجات المترتبة باقية غير متغيرة و ذلك نسبة الصفوف و أما قوله تعالى فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فقال الليث زجرت البعير أزجره زجرا إذا حثثته ليمضي و زجرت فلانا عن سوء فانزجر أي نهيته فانتهى فعلى هذا الزجر للبعير كالحث و للإنسان كالنهي. فنقول في وصف الملائكة بالزجر وجوه الأول قال ابن عباس يريد الملائكة التي وكلوا بالسحاب يزجرونها بمعنى أنهم يأتون بها من موضع إلى موضع. الثاني المراد منه أن الملائكة لهم تأثيرات في قلوب بني آدم على سبيل الإلهامات فهم يزجرونهم عن المعاصي زجرا. الثالث لعل الملائكة أيضا يزجرون الشياطين عن التعرض لبني آدم بالشر و الإيذاء. و أقول قد ثبت في العلوم العقلية أن الموجودات على ثلاثة أقسام مؤثر لا يقبل الأثر و هو الله سبحانه و هو أشرف الموجودات و متأثر لا يؤثر و هو عالم الأجسام و هو أخس الموجودات و موجود يؤثر في شيء و يتأثر عن شيء آخر و هو عالم الأرواح و ذلك لأنها تقبل الأثر عن عالم كبرياء الله ثم إنها تؤثر في عالم الأجسام و اعلم أن الجهة التي باعتبارها تقبل الأثر من عالم كبرياء الله غير الجهة التي باعتبارها تستولي على عالم الأجسام و تقدر على التصرف فيها و قوله فَالتَّالِياتِ ذِكْراً إشارة إلى الأشرف من الجهة التي باعتبارها يقوى على التأثير في عالم الأجسام إذا عرفت هذا فقوله وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا إشارة إلى وقوفها صفا صفا في مقام العبودية و الطاعة و الخضوع و الخشوع و هو الجهة التي باعتبارها تقبل تلك الجواهر القدسية أصناف الأنوار الإلهية و الكمالات الصمدية و قوله تعالى فَالزَّاجِراتِ زَجْراً إشارة إلى تأثير الجواهر الملكية في تنوير الأرواح القدسية البشرية و إخراجها من القوة إلى الفعل و ذلك أنه كالقطرة بالنسبة إلى البحر و كالشعلة بالنسبة إلى الشمس و أن هذه الأرواح البشرية إنما تنتقل من القوة إلى الفعل في المعارف الإلهية و الكمالات الروحانية بتأثيرات جواهر الملائكة و نظيره قوله تعالى يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ و قوله نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ و قوله فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً إذا عرفت هذا فنقول في هذه الآية دقيقة أخرى و هي أن الكمال المطلق للشيء إنما يحصل إذا كان تاما و فوق التام و المراد بكونه تاما أن تحصل الكمالات اللائقة به حصولا بالفعل و المراد بكونه فوق التام أن يفيض منه أصناف الكمالات و النوالات على غيره و من المعلوم أن كونه كاملا في ذاته مقدم على كونه مكملا لغيره إذا عرفت هذا فقوله وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا إشارة إلى استكمال جواهر الملائكة في ذواتها وقت وقوفها في مواقف العبودية و صفوف الخدمة و الطاعة و قوله تعالى فَالزَّاجِراتِ زَجْراً إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إزالة ما لا ينبغي عن جواهر الأرواح البشرية و قوله تعالى فَالتَّالِياتِ ذِكْراً إشارة إلى كيفية تأثيراتها في إفاضة الجلايا القدسية و الأنوار الإلهية على الأنوار الناطقة البشرية فهذه مناسبات عقلية و اعتبارات دقيقة تنطبق عليها هذه الألفاظ الثلاثة. الثاني أن تحمل هذه الصفات على النفوس البشرية الطاهرة المقدسة المقبلة على عبودية الله تعالى الذين هم ملائكة الأرض و بيانه من وجهين الأول أن قوله وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا المراد به الصفوف الحاصلة عند أداء الصلاة بالجماعة و قوله فَالزَّاجِراتِ زَجْراً إشارة إلى قراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم كأنهم بسبب قراءة هذه الكلمة يزجرون الشياطين عن إلقاء الوساوس في قلوبهم في أثناء الصلاة و قوله فَالتَّالِياتِ ذِكْراً إشارة إلى قراءة القرآن في الصلاة و قيل إلى رفع الصوت بالقراءة كأنه يزجر الشيطان بواسطة رفع الصوت. و الوجه الثاني أن المراد بالأول الصفوف الحاصلة من العلماء المحقين الذين يدعون إلى دين الله تعالى و بالثاني اشتغالهم بالزجر عن الشبهات و الشهوات و بالثالث اشتغالهم بالدعوة إلى دين الله و الترغيب في العمل بشرائع الله. الوجه الثالث أن نحملها على أحوال الغزاة و المجاهدين في سبيل الله فالمراد بالأول صفوف القتال كقوله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا و بالثاني رفع الصوت بزجر الخيل و بالثالث اشتغالهم وقت شروعهم في محاربة العدو بقراءة القرآن و ذكر الله بالتهليل و التقديس و الوجه الرابع أن نجعلها صفات لآيات القرآن فالأول المراد به كونها أنواعا مختلفة بعضها في دلائل التوحيد و بعضها في بيان التكاليف و الأحكام و بعضها في تعليم الأخلاق الفاضلة و هذه الآيات مترتبة ترتيبا لا يتغير و لا يتبدل فهي تشبه أشخاصا واقفين في صفوف معينة و بالثاني الآيات الزاجرة عن الأفعال المنكرة و بالثالث الآيات الدالة على وجوب الإقدام على أعمال البر و الخير و وصف الآيات بكونها تالية على قانون ما يقال شعر شاعر و كلام قائل قال تعالى إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ و أما الاحتمال الثاني هو أن يكون المراد بهذه الثلاثة أشياء متغايرة فقيل المراد بقوله وَ الصَّافَّاتِ صَفًّا الطير من قوله تعالى وَ الطَّيْرُ صَافَّاتٍ و الزاجرات كل ما زجر عن معاصي الله و التاليات كل ما يتلى من كتاب الله. و أقول فيه وجه آخر و هو أن مخلوقات الله إما جسمانية و إما روحانية أما الجسمانية فإنها مترتبة على طبقات و درجات لا يتغير البتة فالأرض وسط العالم و هي محفوفة بكرة الماء و الماء محفوف بالهواء و الهواء بالنار ثم هذه الأربعة بكرات الأفلاك إلى آخر العالم الجسماني فهذه الأجسام كأنها صفوف واقفة على عتبة جلال الله تعالى و أما الجواهر الروحانية الملكية فهي على اختلاف درجاتها و تباين صفاتها مشتركة في صفتين أحدهما التأثير في عالم الأجسام بالتحريك و التصرف و إليه الإشارة بقوله فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فإنا بينا أن المراد من هذا الزجر الشوق و التحريك و الثاني الإدراك و المعرفة و الاستغراق في معرفة الله و الثناء عليه و إليه الإشارة بقوله تعالى فَالتَّالِياتِ ذِكْراً و لما كان الجسم أدنى منزلة من الأرواح المشتغلة بالتصرف في الجسمانيات و هي أدون منزلة من الأرواح المستغرقة في معرفة جلال الله المقبلة على تسبيح الله كما قال وَ مَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ لا جرم بدأ في المرتبة الأولى بذكر الأجسام ثم ذكر الأرواح المدبرة لأجسام هذا العالم ثم ذكر أعلى الدرجات و هي الأرواح المقدسة المتوجهة بكليتها إلى معرفة جلال الله و الاستغراق في الثناء عليه فهذه احتمالات خطرت بالبال و العالم بأسرار كلام الله ليس إلا الله. فَاسْتَفْتِهِمْ أَ لِرَبِّكَ الْبَناتُ وَ لَهُمُ الْبَنُونَ قال البيضاوي أمر باستفتائهم حيث جعلوا لله البنات و لأنفسهم البنين في قولهم الملائكة بنات الله و هؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخرى التجسيم و تجويز الفناء على الله فإن الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة و تفضيل أنفسهم عليه على وجه القسمة حيث جعلوا أوضع الجنسين له و أرفعهما لهم و استهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم و لذلك كرر الله إنكار ذلك و إبطاله في كتابه مرارا و جعله مما تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَ تَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَ تَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا و الإنكار هاهنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما و لأن فسادهما مما تدركه العامة بمقتضى طباعهم حيث جعل المعادل للاستفهام على التقسيم أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثاً وَ هُمْ شاهِدُونَ و إنما خص علم المشاهدة لأن أمثال ذلك لا تعلم إلا به فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم ليمكن معرفته بالعقل الصرف مع ما فيه من الاستهزاء و الإشعار بأنهم لفرط جهلهم ينبئون به كأنهم قد شاهدوا خلقهم أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ اللَّهُ لعدم ما يقتضيه و قيام ما ينفيه وَ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ فيما يتدينون به أَصْطَفَى الْبَناتِ عَلَى الْبَنِينَ استفهام إنكار و استبعاد و الاصطفاء أخذ صفوة الشيء ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ بما لا يرتضيه عقل أَ فَلا تَذَكَّرُونَ أنه منزه عن ذلك أَمْ لَكُمْ سُلْطانٌ مُبِينٌ حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بناته فَأْتُوا بِكِتابِكُمْ الذي أنزل عليكم إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في دعواكم وَ جَعَلُوا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَباً يعني الملائكة ذكرهم باسم جنسهم وضعا منهم أن يبلغوا هذه المرتبة و قيل قالوا إن الله صاهر الجن فخرجت الملائكة و قيل قالوا الله و الشيطان أخوان وَ لَقَدْ عَلِمَتِ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ أن الكفرة أو الإنس أو الجنة إن فسرت بغير الملائكة لَمُحْضَرُونَ في العذاب وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية بالرد على عبدتهم و المعنى و ما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة و العبادة و الانتهاء إلى أمر الله تعالى في تدبير العالم وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ في أداء الطاعة و منازل الخدمة وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ المنزهون الله عما لا يليق به و لعل الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعة و هذا في المعارف. و قال الطبرسي رحمه الله وَ ما مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقامٌ مَعْلُومٌ هذا قول جبرئيل للنبي صلى الله عليه وآله وسلم و قيل إنه قول الملائكة و فيه مضمر أي و ما منا معشر الملائكة ملك إلا و له مقام معلوم في السماوات يعبد الله فيه و قيل معناه أنه لا يتجاوز ما أمر به و رتب له كما لا يتجاوز صاحب المقام مقامه الذي حد له فكيف يجوز له أن يعبد من هو بهذه الصفة و هو عبد مربوب وَ إِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ حول العرش ننتظر الأمر و النهي من الله تعالى و قيل القائمون صفوفا في الصلاة قال الكلبي صفوف الملائكة في السماء كصفوف أهل الدنيا في الأرض و قال الجبائي صافون بأجنحتنا في الهواء للعبادة و التسبيح وَ إِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ أي المصلون المنزهون الرب عما لا يليق به و منه قيل فرغت من سبحتي أي من صلاتي و ذلك لما في الصلاة من تسبيح الله و تعظيمه و المسبحون القائلون سبحان الله على وجه التعظيم لله. و قال في قوله تعالى وَ تَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ معناه و من عجائب أمور الآخرة أنك ترى الملائكة محدقين بالعرش يطوفون حوله يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ أي ينزهون الله تعالى عما لا يليق به و يذكرونه بصفاته التي هو عليها و قيل يحمدون الله تعالى حيث دخل الموحدون الجنة و في قوله تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ يعني عند الموت روي ذلك عن أبي عبد الله عليه السلام و قيل تستقبلهم الملائكة إذا خرجوا من قبورهم في الموقف بالبشارة من الله تعالى و قيل إن البشرى تكون في ثلاثة مواطن عند الموت و في القبر و عند البعث نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ أي نحن معاشر الملائكة أنصاركم و أحباؤكم فِي الْحَياةِ الدُّنْيا نتولى إيصال الخيرات إليكم من قبل الله تعالى وَ فِي الْآخِرَةِ نتولاكم بأنواع الإكرام و المثوبة و قيل نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا أي نحن نحرسكم في الدنيا و عند الموت و في الآخرة عن أبي جعفر عليه السلام. و قال الرازي في قوله تعالى نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ الآية هذا في مقابلة ما ذكره في وعيد الكفار حيث قال وَ قَيَّضْنا لَهُمْ قُرَناءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ و معنى كونهم أولياء للمؤمنين أن للملائكة تأثيرات في الأرواح البشرية بالإلهامات و المكاشفات اليقينية و المقامات الحقة كما أن للشياطين تأثيرات في الأرواح بإلقاء الوساوس فيها و تخييل الأباطيل إليها و بالجملة فكون الملائكة أولياء للأرواح الطيبة الطاهرة حاصل من جهات كثيرة معلومة لأرباب المكاشفات و المشاهدات فهم يقولون كما أن تلك الولاية كانت حاصلة في الدنيا فهي تكون باقية في الآخرة فإن تلك العلائق لازمة غير قابلة للزوال بل كأنها تصير بعد الموت أقوى و أبقى و ذلك لأن جوهر النفس من جنس الملائكة و هي كالشعلة بالنسبة إلى الشمس و القطرة بالنسبة إلى البحر و التعلقات الجسدانية هي تحول بينها و بين الملائكة كما - قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَوْ لَا أَنَّ الشَّيَاطِينَ يَحُومُونَ عَلَى قُلُوبِ بَنِي آدَمَ لَنَظَرُوا إِلَى مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ. فإذا زالت العلائق الجسمانية و التدبيرات البدنية فقد زال الغطاء و الوطاء فيتصل الأثر بالمؤثر و القطرة بالبحر و الشعلة بالشمس فهذا هو المراد من قوله نَحْنُ أَوْلِياؤُكُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ ثم قال و الأقرب عندي أن قوله وَ لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ إشارة إلى الجنة الجسمانية وَ لَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ إشارة إلى الجنة الروحانية المذكورة في قوله تعالى دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَ تَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَ آخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ انتهى. فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ أي جميع الملائكة أو طائفة مخصوصة منهم و على الأول دوام تسبيحهم لا ينافي اشتغالهم بسائر الخدمات مع أن تلك الخدمات أيضا نوع من تسبيحهم وَ هُمْ لا يَسْأَمُونَ أي لا يملون و لا يفترون. و قال الرازي في قوله تعالى وَ الْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ اعلم أن مخلوقات الله نوعان نوع عالم الجسمانيات و أعظمها السماوات و عالم الروحانيات و أعظمها الملائكة فبين سبحانه كمال عظمته باستيلاء هيبته على الجسمانيات فقال تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَ ثم انتقل إلى ذكر الروحانيات فقال وَ الْمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ و الجواهر الروحانية لها تعلقان تعلق بعالم الجلال و الكبرياء و هو تعلق القبول فإن الأضواء الصمدية إذا شرقت على الجواهر الروحانية استضاءت جواهرها و أشرقت ماهياتها ثم إن الجواهر الروحانية إذا استفادت تلك القوى الربانية قويت بها على الاستيلاء على عالم الجسمانيات و إذا كان كذلك فلها وجهان وجه إلى حضرة الجلال و وجه إلى عالم الأجسام و الوجه الأول أشرف من الثاني إذا عرفت هذا فنقول أما الجهة الأولى و هي الجهة المقدسة العلوية فقد اشتملت على أمرين أحدهما التسبيح و الثاني التحميد لأن التسبيح عبارة عن تنزيه الله تعالى عما لا ينبغي و التحميد عبارة عن وصفه بكونه معطيا لكل الخيرات و كونه منزها في ذاته عما لا ينبغي مقدم بالرتبة على كونه فياضا للخيرات و السعادات لأن وجود الشيء و حصوله في نفسه مقدم على تأثيره في حصول غيره فلهذا السبب كان التسبيح مقدما على التحميد و لهذا قال يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ و أما الجهة الثانية و هي الجهة التي لتلك الأرواح إلى عالم الجسمانيات فالإشارة إليها بقوله وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ و المراد منها تأثيراتها في نظم أحوال هذا العالم و حصول الطريق الأصوب فيها انتهى. و استدل بالآية على عصمة الملائكة لأنهم لو كانوا مذنبين كانوا يستغفرون لأنفسهم قبل استغفارهم لغيرهم و فيه نظر. وَ جَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبادِهِ جُزْءاً فقالوا الملائكة بنات الله و سماء جزءا لأن الولد جزء من الوالد و هو يستلزم التركيب المنافي لوجوب الوجود لَكَفُورٌ مُبِينٌ أي ظاهر الكفران وَ إِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا أي بالجنس الذي جعله له مثلا إذ الولد لا بد أن يماثل الوالد ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا أي صار وجهه أسود في الغاية لما يعتريه من الكآبة وَ هُوَ كَظِيمٌ أي مملو قلبه من الكرب أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ أي أو جعلوا له أو اتخذ من يتربى في الزينة يعني البنات وَ هُوَ فِي الْخِصامِ أي في المجادلة غَيْرُ مُبِينٍ أي غير مقرر لما يدعيه من نقصان العقل و ضعف الرأي وَ جَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثاً كفر آخر تضمنه مقالهم شنع به عليهم و هو جعلهم أكمل العباد و أكرمهم على الله أنقصهم عقلا و أخصهم صنفا أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ أي أ حضروا خلق الله أيام فشاهدوهم إناثا فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة و هو تجهيل و تهكم لهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ التي شهدوا بها على الملائكة وَ يُسْئَلُونَ أي عنها يوم القيامة. فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً أي الملائكة يقسمون الأمور بين الخلق على ما أمروا به قال الطبرسي رحمه الله رُوِيَ أَنَّ ابْنَ الْكَوَّاءِ سَأَلَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ هُوَ يَخْطُبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ مَا الذَّارِياتِ ذَرْواً قَالَ الرِّيَاحُ قَالَ فَالْحامِلاتِ وِقْراً قَالَ السَّحَابُ قَالَ فَالْجارِياتِ يُسْراً قَالَ السُّفُنُ قَالَ فَالْمُقَسِّماتِ أَمْراً قَالَ الْمَلَائِكَةُ. و روي ذلك عن ابن عباس و مجاهد فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ قيل أي كان مقداره من عروج غيرهم خمسين ألف سنة و ذلك من أسفل الأرضين إلى فوق السماوات السبع و قيل امتداد ذلك اليوم على بعض الكفار كذلك و قيل معناه أن أول نزول الملائكة في الدنيا بأمره و نهيه و قضائه بين الخلائق إلى آخر عروجهم إلى السماء و هو القيامة هذه المدة. عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ قال الطبرسي رحمه الله أي من الملائكة و هم خزنتها مالك و ثمانية عشر أعينهم كالبرق الخاطف و أنيابهم كالصياصي يخرج لهب النار من أفواههم ما بين منكبي أحدهم مسيرة سنة تسع كف أحدهم مثل ربيعة و مضر نزعت منهم الرحمة يرفع أحدهم سبعين ألفا فيرميهم حيث أراد من جهنم. وَ ما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلَّا مَلائِكَةً أي و ما جعلنا الموكلين بالنار المتولين تدبيرها إلا ملائكة جعلنا شهوتهم في تعذيب أهل النار وَ ما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا أي لم نجعلهم على هذا العدد إلا محنة و تشديدا في التكليف لأن الكفار استقلوا هذا العدد و زعموا أنهم يقدرون على دفعهم و قد مر الكلام في تلك الآيات في كتاب المعاد. وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً - رَوَى الطَّبْرِسِيُّ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ أُرْسِلَتْ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ نَهْيِهِ. فَالْعاصِفاتِ عَصْفاً يعني الرياح الشديدات الهبوب وَ النَّاشِراتِ نَشْراً الملائكة تنتشر الكتب عن الله فَالْفارِقاتِ فَرْقاً هي آيات القرآن تفرق بين الحق و الباطل و الهدى و الضلال فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً الملائكة تلقي الذكر إلى الأنبياء و تلقيه الأنبياء إلى الأمم. و قال البيضاوي أقسم بطوائف من الملائكة أرسلهن الله متتابعة فعصفن عصف الرياح في امتثال أمره و نشرن الشرائع في الأرض أو نشرن النفوس الميتة بالجهل بما أوحين من العلم ففرقن بين الحق و الباطل فألقين إلى الأنبياء ذكرا عذرا للمحقين و نذرا للمبطلين أو بآيات القرآن المرسلة بكل عرف إلى محمد صلى الله عليه وآله وسلم فعصفن سائر الكتب أو الأديان بالنسخ و نشرن آثار الهدى و الحكم في الشرق و الغرب و فرقن بين الحق و الباطل فألقين ذكر الحق فيما بين العالمين أو بالنفوس الكاملة المرسلة إلى الأبدان لاستكمالها فعصفن ما سوى الحق و نشرن أثر ذلك في جميع الأعضاء و فرقن بين الحق بذاته و الباطل بنفسه فرأون كل شيء هالكا إلا وجهه فألقين ذكرا بحيث لا يكون في القلوب و الألسنة إلا ذكرهم أو برياح عذاب أرسلن فعصفن و رياح رحمة نشرن السحاب في الجو ففرقن فألقين ذكرا أي تسببن له فإن العاقل إذا شاهد هبوبها أو آثارها ذكر الله تعالى و تذكر كمال قدرته و عرفا إما نقيض النكر و انتصابه على العلة أي أرسلن للإحسان و المعروف أو بمعنى المتابعة من عرف الفرس و انتصابه على الحال عُذْراً أَوْ نُذْراً مصدران لعذر إذا محا الإساءة و أنذر إذا خوف أو جمعان لعذر بمعنى المعذرة و نذر بمعنى الإنذار أو بمعنى العاذر و المنذر و نصبهما على الأولين بالعلية أي عذرا للمحقين و نذرا للمبطلين أو البدلية من ذكرا على أن المراد به الوحي أو ما يعم التوحيد و الشرك و الإيمان و الكفر و على الثالث بالحالية و قرأهما أبو عمرو و حمزة و الكسائي و حفص بالتخفيف. يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا قال الطبرسي رحمه الله اختلف في معنى الروح هنا على أقوال أحدها أن الروح خلق من خلق الله تعالى على صورة بني آدم و ليسوا بناس و ليسوا بملائكة يقومون صفا و الملائكة صفا هؤلاء جند و هؤلاء جند عن مجاهد و قتادة و أبي صالح قال الشعبي هما سماطا رب العالمين يوم القيامة سماط من الروح و سماط من الملائكة. و ثانيها أن الروح ملك من الملائكة و ما خلق الله مخلوقا أعظم منه فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفا و قامت الملائكة كلهم صفا واحدا فيكون عظم خلقه مثل صفهم عن ابن مسعود و عن عطاء عن ابن عباس. و ثالثها أنه أرواح الناس تقوم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل أن ترد الأرواح إلى الأجساد عن عطية عن ابن عباس. و رابعها أنه جبرئيل عليه السلام عن الضحاك و قال وهب إن جبرئيل واقف بين يدي الله عز و جل ترعد فرائصه يخلق الله عز و جل من كل رعدة مائة ألف ملك فالملائكة صفوف بين يدي الله تعالى منكسو رءوسهم فإذا أذن الله لهم في الكلام قالوا لا إله إلا أنت وَ قالَ صَواباً أي لا إله إلا الله - وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: هُوَ مَلَكٌ أَعْظَمُ مِنْ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ.. و خامسها أن الروح بنو آدم عن الحسن و قوله صَفًّا معناه مصطفين. و قال في قوله وَ النَّازِعاتِ غَرْقاً اختلف في معناه على وجوه أحدها أنه يعني الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار عن أبدانهم بالشدة كما يغرق النازع في القوس فيبلغ بها غاية المد روي ذلك عن علي (عليه السلام) و غيره و قال مسروق هي الملائكة تنزع نفوس بني آدم و قيل هو الموت ينزع النفوس عن مجاهد و روي ذلك عن الصادق ع. و ثانيها أنها النجوم تنزع من أفق إلى أفق أي تطلع ثم تغيب قال أبو عبيدة تنزع من مطالعها و تغرق في مغاربها. و ثالثها النازعات القسي تنزع بالسهم و الناشطات الأوهاق فالقسم بفاعلها و هم المجاهدون. وَ النَّاشِطاتِ نَشْطاً فيه أيضا أقوال أحدها ما ذكرناه. و ثانيها أنها الملائكة تنشط أرواح الكفار ما بين الجلد و الأظفار حتى تخرجها من أجوافهم بالكرب و الغم عن علي عليه السلام و النشط الجذب يقال نشطت الدلو نشطا نزعته. و ثالثها أنها الملائكة تنشط أنفس المؤمنين فتقبضها كما ينشط العقال من يد البعير إذا حل عنها عن ابن عباس. و رابعها أنها أنفس المؤمنين تنشط عند الموت للخروج عند رؤية موضعه من الجنة عن ابن عباس أيضا. و خامسها أنها النجوم تنشط من أفق إلى أفق أي تذهب يقال حمار ناشط. وَ السَّابِحاتِ سَبْحاً فيه أقوال أيضا أحدها أنها الملائكة يقبضون أرواح المؤمنين يسلونها سلا رفيقا ثم يدعونها حتى تستريح كالسابح بالشيء في الماء يرمى به عن علي ع. و ثانيها أنها الملائكة ينزلون عن السماء مسرعين و هذا كما يقال للفرس الجواد سابح إذا أسرع في جريه. و ثالثها أنها النجوم تسبح في فلكها و قيل هي خيل الغزاة تسبح في عدوها كقوله وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً و قيل هي السفن تسبح في الماء. فَالسَّابِقاتِ سَبْقاً فيه أيضا أقوال أحدها أنها الملائكة لأنها سبقت ابن آدم بالخير و الإيمان و العمل الصالح و قيل إنها تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء و قيل إنها تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة عن علي ع. و ثانيها أنها أنفس المؤمنين تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها و قد عاينت السرور شوقا إلى رحمة الله و لقاء ثوابه و كرامته. و ثالثها أنها النجوم يسبق بعضها بعضا في السير. و رابعها أنها الخيل يسبق بعضها بعضا في الحرب. فَالْمُدَبِّراتِ أَمْراً فيها أيضا أقوال أحدها أنها الملائكة تدبر أمر العباد من السنة إلى السنة عن علي (عليه السلام). و ثانيها أن المراد بذلك جبرئيل و ميكائيل و ملك الموت و إسرافيل عليه السلام يدبرون أمور الدنيا فأما جبرئيل عليه السلام فموكل بالرياح و الجنود و أما ميكائيل فموكل بالقطر و النبات و أما ملك الموت فموكل بقبض الأنفس و أما إسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم. و ثالثها أنها الأفلاك يقع فيها أمر الله تعالى فيجري بها القضاء في الدنيا رواه علي بن إبراهيم. و قال في قوله تعالى فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ أي هذا القرآن أو هذه التذكرة في كتب معظمة عند
بحار الأنوار - ج ٥٦ - الصفحة ١٠٩. — الإمام الصادق عليه السلام
[1/3] 72- وَ مِنْهَا عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ
الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ (رحمه اللّه) فِي كِتَابِ السَّرَائِرِ مَنْ كَانَ يَسْتَضِرُّ جَسَدُهُ بِتَرْكِ الْعَشَاءِ فَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ لَا يَتْرُكَهُ وَ لَا يَبِيتَ إِلَّا وَ جَوْفُهُ مَمْلُوءٌ مِنَ الطَّعَامِ. وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّ تَرْكَ الْعَشَاءِ مَهْرَمَةٌ وَ إِذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مَرِيضاً فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكْرِهَهُ عَلَى تَنَاوُلِ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ بَلْ يَتَلَطَّفُ بِهِ فِي ذَلِكَ. - وَ رُوِيَ أَنَّ أَكْلَ اللَّحْمِ وَ اللَّبَنِ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَ يَشُدُّ الْعَظْمَ وَ رُوِيَ أَنَّ أَكْلَ اللَّحْمِ يَزِيدُ فِي السَّمْعِ وَ الْبَصَرِ. - وَ رُوِيَ أَنَّ أَكْلَ اللَّحْمِ بِالْبَيْضِ يَزِيدُ فِي الْبَاهِ. - وَ رُوِيَ أَنَّ مَاءَ الْكَمْأَةِ فِيهِ شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ. - وَ رُوِيَ أَنَّهُ يَكْرَهُ أَنْ يَحْتَجِمَ الْإِنْسَانُ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ أَوْ سَبْتٍ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّهُ يَحْدُثُ مِنْهُ الْوَضَحُ وَ الْحِجَامَةُ فِي الرَّأْسِ فِيهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ. - وَ رُوِيَ أَنَّ أَفْضَلَ الدَّوَاءِ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ الْحِجَامَةِ وَ الْحُقْنَةِ وَ النُّورَةِ وَ الْقَيْءِ فَإِنْ تَبَيَّغَ الدَّمُ. بالتاء المنقطة بنقطتين من فوق و الباء المنقطة من تحتها نقطة واحدة و الياء المنقطة بنقطتين من تحتها و تشديدها و الغين المعجمة و معنى ذلك هاج به يقال تبوّغ الدم بصاحبه و تبيّغ أي هاج به. فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْتَجِمَ فِي أَيِّ الْأَيَّامِ كَانَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةِ وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ وَ يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ ع. - وَ رُوِيَ أَنَّهُ إِذَا عَرَضَتِ الْحُمَّى لِلْإِنْسَانِ فَيَنْبَغِي أَنْ يُدَاوِيَهَا بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَسْهُلْ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَلْيُحْضِرْ لَهُ إِنَاءً فِيهِ مَاءٌ بَارِدٌ وَ يُدْخِلْ يَدَهُ فِيهِ وَ الِاكْتِحَالُ بِالْإِثْمِدِ عِنْدَ النَّوْمِ يُذْهِبُ الْقَذَى وَ يُصَفِّي الْبَصَرَ. - وَ رُوِيَ أَنَّهُ إِذَا لَدَغَتِ الْعَقْرَبُ إِنْسَاناً فَلْيَأْخُذْ شَيْئاً مِنَ الْمِلْحِ وَ يَضَعْهُ عَلَى الْمَوْضِعِ ثُمَّ يَعْصِرْهُ بِإِبْهَامِهِ حَتَّى يَذُوبَ. - وَ رُوِيَ أَنَّهُ مَنِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَدْعِيَ بِقَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ وَ يَقْرَأُ عَلَيْهِ الْحَمْدَ أَرْبَعِينَ مَرَّةً ثُمَّ يَصُبَّهُ عَلَى نَفْسِهِ. - وَ رُوِيَ أَنَّ أَكْلَ الزَّبِيبِ الْمَنْزُوعِ الْعَجَمِ عَلَى الرِّيقِ فِيهِ مَنَافِعُ عَظِيمَةٌ فَمَنْ أَكَلَ مِنْهُ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى الرِّيقِ إِحْدَى وَ عِشْرِينَ زَبِيبَةً مَنْزُوعَةَ الْعَجَمِ قَلَّ مَرَضُهُ وَ قِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَمْرَضْ إِلَّا الْمَرَضَ الَّذِي يَمُوتُ فِيهِ وَ مَنْ أَكَلَ عِنْدَ نَوْمِهِ تِسْعَ تَمَرَاتٍ عُوفِيَ مِنَ الْقُولَنْجِ وَ قُتِلَ دُودُ الْبَطْنِ عَلَى مَا رُوِيَ. - وَ رُوِيَ أَكْلُ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ فِيهِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ عَلَى مَا رُوِيَ وَ فِي شَرَابِ الْعَسَلِ مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ فَمَنِ اسْتَعْمَلَهُ انْتَفَعَ بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ مَرَضٌ. - وَ رُوِيَ أَنَّ لَبَنَ الْبَقَرِ فِيهِ مَنَافِعُ فَمَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ فَلْيَشْرَبْهُ. - وَ رُوِيَ أَنَّ أَكْلَ الْبَيْضِ نَافِعٌ لِلْأَحْشَاءِ. - وَ رُوِيَ أَنَّ أَكْلَ الْقَرْعِ يَزِيدُ فِي الْعَقْلِ وَ يَنْفَعُ الدِّمَاغَ وَ يُسْتَحَبُّ أَكْلُ الْهِنْدَبَاءِ. وَ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: إِذَا دَخَلْتُمْ أَرْضاً فَكُلُوا مِنْ بَصَلِهَا فَإِنَّهُ يُذْهِبُ عَنْكُمْ وَبَاءَهَا. - وَ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ عليه السلام شَكَا إِلَيْهِ اخْتِلَافَ الْبَطْنِ فَأَمَرَ أَنْ يَتَّخِذَ مِنَ الْأَرُزِّ سَوِيقاً وَ يَشْرَبَهُ فَفَعَلَ فَعُوفِيَ. - وَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: إِيَّاكُمْ وَ الشُّبْرُمَ فَإِنَّهُ حَارٌّ يَارٌّ وَ عَلَيْكُمْ بِالسَّنَا فَتَدَاوَوْا بِهِ فَلَوْ دَفَعَ شَيْءٌ الْمَوْتَ لَدَفَعَهُ السَّنَا وَ تَدَاوَوْا بِالْحُلْبَةِ فَلَوْ عَلِمَ أُمَّتِي مَا لَهَا فِي الْحُلْبَةِ لَتَدَاوَوْا بِهَا وَ لَوْ بِوَزْنِهَا ذَهَباً. - وَ رُوِيَ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: إِدْمَانُ أَكْلِ السَّمَكِ الطَّرِيِّ يُذِيبُ الْجِسْمَ. - وَ رُوِيَ أَنَّ أَكْلَ التَّمْرِ بَعْدَ أَكْلِ السَّمَكِ الطَّرِيِّ يُذْهِبُ أَذَاهُ. - وَ رُوِيَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَيْهِ وَجَعَ الْخَاصِرَةِ فَقَالَ عليه السلام لَهُ عَلَيْكَ بِمَا يَسْقُطُ مِنَ الْخِوَانِ فَكُلْهُ فَفَعَلَ فَعُوفِيَ. - وَ رُوِيَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ تَشُدُّ الْعَقْلَ وَ تَزِيدُ فِي الْبَاهِ. - وَ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْلِ الطِّفْلِ الطِّينَ وَ الْفَحْمَ وَ قَالَ مَنْ أَكَلَ الطِّينَ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى نَفْسِهِ وَ مَنْ أَكَلَهُ فَمَاتَ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ وَ أَكْلُ الطِّينِ يُورِثُ النِّفَاقَ. - وَ رُوِيَ عَنْهُ عليه السلام قَالَ: فَضْلُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ عَلَى النَّاسِ كَفَضْلِ الْبَنَفْسَجِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْهَانِ. - وَ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَكَلَ الرُّمَّانَ بِشَحْمِهِ دَبَغَ مَعِدَتَهُ وَ السَّفَرْجَلُ يُذَكِّي الْقَلْبَ الضَّعِيفَ وَ يُشَجِّعُ الْجَبَانَ. - وَ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: الْخَلُّ يُسَكِّنُ الْمِرَارَ وَ يُحْيِي الْقَلْبَ وَ يَقْتُلُ دُودَ الْبَطْنِ وَ يَشُدُّ الْفَمَ. فهذه جملة مقنعة من جملة ما ورد عن الأئمة عليهم السلام في هذا الباب و إيراد جميعه لا يحصى و لا يسعه كتاب فأما ما ورد عنهم عليه السلام في الاستشفاء بفعل الخير و البر و التعوّذ و الرقي فنحن نورد من جملة ما ورد عنهم عليه السلام في ذلك جملة مقنعة بمشية الله سبحانه. - رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا أَبِي عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: ثَلَاثٌ يُذْهِبْنَ النِّسْيَانَ وَ يُحَدِّدْنَ الْفِكْرَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَ السِّوَاكُ وَ الصَّوْمُ. وَ رُوِيَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ بَيْتِهِ ذَكَرَ لَهُ أَمْرَ عَلِيلٍ عِنْدَهُ فَقَالَ ادْعُ بِمِكْتَلٍ فَاجْعَلْ فِيهِ بُرّاً وَ اجْعَلْهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ أْمُرْ غِلْمَانَكَ إِذَا جَاءَ سَائِلٌ أَنْ يُدْخِلُوهُ إِلَيْهِ فَلْيُنَاوِلْهُ مِنْهُ بِيَدِهِ وَ يَأْمُرْهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ قَالَ أَ فَلَا أُعْطِي الدَّنَانِيرَ وَ الدَّرَاهِمَ قَالَ اصْنَعْ مَا آمُرُكَ بِهِ فَكَذَلِكَ رَوَيْنَاهُ فَفَعَلَ فَرُزِقَ الْعَافِيَةَ. - وَ رُوِيَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: ارْغَبُوا فِي الصَّدَقَةِ وَ بَكِّرُوا فِيهَا فَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ حِينَ يُصْبِحُ يُرِيدُ بِهَا مَا عِنْدَ اللَّهِ إِلَّا دَفَعَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ شَرَّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمَ ثُمَّ قَالَ لَا تَسْتَخِفُّوا بِدُعَاءِ الْمَسَاكِينِ لِلْمَرْضَى مِنْكُمْ فَإِنَّهُ يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِيكُمْ وَ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ. - وَ رُوِيَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ شَكَا إِلَيْهِ وَضَحاً أَصَابَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ قَالَ بَلَغَ مِنِّي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَبْلَغاً شَدِيداً فَقَالَ عَلَيْكَ بِالدُّعَاءِ وَ أَنْتَ سَاجِدٌ فَفَعَلَ فَبَرَأَ مِنْهُ. - وَ رُوِيَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَصَابَكَ هَمٌّ فَامْسَحْ يَدَكَ عَلَى مَوْضِعِ سُجُودِكَ ثُمَّ مُرَّ يَدَكَ عَلَى وَجْهِكَ مِنْ جَانِبِ خَدِّكَ الْأَيْسَرِ عَلَى جَبِينِكَ إِلَى جَانِبِ خَدِّكَ الْأَيْمَنِ ثُمَّ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ... الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنِّي الْهَمَّ وَ الْحَزَنَ ثَلَاثاً. وَ رُوِيَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَالَ كُلَّ يَوْمٍ ثَلَاثِينَ مَرَّةً بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ تِسْعَةً وَ تِسْعِينَ نَوْعاً مِنَ الْبَلَاءِ أَهْوَنُهَا الْجُذَامُ. وَ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَرِضْتُ فَعَادَنِي رَسُولُ اللَّهِ ص وَ أَنَا لَا أَتَقَارُّ عَلَى فِرَاشِي فَقَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً النَّبِيُّونَ ثُمَّ الْأَوْصِيَاءُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ أَبْشِرْ فَإِنَّهَا حَظُّكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مَعَ مَا لَكَ مِنَ الثَّوَابِ ثُمَّ قَالَ أَ تُحِبُّ أَنْ يَكْشِفَ اللَّهُ مَا بِكَ قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُلِ اللَّهُمَّ ارْحَمْ جِلْدِيَ الرَّقِيقَ وَ عَظْمِيَ الدَّقِيقَ وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ فَوْرَةِ الْحَرِيقِ يَا أُمَّ مِلْدَمٍ إِنْ كُنْتِ آمَنْتِ بِاللَّهِ فَلَا تَأْكُلِي اللَّحْمَ وَ لَا تَشْرَبِي الدَّمَ وَ لَا تَفُورِي مِنَ الْفَمِ وَ انْتَقِلِي إِلَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ قَالَ فَقُلْتُهَا فَعُوفِيتُ مِنْ سَاعَتِي. - قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عليه السلام مَا فَزِعْتُ قَطُّ إِلَيْهِ إِلَّا وَجَدْتُهُ وَ كُنَّا نُعَلِّمُهُ النِّسَاءَ وَ الصِّبْيَانَ. - وَ رُوِيَ عَنْ سَيِّدِنَا جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُجْلِسُ الْحَسَنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْمَنِ وَ الْحُسَيْنَ عَلَى فَخِذِهِ الْأَيْسَرِ ثُمَّ يَقُولُ أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ كُلِّهَا مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْطَانٍ وَ هَامَّةٍ وَ مِنْ شَرِّ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ ثُمَّ يَقُولُ هَكَذَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ ابْنَيْهِ إِسْمَاعِيلَ وَ إِسْحَاقَ ع. وَ رُوِيَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَاءَ خُلُقُهُ فَأَذِّنُوا فِي أُذُنِهِ. وَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ نَهَى عَنِ السِّحْرِ وَ الْكِهَانَةِ وَ الْقِيَافَةِ وَ التَّمَائِمِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ عَلَى حَالٍ وَ هَذِهِ جُمْلَةٌ مُقْنِعَةٌ وَ اسْتِقْصَاءُ ذَلِكَ يَطُولُ بِهِ الْكِتَابُ وَ يَحْصُلُ بِهِ الْإِسْهَابُ. بيان قال في النهاية في حديث أم سلمة أنها شربت الشبرم فقال إنه حارّ جارّ الشبرم حب يشبه الحمص يطبخ و يشرب ماؤه للتداوي و قيل إنه نوع من الشيح و جار إتباع للحار و منهم من يرويه يار و هو أيضا بالتشديد إتباع للحارّ يقال حارّ يارّ و حرّان يرّان. و قال ابن بيطار قال ديسقوريدس قد يظنّ أنه من أصناف النوع [اليتوع المسمى ماريس شبيه بالنوع من شجر الصنوبر و له زهر صغير لونه إلى لون الفرفير و ثمر عريض يشبه بالعدس. و قال جالينوس قد يظنّ قوم أن هذا النبات من أنواع اليتوع و ذلك لأن له من اللبن ما لليتوع و يسهل أيضا مثل ما يسهل اليتوع. و قال حبيش حارّ في الدرجة الثالثة يابس في آخر الثانية و فيه مع ذلك قبض و حدّة و إذا شرب غير مصلح وجد له قبض على اللهاة و في الحنك و قد كانت القدماء تستعمله في الأدوية المسهلة فوجدوه ضارا لمن كان الغالب على مزاجه الحرارة و يحدث لأكثر من شربه منهم حميات و مضرّ للبواسير. ثم قال الشبرم اسم عند بعض الأعراب لنوع من الشوك ينبت بالجبال لونه أبيض و ورقه صغير و شوكه على شبه شوك الجولق الكبير الذي عندنا و يزعمون أنه ينفع للوباء إذا شرب انتهى. و له في كتب الطب ذم كثير. و السكر سد النهر. وَ قَالَ الشَّهِيدُ (قدّس سرّه) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي الْخُبْزِ. - وَ قَالَ عليه السلام أَكْرِمُوا الْخُبْزَ فَإِنَّهُ قَدْ عَمِلَ فِيهِ مَا بَيْنَ الْعَرْشِ إِلَى الْأَرْضِ وَ الْأَرْضُ وَ مَا فِيهَا وَ نَهَى الصَّادِقُ عليه السلام عَنْ وَضْعِ الرَّغِيفِ تَحْتَ الْقَصْعَةِ. وَ قَالَ عليه السلام فِي إِكْرَامِ الْخُبْزِ إِذَا وُضِعَ بِهِ فَلَا يُنْتَظَرُ بِهِ غَيْرُهُ وَ مِنْ كَرَامَتِهِ أَنْ لَا يُوطَأَ وَ لَا يُقْطَعَ وَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَنْ شَمِّهِ وَ قَالَ إِذَا أُتِيتُمْ بِالْخُبْزِ وَ اللَّحْمِ فَابْدَءُوا بِالْخُبْزِ. وَ قَالَ عليه السلام صَغِّرُوا رُغْفَانَكُمْ فَإِنَّهُ مَعَ كُلِّ رَغِيفٍ بَرَكَةً وَ نَهَى الصَّادِقُ عليه السلام عَنْ قَطْعِهِ بِالسِّكِّينِ. وَ عَنِ الرِّضَا عليه السلام فَضْلُ خُبْزِ الشَّعِيرِ عَلَى الْبُرِّ كَفَضْلِنَا عَلَى النَّاسِ وَ مَا مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا وَ قَدْ دَعَا لِأَكْلِ الشَّعِيرِ وَ بَارَكَ عَلَيْهِ وَ مَا دَخَلَ جَوْفاً إِلَّا وَ أَخْرَجَ كُلَّ دَاءٍ فِيهِ وَ هُوَ قُوتُ الْأَنْبِيَاءِ وَ طَعَامُ الْأَبْرَارِ. - وَ رُوِيَ إِطْعَامُ الْمَسْلُولِ وَ الْمَبْطُونِ خُبْزُ الْأَرُزِّ وَ فِي السَّوِيقِ وَ نَفْعِهِ أَخْبَارٌ جُمَّةٌ وَ فَسَّرَهُ الْكُلَيْنِيُّ بِسَوِيقِ الْحِنْطَةِ. - وَ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام سَوِيقُ الْعَدَسِ يَقْطَعُ الْعَطَشَ وَ يُقَوِّي الْمَعِدَةَ وَ فِيهِ شِفَاءٌ مِنْ سَبْعِينَ دَاءً وَ مَنْ يَتَّخِمْ فَلْيَتَغَدَّ وَ لْيَتَعَشَّ وَ لَا يَأْكُلُ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ وَ يُكْرَهُ تَرْكُ الْعَشَاءِ لِمَا رُوِيَ أَنَّ تَرْكَهُ خَرَابُ الْبَدَنِ. - وَ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام مَنْ تَرَكَ الْعَشَاءَ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَ لَيْلَةَ الْأَحَدِ مُتَوَالِيَيْنِ ذَهَبَتْ مِنْهُ قُوَّتُهُ وَ لَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ أَرْبَعِينَ يَوْماً. - وَ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام الْعَشَاءُ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ عَشَاءُ النَّبِيِّينَ ع. - وَ قَالَ عليه السلام مَسْحُ الْوَجْهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ يَذْهَبُ بِالْكَلَفِ وَ هُوَ شَيْءٌ يَعْلُو الْوَجْهَ كَالسِّمْسِمِ أَوْ لَوْنٌ بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَ السَّوَادِ وَ يَزِيدُ فِي الرِّزْقِ وَ أُمِرَ بِمَسْحِ الْحَاجِبِ وَ أَنْ يَقُولَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُحْسِنِ الْمُجْمِلِ الْمُنْعِمِ الْمُفَضِّلِ فَلَا تَرْمَدُ عَيْنَاهُ وَ يُكْرَهُ مَسْحُ الْيَدِ بِالْمِنْدِيلِ وَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أَثَرِ الطَّعَامِ تَعْظِيماً لَهُ حَتَّى يَمَصَّهَا وَ يُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ مِمَّا يَلِيهِ وَ أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ مِنْ قُدَّامِ غَيْرِهِ شَيْئاً. وَ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُطْعِمَ فَأَهْوَى بِيَدِهِ وَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ قَبْلَ أَنْ تَصِيرَ اللُّقْمَةُ إِلَى فِيهِ. وَ قَالَ عليه السلام لَا تَأْكُلُوا مِنْ جَوَانِبِهِ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِي رَأْسِهِ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَلْطَعُ الْقَصْعَةَ بِالْأَصَابِعِ أَيَّ يَلْحَسُهَا وَ مَنْ لَطَعَ قَصْعَةً فَكَأَنَّمَا تَصَدَّقَ بِمِثْلِهَا وَ يُسْتَحَبُّ الْأَكْلُ بِجَمِيعِ الْأَصَابِعِ. - وَ رُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ كَانَ يَأْكُلُ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ وَ يَكْرَهُ الْأَكْلَ بِإِصْبَعَيْنِ وَ يَسْتَحَبُّ مَصَّ الْأَصَابِعِ وَ لَا بَأْسَ بِكِتَابَةِ سُورَةِ التَّوْحِيدِ فِي الْقَصْعَةِ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا أَكَلَ لَقَّمَ مَنْ بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَ إِذَا شَرِبَ سَقَى مَنْ عَنْ يَمِينِهِ. وَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام كُلُوا مَا يَسْقُطُ مِنَ الْخِوَانِ بِالْكَسْرِ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَ رُوِيَ أَنَّهُ يَنْفِي الْفَقْرَ وَ يُكْثِرُ الْوَلَدَ وَ يَذْهَبُ بِذَاتِ الْجَنْبِ وَ مَنْ وَجَدَ كِسْرَةً فَأَكَلَهَا فَلَهُ حَسَنَةٌ وَ إِنْ غَسَلَهَا مِنْ قَذَرٍ وَ أَكَلَهَا فَلَهُ سَبْعُونَ حَسَنَةً. ثم ذكر (قدّس سرّه) بعد ذلك منافع أطعمة مأثورة عنهم عليه السلام قال روي مدح لحم الضأن عن الرضا ع. وَ رُوِيَ أَنَّ أَكْلَ اللَّحْمِ يَزِيدُ فِي السَّمْعِ وَ الْبَصَرِ وَ أَكْلَهُ بِالْبَيْضِ يَزِيدُ فِي الْبَاهِ وَ أَنَّهُ سَيِّدُ الطَّعَامِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ. وَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام لَحْمُ الْبَقَرِ بِالسِّلْقِ يُذْهِبُ الْبَيَاضَ. وَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام وَ قَدْ قَالَ عُمَرُ إِنَّ أَطْيَبَ اللُّحْمَانِ لَحْمُ الدَّجَاجِ كَلَّا تِلْكَ خَنَازِيرُ الطَّيْرِ إِنَّ أَطْيَبَ اللَّحْمِ لَحْمُ الْفَرْخِ قَدْ نَهَضَ أَوْ كَادَ يَنْهَضُ. وَ عَنِ الْكَاظِمِ عليه السلام لَحْمُ الْقَبَجِ يُقَوِّي السَّاقَيْنِ وَ يَطْرُدُ الْحُمَّى. وَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام الْقَدِيدُ لَحْمُ سَوْءٍ يُهَيِّجُ كُلَّ دَاءٍ. - وَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام شَيْئَانِ صَالِحَانِ الرُّمَّانُ وَ الْمَاءُ الْفَاتِرُ وَ شَيْئَانِ فَاسِدَانِ الْجُبُنُّ وَ الْقَدِيدُ. - وَ عَنْهُ عليه السلام ثَلَاثٌ لَا يُؤْكَلْنَ وَ يُسْمِنَّ اسْتِشْعَارُ الْكَتَّانِ وَ الطِّيبُ وَ النُّورَةُ وَ ثَلَاثَةٌ يُؤْكَلْنَ وَ يَهْزِلْنَ (بِكَسْرِ الزَّايِ) اللَّحْمُ الْيَابِسُ وَ الْجُبُنُّ وَ الطَّلْعُ. - وَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام الْجُبُنُّ ضَارٌّ بِالْغَدَاةِ نَافِعٌ بِالْعَشِيِّ وَ يَزِيدُ فِي مَاءِ الظَّهْرِ. وَ عَنْهُ عليه السلام الْجُبُنُّ وَ الْجَوْزُ إِذَا اجْتَمَعَا كَانَا دَوَاءً وَ إِذَا افْتَرَقَا كَانَا دَاءً. وَ رُوِيَ أَنَّ الْجُبُنَّ كَانَ يُعْجِبُهُ ع. - وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَكْلُ الْجَوْزِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ يُهَيِّجُ الْحَرَّ فِي الْجَوْفِ وَ يُهَيِّجُ الْقُرُوحَ فِي الْجَسَدِ وَ أَكْلُهُ فِي الشِّتَاءِ يُسَخِّنُ الْكُلْيَتَيْنِ وَ يَدْفَعُ الْبَرْدَ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُعْجِبُهُ مِنَ اللَّحْمِ الذِّرَاعُ وَ يَكْرَهُ الْوَرِكَ لِقُرْبِهَا مِنَ الْمَبَالِ. - وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام إِذَا ضَعُفَ الْمُسْلِمُ فَلْيَأْكُلِ اللَّحْمَ بِاللَّبَنِ. وَ فِي رِوَايَةٍ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ اللَّبَنُ الْحَلِيبُ. وَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مَدْحُ الثَّرِيدِ. - وَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَطْفِئُوا نَائِرَةَ الضَّغَائِنِ بِاللَّحْمِ وَ الثَّرِيدِ. - وَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام فِيمَنْ شَكَا إِلَيْهِ ضَعْفَ مَرَضٍ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِ الْكَبَابِ (بِفَتْحِ الْكَافِ) قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ الطَّبَاهَجُ وَ كَأَنَّهُ الْمَقْلِيُّ وَ رُبَّمَا جُعِلَ مَا يُلْقَى عَلَى الْفَحْمِ وَ رُوِيَ أَنَّهُ يُزِيلُ الصُّفْرَةَ وَ يَذْهَبُ بِالْحُمَّى وَ مَدَحَ الصَّادِقَ عليه السلام الرَّأْسَ. - وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام عَلَيْكُمْ بِالْهَرِيسَةِ فَإِنَّهَا تُنَشِّطُ لِلْعِبَادَةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ شَكَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى رَبِّهِ وَجَعَ الظَّهْرِ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِ الْهَرِيسَةِ وَ شَكَا نَبِيٌّ الضَّعْفَ وَ قِلَّةَ الْجِمَاعِ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِهَا. - وَ رُوِيَ إِنَّا وَ شِيعَتَنَا خُلِقْنَا مِنَ الْحَلَاوَةِ فَنَحْنُ نُحِبُّ الْحَلَاوَةَ وَ يُكْرَهُ الطَّعَامُ الْحَارُّ لِنَهْيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ الْبَرَكَةُ فِي الْبَارِدِ وَ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ بَاتَ وَ فِي جَوْفِهِ سَمَكٌ أَنْ يَتْبَعَهُ بِتَمْرٍ أَوْ عَسَلٍ لِيَنْدَفِعَ الْفَالِجَ وَ رُوِيَ أَنَّهُ يُذِيبُ الْجَسَدَ وَ شَكَا رَجُلٌ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام قِلَّةَ الْوَلَدِ فَقَالَ عليه السلام اسْتَغْفِرِ اللَّهَ وَ كُلِ الْبَيْضَ بِالْبَصَلِ. - رُوِيَ لِلنَّسْلِ اللَّحْمُ وَ الْبَيْضُ. - وَ رُوِيَ أَنَّ الْخَلَ وَ الزَّيْتَ طَعَامُ الْأَنْبِيَاءِ وَ أَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ الصِّبَاغِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم الْخَلُّ وَ الزَّيْتُ. و الصباغ جمع صبغ بالكسر و هو ما يصطبغ به من الإدام أي يغمس فيه الخبز و كان أمير المؤمنين عليه السلام يكثر أكلهما. وَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ وَ مَا افْتَقَرَ بَيْتٌ فِيهِ خَلٌّ وَ رُوِيَ أَنَّهُ يَشُدُّ الذِّهْنَ وَ يَزِيدُ فِي الْعَقْلِ وَ يَكْسِرُ الْمِرَّةَ وَ يُحْيِي الْقَلْبَ وَ يَقْتُلُ دَوَابَّ الْبَطْنِ وَ يَشُدُّ الْفَمَ وَ يَقْطَعُ شَهْوَةَ الزِّنَا الِاصْطِبَاغُ بِهِ وَ عَيَّنَ فِي بَعْضِهَا خَلَّ الْخَمْرِ وَ الْمُرِّيُ إِدَامُ يُوسُفَ لَمَّا شَكَا إِلَى رَبِّهِ وَ هُوَ فِي السِّجْنِ أَكْلَ الْخُبْزِ وَحْدَهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْخُبْزَ وَ يَجْعَلَ فِي خَابِيَةٍ وَ يَصُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَ الْمِلْحَ وَ هُوَ الْمُرِّيُّ. - وَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم كُلُوا الزَّيْتَ وَ ادَّهِنُوا بِهِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ. وَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام الزَّيْتُونُ يَطْرُدُ الرِّيَاحَ وَ يَزِيدُ فِي الْمَاءِ وَ مَا اسْتَشْفَى النَّاسُ بِمِثْلِ الْعَسَلِ وَ هُوَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَ السُّكَّرُ يَنْفَعُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَ لَا يَضُرُّ شَيْئاً وَ أَكْلُ سُكَّرَتَيْنِ عِنْدَ النَّوْمِ تُزِيلُ الْوَجَعَ وَ السُّكَّرُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ جَيِّدٌ لِلْمَرَضِ وَ السُّكَّرُ يُزِيلُ الْبَلْغَمَ وَ السَّمْنُ دَوَاءٌ وَ خُصُوصاً فِي الصَّيْفِ. وَ رُوِيَ مَنْ بَلَغَ الْخَمْسِينَ لَا يَبِيتَنَّ إِلَّا وَ فِي جَوْفِهِ مِنْهُ وَ نَهَى عَنْهُ لِلشَّيْخِ وَ أَمَرَهُ بِأَكْلِ الثَّرِيدِ. - وَ مَدَحَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم اللَّبَنَ وَ قَالَ إِنَّهُ طَعَامُ الْمُرْسَلِينَ وَ لَبَنُ الشَّاةِ السَّوْدَاءِ خَيْرٌ مِنْ لَبَنِ الْحَمْرَاءِ وَ لَبَنُ الْبَقَرَةِ الْحَمْرَاءِ خَيْرٌ مِنْ لَبَنِ السَّوْدَاءِ. - وَ رُوِيَ أَنَّ اللَّبَنَ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَ يَشُدُّ الْعَضُدَ. - وَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام لِمَاءِ الظَهْرِ اللَّبَنُ الْحَلِيبُ وَ الْعَسَلُ. - وَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَلْبَانُ الْبَقَرِ دَوَاءٌ يَنْفَعُ لِلذَّرَبِ. - وَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ فَإِنَّهَا تُخْلَطُ مِنَ الشَّجَرِ. وَ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام فِي النَّانْخَواهِ أَنَّهَا هَاضُومَةٌ. وَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام نِعْمَ الطَّعَامُ الْأَرُزُّ يُوَسِّعُ الْأَمْعَاءَ وَ يَقْطَعُ الْبَوَاسِيرَ. - وَ رُوِيَ أَنَّ الْحِمَّصَ بَارَكَ فِيهِ سَبْعُونَ نَبِيّاً وَ إِنَّهُ جَيِّدٌ لِوَجَعِ الظَّهْرِ. - وَ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَكْلُ الْعَدَسِ يُرِقُّ الْقَلْبَ وَ يُسْرِعُ الدَّمْعَةَ. - وَ رُوِيَ أَنَّ أَكْلَ الْبَاقِلَاءِ يُمَخِّخُ السَّاقَيْنِ (أَيْ يُجْرِي فِيهِمَا الْمُخَّ) وَ يُسْمِنُهُمَا وَ يَزِيدُ فِي الدِّمَاغِ وَ يُوَلِّدُ الدَّمَ الطَّرِيَّ وَ أَنَّ أَكْلَهُ بِقِشْرِهِ يَدْبُغُ الْمَعِدَةَ وَ أَنَّ اللُّوبِيَا تَطْرُدُ الرِّيَاحَ الْمُسْتَنْبِطَةَ وَ أَنَّ طَبِيخَ الْمَاشِ يَذْهَبُ بِالْبَهَقِ. - وَ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ عَلِيّاً وَ الْحَسَنَيْنِ وَ زَيْنَ الْعَابِدِينَ وَ الْبَاقِرَ وَ الصَّادِقَ وَ الْكَاظِمَ عليه السلام كَانُوا يُحِبُّونَ التَّمْرَ وَ أَنَّ شِيعَتَهُمْ تُحِبُّهُ وَ أَنَّ الْبَرْنِيَّ يُشْبِعُ وَ يَهْنِئُ وَ يُمْرِئُ وَ يَذْهَبُ بِالْعَيَاءِ وَ مَعَ كُلِّ تَمْرَةٍ حَسَنَةٌ وَ هُوَ الدَّوَاءُ وَ لَا دَاءَ لَهُ وَ يَكْرَهُ تَقْشِيرَ التَّمْرِ. - وَ رُوِيَ أَنَّ الْعِنَبَ الرَّازِقِيَّ وَ الرُّطَبَ الْمُشَانَ وَ الرُّمَّانَ الْإِمْلِيسِيَ مِنْ فَوَاكِهِ الْجَنَّةِ وَ أَنَّ أَكْلَ الْعِنَبِ الْأَسْوَدِ يُذْهِبُ الْغَمَّ وَ لْيُؤْكَلْ مَثْنَى وَ رُوِيَ فُرَادَى أَمْرَأَ وَ أَهْنَأَ. - وَ رُوِيَ شَيْئَانِ يُؤْكَلَانِ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعاً الْعِنَبُ وَ الرُّمَّانُ وَ الِاصْطِبَاحُ بِإِحْدَى وَ عِشْرِينَ زَبِيبَةً حَمْرَاءَ يَدْفَعُ الْأَمْرَاضُ وَ هُوَ يَشُدُّ الْعَصَبَ وَ يَذْهَبُ بِالنَّصَبِ وَ يُطَيِّبُ النَّفْسَ وَ التِّينُ أَشْبَهُ شَيْءٍ بِنَبَاتِ الْجَنَّةِ وَ يَذْهَبُ بِالدَّاءِ وَ لَا يُحْتَاجُ مَعَهُ إِلَى دَوَاءٍ وَ هُوَ يَقْطَعُ الْبَوَاسِيرَ وَ يُذْهِبُ النِّقْرِسَ وَ الرُّمَّانُ سَيِّدُ الْفَوَاكِهِ وَ كَانَ أَحَبَّ الثِّمَارِ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم يُمْرِئُ الشَّبْعَانَ وَ يُجْزِي الْجَائِعَ وَ فِي كُلِّ رُمَّانَةٍ حَبَّةٌ مِنَ الْجَنَّةِ فَلَا يُشَارِكُ الْأَكْلَ فِيهَا وَ يُحَافِظُ فِيهَا عَلَى حَبِّهَا بِأَسْرِهِ وَ أَكْلُهُ بِشَحْمِهِ دِبَاغُ الْمَعِدَةِ وَ أَكْلُهُ يُذْهِبُ وَسْوَسَةَ الشَّيْطَانِ وَ يُنِيرُ الْقَلْبَ وَ مَدَحَ رُمَّانَ سُورَاءَ وَ أَكْلُ رُمَّانَةٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الرِّيقِ يُنَوِّرُ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً وَ الرُّمَّانَتَانِ ثَمَانُونَ وَ الثَّلَاثُمِائَةٍ وَ عِشْرُونَ فَلَا وَسْوَسَةَ وَ لَا مَعْصِيَةَ وَ دُخَانُ عُودِهِ يَنْفِي الْهَوَامَّ وَ التُّفَّاحُ يَنْفَعُ مِنَ السَّمِّ وَ السِّحْرِ وَ سَوِيقُهُ يَنْفَعُ مِنَ السَّمِّ وَ اللَّمَمِ وَ الْبَلْغَمِ وَ أَكْلُهُ يَقْطَعُ الرُّعَافَ وَ خُصُوصاً سَوِيقَهُ وَ السَّفَرْجَلُ يُذَكِّي وَ يُشَجِّعُ وَ يُصَفِّي اللَّوْنَ وَ يُحَسِّنُ الْوَلَدَ وَ يُذْهِبُ الْغَمَّ وَ يَنْطِقُ أَكْلَهُ بِالْحِكْمَةِ وَ مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيّاً إِلَّا وَ مَعَهُ رَائِحَةُ السَّفَرْجَلِ وَ الْكُمَّثْرَى يَجْلُو الْقَلْبَ وَ يَدْبُغُ الْمَعِدَةَ وَ خُصُوصاً عَلَى الشِّبَعِ وَ الْإِجَّاصُ يُطْفِئُ الْحَرَارَةَ وَ يُسَكِّنُ الصَّفْرَاءَ وَ يَابِسُهُ يُسَكِّنُ الدَّمَ وَ يَسُلُّ الدَّاءَ وَ يُؤْكَلُ الْأُتْرُجُّ بَعْدَ الطَّعَامِ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعْجِبُهُ النَّظَرُ إِلَى الْأُتْرُجِّ الْأَخْضَرِ وَ الْغُبَيْرَاءُ تَدْبُغُ الْمَعِدَةَ وَ أَمَانٌ مِنَ الْبَوَاسِيرِ وَ تُقَوِّي السَّاقَيْنِ وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَأْكُلُ الرُّطَبَ بِالْبِطِّيخِ. ثم قال رحمه الله درس في البقول و غيرها. يستحبّ أن يؤتى بالبقل الأخضر على المائدة تأسيا بأمير المؤمنين عليه السلام و سبع ورقات من الهندباء أمان من القولنج ليلته و على كل ورقة قطرة من الجنة فليؤكل و لا ينفض و هو يزيد في الباه و يحسن الولد و فيه شفاء من ألف داء و الباذروج يفتح السدد و يشهي الطعام و يذهب بالسل و يهضم الطعام و كان يعجب أمير المؤمنين ع. و الكراث ينفع من الطحال فيؤكل ثلاثة أيام و يطيب النكهة و يطرد الرياح و يقطع البواسير و هو أمان من الجذام و كان أمير المؤمنين عليه السلام يأكله بالملح. - وَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالْكَرَفْسِ فَإِنَّهُ طَعَامُ إِلْيَاسَ وَ الْيَسَعِ وَ يُوشَعَ وَ رُوِيَ أَنَّهُ يُورِثُ الْحِفْظَ وَ يُذَكِّي الْقَلْبَ وَ يَنْفِي الْجُنُونَ وَ الْجُذَامَ وَ الْبَرَصَ وَ لَا بَقْلَةٌ أَشْرَفَ مِنَ الْفَرْفَخِ (بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَ فَتْحِ الْفَاءَيْنِ) وَ هِيَ بَقْلَةُ فَاطِمَةَ عليها السلام وَ الْخَسُّ يُصَفِّي الدَّمَ وَ السَّدَابُ يَزِيدُ فِي الْعَقْلِ وَ الْجِرْجِيرُ بَقْلُ بَنِي أُمَيَّةَ وَ هُوَ مَذْمُومٌ وَ السِّلْقُ يَدْفَعُ الْجُذَامَ وَ الْبِرْسَامَ (بِكَسْرِ الْبَاءِ). - وَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام رُفِعَ عَنِ الْيَهُودِ الْجُذَامُ بِأَكْلِهِمُ السِّلْقَ وَ قَلْعِهِمُ الْعُرُوقَ. - وَ رُوِيَ نِعْمَ الْبَقْلَةُ السِّلْقُ يَنْبُتُ بِشَاطِئِ الْفِرْدَوْسِ وَ فِيهَا شِفَاءٌ مِنَ الْأَوْجَاعِ كُلِّهَا وَ تَشُدُّ الْعَصَبَ وَ تُظْهِرُ الدَّمَ وَ تُغَلِّظُ الْعَظْمَ وَ الْكَمْأَةُ مِنَ الْمَنِّ وَ مَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَ الدُّبَّاءُ يَزِيدُ فِي الْعَقْلِ وَ الدِّمَاغِ وَ كَانَ يُعْجِبُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ أَصْلِ الْفُجْلِ يَقْطَعُ الْبَلْغَمَ وَ وَرَقُهُ يَحْدُرُ الْبَوْلَ وَ الْجَزَرُ أَمَانٌ مِنَ الْقُولَنْجِ وَ الْبَوَاسِيرِ وَ يُعِينُ عَلَى الْجِمَاعِ و السلجم بالسين المهملة و الشين المعجمة و صحح بعضهم بالمهملة لا غير يذيب الجذام وَ كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالْمِلْحِ وَ يَأْكُلُ عَنِ أَسْفَلِهِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِبَرَكَتِهِ وَ الْبَاذَنْجَانُ لِلشَّابِّ وَ الشَّيْخِ وَ يَنْفِي الدَّاءَ وَ يُصْلِحُ الطَّبِيعَةَ وَ الْبَصَلُ يَزِيدُ فِي الْجِمَاعِ وَ يُذْهِبُ الْبَلْغَمَ وَ يَشُدُّ الْقَلْبَ وَ يُذْهِبُ الْحُمَّى وَ يَطْرُدُ الْوَبَاءَ بِالْقَصْرِ وَ الْمَدِّ وَ السَّعْتَرُ عَلَى الرِّيقِ يَذْهَبُ بِالرُّطُوبَةِ وَ يَجْعَلُ لِلْمَعِدَةِ خَمْلًا (بِسُكُونِ الْمِيمِ) وَ التَّخَلُّلُ يُصْلِحُ اللِّثَةَ وَ يُطَيِّبُ الْفَمَ وَ نُهِيَ عَنِ التَّخَلُّلِ بِالْخُوصِ وَ الْقَصَبِ وَ الرَّيْحَانِ فَإِنَّهُمَا يُهَيِّجَانِ عِرْقَ الْجُذَامِ وَ عَنِ التَّخَلُّلِ بِالرُّمَّانِ وَ الْآسِ وَ غَسْلُ الْفَمِ بِالسُّعْدِ (بِضَمِّ السِّينِ) بَعْدَ الطَّعَامِ يُذْهِبُ عِلَلَ الْفَمِ وَ يَذْهَبُ بِوَجَعِ الْأَسْنَانِ وَ الْمَاءُ سَيِّدُ الشَّرَابِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ طَعْمُهُ طَعْمُ الْحَيَاةِ وَ يُكْرَهُ الْإِكْثَارُ مِنْهُ وَ عَبُّهُ أَيْ شُرْبُهُ بِغَيْرِ مَصٍّ وَ يُسْتَحَبُّ مَصُّهُ. - وَ رُوِيَ مَنْ شَرِبَ الْمَاءَ فَنَحَّاهُ وَ هُوَ يَشْتَهِيهِ فَحَمِدَ اللَّهَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثاً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ وَ رُوِيَ بِاسْمِ اللَّهِ فِي الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ فِي ابْتِدَائِهِ. - وَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام إِذَا شَرِبَ الْمَاءَ يُحَرِّكُ الْإِنَاءَ وَ يُقَالُ يَا مَاءُ مَاءُ زَمْزَمَ وَ مَاءُ الْفُرَاتِ يُقْرِئُكَ السَّلَامَ وَ مَاءُ زَمْزَمَ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَ هُوَ دَوَاءٌ مِمَّا شُرِبَ لَهُ وَ مَاءُ الْمِيزَابِ يَشْفِي الْمَرِيضَ وَ مَاءُ السَّمَاءِ يَدْفَعُ الْأَسْقَامَ وَ نُهِيَ عَنِ الْبَرَدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشاءُ وَ مَاءُ الْفُرَاتِ يُصَبُّ فِيهِ مِيزَابَانِ مِنَ الْجَنَّةِ وَ تَحْنِيكُ الْوَلَدِ بِهِ يجبه [يُحَبِّبُهُ إِلَى الْوَلَايَةِ. - وَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام تَفَجَّرَتِ الْعُيُونُ مِنْ تَحْتِ الْكَعْبَةِ وَ مَاءُ نِيلِ مِصْرَ يُمِيتُ الْقَلْبَ وَ الْأَكْلُ فِي فَخَّارِهَا وَ غَسْلُ الرَّأْسِ بِطِينِهَا يَذْهَبُ بِالْغَيْرَةِ وَ تُورِثُ الدِّيَاثَةَ. وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يُعْجِبُهُ الشُّرْبُ فِي الْقَدَحِ الشَّامِيِّ وَ الشُّرْبُ فِي الْيَدَيْنِ أَفْضَلُ وَ مَنْ شَرِبَ الْمَاءَ فَذَكَرَ الْحُسَيْنَ عليه السلام وَ لَعَنَ قَاتِلَهُ كُتِبَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ وَ حُطَّ عَنْهُ مِائَةُ أَلْفِ سَيِّئَةٍ وَ رُفِعَ لَهُ مِائَةُ أَلْفِ دَرَجَةٍ وَ كَأَنَّمَا أَعْتَقَ مِائَةَ أَلْفِ نَسَمَةٍ ثُمَّ قَالَ طَيَّبَ اللَّهُ تُرْبَتَهُ دَرْسٌ مُلْتَقَطٌ مِنْ طِبِّ الْأَئِمَّةِ عليهم السلام يُسْتَحَبُّ الْحِجَامَةُ فِي الرَّأْسِ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَ تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ فِي الْأَرْبِعَاءِ وَ السَّبْتِ خَوْفاً مِنَ الْوَضَحِ إِلَّا أَنْ يَتَبَيَّغَ بِهِ الدَّمُ أَيْ يُهَيَّجُ فَيَحْتَجِمُ مَتَى شَاءَ وَ يَقْرَأُ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ وَ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ (صلوات الله عليهم). - وَ رُوِيَ أَنَّ الدَّوَاءَ فِي الْحِجَامَةِ وَ النُّورَةِ وَ الْحُقْنَةِ وَ الْقَيْءِ. - وَ رُوِيَ مُدَاوَاةُ الْحُمَّى بِصَبِّ الْمَاءِ فَإِنْ شَقَّ فَلْيَدْخُلْ يَدَهُ فِي مَاءِ الْبَارِدِ وَ مَنِ اشْتَدَّ وَجَعُهُ قَرَأَ عَلَى قَدَحٍ فِيهِ مَاءٌ الْحَمْدَ أَرْبَعِينَ مَرَّةً ثُمَّ يَضَعُهُ عَلَيْهِ وَ لِيَجْعَلِ الْمَرِيضُ عِنْدَهُ مِكْتَلًا فِيهِ بُرٌّ وَ يُنَاوِلُ السَّائِلَ مِنْهُ بِيَدِهِ وَ يَأْمُرُهُ أَنْ يَدْعُوَ لَهُ فَيُعَافَى إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَ الِاكْتِحَالُ بِالْإِثْمِدِ (بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَ الْمِيمِ) عِنْدَ النَّوْمِ يُذْهِبُ الْقَذَى وَ يُصَفِّي الْبَصَرَ وَ أَكْلُ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَ الْحَرْمَلُ (بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ) شِفَاءٌ مِنْ سَبْعِينَ دَاءً وَ هُوَ يُشَجِّعُ الْجَبَانَ وَ يَطْرُدُ الشَّيْطَانَ وَ السَّنَا (بِالْقَصْرِ) دَوَاءٌ وَ كَذَا الْحُلْبَةُ وَ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ يَشُدُّ الْعَقْلَ وَ يَزِيدُ فِي الْبَاهِ وَ الْبَنَفْسَجُ أَفْضَلُ الْأَدْهَانِ وَ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَ السِّوَاكُ وَ الصِّيَامُ يُذْهِبْنَ النِّسْيَانَ وَ يُحَدِّدْنَ الْفِكْرَ وَ الدُّعَاءُ فِي حَالِ السُّجُودِ يُزِيلُ الْعِلَلَ وَ مَسْحُ الْيَدِ عَلَى الْمَسْجِدِ ثُمَّ مَسْحُهَا عَلَى الْعِلَّةِ كَذَلِكَ وَ عَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلِيّاً عليه السلام لِلْحُمَّى اللَّهُمَّ ارْحَمْ جِلْدِيَ الرَّقِيقَ وَ عَظْمِيَ الدَّقِيقَ وَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ فَوْرَةِ الْحَرِيقِ يَا أُمَّ مِلْدَمٍ (بِكَسْرِ الْمِيمِ وَ فَتْحِ الدَّالِ) إِلَى قَوْلِهِ قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام مَا فَزِعْتُ إِلَيْهِ قَطُّ إِلَّا وَجَدْتُهُ. وَ كَانَ عليه السلام يُمِرُّ يَدَهُ عَلَى الْوَجَعِ وَ يَقُولُ ثَلَاثاً اللَّهُ رَبِّي حَقّاً لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئاً اللَّهُمَّ أَنْتَ لَهَا وَ لِكُلِّ دَاءٍ عَظِيمَةٍ وَ قَالَ لِلْأَوْجَاعِ كُلِّهَا بِاسْمِ اللَّهِ وَ بِاللَّهِ كَمْ مِنْ نِعْمَةٍ لِلَّهِ فِي عِرْقٍ سَاكِنٍ وَ غَيْرِ سَاكِنٍ عَلَى عَبْدٍ شَاكِرٍ وَ غَيْرِ شَاكِرٍ وَ يَأْخُذُ لِحْيَتَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى عَقِيبَ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَ يَقُولُ اللَّهُمَّ فَرِّجْ عَنِّي كُرْبَتِي وَ عَجِّلْ عَافِيَتِي وَ اكْشِفْ ضُرِّي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ. وَ رُوِيَ اجْتِنَابُ الدَّوَاءِ مَا احْتَمَلَ الْبَدَنُ الدَّاءَ وَ التَّقْصِيرُ فِي الطَّعَامِ يُصِحُّ الْبَدَنَ وَ مَنْ كَتَمَ وَجَعاً ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ النَّاسِ وَ شَكَا إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عُوفِيَ وَ مَنْ أَخَذَ الرَّازِيَانَجَ وَ السُّكَّرَ وَ الْإِهْلِيلَجَ اسْتِقْبَالَ الصَّيْفِ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَمْ يَمْرَضْ إِلَّا مَرَضَ الْمَوْتِ. وَ رُوِيَ اسْتِعْمَالُ الْإِهْلِيلَجِ الْأَسْوَدِ فِي كُلِّ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَ أَقَلُّهُ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ وَ أَقَلُّهُ فِي كُلِّ شَهْرٍ وَ فِي الْإِهْلِيلَجِ شِفَاءٌ مِنْ سَبْعِينَ دَاءً وَ السَّعْتَرُ دَوَاءُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ طِينُ قَبْرِ الْحُسَيْنِ عليه السلام شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَ الِاكْتِحَالُ بِالْإِثْمِدِ سِرَاجُ الْعَيْنِ وَ لْيَكُنْ أَرْبَعاً فِي الْيَمِينِ وَ ثَلَاثاً فِي الْيَسَارِ عِنْدَ النَّوْمِ وَ يَجُوزُ الْمُعَالَجَةُ بِالطَّبِيبِ الْكِتَابِيِّ وَ قَدْحُ الْعَيْنِ عِنْدَ نُزُولِ الْمَاءِ وَ دَهْنُ اللَّيْلِ يَرْوِي الْبَشَرَةَ وَ يُبَيِّضُ الْوَجْهَ.. بيان قال في القاموس الطباهجة اللحم المشرح معرّب تباهة و قال الكباب بالفتح اللحم المشرّح و قال الذرب محركة فساد الجرح و اتساعه و فساد المعدة و صلاحها ضد و المرض الذي لا يبرأ انتهى. و قال في بحر الجواهر الذرب محركة إسهال معدي و قيل هو انطلاق البطن المتصل و قيل هو أن ينهضم الطعام في المعدة و الأمعاء و لا يغذو جميع البدن بل يستفرغ من أسفل فقط استفراغا متصلا. أقول تلك الأدوية و الأدعية و الآداب التي نقلناها من هؤلاء الأفاضل الكرام و المشيخة العظام و إن كان مر أكثرها أو ستأتي بأسانيدها فإنما أوردتها هنا تأييدا و تأكيدا مع ما فيها من الفوائد الجليلة. بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ نورد فيه كتاب طب النبيّ المنسوب إلى الشيخ أبي العباس المستغفريّ. - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَا خَلَقَ اللَّهُ كُلَّ دَاءٍ إِلَّا وَ خَلَقَ لَهُ دَوَاءً إِلَّا السَّامَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الَّذِي أَنْزَلَ الدَّاءَ أَنْزَلَ الشِّفَاءَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم بَشِّرُوا الْمَحْرُورِينَ بِطُولِ الْعُمُرِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم أَصْلُ كُلِّ دَاءٍ الْبُرُودَةُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم كُلْ وَ أَنْتَ تَشْتَهِي وَ أَمْسِكْ وَ أَنْتَ تَشْتَهِي. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْمَعِدَةُ بَيْتُ كُلِّ دَاءٍ وَ الْحِمْيَةُ رَأْسُ كُلِّ دَوَاءٍ وَ أَعْطِ كُلَّ نَفْسٍ مَا عَوَّدَتْهَا. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم أَحَبُّ الطَّعَامِ إِلَى اللَّهِ مَا كَثُرَتْ عَلَيْهِ الْأَيْدِي. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْأَكْلُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدٍ أَكْلُ الشَّيْطَانِ وَ بِالاثْنَيْنِ أَكْلُ الْجَبَابِرَةِ وَ بِالثَّلَاثِ أَكْلُ الْأَنْبِيَاءِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم بَرِّدِ الطَّعَامَ فَإِنَّ الْحَارَّ لَا بَرَكَةَ فِيهِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا أَكَلْتُمْ فَاخْلَعُوا نِعَالَكُمْ فَإِنَّهُ أَرْوَحُ لِأَقْدَامِكُمْ وَ إِنَّهُ سُنَّةٌ جَمِيلَةٌ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْأَكْلُ مَعَ الخُدَّامِ مِنَ التَّوَاضُعِ فَمَنْ أَكَلَ مَعَهُمْ اشْتَاقَتْ إِلَيْهِ الْجَنَّةُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْأَكْلُ فِي السُّوقِ مِنَ الدَّنَاءَةِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ بِشَهْوَةِ أَهْلِهِ وَ الْمُنَافِقُ يَأْكُلُ أَهْلُهُ بِشَهْوَتِهِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ فَلْيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ مِمَّا يَلِيهِ وَ لَا يَتَنَاوَلُ ذِرْوَةَ الطَّعَامِ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ تَأْتِيهَا مِنْ أَعْلَاهَا وَ لَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ وَ لَا يَرْفَعُ يَدَهُ وَ إِنْ شَبِعَ حَتَّى يَرْفَعَ الْقَوْمُ أَيْدِيَهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ يُخْجِلُ جَلِيسَهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْبَرَكَةُ فِي وَسَطِ الطَّعَامِ فَكُلُوا مِنْ حَافَاتِهِ وَ لَا تَأْكُلُوا مِنْ وَسَطِهِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْبَرَكَةُ فِي ثَلَاثَةٍ الْجَمَاعَةِ وَ السَّحُورِ وَ الثَّرِيدِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنِ اسْتَعْمَلَ الْخَشَبَتَيْنِ أَمِنَ مِنْ عَذَابِ الْكَلْبَتَيْنِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم تَخَلَّلُوا عَلَى أَثَرِ الطَّعَامِ وَ تَمَضْمَضُوا فَإِنَّهَا مَصَحَّةُ النَّابِ وَ النَّوَاجِدِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم تَخَلَّلُوا فَإِنَّهُ مِنَ النَّظَافَةِ وَ النَّظَافَةُ مِنَ الْإِيمَانِ وَ الْإِيمَانُ مَعَ صَاحِبِهِ فِي الْجَنَّةِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم طَعَامُ الْجَوَادِ دَوَاءٌ وَ طَعَامُ الْبَخِيلِ دَاءٌ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْقَصْعَةُ تَسْتَغْفِرُ لِمَنْ يَلْحَسُهَا. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم كُلُوا جَمِيعاً وَ لَا تَفَرَّقُوا فَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِي الْجَمَاعَةِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم كَثْرَةُ الْأَكْلِ شُؤْمٌ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ جَاعَ أَوِ احْتَاجَ وَ كَتَمَهُ مِنَ النَّاسِ وَ مَضَى إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ حَقّاً عَلَيْهِ أَنْ يَفْتَحَ لَهُ رِزْقَ سَنَةٍ حَلَالًا. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَكَلَ مَا يَسْقُطُ مِنَ الْمَائِدَةِ عَاشَ مَا عَاشَ فِي سَعَةٍ مِنْ رِزْقِهِ وَ عُوفِيَ وُلْدُهُ وَ وُلْدُ وُلْدِهِ مِنَ الْحَرَامِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مِنَ التَّوَاضُعِ أَنْ يَشْرَبَ الرَّجُلُ مِنْ سُؤْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ قَلَّ أَكْلُهُ قَلَّ حِسَابُهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَا يَشْرَبَنَّ أَحَدُكُمْ قَائِماً وَ مَنْ نَسِيَ فَلْيَتَقَيَّأْ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْمُحْتَكِرُ مَلْعُونٌ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الِاحْتِكَارُ فِي عَشَرَةٍ الْبُرِّ وَ الشَّعِيرِ وَ التَّمْرِ وَ الزَّبِيبِ وَ الذُّرَةِ وَ السَّمْنِ وَ الْعَسَلِ وَ الْجُبُنِّ وَ الْجَوْزِ وَ الزَّيْتِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرْءِ تِجَارَةٌ إِلَّا فِي الطَّعَامِ طَغَى وَ بَغَى. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ جَمَعَ طَعَاماً يَتَرَبَّصُ بِهِ الْغَلَاءَ أَرْبَعِينَ يَوْماً فَقَدْ بَرِئَ مِنَ اللَّهِ وَ بَرِئَ اللَّهُ مِنْهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنِ احْتَكَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَعَاماً ضَرَبَهُ اللَّهُ بِالْجُذَامِ وَ الْإِفْلَاسِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم تَسَحَّرُوا فَإِنَّ السَّحُورَ بَرَكَةٌ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم تَسَحَّرُوا خِلَافَ أَهْلِ الْكِتَابِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم خَيْرُ طَعَامِكُمُ الْخُبْزُ وَ خَيْرُ فَاكِهَتِكُمُ الْعِنَبُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالْحَزَازِمَةِ أَيْ كُونُوا مِنْهُمْ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالْهَرِيسَةِ فَإِنَّهَا تُنَشِّطُ لِلْعِبَادَةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَ هِيَ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْنَا بَدَلَ مَائِدَةِ عِيسَى ع. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَا تَقْطَعُوا الْخُبْزَ بِالسِّكِّينِ وَ أَكْرِمُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم ثَلَاثُ لُقُمَاتٍ بِالْمِلْحِ قَبْلَ الطَّعَامِ تَصْرِفُ عَنِ ابْنِ آدَمَ اثْنَيْنِ وَ سَبْعِينَ نَوْعاً مِنَ الْبَلَاءِ مِنْهُ الْجُنُونُ وَ الْجُذَامُ وَ الْبَرَصُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم سَيِّدُ إِدَامِكُمُ الْمِلْحُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَكَلَ الْمِلْحَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ دَفَعَ اللَّهُ عَنْهُ ثَلَاثَمِائَةٍ وَ سِتِّينَ نَوْعاً مِنَ الْبَلَاءِ أَهْوَنُهَا الْجُذَامُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم افْتَتِحُوا بِالْمِلْحِ فَإِنَّهُ دَوَاءٌ مِنْ سَبْعِينَ دَاءً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الْمَاءُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم سَيِّدُ الْأَشْرِبَةِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ الْمَاءُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَبَرِّدُوهَا بِالْمَاءِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا اشْتَهَيْتُمُ الْمَاءَ فَاشْرَبُوهُ مَصّاً وَ لَا تَشْرَبُوهُ عَبّاً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْعَبُّ يُورِثُ الْكُبَادَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم كُلُّ طَعَامٍ وَ شَرَابٍ وَقَعَتْ فِيهِ دَابَّةٌ لَيْسَتْ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَةٌ فَمَاتَتْ فَهُوَ حَلَالٌ وَ طَهُورٌ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ تَعَوَّدَ كَثْرَةَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ قَسَا قَلْبُهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا شَرِبَ أَحَدُكُمُ الْمَاءَ وَ تَنَفَّسَ ثَلَاثاً كَانَ آمِناً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم شِرَارُ أُمَّتِي الَّذِينَ يَأْكُلُونَ مِخَاخَ الْعِظَامِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّ إِبْلِيسَ يَخْطُبُ شَيَاطِينَهُ وَ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِاللَّحْمِ وَ الْمُسْكِرِ وَ النِّسَاءِ فَإِنِّي لَا أَجِدُ جِمَاعَ الشَّرِّ إِلَّا فِيهَا. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم خَيْرُ الْإِدَامِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ اللَّحْمُ. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِأَكْلِ الْجَزُورِ مُخَالَفَةً لِلْيَهُودِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم اللَّحْمُ يُنْبِتُ اللَّحْمَ وَ مَنْ تَرَكَ اللَّحْمَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً سَاءَ خُلُقُهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ تَرَكَ أَكْلَ الْمَيْتَةِ وَ الدَّمِ وَ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ وَ مَاتَ فَلَهُ النَّارُ خَالِداً مُخَلَّداً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّينِ عَلَى الْخِوَانِ فَإِنَّهُ مِنْ صُنْعِ الْأَعَاجِمِ وَ انْهَشُوهُ فَإِنَّهُ أَهْنَأُ وَ أَمْرَأُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَا تَأْكُلُوا مِنْ صَيْدِ الْمَجُوسِ إِلَّا السَّمَكَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَكَلَ اللَّحْمَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً قَسَا قَلْبُهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيٍّ مِنْ أَنْبِيَائِهِ حِينَ شَكَا إِلَيْهِ ضَعْفَهُ أَنِ اطْبُخِ اللَّحْمَ مَعَ اللَّبَنِ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْتُ شِفَاءً وَ بَرَكَةً فِيهِمَا. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْأَرُزُّ فِي الْأَطْعِمَةِ كَالسَّيِّدِ فِي الْقَوْمِ وَ أَنَا فِي الْأَنْبِيَاءِ كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَكَلَ الْفَاكِهَةَ وَتْراً لَمْ تَضُرَّهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم ادَّهِنُوا بِالْبَنَفْسَجِ فَإِنَّهُ بَارِدٌ فِي الصَّيْفِ حَارٌّ فِي الشِّتَاءِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم اسْقُوا نِسَاءَكُمُ الْحَوَامِلَ الْأَلْبَانَ فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي عَقْلِ الصَّبِيِّ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا شَرِبْتُمُ اللَّبَنَ فَتَمَضْمَضُوا فَإِنَ لَهُ دَسَماً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ الْوِسَادَةُ وَ اللَّبَنُ وَ الدُّهْنُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْجُبُنُّ دَاءٌ وَ الْجَوْزُ دَاءٌ فَإِذَا اجْتَمَعَا مَعاً صَارَا دَوَاءً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم شُرْبُ اللَّبَنِ مَحَضَ الْإِيمَانَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِاللُّبَانِ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ الْحَرَّ مِنَ الْقَلْبِ كَمَا يَمْسَحُ الْإِصْبَعُ الْعَرَقَ عَنِ الْجَبِينِ وَ يَشُدُّ الظَّهْرَ وَ يَزِيدُ فِي الْعَقْلِ وَ يُذَكِّي الذِّهْنَ وَ يَجْلُو الْبَصَرَ وَ يُذْهِبُ النِّسْيَانَ. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَشْرُ خِصَالٍ تُورِثُ النِّسْيَانَ أَكْلُ الْجُبُنِّ وَ أَكْلُ سُؤْرِ الْفَأْرِ وَ أَكْلُ التُّفَّاحِ الْحَامِضِ وَ الْجُلْجُلَانِ وَ الْحِجَامَةُ عَلَى النُّقْرَةِ وَ الْمَشْيُ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ وَ النَّظَرُ إِلَى الْمَصْلُوبِ وَ التَّعَارُّ وَ قِرَاءَةُ لَوْحِ الْمَقَابِرِ. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَيْسَ يُجْزِي مَكَانَ الطَّعَامِ وَ الشَّرَابِ غَيْرُ اللَّبَنِ. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الشَّاةُ بَرَكَةٌ وَ الشَّاتَانِ بَرَكَتَانِ وَ ثَلَاثُ شِيَاهٍ غَنِيمَةٌ. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم ثَلَاثٌ يَفْرَحُ بِهِنَّ الْجِسْمُ وَ يَرْبُو الطِّيبُ وَ اللِّبَاسُ اللَّيِّنُ وَ شُرْبُ الْعَسَلِ. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالْعَسَلِ فَوَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا مِنْ بَيْتٍ فِيهِ عَسَلٌ إِلَّا وَ يَسْتَغْفِرُ الْمَلَائِكَةُ لِذَلِكَ الْبَيْتِ فَإِنْ شَرِبَهُ رَجُلٌ دَخَلَ فِي جَوْفِهِ أَلْفُ دَوَاءٍ وَ خَرَجَ عَنْهُ أَلْفُ أَلْفِ دَاءٍ فَإِنْ مَاتَ وَ هُوَ فِي جَوْفِهِ لَمْ تَمَسَّ النَّارُ جَسَدَهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم قَلْبُ الْمُؤْمِنُ حُلْوٌ يُحِبُّ الْحَلَاوَةَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنَ لَقَّمَ فِي فَمِ أَخِيهِ لُقْمَةَ حُلْوٍ لَا يَرْجُو بِهَا رِشْوَةً وَ لَا يَخَافُ بِهَا مِنْ شَرِّهِ وَ لَا يُرِيدُ إِلَّا وَجْهَهُ صَرَفَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا حَرَارَةَ الْمَوْقِفِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم نِعْمَ الشَّرَابُ الْعَسَلُ يَرْعَى الْقَلْبَ وَ يُذْهِبُ بَرْدَ الصَّدْرِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَرَادَ الْحِفْظَ فَلْيَأْكُلِ الْعَسَلَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا اشْتَرَى أَحَدُكُمُ الْخَادِمَةَ فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا يطعمه [يُطْعِمُهَا الْعَسَلَ فَإِنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِهَا. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا وَلَدَتِ امْرَأَةٌ فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَأْكُلُ الرُّطَبَ الْحُلْوَ أَوِ التَّمْرَ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ شَيْءٌ أَفْضَلَ مِنْهُ أَطْعَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَرْيَمَ حِينَ وَلَدَتْ عِيسَى ع. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا جَاءَ الرُّطَبُ فَهَنِّئُونِي وَ إِذَا ذَهَبَ فَعَزُّونِي. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهَا كَأَنْ لَيْسَ فِيهَا طَعَامٌ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم خُلِقَتِ النَّخْلَةُ وَ الرُّمَّانُ وَ الْعِنَبُ مِنْ فَضْلِ طِينَةِ آدَمَ ع. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم أَكْرِمُوا عَمَّتَيْكُمُ النَّخْلَةَ وَ الزَّبِيبَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم كُلِ التَّمْرَ عَلَى الرِّيقِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُ الدُّودَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم نِعْمَ السَّحُورُ لِلْمُؤْمِنِ التَّمْرُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ وَجَدَ التَّمْرَ فَلْيُفْطِرْ عَلَيْهِ وَ مَنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ عَلَى الْمَاءِ فَإِنَّهُ طَهُورٌ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَا تَرُدُّوا شَرْبَةَ الْعَسَلِ عَلَى مَنْ أَتَاكُمْ بِهَا. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَحْمُ الْبَقَرِ دَاءٌ وَ لَبَنُهَا دَوَاءٌ وَ لَحْمُ الْغَنَمِ دَوَاءٌ وَ لَبَنُهَا دَاءٌ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالْفَوَاكِهِ فِي إِقْبَالِهَا فَإِنَّهَا مَصَحَّةٌ لِلْأَبْدَانِ مَطْرَدَةٌ لِلْأَحْزَانِ وَ أَلْقُوهَا فِي إِدْبَارِهَا فَإِنَّهَا دَاءُ الْأَبْدَانِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم أَفْضَلُ مَا يَبْدَأُ بِهِ الصَّائِمُ الزَّبِيبُ أَوِ التَّمْرُ أَوْ شَيْءٌ حُلْوٌ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم أَكْلُ التِّينِ أَمَانٌ مِنَ الْقُولَنْجِ وَ أَكْلُ السَّفَرْجَلِ يُذْهِبُ ظُلْمَةَ الْبَصَرِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم رَبِيعُ أُمَّتِي الْعِنَبُ وَ الْبِطِّيخُ. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم تَفَكَّهُوا بِالْبِطِّيخِ فَإِنَّهَا فَاكِهَةُ الْجَنَّةِ وَ فِيهَا أَلْفُ بَرَكَةٍ وَ أَلْفُ رَحْمَةٍ وَ أَكْلُهَا شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَضَّ الْبِطِّيخَ لَا تَقْطَعْهَا قَطْعاً فَإِنَّهَا فَاكِهَةٌ مُبَارَكَةٌ طَيِّبَةٌ مُطَهِّرَةُ الْفَمِ مُقَدِّسَةُ الْقَلْبِ وَ تُبَيِّضُ الْأَسْنَانَ وَ تُرْضِي الرَّحْمَنَ رِيحُهَا مِنَ الْعَنْبَرِ وَ مَاؤُهَا مِنَ الْكَوْثَرِ وَ لَحْمُهَا مِنَ الْفِرْدَوْسِ وَ لَذَّتُهَا مِنَ الْجَنَّةِ وَ أَكْلُهَا مِنَ الْعِبَادَةِ. وَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالْبِطِّيخِ فَإِنَّ فِيهِ عَشْرَ خِصَالٍ هُوَ طَعَامٌ وَ شَرَابٌ وَ سِنَانٌ وَ رَيْحَانٌ وَ يَغْسِلُ الْمَثَانَةَ وَ يَغْسِلُ الْبَطْنَ وَ يُكْثِرُ مَاءَ الظَّهْرِ وَ يَزِيدُ فِي الْجِمَاعِ وَ يَقْطَعُ الْبُرُودَةَ وَ يُنَقِّي الْبَشَرَةَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالرُّمَّانِ وَ كُلُوا شَحْمَهُ فَإِنَّهُ دِبَاغُ الْمَعِدَةِ وَ مَا مِنْ حَبَّةٍ تَقَعُ فِي جَوْفِ أَحَدِكُمْ إِلَّا أَنَارَتْ قَلْبَهُ وَ جَنَّبَتْهُ مِنَ الشَّيْطَانِ وَ الْوَسْوَسَةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالْأُتْرُجِّ فَإِنَّهُ يُنِيرُ الْفُؤَادِ وَ يَزِيدُ فِي الدِّمَاغِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم كُلِ الْعِنَبَ حَبَّةً حَبَّةً فَإِنَّهَا أَهْنَأُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم كُلِ التِّينَ فَإِنَّهُ يَنْفَعُ الْبَوَاسِيرَ وَ النِّقْرِسَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم كُلِ الْبَاذَنْجَانَ وَ أَكْثِرْ فَإِنَّهَا شَجَرَةٌ رَأَيْتُهَا فِي الْجَنَّةِ فَمَنْ أَكَلَهَا عَلَى أَنَّهَا دَاءٌ كَانَتْ دَاءً وَ مَنْ أَكَلَهَا عَلَى أَنَّهَا شِفَاءً كَانَتْ دَوَاءً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم كُلِ الْيَقْطِينَ فَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى شَجَرَةً أَخَفَّ مِنْ هَذَا لَأَنْبَتَهَا عَلَى أَخِي يُونُسَ ع. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا اتَّخَذَ أَحَدُكُمْ مَرَقاً فَلْيُكْثِرْ فِيهِ الدُّبَّاءَ فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي الدِّمَاغِ وَ الْعَقْلِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَكَلَ رُمَّانَةً حَتَّى يُتِمَّهَا نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ أَرْبَعِينَ يَوْماً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم نِعْمَ الْإِدَامُ الزَّبِيبُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَا مِنْ أَحَدٍ أَكَلَ رُمَّانَةً إِلَّا مَرِضَ شَيْطَانُهُ أَرْبَعِينَ يَوْماً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْكَرَفْسُ بَقْلَةُ الْأَنْبِيَاءِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَكَلَ الْخَلَّ قَامَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يَسْتَغْفِرُ لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلُّ. وَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يُحِبُّ مِنَ الْفَاكِهَةِ الْعِنَبَ وَ الْبِطِّيخَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالزَّبِيبِ فَإِنَّهُ يُطْفِئُ الْمِرَّةَ وَ يُسَكِّنُ الْبَلْغَمَ وَ يَشُدُّ الْعَصَبَ وَ يُذْهِبُ النَّصَبَ وَ يُحَسِّنُ الْقَلْبَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالْقَرْعِ فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي الدِّمَاغِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْعُنَّابُ يَذْهَبُ بِالْحُمَّى وَ الْكُمَّثْرَى يُجَلِّي الْقَلْبَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم شَكَا نُوحٌ إِلَى اللَّهِ الْغَمَّ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنْ يَأْكُلَ الْعِنَبَ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ الْغَمَّ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا أَكَلْتُمُ الْقِثَّاءَ فَكُلُوهُ مِنْ أَسْفَلِهِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم تَفَكَّهُوا بِالْبِطِّيخِ وَ عَضُّوهُ فَإِنَّ مَاءَهُ رَحْمَةٌ وَ حَلَاوَتَهُ مِنْ حَلَاوَةِ الْإِيمَانِ فَمَنْ لَقَّمَ لُقْمَةً مِنَ الْبِطِّيخِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ سَبْعِينَ أَلْفَ حَسَنَةٍ وَ مَحَا عَنْهُ سَبْعِينَ أَلْفَ سَيِّئَةٍ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم فِي الْبِطِّيخِ عَشَرَةُ خِصَالٍ ذَكَرَهَا. وَ قَالَ: أُهْدِيَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بِطِّيخٌ مِنَ الطَّائِفِ فَشَمَّهُ وَ قَبَّلَهُ وَ قَالَ عَضُّوا الْبِطِّيخَ فَإِنَّهُ مِنْ حُلَلِ الْأَرْضِ وَ مَاؤُهُ مِنْ رَحْمَةٍ وَ حَلَاوَتُهُ مِنَ الْجَنَّةِ. وَ كَانَ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْماً فِي مَحْفِلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم ذَكَرَ اللَّهُ مَنْ أَطْعَمَنَا بِطِّيخاً فَقَامَ عَلِيٌّ عليه السلام فَذَهَبَ فَجَاءَ بِجُمْلَةٍ مِنَ الْبِطِّيخِ فَأَكَلَ هُوَ وَ أَصْحَابُهُ فَقَالَ ص رَحِمَ اللَّهُ مَنْ أَطْعَمَنَا هَذَا وَ مَنْ أَكَلَ وَ مَنْ يَأْكُلُ مِنْ يَوْمِنَا هَذَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَا مِنِ امْرَأَةٍ حَامِلَةٍ أَكَلَتِ الْبِطِّيخَ بِالْجُبُنِّ إِلَّا يَكُونُ مَوْلُودُهَا حَسَنَ الْوَجْهِ وَ الْخُلُقِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْبِطِّيخُ قَبْلَ الطَّعَامِ يَغْسِلُ الْبَطْنَ وَ يَذْهَبُ بِالدَّاءِ أَصْلًا. - وَ كَانَ صلى الله عليه وآله وسلم يَأْكُلُ الْقِثَّاءَ بِالْمِلْحِ وَ يَأْكُلُ الْبِطِّيخَ بِالْجُبُنِّ وَ كَانَ يَأْكُلُ الْفَاكِهَةَ الرَّطْبَةَ وَ رُبَّمَا أَكَلَ الْبِطِّيخَ بِالْيَدَيْنِ جَمِيعاً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم شَمُّوا النَّرْجِسَ وَ لَوْ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً وَ لَوْ فِي الْأُسْبُوعِ مَرَّةً وَ لَوْ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً وَ لَوْ فِي الدَّهْرِ مَرَّةً وَ لَوْ فِي السَّنَةِ مَرَّةً فَإِنَّ فِي الْقَلْبِ حَبَّةً مِنَ الْجُنُونِ وَ الْجُذَامِ وَ الْبَرَصِ وَ شَمُّهُ يَقْلَعُهَا. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْحِنَّاءُ خِضَابُ الْإِسْلَامِ يَزِيدُ فِي الْمُؤْمِنِ عَمَلَهُ وَ يَذْهَبُ بِالصُّدَاعِ وَ يُحِدُّ الْبَصَرَ وَ يَزِيدُ فِي الْوِقَاعِ وَ هُوَ سَيِّدُ الرَّيَاحِينِ فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالْمَرْزَنْجُوشِ وَ شَمُّوهُ فَإِنَّهُ جَيِّدٌ لِلْخُشَامِ وَ الْخُشَامُ دَاءٌ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم فَضْلُ دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ عَلَى الْأَدْهَانِ كَفَضْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْأَدْيَانِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَا مِنْ وَرَقَةٍ مِنْ وَرَقِ الْهِنْدَبَاءِ إِلَّا عَلَيْهَا قَطْرَةٌ مِنْ مَاءِ الْجَنَّةِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَرَادَ أَنْ يَشَمَ رِيحِي فَلْيَشَمَّ الْوَرْدَ الْأَحْمَرَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَا خَلَقَ اللَّهُ شَجَرَةً أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الْحِنَّاءِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم نَفَقَةُ دِرْهَمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِسَبْعِمِائَةٍ وَ نَفَقَةُ دِرْهَمٍ فِي خِضَابِ الْحِنَّاءِ بِتِسْعَةِ آلَافٍ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا أَكَلْتُمُ الْفُجْلَ وَ أَرَدْتُمْ أَنْ تَجْتَنِبُوا نَتْنَهُ فَصَلُّوا عَلَيَّ عِنْدَ أَوَّلِ قَضْمَةٍ مِنْهُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم زَيِّنُوا مَوَائِدَكُمْ بِالْبَقْلِ فَإِنَّهَا مَطْرَدَةٌ لِلشَّيَاطِينِ مَعَ التَّسْمِيَةِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الشُّونِيزُ دَوَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إِلَّا السَّامَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم كُلُوا الْجُبُنَّ فَإِنَّهُ يُورِثُ النُّعَاسَ وَ يَهْضِمُ الطَّعَامَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَكَلَ السَّدَابَ وَ نَامَ عَلَيْهِ أَمِنَ مِنَ الدُّوَارِ وَ ذَاتِ الْجَنْبِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَكَلَ الثُّومَ وَ الْبَصَلَ وَ الْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبْنَا وَ لَا يَقْرَبِ الْمَسْجِدَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِذَا دَخَلْتُمْ بَلَداً فَكُلُوا مِنْ بَقْلِهِ وَ بَصَلِهِ يَطْرُدْ عَنْكُمْ دَاءَهُ وَ يَذْهَبُ بِالنَّصَبِ وَ يَشُدُّ الْعَضُدَ وَ يَزِيدُ فِي الْمَاءِ وَ يَذْهَبُ بِالْحُمَّى. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالْكَرَفْسِ فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ شَيْءٌ يَزِيدُ فِي الْعَقْلِ فَهُوَ هُوَ. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَوْ كَانَ فِي شَيْءٍ شِفَاءٌ لَكَانَ فِي السَّنَا. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَيْكُمْ بِالْهَلِيلَجِ الْأَسْوَدِ فَإِنَّهُ مِنْ شَجَرِ الْجَنَّةِ طَعْمُهُ مُرٌّ وَ فِيهِ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْحِجَامَةُ فِي تِسْعَةَ عَشَرَ مِنَ الشَّهْرِ وَ وَاحِدٍ وَ عِشْرِينَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم فِي لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي إِلَى السَّمَاءِ مَا مَرَرْتُ بِمَلَإٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِلَّا قَالُوا يَا مُحَمَّدُ مُرْ أُمَّتَكَ بِالْحِجَامَةِ وَ خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَ الشُّونِيزُ وَ الْقُسْطُ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم أَكْلُ الطِّينِ حَرَامٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ مَاتَ وَ فِي بَطْنِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْهُ أَدْخَلَهُ النَّارَ. وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ أَكَلَ الطِّينَ فَكَأَنَّمَا أَعَانَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَا تَأْكُلُوا الطِّينَ فَإِنَّ فِيهَا ثَلَاثَ خِصَالٍ تُورِثُ الدَّاءَ وَ تُعْظِمُ الْبَطْنَ وَ تُصَفِّرُ اللَّوْنَ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم الْحُمَّى نَصِيبُ كُلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النَّارِ. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ مَرِضَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ مَرَضاً سَخِيناً كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ ذُنُوبَ سَبْعِينَ سَنَةً. - وَ قَالَ صلى الله عليه وآله وسلم لَا تَكْرَهُوا أَرْبَعَةً الرَّمَدَ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ عُرُوقَ الْعَمَى وَ
لَا قُلْتُ فَيَلُوطُ قَالَ لَا قُلْتُ فَيَسْرِقُ قَالَ لَا قُلْتُ فَيَشْرَبُ خَمْراً قَالَ لَا قُلْتُ فَيُذْنِبُ ذَنْباً قَالَ لَا قَالَ الرَّاوِي فَتَحَيَّرْتُ مِنْ ذَلِكَ وَ كَثُرَ تَعَجُّبِي مِنْهُ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي أَجِدُ مِنْ شِيعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مِنْ مَوَالِيكُمْ مَنْ يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَ يَأْكُلُ الرِّبَا وَ يَزْنِي وَ يَلُوطُ وَ يَتَهَاوَنُ بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ أَبْوَابِ الْبِرِّ حَتَّى إِنَّ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ يَأْتِيهِ فِي حَاجَةٍ يَسِيرَةٍ فَلَا يَقْضِيهَا لَهُ فَكَيْفَ هَذَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ هَذَا قَالَ فَتَبَسَّمَ الْإِمَامُ عليه السلام وَ قَالَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ هَلْ عِنْدَكَ شَيْءٌ غَيْرُ مَا ذَكَرْتَ قُلْتُ نَعَمْ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ إِنِّي أَجِدُ النَّاصِبَ الَّذِي لَا أَشُكُّ فِي كُفْرِهِ يَتَوَرَّعُ عَنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا يَسْتَحِلُّ الْخَمْرَ وَ لَا يَسْتَحِلُّ دِرْهَماً لِمُسْلِمٍ وَ لَا يَتَهَاوَنُ بِالصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصِّيَامِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ يَقُومُ بِحَوَائِجِ الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُسْلِمِينَ لِلَّهِ وَ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَكَيْفَ هَذَا وَ لِمَ هَذَا فَقَالَ عليه السلام يَا إِبْرَاهِيمُ لِهَذَا أَمْرٌ بَاطِنٌ وَ هُوَ سِرٌّ مَكْنُونٌ وَ بَابٌ مُغْلَقٌ مَخْزُونٌ وَ قَدْ خَفِيَ عَلَيْكَ وَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَمْثَالِكَ وَ أَصْحَابِكَ وَ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يُؤْذِنْ أَنْ يَخْرُجَ سِرُّهُ وَ غَيْبُهُ إِلَّا إِلَى مَنْ يَحْتَمِلُهُ وَ هُوَ أَهْلُهُ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنِّي وَ اللَّهِ لَمُحْتَمِلٌ مِنْ أَسْرَارِكُمْ وَ لَسْتُ بِمُعَانِدٍ وَ لَا بِنَاصِبٍ فَقَالَ عليه السلام يَا إِبْرَاهِيمُ نَعَمْ أَنْتَ كَذَلِكَ وَ لَكِنْ عِلْمُنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ مُؤْمِنٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ وَ إِنَّ التَّقِيَّةَ مِنْ دِينِنَا وَ دِيْنِ آبَائِنَا وَ مَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ فَلَا دِينَ لَهُ يَا إِبْرَاهِيمُ لَوْ قُلْتُ إِنَّ تَارِكَ التَّقِيَّةِ كَتَارِكِ الصَّلَاةِ لَكُنْتُ صَادِقاً يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ مِنْ حَدِيثِنَا وَ سِرِّنَا وَ بَاطِنِ عِلْمِنَا مَا لَا يَحْتَمِلُهُ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَ لَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ وَ لَا مُؤْمِنٌ مُمْتَحَنٌ قُلْتُ يَا سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ فَمَنْ يَحْتَمِلُهُ إِذاً قَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَ شِئْنَا أَلَا مَنْ أَذَاعَ سِرَّنَا إِلَّا إِلَى أَهْلِهِ فَلَيْسَ مِنَّا ثَلَاثاً أَلَا مَنْ أَذَاعَ سِرَّنَا أَذَاقَهُ اللَّهُ حَرَّ الْحَدِيدِ ثُمَّ قَالَ يَا إِبْرَاهِيمُ خُذْ مَا سَأَلْتَنِي عِلْماً بَاطِناً مَخْزُوناً فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي حَبَا اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ بِهِ رَسُولَهُ ص وَ حَبَا بِهِ رَسُولَهُ وَصِيَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام ثُمَّ قَرَأَ عليه السلام هَذِهِ الْآيَةَ عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ وَيْحَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّكَ قَدْ سَأَلْتَنِي عَنِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ شِيعَةِ مَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ عَنْ زُهَّادِ النَّاصِبَةِ وَ عُبَّادِهِمْ مِنْ هَاهُنَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً وَ مِنْ هَاهُنَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ عامِلَةٌ ناصِبَةٌ تَصْلى ناراً حامِيَةً تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ وَ هَذَا النَّاصِبُ قَدْ جُبِلَ عَلَى بُغْضِنَا وَ رَدِّ فَضْلِنَا وَ يُبْطِلُ خِلَافَةَ أَبِينَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ يُثْبِتُ خِلَافَةَ مُعَاوِيَةَ وَ بَنِي أُمَيَّةَ وَ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ خُلَفَاءُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ وَ يَزْعُمُ أَنَّ مَنْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ وَ يَرْوِي فِي ذَلِكَ كَذِباً وَ زُوراً وَ يَرْوِي أَنَّ الصَّلَاةَ جَائِزَةٌ خَلْفَ مَنْ غَلَبَ وَ إِنْ كَانَ خَارِجِيّاً ظَالِماً وَ يَرْوِي أَنَّ الْإِمَامَ الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ (صلوات الله عليهما) كَانَ خَارِجِيّاً خَرَجَ عَلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ وَ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَدْفَعَ زَكَاةَ مَالِهِ إِلَى السُّلْطَانِ وَ إِنْ كَانَ ظَالِماً يَا إِبْرَاهِيمُ هَذَا كُلُّهُ رَدٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ عَلَى رَسُولِهِ ص سُبْحَانَ اللَّهِ قَدِ افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ تَقَوَّلُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص الْبَاطِلَ وَ خَالَفُوا اللَّهَ وَ خَالَفُوا رَسُولَهُ وَ خُلَفَاءَهُ يَا إِبْرَاهِيمُ لَأَشْرَحَنَّ لَكَ هَذَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُ إِنْكَاراً وَ لَا مِنْهُ فِرَاراً وَ مَنْ رَدَّ حَرْفاً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ فَقُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِي سَأَلْتُكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ هَذَا الَّذِي سَأَلْتَنِي فِي أَمْرِ شِيعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) وَ أَمْرِ عَدُوِّهِ النَّاصِبِ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ هَذَا بِعَيْنِهِ قَالَ نَعَمْ هَذَا بِعَيْنِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ يَا إِبْرَاهِيمُ اقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ- الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَواحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ واسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ أَ تَدْرِي مَا هَذِهِ الْأَرْضُ قُلْتُ لَا قَالَ عليه السلام اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ أَرْضاً طَيِّبَةً طَاهِرَةً وَ فَجَّرَ فِيهَا مَاءً عَذْباً زُلَالًا فُرَاتاً سَائِغاً فَعَرَضَ عَلَيْهَا وَلَايَتَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَقَبِلَتْهَا فَأَجْرَى عَلَيْهَا ذَلِكَ الْمَاءَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَضَبَ عَنْهَا ذَلِكَ الْمَاءُ بَعْدَ السَّابِعِ فَأَخَذَ مِنْ صَفْوَةِ ذَلِكَ الطِّينِ طِيناً فَجَعَلَهُ طِينَ الْأَئِمَّةِ عليهم السلام ثُمَّ أَخَذَ جَلَّ جَلَالُهُ ثُفْلَ ذَلِكَ الطِّينِ فَخَلَقَ مِنْهُ شِيعَتَنَا وَ محبونا [مُحِبِّينَا مِنْ فَضْلِ طِينَتِنَا فَلَوْ تَرَكَ يَا إِبْرَاهِيمُ طِينَتَكُمْ كَمَا تَرَكَ طِينَتَنَا لَكُنْتُمْ أَنْتُمْ وَ نَحْنُ سَوَاءً قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا صَنَعَ بِطِينَتِنَا قَالَ مَزَجَ طِينَتَكُمْ وَ لَمْ يَمْزُجْ طِينَتَنَا قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ بِمَا ذَا مَزَجَ طِينَتَنَا قَالَ عليه السلام خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَيْضاً أَرْضاً سَبِخَةً خَبِيثَةً مُنْتِنَةً وَ فَجَّرَ فِيهَا مَاءً أُجَاجاً مَالِحاً آسِناً ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهَا جَلَّتْ عَظَمَتُهُ وَلَايَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَلَمْ تَقْبَلْهَا وَ أَجْرَى ذَلِكَ الْمَاءَ عَلَيْهَا سَبْعَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ نَضَبَ ذَلِكَ الْمَاءُ عَنْهَا ثُمَّ أَخَذَ مِنْ كُدُورَةِ ذَلِكَ الطِّينِ الْمُنْتِنِ الْخَبِيثِ وَ خَلَقَ مِنْهُ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ وَ الطُّغَاةَ وَ الْفَجَرَةَ ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بَقِيَّةِ ذَلِكَ الطِّينِ فَمَزَجَ بِطِينَتِكُمْ وَ لَوْ تَرَكَ طِينَتَهُمْ عَلَى حَالِهِ وَ لَمْ يَمْزُجْ بِطِينَتِكُمْ مَا عَمِلُوا أَبَداً عَمَلًا صَالِحاً وَ لَا أَدَّوْا أَمَانَةً إِلَى أَحَدٍ وَ لَا شَهِدُوا الشَّهَادَتَيْنِ وَ لَا صَامُوا وَ لَا صَلَّوْا وَ لَا زَكَّوْا وَ لَا حَجُّوا وَ لَا أَشْبَهُوكُمْ فِي الصُّوَرِ أَيْضاً يَا إِبْرَاهِيمُ لَيْسَ شَيْءٌ أَعْظَمُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَرَى صُورَةً حَسَنَةً فِي عَدُوٍّ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ الْمُؤْمِنُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ تِلْكَ الصُّورَةَ مِنْ طِينِ الْمُؤْمِنِ وَ مِزَاجِهِ يَا إِبْرَاهِيمُ ثُمَّ مُزِجَ الطِّينَتَانِ بِالْمَاءِ الْأَوَّلِ وَ الْمَاءِ الثَّانِي فَمَا تَرَاهُ مِنْ شِيعَتِنَا مِنْ رِبًا وَ زِنًا وَ لِوَاطَةٍ وَ خِيَانَةٍ وَ شُرْبِ خَمْرٍ وَ تَرْكِ صَلَاةٍ وَ صِيَامٍ وَ زَكَاةٍ وَ حَجٍّ وَ جِهَادٍ فَهِيَ كُلُّهَا مِنْ عَدُوِّنَا النَّاصِبِ وَ سِنْخِهِ وَ مِزَاجِهِ الَّذِي مُزِجَ بِطِينَتِهِ وَ مَا رَأَيْتَهُ فِي هَذَا الْعَدُوِّ النَّاصِبِ مِنَ الزُّهْدِ وَ الْعِبَادَةِ وَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الصَّلَاةِ وَ أَدَاءِ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ وَ الْجِهَادِ وَ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَ الْخَيْرِ فَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ طِينِ الْمُؤْمِنِ وَ سِنْخِهِ وَ مِزَاجِهِ فَإِذَا عُرِضَ أَعْمَالُ الْمُؤْمِنِ وَ أَعْمَالُ النَّاصِبِ عَلَى اللَّهِ يَقُولُ جَلَّ وَ عَزَّ أَنَا عَدْلٌ لَا أَجُورُ وَ مُنْصِفٌ لَا أَظْلِمُ وَ عِزَّتِي وَ جَلَالِي وَ ارْتِفَاعِ مَكَانِي مَا أَظْلِمُ مُؤْمِناً بِذَنْبٍ مُرْتَكَبٍ مِنْ سِنْخِ النَّاصِبِ وَ طِينِهِ وَ مِزَاجِهِ هَذِهِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ كُلُّهَا مِنْ طِينِ الْمُؤْمِنِ وَ مِزَاجِهِ وَ الْأَعْمَالُ الرَّدِيَّةُ الَّتِي كَانَتْ مِنَ الْمُؤْمِنِ مِنْ طِينِ الْعَدُوِّ النَّاصِبِ وَ يُلْزِمُ اللَّهُ تَعَالَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا هُوَ مِنْ أَصْلِهِ وَ جَوْهَرِهِ وَ طِينَتِهِ وَ هُوَ أَعْلَمُ بِعِبَادِهِ مِنَ الْخَلَائِقِ كُلِّهِمْ أَ فَتَرَى هَاهُنَا ظُلْماً وَ جَوْراً وَ عُدْوَاناً ثُمَّ قَرَأَ عليه السلام مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ إِنَّا إِذاً لَظالِمُونَ: يَا إِبْرَاهِيمُ إِنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ فَبَدَا شُعَاعُهَا فِي الْبُلْدَانِ كُلِّهَا أَ هُوَ بَائِنٌ مِنَ الْقُرْصَةِ أَمْ هُوَ مُتَّصِلٌ بِهَا شُعَاعُهَا تَبْلُغُ فِي الدُّنْيَا فِي الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ حَتَّى إِذَا غَابَتْ يَعُودُ الشُّعَاعُ وَ يَرْجِعُ إِلَيْهَا أَ لَيْسَ ذَلِكَ كَذَلِكَ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ فَكَذَلِكَ يَرْجِعُ كُلُّ شَيْءٍ إِلَى أَصْلِهِ وَ جَوْهَرِهِ وَ عُنْصُرِهِ فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ يَنْزِعُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْعَدُوِّ النَّاصِبِ سِنْخَ الْمُؤْمِنِ وَ مِزَاجَهُ وَ طِينَتَهُ وَ جَوْهَرَهُ وَ عُنْصُرَهُ مَعَ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ الصَّالِحَةِ وَ يَرُدُّهُ إِلَى الْمُؤْمِنِ وَ يَنْزِعُ اللَّهُ مِنَ الْمُؤْمِنِ سِنْخَ النَّاصِبِ وَ مِزَاجَهُ وَ طِينَتَهُ وَ جَوْهَرَهُ وَ عُنْصُرَهُ مَعَ جَمِيعِ أَعْمَالِهِ السَّيِّئَةِ الرَّدِيَّةِ وَ يَرُدُّهُ إِلَى النَّاصِبِ عَدْلًا مِنْهُ جَلَّ جَلَالُهُ وَ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ وَ يَقُولُ لِلنَّاصِبِ لَا ظُلْمَ عَلَيْكَ هَذِهِ الْأَعْمَالُ الْخَبِيثَةُ مِنْ طِينَتِكَ وَ مِزَاجِكَ وَ أَنْتَ أَوْلَى بِهَا وَ هَذِهِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ مِنْ طِينَةِ الْمُؤْمِنِ وَ مِزَاجِهِ وَ هُوَ أَوْلَى بِهَا الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ لا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ أَ فَتَرَى هَاهُنَا ظُلْماً وَ جَوْراً قُلْتُ لَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ بَلْ أَرَى حِكْمَةً بَالِغَةً فَاضِلَةً وَ عَدْلًا بَيِّناً وَاضِحاً ثُمَّ قَالَ عليه السلام أَزِيدُكَ بَيَاناً فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْقُرْآنِ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ أَ لَيْسَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَ الْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَ الطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَ الطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَ يَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعاً فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ فَقُلْتُ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَ مَا أَوْضَحَ ذَلِكَ لِمَنْ فَهِمَهُ وَ مَا أَعْمَى قُلُوبَ هَذَا الْخَلْقِ الْمَنْكُوسِ عَنْ مَعْرِفَتِهِ فَقَالَ عليه السلام يَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ هَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى- إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا مَا رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُشَبِّهَهُمْ بِالْحَمِيرِ وَ الْبَقَرِ وَ الْكِلَابِ وَ الدَّوَابِّ حَتَّى زَادَهُمْ فَقَالَ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا يَا إِبْرَاهِيمُ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ ذِكْرُهُ فِي أَعْدَائِنَا النَّاصِبَةِ- وَ قَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً وَ قَالَ عَزَّ وَ جَلَ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً وَ قَالَ جَلَّ جَلَالُهُ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكاذِبُونَ وَ قَالَ جَلَّ وَ عَزَّ وَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ ماءً حَتَّى إِذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً كَذَلِكَ النَّاصِبُ يَحْسَبُ مَا قَدَّمَ مِنْ عَمَلِهِ نَافِعَةً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ ثُمَّ قَالَ عليه السلام يَا إِبْرَاهِيمُ أَزِيدُكَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مِنَ الْقُرْآنِ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ عليه السلام قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَ كانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ شِيعَتِنَا حَسَنَاتٍ وَ حَسَنَاتِ أَعْدَائِنَا سَيِّئَاتٍ- يَفْعَلُ اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ - لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَ لَا رَادَّ لِقَضَائِهِ- لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَ هُمْ يُسْئَلُونَ هَذَا يَا إِبْرَاهِيمُ مِنْ بَاطِنِ عِلْمِ اللَّهِ الْمَكْنُونِ وَ مِنْ سِرِّهِ الْمَخْزُونِ أَ لَا أَزِيدُكَ مِنْ هَذَا الْبَاطِنِ شَيْئاً فِي الصُّدُورِ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ عليه السلام قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنا وَ لْنَحْمِلْ خَطاياكُمْ وَ ما هُمْ بِحامِلِينَ مِنْ خَطاياهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ وَ لَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَ أَثْقالًا مَعَ أَثْقالِهِمْ وَ لَيُسْئَلُنَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَمَّا كانُوا يَفْتَرُونَ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فالِقُ الْإِصْباحِ - فاطِرُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ لَقَدْ أَخْبَرْتُكَ بِالْحَقِّ وَ أَنْبَأْتُكَ بِالصِّدْقِ وَ اللَّهُ أَعْلَمُ وَ أَحْكَمُ. بيان: قد مر هذا الخبر نقلا من العلل مع اختلاف ما و زيادة و نقص و هو من غوامض الأسرار. و قال بعض المحققين في شرحه جملة القول في بيان السر فيه أنه قد تحقق و ثبت أن كلا من العوالم الثلاثة له مدخل في خلق الإنسان و في طينته و مادته من كل حظ و نصيب و لعل الأرض الطيبة كناية عما له في جملة طينته من آثار عالم الملكوت الذي منه الأرواح المثالية و القوى الخيالية الفلكية المعبر عنهم بالمدبرات أمرا. و الماء العذب عما له في طينته من إفاضات عالم الجبروت الذي منه الجواهر القدسية و الأرواح العالية المجردة عن الصور المعبر عنهم بالسابقات سبعا. و الأرض الخبيثة عما له في طينته من أجزاء عالم الملك الذي منه الأبدان العنصرية المسخرة تحت الحركات الفلكية المسخرة لما فوقها و الماء الأجاج المالح الآسن عما له في طينته من تهيجات الأوهام الباطلة و الأهواء المموهة الردية الحاصلة من تركيب الملك مع الملكوت مما لا أصل له و لا حقيقة. ثم الصفوة من الطينة الطيبة عبارة عما غلب عليه إفاضة الجبروت من ذلك و الثفل منه ما غلب عليه أثر الملكوت منه و كدورة الطين المنتن الخبيث مما غلب عليه طبائع عالم الملك و ما يتبعه من الأهواء المضلة. و إنما لم يذكر نصيب عالم الملك للأئمة عليه السلام مع أن أبدانهم العنصرية منه لأنهم لم يتعلقوا بهذه الدنيا و لا بهذه الأجساد تعلق ركون و إخلاد فهم و إن كانوا في النشأة الفانية بأبدانهم العنصرية و لكنهم ليسوا من أهلها كما مضى بيانه. قَالَ الصَّادِقُ عليه السلام فِي حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ يَا حَفْصُ مَا أَنْزَلْتُ الدُّنْيَا مِنْ نَفْسِي إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْمَيْتَةِ إِذَا اضْطُرِرْتُ إِلَيْهَا أَكَلْتُ مِنْهَا. فلا جرم نفضوا أذيالهم منها بالكلية إذا ارتحلوا عنها و لم يبق معهم منها كدورة و إنما لم يذكر نصيب الناصب و أئمة الكفر من إفاضة عالم الجبروت مع أن لهم منه حظ الشعور و الإدراك و غير ذلك لعدم تعلقهم و لا ركونهم إليه و لذا تراهم تشمئز نفوسهم من سماع العلم و الحكمة و يثقل عليهم فهم الأسرار و المعارف فليس لهم من ذلك العالم إِلَّا كَباسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْماءِ لِيَبْلُغَ فاهُ وَ ما هُوَ بِبالِغِهِ وَ ما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ فلا جرم ذهب عنهم نصيبهم من ذلك العالم حين أخلدوا إلى الأرض وَ اتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ فإذا جاء يوم الفصل و ميز الله الخبيث من الطيب ارتقى من غلب عليه إفاضات عالم الجبروت إلى الجبروت و أعلى الجنان و التحق بالمقربين و من غلب عليه آثار الملكوت إلى الملكوت و مواصلة الحور و الولدان و التحق بأصحاب اليمين و بقي من غلب عليه الملك في الحسرة و الثبور و الهوان و التعذيب بالنيران إذ فرق الموت بينه و بين محبوباته و مشتهياته. فالأشقياء و إن انتقلوا إلى نشأة من جنس نشأة الملكوت خلقت بتبعيتها بالعرض إلا أنهم يحملون معهم من الدنيا من صور أعمالهم و أخلاقهم و عقائدهم مما لا يمكن انفكاكهم عنه مما يتأذون به و يعذبون بمجاورته من سَمُومٍ وَ حَمِيمٍ وَ ظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ و من حيات و عقارب و ذوات لدغ و سموم و من ذهب و فضة كنزوها في دار الدنيا و لم ينفقوها في سبيل الله و أشرب في قلوبهم محبتها فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ و من آلهة يعبدونها من دون الله من حجر أو خشب أو حيوان أو غيرها مما يعتقدون فيه أنه ينفعهم و هو يضرهم إذ يقال إِنَّكُمْ وَ ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ و بالجملة المرء مع من أحب فمحبوب الأشقياء لما كان من متاع الدنيا الذي لا حقيقة له و لا أصل بل هو مَتاعُ الْغُرُورِ فإذا كان يوم القيامة و برزت و حواق الأمور كسد متاعهم و صار لا شيئا محضا فيتألمون بذلك و يتمنون الرجوع إلى الدنيا التي هي وطنهم المألوف لأنهم من أهلها ليسوا من أهل النشأة الباقية لأنهم رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها فإذا فارقوها عذبوا بفراقها في نار جهنم. أعمالهم التي أحاطت بهم و جميع المعاصي و الشهوات يرجع إلى متاع هذه النشأة الدنياوية و محبتها فمن كان من أهلها عذب بمفارقتها لا محالة و من ليس من أهلها و إنما ابتلي بها و ارتكبها مع إيمان منه بقبحها و خوف من الله سبحانه في إتيانها فلا جرم يندم على ارتكابها إذا رجع إلى عقله و أناب إلى ربه فيصير ندامته عليها و الاعتراف بها و ذل مقامه بين يدي ربه حياء منه تعالى سببا لتنوير قلبه و هذا المعنى تبديل سيئاتهم حسنات. فالأشقياء إنما عذبوا بما لم يفعلوا لحنينهم إلى ذلك و شهوتهم له و عقد ضمائرهم على فعله دائما أن تيسر لهم لأنهم كانوا من أهله و من جنسه وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ و السعداء إنما لم يخلدوا في العذاب و لم يشتد عليهم العقاب بما فعلوا من القبائح لأنهم ارتكبوا على كره من عقولهم و خوف من ربهم لأنهم لم يكونوا من أهلها و لا من جنسها بل أثيبوا بما لم يفعلوا من الخيرات لحنينهم إليه و عزمهم عليه و عقد ضمائرهم على فعله إن تيسر لهم. فإنما الأعمال بالنيات و إنما لكل امرئ ما نوى و إنما ينوي كل ما ناسب طينته و يقتضيه جبلته كما قال الله سبحانه قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ و لهذا ورد في الحديث أن كلا من أهل الجنة و النار إنما يخلدون فيما يخلدون على نياتهم و إنما يعذب بعض السعداء حين خروجهم من الدنيا بسبب مفارقة ما مزج بطينتهم من طينة الأشقياء مما أنسوا به قليلا و ألفوه بسبب ابتلائهم به ما داموا في الدنيا. وَ رَوَى الشَّيْخُ الصَّدُوقُ (رحمه الله) فِي اعْتِقَادَاتِهِ مُرْسَلًا أَنَّهُ لَا يُصِيبُ أَحَداً مِنْ أَهْلِ التَّوْحِيدِ أَلَمٌ فِي النَّارِ إِذَا دَخَلُوهَا وَ إِنَّمَا يُصِيبُهُمْ آلَامٌ عِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهَا فَيَكُونُ تِلْكَ الْآلَامُ جَزَاءً بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ مَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ انْتَهَى.. و أقول بناء هذه التأويلات على أمور ليست مخالفتها لأصول متكلمي الإمامية أقل من مخالفة ظواهر تلك الأخبار و قد تكلمنا في أمثال هذه الروايات في كتاب العدل و كان ترك الخوض فيها و في أمثالها و رد علمها مع صحتها إلى من صدرت عنه أحوط و أولى كما قال مولانا أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) و قد سئل عن القدر طريق مظلم فلا تسلكوه و بحر عميق فلا تلجوه و سر الله فلا تتكلفوه. كا الكافي عَنْ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ أَبَا جَعْفَرٍ عليه السلام عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَقَالَ وَ أَبُوهُ يَسْمَعُ عليه السلام حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ قَدْ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ التُّرْبَةِ الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ مِنْهَا آدَمَ عليه السلام فَصَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ الْعَذْبَ الْفُرَاتَ ثُمَّ تَرَكَهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً ثُمَّ صَبَّ عَلَيْهَا الْمَاءَ الْمَالِحَ الْأُجَاجَ فَتَرَكَهَا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً فَلَمَّا اخْتَمَرَتِ الطِّينَةُ أَخَذَهَا فَعَرَكَهَا عَرْكاً شَدِيداً فَخَرَجُوا كَالذَّرِّ مِنْ يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ وَ أَمَرَهُمْ جَمِيعاً أَنْ يَقَعُوا فِي النَّارِ فَدَخَلَ أَصْحَابُ الْيَمِينِ فَصَارَتْ عَلَيْهِمْ بَرْداً وَ سَلَاماً وَ أَبَى أَصْحَابُ الشِّمَالِ أَنْ يَدْخُلُوهَا. بيان ظاهر الحديث أن السؤال عن الباقر عليه السلام كان في زمن أبيه عليهما السلام و هو حاضر و فيه أنه لم يعهد إدراك زرارة علي بن الحسين عليه السلام فيحتمل أن يكون روي ذلك عن الرجل السائل و لم يكن زرارة حاضرا عند السؤال مع أنه يمكن إدراكه زمان السجاد عليه السلام و عدم روايته عنه و لذا لم يعد في أصحابه. و في تفسير العياشي هكذا عن زرارة أن رجلا سأل أبا عبد الله عليه السلام إلى آخر الخبر و هو أصوب. وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ قال البيضاوي أي أخرج من أصلابهم نسلا على ما يتوالدون قرنا بعد قرن و مِنْ ظُهُورِهِمْ بدل من بني آدم بدل البعض و قرأ نافع و أبو عمرو و ابن عامر و يعقوب ذرياتهم وَ أَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ أي نصب لهم دلائل ربوبيته و ركب في عقولهم ما يدعوهم إلى الإقرار بها حتى صاروا بمنزلة من قيل أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى فنزل تمكينهم من العلم بها و تمكنهم منه منزلة الإشهاد و الاعتراف على طريقة التمثيل و يدل عليه قوله قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ أي كراهة أن تقولوا إِنَّا كُنَّا عَنْ هذا غافِلِينَ لم نتنبه عليه بدليل أو تقولوا عطف على أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَ كُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ فاقتدينا بهم لأن التقليد عند قيام الدليل و التمكن من العلم به لا يصلح عذرا أَ فَتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ يعني آباءهم المبطلين بتأسيس الشرك و قيل لما خلق الله آدم أخرج من ذريته ذرية كالذر و أحياهم و جعل لهم العقل و النطق و ألهمهم ذلك لحديث رواه عمر انتهى. و قال بعض المحققين لعل معنى إشهاد ذرية بني آدم على أنفسهم بالتوحيد استنطاق حقائقهم بألسنة قابليات جواهرها و ألسن استعدادات ذواتها و أن تصديقهم به كان بلسان طباع الإمكان قبل نصب الدلائل لهم أو بعد نصب الدلائل أو أنه نزل تمكينهم من العلم و تمكنهم منه بمنزلة الإشهاد و الاعتراف على طريقة التخيل نظير ذلك قوله عز و جل إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إلخ و قوله عز و علا فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ و معلوم أنه لا قول ثمة و إنما هو تمثيل و تصوير للمعنى و يحتمل أن يكون النطق باللسان الملكوتي الذي به يسبح كل شيء بحمد ربه و ذلك لأنهم مفطورون على التوحيد. قوله عليه السلام من تراب التربة هذا من قبيل إضافة الجزء إلى الكل قوله من يمينه و شماله الضميران راجعان إلى الملك المأمور بهذا الأمر كجبرئيل أو العرش أو إلى التراب فاستعار اليمين للجهة التي فيها اليمن و البركة و الشمال للأخرى أو اليمين لصفة الرحمانية و الشمال لصفة القهارية فالضميران راجعان إلى الله تعالى كما في الدعاء و الخير في يديك أي كلما يصدر منك من خير أو شر أو نفع أو ضر فهو خير و مشتمل على المصالح الجليلة.
بحار الأنوار - ج ٦٤ - الصفحة ١٠٢. — الإمام الباقر عليه السلام
الْإِيمَانُ إِقْرَارٌ وَ عَمَلٌ وَ الْإِسْلَامُ إِقْرَارٌ بِلَا عَمَلٍ. بيان هذا الخبر يدل على اصطلاح آخر للإيمان و الإسلام و هو أن الإسلام نفس العقائد و الإيمان العقائد مع العمل بمقتضاها من الإتيان بالفرائض و ترك الكبائر و ربما يأول بأن المراد بالإقرار الإقرار بالشهادتين و بالعمل عمل القلب و هو التصديق بجميع ما أتى به النبي ص أو بأن المراد بالإقرار ترك الإيذاء و الإنكار و بالعمل العمل الصحيح و الحمل فيهما على المجاز أي الإيمان سبب لأن يقر على دينه و لا يؤذي و يحكم عليه بأحكام المسلمين و سبب لصحة أعماله بخلاف الإسلام فإنه يصير سببا للأول دون الثاني و لا يخفى بعده. و يحتمل أن يراد بالإقرار إظهار الشهادتين و بالعمل ما يقتضيه من التصديق بجميع ما جاء به النبي ص و منها الولاية فيرجع إلى الخبر الأول.
بحار الأنوار - ج ٦٥ - الصفحة ٢٤٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْإِيمَانُ مَا اسْتَقَرَّ فِي الْقَلْبِ وَ أَفْضَى بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ صَدَّقَهُ الْعَمَلُ بِالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَ التَّسْلِيمِ لِأَمْرِهِ وَ الْإِسْلَامُ مَا ظَهَرَ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ وَ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ مِنَ الْفِرَقِ كُلِّهَا وَ بِهِ حُقِنَتِ الدِّمَاءُ وَ عَلَيْهِ جَرَتِ الْمَوَارِيثُ وَ جَازَ النِّكَاحُ وَ اجْتَمَعُوا عَلَى الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ فَخَرَجُوا بِذَلِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَ أُضِيفُوا إِلَى الْإِيمَانِ وَ الْإِسْلَامُ لَا يَشْرَكُ الْإِيمَانَ وَ الْإِيمَانُ يَشْرَكُ الْإِسْلَامَ وَ هُمَا فِي الْقَوْلِ وَ الْفِعْلِ يَجْتَمِعَانِ كَمَا صَارَتِ الْكَعْبَةُ فِي الْمَسْجِدِ وَ الْمَسْجِدُ لَيْسَ فِي الْكَعْبَةِ وَ كَذَلِكَ الْإِيمَانُ يَشْرَكُ الْإِسْلَامَ وَ الْإِسْلَامُ لَا يَشْرَكُ الْإِيمَانَ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَ لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ فَقَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَصْدَقُ الْقَوْلِ قُلْتُ فَهَلْ لِلْمُؤْمِنِ فَضْلٌ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي شَيْءٍ مِنَ الْفَضَائِلِ وَ الْأَحْكَامِ وَ الْحُدُودِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ فَقَالَ لَا هُمَا يَجْرِيَانِ فِي ذَلِكَ مَجْرًى وَاحِداً وَ لَكِنْ لِلْمُؤْمِنِ فَضْلٌ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي أَعْمَالِهِمَا وَ مَا يَتَقَرَّبَانِ بِهِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ قُلْتُ أَ لَيْسَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها وَ زَعَمْتَ أَنَّهُمْ مُجْتَمِعُونَ عَلَى الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الْحَجِّ مَعَ الْمُؤْمِنِ قَالَ أَ لَيْسَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً فَالْمُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ يُضَاعِفُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُمْ حَسَنَاتِهِمْ لِكُلِّ حَسَنَةٍ سَبْعِينَ ضِعْفاً فَهَذَا فَضْلُ الْمُؤْمِنِ وَ يَزِيدُ اللَّهُ فِي حَسَنَاتِهِ عَلَى قَدْرِ صِحَّةِ إِيمَانِهِ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَ يَفْعَلُ اللَّهُ بِالْمُؤْمِنِينَ مَا يَشَاءُ مِنَ الْخَيْرِ قُلْتُ أَ رَأَيْتَ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ أَ لَيْسَ هُوَ دَاخِلًا فِي الْإِيمَانِ فَقَالَ لَا وَ لَكِنَّهُ قَدْ أُضِيفَ إِلَى الْإِيمَانِ وَ خَرَجَ بِهِ مِنَ الْكُفْرِ وَ سَأَضْرِبُ لَكَ مَثَلًا تَعْقِلُ بِهِ فَضْلَ الْإِيمَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ أَ رَأَيْتَ لَوْ أَبْصَرْتَ رَجُلًا فِي الْمَسْجِدِ أَ كُنْتَ تَشْهَدُ أَنَّكَ رَأَيْتَهُ فِي الْكَعْبَةِ قُلْتُ لَا يَجُوزُ لِي ذَلِكَ قَالَ فَلَوْ أَبْصَرْتَ رَجُلًا فِي الْكَعْبَةِ أَ كُنْتَ شَاهِداً أَنَّهُ قَدْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ وَ كَيْفَ ذَلِكَ قُلْتُ لَا يَصِلُ إِلَى دُخُولِ الْكَعْبَةِ حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ قَالَ أَصَبْتَ وَ أَحْسَنْتَ ثُمَّ قَالَ كَذَلِكَ الْإِيمَانُ وَ الْإِسْلَامُ. بيان قوله عليه السلام و أفضى به إلى الله الضمير إما راجع إلى القلب أو إلى صاحبه أي أوصله إلى معرفة الله و قربه و ثوابه فالضمير في أفضى راجع إلى ما و يحتمل أن يكون راجعا إلى المؤمن و ضمير به راجعا إلى الموصول أي وصل بسبب ذلك الاعتقاد أو أوصله ذلك الاعتقاد إلى الله كناية عن علمه سبحانه بحصوله في قلبه و قيل أي جعل وجه القلب إلى الله من الفضائل و الأحكام أي الفضائل الدنيوية و الأحكام الشرعية قال في المصباح أفضى الرجل بيده إلى الأرض بالألف مسها بباطن راحته قاله ابن فارس و غيره و أفضيت إلى الشيء وصلت إليه و السر أعلمته به انتهى و قيل أشار به إلى أن المراد بما استقر في القلب مجموع التصديق بالتوحيد و الرسالة و الولاية لأن هذا المجموع هو المفضي إلى الله و قوله و صدقه العمل مشعر بأن العمل خارج عن الإيمان و دليل عليه لأن الإيمان و هو التصديق أمر قلبي يعلم بدليل خارجي مع ما فيه من الإيماء إلى أن الإيمان بلا عمل ليس بإيمان و التسليم لأمره أي الإمامة عبر هكذا تقية أو الأعم فيشملها أيضا و يحتمل أن يكون عدم ذكر الولاية لأن التصديق القلبي الواقعي بالشهادتين مستلزم للإقرار بالولاية فكان المخالفين ليس إذعانهم بالشهادتين إلا إذعانا ظاهريا لإخلالهم بما يستلزمانه من الإقرار بالولاية فلذا أطلق عليهم في الأخبار اسم النفاق أو الشرك فتفطن. و الإسلام ما ظهر من قول أو فعل أي قول بالشهادتين أو الأعم و فعل بالطاعات كالصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و غيرها فيدل على أن الإسلام يطلق على مجرد الطاعات و الشهادات من غير اشتراط تصديق فخرجوا بذلك من الكفر أي من أن يجري عليهم في الدنيا أحكام الكفار و أضيفوا إلى الإيمان أي نسبوا إلى الإيمان ظاهرا و إن لم يكونوا متصفين به حقيقة و هما في القول و الفعل يجتمعان أي في الشهادتين و العبادات الظاهرة و إن خص الإيمان بالولاية و ظاهر سياق الحديث لا يخلو من شوب تقية و كأن المراد بالفضائل ما يفضل به في الدنيا من العطاء و الإجراء و أمثاله لا الفضائل الواقعية الأخروية أو ما يفضل به على الكافر من الإنفاق و الإعطاء و الإكرام و الرعاية الظاهرية و قيل أي في التكليف بالفضائل بأن يكون المؤمن مكلفا و لا يكون المسلم مكلفا بها. أقول سيظهر مما سننقل من تفسير العياشي أن الفضائل تصحيف القضايا في أعمالهما أي صحتها و قبولها و ما يتقربان به إلى الله أي من العقائد و الأعمال فيكون تأكيدا أو تعميما بعد التخصيص لشموله للعقائد أيضا أو المراد بالأول صحة الأعمال و بالثاني كيفياتها فإن المؤمن يعمل بما أخذه من إمامه و المسلم يعمل ببدع أهل الخلاف و قيل المراد به الإمام الذي يتقرب بولايته و متابعته إلى الله تعالى فإن إمام المؤمن مستجمع لشرائط الإمامة و إمام المسلم لشرائط الفسق و الجهالة. قوله أ ليس الله يقول أقول هذا السؤال و الجواب يحتمل وجوها الأول و هو الظاهر أن السائل أراد أنه إذا كانا مجتمعين في الحسنات و الحسنة بالعشر فكيف يكون له فضل عليه في الأعمال و القربات مع أن الموصول من أدوات العموم فيشمل كل من فعلها فأجاب عليه السلام بأنهما شريكان في العشر و المؤمن يفضل بما زاد عليها و يرد عليه أنه على هذا يكون لأعمال غير المؤمنين أيضا ثواب و هو مخالف للإجماع و الأخبار المستفيضة إلا أن يحمل الكلام على نوع من التقية أو المصلحة لقصور فهم السائل أو يكون المراد بالإيمان الإيمان الخالص و بالإسلام أعم من الإيمان الناقص و غيره و يكون الثواب للأول و هو غير بعيد عن سياق الخبر بل لا يبعد أن يكون المراد بالمسلم المستضعف من المؤمنين الذين يظهرون الإيمان و لم يستقر في قلوبهم كما يرشد إليه قوله و هما في القول و الفعل يجتمعان و قد عرفت اختلاف الاصطلاح في الإيمان فيكون هذا الخبر موافقا لبعض مصطلحاته. و قيل في الجواب لعل عمل غير المؤمن ينفعه في تخفيف العقوبة و رفع شدتها لا في دخول الجنة إذ دخولها مشروط بالإيمان. الثاني أنه تعالى قال مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً و القرض الحسن هو العبادة الواقعة على كمالها و شرائط قبولها و من جملة شرائطها هو الإيمان فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله عز و جل لهم حسناتهم لا غيرهم فيعطيهم لكل حسنة عشرة و ربما يعطيهم لكل حسنة سبعين ضعفا فهذا فضل المؤمن على المسلم و يزيد الله في حسناته على قدر صحة إيمانه و حسب كماله أضعافا كثيرة حتى أنه يعطي بواحدة سبعمائة أو أزيد و يفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير الذي لا يعلمه إلا هو كما قال وَ لَدَيْنا مَزِيدٌ و قيل أراد بما يشاء من الخير إيتاء العلم و الحكمة و زيادة اليقين و المعرفة. الثالث ما ذكره بعض الأفاضل و يرجع إلى الثاني و هو أن المراد بالقرض الحسن صلة الإمام عليه السلام كما ورد في الأخبار فالغرض من الجواب أنه كما أن القرض يكون حسنا و غير حسن و الحسن الذي هو صلة الإمام يصير سببا لتضاعف أكثر من عشرة فكذلك الصلاة و الزكاة و الحج تكون حسنة و غير حسنة و الحسنة ما كان مع تصديق الإمام و هو يستحق المضاعفة لا غيره فالفاء في قوله فالمؤمنون للبيان و قوله يضاعف الله بتقدير قد يضاعف الله و إلا لكان الظاهر عشرة أضعاف و يزيد الله أي على السبعين أيضا. قوله أ رأيت من دخل في الإسلام كان السائل لم يفهم الفرق بين الإيمان و الإسلام بما ذكره عليه السلام فأعاد السؤال أو أنه لما كان تمكن في نفسه ما اشتهر بين المخالفين من عدم الفرق بينهما أراد أن يتضح الأمر عنده أو قاس الدخول في المركب من الأجزاء المعقولة بالدخول في المركب من الأجزاء المقدارية فإن من دخل جزءا من الدار صدق عليه أنه دخل الدار فلذا أجابه عليه السلام بمثل ذلك لتفهيمه فقال المتصف ببعض أجزاء الإيمان لا يلزم أن يتصف بجميع أجزائه حتى يتصف بالإيمان كما أن من دخل المسجد لا يحكم عليه بأنه دخل الكعبة و من دخل الكعبة يحكم عليه بأنه دخل المسجد فكذا يحكم على المؤمن أنه مسلم و لا يحكم على كل مسلم أنه مؤمن. ثم اعلم أنه استدل بهذه الأخبار على كون الكعبة جزءا من المسجد الحرام و يرد عليه أنه لا دلالة في أكثرها على ذلك بل بعضها يومي إلى خلافه كهذا الخبر حيث قال أ كنت شاهدا أنه قد دخل المسجد و لم يقل أ كنت شاهدا أنه في المسجد و كذا قوله لا يصل إلى دخول الكعبة حتى يدخل المسجد نعم بعض الأخبار تشعر بالجزئية.
بحار الأنوار - ج ٦٥ - الصفحة ٢٥٠. — الإمام الباقر عليه السلام
م، تفسير الإمام (عليه السلام) قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ قَالَ الْإِمَامُ
مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ فَزَعَمَ أَنَّهَا حَلَالٌ أَخْرَجَهُ ذَلِكَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَ عُذِّبَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَ إِنْ كَانَ مُعْتَرِفاً أَنَّهُ أَذْنَبَ وَ مَاتَ عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَ كَانَ عَذَابُهُ أَهْوَنَ مِنْ عَذَابِ الْأَوَّلِ . قال الشهيد الثاني رفع الله درجته في كتاب حقائق الإيمان قيل الإسلام و الإيمان واحد و قيل بتغايرهما و الظاهر أنهم أرادوا الوحدة بحسب الصدق لا في المفهوم و يظهر من كلام جماعة من الأصوليين أنهما متحدان بحسب المفهوم أيضا حيث قالوا إن الإسلام هو الانقياد و الخضوع لألوهية البارئ تعالى و الإذعان بأوامره و نواهيه و ذلك حقيقة التصديق الذي هو الإيمان على ما تقدم. و أما القائلون بالتغاير صدقا و مفهوما فإنهم أرادوا أن الإسلام أعم من الإيمان مطلقا و قد أشرنا فيما تقدم في أوائل المقدمة الأولى أن المحقق نصير الدين الطوسي قدس سره نقل في قواعد العقائد أن الإسلام أعم في الحكم من الإيمان لكنه في الحقيقة هو الإيمان. و هذه عبارته رحمه الله تعالى قالوا الإسلام أعم في الحكم من الإيمان لأن من أقر بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين لقوله تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا و أما كون الإسلام في الحقيقة هو الإيمان فلقوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ثم قال و اختلفوا في معناه يعني الإيمان فقال بعض السلف كذا و قالت المعتزلة أصول الإيمان خمسة و عدها و قالت الشيعة أصول الإيمان ثلاثة و عدها أيضا و قال أهل السنة هو التصديق بالله تعالى أما على ما تقدم تفصيله فليراجع أقول ظاهره قوله رحمه الله قالوا أي هؤلاء المختلفون في معنى الإيمان كما يدل عليه قوله و اختلفوا و ظاهر هذا النقل يعطي أنه لا نزاع في أن حقيقتهما واحدة و المغايرة إنما هي في الحكم فقط بمعنى أنا قد نحكم على شخص في ظاهر الشرع بكونه مسلما لإقراره بالشهادتين و لا نحكم عليه بالإيمان حتى نعلم من حاله التصديق و ما نقلناه من المذهبين الأولين يقتضي وقوع النزاع في الحقيقة و الحكم. أما أهل المذهب الأول و هم القائلون باتحادهما مطلقا صدقا و مفهوما أو صدقا فقط فإنهم صرحوا باتحادهما في الحكم أيضا حيث قالوا لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن و ليس بمسلم أو مسلم و ليس بمؤمن و لا نعني بوحدتهما سوى هذا و أما أهل المذهب الثاني و هم القائلون بالتغاير فإنهم صرحوا بتغايرهما صدقا و مفهوما و حكما حيث قالوا إن حقيقة الإسلام هي الانقياد و الإذعان بإظهار الشهادتين سواء اعترف مع ذلك بباقي المعارف أم لا فيكون أعم مفهوما من الإيمان فتبين مما حررناه أن المذاهب في بيان حقيقة الإسلام ثلاثة. احتج أهل المذهب الأول بقوله تعالى فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وجه الاستدلال أن غير هذا للاستثناء بمعنى إلا و هذا استثناء مفرغ متصل فيكون من الجنس إذ المعنى و الله أعلم فما وجدنا فيها بيتا من بيوت المؤمنين إلا بيتا من المسلمين و بيت المسلم إنما يكون بيت المؤمن إذا صدق المؤمن على المسلم كما هو مقتضى الاتحاد في الجنس إذ من المعلوم أن المراد من البيت هنا أهله لا الجدران على حد قوله تعالى وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ و صدق المؤمن على المسلم يقتضي كون الإيمان أعم من الإسلام أو مساويا له لكن لا قائل بالأول فتعين الثاني و اعترض بأن المصحح للاستثناء هو تصادق المستثنى و المستثنى منه في الفرد المخرج لا في كل فرد و هو يتحقق بكون الإسلام أعم كما يتحقق بكونه مساويا و الأمر هنا كذلك فإنه على تقدير كون الإيمان أخص يتصادق المؤمن و المسلم في البيت المخرج الموجود فإنه بيت لوط عليه و على نبينا السلام على أن دلالة هذه الآية معارضة بقوله تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا فوصفهم تعالى بالإسلام حيث جوز لهم الإخبار عن أنفسهم به و نفى عنهم الإيمان فدل على تغايرهما. و احتج أهل المذهب الثاني على المغايرة بهذه الآية و التقريب ما تقدم في بيان المعارضة و بما تواتر عن النبي ص و الصحابة رضي الله عن المؤمنين منهم أنهم كانوا يكتفون في الإسلام بإظهار الشهادتين ثم بعد ذلك ينبهون المسلم على بعض المعارف الدينية التي يتحقق بها الإيمان.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٥ - الصفحة ٢٩٩. — الإمام الصادق عليه السلام
مَنِ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً مِنَ الْكَبَائِرِ فَزَعَمَ أَنَّهَا حَلَالٌ أَخْرَجَهُ ذَلِكَ مِنَ الْإِسْلَامِ وَ عُذِّبَ أَشَدَّ الْعَذَابِ وَ إِنْ كَانَ مُعْتَرِفاً أَنَّهُ أَذْنَبَ وَ مَاتَ عَلَيْهِ أَخْرَجَهُ مِنَ الْإِيمَانِ وَ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنَ الْإِسْلَامِ وَ كَانَ عَذَابُهُ أَهْوَنَ مِنْ عَذَابِ الْأَوَّلِ. قال الشهيد الثاني رفع الله درجته في كتاب حقائق الإيمان قيل الإسلام و الإيمان واحد و قيل بتغايرهما و الظاهر أنهم أرادوا الوحدة بحسب الصدق لا في المفهوم و يظهر من كلام جماعة من الأصوليين أنهما متحدان بحسب المفهوم أيضا حيث قالوا إن الإسلام هو الانقياد و الخضوع لألوهية البارئ تعالى و الإذعان بأوامره و نواهيه و ذلك حقيقة التصديق الذي هو الإيمان على ما تقدم. و أما القائلون بالتغاير صدقا و مفهوما فإنهم أرادوا أن الإسلام أعم من الإيمان مطلقا و قد أشرنا فيما تقدم في أوائل المقدمة الأولى أن المحقق نصير الدين الطوسي (قدس سره) نقل في قواعد العقائد أن الإسلام أعم في الحكم من الإيمان لكنه في الحقيقة هو الإيمان. و هذه عبارته (رحمه الله) تعالى قالوا الإسلام أعم في الحكم من الإيمان لأن من أقر بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين لقوله تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا و أما كون الإسلام في الحقيقة هو الإيمان فلقوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ ثم قال و اختلفوا في معناه يعني الإيمان فقال بعض السلف كذا و قالت المعتزلة أصول الإيمان خمسة و عدها و قالت الشيعة أصول الإيمان ثلاثة و عدها أيضا و قال أهل السنة هو التصديق بالله تعالى أما على ما تقدم تفصيله فليراجع أقول ظاهره قوله (رحمه الله) قالوا أي هؤلاء المختلفون في معنى الإيمان كما يدل عليه قوله و اختلفوا و ظاهر هذا النقل يعطي أنه لا نزاع في أن حقيقتهما واحدة و المغايرة إنما هي في الحكم فقط بمعنى أنا قد نحكم على شخص في ظاهر الشرع بكونه مسلما لإقراره بالشهادتين و لا نحكم عليه بالإيمان حتى نعلم من حاله التصديق و ما نقلناه من المذهبين الأولين يقتضي وقوع النزاع في الحقيقة و الحكم. أما أهل المذهب الأول و هم القائلون باتحادهما مطلقا صدقا و مفهوما أو صدقا فقط فإنهم صرحوا باتحادهما في الحكم أيضا حيث قالوا لا يصح في الشرع أن يحكم على أحد بأنه مؤمن و ليس بمسلم أو مسلم و ليس بمؤمن و لا نعني بوحدتهما سوى هذا و أما أهل المذهب الثاني و هم القائلون بالتغاير فإنهم صرحوا بتغايرهما صدقا و مفهوما و حكما حيث قالوا إن حقيقة الإسلام هي الانقياد و الإذعان بإظهار الشهادتين سواء اعترف مع ذلك بباقي المعارف أم لا فيكون أعم مفهوما من الإيمان فتبين مما حررناه أن المذاهب في بيان حقيقة الإسلام ثلاثة. احتج أهل المذهب الأول بقوله تعالى فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وجه الاستدلال أن غير هذا للاستثناء بمعنى إلا و هذا استثناء مفرغ متصل فيكون من الجنس إذ المعنى و الله أعلم فما وجدنا فيها بيتا من بيوت المؤمنين إلا بيتا من المسلمين و بيت المسلم إنما يكون بيت المؤمن إذا صدق المؤمن على المسلم كما هو مقتضى الاتحاد في الجنس إذ من المعلوم أن المراد من البيت هنا أهله لا الجدران على حد قوله تعالى وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ و صدق المؤمن على المسلم يقتضي كون الإيمان أعم من الإسلام أو مساويا له لكن لا قائل بالأول فتعين الثاني و اعترض بأن المصحح للاستثناء هو تصادق المستثنى و المستثنى منه في الفرد المخرج لا في كل فرد و هو يتحقق بكون الإسلام أعم كما يتحقق بكونه مساويا و الأمر هنا كذلك فإنه على تقدير كون الإيمان أخص يتصادق المؤمن و المسلم في البيت المخرج الموجود فإنه بيت لوط عليه و على نبينا السلام على أن دلالة هذه الآية معارضة بقوله تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا فوصفهم تعالى بالإسلام حيث جوز لهم الإخبار عن أنفسهم به و نفى عنهم الإيمان فدل على تغايرهما. و احتج أهل المذهب الثاني على المغايرة بهذه الآية و التقريب ما تقدم في بيان المعارضة و بما تواتر عن النبي ص و الصحابة رضي الله عن المؤمنين منهم أنهم كانوا يكتفون في الإسلام بإظهار الشهادتين ثم بعد ذلك ينبهون المسلم على بعض المعارف الدينية التي يتحقق بها الإيمان. أقول إن الآية الكريمة إنما تدل على المغايرة في الجملة و كما يجوز أن يكون بحسب الحقيقة يجوز أن يكون في الحكم دون الحقيقة كما اختاره أهل المذهب الثالث و يؤيد ذلك أن الله سبحانه لم يثبت لهم الإسلام صريحا و لا وصفهم به حيث لم يقل و لكن أسلمتم كما قال لم تؤمنوا بل أحال الإخبار به على مقالتهم فقال تعالى وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا و حينئذ فيجوز أن يكون المراد و الله أعلم أنكم لم تؤمنوا حتى تدخل المعارف قلوبكم و لما تدخل لكن ما زعمتموه من الإيمان فإنما هو إسلام ظاهري يمكن الحكم عليكم به في ظاهر الشرع حيث أقررتم بألسنتكم دون قلوبكم فلكم أن تخبروا عن أنفسكم و أما الإسلام الحقيقي فلم يثبت لكم عند الله تعالى كالإيمان فلذا لم يخبر عنكم به و قد يظهر من ذلك الجواب عن الثاني أيضا. إن قلت إن الإسلام من الحقائق الاعتبارية للشارع كالإيمان فلا يعلم إلا منه و حيث أذن لهم في أن يخبروا عن أنفسهم بأنهم أسلموا مع أن الإيمان لم يكن دخل قلوبهم كما دل عليه آخر الآية تدل على أنه لم يكن له حقيقة وراء ذلك عند الشارع و إلا لما جوز لهم ذلك الأخبار و احتمال المجاز يدفعه أن الأصل في الإطلاق الحقيقة و لزوم الاشتراك على تقدير الحقيقة يدفعه أنه متواطئ أو مشكك حيث بينا أن مفهومه هو الانقياد و الإذعان بالشهادتين سواء اقترن بالمعارف أم لا فيكون إسلام الأعراب فردا منه. قلت لا ريب أنه لو علم عدم تصديق من أقر بالشهادتين لم يعتبر ذلك الإقرار شرعا و لم نحكم بإسلام فاعله لأنه حينئذ يكون مستهزئا أو مشككا و إنما حكم الشارع بإسلامه ظاهرا في صورة عدم علمنا بموافقة قلبه للسانه بالنسبة إلينا تسهيلا و دفعا للحرج عنا حيث لا يعلم السرائر إلا هو و أما عنده تعالى فالمسلم من طابق قلبه لسانه كما قال تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ مع أن الدين لا يكون إلا مع الإخلاص لقوله تعالى وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ إلى قوله تعالى وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ فالإسلام لا يكون إلا مع الإخلاص أيضا بقرينة أنه ذكر الإسلام معرفا و ذلك يفيد حصر الإسلام في الدين المخلص فكان المعنى و الله أعلم لا إسلام إلا ما هو دين عند الله تعالى كما يقال زيد العالم أي لا غيره و الفرق ظاهر بين أن يقال الدين المخلص إسلام أو هو الإسلام كما قررناه فعلم أن الإسلام اللساني ليس داخلا في حقيقة الإسلام عند الله و الكلام إنما هو فيما يعد إسلاما و إيمانا عند الشارع لا عندنا بحيث لا يجتمع مع ضده الذي هو الكفر في موضع واحد في زمان واحد و الإقرار باللسان دون القلب يجامع الكفر فلا يكون إسلاما حقيقة و لعل هذا هو السر في إحالة الأخبار بالإسلام على قول الأعراب دون قوله تعالى كما أشرنا إليه سابقا. إن قلت إذا لم يكن إسلام الأعراب إسلاما عند الله تعالى كان مغريا لهم بالكذب حيث أمرهم أن يخبروا عن أنفسهم بالإسلام فقال قُولُوا أَسْلَمْنا و هو محال عليه تعالى. قلت إنما أمرهم أمرا إرشاديا بأن يخبروا بالإسلام الظاهري و هو حق في الظاهر فلم يكن مغريا لهم بالكذب حيث لم يأمرهم بأن يخبروا بأنهم مسلمون عند الله تعالى بالإسلام مطلقا و قد تقدم ما يصلح دليلا لما ادعيناه من التخصيص على أنه يمكن أن يقال إن الله سبحانه و تعالى لم يأمرهم بالإخبار أصلا لا ظاهرا و لا غيره بل أمر نبيه ص أن يأمرهم حيث قال تعالى له قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا أي و لكن قل لهم قولوا أسلمنا فالأمر لهم بقول أسلمنا إنما هو من النبي ص لا من الله تعالى لما تقرر في الأصول من أن الأمر بالأمر بالشيء ليس أمرا بذلك الشيء. و احتج أهل المذهب الثالث على كل من جزأي مدعاهم أما على أن الإسلام أعم في الحكم فبآية الأعراب المتقدمة و التقريب ما تقدم لكن لا يرد عليهم شيء مما أوردناه على استدلال أهل المذهب الثاني بها لأنهم يدعون دلالتها على مغايرة الإسلام للإيمان حقيقة و هم يدعون المغايرة في الحكم ظاهرا دون الحقيقة بل ما ذكرناه من الإيرادات محقق لاستدلالهم بها إذ لا يتم لهم بدونه كما لا يخفى على من أحاط بما ذكرناه في بيان معنى هذه الآية مما من به الواهب الكريم. إن قلت إن الشارع حكم بإيمان من أقر بالمعارف الأصولية ظاهرا و إن كان في نفس الأمر غير معتقد لذلك إذا لم يطلع عليه على حد ما ذكرتم في الإسلام فكما أن الإيمان و الإسلام الاعتقاديين متحدان فكذا الظاهريان فما وجه عموم الإسلام في الحكم و ما معناه. قلت الإسلام يكفي في الحكم به ظاهرا الإقرار بالشهادتين مع عدم علم الاستهزاء و الشك من المعتبر بخلاف الإيمان فإنه لا بد في الحكم به ظاهرا مع ذلك من الاعتراف بأنه يعتقد الأصول الخمسة مع إقراره بها أو يقتصر على الإقرار بها مع عدم علمنا منه بما ينافي ذلك من استهزاء أو شك فهو أخص حكما من الإسلام و هذا الذي ذكرناه يشهد به كثير من الأحاديث و حكم علماء الإمامية أيضا بإسلام أهل الخلاف و عدم إيمانهم يؤيد ما قلناه. و أما على أن الإسلام في الحقيقة هو الإيمان فبقوله تعالى فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الآية و التقريب ما تقدم في بيان استدلال أهل المذهب الأول بها و الاعتراض الاعتراض لكن ما ذكر هناك من المعارضة بآية الأعراب لا يرد هنا لأنا بينا أنها إنما تدل على المغايرة في الحكم و هو لا ينافي الاتحاد في الحقيقة و أما هناك فلما كان المدعى الاتحاد مطلقا حكما و حقيقة أمكن المعارضة بها في الجملة. و قد تقدم في كلام المحقق الطوسي (قدس سره) أنهم استدلوا على كون حقيقتهما واحدة بقوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ و يمكن تقريره بوجهين أحدهما أن الإيمان هو الدين و الدين هو الإسلام فالإيمان هو الإسلام أما الكبرى فللآية و أما الصغرى فلقوله تعالى وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ و لا ريب أن الإيمان مقبول من يبتغيه دينا للإجماع فيكون الإيمان دينا فيكون هو الإسلام و فيه أنه لا يلزم من صحة حمل الإسلام عليه كونهما واحدا في الحقيقة لجواز كون المحمول أعم و يمكن الجواب بما ذكرناه سابقا من إفادة مثل ذلك حصر الإسلام في الدين لكن يرد على دليل الصغرى أن اللازم منه كون الإيمان دينا أما كونه نفس الدين ليكون هو الإسلام فلا لجواز أن يكون جزءا منه أو جزئيا له أو شرعا كذلك و لا ريب أن جزء الشيء أو جزئيه أو شرطه يقبل معه و إن كان مغايرا له فعلم أن المراد من الغير في الآية الكريمة غير ذلك. و أيضا يرد عليه أن هذا الدليل إنما يستقيم على مذهب من يقول إن الطاعات جزء من الإيمان و ذلك لأن الظاهر أن الدين المحمول عليه الإسلام هو دين القيمة في قوله تعالى وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ و المشار إليه بذلك ما تقدم من الإخلاص في الدين مع إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة. و ثانيهما أن العبادات المعتبرة شرعا هي الدين و الدين هو الإسلام و الإسلام هو الإيمان أما الأولى فلقوله تعالى وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و أما الثانية فلقوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ و أما الثالثة فلقوله تعالى وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً الآية و قد تقدم بيان ذلك و يرد عليه جميع ما يرد على الوجه الأول و يزيد عليه أن النتيجة كون العبادات هي الإيمان و المدعى كون الإسلام هو الإيمان أو عكسه و لا ينطبق على المدعى و لو سلم استلزامه للمدعى لاقتضاء المقدمة الثالثة ذلك قلنا فبقية المقدمات مستدركة إذ يكفي أن يقال الإسلام هو الإيمان لقوله تعالى وَ مَنْ يَبْتَغِ الآية. أقول قد عرفت أن هذا الاستدلال بوجهيه إنما يستقيم على مذهب من يجعل الطاعات الإيمان أو جزءا منه فإن كان المستدل به هؤلاء فذلك قد علم مع ما يرد عليه و إن كان غيرهم فهو ساقط الدلالة أصلا و رأسا ثم نقول على تقدير تسليم دلالة هذه الآيات على اتحادهما أن الحكم بعموم الإسلام في الحكم على مذهب من يجعل الطاعات الإيمان ظاهرا أن الآيات دلت على اتحادهما في الحقيقة عند الله تعالى و على هذا من لم يأت بالطاعات أو بعضها فلا دين له فلا إسلام فلا إيمان له عند الله و لا في الظاهر إذا لم يعرف منه ذلك. و أما من اكتفى بالتصديق في تحقق حقيقة الإيمان و جعل الإتيان بالطاعات من المكملات فيلزم عليه بمقتضى هذه الآيات أن يسلمه بأن يكون بين الإسلام و الإيمان عموم من وجه لتحققهما فيمن صدق بالمسائل الأصولية و أتى بالطاعات مخلصا و انفراد الإسلام فيمن أقر بالشهادتين ظاهرا مع كونه غير مصدق بقلبه و انفراد الإيمان فيمن صدق بقلبه بالمعارف و ترك الطاعات غير مستحل فإنه لا دين له حيث لم يقم الصلاة و لا آتى الزكاة كما هو المفروض فلا إسلام له لأن الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ و هو في غاية البعد و الاستهجان و لم يذهب أحد إلى أنه قد يكون المكلف مؤمنا و لا يكون مسلما. هذا إن اعتبرنا النسبة بين مطلق الإسلام و الإيمان حقيقيا أو ظاهريا و إن اعتبرنا النسبة بين الحقيقيين فقط أي ما هو إسلام و إيمان عند الله تعالى كانا متحدين عند من جعلهما الطاعات و عند من اكتفى بالتصديق يكون الإيمان أعم مطلقا و هو أيضا غريب إذ لم يذهب إليه أحد و لا مخلص له عن هذا الإلزام إلا بالتزامه إذ يدعي أن تارك الطاعات غير مستحل مسلم أيضا و يتأول الدين في قوله تعالى وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ بالدين الكامل و يكون المراد بالدين في قوله تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ الدين الأصلي الذي لا يتحقق أصل الإيمان إلا به و حينئذ فيكون الإسلام و الإيمان الحقيقيان متحدين أيضا عنده. و يؤيد ذلك ما ذكره بعضهم من أن الاستدلال بآية الإخلاص إنما يتم بإضمار لفظ المذكر و نحوه فإن الإشارة في قوله تعالى وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ يرجع إلى متعدد و هو العبادة مع الإخلاص في الدين و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة بل مع جميع الطاعات بناء على أنه اكتفى عن ذكرها بذكر الأعظم منها و أنها قد ذكرت إجمالا في قوله تعالى لِيَعْبُدُوا و ذكر إقام الصلاة و إيتاء الزكاة لشدة الاعتناء بهما فكان حق الإشارة أن يكون أولئك و نحوه تطابقا بين الإشارة و المشار إليه و لما كانت الإشارة مفردة ارتكب المذكور و حيث لا بد من الإضمار فللخصم أن يضمر الإخلاص أو التدين المدلول عليهما بقوله مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ و الترجيح لهذه لقربه من المعنى اللغوي للإيمان و بعد ذاك فلم يكن في الآية دلالة على أن الطاعات هي الإيمان فلم يتكرر الأوسط في قولنا عبادة الله تعالى مع الإخلاص و إقام الصلاة و إيتاء الزكاة كالدين و الدين هو الإسلام و الإسلام هو الإيمان لقوله تعالى وَ مَنْ يَبْتَغِ الآية فالطاعات هي الإسلام و الإيمان لأنه يقال لا نسلم أن المراد من الدين في المقدمة الأولى ما يراد في المقدمة الثانية. و قد ظهر من هذا تزييف الاستدلال بهذه الآيات على كون الطاعات معتبرة في حقيقة الإيمان لأنه لم يناف ما نحن فيه من اتحاد الإسلام و الإيمان لكن لا يخفى أنه مناف لما قد بيناه من أن البحث كله على تقدير تسليم دلالة هذه الآيات و ما ذكر من التأويل مناف للتسليم المذكور و يمكن الجواب عنه فتأمل. و هاهنا بحث يصلح لتزييف الاستدلال بهذه الآيات على المطلبين مطلب كون الطاعات معتبرة في حقيقة الإيمان و مطلب اتحادهما في الحقيقة فنقول لو سلمنا أن المراد من الدين في الآيات الثلاث واحد و أن الطاعات معتبرة في أصل حقيقة الإسلام فلا يلزم أن تكون معتبرة في أصل حقيقة الإيمان و لا أن يكون الإسلام و الإيمان متحدين حقيقة و ذلك لأن الآية الكريمة إنما دلت على أن من ابتغى أي طلب غير دين الإسلام دينا له فلن يقبل منه ذلك المطلوب و لم تدل على أن من صدق بما أوجبه الشارع عليه لكنه ترك بعض الطاعات غير مستحل أنه طالب لغير دين الإسلام إذ ترك الفعل يجتمع مع طلبه لعدم المنافاة بينهما فإن الشخص قد يكون طالبا للطاعة مريدا لها لكنه تركها إهمالا و تقصيرا و لا يخرج بذلك عن ابتغائها و قد تقدم هذا الاعتراض في المقالة الأولى على دليل القائلين بالاتحاد. إن قلت على تقدير تسليم اتحاد معنى الدين في الآيات فما يصنع من اكتفى في الإيمان بالتصديق فيما إذا صدق شخص بجميع ما أمره الله تعالى به و لو إجمالا لكنه لم يفعل بعد شيئا من الطاعات لعدم وجوبها عليه كما لو توقفت على سبب أو شرط و لم يحصل أو وجد مانع من ذلك فإنه يسمى مؤمنا و لا يسمى مسلما لعدم الإتيان بالطاعات التي هي معتبرة في حقيقة الإسلام و كذا الحكم على من وجبت عليه و تركها تقصيرا غير مستحل مع كونه مصدقا بجميع ما أمر به و مريدا للطاعات فإنه يسمى حينئذ مؤمنا لا مسلما و يلزم الاستهجان المذكور سابقا. قلت الأمر على ما ذكرت و لا مخلص من هذا إلا بالتزام ارتكاب عدم تسليم اتحاد معنى الدين في الآيات أو التزامه و نمنع من استهجانه فإنه لما كان حصول التصديق مع ترك الطاعات فردا نادر الوقوع لم تلتفت النفس إليه فلذا لم يتوجهوا إلى بيان النسبة بين الإسلام و الإيمان على تقديره و بالجملة فظواهر الآيات تعطي قوة القول بأن الإسلام و الإيمان الحقيقيان تعتبر فيهما الطاعات و تحقق حصول الإيمان في صورة حصول التصديق قبل وجوب الطاعات يفيد قوة القول بأن الإيمان هو التصديق فقط و الطاعات مكملات. انتهى كلامه ضوعف في الجنة إكرامه و لم نتعرض لتبيين ما حققه و ما يخطر بالبال في كل منها لخروجه عن موضع كتابنا و في بالي إن فرغني الله تعالى عن بعض ما يصدني عن الوصول إلى آمالي أن أكتب في ذلك كتابا مفردا إن شاء الله تعالى و هو الموفق للخير و الصواب و إليه المرجع و المآب.
بحار الأنوار - ج ٦٥ - الصفحة ٢٩٩. — الإمام الصادق عليه السلام
محص، التمحيص عَنِ الْمُفَضَّلِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ
يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ نَاساً زَعَمُوا أَنَّ الْعَبْدَ لَا يَزْنِي وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَسْرِقُ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَأْكُلُ الرِّبَا وَ هُوَ مُؤْمِنٌ وَ لَا يَسْفِكُ الدَّمَ الْحَرَامَ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَقَدْ ثَقُلَ عَلَيَّ هَذَا وَ حَرِجَ مِنْهُ صَدْرِي حِينَ أَزْعُمُ أَنَّ هَذَا الْعَبْدَ يُصَلِّي صَلَاتِي وَ يَدْعُو دُعَائِي وَ يُنَاكِحُنِي وَ أُنَاكِحُهُ وَ يُوَارِثُنِي وَ أُوَارِثُهُ وَ قَدْ خَرَجَ مِنَ الْإِيمَانِ مِنْ أَجْلِ ذَنْبٍ يَسِيرٍ أَصَابَهُ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ص صَدَقْتَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ وَ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ كِتَابُ اللَّهِ خَلَقَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَى ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ وَ أَنْزَلَهُمْ ثَلَاثَ مَنَازِلَ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْكِتَابِ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَ السَّابِقُونَ فَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَمْرِ السَّابِقِينَ فَإِنَّهُمْ أَنْبِيَاءُ مُرْسَلُونَ وَ غَيْرُ مُرْسَلِينَ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ خَمْسَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ الْقُدُسِ وَ رُوحَ الْإِيمَانِ وَ رُوحَ الْقُوَّةِ وَ رُوحَ الشَّهْوَةِ وَ رُوحَ الْبَدَنِ فَبِرُوحِ الْقُدُسِ بُعِثُوا أَنْبِيَاءَ مُرْسَلِينَ وَ غَيْرَ مُرْسَلِينَ وَ بِهَا عَلِمُوا الْأَشْيَاءَ وَ بِرُوحِ الْإِيمَانِ عَبَدُوا اللَّهَ وَ لَمْ يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَ بِرُوحِ الْقُوَّةِ جَاهَدُوا عَدُوَّهُمْ وَ عَالَجُوا مَعَاشَهُمْ وَ بِرُوحِ الشَّهْوَةِ أَصَابُوا لَذِيذَ الطَّعَامِ وَ نَكَحُوا الْحَلَالَ مِنْ شَبَابِ النِّسَاءِ وَ بِرُوحِ الْبَدَنِ دَبُّوا وَ دَرَجُوا فَهَؤُلَاءِ مَغْفُورٌ لَهُمْ مَصْفُوحٌ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ قَالَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ وَ أَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ثُمَّ قَالَ فِي جَمَاعَتِهِمْ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ يَقُولُ أَكْرَمَهُمْ بِهَا فَفَضَّلَهُمْ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ فَهَؤُلَاءِ مَغْفُورٌ لَهُمْ مَصْفُوحٌ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ثُمَّ ذَكَرَ أَصْحَابَ الْمَيْمَنَةِ وَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً بِأَعْيَانِهِمْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ أَرْبَعَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ الْإِيمَانِ وَ رُوحَ الْقُوَّةِ وَ رُوحَ الشَّهْوَةِ وَ رُوحَ الْبَدَنِ فَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَسْتَكْمِلُ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ الْأَرْبَعَةَ حَتَّى يَأْتِيَ عَلَيْهِ حَالاتٌ فَقَالَ الرَّجُلُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذِهِ الْحَالاتُ فَقَالَ أَمَّا أَوَّلُهُنَّ فَهُوَ كَمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً فَهَذَا يَنْتَقِصُ مِنْهُ جَمِيعُ الْأَرْوَاحِ وَ لَيْسَ بِالَّذِي يَخْرُجُ مِنْ دِينِ اللَّهِ لِأَنَّ الْفَاعِلَ بِهِ رَدَّهُ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ فَهُوَ لَا يَعْرِفُ لِلصَّلَاةِ وَقْتاً وَ لَا يَسْتَطِيعُ التَّهَجُّدَ بِاللَّيْلِ وَ لَا بِالنَّهَارِ وَ لَا الْقِيَامَ فِي الصَّفِّ مَعَ النَّاسِ فَهَذَا نُقْصَانٌ مِنْ رُوحِ الْإِيمَانِ وَ لَيْسَ يَضُرُّهُ شَيْئاً وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَقِصُ مِنْهُ رُوحُ الْقُوَّةِ وَ لَا يَسْتَطِيعُ جِهَادَ عَدُوِّهِ وَ لَا يَسْتَطِيعُ طَلَبَ الْمَعِيشَةِ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَقِصُ مِنْهُ رُوحُ الشَّهْوَةِ فَلَوْ مَرَّتْ بِهِ أَصْبَحُ بَنَاتِ آدَمَ لَمْ يَحِنَّ إِلَيْهَا وَ لَمْ يَقُمْ وَ تَبْقَى رُوحُ الْبَدَنِ فِيهِ فَهُوَ يَدِبُّ وَ يَدْرُجُ حَتَّى يَأْتِيَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ فَهَذَا بِحَالٍ خَيْرٍ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ هُوَ الْفَاعِلُ بِهِ وَ قَدْ يَأْتِي عَلَيْهِ حَالاتٌ فِي قُوَّتِهِ وَ شَبَابِهِ فَيَهُمُّ بِالْخَطِيئَةِ فَيُشَجِّعُهُ رُوحُ الْقُوَّةِ وَ يُزَيِّنُ لَهُ رُوحُ الشَّهْوَةِ وَ تَقُودُهُ رُوحُ الْبَدَنِ حَتَّى تُوقِعَهُ فِي الْخَطِيئَةِ فَإِذَا لَامَسَهَا نَقَصَ مِنَ الْإِيمَانِ وَ تَفَصَّى مِنْهُ فَلَيْسَ يَعُودُ فِيهِ حَتَّى يَتُوبَ فَإِذَا تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ إِنْ عَادَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ نَارَ جَهَنَّمَ فَأَمَّا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ فَهُمُ الْيَهُودُ وَ النَّصَارَى يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يَعْرِفُونَ مُحَمَّداً وَ الْوَلَايَةَ فِي التَّوْرَاةِ وَ الْإِنْجِيلِ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ إِنَّكَ الرَّسُولُ إِلَيْهِمْ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فَلَمَّا جَحَدُوا مَا عَرَفُوا ابْتَلَاهُمْ بِذَلِكَ فَسَلَبَهُمْ رُوحَ الْإِيمَانِ وَ أَسْكَنَ أَبْدَانَهُمْ ثَلَاثَةَ أَرْوَاحٍ رُوحَ الْقُوَّةِ وَ رُوحَ الشَّهْوَةِ وَ رُوحَ الْبَدَنِ ثُمَّ أَضَافَهُمْ إِلَى الْأَنْعَامِ فَقَالَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ لِأَنَّ الدَّابَّةَ إِنَّمَا تَحْمِلُ بِرُوحِ الْقُوَّةِ وَ تَعْتَلِفُ بِرُوحِ الشَّهْوَةِ وَ تَسِيرُ بِرُوحِ الْبَدَنِ فَقَالَ السَّائِلُ أَحْيَيْتَ قَلْبِي بِإِذْنِ اللَّهِ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ. - ف، تحف العقول أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ إِنَّ أُنَاساً يَزْعُمُونَ وَ ذَكَرَ نَحْوَهُ. - ير، بصائر الدرجات عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد عن محمد بن داود عن أبي هارون العبدي عن محمد عن ابن نباتة مثله. بيان و حرج منه أي ضاق حين أزعم أي أعتقد و أدعي موافقا لدعواهم يصلي صلاتي كأن صلاتي مفعول مطلق للنوع و كذا دعائي و المراد الدعوة إلى الدين أو دعاء الرب و طلب الحاجة منه في الصلاة و غيرها و الأول أنسب و يناكحني أي يعطيني زوجة كبنته و أخته و قيل المفاعلة في تلك الأفعال بمعنى الإفعال و يوارثني كأن في الإسناد مجازا أي جعل الله له في ميراثي و لي في ميراثه نصيبا و عد الذنب يسيرا بالنسبة إلى الخلل في العقائد أو اليسير في مقابل الكثير و في البصائر يصلي إلى قبلتي و يدعو دعوتي إلى قوله أخرجه من الإيمان و فيه فقال صدقك أخوك إني سمعت رسول الله ص يقول خلق الله الخلق ثم ذكر الآية بتمامها إلى قوله أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ و على ما في الكافي يمكن أن يقرأ صدقت على بناء المعلوم المخاطب أي القول الذي ذكرت عنهم صدق و حق أو صدقت في أنهم لا يخرجون من الإيمان رأسا بحيث تنتفي المناكحة و الموارثة و أمثالهما أو في أنهم لا يخرجون بمحض ارتكاب الذنب بل بالإصرار عليه أو المعلوم الغائب و الضمير للناس بتأويل أو المجهول المخاطب أي صدقوك فيما أخبروك. و الاستدلال بالكتاب إما بالآيات المذكورة أو غيرها من الآيات الدالة على حصر المؤمن في جماعة موصوفين بصفات مخصوصة و على الأول كما هو الظاهر الاستدلال بأن الظاهر من التقسيم و ما يأتي بعده أن يكون التقسيم إلى الأنبياء و الأوصياء و إلى المؤمنين و إلى الكافرين و وصف أصحاب اليمين و جزاءهم بأوصاف لا تليق إلا بمن لم يستحق عقوبة و لم يرتكب كبيرة موجبة للنار فلا بد من دخول المصرين على الكبائر في أصحاب الشمال أو بأنه تعالى ذكر في وصف أصحاب الشمال الذين يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ فالإصرار على الذنب العظيم يخرج من الإيمان. قوله عليه السلام جعل الله فيهم خمسة أرواح أقول الروح يطلق على النفس الناطقة و على الروح الحيوانية السارية في البدن و على خلق عظيم إما من جنس الملائكة أو أعظم منهم كما قال تعالى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا و الأرواح المذكورة هنا يمكن أن تكون أرواحا مختلفة متباينة بعضها في البدن و بعضها خارجة عنه أو يكون المراد بالجميع النفس الناطقة الإنسانيه باعتبار أعمالها و درجاتها و مراتبها أو أطلقت على تلك الأحوال و الدرجات كما أنه يطلق عليها النفس الأمارة و اللوامة و المطمئنة و الملهمة بحسب درجاتها و مراتبها في الطاعة و العقل الهيولائي و بالملكة و بالفعل و المستفاد بحسب مراتبها في العلم و المعرفة و يحتمل أن تكون روح القوة و الشهوة و المدرج كلها الروح الحيوانية و روح الإيمان و روح القدس النفس الناطقة بحسب كمالاتها أو تكون الأربعة سوى روح القدس مراتب النفس و روح القدس الخلق الأعظم فإن ظاهر أكثر الأخبار مباينة روح القدس للنفس. و يحتمل أن يكون ارتباط روح القدس متفرعا على حصول تلك الحالة القدسية للنفس فتطلق روح القدس على النفس في تلك الحالة و على تلك الحالة و على الجوهر القدسي الذي يحصل له الارتباط بالنفس في تلك الحالة كما أن الحكماء يقولون إن النفس بعد تخليها عن الملكات الردية و تحليها بالصفات العلية و كشف الغواشي الهيولانية و نقض العلائق الجسمانية يحصل لها ارتباط خاص بالعقل الفعال كارتباط البدن بالروح فتطالع الأشياء فيها و تفيض المعارف منه عليها آنا فآنا و ساعة فساعة و به يؤولون علم ما يحدث بالليل و النهار و هذا و إن كان مبتنيا على أصول فاسدة لا نقول بها لكن إنما ذكرناه للتشبيه و التنظير و علم جميع ذلك عند العليم الخبير. قوله عليه السلام خلق الله الناس على ثلاث طبقات قيل الخلق بمعنى الإيجاد أو التقدير و وجه الحصر أن الناس إما كافر أو مؤمن و المؤمن إما أن تكون له قوة قدسية مقتضية للعصمة أو لم تكن و الأول أصحاب المشأمة و الأخير أصحاب الميمنة و الثاني السابقون و ذلك قول الله إشارة إلى قوله سبحانه في سورة الواقعة وَ كُنْتُمْ أَزْواجاً ثَلاثَةً فَأَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ما أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ وَ أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ ما أَصْحابُ الْمَشْئَمَةِ وَ السَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ قَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ إلى آخر الآيات و قد مر تفسير الآيات في باب درجات الإيمان فإنهم بكسر الهمزة و قد يقرأ بفتحها أي فلأنهم أنبياء كأنه عليه السلام غلب الأنبياء على الأوصياء لأن الأوصياء في الأمم السابقة كان أكثرهم أو كلهم أنبياء فهذا يشمل الأئمة عليهم السلام. - وَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام فَالسَّابِقُونَ هُمْ رُسُلُ اللَّهِ وَ خَاصَّةُ اللَّهِ مِنْ خَلْقِهِ. و في رواية أخرى الأنبياء و الأوصياء و يمكن عطف غير مرسلين على الأنبياء لكنه أبعد و كأن فيه نوع تقية و في البصائر مرسلين و غير مرسلين و في القاموس عالجه علاجا و معالجة زاوله و داواه و قال الشباب الفتاء كالشبيبة و جمع شاب كالشبان و قال دب يدب دبا و دبيبا مشى على هينته و قال درج دروجا مشى و في الصحاح دب الشيخ مشى مشيا رويدا فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم و هاتان الفقرتان ليستا في البصائر في شيء من الروايتين في الموضعين و على ما في الكافي كأن الذنب مؤول بترك الأولى كما مر مرارا أو كنايتان عن عدم صدورها عنهم. تلك الرسل قال البيضاوي إشارة إلى الجماعة المذكورة قصصها في السورة أو المعلومة للرسول أو جماعة الرسل و اللام للاستغراق فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ بأن خصصناه بمنقبة ليست لغيره مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ و هو موسى و قيل موسى و محمد عليه السلام كلم موسى ليلة الحيرة و في الطور و محمدا ليلة المعراج حين فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى و بينهما بون بعيد وَ رَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ بأن فضله على غيره من وجوه متعددة و بمراتب متباعدة و هو محمد ص فإنه خص بالدعوة العامة و الحجج المتكاثرة و المعجزات المستمرة و الآيات المتراقية المتعاقبة بتعاقب الدهر و الفضائل العلمية و العملية الفائتة للحصر و الإبهام لتفخيم شأنه كأنه العلم المتعين لهذا الوصف المستغني عن التعيين و قيل إبراهيم خصصه بالخلة التي هي أعلى المراتب و قيل إدريس لقوله تعالى وَ رَفَعْناهُ مَكاناً عَلِيًّا و قيل أولو العزم من الرسل. وَ آتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ المعجزات الواضحات كإحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص و الإخبار بالمغيبات أو الإنجيل وَ أَيَّدْناهُ و قويناه بِرُوحِ الْقُدُسِ بالروح المقدسة كقولك حاتم الجود و رجل صدق أراد به جبرئيل أو روح عيسى و وصفها به لطهارته عن مس الشيطان أو لكرامته على الله و لذلك أضافها إلى نفسه أو لأنه لم تضمها الأصلاب و الأرحام الطوامث أو الإنجيل أو اسم الله الأعظم الذي كان يحيي به الموتى و خص عيسى عليه السلام بالتعيين لإفراط اليهود و النصارى في تحقيره و تعظيمه و جعل معجزاته سبب تفضيله لأنها آيات واضحة و معجزات عظيمة لم يستجمعها غيره. ثم قال في جماعتهم ظاهره أن المراد أنه قال ذلك في عموم الأنبياء و الرسل و هو مخالف لظاهر سياق الآيات و المشهور بين المفسرين و الآيات هكذا كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ لَوْ كانُوا آباءَهُمْ أَوْ أَبْناءَهُمْ أَوْ إِخْوانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ و قال البيضاوي أُولئِكَ أي الذين لم يوادوهم و أقول يمكن توجيهه بوجوه. الأول أن يكون أولئك إشارة إلى الرسل في قوله وَ رُسُلِي و هو و إن كان بعيدا لفظا فليس ببعيد معنى و لا ينافي ما مر في بعض الأخبار أنه الروح الذي في المؤمنين جميعا و يفارقهم في وقت المعصية لأنهم أكمل المؤمنين و فيهم هذا الروح أيضا على وجه الكمال و إن كان في سائر المؤمنين صنف منه و هذا غير روح القدس كما مر في الخمسة. الثاني أن يكون إشارة إلى المؤمنين و ذكره عليه السلام هذه الآية لبيان أنهم أيضا مؤيدون بهذا الروح لأنهم أكمل المؤمنين كما عرفت. الثالث أن يكون المراد بجماعتهم الجماعة المخصوصين بالرسل من خواص أممهم و أتباعهم و كونه في خواص أتباعهم يستلزم كونه فيهم أيضا و في البصائر في حديث جابر بعد قوله و روح البدن و بين ذلك في كتابه حيث قال تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنا الآية و بعدها ثم قال في جميعهم وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ و هذا يأبى عن هذا الحمل بل عن الثاني أيضا إلا بتكلف. و هم المؤمنون حقا أي يكون إيمانهم واقعيا و لا يكون باطنهم مخالفا لظاهرهم فيكونون منافقين على بعض الاحتمالات السابقة أو المراد بهم المؤمنون الذين لا يتركون الفرائض و لا يرتكبون الكبائر إلا اللمم فالذين يفعلون ذلك و لا يتوبون داخلون في أصحاب الشمال لكنه يأبى عنه ما سيأتي من التخصيص بأهل الكتاب و سيأتي القول فيه و قوله بأعيانهم ليس في رواية جابر و كأن المعنى بخصوصهم أو بأنفسهم من غير أن يلحق بهم أتباعهم يستكمل هذه الأرواح أي يطلب كمالها و تمامها أو يتصف بها كاملة و في البصائر بهذه الأرواح و في رواية جابر مستكملا بهذه الأرواح و هما أظهر و هما على بناء المفعول في القاموس استكمله و كمله أتمه و جمله. إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ في مجمع البيان أي أدون العمر و أوضعه أي يبقيه حتى يصير إلى حال الهرم و الخرف فيظهر النقصان في جوارحه و حواسه و عقله و روي عن علي عليه السلام أن أرذل العمر خمس و سبعون سنة و روي مثل ذلك عن النبي ص و عن قتادة تسعون سنة لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً أي ليرجع إلى حال الطفولية لنسيان ما كان علمه لأجل الكبر فكأنه لا يعلم شيئا مما كان عليه و قيل ليقل علمه بخلاف ما كان عليه في حال شبابه انتهى و قال البيضاوي و قيل هو خمس و تسعون سنة و أقول في روضة الكافي أنه مائة سنة و قيل الكاف في قوله كما قال الله لبيان أن القريب من أرذل العمر أيضا داخل في المراد و ليس بالذي يخرج من دين الله. قال بعض المحققين إن قيل قد ثبت أن الإنسان إنما يبعث على ما مات عليه فإذا مات الكبير على غير معرفة فكيف يبعث عارفا قلنا لما كان مانعه عن الالتفات إلى معارفه أمرا عارضا و هو اشتغاله بتدبير البدن فلما زال ذلك بالموت برزت له معارفه التي كانت كامنة في ذاته بخلاف من لم يحصل المعرفة أصلا فإنه ليس في ذاته شيء ليبرز له. لأن الفاعل به رده أي إن الله الفاعل به المدبر لأمره رده أو الرب الفاعل به القوى الأربع و خالقها فيه رده أو فاعل آخر غير نفسه رده و لا تقصير له فيه و الأول أظهر و في البصائر لأن الله الفاعل ذلك به و هو أصوب و لا يستطيع التهجد بالليل و لا بالنهار كأنه استعمل التهجد هنا في مطلق العبادة أو يقدر فعل آخر كقولهم علفتها تبنا و ماء باردا و قيل المراد بالتهجد هنا التيقظ من نوم الغفلة و أصل التهجد مجانبة الهجود في الليل للصلاة و في القاموس الهجود النوم كالتهجد و بالفتح المصلي بالليل و الجمع بالضم و هجد و تهجد استيقظ كهجد ضد و في البصائر و لا الصيام بالنهار و هو أصوب. و لا القيام في الصف أي لصلاة الجماعة و يحتمل الجهاد و ليس يضره شيئا لأن ترك الأفعال مع القدرة عليها يوجب نقص الإيمان لا مع العذر و لا يوجب نقص ثوابه أيضا لما ورد في الأخبار أنه يكتب له مثل ما كان يعمله في حال شبابه و قوته و صحته و فيهم أي في أصحاب الميمنة أو في أصحاب تلك الحالات من ينتقص منه روح القوة أي هي فقط أو بسبب غير الكبر في السن و منهم يحتمل الوجهين المتقدمين و ثالثا و هو إرجاع الضمير إلى الذين ينتقص منهم روح القوة و على الوجهين الآخرين كان المراد مع نقص الروح السابقة لقوله و يبقى روح البدن. لم يحن إليها أي لا يشتاق إليها و لم يقم أي إليها لطلبها و مراودتها و قيل أي لم تقم آلته لها و لا يخفى بعده و في رواية جابر و قد يأتي على العبد تارات ينقص منه بعض هذه الأربعة و ذلك قول الله تعالى وَ مِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً فينتقص روح القوة و لا يستطيع مجاهدة العدو و لا معالجة المعيشة و ينتقص منه روح الشهوة فلو مرت به أحسن بنات بني آدم لم يحن إليها و تبقى فيه روح الإيمان و روح البدن فبروح الإيمان يعبد الله و بروح البدن يدب و يدرج حتى يأتيه ملك الموت إلى آخر الخبر و كأنه أظهر. فهذا بحال خير أي لا يضره هذا النقص في الأرواح و قيل المعنى أنه يسقط عنه بعض التكاليف الشرعية كالجماع في كل أربعة أشهر و القسمة بين النساء و لا يخفى ما فيه في قوته كلمة في للسببية أو للظرفية أي وقت قوته نقص النقص يكون لازما و متعديا و هنا يحتملهما فعلى الأول المعنى نقص بعض الإيمان فمن بمعنى البعض أو نقص شيء منه فيكون فاعلا و على الثاني يكون مفعولا و تفصى منه بالفاء أي خرج من الإيمان أو خرج الإيمان منه في القاموس أفصى تخلص من خير أو شر كتفصى و في النهاية يقال تفصيت من الأمر تفصيا إذا خرجت منه و تخلصت و ربما يقرأ بالقاف أي بعد منه و هو تصحيف. و إن عاد أي من غير توبة على وجه الإصرار و قيل هو من العادة أدخله الله نار جهنم أي يستحق ذلك و يدخله إن لم يعف عنه لكن يخرجه بعد ذلك إلا أن يصير مستحلا أو تاركا لولاية أهل البيت عليهم السلام و يؤيده أن في البصائر هكذا فإذا مسها انتقص من الإيمان و نقصانه من الإيمان ليس بعائد فيه أبدا أو يتوب فإن تاب و عرف الولاية تاب الله عليه و إن عاد و هو تارك الولاية أدخله الله نار جهنم. و أقول كأنه لم يذكر العود مع الولاية و أبهم ذلك إما لعدم اجتراء الشيعة على المعصية أو لأن الإصرار يصير سببا لترك الولاية غالبا أو أحيانا. فهم اليهود و النصارى كأن ذكرهما على المثال و المراد جميع الكفار و المنكرين للعقائد الإيمانية الذين تمت عليهم الحجة و يؤيده ما في رواية جابر حيث قال و أما ما ذكرت من أصحاب المشأمة فمنهم أهل الكتاب الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ قال البيضاوي يعني علماءهم يَعْرِفُونَهُ الضمير لرسول الله ص و إن لم يسبق ذكره لدلالة الكلام عليه و قيل للعلم أو القرآن أو التحويل يعني تحويل القبلة كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ يشهد للأول أي يعرفونه بأوصافه كمعرفتهم أبناءهم و لا يلتبسون عليهم بغيرهم وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ تخصيص لمن عاند و استثناء لمن آمن الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ كلام مستأنف و الْحَقُ إما مبتدأ خبره مِنْ رَبِّكَ و اللام للعهد و الإشارة إلى ما عليه الرسول أو الحق الذي يكتمونه أو للجنس و المعنى أن الحق ما ثبت أنه من الله كالذي أنت عليه لا ما لم يثبت كالذي عليه أهل الكتاب و إما خبر مبتدإ محذوف أي هو الحق و مِنْ رَبِّكَ حال أو خبر بعد خبر و قرئ بالنصب على أنه بدل من الأول أو مفعول يعلمون فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ الشاكين في أنه من ربك أو في كتمانهم الحق عالمين به و ليس المراد به نهي رسول الله ص عن الشك فيه لأنه غير متوقع منه و ليس بقصد و اختيار بل إما تحقيق الأمر و أنه بحيث لا يشك فيه ناظر أو أمر الأمة باكتساب المعارف المزيحة للشك على الوجه الأبلغ. قوله و الولاية أي يعرفون محمدا بالنبوة و أوصياءهم بالإمامة و الولاية و إنما اكتفى بذكر محمد ص لأن معرفته على وجه الكمال يستلزم معرفة أوصيائه أو لأنه الأصل و العمدة أنك الرسول إليهم بيان للحق و في البصائر الحق من ربك الرسول من الله إليهم بالحق و الظاهر أن قراءتهم عليه السلام كان على النصب ابتلاهم الله بذلك أي بسبب ذلك الجحود و قوله فسلبهم بيان للابتلاء. و أقول يحتمل أن يكون الغرض من ذكر الآية بيان سلب روح الإيمان من هؤلاء بقوله تعالى فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فإن الظاهر أن هذا تعريض لهم بأنهم من الشاكين على أحد وجهين أحدهما أنه لما جحدوا ما عرفوا سلب الله منهم التوفيق و اللطف فصاروا شاكين و مع الشك لا يبقى الإيمان فسلب منهم روحه لأنه لا يكون مع عدم الإيمان أو سلب منهم أولا الروح المقوي للإيمان فصاروا شاكين و ثانيهما أنهم لما أنكروا ظاهرا ما عرفوا يقينا نسبهم إلى الامتراء و ألحقهم بالشاكين لأن اليقين إنما يكون إيمانا إذا لم يقارن الإنكار الظاهري فلذا سلبهم الروح الذي هو لازم الإيمان و يؤيده أن في البصائر ابتلاهم الله بذلك الذم و هذان الوجهان مما خطر بالبال في غاية المتانة. و أسكن أبدانهم تخصيص تلك الأرواح بالأبدان لأن الروحين الآخرين ليسا مما يسكن البدن و إن كانا متعلقين به. و اعلم أن الروح يذكر و يؤنث و إنما بسطنا الكلام في شرح هذا الخبر لأنه لم يتعرض أحد لإيضاح الدقائق المستنبطة منه.
بحار الأنوار - ج ٦٦ - الصفحة ١٧٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٦ - الصفحة ٢٢٧. — غير محدد
نهج، نهج البلاغة مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ
عليه السلام فَمِنَ الْإِيمَانِ مَا يَكُونُ ثَابِتاً مُسْتَقِرّاً فِي الْقُلُوبِ وَ مِنْهُ مَا يَكُونُ عَوَارِيَّ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَ الصُّدُورِ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَإِذَا كَانَتْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ مِنْ أَحَدٍ فَقِفُوهُ حَتَّى يَحْضُرَهُ الْمَوْتُ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ حَدُّ الْبَرَاءَةِ وَ الْهِجْرَةُ قَائِمَةٌ عَلَى حَدِّهَا الْأَوَّلِ مَا كَانَ لِلَّهِ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ حَاجَةٌ مِنْ مُسْتَسِرِّ الْأُمَّةِ وَ مُعْلِنِهَا لَا يَقَعُ اسْمُ الْهِجْرَةِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ الْحُجَّةِ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ عَرَفَهَا وَ أَقَرَّ بِهَا فَهُوَ مُهَاجِرٌ وَ لَا يَقَعُ اسْمُ الِاسْتِضْعَافِ عَلَى مَنْ بَلَغَتْهُ الْحُجَّةُ فَسَمِعَتْهَا أُذُنُهُ وَ وَعَاهَا قَلْبُهُ إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا عَبْدٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ وَ لَا تَعِي حَدِيثَنَا إِلَّا صُدُورٌ أَمِينَةٌ وَ أَحْلَامٌ رَزِينَةٌ أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي فَلَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنِّي بِطُرُقِ الْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ فِتْنَةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا وَ تَذْهَبُ بِأَحْلَامِ قَوْمِهَا. بيان: العواري جمع العارية بالتشديد فيهما كأنها منسوبة إلى العار فإن طلبها عار و عيب قال ابن ميثم رحمه الله قوله عليه السلام فمن الإيمان إلى آخره قسمة للإيمان إلى قسمين أحدهما الثابت المستقر في القلوب الذي صار ملكة و ثانيهما ما كان في معرض الغير و الانتقال و استعار عليه السلام لفظ العواري لكونه في معرض الاسترجاع و الرد و كنى عليه السلام بكونه بين القلوب و الصدور عن كونه غير مستقر في القلوب و لا متمكن من جواهر النفوس. و قال ابن أبي الحديد أراد عليه السلام من الإيمان ما يكون على سبيل الإخلاص و منه ما يكون على سبيل النفاق و قوله عليه السلام إلى أجل معلوم ترشيح لاستعارة العواري و هذه القسمة إلى القسمين هي الموجودة في نسخة الرضي رضي الله عنه بخطه و في نسخ كثير من الشارحين و نسخ كثيرة معتبرة ثلاثة أقسام هكذا فمن الإيمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب و منه ما يكون عواري في القلوب و منه ما يكون عواري بين القلوب و الصدور إلى أجل معلوم. و قال ابن أبي الحديد في بيانها إن الإيمان إما أن يكون ثابتا مستقرا بالبرهان و هو الإيمان الحقيقي أو ليس بثابت بالبرهان بل بالدليل الجدلي ككثير ممن لم يحقق العلوم العقلية و هو الذي عبر عليه السلام عنه بقوله عواري في القلوب فهو و إن كان في القلب الذي هو محل الإيمان الحقيقي إلا أن حكمه حكم العارية في البيت و إما أن يستند إلى تقليد و حسن ظن بالأسلاف و قد جعله عليه السلام عواري بين القلوب و الصدور لأنه دون الثاني فلم يجعله حالا في القلب و رد قوله عليه السلام إلى أجل معلوم إلى القسمين الأخيرين لأن من لم يبلغ درجة البرهان ربما ينحط إلى درجة المقلد فيكون إيمان كل منهما إلى أجل معلوم لكونه في معرض الزوال. فإذا كانت لكم براءة إلخ قيل أي إذا أردتم التبري من أحد فاجعلوه موقوفا إلى حال الموت و لا تسارعوا إلى البراءة منه قبل الموت لأنه يجوز أن يتوب و يرجع فإذا مات و لم يتب جازت البراءة منه لأنه ليس له بعد الموت حالة تنتظر و ينبغي أن تحمل هذه البراءة على البراءة المطلقة لجواز التبري من الفاسق و هو حي و من الكافر و هو حي لكن بشرط الاتصاف بأحد الوصفين بخلاف ما بعد الموت. و قيل المعنى انتظروا حتى يأتيه الموت فإنه ربما يكون معتقدا للحق و يكتم إيمانه لغرض دنيوي و قيل هذا إشارة إلى ما كان يفعله رسول الله ص في الصلاة على المنافقين فإذا كبر أربعا كانوا يعلمون أنه منافق و إذا كبر خمسا كانوا يعلمون أنه مؤمن فأشار عليه السلام إلى أنه عند الموت تقع البراءة و تصح بعلامة تكبيراته الأربع و كلا الوجهين كما ترى. و الظاهر أن المراد بالبراءة قطع العلائق الإيمانية التي يجوز معها الاستغفار كما يومئ إليه قوله سبحانه ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَ لَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى إلى قوله تعالى فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ و الهجرة قائمة إلخ و أصل الهجرة المأمور بها الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام و قال في النهاية فيه لا هجرة بعد الفتح و لكن جهاد و نية و في حديث آخر لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة الهجرة في الأصل اسم من الهجر ضد الوصل و قد هجره هجرا و هجرانا ثم غلب على الخروج من أرض إلى أرض و ترك الأولى للثانية يقال منه هاجر مهاجرة. و الهجرة هجرتان إحداهما التي وعد الله عليها الجنة في قوله إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ فكان الرجل يأتي النبي ص و يدع أهله و ماله لا يرجع في شيء منه و ينقطع بنفسه إلى مهاجره و كان النبي ص يكره أن يموت الرجل بالأرض التي هاجر منها فمن ثم قال لكن البائس سعد بن خولة يرثي له أن مات بمكة و قال حين قدم مكة اللهم لا تجعل منايانا بها فلما فتحت مكة صارت دار إسلام كالمدينة و انقطعت الهجرة. و الهجرة الثانية من هاجر من الأعراب و غزا مع المسلمين و لم يفعل كما فعل أصحاب الهجرة الأولى فهو مهاجر و ليس بداخل في فضل من هاجر تلك الهجرة و هو المراد بقوله لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة فهذا وجه الجمع بين الحديثين و إذا أطلق في الحديث ذكر الهجرتين فإنما يراد بهما هجرة الحبشة و هجرة المدينة انتهى. و قال ابن أبي الحديد هذا كلام من أسرار الوصية يختص به علي عليه السلام لأن الناس يروون أن النبي ص قال لا هجرة بعد الفتح فشفع عمه العباس في نعيم بن مسعود الأشجعي أن يستثنيه فاستثناه و هذه الهجرة التي أشار إليها أمير المؤمنين عليه السلام ليست تلك بل هي الهجرة إلى الإمام و قال بعض الأصحاب تجب المهاجرة عن بلد الشرك على من يضعف عن إظهار شعائر الإسلام مع المكنة و يستحب للقادر على إظهارها تحرزا عن تكثير سواد المشركين و المراد بها الأمور التي تختص بالإسلام كالأذان و الإقامة و صوم شهر رمضان و غير ذلك و ألحق بعضهم ببلاد الشرك بلاد الخلاف التي لا يتمكن فيها المؤمن من إقامة شعائر الإيمان مع الإمكان و لو تعذرت الهجرة لمرض أو عدم نفقة أو غير ذلك فلا حرج لقوله تعالى إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ وَ الْوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَ لا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَ كانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُوراً و الظاهر أن قوله عليه السلام ما كان لله في أهل الأرض حاجة كناية عن بقاء التكليف كما يدل عليه قول النبي ص لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة و للتجوز مجال واسع و في الصحيفة السجادية و لا ترسلني من يدك إرسال من لا خير فيه و لا حاجة بك إليك و قيل كلمة ما هاهنا نافية و وجهوه بتوجيهات ركيكة و السر ما يكتم و استسر أي استتر و اختفى فالمختفي حينئذ كمن لا يختفي بل يعلن نفسه لأنه لا يخاف و لا يتقي لدينه أو غيره و قيل أي ممن أسر دينه أو أظهره و أعلنه و من لبيان الجنس و قيل زائدة و لو حذفت لجر المستسر بدلا من أهل الأرض. لا تقع اسم الهجرة إلخ أي يشترط في صدق الهجرة معرفة الإمام و الإقرار به و المراد بقوله فمن عرفها إلخ أنه مهاجر بشرط الخروج إلى الإمام و السفر إليه أو المراد بالمعرفة المعرفة المستندة إلى المشاهدة و العيان و يحتمل أن يكون المراد أن مجرد معرفة الإمام و الإقرار بوجوب اتباعه كاف في إطلاق اسم الهجرة كما هو ظاهر الجزء الأخير من الكلام و يدل عليه بعض أخبارنا فمعرفة الإمام و الإقرار به في زمانه قائم مقام الهجرة المطلوبة في زمان الرسول ص. و قال بعض الأصحاب الهجرة في زمان الغيبة سكنى الأمصار لأنها تقابل البادية مسكن الأعراب و الأمصار أقرب إلى تحصيل الكمالات من القرى و البوادي فإن الغالب على أهلها الجفاء و الغلظة و البعد عن العلوم و الكمالات كما روي عن النبي ص أن الجفاء و القسوة في الفدادين و قيل هي الخروج إلى طلب العلوم فيعم الخروج عن القرى و البوادي و الخروج عن بلد لا يمكن فيه طلب العلم. و لا يقع اسم الاستضعاف إلخ الاستضعاف عد الشيء ضعيفا أو وجدانه ضعيفا و استضعفه أي طلب ضعفه و الحجة الدليل و البرهان و يعبر به عن الإمام لأنه دليل الحق و المراد به هنا إما دليل الحق من أصول الدين أو الأعم أو الإمام بتقدير مضاف أي حجة الحجة. قال القطب الراوندي رحمه الله يمكن أن يشير بهذا الكلام إلى إحدى آيتين إحداهما إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَ ساءَتْ مَصِيراً فيكون مراده عليه السلام على هذا أنه لا يصدق اسم الاستضعاف على من عرف الإمام و بلغته أحكامه و وعاها قلبه و إن بقي في ولده و أهله لم يتجشم السفر إلى الإمام كما صدق على هؤلاء المذكورين في الآية و الثانية قوله تعالى بعد ذلك إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَ النِّساءِ الآية فيكون مراده على هذا أن من عرف الإمام و سمع مقالته و وعاها قلبه لا يصدق عليه اسم الاستضعاف كما صدق على هؤلاء إذ كان المفروض على الموجودين في عصر الرسول المهاجرة بالأبدان دون من بعدهم بل يقنع منهم بمعرفته و العمل بقوله بدون المهاجرة إليه بالبدن. و قال ابن ميثم رحمه الله بعد حكاية كلامه و أقول يحتمل أن يريد بقوله ذلك أنه لا عذر لمن بلغته دعوة الحجة فسمعتها أذنه في تأخيره عن النهوض و المهاجرة إليه مع قدرته على ذلك و لا يصدق عليه اسم الاستضعاف كما يصدق على المستضعفين من الرجال و النساء و الولدان حتى يكون ذلك عذرا له بل يكون في تأخره ملوما مستحقا للعقاب كالذين قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ و يكون مخصوصا بالقادرين على النهوض دون العاجزين فإن اسم الاستضعاف صادق عليهم انتهى. و أقول سيأتي شرح هذا الكلام في أخبار كثيرة و أن المراد به أن المستضعف المعذور في معرفة الإمام في زمان الهدنة في الجملة إنما هو إذا لم تبلغه الحجة و اختلاف الناس فيه أو بلغه و لم يكن له عقل يتميز به بين الحق و الباطل كما سنذكر تفصيله إن شاء الله تعالى. إن أمرنا صعب مستصعب الصعب العسر و الأبي الذي لا ينقاد بسهولة ضد الذلول و استصعب الأمر أي صار صعبا و استصعبت الأمر أي وجدته صعبا و حملته و احتملته بمعنى و حملته بالتشديد فاحتمله و الامتحان الاختبار و امتحن الله قلبه أي شرحه و وسعه. قال ابن أبي الحديد قال الله تعالى أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى يقال امتحن فلان لأمر كذا أي جرب للنهوض به فهو قوي على احتمال مشاقه و يجوز أن يكون بمعنى المعرفة لأن تحقيقك الشيء إنما يكون باختباره فوضع موضعها فيتعلق اللام بمحذوف أي كائنة له و هي اللام التي في قولك أنت لهذا الأمر أي مختص به و يكون مع معمولها منصوبة على الحال و يجوز أن يكون المعنى ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن لأجل التقوى أي ليثبت و يظهر تقواها و يعلم أنهم متقون لأن التقوى لا يعلم إلا عند الصبر على المحن و الشدائد أو أخلص قلوبهم للتقوى أي أذابه و صفاه و وعيت الحديث أي حفظته و فهمته و الغرض حفظ الحديث عن الإذاعة و ضبط الأسرار عن إفضائها إلى غير أهلها أو الإذعان الكامل به و عدم التزلزل عند العجز عن المعرفة التفصيلية به فيكون كالتفسير لما قبله و الحلم بالكسر الأناة و العقل و الرزانة الوقار. و حاصل الكلام أن شأنهم و ما هم عليه من الكمال و القدرة على خوارق العادات صعب لا يحصل لغيرهم مستصعب الفهم على الخلق أو فهم علومهم و إدراك أسرارهم مشكل يستصعبه أكثر الخلق فلا يقبله حق القبول بحيث لا يخرج إلى طرف الإفراط بالغلو أو التفريط بعدم التصديق أو القول بعدم الحق لسوء الفهم إلا قلب عبد شرحه الله و صفاه للإيمان فيحمل كلما يأتون به على وجهه إذا وجد له محملا و يصدق إجمالا بكل ما عجز عن معرفته تفصيلا و يرد علمه إليهم عليه السلام. و المراد بطرق السماء الطرق التي يصعد منها الملائكة و يرفع فيها أعمال العباد أو منازل سكان السماوات و مراتبهم أو الأمور المستقبلة و ما خفي على الناس مما لا يعلم إلا بتعليم رباني فإن مجاري نزولها في السماء أو أحكام الدين و قواعد الشريعة و على ما يقابل كل واحد منها يحمل طرق الأرض. و شغر البلد كمنع إذا خلا من حافظ يمنعه و بلدة شاغرة برجلها لم تمنع عن غارة أحد و شغرت المرأة رفعت رجلها للنكاح و شغرتها فعلت بها ذلك يتعدى و لا يتعدى و شغر الكلب إذا رفع أحد رجليه ليبول و قيل الشغر البعد و الاتساع و قيل كنى بشغر رجلها عن خلو تلك الفتنة عن مدبر يردها و يحفظ الأمور و ينظم الدين و يحتمل أن يكون كناية عن شمولها للبلاد و العباد من الشغر بمعنى الاتساع أو من شغر الكلب أو من شغرة المرأة كناية عن تكشفها و عدم مبالاتها بظهور عيوبها و إبداء سوأتها و الوطء الدوس بالرجل و الخطم بالفتح من الدابة مقدم أنفها و ككتاب ما يوضع في أنف البعير ليقتاد به و الوطء في الخطام كناية عن فقد القائد و إذا خلت الناقة من القائد تعثر و تخبط و تفسد ما تمر عليه بقوائمها. و تذهب بأحلام قومها أي تفسد عقول أهلها فكانت أفعالهم على خلاف ما يقتضيه العقل فالمراد بأهلها المفسدون أو يتحير أهل زمانها فلا يهتدون إلى طريق التخلص عنها فأهلها من أصابته البلية أو يأتي أهل ذلك الزمان إليها رغبة و رهبة و لا يتفحصون عن كونها فتنة لغفلتهم عن وجه الحق فيها..
بحار الأنوار - ج ٦٦ - الصفحة ٢٢٧. — غير محدد
م، تفسير الإمام (عليه السلام) وَ لَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ قَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ الْآيَةَ قَالَ الْإِمَامُ عليه السلام قَالَ
بحار الأنوار - ج ٦٧ - الصفحة ١٧٠. — الله تعالى (حديث قدسي)
و قال الراغب الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم قال تعالى
فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ إلى غير ذلك من الآيات و الفقه العلم بأحكام الشريعة يقال فقه الرجل إذا صار فقيها و تفقه إذا طلبه فتخصص به قال تعالى لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ و المداراة الملاطفة و الملاينة مع الناس و ترك مجادلتهم و مناقشتهم و قد يهمز قال في القاموس درأه كجعله دفعه و دارأته داريته و دافعته و لاينته ضد و في النهاية فيه كان لا يداري و لا يماري أي لا يشاغب و لا يخالف و هو مهموز فأما المداراة في حسن الخلق و الصحبة فغير مهموز و قد يهمز انتهى. و الوفي الكثير الوفاء بعهود الله و عهود الخلق و هو قريب من الصدق ملازم له - كَمَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام الْوَفَاءُ تَوْأَمُ الصِّدْقِ . و يومئ الحديث إلى التحريص على محبة الموصوف بالصفات المذكورة و اختيار مصاحبته و الورع قريب من التقوى بل أخص منها ببعض معانيها فإنه يعتبر فيه الكف عن الشبهات بل المكروهات و بعض المباحات قال في النهاية فيه ملاك الدين الورع الورع في الأصل الكف عن المحارم و التحرج منه ثم استعير للكف عن المباح و الحلال و البر هو الإحسان بالوالدين و الأقربين بل بالناس أجمعين و قد يطلق على جميع الأعمال الصالحة و الخيرات.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٧ - الصفحة ٣٧٤. — غير محدد
الفضل بن شاذان لم يكن في زمن علي بن الحسين عليه السلام في أول أمره إلا خمسة أنفس و ذكر من جملتهم يحيى بن أم الطويل - وَ رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: ارْتَدَّ النَّاسُ بَعْدَ الْحُسَيْنِ عليه السلام إِلَّا ثَلَاثَةً- أَبُو خَالِدٍ الْكَابُلِيُّ وَ يَحْيَى بْنُ أُمِّ الطَّوِيلِ وَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ- ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ لَحِقُوا وَ كَثُرُوا. - وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى مِثْلَهُ وَ زَادَ فِيهَا وَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ. - وَ رُوِيَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أَنَّ الْحَجَّاجَ طَلَبَهُ وَ قَالَ تَلْعَنُ أَبَا تُرَابٍ- وَ أَمَرَ بِقَطْعِ يَدَيْهِ وَ رِجْلَيْهِ وَ قَتَلَهُ.. و أقول كان هؤلاء الأجلاء من خواص أصحاب الأئمة عليهم السلام
بحار الأنوار - ج ٧١ - الصفحة ٢٢٠. — الإمام الصادق عليه السلام
فس، تفسير القمي أَبِي عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ قَالَ النَّبِيُّ
هُوَ رِجْسٌ وَ هُوَ مَسْخٌ فَإِذَا قَتَلْتَهُ فَاغْتَسِلْ. أقول: قد مرت أخبار المسوخ مفصلا مع أحكامها و أحوالها في كتاب السماء و العالم. و اعلم أن الأصحاب اختلفوا في أسئار ما عدا الخنزير من أنواع المسوخ فذهب الشيخ إلى نجاستها و هو المحكي عن ابن الجنيد و سلار و ابن حمزة و الأشهر و الأظهر الطهارة و استوجه المحقق فيها الكراهة خروجا من خلاف من قال بالنجاسة. و أما الجلال فهو المغتذي بعذرة الإنسان محضا إلى أن نبت عليه لحمه و اشتد عظمه بحيث يسمى في العرف جلالا قبل أن يستبرأ بما يزيل الجلل و آكل الجيف من الطيور أي ما من شأنه ذلك فالمشهور كراهة سؤرهما مع خلو موضع الملاقاة من عين النجاسة و الشيخ في المبسوط منع من سؤر آكل الجيف و في النهاية من سؤر الجلال و ربما يناقش في الكراهة أيضا و هو في محله و أطلق العلامة و غيره كراهة سؤر الدجاج و علل بعدم انفكاك منقارها غالبا من النجاسة و حكي في المعتبر عن الشيخ في المبسوط أنه قال يكره سؤر الدجاج على كل حال. فائدة مهمة قال العلامة في النهاية لو تنجس فم الهرة بسبب كأكل فأرة و شبهه ثم ولغت في ماء قليل و نحن نتيقن نجاسة فمها فالأقوى النجاسة لأنه ماء قليل لاقى نجاسة و الاحتراز يعسر عن مطلق الولوغ لا عن الولوغ بعد تيقن نجاسة الفم و لو غابت عن العين و احتمل ولوغها في ماء كثير أو جار لم ينجس لأن الإناء معلوم الطهارة فلا حكم بنجاسته بالشك. قيل و هذا الكلام مشكل لأنا إما أن نكتفي في طهر فمها بمجرد زوال عين النجاسة أو نعتبر فيه ما يعتبر في تطهير المتنجسات من الطرق المعهودة شرعا فعلى الأول لا حاجة إلى اشتراط غيبتها و على الثاني و هو الذي يظهر من كلامه الميل إليه ينبغي أن لا يكتفي بمجرد الاحتمال لا سيما مع بعده بل يتوقف الحكم بالطهارة على العلم بوجود سببها كغيره. و الظاهر أن الضرورة قاضية بعدم اعتبار ذلك شرعا و عموم الأخبار يدل على خلافه فإن إطلاق الحكم بطهارة سؤر الهر فيها من دون الاشتراط بشيء مع كون الغالب فيه عدم الانفكاك من أمثال هذه الملاقاة دليل على عدم اعتبار أمر آخر غير ذهاب العين و لو فرضنا عدم دلالة الأخبار على العموم فلا ريب أن الحكم بتوقف الطهارة في مثلها على التطهير المعهود شرعا منفي قطعا و الواسطة بين ذلك و بين زوال العين يتوقف على الدليل و لا دليل. و قد اكتفى في المنتهى بزوال العين عن فمها فقال بعد أن ذكر كراهة سؤر آكل الجيف و بين وجهه و هكذا سؤر الهرة و إن أكلت الميتة و شربت قل الماء أو كثر غابت عن العين أو لم تغب لعموم الأحاديث المبيحة و حكى ما ذكره في النهاية عن بعض أهل الخلاف. و قال الشيخ في الخلاف إذا أكلت الهرة فأرة ثم شربت من الإناء فلا بأس بالوضوء من سؤرها و حكي عن بعض العامة أنه قال إن شربت قبل أن تغيب عن العين لا يجوز الوضوء به ثم قال الشيخ و الذي يدل على ما قلناه إجماع الفرقة على أن سؤر الهرة طاهر و لم يفصلوا انتهى. و بالجملة مقتضى الأخبار المتضمنة لنفي البأس عن سؤر الهرة و غيرها من السباع طهارتها بمجرد زوال العين لأنها لا تكاد تنفك عن النجاسات خصوصا الهرة فإن العلم بمباشرتها للنجاسة متحقق في أكثر الأوقات و لو لا ذلك للزم صرف اللفظ الظاهر إلى الفرد النادر بل تأخير البيان عن وقت الحاجة كما ذكره بعض المحققين. و قد قطع جمع من المتأخرين بطهارة الحيوان غير الآدمي بمجرد زوال العين و هو حسن للأصل و عدم ثبوت التعبد بغسل النجاسة عنه و لا يعتبر فيه الغيبة و أما الآدمي فقد قيل إنه يحكم بطهارته بغيبته زمانا يمكن فيه إزالة النجاسة و استشكله بعض المحققين و قال الأصح عدم الحكم بطهارته بذلك إلا مع تلبسه بما يشترط فيه الطهارة عنده على تردد في ذلك أيضا و الله يعلم.
بحار الأنوار - ج ٧٧ - الصفحة ٦٧. — الإمام الصادق عليه السلام
ابْدَأْ بِالْوَجْهِ ثُمَّ الْيَدَيْنِ ثُمَّ بِالْمَسْحِ عَلَى الرَّأْسِ وَ الْقَدَمَيْنِ فَإِنْ فَرَغْتَ مِنْ بَعْضِ وُضُوئِكَ وَ انْقَطَعَ بِكَ الْمَاءُ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُتِمَّهُ ثُمَّ أُوتِيتَ بِالْمَاءِ فَأَتْمِمْ وُضُوءَكَ إِذَا كَانَ مَا غَسَلْتَهُ رَطْباً فَإِنْ كَانَ قَدْ جَفَّ فَأَعِدِ الْوُضُوءَ وَ إِنْ جَفَّ بَعْضُ وَضُوئِكَ قَبْلَ أَنْ تُتِمَّ الْوُضُوءَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقَطِعَ عَنْكَ الْمَاءُ فَامْضِ عَلَى مَا بَقِيَ جَفَّ وَضُوؤُكَ أَوْ لَمْ يَجِفَّ وَضُوؤُكَ وَ إِنْ كَانَ عَلَيْكَ خَاتَمٌ فَدَوِّرْهُ عِنْدَ وُضُوئِكَ فَإِنْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ فَانْزِعْ وَ لَا تَمْسَحْ عَلَى عِمَامَةٍ وَ لَا قَلَنْسُوَةٍ وَ لَا عَلَى خُفَّيْكَ فَإِنَّهُ أَرْوِي عَنِ الْعَالِمِ عليه السلام لَا تَقِيَّةَ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ وَ لَا الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَ لَا تَمْسَحْ عَلَى جَوْرَبِكَ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ أَوْ ثَلْجٍ تَخَافُ عَلَى رِجْلَيْكَ وَ قَالَ عليه السلام لَا تُقَدِّمِ الْمُؤَخَّرَ مِنَ الْوُضُوءِ وَ لَا تُؤَخِّرِ الْمُقَدَّمَ لَكِنْ تَضَعُ كُلَّ شَيْءٍ عَلَى مَا أُمِرْتَ أَوَّلًا فَأَوَّلًا وَ نَرْوِي أَنَّ جَبْرَئِيلَ عليه السلام هَبَطَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص بِغَسْلَيْنِ وَ مَسْحَيْنِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَ الذِّرَاعَيْنِ بِكَفٍّ كَفٍّ وَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَ الرِّجْلَيْنِ بِفَضْلِ النُّدُوَّةِ الَّتِي بَقِيَتْ فِي يَدَيْكَ مِنْ وَضُوئِكَ فَصَارَ الَّذِي كَانَ يَجِبُ عَلَى الْمُقِيمِ غَسْلُهُ فِي الْحَضَرِ وَاجِباً عَلَى الْمُسَافِرِ أَنْ يَتَيَمَّمَ لَا غَيْرُ صَارَتِ الْغَسْلَتَانِ مَسْحاً بِالتُّرَابِ وَ سَقَطَتِ الْمَسْحَتَانِ اللَّتَانِ كَانَتَا بِالْمَاءِ لِلْحَاضِرِ لَا غَيْرُهُ وَ يُجْزِيكَ مِنَ الْمَاءِ فِي الْوُضُوءِ مِثْلُ الدُّهْنِ تُمِرُّ بِهِ عَلَى وَجْهِكَ وَ ذِرَاعَيْكَ أَقَلَّ مِنْ رُبُعِ مُدٍّ وَ سُدُسِ مُدٍّ أَيْضاً وَ يَجُوزُ بِأَكْثَرَ مِنْ مُدٍّ وَ كَذَلِكَ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ مِثْلُ الْوُضُوءِ سَوَاءً وَ أَكْثَرُهَا فِي الْجَنَابَةِ صَاعٌ وَ يَجُوزُ غُسْلُ الْجَنَابَةِ بِمَا يَجُوزُ بِهِ الْوُضُوءُ إِنَّمَا هُوَ تَأْدِيبٌ وَ سَنَنٌ حَسَنَةٌ وَ طَاعَةُ آمِرٍ لِمَأْمُورٍ لِيُثِيبَهُ عَلَيْهِ فَمَنْ تَرَكَهُ فَقَدْ وَجَبَ لَهُ السَّخَطُ فَأَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْهُ. إيضاح قوله عليه السلام أن تبعض الوضوء أي تخل بالموالاة حتى تجف بعض الأجزاء ثم تغسل بقيتها فلا تجتمع الأعضاء على الرطوبة و قد صرح بهذا المعنى في كثير من الأخبار و المراد بالمتابعة الترتيب لا الموالاة كما فهمه أكثر الأصحاب و يدل عليه أيضا كثير من الأخبار و صرح الشهيد بما ذكرنا. و قوله فإن فرغت إلى قوله جف وضوؤك أو لم يجف أورده الصدوق بعينه في الفقيه نقلا عن والده في رسالته إليه و يدل على أن مع عدم الفصل لا يضر الجفاف و هو غير بعيد و حمله بعض الأصحاب على الضرورة و لا ضرورة فيه. و قال الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى بعد نقل تلك العبارة من كلام علي بن بابويه و لعله عول على ما رواه حريز عن أبي عبد الله عليه السلام كما أسنده ولده في كتاب مدينة العلم وَ فِي التَّهْذِيبِ وَقَفَهُ عَلَى حَرِيزٍ قَالَ: قُلْتُ إِنْ جَفَّ الْأَوَّلُ مِنَ الْوُضُوءِ قَبْلَ أَنْ أَغْسِلَ الَّذِي يَلِيهِ قَالَ إِذَا جَفَّ أَوْ لَمْ يَجِفَّ فَاغْسِلْ مَا بَقِيَ.. و حمله في التهذيب على جفافه بالريح الشديدة و الحر العظيم أو على التقية قلت التقية هنا أنسب لأن في تمام الحديث قلت و كذلك غسل الجنابة قال هو بتلك المنزلة و ابدأ بالرأس ثم أفض على سائر جسدك قلت فإن كان بعض يوم قال نعم و ظاهر هذه المساواة بين الوضوء و الغسل فكما أن الغسل لا يعتبر فيه الريح الشديدة و الحر كذلك الوضوء ثم قال (رحمه اللّه) فروع الأول ظاهر ابن بابويه أن الجفاف لا يضر مع الولاء و الأخبار الكثيرة بخلافه مع إمكان حمله على الضرورة انتهى. أقول لم نطلع على ما يدل من الأخبار على خلافه.
بحار الأنوار - ج ٧٧ - الصفحة ٢٦٨. — الإمام الرضا عليه السلام
بحار الأنوار - ج ٧٧ - الصفحة ٣٣٩. — الإمام الصادق عليه السلام
فِقْهُ الرِّضَا، قَالَ عليه السلام
إِنْ وَجَدْتَ بِلَّةً فِي أَطْرَافِ إِحْلِيلِكَ وَ فِي ثَوْبِكَ بَعْدَ نَتْرِ إِحْلِيلِكَ وَ بَعْدَ وُضُوئِكَ فَقَدْ عَلِمْتَ مَا وَصَفْتُهُ لَكَ مِنْ مَسْحِ أَسْفَلِ أُنْثَيَيْكَ وَ نَتْرِ إِحْلِيلِكَ ثَلَاثاً فَلَا تَلْتَفِتْ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ وَ لَا تَنْقُضْ وُضُوءَكَ لَهُ وَ لَا تَغْسِلْ عَنْهُ ثَوْبَكَ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْحَبَائِلِ وَ الْبَوَاسِيرِ فَإِنْ شَكَكْتَ فِي الْوُضُوءِ وَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْحَدَثِ فَتَوَضَّأْ وَ إِنْ شَكَكْتَ فِي الْحَدَثِ وَ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْوُضُوءِ فَلَا يَنْقُضُ الشَّكُّ الْيَقِينَ إِلَّا أَنْ تَسْتَيْقِنَ وَ إِنْ كُنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنَ الْوُضُوءِ وَ الْحَدَثِ وَ لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا سَبَقَ فَتَوَضَّأْ وَ إِنْ تَوَضَّأْتَ وُضُوءاً تَامّاً وَ صَلَّيْتَ صَلَاتَكَ أَوْ لَمْ تُصَلِّ ثُمَّ شَكَكْتَ فَلَمْ تَدْرِ أَحْدَثْتَ أَمْ لَمْ تُحْدِثْ فَلَيْسَ عَلَيْكَ وُضُوءٌ لِأَنَّ الْيَقِينَ لَا يَنْقُضُهُ الشَّكُ. توضيح و تنقيح اعلم أن الخبر يشتمل على أحكام الأول أن الاستبراء مشتمل على مسحتين لا ثلاث كما عرفت. الثاني عدم انتقاض الوضوء بما يراه من البلل بعد الاستبراء و لا خلاف فيه بين الأصحاب لكن حملوه على المشتبه إذ مع العلم بكونه بولا ينقض و مع العلم بكونه ماء آخر يلزمه حكمه و لفظ البواسير كأنه زيد من النساخ أو المراد به البلل الذي يرى من الدبر لكن لا دخل للاستبراء فيه إلا مع حمله على بلل لا يعلم خروجه من القبل أو الدبر و في حكمه إشكال. الثالث يدل بمفهومه على الانتقاض بالبلل المشتبه مع عدم الاستبراء و لا خلاف فيه أيضا ظاهرا و نقل ابن إدريس عليه الإجماع. الرابع أنه إذا تيقن الحدث و شك في الوضوء يجب عليه الوضوء و الظاهر أنه إجماعي لكن في يقين الحدث و ظن الوضوء إشكال و الأحوط عدم اعتباره كما هو الأشهر. الخامس أنه إذا تيقن الوضوء و شك في الحدث لا يلزمه الطهارة و ادعى عليه المحقق و جماعة الإجماع و لا فرق بين أن يكون الحدث مشكوكا أو مظنونا كما صرح به المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و غيره و هو الظاهر من الأخبار و ربما يستشكل فيه. السادس أنه يجب عليه الوضوء مع تيقنهما و الشك في المتأخر و قد اعترف المتأخرون بعدم النص فيه و إنما تمسكوا بالعمومات و الأدلة العقلية فالأشهر بينهم وجوب الوضوء كما هو مدلول الخبر. و نقل العلامة في التذكرة عن الأصحاب قولين آخرين أحدهما أنه إن لم يسبق له وقت يعلم حاله فيه أعاد و إن سبق بنى على ضد تلك الحالة و ثانيهما أنه يراعي في الشيء الأخير الحالة السابقة إن محدثا فمحدث و إن متطهرا فمتطهر. ثم قال و الأقرب أن نقول إن تيقن الطهارة و الحدث متحدين متعاقبين و لم تسبق حاله علم على زمانهما تطهر و إن سبق استصحب و أدلة الأقوال و ما يرد عليها مذكورة في مظانها.
بحار الأنوار - ج ٧٧ - الصفحة ٣٦٠. — الإمام الرضا عليه السلام
إِذَا نَزَلَ مِنَ الْحَبَائِلِ وَ نَشَّفَ الرَّجُلُ حَشَفَتَهُ وَ اجْتَهَدَ ثُمَّ إِنْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ. بيان: ظاهره أنه لبيان حكم الاستبراء و يحتمل أن يكون حكم صاحب السلس فيدل على عدم وجوب الوضوء لكل صلاة له كما ذهب إليه الشيخ في المبسوط و ذهب في الخلاف إلى أنه يتوضأ لكل صلاة و تبعه أكثر المتأخرين و استقرب العلامة في المنتهى أنه يجوز له أن يجمع بين الظهر و العصر بوضوء واحد و بين المغرب و العشاء بوضوء واحد و عليه تعدد الوضوء بتعدد الصلاة في غير ذلك و الأول لا يخلو من قوة و الثاني أحوط و على أي حال لو كان له فترة يمكنه الصلاة فيها لا بد من إيقاعها فيها. بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد لله ربّ العالمين و الصلاة و السلام على رسوله محمّد و آله الطاهرين. و بعد: فهذا الجزء الذي نخرجه إلى القرّاء الكرام هو أوّل أجزاء المجلّد الثامن عشر (كتاب الطهارة) و قد قابلناه على نسخة الكمبانيّ ثمّ على نسخة مخطوطة فيها أثر تصحيح المؤلّف العلّامة بخطّ يده مع بعض الحواشي منه (رحمه اللّه) لكنّها ناقصة تنتهي في الباب 30 باب وجوب الوضوء الرقم 17 (ص 266 من ظبعتنا هذه) و قد كانت عونا لنا في تصحيح الكتاب خصوصا بيانات المؤلّف (قدّس سرّه) كثيرا كما أشرنا في بعض الموارد ذيل الصفحات. و هذه النسخة لخزانة كتب الفاضل البحّاث الوجيه الموفّق المرزا فخر الدين النصيري الأميني زاده الله توفيقا لحفظ كتب سلفنا الصالحين أودعها سماحته عندنا منذ شهور للعرض و المقابلة خدمة للدين و أهله فجزاه الله عنّا خير جزاء المحسنين و إليكم فيما يلي ثلاث صور فتوغرافيّة منها و في هامش بعضها خطّ يد المؤلّف (رحمه اللّه). محمد الباقر البهبودي (اسكن) (اسكن) (اسكن) قد تكرّر الترقيم بالرقم 18 لبابين «باب أحكام سائر الأبواب و الأوراث....» و باب «ما اختلف الأخبار و الأقوال في نجاسته» و الصحيح في الباب الثاني منهما الرقم 19 للباب و هكذا في الأبواب التي بعده 20 و 21 إلى أن ينتهي بالباب 38 نرجو إصلاحها في أعلى الصفحات. بسمه تعالى إلى هنا انتهى الجزء الأوّل من المجلّد الثامن عشر من كتاب بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار و هو أوّل أجزاء كتاب الطهارة و الجزء المتمّم للثمانين حسب تجزئتنا. و لقد بذلنا جهدنا في تصحيحه و مقابلته فخرج بحمد اللّه و مشيّته نقيّا من الأغلاط إلّا نزراً زهيداً زاغ عنه البصر و كلّ عنه النظر لا يكاد يخفى على القراء الكرام و من اللّه نسئل العصمة و به الإعتصام. السيّد إبراهيم الميانجي محمّد الباقر البهبودي عناوين الأبواب/ رقم الصفحة كتاب الطهارة أبواب المياه و أحكامها
بحار الأنوار - ج ٧٧ - الصفحة ٣٧٥. — الإمام الصادق عليه السلام
بحار الأنوار - ج ٧٨ - الصفحة ١٨. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
كِتَابُ الْمَسَائِلِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى عليه السلام قَالَ
سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَاتَمِ قَالَ إِذَا اغْتَسَلْتَ فَحَوِّلْهُ مِنْ مَكَانِهِ- وَ إِنْ نَسِيتَ حَتَّى تَقُومَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا آمُرُكَ أَنْ تُعِيدَ الصَّلَاةَ. 51 قُرْبُ الْإِسْنَادِ، وَ كِتَابُ الْمَسَائِلِ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَخِي عليه السلام عَنِ الرَّجُلِ تُصِيبُهُ الْجَنَابَةُ- فَلَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ فَيُصِيبُهُ الْمَطَرُ- أَ يُجْزِيهِ ذَلِكَ أَوْ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ- فَقَالَ إِنْ غَسَلَهُ أَجْزَأَهُ وَ إِلَّا تَيَمَّمَ. 52 كِتَابُ الْمَسَائِلِ، لِعَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عليه السلام عَنْ أَخِيهِ مُوسَى عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ الْجُنُبِ أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ لَا يَكُونُ مَعَهُ مَاءٌ- وَ هُوَ يُصِيبُ ثَلْجاً وَ صَعِيداً أَيُّهُمَا أَفْضَلُ- التَّيَمُّمُ أَوْ يَمْسَحَ بِالثَّلْجِ وَجْهَهُ وَ جَسَدَهُ وَ رَأْسَهُ- قَالَ الثَّلْجُ إِنْ بَلَّ رَأْسَهُ وَ جَسَدَهُ أَفْضَلُ- فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَنْ يَغْتَسِلَ بِالثَّلْجِ فَلْيَتَيَمَّمْ. 53 وَ مِنْهُ، قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْجُنُبِ يُدْخِلُ يَدَهُ فِي غِسْلِهِ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ- وَ قَبْلَ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ مَا حَالُهُ- قَالَ إِذَا لَمْ تُصِبْ يَدُهُ شَيْئاً مِنَ جَنَابَةٍ فَلَا بَأْسَ- قَالَ وَ أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ غِسْلِهِ أَحَبُّ إِلَيَ. بيان: قوله عليه السلام فليتيمم استدل به سلار على التيمم بالثلج و لا يخفى أن الظاهر التيمم بالتراب كما فهمه غيره و على تقدير عدم ظهوره لا يمكن الاستدلال به. ثم إنه ذهب الشيخ في النهاية إلى تقدم الثلج على التراب كما يظهر من الخبر و بعض الأخبار يدل على التيمم و التفصيل الذي يظهر من الخبر جامع بين الأخبار و قوله من غسله بضم الغين قال في النهاية فيه وضعت له غسله من الجنابة الغسل بالضم الماء الذي يغتسل به كالأكل لما يؤكل و هو الاسم أيضا من غسلته و الغسل بالفتح المصدر و بالكسر ما يغسل به من خطمي و غيره. 54 نَوَادِرُ الرَّاوَنْدِيِّ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ التَّمِيمِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَحْمَدَ الدِّيبَاجِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَشْعَثِ عَنْ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنْ جَنَابَةٍ- فَإِذَا لُمْعَةٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُصِبْهَا مَاءٌ- فَأَخَذَ مِنْ بَلَلِ شَعْرِهِ فَمَسَحَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ. وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ: اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ وَ الْأَنْصَارُ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ- وَ قَالَتْ قُرَيْشٌ إِذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ فَقَدْ وَجَبَ الْغُسْلُ- فَتَرَافَعُوا إِلَى عَلِيٍّ ع- فَقَالَ عليه السلام يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَ يُوجِبُ الْحَدَّ قَالُوا نَعَمْ- قَالَ أَ يُوجِبُ الْمَهْرَ قَالُوا نَعَمْ- فَقَالَ عليه السلام مَا بَالُ مَا أَوْجَبَ الْحَدَّ وَ الْمَهْرَ لَا يُوجِبُ الْمَاءَ فَأَبَوْا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ أَبَى عَلَيْهِمْ. وَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: يُوجِبُ الصَّدَاقَ وَ يَهْدِمُ الطَّلَاقَ وَ يُوجِبُ الْحَدَّ وَ الْعِدَّةَ- وَ لَا يُوجِبُ صَاعاً مِنْ مَاءٍ فَهَذَا أَوْجَبُ. وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام مَنْ جَامَعَ وَ اغْتَسَلَ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهُ بَقِيَّةُ الْمَنِيِّ مَعَ بَوْلِهِ- فَعَلَيْهِ إِعَادَةُ الْغُسْلِ. بيان: المسح محمول على ما إذا تحقق الجريان على المشهور قوله عليه السلام فعليه إعادة الغسل يشمل ما إذا بال قبل الغسل أو لم يبل و إن كان الثاني أظهر من الخبر إذ مع العلم لا فرق بينهما كما ستعرف. 55 مَجَالِسُ الشَّيْخِ، عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جُمْهُورٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمُفِيدِ الْجَرْجَرَائِيِّ عَنْ أَبِي الدُّنْيَا الْمُعَمَّرِ الْمَغْرِبِيِّ قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يَحْجُزُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إِلَّا الْجَنَابَةُ. 56 قُرْبُ الْإِسْنَادِ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى عليه السلام عَنِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا السِّوَارُ وَ الدُّمْلُجُ بِعَضُدِهَا وَ فِي ذِرَاعِهَا- لَا تَدْرِي يَجْرِي الْمَاءُ تَحْتَهُ أَمْ لَا- كَيْفَ تَصْنَعُ إِذَا تَوَضَّأَتْ أَوِ اغْتَسَلَتْ- قَالَ تُحَرِّكُهُ حَتَّى يَجْرِيَ الْمَاءُ تَحْتَهُ أَوْ تَنْزِعُهُ - قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يَلْعَبُ مَعَ الْمَرْأَةِ وَ يُقَبِّلُهَا- فَيَخْرُجُ مِنْهُ شَيْءٌ فَمَا عَلَيْهِ- قَالَ إِذَا جَاءَتِ الشَّهْوَةُ وَ دَفَقَ وَ فَتَرَ جَوَارِحُهُ فَعَلَيْهِ الْغُسْلُ- وَ إِنْ كَانَ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ لَمْ يَجِدْ لَهُ فَتْرَةً وَ لَا شَهْوَةً فَلَا بَأْسَ. - كِتَابُ الْمَسَائِلِ، عَنْهُ عليه السلام مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ مَكَانَ فَلَا بَأْسَ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ. 57 قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَ يَأْكُلُ الْجُنُبُ وَ يَشْرَبُ وَ يَقْرَأُ- قَالَ يَأْكُلُ وَ يَشْرَبُ وَ يَقْرَأُ وَ يَذْكُرُ اللَّهَ مَا شَاءَ. 58 دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ، عَنْ عَلِيٍّ (صلوات الله عليه) قَالَ: أَتَتْ نِسَاءٌ إِلَى بَعْضِ نِسَاءِ النَّبِيِّ فَحَدَّثْنَهَا- فَقَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ص يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ هَؤُلَاءِ نِسْوَةٌ- جِئْنَ لِيَسْأَلْنَكَ عَنْ شَيْءٍ يَسْتَحْيِينَ عَنْ ذِكْرِهِ- قَالَ لِيَسْأَلْنَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ- قَالَتْ يَقُلْنَ مَا تَرَى فِي الْمَرْأَةِ تَرَى فِي مَنَامِهَا مَا تَرَى الرَّجُلُ- هَلْ عَلَيْهَا الْغُسْلُ قَالَ نَعَمْ إِنَّ لَهَا مَاءً كَمَاءِ الرَّجُلِ- وَ لَكِنَّ اللَّهَ أَسْتَرَ مَاءَهَا وَ أَظْهَرَ مَاءَ الرَّجُلِ- فَإِذَا ظَهَرَ مَاؤُهَا عَلَى مَاءِ الرَّجُلِ ذَهَبَ شَبَهُ الْوَلَدِ إِلَيْهَا- وَ إِذَا ظَهَرَ مَاءُ الرَّجُلِ عَلَى مَائِهَا ذَهَبَ شَبَهُ الْوَلَدِ إِلَيْهِ- وَ إِذَا اعْتَدَلَ الْمَاءَانِ كَانَ الشَّبَهُ بَيْنَهُمَا وَاحِداً- فَإِذَا ظَهَرَ مِنْهَا مَا يَظْهَرُ مِنَ الرَّجُلِ فَلْتَغْتَسِلْ- وَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا فِي سِرَارِهِنَ. 59 الْعِلَلُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ أَجْنَبَ فَاغْتَسَلَ قَبْلَ أَنْ يَبُولَ فَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ- قَالَ يُعِيدُ الْغُسْلَ- قُلْتُ فَامْرَأَةٌ يَخْرُجُ مِنْهَا شَيْءٌ بَعْدَ الْغُسْلِ قَالَ لَا تُعِيدُ- قُلْتُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا- قَالَ لِأَنَّ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْمَرْأَةِ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الرَّجُلِ. بيان: يدل على أن البلل الخارج بعد الغسل و قبل البول موجب للغسل في الرجل دون المرأة و تفصيله أن البلل الخارج بعد الغسل لا يخلو إما أن يعلم أنه مني أو بول أو غيرهما أو لا يعلم فإن علم أنه مني فلا خلاف في وجوب الغسل و كذا إن علم أنه بول في عدم وجوب الغسل و وجوب الوضوء و كذا إن علم أنه غيرهما في عدم وجوب شيء منهما. و أما إذا اشتبه ففيه أربع صور لأن الغسل إما أن يكون بعد البول و الاجتهاد بالعصرات معا أو بدونهما أو بدون البول فقط أو بدون الاجتهاد فقط أما الأول فقد ادعوا الإجماع على عدم وجوب شيء من الغسل و الوضوء. و أما الثاني فالمشهور وجوب إعادة الغسل و ادعى ابن إدريس عليه الإجماع و إن كان مقتضى الجمع بين الأخبار القول بالاستحباب و يظهر من كلام الصدوق (رحمه اللّه) الاكتفاء بالوضوء في هذه الصورة كما مر في كلام المقنع. و أما الثالث فهو إما مع تيسر البول أو لا أما الأول فالظاهر من كلامهم وجوب إعادة الغسل حينئذ أيضا و يفهم من ظاهر الشرائع و النافع عدم الوجوب و أما الثاني فظاهر المقنعة عدم وجوب شيء من الوضوء و الغسل حينئذ و هو الظاهر من كلام الأكثر و ظاهر أكثر الأخبار وجوب إعادة الغسل. و أما الرابع فالمعروف بينهم إعادة الوضوء حينئذ خاصة و قد نقل ابن إدريس عليه الإجماع و إن كان من حيث المجموع بين الأخبار لا يبعد القول بالاستحباب. هذا كله في الرجل فأما المرأة فقال المفيد (رحمه اللّه) في المقنعة ينبغي لها أن تستبرئ قبل الغسل بالبول فإن لم يتيسر لها ذلك لم يكن عليها شيء و توقف العلامة في المنتهى في استبرائها بناء على أن مخرج البول منها غير مخرج المني فلا فائدة فيه و ظاهر المبسوط أنه لا استبراء عليها و نسب هذا في الذكرى إلى ظاهر الجمل و ابن البراج في الكامل و قال أيضا و أطلق أبو الصلاح الاستبراء و ابنا بابويه و الجعفي لم يذكروا المرأة انتهى و الشيخ في النهاية سوى بين الرجل و المرأة في الاستبراء بالبول و الاجتهاد. فالكلام في مقامات ثلاثة الأول أنه هل عليها استبراء أم لا الثاني أن حكمها بعد وجود البلل ما ذا الثالث هل تستبرئ بعد البول أو لا أما الأول فالظاهر عدم وجوبه بل و لا استحبابه إذ أخبار الاستبراء مخصوصة بالرجال و يمكن القول باستحبابه للاستظهار و لذهاب بعض الأصحاب إليه و قالوا إن استبراء المرأة بالاجتهاد إنما يكون بالعرض. و أما الثاني فإما أن يكون وجدان البلل بعد الاستبراء أو قبله و على التقديرين إما أن تعلم أنه مني أو يشتبه فإن كان بعد الاستبراء و يعلم أنه مني فلا يخلو إما أن يكون في فرجها مني رجل أو لا فإن لم يكن فالظاهر وجوب الغسل. و إن كان في فرجها مني رجل فإما أن تعلم أن الخارج مني نفسها أو لا فعلى الأول الظاهر أنه أيضا كسابقه في وجوب الغسل و على الثاني الظاهر عدم الوجوب لهذا الخبر الموثق و صحيحة منصور بن حازم موافقا له و للروايات الدالة على عدم نقض اليقين بالشك و قطع ابن إدريس في هذه الصورة أيضا بوجوب الغسل و طرح الخبرين لعموم الماء من الماء و لا يخفى ضعفه لمنع شموله ما نحن فيه لا سيما بعد ورود الروايتين و الأحوط الإعادة. و إن لم تعلم أنه مني فلا يخلو أيضا إما أن يكون في فرجها مني رجل أو لا فإن كان فلا خفاء في عدم وجوب الغسل للأصل و الأخبار و إن لم يكن فالظاهر أيضا عدم الوجوب للأصل و الاستصحاب و الاحتياط في هاتين الصورتين أيضا في الإعادة و إن كان قبل الاستبراء فإما أن تعلم أنه مني أو لا فإن علمت فلا يخلو أيضا إما أن يكون في فرجها مني رجل أو لا فإن لم يكن فالظاهر وجوب الغسل و إن كان فإما أن تعلم أنه مني نفسها أو لا فإن علمت فالظاهر أيضا الوجوب و إن لم تعلم فالظاهر عدم الوجوب للأصل و الاستصحاب و الروايات و خلاف ابن إدريس هاهنا أيضا و الاحتياط في الإعادة. و إن لم تعلم أنه مني فلا يخلو أيضا من الوجهين فعلى الأول الظاهر عدم الوجوب إذ الروايات المتضمنة لوجوب الإعادة مع عدم البول مختصة بالرجل سوى رواية ضعيفة فيها إطلاق و الاحتياط أيضا في الإعادة و تمام الاحتياط في ضم الوضوء و على الثاني فالظاهر أيضا أنه مثل سابقه في الحكم و الاحتياط. و أما الثالث فالظاهر أيضا عدم لزوم الاستبراء لا وجوبا و لا استحبابا و ربما يقال بالاستحباب للاستظهار و لقول بعض الأصحاب فلو وجدت بللا مشتبها فإن كان بعد الاستبراء فالظاهر عدم الالتفات للأصل و الاستصحاب و الإجماع أيضا ظاهرا و إن كان قبله فالظاهر أيضا ذلك إذ الروايات مختصة بالرجل ظاهرا و الاحتياط ظاهر. و أما المجنب بالجماع بدون الإنزال فلا استبراء عليه و إذا رأى بللا مشتبها فالظاهر عدم الغسل سواء استبرأ أم لا و ربما يحتمل وجوب الغسل مع عدم الاستبراء لإطلاق بعض الروايات و هو ضعيف و إن كان الأحوط الغسل مع ضم الوضوء و الله يعلم حقائق الأحكام و حججه الكرام ع. 60 الْهِدَايَةُ، إِذَا أَرَدْتَ الْغُسْلَ مِنَ الْجَنَابِةِ فَاجْهَدْ أَنْ تَبُولَ لِيَخْرُجَ مَا بَقِيَ فِي إِحْلِيلِكَ مِنَ الْمَنِيِّ- ثُمَّ اغْسِلْ يَدَيْكَ ثَلَاثاً مِنْ قَبْلِ أَنْ تُدْخِلَهُمَا الْإِنَاءَ- ثُمَّ اسْتَنْجِ وَ أَنْقِ فَرْجَكَ- ثُمَّ ضَعْ عَلَى رَأْسِكَ ثَلَاثَ أَكُفٍّ مِنَ الْمَاءِ- وَ مَيِّزِ الشَّعْرَ كُلَّهُ بِأَنَامِلِكَ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ أَصْلَ الشَّعْرِ كُلِّهِ- وَ تَنَاوَلِ الْإِنَاءَ بِيَدِكَ وَ صُبَّهُ عَلَى رَأْسِكَ وَ بَدَنِكَ مَرَّتَيْنِ- وَ امْرُرْ يَدَكَ عَلَى بَدَنِكَ كُلِّهِ وَ خَلِّلْ أُذُنَيْكَ بِإِصْبَعَيْكَ- وَ كُلُّ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ فَقَدْ طَهُرَ- وَ اجْهَدْ أَنْ لَا تَبْقَى شَعْرَةٌ مِنْ رَأْسِكَ- وَ لِحْيَتِكَ إِلَّا وَ تُدْخِلُ الْمَاءَ تَحْتَهَا- فَإِنَّهُ رُوِيَ أَنَّ مَنْ تَرَكَ شَعْرَةً مِنَ الْجَنَابَةِ- فَلَمْ يَغْسِلْهَا مُتَعَمِّداً فَهُوَ فِي النَّارِ- وَ إِنْ شِئْتَ أَنْ تَتَمَضْمَضَ وَ تَسْتَنْشِقَ فَافْعَلْ- وَ لَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّ الْغُسْلَ عَلَى مَا ظَهَرَ لَا عَلَى مَا بَطَنَ- غَيْرَ أَنَّكَ إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَأْكُلَ أَوْ تَشْرَبَ قَبْلَ الْغُسْلِ- لَمْ يُجْزِ لَكَ إِلَّا أَنْ تَغْسِلَ يَدَيْكَ وَ تَتَمَضْمَضَ وَ تَسْتَنْشِقَ- فَإِنَّكَ إِنْ أَكَلْتَ أَوْ شَرِبْتَ قَبْلَ ذَلِكَ خِيفَ عَلَيْكَ الْبَرَصُ- وَ رُوِيَ إِذَا ارْتَمَسَ الْجُنُبُ فِي الْمَاءِ ارْتِمَاسَةً وَاحِدَةً- أَجْزَأَهُ ذَلِكَ مِنْ غُسْلِهِ- وَ إِنْ أَجْنَبْتَ فِي يَوْمٍ أَوْ لَيْلَةٍ مِرَاراً أَجْزَأَكَ غُسْلٌ وَاحِدٌ- إِلَّا أَنْ تَكُونَ تُجْنِبُ بَعْدَ الْغُسْلِ أَوْ تَحْتَلِمُ- فَإِنْ احْتَلَمْتَ فَلَا تُجَامِعْ حَتَّى تَغْتَسِلَ مِنَ الِاحْتِلَامِ- وَ لَا بَأْسَ بِذِكْرِ اللَّهِ وَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنَ لِلْجُنُبِ وَ الْحَائِضِ- إِلَّا الْعَزَائِمَ الَّتِي يُسْجَدُ فِيهَا- وَ هِيَ سَجْدَةُ لُقْمَانَ وَ حم السَّجْدَةُ وَ النَّجْمُ- وَ سُورَةُ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ- وَ لَا تَمَسَّ الْقُرْآنَ إِذَا كُنْتَ جُنُباً أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ- وَ مَسِّ الْوَرَقَ - وَ مَنْ خَرَجَ مِنْ إِحْلِيلِهِ بَعْدَ الْغُسْلِ شَيْءٌ- وَ قَدْ كَانَ بَالَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ- وَ إِنْ لَمْ يَكُنْ بَالَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلْيُعِدِ الْغُسْلَ- وَ لَا بَأْسَ بِتَبْعِيضِ الْغُسْلِ تَغْسِلُ يَدَيْكَ وَ فَرْجَكَ وَ رَأْسَكَ- وَ تُؤَخِّرُ غَسْلَ جَسَدِكَ إِذَا أَرَدْتَ ذَلِكَ- فَإِنْ أَحْدَثْتَ حَدَثاً مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ- بَعْدَ مَا غَسَلْتَ رَأْسَكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَغْسِلَ جَسَدَكَ- فَأَعِدِ الْغُسْلَ مِنْ أَوَّلِهِ- وَ لَا يَدْخُلِ الْحَائِضُ وَ الْجُنُبُ الْمَسْجِدَ إِلَّا مُجْتَازَيْنِ- وَ لَهُمَا أَنْ يَأْخُذَا مِنْهُ- وَ لَيْسَ لَهُمَا أَنْ يَضَعَا فِيهِ شَيْئاً- لِأَنَّ مَا فِيهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ مِنْ غَيْرِهِ- وَ إِنِ احْتَلَمْتَ فِي مَسْجِدٍ مِنَ الْمَسَاجِدِ فَاخْرُجْ مِنْهُ وَ اغْتَسِلْ- إِلَّا أَنْ يَكُونَ احْتِلَامُكَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ- أَوْ فِي مَسْجِدِ الرَّسُولِ ص- فَإِنَّكَ إِذَا احْتَلَمْتَ فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْمَسْجِدَيْنِ تَيَمَّمْتَ- وَ خَرَجْتَ وَ لَمْ تَمْشِ فِيهِمَا إِلَّا مُتَيَمِّماً- وَ الْجُنُبُ إِذَا عَرِقَ فِي ثَوْبِهِ- فَإِنْ كَانَتِ الْجَنَابَةُ مِنْ حَلَالٍ فَحَلَالٌ الصَّلَاةُ فِيهِ- وَ إِنْ كَانَتْ مِنْ حَرَامٍ فَحَرَامٌ الصَّلَاةُ فِيهِ. الهداية: 20 و 21. الآيات البقرة وَ يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ- نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ وَ اتَّقُوا اللَّهَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ تفسير المحيض يكون مصدرا تقول حاضت المرأة محيضا و اسم زمان أي مدة الحيض و اسم مكان أي محل الحيض و هو القبل و المحيض الأول في الآية بالمعنى الأول أي يسألونك عن الحيض و أحواله و السائل أبو الدحداح في جمع من الصحابة كما قيل و قوله تعالى قُلْ هُوَ أَذىً أي هو أمر مستقذر مؤذ ينفر الطبع عنه و الاعتزال التنحي عن الشيء و أما المحيض الثاني فيحتمل كلا من المعاني الثلاثة السابقة. و قوله تعالى وَ لا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ تأكيد للأمر بالاعتزال و بيان لغايته و قد قرأه حمزة و الكسائي يطهرن بالتشديد أي يتطهرن و ظاهره أن غاية الاعتزال هي الغسل و قرأ الباقون يَطْهُرْنَ بالتخفيف و ظاهره أن غايته انقطاع الدم و الخلاف بين الأمة في ذلك مشهور. و قوله سبحانه فَإِذا تَطَهَّرْنَ يؤيد القراءة الأولى و الأمر بالإتيان للإباحة كقوله تعالى وَ إِذا حَلَلْتُمْ فَاصْطادُوا و أما وجوب الإتيان لو كان قد اعتزلها أربعة أشهر مثلا فقد استفيد من خارج. و اختلف المفسرون في معنى قوله جل شأنه مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ فعن ابن عباس أن معناه من حيث أمركم الله بتجنبه حال الحيض و هو الفرج و عن ابن الحنفية أن معناه من قبل النكاح دون السفاح و عن الزجاج معناه من الجهات التي يحل فيها الوطء لا ما لا يحل كوطيهن و هن صائمات أو محرمات أو معتكفات و الأول مختار الطبرسي (رحمه اللّه) إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ أي عن الذنوب وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ أي المتنزهين عن الأقذار كمجامعة الحائض مثلا و قيل التوابين عن الكبائر و المتطهرين عن الصغائر و قد مر تأويل آخر في صدر كتاب الطهارة. و الحرث قد يفسر بالزرع تشبيها لما يلقى في أرحامهن من النطف بالبذر و قال أبو عبيدة كنى سبحانه بالحرث عن الجماع أي محل حرث لكم و قد جاء في اللغة الحرث بمعنى الكسب و من هنا قال بعض المفسرين معنى حرث لكم أي ذوات حرث تحرثون منهن الولد و اللذة. و قوله سبحانه أَنَّى شِئْتُمْ قد اختلف في تفسيره فقيل معناه من أي موضع شئتم ففيها دلالة على جواز إتيان المرأة في دبرها و عليه أكثر علمائنا و وافقهم مالك و سيأتي تحقيق المسألة في كتاب النكاح إن شاء الله و قيل معناه من أي جهة شئتم لما روي من أن اليهود كانوا يقولون من جامع امرأته من دبرها في قبلها يكون ولدها أحول فذكر ذلك للنبي ص فنزلت. و قيل معناه متى شئتم و استدل به على جواز الوطء بعد انقطاع الحيض و قبل الغسل لشمول لفظة أنى جميع الأوقات إلا ما خرج بدليل كوقت الحيض و الصوم و اعترض على هذا الوجه بأن القول بمجيء أنى بمعنى متى يحتاج إلى شاهد و لم يثبت بل قال الطبرسي (رحمه اللّه) إنه خطأ عند أهل اللغة. وَ قَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ أي قدموا الأعمال الصالحة التي أمرتم بها و رغبتم فيها لتكون لكم ذخرا في القيامة و قيل المراد بالتقديم طلب الولد الصالح و السعي في حصوله و قيل المراد تقديم التسمية عند الجماع و قيل تقديم الدعاء عنده. وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ أي ملاقو ثوابه إن أطعتم و عقابه إن عصيتم. و قال الشيخ البهائي (رحمه اللّه) قد استنبط بعض المتأخرين من الآية الأولى أحكاما ثلاثة أولها أن دم الحيض نجس لأن الأذى بمعنى المستقذر و ثانيها أن نجاسته مغلظة لا يعفى عن قليلها أعني ما دون الدرهم للمبالغة المفهومة من قوله سبحانه هو أذى و ثالثها أن من الأحداث الموجبة للغسل لإطلاق الطهارة المتعلقة به. و في دلالة الآية على هذه الأحكام نظر أما الأولان فلعدم نجاسة كل مستقذر فإن القيح و القيء من المستقذرات و هما طاهران عندنا و أيضا فهذا المستنبط قائل كغيره من المفسرين بإرجاع الضمير في قوله تعالى هُوَ أَذىً إلى المحيض بالمعنى المصدري لا إلى الدم و ارتكاب الاستخدام فيه مجرد احتمال لم ينقل عن المفسرين فكيف يستنبط منه حكم شرعي. و أما الثالث فلان الآية غير دالة على الأمر بالغسل بشيء من الدلالات و لا سبيل إلى استفادة وجوبه عن كونه مقدمة للواجب أعني تمكين الزوج من الوطء لأن جمهور فقهائنا (رضوان الله عليهم) على جوازه قبل الغسل بعد النقاء فلا تغفل. ثم اعلم أنه اختلفت الأمة في المراد بالاعتزال في الآية فقال فريق منهم المراد ترك الوطء لا غير لما روي من أن أهل الجاهلية كانوا يجتنبون مؤاكلة الحيض و مشاربتهن و مساكنتهن كفعل اليهود و المجوس فلما نزلت الآية الكريمة عمل المسلمون بظاهر الاعتزال لهن و عدم القرب منهن فأخرجوهن من بيوتهم فَقَالَ نَاسٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَا رَسُولَ اللَّهِ الْبَرْدُ شَدِيدٌ وَ الثِّيَابُ قَلِيلَةٌ- فَإِنْ آثَرْنَاهُنَّ بِالثِّيَابِ هَلَكَ سَائِرُ أَهْلِ الْبَيْتِ- وَ إِنِ اسْتَأْثَرْنَا بِهَا هَلَكَ الْحَيْضُ- فَقَالَ ص إِنَّمَا أُمِرْتُمْ أَنْ تَعْتَزِلُوا مُجَامَعَتَهُنَّ إِذَا حِضْنَ- وَ لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِإِخْرَاجِهِنَّ مِنَ الْبُيُوتِ كَفِعْلِ الْأَعَاجِمِ. و أكثر علمائنا قائلون بذلك و يخصون الوطء المحرم بالوطء في موضع الدم أعني القبل لا غير و يجوزون الاستمتاع بما عداه و وافقهم أحمد بن حنبل و قال السيد المرتضى رضي الله عنه يحرم على زوجها الاستمتاع بما بين سرتها و ركبتها و وافقه بقية أصحاب المذاهب الأربعة. و استدل العلامة طاب ثراه على ذلك في المنتهى بما حاصله أن المحيض في قوله تعالى فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ إما أن يراد به المعنى المصدري أو زمان الحيض أو مكانه و على الأول يحتاج إلى الإضمار إذ لا معنى لكون المعنى المصدري ظرفا للاعتزال فلا بد من إضمار زمانه أو مكانه لكن الإضمار خلاف الأصل و على تقديره إضمار المكان أولى إذ إضمار الزمان يقتضي بظاهره وجوب اعتزال النساء مدة الحيض بالكلية و هو خلاف الإجماع و بهذا يظهر ضعف الحمل على الثاني فتعين الثالث و هو المطلوب انتهى ملخص كلامه و للبحث فيه مجال. ثم الاعتزال المأمور به في الآية الكريمة هل هو مغيا بانقطاع الحيض أو الغسل اختلف الأمة في ذلك أما علماؤنا قدس الله أرواحهم فأكثرهم على الأول و قالوا بكراهة الوطء قبل الغسل فإن غلبته الشهوة أمرها بغسل فرجها استحبابا ثم يطؤها و ذهب الصدوق (رحمه اللّه) إلى الثاني فإنه قال بتحريم وطئها قبل الغسل إلا بشرطين أما الأول أن يكون الرجل شبقا و الثاني أن تغسل فرجها و يؤيده قول بعض المفسرين في قوله تعالى فَإِذا تَطَهَّرْنَ فإذا غسلن فرجهن و ذهب الطبرسي (قدّس سرّه) إلى أن حل وطئها مشروط بأن تتوضأ أو تغتسل فرجها و أما أصحاب المذاهب الأربعة سوى أبي حنيفة فعلى تحريم الوطء قبل الغسل و أما هو فذهب إلى حل وطئها قبل الغسل إن انقطع الدم لأكثر الحيض و تحريمه إن انقطع لدون ذلك. و احتج العلامة في المختلف على ما عليه أكثر علمائنا بما تضمنته الآية من تخصيص الأمر بالاعتزال بوقت الحيض أو موضع الحيض و إنما يكون موضعا له مع وجوده و التقدير عدمه فينتفي التحريم و بما تقتضيه قراءة التخفيف في يَطْهُرْنَ و جوز أن يحمل التفعل في قوله تعالى فَإِذا تَطَهَّرْنَ على الفعل كما تقول تطعمت الطعام أي طعمته أو يكون المراد به غسل الفرج هذا ملخص كلامه. و أورد على الاستدلال بالغاية بأن الطهارة اللغوية و إن حصلت بالخروج من الدم لكن حصول الطهارة الشرعية ممنوع إذ الحقيقة الشرعية و إن لم تثبت لكن لم يثبت نفيها أيضا و الاحتمال كاف في مقام المنع. سلمنا لكن لا ترجيح لقراءة التخفيف على قراءة التشديد و مقتضاها ثبوت التحريم قبل الاغتسال فيجب حمل الطهارة هاهنا على المعنى الشرعي جمعا بين القراءتين. سلمنا أن الطهارة بمعناها اللغوي لكن وقع التعارض بين المفهوم و المنطوق فالترجيح للثاني مع أنه مؤيد بمفهوم الشرط في قوله تعالى فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَ و هذا التأييد مبني على أن الأمر الواقع بعد الحظر للجواز المطلق كما هو المشهور و أما إذا كان للرجحان فمفهومه انتفاء رجحان الإتيان عند عدم التطهر و هو كذلك عند القائلين بجوازه عند عدمه لكونه مكروها عندهم و كذلك الحال إذا كان الأمر للإباحة بمعنى تساوي الطرفين. و احتج القائلون بالتحريم بقراءة التشديد و أورد عليه أنه لم يثبت أن التطهر حقيقة شرعية في المعنى الشرعي فيجوز أن يكون المراد به انقطاع الدم أو زيادة التنظيف الحاصل بسبب غسل الفرج سلمنا لكن الطهارة أعم من الوضوء. و التحقيق أن دلالة الآية على شيء من التحريم و الجواز غير واضح فالأحسن العدول عنها إلى الروايات و مقتضاها نظرا إلى قضية الجمع الجواز و الاحتياط طريق النجاة.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧٨ - الصفحة ٩١. — غير محدد
فِقْهُ الرِّضَا، قَالَ عليه السلام
اعْلَمْ أَنَّ أَقَلَّ مَا يَكُونُ أَيَّامَ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ- وَ أَكْثَرَ مَا يَكُونُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ- فَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَجْلِسَ عَنِ الصَّلَاةِ بِحَسَبِ عَادَتِهَا- مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ لَا تَطَهَّرُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ- وَ لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ- وَ الصُّفْرَةُ قَبْلَ الْحَيْضِ حَيْضٌ- وَ بَعْدَ أَيَّامِ الْحَيْضِ لَيْسَتْ مِنَ الْحَيْضِ- فَإِذَا زَادَ عَلَيْهَا الدَّمُ عَلَى أَيَّامِهَا اغْتَسَلَتْ- فِي كُلِّ يَوْمٍ مَعَ الْفَجْرِ- وَ اسْتَدْخَلَتِ الْكُرْسُفَ وَ شَدَّتْ وَ صَلَّتْ- ثُمَّ لَا تَزَالُ تُصَلِّي يَوْمَهَا- مَا لَمْ تَظْهَرِ الدَّمُ فَوْقَ الْكُرْسُفِ وَ الْخِرْقَةِ- فَإِذَا ظَهَرَتْ أَعَادَتِ الْغُسْلَ- وَ هَذِهِ صِفَةُ مَا تَعْمَلُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ- بَعْدَ أَنْ تَجْلِسَ أَيَّامَ الْحَيْضِ عَلَى عَادَتِهَا- وَ الْوَقْتُ الَّذِي يَجُوزُ فِيهِ نِكَاحُ الْمُسْتَحَاضَةِ وَقْتُ الْغُسْلِ- وَ بَعْدَ أَنْ تَغْتَسِلَ وَ تُنَظِّفَ- لِأَنَّ غُسْلَهَا يَقُومُ مَقَامَ الطُّهْرِ لِلْحَائِضِ- وَ النُّفَسَاءُ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَكْثَرَهُ مِثْلَ أَيَّامِ حَيْضَةٍ- وَ هِيَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ- وَ تَسْتَظْهِرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ثُمَّ تَغْتَسِلُ- فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ عَمِلَتْ كَمَا تَعْمَلُ الْمُسْتَحَاضَةُ- وَ قَدْ رُوِيَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْماً- وَ رُوِيَ ثَلَاثَةً وَ عِشْرِينَ يَوْماً- وَ بِأَيِّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أُخِذَ مِنْ جِهَةِ التَّسْلِيمِ جَازَ- وَ الْحَامِلُ إِذَا رَأَتِ الدَّمَ فِي الْحَمْلِ- كَمَا كَانَتْ تَرَاهُ تَرَكَتِ الصَّلَاةَ أَيَّامَ الدَّمِ- فَإِنْ رَأَتْ صُفْرَةً لَمْ تَدَعِ الصَّلَاةَ- وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهَا تَعْمَلُ مَا تَعْمَلُهُ الْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا صَحَّ لَهَا الْحَمْلُ- فَلَا تَدَعُ الصَّلَاةَ- وَ الْعَمَلُ مِنْ خَوَاصِّ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ- وَ اعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ مَا تَحِيضُ الْمَرْأَةُ دَمُهَا كَثِيرٌ- وَ لِذَلِكَ صَارَ حَدُّهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ- فَإِذَا دَخَلَتْ فِي السِّنِّ نَقَصَ دَمُهَا- حَتَّى يَكُونَ قُعُودُهَا تِسْعَةً أَوْ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً- وَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى أَدْنَى الْحَدِّ- وَ هُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ثُمَّ يَنْقَطِعُ الدَّمُ عَلَيْهَا- فَتَكُونُ مِمَّنْ قَدْ يَئِسَتْ مِنَ الْحَيْضِ- وَ تَفْسِيرُ الْمُسْتَحَاضَةِ أَنَّ دَمَهَا يَكُونُ رَقِيقاً تَعْلُوهُ صُفْرَةٌ- وَ دَمَ الْحَيْضِ إِلَى السَّوَادِ وَ لَهُ رِقَّةٌ [حُرْقَةٌ]- فَإِذَا دَخَلَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي حَدِّ حَيْضَتِهَا الثَّانِيَةِ- تَرَكَتِ الصَّلَاةَ حَتَّى تَخْرُجَ الْأَيَّامُ الَّتِي تَقْعُدُ فِي حَيْضِهَا- فَإِذَا ذَهَبَ عَنْهَا الدَّمُ اغْتَسَلَتْ وَ صَلَّتْ- وَ رُبَّمَا عَجَّلَ الدَّمُ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ- وَ الْحَدُّ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ الْقُرْءُ وَ هُوَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ بِيضٍ- فَإِنْ زَادَ الدَّمُ بَعْدَ اغْتِسَالِهَا مِنَ الْحَيْضِ- قَبْلَ اسْتِكْمَالِ عَشَرَةِ أَيَّامٍ بِيضٍ فَهُوَ مَا بَقِيَ مِنَ الْحَيْضَةِ الْأُولَى- وَ إِنْ رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الْعَشَرَةِ الْبِيضِ- فَهُوَ مَا تَعَجَّلَ مِنَ الْحَيْضَةِ الثَّانِيَةِ- فَإِذَا دَامَ دَمُ الْمُسْتَحَاضَةِ- وَ مَضَى عَلَيْهَا مِثْلُ أَيَّامِ حَيْضِهَا أَتَاهَا زَوْجُهَا مَتَى مَا شَاءَ بَعْدَ الْغُسْلِ أَوْ قَبْلَهُ وَ لَا تَدْخُلِ الْمَسْجِدَ الْحَائِضُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُجْتَازَةً- وَ يَجِبُ عَلَيْهَا عِنْدَ حُضُورِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَتَوَضَّأَ وُضُوءَ الصَّلَاةِ- وَ تَجْلِسَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ- وَ تَذْكُرَ اللَّهَ بِمِقْدَارِ صَلَاتِهَا كُلَّ يَوْمٍ- وَ إِنْ رَأَتْ يَوْماً أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْحَيْضِ- مَا لَمْ تَرَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَاتٍ- وَ عَلَيْهَا أَنْ تَقْضِيَ الصَّلَاةَ الَّتِي تَرَكَتْهَا فِي الْيَوْمِ وَ الْيَوْمَيْنِ - وَ إِنْ رَأَتِ الدَّمَ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ فَلْتَقْعُدْ عَنِ الصَّلَاةِ عَشَرَةً- ثُمَّ تَغْتَسِلُ يَوْمَ حَادِيَ عَشَرَ وَ تَحْتَشِي وَ تَغْتَسِلُ- فَإِنْ لَمْ يَثْقُبِ الدَّمُ الْقُطْنَ صَلَّتْ صَلَوَاتِهَا كُلَّ صَلَاةٍ بِوُضُوءٍ- وَ إِنْ ثَقَبَ الدَّمُ الْكُرْسُفَ وَ لَمْ يَسِلْ صَلَّتْ صَلَاةَ اللَّيْلِ- وَ الْغَدَاةِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ- وَ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ- وَ إِنْ ثَقَبَ الدَّمُ الْكُرْسُفَ- وَ سَالَ صَلَّتْ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَ الْغَدَاةِ بِغُسْلٍ- وَ الظُّهْرَ وَ الْعَصْرَ بِغُسْلٍ- وَ تُؤَخِّرُ الظُّهْرَ قَلِيلًا وَ تُعَجِّلُ الْعَصْرَ- وَ تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ- وَ تُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ قَلِيلًا وَ تُعَجِّلُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ- فَإِذَا دَخَلَتْ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا تَرَكَتِ الصَّلَاةَ- وَ مَتَى مَا اغْتَسَلَتْ عَلَى مَا وَصَفْتُ حَلَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَغْشَاهَا- وَ إِذَا رَأَتِ الصُّفْرَةَ فِي أَيَّامِ حَيْضِهَا فَهُوَ حَيْضٌ- وَ إِنْ رَأَتْ بَعْدَهَا فَلَيْسَ مِنَ الْحَيْضِ- وَ إِذَا أَرَادَتِ الْحَائِضُ بَعْدَ الْغُسْلِ مِنَ الْحَيْضِ- فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَبْرِئَ- وَ الِاسْتِبْرَاءُ أَنْ تُدْخِلَ قُطْنَةً- فَإِنْ كَانَ هُنَاكَ دَمٌ خَرَجَ وَ لَوْ مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ- فَإِنْ خَرَجَ لَمْ تَغْتَسِلْ وَ إِنْ لَمْ يَخْرُجْ اغْتَسَلَتْ- وَ إِذَا أَرَادَتِ الْمَرْأَةُ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ فَأَصَابَهَا الْحَيْضُ- فَلْتَتْرُكِ الْغُسْلَ حَتَّى تَطْهُرَ- فَإِذَا طَهُرَتِ اغْتَسَلَتْ غُسْلًا وَاحِداً لِلْجَنَابَةِ وَ الْحَيْضِ- وَ إِذَا رَأَتِ الصُّفْرَةَ أَوْ شَيْئاً مِنَ الدَّمِ- فَعَلَيْهَا أَنْ تُلْصِقَ بَطْنَهَا بِالْحَائِطِ- وَ تَرْفَعَ رِجْلَهَا الْيُسْرَى كَمَا تَرَى الْكَلْبَ إِذَا بَالَ- وَ تُدْخِلَ قُطْنَةً فَإِنْ خَرَجَ فِيهَا دَمٌ فَهِيَ حَائِضٌ- وَ إِنْ لَمْ يَخْرُجْ فَلَيْسَتْ بِحَائِضٍ- وَ إِنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهَا الْحَيْضُ وَ دَمُ قَرْحَةٍ- فَرُبَّمَا كَانَ فِي فَرْجِهَا قَرْحَةٌ- فَعَلَيْهَا أَنْ تَسْتَلْقِيَ عَلَى قَفَاهَا وَ تُدْخِلَ أَصَابِعَهَا- فَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ فَهُوَ مِنَ الْقَرْحَةِ- وَ إِنْ خَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَهُوَ مِنَ الْحَيْضِ- وَ إِنِ اقْتَضَّهَا زَوْجُهَا وَ لَمْ يَرْقَأْ دَمُهَا- وَ لَا تَدْرِي دَمُ الْحَيْضِ هُوَ أَمْ دَمُ الْعُذْرَةِ- فَعَلَيْهَا أَنْ تُدْخِلَ قُطْنَةً- فَإِنْ خَرَجَتِ الْقُطْنَةُ مُطَوَّقَةً بِالدَّمِ فَهُوَ مِنَ الْعُذْرَةِ- وَ إِنْ خَرَجَتْ مُنْغَمِسَةً فَهُوَ مِنَ الْحَيْضِ- وَ اعْلَمْ أَنَّ دَمَ الْعُذْرَةِ لَا يَجُوزُ الشُّفْرَتَيْنِ- وَ دَمَ الْحَيْضِ حَارٌّ يَخْرُجُ بِحَرَارَةٍ شَدِيدَةٍ- وَ دَمَ الْمُسْتَحَاضَةِ بَارِدٌ يَسِيلُ وَ هِيَ لَا تَعْلَمُ- وَ بِاللَّهِ التَّوْفِيقُ. بيان: كون أقل الحيض ثلاثة و أكثره عشرة مما أجمع عليه الأصحاب و قوله و الصفرة قبل الحيض هو مضمون خبر رواه الشيخ بسند فيه ضعف عن الصادق عليه السلام و كونه قبل الحيض حيضا حمل على ما إذا كان قريبا منه كما ورد في خبر آخر بيومين و ذلك لأن العادة قد تتقدم و أما بعد الحيض فمحمول على ما إذا رأت العادة و تجاوز عنها فإنه في حكم الاستحاضة بعد الاستظهار مع التجاوز عن العشرة بل أيام الاستظهار أيضا إذ يظهر من بعض الأخبار اشتراط الاستظهار بالتميز. ثم اعلم أن المشهور في المستحاضة المتوسطة أنها تغتسل للصبح و تتوضأ لسائر الصلوات كما هو ظاهر هذا الخبر أولا و أخيرا و نقل عن ابن الجنيد و ابن أبي عقيل أنهما سويا بين هذا القسم و بين الكثيرة في وجوب ثلاثة أغسال و به جزم في المعتبر و رجحه في المنتهى و إليه ذهب جماعة من محققي المتأخرين و هو أظهر في أكثر الأخبار و يظهر من بعضها أنها بحكم القليلة و ذهب ابن أبي عقيل إلى وجوب غسل واحد في اليوم و الليلة في القليلة كما يفهم من أول هذا الخبر أيضا. ثم إن الظاهر من كلام الأكثر أن المتوسطة هي التي ثقب دمها الكرسف و لم يسل منه إلى الخرقة و الكثيرة هي التي تعدى دمها إلى الخرقة و إنما ذكروا تغيير الخرقة في المتوسطة لوصول رطوبة الدم إليها بالمجاورة و كلام المفيد في المقنعة يدل على وصول الدم إلى الخرقة في المتوسطة و سيلانه عن الخرقة في الكثيرة و كذا ذكره المحقق الشيخ علي في بعض حواشيه كما يظهر من بعض الروايات و ما ذكر في هذا الخبر أخيرا يدل على الأول و ما ذكر أولا يدل على الأخير و يدل على اشتراط الوطء بالغسل فقط. ثم إن الأصحاب اختلفوا في أنه هل يجتمع الحيض مع الحمل أم لا بل ما تراه مع الحمل استحاضة فذهب الصدوق و السيد و العلامة و جماعة إلى الاجتماع مطلقا و قال الشيخ في النهاية و كتابي الأخبار ما تجده في أيام عادتها يحكم بكونه حيضا و ما تراه بعد عادتها بعشرين يوما فليس بحيض و استحسنه المحقق في المعتبر. و نقل عن الشيخ في الخلاف أنه قال إجماع الفرقة على أن الحامل المستبين حملها لا تحيض و إنما اختلفوا في حيضها قبل أن يستبين حملها و نحوه قال في المبسوط و قال ابن الجنيد و المفيد لا يجتمع حيض مع حمل و يظهر من هذا الخبر أن أخبار الاجتماع محمولة على التقية لكن أكثر العامة على عدم الاجتماع و القول بالتفصيل لا يخلو من قوة و لا خلاف في أن أقل الطهر عشرة أيام و يدل على أن القرء هو الطهر. قوله أو قبله مناف لما مر و سيأتي و لعله كان لا قبله فصحف و إن أمكن حمل ما مر و سيأتي على الاستحباب أو على مستحاضة لم تدم الدم عليها و هذا عليها. و عدم جواز لبث الحائض في المساجد هو المشهور و المعتمد و ذهب سلار إلى الكراهة و كذا جواز الاجتياز هو المشهور بينهم مع عدم نجاسة في الظاهر و أما معها فلا يجوزه من لا يجوز إدخال النجاسة التي لا تتعدى إليه و الأظهر الجواز. و أما وضوؤها و جلوسها في مصلاها مستقبلة ذاكرة فالمشهور استحبابه و ظاهر الخبر الوجوب كما نسب إلى الصدوق و قال المفيد تجلس ناحية من مصلاها. و اختلف الأصحاب في اشتراط التوالي في الأيام الثلاثة التي هي أقل الحيض فذهب الأكثر إلى التوالي و قال الشيخ في النهاية إن رأت يوما أو يومين ثم رأت قبل انقضاء العشرة ما يتم به ثلاثة فهو حيض و إن لم تر حتى تمضي عشرة فليس بحيض و اتفق الفريقان على اشتراط كون الثلاثة في جملة العشرة. و اختلفوا في معنى التوالي و ظاهر الأكثر الاكتفاء بحصول مسمى الدم في كل واحد من الأيام الثلاثة و إن لم يستوعبه و لعل ذلك ظاهر عموم الروايات و اعتبر مع ذلك بعض المتأخرين رؤيته في أولى ليلة من الشهر مثلا و في آخر يوم من اليوم الثالث بحيث يكون عند غروبه موجودا و في اليوم الوسط أي جزء كان منه و بعضهم اعتبر الاتصال في الثلاثة بحيث متى وضعت الكرسف تلوث و ظاهر الأصحاب أن الليالي معتبرة في الثلاثة و به صرح ابن الجنيد و لعله يظهر من الأخبار أيضا. ثم الظاهر من كلام بعض الأصحاب أنه على القول بعدم اشتراط التوالي لو رأت الأول و الخامس و العاشر فالثلاثة حيض لا غير و مقتضاه أن أيام النقاء طهر و هو مشكل لما مر من الإجماع على أقل الطهر و أيضا فقد صرح المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى و غيرهما من الأصحاب بأنها لو رأت ثلاثة ثم رأت العاشر كانت الأيام الأربعة و ما بينها من أيام النقاء حيضا و الحكم فيهما واحد. و قوله صلت صلاة الليل يدل على ما ذكره الأصحاب أن المتنفلة تضم صلاة الليل إلى صلاة الغداة بل لا خلاف بينهم فيه و اعترف أكثر المتأخرين بعدم المستند فيه. قوله عليه السلام و تعجل العصر لما كان الظاهر أن التعجيل و التأخير لإيقاع كل منهما في وقت الفضيلة مع الجمع فالمراد بالتعجيل عدم التأخير عن أول الوقت كما يكون غالبا لا إيقاعها قبل الوقت و إن كان يحتمله. قوله و إذا أرادت الحائض بعد أي بعد انقطاع الدم و هذا الكلام أورده في الفقيه إلى قوله و هي لا تعلم و ذكر أنه كتبه والده في رسالته إليه. قوله أو شيئا من الدم أي مما يحصل من الدم من الرطوبات و لم تعلم أنه دم و في الفقيه إذا رأت الصفرة و النتن و في بعض النسخ الشيء و هو أظهر و رواه الشيخ في الموثق عن أبي عبد الله عليه السلام و فيها و ترفع رجلها على حائط. و أما كون الخروج من الجانب الأيسر علامة للحيض فاختلف فيه كلام الأصحاب فذهب الأكثر منهم الصدوق و الشيخ في النهاية و المبسوط و ابن إدريس و العلامة إلى أن الخارج من الأيسر حيض كما هنا و المنقول عن ابن الجنيد أن الحيض يعتبر من الجانب الأيمن و كلام الشهيد في كتبه مختلف و منشأ هذا الاختلاف اختلاف الرواية فَقَدْ رَوَى الشَّيْخُ فِي التَّهْذِيبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى مَرْفُوعاً عَنْ أَبَانٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع- فَتَاةٌ مِنَّا قَرْحَةٌ فِي جَوْفِهَا وَ الدَّمُ سَائِلٌ- لَا تَدْرِي مِنْ دَمِ الْحَيْضِ أَوْ مِنْ دَمِ الْقَرْحَةِ- فَقَالَ مُرْهَا فَلْتَسْتَلْقِ عَلَى ظَهْرِهَا وَ تَرْفَعُ رِجْلَيْهَا- وَ تَسْتَدْخِلُ إِصْبَعَهَا الْوُسْطَى- فَإِنْ خَرَجَ الدَّمُ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَهُوَ مِنَ الْحَيْضِ- وَ إِنْ خَرَجَ مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ فَهُوَ مِنَ الْقَرْحَةِ. هكذا وجدنا في النسخ المعتبرة و نقله المحقق في المعتبر عن التهذيب و روى الكليني هذا الحديث بعينه إلى قوله فإن خرج من الجانب الأيمن فهو من الحيض و إن خرج من الجانب الأيسر فهو من القرحة و به أفتى ابن الجنيد. و في نسخ التهذيب التي كانت عند ابن طاوس ره كما في الكافي و لذا طرح بعض الأصحاب هذه الرواية و لم يعملوا بها لضعفها و اختلافها و مخالفتها للاعتبار لاحتمال كون القرحة في كل من الجانبين و لا يخلو من قوة. قوله و لم يرق دمها قال الجوهري رقي الدم يرقى سكن و الحكم المذكور مشهور بين الأصحاب و المحقق في المعتبر قال لا ريب في أنها إذا خرجت مطوقة كانت من العذرة فإن خرجت مستنقعة فهو محتمل و لم يجزم بالحكم الثاني و لا وجه له إذ كل دم يمكن أن يكون حيضا فهو حيض و الكلام في مثله كما هو الظاهر و وجه دلالة تطوق الدم على كونه دم عذرة أن الاقتضاض ليس إلا خرق الجلدة الرقيقة المنتسجة على الرحم فإذا خرقت خرج الدم من جوانبها بخلاف دم الحيض. و قوله و دم العذرة لعله علامة أخرى للفرق بينهما و الشفر بالضم حرف الفرج ذكره الجوهري.
بحار الأنوار - ج ٧٨ - الصفحة ٩١. — الإمام الرضا عليه السلام
فِقْهُ الرِّضَا، قَالَ عليه السلام
اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ التَّيَمُّمَ غُسْلُ الْمُضْطَرِّ وَ وُضُوؤُهُ- وَ هُوَ نِصْفُ الْوُضُوءِ فِي غَيْرِ ضَرُورَةٍ إِذَا لَمْ يُوجَدِ الْمَاءُ- وَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَيَمَّمَ حَتَّى يَأْتِيَ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ- أَوْ إِلَى أَنْ يَتَخَوَّفَ خُرُوجَ وَقْتِ الصَّلَاةِ - وَ صِفَةُ التَّيَمُّمِ لِلْوُضُوءِ وَ الْجَنَابَةِ وَ سَائِرِ أَبْوَابِ الْغُسْلِ وَاحِدٌ- وَ هُوَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ عَلَى الْأَرْضِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً- ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا وَجْهَكَ مِنْ حَدِّ الْحَاجِبَيْنِ إِلَى الذَّقَنِ- وَ رُوِيَ مِنْ مَوْضِعِ السُّجُودِ مِنْ مَقَامِ الشَّعْرِ إِلَى طَرَفِ الْأَنْفِ- ثُمَّ تَضْرِبُ بِهِمَا أُخْرَى فَتَمْسَحُ بِهِمَا الْكَفَّيْنِ مِنْ حَدِّ الزَّنْدِ- وَ رُوِيَ مِنْ أُصُولِ الْأَصَابِعِ تَمْسَحُ بِالْيُسْرَى الْيُمْنَى- وَ بِالْيُمْنَى الْيُسْرَى عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ- وَ أَرْوِي إِذَا أَرَدْتَ التَّيَمُّمَ اضْرِبْ كَفَّيْكَ عَلَى الْأَرْضِ ضَرْبَةً وَاحِدَةً- ثُمَّ تَضَعُ إِحْدَى يَدَيْكَ عَلَى الْأُخْرَى- ثُمَّ تَمْسَحُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِكَ وَجْهَكَ مِنْ فَوْقِ حَاجِبَيْكَ وَ بَقِيَ مَا بَقِيَ- ثُمَّ تَضَعُ أَصَابِعَكَ الْيُسْرَى عَلَى أَصَابِعِكَ الْيُمْنَى- مِنْ أَصْلِ الْأَصَابِعِ مِنْ فَوْقِ الْكَفِّ- ثُمَّ تُمِرُّهَا عَلَى مُقَدَّمِهَا عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ- ثُمَّ تَضَعُ أَصَابِعَكَ الْيُمْنَى عَلَى أَصَابِعِكَ الْيُسْرَى- فَتَصْنَعُ بِيَدِكَ الْيُمْنَى- مَا صَنَعْتَ بِيَدِكَ الْيُسْرَى عَلَى الْيُمْنَى مَرَّةً وَاحِدَةً- فَهَذَا هُوَ التَّيَمُّمُ- وَ هُوَ الْوُضُوءُ التَّامُّ الْكَامِلُ فِي وَقْتِ الضَّرُورَةِ- فَإِذَا قَدَرْتَ عَلَى الْمَاءِ انْتَقَضَ التَّيَمُّمُ- وَ عَلَيْكَ إِعَادَةُ الْوُضُوءِ وَ الْغُسْلِ بِالْمَاءِ- لِمَا تَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ- اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ تَقْدِرَ عَلَى الْمَاءِ وَ أَنْتَ فِي وَقْتٍ مِنَ الصَّلَاةِ- الَّتِي صَلَّيْتَهَا بِالتَّيَمُّمِ فَتَطَهَّرُ وَ تُعِيدُ الصَّلَاةَ- وَ نَرْوِي أَنَّ جَبْرَئِيلَ عليه السلام نَزَلَ إِلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ ص فِي الْوُضُوءِ- بِغَسْلَيْنِ وَ مَسْحَيْنِ غَسْلِ الْوَجْهِ وَ الْيَدَيْنِ- وَ مَسْحِ الرَّأْسِ وَ الرِّجْلَيْنِ- ثُمَّ نَزَلَ فِي التَّيَمُّمِ بِإِسْقَاطِ الْمَسْحَيْنِ- وَ جَعْلِ مَكَانِ مَوْضِعِ الْغَسْلِ مَسْحاً- وَ نَرْوِي عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ رَبُّ الْمَاءِ وَ رَبُّ الصَّعِيدِ وَاحِدٌ- وَ لَيْسَ لِلْمُتَيَمِّمِ أَنْ يَتَيَمَّمَ إِلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ- وَ إِنْ تَيَمَّمَ وَ صَلَّى قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ ثُمَّ أَدْرَكَ الْمَاءَ- وَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ وَ الْوُضُوءَ- وَ إِنْ مَرَّ بِمَاءٍ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ- وَ قَدْ كَانَ تَيَمَّمَ وَ صَلَّى فِي آخِرِ الْوَقْتِ- وَ هُوَ يُرِيدُ مَاءً آخَرَ فَلَمْ يَبْلُغِ الْمَاءَ- حَتَّى حَضَرَتِ الصَّلَاةُ الْأُخْرَى فَعَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ التَّيَمُّمَ- لِأَنَّ مَمَرَّهُ بِالْمَاءِ نَقَضَ تَيَمُّمَهُ- وَ قَدْ يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ خَمْسَ صَلَوَاتٍ- مَا لَمْ يُحْدِثْ حَدَثاً يُنْقَضُ بِهِ الْوُضُوءُ- وَ تَتَيَمَّمُ لِلْجَنَابَةِ وَ الْحَائِضُ تَتَيَمَّمُ مِثْلَ تَيَمُّمِ الصَّلَاةِ- إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَرَضَ الطُّهْرَ- فَجَعَلَ غَسْلَ الْوَجْهِ وَ الْيَدَيْنِ وَ مَسْحَ الرَّأْسِ وَ الرِّجْلَيْنِ- وَ فَرَضَ الصَّلَاةَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَجَعَلَ لِلْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ- وَ وَضَعَ عَنْهُ الرَّكْعَتَيْنِ- لَيْسَ فِيهِمَا الْقِرَاءَةُ- وَ جَعَلَ لِلَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ التَّيَمُّمَ مَسْحَ الْوَجْهِ وَ الْيَدَيْنِ- وَ رَفَعَ عَنْهُ مَسْحَ الرَّأْسِ وَ الرِّجْلَيْنِ- وَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً - وَ الصَّعِيدُ الْمَوْضِعُ الْمُرْتَفِعُ عَنِ الْأَرْضِ- وَ الطَّيِّبُ الَّذِي يَنْحَدِرُ عَنْهُ الْمَاءُ- وَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ يَمْسَحُ الرَّجُلُ عَلَى جَبِينَيْهِ وَ حَاجِبَيْهِ- وَ يَمْسَحُ عَلَى ظَهْرِ كَفَّيْهِ- فَإِذَا كَبَّرْتَ فِي صَلَاتِكَ تَكْبِيرَةَ الِافْتِتَاحِ- وَ أُتِيتَ بِالْمَاءِ فَلَا تَقْطَعِ الصَّلَاةَ وَ لَا تَنْقُضْ تَيَمُّمَكَ- وَ امْضِ فِي صِلَاتِكَ. تبيين اعلم أن الأصحاب قد اختلفوا في عدد الضربات في التيمم فقال الشيخان في النهاية و المبسوط و المقنعة ضربة للوضوء و ضربتان للغسل و هو اختيار الصدوق و سلار و أبي الصلاح و ابن إدريس و أكثر المتأخرين و قال المرتضى في شرح الرسالة الواجب ضربة واحدة في الجميع و هو اختيار ابن الجنيد و ابن أبي عقيل و المفيد في المسائل العزية. و نقل عن المفيد في الأركان اعتبار الضربتين في الجميع و حكاه العلامة في المنتهى و المختلف و المحقق في المعتبر عن علي بن بابويه و ظاهر كلامه في الرسالة اعتبار ثلاث ضربات ضربة باليدين للوجه و ضربة باليسار لليمين و ضربة باليمين لليسار و لم يفرق بين الوضوء و الغسل و حكي في المعتبر القول بالضربات الثلاث عن قوم منا. و منشأ الخلاف اختلاف الأخبار فعلى المشهور جمعوا بينها بحمل أخبار الضربة على بدل الوضوء و الضربتين على بدل الغسل للمناسبة و لرواية غير دالة على الفرق و منهم من جمع بينها بحمل الضربتين على الاستحباب و هو أظهر في الجمع. و الأصوب عندي حمل أخبار الضربتين على التقية لأنه قال الطيبي في شرح المشكاة في شرح حديث عمار إن في الخبر فوائد منها أن في التيمم تكفي ضربة واحدة للوجه و الكفين و هو مذهب علي و ابن عباس و عمار و جمع من التابعين و ذهب عبد الله بن عمر و جابر من التابعين و الأكثرون من فقهاء الأمصار إلى أن التيمم ضربتان انتهى. فظهر من هذا أن القول المشهور بين المخالفين ضربتان و أن الضربة مشهور عندهم من مذهب أمير المؤمنين عليه السلام و عمار التابع له في جميع الأحكام و ابن عباس الموافق له في أكثرها فتبين أن أخبار الضربة أقوى و أخبار الضربتين حملها على التقية أولى و إن كان الأحوط الجمع بينهما فيهما و لعل اختلاف أجزاء هذا الخبر أيضا للتقية. ثم اعلم أن معظم الأصحاب عبروا بلفظ الضرب و هو الوضع المشتمل على اعتماد يحصل به مسماه عرفا فلا يكفي الوضع المجرد عنه و بعضهم عبر بلفظ الوضع كالشيخ في النهاية و المبسوط و اختاره الشهيد و جماعة و التعبير في الأخبار مختلف و الضرب أحوط بل أقوى. و استحباب نفض اليدين بعد الضرب مذهب الأصحاب و أجمعوا على عدم وجوبه و استحب الشيخ مسح إحدى اليدين بالأخرى بعد النفض و ذكر في هذا الخبر مكان النفض. و اعتبر أكثر الأصحاب كون مسح الوجه بباطن الكفين معا و نقل عن ابن الجنيد أنه اجتزأ باليد اليمنى لصدق المسح و هو كذلك بالنظر إلى الآية لكن ظاهر الأخبار المبينة لها الأول. و قالوا يعتبر في المسح كونه بباطن الكف اختيارا لأنه المعهود فلو مسح بالظهر اختيارا أو بآلة لم يجز نعم لو تعذر المسح بالباطن أجزأ الظاهر و الأحوط ضم التولية معه. و ظاهر الأصحاب أنه يشترط في ضرب اليدين أن يكونا دفعة فلو ضرب إحدى يديه ثم أتبعه بالأخرى لم يجز و مسح الجبهة من قصاص شعر الرأس إلى طرف الأنف الأعلى كأنه متفق عليه بين الأصحاب و أوجب بعضهم الجبينين أيضا و الصدوق مسح الحاجبين أيضا و قد عرفت أن أباه قال بمسح جميع الوجه قال في الذكرى و في كلام الجعفي إشعار به و المشهور في اليدين أن حدهما الزند و نقل ابن إدريس عن بعض الأصحاب أن المسح على اليدين من أصول الأصابع إلى رءوسها. و قال علي بن بابويه امسح يديك من المرفقين إلى الأصابع و قال الصدوق في بيان التيمم للجنابة و مسح يده فوق الكف قليلا و يحتمل أن يكون مراده الابتداء من فوق الكف من باب المقدمة أو أراد عدم وجوب الاستيعاب. و أما أنه إذا تمكن من استعمال الماء في غير الصلاة ينتقض تيممه و لو فقد الماء بعد ذلك يجب عليه إعادة التيمم فقد قال في المعتبر إنه إجماع أهل العلم و من تيمم تيمما صحيحا و صلى ثم خرج الوقت لم يجب عليه القضاء و قال في المنتهى و عليه إجماع أهل العلم. و نقل عن السيد المرتضى أن الحاضر إذا تيمم لفقد الماء وجب عليه الإعادة إذا وجده و الأقوى سقوط القضاء مطلقا و لو تيمم و صلى مع سعة الوقت ثم وجد الماء في الوقت فإن قلنا باختصاص التيمم بآخر الوقت بطلت صلاته مطلقا و إن قلنا بجوازه مع السعة فالأقوى عدم الإعادة كما اختاره المحقق في المعتبر و الشهيد في الذكرى و نقل عن ابن الجنيد و ابن أبي عقيل القول بوجوب الإعادة لأخبار حملها على الاستحباب طريق الجمع و أما أنه يكفيه تيمم واحد لصلوات متعددة فلا خلاف فيه ظاهرا بين الأصحاب. و لو وجد الماء بعد الدخول في الصلاة فقد اختلف فيه كلام الأصحاب على أقوال الأول أنه يمضي في صلاته و لو تلبس بتكبيرة الإحرام كما دل عليه هذا الخبر و هو مختار الأكثر الثاني أنه يرجع ما لم يركع و إليه ذهب الصدوق و الشيخ في النهاية و جماعة الثالث أنه يرجع ما لم يقرأ ذهب إليه سلار الرابع وجوب القطع مطلقا إذا غلب على ظنه سعة الوقت بقدر الطهارة و الصلاة و عدم وجوب القطع إذا لم يمكنه ذلك و استحباب القطع ما لم يركع نقله الشيخ عن ابن حمزة الخامس ما نقله الشهيد أيضا عن ابن الجنيد حيث قال و إذا وجد المتيمم الماء بعد دخوله في الصلاة قطع ما لم يركع الركعة الثانية فإن ركعها مضى في صلاته فإن وجده بعد الركعة الأولى و خاف ضيق الوقت أن يخرج إن قطع رجوت أن يجزيه أن لا يقطع صلاته و أما قبله فلا بد من قطعها مع وجود الماء. و منشأ الخلاف اختلاف الروايات و يمكن الجمع بينها بحمل أخبار المضي على الجواز و أخبار القطع قبل الركوع على الاستحباب بل القطع بعده أيضا و المسألة قليلة الجدوى إذ الفرض نادر.
بحار الأنوار - ج ٧٨ - الصفحة ١٤٨. — الإمام الرضا عليه السلام
سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُجْنِبُ فِي السَّفَرِ- فَلَا يَجِدُ إِلَّا الثَّلْجَ أَوْ مَاءً جَامِداً- قَالَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الضَّرُورَةِ يَتَيَمَّمُ- وَ لَا أَرَى أَنْ يَعُودَ إِلَى هَذِهِ الْأَرْضِ الَّتِي تُوبِقُ دِينَهُ. المحاسن، عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد بن عثمان عن عبيد الله بن علي الحلبي عن أبي عبد الله عليه السلام مثله بيان قال المفيد لو لم يوجد إلا الثلج فليكسره و ليتوضأ بمائه و إن خاف على نفسه من ذلك يضع بطن راحته اليمنى على الثلج و يحركه عليه باعتماد ثم يرفعها بما فيها من نداوة يمسح بها وجهه ثم يضع راحته اليسرى على الثلج و يصنع بها كما صنع باليمنى و يمسح بها يده اليمنى من مرفقه إلى أطراف الأصابع كالدهن إلى آخر ما ذكره ثم قال و إن كان محتاجا إلى التطهر بالغسل صنع بالثلج كما صنع به عند وضوئه و قال الشيخ ما يقاربه. و المنقول عن علم الهدى أنه يتيمم بنداوته و هو المنسوب إلى ابن الجنيد و سلار و قال آخرون بسقوط الطهارة و اختار العلامة مذهب الشيخ. و قال المحقق في المعتبر و التحقيق عندي أنه إن أمكن الطهارة بالثلج بحيث يكون به غاسلا فإنه يكون مقدما على التراب بل مساويا للماء في التخيير عند الاستعمال و إن قصر عن ذلك لم يكف في حصول الطهارة و كان التراب معتبرا دونه و لا عبرة بالدهن لأنه لا يسمى غسلا فلا يحصل به الطهارة الشرعية إلا أن يراد بالدهن ما يجري على العضو و إن كان قليلا انتهى و لا يخفى متانته. ثم إنه ينقل عن السيد (رحمه اللّه) أنه استدل بهذه الرواية على مذهبه و لا يخفى ما فيه إذ الظاهر أن المراد بها التيمم بالتراب و قوله فلا يجد إلا الثلج أي مما يصح الاغتسال به قوله عليه السلام توبق دينه أي تذهبه من قولهم أوبقت الشيء أي أهلكته و يدل على أن من صلى بتيمم و إن كان مضطرا فصلاته ناقصة و أنه يجب عليه إزالة هذا النقص عن صلاته المستقبلة بالخروج عن ذلك المحل إلى محل لا يضطر فيه إلى ذلك. و ربما يستنبط منه وجوب المهاجرة عن بلاد التقية إلى بلاد يمكنه فيها تركها بل عن البلاد التي لا يتمكن من أقام فيها من القيام التام بوظائف الطاعات و إعطاء الصلاة بل سائر العبادات حقها من الخشوع و الإقبال على الحق جل شأنه فضلا عن البلاد التي لا يسلم المقيم فيها يوما من الأعمال السيئة و الأقوال الشنيعة و لا يكاد ينفك عن الصفات الذميمة المهلكة من الغل و الحسد و التكبر و حب الجاه و الرئاسة وفقنا الله و سائر المؤمنين لإقامة شرائع الدين في مقام أمين لا يستولي فيه الشياطين على المؤمنين.
بحار الأنوار - ج ٧٨ - الصفحة ١٥٦. — الإمام الصادق عليه السلام
دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ، رُوِّينَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام قَالَ
عليه السلام إِنَّهَا كَانَتْ سَاخِطَةً عَلَى قَوْمٍ كَرِهَتْ حُضُورَهُمْ جِنَازَتَهَا- وَ حَرَامٌ عَلَى مَنْ يَتَوَلَّاهُمْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ وُلْدِهَا. 52 الْعِلَلُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّوْفَلِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: خَيْرُ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ الْمُقَدَّمُ- وَ خَيْرُ الصُّفُوفِ فِي الْجَنَائِزِ الْمُؤَخَّرُ- قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ لِمَ قَالَ صَارَ سُتْرَةً لِلنِّسَاءِ. توضيح و تنقيح أقول من رأيت من أصحابنا (رضوان الله عليهم) كلامهم حملوا هذا الخبر على أن المعنى خير صفوف المصلين في سائر الصلوات الصف المقدم و خير صفوف المصلين في الصلاة على الجنائز الصف المؤخر قال في المنتهى الصف الأخير في الصلاة على الجنائز أفضل من الصف الأول و استدل بهذه الرواية و نحوه قال في التذكرة و قال في الذكرى أفضل الصفوف المؤخر لخبر السكوني ثم قال و جعل الصدوق سبب الخبر ترغيب النساء في التأخر منعا لهن عن الاختلاط بالرجال في الصلاة كما كن يصلين على عهد النبي ص و يتقدمن و إن كان الحكم بالأفضلية عاما لهن و للرجال. و قال الصدوق ره في الفقيه و أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير و العلة في ذلك أن النساء كن يختلطن بالرجال في الصلاة على الجنائز فقال النبي ص أفضل المواضع في الصلاة على الميت الصف الأخير فتأخرن إلى الصف الأخير فبقي فضله على ما ذكره عليه السلام انتهى. أقول لا يخفى بعد ما فهموه من الخبر لفظا و معنى بوجوه. الأول من جهة التعبير عن سائر الصلوات بالصلاة مطلقا من غير تقييد. الثاني ارتكاب الحذف و التجوز ثانيا بحمل الجنائز على صلاة الجنائز. الثالث تخصيص التعليل بالشق الأخير مع جريانه في الأول أيضا إلا أن يقال النساء كن لا يرغبن في سائر الصلاة إلى الصف الأول و هو أيضا تكلف لابتناء الحمل على أمر لا يعلم تحققه بل الظاهر خلافه. الرابع عدم استقامة التعليل في الأخير أيضا إذ لو بني على أنه ص قال ذلك تورية لرغبة النساء إلى الأخير فلا يخفى سخافته و بعده عن منصب النبوة لاشتماله على الحيلة و الخديعة في أحكام الدين و لو قيل إن ذلك صار سببا لتقرر هذا الحكم و جريانه فهذا أيضا تكلف إذ كان يكفي لتأخر النساء بيان أن ذلك خير لهن مع أن الأفضل متعلق بالرجال في جميع الأمور و لو قيل إن المراد أن الأفضل للنساء الصف المؤخر فلا اختصاص له بتلك الصلاة. و الذي نفهم من الرواية و هو الظاهر منها لفظا و معنا أن المراد بالصفوف في الصلاة صفوف جميع الصلوات الشاملة لصلاة الجنازة و غيرها و المراد بصفوف الجنائز صفوف نفس الجنائز إذا وضعت للصلاة عليها و المعنى أن خير الصفوف في الصلاة الصف المقدم أي ما كان أقرب إلى القبلة و خير الصفوف في الجنائز المؤخر أي ما كان أبعد عن القبلة و أقرب من الإمام و لما كان الأشرف في جميع المواضع متعلقا بالرجال صار كل من الحكمين سببا لسترة النساء لأن تأخرهن في الصفوف سترة لهن و تأخر جنائزهن لكونه سببا لبعدهن عن الرجال المصلين سترة لهن فاستقام التعليل في الجزءين و سلم الكلام عن ارتكاب الحذف و المجاز و صار الحكم مطابقا لما دلت عليه سائر الأخبار. و العجب من الأصحاب كيف ذهلوا عن هذا الاحتمال الظاهر و ذهبوا إلى ما يحتاج إلى تلك التكلفات البعيدة الركيكة فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَ كُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ 53 قُرْبُ الْإِسْنَادِ، وَ كِتَابُ الْمَسَائِلِ، بِسَنَدَيْهِمَا الْمُتَقَدِّمَيْنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُصَلِّي أَ لَهُ أَنْ يُكَبِّرَ قَبْلَ الْإِمَامِ- قَالَ لَا يُكَبِّرُ إِلَّا مَعَ الْإِمَامِ فَإِنْ كَبَّرَ قَبْلَهُ أَعَادَ التَّكْبِيرَ - قَالَ وَ سَأَلْتُهُ عَنِ الصَّبِيِّ- يُصَلَّى عَلَيْهِ إِذَا مَاتَ وَ هُوَ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ- فَقَالَ إِذَا عَقَلَ الصَّلَاةَ فَيُصَلَّى عَلَيْهِ. 54 الْهِدَايَةُ، إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى مَيِّتٍ فَقِفْ عِنْدَ رَأْسِهِ وَ كَبِّرْ- وَ قُلْ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ نَذِيراً بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ- ثُمَّ كَبِّرِ الثَّانِيَةَ وَ قُلِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ- وَ ارْحَمْ مُحَمَّداً وَ آلَ مُحَمَّدٍ وَ بَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ- كَأَفْضَلِ مَا صَلَّيْتَ وَ بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ- وَ آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ ثُمَّ كَبِّرِ الثَّالِثَةَ- وَ قُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ- وَ الْمُسْلِمِينَ وَ الْمُسْلِمَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَ الْأَمْوَاتِ- ثُمَّ كَبِّرِ الرَّابِعَةَ- وَ قُلِ اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا عَبْدُكَ وَ ابْنُ عَبْدِكَ وَ ابْنُ أَمَتِكَ- نَزَلَ بِكَ وَ أَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ- اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا خَيْراً- وَ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا- اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِناً فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ- وَ إِنْ كَانَ مُسِيئاً فَتَجَاوَزْ عَنْهُ وَ اغْفِرْ لَهُ- اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ عِنْدَكَ فِي أَعْلَى عِلِّيِّينَ- وَ اخْلُفْ عَلَى أَهْلِهِ فِي الْغَابِرِينَ- وَ ارْحَمْهُ بِرَحْمَتِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ- ثُمَّ كَبِّرِ الْخَامِسَةَ- وَ لَا تَبْرَحْ مِنْ مَكَانِكَ- حَتَّى تَرَى الْجِنَازَةَ عَلَى أَيْدِي الرِّجَالِ وَ إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقِفْ عِنْدَ صَدْرِهَا - وَ إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِ- فَقُلِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ- وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ - وَ إِذَا لَمْ تَعْرِفْ مَذْهَبَ الْمَيِّتِ- فَقُلِ اللَّهُمَّ إِنَّ هَذِهِ النَّفْسَ أَنْتَ أَحْيَيْتَهَا- وَ أَنْتَ أَمَتَّهَا اللَّهُمَّ وَلِّهَا مَا تَوَلَّتْ- وَ احْشُرْهَا مَعَ مَنْ أَحَبَّتْ - وَ إِذَا صَلَّيْتَ عَلَى نَاصِبٍ- فَقُلْ بَيْنَ التَّكْبِيرَةِ الرَّابِعَةِ وَ الْخَامِسَةِ- اللَّهُمَّ أَخْزِ عَبْدَكَ فِي عِبَادِكَ وَ بِلَادِكَ- اللَّهُمَّ أَصْلِهِ أَشَدَّ نَارِكَ- اللَّهُمَّ أَذِقْهُ حَرَّ عَذَابِكَ- فَإِنَّهُ كَانَ يُوَالِي أَعْدَاءَكَ وَ يُعَادِي أَوْلِيَاءَكَ- وَ يُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكَ- فَإِذَا رُفِعَ فَقُلِ اللَّهُمَّ لَا تَرْفَعْهُ وَ لَا تُزَكِّهِ - وَ الطِّفْلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ حَتَّى يَعْقِلَ الصَّلَاةَ- فَإِنْ حَضَرْتَ مَعَ قَوْمٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ فَقُلِ- اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لِأَبَوَيْهِ وَ لَنَا فَرَطاً. 55 مِصْبَاحُ الْأَنْوَارِ، لِبَعْضِ الْأَصْحَابِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ كَمْ كَبَّرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام عَلَى فَاطِمَةَ ع- فَقَالَ كَانَ يُكَبِّرُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام تَكْبِيرَةً- فَيُكَبِّرُ جَبْرَئِيلُ تَكْبِيرَةً وَ الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ- إِلَى أَنْ كَبَّرَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام خَمْساً- فَقِيلَ لَهُ وَ أَيْنَ كَانَ يُصَلِّي عَلَيْهَا قَالَ فِي دَارِهَا ثُمَّ أَخْرَجَهَا. وَ مِنْهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام صَلَّى عَلَى فَاطِمَةَ- فَكَبَّرَ عَلَيْهَا خَمْساً وَ عِشْرِينَ تَكْبِيرَةً. وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام صَلَّى عَلَى فَاطِمَةَ عليها السلام وَ كَبَّرَ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ. بيان: لعل التكبيرات الواجبة كانت خمسا و الباقية مستحبة من خصائصها (صلوات الله عليها). 56 مِصْبَاحُ الْأَنْوَارِ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ لِعَلِيٍّ عليه السلام إِنِّي أُوصِيكَ فِي نَفْسِي- وَ هِيَ أَحَبُّ الْأَنْفُسِ إِلَيَّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ص- إِذَا أَنَا مِتُّ فَغَسِّلْنِي بِيَدِكَ وَ حَنِّطْنِي وَ كَفِّنِّي وَ ادْفِنِّي لَيْلًا- وَ لَا يَشْهَدْنِي فُلَانٌ وَ فُلَانٌ- وَ اسْتَوْدَعْتُكَ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى أَلْقَاكَ- جَمَعَ اللَّهُ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فِي دَارِهِ وَ قُرْبِ جِوَارِهِ. وَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ فَاطِمَةَ الْوَفَاةُ بَكَتْ فَقَالَ لَهَا لَا تَبْكِي- فَوَ اللَّهِ إِنَّ ذَلِكَ لَصَغِيرٌ عِنْدِي فِي ذَاتِ اللَّهِ- قَالَ وَ أَوْصَتْهُ أَنْ لَا يُؤْذِنَ بِهَا الشَّيْخَيْنِ فَفَعَلَ. وَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: قَالَتْ فَاطِمَةُ عليها السلام لِعَلِيٍّ عليه السلام إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً يَا أَبَا الْحَسَنِ- فَقَالَ تُقْضَى يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ- فَقَالَتْ نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ وَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ ص- أَنْ لَا يُصَلِّيَ عَلَيَّ أَبُو بَكْرٍ وَ لَا عُمَرُ. بيان: هذه الأخبار تدل على أن منع حضور الكفار و المنافقين بل الفساق في الجنازة و عند الصلاة مطلوب. 57 الْخَرَائِجُ لِلرَّاوَنْدِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَلِيفَةَ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَاعِداً- فَسَأَلَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقُمِّيِّينَ أَ تُصَلِّي النِّسَاءُ عَلَى الْجَنَائِزِ- فَقَالَ إِنَّ الْمُغِيرَةَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ادَّعَى أَنَّهُ رَمَى رَسُولَ اللَّهِ ص- فَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَ شَقَّ شَفَتَيْهِ وَ كَذَبَ- وَ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ حَمْزَةَ وَ كَذَبَ- فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْخَنْدَقِ ضُرِبَ عَلَى أُذُنَيْهِ فَنَامَ- فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى أَصْبَحَ- فَخَشِيَ أَنْ يُؤْخَذَ فَتَنَكَّرَ وَ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ- وَ جَاءَ إِلَى مَنْزِلِ عُثْمَانَ يَطْلُبُهُ- وَ تَسَمَّى بِاسْمِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ- كَانَ يَجْلِبُ إِلَى عُثْمَانَ الْخَيْلَ وَ الْغَنَمَ وَ السَّمْنَ- فَجَاءَ عُثْمَانُ فَأَدْخَلَهُ فِي مَنْزِلِهِ- وَ قَالَ وَيْحَكَ مَا صَنَعْتَ- ادَّعَيْتَ أَنَّكَ رَمَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ص- وَ ادَّعَيْتَ أَنَّكَ شَقَقْتَ شَفَتَيْهِ وَ كَسَرْتَ رَبَاعِيَتَهُ- وَ ادَّعَيْتَ أَنَّكَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ- فَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَ وَ أَنَّهُ ضُرِبَ عَلَى أُذُنِهِ- فَلَمَّا سَمِعَتْ ابْنَةُ النَّبِيِّ ص بِمَا صَنَعَ بِأَبِيهَا وَ عَمِّهَا صَاحَتْ فَأَسْكَتَهَا عُثْمَانُ- ثُمَّ خَرَجَ عُثْمَانُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ- فَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهِهِ وَ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ- إِنَّكَ آمَنْتَ عَمِّيَ الْمُغِيرَةَ وَ كَذَبَ- فَصَرَفَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ص وَجْهَهُ- ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ مِنَ الْجَانِبِ الْآخَرِ- فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ آمَنْتَ عَمِّيَ الْمُغِيرَةَ وَ كَذَبَ- فَصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَجْهَهُ عَنْهُ- ثُمَّ قَالَ آمَنَّاهُ وَ أَجَّلْنَاهُ ثَلَاثاً- فَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ أَعْطَاهُ رَاحِلَةً أَوْ رَحْلًا أَوْ قَتَباً أَوْ سِقَاءً- أَوْ قِرْبَةً أَوْ دَلْواً أَوْ خُفّاً أَوْ نَعْلًا أَوْ زَاداً أَوْ مَاءً- قَالَ عَاصِمٌ هَذِهِ عَشَرَةُ أَشْيَاءَ فَأَعْطَاهَا كُلَّهَا عُثْمَانُ- فَخَرَجَ فَسَارَ عَلَى نَاقَتِهِ فَنَقِبَتْ ثُمَّ مَشَى فِي خُفَّيْهِ فَنَقِبَتَا- ثُمَّ مَشَى فِي نَعْلَيْهِ فَنَقِبَتَا- ثُمَّ مَشَى عَلَى رِجْلَيْهِ فَنَقِبَتَا- ثُمَّ مَشَى عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَنَقِبَتَا- فَأَتَى شَجَرَةً فَجَلَسَ تَحْتَهَا- فَجَاءَ الْمَلَكُ فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ص بِمَكَانِهِ- فَبَعَثَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ص زَيْداً وَ الزُّبَيْرَ- فَقَالَ لَهُمَا ائْتِيَاهُ فَهُوَ فِي مَكَانِ كَذَا وَ كَذَا فَاقْتُلَاهُ- فَلَمَّا أَتَيَاهُ قَالَ زَيْدٌ لِلزُّبَيْرِ إِنَّهُ ادَّعَى أَنَّهُ قَتَلَ أَخِي- وَ قَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص آخَى بَيْنَ حَمْزَةَ وَ زَيْداً فَاتْرُكْنِي أَقْتُلْهُ- فَتَرَكَهُ الزُّبَيْرُ فَقَتَلَهُ- فَرَجَعَ عُثْمَانُ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ص- فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ إِنَّكِ أَرْسَلْتِي إِلَى أَبِيكِ- فَأَعْلَمْتِيهِ بِمَكَانِ عَمِّي- فَحَلَفَتْ لَهُ بِاللَّهِ مَا فَعَلَتْ فَلَمْ يُصَدِّقْهَا- فَأَخَذَ خَشَبَةَ الْقَتَبِ فَضَرَبَهَا ضَرْباً مُبَرِّحاً- فَأَرْسَلَتْ إِلَى أَبِيهَا تَشْكُو ذَلِكَ وَ تُخْبِرُهُ بِمَا صَنَعَ- فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا أَنِّي لَأَسْتَحْيِي لِلْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَزَالَ تَجُرُّ ذُيُولَهَا- تَشْكُو زَوْجَهَا فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ قَتَلَنِي- فَقَالَ لِعَلِيٍّ عليه السلام خُذِ السَّيْفَ ثُمَّ أْتِ بِنْتَ عَمِّكَ فَخُذْ بِيَدِهَا- فَمَنْ حَالَ بَيْنَكَ وَ بَيْنَهَا فَاضْرِبْهُ بِالسَّيْفِ- فَدَخَلَ عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِيَدِهَا فَجَاءَ بِهَا النَّبِيَّ ص- فَأَرَتْهُ ظَهْرَهَا فَقَالَ أَبُوهَا قَتَلَهَا قَتَلَهُ اللَّهُ- فَمَكَثَتْ يَوْماً وَ مَاتَتْ فِي الثَّانِي- وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا- فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنْ بَيْتِهِ وَ عُثْمَانُ جَالِسٌ مَعَ الْقَوْمِ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص- مَنْ أَلَمَّ بِجَارِيَتِهِ اللَّيْلَةَ فَلَا يَشْهَدْ جَنَازَتَهَا- قَالَهَا مَرَّتَيْنِ وَ هُوَ سَاكِتٌ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِيَقُومَنَّ أَوْ لَنُسَمِّيَنَّهُ بِاسْمِهِ وَ اسْمِ أَبِيهِ- فَقَامَ يَتَوَكَّأُ عَلَى مَهِينٍ- قَالَ فَخَرَجَتْ فَاطِمَةُ فِي نِسَائِهَا فَصَلَّتْ عَلَى أُخْتِهَا. بيان: رواه في الكافي بسند آخر عن يزيد بن خليفة مع اختلاف ما قوله ضرب على أذنيه أي استولى عليه النوم كما قال تعالى فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ قال البيضاوي أي ضربنا عليهم حجابا يمنع السماع بمعنى أنمناهم إنامة لا تنبههم فيها الأصوات فحذف المفعول كما حذف في قولهم بنى على امرأته و قال الجوهري نقب البعير بالكسر إذا رقت أخفافه و أنقب الرجل إذا نقب بعيره و نقب الخف الملبوس تخرق و ألم بجاريته أي قاربها و واقعها. و في الكافي أنه لعنه الله زنى بجارية رقية في تلك الليلة و لعله عليه السلام نسبها إليه سترا عليه أو كان جاريتها فصحف و يدل على استحباب صلاة النساء على الجنازة و يمكن تخصيصه بمن كانت من أقربائها جمعا بين الأخبار أو يحمل أخبار النهي على اللاتي يخرجن للتنزه لا للصلاة و متابعة للسنة. 58 قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ سِنْدِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَفْوَانَ الْجَمَّالِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: مَاتَ رَجُلٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ- فَخَرَجَ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام يَمْشِي- فَلَقِيَ مَوْلًى لَهُ فَقَالَ أَيْنَ تَذْهَبُ- فَقَالَ أَفِرُّ مِنْ جِنَازَةِ هَذَا الْمُنَافِقِ أَنْ أُصَلِّيَ عَلَيْهِ- قَالَ قُمْ إِلَى جَنْبِي فَمَا سَمِعْتَنِي أَقُولُ فَقُلْ- قَالَ فَرَفَعَ يَدَهُ وَ قَالَ- اللَّهُمَّ الْعَنْ عَبْدَكَ أَلْفَ لَعْنَةٍ مُخْتَلِفَةٍ- اللَّهُمَّ أَخْزِ عَبْدَكَ فِي بِلَادِكَ وَ عِبَادِكَ اللَّهُمَّ أَصْلِهِ حَرَّ نَارِكَ- اللَّهُمَّ أَذِقْهُ أَشَدَّ عَذَابِكَ- فَإِنَّهُ كَانَ يُوَالِي أَعْدَاءَكَ وَ يُعَادِي أَوْلِيَاءَكَ- وَ يُبْغِضُ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكَ. بيان: قوله من المنافقين أي من أهل الخلاف و الضلال فإنهم منافقون يظهرون الإسلام و لترك ولاية الأئمة عليهم السلام باطنا من أخبث المشركين و الكفار و يمكن أن يكون المراد بعض بني أمية و أشباههم من الذين كانوا لم يؤمنوا بالله و رسوله أصلا و كانوا يظهرون الإسلام للمصالح الدنيوية. قوله عليه السلام مولى له أي معتقه أو شيعته و محبه قوله فرفع يده أي للتكبير و يحتمل أن يكون (صلوات الله عليه) اكتفى بالرفع تقية و لم يكبر قوله ع مختلفة أي أنواعا مختلفة مشتملة على أنواع العذاب و الخزي و في الكافي ألف لعنة مؤتلفة غير مختلفة فالمعنى مؤلفة في الشدة و الكثرة غير مختلفة بأن يكون بعضها أخف من بعض أو المراد به الايتلاف في الورود أي يرد جميعها عليه معا لا على التعاقب قال في النهاية اللعن الطرد و الإبعاد من الله تعالى و من الخلق السب و الدعاء و قال الجوهري خزي بالكسر يخزى خزيا أي ذل و هان و قال ابن السكيت وقع في بلية و أخزاه الله. أقول يمكن أن يكون المراد إذلاله و خزيه و عذابه بين من مات من العباد و لا محالة يقع عذابه في البرزخ في بلدة من البلاد أو يقدر مضاف أي أهل بلادك و يحتمل أن يراد به الخزي في الدنيا بعد موته بظهور معايبه على الخلق و اشتهاره بينهم بالكفر و العصيان. 59 مُنْتَهَى الْمَطْلَبِ، قَالَ ابْنُ أَبِي عَقِيلٍ يُكَبِّرُ- وَ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ- وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ- وَ أَعْلِ دَرَجَتَهُ وَ بَيِّضْ وَجْهَهُ كَمَا بَلَّغَ رِسَالَتَكَ- وَ جَاهَدَ فِي سَبِيلِكَ وَ نَصَحَ لِأُمَّتِهِ- وَ لَمْ يَدَعْهُمْ سُدًى مُهْمَلِينَ بَعْدَهُ- بَلْ نَصَبَ لَهُمُ الدَّاعِيَ إِلَى سَبِيلِكَ- الدَّالَّ عَلَى مَا الْتَبَسَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَلَالِكَ وَ حَرَامِكَ- دَاعِياً إِلَى مُوَالاتِهِ وَ مُعَادَاتِهِ- لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ - وَ عَبَدَكَ حَتَّى أَتَاهُ الْيَقِينُ- فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ- ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِنَاتِ الْأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَ الْأَمْوَاتِ- ثُمَّ يَقُولُ اللَّهُمَّ عَبْدُكَ وَ ابْنُ عَبْدِكَ تَخَلَّى مِنَ الدُّنْيَا- وَ احْتَاجَ إِلَى مَا عِنْدَكَ نَزَلَ بِكَ وَ أَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ- افْتَقَرَ إِلَى رَحْمَتِكَ وَ أَنْتَ غَنِيٌّ مِنْ عَذَابِهِ- اللَّهُمَّ إِنَّا لَا نَعْلَمُ مِنْهُ إِلَّا خَيْراً وَ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا- فَإِنْ كَانَ مُحْسِناً فَزِدْ فِي إِحْسَانِهِ- وَ إِنْ كَانَ مُسِيئاً فَاغْفِرْ لَهُ ذُنُوبَهُ وَ ارْحَمْهُ وَ تَجَاوَزْ عَنْهُ- اللَّهُمَّ أَلْحِقْهُ بِنَبِيِّهِ وَ صَالِحِ سَلَفِهِ اللَّهُمَّ عَفْوَكَ عَفْوَكَ- ثُمَّ يُكَبِّرُ وَ يَقُولُ هَذَا فِي كُلِّ تَكْبِيرَةٍ. أقول: إنما أوردت هذا مع عدم التصريح بالرواية لبعد اختراع مثل ذلك من غير رواية لا سيما من القدماء. 60 الْهِدَايَةُ، الْمَوَاطِنُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا دُعَاءٌ مُوَقَّتٌ- الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ وَ الْقُنُوتُ وَ الْمُسْتَجَارُ- وَ الصَّفَا وَ الْمَرْوَةُ وَ الْوُقُوفُ بِعَرَفَاتٍ وَ ركعتي [رَكْعَتَا الطَّوَافِ. 61 الْعِلَلُ، لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عِلَّةُ التَّكْبِيرِ عَلَى الْمَيِّتِ خَمْساً أَنَّهُ أَخَذَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ فَرِيضَةٍ تَكْبِيرَةً لِلْمَيِّتِ- مِنَ الصَّلَاةِ وَ الزَّكَاةِ وَ الْحَجِّ وَ الصَّوْمِ وَ الْوَلَايَةِ- وَ الْعِلَّةُ فِي تَرْكِ الْعَامَّةِ تَكْبِيرَةً أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا الْوَلَايَةَ- وَ تَرَكُوا تَكْبِيرَهَا. 62 الْهِدَايَةُ، لِلْحُسَيْنِ بْنِ حَمْدَانَ عَنْ عِيسَى بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَ الْحُسَيْنُ بْنُ غِيَاثٍ وَ الْحَسَنُ بْنُ مَسْعُودٍ- وَ الْحُسَيْنُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَ أَحْمَدُ بْنُ حَسَّانَ- وَ طَالِبُ بْنُ حَاتِمٍ وَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ- وَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْخَضِيبِ إِلَى سُرَّمَنْرَأَى- فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَ خَمْسِينَ وَ مِائَتَيْنِ لِلتَّهْنِئَةِ بِمَوْلِدِ الْمَهْدِيِّ (صلوات الله عليه) - فَدَخَلْنَا عَلَى سَيِّدِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام وَ نَحْنُ نَيِّفٌ وَ سَبْعُونَ رَجُلًا- فَهَنَّيْنَاهُ وَ بَكَيْنَا- فَقَالَ إِنَّ الْبُكَاءَ مِنَ السُّرُورِ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى مِثْلِ الشُّكْرِ لَهَا- فَطِيبُوا أَنْفُساً وَ قَرُّوا أَعْيُناً- وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ- قَالَ عليه السلام وَ فِي أَنْفُسِكُمْ مَا لَمْ تَسْأَلُوا عَنْهُ- وَ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِهِ وَ هُوَ التَّكْبِيرُ عَلَى الْمَيِّتِ- كَيْفَ يَكُونُ تَكْبِيرُنَا خَمْساً وَ تَكْبِيرُ غَيْرِنَا أَرْبَعاً- فَقُلْنَا يَا سَيِّدَنَا هَذَا الَّذِي أَرَدْنَا أَنْ نَسْأَلَكَ عَنْهُ- فَقَالَ عليه السلام أَوَّلُ مَنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنَّا - حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَسَدُ اللَّهِ وَ أَسَدُ رَسُولِهِ- فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ قَلِقَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ حَزَنَ وَ قَلَّ صَبْرُهُ عَلَيْهِ- فَقَالَ وَ كَانَ قَوْلُهُ حَقّاً- لَأَقْتُلَنَّ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ عَمِّي حَمْزَةَ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ- فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى- وَ إِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ- وَ لَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ - وَ إِنَّمَا أَحَبَّ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي الْمُسْلِمِينَ- لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَتَلَ بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ حَمْزَةَ- سَبْعِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مَا كَانَ يَكُونُ فِي قَتْلِهِمْ حَرَجٌ وَ أَرَادَ دَفْنَهُ وَ أَحَبَّ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ مُضَرَّجاً بِدِمَائِهِ- وَ كَانَ قَدْ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُغَسِّلَ مَوْتَى الْمُسْلِمِينَ- فَدَفَنَهُ بِثِيَابِهِ فَصَارَ سُنَّةً لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ لَا يُغَسَّلَ شَهِيدُهُمْ- وَ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يُكَبِّرَ عَلَيْهِ سَبْعِينَ تَكْبِيرَةً- وَ يَسْتَغْفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ مِنْهَا- فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَنِّي قَدْ فَضَّلْتُ عَمَّكَ حَمْزَةَ- بِسَبْعِينَ تَكْبِيرَةً لِعَظَمَتِهِ عِنْدِي وَ كَرَامَتِهِ عَلَيَّ- وَ كَبِّرْ خَمْساً عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ- فَإِنِّي أَفْرِضُ عَلَى أُمَّتِكَ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ- أُزَوِّدُهُ ثَوَابَهَا وَ أُثْبِتُ لَهُ أَجْرَهَا- فَقَامَ رَجُلٌ مِنَّا فَقَالَ يَا سَيِّدَنَا فَمَنْ صَلَّى الْأَرْبَعَةَ- فَقَالَ مَا كَبَّرَهَا تَيْمِيٌّ وَ لَا عَدَوِيٌّ وَ لَا ثَالِثُهُمَا مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ- وَ لَا ابْنُ هِنْدٍ لَعَنَهُمُ اللَّهُ- وَ أَوَّلُ مَنْ كَبَّرَهَا وَ سَنَّهَا فِيهِمْ طَرِيدُ رَسُولِ اللَّهِ ص- وَ هُوَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ لَعَنَهُ اللَّهُ- لِأَنَ اللَّعِينَ مُعَاوِيَةَ وَصَّى ابْنَهُ يَزِيدَ لَعَنَهُ اللَّهُ بِأَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ- فَكَانَ مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ إِنِّي خَائِفٌ عَلَيْكَ يَا يَزِيدُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَنْفُسٍ- مِنِ ابْنِ عُمَرَ وَ مِنِ ابْنِ عُثْمَانَ وَ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ- وَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ- وَ وَيْلَكَ يَا يَزِيدُ مِنْ هَذَا يَعْنِي الْحُسَيْنَ ع- وَ أَمَّا مَرْوَانُ فَإِذَا مِتُّ وَ جَهَّزْتُمُونِي- وَ وَضَعْتُمُونِي عَلَى نَعْشِي لِلصَّلَاةِ- فَسَيَقُولُونَ لَكَ تَقَدَّمْ فَصَلِّ عَلَى أَبِيكَ- فَقُلْ مَا كُنْتُ لِأَعْصِيَ أَبِي فِيمَا أَوْصَانِي بِهِ- وَ قَدْ قَالَ لِي إِنَّهُ لَا يُصَلِّي عَلَيَّ إِلَّا شَيْخٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ- وَ هُوَ عَمِّي مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَقَدِّمْهُ- وَ تَقَدَّمْ إِلَى ثِقَاتِ مَوَالِينَا- وَ هُمْ يَحْمِلُونَ سِلَاحَهُمْ مُجَرَّداً تَحْتَ أَثْوَابِهِمْ- فَإِذَا تَقَدَّمَ لِلصَّلَاةِ فَكَبَّرَ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ- فَاشْتَغَلَ بِدُعَاءِ الْخَامِسَةِ فَقَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ فَلْيَقْتُلُوهُ- فَإِنَّكَ تُرَاحُ مِنْهُ وَ هُوَ أَعْظَمُهُمْ عَلَيْكَ- فَنَمَى الْخَبَرُ إِلَى مَرْوَانَ لَعَنَهُ اللَّهُ فَأَسَرَّهَا فِي نَفْسِهِ- وَ تُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ وَ حُمِلَ سَرِيرُهُ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ- فَقَالُوا لِيَزِيدَ تَقَدَّمْ فَقَالَ لَهُمْ مَا أَوْصَانِي مُعَاوِيَةُ- إِلَّا أَنَّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ يُصَلِّي عَلَيْهِ- فَعِنْدَهَا قَدَّمُوا مَرْوَانَ- فَكَبَّرَ أَرْبَعاً وَ خَرَجَ عَنِ الصَّلَاةِ قَبْلَ دُعَاءِ الْخَامِسَةِ- وَ اشْتَغَلَ النَّاسُ إِلَى أَنْ كَبَّرُوا الْخَامِسَةَ- وَ أَفْلَتَ مَرْوَانُ لَعَنَهُ اللَّهُ- فَقَالُوا إِنَّ التَّكْبِيرَ عَلَى الْمَيِّتِ أَرْبَعُ تَكْبِيرَاتٍ لِئَلَّا يَكُونَ مَرْوَانُ مُبْدِعاً- فَقَالَ قَائِلٌ مِنَّا يَا سَيِّدَنَا- فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ نُكَبِّرَ أَرْبَعاً تَقِيَّةً- فَقَالَ عليه السلام لَا هِيَ خَمْسٌ لَا تَقِيَّةَ فِيهَا. بيان: لعل المعنى أن لا حاجة إلى التقية فيها إذ يمكن الإتيان بالتكبير إخفاتا من غير رفع اليد. (اسكن) (اسكن) (اسكن) بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على رسوله محمّد و آله الطاهرين. و بعد: فهذا هو الجزء الثاني من كتاب الطهارة: المجلد الثامن عشر حسب تجزئة المؤلف العلامة و قد انتهى رقمه حسب تجزئتنا إلى الواحد و الثمانين و قد قابلناه على طبعة الكمباني المشهورة بطبع أمين الضرب ثمّ على نسختين: أحدهما نسخة الأصل الذي هو بخطّ يد المؤلّف العلّامة المجلسيّ (قدّس سرّه) يبتدىء من باب جوامع أحكام الأغسال (ص 25 في طبعتنا هذه) و ينتهي خاتمته أواسط باب وجوب الصلاة على الميت الرقم 51 (ص 387 من طبعتنا هذه) و لولا هذه النسخة لم يكن لنا تصحيح بياناته و إيضاحاته المعلقة على الأحاديث خصوصا ممّا كان في طبعة الكمباني سقطا أو محرّفا. و ثانيها نسخة ثمينة كتبت في حياة المؤلّف (رحمه اللّه) و قوبلت على نسخته يبتدء من أواسط باب وجوب الصلاة على الميّت (ص 354 س 8 من طبعتنا هذه) و سيأتي في مقدّمة الثاني و الثمانين تعريف بهذا النسخة أبسط و أوضح إن شاء اللّه تعالى. و هاتان النسختان كلتاهما لخزانة كتب الفاضل البحّاث الوجيه الموفّق المرزا فخر الدين النصيريّ الأمينيّ زاده اللّه توفيقا لحفظ كتب سلفنا الصالحين أودعها سماحته عندنا للعرض و المقابلة خدمة للدين و أهله فجزاه اللّه عنّا و عن المسلمين خير جزاء المحسنين. و إليكم فيما يلي أربع صور فتوغرافيّة من النسخة الأولى التي هي بخطّ العلّامة المجلسيّ (قدّس سرّه). محمد الباقر البهبودي بسمه تعالى انتهى الجزء الثاني من المجلّد الثامن عشر من كتاب بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار (صلوات الله عليهم) ما دامت الليل و النهار، و هو الجزء الواحد و الثمانون حسب تجزئتنا في هذه الطبعة النفيسة الرائقة. و قد بذلنا جهدنا في تصحيحه و مقابلته فخرج بحمد اللّه و مشيّته نقيّا من الأغلاط إلّا نزراً زهيداً زاغ عنه البصر و كلّ عنه النظر لا يكاد يخفى على القاريء الكريم و من اللّه نسأل العصمة و هو وليّ التوفيق. السيّد إبراهيم الميانجي محمّد الباقر البهبودي عناوين الأبواب/ رقم الصفحة أبواب الأغسال و أحكامها
بحار الأنوار - ج ٧٨ - الصفحة ٣٨٧. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنِ السِّنْدِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِيهِ عليهما السلام قال
في المعتبر الأقرب اشتراط الجهاد السائغ حسب فقد يجب الجهاد و إن لم يكن الإمام موجودا و اختاره الشهيد و جماعة من المتأخرين و لا خلاف في أنه لا يشمل غير هؤلاء ممن أطلقت الشهادة عليهم كالمقتول دون أهله و ماله و المطعون و الغريق و غيرهم. و اشترطوا أيضا موته في المعركة فلو حمل من المعركة و به رمق ثم مات نزع عنه ثيابه و غسل و كفن و يظهر من بعض الأخبار أنه و إن وجد و به رمق ثم مات يغسل و يكفن. و لا خلاف بين الأصحاب في وجوب دفنه بثيابه قال في المعتبر و يدفن الشهيد بجميع ثيابه أصابها الدم أو لم يصبها و هو إجماع المسلمين و لا خلاف أيضا في وجوب الصلاة عليه و ذهب بعض العامة إلى سقوط الصلاة أيضا كما يستفاد من بعض أخبارنا أيضا.
بحار الأنوار - ج ٧٩ - الصفحة ١. — الإمام الصادق عليه السلام
يُصَلِّي قَائِماً فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ صَلَّى جَالِساً قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَتَى يُصَلِّي جَالِساً قَالَ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ ثَلَاثَ آيَاتٍ قَائِماً وَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ إِيمَاءً بِرَأْسِهِ وَ جَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِساً صَلَّى مُضْطَجِعاً لِجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ صَلَّى مُسْتَلْقِياً وَ رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ يُومِئُ إِيمَاءً . وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَصَابَهُ رُعَافٌ لَمْ يَرْقَأْ صَلَّى إِيمَاءً . وَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: الْمَرِيضُ إِذَا ثَقُلَ وَ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَيَّاماً أَعَادَ مَا تَرَكَ إِذَا اسْتَطَاعَ الصَّلَاةَ . وَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى جَالِساً تَرَبَّعَ فِي حَالِ الْقِيَامِ وَ ثَنَى رِجْلَهُ فِي حَالِ الرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ وَ الْجُلُوسِ إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ . وَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: يُجْزِي الْمَرِيضَ أَنْ يَقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي الْفَرِيضَةِ وَ يُجْزِئُهُ أَنْ يُسَبِّحَ فِي الرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ تَسْبِيحَةً وَاحِدَةً . الآيات البقرة وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ الأنعام قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أسرى وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً الكهف وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ و قال سبحانه فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً طه إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي المدثر وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ البينة وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الكوثر فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ تفسير وَ قُومُوا لِلَّهِ يدل على وجوب النية و الإخلاص فيها كما مر وَ نُسُكِي قيل عبادتي و تقربي كله فيكون تعميما بعد تخصيص فيدل على امتياز الصلاة عن سائر العبادات و اختصاصها بمزيد الفضل و قيل مناسك حجي و قيل ذبحي لأن المشركين كانوا يشركون فيهما الأصنام. وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي أي ما آتي به في حياتي و أموت عليه من الإيمان و الأعمال الصالحة و قيل العبادات و الخيرات الواقعة حال الحياة التي تقع بعد الموت بالوصية و نحوها كالتدبير و قيل نفس الحياة و الموت أي إنما أريد الحياة إذا كان موافقا لرضاه و كذا الموت أو المعنى أنهما منه تعالى و قيل طاعتي في حياتي لله و جزائي بعد موتي من الله و قيل جميع ما آتي عليه في حياتي حتى الحياة و جميع ما أموت عليه حتى الموت لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي أجعلها لله لأنه رب العالمين و لا يستحق العبادة غيره أو شكر المنعم واجب أو كل ذلك منه إذ العبادات بتوفيقه و هدايته و المحيا و الممات بخلقه و تدبيره أو يقال كونه لله في العبادات بمعنى أنه المستحق لأن يفعل له و في غيرها بمعنى أنه بقدرته و خلقه و على بعض الوجوه المتقدمة في المحيا و الممات لا نحتاج إلى تلك التكلفات. لا شَرِيكَ لَهُ أي في الإلهية أو في العبادة و الإحياء و الإماتة أو لا أشرك معه في تلك الأمور أحدا وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ أي بالإخلاص المذكور أو بالقول المذكور و الاعتقاد به أمرني ربي وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ فإن إسلام كل نبي مقدم على إسلام أمته أو لأنه ص أول من أقر في عالم الذر كما يشهد به غير واحد من الخبر و يحتمل أن يراد بالمسلمين المنقادون لجميع الأوامر و النواهي. ثم الآية تدل على تحريم قسمي الشرك الظاهر كعبادة الأصنام و الكواكب و نحوها و الخفي كالرياء و السمعة و أنه لا يجوز إسناد شيء من ذلك إلى غيره تعالى لا مستقلا و لا مشاركا كالكواكب و الأفلاك و العقول و غيرها و أما قصد حصول الثواب و الخلاص من العقاب فلا ينافي الإخلاص لأنهما بأمره تعالى و تكليف أكثر الخلق بإخلاص النية منهما قريب من التكليف بالمحال بل هو عينه نعم ذلك درجة المقربين من الأنبياء و الأوصياء و الصديقين صلوات الله عليهم أجمعين و من ادعى ذلك من غيرهم فلعله لم يفهم معنى النية و جعلها محض حضور البال و هو ليس من النية في شيء و النية هو الغرض الواقعي الباعث على الفعل. و هذا مثل أن يقال في طريقك أسد و لا تخف منه و أعددنا لك مائة ألف تومان للعمل الفلاني و لا يكن باعثك على العمل ذلك و هذا إنما يصدق في دعواه إذا علم من نفسه أنه لو أيقن أن الله يدخله بطاعته النار و بمعصيته الجنة يختار الطاعة و يترك المعصية تقربا إلى الله تعالى و أين عامة الخلق من هذه الدرجة القصوى و المنزلة العليا و قد مر تحقيق ذلك و سائر ما يتعلق به في باب الإخلاص من هذا الكتاب و في بعض مؤلفاتنا العربية و الفارسية نعم يمكن أن يراد في هذه الآية ذلك بناء على أن من خوطب به ص صاحب هذه الدرجة الجليلة لكن الظاهر أن الخطاب لتعليم الأمة. ثم اعلم أنه ربما يستدل بهذه الآية على كون الإخلاص المذكور من أحكام الإسلام و أن كل مسلم مأمور بذلك لقوله وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ فإنه يدل على أن غيره أيضا مكلف مأمور بذلك و أنه أولهم مع ما ثبت من عموم التأسي و على أن صحة الصلاة بل سائر العبادات موقوفة على الإخلاص المذكور و ما تضمنه من معرفة الله و وحدانيته و كونه ربا للعالمين أي منشئا و مربيا لهم فيستلزم ذلك وجوب العلم بكونه قادرا و عالما و حكيما إذ الإخلاص يستلزم ذلك. و قد يناقش في استلزام وجوب الإخلاص المذكور توقف صحة العبادة على الإخلاص نفسه و ما يستلزمه من المعرفة لأن كل ما كان واجبا لشيء لا يجب أن يبطل ذلك عند عدمه بالكلية و يجاب بأنه إذا ثبت كون العبادة مأمورا بها على هذا الوجه فإذا لم يأت بها على الوجه الخاص لم يأت بالمأمور به فتكون باطلة و يعترض عليه بأن ذلك إذا كان الأمر بالعبادة هو الذي تضمن هذا الوجه لا أن يكون بأمر على حدة و هنا كذلك. و قيل يمكن الاستدلال بها على وجوب المعرفة و توقف الصحة عليها للأمر بذلك القول فإنه يفهم منه أنه يجب قول ذلك و معرفة القول و فهمه و صدقه مع المتعلقات متوقفة عليها و يمكن المناقشة في أكثر تلك الوجوه. و أقول يمكن الاستدلال بالأمر بالقول على رجحان قراءة تلك الآية بل وجوبها على طريقة الأصحاب في مقدمة الصلاة كما ورد في الأخبار فتكون مؤيدة لها و لو ثبت الإجماع على عدم الوجوب لثبت تأكد الاستحباب. وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً استدل به على وجوب التكبير في الصلاة لعدم وجوبه في غيرها اتفاقا و فيه ما فيه بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِ أي طرفي النهار فيستفتحون يومهم بالدعاء و يختمونه به أو في مجامع أوقاتهم أي يدامون على الصلاة و الدعاء كأنه لا شغل لهم غيره و قيل المراد صلاة الفجر و العصر يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي رضوانه و قيل تعظيمه و القربة إليه دون الرياء و السمعة و يدل على رفعة شأن الإخلاص و أن المخلصين هم المقربون و هم الذين يلزم مصاحبتهم و مودتهم و معاشرتهم فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ أي يأمل حسن لقاء ربه و أن يلقاه لقاء رضا و قبول أو يخاف سوء لقاء ربه كذا في الكشاف و قال في مجمع البيان أي يطمع في لقاء ثواب ربه و يأمله و يقر بالبعث إليه و الوقوف بين يديه و قيل معناه يخشى لقاء عقاب ربه و قيل إن الرجاء يستعمل في كلا المعنيين الخوف و الأمل و في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام يؤمن بأنه مبعوث. فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً أي نافعا متضمنا للصلاح و الخير و في المجمع أي خالصا لله يتقرب به إليه وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً في المجمع أي أحدا غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر و قيل معناه لا يرائي في عبادة ربه أحدا وَ قَالَ مُجَاهِدٌ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ إِنِّي أَتَصَدَّقُ وَ أَصِلُ الرَّحِمَ وَ لَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا لِلَّهِ فَيُذْكَرُ ذَلِكَ مِنِّي وَ أُحْمَدُ عَلَيْهِ فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وَ أُعْجَبُ بِهِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ لَمْ يَقُلْ شَيْئاً فَنَزَلَتِ الْآيَةُ. . قال عطاء عن ابن عباس أن الله تعالى قال وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً و لم يقل و لا يشرك به فإنه أراد العمل الذي يعمل لله و يحب أن يحمد عليه قال و لذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كيلا يعظمه من يصله بها. - وَ رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ قَالا سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ مَنْ صَلَّى صَلَاةً يُرَائِي بِهَا فَقَدْ أَشْرَكَ وَ مَنْ صَامَ صَوْماً يُرَائِي بِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَهَذَا الشِّرْكُ شِرْكُ رِيَاءٍ وَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ مَنْ صَلَّى مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ زَكَّى مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ صَامَ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ حَجَّ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا مِمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلَ مُرَاءٍ. - وَ فِي الْكَافِي عَنْهُ عليه السلام فِي هَذِهِ الْآيَةِ الرَّجُلُ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ لَا يَطْلُبُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِنَّمَا يَطْلُبُ تَزْكِيَةَ النَّاسِ يَشْتَهِي أَنْ يُسْمِعَ بِهِ النَّاسَ فَهَذَا الَّذِي أَشْرَكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْ عَبْدٍ أَسَرَّ خَيْراً فَذَهَبَتِ الْأَيَّامُ أَبَداً حَتَّى يُظْهِرَ اللَّهُ لَهُ خَيْراً وَ مَا مِنْ عَبْدٍ يُسِرُّ شَرّاً فَذَهَبَتِ الْأَيَّامُ حَتَّى يُظْهِرَ اللَّهُ لَهُ شَرّاً. وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ مَنْ صَلَّى أَوْ صَامَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ حَجَّ يُرِيدُ مَحْمَدَةَ النَّاسِ فَقَدْ أَشْرَكَ فِي عَمَلِهِ وَ هُوَ شِرْكٌ مَغْفُورٌ . يعني أنه ليس من الشرك الذي قال الله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ و ذلك لأن المراد بذلك الشرك الجلي و هذا هو الشرك الخفي. - وَ لِلْآيَةِ تَفَاسِيرُ أُخَرُ بِحَسَبِ بُطُونِهَا فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ فِي الْكَافِي وَ التَّهْذِيبِ بِإِسْنَادِهِمَا عَنِ الْوَشَّاءِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الرِّضَا عليه السلام وَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِبْرِيقٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ لِلصَّلَاةِ فَدَنَوْتُ لِأَصُبَّ عَلَيْهِ فَأَبَى ذَلِكَ وَ قَالَ مَهْ يَا حَسَنُ فَقُلْتُ لِمَ تَنْهَانِي أَنْ أَصُبَّ عَلَيْكَ تَكْرَهُ أَنْ أُوجَرَ فَقَالَ تُؤْجَرُ أَنْتَ وَ أُوزَرُ أَنَا فَقُلْتُ لَهُ وَ كَيْفَ ذَلِكَ فَقَالَ أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً هَا أَنَا ذَا أَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَ هِيَ الْعِبَادَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ يَشْرَكَنِي فِيهَا أَحَدٌ. . و بمضمونه رواية أخرى عن الرضا عليه السلام و رواية أخرى عن أمير المؤمنين ع. فعلى هذا المعنى تدل على عدم جواز تولية الغير شيئا من العبادة لا بعضا و لا كلا و لا استعانة إلا ما أخرجه الدليل فلا تجوز التولية في الوضوء لا بعضا و لا كلا اختيارا كما مر و لا في الغسل و التيمم و لا الاتكاء في الصلاة بل يجب الاستقلال بالقيام و القعود و غيرهما اختيارا فلا يجوز أن يأخذ القرآن أو الكتاب غير المصلي ليقرأه إن جوزناه لكن مع إجمال الآية و تعارض التفاسير الواردة فيها يشكل الحكم بالتحريم بمجردها إلا بمعاونة الأخبار فلينظر فيها و قد مر الكلام فيها. وَ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْعَيَّاشِيُ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الْمَعْرِفَةُ بِالْأَئِمَّةِ وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً التَّسْلِيمُ لِعَلِيٍّ عليه السلام لَا يُشْرِكْ فِي الْخِلَافَةِ مَنْ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَ لَا هُوَ مِنْ أَهْلِهِ. - وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْهُ عليه السلام وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قَالَ (4) تفسير العيّاشيّ ج 2 ص 353. لَا يَتَّخِذْ مَعَ وَلَايَةِ آلِ مُحَمَّدٍ عليهم السلام غَيْرَهُمْ وَ وَلَايَتُهُمُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ مَنْ أَشْرَكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ بِوَلَايَتِنَا وَ كَفَرَ بِهَا وَ جَحَدَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام حَقَّهُ وَ وَلَايَتَهُ. . فَاعْبُدْنِي لعل تفريعه على التوحيد يشعر بالإخلاص وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي فيه دلالة على الإخلاص على بعض الوجوه الآتية. وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ أي خصص ربك بالتكبير و هو وصفه بالكبرياء عقدا و قولا و قال الطبرسي رحمه الله أي عظمه و نزهه عما لا يليق به و قيل كبر في الصلاة فقل الله أكبر انتهى و استدل به الأصحاب على وجوب تكبيرة الإحرام بأن ظاهره وجوب التكبير و ليس في غير الصلاة فيجب أن يكون فيها و فيه من النظر ما لا يخفى. وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ قال الطبرسي رحمه الله أي لم يأمرهم الله تعالى إلا لأن يعبدوا الله وحده لا يشركون بعبادته و لا يخلطون بعبادته عبادة من سواه.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٨١ - الصفحة ٣٤٢. — الإمام الباقر عليه السلام
دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ، رُوِّينَا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ
إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ ثَلَاثَ آيَاتٍ قَائِماً وَ إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَسْجُدَ أَوْمَأَ إِيمَاءً بِرَأْسِهِ وَ جَعَلَ سُجُودَهُ أَخْفَضَ مِنْ رُكُوعِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِساً صَلَّى مُضْطَجِعاً لِجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ وَ وَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ صَلَّى مُسْتَلْقِياً وَ رِجْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ يُومِئُ إِيمَاءً. وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَنْ أَصَابَهُ رُعَافٌ لَمْ يَرْقَأْ صَلَّى إِيمَاءً. وَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: الْمَرِيضُ إِذَا ثَقُلَ وَ تَرَكَ الصَّلَاةَ أَيَّاماً أَعَادَ مَا تَرَكَ إِذَا اسْتَطَاعَ الصَّلَاةَ. وَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَنْ صَلَّى جَالِساً تَرَبَّعَ فِي حَالِ الْقِيَامِ وَ ثَنَى رِجْلَهُ فِي حَالِ الرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ وَ الْجُلُوسِ إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ. وَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: يُجْزِي الْمَرِيضَ أَنْ يَقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فِي الْفَرِيضَةِ وَ يُجْزِئُهُ أَنْ يُسَبِّحَ فِي الرُّكُوعِ وَ السُّجُودِ تَسْبِيحَةً وَاحِدَةً. الآيات البقرة وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ الأنعام قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَ نُسُكِي وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ أسرى وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً الكهف وَ اصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ و قال سبحانه فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً طه إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي المدثر وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ البينة وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الكوثر فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ تفسير وَ قُومُوا لِلَّهِ يدل على وجوب النية و الإخلاص فيها كما مر وَ نُسُكِي قيل عبادتي و تقربي كله فيكون تعميما بعد تخصيص فيدل على امتياز الصلاة عن سائر العبادات و اختصاصها بمزيد الفضل و قيل مناسك حجي و قيل ذبحي لأن المشركين كانوا يشركون فيهما الأصنام. وَ مَحْيايَ وَ مَماتِي أي ما آتي به في حياتي و أموت عليه من الإيمان و الأعمال الصالحة و قيل العبادات و الخيرات الواقعة حال الحياة التي تقع بعد الموت بالوصية و نحوها كالتدبير و قيل نفس الحياة و الموت أي إنما أريد الحياة إذا كان موافقا لرضاه و كذا الموت أو المعنى أنهما منه تعالى و قيل طاعتي في حياتي لله و جزائي بعد موتي من الله و قيل جميع ما آتي عليه في حياتي حتى الحياة و جميع ما أموت عليه حتى الموت لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ أي أجعلها لله لأنه رب العالمين و لا يستحق العبادة غيره أو شكر المنعم واجب أو كل ذلك منه إذ العبادات بتوفيقه و هدايته و المحيا و الممات بخلقه و تدبيره أو يقال كونه لله في العبادات بمعنى أنه المستحق لأن يفعل له و في غيرها بمعنى أنه بقدرته و خلقه و على بعض الوجوه المتقدمة في المحيا و الممات لا نحتاج إلى تلك التكلفات. لا شَرِيكَ لَهُ أي في الإلهية أو في العبادة و الإحياء و الإماتة أو لا أشرك معه في تلك الأمور أحدا وَ بِذلِكَ أُمِرْتُ أي بالإخلاص المذكور أو بالقول المذكور و الاعتقاد به أمرني ربي وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ فإن إسلام كل نبي مقدم على إسلام أمته أو لأنه ص أول من أقر في عالم الذر كما يشهد به غير واحد من الخبر و يحتمل أن يراد بالمسلمين المنقادون لجميع الأوامر و النواهي. ثم الآية تدل على تحريم قسمي الشرك الظاهر كعبادة الأصنام و الكواكب و نحوها و الخفي كالرياء و السمعة و أنه لا يجوز إسناد شيء من ذلك إلى غيره تعالى لا مستقلا و لا مشاركا كالكواكب و الأفلاك و العقول و غيرها و أما قصد حصول الثواب و الخلاص من العقاب فلا ينافي الإخلاص لأنهما بأمره تعالى و تكليف أكثر الخلق بإخلاص النية منهما قريب من التكليف بالمحال بل هو عينه نعم ذلك درجة المقربين من الأنبياء و الأوصياء و الصديقين (صلوات الله عليهم أجمعين) و من ادعى ذلك من غيرهم فلعله لم يفهم معنى النية و جعلها محض حضور البال و هو ليس من النية في شيء و النية هو الغرض الواقعي الباعث على الفعل. و هذا مثل أن يقال في طريقك أسد و لا تخف منه و أعددنا لك مائة ألف تومان للعمل الفلاني و لا يكن باعثك على العمل ذلك و هذا إنما يصدق في دعواه إذا علم من نفسه أنه لو أيقن أن الله يدخله بطاعته النار و بمعصيته الجنة يختار الطاعة و يترك المعصية تقربا إلى الله تعالى و أين عامة الخلق من هذه الدرجة القصوى و المنزلة العليا و قد مر تحقيق ذلك و سائر ما يتعلق به في باب الإخلاص من هذا الكتاب و في بعض مؤلفاتنا العربية و الفارسية نعم يمكن أن يراد في هذه الآية ذلك بناء على أن من خوطب به ص صاحب هذه الدرجة الجليلة لكن الظاهر أن الخطاب لتعليم الأمة. ثم اعلم أنه ربما يستدل بهذه الآية على كون الإخلاص المذكور من أحكام الإسلام و أن كل مسلم مأمور بذلك لقوله وَ أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ فإنه يدل على أن غيره أيضا مكلف مأمور بذلك و أنه أولهم مع ما ثبت من عموم التأسي و على أن صحة الصلاة بل سائر العبادات موقوفة على الإخلاص المذكور و ما تضمنه من معرفة الله و وحدانيته و كونه ربا للعالمين أي منشئا و مربيا لهم فيستلزم ذلك وجوب العلم بكونه قادرا و عالما و حكيما إذ الإخلاص يستلزم ذلك. و قد يناقش في استلزام وجوب الإخلاص المذكور توقف صحة العبادة على الإخلاص نفسه و ما يستلزمه من المعرفة لأن كل ما كان واجبا لشيء لا يجب أن يبطل ذلك عند عدمه بالكلية و يجاب بأنه إذا ثبت كون العبادة مأمورا بها على هذا الوجه فإذا لم يأت بها على الوجه الخاص لم يأت بالمأمور به فتكون باطلة و يعترض عليه بأن ذلك إذا كان الأمر بالعبادة هو الذي تضمن هذا الوجه لا أن يكون بأمر على حدة و هنا كذلك. و قيل يمكن الاستدلال بها على وجوب المعرفة و توقف الصحة عليها للأمر بذلك القول فإنه يفهم منه أنه يجب قول ذلك و معرفة القول و فهمه و صدقه مع المتعلقات متوقفة عليها و يمكن المناقشة في أكثر تلك الوجوه. و أقول يمكن الاستدلال بالأمر بالقول على رجحان قراءة تلك الآية بل وجوبها على طريقة الأصحاب في مقدمة الصلاة كما ورد في الأخبار فتكون مؤيدة لها و لو ثبت الإجماع على عدم الوجوب لثبت تأكد الاستحباب. وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً استدل به على وجوب التكبير في الصلاة لعدم وجوبه في غيرها اتفاقا و فيه ما فيه بِالْغَداةِ وَ الْعَشِيِ أي طرفي النهار فيستفتحون يومهم بالدعاء و يختمونه به أو في مجامع أوقاتهم أي يدامون على الصلاة و الدعاء كأنه لا شغل لهم غيره و قيل المراد صلاة الفجر و العصر يُرِيدُونَ وَجْهَهُ أي رضوانه و قيل تعظيمه و القربة إليه دون الرياء و السمعة و يدل على رفعة شأن الإخلاص و أن المخلصين هم المقربون و هم الذين يلزم مصاحبتهم و مودتهم و معاشرتهم فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ أي يأمل حسن لقاء ربه و أن يلقاه لقاء رضا و قبول أو يخاف سوء لقاء ربه كذا في الكشاف و قال في مجمع البيان أي يطمع في لقاء ثواب ربه و يأمله و يقر بالبعث إليه و الوقوف بين يديه و قيل معناه يخشى لقاء عقاب ربه و قيل إن الرجاء يستعمل في كلا المعنيين الخوف و الأمل و في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام يؤمن بأنه مبعوث. فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً أي نافعا متضمنا للصلاح و الخير و في المجمع أي خالصا لله يتقرب به إليه وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً في المجمع أي أحدا غيره من ملك أو بشر أو حجر أو شجر و قيل معناه لا يرائي في عبادة ربه أحدا وَ قَالَ مُجَاهِدٌ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ص فَقَالَ إِنِّي أَتَصَدَّقُ وَ أَصِلُ الرَّحِمَ وَ لَا أَصْنَعُ ذَلِكَ إِلَّا لِلَّهِ فَيُذْكَرُ ذَلِكَ مِنِّي وَ أُحْمَدُ عَلَيْهِ فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ وَ أُعْجَبُ بِهِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ لَمْ يَقُلْ شَيْئاً فَنَزَلَتِ الْآيَةُ.. قال عطاء عن ابن عباس أن الله تعالى قال وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً و لم يقل و لا يشرك به فإنه أراد العمل الذي يعمل لله و يحب أن يحمد عليه قال و لذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها كيلا يعظمه من يصله بها. - وَ رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَ شَدَّادُ بْنُ أَوْسٍ قَالا سَمِعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ مَنْ صَلَّى صَلَاةً يُرَائِي بِهَا فَقَدْ أَشْرَكَ وَ مَنْ صَامَ صَوْماً يُرَائِي بِهِ فَقَدْ أَشْرَكَ ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ. وَ فِي تَفْسِيرِ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ فَهَذَا الشِّرْكُ شِرْكُ رِيَاءٍ وَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ مَنْ صَلَّى مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ زَكَّى مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ صَامَ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ حَجَّ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا مِمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُرَاءَاةَ النَّاسِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلَ مُرَاءٍ. - وَ فِي الْكَافِي عَنْهُ عليه السلام فِي هَذِهِ الْآيَةِ الرَّجُلُ يَعْمَلُ شَيْئاً مِنَ الثَّوَابِ لَا يَطْلُبُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ إِنَّمَا يَطْلُبُ تَزْكِيَةَ النَّاسِ يَشْتَهِي أَنْ يُسْمِعَ بِهِ النَّاسَ فَهَذَا الَّذِي أَشْرَكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ ثُمَّ قَالَ مَا مِنْ عَبْدٍ أَسَرَّ خَيْراً فَذَهَبَتِ الْأَيَّامُ أَبَداً حَتَّى يُظْهِرَ اللَّهُ لَهُ خَيْراً وَ مَا مِنْ عَبْدٍ يُسِرُّ شَرّاً فَذَهَبَتِ الْأَيَّامُ حَتَّى يُظْهِرَ اللَّهُ لَهُ شَرّاً. وَ رَوَى الْعَيَّاشِيُّ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ مَنْ صَلَّى أَوْ صَامَ أَوْ أَعْتَقَ أَوْ حَجَّ يُرِيدُ مَحْمَدَةَ النَّاسِ فَقَدْ أَشْرَكَ فِي عَمَلِهِ وَ هُوَ شِرْكٌ مَغْفُورٌ. يعني أنه ليس من الشرك الذي قال الله إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ و ذلك لأن المراد بذلك الشرك الجلي و هذا هو الشرك الخفي. - وَ لِلْآيَةِ تَفَاسِيرُ أُخَرُ بِحَسَبِ بُطُونِهَا فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ فِي الْكَافِي وَ التَّهْذِيبِ بِإِسْنَادِهِمَا عَنِ الْوَشَّاءِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الرِّضَا عليه السلام وَ بَيْنَ يَدَيْهِ إِبْرِيقٌ يُرِيدُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ لِلصَّلَاةِ فَدَنَوْتُ لِأَصُبَّ عَلَيْهِ فَأَبَى ذَلِكَ وَ قَالَ مَهْ يَا حَسَنُ فَقُلْتُ لِمَ تَنْهَانِي أَنْ أَصُبَّ عَلَيْكَ تَكْرَهُ أَنْ أُوجَرَ فَقَالَ تُؤْجَرُ أَنْتَ وَ أُوزَرُ أَنَا فَقُلْتُ لَهُ وَ كَيْفَ ذَلِكَ فَقَالَ أَ مَا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ فَمَنْ كانَ يَرْجُوا لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحاً وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً هَا أَنَا ذَا أَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ وَ هِيَ الْعِبَادَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ يَشْرَكَنِي فِيهَا أَحَدٌ.. و بمضمونه رواية أخرى عن الرضا عليه السلام و رواية أخرى عن أمير المؤمنين ع. فعلى هذا المعنى تدل على عدم جواز تولية الغير شيئا من العبادة لا بعضا و لا كلا و لا استعانة إلا ما أخرجه الدليل فلا تجوز التولية في الوضوء لا بعضا و لا كلا اختيارا كما مر و لا في الغسل و التيمم و لا الاتكاء في الصلاة بل يجب الاستقلال بالقيام و القعود و غيرهما اختيارا فلا يجوز أن يأخذ القرآن أو الكتاب غير المصلي ليقرأه إن جوزناه لكن مع إجمال الآية و تعارض التفاسير الواردة فيها يشكل الحكم بالتحريم بمجردها إلا بمعاونة الأخبار فلينظر فيها و قد مر الكلام فيها. وَ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْعَيَّاشِيُ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ الْمَعْرِفَةُ بِالْأَئِمَّةِ وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً التَّسْلِيمُ لِعَلِيٍّ عليه السلام لَا يُشْرِكْ فِي الْخِلَافَةِ مَنْ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَ لَا هُوَ مِنْ أَهْلِهِ. - وَ رَوَى عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْهُ عليه السلام وَ لا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قَالَ تفسير العيّاشيّ ج 2 ص 353. لَا يَتَّخِذْ مَعَ وَلَايَةِ آلِ مُحَمَّدٍ عليهم السلام غَيْرَهُمْ وَ وَلَايَتُهُمُ الْعَمَلُ الصَّالِحُ مَنْ أَشْرَكَ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ بِوَلَايَتِنَا وَ كَفَرَ بِهَا وَ جَحَدَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام حَقَّهُ وَ وَلَايَتَهُ.. فَاعْبُدْنِي لعل تفريعه على التوحيد يشعر بالإخلاص وَ أَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي فيه دلالة على الإخلاص على بعض الوجوه الآتية. وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ أي خصص ربك بالتكبير و هو وصفه بالكبرياء عقدا و قولا و قال الطبرسي رحمه الله أي عظمه و نزهه عما لا يليق به و قيل كبر في الصلاة فقل الله أكبر انتهى و استدل به الأصحاب على وجوب تكبيرة الإحرام بأن ظاهره وجوب التكبير و ليس في غير الصلاة فيجب أن يكون فيها و فيه من النظر ما لا يخفى. وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ قال الطبرسي رحمه الله أي لم يأمرهم الله تعالى إلا لأن يعبدوا الله وحده لا يشركون بعبادته و لا يخلطون بعبادته عبادة من سواه. أقول دلالتها على الإخلاص ظاهرة و بها استدل الأصحاب على وجوب النية و لعل في ذكر إقامة الصلاة و إيتاء الزكاة بعد ذلك إشعارا بشدة اشتراط الإخلاص فيهما و مدخليته في صحتهما و كمالهما و تعقيبه بقوله وَ ذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ أي دين الملة القيامة يدل على أن الإخلاص من عمدة أجزاء الدين و الملة و شرائطهما و لوازمهما. فَصَلِّ لِرَبِّكَ يدل على وجوب النية و إخلاصها في خصوص الصلاة وَ انْحَرْ قيل المراد به نحر الإبل قالوا كان أناس يصلون و ينحرون لغير الله فأمر الله نبيه أن يصلي و ينحر لله عز و جل أي فصل لوجه ربك إذا صليت لا لغيره و انحر لوجهه و باسمه إذا نحرت مخالفا أعمالهم في العبادة و النحر لغيره كالأوثان. و قيل هي صلاة الفجر بجمع و النحر بمعنى و قيل صلاة العيد فيكون دليلا على وجوبها و قيل صل صلاة الفرض لربك و استقبل القبلة بنحرك من قولهم منازلنا تتناحر أي تتقابل. وَ رَوَى الشَّيْخُ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ قَالَ النَّحْرُ الِاعْتِدَالُ فِي الْقِيَامِ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ وَ نَحْرَهُ. و هذا معنى آخر قال في القاموس نحر الدار الدار كمنع استقبلتها و الرجل في الصلاة انتصب و نهد صدره أو انتصب بنحره إزاء القبلة انتهى. و قيل إن معناه ارفع يديك في الصلاة بالتكبير إلى محاذاة النحر أي نحر الصدر و هو أعلاه و هو الذي يقتضيه روايات عن أهل البيت عليهم السلام كما سيأتي و هو أقوى الوجوه من حيث الأخبار.
بحار الأنوار - ج ٨١ - الصفحة ٣٤٢. — الإمام الباقر عليه السلام
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٨٢ - الصفحة ١٨٤. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
كِتَابُ زَيْدٍ النَّرْسِيِّ، عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى عليه السلام قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ عليه السلام يَقُولُ
إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنْ آخِرِ سَجْدَتِكَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ فَاجْلِسْ جَلْسَةً ثُمَّ بَادِرْ بِرُكْبَتَيْكَ إِلَى الْأَرْضِ قَبْلَ يَدَيْكَ وَ ابْسُطْ يَدَيْكَ بَسْطاً وَ اتَّكِ عَلَيْهِمَا ثُمَّ قُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ وَقَارُ الْمُؤْمِنِ الْخَاشِعِ لِرَبِّهِ وَ لَا تَطِيشُ مِنْ سُجُودِكَ مُبَادِراً إِلَى الْقِيَامِ كَمَا يَطِيشُ هَؤُلَاءِ الْأَقْشَابُ فِي صَلَاتِهِمْ. بيان: قال في النهاية فيه اغفر للأقشاب هي جمع قشب يقال رجل قشب خشب بالكسر إذا كان لا خير فيه. اعلم أنه يستفاد من تلك الأخبار أحكام الأول الابتداء في الجلوس بوضع اليدين قبل الركبتين و قد مر أن استحبابه إجماعي عند الأصحاب. الثاني استحباب الابتداء برفع الركبتين قبل اليدين عند القيام و هو أيضا إجماعي عندهم. الثالث كراهة العجن باليدين عند القيام قال في الذكرى إذا قام و اعتمد على يديه بسطهما و لا يعجن بهما ذكره الجعفي و رواه الشيخ و الكليني عن الحلبي عن الصادق ع. الرابع لا خلاف بين الأصحاب في رجحان الجلوس بعد الرفع من السجدة الثانية في الركعة الأولى و الثالثة و يسمى بجلسة الاستراحة و المشهور استحبابه و أوجبه المرتضى ره و هو أحوط و إن كان الأول أقوى و قال ابن الجنيد إذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الأولى و الثالثة و جلس حتى يماس ألياه الأرض أو اليسرى وحدها يسيرا ثم يقوم جاز ذلك و قال علي بن بابويه لا بأس أن لا يقعد في النافلة كذا ذكر في الذكرى. الخامس استحباب الدعاء عند القيام قال في الذكرى في سياق مستحبات السجود و منها الدعاء في جلسة الاستراحة بقوله بحول الله و قوته أقوم و أقعد و أركع و أسجد قاله في المعتبر و الذي ذكره علي بن بابويه و ولده و الجعفي و ابن الجنيد و المفيد و سلار و أبو الصلاح و ابن حمزة و هو ظاهر الشيخ ره أن هذا القول يقوله عند الأخذ في القيام - وَ هُوَ الْأَصَحُّ لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام إِذَا قُمْتَ مِنَ السُّجُودِ قُلْتَ اللَّهُمَّ رَبِّي بِحَوْلِكَ وَ قُوَّتِكَ أَقُومُ وَ أَقْعُدُ وَ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ وَ أَرْكَعُ وَ أَسْجُدُ. - وَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْهُ عليه السلام إِذَا قَامَ الرَّجُلُ مِنَ السُّجُودِ قَالَ بِحَوْلِ اللَّهِ أَقُومُ وَ أَقْعُدُ. - وَ عَنْهُ عليه السلام إِذَا تَشَهَّدْتَ ثُمَّ قُمْتَ فَقُلْ بِحَوْلِ اللَّهِ أَقُومُ وَ أَقْعُدُ. وَ عَنْ رِفَاعَةَ عَنْهُ عليه السلام كَانَ عَلِيٌّ عليه السلام إِذَا نَهَضَ مِنَ الْأُولَيَيْنِ قَالَ بِحَوْلِكَ وَ قُوَّتِكَ أَقُومُ وَ أَقْعُدُ. انتهى و الظاهر التخيير بين تلك الأذكار و الأفضل الإتيان بها عند الأخذ في القيام. السادس كراهة الإقعاء و اختلف كلام الأصحاب و كلام أهل اللغة في حكمه و تفسيره أما حكمه فذهب الأكثر إلى كراهته و ادعى الشيخ في الخلاف الإجماع عليه و نقله المحقق في المعتبر عن معاوية بن عمار و محمد بن مسلم من القدماء و ذهب الشيخ في المبسوط و المرتضى إلى عدم كراهته و قال الصدوق لا بأس بالإقعاء بين السجدتين و لا بأس به بين الأولى و الثانية و بين الثالثة و الرابعة و لا يجوز الإقعاء في التشهدين و تبعه ابن إدريس إلا في التشهد و تركه أفضل و في التشهد آكد. ثم اعلم أن أكثر الروايات المشتملة على النهي عن الإقعاء مخصوصة بالجلوس بين السجدتين و كذا عبارات كثير من الأصحاب و صرح الشهيد ره بتعميم الحكم بالنسبة إلى جلسة الاستراحة أيضا و ظاهر كلامه كون ذلك مذهب الأكثر و نسب العلامة في النهاية كراهة الإقعاء إلى الأكثر حالة الجلوس مطلقا و صرح الشهيد الثاني قدس سره بعموم الحكم لجميع حالات الجلوس و لعله أقوى. و أما تفسيره فقد قال الجوهري أقعى الكلب إذا جلس على استه مفترشا رجليه و ناصبا يديه و قد جاء النهي عن الإقعاء في الصلاة و هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين و هذا تفسير الفقهاء و أما أهل اللغة فالإقعاء عندهم أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض و ينصب ساقيه و يتساند إلى ظهره. و قال الجزري في النهاية فيه أنه نهى عن الإقعاء في الصلاة الإقعاء أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض و ينصب ساقيه و فخذيه و يضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب و قيل هو أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين و القول الأول و - منه الحديث أنه عليه السلام أكل مقعيا. أراد أنه كان يجلس عند الأكل على وركيه مستوفزا غير متمكن. و قال الفيروزآبادي أقعى في جلوسه تساند إلى ما وراءه و الكلب جلس على استه. و قال المطرزي في المغرب الإقعاء أن يلصق أليتيه بالأرض و ينصب ساقيه و يضع يديه على الأرض كما يقعي الكلب و تفسير الفقهاء أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين و هو عقب الشيطان. و قال المحقق نور الله ضريحه في المعتبر يستحب الجلوس بين السجدتين متوركا و قال في المبسوط الأفضل أن يجلس متوركا و لو جلس مقعيا بين السجدتين و بعد الثانية جاز و قال الشافعي و أبو حنيفة و أحمد يجلس مفترشا لرواية أبي حميد الساعدي و كيفية التورك أن يجلس على وركه اليسرى و يخرج رجليه جميعا و يفضي بمقعدته إلى الأرض و يجعل رجله اليسرى على الأرض و ظاهر قدمه اليمنى على باطن قدمه اليسرى و كيفية الافتراش أن يجلس على رجله اليسرى و يخرج رجله اليمنى من تحته و ينصبها و يجعل بطون أصابعها على الأرض معتمدا عليها إلى القبلة. و قال علم الهدى يجلس مماسا بوركه الأيسر مع ظاهر فخذه اليسرى الأرض رافعا فخذه اليمنى على عرقوبه الأيسر و ينصب طرف إبهام رجله اليمنى على الأرض و يستقبل بركبتيه معا القبلة و ما ذكره الشيخ أولى ثم قال ره يكره الإقعاء بين السجدتين قاله في الجمل و به قال معاوية بن عمار منا و محمد بن مسلم و الشافعي و أبو حنيفة و أحمد و قال الشيخ بالجواز و إن كان التورك أفضل و به قال علم الهدى - لَنَا مَا رَوَوْهُ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. - وَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ السُّجُودِ فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ. - وَ مِنْ طَرِيقِ الْأَصْحَابِ مَا رَوَاهُ أَبُو بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. و الدليل على أن النهي ليس للتحريم ما رواه - عُبَيْدُ اللَّهِ الْحَلَبِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْإِقْعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ. و الإقعاء أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض و يجلس على عقبيه و قال بعض أهل اللغة هو أن يجلس على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب و المعتمد الأول لأنه تفسير الفقهاء و بحثهم على تقديره. و قال العلامة ره في المنتهى مثل هذا الكلام من أوله إلى آخره و قال الإقعاء عبارة عن أن يعتمد بصدور قدميه على الأرض و يجلس على عقبه و قال بعض أهل اللغة هو أن يجلس الرجل على أليتيه ناصبا فخذيه مثل إقعاء الكلب و الأول أولى لأنه تفسير الفقهاء و بحثهم فيه. و قال الشهيد رفع الله مقامه عند ذكر مستحبات السجود و منها التورك بين السجدتين بأن يجلس على وركه اليسرى و يخرج رجليه جميعا من تحته و يجعل رجله اليسرى على الأرض و ظاهر قدمه اليمنى على باطن اليسرى و يفضي بمقعدته إلى الأرض كما في خبر حماد و روى ابن مسعود التورك عن النبي ص. و لا يستحب عندنا الافتراش و هو أن يثني رجله اليسرى فيبسطها و يجلس عليها و ينصب رجله اليمنى و يخرجها من تحته و يجعل بطون أصابعه على الأرض معتمدا عليها ليكون أطرافها إلى القبلة و يظهر من - خبر زرارة عن الباقر عليه السلام كراهيته حيث قال و إياك و القعود على قدميك فتتأذى بذلك. و لا تكون قاعدا على الأرض إنما قعد بعضك على بعض و قال ابن الجنيد في الجلوس بين السجدتين يضع أليتيه على بطن قدميه و لا يقعد على مقدم رجليه و أصابعهما و لا يقعي إقعاء الكلب. ثم قال ره بعد ذكر جلسة الاستراحة و يكره الإقعاء فيها و في الجلوس بين السجدتين على الأشهر. ثم قال بعد نقل كلام المحقق و غيره و صورة الإقعاء أن يعتمد بصدر قدميه على الأرض و يجلس على عقبيه قاله في المعتبر و نقل عن بعض أهل اللغة أنه الجلوس على أليتيه ناصبا فخذيه إقعاء الكلب و المعتمد الأول و مثله قال الشهيد الثاني ره في شرح النفلية و شرح الإرشاد و غيرهما و السيد في المدارك و لا نطيل الكلام بذكر كلام غيرهم من أصحابنا فإنهم لم يذكروا إلا مثل ما نقلنا. - وَ قَالَ الْبَغَوِيُّ مِنْ عُلَمَاءِ الْعَامَّةِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بَعْدَ مَا رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ص يَا عَلِيُّ أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي وَ أَكْرَهُ لَكَ مَا أَكْرَهُ لِنَفْسِي لَا تَقْرَأْ وَ أَنْتَ رَاكِعٌ وَ لَا أَنْتَ سَاجِدٌ وَ لَا تُصَلِّ وَ أَنْتَ عَاقِصٌ شَعْرَكَ فَإِنَّهُ كِفْلُ الشَّيْطَانِ وَ لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.. على كراهية الإقعاء بين السجدتين أكثر أهل العلم و قد صح عن عائشة قالت كان رسول الله ص ينهى عن عقبة الشيطان و الإقعاء. قال أبو عبيد هو جلوس الإنسان على أليتيه ناصبا فخذيه واضعا يديه على الأرض من إقعاء الكلب و السبع و ليس هذا معنى الحديث من الإقعاء و تفسير أصحاب الحديث في عقبة الشيطان و في الإقعاء واحد و هو أن يضع أليتيه على عقبيه مستوفزا غير مطمئن إلى الأرض. و ذهب بعض أهل العلم إلى الإقعاء بين السجدتين قال طاوس قلت لابن عباس في الإقعاء على القدمين قال هي السنة قال طاوس رأيت العبادلة يفعلون ذلك عبد الله بن عمر و ابن عباس و ابن الزبير قال أبو سليمان الخطابي و قد روي عن ابن عمر أنه قال لبنيه لا تقتدوا بي في الإقعاء فإني إنما فعلت هذا حين كبرت و روي عن ابن عمر أنه كان يضع يديه بالأرض بين السجدتين فلا يفارقان الأرض حتى يعيد السجود و هكذا يفعل من أقعى و كان يفعل ذلك حين كبرت سنه قال الخطابي و يشبه أن يكون حديث الإقعاء منسوخا و الأحاديث الثابتة في صفة صلاة رسول الله ص عن أبي حميد و وائل بن حجر أنه قعد بين السجدتين مفترشا قدمه اليسرى و قد رويت الكراهة في الإقعاء عن جماعة من الصحابة و كرهه النخعي و مالك و الشافعي و أحمد و إسحاق و أصحاب الرأي و عامة أهل العلم انتهى. و قال الرافعي في شرح الوجيز في الجلوس بين السجدتين و المشهور أنه يجلس مفترشا و كذلك رواه أبو حميد الساعدي و في قول يضجع قدميه و يجلس على صدورهما و عن مالك أن المصلي يتورك في جميع جلسات الصلاة و قال في وصف التشهد و يجزي القعود على أي هيئة اتفق لكن السنة في القعود حال الصلاة الافتراش و في القعود في آخرها التورك كذلك روي عن أبي حميد في صلاة رسول الله ص و قال أبو حنيفة السنة فيهما الافتراش و قال مالك السنة فيهما التورك و قال أحمد إن كانت الصلاة ذات تشهدين تورك في الأخير و إن كانت ذات تشهد واحد افترش فيه. و الافتراش أن يضجع رجله اليسرى بحيث يلي ظهرها الأرض و يجلس عليها و ينصب اليمنى و يضع أطراف أصابعها على الأرض موجهة إلى القبلة و التورك أن يخرج رجليه و هما على هيئتهما في الافتراش من جهة يمينه و يمكن وركه من الأرض و خص الافتراش بالتشهد الأول لأن المصلي مستوفز للحركة يبادر إلى القيام عند تمامه و هو من الافتراش أهون و التورك هيئة السكون و الاستقرار فخص بآخر الصلاة انتهى. و قال - بعض شراح صحيح مسلم في خبر رواه عن عائشة أن النبي ص كان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي جالسا و كان يفرش رجله اليسرى و ينصب رجله اليمنى و كان ينهى عن عقبة الشيطان. قال قولها و كان يفرش رجله اليسرى معناه يجلس مفترشا و فيه حجة لأبي حنيفة و من وافقه أن الجلوس في الصلاة يكون مفترشا سواء فيه جميع الجلسات و عند مالك متوركا بأن يخرج رجله اليسرى من تحته و يفضي بوركه إلى الأرض و قال الشافعي السنة أن يجلس كل الجلسات مفترشا إلا الجلسة التي يعقبها السلام و الجلسات عند الشافعي أربع الجلوس بين السجدتين و جلسة الاستراحة عقب كل ركعة يعقبها قيام و الجلسة للتشهد الأول و الجلسة للتشهد الأخير فالجميع يسن مفترشا إلا الأخيرة. قولها عقبة الشيطان بضم العين و في رواية أخرى عقب الشيطان بفتح العين و كسر القاف و فسره أبو عبيد و غيره بالإقعاء المنهي عنه و هو أن يلصق ألييه بالأرض و ينصب ساقيه و يضع يديه على الأرض كما يفترش الكلب و غيره من السباع و هو مكروه باتفاق العلماء بهذا التفسير و أما الإقعاء الذي ذكره مسلم بعد هذا في حديث ابن عباس أنه سنة فهو غير هذا كما سنفسره. ثم قال في باب الإقعاء بعد نقل حديث ابن عباس أنه سنة اعلم أن الإقعاء ورد فيه حديثان ففي هذا الحديث أنه سنة و في حديث آخر النهي عنه رواه الترمذي و غيره من رواية علي عليه السلام و ابن ماجة من رواية أنس و أحمد بن حنبل من رواية سمرة و أبي هريرة و البيهقي من رواية سمرة و أنس و أسانيدها كلها ضعيفة. و قد اختلف العلماء في حكم الإقعاء و في تفسيره اختلافا كثيرا لهذه الأحاديث و الصواب الذي لا معدل عنه أن الإقعاء نوعان أحدهما أن يلصق ألييه بالأرض و ينصب ساقيه و يضع يديه على الأرض كإقعاء الكلب هكذا فسره أبو عبيدة معمر بن المثنى و صاحبه أبو عبيد القاسم بن سلام و آخرون من أهل اللغة و هذا النوع هو المكروه الذي ورد فيه النهي و النوع الثاني أن يجعل ألييه على عقبيه بين السجدتين و هذا هو مراد ابن عباس أنه سنة و قد نص الشافعي على استحبابه في الجلوس بين السجدتين و حمل حديث ابن عباس عليه جماعات من المحققين منهم البيهقي و القاضي عياض و آخرون. قال القاضي و قد روي عن جماعة من الصحابة و السلف أنهم كانوا يفعلونه قال و كذا جاء مفسرا عن ابن عباس من السنة أن تمس عقبيك ألييك فهذا هو الصواب في تفسير حديث ابن عباس و قد ذكرنا أن الشافعي نص على استحبابه في الجلوس بين السجدتين و له نص آخر و هو الأشهر أن السنة فيه الافتراش و حاصله أنهما سنتان و أيهما أفضل فيه قولان انتهى أقول بعد ما أحطت خبرا بما ذكرنا لا يخفى عليك أن الإقعاء يطلق على معان الأول الجلوس على الأليين و نصب الساقين و هو الأشهر بين اللغويين الثاني الجلوس على العقبين مطلقا كما هو الظاهر من كلام أكثر العامة الثالث ما اتفق عليه كلام أصحابنا من وضع صدور القدمين على الأرض و وضع الأليين على القدمين و لعل مراد أكثر العامة أيضا هذا المعنى لأن الجلوس على العقبين حقيقة لا يتحقق إلا بهذا الوجه فإنه إذا جعل ظهر قدمه على الأرض يقع الجلوس على بطن القدمين لا على العقبين. و يؤيده قول الجزري عند تفسير إقعائه ص عند الأكل أنه كان يجلس عند الأكل على وركيه مستوفزا غير متمكن فإن المستعجل هكذا يجلس و أما الجالس على بطون القدمين فهو متمكن مستقر و قال الجوهري استوفز في قعدته إذا قعد قعودا منتصبا غير مطمئن و مثله ما ذكره البغوي في تفسير الإقعاء. و أيضا اعتذار ابن عمر بالضعف و الكبر يدل على ذلك فإن الضعف يقتضي عدم تغيير القدمين عما كانتا عليه في حالة السجود و لا يتمكن من الجلوس ثم يعود إلى السجود و لذا قال الخطابي معناه أنه كان يضع يديه بالأرض بين السجدتين فلا تفارقان الأرض حتى يعيد السجود و هكذا يفعل من أقعى و ما هو المشاهد من العوام من الفريقين حين يجلسون هكذا بين السجدتين لسهولته عليهم شاهد بذلك. و أما التشبيه بإقعاء الكلب فلا يلزم أن يكون كاملا من كل جهة بل يكفي أنه يشبهه في الانحناء عند الجلوس و الاعتماد على الرجلين و اليدين لا سيما إذا لم يرفع يديه من الأرض و أما الجلوس على القدمين بدون ذلك فهو أبعد من مشابهة إقعاء الكلب كما لا يخفى. فإذا تمهد هذا فاعلم أن المعنى الأول خلاف ما هو المستحب من التورك و أما إثبات كراهته فهو مشكل لأنه لا يدل على كراهته ظاهرا إلا أخبار الإقعاء و هي ظاهرة في معنى آخر مشتهر بين الأصحاب - وَ يُؤَيِّدُهُ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام وَ لَا تُقْعِ عَلَى قَدَمَيْكَ. إذ الظاهر من الإقعاء على القدمين أن يكون الجلوس عليهما و إن لم تكن ظاهرة في معنى آخر فمجرد الاحتمال لا يكفي للاستدلال. فإن قلت الاشتهار بين اللغويين يؤيده قلنا الشهرة بين علماء الفريقين في خلافه يعارضه و الأولى ترك هذا الجلوس لاشتهار هذا المعنى بين اللغويين و احتمله بعض علمائنا كما عرفت مع أنه خلاف ما هو السنة في هذا الجلوس و الفرق بين ترك السنة و ارتكاب المكروه ضعيف بل قيل باستلزامه له. و أما المعنى الثالث فقد عرفت أن المشهور بين علمائنا بل علماء المخالفين أيضا كراهته و كفى بذلك مرجحا و قد ورد في اللغة بهذا المعنى و قد عرفت ما يؤيده و تجويز ابن عمر و أضرابه ذلك و عملهم به يؤيد أن النهي إنما ورد في ذلك للرد عليهم و أما ما ورد في صحيحة الحلبي من عدم البأس فلا ينافي الكراهة بل قيل إنه يؤيدها. و أما الجلوس على القدمين من غير أن يكون صدر القدمين على الأرض الذي نسميها المعنى الثاني فهو خلاف المستحب أيضا و لم أر من أصحابنا من قال بكراهته بل يظهر من كلام ابن الجنيد أنه قال باستحبابه كما مر و قد اتفقت كلمة أصحابنا في تفسير الإقعاء المكروه بما عرفت فإثبات كراهته مما يوهمه إطلاق كلام بعض اللغويين و المخالفين مشكل. فإن قيل ما مر من - قول أبي جعفر عليه السلام في صحيحة زرارة و لا تقع على قدميك. و - قوله عليه السلام في صحيحته الأخرى إياك و القعود على قدميك فتتأذى بذلك و لا تكون قاعدا على الأرض فيكون إنما قعد بعضك على بعض فلا تصبر للتشهد و الدعاء. يدلان على شمول النهي لهذا الفرد أيضا. قلنا أما الخبر الأول فقد ورد النهي فيه عن الإقعاء على القدمين لا مطلق القعود عليهما فيتوقف الاستدلال به على أن الإقعاء موضوع لخصوص هذا الفرد أو لما يشمله و قد عرفت ما فيه نعم بظاهره ينفي المعنى الأول من الإقعاء كما أومأنا إليه و أما الخبر الثاني فهو وارد في الجلوس للتشهد لا بين السجدتين و لو ارتكبنا التكلف في ذلك بأن العلة التي ذكرها في التشهد تحصل في غيره فيتعدى الحكم إليه كما قيل فمع أنه يمكن المناقشة فيه بمنع جريان العلة إذ الدعاء و الذكر في التشهد أكثر منهما بين السجدتين لا نسلم أنه يدل على هذا المعنى إذ يحتمل أن يكون المراد به النهي عن أن يجعل باطن قدميه على الأرض غير موصل أليتيه إليها رافعا فخذيه و ركبتيه إلى قريب ذقنه كما يتجافى المسبوق. بل الخبر الأول أيضا يحتمل ذلك فيظهر معنى آخر للإقعاء و الفرق بينه و بين المعنى الأول من المعاني الثلاثة بإلصاق الأليتين بالأرض و عدمه و ربما احتمل كلام ابن الجنيد أيضا ذلك حيث قال و لا يقعد على مقدم رجليه و أصابعهما هذا المعنى أيضا و التعليل الوارد في الخبر أيضا شديد الانطباق على هذا الوجه و لو سلم عدم إرادة هذا المعنى فالتعليل الوارد في الخبر بالإقعاء بالمعنى المشهور بين الأصحاب ألصق. و بالجملة الأظهر حمل الإقعاء المنهي عنه على ما هو المشهور بين الأصحاب و لكن الأحوط و الأولى ترك الجلوس على الوجوه الأربعة التي ذكرنا أنها من محتملات الأخبار بل يحتمل أن يكون المراد النهي عن جميعها إن جوزنا استعمال اللفظ في المعنيين الحقيقيين أو المعنى الحقيقي و المجازي معا و الله تعالى يعلم و حججه (صلوات الله عليهم) حقائق أحكامه تعالى. الآيات البقرة وَ قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ آل عمران يا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ تفسير القنوت يطلق في اللغة على خمسة معان الدعاء و الطاعة و السكون و القيام في الصلاة و الإمساك عن الكلام ذكره في القاموس و ذكر ابن الأثير معاني أخرى كالخشوع و الصلاة و العبادة و القيام و طول القيام و قال الجوهري القنوت الطاعة هذا هو الأصل و منه قوله تعالى الْقانِتِينَ وَ الْقانِتاتِ ثم سمى القيام في الصلاة قنوتا و قريب منه كلام ابن فارس و هو في اصطلاح الفقهاء الدعاء في أثناء الصلاة في محل معين سواء كان معه رفع اليدين أم لا و ربما يطلق على الدعاء مع رفع اليد. ثم إن المشهور بين الأصحاب استحبابه و قال الصدوق في الفقيه سنة واجبة من تركه عمدا أعاد و نقل عن ظاهر ابن أبي عقيل القول بوجوبه في الصلوات الجهرية و الأول لعله أقوى. و استدل بالآية الأولى على مذهب الصدوق و يرد عليه أن القنوت جاء في اللغة لمعان فيجوز أن يكون المراد به في الآية الطاعة أو غيرها من المعاني المتقدمة فلا يختص بالدعاء و لو سلم أن المراد به الدعاء فيمكن أن يراد به الدعاء الذي يتحقق في ضمن القراءة لأن الفاتحة مشتملة على الدعاء فلا دلالة في الآية على الدعاء المخصوص على أن الاختصاص بالصلاة الوسطى قائم كما مر في الخبر أيضا فيحتاج إلى التمسك بعدم القائل بالفصل و في إثباته عسر. و المفسرون أيضا اختلفوا في تفسيره قال في مجمع البيان قال ابن عباس معناه داعين و القنوت هو الدعاء في الصلاة حال القيام و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله عليه السلام و قيل طائعين و قيل خاشعين و قيل ساكنين و قال في الكشاف قُومُوا لِلَّهِ قانِتِينَ ذاكرين الله في قيامكم و القنوت أن تذكر الله قائما و عن عكرمة كانوا يتكلمون في الصلاة فنهوا و قال مجاهد هو الركود و كف الأيدي و البصر و روي أنه إذا قام أحدهم إلى الصلاة هاب الرحمن أن يمد بصره أو يلتفت أو يقلب الحصى أو يحدث نفسه بشيء من أمور الدنيا. و كذا الكلام في الآية الثانية و تزيد على الأولى بأنها متعلقة بالأمم السالفة قال الطبرسي ره اقْنُتِي لِرَبِّكِ أي اعبديه و أخلصي له العبادة عن ابن جبير و قيل معناه أديمي الطاعة له و قيل أطيلي القيام في الصلاة.
بحار الأنوار - ج ٨٢ - الصفحة ١٨٤. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
الْهِدَايَةُ، قَالَ الصَّادِقُ
عليه السلام تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَ تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ. بيان: استدل به المحقق في المعتبر على وجوب التسليم ثم قال لا يقال كون التحليل بالتسليم لا يستلزم انحصار التحليل فيه بل يمكن أن يكون به و بغيره لأنا نقول الظاهر إرادة حصر التحليل فيه لأنه مصدر مضاف إلى الصلاة فيتناول كل تحليل يضاف إليها و لأن التسليم وقع خبرا عن التحليل فيكون مساويا أو أعم من المبتدإ فلو وقع التحليل بغيره لكان المبتدأ أعم من الخبر و لأن الخبر إذا كان مفردا كان هو المبتدأ و المعنى أن الذي صدق عليه أنه تحليل للصلاة صدق عليه التسليم انتهى. و أورد عليه بأنا لا نسلم تعين مساواة الخبر للمبتدإ فيما نحن فيه و لا كون إضافة المصدر للعموم إذ كما إنها تكون للاستغراق تكون لغيره كالجنس و العهد على أن التحليل قد يحصل بغير التسليم كالمنافيات و إن لم يكن الإتيان بها جائزا و حينئذ لا بد من تأويل التحليل بالتحليل الذي قدره الشارع و حينئذ كما أمكن إرادة التحليل الذي قدره الشارع على سبيل الوجوب أمكن إرادة التحليل الذي قدره الشارع على الاستحباب و ليس للأول على الأخير ترجيح واضح. أقول لا ريب في ظهور تلك العبارة في الحصر كقرينتها لتعريف الخبر و غيره لكن مع المعارض تقبل التأويل. قال في الذكرى يستحب أن يقصد الإمام التسليم على الأنبياء و الأئمة و الحفظة و المأمومين لذكر أولئك و حضور هؤلاء و الصيغة صيغة خطاب و المأموم يقصد بأولى التسليمتين الرد على الإمام فيحتمل أن يكون على سبيل الوجوب لعموم قوله وَ إِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها و يحتمل أن يكون على سبيل الاستحباب لأنه لا يقصد به التحية و إنما الغرض بها الإيذان بالانصراف من الصلاة كما مر في خبر أبي بصير وَ جَاءَ فِي خَبَرَ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنِ التَّسْلِيمِ مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ إِذْنٌ. و الوجهان ينسحبان في رد المأموم على مأموم آخر و روى أمامة عن سمرة قال أمرنا رسول الله ص أن نسلم على أنفسنا و أن يسلم بعضنا على بعض. و على القول بوجوب الرد يكفي في القيام به واحد فيستحب الباقي. و إذا اقترن تسليم المأموم و الإمام أجزأ و لا يجب ردها و كذلك إذا اقترن تسليم المأمومين لتكافئهم في التحية و يقصد المأموم بالثانية الأنبياء و الحفظة و المأمومين و أما المنفرد فيقصد بتسليمه ذلك و لو أضاف تسليمتين. أقول كأنه يرى أن التسليمتين ليستا للرد بل هما عبادة محضة متعلقة بالصلاة و لما كان الرد واجبا في غير الصلاة لم يكف عنه تسليم الصلاة و إنما قدم الرد لأنه واجب مضيق إذ هو حق الآدمي و الأصحاب يقولون إن التسليمة تؤدي وظيفتي الرد و التعبد به في الصلاة كما سبق مثله في اجتزاء العاطس في حال رفع رأسه من الركوع بالتحميد عن العطسة و عن وظيفة الصلاة و هذا يتم حسنا على القول باستحباب التسليم و أما على القول بوجوبه فظاهر الأصحاب أن الأولى من المأموم للرد على الإمام و الثانية للإخراج من الصلاة و لهذا احتاج إلى تسليمتين. و يمكن أن يقال ليس استحباب التسليمتين في حقه لكون الأولى ردا و الثانية مخرجة لأنه إذا لم يكن على يساره أحد اكتفى بالواحدة عن يمينه و كانت محصلة للرد و الخروج من الصلاة و إنما شرعية الثانية ليعم السلام من على الجانبين لأنه بصيغة الخطاب فإذا وجهه إلى أحد الجانبين اختص به و بقي الجانب الآخر بغير تسليم و لما كان الإمام غالبا ليس على جانبيه أحد اختص بالواحدة و كذا المنفرد و لذا حكم ابن الجنيد كما تقدم أن يسلم الإمام إذا كان في صف عن جانبيه انتهى. و أقول الظاهر أن الصدوق بنى حكمه بالثلاث على الخبر المتقدم لا على تلك الوجوه نعم تصلح حكمة للحكم كما يومئ إليه الخبر.
بحار الأنوار - ج ٨٢ - الصفحة ٣١٠. — الإمام الصادق عليه السلام
قَالَ: رَجُلَانِ صَفٌّ فَإِذَا كَانُوا ثَلَاثَةً تَقَدَّمَ الْإِمَامُ. وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ: الصَّبِيُّ عَنْ يَمِينِ الرَّجُلِ فِي الصَّلَاةِ إِذَا ضَبَطَ الصَّفَّ جَمَاعَةٌ وَ الْمَرِيضُ الْقَاعِدُ عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّي هُمَا جَمَاعَةٌ وَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يَؤُمَّ الْمَمْلُوكُ إِذَا كَانَ قَارِئاً وَ كُرِهَ أَنْ يَؤُمَّ الْأَعْرَابِيُّ لِجَفَائِهِ عَنِ الْوُضُوءِ وَ الصَّلَاةِ. بيان: يستفاد من هذه الأخبار أحكام. الأول تحقق الجماعة بمأموم واحد و لا خلاف فيه بين الأصحاب. الثاني تحققه بالمريض و هو أيضا كذلك. الثالث تحققه بالمرأة و هو أيضا كذلك. الرابع تحققه بالصبي إذا كان مميزا فإنه الظاهر من ضبط الصف أي يستقر مكانه و لا يلعب و يأتي بالصلاة و ما يجب في الاقتداء و مثل هذا لا يكون إلا مميزا و ظاهر الأكثر أنه كذلك و ذكره في المنتهى بغير تعرض لخلاف إلا لبعض العامة و قال في الذكرى تنعقد الجماعة بالصبي المميز لأن ابن عباس ائتم بالنبي ص و كان إذ ذاك غير بالغ و أما إمامته فسيأتي القول فيه. الخامس أن المأموم إذا كان رجلا واحدا يقف عن يمين الإمام و المشهور أنه على الاستحباب حتى قال في المنتهى هذا الموقف سنة فلو خالف بأن وقف الواحد على يسار الإمام أو خلفه لم تبطل صلاته عند علمائنا أجمع و حكي في المختلف عن ابن الجنيد القول بالبطلان مع المخالفة و الأحوط عدم المخالفة. السادس لو كان المأموم امرأة وجب التأخير إن قلنا بتحريم المحاذاة و إلا استحب و كذا تأخرها عن الرجال المأمومين و الصبيان كما ذكره الأصحاب و الاحتياط في التأخر في هذا المقام ألزم من غيره لورود الروايات الكثيرة مع عدم المعارض و يستحب للمرأة الواحدة مع التأخر أن تقف عن يمين الإمام لصحيحة هشام بن سالم و إن كان مع الرجل الواحد امرأة أو أكثر وقف الرجل عن يمين الإمام و النساء خلفه لرواية القاسم بن الوليد و الحكمان مذكوران في المنتهى و غيره. السابع أن المأموم إذا كان رجلين أو أكثر يقفون خلفه و الكلام في الاستحباب و الوجوب كما مر. الثامن ظاهر الأخبار أن من يقف عن يمين الإمام يقف محاذيا له من غير تأخر كما هو ظاهر الأكثر و أوجب ابن إدريس في ظاهر كلامه التقدم بقليل و تدفعه ظواهر الأخبار و لو وجب التأخر لذكر و إلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة و لأنه لو كان شرطا لما أمكن اختلاف اثنين في الإمامة إلا بأن يتوهم كل منها التقدم و هو بعيد و قد ورد به الخبر. ثم إن التقدم و التساوي بأي شيء يعتبران فمنهم من أحالوهما على العرف و ذكر جماعة من الأصحاب أن المعتبر التساوي بالأعقاب فلو تساوى العقبان لم يضر تقدم أصابع رجل المأموم أو رأسه و صدره و لو تقدم عقبه على عقب الإمام لم ينفعه تأخر أصابعه و رأسه. و استقرب العلامة في النهاية اعتبار التقدم بالأصابع و العقب معا و صرح بأنه لا يقدح في التساوي تقدم رأس المأموم في حالتي الركوع و السجود و مقاديم الركبتين و الأعجاز في حال التشهد و ليست هذه التفاصيل في شيء من النصوص و العرف مضطرب و الأحوط رعاية الجميع كما اختاره الشهيد الثاني ره. ثم الظاهر على القول بالمحاذاة الحقيقية تحقق كونه خلفه بقليل من التأخر و الأحوط التأخر بعرض بدنه أو بما يقال عرفا أنه خلفه أما التأخر بجميع بدنه في أحوال الركوع و السجود و التشهد فالظاهر أنه غير لازم و لعله أولى. التاسع جواز إمامة المملوك إذا صحت قراءته كما هو المشهور و منع منه بعضهم قال في الذكرى اختلف في إمامة العبد فقال في المبسوط و النهاية لا يجوز أن يؤم الأحرار و يجوز أن يؤم مواليه إذا كان أقرأهم و قال ابن بابويه في المقنع و لا يؤم العبد إلا أهله لرواية السكوني و أطلق ابن حمزة أن العبد لا يؤم الحر و جوز إمامته مطلقا ابن الجنيد و ابن إدريس و أطلق الشيخ في الخلاف جواز إمامته. قال و في بعض رواياتنا أن العبد لا يؤم إلا مولاه و قال أبو الصلاح يكره و البحث عن الجواز و إن كان الحر مقدما عليه عند التعارض انتهى و الجواز أقوى. العاشر تدل على كراهة إمامة الأعرابي لجفائه أي بعده عن معرفة أحكام الوضوء و الصلاة و التعليل يقتضي أن كل من كان كذلك تكره إمامته و الأعرابي نسبة إلى الأعراب و هم سكان البادية سواء كانوا من العرب أو العجم و المهاجر من هجر إلى النبي ص و الإمام عليه السلام و قيل المهاجر في زماننا سكان الأمصار المتمكنين من تحصيل معرفة الأحكام. ثم ظاهر الرواية كراهة إمامة الأعرابي مطلقا و قيد أكثر الأصحاب الحكم بإمامته بالمهاجرين لحسنة إبراهيم بن هاشم. ثم اختلفوا فيه فذهب الشيخ و جماعة من الأصحاب إلى التحريم و ذهب آخرون إلى الكراهة و فصل المحقق في المعتبر فقال و الذي نختاره أنه إن كان ممن لا يعرف محاسن الإسلام و لا وصفها فالأمر كما ذكروه و إن كان وصل إليه ما يكفيه اعتماده و يدين به و لم يكن ممن يلزمه المهاجرة وجوبا جاز أن يؤم إلى آخر ما قال قدس سره. و ما اختاره لا يخلو من قوة و إن كان الأحوط عدم الاقتداء به مطلقا لورود الأخبار الصحيحة بالمنع مطلقا لكن تحقق الهجرة في زماننا غير معلوم إذ لا خلاف في وجوب الهجرة قبل الفتح و أما بعده فقيل نسخت - لِقَوْلِهِ ص لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ. و قيل كانت باقية بعده و في أعصار الأئمة عليهم السلام و أما في زمن الغيبة فيشكل الحكم بوجوبها و تحقق مفهومها و دخولها تحت الألفاظ الواردة في الأخبار. نعم تعلم الأحكام الضرورية واجب بحسب الإمكان على أهل البوادي و الأمصار فلو أخلوا بذلك كانوا فساقا من هذه الجهة بل كانت صلاتهم باطلة مع جهلهم بأحكامها فمن تلك الجهة لا يجوز الاقتداء بهم و في الخبر إيماء إليه. الحادي عشر يدل على جواز اقتداء القاعد بالقائم و لا خلاف فيه. ثم اعلم أن في التهذيب هكذا و المريض القاعد عن يمين الصبي فيحتمل وجهين أحدهما أن يكون المراد قعوده خلف الإمام البالغ عن يمين الصبي فالغرض بيان جواز ايتمام القاعد بالقائم و ثانيهما أن يكون المراد كون الصبي إماما و المريض مؤتما فيكون الغرض بيان أدون أفراد الجماعة و أخفاها من جهة الإمام و المأموم معا فيدل على جواز إمامة الصبي كما قيل.
بحار الأنوار - ج ٨٥ - الصفحة ٤٣. — الإمام الصادق عليه السلام
ص يَتَقَدَّمُ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَكْبَرُهُمْ سِنّاً فَإِنْ كَانُوا فِي السِّنِّ سَوَاءً فَلْيَؤُمَّهُمْ أَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ وَ أَفْقَهُهُمْ فِي الدِّينِ وَ لَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُهُمُ الرَّجُلَ فِي مَنْزِلِهِ وَ لَا صَاحِبَ سُلْطَانٍ فِي سُلْطَانِهِ. وَ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ فَإِنْ كَانُوا فِي السِّنِّ سَوَاءً فَأَصْبَحُهُمْ وَجْهاً. بيان: الخبر الأول حسن لا يقصر عن الصحيح و الأخير مرسل و هما يشتملان على أحكام و تفصيل القول فيها أنه لا ريب أن مع حضور الإمام الأعظم ع هو أولى من غيره و مع عدم حضوره فالمشهور أن صاحب المنزل و الإمام الراتب في المسجد و صاحب الإمارة في البلد من قبل الإمام أولى من غيرهم و قال في المنتهى لا نعرف فيه مخالفا. و هذا الخبر يدل على تقديم صاحب المنزل و الإمارة و أما صاحب المسجد فعلل بأن المسجد يجري مجرى منزله و بأن تقديم غير صاحب المسجد عليه يوجب وحشة و تنافرا و فيهما ما ترى نعم يومئ بعض الأخبار إلى رعاية حقه كتقديمه على المتطهر إذا كان متيمما و نحوه و سيأتي في فقه الرضا عليه السلام و في الدعائم ما يدل عليه. و المشهور أنه لو أذن المستحق من هؤلاء لغيره في التقديم جاز و كان أولى و قال في المنتهى و لا نعرف فيه خلافا و تعليلهم لا يخلو من ضعف. و لو اجتمع صاحب المسجد أو المنزل مع صاحب الإمارة فقد قطع الشهيد الثاني بكونه أولى منهما و فيه كلام و قالوا لا فرق في صاحب المنزل بين مالك العين و المنفعة و المستعير و قال الشهيد الثاني ره لو اجتمع مالك العين و المنفعة فمالك المنفعة أولى و في المستعير مالك العين أولى و في الفرق تأمل. ثم إذا لم يكن بينهم أحد من هؤلاء و تشاح الأئمة فلا يخلو إما أن يتفق المأمومون على إمامة بعض الأئمة و إما أن يكرهوا جميعا إمامة بعضهم و إما أن يختلفوا فإن اتفقوا على إمامة أحد فهو أولى لما فيه من اجتماع القلوب كذا ذكره الأصحاب و فيه تأمل و إن كرهوا جميعا إمامة واحد لم يؤم بهم لما مر. و إن اختلف المأمومون فقد اعتبر أكثر الأصحاب الترجيح بالقراءة و غيرها و قال في التذكرة يقدم اختيار الأكثر فإن تساووا طلب الترجيح و الرواية تميل إلى الأول و ذكر غير واحد من الأصحاب أن ليس للمأمومين أن يقتسموا الأئمة فيصلي كل قوم خلف من يختارونه لما فيه من الاختلاف المثير للاحن. ثم إن أكثر الأصحاب على أن الأقرأ أولى من الأفقه و ذهب بعضهم إلى العكس و بعضهم إلى التخيير و يدل هذه الرواية على الأول - وَ قَدْ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْعَامَّةِ أَيْضاً عَنِ النَّبِيِّ ص يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ فَإِنْ كَانُوا فِي الْقِرَاءَةِ سَوَاءً فَأَعْلَمُهُمْ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانُوا فِي السُّنَّةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ هِجْرَةً فَإِنْ كَانُوا فِي الْهِجْرَةِ سَوَاءً فَأَقْدَمُهُمْ سِنّاً.. و قد يجاب بأن المراد بالأقرإ الأفقه لأنه كان المتعارف في زمانه ص أنهم إذا تعلموا القرآن تعلموا أحكامه قال ابن مسعود كنا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها و نهيها و إطلاق القاري على العالم بأحكام الشريعة غير عزيز في الصدر الأول. و اعترض عليه بأن ذكر الأعلم بالسنة بعد ذلك يأبى عنه إلا أن يقال المراد بالأقرإ الأعرف بمعاني القرآن و أحكامه - وَ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عليه السلام لَا خَيْرَ فِي قِرَاءَةٍ لَيْسَ فِيهَا تَدَبُّرٌ. و الأفقهية المذكورة بعدها هو العلم بالسنن و غيرها و ربما يرجح تقديم الأعلم بالأخبار الدالة على فضل العلم و العلماء و بما سيأتي من ذم تقديم غير الأعلم و بما اشتهر قديما و حديثا بين الشيعة من قبح تفضيل المفضول و تقديمه. ثم إنه فسر جماعة من الأصحاب الأقرأ بالأجود قراءة و إتقانا للحروف و أحسن إخراجا لها من مخارجها و ضم بعضهم إليها الأعرف بالأصول و القواعد المقررة بين القراء و قيل أكثر قرآنا و نسبه في البيان إلى الرواية فيحتمل أكثر قراءة و أكثر حفظا للقرآن و لا يبعد شموله للجميع. ثم المشهور أن بعد الأقرإ الأفقه كما سيأتي في فقه الرضا عليه السلام و ذهب بعضهم إلى تقديم الأقدم هجرة فالأسن فالأفقه كما في الرواية و بعضهم إلى تقديم الأقدم هجرة فالأفقه و ذكر غير واحد أن المراد الأفقه بأحكام الصلاة فإن تساويا فيه و زاد أحدهما بفقه غير الصلاة قيل بترجيحه و قيل بنفيه و ظاهر الرواية الأول. ثم المشهور أن بعد الأفقه الأقدم هجرة و إليه ذهب الشيخ في النهاية و قدم الشيخ في المبسوط بعد الأفقه الأشرف ثم الأقدم هجرة ثم الأسن و قدم المرتضى الأسن بعد الأفقه و لم يذكر الهجرة و المراد بالهجرة السبق من دار الحرب إلى دار الإسلام و قال في التذكرة المراد سبق الإسلام أو من كان أسبق هجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام أو يكون من أولاد من تقدمت هجرته و نقل في الذكرى عن يحيى بن سعيد أن المراد التقدم في العلم قبل الآخر و في الذكرى ربما جعلت الهجرة في زماننا سكنى الأمصار و الظاهر من الرواية المعنى الأول و إن كان في تحققه في زماننا إشكال كما عرفت. و المراد بالأسن الأكثر بحسب السن و في الذكرى و غيره أن المراد علو السن في الإسلام و كذا ذكره الشيخ في المبسوط و هو اعتبار حسن لكنه خلاف المتبادر من النص. و أما الأصبح وجها فذكره ابنا بابويه و الشيخان و جماعة و قال المرتضى و ابن إدريس و قد روي إذا تساووا فأصبحهم وجها و قال في المعتبر لا أرى بهذا أثرا في الأولوية و لا وجها في شرف الرجال. و علل في المختلف بأن في حسن الوجه دلالة على عناية الله به و ذكر في التذكرة عن العامة تفسيرين أحدهما أنه الأحسن صورة و الثاني أنه الأحسن ذكرا بين الناس. - قَالَ فِي الذِّكْرَى يُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ عَلَى الْأَخِيرِ بِقَوْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فِي عَهْدِ الْأَشْتَرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ إِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ.. ثم اعلم أن المحقق ره في الشرائع جعل الهاشمي في مرتبة صاحب المنزل و قراءته و قال في الذكرى قال في المبسوط إذا حضر رجل من بني هاشم فهو أولى بالتقدم إذا كان ممن يحسن القراءة و الظاهر أنه أراد به على غير الأمير و صاحب المنزل و المسجد مع أنه جعل الأشرف بعد الأفقه الذي هو بعد الأقرإ و الظاهر أنه الأشرف نسبا. و تبعه ابن البراج في تقديم الهاشمي و قال بعده و لا يتقدم أحد على أميره و لا على من هو في مسجده أو منزله و جعل أبو الصلاح بعد الأفقه القرشي و ابن زهرة جعل الهاشمي بعد الأفقه و ابن حمزة جعل الأشرف بعد الأفقه و في النهاية لم يذكر الأشرف و كذا المرتضى و ابن الجنيد و علي بن بابويه و ابنه و سلار و ابن إدريس و الشيخ نجيب الدين يحيى بن سعيد و ابن عمه في المعتبر و ذكر ذلك في الشرائع و أطلق و كذا الفاضل في المختلف و قال إنه المشهور يعني تقديم الهاشمي. و نحن لم نره مذكورا في الأخبار إلا - مَا رُوِيَ مُرْسَلًا أَوْ مُسْنَداً بِطْرِيقٍ غَيْرِ مَعْلُومٍ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ص قَدِّمُوا قُرَيْشاً وَ لَا تَقَدَّمُوهُمْ. و هو على تقدير تسليمه غير صريح في المدعى نعم هو مشهور في التقديم في الجنازة من غير رواية تدل عليه نعم فيه إكرام لرسول الله ص إذ تقديمه لأجله نوع إكرام و إكرام رسول الله ص و تبجيله مما لا خفاء بأولويته انتهى. و قال في التذكرة فإن استووا في ذلك كله قدم أشرفهم أي أعلاهم نسبا و أفضلهم في نفسه و أعلاهم قدرا فإن استووا في هذه الخصال قدم أتقاهم و أورعهم لأنه أشرف في الدين و أفضل و أقرب إلى الإجابة.. ثم قال و الأقوى عندي تقديم هذا على الأشرف لأن شرف الدين خير من شرف الدنيا فإن استووا في ذلك كله فالأقرب القرعة و احتمل الشهيد في الذكرى تقديم الأورع على المراتب التي بعد القراءة و الفقه و هو غير بعيد. و كذا احتمل تقديم المطلبي على غيره إن قلنا بترجيح الهاشمي لكن الهاشمي أولى منه و احتمل ترجيح أمجاد بني هاشم ثم بحسب شرف الآباء كالطالبي و العباسي و الحارثي و اللهبي ثم العلوي و الحسني و الحسيني ثم الصادقي و الموسوي و الرضوي و الهادوي. و احتمل أيضا ترجيح العربي على العجمي و القرشي على سائر العرب قال و كذا ينسحب الاحتمال في الترجيح بسبب الآباء الراجحين بعلم أو تقوى أو صلاح و من عبر من الأصحاب بالأشرف يدخل في كلامه جميع هذا و لا بأس به و من ثم ترجح أولاد المهاجرين على غيرهم لشرف آبائهم انتهى. و اعلم أن الترجيحات المذكورة في المراتب السابقة كلها تقديم استحباب لا تقديم اشتراط فلو قدم المفضول جاز قال في التذكرة لا نعلم فيه خلافا لكن قال في الذكرى أوجب ابن حمزة أن يكون أقرأ القوم لظاهر الخبر و المشهور أنه على الاستحباب.
بحار الأنوار - ج ٨٥ - الصفحة ٦٢. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
إِذَا تَرَكْتَ السَّجْدَةَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَ لَمْ تَدْرِ وَاحِدَةً هِيَ أَوِ اثْنَتَيْنِ اسْتَقْبَلْتَ الصَّلَاةَ حَتَّى تَصِحَّ لَكَ الِاثْنَتَانِ وَ إِنْ كَانَ فِي الثَّالِثِ وَ الرَّابِعِ وَ تَرَكْتَ سَجْدَةً بَعْدَ أَنْ تَكُونَ قَدْ حَفِظْتَ الرُّكُوعَ وَ السُّجُودَ أَعَدْتَ السَّجْدَةَ. بيان: لا خلاف ظاهرا بين الأصحاب في أنه إذا نسي سجدة واحدة و ذكرها قبل الركوع يعود و يأتي بها و يستأنف الركعة أما الرجوع إلى السجدة فَتَدُلُّ عَلَيْهِ أَخْبَارٌ مِنْهَا صَحِيحَةُ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ أَنْ يَسْجُدَ وَاحِدَةً فَذَكَرَهَا وَ هُوَ قَائِمٌ قَالَ يَسْجُدُهَا إِذَا ذَكَرَهَا وَ لَمْ يَرْكَعْ فَإِنْ كَانَ قَدْ رَكَعَ فَلْيَمْضِ عَلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا انْصَرَفَ قَضَاهَا وَحْدَهَا وَ لَيْسَ عَلَيْهِ سَهْوٌ.. و أما استئناف الركعة فلم يذكر الأصحاب له دليلا مع اتفاقهم عليه و يمكن أن يستدل له بما ورد في هذا الخبر و أمثاله من قوله يسجدها إذا ذكرها و تقييد الثاني بالقضاء دون الأول فإنهما يقتضيان كون السجدة أداء واقعة في محلها و هذا يعطي هدم ما وقع قبلها فإنه إذا تقع السجدة في محلها و لو اكتفى بما فعل قبلها كانت واقعة في غير محلها فلم تكن أداء بل قضاء و يؤيده ما سيأتي في فقه الرضا. ثم إنه ذهب أكثر المتأخرين إلى أنه إذا نسي سجدة واحدة و عاد للإتيان بها فإن كان جلس عقيب الأولى و اطمأن بنية الفعل أو لا بنيته لم يجب الرجوع إلى الجلوس قبل السجدة و إن لم يجلس أو جلس و لم يطمئن فقيل يجب الجلوس وجوب استيناف الركعة انما يكون قضاء لحق الركن، و هو واضح. و قيل لا كما اختاره العلامة في المنتهى و الشيخ في المبسوط و المسألة محل تردد و إن كان الأول أقوى و أحوط و لو نوى بالجلوس الاستحباب لتوهمه أنه جلسة الاستراحة ففي الاكتفاء به وجهان و لعل الاكتفاء أقوى لعدم المضايقة في النية في الأخبار و لما روي من أنه إذا فعل كثيرا من أفعال الصلاة بقصد النافلة يبني على ما نواه أولا من الفريضة فيدل على أن نية الصلاة أولا تكفي لانصراف كل فعل إلى ما يلزمه الإتيان به و لا يضر نية المنافي سهوا. و قال الشهيد الثاني رحمه الله و لو شك هل جلس أم لا بنى على الأصل فيجب الجلوس و إن كان حالة الشك قد انتقل عن محله لأنه بالعود إلى السجدة مع استمرار الشك يصير في محله و لا يخفى ما فيه إذ ظاهر أن الإتيان بالسجود في هذا المحل ليس بالأمر الأول إذ الأمر الأول كان مقتضيا لإيقاعه قبل القيام و غيره و العود إليه إنما هو للأخبار الواردة فيه و لم يرد في تدارك الجلوس خبر و عود المحل لا معنى له. ثم إنه أوجب بعض الأصحاب هنا سجود السهو للقيام في موضع القعود و زيادة الأفعال و هو غير ثابت و سيأتي الكلام فيه و لعل الإتيان به أحوط. و اعلم أن هذا كله فيما إذا ذكر قبل الركوع و لو ذكر ترك السجدة بعد الوصول إلى حد الراكع فالمشهور أنه يجب عليه قضاء السجود بعد الصلاة و يسجد له سجدتي السهو. و ذهب الشيخ في التهذيب إلى أن من ترك سجدة واحدة من الأوليين أعاد الصلاة و الظاهر من كلام ابن أبي عقيل إعادة الصلاة بترك سجدة واحدة مطلقا سواء في ذلك الأوليان و الأخريان لأنه قال من سها عن فرض فزاد فيه أو نقص منه أو قدم منه مؤخرا أو أخر منه مقدما فصلاته باطلة و عليه الإعادة و قال قريبا منه في موضع آخر و عد من الفرض الركوع و السجود. و نسب إلى المفيد و الشيخ القول بأن كل سهو يلحق الركعتين الأوليين يوجب إعادة الصلاة و كذلك الشك سواء كان في عددهما أو أفعالهما و نقل الشيخ هذا القول عن بعض علمائنا و على هذا القول يلزم في نسيان السجدة إعادة الصلاة. و احتج الشيخ بهذا الخبر و في التهذيب ليس قوله و السجود و في الخبر تشويش و إجمال و يحتمل وجوها الأول أن يكون المراد بقوله و لم تدر واحدة هي أو اثنتين الركعة و الركعتين أي شككت مع ذلك بين الركعة و الركعتين فلا إشكال حينئذ في الحكم لكن لا ينطبق الجواب على السؤال و لا يستقيم المقابلة بين الشقين. الثاني أن يكون المراد السجدة و السجدتين و المعنى أنه تيقن ترك سجدة و شك في أنه هل سجد شيئا أم لا و على هذا يدل على مقصود الشيخ في الجملة إذ الشك بعد تجاوز المحل لا عبرة به فيكون البطلان لترك السجدة. الثالث أن يكون الواو في قوله و لم تدر بمعنى أو فيحتمل الوجه الأول أي الشك بين الركعة و الركعتين و الوجه الثاني أي السجدة و السجدتين فعلى الوجهين يدل على مذهب الشيخ في السجود و على الثاني يدل على ما نقلنا عنه ثانيا من إبطال مطلق الشك في الأوليين أيضا و في التهذيب فلم تدر فلا يتأتى فيه هذا الوجه و في الكافي كما هنا. و مع هذا الإجمال يشكل العمل به و رد الأخبار الكثيرة الدالة على عدم الفرق بين الأوليين و الأخيرتين و مفهوم آخر الخبر أيضا لا يعارض منطوق تلك الأخبار. و أجاب العلامة في المختلف عن هذا الخبر بأنه يحتمل أن يكون المراد بالاستقبال الإتيان بالسجود المشكوك فيه لا استقبال الصلاة و يكون قوله عليه السلام و إذا كان في الثالثة و الرابعة فتركت سجدة راجعا إلى من تيقن ترك السجدة في الأوليين فإن عليه إعادة السجدة لفوات محلها و لا شيء عليه لو شك بخلاف ما لو كان الشك في الأولى لأنه لم ينتقل من محل السجود فيأتي بالمشكوك فيه و لا يخفى بعده و لعل الأولى حمله على الاستحباب جمعا و العمل بالمشهور أولى. وَ احْتَجَّ فِي الْمُخْتَلَفِ لِابْنِ أَبِي عَقِيلٍ بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخُ بِسَنَدٍ فِيهِ إِرْسَالٌ عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْمَاضِيَ عليه السلام فِي الرَّجُلِ يَنْسَى السَّجْدَةَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ إِذَا ذَكَرَهَا قَبْلَ رُكُوعِهِ سَجَدَهَا وَ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ انْصِرَافِهِ وَ إِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ رُكُوعِهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَ نِسْيَانُ السَّجْدَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ وَ الْأَخِيرَتَيْنِ سَوَاءٌ. و الشيخ حملها على نسيان السجدتين معا و هو حسن جمعا بين الأدلة. و أما سجدتا السهو فالمشهور بين الأصحاب وجوبهما و نقل في المنتهى و التذكرة الإجماع عليه و نقل في المختلف و الذكرى الخلاف في ذلك عن ابن أبي عقيل و ابن بابويه و في المختلف عن المفيد في الغرية. - وَ اسْتَدَلُّوا عَلَى الْمَشْهُورِ بِرِوَايَةِ سُفْيَانِ بْنِ السِّمْطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: تَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فِي كُلِّ زِيَادَةٍ تَدْخُلُ عَلَيْكَ وَ نُقْصَانٍ. و لا يخفى أن هذه الرواية مخصصة في موارد كثيرة وردت الروايات بعدم وجوب سجود السهو فيها و الأظهر حمله على الاستحباب. وَ رَوَى الشَّيْخُ فِي الْمُوَثَّقِ عَنْ عَمَّارٍ السَّابَاطِيِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَنْسَى الرُّكُوعَ أَوْ يَنْسَى سَجْدَةً هَلْ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ قَالَ لَا قَدْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ. و ظاهره عدم وجوب سجدة السهو لترك السجود مطلقا و إن أمكن حمله على ما إذا أتى بها في محلها كما يدل عليه انضمام الركوع. و ربما يقال فيه إشعار بوجوب سجود السهو فيما إذا ذكر بعد الركوع إذ التعليل بإتمام الصلاة يشعر بأنه إذا لم يتمها ليس كذلك ففي الركوع لأنه يبطل به الصلاة و في السجود لأنه يحتاج إلى سجود السهو إذا قضاه بعد الصلاة. و قد مرت صحيحة أبي بصير و قوله عليه السلام فيها ليس عليه سهو إذ الظاهر نفي سجود السهو و تأويل الشيخ بأنه أراد لا يكون حكمه حكم السهاة بل يكون حكم القاطعين لأنه إذا ذكر ما كان فاته و قضاه لم يبق عليه شيء يشك فيه فخرج عن حد السهو بعيد جدا و قد ورد نحوه في رواية محمد بن منصور و هو أصرح من ذلك مع تأيده بأصل البراءة فالقول بعدم الوجوب قوي و إن كان اتباع القوم أحوط. ثم اعلم أن الأصحاب اختلفوا في محل السجود المنسي فالأكثر على أنه بعد التسليم و قال علي بن بابويه إن السجدة المنسية في الأولى تقضى في الثالثة و المنسية في الثانية تقضى في الرابعة و المنسية في الثالثة تقضى بعد التسليم. و قال ابن الجنيد و اليقين بتركه إحدى السجدتين أهون من اليقين بتركه الركوع فإن أيقن بتركه إياها بعد ركوعه في الثالثة لها سجدها قبل سلامه و الاحتياط إن كانت في الأوليين الإعادة إن كانت في وقت. و للمفيد قول آخر قال إن ذكر بعد الركوع فليسجد ثلاث مرات سجدات واحدة منها قضاء و الاثنتان لركعته التي هو فيها. و الأخبار المعتبرة تدل على المشهور و صحيحة عبد الله بن أبي يعفور تدل على مذهب ابن الجنيد من إيقاعها قبل التسليم و لا يبعد القول بالتخيير أو حمل ما قبل التسليم على التقية أو على النافلة أو على ما إذا كان النسيان من الركعة الأخيرة و أما مذهب ابن بابويه و المفيد فقد اعترف أكثر المتأخرين بعدم النص فيهما و قال في الذكرى و كأنهما عولا على خبر لم يصل إلينا. أقول ما ذكره ابن بابويه موجود في فقه الرضا عليه السلام كما سيأتي و خبر جعفر بن بشير يدل على مذهب المفيد في الجملة كما ستعرف.
بحار الأنوار - ج ٨٥ - الصفحة ١٤٣. — الإمام الصادق عليه السلام
الْهِدَايَةُ، قَالَ الصَّادِقُ
عليه السلام لِعَمَّارِ بْنِ مُوسَى يَا عَمَّارُ أَجْمَعُ لَكَ السَّهْوَ كُلَّهُ فِي كَلِمَتَيْنِ مَتَى مَا شَكَكْتَ فَخُذْ بِالْأَكْثَرِ فَإِذَا سَلَّمْتَ فَأَتِمَّ مَا ظَنَنْتَ أَنَّكَ نَقَصْتَ. أقول: هذا الخبر مروي في الفقيه بسند موثق و في التهذيب بأسانيد عن عمار و عليه عمل أكثر الأصحاب بعد التخصيص بما سوى الثنائية و الثلاثية و الأوليين من الرباعية و لنورد تفاصيل الأحكام المستنبطة منها في مباحث ليسهل عليك فهم ما سيأتي من الأخبار المفصلة. الأول الشك بين الاثنتين و الثلاث و المشهور بين الأصحاب أنه يبني على الثلاث و يتم ثم يأتي بصلاة الاحتياط و في المسألة أقوال أخر منها البناء على الأقل و هو المنقول عن السيد المرتضى. و منها تجويز البناء على الأقل و هو الظاهر من الصدوق في الفقيه. و منها قول علي بن بابويه حيث قال كما نقل عنه و إذا شككت بين الاثنتين و الثلاث و ذهب وهمك إلى الثلاثة فأضف إليها رابعة فإذا سلمت صليت ركعة بالحمد وحدها و إن ذهب وهمك إلى الأقل فابن عليه و تشهد في كل ركعة ثم اسجد للسهو و إن اعتدل وهمك فأنت بالخيار إن شئت بنيت على الأقل و تشهدت في كل ركعة و إن شئت بنيت على الأكثر و عملت ما وصفناه. و منها ما نقل عن الصدوق في المقنع من بطلان الصلاة بذلك الشك و سيأتي كلامه فيه و قد نقل الفاضلان الإجماع على عدم الإعادة في صورة الشك في الأخيرتين. أما القول الأول فقد قال في الذكرى لم نقف فيه على رواية صريحة و نقل فيه ابن أبي عقيل تواتر الأخبار وَ اسْتَدَلَّ الشَّيْخُ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ فِي الْحَسَنِ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا عليهما السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ رَجُلٌ لَا يَدْرِي أَ وَاحِدَةً صَلَّى أَمِ اثْنَتَيْنِ قَالَ يُعِيدُ قُلْتُ رَجُلٌ لَا يَدْرِي أَ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَمْ ثَلَاثاً قَالَ إِنْ دَخَلَهُ الشَّكُّ بَعْدَ دُخُولِهِ فِي الثَّالِثَةِ يَمْضِي فِي الثَّالِثَةِ ثُمَّ صَلَّى الْأُخْرَى وَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَ يُسَلِّمُ.. و يرد عليه أنه غير دال على المطلوب و إنما يدل على البناء على الأقل إذا وقع الشك بعد دخوله في الثالثة و هي الركعة المترددة بين كونها ثالثة أو رابعة لا المترددة بين كونها ثانية أو ثالثة لأن ذلك شك في الأوليين و هو مبطل كما مر. و إنما قال عليه السلام مضى في الثالثة إشعارا بأنه يجعلها ثالثة و يضم إليها الرابعة و يحتمل أن يكون المراد بقوله ثم صلى الأخرى صلاة الاحتياط و يكون عدم ذكر التسليم أولا إما لعدم وجوبه أو ظهوره إلا أن الاستدلال بهذا الاحتمال البعيد مشكل. و يمكن أن يقال القول ببطلان الصلاة بالشك بعد إكمال الركعتين يدفعه أخبار صحيحة كثيرة دالة على أن الإعادة في الأوليين و السهو في الأخيرتين فبقي الكلام في البناء على الأقل أو الأكثر فعموم رواية عمار مع تأيده بالشهرة بين الأصحاب و مخالفة العامة و ادعاء ابن أبي عقيل و هو من أعاظم العلماء تواتر الأخبار في ذلك يكفي لترجيح البناء على الأكثر و إن كان القول بالتخيير أيضا لا يخلو من قوة. وَ أَمَّا مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يَدْرِ رَكْعَتَيْنِ صَلَّى أَمْ ثَلَاثاً قَالَ يُعِيدُ قُلْتُ أَ لَيْسَ يُقَالُ لَا يُعِيدُ الصَّلَاةَ فَقِيهٌ فَقَالَ إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الثَّلَاثِ وَ الْأَرْبَعِ.. فيمكن الجمع بينها و بين حسنة زرارة بوجهين أحدهما أن يقال إنما يعيد إذا دخل الشك قبل الدخول في الركعة المترددة بين الثالثة و الرابعة فيخصص هذه الرواية بغير الصورة المذكورة و مقتضى هذا الجمع إعادة الصلاة إذا كان الشك بعد إتمام الركعتين و قبل الدخول في الركعة المذكورة و هو خلاف المشهور و المختار. إلا أن يقال إذا رفع رأسه من السجود يحصل لدخول في الركعة الأخرى بأن يقال رفع الرأس من الثانية من مقدمات القيام لا أنه واجب مستقل خلافا للمشهور و الدخول في مقدمة الشيء في قوة الدخول فيه. و ثانيهما التخيير بين الإعادة و الإتمام إذا كان الشك بعد الدخول في الركعة المذكورة كما قيل. و الشيخ حمل صحيحة عبيد على الشك في المغرب و الأظهر حملها على ما إذا كان الشك قبل إكمال السجدتين و كذا حمل مفهوم رواية زرارة على ذلك إذ يكفي في فائدة التقييد أن يكون لمخالفة أفراد شائعة ظاهرة مخالفة في الحكم للمنطوق و لا يلزم مخالفة جميع الأفراد و الحصر المذكور في صحيحة عبيد إضافي لا محالة إذ الشك بين الاثنين و الأربع أيضا غير مبطل. و يمكن حمل الثلاث و الأربع على الأعم من أن يكون شرع في الثالثة أو أراد الشروع فيها إذ يصدق عليه أنه يشك في أن الركعة التي يريد الشروع فيها ثالثة أم رابعة. و أما خبر العلاء الذي رويناه من قرب الإسناد فيحتمل وجهين الأول البناء على الأقل كما هو ظاهر البناء على اليقين فيكون الركعة التي يأتي بها بعدها لاحتماله زيادة ركعة في الصلاة فيكون مع هذه الركعة ركعتين نافلة إذ لا تكون النافلة ركعة إلا الوتر. الثاني أن يكون المراد البناء على الأكثر و يكون البناء على اليقين باعتبار أن مع صلاة الاحتياط يتيقن الخروج عن العهدة و عدم ذكر التسليم لما مر فيكون الخبر حجة للمشهور في البناء على الأكثر و في التخيير في صلاة الاحتياط بين الركعتين جالسا و الركعة قائما و في تعيين الفاتحة في صلاة الاحتياط. و أيد الثاني بأنه لا فائدة في ضم الركعة مع البناء على الأقل لأنه كما تلزم النافلة ركعة مع الزيادة تلزم مع النقصان أيضا كون هذه الركعة فقط نافلة فأي فائدة في الانضمام. و يمكن الجواب بأنه لا يلزم في الأحكام ظهور العلة فيها و عدم ظهور العلة لا يصير سببا لصرف الخبر عن ظاهره مع تأيده بأخبار أخرى مع أنه يمكن أن يقال الفرق أنه مع تمام الصلاة تكون النافلة ناقصة و لا محذور فيه و مع زيادتها لا تنصرف الركعة الزائدة إلى النافلة إلا بانضمام ركعة إليها و مع عدمه يكون زيادة في الصلاة يبطلها و سيأتي القول و الرواية بضم الركعتين جالسا مع زيادة الصلاة و على المشهور لا يفرقون بين الركعة قائما و ركعتين جالسا في المواضع و بالجملة كل من الوجهين لا يخلو من تكلف و لا ظهور لأحدهما بحيث يمكن الاستدلال به. الثاني الشك بين الثلاث و الأربع و المشهور بين الأصحاب أنه يبني على الأكثر و يتم و يصلي الاحتياط و قال الصدوق و ابن الجنيد يتخير بين البناء على الأقل و لا احتياط و البناء على الأكثر و الاحتياط. - وَ يَدُلُّ عَلَى الْمَشْهُورِ رِوَايَاتٌ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُ وَ الشَّيْخُ فِي الْحَسَنِ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنِ الْحَلَبِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِذَا لَمْ تَدْرِ أَ ثِنْتَيْنِ صَلَّيْتَ أَمْ أَرْبَعاً وَ لَمْ يَذْهَبْ وَهْمُكَ إِلَى شَيْءٍ فَتَشَهَّدْ وَ سَلِّمْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ تَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ تَشَهَّدْ وَ سَلِّمْ فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا صَلَّيْتَ رَكْعَتَيْنِ كَانَتَا هَاتَانِ تَمَامَ الْأَرْبَعِ وَ إِنْ كُنْتَ صَلَّيْتَ أَرْبَعاً كَانَتَا هَاتَانِ نَافِلَةً وَ إِنْ كُنْتَ لَا تَدْرِي ثَلَاثاً صَلَّيْتَ أَمْ أَرْبَعاً وَ لَمْ يَذْهَبْ وَهْمُكَ إِلَى شَيْءٍ فَسَلِّمْ ثُمَّ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَ أَنْتَ جَالِسٌ تَقْرَأُ فِيهِمَا بِأُمِّ الْكِتَابِ وَ إِنْ ذَهَبَ وَهْمُكَ إِلَى الثَّلَاثِ فَقُمْ فَصَلِّ الرَّكْعَةَ الرَّابِعَةَ وَ لَا تَسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فَإِنْ ذَهَبَ وَهْمُكَ إِلَى الْأَرْبَعِ فَتَشَهَّدْ وَ سَلِّمْ ثُمَّ اسْجُدْ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ.. و اعلم أنه نسب إلى الصدوق القول بوجوب سجدتي السهو إذا شك بين الثلاث و الأربع و غلب ظنه على الأربع وَ اسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخُ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِذَا ذَهَبَ وَهْمُكَ إِلَى التَّمَامِ أَبَداً فِي كُلِّ صَلَاةٍ فَاسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بِغَيْرِ رُكُوعٍ أَ فَهِمْتَ قُلْتُ نَعَمْ.. و لعله استدل بهذا الخبر الذي هو في غاية القوة و لا يقصر عن الصحيح مع تأيده بعموم خبر إسحاق فقوله لا يخلو من قوة و إن لم ينسب إلى غيره من الأصحاب و لكن موثقة أبان عن أبي العباس ظاهره عدم الوجوب فيمكن حمله على الاستحباب و الأحوط عدم الترك. وَ مِنْهَا مَا رَوَيَاهُ فِي الْمُوَثَّقِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ صَلَّى فَلَمْ يَدْرِ أَ فِي الثَّالِثَةِ هُوَ أَمْ فِي الرَّابِعَةِ قَالَ فَمَا ذَهَبَ وَهْمُهُ إِلَيْهِ إِنْ رَأَى أَنَّهُ فِي الثَّالِثَةِ وَ فِي قَلْبِهِ مِنَ الرَّابِعَةِ شَيْءٌ سَلَّمَ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ نَفْسِهِ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ يَقْرَأُ فِيهِمَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ.. و ظاهره أن مع غلبة الظن في الثالثة يبني على الأربع و يصلي صلاة الاحتياط و هو خلاف فتوى الأصحاب و يمكن حمله على أنه تم الكلام عند قوله فما ذهب إليه وهمه ثم أنشأ حكم الشاك الذي لم يغلب على ظنه أحدهما بحمل التنوين في قوله شيء على التعظيم أي احتمال قوي يساوي احتمال الثالثة أو تقدر المساواة في الكلام. و يمكن حمله على البناء على الأقل و استحباب الركعتين لاحتمال الزيادة لتكونا بانضمام الركعة الزائدة ركعتين نافلة أو على الرجحان الضعيف الذي لا يبلغ إلى حد الظن المعتبر شرعا لكنهما أبعد من الأول الأول لفظا و الثاني معنى إذ الظاهر كفاية مطلق الرجحان. و قال بعض الأفاضل هذا برزخ بين الفصل و الوصل لأن سهوه برزخ بين الظن و الشك و لا يخفى ما فيه قال الشهيد الثاني عبر جماعة من الأصحاب بغلبة الظن و هو يقتضي اشتراط ترجيح زائد على أصل الظن و الأصح أن ذلك غير شرط بل يكفي مطلق الظن و به صرح في الدروس. - وَ رَوَى الْكُلَيْنِيُّ عَنْ زُرَارَةَ بِسَنَدَيْنِ أَحَدُهُمَا مِنَ الْحِسَانِ عَنْ أَحَدِهِمَا عليهما السلام قَالَ: وَ إِذَا لَمْ يَدْرِ فِي ثَلَاثٍ هُوَ أَوْ فِي أَرْبَعٍ وَ قَدْ أَحْرَزَ الثَّلَاثَ قَامَ فَأَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى وَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. و ظاهره البناء على الأقل فجمع الصدوق بينه و بين سائر الأخبار بالقول بالتخيير و قد عرفت أن الحمل على التقية أظهر. - لَكِنْ يُؤَيِّدُ الصَّدُوقَ هُنَا مَا رَوَاهُ فِي الْكَافِي بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: إِنَّمَا السَّهْوُ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَ الْأَرْبَعِ وَ فِي الِاثْنَتَيْنِ وَ الْأَرْبَعِ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ وَ مَنْ سَهَا فَلَمْ يَدْرِ ثَلَاثاً صَلَّى أَمْ أَرْبَعاً وَ اعْتَدَلَ شَكُّهُ قَالَ يَقُومُ فَيُتِمُّ ثُمَّ يَجْلِسُ فَيَتَشَهَّدُ وَ يُسَلِّمُ وَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَ هُوَ جَالِسٌ فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ وَهْمِهِ إِلَى الْأَرْبَعِ تَشَهَّدَ وَ سَلَّمَ ثُمَّ قَرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ رَكَعَ وَ سَجَدَ ثُمَّ قَرَأَ فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَ تَشَهَّدَ وَ سَلَّمَ وَ إِنْ كَانَ أَكْثَرُ وَهْمِهِ الثِّنْتَيْنِ نَهَضَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَ تَشَهَّدَ وَ سَلَّمَ.. فإنه يحتمل وجوها أحدها أن يكون الواو في قوله و يصلي بمعنى أو أو يكون في الأصل أو فصحف فيكون صريحا في التخيير بين البناء على الأقل و ترك صلاة الاحتياط و البناء على الأكثر و إيقاعها. و ثانيها أن يكون الواو بمعناها و يكون الركعتان لاحتمال الزيادة فتصيران مع الزيادة نافلة كما مر فيكون محمولا على الاستحباب لخلو سائر الأخبار عنه. و ثالثها أن يكون المراد بقوله ثلاثا صلى أنه شك بين الاثنتين و الثلاث فلم يدر أن الركعة التي يصليها بعد ذلك ثالثة أم رابعة فيكون مؤيدا للمشهور في الشك بين الاثنتين و الثلاث. و من استدل بخبر قرب الإسناد لا أدري لم لم يستدل بهذا الاحتمال في هذا الخبر مع اشتراكهما في وجه الاستدلال و لا يخفى أن أول الوجوه أظهرها ثم الثاني و على الوجهين يؤيد الصدوق و لم أر من تفطن بذلك. ثم المشهور في الصورة المذكورة أنه يتخير في صلاة الاحتياط بين ركعتين جالسا و ركعة قائما و المنقول عن ظاهر الجعفي و ابن أبي عقيل تعين الركعتين جالسا لضعف الرواية الدالة على التخيير في هذه الصورة في سائر الصور لم ترد رواية صريحة في ذلك فالأحوط في الجميع اختيار الركعتين جلوسا. الثالث الشك بين الاثنتين و الأربع و المشهور بين الأصحاب فيه أيضا أنه يبني على الأكثر و يسلم و يحتاط بركعتين قائما و ربما نقل عن الصدوق التخيير بينه و بين البناء على الأقل و الإعادة و نقل في المختلف عن الصدوق أنه قال يعيد مع أن الفاضلين نقلا الإجماع على عدم الإعادة في صورة تعلق الشك بالأخيرتين و الأشهر أقوى و قد دلت عليه أخبار خاصة و عامة قد مر بعضها. و يدل على البناء على الأقل أخبار منها ما رواه الشيخ و الكليني بسندين أحدهما حسن بإبراهيم بن هاشم و الآخر صحيح على المشهور وَ إِنْ كَانَ فِيهِ كَلَامٌ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا عليهما السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ مَنْ لَمْ يَدْرِ فِي أَرْبَعٍ هُوَ أَوْ ثِنْتَيْنِ وَ قَدْ أَحْرَزَ الثِّنْتَيْنِ قَالَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ وَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ وَ هُوَ قَائِمٌ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَ يَتَشَهَّدُ وَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَ إِذَا لَمْ يَدْرِ فِي ثَلَاثٍ هُوَ أَوْ فِي أَرْبَعٍ وَ قَدْ أَحْرَزَ الثَّلَاثَ قَامَ فَأَضَافَ إِلَيْهَا أُخْرَى وَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَ لَا يَنْقُضُ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ وَ لَا يُدْخِلِ الشَّكَّ فِي الْيَقِينِ وَ لَا يَخْلِطْ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ وَ لَكِنَّهُ يَنْقُضُ الشَّكَّ بِالْيَقِينِ وَ يَتِمُّ عَلَى الْيَقِينِ فَيَبْنِي عَلَيْهِ وَ لَا يَعْتَدُّ بِالشَّكِّ فِي حَالٍ مِنَ الْحَالاتِ.. فالخبر يحتمل وجهين الأول و هو الأظهر أنه يبني على الأقل و لا يسلم لعدم ذكره و ذكر التكبير و يقوم و يضيف إليها ركعتين و يتم فالمراد بقوله لا ينقض اليقين بالشك أي لا يبطل المتيقن من صلاته بسب الشك الذي عرض له في البقية و لا يدخل الشك في اليقين أي لا يدخل الركعتين المشكوك فيهما في الصلاة المتيقنة بأن يضمهما مع الركعتين المتيقنتين و يبني على الأكثر و لكنه ينقض الشك باليقين أي يسقط الركعتين المشكوك فيهما باليقين و هو البناء على الأقل المتيقن. الثاني أن يحمل على المشهور بأن يكون المراد بقوله يركع ركعتين أنه يفتتحهما بتكبيرة و عدم ذكر التسليم للظهور أو لعدم وجوبه و كذا قوله قام فأضاف إليها أخرى محمول على ذلك و قوله و لا يدخل الشك في اليقين أي لا يدخل الركعتين في المتيقن بل يوقعهما بعد التسليم و المراد بنقض الشك باليقين إيقاعهما بعد التسليم إذ حينئذ يتيقن إيقاع الصلاة خالية عن الخلل لأنه مع البناء على الأقل يحتمل زيادة الركعات في الصلاة. و ربما يؤيد ذلك بأن في صورة الشك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع وقع مثل تلك العبارة من غير ذكر التسليم و الافتتاح مع أن المراد به ما ذكر عن غير ارتياب و لا يخفى ظهور الأول و بعد الأخير لكن لا بأس بارتكابه في مقام الجمع و الأظهر حمله على التقية كما عرفت و مع ذلك يمكن أن يكون المراد ما ذكر في الوجه الثاني تورية للتقية. وَ رَوَى الشَّيْخُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الرَّجُلِ لَا يَدْرِي صَلَّى رَكْعَتَيْنِ أَمْ أَرْبَعاً قَالَ يُعِيدُ. و يمكن حمله على الشك قبل إكمال السجدتين و الشيخ حمله على الشك في المغرب و الفجر و الصدوق قال بالتخيير لذلك و احتمل الشهيد في الذكرى و العلامة في النهاية كون البناء على الأكثر و صلاة الاحتياط للرخصة و التخفيف و تكون الإعادة أيضا مجزية و لا يخفى بعد هذا الكلام عن ظواهر النصوص و لا داعي إلى ذلك و لم يعلم قائل بذلك قبلهما. - وَ رَوَى الشَّيْخُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِذَا لَمْ تَدْرِ أَرْبَعاً صَلَّيْتَ أَمْ رَكْعَتَيْنِ فَقُمْ وَ ارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلِّمْ وَ اسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ وَ أَنْتَ جَالِسٌ ثُمَّ سَلِّمْ بَعْدَهُمَا.. و هذا الخبر أيضا يحتمل البناء على الأقل و الأكثر و حمله الشيخ و العلامة على ما إذا تكلم ناسيا و هو بعيد و يمكن الحمل على الاستحباب و الظاهر أن السجود مبني على البناء على الأقل كما هو المشهور عند العامة فيهما - رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ص يَقُولُ إِذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوْ ثِنْتَيْنِ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ وَ إِنْ لَمْ يَدْرِ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلَاثاً فَلْيَبْنِ عَلَى ثِنْتَيْنِ وَ إِنْ لَمْ يَدْرِ ثَلَاثاً صَلَّى أَوْ أَرْبَعاً فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلَاثٍ وَ لْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ.. قال البغوي في شرح السنة هذا الحديث مشتمل على حكمين أحدهما أنه إذا شك في صلاته فلم يدر كم صلى فليأخذ بالأقل و الثاني أن محل سجود السهو قبل السلام أما الأول فأكثر العلماء على أنه يبني على الأقل و يسجد للسهو و ذهب أصحاب الرأي إلى أنه يتحرى و يأخذ بغلبة الظن و إن غلب على ظنه أنها ثالثته أضاف إليها ركعة أخرى و إن كان غالب ظنه أنها رابعته أخذ به. هذا إذا كان الشك يعتريه مرة بعد أخرى فأما إذا كان أول مرة سها فعليه استئناف الصلاة عندهم. و أما الثاني فذهب أكثر فقهاء أهل المدينة إلى أنه يسجدهما قبل السلام و به قال الشافعي و غيره من أهل الحديث و ذهب قوم إلى أنه يسجد بعد السلام و به قال سفيان الثوري و أصحاب الرأي. و قال مالك إن كان سهوه بزيادة زادها في الصلاة سجد بعد السلام و إن كان سهوه بنقصان سجد قبل السلام و قال أحمد كلما ورد قبل السلام يأتي به قبله و كلما ورد بعده يأتي به بعده انتهى. فظهر أن البناء على الأقل و السجود كليهما محمولان على التقية. الرابع الشك بين الاثنتين و الثلاث و الأربع فذهب أكثر الأصحاب إلى أنه يبني على الأكثر و يتم و يصلي ركعتين من قيام و ركعتين من جلوس و ذهب الصدوقان و ابن الجنيد إلى أنه يبني على الأربع و يصلي ركعة من قيام و ركعتين من جلوس و جوز ابن الجنيد البناء على الأقل ما لم يخرج الوقت. حُجَّةُ الْمَشْهُورِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ وَ الْكُلَيْنِيُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي رَجُلٍ صَلَّى فَلَمْ يَدْرِ اثْنَتَيْنِ صَلَّى أَمْ ثَلَاثاً أَمْ أَرْبَعاً قَالَ يَقُومُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مِنْ قِيَامٍ وَ يُسَلِّمُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ مِنْ جُلُوسٍ وَ يُسَلِّمُ فَإِنْ كَانَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ كَانَتِ الرَّكَعَاتُ نَافِلَةً وَ إِلَّا تَمَّتِ الْأَرْبَعُ.. و أما القول الثاني فقال في الذكرى إنه قوي من حيث الاعتبار لأنهما منضمان حيث تكون الصلاة اثنتين و يجتزى بأحدهما حيث تكون ثلاثا إلا أن النقل و الاشتهار يدفعه انتهى. و قد ينازع في قوته من حيث الاعتبار فإنه يستلزم تلفيق البدل الواحد من الفعل قائما و قاعدا على تقدير كون الواقع ركعتين و يستلزم زيادة بعض الأفعال كالنية و التكبير في البدل و تغيير صورة البدل على التقدير المذكور. ثم ظاهر كلامه عدم نص عليه - مَعَ أَنَّهُ قَدْ رَوَى الصَّدُوقُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ أَبِي إِبْرَاهِيمَ عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام رَجُلٌ لَا يَدْرِي أَ ثِنْتَيْنِ صَلَّى أَمْ ثَلَاثاً أَمْ أَرْبَعاً فَقَالَ يُصَلِّي رَكْعَةً مِنْ قِيَامٍ ثُمَّ يُسَلِّمُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَ هُوَ جَالِسٌ.. لكن نسخ الفقيه مختلفة ففي أكثرها كما نقلناه و في بعضها يصلي ركعتين من قيام فيكون موافقا للمشهور و لعله كان في نسخته هكذا إذ عدم رجوعه إلى الفقيه بعيد. و يؤيد النسخة المشهورة قول الصدوق و والده إذ الظاهر أنهما لا يقولان إلا عن نص و يؤيد النسخة الأخرى عدم تعرض العلامة و الشهيد و غيرهما لهذا الخبر و لم يوردوه حجة له و إنما تمسكوا له بالاعتبارات العقلية. و في هذا الخبر شيء آخر و هو أن رواية الكاظم بهذا النحو عن والده (صلوات الله عليه) غير معهود ففيه مظنة تصحيف و في بعض النسخ قال قلت له و هو أصح لكنه نادر و أكثر النسخ كما نقلنا أولا. فإن أيد القول الأخير بأن رواية ابن أبي عمير مرسلة و إن جعلوها في حكم المسانيد و هي حسنة و إن كانت في غاية الحسن و رواية عبد الرحمن صحيحة مسندة أيدنا القول الأول بالشهرة و بما ذكرنا في هذا الخبر من اختلاف النسخ و جهات الضعف. و يخطر بالبال وجه آخر لضعف النسخة المشهورة و هو أنها بعيدة من جهة الاعتبار إذ الظاهر أن جعل الركعتين جالسا مكان الركعة قائما مع مخالفتهما لهيئة أصل الصلاة إنما هو لضرورة عدم حسن الصلاة بركعة واحدة فأي شيء صار هاهنا علة للعدول في إحداهما دون الأخرى فكان الأنسب أن تكون إما الركعتين قائما أو أربع ركعات جالسا فتفطن. و ربما يؤيد المذهب المشهور بأن الأخبار الواردة في الشك بين الثلاث و الأربع و الاثنتين و الثلاث و الاثنتين و الأربع شاملة للصورة المفروضة إذ ليس فيها تقييد بعدم انضمام شك آخر معه و إن كان يوهم ظاهرها ذلك فالركعتان جالسا للأوليين و الركعتان قائما للأخير ففي العمل بهذا الخبر يحصل العمل بجميع تلك الأخبار. فظهر أن المشهور أقوى و العمل به أولى و لو لا تلك الوجوه لكان القول بالتخيير قويا و إن لم يعلم قائل به. و على المشهور هل يجوز أن يصلي بدل الركعتين جالسا ركعة قائما فيه أقوال ثلاثة الأول تحتمه و نسبه في الذكرى إلى ظاهر المفيد في الغرية و سلار الثاني عدم الجواز و نسبه في الذكرى إلى الأصحاب الثالث التخيير لتساويهما في البدلية بل الركعة من قيام أقرب إلى حقيقة المحتمل اختاره العلامة و الشهيدان و الأوسط أقرب وقوفا على النص. و هل يجب تقديم الركعتين من قيام فيه أقوال وجوب تقديمهما و هو قول المفيد في المقنعة و المرتضى في أحد قوليه و التخيير و هو ظاهر المرتضى في الإنتصار و أكثر الأصحاب و تحتم الركعتين جالسا حكي قول به و تحتم تقديم ركعة قائما و هو المنقول عن المفيد في الغرية و الأول أقرب وقوفا على النص للعطف بثم و إن احتمل أن لا يكون للترتيب كما استعمل في كثير من الأخبار كذلك لكن لا ينافي الظهور نعم لو لم يعمل في الحكم بهذا الخبر و عول على الأخبار الأخر كما أومأنا إليه يتجه التخيير. اعلم أن ظاهر الأصحاب أن كل شك تعلق بالاثنين يشترط في عدم وجوب الإعادة إكمال السجدتين قاله في الذكرى و وجهه المحافظة على سلامة الأوليين فإن الظاهر أن محافظتهما يتحقق بذلك فبدونه تجب الإعادة للأخبار الدالة عليه و نقل عن بعض الأصحاب الاكتفاء بالركوع لصدق مسمى الركعة و هو ضعيف. قال في الذكرى نعم لو كان ساجدا في الثانية و لما يرفع رأسه و تعلق الشك لم أبعد صحته لحصول مسمى الركعة و فيه نظر إذ لو اكتفي في تحقق الركعة بتحقق الأركان كان الظاهر الاكتفاء بوضع الرأس في السجدة الثانية و إن اعتبر تمام واجبات الركعة فرفع الرأس أيضا من واجباتها و القول بأنه من مقدمات الركعة الثانية بعيد فالأول أقوى و إن أمكن تأييد ما سواه بأصل البراءة و بقوله عليه السلام ما أعاد الصلاة فقيه. لكن يؤيد ما قويناه حسنة زرارة المتقدمة في الشك بين الاثنين و الثلاث حيث اعتبر فيها الدخول في الثالثة و لعل الأحوط لو كان الشك بعد وضع الرأس في الثانية البناء ثم الإعادة.
بحار الأنوار - ج ٨٥ - الصفحة ١٧٠. — الإمام الصادق عليه السلام
الرابع أن يكون المراد ما يسهو عنه من الأذكار إذ ليس فيها ركن غيرها قلت لعل المراد أنه يثاب عليها لقراءة إمامه بخلاف المنفرد فإنه إنما لا يعاقب على تركها. ثُمَّ إِنَّهُ رَوَى الشَّيْخُ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَحَدَهُمَا عليهما السلام عَنْ رَجُلٍ صَلَّى بِقَوْمٍ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَى وُضُوءٍ قَالَ
يُتِمُّ الْقَوْمُ صَلَاتَهُمْ فَإِنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْإِمَامِ ضَمَانٌ وَ رَوَاهُ الصَّدُوقُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ. وَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَ يَضْمَنُ الْإِمَامُ صَلَاةَ الْفَرِيضَةِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ يَضْمَنُ قَالَ لَا يَضْمَنُ أَيَّ شَيْءٍ يَضْمَنُ إِلَّا أَنْ يُصَلِّيَ بِهِمْ جُنُباً أَوْ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ. وَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ أَ يَضْمَنُ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ فَقَالَ لَيْسَ بِضَامِنٍ. وَ رُوِيَ مُرْسَلًا عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فَقَالَ لَا إِنَّ الْإِمَامَ ضَامِنٌ لِلْقِرَاءَةِ وَ لَيْسَ يَضْمَنُ الْإِمَامُ صَلَاةَ الَّذِينَ خَلْفَهُ وَ إِنَّمَا يَضْمَنُ الْقِرَاءَةَ. . و رواه في الفقيه مرسلا عن الحسين بن كثير و هو أصوب و هما مجهولان.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٨٥ - الصفحة ٢٥١. — الإمام الصادق عليه السلام
وَ هَذَا مِنَ الْأَبْوَابِ الَّتِي يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ مِنْهَا أَلْفَ بَابٍ. الْبَصَائِرُ، لِلصَّفَّارِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ مِثْلَهُ وَ فِيهِ يَوْماً أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَوْ أَكْثَرَ وَ فِيهِ بِمَا يَنْتَظِمُ هَذَا وَ أَشْبَاهَهُ. 10- الْعِلَلُ، عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ مَعْرُوفٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ وَ بُكَيْرٍ وَ فُضَيْلٍ وَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَ بُرَيْدِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُمَا قَالا فِي الرَّجُلِ يَكُونُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الْأَهْوَاءِ- الْحَرُورِيَّةِ وَ الْمُرْجِئَةِ وَ الْعُثْمَانِيَّةِ وَ الْقَدَرِيَّةِ وَ ثُمَّ يَتُوبُ وَ يَعْرِفُ هَذَا الْأَمْرَ وَ يَحْسُنُ رَأْيُهُ أَ يُعِيدُ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا أَوْ صَوْمٍ أَوْ زَكَاةٍ أَوْ حَجٍّ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ إِعَادَةُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ الزَّكَاةِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُؤَدِّيَهَا لِأَنَّهُ وَضَعَ الزَّكَاةَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهَا وَ إِنَّمَا مَوْضِعُهَا أَهْلُ الْوَلَايَةِ. بيان: هذا الخبر في نهاية الصحة و قد رواه خمسة من أفاضل الأصحاب و يدل على أن جميع فرق المخالفين لا يعيدون العبادات إلا الزكاة إذا أعطوها المخالفين سواء كانوا ممن حكم بكفرهم أم لا لأن الحرورية هم الخوارج و هم كفار نواصب و سقوط القضاء عن الكافر الأصلي بعد إسلامه موضع وفاق و يدل عليه الآية و الخبر و لا يلحق بالكافر الأصلي من حكم بكفره من فرق المسلمين و لا غيرهم من المخالفين بل يجب عليهم القضاء عند الاستبصار إذا فاتتهم و أما إذا أوقعوها صحيحة بحسب معتقدهم لم يجب عليهم القضاء لهذا الخبر و غيره من الأخبار لكن الأكثر قيدوها بالصحيحة عندهم و بعضهم بالصحيحة عندنا و الأول أظهر فإنه المتبادر من النصوص و إن كان القول بصحة ما كان صحيحا عندنا أيضا لا يخلو من وجه و استشكال العلامة في التذكرة الصحة مطلقا غير موجه بعد ورود الأخبار الصحيحة و سيأتي تمام القول فيه في كتاب الحج إن شاء الله تعالى.
بحار الأنوار - ج ٨٥ - الصفحة ٣٠٠. — الإمام الصادق عليه السلام
دَعَوَاتُ الرَّاوَنْدِيِّ، عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قال
ابن الجنيد و العليل إذا وجب عليه صلاة فأخرها عن وقتها إلى أن مات قضاها عنه وليه كما يقضي عنه وليه حجة الإسلام و الصيام ببدنه و إن جعل بدل كل ركعتين مدا أجزأه فإن لم يقدر فلكل أربع فإن لم يقدر فمد لصلاة النهار و مد لصلاة الليل و الصلاة أفضل و كذا المرتضى. و قال ابن زهرة و من مات و عليه صلاة وجب على وليه قضاؤها و إن تصدق عن كل ركعتين بمد أجزأها إلى آخر ما قاله ابن الجنيد و احتج بالإجماع و طريقة الاحتياط. و قال ابن إدريس بوجوب القضاء على وليه الأكبر من الذكران عما وجب على العليل فأخرها عن أوقاته حتى مات و لا يقضي عنه إلا الصلاة الفائتة في حال مرض موته و تبعه يحيى بن سعيد و الشهيد في اللمعة. و قال المحقق في بعض مصنفاته الذي ظهر أن الولد يلزمه قضاء ما فات الميت من صلاة و صيام لعذر كالمرض و السفر و الحيض لا ما تركه الميت عمدا مع قدرته عليه و هو قول السيد عميد الدين. ثم اعلم أن السيد بن زهرة بعد ذهابه إلى ما مر أورد على نفسه قوله تعالى وَ أَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى - وَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص إِذَا مَاتَ الْمُؤْمِنُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ.. و أجاب بأن الثواب للفاعل لا للميت لأن الله تعالى تعبد الولي بذلك و سماه قضاء عنه لحصوله عند تفريطه و قد يجاب عنه أيضا بأن الأعمال الواقعة نيابة عنه بعد موته نتيجة سعيه في تحصيل الإيمان و أصول العقائد المسوغة للنيابة عنه فهي مستندة إليه أو أن بعض الأعمال الخير الصادرة عنه في أيام حياته سوى الإيمان يمكن أن يكون مستتبعا بالخاصية الغائبة عن مداركنا لإشفاق بعض المؤمنين عليه فيفعل الأعمال نيابة عنه فيكون أثر سعيه. أو تحمل الآية على أن ليس له ذلك على سبيل الاستحقاق و الاستيجاب فلا ينافي ذلك وصول أثر بعض الأعمال الذي لم يسع في تحصيله إليه على سبيل التطول و التفضل و من هذا القبيل العفو و آثار الشفاعة و غيرهما و أجيب عن الخبر بأنه دال على انقطاع عمله و هذا يصل إليه من عمل غيره. و على تقدير التنزل عن ذلك كله قلنا الآية و الخبر معدولان عن الظاهر اتفاقا و نحن نخصصهما بما خصصنا به لدليل معارض فيرتكب التخصيص أو الحمل على المبالغة الداعي إليه. ثم اختلف الأصحاب في خصوصيات هذا الحكم أيضا اختلافا كثيرا. الأول الأكثر على أن القاضي هو الولد الأكبر قال في الذكرى و كأنهم جعلوه بإزاء حبوته و أطلق ابن الجنيد و ابن زهرة و ليس في الأخبار تخصيص قال في الذكرى القول بعموم كل ولي ذكر أولى حسبما تضمنته الروايات. الثاني قال في الذكرى ظاهرهم أن المقضي عنه الرجل لذكرهم إياه في معرض الحبوة و كلام المحقق مؤذن بالقضاء عن المرأة أيضا و ما ورد بلفظ الميت يشملها لكن في أكثر الروايات بلفظ الرجل. الثالث هل يشترط كمال الولي حال الوفاة قرب الشهيد ذلك و كذا استشكلوا في السفيه و فاسد الرأي و لعل العموم أقوى. الرابع اختلفوا في أنه هل له الاستيجار أو لا بد له من إيقاعها بنفسه و الأخير أحوط و لا يبعد سقوطها عنه مع تبرع المتبرع. الخامس إذا مات الولي هل يتحملها وليه أيضا قرب في الذكرى العدم و الأحوط التحمل. السادس لو أوصى الميت بقضائها عنه بأجرة من ماله و أسندها إلى أحد أوليائه أو إلى أجنبي فهل يسقط عن الولي اختار في الذكرى السقوط لعموم العمل بالوصية. السابع لو قلنا بعدم قضاء الولي ما تركه الميت عمدا أو كان الميت لا ولي له و لم يوص الميت فالمنقول عن ظاهر المتأخرين من الأصحاب عدم الإخراج من ماله للأصل. و قال في الذكرى و بعض الأصحاب أوجب إخراجها كالحج و صب الأخبار التي لا ولي فيها عليهو احتج أيضا بِخَبَرِ زُرَارَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّ أَبَاكَ قَالَ لِي مَنْ فَرَّ بِهَا مِنَ الزَّكَاةِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَهَا فَقَالَ صَدَقَ أَبِي إِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ وَ مَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَ رَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أُغْمِيَ عَلَيْهِ يَوْماً ثُمَّ مَاتَ فَذَهَبَتْ صَلَاتُهُ أَ كَانَ عَلَيْهِ وَ قَدْ مَاتَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا فَقُلْتُ لَا قَالَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَفَاقَ مِنْ يَوْمِهِ.. فإن ظاهره أنه يؤديها بعد موته و هو إنما يكون بوليه أو ماله فحيث لا ولي تحمل على المال و هو شامل لحالة الإيصاء و عدمه. ثم قال لو أوصى بفعلها من ماله فإن قلنا بوجوبه لو لا الإيصاء كان من الأصل كسائر الواجبات و إن قلنا بعدمه فهو تبرع يخرج من الثلث إلا أن يجيزه الوارث. و لنذكر الآن مستند ما اشتهر بين الأصحاب من استيجار الصلاة للميت و التبرع عنه و لما كان الشهيد قدس الله روحه في الذكرى بسط في ذلك الكلام و وفى حق المقام نذكر ما أفاده قال طيب الله رمسه قال الفاضل أما الدعاء و الاستغفار و الصدقة و الواجبات التي تدخلها النيابة فإجماع قال الله وَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ و قال تعالى وَ اسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ و قد سبق في الدعاء للميت عن النبي ص اللهم اغفر لحينا و ميتنا و عن الأئمة عليهم السلام نحو ذلك. - وَ فِي الْفَقِيهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّ الْمَيِّتَ يَفْرَحُ بِالتَّرَحُّمِ وَ الِاسْتِغْفَارِ لَهُ كَمَا يَفْرَحُ الْحَيُّ بِالْهَدِيَّةِ تُهْدَى إِلَيْهِ. وَ فِي الْبُخَارِيِّ وَ غَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَ إِنَّهَا مَاتَتْ فَقَالَ النَّبِيُّ ص لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دَيْنٌ أَ كُنْتَ قَاضِيَهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَاقْضِ دَيْنَ اللَّهِ فَإِنَّهُ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ.. و أما ما عداها فعندنا أنه يصل إليه - رَوَى ابْنُ بَابَوَيْهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام سِتَّةٌ تَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ بَعْدَ وَفَاتِهِ وَلَدٌ يَسْتَغْفِرُ لَهُ وَ مُصْحَفٌ يُخَلِّفُهُ وَ غَرْسٌ يَغْرِسُهُ وَ صَدَقَةُ مَاءٍ يُجْرِيهِ وَ قَلِيبٌ يَحْفِرُهُ وَ سُنَّةٌ يُؤْخَذُ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ.. قلت هذا الحديث يتضمن المهم من ذلك - إِذْ قَدْ رَوَى ابْنُ بَابَوَيْهِ أَيْضاً عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام مَنْ عَمِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ مَيِّتٍ عَمَلًا أُضْعِفَ لَهُ أَجْرُهُ وَ نَفَعَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بِهِ الْمَيِّتَ قَالَ وَ قَالَ ع- يَدْخُلُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ الصَّلَاةُ وَ الصَّوْمُ وَ الْحَجُّ وَ الصَّدَقَةُ وَ الْبِرُّ وَ الدُّعَاءُ وَ يُكْتَبُ أَجْرُهُ لِلَّذِي فَعَلَهُ وَ لِلْمَيِّتِ.. ثم قال قدس الله روحه و لنذكر هنا أحاديث من هذا الباب ضمنها السيد المرتضى رضي الدين أبو القاسم علي بن طاوس الحسيني طيب الله سره في كتابه المسمى غياث سلطان الورى لسكان الثرى و قصد به بيان قضاء الصلوات عن الأموات. الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مَا رَوَاهُ الصَّدُوقُ فِي كِتَابِ مَنْ لَا يَحْضُرُهُ الْفَقِيهُ وَ قَدْ ضَمِنَ صِحَّةَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ وَ أَنَّهُ حُجَّةٌ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ رَبِّهِ أَنَّ الصَّادِقَ عليه السلام سَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ أَ يُصَلَّى عَنِ الْمَيِّتِ فَقَالَ نَعَمْ حَتَّى إِنَّهُ لَيَكُونُ فِي ضِيقٍ فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الضِّيقُ ثُمَّ يُؤْتَى فَيُقَالُ لَهُ خُفِّفَ عَنْكَ هَذَا الضِّيقُ بِصَلَاةِ فُلَانٍ أَخِيكَ عَنْكَ. - الثَّانِي مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ فِي مَسَائِلِهِ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى عليه السلام قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي مُوسَى بْنُ جَعْفَرٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبِي جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ عليه السلام عَنِ الرَّجُلِ هَلْ يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ مَوْتَاهُ قَالَ نَعَمْ فَيُصَلِّي مَا أَحَبَّ وَ يَجْعَلُ تِلْكَ لِلْمَيِّتِ فَهُوَ لِلْمَيِّتِ إِذَا جَعَلَ ذَلِكَ لَهُ.. و لفظ ما أحب للعموم و جعلها نفسها للميت دون ثوابها ينفي أن يكون هدية صلاة مندوبة الثَّالِثُ مِنْ مَسَائِلِهِ أَيْضاً عَنْ أَخِيهِ مُوسَى عليه السلام وَ سَأَلَهُ عَنِ الرَّجُلِ هَلْ أن يَصْلُحُ أَنْ يُصَلِّيَ وَ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَقَالَ نَعَمْ يُصَلِّي مَا أَحَبَّ وَ يَجْعَلُ ذَلِكَ لِلْمَيِّتِ فَهُوَ لِلْمَيِّتِ إِذَا جَعَلَهُ لَهُ. الرَّابِعُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ الطُّوسِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يُصَلِّي عَنِ الْمَيِّتِ قَالَ نَعَمْ حَتَّى إِنَّهُ لَيَكُونُ فِي ضِيقٍ فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ ذَلِكَ ثُمَّ يُؤْتَى فَيُقَالُ لَهُ خُفِّفَ عَنْكَ هَذَا الضِّيقُ بِصَلَاةِ فُلَانٍ أَخِيكَ. الْخَامِسُ مَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَمَّارِ بْنِ مُوسَى السَّابَاطِيِّ مِنْ كِتَابِ أَصْلِهِ الْمَرْوِيِّ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ يَكُونُ عَلَيْهِ صَوْمٌ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَهُ رَجُلٌ غَيْرُ عَارِفٍ قَالَ لَا يَقْضِيهِ إِلَّا مُسْلِمٌ عَارِفٌ. السَّادِسُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ أَيْضاً بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ رِجَالِهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ وَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ صِيَامٌ قَالَ يَقْضِيهِ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ. السَّابِعُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْكُلَيْنِيُّ فِي الْكَافِي بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي الرَّجُلِ يَمُوتُ وَ عَلَيْهِ صَلَاةٌ أَوْ صِيَامٌ قَالَ يَقْضِي عَنْهُ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ.. الثامن هذا الحديث بعينه عن حفص بطريق آخر إلى كتابه الذي هو من الأصول. التَّاسِعُ مَا رُوِيَ فِي أَصْلِ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ مِنْ رِجَالِ الصَّادِقِ وَ الْكَاظِمِ عليه السلام وَ يَرْوِي عَنْهُ ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ قَالَ هِشَامٌ فِي كِتَابِهِ وَ عَنْهُ عليه السلام قَالَ: قُلْتُ يَصِلُ إِلَى الْمَيِّتِ الدُّعَاءُ وَ الصَّدَقَةُ وَ الصَّلَاةُ وَ نَحْوُ هَذَا قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَ وَ يَعْلَمُ مَنْ صَنَعَ ذَلِكَ بِهِ قَالَ نَعَمْ ثُمَّ قَالَ يَكُونُ مَسْخُوطاً عَلَيْهِ فَيُرْضَى عَنْهُ. و ظاهره أنه من الصلاة الواجبة التي تركها لأنها سبب في السخط. الْعَاشِرُ مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ فِي أَصْلِهِ وَ هُوَ مِنْ رِجَالِ الصَّادِقِ وَ الْكَاظِمِ عليه السلام قَالَ: وَ سَأَلْتُ عَنِ الرَّجُلِ يَحُجُّ وَ يَعْتَمِرُ وَ يُصَلِّي وَ يَصُومُ وَ يَتَصَدَّقُ عَنْ وَالِدَيْهِ وَ ذَوِي قَرَابَتِهِ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ يُؤْجَرُ فِيمَا يَصْنَعُ وَ لَهُ أَجْرٌ آخَرُ بِصِلَتِهِ قَرَابَتَهُ قُلْتُ وَ إِنْ كَانَ لَا يَرَى مَا أَرَى وَ هُوَ نَاصِبٌ قَالَ يُخَفَّفُ عَنْهُ بَعْضُ مَا هُوَ فِيهِ.. أقول و هذا أيضا ذكره ابن بابويه في كتابه. الْحَادِي عَشَرَ مَا رَوَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَلَوِيُّ الْكَوْكَبِيُّ فِي كِتَابِ الْمَنْسِكِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي إِبْرَاهِيمَ عليه السلام أَحُجُّ وَ أُصَلِّي وَ أَتَصَدَّقُ عَنِ الْأَحْيَاءِ وَ الْأَمْوَاتِ مِنْ قَرَابَتِي وَ أَصْحَابِي قَالَ نَعَمْ صَدِّقْ عَنْهُ وَ صَلِّ عَنْهُ وَ لَكَ أَجْرٌ آخَرُ بِصَلَاتِكَ إِيَّاهُ.. قال ابن طاوس رحمه الله يحمل في الحي على ما يصح فيه النيابة من الصلوات و يبقى الميت على عمومه - الثَّانِي عَشَرَ مَا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ مَحْبُوبٍ فِي كِتَابِ الْمَشِيخَةِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: يَدْخُلُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ الصَّلَاةُ وَ الصَّوْمُ وَ الْحَجُّ وَ الصَّدَقَةُ وَ الْبِرُّ وَ الدُّعَاءُ قَالَ وَ يُكْتَبُ أَجْرُهُ لِلَّذِي يَفْعَلُهُ وَ لِلْمَيِّتِ. و هذا الحسن بن محبوب يروي عن ستين رجلا من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام و روي عن الرضا عليه السلام و قد دعا له الرضا عليه السلام و أثنى عليه فقال فيما كتبه إن الله قد أيدك بحكمة و أنطقها على لسانك قد أحسنت و أصبت أصاب الله بك الرشاد و يسرك للخير و وفقك لطاعته. - الثَّالِثَ عَشَرَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ بِطَرِيقٍ آخَرَ عَنِ الْإِمَامِ عليه السلام يَدْخُلُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ الصَّلَاةُ وَ الصَّوْمُ وَ الْحَجُّ وَ الصَّدَقَةُ وَ الْبِرُّ وَ الدُّعَاءُ قَالَ وَ يُكْتَبُ أَجْرُهُ لِلَّذِي يَفْعَلُهُ وَ لِلْمَيِّتِ.. قال السيد ره هذا عمن أدركه محمد بن أبي عمير من الأئمة و لعله مولانا الرضا ع. - الرَّابِعَ عَشَرَ مَا رَوَاهُ إِسْحَاقُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ يَدْخُلُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ الصَّلَاةُ وَ الصَّوْمُ وَ الْحَجُّ وَ الصَّدَقَةُ وَ الْبِرُّ وَ الدُّعَاءُ قَالَ وَ يُكْتَبُ أَجْرُهُ لِلَّذِي يَفْعَلُهُ وَ لِلْمَيِّتِ. - الْخَامِسَ عَشَرَ رَوَى ابْنُ بَابَوَيْهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام تَدْخُلُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي قَبْرِهِ الصَّلَاةُ وَ الصَّوْمُ وَ الْحَجُّ وَ الصَّدَقَةُ وَ الْعِتْقُ. - السَّادِسَ عَشَرَ مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّ الصَّلَاةَ وَ الصَّوْمَ وَ الصَّدَقَةَ وَ الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ وَ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ حَتَّى إِنَّ الْمَيِّتَ لَيَكُونُ فِي ضِيقٍ فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ وَ يُقَالُ إِنَّ هَذَا بِعَمَلِ ابْنِكَ فُلَانٍ وَ بِعَمَلِ أَخِيكَ فُلَانٍ أَخُوهُ فِي الدِّينِ.. قال السيد قال عليه السلام أخوه في الدين إيضاح لكل ما يدخل تحت عمومه من الابتداء بالصلاة عن الميت أو بالإجارات - السَّابِعَ عَشَرَ مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ يَقْطِينٍ وَ كَانَ عَظِيمَ الْقَدْرِ عِنْدَ أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى عليه السلام لَهُ كِتَابُ الْمَسَائِلِ عَنْهُ قَالَ وَ عَنِ الرَّجُلِ يَتَصَدَّقُ عَنِ الْمَيِّتِ وَ يَصُومُ وَ يُعْتِقُ وَ يُصَلِّي قَالَ كُلُّ ذَلِكَ حَسَنٌ يَدْخُلُ مَنْفَعَتُهُ عَلَى الْمَيِّتِ. الثَّامِنَ عَشَرَ مَا رَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْمِيثَمِيُّ فِي أَصْلِ كِتَابِهِ قَالَ حَدَّثَنِي كِرْدِينٌ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام الصَّدَقَةُ وَ الْحَجُّ وَ الصَّوْمُ يَلْحَقُ الْمَيِّتَ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَقَالَ هَذَا الْقَاضِي خَلْفِي وَ هُوَ لَا يَرَى ذَلِكَ قَالَ قُلْتُ وَ مَا أَنَا وَ ذَا فَوَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَنِي أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ لَضَرَبْتُ عُنُقَهُ قَالَ فَضَحِكَ قَالَ وَ سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عليه السلام عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ أَ تَلْحَقُ بِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قُلْتُ إِنِّي لَمْ أَتَصَدَّقْ بِصَدَقَةٍ مُذْ مَاتَتْ أُمِّي إِلَّا عَنْهَا قَالَ نَعَمْ قُلْتُ أَ فَتَرَى غَيْرَ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ نِصْفٌ عَنْكَ وَ نِصْفٌ عَنْهَا قُلْتُ أَ يَلْحَقُ بِهَا قَالَ نَعَمْ.. قال السيد قوله الصلاة على الميت أي التي كانت على الميت أيام حياته و لو كانت ندبا كان الذي يلحقه ثوابها دون الصلاة نفسها. - التَّاسِعَ عَشَرَ مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ عُثْمَانَ فِي كِتَابِهِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّ الصَّلَاةَ وَ الصَّوْمَ وَ الصَّدَقَةَ وَ الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ وَ كُلَّ عَمَلٍ صَالِحٍ يَنْفَعُ الْمَيِّتَ حَتَّى إِنَّ الْمَيِّتَ لَيَكُونُ فِي ضِيقٍ فَيُوَسَّعُ عَلَيْهِ وَ يُقَالُ هَذَا بِعَمَلِ ابْنِكَ فُلَانٍ أَوْ بِعَمَلِ أَخِيكَ فُلَانٍ أَخُوهُ فِي الدِّينِ. الْعِشْرُونَ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُنْدَبٍ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَى أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام أَسْأَلُهُ عَنِ الرَّجُلِ يُرِيدُ أَنْ يَجْعَلَ أَعْمَالَهُ مِنَ الصَّلَاةِ وَ الْبِرِّ وَ الْخَيْرِ أَثْلَاثاً ثُلُثاً لَهُ وَ ثُلُثَيْنِ لِأَبَوَيْهِ أَوْ يُفْرِدَهُمَا مِنْ أَعْمَالِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يَتَطَوَّعُ بِهِ وَ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا حَيّاً وَ الْآخَرُ مَيِّتاً فَكَتَبَ إِلَيَّ أَمَّا الْمَيِّتُ فَحَسَنٌ جَائِزٌ وَ أَمَّا الْحَيُّ فَلَا إِلَّا الْبِرَّ وَ الصِّلَةَ.. قال السيد لا يراد بهذا الصلاة المندوبة لأن الظاهر جوازها عن الأحياء في الزيارات و الحج و غيرهما. الْحَادِي وَ الْعِشْرُونَ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى الْكَاظِمِ عليه السلام مِثْلَهُ وَ أَجَابَهُ بِمِثْلِهِ. الثَّانِي وَ الْعِشْرُونَ مَا رَوَاهُ أَبَانُ بْنُ عُثْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مِسْمَعٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّ أُمِّي هَلَكَتْ وَ لَمْ أَتَصَدَّقْ بِصَدَقَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ إِلَى قَوْلِهِ أَ فَيُلْحَقُ ذَلِكَ بِهَا قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَ الْحَجُّ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ وَ الصَّلَاةُ قَالَ نَعَمْ قَالَ ثُمَّ سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ عليه السلام بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضاً عَنِ الصَّوْمِ فَقَالَ نَعَمْ. - الثَّالِثُ وَ الْعِشْرُونَ مَا رَوَاهُ الْكُلَيْنِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا يَمْنَعُ الرَّجُلَ مِنْكُمْ أَنْ يَبَرَّ وَالِدَيْهِ حَيَّيْنِ وَ مَيِّتَيْنِ يُصَلِّيَ عَنْهُمَا وَ يَتَصَدَّقَ عَنْهُمَا وَ يَحُجَّ عَنْهُمَا وَ يَصُومَ عَنْهُمَا فَيَكُونَ الَّذِي صَنَعَ لَهُمَا وَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَيَزِيدُهُ اللَّهُ بِبِرِّهِ وَ صَلَاتِهِ خَيْراً كَثِيراً. - الرَّابِعُ وَ الْعِشْرُونَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: الصَّلَاةُ الَّتِي حَصَلَ وَقْتُهَا قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ الْمَيِّتُ يَقْضِي عَنْهُ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ.. ثم ذكر ره عشرة أحاديث تدل بطريق العموم. - الْأَوَّلُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي يَعْفُورٍ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: يُقْضَى عَنِ الْمَيِّتِ الْحَجُّ وَ الصَّوْمُ وَ الْعِتْقُ وَ فَعَالُهُ الْحَسَنُ. - الثَّانِي مَا رَوَاهُ صَفْوَانُ بْنُ يَحْيَى وَ كَانَ مِنْ خَوَاصِّ الرِّضَا وَ الْجَوَادِ عليه السلام وَ رَوَى عَنْ أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: يُقْضَى عَنِ الْمَيِّتِ الْحَجُّ وَ الصَّوْمُ وَ الْعِتْقُ وَ فَعَالُهُ الْحَسَنُ. - الثَّالِثُ مَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: يُقْضَى عَنِ الْمَيِّتِ الْحَجُ وَ الصَّوْمُ وَ الْعِتْقُ وَ فَعَالُهُ الْحَسَنُ. - الرَّابِعُ مَا رَوَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ رَزِينٍ فِي كِتَابِهِ وَ هُوَ أَحَدُ رِجَالِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: يُقْضَى عَنِ الْمَيِّتِ الْحَجُّ وَ الصَّوْمُ وَ الْعِتْقُ وَ فَعَالُهُ الْحَسَنُ. - الْخَامِسُ مَا رَوَاهُ الْبَزَنْطِيُّ ره وَ كَانَ مِنْ رِجَالِ الرِّضَا عليه السلام قَالَ: يُقْضَى عَنِ الْمَيِّتِ الْحَجُّ وَ الصَّوْمُ وَ الْعِتْقُ وَ فِعْلُهُ الْحَسَنُ. - السَّادِسُ مَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْفَاخِرِ مِمَّا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَ صَحَّ مِنْ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ عليهم السلام قَالَ: وَ يُقْضَى عَنِ الْمَيِّتِ أَعْمَالُهُ الْحَسَنَةُ كُلُّهَا. - السَّابِعُ مَا رَوَاهُ ابْنُ بَابَوَيْهِ ره عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: مَنْ عَمِلَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَمَلًا صَالِحاً عَنْ مَيِّتٍ أَضْعَفَ اللَّهُ أَجْرَهُ وَ نَفَعَ اللَّهُ بِهِ الْمَيِّتَ. - الثَّامِنُ مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَنْ عَمِلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مَيِّتٍ عَمَلًا صَالِحاً أَضْعَفَ اللَّهُ أَجْرَهُ وَ يُنَعِّمُ بِذَلِكَ الْمَيِّتَ. - التَّاسِعُ مَا رَوَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ رَزِينٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: يُقْضَى عَنِ الْمَيِّتِ الْحَجُّ وَ الصَّوْمُ وَ الْعِتْقُ وَ فَعَالُهُ الْحَسَنُ. - الْعَاشِرُ مَا رَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ عُثْمَانَ فِي كِتَابِهِ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَنْ عَمِلَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ مَيِّتٍ عَمَلًا صَالِحاً أَضْعَفَ اللَّهُ أَجْرَهُ وَ يُنَعِّمُ بِذَلِكَ الْمَيِّتَ. - قُلْتُ وَ رَوَى يُونُسُ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ رَزِينٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: يُقْضَى عَنِ الْمَيِّتِ الْحَجُّ وَ الصَّوْمُ وَ الْعِتْقُ وَ الْفِعْلُ الْحَسَنُ. وَ مِمَّا يُصْلِحُ هُنَا مَا أَوْرَدَهُ فِي التَّهْذِيبِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يُصَلِّي عَنْ وَلَدِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَ عَنْ وَالِدَيْهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَكْعَتَيْنِ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ كَيْفَ صَارَ لِلْوَلَدِ اللَّيْلُ قَالَ لِأَنَّ الْفِرَاشَ لِلْوَلَدِ قَالَ وَ كَانَ يَقْرَأُ فِيهِمَا الْقَدْرَ وَ الْكَوْثَرَ.. فإن هذا الحديث يدل على وقوع الصلاة عن الميت من غير الولد كالأب و هو حجة على من ينفي الوقوع أصلا أو ينفيه إلا من الولد. ثم ذكر ره أن الصلاة دين و كل دين يقضى عن الميت أما أن الصلاة تسمى دينا ففيه أربعة أحاديث. - الْأَوَّلُ مَا رَوَاهُ حَمَّادٌ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الصَّادِقِ عليه السلام فِي إِخْبَارِهِ عَنْ لُقْمَانَ عليه السلام إِذَا جَاءَ وَقْتُ صَلَاةٍ فَلَا تُؤَخِّرْهَا بِشَيْءٍ صَلِّهَا وَ اسْتَرِحْ مِنْهَا فَإِنَّهَا دَيْنٌ. - الثَّانِي مَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَابَوَيْهِ فِي بَابِ آدَابِ الْمُسَافِرِ إِذَا جَاءَ وَقْتُ صَلَاةٍ فَلَا تُؤَخِّرْهَا لِشَيْءٍ صَلِّهَا وَ اسْتَرِحْ مِنْهَا فَإِنَّهَا دَيْنٌ. الثَّالِثُ مَا رَوَاهُ ابْنُ بَابَوَيْهِ فِي كِتَابِ مَعَانِي الْأَخْبَارِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ فِي حَدِيثِ الْأَذَانِ لَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ ص إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ فَرَضْتُهَا عَلَى عِبَادِي وَ جَعَلْتُهَا لِي دَيْناً إِذَا رُوِيَ بِفَتْحِ الدَّالِ. الرَّابِعُ مَا رَوَاهُ حَرِيزُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ صَلَاةٍ قَامَ يَقْضِيهِ فَخَافَ أَنْ يُدْرِكَهُ الصُّبْحُ وَ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ لَيْلَتِهِ تِلْكَ قَالَ يُؤَخِّرُ الْقَضَاءَ وَ يُصَلِّي صَلَاةَ لَيْلَتِهِ تِلْكَ وَ أَمَّا قَضَاءُ الدَّيْنِ عَنِ الْمَيِّتِ فَلِقَضِيَّةِ الْخَثْعَمِيَّةِ لَمَّا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ ص فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص إِنَّ أَبِي أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ الْحَجِّ شَيْخاً زَمِناً لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحُجَّ إِنْ حَجَجْتَ عَنْهُ أَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ قَالَ لَهَا أَ رَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيكِ دَيْنٌ فَقَضَيْتِهِ أَ كَانَ يَنْفَعُهُ ذَلِكَ قَالَتْ نَعَمْ قَالَ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ.. إذا تقرر ذلك فلو أوصى الميت بالصلاة عنه وجب العمل بوصيته لعموم قوله تعالى فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ و لأنه لو أوصى ليهودي أو نصراني وجب إنفاذ وصيته فكيف الصلاة المشروعة. لِرِوَايَةِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ أَعْطِهِ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ وَ إِنْ كَانَ يَهُودِيّاً أَوْ نَصْرَانِيّاً إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ يَقُولُ- فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ فَإِنَّما إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ. - وَ ذَكَرَ الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَوْصَى إِلَيَّ أَنْ أَضَعَ فِي يَهُودِيٍّ أَوْ نَصْرَانِيٍّ لَوَضَعْتُ فِيهِمْ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ الْآيَةَ.. قال السيد بعد هذا الكلام و يدل على أن الصلاة عن الميت أمر مشروع تعاقد صفوان بن يحيى و عبد الله بن جندب و علي بن النعمان في بيت الله الحرام أن من مات منهم يصلي من بقي صلاته و يصوم عنه و يحج عنه ما دام حيا فمات صاحباه و بقي صفوان فكان يفي لهما بذلك فيصلي كل يوم و ليلة خمسين و مائة ركعة و هؤلاء من أعيان مشايخ الأصحاب و الرواة عن الأئمة ع. قال السيد ره حسنا قال إنك إذا اعتبرت كثيرا من الأحكام الشرعية وجدت الأخبار فيها مختلفة حتى صنف لأجلها كتب و لم يستوعب الخلاف و الصلاة عن الأموات قد ورد فيها مجموع هذه الأخبار و لم نجد خبرا واحدا يخالفها و من المعلوم أن هذا المهم في الدين لا يخلو عن شرع بقضاء أو ترك فإذا وجد المقتضي و لم يوجد المانع علم موافقة ذلك للحكمة الإلهية. و قد ذكر ذلك الأصحاب لأنهم مفتون بلزوم قضاء الصلاة على الولي فقد حكى ابن حمزة في كتابه في قضاء الصلاة عن الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسين الشوهاني أنه كان يجوز الاستيجار عن الميت و استدل ابن زهرة على وجوب قضاء الولي الصلاة بالإجماع على أنها تجري مجرى الصوم و الحج و قد سبقه ابن الجنيد بهذا الكلام حيث قال و العليل إذا وجبت عليه الصلاة و أخرها عن وقتها إلى أن فاتت قضاها عنه وليه كما يقضي حجة الإسلام و الصيام قال و كذلك روى أبو يحيى إبراهيم بن سليم عن أبي عبد الله عليه السلام فقد سويا بين الصلاة و بين الحج و لا ريب في جواز الاستيجار على الحج. قلت هذه المسألة أعني الاستيجار على فعل الصلاة الواجبة بعد الوفاة مبنية على مقدمتين إحداهما جواز الصلاة عن الميت و هذه إجماعية و الأخبار الصحيحة ناطقة بها كما تلوناه و الثانية أنه كلما جازت الصلاة عن الميت جاز الاستيجار عنه. و هذه المقدمة داخلة في عموم الاستيجار على الأعمال المباحة التي يمكن أن تقع للمستأجر و لا يخالف فيها أحد من الإمامية بل و لا من غيرهم لأن المخالف من العامة إنما منع لزعمه أنه لا يمكن وقوعها للمستأجر عنه أما من يقول بإمكان وقوعها له و هم جميع الإمامية فلا يمكنه القول بمنع الاستيجار إلا أن يخرق الإجماع في إحدى المقدمتين على أن هذا النوع قد انعقد عليه الإجماع من الإمامية الخلف و السلف من عهد المصنف و ما قبله إلى زماننا هذا و قد تقرر أن إجماعهم حجة قطعية. فإن قلت فهلا اشتهر الاستيجار على ذلك و العمل به عن النبي ص و الأئمة عليهم السلام كما اشتهر الاستيجار على الحج حتى علم من المذهب ضرورة. قلت ليس كل واقع يجب اشتهاره و لا كل مشهور يجب الجزم بصحته فرب مشهور لا أصل له و رب متأصل لم يشتهر إما لعدم الحاجة إليه في بعض الأحيان أو لندور وقوعه و الأمر في الصلاة كذلك فإن سلف الشيعة كانوا على ملازمة الفريضة و النافلة على حد لا يقع من أحد منهم إخلال بها إلا لعذر يعتد به كمرض موت أو غيره و إذا اتفق فوات فريضة بادروا إلى فعلها لأن أكثر قدمائهم على المضايقة المحضة فلم يفتقروا إلى هذه المسألة و اكتفوا بذكر قضاء الولي لما فات الميت من ذلك على طريقة الندور و يعرف هذه الدعاوي من طالع كتب الحديث و الفقه و سيرة السلف معرفة لا يرتاب فيها. فخلف من بعدهم قوم تطرق إليهم التقصير و استولى عليهم فتور الهمم حتى آل الحال إلى أنه لا يوجد من يقوم بكمال السنن إلا أوحديهم و لا مبادر بقضاء الفائت إلا أقلهم فاحتاجوا إلى استدراك ذلك بعد الموت لظنهم عجز الولي عن القيام فوجب رد ذلك إلى الأصول المقررة و القواعد الممهدة و فيما ذكرناه كفاية انتهى كلامه زيد إكرامه. و لقد حقق و أفاد و أحسن و أجاد و الحديث الثاني و الثالث مذكوران في كتاب المسائل و العشرون و الحادي و العشرون و هما واحد رواه في قرب الإسناد عن أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسن بن محبوب عن عبد الله بن جندب و الثالث و العشرون رواه مرسلا في عدة الداعي و لا بأس أن نتمم ما حققه ببعض الكلام. اعلم أن الصلوات و الأعمال التي يؤتى بها للميت على وجوه و أنواع الأول الإتيان بالتطوعات و إهداء ثوابها إلى الميت و هذا مما لا ريب في جوازه و استحبابه كالصلوات المندوبة و الصوم و الحج المندوبين و الصدقات المستحبة بل يجوز ذلك للأحياء أيضا بأن يشركهم في ثوابها بعد الفعل أو يهب لهم جميع الثواب و الأحوط أن لا يفعل الأخير في الواجبات. الثاني الصلاة التي فاتت عن الميت و علم ذلك و لم يكن له ولد أو كان و لم يأت بها فالظاهر أنه يجوز فعلها تبرعا عن الميت و الاستيجار له و إن لم يرد بخصوصه في الأخبار و لم يكن مشتهرا بين قدماء الأصحاب لكن لا يبعد القول به بالعمومات و لو تبرع الموجر بها أو ألزم على نفسه بالنذر أو اليمين و تبرع الوارث أو غيره بالأجرة من غير شرط و صيغة لكان أولى و أحوط. الثالث الصلاة أو الصوم أو الحج باحتمال أن عليه قضاء إما بالإخلال بها أو ببعض شرائطها و واجباتها كما في أكثر الناس حيث يأتون بها مع جهلهم بالمسائل و عدم تصحيحهم للقراءة و عدم تورعهم عن النجاسات أو الثياب المغصوبة و أشباه ذلك فالظاهر استحباب إيقاعهم ثانيا بأنفسهم و الاستيجار لهم و التبرع عنهم بعد وفاتهم لعمومات الاحتياط و لقصة صفوان. الرابع أن يفعل للميت قضاء الصلاة و الصوم و شبههما مع العلم أو الظن الغالب بعدم شغل ذمتهم بها ففيه إشكال و إن شمله بعض الأخبار المتقدمة بل الظاهر من حال صفوان و رفيقيه ذلك لأن سائر الأخبار غير صريحة في ذلك و قصة صفوان رووها مرسلا. و قد يتسامح في أسانيد تلك القصص التي ليس الغرض الأصلي من إيرادها تأسيس حكم شرعي. ثم إنه يمكن المناقشة في بعض استدلالات السيد و الشهيد قدس الله روحهما و دعوى الإجماع و غير ذلك طويناه على غرة إذ بعد وضوح المرام لا طائل تحت ذلك إلا الإطناب و تكثير حجم الكتاب.
بحار الأنوار - ج ٨٥ - الصفحة ٣٠٤. — الإمام الصادق عليه السلام
غِيَاثُ سُلْطَانِ الْوَرَى، عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ
قُلْتُ لَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ مِنْ صَلَاةٍ قَامَ يَقْضِيهِ فَخَافَ أَنْ يُدْرِكَهُ الصُّبْحُ وَ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ لَيْلَتِهِ تِلْكَ قَالَ يُؤَخِّرُ الْقَضَاءَ وَ يُصَلِّي صَلَاةَ لَيْلَتِهِ تِلْكَ.. أقول: ألف السيد الجليل علي بن طاوس قدس الله لطيفه رسالة في عدم المضايقة في فوائت الصلوات و لنذكر هنا بعضها قال بعد إيراد رواية قرب الإسناد كما مر - وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَيْتُهُ مِنْ كِتَابِ الْفَاخِرِ الْمُخْتَصَرِ مِنْ كِتَابِ بَحْرِ الْأَحْكَامِ تَأْلِيفِ أَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمٍ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرَ فِي خُطْبَتِهِ أَنَّهُ مَا رُوِيَ فِيهِ إِلَّا مَا أُجْمِعَ عَلَيْهِ وَ صَحَّ مِنْ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ عليهم السلام عِنْدَهُ وَ قَالَ فِيهِ مَا هَذَا لَفْظُهُ وَ الصَّلَوَاتُ الْفَائِتَاتُ يُقْضَيْنَ مَا لَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ فَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ بَدَأَ بِالَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا وَ قَضَى الْفَائِتَةَ مَتَى أَحَبَّ. وَ مِنْ ذَلِكَ مَا رَوَيْتُهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِ وَ قِيلَ إِنَّ كِتَابَهُ عُرِضَ عَلَى الصَّادِقِ عليه السلام فَاسْتَحْسَنَهُ وَ قَالَ لَيْسَ لِهَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُخَالِفِينَ مِثْلُهُ قَالَ فِيهِ وَ مَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ وَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِمِقْدَارِ مَا يُصَلِّيهِمَا جَمِيعاً فَلْيُصَلِّهِمَا وَ إِنِ اسْتَيْقَظَ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّ الْفَجْرَ ثُمَّ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ. وَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَرْوِيهِ بِإِسْنَادِي إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْبُوبٍ مِنْ أَصْلٍ بِخَطِّ جَدِّي أَبِي جَعْفَرٍ الطُّوسِيِّ (رضوان اللّه عليه) فَقَالَ فِي كِتَابِهِ نَوَادِرِ الْمُصَنِّفِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارِ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَجُلٍ يَنَامُ عَنِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَ هُوَ فِي سَفَرٍ كَيْفَ يَصْنَعُ أَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ بِالنَّهَارِ قَالَ لَا يَقْضِي صَلَاةً نَافِلَةً وَ لَا فَرِيضَةً بِالنَّهَارِ وَ لَا يَجُوزُ لَهُ وَ لَا يَثْبُتُ لَهُ وَ لَكِنْ يُؤَخِّرُهَا فَيَقْضِيهَا بِاللَّيْلِ. وَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَرْوِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَهْوَازِيِّ (رضوان اللّه عليه) مِمَّا رَوَاهُ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ الصَّيْقَلِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ الْأُولَى حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعَصْرِ قَالَ فَلْيَجْعَلْهُمَا الْأُولَى وَ لْيَسْتَأْنِفِ الْعَصْرَ قُلْتُ فَإِنَّهُ نَسِيَ الْمَغْرِبَ حَتَّى صَلَّى رَكْعَتَيْنِ مِنَ الْعِشَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ قَالَ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ ثُمَّ لْيَقْضِ بَعْدُ الْمَغْرِبَ قَالَ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَتَى نَسِيَ الظُّهْرَ ثُمَّ ذَكَرَ وَ هُوَ فِي الْعَصْرِ يَجْعَلُهَا الْأُولَى ثُمَّ يَسْتَأْنِفُ وَ قُلْتُ لِهَذَا يَقْضِي صَلَاتَهُ بَعْدُ الْمَغْرِبَ فَقَالَ لَيْسَ هَذَا مِثْلَ هَذَا إِنَّ الْعَصْرَ لَيْسَ بَعْدَهَا صَلَاةٌ وَ الْعِشَاءُ بَعْدَهَا صَلَاةٌ. وَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَرْوِيهِ أَيْضاً عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ الْمُشَارِ إِلَيْهِ (رضوان اللّه عليه) فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ مَا هَذَا لَفْظُهُ صَفْوَانُ عَنْ عِيصِ بْنِ الْقَاسِمِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ أَوْ نَامَ عَنِ الصَّلَاةِ حَتَّى دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى فَقَالَ إِنْ كَانَتْ صَلَاةَ الْأُولَى فَلْيَبْدَأْ بِهَا وَ إِنْ كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَلْيُصَلِّ الْعِشَاءَ ثُمَّ يُصَلِّي الْعَصْرَ. - وَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَرْوِيهِ أَيْضاً عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مَا هَذَا لَفْظُهُ حَدَّثَنَا فَضَالَةُ وَ النَّضْرُ بْنُ سُوَيْدٍ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِنْ نَامَ رَجُلٌ أَوْ نَسِيَ أَنْ يُصَلِّيَ الْمَغْرِبَ وَ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ قَبْلَ الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يُصَلِّيهِمَا كِلْتَيْهِمَا فَلْيُصَلِّهِمَا وَ إِنْ خَافَ أَنْ تَفُوتَهُ إِحْدَاهُمَا فَلْيَبْدَأْ بِالْعِشَاءِ وَ إِنِ اسْتَيْقَظَ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّ الصُّبْحَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ. - وَ مِنْ ذَلِكَ مَا أَرْوِيهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ مَا هَذَا لَفْظُهُ حَمَّادٌ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِنْ نَامَ رَجُلٌ وَ لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ وَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ أَوْ نَسِيَ فَإِنِ اسْتَيْقَظَ قَبْلَ الْفَجْرِ قَدْرَ مَا يُصَلِّيهِمَا كِلْتَيْهِمَا فَلْيُصَلِّهِمَا وَ إِنْ خَشِيَ أَنْ تَفُوتَ إِحْدَاهُمَا فَلْيَبْدَأْ بِالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَ إِنِ اسْتَيْقَظَ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلْيَبْدَأْ فَلْيُصَلِّ الْفَجْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَ إِنْ خَافَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَتَفُوتَ إِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ فَلْيُصَلِّ الْمَغْرِبَ وَ يَدَعُ الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَ يَذْهَبَ شُعَاعُهَا ثُمَّ لْيُصَلِّهَا.. و من ذلك ما رأيته في كتاب النقض على من أظهر الخلاف لأهل بيت النبي ص إملاء أبي عبد الله الحسين بن عبيد الله بن علي المعروف بالواسطي فقال ما هذا لفظه مسألة من ذكر صلاة و هو في أخرى قال أهل البيت عليهم السلام يتمم التي هو فيها و يقضي ما فاته و به قال الشافعي ثم ذكر خلاف الفقهاء المخالفين لأهل البيت عليهم السلام ثم ذكر في أواخر المجلدة. مسألة أخرى من ذكر صلاة و هو في أخرى إن سأل سائل فقال أخبرونا عمن ذكر صلاة و هو في أخرى ما الذي يجب عليه قيل له يتمم التي هو فيها و يقضي ما فاته و به قال الشافعي ثم ذكر خلاف المخالفين و قال - دَلِيلُنَا عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: مَنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ ثُمَّ ذَكَرَ صَلَاةً أُخْرَى فَاتَتْهُ أَتَمَّ الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ يَقْضِي مَا فَاتَهُ.. يقول علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاوس هذا آخر ما أردنا ذكره من الروايات أو ما رأينا مما لم يكن مشهورا بين أهل الدرايات و صلى الله على سيد المرسلين محمد النبي و آله الطاهرين و سلم. و وجدت في أمالي السيد أبي طالب علي بن الحسين الحسني في المواسعة ما هذا لفظه حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ رَامِسٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ الدَّارَقُطْنِيُّ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ نَصْرِ بْنِ طَالِبٍ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَبُو ذُهْلٍ عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ الْغَفَّارِ الْعَسْقَلَانِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ سُلَيْمَانُ الزَّاهِدُ حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ مَعْنٍ حَدَّثَنَا الْعَلَاءُ بْنُ الْمُسَيَّبِ بْنِ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص وَ كَيْفَ أَقْضِي قَالَ صَلِّ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ مِثْلَهَا قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ص قَبْلُ أَمْ بَعْدُ قَالَ قَبْلُ.. أقول و هذا حديث صريح و هذه الأمالي عندنا الآن في أواخر مجلدة قال الطالبي أولها الجزء الأول من المنتخب من كتاب زاد المسافر تأليف أبي العلاء الحسن بن أحمد العطار الهمداني و قد كتب في حياته و كان عظيم الشأن. ثم قال السيد رضي الله عنه و من المنامات عن الصادقين الذين لا يشبه بهم شيء من الشياطين في المواسعة و إن لم يكن ذلك مما يحتج به لكنه مستطرف ما وجدته بخط الخازن أبي الحسن (رضوان اللّه عليه) و كان رجلا عدلا متفقا عليه و بلغني أن جدي وراما (رضوان اللّه عليه) صلى خلفه مؤتما به ما هذا لفظه رأيت في منامي ليلة سادس عشر جمادى الآخرة أمير المؤمنين و الحجة عليه السلام و كان على أمير المؤمنين عليه السلام ثوب خشن و على الحجة ثوب ألين منه فقلت لأمير المؤمنين ع يا مولاي ما تقول في المضايقة فقال لي سل صاحب الأمر و مضى أمير المؤمنين عليه السلام و بقيت أنا و الحجة فجلسنا في موضع فقلت له ما تقول في المضايقة فقال قولا مجملا تصلي. فقلت له قولا هذا معناه و إن اختلفت ألفاظه في الناس من يعمل نهاره و يتعب و لا يتهيأ له المضايقة فقال يصلي قبل آخر الوقت فقلت له ابن إدريس يمنع من الصلاة قبل آخر الوقت ثم التفت فإذا ابن إدريس ناحية عنا فناداه الحجة عليه السلام يا ابن إدريس فجاءه و لم يسلم عليه و لم يتقدم إليه فقال له لم تمنع الناس من الصلاة قبل آخر الوقت أ سمعت هذا من الشارع فسكت و لم يعد جوابا و انتبهت في أثر ذلك. أقول ثم ذكر السيد منامين آخرين في هذا المعنى أحدهما من الخازن المذكور و الآخر من الوزير محمد بن أحمد العلقمي تركناهما لعدم مناسبتهما للكتاب و الله أعلم بالصواب.
بحار الأنوار - ج ٨٥ - الصفحة ٣٢٧. — الإمام الباقر عليه السلام
سَبْعَةٌ لَا يُقَصِّرُونَ الصَّلَاةَ الْجَابِي الَّذِي يَدُورُ فِي جِبَايَتِهِ- ثُمَّ ذَكَرَ نَحْواً مِمَّا مَرَّ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ- وَ الرَّاعِي وَ الْبَدَوِيُّ الَّذِي يَطْلُبُ- وَ الرَّجُلُ الَّذِي يَطْلُبُ الصَّيْدَ يُرِيدُ بِهِ- وَ فِي آخِرِهِ يَقْطَعُ السُّبُلَ. وَ مِنْهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْمُتَوَكِّلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ السَّعْدَآبَادِيِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ يَرْفَعُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: خَمْسَةٌ يُتِمُّونَ فِي سَفَرٍ كَانُوا أَوْ فِي حَضَرٍ الْمُكَارِي وَ الْكَرِيُّ- وَ الْأَشْتَقَانُ وَ هُوَ الْبَرِيدُ وَ الرَّاعِي وَ الْمَلَّاحُ لِأَنَّهُ عَمَلُهُمْ. وَ مِنْهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ الْكُمُنْدَانِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: أَرْبَعَةٌ يَجِبُ عَلَيْهِمُ التَّمَامُ فِي سَفَرٍ كَانُوا أَوْ فِي حَضَرٍ- الْمُكَارِي وَ الْكَرِيُّ وَ الْأَشْتَقَانُ وَ الرَّاعِي لِأَنَّهُ عَمَلُهُمْ- قَالَ الصَّدُوقُ ره الْأَشْتَقَانُ الْبَرِيدُ. اعلم أن المشهور بين الأصحاب وجوب الإتمام على المسافر الذي سفره أكثر من حضره و هذا التعبير شائع في ألسنة الفقهاء و لم يرد في الأخبار هذا اللفظ بل إنما ورد فيها وجوب الإتمام على جماعة مخصوصة عملهم و صناعتهم السفر و لذا أول جماعة كلامهم بهذا المعنى و الظاهر قصر الحكم على الجماعة المذكورين في تلك الأخبار و ظاهر ابن أبي عقيل القول بوجوب التقصير على كل مسافر و الأول أقوى لما مضى من الأخبار و غيرها. و الكري فسره أكثر اللغويين بالمكاري و يحتمل تخصيص الكري بالجمال و المكاري بغيره أو تعميم المكاري و تفسير الكري بمن يكري نفسه للسفر كالبريد قال في الذكرى المراد بالكري في الرواية المكتري و قال بعض أهل اللغة قد يقال الكري على المكاري و الحمل على المغايرة أولى بالرواية لتكثر الفائدة و لأصالة عدم الترادف انتهى. و لعل مراده بالمكتري من يكري نفسه و قيل الذي يأخذ الكري من المكاري أو من صاحب المتاع و يكون دائما مع المكاري ملازما له. و الأشتقان سمعنا من مشايخنا أنه معرب دشتبان أي أمين البيادر يذهب من بيدر إلى بيدر و لا يقيم مكانا واحدا و فسره الصدوق بالبريد قال في المنتهى الأشتقان هو أمين البيدر ذكره أهل اللغة و قيل البريد. و قال في النهاية في الحديث إني لا أحبس البرد قال الزمخشري البرد يعني ساكنا جمع بريد و هو الرسول و البريد كلمة فارسية يراد بها في الأصل البغل و أصلها بريدة دم أي محذوف الذنب لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها فأعربت و خففت ثم سمي الرسول الذي يركبه بريدا و المسافة التي بين السكتين بريدا. و السكة موضع كان يسكنه الفيوج المرتبون من بيت أو قبة أو رباط و كان يرتب في كل سكة بغال و كان بعد ما بين السكتين فرسخا و قيل أربعة و منه الحديث لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة برد و هي ستة عشر فرسخا و الفرسخ ثلاثة أميال و الميل أربعة آلاف ذراع انتهى. و يستفاد من تعليل رواية ابن أبي عمير أن كل من كان السفر عمله و صنعته يجب عليه الإتمام 16 وَ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَلَّاحِينَ وَ الْأَعْرَابِ هَلْ عَلَيْهِمْ تَقْصِيرٌ- قَالَ لَا بُيُوتُهُمْ مَعَهُمْ. فيستفاد منها أن كل من شأنه أن يتحرك مع بيته و رحله فعليه التمام. فالظاهر أن المرجع في هذا الباب إلى صدق اسم المكاري و الملاح و أمثالهم عرفا و كذا صدق كون السفر عمله كاف في وجوب الإتمام و بهذا قطع العلامة و الشهيد لكنه قال في الذكرى و ذلك إنما يحصل بالسفرة الثالثة التي لم يتخلل قبلها إقامة تلك العشرة أي العشرة المنوية في غير بلده و مطلقا في بلده و اعتبر ذلك جماعة من الأصحاب و اعتبر ابن إدريس في غير صاحب الصنعة ثلاث دفعات و قال إن صاحب الصنعة من المكارين و الملاحين يجب عليهم الإتمام بنفس خروجهم إلى السفر لأن صنعتهم تقوم مقام من لا صنعة له ممن سفره أكثر من حضره و استقرب في المختلف الإتمام في الثانية إذا لم يقيموا بعد الأولى مطلقا و ليس لهذه التعليلات مستند يصح التعويل عليه غير ادعاء دلالة العرف عليه. و إذ قد عرفت أن الحكم في الأخبار ليس معلقا على الكثرة بل على مثل المكاري و الجمال و من اتخذ السفر عمله أو من كان بيته معه وجب أن تراعى هذه الأسماء عرفا فلو فرض عدم صدق الاسم بمرات كثيرة لم يتعلق حكم الإتمام. ثم اعلم أن أكثر الأصحاب قطعوا بأنه يشترط في إتمام هؤلاء أن لا يقيموا في بلدهم عشرة أيام وَ احْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: الْمُكَارِي إِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ فِي مَنْزِلِهِ إِلَّا خَمْسَةَ أَيَّامٍ وَ أَقَلَّ- قَصَّرَ فِي سَفَرِهِ بِالنَّهَارِ وَ أَتَمَّ بِاللَّيْلِ وَ عَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ- وَ إِنْ كَانَ لَهُ مُقَامٌ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ- عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَ أَكْثَرَ قَصَّرَ فِي سَفَرِهِ وَ أَفْطَرَ. و هذه الرواية في سندها جهالة و ما تضمن من الاكتفاء في التقصير نهارا بأقل من خمسة أيام متروك بين الأصحاب و مقتضاها إقامة العشرة في البلد الذي يذهب إليه و هو غير ما اعتبروه من الإقامة في بلدهم و مع ذلك فالحكم فيه مختص بالمكاري و لذا احتمل المحقق في المعتبر اختصاص الحكم بالمكاري و نقل في الشرائع قولا بذلك هو مجهول القائل. و عبارة الحديث تحتمل احتمالا آخر و هو أن يكون المراد إن كان له إرادة المقام في البلد الذي يذهب إليه قصر في سفره إلى ذلك البلد بل هو أظهر و هو خلاف مقصودهم و هذه الرواية أوردها الصدوق بطريق صحيح عن ابن سنان و متنه مغاير لما أورده الشيخ فإنه قال المكاري إذا لم يستقر في منزله إلا خمسة أيام أو أقل قصر في سفره بالنهار و أتم صلاة الليل و عليه صوم شهر رمضان فإن كان له مقام في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام أو أكثر و ينصرف إلى منزله و يكون له مقام عشرة أيام أو أكثر قصر في سفره و أفطر. و الظاهر أن في رواية الشيخ سقطت هذه الفقرة و مقتضى هذه الرواية اعتبار إقامة العشرة في المنزل الذي يذهب إليه أيضا و القول به غير معروف بين الأصحاب إلا أن العمل بمقتضى هذه الرواية الصحيحة غير بعيد. و استوجه ذلك بعض أفاضل المتأخرين و لم يعتن بمخالفة المشهور وَ مُرْسَلَةُ يُونُسَ أَيْضاً تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ عليه السلام أَيُّمَا مُكَارٍ أَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ- أَوْ فِي الْبَلَدِ الَّذِي يَدْخُلُهُ أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَةِ أَيَّامٍ- فَعَلَيْهِ التَّقْصِيرُ. لكنها تدل على الاكتفاء بأحدهما و يمكن حمل الخبر الأول عليه و المسألة محل إشكال و قل مكار لا يقيم في بلده أو في البلد الذي يذهب إليه عشرة أيام. و قال في المدارك ظاهر الأصحاب الاتفاق على أن إقامة العشرة أيام في البلدة قاطعة لكثرة السفر و موجبة للقصر و الظاهر أنه محل للاحتياط و ألحق الفاضلان و من تأخر عنهما بإقامة العشرة في البلد العشرة المنوية في غير بلده و هو حسن بحمل العشرة في رواية يونس على المنوية للإجماع المنقول على عدم تأثير غير المنوية و ألحق الشهيد العشرة الحاصلة بعد التردد ثلاثين و في التردد ثلاثين خلاف و الأقرب عدم الإلحاق كما اختاره الشهيدان. و متى وجب القصر على كثير السفر بإقامة العشرة ثم سافر مرة ثانية بدون إقامة فالأظهر وجوب الإتمام عليه مع بقاء الاسم كما صرح به ابن إدريس و غيره و اعتبر في الذكرى المرة الثالثة و هو ضعيف. و أما إقامة الخمسة فذهب الشيخ و ابن البراج و ابن حمزة إلى أنه يتم صلاة الليل خاصة للرواية المتقدمة و المشهور أنه لا تأثير لذلك أصلا و أجيب عن الرواية بأنها متروكة الظاهر فإنها تتضمن المساواة بين الخمسة و الأقل منها و الأقل يصدق على يوم و بعض يوم و لا قائل به مع أنها معارضة بقوله في صحيحة معاوية بن وهب هما واحد إذا قصرت أفطرت و إذا أفطرت قصرت. و مال بعض أفاضل المتأخرين إلى العمل به و أول الخبر بأن المراد إثبات الحكم المذكور لمن أقام خمسة أحيانا و أقل منه أحيانا أو بأن المراد بالأقل ما قارب الخمسة و ظاهر الصدوق العمل به و عدم الاشتهار بين المتأخرين غير ضائر. و ربما يحمل الخبر على التقية لأن الشافعي و جماعة كثيرة من العامة ذهبوا إلى الاكتفاء للإتمام بإقامة أربعة أيام سوى يوم القدوم و الخروج و ذهب جماعة منهم إلى احتساب اليومين و فيه تأمل و المسألة مشكلة و لعل الاحتياط في الجمع.
بحار الأنوار - ج ٨٦ - الصفحة ١٨. — الإمام الصادق عليه السلام
دَعَائِمُ الْإِسْلَامِ، عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٨٦ - الصفحة ٧٠. — الإمام الصادق عليه السلام
قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى عليه السلام قَالَ
سَأَلْتُهُ عَنِ النِّسَاءِ هَلْ عَلَيْهِنَّ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدَيْنِ وَ الْجُمُعَةِ مَا عَلَى الرِّجَالِ- قَالَ نَعَمْ. بيان: اعلم أن الأصحاب ذكروا أن من لا يلزمه الجمعة إذا حضرها جاز له فعلها تبعا و أجزأته عن الظهر و هذا الحكم مقطوع به في كلامهم بل قال في المنتهى لا خلاف في أن العبد و المسافر إذا صليا الجمعة أجزأتهما عن الظهر و حكي نحو ذلك في العبد و قال في المريض لو حضر وجبت عليه و انعقدت به و هو قول أكثر أهل العلم و قال في الأعرج لو حضر وجبت عليه و انعقدت به بلا خلاف و قال في التذكرة لو حضر المريض و المحبوس بعذر المطر أو الخوف وجبت عليهم و انعقدت بهم إجماعا و قال في النهاية من لا تلزمه الجمعة إذا حضرها و صلاها انعقدت جمعة و أجزأته. و يدل موثقة سماعة على الإجزاء عن المسافر و رواية علي بن جعفر على الإجزاء عن المرأة بل الوجوب عليها و تحمل على ما بعد الحضور أو على الاستحباب. ثم المشهور بينهم أن من لا يجب عليه السعي إلى الجمعة تجب عليه الصلاة مع الحضور و ممن صرح بذلك المفيد في المقنعة فقال و هؤلاء الذين وضع عنهم الجمعة متى حضروها لزمهم الدخول فيها و أن يصلوها كغيرهم و يلزمهم استماع الخطبة و الصلاة ركعتين و متى لم يحضروها لم تجب عليهم و كان عليهم الصلاة أربع ركعات كفرضهم في سائر الأيام و مقتضى كلامه ره وجوبها على الجميع مع الحضور من غير استثناء و نحوه قال الشيخ في النهاية. و قال في المبسوط أقسام الناس في الجمعة خمسة من تجب عليه و تنعقد به و هو الذكر الحر البالغ العاقل الصحيح المسلم من العمى و العرج و الشيخوخة التي لا حراك معها الحاضر و من هو في حكمه و من لا تجب عليه و لا تنعقد به و هو الصبي و المجنون و المسافر و المرأة لكن يجوز لهم فعلها إلا المجنون و من تنعقد به و لا تجب عليه و هو المريض و الأعمى و الأعرج و من كان على رأس أكثر من فرسخين و من تجب عليه و لا تنعقد به و هو الكافر لأنه مخاطب بالفروع عندنا و مختلف فيه و هو من كان مقيما في بلد من التجار و طلاب العلم و لا يكون مستوطنا بل يكون من عزمه متى انقضت حاجته خرج فإنه يجب عليه و تنعقد به عندنا و في انعقادها به خلاف. و الظاهر أن مراده (قدّس سرّه) بنفي الوجوب في موضع جواز الفعل نفي الوجوب العيني لأن الجمعة لا تقع مندوبة إجماعا كما قيل و ينبغي أن يقيد الوجوب المنفي عن المريض و الأعمى و الأعرج في كلام الشيخ بحال عدم الحضور لئلا ينافي الإجماع المنقول عن العلامة لكنه خلاف الظاهر من كلامه. و المستفاد من كلام المفيد و الشيخ في النهاية وجوبها على المرأة عند الحضور و صرح به ابن إدريس فقال بوجوبها على المرأة عند الحضور غير أنها لا تحسب من العدد و قطع المحقق في المعتبر و الشرائع بعدم الوجوب على المرأة و قال في المعتبر إن وجوب الجمعة عليها مخالف لما عليه اتفاق فقهاء الأمصار و طعن في رواية حفص الدالة على الوجوب بضعف السند و ظاهره عدم جواز الفعل أيضا و أما المسافر و العبد فالمشهور أنه تجب عليهما الجمعة عند الحضور و ظاهر المبسوط عدم الوجوب و هو المنقول عن ابن حمزة و قال في المدارك و الحق أن الوجوب العيني منتف قطعا بالنسبة إلى كل من سقط عنه الحضور و أما الوجوب التخييري فهو تابع لجواز الفعل انتهى. أقول أمر النية هين لا سيما بالنسبة إلى نوعي الوجوب فإذا ثبت الوجوب في الجملة فلا يلزم تعيين نوعه و أنت إذا تأملت في العبارات التي نقلناها في هذه المسألة و الأقوال التي قدمناها تبين حقيقة الإجماعات المنقولة. بقي الكلام في أن الجمعة بمن تنعقد من هؤلاء فقد نقل اتفاق الأصحاب على انعقادها بالعبد و الأعمى و المحبوس بعذر المطر و نحوه مع الحضور و أطبقوا على عدم انعقادها بالمرأة بمعنى احتسابها من العدد لأن الرهط و القوم و النفر الواقعة في الأخبار خصها أكثر اللغويين بالرجال. و اختلفوا في انعقادها بالمسافر و العبد لو حضرا فقال الشيخ في الخلاف و المحقق في المعتبر ينعقد بهما لأن ما دل على اعتبار العدد يتناولهما و قال في المبسوط و جمع من الأصحاب لا ينعقد بهما لأنهما ليسا من أهل فرض الجمعة و المسألة لا تخلو من إشكال و إن كان الانعقاد لا يخلو من قوة. و قال في الذكرى الظاهر وقوع الاتفاق على صحة الجمعة لجماعة المسافرين و إجزاؤها عن الظهر و هو مشكل لدلالة الروايات الصحيحة على أن فرض المسافر الظهر و على منعه من عقد الجمعة و إطلاق موثقة سماعة محمول على ما إذا حضر جمعة الحاضرين.
بحار الأنوار - ج ٨٦ - الصفحة ١٦٦. — غير محدد
كِتَابُ الْعَرُوسِ، لِلشَّيْخِ الْفَقِيهِ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْقُمِّيِّ (رحمه الله) بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ
تَجِبُ الْجُمُعَةُ عَلَى سَبْعَةِ نَفَرٍ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- وَ لَا تَجِبُ عَلَى أَقَلَّ مِنْهُمْ- الْإِمَامُ وَ قَاضِيهِ وَ الْمُدَّعِي حَقّاً وَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ- وَ الشَّاهِدَانِ وَ الَّذِي يَضْرِبُ الْحُدُودَ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ. بيان: هذا الخبر رواه في التهذيب عن محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن الحكم بن مسكين عن العلا عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام و رواه الصدوق في الفقيه بإسناده عن محمد بن مسلم و فيه و مدعيا حق و شاهدان و هو عمدة مستمسك المشترطين للإمام أو نائبه بعد الإجماع لدلالته على أنه إنما تجب الجمعة مع الإمام فلا تجب مع غيره و المراد بالإمام إمام الكل بقرينة القاضي و سائر من ذكر بعده. و اعترض عليه الشهيد الثاني رفع الله درجته بوجوه الأول ضعف الخبر فإن في طريقه الحكم بن مسكين و هو مجهول لم يذكره أحد من علماء الرجال المعتمدين و لم ينصوا عليه بتوثيق و لا ضده و ما هذا شأنه يرد الحديث لأجله لأن أدنى مراتب قبوله أن يكون حسنا أو موثقا إن لم يكن صحيحا و شهرته بين الأصحاب على وجه العمل بمضمونه بحيث يجبر ضعفه ممنوعة فإن مدلوله لا يقول به الأكثر. أقول و قد يجاب عنه بأن الخبر موجود في الفقيه عن محمد بن مسلم كما عرفت و سنده إليه صحيح. أقول صحة سنده إليه ممنوع على طريقة المتأخرين إذ في سنده علي بن أحمد بن عبد الله بن أبي عبد الله البرقي عن أبيه عن جده أحمد و هو و أبوه غير مذكورين في كتب الرجال و لم يوثقهما أحد و كونه من مشايخ الصدوق غير مفيد لتوثيق و لا مدح في غير هذا المقام و إن اعتبروه هنا اضطرارا. ثم قال الشهيد الثاني ره و ثانيها أن الخبر متروك الظاهر لأن مقتضى ظاهره أن الجمعة لا تنعقد إلا باجتماع هؤلاء و اجتماعهم جميعا ليس بشرط إجماعا و إنما الخلاف في حضور أحدهم و هو الإمام فما يدل عليه الخبر لا يقول به أحد و ما يستدل به منه لا يدل عليه بخصوصه فإن قيل حضور غيره خرج بالإجماع فيكون هو المخصص لمدلول الخبر فتبقى دلالته على ما لم يجمع عليه باقية قلنا يكفي في إطراحه و تهافته مع ضعفه مخالفة أكثر مدلوله لإجماع المسلمين و ما الذي يضطر إلى العمل ببعضه مع هذه الحالة العجيبة و ثالثها أن مدلوله من حيث العدد و هو السبعة متروك أيضا و معارض بالأخبار الصحيحة الدالة على اعتبار الخمسة خاصة و ما ذكر فيه السبعة غير هذا الخبر لا ينافي إيجابها على من دونهم بخلاف هذا الخبر فإنه نفي فيه وجوبها عن أقل من السبعة. و رابعها أنه مع تقدير سلامته من هذه القوادح يمكن حمله على حالة إمكان حضور الإمام و أما مع تعذره فيسقط اعتباره جمعا بين الأدلة و يؤيده إطلاق الوجوب فيه الدال بظاهره على الوجوب العيني المشروط عند من اعتبر هذا الحديث بحالة الحضور و أما حال الغيبة فلا يطلقون على حكم الصلاة اسم الوجوب بل الاستحباب بناء على ذهابهم حينئذ إلى الوجوب التخييري مع كون الجمعة أحد الفردين الواجبين تخييرا. و خامسها حمل العدد المذكور في الخبر على اعتبار حضور قوم من المكلفين بها بعدد المذكورين أعني حضور سبعة و إن لم يكونوا عين المذكورين نظرا إلى فساد حمله على ظاهره من اعتبار أعيان المذكورين لإجماع المسلمين على عدم اعتباره و قد نبه على هذا التأويل شيخنا المتقدم السعيد أبو عبد الله المفيد في كتاب الأشراف فقال و عددهم في عدد الإمام و الشاهدين و المشهود عليه و المتولي لإقامة الحد. و سادسها أن الإمام المذكور في الخبر لا يتعين حمله على الإمام المطلق أعني السلطان العادل بل هو أعم منه و المتيقن منه كون الجماعة لهم إمام يقتدون به حتى لا تصح صلاتهم فرادى و نحن نقول به. فإن قيل قرينته الإطلاق و عطف قاضيه عليه بإعادة الضمير إليه فإن الإمام غيره لا قاضي له قلنا قد اضطررنا عن العدول عن ظاهره لما ذكرناه من عدم اعتبار قاضيه و غيره فالإمام غيره و إن اعتبرنا خصوص الإمام فلا حجة فيه حينئذ و جاز إضافة القاضي إليه بأدنى ملابسة لأن المجمل باب تأويل لا محل تنزيل و باب التأويل متسع خصوصا مع دعاء الضرورة إليه على كل حال و نمنع من كون الإمام محمولا على السلطان خصوصا مع وجود الصارف. و سابعها أن العمل بظاهر الخبر يقتضي أن لا يقوم نائبه مقامه و هو خلاف إجماع المسلمين فهو قرينة أخرى على كون الإمام ليس هو المطلق أو محمول على العدد المقدم أو غيره. وَ ثَامِنُهَا أَنَّهُ مُعَارِضٌ بِمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَحَدِهِمَا عليهما السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ أُنَاسٍ فِي قَرْيَةٍ هَلْ يُصَلُّونَ الْجُمُعَةَ جَمَاعَةً قَالَ نَعَمْ- يُصَلُّونَ أَرْبَعاً إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مَنْ يَخْطُبُ. و مفهوم الشرط أنه إذا كان فيهم من يخطب يصلون الجمعة ركعتين و من عامة فيمن يمكنه الخطبة الشامل لمنصوب الإمام و غيره و مفهوم الشرط حجة عند المحققين و إذا تعارضت رواية الرجل الواحد سقط الاستدلال بها فكيف مع حصول الترجيح لهذا الجانب بصحة طريقه و موافقته لغيره من الأخبار الصحيحة و غير ذلك مما علم انتهى كلامه رفع الله في الجنان مقامه. و أقول حاصل كلامه (قدّس سرّه) أن في الخبر جهات كثيرة من الضعف متنا أيضا كما أنه ضعيف سندا لأن متنه مشتمل إما على ما لم يعمل بظاهره أحد كاشتراط الإمام فإنه قد انعقد إجماع المسلمين على عدم اشتراطه بخصوصه بل يقوم نائبه الخاص مقامه و إن قيد بحضوره عليه السلام سقط الاستدلال رأسا و كذا انعقد إجماعهم على عدم اعتبار أحد من الستة الباقية بخصوصهم و إما على ما لم يعمل به الأكثر من اشتراط السبعة في الوجوب فإن أكثرهم يكتفون بالخمسة كما عرفت فلا يمكنهم الاستدلال به مع أن معارضته لكثير من الأخبار مما يضعفه. و لو حملنا الخبر على أن المراد به بيان الحكمة لاشتراط هذا العدد لسقط عنه عمدة الفساد و عليه قرينة واضحة و هو قوله و لا تجب على أقل منهم و لو كان المراد خصوص الأشخاص لقال و لا يجب على غيرهم فأشعر بذلك إلى أن المراد هذا العدد و ذكر الأشخاص لبيان النكتة و العلة في اعتبار العدد و قد عرفت سابقا أنه لا يعتبر في تلك العلل اطراد. و على هذا الوجه ينتظم الكلام و يتضح المرام و يرتفع التنافي بينه و بين سائر الأخبار و لا ريب في أن ارتكاب مثل هذا التكلف القليل في الكلام بحيث يكون أجزاء الكلام محمولا على حقيقته أولى من حمله على معنى لا يبقى شيء على حقيقته. و ذلك مثل أن يقول رجل احضر عندي زيدا و عمرا و بكرا و خالدا و سعيدا و رشيدا ثم يقول كان غرضي من زيد إما زيد أو نائبه و من سائر الأشخاص كل من كان من أهل أصفهان فإنه في غاية البعد و الركاكة بخلاف ما إذا قال كان ذكر هذه الجماعة على سبيل المثال و كان الغرض إحضار هذا العدد فلا يريب عاقل في أن الأخير أقرب إلى حقيقة كلامه لا سيما و إذا ضم إليه قوله و لا تحضر أقل من سبعة خصوصا إذا كان في ذكر خصوص هؤلاء إشارة إلى حكمة لطيفة كما في ما نحن فيه. و تفصيل الكلام في ذلك أن قوله الإمام و قاضيه يحتمل وجوها من الإعراب الأول أن يكون بدلا من قوله سبعة نفر الثاني أن يكون خبر مبتدإ محذوف أو مبتدأ محذوف الخبر الثالث أن يكون في الكلام تقدير مضاف أو نحوه الرابع أن يكون الظرف أعني منهم خبره أما الأول فلا يستقيم عليه قوله و مدعيا حق و شاهدان إلا بتكلف عظيم و الثاني يمكن تقدير المبتدإ أعني هم الإمام فيوافق فهم القوم إن حمل على الحقيقة و قد عرفت أنه لا يمكن حمله عليه على طريقتهم أيضا لعدم تعين الإمام عليه السلام و لا أحد من المذكورين فلا بد من حمله على الفرد و المثال أو الأكمل و الأفضل أو بيان الحكمة في خصوص العدد مع أن معارضته لسائر الأخبار من جهة مفهوم اللقب أو الوصف و الأول غير حجة و الثاني على تقدير حجيته معارض بمنطوق سائر الأخبار بل بصدر هذا الخبر أيضا إذ ظاهر قوله سبعة نفر من المؤمنين و قوله و لا تجب على أقل منهم الاكتفاء بالعدد مع خصوصية الإيمان من غير اشتراط خصوصية أخرى و يمكن تقدير الخبر أي منهم و تكون الفائدة رفع توهم اشتراط كون السبعة غير الإمام و من يكون معه من خدمه و أتباعه المخصوصين به عليه السلام كما ورد في خبر آخر في هذا المقام أحدهم الإمام لرفع توهم أن المقصود تمام العدد بغيره و لا يبعد مثل هذا التوهم من السائل و المستمعين فيكون على هذا الاحتمال على التعميم أدل و كذا الاحتمال الرابع و هو أظهر من حيث إنه لا يحتاج إلى تقدير مبتدإ أو خبر و حذف متعلق الأقل و الأكثر شائع ذائع بل حذفه أكثر من ذكره. و أما الثالث أي تقدير مضاف كالمثل و نحوه فيدل على ما ذكرنا لكنه مع الأول مشترك الفساد فإذا كان في الخبر هذه الاحتمالات فكيف يستقيم جعله ببعض محتملاته البعيدة معارضة للأخبار الصريحة الصحيحة مع أنه يمكن حمله على زمان الحضور كما يومئ إليه الخبر و ذكره الفاضل المتقدم و لو قدر التعارض بينه و بين سائر الأخبار لوجب العمل بها دونه لصحتها و كثرتها و كونها موافقة للكتاب العزيز كما مر في باب ترجيح الأخبار المتعارضة.
بحار الأنوار - ج ٨٦ - الصفحة ١٧٦. — الإمام الباقر عليه السلام
- رَوَى الشَّيْخُ هَذَا الْخَبَرَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ
يَكُونُ بَيْنَ الْجَمَاعَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ- يَعْنِي لَا تَكُونُ جُمُعَةٌ إِلَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ- فَإِذَا كَانَ بَيْنَ الْجَمَاعَتَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ - فَلَا بَأْسَ أَنْ يُجَمِّعَ هَؤُلَاءِ وَ يُجَمِّعَ هَؤُلَاءِ. و نقل الفاضلان و غيرهما اتفاق الأصحاب على اعتبار وحدة الجمعة بمعنى أنه لا يجوز إقامة جمعتين بينهما أقل من فرسخ. و ذكر بعض الأصحاب أنه يعتبر الفرسخ من المسجد إن صليت في مسجد و إلا فمن نهاية المصلين و لو كان بعضهم بحيث لا يبلغ البعد بينه و بين الجمعة الأخرى النصاب دون من سواه مما تم بهم العدد فيحتمل بطلان صلاته خاصة و بطلان المجموع و الأخير أحوط بل أظهر.. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَهْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ص عَنِ الْكَلَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ- فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ لَغَى وَ مَنْ لَغَى فَلَا جُمُعَةَ لَهُ. . بيان: صه و في بعض الروايات مه و هو اسم فعل بمعنى اسكت و الظاهر أن المراد قول ذلك في وقت الخطبة و هو غاية المبالغة في ترك الكلام أي و إن كان الكلام قليلا و متعلقا بمصلحة الصلاة فهو مناف لكمالها فقد لغى أي أتى بلغو و كلام باطل في غير موقعه قال في النهاية لغى الإنسان يلغو إذا تكلم بالمطرح من القول بما لا يعني و فيه من قال لصاحبه و الإمام يخطب صه فقد لغى و الحديث الآخر من مس الحصى فقد لغى أي تكلم و قيل عدل من الصواب و قيل خاب و الأصل الأول انتهى و في بعض النسخ بغى بالباء و الأول أشهر و أظهر.
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٨٦ - الصفحة ١٨٢. — الإمام الباقر عليه السلام
الْعَرُوسُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٨٦ - الصفحة ١٨٢. — الإمام الباقر عليه السلام
الْعَرُوسُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ
لَيْسَ تَكُونُ جُمُعَةٌ إِلَّا بِخُطْبَةٍ- وَ إِذَا كَانَ بَيْنَ الْجَمَاعَتَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ- فَلَا بَأْسَ أَنْ يُجَمِّعَ هَؤُلَاءِ وَ هَؤُلَاءِ. بيان - رَوَى الشَّيْخُ هَذَا الْخَبَرَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِإِبْرَاهِيمَ بْنِ هَاشِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: يَكُونُ بَيْنَ الْجَمَاعَتَيْنِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ- يَعْنِي لَا تَكُونُ جُمُعَةٌ إِلَّا فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ- فَإِذَا كَانَ بَيْنَ الْجَمَاعَتَيْنِ فِي الْجُمُعَةِ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ - فَلَا بَأْسَ أَنْ يُجَمِّعَ هَؤُلَاءِ وَ يُجَمِّعَ هَؤُلَاءِ. و نقل الفاضلان و غيرهما اتفاق الأصحاب على اعتبار وحدة الجمعة بمعنى أنه لا يجوز إقامة جمعتين بينهما أقل من فرسخ. و ذكر بعض الأصحاب أنه يعتبر الفرسخ من المسجد إن صليت في مسجد و إلا فمن نهاية المصلين و لو كان بعضهم بحيث لا يبلغ البعد بينه و بين الجمعة الأخرى النصاب دون من سواه مما تم بهم العدد فيحتمل بطلان صلاته خاصة و بطلان المجموع و الأخير أحوط بل أظهر.. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام قَالَ: إِذَا قَالَ الرَّجُلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَهْ فَلَا صَلَاةَ لَهُ. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ص عَنِ الْكَلَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ- فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ لَغَى وَ مَنْ لَغَى فَلَا جُمُعَةَ لَهُ.. بيان: صه و في بعض الروايات مه و هو اسم فعل بمعنى اسكت و الظاهر أن المراد قول ذلك في وقت الخطبة و هو غاية المبالغة في ترك الكلام أي و إن كان الكلام قليلا و متعلقا بمصلحة الصلاة فهو مناف لكمالها فقد لغى أي أتى بلغو و كلام باطل في غير موقعه قال في النهاية لغى الإنسان يلغو إذا تكلم بالمطرح من القول بما لا يعني و فيه من قال لصاحبه و الإمام يخطب صه فقد لغى و الحديث الآخر من مس الحصى فقد لغى أي تكلم و قيل عدل من الصواب و قيل خاب و الأصل الأول انتهى و في بعض النسخ بغى بالباء و الأول أشهر و أظهر.
بحار الأنوار - ج ٨٦ - الصفحة ١٨٢. — الإمام الباقر عليه السلام
[1/3] 50- عُدَّةُ الدَّاعِي، قَالَ الْبَاقِرُ
عليه السلام أَوَّلُ وَقْتِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ سَاعَةُ تَزُولُ الشَّمْسُ- إِلَى أَنْ تَمْضِيَ سَاعَةٌ تُحَافِظُ عَلَيْهَا- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ- لَا يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِيهَا خَيْراً إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى. 51 جُنَّةُ الْأَمَانِ، عَنِ الرِّضَا عليه السلام قَالَ: مَا يَأْمَنُ مَنْ سَافَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ- أَنْ لَا يَحْفَظَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي سَفَرِهِ- وَ لَا يَخْلُفَهُ فِي أَهْلِهِ وَ لَا يَرْزُقَهُ مِنْ فَضْلِهِ. 52 الْعُيُونُ، وَ الْعِلَلُ، عَنْ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عُبْدُوسٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ فِي الْعِلَلِ الَّتِي رَوَاهَا عَنِ الرِّضَا عليه السلام قَالَ: فَإِنْ قَالَ- فَلِمَ صَارَتْ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ إِذَا كَانَتْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ- وَ إِذَا كَانَتْ بِغَيْرِ إِمَامٍ رَكْعَتَيْنِ وَ رَكْعَتَيْنِ- قِيلَ لِعِلَلٍ شَتَّى مِنْهَا أَنَّ النَّاسَ يَتَخَطَّوْنَ إِلَى الْجُمُعَةِ مِنْ بُعْدٍ- فَأَحَبَّ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْهُمْ- لِمَوْضِعِ التَّعَبِ الَّذِي صَارُوا إِلَيْهِ- وَ مِنْهَا أَنَّ الْإِمَامَ يَحْبِسُهُمْ لِلْخُطْبَةِ وَ هُمْ مُنْتَظِرُونَ لِلصَّلَاةِ- وَ مَنِ انْتَظَرَ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ فِي حُكْمِ التَّمَامِ- وَ مِنْهَا أَنَّ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ أَتَمُّ وَ أَكْمَلُ لِعِلْمِهِ- وَ فِقْهِهِ وَ عَدْلِهِ وَ فَضْلِهِ- وَ مِنْهَا أَنَّ الْجُمُعَةَ عِيدٌ وَ صَلَاةُ الْعِيدِ رَكْعَتَانِ- وَ لَمْ يُقَصَّرْ لِمَكَانِ الْخُطْبَتَيْنِ- فَإِنْ قَالَ فَلِمَ جُعِلَتِ الْخُطْبَةُ قِيلَ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ مَشْهَدٌ عَامٌّ- فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ سَبَباً لِمَوْعِظَتِهِمْ- وَ تَرْغِيبِهِمْ فِي الطَّاعَةِ وَ تَرْهِيبِهِمْ عَنِ الْمَعْصِيَةِ- وَ تَوْقِيفِهِمْ عَلَى مَا أَرَادَ مِنْ مَصْلَحَةِ دِينِهِمْ وَ دُنْيَاهُمْ- وَ يُخْبِرُهُمْ بِمَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْآفَاتِ- وَ مِنَ الْأَهْوَالِ الَّتِي لَهُمْ فِيهَا الْمَضَرَّةُ وَ الْمَنْفَعَةُ- فَإِنْ قَالَ فَلِمَ جُعِلَتْ خُطْبَتَيْنِ قِيلَ لِأَنْ يَكُونَ وَاحِدَةٌ لِلثَّنَاءِ وَ التَّمْجِيدِ- وَ التَّقْدِيسِ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ الْأُخْرَى لِلْحَوَائِجِ وَ الْإِعْذَارِ وَ الْإِنْذَارِ وَ الدُّعَاءِ- وَ مَا يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّمَهُمْ مِنْ أَمْرِهِ وَ نَهْيِهِ- مَا فِيهِ الصَّلَاحُ وَ الْفَسَادُ- فَإِنْ قَالَ فَلِمَ جُعِلَتِ الْخُطْبَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الصَّلَاةِ- وَ جُعِلَتْ فِي الْعِيدَيْنِ بَعْدَ الصَّلَاةِ- قِيلَ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ أَمْرٌ دَائِمٌ تَكُونُ فِي الشَّهْرِ مِرَاراً- وَ فِي السَّنَةِ كَثِيراً- فَإِذَا كَثُرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ صَلَّوْا وَ تَرَكُوهُ وَ لَمْ يُقِيمُوا عَلَيْهِ- وَ تَفَرَّقُوا عَنْهُ- فَجُعِلَتْ قَبْلَ الصَّلَاةِ لِيَحْتَبِسُوا عَلَى الصَّلَاةِ- وَ لَا يَتَفَرَّقُوا وَ لَا يَذْهَبُوا- وَ أَمَّا الْعِيدَيْنِ فَإِنَّمَا هُوَ فِي السَّنَةِ مَرَّتَيْنِ- وَ هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْجُمُعَةِ- وَ الزِّحَامُ فِيهِ أَكْثَرُ وَ النَّاسُ فِيهِ أَرْغَبُ- فَإِنْ تَفَرَّقَ بَعْضُ النَّاسِ بَقِيَ عَامَّتُهُمْ- وَ لَيْسَ هُوَ بِكَثِيرٍ فَيَمَلُّوا وَ يَسْتَخِفُّوا بِهِ- قَالَ الصَّدُوقُ جَاءَ هَذَا الْخَبَرُ هَكَذَا- وَ الْخُطْبَتَانِ فِي الْجُمُعَةِ وَ الْعِيدَيْنِ بَعْدَ الصَّلَاةِ- لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَاوَيْنِ- وَ أَوَّلُ مَنْ قَدَّمَ الْخُطْبَتَيْنِ عُثْمَانُ- لِأَنَّهُ لَمَّا أَحْدَثَ مَا أَحْدَثَ لَمْ يَكُنِ النَّاسُ يَقِفُونَ عَلَى خُطْبَتِهِ- وَ يَقُولُونَ مَا نَصْنَعُ بِمَوَاعِظِهِ وَ قَدْ أَحْدَثَ مَا أَحْدَثَ- فَقَدَّمَ الْخُطْبَتَيْنِ لِيَقِفَ النَّاسُ انْتِظَاراً لِلصَّلَاةِ- فَلَا يَتَفَرَّقُوا عَنْهُ - فَإِنْ قَالَ فَلِمَ وَجَبَتِ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ يَكُونُ عَلَى فَرْسَخَيْنِ- لَا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ- قِيلَ لِأَنَّ مَا يُقَصَّرُ فِيهِ الصَّلَاةُ بَرِيدَانِ ذَاهِباً- أَوْ بَرِيدٌ ذَاهِباً وَ جَائِياً وَ الْبَرِيدُ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ- فَوَجَبَتِ الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَى نِصْفِ الْبَرِيدِ- الَّذِي يَجِبُ فِيهِ التَّقْصِيرُ- وَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَجِيءُ فَرْسَخَيْنِ وَ يَذْهَبُ فَرْسَخَيْنِ- فَذَلِكَ أَرْبَعَةُ فَرَاسِخَ وَ هُوَ نِصْفُ طَرِيقِ الْمُسَافِرِ- فَإِنْ قَالَ فَلِمَ زِيدَ فِي صَلَاةِ السُّنَّةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ- قِيلَ تَعْظِيماً لِذَلِكَ الْيَوْمِ وَ تَفْرِقَةً بَيْنَهُ وَ بَيْنَ سَائِرِ الْأَيَّامِ. أقول: في العلل فهو في الصلاة إلى قوله فأراد أن يكون للأمير سبب إلى موعظتهم إلى قوله و فعلهم و توقيفهم على ما أرادوا بما ورد عليهم من الآفات و في بعض النسخ من الآفات من الأهوال التي لهم فيها المضرة و المنفعة و لا يكون الصائر في الصلاة منفصلا و ليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة فإن قال إلى قوله واحدة للتمجيد إلى قوله و تكون في الشهور و السنة كثيرا و إذا كثر ذلك على الناس ملوا إلى قوله و ليس هو كثيرا إلى قوله لم يكن الناس ليقفوا. ركعتين و ركعتين أي أربع ركعات و هم ينتظرون للصلاة يدل على تقديم الخطبة كما سيصرح به في حكم التمام أي هذا في حكم إتمام الصلاة لأن الخطبتين مكان ركعتين و الحاصل أن كونه بمنزلة من هو في الصلاة إنما هو في إتمام ثواب الصلاة لا في جميع الأحكام و لم تقصر لمكان الخطبتين أقول يخطر بالبال فيه وجوه. الأول أن يكون المراد بيان أمر آخر و هو أن الجمعة مع كونها ركعتين لمشابهة العيد أو غير ذلك فليست من الصلوات المقصورة لأن الركعتين بمنزلة الخطبتين. الثاني أن يكون المعنى أنها لا توقع في السفر قصرا لأن الجمعة لا تكون جمعة إلا بالخطبة و الخطبة بمنزلة الركعتين فإذا أتى بها في السفر يكون بمنزلة الإتمام في السفر و هو غير جائز. الثالث أن يكون بيانا لعلة قصر العيدين فيقرأ لم بكسر اللام فيكون استفهاما أي إنما تقصر صلاة العيد للخطبتين و فيه بعد. قوله و المنفعة لعلها معطوفة على الأهوال أو يقدر في الكلام شيء كما في قولهم علفته تبنا و ماء باردا و لا يبعد أن يكون الأهوال تصحيف الأحوال. قوله و لا يكون الصائر في الصلاة هذه الفقرات ليست في العيون كما عرفت و لعله أسقطه هناك لعدم اتضاح معناها و يخطر بالبال في حلها وجوه الأول أن يكون المراد بيان كون حالة الخطبة حالة متوسطة بين الصلاة و غيرها فتقدير الكلام لا يكون الصائر في الصلاة أي الكائن فيها منفصلا عنها في غير يوم الجمعة و في يوم الجمعة في حال الخطبة كذلك و ليس فاعل غير الصلاة يؤم الناس في غير يوم الجمعة و فيه كذلك لأن الإمام في حالة الخطبة بمنزلة الإمام للناس يستمعون له و يجتمعون إليه و ليست الخطبة بصلاة و على هذا و إن كان الظاهر غيرها لكن يمكن إرجاع ضمير المذكر إليه بتأويل الفعل و نحوه. الثاني أن يكون بيان علة أخرى للخطبة بأن يكون و ليس بفاعل غيره تأكيدا لقوله منفصلا و قوله ممن يؤم متعلقا بقوله منفصلا أي لا يكون المصلي في يوم الجمعة منفصلا عن المصلي في غيره بأن تكون صلاته ركعتين و لا يكون فاعلا غير فعل المصلي في غيره أو لا يكون فاعلا مغايرا له في الصفة بل يكونان سواء لكون الخطبتين بمنزلة الركعتين. الثالث أن يكون المعنى أنما جعلت الخطبة قبلها لئلا يكون الصائر في الصلاة قبل الدخول منفصلا عن الصلاة بل يكون في حكم من كان في الصلاة و قوله و ليس بفاعل غيره المراد به أن الإمام في غير يوم الجمعة أيضا كذلك و ليس بمنفصل عن الصلاة لإيقاع النافلة قبلها و لما لم تكن في يوم الجمعة نافلة بعد الزوال جعلت الخطبة مكانها فقوله و ليس بفاعل إما حال أي لا يكون منفصلا و الحال أن غيره منفصل فيكون هو مثلهم و غيره فاعل فاعل أي ليس بفاعل غير هذا الفعل أحد ممن يؤم أو استدراك و الأول أظهر. الرابع أن يكون المعنى و لا يكون الصائر في الصلاة أي إمام هذه الصلاة منفصلا أي عن العمل بما يعظ الناس به في الخطبة لقوله سبحانه أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ و غيره و ليس بفاعل غيره بالإضافة أي لا يكون فاعلا غير ما يقول في الخطبة ممن يؤم أي من بينهم ليكون حالا عن الصائر و يمكن أن يقرأ حينئذ فاعل بالتنوين و غيره بالرفع ليكون فاعله أي ليس يصدر الخطبة من أئمة الصلوات غير الجمعة فلا بد فيها من ذلك. الخامس أن يكون ممن يؤم خبر كان و قوله منفصلا و قوله و ليس بفاعل حالين عن الصائر أي لامتياز إمام الجمعة باعتبار اشتراط علمه بالخطبة عن إمام غير الجمعة و هذا أبعد الوجوه. و أما تأخير الخطبة في الجمعة فقد عرفت أنه مما تفرد به الصدوق و لم أظفر على موافق له في ذلك فما عد من بدع عثمان إنما هو تقديم خطبة العيدين و جعل الخطبتين مكان الساقطتين. إذا عرفت مضمون الخبر مع إشكاله و إغلاقه فاعلم أن بعض المنكرين لوجوب الجمعة في زمن الغيبة الشارطين للإمام عليه السلام أو نائبه فيها استدلوا على مطلوبهم بهذا الخبر من وجوه الأول من لفظة الإمام المتكرر ذكره في الخبر حيث زعموا أنه حقيقة في إمام الكل. الثاني من قوله منها أن الصلاة مع الإمام أتم و أكمل حيث قالوا يدل على اشتراط العلم و الفقه و الفضل من إمام الجمعة زائدا على ما يشترط في إمام الجماعة و القائلون بالغيبة لا يفرقون بينهما و غيرهم يشرطون الإمام أو نائبه فلا بد من حمله عليه. الثالث من قوله عليه السلام فأراد أن يكون للإمام أو للأمير سبب إلى موعظتهم إلى قوله من الأهوال التي فيها المضرة و المنفعة قالوا الإمام و الأمير يدلان على ما قلنا و أيضا ظاهر أن تلك الفوائد ليست إلا شأن الإمام أو الحاكم من قبله لا سيما الإخبار بما يرد عليه من الآفاق مما فيه المضرة و المنفعة لا كل عادل. الرابع من قوله و ليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة فإنه يدل على أن صلاة الجمعة لا يفعلها من يؤم في غير الجمعة فيدل على اشتراط الإمام أو نائبه بالتقريب المتقدم. الخامس من قوله للحوائج و الإعذار و الإنذار و إعلام الأمر و النهي كلها من شئون إمام الكل و الأمير و الحاكم لا كل إمام. و الجواب من وجوه الأول أن السند غير صحيح على طريقتهم فإن ابن عبدوس غير مذكور في شيء من كتب الرجال و لا وثقه أحد و ابن قتيبة و إن كان ممدوحا لم يوثقه أيضا أحد. ثم إن الفضل ره ذكر أولا تلك العلل من غير رواية ثم لما سأله ابن قتيبة هل قلت جميع ذلك برأيك أو عن خبر قال بل سمعتها من مولاي أبي الحسن علي بن موسى الرضا المرة بعد المرة و الشيء بعد الشيء فجمعتها و يظهر من الصدوق ره أنه حمل هذا الكلام على أن بعضها سماعي و بعضها استنباطي و لذا تراه يقول في مواضع و غلط الفضل بن شاذان في ذلك و هذا مما يضعف الاحتجاج به. الثاني ما ذكره من الاستدلال بلفظ الإمام فقد عرفت جوابه مما سبق. الثالث أنا لا نسلم دلالة قوله لعلمه و فقهه و عدله و فضله على اشتراط هذه الأمور إذ يمكن أن يكون التعليل مبنيا على أن في الغالب من يتصدى فيها يكون متصفا بتلك الأوصاف أو يكون مبنيا على تأكد استحباب كون الإمام أعلم و أفضل - كَمَا مَرَّ عَنِ النَّبِيِّ ص إِمَامُ الْقَوْمِ وَافِدُهُمْ فَقَدِّمُوا أَفْضَلَكُمْ. و لما كان الاجتماع هنا أكثر فيكون زيادة الفضل هنا مستلزما لمزيد فضل في نفسه كما لا يخفى. و الحق أن هذه الصلاة لما كان السعي إليها واجبا على الجميع إلا جماعة قليلة فلا بد في إمامها من مزيد فضل ليكون أفضلهم فيظهر وجه التخصيص و يكفي هذا لصحة التعليل على أنه لا يلزم اطراد التعليل فجاز أن يكون لصلاة حضر فيها الإمام أو الأمير المنصوب من قبله فإنه لا ريب أنهما مع حضورهما أولى من غيرهما. و أكثر التعليلات الواردة في هذا الخبر الطويل غير مطرد كعلة الجهر و الإخفات و غسل الميت و القصر في السفر و أشباهها و إنما هي مناسبات يكفي فيها التحقق في الجملة و أيضا قد بينا أن إمام الجمعة يزيد على إمام غيرها بالعلم بالخطبة و القدرة على إيقاعها و العلم بأحكام خصوص الجمعة من الوقت و العدد و الشرائط و الآداب. الرابع أن التعبير بالأمير لا يستلزم التخصيص بل يمكن أن يكون على المثال أو ذكر أفضل أفراده ليكون العلة فيه أتم و أظهر مع أن في العيون مكانه الإمام و قد عرفت أن ظاهره مطلق إمام الجماعة في المقام. و الخامس أن كون إخبارهم بما ورد عليه من الآفاق مخصوصا بالإمام أو النائب ممنوع إذ يمكن أن يخبر كل واعظ و خطيب الناس بما سنح في الأطراف من هجوم الكفار و أعادي المؤمنين و قوتهم و شوكتهم ليهتموا في الدعاء و الخيرات و بذل الصدقات. مع أنه في أكثر نسخ العيون بما ورد عليهم من الآفاق و من الأهوال فيمكن أن يكون المراد إخبارهم بآفات زروعهم و أشجارهم و أسعارهم و بأن علتها المعاصي و شرور أنفسهم ثم يأمرهم بالتوبة و الإنابة كما اشتمل عليه كثير من الخطب المنقولة. على أن كون شيء علة لحدوث حكم لا يستلزم بقاء العلة إلى يوم القيامة كما مر أن علة التكبيرات السبع أن النبي ص كلما صعد سماء كبر تكبيرة و لما رأى من نور عظمته سبحانه ركع و لما رأى نورا أشد من ذلك سجد و لما رأى النبيين خلفه سلم فلو كانت العلة موجبة للتخصيص فلا تلزم هذه الأمور لغيره و لا له إلا في المعراج. السادس لا نسلم دلالة ذكر الحوائج و الإعذار و الإنذار و إعلام ما فيه الصلاح و الفساد بالإمام فإن مدار الخطباء و الوعاظ على ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمور دينهم و دنياهم نقلا عن أئمتهم و يتمون حجة الله عليهم و ينذرونهم عقابه و يدعون لهم و لأنفسهم و يأمرونهم بما فيه صلاحهم و ينهونهم عما فيه فسادهم و لو سلم فيرد عليه ما مر في الوجه السابق. السابع الاستدلال بقوله و ليس بفاعل مع أن معناه غير معلوم و المقصود منه غير مفهوم و إنما قطعوا من الكلام جزء غير تام و استدلوا به و هذا في غاية الغرابة و الظرافة و قد عرفت الوجوه الدقيقة التي حملنا الكلام عليها و ليس في شيء منها دلالة على مطلوبهم. على أن هذه الفقرة غير مذكورة في العيون مع أنه أورد فيه سائر أجزاء الخبر و إنما توجد في نسخ العلل و هذا مما يضعفها و الاحتجاج بها. قوله لأن ما يقصر فيه الصلاة أقول هذا أيضا يحتمل عندي وجوها الأول أن المراد أن هذه الصلاة لما كانت واسطة بين صلاة التمام و القصر من جهة أنها ركعتان و أن الخطبتين مكان الركعتين فناسب كون المسافة المعتبرة فيها نصف المسافة المعتبرة في القصر. الثاني أنه إذا لوحظ من الجانبين يصير بقدر مسافة القصر و مسافة القصر موجبة للتخفيف فلذا أسقطت عمن بعد عنها أكثر من فرسخين. الثالث أن مسافة القصر أربعة فراسخ و إن لم يرد الرجوع من يومه بل أراد الرجوع قبل أن يقطع سفره كما عرفت فقطع أربع فراسخ موجب للقصر في الجملة فناسب تخفيف الحكم عليه و شيء من الوجوه لا يخلو من التكلف بحسب اللفظ و المعنى و لعل بناء التعليل على مناسبة واقعية في عدل الله تعالى و حكمته بين العلتين هي خفية علينا. 53 كِتَابُ الْعَرُوسِ، لِلشَّيْخِ الْفَقِيهِ أبو [أَبِي مُحَمَّدٍ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْقُمِّيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ- خَمْساً وَ ثَلَاثِينَ صَلَاةً- مِنْهَا وَاحِدَةٌ فَرَضَهَا فِي جَمَاعَةٍ وَ هِيَ الْجُمُعَةُ- وَ وَضَعَهَا عَنْ تِسْعَةٍ- عَنِ الصَّغِيرِ وَ الْكَبِيرِ وَ الْمَجْنُونِ وَ الْمُسَافِرِ وَ الْعَبْدِ- وَ الْمَرِيضِ وَ الْمَرْأَةِ وَ الْأَعْمَى وَ مَنْ كَانَ عَلَى رَأْسِ فَرْسَخَيْنِ- وَ رُوِيَ مَكَانَ الْمَجْنُونِ الْأَعْرَجُ- وَ قَالَ صَلَاةُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ- وَ الِاجْتِمَاعُ إِلَيْهَا فَرِيضَةٌ مَعَ الْإِمَامِ. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِذَا أَدْرَكْتَ الْإِمَامَ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ الْآخِرَةَ فَقَدْ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ- وَ إِذَا أَدْرَكْتَ بَعْدَ مَا رَفَعَ رَأْسَهُ- فَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ بِمَنْزِلَةِ الظُّهْرِ- وَ خُصُوصِيَّتُهَا لِلَّذِي أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ- يُضِيفُ إِلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى وَ قَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ- وَ لَا يَعْتَبِرُ بِمَا فَاتَهُ مِنْ سَمَاعِ الْخُطْبَتَيْنِ مَكَانَ الرَّكْعَتَيْنِ- وَ سَائِرُ الصَّلَوَاتِ إِذَا أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ- يُضِيفُ إِلَيْهَا ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ الَّتِي فَاتَتْهُ. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُصَلِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سِتَّ رَكَعَاتٍ فِي صَدْرِ النَّهَارِ- وَ سِتَّ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الزَّوَالِ وَ رَكْعَتَانِ مَعَ الزَّوَالِ- فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ صَلَّيْتَ الْفَرِيضَةَ- إِنْ كُنْتَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَيْنِ وَ إِنْ كُنْتَ وَحْدَكَ فَأَرْبَعَ رَكَعَاتٍ- ثُمَّ تُسَلِّمُ وَ تُصَلِّي بَيْنَ الظُّهْرِ وَ الْعَصْرِ ثَمَانَ رَكَعَاتٍ- وَ رُوِيَ يُصَلِّي بَيْنَ الظُّهْرِ وَ الْعَصْرِ سِتَّ رَكَعَاتٍ. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ رَكْعَتَيِ الزَّوَالِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الْأَذَانِ أَوْ بَعْدَهُ- قَالَ قَبْلَ الْأَذَانِ. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: تُصَلِّي الْعَصْرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي وَقْتِ الظُّهْرِ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ- وَ قَالَ وَقْتُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سَاعَةُ تَزُولُ الشَّمْسُ- وَ وَقْتُهَا فِي السَّفَرِ وَ الْحَضَرِ وَاحِدٌ- أَوْ هِيَ فِي الْمُضَيَّقِ وَقْتٌ وَاحِدٌ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَكْرَمَ الْمُؤْمِنِينَ بِالْجُمُعَةِ- فَسَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ ص بِشَارَةً لَهُمْ وَ الْمُنَافِقِينَ تَوْبِيخاً لِلْمُنَافِقِينَ- وَ لَا يَنْبَغِي تَرْكُهُمَا فَمَنْ تَرَكَهُمَا مُتَعَمِّداً فَلَا صَلَاةَ لَهُ. بيان: اعلم أن المراد بالجمعة اليوم أو الصلاة أو السورة و المراد بالضمير السورة فعلى الأوليين فيه استخدام و قوله و المنافقين عطف على الضمير البارز في سنها و حمل لا صلاة له على نفي الكمال. 54 الْعَرُوسُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: الْقُنُوتُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ إِذَا كُنْتَ وَحْدَكَ فَفِي الثَّانِيَةِ- وَ إِنْ كَانَ الْإِمَامُ فَفِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى. وَ رَوَى حَرِيزٌ أَنَّ الْقُنُوتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قُنُوتَانِ- قُنُوتٌ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى قَبْلَ الرُّكُوعِ- وَ قُنُوتٌ فِي الثَّانِيَةِ بَعْدَ الرُّكُوعِ. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: وَقْتُ الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ- وَ لْيَجْهَرْ بِالْقِرَاءَةِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ- وَ يَقْنُتُ. وَ قَالَ الْبَاقِرُ عليه السلام الرَّجُلُ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَجْهَرُ فِيهَا- وَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ص أَوَّلَ مَا صَلَّى فِي السَّمَاءِ- صَلَاةَ الظُّهْرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ جَهَرَ بِهَا. بيان: قوله عليه السلام إذا كان وحده لعله بيان للفرد الخفي و كذا قوله إذا صلى الجمعة أربع ركعات و المشهور بين قدماء الأصحاب استحباب الجهر بالظهر يوم الجمعة و نقل المحقق في المعتبر عن بعض الأصحاب المنع من الجهر بالظهر مطلقا و قال إن ذلك أشبه بالمذهب و قال ابن إدريس يستحب الجهر بالظهر إن صليت جماعة لا انفرادا و يدفعه صريحا رواية زرارة هنا و حسنة الحلبي في التهذيب و الأول أقوى. 55 الْعَرُوسُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ الَّذِي يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَلْبَسَ عِمَامَةً- فِي الشِّتَاءِ وَ الصَّيْفِ- وَ يَتَرَدَّى بِبُرْدٍ يَمَنِيَّةٍ أَوْ عِبْرِيٍّ وَ يَخْطُبُ وَ هُوَ قَائِمٌ. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى جَمَاعَةٌ وَ لَا خُرُوجٌ فِي الْعِيدَيْنِ. وَ مِنْهُ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ: لَا جُمُعَةَ إِلَّا فِي مِصْرٍ يُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ. بيان: روى الشيخ في التهذيب هذه الرواية عن طلحة بن زيد و الذي قبله عن حفص بن غياث و الأول ضعيف على المشهور و الثاني موثق و حملهما الشيخ على التقية لأنهما موافقان لمذاهب أكثر العامة أو على حصول البعد بأكثر من فرسخين مع اختلال الشرائط عندهم و ردهما في المنتهى بالضعف و الحمل على ما ذكر و قال المصر ليس شرطا في الجمعة و هو قول علمائنا ثم قال و قال أبو حنيفة لا تجب على أهل السواد و قال في الذكرى ليس من شرط الجمعة المصر على الأظهر في الفتاوي و الأشهر في الروايات ثم قال و قال ابن أبي عقيل صلاة الجمعة فرض على المؤمنين حضورها مع الإمام في المصر الذي هو فيه و حضورها مع أمرائه في الأمصار و القرى النائية عنه و في المبسوط لا تجب على أهل البادية و الأكراد لأنه لا دليل عليه ثم قال لو قلنا إنما تجب عليهم إذا حضر العدد لكان قويا انتهى و استدلال جماعة بالخبرين على اشتراط الإمام طريف. 56 قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ لَمَّا سَوَّى رَسُولُ اللَّهِ الصُّفُوفَ بِأُحُدٍ قَامَ فَخَطَبَ النَّاسَ- فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أُوصِيكُمْ بِمَا أَوْصَانِي بِهِ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ- مِنَ الْعَمَلِ بِطَاعَتِهِ وَ التَّنَاهِي عَنْ مَحَارِمِهِ- وَ سَاقَ الْخُطْبَةَ إِلَى أَنْ قَالَ- وَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ- فَعَلَيْهِ بِالْجُمُعَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ- إِلَّا صَبِيّاً أَوِ امْرَأَةً أَوْ مَرِيضاً أَوْ عَبْداً مَمْلُوكاً- وَ مَنِ اسْتَغْنَى بِلَهْوٍ أَوْ تِجَارَةٍ اسْتَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ- وَ اللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ الْخَبَرَ. بيان: قال في النهاية استغنى الله عنه أي أطرحه الله و رمى به من عينه فعل من استغنى عن الشيء فلم يلتفت إليه و قيل جزاه جزاء استغنائه عنها كقوله تعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ. 57 رِسَالَةُ الْجُمُعَةِ، فِي أَعْمَالِ الْجُمُعَةِ لِلشَّهِيدِ الثَّانِي قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ص الْجُمُعَةُ حَجُّ الْمَسَاكِينِ. وَ كَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ يَقُولُ الْجُمُعَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ حَجَّةِ تَطَوُّعٍ. وَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: يَقْرَأُ فِي الْجُمُعَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ- لِيُحَرِّضَ بِهَا الْمُؤْمِنِينَ- وَ فِي الثَّانِيَةِ بِسُورَةِ الْمُنَافِقِينَ لِيُفْزِعَ بِهَا الْمُنَافِقِينَ- وَ قَالَ مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ- ثُمَّ أَتَى الْجُمُعَةَ فَاسْتَمَعَ وَ أَنْصَتَ- غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَ الْجُمُعَةِ إِلَى الْجُمُعَةِ وَ زِيَادَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. وَ قَالَ عليه السلام مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ مَسَّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ إِنْ كَانَ لَهَا- وَ لَبِسَ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِهِ- ثُمَّ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ وَ لَمْ يَلْغُ عِنْدَ الْمَوْعِظَةِ- كَانَ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهُمَا- وَ مَنْ لَغَا وَ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ كَانَتْ لَهُ طُهْراً- وَ قَالَ مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ الْإِمَامُ يَخْطُبُ- فَهُوَ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً - وَ الَّذِي يَقُولُ لَهُ أَنْصِتْ لَا جُمُعَةَ لَهُ- وَ قَالَ مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ اسْتَنَّ- وَ مَسَّ مِنْ طِيبٍ إِنْ كَانَ عِنْدَهُ وَ لَبِسَ مِنْ أَحْسَنِ ثِيَابِهِ- ثُمَّ خَرَجَ يَأْتِي الْمَسْجِدَ وَ لَمْ يَتَخَطَّ رِقَابَ النَّاسِ- ثُمَّ يَرْكَعُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَرْكَعَ وَ أَنْصَتَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ- كَانَ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا- وَ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ص بُرْدٌ- يَلْبَسُهُ فِي الْعِيدَيْنِ وَ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبِ مِهْنَتِهِ. وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّ اللَّهَ وَ مَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى أَصْحَابِ الْعَمَائِمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَ قَالَ عليه السلام إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ- كَانَ عَلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ- يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ- فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طَوَوُا الصُّحُفَ وَ جَاءُوا يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ وَ قَالَ عليه السلام يَجْلِسُ النَّاسُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إِلَى الْجُمُعَاتِ الْأَوَّلُ وَ الثَّانِي وَ الثَّالِثُ. قوله من الله أي من كرامة و نحوها. وَ قَالَ عليه السلام مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ- فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً- وَ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً- وَ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشاً- وَ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً- وَ مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً- وَ إِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتِ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ. وَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام قَالَ: يَجْلِسُ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ- فَيَكْتُبُونَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ مَنَازِلِهِمْ الْأَوَّلَ وَ الثَّانِيَ- حَتَّى يَخْرُجَ الْإِمَامُ. وَ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: فَضَّلَ اللَّهُ الْجُمُعَةَ عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَيَّامِ- وَ إِنَّ الْجِنَانَ لَتُزَخْرَفُ وَ تُزَيَّنُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِمَنْ أَتَاهَا- وَ إِنَّكُمْ لَتَتَسَابَقُونَ إِلَى الْجَنَّةِ عَلَى قَدْرِ سَبْقِكُمْ إِلَى الْجُمُعَةِ- وَ إِنَّ أَبْوَابَ السَّمَاءِ لَتُفَتَّحُ لِصُعُودِ أَعْمَالِ الْعِبَادِ. وَ عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: مَنْ غَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَ اغْتَسَلَ ثُمَّ بَكَّرَ وَ ابْتَكَرَ وَ مَشَى وَ لَمْ يَرْكَبْ- وَ دَنَا مِنَ الْإِمَامِ وَ اسْتَمَعَ وَ لَمْ يَلْغُ- كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَ قِيَامِهَا. وَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عَنْهُ ص مَشْيُكَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَ انْصِرَافُكَ إِلَى أَهْلِكَ فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ. وَ عَنْهُ ص أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ- وَ قَالَ إِنَّ جَهَنَّمَ تُسَجَّرُ كُلَّ يَوْمٍ إِلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ. وَ عَنْهُ ص إِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرِدْ بِالصَّلَاةِ يغير [بِغَيْرِ الْجُمُعَةِ. وَ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: كُنَّا لَا نُقِيلُ وَ لَا نَتَغَدَّى إِلَّا بَعْدَ الْجُمُعَةِ- وَ كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ ص الْجُمُعَةَ ثُمَّ تَكُونُ الْقَائِلَةُ. وَ عَنِ النَّبِيِّ ص مَنْ سَافَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَعَا عَلَيْهِ مَلَكَاهُ- أَنْ لَا يُصَاحَبَ فِي سَفَرِهِ وَ لَا تُقْضَى لَهُ حَاجَةٌ- وَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُوَدِّعُهُ لِسَفَرٍ- فَقَالَ لَا تَعْجَلْ حَتَّى تُصَلِّيَ فَقَالَ أَخَافُ أَنْ تَفُوتَنِي أَصْحَابِي- ثُمَّ عَجَّلَ فَكَانَ سَعِيدٌ يَسْأَلُ عَنْهُ حَتَّى قَدِمَ قَوْمٌ- فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ رِجْلَهُ انْكَسَرَتْ- فَقَالَ سَعِيدٌ إِنِّي كُنْتُ لَأَظُنُّ أَنَّهُ سَيُصِيبُهُ ذَلِكَ. وَ رُوِيَ أَنَّ صَيَّاداً كَانَ يَخْرُجُ فِي الْجُمُعَةِ- لَا يُحْرِجُهُ مَكَانُ الْجُمُعَةِ مِنَ الْخُرُوجِ- فَخُسِفَ بِهِ وَ بِبَغْلَتِهِ- فَخَرَجَ النَّاسُ وَ قَدْ ذَهَبَتْ بَغْلَتُهُ فِي الْأَرْضِ- فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا أُذُنَاهَا وَ ذَنَبُهَا. وَ رُوِيَ أَنَّ قَوْماً خَرَجُوا إِلَى سَفَرٍ حِينَ حَضَرَتِ الْجُمُعَةُ- فَاضْطَرَمَ عَلَيْهِمْ خِبَاؤُهُمْ نَاراً مِنْ غَيْرِ نَارٍ يَرَوْنَهَا. وَ عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ ره قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ص أَ تَدْرِي مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ- قُلْنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ- قَالَ هُوَ الْيَوْمُ الَّذِي جَمَعَ اللَّهُ فِيهِ بَيْنَ أَبَوَيْكُمْ- لَا يَبْقَى مِنَّا عَبْدٌ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ ثُمَّ يَأْتِي الْمَسْجِدَ لِجُمُعَةٍ- إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا بَيْنَهَا وَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى- مَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ. وَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص النَّهْيُ عَنِ الِاحْتِبَاءِ وَقْتَ الْخُطْبَةِ- قِيلَ وَ الْمَعْنِيُّ فِيهِ أَنَّ الْحَبْوَةَ تَجْلِبُ النَّوْمَ- فَتَعْرِضُ طَهَارَتُهُ لِلنَّقْضِ وَ يَمْنَعُ مِنِ اسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ. وَ عَنْهُ ص قَالَ: إِنَّ لَكُمْ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ حَجَّةً وَ عُمْرَةً- فَالْحَجَّةُ الْهِجْرَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ- وَ الْعُمْرَةُ انْتِظَارُ الْعَصْرِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ. وَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِذَا رَاحَ مِنَّا سَبْعُونَ رَجُلًا إِلَى الْجُمُعَةِ- كَانَ كَسَبْعِينَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى الَّذِينَ وَفَدُوا إِلَى رَبِّهِمْ وَ أَفْضَلَ. بيان: قال في النهاية فيه ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته أي بذلته و خدمته و الرواية بفتح الميم و قد تكسر و خطأ الزمخشري الكسر انتهى غسل الجنابة أي كغسلها و يحتمل الحقيقة كما يظهر استحباب الجماع قبل الذهاب إلى الجمعة من بعض روايات العامة. قوله عليه السلام غسل يوم الجمعة و اغتسل قال في النهاية ذهب كثير من الناس إلى أن غسل أراد به المجامعة قبل الخروج إلى الصلاة لأن ذلك يجمع غض الطرف في الطريق يقال غسل الرجل امرأته بالتشديد و بالتخفيف أي جامعها و قد روي مخففا و قيل أراد غسل غيره و اغتسل هو لأنه إذا جامع زوجته أحوجها إلى الغسل و قيل أراد بالغسل غسل أعضائه للوضوء ثم يغتسل للجمعة و قيل هما بمعنى واحد كرر للتأكيد انتهى و قال بعضهم غسل معناه غسل الرأس خاصة لأن العرب لهم شعور يبالغون في غسلها فأفردها بالذكر و اغتسل يعني غسل سائر جسده. أقول و يحتمل أن يراد به غسل الرأس بالخطمي و السدر أو غسل الثياب. و بكر و ابتكر قال في النهاية بكر إلى الصلاة أتى أول وقتها و كل من أسرع إلى شيء فقد بكر إليه و أما ابتكر فمعناه أدرك أول الخطبة و أول كل شيء باكورته و ابتكر الرجل إذا أكل باكورة الفواكه. و قيل معنى اللفظين واحد فعل و افتعل و إنما كررا للمبالغة و التوكيد كما قالوا جاد مجدا انتهى و قال بعضهم معنى بكر أي تصدق قبل خروجه كما - في الحديث باكروا بالصدقة فإن البلاء لا يتخطاها.. أقول هذه الأخبار أكثرها عامية أوردناها تبعا للشيخ المتقدم ذكره (قدس الله لطيفه). 58 الْمَكَارِمُ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام فِيمَا أَوْصَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلِيّاً يَا عَلِيُّ- لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ جُمُعَةٌ وَ لَا جَمَاعَةٌ وَ لَا أَذَانٌ وَ لَا إِقَامَةٌ- وَ لَا تَسْمَعُ الْخُطْبَةَ- وَ لَا تَخْرُجُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِ- الْخَبَرَ. 59 الْمَحَاسِنُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي هَاشِمٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى الْمَدِينِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: لَا بَأْسَ بِالْخُرُوجِ فِي السَّفَرِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ. 60 الْكَشِّيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ قُتَيْبَةَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَكِيمٍ وَ غَيْرِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ص فِي الْجُمُعَةِ قَالَ إِذَا اجْتَمَعَ خَمْسَةٌ أَحَدُهُمُ الْإِمَامُ فَلَهُمْ أَنْ يُجَمِّعُوا. 61 الْمُعْتَبَرُ، نَقْلًا مِنْ جَامِعِ الْبَزَنْطِيِّ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: لَا جُمُعَةَ إِلَّا بِخُطْبَةٍ- وَ إِنَّمَا جُعِلَتْ رَكْعَتَيْنِ لِمَكَانِ الْخُطْبَتَيْنِ. 62 الْمُتَهَجِّدُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ- قَالَ وَقْتُهَا إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ- فَإِنْ أَبْطَأْتَ حَتَّى يَدْخُلَ الْوَقْتُ هُنَيْئَةً فَابْدَأْ بِالْفَرِيضَةِ- وَ دَعِ الرَّكْعَتَيْنِ حَتَّى تُصَلِّيَهُمَا بَعْدَ الْفَرِيضَةِ. وَ مِنْهُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَقَالَ- وَ جَعَلَ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتَيْنِ إِلَّا الْجُمُعَةَ فِي السَّفَرِ وَ الْحَضَرِ- فَإِنَّهُ عليه السلام قَالَ وَقْتُهَا إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ وَ هِيَ فِيمَا سِوَى الْجُمُعَةِ- لِكُلِّ صَلَاةٍ وَقْتَانِ- وَ قَالَ إِيَّاكَ أَنْ تُصَلِّيَ قَبْلَ الزَّوَالِ- فَوَ اللَّهِ مَا أُبَالِي بَعْدَ الْعَصْرِ صَلَّيْتُهَا أَوْ قَبْلَ الزَّوَالِ. وَ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: وَقْتُ الْجُمُعَةِ سَاعَةُ تَزُولُ الشَّمْسُ إِلَى أَنْ تَمْضِيَ سَاعَةٌ- تُحَافِظُ عَلَيْهَا- فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ- لَا يَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى عَبْدٌ فِيهَا خَيْراً إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ. وَ رَوَى حَرِيزٌ قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ أَمَّا أَنَا إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَدَأْتُ بِالْفَرِيضَةِ- وَ أَخَّرْتُ الرَّكْعَتَيْنِ إِذَا لَمْ أَكُنْ صَلَّيْتُهُمَا. وَ مِنْهُ رَوَى ابْنُ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِنِّي لَأُحِبُّ لِلرَّجُلِ أَنْ لَا يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى يَتَمَتَّعَ وَ لَوْ مَرَّةً- وَ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فِي جَمَاعَةٍ. بيان: قد يستدل بهذا الخبر على الوجوب التخييري لصلاة الجمعة لقوله لأحب و هو ظاهر في الاستحباب و لذكرها مع المتعة و هي مستحبة اتفاقا و الجواب أن قوله لأحب لا ظهور له في الاستحباب بحيث يصلح لتخصيص تلك العمومات و لذا ضمها مع مستحب لا دلالة فيه على الاستحباب بل هو نكتة باعثة للتعبير عنهما بقوله لأحب ليشملهما. على أنه لا ريب أن للجمعة أفرادا واجبة و أفرادا مستحبة كمن بعد بأزيد من فرسخين و الأعمى و المريض و المسافر و سائر من تقدم ذكره فلو لم يمكن حملها على الواجبة فلتحمل على الأفراد المستحبة و لا تعيين في الرواية أن أي فرد من أفرادها المستحبة أريد بها حتى يتعين حملها عليه مع أنه يمكن حملها على الصلاة مع المخالفين تقية جمعا بين الأخبار. 63 الْمُتَهَجِّدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ السَّاعَةِ الَّتِي يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ- قَالَ مَا بَيْنَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنَ الْخُطْبَةِ- إِلَى أَنْ تَسْتَوِيَ الصُّفُوفُ بِالنَّاسِ- وَ سَاعَةٌ أُخْرَى مِنْ آخِرِ النَّهَارِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ. 64 الْمَجَالِسُ، وَ الْخِصَالُ لِلصَّدُوقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبَلَةَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ آبَائِهِ عَنْ جَدِّهِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ قَالَ: جَاءَ نَفَرٌ مِنَ الْيَهُودِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص- فَسَأَلَهُ أَعْلَمُهُمْ عَنْ مَسَائِلَ فَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ- أَخْبِرْنَا عَنْ سَبْعِ خِصَالٍ أَعْطَاكَ اللَّهُ مِنْ بَيْنِ النَّبِيِّينَ- وَ أَعْطَى أُمَّتَكَ مِنْ بَيْنِ الْأُمَمِ- فَقَالَ أَعْطَانِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ وَ الْأَذَانَ- وَ الْجَمَاعَةَ فِي الْمَسْجِدِ وَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ- وَ الصَّلَاةَ عَلَى الْجَنَائِزِ وَ الْإِجْهَارَ فِي ثَلَاثِ صَلَوَاتٍ- وَ الرُّخْصَةَ لِأُمَّتِي عِنْدَ الْأَمْرَاضِ وَ السَّفَرِ- وَ الشَّفَاعَةَ لِأَصْحَابِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي- قَالَ صَدَقْتَ يَا مُحَمَّدُ فَمَا جَزَاءُ مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ- وَ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ- قَالَ وَ أَمَّا يَوْمُ الْجُمُعَةِ- فَيَوْمٌ يَجْمَعُ اللَّهُ فِيهِ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ- فَمَا مِنْ مُؤْمِنٍ مَشَى فِيهِ إِلَى الْجُمُعَةِ- إِلَّا خَفَّفَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَهْوَالَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ- ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ. 65 الصَّحِيفَةُ السَّجَّادِيَّةُ، وَ كَانَ مِنْ دُعَائِهِ عليه السلام فِي يَوْمِ الْأَضْحَى وَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ- اللَّهُمَّ هَذَا يَوْمٌ مُبَارَكٌ مَيْمُونٌ- وَ الْمُسْلِمُونَ فِيهِ مُجْتَمِعُونَ فِي أَقْطَارِ أَرْضِكَ- يَشْهَدُ السَّائِلُ مِنْهُمْ وَ الطَّالِبُ وَ الرَّاغِبُ وَ الرَّاهِبُ- إِلَى قَوْلِهِ اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا الْمَقَامَ لِخُلَفَائِكَ وَ أَصْفِيَائِكَ- وَ مَوَاضِعَ أُمَنَائِكَ فِي الدَّرَجَةِ الرَّفِيعَةِ الَّتِي اخْتَصَصْتَهُمْ بِهَا- قَدِ ابْتَزُّوهَا وَ أَنْتَ الْمُقَدِّرُ لِذَلِكَ إِلَى قَوْلِهِ- حَتَّى عَادَ صِفْوَتُكَ وَ خُلَفَاؤُكَ مَغْلُوبِينَ مَقْهُورِينَ مُبْتَزِّينَ- يَرَوْنَ حُكْمَكَ مُبَدَّلًا وَ كِتَابَكَ مَنْبُوذاً- إِلَى قَوْلِهِ ع- وَ عَجِّلِ الْفَرَجَ وَ الرَّوْحَ وَ النُّصْرَةَ وَ التَّمْكِينَ وَ التَّأْيِيدَ لَهُمْ- إِلَى آخِرِ الدُّعَاءِ. بيان: لا يخفى على العارف بأساليب البلاغة أن هذا الدعاء يدل على مطلوبية اجتماع المؤمنين في الجمعة و الأعياد للصلاة و الدعاء و السؤال و الرغبة و بث الحوائج في جميع الأحوال و الأزمان لأنه معلوم أن أدعية الصحيفة الشريفة مما أملاها عليه السلام لتقرأها الشيعة إلى آخر الدهر و هي كالقرآن المجيد من البركات المستمرة إلى يوم الوعيد. و وجه الدلالة أنه ذكر في وصف اليوم و بيان فضله أن المسلمين يجتمعون في أقطار الأرض و معلوم أن اجتماعهم كانوا لصلاة الجمعة و العيد و لم يكونوا مأذونين منه عليه السلام لغاية خوفه و اختفائه و كذا الأزمان بعده إلى زمان القائم فلا بد من مصداق لهذا الاجتماع في زمانه عليه السلام و أكثر الأزمان بعده حتى يحسن تعليمهم مثل هذا الدعاء. و لما كان في البلاد الذي كان فيه حاضرا فارغا لم يجز لغيره التقدم عليه أشار إلى خصوص هذا المقام فقال عليه السلام إن هذا المقام لخلفائك و شكا إلى الله سبحانه ذلك أو أنه لما كان من الحكم العظيمة للجمعات و الأعياد ظهور دولتهم عليه السلام و تمكنهم و أمرهم و نهيهم و إرشادهم و كان في تلك الأزمان الأمر بعكس ذلك تظهر فيها دولة المتغلبين و الغاصبين و تقوى فيها بدعهم و إضلالهم فأشار بتلك المناسبة إلى الخلافة الكبرى التي ادعوها و ابتزوها و غصبوها. فإن قيل ذكر اجتماعهم لا يدل على رجحان بل هو بيان لأمر واقعي قلنا معلوم من سياق الكلام حيث ذكر لبيان كرامة اليوم و شرافته و لتمهيد الدعاء و إدخال نفسه المقدسة في جملتهم إما تواضعا أو تعليما أنه في مقام التحسين و التجويز و لو كان اجتماعهم كذلك بدعة و حراما لكان مثل أن يقول أحد اللهم إن هذا يوم مبارك يجتمع فيه الناس في أقطار الأرض لشرب الخمور و ضرب الدفوف و المعازف و اللعب بالقمار و الملاهي و يطلبون حوائجهم فأسألك أن توفر حظي و نصيبي منه. و العجب أن جماعة من المانعين استدلوا بالعبارة الأخيرة على عدم وجوب صلاة الجمعة في أزمنة الغيبة بل بعضهم على حرمتها حيث قالوا هذا المقام إشارة إلى إمامة الجمعة و العيد و الخطبة و قوله لخلفائك يدل على الاختصاص بهم و كذا قوله قد اختصصتهم بها و قوله قد ابتزوها فإن الابتزاز هو الاستلاب و الأخذ قهرا. و الجواب أما أولا فبما عرفت أن المشار إليه بهذا المقام يحتمل أن يكون الخلافة الكبرى لظهور آثارها في هذا اليوم بقرينة قوله بعد ذلك حتى عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا و كتابك منبوذا و فرائضك محرفة من جهات إشراعك و سنن نبيك متروكة إذ ظاهر أن الأمور المذكورة مما يترتب على الولاية الكبرى و الخلافة العليا. و ثانيا بأنه على تقدير تسليم إرجاع الضمير إلى الصلاة و الخطبة يمكن إرجاعه إلى الصلاة المخصوصة إذ إرجاع الضمير إلى الخاص أولى من إرجاعه إلى العام المتحقق في ضمن الخاص كما إذا أشير إلى هذا بزيد و أريد به زيد أو الإنسان المتحقق في ضمنه و ظاهر أن الأول أظهر و أحق بكونه حقيقة و الصلاة المخصوصة كانت صلاة محرمة لحضور الإمام بغير إذنه عليه السلام مع قهره عليه السلام على الحضور و الاقتداء به فلا يدل على المنع من غيرها. و ثالثا بأنه على تقدير تسليم إرجاع الضمير إلى مطلق الصلاة يكفي لصدق الاختصاص المستفاد من اللام كونهم أحق بها في الجملة مع أنه قد حقق المحقق الدواني في حواشيه على شرح المختصر العضدي أن هذا الاختصاص ليس بمعنى الحصر بل يكفي فيه ارتباط مخصوص كما يقال الجل للفرس و قد حققنا ذلك في الفرائد الطريقة في شرح الحمد لله. و قوله ابتزوها في بعض النسخ على بناء الفاعل و في بعضها على بناء المفعول فعلى الأول ظاهر أن الضمير المرفوع راجع إلى خلفاء الجور و أتباعهم الغاصبين لحقوقهم و على الثاني أيضا المراد ذلك لأن شيعتهم و مواليهم الذين يفعلونها إطاعة لأمرهم و إحياء لذكرهم لا يصدق عليهم أنهم ابتزوها منهم كما أن النائب الخاص خارج منهم اتفاقا. و رابعا بأنه يمكن تعميم الخلفاء و الأصفياء و الأمناء بحيث تشمل فقهاء الشيعة و رواة أخبار الأئمة كَمَا رَوَى الصَّدُوقُ وَ غَيْرُهُ عَنِ النَّبِيِّ ص اللَّهُمَّ ارْحَمْ خُلَفَائِي قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَ مَنْ خُلَفَاؤُكَ- قَالَ الَّذِينَ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يَرْوُونَ حَدِيثِي وَ سُنَّتِي. و في رواية أخرى زاد فيه و يعلمون الناس بعدي لكن في هذا الوجه بعد نعم لا يبعد حمل الأمناء بل الأصفياء على الشيعة لا سيما علماؤهم و التأسيس أولى من التأكيد. أقول: جملة القول في هذه المسألة التي تحيرت فيها الأوهام و اضطرب فيها الأعلام أنه لا أظن عاقلا يريب في أنه لو لم يكن الإجماع المدعى فيها لم يكن لأحد مجال شك في وجوبها على الأعيان في جميع الأحيان و الأزمان كما في سائر الفرائض الثابتة بالكتاب و السنة فكما ليس لأحد أن يقول لعل وجوب صلاة العصر و زكاة الغنم مشروطان بوجود الإمام و حضوره و إذنه كذا هاهنا لعدم الفرق بين الأدلة الدالة عليها. لكن طرأ هاهنا نقل إجماع من الشيخ و تبعه جماعة ممن تأخر عنه كما هو دأبهم في سائر المسائل فهو عروتهم الوثقى و حجتهم العظمى به يتصاولون و عليه يتطاولون فاشتهر في الأصقاع و مالت إليه الأطباع و الإجماع عندنا على ما حققه علماؤنا (رضوان اللّه عليهم) في الأصول هو قول جماعة من الأمة يعلم دخول قول المعصوم في أقوالهم و حجيته أنما هو باعتبار دخول قوله عليه السلام فهو كاشف عن الحجة و الحجة أنما هي قوله ع. قال المحقق ره في المعتبر و أما الإجماع فهو عندنا حجة بانضمام قول المعصوم فلو خلا المائة من فقهائنا من قوله لما كان حجة و لو حصل في اثنين لكان قولهما حجة لا باعتبار اتفاقهما بل باعتبار قوله و لا تغتر إذا بمن يتحكم فيدعي الإجماع باتفاق الخمسة و العشرة من الأصحاب مع جهالته قول الباقين إلا مع العلم القطعي بدخول الإمام في الجملة انتهى. و الإجماع بهذا المعنى لا ريب في حجيته على فرض تحققه و الكلام في ذلك. ثم إنهم (قدس الله روحهم) لما رجعوا إلى الفروع كأنهم نسوا ما أسسوه في الأصول فادعوا الإجماع في أكثر المسائل سواء ظهر الاختلاف فيها أم لا وافق الروايات المنقولة فيها أم لا حتى أن السيد رضي الله عنه و أضرابه كثيرا ما يدعون الإجماع فيما يتفردون في القول به أو يوافقهم عليه قليل من أتباعهم و قد يختار هذا المدعي للإجماع قولا آخر في كتابه الآخر و كثيرا ما يدعي أحدهم الإجماع على مسألة و يدعي غيره الإجماع على خلافه. فيغلب الظن على أن مصطلحهم في الفروع غير ما جروا عليه في الأصول بأن سموا الشهرة عند جماعة من الأصحاب إجماعا كما نبه عليه الشهيد ره في الذكرى و هذا بمعزل عن الحجية و لعلهم إنما احتجوا به في مقابلة المخالفين ردا عليهم أو تقوية لغيره من الدلائل التي ظهرت لهم. و لا يخفى أن في زمان الغيبة لا يمكن الاطلاع على الإجماع إذ مع فرض إمكان الاطلاع على مذاهب جميع الإمامية مع تفرقهم و انتشارهم في أقطار البلاد و العلم بكونهم متفقين على مذهب واحد لا حجة فيه لما عرفت أن العبرة عندنا بقول المعصوم و لا يعلم دخوله فيها. و ما يقال من أنه يجب حينئذ على المعصوم أن يظهر القول بخلاف ما أجمعوا عليه لو كان باطلا فلو لم يظهر ظهر أنه حق لا يتم سيما إذا كانت في روايات أصحابنا رواية بخلاف ما أجمعوا عليه إذ لا فرق بين أن يكون إظهار الخلاف على تقدير وجوبه بعنوان أنه قول فقيه و بين أن يكون الخلاف مدلولا عليه بالرواية الموجودة في روايات أصحابنا. بل قيل إنه على هذا لا يبعد القول أيضا بأن قول الفقيه المعلوم النسب أيضا يكفي في ظهور الخلاف و إن كان في زمان الحضور أي ادعوا أنه يتحقق الإجماع في زمان حضور إمام من الأئمة عليهم السلام فإن لم يعلم دخول قول الإمام بين أقوالهم فلا حجية فيه أيضا و إن علم فقوله كاف و لا حاجة إلى انضمام الأقوال الأخر إلا أن لا يعلم الإمام بخصوصه و إنما يعلم دخوله لأنه من علماء الأمة و هذا فرض نادر يبعد تحققه في زمان من الأزمنة. و أيضا دعوى الإجماع أنما نشأ في زمن السيد و الشيخ و من عاصرهما ثم تابعهما القوم و معلوم عدم تحقق الإجماع في زمانهم فهم ناقلون عمن تقدمهم فعلى تقدير كون المراد بالإجماع هذا المعنى المعروف لكان في قوة خبر مرسلا فكيف يرد به الأخبار الصحيحة المستفيضة و مثل هذا يمكن أن يركن إليه عند الضرورة و فقد دليل آخر أصلا. و ما قيل من أن مثل هذا التناقض و التنافي الذي يوجد في الإجماعات يكون في الروايات أيضا قلنا حجية الأخبار و وجوب العمل بها مما تواترت به الأخبار و استقر عليه عمل الشيعة بل جميع المسلمين في جميع الأعصار بخلاف الإجماع الذي لا يعلم حجيته و لا تحققه و لا مأخذه و لا مراد القوم منه و بالجملة من تتبع موارد الإجماعات و خصوصياتها اتضح عليه حقيقة الأمر فيها. و أما الإجماع المدعى هاهنا بخصوصه فله جهات مخصوصة من الضعف. منها تحقق الخلاف في المسألة من الشيخ المفيد الذي هو أفضل و أقدم و الكليني و الصدوق و أبي الصلاح و الكراجكي فكيف يقبل دعوى الإجماع مع ذلك و مع أنهم عللوا الإجماع هنا بعلة ضعيفة بخلاف سائر الإجماعات قال في المعتبر و البحث في مقامين أحدهما في اشتراط الإمام أو نائبه و المصادمة مع الشافعي و معتمدنا فعل النبي ص فإنه كان يعين لصلاة الجمعة و كذا الخلفاء بعده كما يعين للقضاء فكما لا يصح أن ينصب الإنسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام كذا إمامة الجمعة و ليس هذا قياسا بل استدلالا بالعمل المستمر في الأعصار فمخالفته خرق للإجماع انتهى. و قال الشهيد الثاني مع تسليم اطراده في جميع الأزمنة نمنع دلالته على الشرطية بل هو أعم منها و العام لا يدل على الخاص و الظاهر أن تعيين الأئمة إنما هو لحسم مادة النزاع في هذه المرتبة و رد الناس إليه بغير تردد و اعتمادهم على تقليده بغير ريبة و استحقاقه من بيت المال لسهم وافر من حيث قيامه بهذه الوظيفة الكبيرة من أركان الدين. و يؤيد ذلك أنهم يعينون لإمامة الصلوات اليومية أيضا و الأذان و غيرهما من الوظائف الدينية مع عدم اشتراطها بإذن الإمام بإجماع المسلمين و لم يزل الأمر مستمرا في نصب الأئمة للصلوات الخمس و الأذان و نحوهما أيضا من عهد النبي ص إلى يومنا هذا من الخلفاء و السلاطين و أئمة العدل و الجور كل ذلك لما ذكرنا من الوجه لا للاشتراط و هذا أمر واضح لا يخفى على منصف انتهى. و منها أن ظاهر كلام أكثرهم أن هذا الشرط أنما هو عند حضور الإمام و التمكن منه كما أومأ إليه المحقق حيث شبهه بالقضاء فإن التعيين في القضاء عندهم أنما هو عند حضور الإمام و أما مع غيبته فيجب على الفقهاء القيام به مع تمكنهم منه. قال الشهيد الثاني روح الله روحه إن الذي يدل عليه كلام الأصحاب أن موضع الإجماع المدعى أنما هو حال حضور الإمام و تمكنه و الشرط المذكور حينئذ أنما هو إمكانه لا مطلقا في وجوبها عينا لا تخييرا كما هو مدعاهم حال الغيبة لأنهم يطلقون القول باشتراطه في الوجوب و يدعون الإجماع عليه أولا ثم يذكرون حال الغيبة و ينقلون الخلاف فيه و يختارون جوازها حينئذ أو استحبابها معترفين بفقد الشرط. هكذا عبروا به عن المسألة و صرحوا به في الموضعين فلو كان الإجماع المدعى لهم شاملا لموضع النزاع لما ساغ لهم نقل الخلاف بعد ذلك بل اختيار جواز فعلها بدونه أيضا فإنهم يصرحون بأنه شرط للوجوب ثم يذكرون الحكم بعد الغيبة و يجعلون الخلاف في الاستحباب فلا يعبرون عن حكمها حينئذ بالوجوب و هو دليل بين على أن الوجوب الذي يجعلونه مشروطا بالإمام عليه السلام و ما في معناه أنما هو حيث يمكن أو في الوجوب العيني حين حضوره بناء منهم على أن ما عداه لا يسمونه واجبا و إن أمكن إطلاقه عليه من حيث إنه واجب تخييري و على هذا الوجه يسقط الاستدلال بالإجماع في موضع النزاع لو تم في غيره. و منها أن كلامهم في الإذن مشوش فبعض كلماتهم يدل على الإذن لخصوص الشخص لخصوص الصلاة أو لما يشملها و بعضها على الإذن الشامل للإذن العام للفقيه و بعضها على الأعم من ذلك حتى يشمل كل من يصلح للإمامة فتسقط فائدة النزاع. قال الشيخ في الخلاف بعد أن اشترط أولا في الجمعة الإمام أو نائبه و نقل فيه الإجماع ما هذا لفظه فإن قيل أ ليس قد رويتم فيما مضى من كتبكم أنه يجوز لأهل القرى و السواد من المؤمنين إذا اجتمعوا العدد الذي ينعقد بهم أن يصلوا جمعة قلنا ذلك مأذون فيه و مرغب فيه فجرى ذلك مجرى أن ينصب الإمام من يصلي بهم انتهى. فظهر أن الإذن الذي ادعي الإجماع على اشتراطه يشمل الإذن العام لسائر من يمكنه أن يأتي بها فيرد عليه أنه لا ريب أن أصل صلاة الجمعة كانت واجبة عينا و الباعث على عدم وجوبها في زمان الغيبة باعتقادكم عدم الإذن فإذا قام الإذن العام مقام النصب الخاص فأي مانع من الوجوب العيني و لذا حمل كلامه هذا جماعة على الوجوب العيني و قالوا مأذون فيه و مرغب فيه لا ينافي ذلك لما رأوا أنه يلزمه ذلك و إن كان بعيدا من كلامه. و قال ره في المبسوط و أما الشروط الراجعة إلى صحة الانعقاد فأربعة السلطان العادل أو من يأمره السلطان و قال بعد ذلك بجواز صلاة الجمعة في زمان الغيبة و بينهما تناف ظاهرا و يمكن أن يوجه بوجهين أحدهما تخصيص الأول بزمان الحضور و الثاني أن يقال من يأمره السلطان أعم من أن يكون منصوبا بخصوصه أو مأذونا من قبلهم و لو بالألفاظ العامة على ما استفيد من الخلاف. و قال العلامة (قدّس سرّه) في المختلف بعد ما حكى المنع من ابن إدريس و الأقرب الجواز ثم استدل بعموم الآية و الأخبار ثم حكى حجة ابن إدريس على المنع بأن شرط انعقاد الجمعة الإمام أو من نصبه الإمام إجماعا ثم قال و الجواب بمنع الإجماع على خلاف صورة النزاع و أيضا فإنا نقول بموجبه لأن الفقيه المأمون منصوب من قبل الإمام على العموم انتهى. و الذي يغلب على الظن و لعله ليس من بعض الظن أن الذي دعا القوم إلى دعوى الإجماع على اشتراط الإذن أحد أمرين الأول إطباق الشيعة على ترك الإتيان بها علانية في الأعصار الماضية خوفا من المخالفين لأنهم كانوا يعينون لذلك أئمة مخصوصين في البلاد و لم يكن يتمكن أحد من الإتيان بها إلا معهم و كان يلزم المشاهير من العلماء الحضور في مساجدهم و لو كانوا يفعلون في بيوتهم كان نادرا مع نهاية السعي في الاستتار فظن أن تركهم أنما هو لعدم الإذن. الثاني أن المخالفين كانوا يشنعون عليهم بترك الجمعة و لم يمكنهم الحكم بفسقهم و كفرهم فكانوا يعتذرون بعدم إذن الإمام و عدم حضوره دفعا لتشنيعهم و كان غرضهم عدم الإذن للتقية و على هذا يظهر وجه تشويش كلام الشيخ و تنافر أجزائه كما لا يخفى على المتأمل. فاعتبر أيها العاقل الخبير أنه يجوز لمنصف أن يعول على مثل هذا الإجماع مع هذا التشويش و الاضطراب و الاختلاف بين ناقليه مع ما عرفت مع ما في أصله من البعد و الوهن و يعرض عن مدلولات الآيات و الأخبار الصريحة الصحيحة و هل يشترط في التكليف بالكتاب و السنة عمل الشيخ و من تأخر عنه إلى زمان الشهيد حيث يعتبر أقوال أولئك و لا يعتبر أقوال هؤلاء مع أنه لا ريب أن هؤلاء أدق فهما و أذكى ذهنا و أكثر تتبعا منهم و نرى أفكارهم أقرب إلى الصواب في أكثر الأبواب و ابتداء الفحص و التدقيق و ترك التقليد للسلف نشأ من زمان الشهيد الأول (قدس الله لطيفه) و إن أحدث المحقق و العلامة شيئا من ذلك. قال الشهيد الثاني نور الله ضريحه في كتاب الرعاية إن أكثر الفقهاء الذين نشئوا بعد الشيخ كانوا يتبعونه في الفتوى تقليدا له لكثرة اعتقادهم فيه و حسن ظنهم به فلما جاء المتأخرون وجدوا أحكاما مشهورة قد عمل بها الشيخ و متابعوه فحسبوها شهرة بين العلماء و ما دروا أن مرجعها إلى الشيخ و أن الشهرة أنما حصلت بمتابعته ثم قال و ممن اطلع على هذا الذي تبينته و تحققته من غير تقليد الشيخ الفاضل سديد الدين محمود الحمصي و السيد رضي الدين بن طاوس و جماعة. قال السيد في كتابه المسمى بالبهجة بثمرة المهجة أخبرني جدي الصالح ورام بن أبي فراس (قدس الله روحه) أن الحمصي حدثه أنه لم يبق للإمامية مفت على التحقيق بل كلهم حاك و قال السيد عقيب ذلك و الآن قد ظهر أن الذي يفتي به و يجاب على سبيل ما حفظ من كلام العلماء المتقدمين. و قال طيب الله مضجعه في رسالة صلاة الجمعة بعد أن أورد بعض الأخبار الدالة على وجوبها فهذه الأخبار الصحيحة الطرق و الواضحة الدلالة التي لا يشوبها شك و لا يحوم حولها شبهة من طريق أهل البيت في الأمر بصلاة الجمعة و الحث عليها و إيجابها على كل مسلم عدا ما استثني و التوعد على تركها بالطبع على القلب الذي هو علامة الكفر و العياذ بالله كما نبه عليه تعالى في كتابه العزيز و تركت غيرها من الأخبار حسما لمادة النزاع و دفعا للشبهة العارضة في الطريق. و ليس في هذه الأخبار مع كثرتها تعرض لشرط الإمام و لا من نصبه و لا لاعتبار حضوره في إيجاب هذه الفريضة المعظمة فكيف ينبغي للمسلم الذي يخاف الله إذا سمع مواقع أمر الله و رسوله و أئمته بهذه الفريضة و إيجابها على كل مسلم أن يقصر في أمرها و يهملها إلى غيرها و يتعلل بخلاف بعض العلماء فيها و أمر الله تعالى و رسوله و خاصته عليه السلام أحق و مراعاته أولى فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ و لعمري لقد أصابهم الأول فليرتقبوا الثاني إن لم يعف الله و يسامح نسأل الله تعالى العفو و العافية. و قد يحصل من هذين أن من كان مؤمنا فقد دخل تحت نداء الله تعالى و أمره في الآية الكريمة بهذه الفريضة العظيمة و تهديده عن الإلهاء عنها و من كان مسلما فقد دخل تحت قول النبي ص و قول الأئمة إنها واجبة على كل مسلم و من كان عاقلا فقد دخل تحت تهديد قوله تعالى مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يعني الإلهاء عنها فَأُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ و قولهم عليه السلام من تركها على هذا الوجه طبع الله على قلبه لأن من موضوعة لمن يعقل إن لم يكن أعم. فاختر لنفسك واحدا من هذه الثلاث و انتسب إلى اسم من هذه الأسماء أعني الإيمان أو الإسلام أو العقل و ادخل تحت مقتضاه أو التزم قسما رابعا إن شئت نعوذ بالله من قبح المذلة و تيه الغفلة. ثم قال ره بعد ما بين حقيقة الإجماعات المنقولة و ضعف الاحتجاج بها لا سيما المنقول منها بخبر الواحد و الله تعالى شهيد و كفى بالله شهيدا إن الغرض من كشف هذا كله ليس إلا تبيان الحق الواجب المتوقف عليه لقوة عسر الفطام عن المذهب الذي يألفه الأنام و لولاه لكان عنه أعظم صارف و الله تعالى يتولى أسرار عباده و يعلم حقائق أحكامه و هو حسبنا و نعم الوكيل. ثم قال ختم و نصيحة إذا اعتبرت ما ذكرناه من الأدلة على هذه الفريضة المعظمة و ما ورد من الحث عليها في غير ما ذكرناه مضافا إليه و ما أعده الله من الثواب الجزيل عليها و على ما يتبعها و يتعلق بها يوم الجمعة من الوظائف و الطاعات و هي نحو مائة وظيفة و قد أقررنا عيونها في رسالة مفردة ذكرنا فيها خصوصيات يوم الجمعة و نظرت إلى شرف هذا اليوم المذخور لهذه الأمة كما جعل لكل أمة يوما يفرغون إليه و فيه يجتمعون على طاعته و اعتبرت الحكم الإلهية الباعثة على الأمر بهذا الاجتماع و إيجاد الخطبة المشتملة على الموعظة و تذكير الخلق بالله تعالى و أمرهم بطاعته و زجرهم عن معصيته و تزهيدهم في هذه الدار الفانية و ترغيبهم في الدار الآخرة الباقية المشتملة على ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر و حثهم على التخلق بالأخلاق الحميدة و اجتناب الصفات الرذيلة و غير ذلك من المقاصد الجميلة كما يطلع عليها من طالع الخطب المروية عن النبي ص و أمير المؤمنين عليه السلام و غيرهما من الأئمة الراشدين و العلماء الصالحين. علمت أن هذه المقصد العظيم الجليل لا يليق من الحكيم إبطاله و لا يحسن من العاقل إهماله بل ينبغي بذل الهمة فيه و صرف الحيلة إلى فعله و بذل الجهد في تحصيل شرائطه و رفع موانعه ليفوز بهذه الفضيلة الكاملة و يحوز هذه المثوبة الفاضلة. ثم أورد ره أخبارا كثيرة دالة على فضل يوم الجمعة و عباداتها و صلاة الجمعة و المباكرة إليها و أن الصلاة أشرف العبادات و أن الصلاة الوسطى من بينها أفضلها ثم قال و أصح الأقوال أنها صلاة الظهر و صلاة الظهر يوم الجمعة هي صلاة الجمعة على ما تحقق أو هي أفضل فرديها على ما تقرر فقد ظهر من جميع المقدمات القطعية أن صلاة الجمعة أفضل الأعمال الواقعة من المكلفين بعد الإيمان مطلقا و أن يومها أفضل الأيام فكيف يسع الرجل المسلم الذي خلقه الله لعبادته و فضله على جميع بريته و بين له مواقع أمره و نهيه و عرضه لتحصيل السعادات الأبدية و الكمالات النفسية السرمدية و أرشده إلى هذه العبادة المعظمة السنية و دله
بحار الأنوار - ج ٨٦ - الصفحة ٢٠٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٩٦ - الصفحة ٢٥٧. — الله تعالى (حديث قدسي)
م، تفسير الإمام (عليه السلام) قَوْلُهُ عَزَّ وَ جَلَ فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ إِلَى قَوْلِهِ وَ اللَّهُ سَرِيعُ الْحِسابِ - قَالَ الْإِمَامُ عليه السلام قَالَ
بحار الأنوار - ج ١٠١ - الصفحة ٣٩١. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
في أنّ النّاس ارتدّوا بعد الحسين عليه السلام إلّا ثلاثة 220 العنوان الصفحة فيما قال
ه أمير المؤمنين عليه السلام لليونانيّ الّذي رأى منه المعجزات و أسلم 221 للمؤمن على المؤمن سبعة حقوق 222 في أنّ كلّ واحد من الأئمّة عليهم السلام كان يعجب نوعا من الطعام 231 حقّ المسلم على المسلم، و إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية اللّه و فيه بيان مفصّل و توجيه وجيه 238 في قول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ثلاث يطفين نور العبد: من قطع أودّاء أبيه، و غيّر شيبته، و رفع بصره في الحجرات من غير أن يؤذن له 264 في أنّ أمير المؤمنين عليه السلام طلّق عائشة يوم البصرة، و أنّ المنافقات من أزواج العنوان الصفحة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم خرجن بنفاقهنّ عن امّهات المؤمنين 265 قصّة نفر من المسلمين خرجوا إلى سفر فضّلوا الطريق، و الجنّ الّذي بايع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، و جواز رواية الحديث عن الجنّ 272 علّة الهموم 276 النظر إلى العالم، و الإمام المقسط، و الوالدين، و الأخ 278 في وثاقة مفضّل بن عمر 279 في قول عليّ عليه السلام: الإخوان صنفان 281 ثلاثة أشياء في كلّ زمان عزيزة 282 العنوان الصفحة ثواب الحاجّ و قضاء حاجة المؤمنين 285
بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ١١٠ - الصفحة ١٠٠. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي عن عبد الرحمن بن محمد بن أبي هشام، عن أحمد بن محسن الميثمي قال: كنت عند أبي منصور المتطبب فقال: أخبرني رجل من أصحابي قال: كنت أنا وابن أبي العوجاء وعبدالله بن المقفع في المسجد الحرام فقال ابن المقفع، ترون هذا الخلق - وأومأ بيده إلى موضع الطواف - ما منهم أحد اوجب له اسم الانسانية إلا ذلك الشيخ الجالس - يعني أبا عبدالله جعفر بن محمد (عليهما السلام) - فأما الباقون فرعاع وبهائم فقال
له ابن أبي العوجاء: وكيف أوجبت هذا الاسم لهذا الشيخ دون هؤلاء؟ قال: لاني رأيت عنده ما لم أره عندهم فقال له ابن أبي العوجاء: لابد من اختبار ما قلت فيه منه، قال: فقال ابن المقفع: لا تفعل فإني أخاف أن يفسد عليك ما في يدك، فقال: ليس ذا رأيك ولكن تخاف أن يضعف رأيك عندي في إحلالك إياه المحل الذي وصفت، فقال ابن المقفع: أما إذا توهمت علي هذا فقم إليه وتحفظ ما استطعت من الزلل ولا تثني عنانك إلى استرسال فيسلمك إلى عقال وسمه مالك أو عليك؟ قال: فقام ابن أبي العوجاء وبقيت أنا وابن المقفع جالسين فلما رجع إلينا ابن أبي العوجاء قال: ويلك يا ابن المقفع ما هذا ببشر وإن كان في الدنيا روحاني يتجسد إذا شاء ظاهرا ويتروح إذا شاء باطنا فهو هذا، فقال له: وكيف ذلك؟ قال: جلست إليه فلما لم يبق عنده غيري ابتدأني فقال: إن يكن الامر على ما يقول هؤلاء - وهو على ما يقولون - يعني اهل الطواف - فقد سلموا وعطبتم وان يكن الامر علي ما تقولون - وليس كما تقولون - فقد استويتم وهم، فقلت له: يرحمك الله وأي شئ نقول وأي شئ يقولون؟ ما قولي وقولهم إلا واحدا، فقال: وكيف يكون قولك وقولهم واحدا؟ وهم يقولون: إن لهم معادا وثوابا وعقابا ويدينون بأن في السماء إلها وأنها عمران وأنتم تزعمون أن السماء خراب ليس فيها أحد، قال: فاغتنمتها منه فقلت له: ما منعه إن كان الامر كما يقولون أن يظهر لخلقه ويدعوهم إلى عبادته حتى لا يختلف منهم اثنان ولم احتجب عنهم وأرسل إليهم الرسل؟ ولو باشرهم بنفسه كان أقرب إلى الايمان به؟ فقال لي: ويلك وكيف احتجب عنك من أراك قدرته في نفسك: نشوءك ولم تكن وكبرك بعد صغرك وقوتك بعد ضعفك وضعفك بعد قوتك وسقمك بعد صحتك وصحتك بعد سقمك ورضاك بعد غضبك وغضبك بعد رضاك وحزنك بعد فرحك وفرحك بعد حزنك وحبك بعد بغضك وبغضك بعد حبك وعزمك بعد أناتك وأناتك بعد عزمك وشهوتك بعد كراهتك وكراهتك بعد شهوتك ورغبتك بعد رهبتك ورهبتك بعد رغبتك ورجاءك بعد يأس ويأسك بعد رجائك، وخاطرك بما لم يكن في وهمك وعزوب ما أنت معتقده عن ذهنك وما زال يعدد علي قدرته التي هي في نفسي التي لا أدفعها حتى ظننت أنه سيظهر فيما بيني وبينه. * - [عنه عن بعض أصحابنا رفعه وزاد في حديث ابن أبي العوجاء حين سأله أبوعبدالله (عليه السلام) قال: عاد ابن أبي العوجاء في اليوم الثاني إلى مجلس أبي عبدالله (عليه السلام) فجلس وهو ساكت لا ينطق فقال أبوعبدالله (عليه السلام): كأنك جئت تعيد بعض ما كنا فيه؟ فقال: أردت ذلك يا ابن رسول الله فقال له أبوعبدالله (عليه السلام): ما أعجب هذا تنكر الله وتشهد أني ابن رسول الله! فقال: العادة تحملني على ذلك، فقال له العالم (عليه السلام) فما يمنعك من الكلام؟ قال: إجلالا لك ومهابة ما ينطلق لساني بين يديك فإني شاهدت العلماء وناظرت المتكلمين فما تداخلني هيبة قط مثل ما تداخلني من هيبتك، قال: يكون ذلك ولكن أفتح عليك بسؤال وأقبل عليه فقال له: أمصنوع أنت أو غير مصنوع؟ فقال عبدالكريم بن أبي العوجاء بل أنا غير مصنوع فقال له العالم (عليه السلام): فصف لي لو كنت مصنوعا كيف كنت تكون؟ فبقي عبدالكريم مليا لا يحير جوابا وولع بخشبة كانت بين يديه وهو يقول طويل عريض عميق قصير متحرك ساكن كل ذلك صفة خلقه، فقال له العالم: فإن كنت لم تعلم صفة الصنعة غيرها فاجعل نفسك مصنوعا لما تجد في نفسك مما يحدث من هذه الامور، فقال له عبدالكريم: سألتني عن مسأله لم يسألني عنها أحد قبلك ولا يسألني أحد بعدك عن مثلها، فقال أبوعبدالله (عليه السلام): هبك علمت أنك لم تسأل فيما مضى فما علمك أنك لا تسأل فيما بعد، على أنك يا عبدالكريم نقضت قولك لانك تزعم أن الاشياء من الاول سواء فكيف قدمت وأخرت، ثم قال: يا عبدالكريم أزيدك وضوحا أرأيت لو كان معك كيس فيه جواهر فقال لك قائل: هل في الكيس دينار فنفيت كون الدينار في الكيس، فقال لك صف لي الدينار وكنت غير عالم بصفته هل كان لك أن تنفي كون الدينار عن الكيس وأنت لا تعلم؟ قال: لا، فقال: أبوعبدالله (عليه السلام) فالعالم أكبر وأطول وأعرض من الكيس فلعل في العالم صنعة من حيث لا تعلم صفة الصنعة من غير الصنعة، فانقطع عبدالكريم وأجاب إلى الاسلام بعض أصحابه وبقي معه بعض. فعاد في اليوم الثالث فقال: أقلب السؤال فقال له أبوعبدالله (عليه السلام): سل عما شئت فقال: ما الدليل على حدث الاجسام؟ فقال: إني ما وجدت شيئا صغيرا ولا كبيرا إلا وإذا ضم إليه مثله صار أكبر وفي ذلك زوال وانتقال عن الحالة الاولى ولو كان قديما ما زال ولا حال لان الذي يزول ويحول يجوز أن يوجد ويبطل فيكون بوجوده بعد عدمه دخول في الحدث وفي كونه في الازل دخوله في العدم ولن تجتمع صفة الازل والعدم و الحدوث والقدم في شئ واحد، فقال عبدالكريم: هبك علمت في جري الحالتين والزمانين على ما ذكرت واستدللت بذلك على حدوثها فلو بقيت الاشياء على صغرها من أين كان لك أن تستدل على حدوثهن؟ فقال العالم (عليه السلام): إنما نتكلم على هذا العالم الموضوع فلو رفعناه ووضعنا عالما آخر كان لا شئ أدل على الحدث من رفعنا إياه ووضعنا غيره ولكن اجيبك من حيث قدرت أن تلزمنا فنقول: إن الاشياء لو دامت على صغرها لكان في الوهم أنه متى ضم شئ إلى مثله كان أكبر وفي جواز التغيير عليه خروجه من القدم كما أن في تغييره دخوله في الحدث ليس لك وراء ه شئ يا عبدالكريم فانقطع وخزي. فلما كان من العام القابل التقي معه في الحرم فقال له بعض شيعته: إن ابن أبي العوجاء قد أسلم فقال العالم (عليه السلام): هو أعمى من ذلك لا يسلم، فلما بصر بالعالم قال: سيدي ومولاي، فقال له العالم (عليه السلام): ما جاء بك إلى هذا الموضع؟ فقال: عادة الجسد وسنة البلد ولننظر ما الناس فيه من الجنون والحلق ورمي الحجارة؟ فقال له العالم (عليه السلام) أنت بعد على عتوك وضلالك يا عبدالكريم فذهب يتكلم فقال له (عليه السلام): لا جدال في الحج ونفض ردائه من يده وقال: إن يكن الامر كما تقول وليس كما تقول نجونا ونجوت وإن يكن الامر كما نقول وهو كما نقول نجونا وهلكت، فأقبل عبدالكريم على من معه فقال: وجدت في قلبي حزازة فردوني فردوه فمات لا رحمة الله].
الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٧٤. — الإمام الصادق عليه السلام
16 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد خالد، عن أبيه، رفعه، عن محمد بن داود الغنوي، عن الاصبغ بن نباتة قال: جاء رجل إلى أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال: يا أمير المؤمنين إن ناسا زعمو أن العبد لا يزني وهو مؤمن ولا يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر وهو مؤمن ولا يأكل الربا وهو مؤمن ولايسفك الدم الحرام وهو مؤمن، فقد ثقل علي هذا وحرج منه صدري حين أزعم أن هذا العبد يصلي صلاتي ويدعو دعائي ويناكحني وانا كحه ويوارثني واوارثه وقد خرج من الايمان من أجل ذنب يسير أصابه، فقال أمير المؤمنين
صلوات الله عليه: صدقت سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول، والدليل عليه كتاب الله. خلق الله عزوجل الناس على ثلاث طبقات وأنزلهم ثلاث منازل وذلك قول الله عزوجل في الكتاب: أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون، فأما ما ذكر من أمر السابقين فإنهم أنبياء مرسلون وغير مرسلين، جعل الله فيهم خمسة أرواح: روح القدس وروح الايمان وروح القوة وروح الشهوة وروح البدن، فبروح القدس بعثوا أنبياء مرسلين وغير مرسلين وبها علموا الاشياء وبروح الايمان عبدوا الله ولم يشركوا به شيئا وبروح القوة جاهدوا عدو هم وعالجوا معاشهم وبروح الشهوة أصابوا لذيذ الطعام ونكحوا الحلال من شباب النساء، وبروح البدن دبوا ودرجوا فهؤلاء مغفورلهم مصفوح عن ذنوبهم ثم قال: قال الله عزوجل: " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس " ثم قال: في جماعتهم " وأيدهم بروح منه " يقول: أكرمهم بها ففضلهم على من سواهم، فهؤلاء مغفور لهم مصفوح عن ذنوبهم. ثم ذكر أصحاب الميمنة وهم المؤمنون حقا بأعيانهم، جعل الله فيهم أربعة أرواح: روح الايمان وروح القوة وروح الشهوة وروح البدن، فلا يزال العبد يستكمل هذه الارواح الاربعة حتى تاتي عليه حالات، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين ما هذه الحالات؟ فقال: أما اولا هن فهو كما قال الله عزوجل: " ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم بعد علم شيئا " فهذا ينتقص منه جميع الارواح وليس بالذي يخرج من دين الله لان الفاعل به رده إلى أرذل عمره فهو لايعرف للصلاة وقتا ولا يستطيع التهجد بالليل ولا بالنهار ولاالقيام في الصف مع الناس فهذا نقصان من روح الايمان وليس يضره شيئا ; ومنهم من ينتقص منه روح القوة، فلا يستطيع جهاد عدوه ولا يستطيع طلب المعيشة ومنهم من ينتقص منه روح الشهوة فلو مرت به أصبح بنات آدم يحن إليها ولم يقم وتبقى روح البدن فيه فهو يدب ويدرج حتى يأتيه ملك الموت فهذا الحال خير لان الله عزوجل هو الفاعل به وقد تأتي عليه حالات في قوته وشبابه فيهم بالخطيئة فيشجعه روح القوة ويزين له روح الشهوة ويقوده روح البدن حتى توقعه في الخطيئة فإذا لا مسها نقص من الايمان وتفصى منه فليس يعود فيه حتى يتوب، فإذا تاب تاب الله عليه وإن عاد أدخله الله نار جهنم. فأما أصحاب المشأمة فهم اليهود والنصارى يقول الله عزوجل: " الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناء هم " يعرفون محمدا والولاية في التوارة والانجيل كما يعرفون أبناء هم في منازلهم " وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون " " الحق من ربك (أنك الرسول إليهم) فلا تكونن من الممترين " فلما جحدوا ما عرفوا ابتلاهم [الله] بذلك فسلبهم روح الايمان وأسكن أبدانهم ثلاثة أرواح روح القوة وروح الشهوة وروح البدن، ثم أضافهم إلى الانعام، فقال: " إن هم إلا كالا نعام " لان الدابة إنما تحمل بروح القوة وتعتلف بروح الشهوة وتسير بروح البدن، فقال [له] السائل: أحييت قلبي بإذن الله يا أمير المؤمنين.
الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ٢٨١. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
2 محمد بن يحيى، عن الحسين بن إسحاق، عن علي بن مهزيار، عن محمد بن عبدالحميد والحسين بن سعيد جميعا، عن محمد بن الفضيل قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام) أسأله عن مسألة فكتب إلي
" إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا * مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجدله سبيلا " ليسوا من الكافرين وليسوا من المؤمنين وليسوا من المسلمين، يظهرون الايمان ويصيرون إلى الكفر والتكذيب لعنهم الله.
الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ٣٩٥. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
23 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن إسماعيل بن مهران، عن صفوان بن يحيى، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله ( عليه السلام قال
من قرأ إذا أوى إلى فراشه: قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد كتب الله عزوجل له براءة من الشرك. 4 2 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن أبيه، عمن ذكره عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال: لا تملوا من قراءة إذا زلزلت الارض زلزالها، فإنه من كانت قراء ته بها في نوافله لم يصبه الله عزوجل بزلزلة أبدا ولم يمت بها ولا بصاعقة ولا بآفة من آفات الدنيا حتى يموت وإذا مات نزل عليه ملك كريم من عند ربه فيقعد عنه رأسه فيقول: ياملك الموت ارفق بولي الله فإنه كان كثيرا ما يذكرني ويذكر تلاوة هذه السورة، وتقول له السورة مثل ذلك ويقول ملك الموت قد أمرني ربي أن أسمع له واطيع ولا اخرج روحه حتى يأمرني بذلك فإذا أمرني أخرجت روحه، ولا يزال ملك الموت عنده حتى تأمره بقبض روحه وإذا كشف له الغطاء فيرى منازله في الجنة فيخرج روحه من ألين ما يكون من العلاج، ثم يشيع روحه إلى الجنة سبعون ألف ملك يبتدرون بها إلى الجنة.
الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ٦٢٦. — غير محدد
2 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد ; وعلي بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن ابن محبوب، عن أبي حمزة، عن أبي يحيى، عن الاصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول
نزل القرآن أثلاثا: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن و أمثال، وثلث فرائض وأحكام.
الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ٦٢٧. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
4 أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي بصير، عن أبي جعفر ( عليه السلام قال
نزل القرآن أربعة أرباع: ربع فينا وربع في عدونا وربع سنن وأمثال وربع فرائض وأحكام.
الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ٦٢٨. — الإمام الباقر عليه السلام
اللَّهُ أَكْرَمُ مِنْ أَنْ يُكَلِّفَ النَّاسَ مَا لَا يُطِيقُونَ وَ اللَّهُ أَعَزُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي سُلْطَانِهِ مَا لَا يُرِيدُ كالزاد و الراحلة و تخلية السرب و صحة البدن في الحج" الثالث" التفويض مقابل الجبر و هو المراد ههنا، و قوله: قد نظمت، كلام الرضا (عليه السلام) و يحتمل السجاد (عليه السلام) أيضا لكنه بعيد، و قد مر الكلام في الخبر في باب المشية و الإرادة. الحديث الثالث عشر: مرسل و يدل على أن الأمر بين الأمرين هو مدخليته سبحانه في أعمال العباد بالتوفيق و الخذلان كما سيأتي. الحديث الرابع عشر: صحيح. قوله (عليه السلام): ما لا يطيقون، أي ما لا يكون الإتيان به مقدورا لهم، و يكونون مجبورين على خلافه كما تقوله الجبرية. قوله: ما لا يريده، أي و لو بالعرض كما مر أو يريد خلافه. فذلكة اعلم أن مسألة خلق الأعمال من أعظم المسائل الإسلامية و أصعبها و أهمها، و قد جرى بين الإمامية و المعتزلة و الأشاعرة في ذلك مناقشات طويلة و مباحثات كثيرة،.......... و قد صنع أكثرهم في ذلك رسائل مفردة، و الذي يتحصل من مذاهبهم أن أفعال العباد دائرة بحسب الاحتمال العقلي بين أمور: الأول: أن يكون حصولها بقدرة الله و إرادته من غير مدخل لقدرة العبد فيه و إرادته. الثاني: أن يكون بقدرة العبد و إرادته من غير مدخل لقدرة الله تعالى و إرادته فيه، أي بلا واسطة، إذ لا ينكر عاقل أن الأقدار و التمكين مستندان إليه تعالى، إما ابتداء أو بواسطة. الثالث: أن يكون حصولها بمجموع القدرتين، و ذلك بأن يكون المؤثر قدرة الله بواسطة قدرة العبد أو بالعكس، أو يكون المؤثر مجموعها من غير تخصيص إحداهما بالمؤثرية، و الأخرى بالآلية، و ذهب إلى كل من تلك الاحتمالات ما خلا الاحتمال الثاني من محتملات الشق الثالث طائفة. أما الأول ففيه قولان: " الأول" مذهب الجبرية البحتة و هم جهم بن صفوان و أتباعه، حيث ذهبوا إلى أن الفعل من الله سبحانه بلا تأثير لإرادة العبد و قدرته فيه و لا كسب، بل لا فرق عندهم بين مشي زيد و حركة المرتعش، و لا بين الصاعد إلى السطح و الساقط منه، " و الثاني" مذهب أبي الحسن الأشعري و أتباعه فإنهم لما رأوا شناعة قول الجهمية فروا منه بما لا ينفعهم و قالوا: أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله وحده، و ليس لقدرتهم تأثير فيها، بل الله سبحانه أجرى عادته بأنه يوجد في العبد قدرة و اختيارا، فإذا لم يكن هناك مانع أوجد فيه فعله المقدور مقارنا لهما، فيكون فعل العبد مخلوقا لله إبداعا و إحداثا و مكسوبا للعبد، و المراد بكسبه إياه مقارنته لقدرته و إرادته من غير أن يكون هناك منه تأثير أو مدخل في وجوده سوى كونه محلا له، و قالوا: نسبة الفعل إلى العبد باعتبار قيامه به لا باعتبار إيجاده له،.......... فالقائم و الآكل و الشارب عندهم بمنزلة الأسود و الأبيض. و الثاني و هو استقلال العبد في الفعل مذهب أكثر الإمامية و المعتزلة، فإنهم ذهبوا إلى أن العباد موجدون لأفعالهم مخترعون لها بقدرتهم، لكن أكثر المعتزلة قائلون بوجوب الفعل بعد إرادة العبد، و بعضهم قالوا: بعدم وجوب الفعل بل يصير أولى، قال المحقق الطوسي ( (قدس سره) ): ذهب مشايخ المعتزلة و أبو الحسين البصري و إمام الحرمين من أهل السنة إلى أن العبد له قدرة قبل الفعل و إرادة بها تتم مؤثريته، فيصدر عنه الفعل، فيكون العبد مختارا إذ كان فعله بقدرته الصالحة للفعل و الترك، و تبعا لداعيه الذي هو إرادته، و الفعل يكون بالقياس إلى القدرة وحدها ممكنا و بالقياس إليها مع الإرادة يصير واجبا، و قال المحمود الملاحمي و غيره من المعتزلة: إن الفعل عند وجود القدرة و الإرادة يصير أولى بالوجود حذرا من أن يلزمهم القول بالجبر لو قالوا بالوجوب، و ليس ذلك بشيء لأن مع حصول الأولوية إن جاز له الطرف الآخر لما كانت الأولوية بأولوية، و إن لم يجز فهو الواجب و إنما غيروا اللفظ دون المعنى" انتهى". و اختلف في نسبة احتمالي الشق الثالث و تحقيقهما، ففي المواقف و شرحه: أفعال العباد الاختيارية واقعة بقدرة الله تعالى وحدها، و قالت المعتزلة: بقدرة العبد وحدها على سبيل الاستقلال بلا إيجاب بل باختيار، و قالت طائفة بالقدرتين، ثم اختلفوا فقال الأستاد، يعني أبا إسحاق الإسفرائيني: بمجموع القدرتين، على أن تتعلقا جميعا بالفعل نفسه و جوز اجتماع المؤثرين على أثر واحد، و قال القاضي، يعني الباقلاني: على أن تتعلق قدرة الله بأصل الفعل و قدرة العبد بصفته أعني كونه طاعة و معصية، إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا يوصف بها أفعاله تعالى كما في لطم اليتيم تأديبا أو إيذاء فإن ذات اللطم واقعة بقدرة الله و تأثيره، و كونه طاعة على الأول و معصية على الثاني بقدرة العبد و تأثيره، و قالت الحكماء و إمام الحرمين: هي واقعة على سبيل.......... الوجوب و امتناع التخلف بقدرة يخلقها الله في العبد إذا قارنت حصول الشرائط و ارتفاع الموانع، و الضابط في هذا المقام أن المؤثر إما قدرة الله أو قدرة العبد على الانفراد كمذهبي الأشعري و جمهور المعتزلة، أو هما معا و ذلك إما مع اتحاد المتعلقين كمذهب الأستاد منا و النجار من المعتزلة، أو دونه و حينئذ فإما مع كون إحداهما متعلقة للأخرى، و لا شبهة في أنه ليس قدرة الله متعلقة لقدرة العبد، إذ يستحيل تأثير الحادث في القديم، فتعين العكس و هو أن تكون قدرة العبد صادرة عن قدرة الله و موجبة للفعل، و هو قول الإمام و الفلاسفة، و إما بدون ذلك و هو مذهب القاضي لأن المفروض عدم اتحاد المتعلقين" انتهى". و اعترض عليه المولى جمال الدين محمود و غيره: بأن جعل المذهب المنسوب إلى الإمام و الفلاسفة كون المؤثر مجموع القدرتين دون مذهب المعتزلة تحكم بحت إذ لا فرق بين هذين المذهبين في أن المؤثر الحقيقي في الفعل هو قدرة العبد، و تلك القدرة الحادثة مخلوقة للقدرة القديمة الإلهية، ثم قال: الصواب في الضبط أن يقال المؤثر إما قدرة الله تعالى وحدها و هو مذهب الشيخ الأشعري، و إما قدرة العبد وحدها و هو مذهب جمهور المعتزلة و الإمام و الفلاسفة، و إما هما معا أما مع اتحاد المتعلقين و هو مذهب الأستاد، أو بدون ذلك بأن تتعلق القدرة القديمة بنفس الفعل و الحادثة بصفته، و هو مذهب القاضي" انتهى". ثم اعلم أن هذا المذهب الذي نسبوا إلى الحكماء من أن العلة القريبة للفعل الاختياري إنما هو العبد و قدرته، لكن قدرته مخلوقة لله و إرادته حاصلة بالعلل المترتبة منه تعالى قول بعضهم، و قال جم غفير منهم: لا مؤثر في الوجود إلا الله، و موجد أفعال العباد هو الله سبحانه، و قالوا: إن الفعل كما يسند إلى الفاعل كإسناد البناء إلى البناء قد يسند إلى الشرط كإسناد الإضاءة إلى الشمس و السراج مثلا فبعض الأفعال الصادرة عن الطبائع النوعية كالحركات الطبيعية و القسرية و الأفعال.......... الاختيارية للإنسان و غيره بل الأفعال الصادرة عن النفوس الفلكية و العقول المجردة بناء على القول بوجودهما، فكل من هذه الأمور لا سيما إرادة النفوس الحيوانية و الإنسانية و الفلكية بل العقول مع عدم المانع شرط و واسطة لصدور تلك الأفعال من مفيض الوجود، و إسنادها إلى تلك المبادئ من قبيل إسناد الفعل إلى الشرائط و الوسائط، لا إلى الفاعل و الموجد، و هذا قريب من مذهب الأشاعرة. إذا عرفت هذه المذاهب فاعلم أن تأثير قدرة العبد و إرادته في الأفعال الاختيارية من أجلى البديهيات و سخافة مذاهب الأشاعرة و من يحذو حذوهم لا يحتاج إلى بيان و بطون الأوراق و الصحف و الزبر من علمائنا و المخالفين مشحونة بذلك. قال العلامة الحلي (قدس الله روحه): الإمامية قسموا الأفعال إلى ما يتعلق بقصودنا و دواعينا و إرادتنا و اختيارنا بحركتنا الاختيارية الصادرة عنا، كالحركة يمنة و يسرة، و إلى ما لا يتعلق بقصودنا و دواعينا و إرادتنا و اختيارنا كالآثار التي فعلها الله تعالى من الألوان و حركة النمو و التغذية و النبض و غير ذلك، و هو مذهب الحكماء، و الحق أنا نعلم بالضرورة أنا فاعلون، يدل عليه العقل و النقل، أما العقل فإنا نعلم بالضرورة الفرق بين حركتنا الاختيارية و الاضطرارية و حركة الجماد و نعلم بالضرورة قدرتنا على الحركة الأولى كحركتنا يمنة و يسرة، و عجزنا عن الثانية كحركتنا إلى السماء و حركة الواقع من شاهق، و انتفاء قدرة الجماد، و من أسند الأفعال إلى الله تعالى ينفي الفرق بينهما، و يحكم بنفي ما قضت الضرورة بثبوته، و قال أبو الهزيل العلاف: - و نعم ما قال- حمار بشر أعقل من بشر، فإن حمار بشر لو أتيت به إلى جدول صغير و ضربته للعبور فإنه يظفر، و لو أتيت به إلى جدول كبير و ضربته فإنه لا يظفر و يروع عنه، لأنه فرق بين ما يقدر عليه و بين ما لا يقدر عليه و بشر لا يفرق بين المقدور له و غير المقدور له" انتهى". و إذا كان الحكم بذلك ضروريا فالشبه الموردة في مقابلة ذلك لا يصغي إليها.......... و إن كانت قوية، و كثير من أحوال الإنسان و أموره إذا أمعن النظر فيها يصل إلى حد يتحير العقل فيها، كحقيقة النفس و كيفية الإبصار مع كونهما أقرب الأشياء إليه، لا يمكنه الوصول إلى حقيقة ذلك، و ينتهي التفكر فيها إلى حد التحير و ليس ذلك سببا لأن ينفي وجودهما و تحققهما فيه، و لا نطيل الكلام بإيراد الدلائل و دفع الشبهات، فإن هذا الكتاب ليس محل إيرادها، و إنما نومئ إلى بعض مسائل الكلامية إجمالا لتوقف فهم الأخبار التي نحن بصدد شرحها عليه. ثم اعلم أن الحق أن المعتزلة أيضا خرجوا من الحق للإفراط من الجانب الآخر، فإنهم يذهبون إلى أنه تعالى لا مدخلية له في أعمال العباد أصلا، سوى خلق الآلات و التمكين و الأقدار حتى أن بعض المعتزلة قالوا: إن الله لا يقدر على عين مقدور العبد، و بعضهم قالوا: لا يقدر على مثله أيضا، فهم عزلوا الله عن سلطانه، و كأنهم أخرجوا الله من ملكه و أشركوا من حيث لا يعلمون، و الأخبار الواردة ينفي مذهب هؤلاء و ذمهم أكثر من الأخبار الدالة على ذم الجبرية و نفي مذهبهم، و في أكثر الأخبار أطلقت القدرية عليهم كما عرفت، و أطلقوا عليهم المفوضة، فهم (عليه السلام) نفوا و أبطلوا الجبر و التفويض معا، و أثبتوا الأمر بين الأمرين و هو أمر غامض دقيق و للناس في تحقيق ذلك مسالك: الأول: ما ذكره الشيخ الأجل المفيد طيب الله رمسه حيث قال في تحقيق الأمر بين الأمرين: الجبر هو الحمل على الفعل و الاضطرار إليه بالقسر و الغلبة، و حقيقة ذلك إيجاد الفعل في الخلق من غير أن تكون له قدرة على دفعه، و الامتناع من وجوده فيه، و قد يعبر عما يفعله الإنسان بالقدرة التي معه على وجه الإكراه له على التخويف و الإلجاء أنه جبر، و الأصل فيه ما فعل من غير قدرة على امتناعه منه حسبما قدمناه، و إذا تحقق القول في الجبر على ما وصفناه، كان مذهب أصحاب المخلوق هو بعينه لأنهم يزعمون الله تعالى خلق في العبد الطاعة من غير أن يكون.......... للعبد قدرة على ضدها، و الامتناع منها، و خلق فيه المعصية كذلك، فهم المجبرة حقا و الجبر مذهبهم على التحقيق، و التفويض هو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال و الإباحة لهم مع ما شاءوا من الأعمال، و هذا قول الزنادقة و أصحاب الإباحات و الواسطة بين القولين أن الله أقدر الخلق على أفعالهم و مكنهم من أعمالهم و حد لهم الحدود في ذلك و رسم لهم الرسوم، و نهاهم عن القبائح بالزجر و التخويف، و الوعد و الوعيد، فلم يكن بتمكينهم من الأعمال مجبرا لهم عليها، و لم يفوض إليهم الأعمال لمنعهم من أكثرها، و وضع الحدود لهم فيها و أمرهم بحسنها و نهاهم عن قبيحها، فهذا هو الفصل بين الجبر و التفويض" انتهى" و أقول هذا معنى حق لكن تنزيل الأخبار عليه لا يخلو من بعد. الثاني: ما ذكره بعض السالكين مسلك الفلاسفة حيث قال: فعل العبد واقع بمجموع القدرتين و الإرادتين، و التأثيرين من العبد و من الرب سبحانه، و العبد لا يستقل في إيجاد فعله بحيث لا مدخل لقدرة الله فيه أصلا، بمعنى أنه أقدر العبد على فعله بحيث يخرج عن يده أزمة الفعل المقدور للعبد مطلقا، كما ذهب إليه المفوضة أو لا تأثير لقدرته فيه و إن كان قادرا على طاعة العاصي جبرا، لعدم تعلق إرادته بجبره في أفعاله الاختيارية كما ذهب إليه المعتزلة، و هذا أيضا نحو من التفويض، و قول بالقدر و بطلانه ظاهر، كيف و لقدرة خالق العبد و موجده تأثير في فعل العبد بلا شبهة كما يحكم به الحدس الصائب، و ليس قدرة العبد بحيث لا تأثير له في فعله أصلا سواء كانت كاسبة كما ذهب إليه الأشعري، و يؤول مذهبه إلى الجبر كما يظهر بأدنى تأمل أم لا تكون كاسبة أيضا بمعنى أن لا تكون له قدرة و اختيار أصلا بحيث لا فرق بين مشي زيد و حركة المرتعش كما ذهب إليه الجبرية و هم الجهمية، و قال: هذا معنى الأمر بين الأمرين، و معنى قول الحكماء الإلهيين: لا مؤثر في الوجود إلا الله، فمعناه أنه لا يوجد شيء إلا بإيجاده تعالى و تأثيره في وجوده، بأن يكون فاعلا قريبا له،.......... سواء كان بلا مشاركة تأثير غيره فيه كما في أفعاله سبحانه كخلق زيد مثلا، أو بمشاركة تأثير غيره فيه كخلقه فعل زيد مثلا، فجميع الكائنات حتى أفعال العباد بمشيته تعالى و إرادته و قدره، أي تعلق إرادته و قضاؤه، أي إيجاده و تأثيره في وجوده، و لما كانت مشية العبد و إرادته و تأثيره في فعله بل تأثير كل واحد من الأمور المذكورة آنفا في أفعاله جزءا أخيرا للعلة التامة لأفعاله، و إنما يكون تحقق الفعل و الترك مع وجود ذلك التأثير و عدمه فينتفي صدور القبيح عن الله تعالى، بل إنما يتحقق بالمشية و الإرادة الحادثة، و بالتأثير من العبد الذي هو متمم للعلة التامة، و مع عدم تأثير العبد و الكف عنه بإرادته و اختياره لا يتحقق فعله بمجرد مشية الله تعالى و إرادته و قدره، بل لا يتحقق مشية و إرادة و تعلق إرادة منه تعالى بذلك الفعل، و لا يتعلق جعله و تأثيره في وجود ذلك الفعل مجردا عن تأثير العبد فحينئذ الفعل لا سيما القبيح مستند إلى العبد، و لما كان مراده تعالى من إقدار العبد في فعله و تمكينه له فيه صدور الأفعال عنه باختياره و إرادته، إذا لم يكن مانع أي فعل أراد و اختار من الإيمان و الكفر و الطاعة و المعصية، و لم يرد منه خصوص شيء من الطاعة و المعصية، و لم يرد جبره في أفعاله ليصح تكليفه لأجل المصلحة المقتضية له، و لا يعلم تلك المصلحة إلا الله تعالى و كلفه بعد ذلك الأقدار بإعلامه بمصالح أفعاله و مفاسده في صورة الأمر و النهي، لأنهما من الله تعالى من قبيل أمر الطبيب للمريض بشرب الدواء النافع، و نهيه عن أكل غذاء الضار، و ذلك ليس بأمر و نهي حقيقة، بل إعلام بما هو نافع و ضار له، فمن صدور الكفر و العصيان عن العبد بإرادته المؤثرة و استحقاقه بذلك العقاب، لا يلزم أن يكون العبد غالبا عليه تعالى، و لا يلزم عجزه تعالى، كما لا يلزم غلبة المريض على الطبيب، و لا عجز الطبيب إذا خالفه المريض و هلك، و لا يلزم أن يكون في ملكه أمر لا يكون بمشيته تعالى و إرادته، و لا يلزم الظلم في عقابه، لأنه فعل القبيح بإرادته المؤثرة، و طبيعة ذلك الفعل توجب أن يستحق فاعله العقاب،.......... و لما كان مع ذلك الإعلام من الأمر و النهي بوساطة الحجج البينة اللطف و التوفيق في الخيرات و الطاعات من الله جل ذكره، فما فعل الإنسان من حسنة فالأولى أن يسند و ينسب إليه تعالى، لأن مع أقداره و تمكينه له و توفيقه للحسنات أعلمه بمصالح الإتيان بالحسنات، و مضار تركها و الكف عنها بأوامره، و ما فعله من سيئة فمن نفسه، لأنه مع ذلك أعلمه بمفاسد الإتيان بالسيئات و منافع الكف عنها بنواهيه و هذا من قبيل إطاعة الطبيب و مخالفته، فإنه من أطاعه و بريء من المرض يقال له: عالجه الطبيب و صيره صحيحا، و من خالفه و هلك يقال له: أهلك نفسه بمخالفته للطبيب، فظهر إسناد الحسنات إلى الله تعالى و إسناد السيئات إلى العبد، فهذا معنى الأمر بين الأمرين و ينطبق عليه الآيات و الأخبار من غير تكلف" انتهى" و هذا المحقق و إن بالغ في التدقيق و التوفيق بين الأدلة لكن يشكل القول بتأثيره سبحانه في القبائح و المعاصي مع مفاسد أخر ترد عليه، ذكرها يفضي إلى الإطناب. الثالث: ما ذكره أيضا أكثر السالكين مسلك الفلاسفة و نسب إلى المحقق الطوسي أيضا حيث قالوا: قد ثبت أن ما يوجد في هذا العالم فقد قدر بهيئته و زمانه في عالم آخر فوق هذا العالم قبل وجوده، و قد ثبت أن الله تعالى قادر على جميع الممكنات و لم يخرج شيء من الأشياء عن مصلحته و علمه و قدرته و إيجاده بواسطة أو بغير واسطة و إلا لم يصلح لمبدئية الكل، فالهداية و الضلال و الإيمان و الكفر و الخير و الشر و النفع و الضرر و سائر المتقابلات كلها منتهية إلى قدرته و تأثيره و علمه و إرادته و مشيته بالذات أو بالعرض، و أفعالنا كسائر الموجودات و أفاعيلها بقضائه و قدره و هي واجبة الصدور بذلك منا، و لكن بتوسط أسباب و علل من إدراكنا و إرادتنا و حركاتنا و سكناتنا و غير ذلك من الأسباب العالية الغائبة عن علمنا، و تدبيرنا الخارجة عن قدرتنا و تأثيرنا، فاجتماع تلك الأمور التي هي الأسباب و الشرائط مع ارتفاع الموانع علة تامة يجب عندها وجود ذلك الأمر المدبر و المقضي المقدر، و عند تخلف شيء.......... منها أو حصول مانع بقي وجوده في حيز الامتناع، و يكون ممكنا وقوعيا بالقياس إلى كل واحد من الأسباب الكونية. و لما كان من جملة الأسباب و خصوصا القريبة منها إرادتنا و تفكرنا و تخيلنا و بالجملة ما نختار به أحد طرفي الفعل و الترك فالفعل اختياري لنا فإن الله أعطانا القوة و القدرة و الاستطاعة ليبلونا أينا أحسن عملا، مع إحاطة علمه، فوجوبه لا ينافي إمكانه و اضطراريته لا تدافع كونه اختياريا كيف و أنه ما وجب إلا باختياره و لا شك أن القدرة و الاختيار كسائر الأسباب من الإدراك و العلم و الإرادة و التفكر و التخيل و قواها و آلاتها كلها بفعل الله تعالى لا بفعلنا و اختيارنا، و إلا لتسلسلت القدر و الإرادات إلى غير النهاية، و ذلك لأنا و إن كنا بحيث إن شئنا فعلنا، و إن لم نشأ لم نفعل، لكنا لسنا بحيث إن شئنا شئنا، و إن لم نشأ لم نشأ، بل إذا شئنا فلم تتعلق مشيتنا بمشيتنا بل بغير مشيتنا فليست المشية إلينا، إذ لو كانت إلينا أ إلى مشية أخرى سابقه، و تسلسل الأمر إلى غير النهاية، و مع قطع النظر عن استحالة التسلسل نقول: مشياتنا الغير المتناهية بحيث لا تشذ عنها مشية لا يخلو إما أن يكون وقوعها بسبب أمر خارج عن مشيتنا أو بسبب مشيتنا، و الثاني باطل لعدم إمكان مشية أخرى خارجة عن تلك الجملة، و الأول هو المطلوب، فقد ظهر أن مشيتنا ليست تحت قدرتنا كما قال الله عز و جل: " وَ مٰا تَشٰاؤُنَ إِلّٰا أَنْ يَشٰاءَ اللّٰهُ* " فإذا نحن في مشيتنا مضطرون و إنما تحدث المشية عقيب الداعي، و هو تصور الشيء الملائم تصورا ظنيا أو تخيليا أو علميا، فإذا أدركنا شيئا فإن وجدنا ملائمته أو منافرته لنا دفعة بالوهم أو ببديهة العقل انبعث منا شوق إلى جذبه أو دفعه، و تأكد هذا الشوق هو العزم الجازم المسمى بالإرادة، و إذا انضمت إلى القدرة التي هي هيئة للقوة الفاعلة انبعثت تلك القوة لتحريك الأعضاء الأدوية من العضلات و غيرها،.......... فيحصل الفعل فإذا تحقق الداعي للفعل الذي تنبعث منه المشية تحققت المشية، و إذا تحققت المشية التي تصرف القدرة إلى مقدورها انصرفت القدرة لا محالة، و لم يكن لها سبيل إلى المخالفة، فالحركة لازمة ضرورة بالقدرة، و القدرة محركة ضرورة عند انجزام المشية و المشية تحدث ضرورة في القلب عقيب الداعي، فهذه ضروريات يترتب بعضها على بعض، و ليس لنا أن ندفع وجود شيء منها عند تحقق سابقه، فليس يمكن لنا أن ندفع المشية عند تحقق الداعي للفعل، و لا انصراف القدرة عن المقدور بعدها، و فنحن مضطرون في الجميع، و نحن في عين الاختيار مجبورون على الاختيار" انتهى". و الظاهر أن هذا عين الجبر، و ليس من الأمر بين الأمرين في شيء، و احتياج الإرادة إلى إرادة أخرى ممنوع، و تفصيل الكلام في ذلك يحتاج إلى تمهيد مقدمات و إيراد إشكالات و أجوبة تفضي إلى التطويل، مع أن أمثال هذه شبه في مقابلة البديهة و لا وقع بمثلها. و مثل هذا التوجيه ما قيل: أنه لا دخل لإرادة العبد في الإيجاب، بل هي من الشروط التي بها يصير المبدأ بإرادته موجبا تاما مستجمعا لشرائط التأثير، و هذا القدر كاف لوقوع فعل العبد بإرادته، و كونه مستندا إليها و عملا له. و ما قيل: أن لإرادة العبد مدخلية في الإيجاب لا بالمشاركة فيه، بل بأنه أراد وقوع مراد العبد و أوجبه على أنه مراده، فلها مدخلية في الإيجاب لا بالمشاركة فيه، و بهذه المدخلية ينسب الفعل إلى العبد و يكون عملا له، فهذان الوجهان و أضرابها مما تركنا ذكرها حذرا من الإطالة مشتركة في عدم رفع المفاسد، و عدم إيصال طالب الحق إلى المقاصد. الرابع: ما ذكره الفاضل الأسترآبادي (رحمه الله) تعالى حيث قال: معنى الأمر بين الأمرين أنهم ليسوا بحيث ما شاءوا صنعوا بل فعلهم معلق على إرادة حادثة متعلقة.......... بالتخلية أو بالصرف، و في كثير من الأحاديث أن تأثير السحر موقوف على أذنه تعالى و كان السر في ذلك أنه لا يكون شيء من طاعة أو معصية أو غيرهما كالأفعال الطبيعية إلا بإذن جديد منه تعالى، فتوقف حينئذ كل حادث على الإذن توقف المعلول على شروطه، لا توقفه على سببه. أقول: و هذا معنى يشبه الحق و سنشير إليه. الخامس: أن يكون الجبر المنفي ما ذهب إليه الأشعري و الجهمية، و التفويض المنفي هو كون العبد مستقلا في الفعل، بحيث لا يقدر الرب تعالى على صرفه عنه كما ينسب إلى بعض المعتزلة، و الأمر بينهما هو أنه جعلهم مختارين في الفعل و الترك مع قدرته على صرفهم عما يختارون. السادس: أن يقال: الأمر بين الأمرين هو أن الأسباب القريبة للفعل بقدرة العبد، و الأسباب البعيدة كالآلات و الأدوات و الجوارح و الأعضاء و القوي بقدرة الله سبحانه، فقد حصل الفعل بمجموع القدرتين. و فيه: أن التفويض بهذا المعنى لم يقل به أحد حتى يحتاج إلى نفيه. السابع: أن المراد بالأمر بين الأمرين كون بعض الأشياء باختيار العبد و هي الأفعال التكليفية، و بعضها بغير اختياره كالصحة و المرض و النوم و اليقظة و أشباهها. و يرد عليه ما أوردنا على الوجه السابق. الثامن: أن التفويض المنفي هو تفويض الخلق و الرزق و تدبير العالم إلى العباد كقول الغلاة في الأئمة (عليه السلام)، و يؤيده ما رواه الصدوق في العيون بإسناده عن يزيد بن عمير قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (عليه السلام) بمرو، فقلت: يا بن رسول الله روي لنا عن الصادق جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال: لا جبر و لا تفويض، أمر بين أمرين فما معناه؟ فقال: من زعم أن الله يفعل أفعالنا ثم يعذبنا عليها فقد قال بالجبر، و من.......... زعم أن الله عز و جل فوض أمر الخلق و الرزق إلى حججه (عليهم السلام) فقد قال بالتفويض، فالقائل بالجبر كافر، و القائل بالتفويض مشرك، فقلت له: يا بن رسول الله، فما أمر بين أمرين؟ فقال: وجود السبيل إلى إتيان ما أمروا به، و ترك ما نهوا عنه، فقلت له: فهل لله عز و جل مشية و إرادة في ذلك؟ فقال: أما الطاعات فإرادة الله و مشيته فيها الأمر بها و الرضا لها، و المعاونة عليها، و إرادته و مشيته في المعاصي النهي عنها و السخط لها و الخذلان عليها، قلت: فلله عز و جل فيها القضاء؟ قال: نعم، ما من فعل يفعله العباد من خير و شر إلا و لله فيه قضاء، قلت: فما معنى هذا القضاء؟ قال: الحكم عليهم بما يستحقونه على أفعالهم من الثواب و العقاب في الدنيا و الآخرة. التاسع: ما ظهر لنا من الأخبار المعتبرة المأثورة عن الصادقين (عليهم السلام)، و هو أن الجبر المنفي قول الأشاعرة و الجبرية كما عرفت، و التفويض المنفي هو قول المعتزلة إنه تعالى أوجد العباد و أقدرهم على أعمالهم و فوض إليهم الاختيار، فهم مستقلون بإيجادها على وفق مشيتهم و قدرتهم، و ليس لله سبحانه في أعمالهم صنع. و أما الأمر بين الأمرين فهو أن لهداياته و توفيقاته تعالى مدخلا في أفعالهم بحيث لا يصل إلى حد الإلجاء و الاضطرار، كما أن لخذلانه سبحانه مدخلا في فعل المعاصي و ترك الطاعات، لكن لا بحيث ينتهي إلى حد لا يقدر معه على الفعل أو الترك، و هذا أمر يجده الإنسان من نفسه في أحواله المختلفة، و هو مثل أن يأمر السيد عبده بشيء يقدر على فعله و فهمه ذلك، و وعده على فعله شيئا من الثواب و على تركه قدرا من العقاب، فلو اكتفى من تكليف عبده بذلك و لم يزد عليه مع علمه بأنه لا يفعل الفعل بمحض ذلك، لم يكن لوما عند العقلاء لو عاقبه على تركه، و لا ينسب عندهم إلى الظلم، و لا يقول عاقل أنه أجبره على ترك الفعل، و لو لم يكتف السيد بذلك و زاد في ألطافه و الوعد بإكرامه و الوعيد على تركه، و أكد ذلك ببعث من يحثه على الفعل و يرغبه فيه و يحذره على الترك، ثم فعل ذلك الفعل بقدرته و اختياره فلا.......... يقول عاقل أنه جبره على الفعل، و أما فعل ذلك بالنسبة إلى قوم و تركه بالنسبة إلى آخرين فيرجع إلى حسن اختيارهم و صفاء طويتهم أو سوء اختيارهم و قبح سريرتهم أو إلى شيء لا يصل إليه علمنا، فالقول بهذا لا يوجب نسبة الظلم إليه سبحانه، بأن يقال: جبرهم على المعاصي ثم عذبهم عليها، كما يلزم الأولين، و لا عزله تعالى من ملكه و استقلال العباد، بحيث لا مدخل لله في أفعالهم، فيكونون شركاء لله في تدبير عالم الوجود كما يلزم الآخرين. و يدل على هذا الوجه أخبار كثيرة كالخبر الأول لا سيما مع التتمة التي في الاحتجاج، و الخبر الثامن و الثالث عشر من هذا الباب، بل أكثر أبواب هذا الباب، و الأبواب السابقة و اللاحقة، و به يمكن رفع التنافي بينها كما أومأنا إليه في بعضها، و قد روي في الاحتجاج و تحف العقول فيما أجاب به أبو الحسن العسكري (عليه السلام) في رسالته إلى أهل الأهواز حيث قال (عليه السلام): قال الصادق (عليه السلام): لا جبر و لا تفويض، أمر بين أمرين، قيل: فما ذا يا بن رسول الله؟ قال: صحة العقل و تخلية السرب، و المهلة في الوقت، و الزاد قبل الراحلة، و السبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء، فإذا نقض العبد منها خلة كان العمل عنه مطرحا بحسبه و أنا أضرب لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة و هي الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين مثلا يقرب المعنى للطالب و يسهل له البحث من شرحه، و يشهد به القرآن بمحكم آياته و تحقيق تصديقه عند ذوي الألباب و بالله العصمة و التوفيق. ثم قال (عليه السلام): فأما الجبر فهو قول من زعم أن الله عز و جل جبر العباد على المعاصي و عاقبهم عليها، و من قال بهذا القول فقد ظلم الله و كذبه و رد عليه قوله: " وَ لٰا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً " و قوله جل ذكره: " ذٰلِكَ بِمٰا قَدَّمَتْ يَدٰاكَ وَ أَنَّ اللّٰهَ لَيْسَ بِظَلّٰامٍ لِلْعَبِيدِ " مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد.......... أحال بذنبه على الله عز و جل و ظلمه في عقوبته له، و من ظلم ربه فقد كذب كتابه، و من كذب كتابه لزمه الكفر بإجماع الأمة. و المثل المضروب في ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه، و لا يملك عرضا من عروض الدنيا، و يعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق لحاجة يأتيه بها، و لا يملكه ثمن ما يأتيه به، و علم المالك أن على الحاجة رقيبا لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، و قد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل و النصفة و إظهار الحكمة و نفي الجور، فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق و حاول أخذ الحاجة التي بعثه المولى للإتيان بها وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن، و لا يملك العبد ثمنها، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته، فاغتاظ مولاه لذلك و عاقبه على ذلك، فإنه كان ظالما متعديا مبطلا لما وصف من عدله و حكمته و نصفته، و إن لم يعاقبه كذب نفسه، أ ليس يجب أن لا يعاقبه و الكذب و الظلم ينفيان العدل و الحكمة تعالى الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا. ثم قال (عليه السلام) بعد كلام طويل: فأما التفويض الذي أبطله الصادق (عليه السلام) و خطىء من دان به فهو قول القائل: إن الله فوض إلى العباد اختيار أمره و نهيه و أهملهم، و في هذا كلام دقيق لم يذهب إلى غوره و دقته إلا الأئمة المهدية (عليهم السلام) من عترة آل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) فإنهم قالوا: لو فوض الله إليهم على جهة الإهمال لكان لازما له رضا ما اختاروه و استوجبوا به من الثواب، و لم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب، إذ كان الإهمال واقعا، فتنصرف هذه المقالة على معنيين: إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة، كره ذلك أم أحبه فقد لزم الوهن، أو يكون جل و تقدس عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي ففوض أمره و نهيه إليهم و أجراهما على محبتهم، إذ عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي على إرادته، فجعل الاختيار إليهم في.......... الكفر و الإيمان، و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه و يعرف له فضل ولايته و يقف عند أمره، و نهيه، و ادعى مالك العبد أنه قادر قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده و نهاه و وعده على اتباع أو أمره عظيم الثواب، و أوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه و لم يقف عند أمره و نهيه، فأي أمر أمره به أو نهي نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه، و بعثه في بعض حوائجه، و فيها الحاجة له، فصدر العبد بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه، و قصد إرادة نفسه و اتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه فإذا هو خلاف ما أمره به، فقال العبد: اتكلت على تفويضك الأمر إلى فاتبعت هواي و إرادتي، لأن المفوض إليه غير محصور عليه، لاستحالة اجتماع التفويض و التحصير. ثم قال (عليه السلام): من زعم أن الله فوض قبول أمره و نهيه إلى عباده فقد أثبت عليه العجز، و أوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير أو شر و أبطل أمر الله تعالى و نهيه، ثم قال: إن الله خلق الخلق بقدرته، و ملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الأمر و النهي و قبل منهم اتباع أمره و رضي بذلك منهم، و نهاهم عن معصيته و ذم من عصاه و عاقبه عليها، و لله الخيرة في الأمر و النهي، يختار ما يريد و يأمر به، و ينهى عما يكره، و يثيب و يعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره و اجتناب معاصيه، لأنه العدل و منه النصفة و الحكومة، بالغ الحجة بالأعذار و الإنذار، و إليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) و بعثه بالرسالة إلى خلقه، و لو فوض اختيار أموره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن الصلت و أبي مسعود الثقفي، إذ كانا عندهم أفضل من محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قالوا: لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم" يعنونهما بذلك. فهذا هو القول بين القولين ليس بجبر و لا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله عباية بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة؟ فقال أمير المؤمنين (عليه السلام).......... تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية، فقال له: قل يا عباية! قال: و ما أقول؟ قال: إن قلت تملكها مع الله قتلتك، و إن قلت تملكها من دون الله قتلتك، قال: و ما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملكها كان ذلك من عطائه، و إن سلبكها كان ذلك من بلائه، و هو المالك لما ملكك، و المالك لما عليه أقدرك، أ ما سمعت الناس يسألون الحول و القوة حيث يقولون: لا حول و لا قوة إلا بالله؟ فقال الرجل: و ما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال: لا حول بنا عن معاصي الله إلا بعصمة الله، و لا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله، قال: فوثب الرجل و قبل يديه و رجليه، إلى آخر الخبر بطوله. و أقول أكثر أجزاء هذا الخبر يدل على ما ذكرنا في الوجه التاسع، و أما ما ذكر في معنى التفويض، فيحتمل أن يكون راجعا إلى الوجه الأول، لكن الظاهر أن غرضه (عليه السلام) من نفي التفويض نفي ما ذكره المخالفون من تفويض اختيار الإمام (عليه السلام) و نصبه إلى الأمة و تفويض الأحكام إليهم بأن يحكموا فيها بآرائهم، و قياساتهم و استحساناتهم، و لهذا أجمل (عليه السلام) في الكلام، و قال في هذا كلام دقيق، و بين ذلك أخيرا بذكر قريش و اصطفائهم فلا تغفل. فيمكن أن يعد هذا وجها عاشرا لنفي الجبر و التفويض، و إثبات الواسطة. و يؤيد ما ذكرنا أيضا ما رواه الشيخ أبو الفتح الكراجكي في كتاب كنز الفوائد إن الحسن البصري كتب إلى الإمام الحسن بن علي (عليهما السلام): من الحسن البصري إلى الحسن بن رسول الله أما بعد فإنكم معاشر بني هاشم الفلك الجارية في اللجج الغامرة، مصابيح الدجى و أعلام الهدى، و الأئمة القادة، الذين من تبعهم نجا و السفينة التي يؤول إليها المؤمنون، و ينجو فيها المتمسكون، قد كثر يا بن رسول الله عندنا الكلام في القدر، و اختلافنا في الاستطاعة، فعلمنا ما الذي عليه رأيك و رأي آبائك فإنكم ذرية بعضها من بعض، من علم الله علمتم، و هو الشاهد عليكم، و أنتم الشهداء.......... على الناس و السلام؟ فأجابه (صلوات الله عليه) من الحسن بن علي إلى الحسن البصري: أما بعد فقد انتهى إلى كتابك عند حيرتك و حيرة من زعمت من أمتنا و كيف ترجعون إلينا و أنتم معنا بالقول دون العمل، و اعلم أنه لو لا ما تناهى إلى من حيرتك و حيرة الأمة من قبلك لأمسكت عن الجواب، و لكني الناصح ابن الناصح الأمين، و الذي أنا عليه أنه من لم يؤمن بالقدر خيره و شره فقد كفر، و من حمل المعاصي على الله فقد فجر، إن الله سبحانه لا يطاع بإكراه، و لا يعص بغلبة، و لا أهمل العباد من الملكة و لكنه عز و جل المالك لما ملكهم و القادر على ما عليه أقدرهم، فإن ائتمروا بالطاعة لم يكن الله عز و جل لهم صادا، و لا عنها مانعا، و إن ائتمروا بالمعصية فشاء سبحانه أن يمن عليهم فيحول بينهم و بينها فعل، و إن لم يفعل فليس هو حملهم عليها إجبارا و لا ألزمهم بها إكراها، بل احتجاجه عز ذكره عليهم أن عرفهم و جعل لهم السبيل إلى فعل ما دعاهم إليه، و ترك ما نهاهم عنه، و لله الحجة البالغة و السلام. و في تحف العقول هكذا: أما بعد فمن لم يؤمن بالقدر خيره و شره أن الله يعلمه فقد كفر، إلى قوله (عليه السلام): و إن لم يفعل فليس هو الذي حملهم عليها جبرا و لا ألزموها كرها، بل من عليهم بأن بصرهم و عرفهم و حذرهم و أمرهم و نهاهم لا جبلا لهم على ما أمرهم به، فيكونوا كالملائكة، و لا جبرا لهم على ما نهاهم، و لله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين و السلام على من اتبع الهدى. و أقول: قال السيد بن طاوس (قدس سره) في كتاب الطرائف: روى جماعة من علماء الإسلام عن نبيهم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبيا، قيل: و من القدرية يا رسول الله؟ قال: قوم يزعمون أن الله قدر عليهم المعاصي و عذبهم عليها. و روى صاحب الفائق و غيره من علماء الإسلام عن محمد بن علي المكي بإسناده قال: إن رجلا قدم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أخبرني بأعجب شيء رأيت؟ قال: رأيت قوما ينكحون أمهاتهم و بناتهم و أخواتهم، فإذا قيل لهم: لم
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ١٩٥. — الإمام الصادق عليه السلام
فَأَتَيْتُهُ فَقَالَ لِي يَا أَبَا جَعْفَرٍ مَا تَقُولُ إِنْ طَرَقَكَ طَارِقٌ مِنَّا أَ تَخْرُجُ مَعَهُ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ إِنْ كَانَ أَبَاكَ أَوْ أَخَاكَ خَرَجْتُ مَعَهُ قَالَ فَقَالَ لِي فَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَخْرُجَ أمره بترك الكلام تقية و اتقاء و إبقاء عليه و على نفسه (صلوات الله عليه)، كما روى الكشي عن أبي يحيى الواسطي عن عبد الرحمن بن حجاج قال: سمعته يؤدي إلى هشام بن الحكم رسالة أبي الحسن (عليه السلام) قال: لا تتكلم فإنه قد أمرني أن آمرك أن لا- تتكلم قال: فما بال هشام يتكلم و أنا لا أتكلم؟ قال: أمرني أن آمرك أن لا تتكلم أنا رسوله إليك، قال أبو يحيى: أمسك هشام بن الحكم عن الكلام شهرا ثم تكلم، فأتاه عبد الرحمن بن الحجاج فقال: سبحان الله يا أبا محمد تكلمت و قد نهيت عن الكلام؟ فقال: مثلي لا ينهى عن الكلام، قال أبو يحيى: فلما كان من قابل أتاه عبد الرحمن بن الحجاج فقال له يا هشام: قال لك أ يسرك أن تشرك في دم امرئ مسلم؟ قال: لا، قال: فكيف تشرك في دمي؟ فإن سكت و إلا فهو الذبح، فما سكت حتى كان من أمره ما كان صلى الله عليه، و ذكر نحوا من ذلك بأسانيد، و له قصة طويلة في مناظرته في بيت يحيى البرمكي و هارون خلف الستر، و أن ذلك صار سبب موته، لكن فيه مدائح كثيرة تغلب ذمه، و لعل هذه الزلات التي كانت لشدة حبهم و رسوخهم في الدين مقرونة بالشفاعة و المغفرة كما وعده (عليه السلام)، و قد أشبعت الكلام في ذلك في الكتاب الكبير. الحديث الخامس: موثق كالصحيح. " إن طرقك طارق منا" أي دخل عليك بالليل خوفا من الظلمة طارق منا أهل البيت يدعوك إلى معاونته في رفع شر الظلمة أ تخرج معه لمعاونته؟ و قد يطلق الطارق على مطلق النازل ليلا كان أو نهارا" فقلت له: إن كان أباك أو أخاك" أي إن كان أُجَاهِدُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ فَاخْرُجْ مَعِي قَالَ قُلْتُ لَا مَا أَفْعَلُ جُعِلْتُ فِدَاكَ قَالَ فَقَالَ لِي أَ تَرْغَبُ بِنَفْسِكَ عَنِّي قَالَ قُلْتُ لَهُ إِنَّمَا هِيَ نَفْسٌ وَاحِدَةٌ الطارق أو مرسله إماما مفترض الطاعة كأبيك و أخيك يدعوني إلى الخروج معه خرجت معه. و اعلم أن الأخبار في حال زيد مختلفة، ففي بعضها ما يدل على أنه ادعى الإمامة فيكون كافرا، و في كثير منها أنه كان يدعو إلى الرضا من آل محمد و أنه كان غرضه دفع هؤلاء الكفرة و رد الحق إلى أهله، و ربما يقال: إنه كان مأذونا عن الصادق (عليه السلام) باطنا و إن كان ينهاه بحسب الظاهر تقية و فيه بعد، و قيل: كان جهاده لدفع شرهم عنه و عن أهل البيت (عليهم السلام) كجهاد المرابطين في زمن الغيبة لدفع الكفرة، أو كمجاهد المرء عدوه على سبيل الدفع عن نفسه و حرمه و ماله، و إجماله في القول لئلا تتخلف عنه العامة و تتضرر منه الخاصة، و لعل حمله على أحد هذه الوجوه أولى، فإن الأصل فيهم كونهم مشكورين مغفورين، و قد وردت الأخبار في النهي عن التعرض لأمثالهم بالذم، و أنهم يوفقون عند الموت للرجوع إلى الحق، و الاعتقاد بإمام العصر" أ ترغب بنفسك عني" أي أ ترغب عني و لا تميل إلى بسبب نفسك، و خوفا عليها أن تقتل، أو المعنى أ تعد نفسك أرفع من أن تبايعني أو ترى لنفسك فضلا فتحافظ عليها ما لم تحافظ علي، أو فتظن أنك أعرف بأمر الدين مني و أن ما تراه في ترك الخروج لدفع شر هؤلاء أولى مما أراه من مجاهدتهم لدفعهم، قال في النهاية: فيه، إني لأرغب بك عن الأذان، يقال رغبت بفلان عن هذا الأمر إذا كرهته و زهدت له فيه، و في القاموس: رغب بنفسه عنه بالكسر: رأى لنفسه عليه فضلا. " إنما هي نفس واحدة" أي ليس لي نفسان إن أتلفت إحداهما في معصية الله تداركت بالأخرى طاعة الله، فلا بد لي من أن أنظر لها و لا أضيعها، و قيل: المعنى لست إلا رجلا واحدا ليس لي أتباع فلا ينفعك نصرتي، و يحتمل أن يراد أن الحجة نفس واحدة، و معلوم أن أخاك أو ابن أخيك حجة فكيف تكون أنت حجة، و فَإِنْ كَانَ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ حُجَّةٌ فَالْمُتَخَلِّفُ عَنْكَ نَاجٍ وَ الْخَارِجُ مَعَكَ هَالِكٌ وَ إِنْ لَا تَكُنْ لِلَّهِ حُجَّةٌ فِي الْأَرْضِ فَالْمُتَخَلِّفُ عَنْكَ وَ الْخَارِجُ مَعَكَ سَوَاءٌ قَالَ فَقَالَ لِي يَا أَبَا جَعْفَرٍ كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَ أَبِي عَلَى الْخِوَانِ فَيُلْقِمُنِي الْبَضْعَةَ السَّمِينَةَ وَ يُبَرِّدُ لِيَ اللُّقْمَةَ الْحَارَّةَ حَتَّى تَبْرُدَ شَفَقَةً عَلَيَّ وَ لَمْ يُشْفِقْ عَلَيَّ مِنْ حَرِّ النَّارِ إِذاً أَخْبَرَكَ بِالدِّينِ وَ لَمْ يُخْبِرْنِي بِهِ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مِنْ شَفَقَتِهِ عَلَيْكَ مِنْ حَرِّ النَّارِ لَمْ يُخْبِرْكَ خَافَ عَلَيْكَ أَنْ لَا تَقْبَلَهُ فَتَدْخُلَ النَّارَ وَ أَخْبَرَنِي أَنَا فَإِنْ قَبِلْتُ نَجَوْتُ وَ إِنْ لَمْ أَقْبَلْ لَمْ يُبَالِ أَنْ أَدْخُلَ النَّارَ ثُمَّ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَنْتُمْ أَفْضَلُ أَمِ الأول أظهر. ثم أخذ في الاستدلال على أنه لا ينبغي أن يخرج معه بقوله: " فإن كان لله في الأرض حجة فالمتخلف عنك ناج" لأنك لست بذاك" و الخارج معك هالك" لأن إمامي منعني عن الخروج، أو لأن إجابة من ليس بحجة إلى الخروج و الطاعة و الانقياد له مع وجود الحجة هلاك و ضلال" و إن لا تكن لله حجة" فأجابه غير الحجة و التخلف عنه سواء في الدين، و ليس شيء منهما مكلفا به و في الإجابة إلقاء النفس إلى التهلكة، و لا مفسدة في التخلف، فقال له زيد- معرضا عن إبطال حجته مفصلا، مقتصرا على الإشارة إليه إجمالا- بأنه لو كان هذا الخروج الذي أريده محظورا لأخبرني به أبي (عليه السلام)، و أنه مع كمال شفقته علي لم يكن يخبرك و أمثالك بما يتعلق بالدين، و لا يخبرني به، أو المراد أنه كيف أخبرك و أمثالك بالإمام و لم يخبرني به؟ فقال له الأحول على طريقة الجدل: لعله لم يخبرك لشفقته عليك مخافة أن لا تقبله، و أخبرني لعدم الداعي إلى عدم القبول" و إن لم أقبل لم يبال أن أدخل النار" و إنما قال ذلك تنزلا، لأنه كيف يتصور عدم علمه بإمامة أخيه في مدة حياة والده (عليه السلام) و بعده. و في النهاية: الخوان بالكسر: الذي يؤكل عليه، معرب، و قال: البضعة بالفتح القطعة من اللحم. الْأَنْبِيَاءُ قَالَ بَلِ الْأَنْبِيَاءُ قُلْتُ يَقُولُ يَعْقُوبُ لِيُوسُفَ يٰا بُنَيَّ لٰا تَقْصُصْ رُؤْيٰاكَ عَلىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً لِمَ لَمْ يُخْبِرْهُمْ حَتَّى كَانُوا لَا يَكِيدُونَهُ وَ لَكِنْ كَتَمَهُمْ ذَلِكَ فَكَذَا أَبُوكَ كَتَمَكَ لِأَنَّهُ خَافَ عَلَيْكَ قَالَ فَقَالَ أَمَا وَ اللَّهِ لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ لَقَدْ حَدَّثَنِي صَاحِبُكَ بِالْمَدِينَةِ أَنِّي أُقْتَلُ وَ أُصْلَبُ بِالْكُنَاسَةِ وَ إِنَّ عِنْدَهُ لَصَحِيفَةً فِيهَا قَتْلِي وَ صَلْبِي فَحَجَجْتُ فَحَدَّثْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام بِمَقَالَةِ زَيْدٍ وَ مَا قُلْتُ لَهُ فَقَالَ لِي أَخَذْتَهُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ مِنْ خَلْفِهِ وَ عَنْ يَمِينِهِ وَ عَنْ شِمَالِهِ وَ مِنْ فَوْقِ رَأْسِهِ وَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْهِ وَ لَمْ تَتْرُكْ لَهُ مَسْلَكاً يَسْلُكُهُ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٢٧٧. — الإمام الباقر عليه السلام
كَانَ يَوْمَئِذٍ نَبِيّاً حُجَّةَ اللَّهِ الأفعال، و الخريطة الكيس يصان فيه المكتوب و يشد رأسه، و النعي خبر الموت، و التفقد طلب الشيء عند غيبته. و حاصل الخبر: أن الرضا (عليه السلام) في تلك الليلة ذهب بطي الأرض بأمر الله تعالى من المدينة إلى بغداد للحضور عند موت والده و دفنه و الصلاة عليه، و رجع في تلك الليلة كما وقع التصريح بجميع ذلك في أخبار أخرى أوردتها في الكتاب الكبير. باب حالات الأئمة عليهم السلام في السن الحديث الأول: كالصحيح. " حجة الله" أي إماما للناس مرسلا إليهم أو كان نبيا يجب على الناس الإقرار بإمامته فعلى الأول حاصل الجواب أنه لم يكن حينئذ إماما و لكن كان حجة لمريم (عليها السلام) على الحاضرين عندها، و لم يكن مرسلا إلى قوم، و على الثاني المعنى أنه كان نبيا و كان يجب على كل من سمع كلامه الإقرار بنبوته، لكن لم يكن مرسلا إليهم مأمورا بتبليغ الرسالة إليهم، أو كان حجة الله على نفسه و لم يكن مبعوثا على غيره، و ظاهر الخبر أنه لم يكن مأمورا حينئذ بأحكام الإنجيل و تبليغه، فالمراد بالكتاب التوراة، أو المعنى سيؤتيني الكتاب، أو يكون مكلفا بالعمل بالإنجيل و لم يكن غَيْرَ مُرْسَلٍ أَ مَا تَسْمَعُ لِقَوْلِهِ حِينَ قَالَ- إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ آتٰانِيَ الْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا. وَ جَعَلَنِي مُبٰارَكاً أَيْنَ مٰا كُنْتُ وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا قُلْتُ فَكَانَ يَوْمَئِذٍ حُجَّةً لِلَّهِ عَلَى زَكَرِيَّا فِي تِلْكَ الْحَالِ وَ هُوَ فِي الْمَهْدِ فَقَالَ كَانَ عِيسَى فِي تِلْكَ الْحَالِ آيَةً لِلنَّاسِ وَ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ لِمَرْيَمَ حِينَ تَكَلَّمَ فَعَبَّرَ عَنْهَا وَ كَانَ نَبِيّاً حُجَّةً عَلَى مَنْ سَمِعَ مأمورا بالتبليغ، فالمراد ب قوله (عليه السلام) حين أوحى الله إليه، الوحي بالتبليغ و الرسالة. قال الطبرسي (رحمه الله) في قوله تعالى: " إِنِّي عَبْدُ اللّٰهِ " قدم (عليه السلام) إقراره بالعبودية ليبطل به قول من يدعى له الربوبية و كان الله سبحانه نطقه بذلك لعلمه بما تقوله الغالون فيه، ثم قال: " آتٰانِيَ الْكِتٰابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا " أي حكم لي بإيتاء الكتاب و النبوة. و قيل: إن الله سبحانه أكمل عقله في صغره و أرسله إلى عباده و كان نبيا مبعوثا إلى الناس في ذلك الوقت مكلفا عاقلا، و لذلك كانت له تلك المعجزة عن الحسن و الجبائي. و قيل: إنه كلمهم و هو ابن أربعين يوما عن وهب، و قيل: يوم ولد عن ابن عباس و أكثر المفسرين، و هو الظاهر. و قيل: إن معناه سيؤتيني الكتاب و سيجعلني نبيا، و كان ذلك معجزة لمريم (عليها السلام) على براءة ساحتها" وَ جَعَلَنِي مُبٰارَكاً أَيْنَ مٰا كُنْتُ " أي جعلني معلما للخبر، عن مجاهد و قيل: نفاعا حيثما توجهت، و البركة نماء الخير، و المبارك الذي ينمي الخير به، و قيل: ثابتا دائما على الإيمان و الطاعة، و أصل البركة الثبوت عن الجبائي" وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ " أي بإقامتهما" مٰا دُمْتُ حَيًّا " أي ما بقيت حيا مكلفا" آيَةً لِلنّٰاسِ» أي علامة قدرة الله على كل شيء، أو معجزة دالة على براءة مريم. " فعبر عنها" على بناء التفعيل أي أعرب عما في ذهن مريم من براءتها مما قالوا فيها، و احتج على الناس من قبلها، و في بعض النسخ فغير بالغين المعجمة و الياء، كَلَامَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ ثُمَّ صَمَتَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ حَتَّى مَضَتْ لَهُ سَنَتَانِ وَ كَانَ زَكَرِيَّا الْحُجَّةَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى النَّاسِ بَعْدَ صَمْتِ عِيسَى بِسَنَتَيْنِ ثُمَّ مَاتَ زَكَرِيَّا فَوَرِثَهُ ابْنُهُ يَحْيَى الْكِتَابَ وَ الْحِكْمَةَ وَ هُوَ صَبِيٌّ صَغِيرٌ أَ مَا تَسْمَعُ لِقَوْلِهِ عَزَّ وَ جَلَّ- يٰا يَحْيىٰ خُذِ الْكِتٰابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْنٰاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا فَلَمَّا بَلَغَ عِيسَى عليه السلام سَبْعَ سِنِينَ تَكَلَّمَ بِالنُّبُوَّةِ وَ الرِّسَالَةِ حِينَ أَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ فَكَانَ عِيسَى الْحُجَّةَ عَلَى يَحْيَى وَ عَلَى النَّاسِ أَجْمَعِينَ وَ لَيْسَ تَبْقَى الْأَرْضُ يَا أَبَا خَالِدٍ يَوْماً وَاحِداً بِغَيْرِ حُجَّةٍ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ مُنْذُ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عليه السلام وَ أَسْكَنَهُ الْأَرْضَ فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَ كَانَ عَلِيٌّ عليه السلام حُجَّةً مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ أي غير و أزال التهمة عنها، و لعله تصحيف" فلم يتكلم" أي بالنبوة و الرسالة ثم تكلم بعد السنتين بالنبوة، و بعد سبع بها و بالرسالة، أو لم يتكلم أصلا في محضر الناس، لورود بعض الأخبار بتكلمه قبل ذلك. " يٰا يَحْيىٰ خُذِ الْكِتٰابَ بِقُوَّةٍ " قال الطبرسي (رحمه الله) تقديره: فوهبنا له يحيى و أعطيناه الفهم و العقل و قلنا يا يحيى خذ الكتاب، يعني التوراة بما قواك الله عليه و أيدك به، و معناه و أنت قادر على أخذه قوي على العمل، و قيل: معناه بجد و صحة عزيمة على القيام بما فيه" وَ آتَيْنٰاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا " أي آتيناه النبوة في حال صباه، و هو ابن ثلاث سنين عن ابن عباس، و قيل: إن الحكم الفهم. " الحجة على يحيى" لأنه كان من أولي العزم، و هم حجج على سائر الأنبياء، و الحجج الذين في زمانهم، و أبو خالد كنية ليزيد الكناسي، و الظاهر أنه القماط الثقة، فالظاهر أن الخبر صحيح. " كان علي (عليه السلام) حجة" أقول: يدل على أن إمامة علي (عليه السلام) كان في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أيضا، و هو لا ينافي كونه رعية للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، كالأنبياء الذين كانوا في زمن أولوا العزم كما أومأنا إليه، و اختلف أصحابنا في ذلك فذهب الأكثر إلى أن الإمامة إنما تثبت لكل منهم (عليهم السلام) بعد وفاة من تقدمه، و ذهب بعضهم إلى أن جميعهم عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَ نَعَمْ يَوْمَ أَقَامَهُ لِلنَّاسِ وَ نَصَبَهُ عَلَماً وَ دَعَاهُمْ إِلَى وَلَايَتِهِ وَ أَمَرَهُمْ بِطَاعَتِهِ قُلْتُ وَ كَانَتْ طَاعَةُ عَلِيٍّ عليه السلام وَاجِبَةً عَلَى النَّاسِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَقَالَ نَعَمْ وَ لَكِنَّهُ صَمَتَ فَلَمْ يَتَكَلَّمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ كَانَتِ الطَّاعَةُ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى أُمَّتِهِ وَ عَلَى عَلِيٍّ عليه السلام فِي حَيَاةِ رَسُولِ في كل الأزمنة أئمة تجب طاعتهم لكن واحد منهم ناطق و الباقي صامتون. سئل السيد المرتضى رضي الله عنه في المسائل العكبرية: قد كان أمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) في زمان واحد، جميعهم أئمة منصوص عليهم فهل كانت طاعتهم جميعا واجبة في وقت واحد؟ و هل كانت طاعة بعضهم على بعض فرض طاعة من كان يجب منهم و كيف كانت الحال في ذلك؟ فأجاب (قدس سره) أن الطاعة في وقت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كانت له من جهة الإمامة دون غيره، فلما قبض (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) صارت الإمامة من بعده لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و من عداه من الناس رعية له، فلما قبض صارت الإمامة للحسن ابن علي و الحسين (عليهما السلام) إذ ذاك رعية لأخيه الحسن (عليه السلام)، فلما قبض الحسن (عليه السلام) صار الأمر إلى الحسين (عليه السلام)، و هو إمام مفترض الطاعة على الأنام و هكذا حكم كل إمام و خليفة في زمانه، و لم يستند الجماعة في الإمامة بشيء إلى ما ذكرناه، و قد قال قوم من أصحابنا الإمامية أن الإمامة كانت لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و أمير المؤمنين و الحسن و الحسين صلوات الله و سلامه عليهم أجمعين في وقت واحد، إلا أن النطق و الأمر و النهي كان لرسول الله مدة حياته دون غيره، و كذلك كان الأمر لأمير المؤمنين (صلوات الله عليه) و الحسن و الحسين (عليهما السلام)، و جعلوا الإمام في وقت صاحبه صامتا و جعلوا الأول ناطقا، و هذا خلاف في عبارة و الأصل ما قدمناه. و قال (قدس الله روحه) في كتاب سياق الاستدلال بآية: إنما وليكم الله، على خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام)، فإن قيل: لو كان المراد بالآية الإمامة لوجب أن تكون ثابتة في الحال، و قد أجمع المسلمون على أن لا إمام مع النبي؟ قيل له: إنا بينا أن المراد بلفظ الولي فرض الطاعة و الاستحقاق للتصرف بالأمر و النهي و هذا ثابت له في الحال فادعاء اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ كَانَتِ الطَّاعَةُ مِنَ اللَّهِ وَ مِنْ رَسُولِهِ عَلَى النَّاسِ كُلِّهِمْ لِعَلِيٍّ عليه السلام بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ كَانَ عَلِيٌّ عليه السلام حَكِيماً عَالِماً
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٤ - الصفحة ٢٤٢. — الإمام الباقر عليه السلام
فَقَالَ فِعَالٌ كَفِعَالِ الْجَاهِلِيَّةِ أَمَا وَ اللَّهِ مَا أُمِرُوا بِهَذَا وَ مَا أُمِرُوا إِلَّا أَنْ يَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ فَيَمُرُّوا بِنَا فَيُخْبِرُونَا بِوَلَايَتِهِمْ وَ يَعْرِضُوا عَلَيْنَا نُصْرَتَهُمْ الحديث الثاني: ضعيف على المشهور. و فعال بكسر الفاء جمع فعل، و بالفتح مفرد" ما أمروا بهذا" أي وحده أو بهذا الوجه الذي يفعلون كما مر، قال الله تعالى: " وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالًا وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنٰافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ عَلىٰ مٰا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعٰامِ فَكُلُوا مِنْهٰا وَ أَطْعِمُوا الْبٰائِسَ الْفَقِيرَ، ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَ لْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ " و قال الطبرسي (ره): ثم ليقضوا تفثهم، ليزيلوا تفث الحرام من تقليم ظفر و أخذ شعر و غسل و استعمال طيب، و قيل: معناه ليقضوا مناسك الحج كلها عن ابن عباس و ابن عمر، قال الزجاج: قضاء التفث كناية عن الخروج من الإحرام إلى الإحلال" وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ " بقضائها أي و ليتموا نذورهم و قضاءها قال ابن عباس: هو نحر ما نذروا من البدن، و قيل: هو ما نذروا من أعمال البر في أيام الحج، و ربما نذر الإنسان أن يتصدق إن رزقه الله الحج، و إن كان على الرجل نذرا مطلقة فالأفضل أن يفي بها هناك أيضا، انتهى. و أقول: قوله فيمروا بنا، يحتمل أن يكون تفسيرا لقضاء التفث أو للإيفاء بالنذور، فإن ولاية الإمام من أعظم العهود التي يجب الوفاء بها، أو لا يكون تفسيرا لشيء منهما لبيان ما يجب عليهم الإتيان به بعد الحج و حكمة وجوب الحج كما مر. و يؤيد الأول ما روي عن عبد الله بن سنان عن ذريح المحاربي قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الله أمرني في كتابه بأمر فأحب أن أعلمه، قال: و ما ذاك؟ قلت: قول الله: " ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ " قال: ليقضوا تفثهم لقاء الإمام، و ليوفوا نذورهم تلك المناسك، قال عبد الله سنان: فأتيت أبا عبد الله (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك قول الله
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٤ - الصفحة ٢٨٦. — الإمام الباقر عليه السلام
وَ إِنِّي لَغَفّٰارٌ لِمَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً ثُمَّ اهْتَدىٰ ثُمَّ أَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى صَدْرِهِ إِلَى وَلَايَتِنَا ثُمَّ قَالَ يَا سَدِيرُ فَأُرِيكَ " ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ " قال: أخذ الشارب و قص الأظفار و ما أشبه ذلك، قال: قلت: جعلت فداك فإن ذريحا المحاربي حدثني عنك أنك قلت ثم ليقضوا تفثهم: لقاء الإمام، وَ لْيُوفُوا نُذُورَهُمْ تلك المناسك، قال: صدق ذريح و صدقت، إن للقرآن ظاهرا و باطنا، و من يحتمل ما يحتمل ذريح! و على هذا فالمراد بالتفث أو قضائه تطهير البدن و القلب و الروح من الأوساخ الظاهرة و الباطنة، فيدخل فيه المعنيان معا إذ الغسل و حلق الشعر و قص الأظفار تطهير للبدن من الأوساخ الظاهرة، و لقاء الإمام تطهير للقلب من الأدران و الأوساخ الباطنة التي هي الجهل و الضلال و الصفات الرديئة و الأخلاق الدنية، و سيأتي مزيد توضيح لذلك في كتاب الحج إن شاء الله. الحديث الثالث: ضعيف. " و هو داخل" أي في المسجد الحرام" و أنا خارج" أي منه، و الواو الأولى للحال، و مفعول سمعت محذوف يفسره قوله يا سدير" و أخذ بيدي" عطف للجملة الفعلية على الاسمية" يأتوا هذه الأحجار" كان التعبير بهذه العبارة للتنبيه على أن في أمر الحكيم العليم بإتيان هذه الأحجار لا بد من سر عظيم و حكمة جليلة هي إتيان الإمام و عرض الولاية عليهم، فظاهره الأحجار و باطنه موالاة الأئمة الأبرار" إلى ولايتنا" فيه تقدير القول، أي و قال ولايتنا، و الظرف متعلق بقوله" اهتدى". " الصادين عن دين الله" أي المانعين الناس عنه. الصَّادِّينَ عَنْ دِينِ اللَّهِ ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَ هُمْ حَلَقٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ هَؤُلَاءِ الصَّادُّونَ عَنْ دِينِ اللَّهِ بِلَا هُدًى مِنَ اللَّهِ وَ لَا كِتَابٍ مُبِينٍ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْأَخَابِثَ لَوْ جَلَسُوا فِي بُيُوتِهِمْ فَجَالَ النَّاسُ فَلَمْ يَجِدُوا أَحَداً يُخْبِرُهُمْ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ عَنْ رَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم حَتَّى يَأْتُونَا فَنُخْبِرَهُمْ عَنِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ عَنْ رَسُولِهِ ص
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٤ - الصفحة ٢٨٧. — الإمام الباقر عليه السلام
نُعِيَتْ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم نَفْسُهُ وَ هُوَ صَحِيحٌ لَيْسَ بِهِ وَجَعٌ قَالَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ- قَالَ فَنَادَى صلى الله عليه وآله وسلم الصَّلَاةَ جَامِعَةً وَ أَمَرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارَ بِالسِّلَاحِ وَ اجْتَمَعَ النَّاسُ فَصَعِدَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم الْمِنْبَرَ " ما عاين" أي من العذاب" ما قد تدعون إليه" من الجهاد مع معاوية و أضرابه، و الاقتداء بأئمة الحق و متابعتهم" لبدرتم" أي أسرعتم و عجلتم إلى الطاعة" و خرجتم" إلى الجهاد" و سمعتم" أي أطعتم أمر أمامكم" و قريبا" ظرف زمان، و ما للإبهام" يطرح الحجاب" على بناء المجهول أي بعد الموت. الحديث الرابع: مجهول كالموثق. يقال: نعاه لي و إلى أي أخبرني بموته" و نفسه" نائب الفاعل" نزل" به الضمير لمصدر نعيت، و الروح الأمين جبرئيل (عليه السلام) " الصلاة جامعة" الصلاة منصوب بالإغراء أي احضروا الصلاة، و جامعة حال، أو الصلاة مبتدأ و جامعة خبره، أي تجمع الناس لأدائها و الأول هو المضبوط، قال في المصباح في قول المنادي: الصلاة جامعة حال من الصلاة و المعنى عليكم الصلاة في حالكونها جامعة لكل الناس، و هذا كما قيل للمسجد الذي تصلى فيه الجمعة: الجامع، لأنه يجمع الناس، انتهى. و هذا وضع لنداء الصلاة ثم استعمل لكل أمر يراد الاجتماع له، و الظاهر أن الخطبة كانت طويلة مشتملة على ذكر فضائل أهل بيته و تعيين الإمام منهم (عليهم السلام) كما يظهر من أخبار أخر و لما كان ذلك مظنة لإثارة الفتنة من المنافقين الذين لم يرضوا بذلك، و تعاقدوا على أن لا يردوا الأمر إلى أهل بيته كما ورد في الأخبار أمر الأنصار بأخذ السلاح دفعا لذلك أو أن النعي لما كان مظنة لذلك أمرهم بذلك، فَنَعَى إِلَيْهِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ قَالَ أُذَكِّرُ اللَّهَ الْوَالِيَ مِنْ بَعْدِي عَلَى أُمَّتِي أَلَّا يَرْحَمَ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فَأَجَلَّ كَبِيرَهُمْ وَ رَحِمَ ضَعِيفَهُمْ وَ وَقَّرَ عَالِمَهُمْ وَ لَمْ يُضِرَّ بِهِمْ فَيُذِلَّهُمْ و المنبر من النبر بمعنى الرفع" أذكر الله" من التذكير، و الاسمان مفعولان و التذكير للإنذار و التحذير و تذكير عقاب الله و كان المراد بالوالي هنا أعم من العادل و الجائر. " إلا يرحم" هذا يحتمل وجوها: الأول: أن يكون بالفتح حرف تحضيض، و في أكثر النسخ بالياء على بناء المجرد، و في بعضها بالتاء على بناء التفعل فالتحضيض للتوبيخ كما قال الرضي (ره): كلمة التحضيض إذا دخلت على الماضي كانت للتوبيخ و اللوم على ترك الفعل، قيل: و هذا مبني على أنه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) جعل كلامه هذا حكاية لما يقع في المستقبل من قبح أعمال الوالي و توبيخه للوالي بعد تلك الأعمال، و التعبير عن المستقبل بالماضي لتحقق الوقوع شائع. و الثاني: أن يكون أن لا مركبا من أن الناصبة و لا النافية، و يكون تقدير الكلام أذكره الله في أن لا يرحم أي في عدم الرحم. الثالث: أن يكون بالكسر كلمة استثناء أي اذكرهم في جميع الأحوال إلا حال الرحم كقولهم أسألك إلا فعلت كذا، و قيل: هو بتقدير لا أسأله، نحو قول ابن عباس حين دخل مجلسا للأنصار و قاموا له بالنصر و الإيواء: إلا جلستم. الرابع: أن تكون أن شرطية و الفعل مجزوما. " فأجل" من الإجلال و هو التعظيم، و قد روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أنه من إجلال الله إجلال ذي الشيبة المسلم، قيل: و سر ذلك أنه أكبر سنا و أكثر تجربة و أكيس حزما، و أقرب من الرجوع إلى الله تعالى" و رحم ضعيفهم" يشمل الصغير و الفقير و النساء، و الروايات الدالة على الرحم عليهم و الإحسان إليهم أكثر من أن تحصى، " و وقر عالمهم" في بعض النسخ عاملهم، و في بعضها عاقلهم، و قد دلت الآيات و الروايات على توقير جميعهم" و لم يضر بهم" من الإضرار، و يحتمل المجرد و إضرار المسلمين وَ لَمْ يُفْقِرْهُمْ فَيُكْفِرَهُمْ وَ لَمْ يُغْلِقْ بَابَهُ دُونَهُمْ فَيَأْكُلَ قَوِيُّهُمْ ضَعِيفَهُمْ وَ لَمْ يَخْبِزْهُمْ فِي بُعُوثِهِمْ فَيَقْطَعَ نَسْلَ أُمَّتِي ثُمَّ قَالَ قَدْ بَلَّغْتُ وَ نَصَحْتُ فَاشْهَدُوا وَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام هَذَا آخِرُ كَلَامٍ تَكَلَّمَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى مِنْبَرِهِ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٤ - الصفحة ٣٣٧. — الإمام الصادق عليه السلام
إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ جَبْرَئِيلَ عليه السلام وَ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرِقَ بِإِبْهَامِهِ ثَمَانِيَةَ أَنْهَارٍ فِي الْأَرْضِ الحديث الرابع: ضعيف. " أحلت" أي أتيت بالمحال، قال في القاموس: المحال من الكلام بالضم ما عدل عن وجهه كالمستحيل، و أحال: أتى به" يضعها حيث يشاء" أي من الأصناف" و يدفعها إلى من يشاء" أي من الأشخاص، أو الأول يراد به الأماكن كبيت المال، أو الثاني تأكيد للأول، و ظاهره نفي وجوب الزكاة عليهم، و هو خلاف المشهور. و قوله (عليه السلام): لا يبيت كأنه تعليل لعدم الوجوب، إذ لو وجبت الزكاة لزم أن يبيت ليلة أو أكثر" و لله في عنقه حق يسأله عنه" و ذلك لأن زكاة الغلات تجب عند بدو الصلاح، و لا تخرج إلا عند التصفية، فلو وجبت عليه لزم اشتغال ذمته بإخراجها في تلك المدة، و كذا الأنعام فإن مرعاها قد يكون بعيدا عن بلد الإمام (عليه السلام)، و يحتمل أن يكون المعنى أن الدنيا كلها للإمام و الناس كلهم رعية الإمام، فالحقوق اللازمة عليه أكثر من الزكاة و هو يعطي جميعها من غير تأخير ليلة و الأول أظهر. الحديث الخامس: ضعيف. و كان التبسم لأجل من التبعيضية" يخرق" كينصر و يضرب أي يشق و يحفر، و منهم من حمل الكلام على الاستعارة التمثيلية لبيان أن حدوث الأنهار و نحوها مستند مِنْهَا سَيْحَانُ وَ جَيْحَانُ وَ هُوَ نَهَرُ بَلْخٍ وَ الْخشوع وَ هُوَ نَهَرُ الشَّاشِ وَ مِهْرَانُ وَ هُوَ نَهَرُ الْهِنْدِ وَ نِيلُ مِصْرَ وَ دِجْلَةُ وَ الْفُرَاتُ فَمَا سَقَتْ أَوِ اسْتَقَتْ فَهُوَ لَنَا وَ مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ إلى قدرة الله تعالى ردا على الفلاسفة الذين يسندونها إلى الطبائع، و في أكثر النسخ جيحان بالألف و في بعضها بالواو، و في النهاية سيحان و جيحان نهران بالعواصم عند المصيصة و طرسوس، و في القاموس: سيحان نهر بالشام و آخر ببصرة، و سيحون نهر بما وراء النهر و نهر بالهند، و قال: جيحون نهر خوارزم و جيحان نهر بالشام و الروم معرب جهان، انتهى. فظهر أن الواو هنا أصوب، و على الأول كان التفسير من بعض الرواة، فيمكن أن يكون اشتباها منه، و لو كان من الإمام (عليه السلام) و صح الضبط كان الاشتباه من اللغويين، و يؤيد الأول ما رواه السيوطي في تفسيره الدر المنثور عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قال: أنزل الله من الجنة إلى الأرض خمسة أنهار، سيحون و هو نهر الهند، و جيحون و هو نهر بلخ، و دجلة و الفرات و هما نهرا العراق، و النيل و هو نهر، مصر، الخبر. و الشاش بلد بما وراء النهر كما في القاموس، و قال المولى عبد العلي البيرجندي، هو بقدر ثلثي الجيحون و منبعه من بلاد الترك و يمر إلى المغرب مائلا إلى الجنوب إلى أخجند ثم إلى فاراب ثم ينصب في بحيرة خوارزم، و تسميته بالخشوع لم نجدها فيما عندنا من كتب اللغة و غيرها. " فما سقت" أي سقته من الأشجار و الأراضي و الزروع، أو استقت أي أخذت الأنهار منه و هو البحر المطيف بالدنيا أو بحر السماء، فالمقصود أن أصلها و فرعها لنا، أو ضمير استقت راجع إلى ما باعتبار تأنيث معناه، و التقدير استقت منها، و ضمير منها المقدر للأنهار، فالمراد بما سقت ما جرت عليها من غير عمل، و بما استقت ما شرب منها بعمل كالدولاب و شبهه، و نسبة الاستقاء إليها على المجاز كذا خطر بالبال و هو أظهر. لِشِيعَتِنَا وَ لَيْسَ لِعَدُوِّنَا مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا مَا غَصَبَ عَلَيْهِ وَ إِنَّ وَلِيَّنَا لَفِي أَوْسَعَ فِيمَا بَيْنَ ذِهْ إِلَى ذِهْ يَعْنِي بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ- قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا الْمَغْصُوبِينَ عَلَيْهَا خٰالِصَةً لَهُمْ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ بِلَا غَصْبٍ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٤ - الصفحة ٣٥٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
51 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْفُضَيْلِ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ ع فِي قَوْلِهِ تَعَالَى- هٰذٰانِ خَصْمٰانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ روى علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله ( عليه السلام قال
بنا تفك الرقاب و بمعرفتنا، و نحن المطعمون في يوم الجوع و هو المسغبة. الحديث الخمسون: كالسابق. " أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ " قال البيضاوي: أي سابقه و منزلة رفيعة، و سميت قدما لأن السبق بها، كما سميت النعمة يدا لأنها تعطى باليد، و إضافتها إلى الصدق لتحققها و التنبيه على أنهم إنما ينالونها بصدق القول و النية. و قال الطبرسي (قدس سره): قال ابن الأعرابي: القدم المتقدم في الشرف، و قال أبو عبيدة و الكسائي: كل سابق في خير أو شر فهو عند العرب قدم، يقال: لفلان قدم في الإسلام، ثم قال: أن لهم قدم صدق أي أجرا حسنا و منزلة رفيعة بما قدموا من أعمالهم، و قيل: هو شفاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في القيامة و هو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و روي أن المعنى سبقت لهم السعادة في الذكر الأول، انتهى. و أقول: في بعض الأخبار فسر قدم الصدق بالنبي و الأئمة (صلوات الله عليهم)، فالمراد ولايتهم و شفاعتهم، أو المراد بالقدم المتقدم في العز و الشرف كما مر، و في هذا الخبر فسر بالولاية لأنها خير العقائد و الأعمال و سبب للنجاة يوم القيامة من المخاوف و الأهوال. الحديث الحادي و الخمسون: مجهول. " هٰذٰانِ خَصْمٰانِ " قال الطبرسي (ره): قيل: نزلت في ستة نفر من المؤمنين و الكافرين تبارزوا يوم بدر، و هو حمزة قتل عتبة، و علي (عليه السلام) قتل الوليد، و عبيدة بن فَالَّذِينَ كَفَرُوا بِوَلَايَةِ عَلِيٍّ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيٰابٌ مِنْ نٰارٍ الحارث قتل شيبة، و كان أبو ذر يقسم بالله أنها نزلت فيهم، و قيل: نزلت في أهل القرآن و أهل الكتاب عن ابن عباس، و قيل: في المؤمنين و الكافرين" هٰذٰانِ خَصْمٰانِ " أي جمعان، فالفرق الخمسة الكافرة خصم و المؤمنون خصم، و قد ذكروا في قوله: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ الَّذِينَ هٰادُوا وَ الصّٰابِئِينَ " الآية" اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ " أي في دين ربهم فقالت اليهود و النصارى للمسلمين: نحن أولى بالله منكم لأن نبينا قبل نبيكم، و ديننا قبل دينكم، و قال المسلمون: بل نحن أحق بالله منكم، آمنا بكتابنا و كتابكم و نبينا و نبيكم، و كفرتم أنتم نبينا حسدا، فكان هذا خصومتهم، و قيل: إن معنى اختصموا اقتتلوا يوم بدر" فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيٰابٌ مِنْ نٰارٍ " قال ابن عباس: حين صاروا إلى جهنم ألبسوا مقطعات النيران، و هي الثياب القصار، و قيل: يجعل لهم ثياب نحاس من نار و هي أشد ما يكون حرا، و قيل: إن النار تحيط بهم كإحاطة الثياب التي يلبسونها بهم بعد ذلك" يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُؤُسِهِمُ الْحَمِيمُ " أي الماء الحار و هو خبر بعد خبر أو حال عن الضمير في لهم" يُصْهَرُ " أي يذاب بِهِ لفرط حرارته" مٰا فِي بُطُونِهِمْ " من الأحشاء و الأمعاء وَ يصهر به الْجُلُودُ أيضا" وَ لَهُمْ " مع ذلك" مَقٰامِعُ مِنْ حَدِيدٍ " أي سياط يجلدون بها. و روى علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي الطيار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله عز و جل: " هٰذٰانِ خَصْمٰانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ " قال: نحن و بنو أمية، قلنا: صدق الله و رسوله، و قالت بنو أمية: كذب الله و رسوله" فَالَّذِينَ كَفَرُوا " يعني بني أمية" قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيٰابٌ مِنْ نٰارٍ " إلى قوله" مِنْ حَدِيدٍ " قال: تشويه النار، فتسترخي شفته السفلى حتى تبلغ سرته و تقلص شفته العليا حتى تبلغ وسط رأسه" وَ لَهُمْ مَقٰامِعُ مِنْ حَدِيدٍ " قال: الأعمدة التي يضربون بها. و أقول على ما في رواية الكليني: المراد بالذين كفروا الذين كفروا بولاية علي (عليه السلام) إما تنزيلا أو تأويلا، و على الثاني إما عموما فتشمل الولاية أيضا أو خصوصا كما مر غير مرة.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٥ - الصفحة ٦٥. — الإمام الباقر عليه السلام
أَحْمَدُ بْنُ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْعَظِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَسَنِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ قَالَ قَالَ لِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ نَحْنُ فِي الطَّرِيقِ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ اقْرَأْ فَإِنَّهَا لَيْلَةُ الْجُمُعَةِ قُرْآناً فَقَرَأْتُ إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ الزوال، و هو ضمير ذلك، و قرأ ابن عامر" تجمعون" على معنى فبذلك فليفرح المؤمنون فهو خير مما تجمعونه أيها المخاطبون. و قال الطبرسي: قيل: فضل الله هو القرآن، و رحمته هو الإسلام، و قيل: فضل الله الإسلام و رحمته القرآن، و قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): فضل الله رسول الله و رحمته علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و روى ذلك الكليني عن أبي صالح عن ابن عباس، و روى علي بن إبراهيم بإسناده عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: " يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ قَدْ جٰاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ شِفٰاءٌ لِمٰا فِي الصُّدُورِ وَ هُدىً وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ " قال: رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و القرآن، ثم قال: قل لهم يا محمد بفضل الله و برحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون، قال: الفضل رسول الله و رحمته أمير المؤمنين، فبذلك فليفرحوا، قال: فليفرح شيعتنا هو خير مما أعطوا أعداؤنا من الذهب و الفضة. أقول: على ما في خبر المتن كأنه (عليه السلام) فسر الفضل بالنبي و الرحمة بالأئمة (عليهم السلام) أو فسرهما بهم جميعا فإنهم فضل الله و رحمته، و يحتمل التعميم ليشمل جميع نعم الله الدينية على المؤمنين، و يكون ذكرهم لبيان أفضل أفراد الفضل و الرحمة فإن ولايتهم أعظم نعم الله على العباد كما ورد في أخبار كثيرة أن النعيم في قوله تعالى" ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ " هو الولاية. الحديث السادس و الخمسون: ضعيف على المشهور، و يدل على فضل تلاوة القرآن ليلة الجمعة و فضل استماعه. " إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كان مِيقٰاتُهُمْ " كذا في أكثر النسخ و ليس في المصحف" كان" كَانَ مِيقٰاتُهُمْ أَجْمَعِينَ. يَوْمَ لٰا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئاً وَ لٰا هُمْ يُنْصَرُونَ. إِلّٰا مَنْ رَحِمَ اللّٰهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام نَحْنُ وَ اللَّهِ الَّذِي رَحِمَ اللَّهُ وَ نَحْنُ وَ اللَّهِ الَّذِي اسْتَثْنَى اللَّهُ لَكِنَّا نُغْنِي عَنْهُمْ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٥ - الصفحة ٧١. — الإمام الصادق عليه السلام
سَمِعْتُهُ يَقُولُ أَنَا كَفَّنْتُ أَبِي فِي ثَوْبَيْنِ شَطَوِيَّيْنِ كَانَ يُحْرِمُ فِيهِمَا وَ فِي قَمِيصٍ مِنْ قُمُصِهِ وَ فِي عِمَامَةٍ كَانَتْ لِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام وَ فِي بُرْدٍ اشْتَرَاهُ بِأَرْبَعِينَ دِينَاراً اتق الله و لا تغرن أهل بيت محمد فإنهم قريبوا العهد بدولة بني مروان، يعني أن بني مروان لما ظلموهم و صيروا محتاجين إنما أخذوا هذه الأموال للحاجة و الفاقة لا لقصد الخروج، أو أنهم لما وقع عليهم الظلم في دولة بني مروان و انتهت الدولة إليكم و هم أبناء أعمامكم فينبغي أن ترحموهم و تعينوهم و لا تكونوا مثل هؤلاء بصدد استيصالهم، و الأول أظهر، و المحدث بفتح الدال المشددة قد مر معناه في أوائل كتاب الحجة. الحديث السابع: ضعيف على المشهور. الحديث الثامن: موثق على الظاهر، إذ الظاهر عمرو بن سعيد. و في الصحاح شطا اسم قرية بناحية مصر تنسب إليها الثياب الشطوية، و في القاموس البرد بالضم ثوب مخطط و أكسية يلتحف بها، و الواحدة بهاء. أقول: و سيأتي في كتاب الجنائز: اشتريته بأربعين دينارا لو كان اليوم لساوى أربعمائة دينارا و كأنه (عليه السلام) اشتراه بوكالة أبيه (عليهما السلام). وُلِدَ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى عليه السلام بِالْأَبْوَاءِ- سَنَةَ ثَمَانٍ وَ عِشْرِينَ وَ مِائَةٍ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ تِسْعٍ وَ عِشْرِينَ وَ مِائَةٍ وَ قُبِضَ عليه السلام لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَجَبٍ مِنْ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَ ثَمَانِينَ وَ مِائَةٍ وَ هُوَ ابْنُ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ وَ خَمْسِينَ سَنَةً وَ قُبِضَ عليه السلام بِبَغْدَادَ فِي حَبْسِ السِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ وَ كَانَ هَارُونُ حَمَلَهُ مِنَ الْمَدِينَةِ- لِعَشْرِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَ سَبْعِينَ وَ مِائَةٍ وَ قَدْ قَدِمَ باب مولد أبي الحسن موسى (عليه السلام) قال الطبرسي (ره) في إعلام الورى: ولد (عليه السلام) بالأبواء منزل بين مكة و المدينة لسبع خلون من صفر سنة ثمان و عشرين و مائة و قبض (عليه السلام) ببغداد في حبس السندي ابن شاهك لخمس بقين من رجب و يقال أيضا لخمس خلون من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة، و له يومئذ خمس و خمسون سنة و أمه أم ولد يقال لها حميدة البربرية، و يقال لها حميدة المصفاة و كانت مدة إمامته خمسا و ثلاثين سنة و قام بالأمر و له عشرون سنة، و كانت في أيام إمامته بقية ملك المنصور أبي جعفر، ثم ملك ابنه المهدي عشر سنين و شهرا، ثم ملك ابنه الهادي موسى بن محمد سنة و شهرا، ثم ملك هارون بن محمد الملقب بالرشيد، و استشهد بعد مضي خمس عشرة سنة من ملكه مسموما في حبس السندي بن شاهك، و دفن بمدينة السلام في المقبرة المعروفة بمقابر قريش. و قال ابن شهرآشوب أمه حميدة المصفاة ابنة صاعد البربري و يقال أنها أندلسية أم ولد تكنى لؤلؤة، ولد (عليه السلام) بالأبواء موضع بين مكة و المدينة يوم الأحد لسبع خلون من صفر سنة ثمان و عشرين و مائة و استشهد مسموما في حبس الرشيد على يد السندي بن شاهك يوم الجمعة لست بقين من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة و قيل: سنة ست و ثمانين، و كان مقامه مع أبيه عشرين سنة، و يقال: تسع عشرة سنة، و بعد أبيه أيام إمامته خمسا و ثلاثين سنة، و دفن ببغداد بالجانب الغربي في المقبرة المعروفة هَارُونُ الْمَدِينَةَ مُنْصَرَفَهُ مِنْ عُمْرَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ شَخَصَ هَارُونُ إِلَى الْحَجِّ وَ حَمَلَهُ مَعَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ عَلَى طَرِيقِ الْبَصْرَةِ فَحَبَسَهُ عِنْدَ عِيسَى بْنِ جَعْفَرٍ ثُمَّ أَشْخَصَهُ إِلَى بَغْدَادَ فَحَبَسَهُ عِنْدَ السِّنْدِيِّ بْنِ شَاهَكَ فَتُوُفِّيَ عليه السلام فِي حَبْسِهِ وَ دُفِنَ بِبَغْدَادَ فِي مَقْبَرَةِ قُرَيْشٍ وَ أُمُّهُ أُمُّ بمقابر قريش من باب التين فصارت باب الحوائج، و عاش أربعا و خمسين سنة. و قال في الدروس ولد بالأبواء يوم الأحد سابع صفر. و في كشف الغمة عن محمد بن طلحة مات لخمس بقين من رجب، و في المصباح في الخامس و العشرين من رجب كانت وفاة موسى بن جعفر (عليه السلام). و قال في روضة الواعظين وفاته كان ببغداد يوم الجمعة لست بقين من رجب، و قيل: لخمس خلون منه و كذا قال في الدروس. و في إرشاد المفيد قبض (عليه السلام) ببغداد في حبس السندي بن شاهك لست خلون من رجب سنة ثلاث و ثمانين و مائة. أقول: يظهر من الأخبار أن المهدي أشخصه (عليه السلام) من المدينة مرة ثم أطلقه لمعجزة ظهرت عليه، و يومئ بعض الأخبار إلى أنه حبسه الرشيد أيضا مرة ثم أطلقه لمعجزة ظهرت عليه لكنه لم يثبت رجوعه (عليه السلام) إلى المدينة. و المشهور في حبسه أخيرا أن الرشيد جعل ابنه الأمين في حجر جعفر بن محمد بن الأشعث فحسده يحيى بن خالد البرمكي، و قال: إن أفضت الخلافة إليه زالت دولتي و دولة ولدي، فاحتال على جعفر بن محمد و كان يقول بالإمامة فسعى به إلى الخليفة و لذلك سعى بموسى (عليه السلام) أيضا و حج الرشيد لعنه الله لذلك فبدأ بالمدينة ثم أمر به فأخذ من المسجد و هو قائم يصلي فأدخل إليه فقيده و أخرج من داره بغلان عليهما قبتان هو في إحداهما و وجه مع كل واحدة منهم خيلا فأخذ بواحدة على طريق البصرة و الأخرى على طريق الكوفة ليعمى على الناس أمره، و كان في التي مضت إلى البصرة، و أمر الرسول أن يسلمه إلى عيسى بن جعفر بن المنصور، و كان على البصرة حينئذ فمضى به فحبسه عنده سنة، ثم كتب إلى الرشيد أن خذه مني وَلَدٍ يُقَالُ لَهَا حَمِيدَةُ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٦ - الصفحة ٣٥. — الإمام الكاظم عليه السلام
الْإِسْلَامُ يُحْقَنُ بِهِ الدَّمُ وَ تُؤَدَّى بِهِ الْأَمَانَةُ وَ تُسْتَحَلُّ بِهِ الْفُرُوجُ وَ الثَّوَابُ عَلَى الْإِيمَانِ بها كما عرفت، و يرشد إليه قوله: فإن أقر بها، أو الغرض بيان العقائد و جل الأعمال المشتركة بين أهل الإسلام و الإيمان، و الوصف بالضلال و عدم إطلاق الكفر عليهم إما للتقية في الجملة، أو لعدم توهم كونهم في الأحكام الدنيوية في حكم الكفار. الحديث الخامس: موثق كالصحيح. قوله: فمن زعم، تنبيه على مغايرة المفهومين و تحقق مادة الافتراق بينهما، و عموم الإسلام بالنسبة إلى الإيمان. الحديث السادس: حسن على الأصح و قد مر شرحه. تحقيق و تبيين اعلم أن الذي ظهر لنا من مجموع الآيات المتضافرة و الأخبار المتكاثرة الواردة في الإيمان و الإسلام و حقائقهما و شرائطهما أن لكل منهما إطلاقات كثيرة في الكتاب و السنة و لكل منهما فوائد و ثمرات تترتب عليه. فالأول من معاني الإيمان مجموع العقائد الحقة و الأصول الخمسة، و الثمرة المترتبة عليه في الدنيا الأمان من القتل و نهب الأموال و الإهانة إلا أن يأتي بقتل أو فاحشة يوجب القتل أو الحد أو التعزير، و في الآخرة صحة أعماله و استحقاق الثواب عليها في الجملة، و عدم الخلود في النار، و استحقاق العفو و الشفاعة، و يدخل.......... في الكفر المقابل لهذا الإيمان من سوى الفرقة الناجية الإمامية من فرق الإسلام و غيرهم، فإنهم مخلدون في النار سوى المستضعفين منهم كما سيأتي. الثاني: الاعتقادات المذكورة مع الإتيان بالفرائض التي ظهر وجوبها من القرآن و ترك الكبائر التي أو عد الله عليها النار، و على هذا المعنى أطلق الكافر على تارك الصلاة و تارك الزكاة و أشباههم، و ورد: لا يزني الزاني و هو مؤمن، و لا يسرق السارق و هو مؤمن، و ثمرة الإيمان عدم استحقاق الإذلال و الإهانة و العذاب في الدنيا و الآخرة. الثالث: العقائد المذكورة مع فعل جميع الواجبات و ترك جميع المحرمات، و ثمرته اللحوق بالمقربين و الحشر مع الصديقين و تضاعف المثوبات و رفع الدرجات الرابع: ما ذكر مع ضم فعل المندوبات و ترك المكروهات بل المباحات كما ورد في أخبار صفات المؤمن، و بهذا المعنى يختص بالأنبياء و الأوصياء كما ورد في الأخبار الكثيرة تفسير المؤمنين في الآيات بالأئمة الطاهرين (صلوات الله عليهم)، و قد ورد في تفسير قوله سبحانه: " وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلّٰا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ " أن جميع معاصي الله بل التوسل بغيره سبحانه داخلة في الشرك المذكور في هذه الآية، و ثمرة هذا الإيمان أنه يؤمن على الله فيجيز أمانه، و أنه لا يرد الله دعوته و سائر ما ورد في درجاتهم (عليهم السلام) و منازلهم عند الله تعالى. و أما الإسلام فيطلق غالبا على التكلم بالشهادتين و الإقرار الظاهري و إن لم يقترن بالإذعان القلبي و لا بالإقرار بالولاية كما عرفت سابقا، و ثمرته إنما تظهر في الدنيا من حقن دمه و ماله، و جواز نكاحه و استحقاقه الميراث و سائر الأحكام الظاهرة للمسلمين، و ليس له في الآخرة من خلاق، و قد يطلق على كل من معاني الإيمان حتى المعنى الأخير، فيكون بمعنى الاستسلام و الانقياد التام........... ثم إن الآيات و الأخبار الدالة على دخول الأعمال في الإيمان يحتمل وجوها: الأول أن يحمل على ظواهرها و يقال: إن العمل داخل في حقيقة الإيمان على بعض المعاني. الثاني: أن يكون الأيمان أصل العقائد لكن تسميتها إيمانا مشروطة بالأعمال. الثالث: أن يقال بزيادة الإيمان و تفاوته شدة و ضعفا، و تكون الأعمال كثرة و قلة كاشفة عن حصول كل مرتبة من تلك المراتب فإنه لا شك أن لشدة اليقين مدخلا في كثرة الأعمال الصالحة و ترك المناهي، و قد بسطنا الكلام في ذلك قليلا في كتاب عين الحياة، و سيتضح لك بعض ما ذكرنا في تضاعيف الأخبار الآتية، و لنذكر هنا بعض ما ذكره أصحابنا في حقيقة الإيمان و الإسلام و معانيهما و شرائطهما: قال المحقق الطوسي (قدس سره) القدوسي في قواعد العقائد: المسألة الخامسة: فيما به يحصل استحقاق الثواب و العقاب، قالوا: الإسلام أعم في الحكم من الإيمان، و هما في الحقيقة شيء واحد أما كونه أعم فلأن من أقر بالشهادتين كان حكمه حكم المسلمين" قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا " و أما كون الإسلام في الحقيقة هو الإيمان فلقوله تعالى: " إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ " و اختلفوا في معناه فقال بعض السلف: الإيمان إقرار باللسان و تصديق بالقلب و عمل صالح بالجوارح، و قالت المعتزلة: أصول الإيمان خمسة: التوحيد و العدل و الإقرار بالنبوة و بالوعد و الوعيد و القيام بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و قال الشيعة: أصول الإيمان ثلاثة التصديق بوحدانية الله عز و جل في ذاته، و العدل في أفعاله، و التصديق بنبوة الأنبياء و التصديق بإمامة الأئمة المعصومين، و التصديق بالأحكام التي يعلم يقينا أنه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) حكم بها دون ما فيه الخلاف و الاستتار، و الكفر يقابل الإيمان، و الذنب يقابل العمل الصالح و ينقسم إلى كبائر و صغائر، و يستحق.......... المؤمن بالإجماع الخلود في الجنة و يستحق الكافر الخلود في العذاب و صاحب الكبيرة عند الخوارج كافر، لأنهم جعلوا العمل الصالح جزءا من الإيمان، و عند غيرهم فاسق، و المؤمن عند المعتزلة و الوعيدية لا يكون فاسقا و جعلوا الفاسق الذي لا يكون كافرا منزلة بين المنزلتين الإيمان و الكفر، و هو عندهم يكون في النار خالدا و عند غيرهم المؤمن قد يكون فاسقا و قد لا يكون، و تكون عاقبة الأمر على التقديرين الخلود في الجنة. و قال (ره) في التجريد: الإيمان التصديق بالقلب و اللسان و لا يكفي الأول لقوله تعالى: " وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ " و نحوه، و لا الثاني لقوله تعالى: " قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا " و الكفر عدم الإيمان إما مع الضد أو بدونه، و الفسق الخروج عن طاعة الله تعالى مع الإيمان به، و النفاق إظهار الإيمان به و إخفاء الكفر، و الفاسق مؤمن لوجود حده فيه. و قال العلامة نور الله ضريحه في الشرح: الناس في الإيمان على وجوه كثيرة و ليس هنا موضع ذكرها، و الذي اختاره المصنف (ره) أنه عبارة عن التصديق بالقلب و اللسان معا و لا يكفي أحدهما فيه، أما التصديق القلبي فإنه غير كاف لقوله تعالى: " وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ " و قوله تعالى: " فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ " فأثبت لهم المعرفة و الكفر، أما التصديق اللساني فإنه غير كاف أيضا لقوله تعالى: " قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا " الآية، و لا شك في أن أولئك الأعراب صدقوا بألسنتهم و قال (ره): الكفر في اللغة هو التغطية، و في العرف الشرعي هو عدم الإيمان أما مع الضد بأن يعتقد فساد ما هو شرط الإيمان، أو بدون الضد كالشاك الخالي من.......... الاعتقاد الصحيح و الباطل و الفسق لغة الخروج مطلقا، و في الشرع عبارة عن الخروج عن طاعة الله تعالى فيما دون الكفر، و النفاق في اللغة هو إظهار خلاف الباطن، و في الشرع إظهار الإيمان و إبطان الكفر، و اختلف الناس في الفاسق فقالت المعتزلة: أن الفاسق لا مؤمن و لا كافر، و أثبتوا له منزلة بين المنزلتين، و قال الحسن البصري: أنه منافق و قالت الزيدية: أنه كافر نعمة، و قالت الخوارج: أنه كافر و الحق ما ذهب إليه المصنف و هو مذهب الإمامية و المرجئة و أصحاب الحديث و جماعة الأشعرية أنه مؤمن، و الدليل عليه أن حد المؤمن و هو المصدق بقلبه و لسانه في جميع ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) موجود فيه، فيكون مؤمنا، انتهى. و قال الشيخ المفيد (قدس سره) في كتاب المسائل: اتفقت الإمامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة و الإقرار لا يخرج بذلك عن الإسلام، و أنه مسلم و إن كان فاسقا بما معه من الكبائر و الآثام و وافقهم على هذا القول المرجئة كافة و أصحاب الحديث قاطبة، و نفر من الزيدية، و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و زعموا أن مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بمؤمن و لا مسلم. و قال (قدس سره): اتفقت الإمامية على أن الإسلام غير الإيمان، و أن كل مؤمن فهو مسلم و ليس كل مسلم مؤمنا، و أن الفرق بين هذين المعنيين في الدين كما كان في اللسان، و وافقهم على هذا القول المرجئة و أصحاب الحديث، و أجمعت المعتزلة على عدم الفرق بينهما. و قال الشهيد الثاني (قدس سره) في رسالة الإيمان: اعلم أن الإيمان لغة التصديق كما نص عليه أهلها، و هو أفعال من الأمن بمعنى سكون النفس و اطمئنانها لعدم ما يوجب الخوف لها و حينئذ فكان حقيقة آمن به سكنت نفسه و اطمأنت بسبب قبول قوله، و امتثال أمره، فتكون الباء للسببية و يحتمل أن يكون بمعنى أمنه التكذيب و المخالفة كما ذكره بعضهم، فتكون الباء فيه زائدة، و الأول أولى كما لا يخفى.......... و أوفق لمعنى التصديق، و هو يتعدى باللام كقوله تعالى: " وَ مٰا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنٰا "" فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ " و بالباء كقوله تعالى: " آمَنّٰا بِمٰا أَنْزَلْتَ " و أما التصديق فقد قيل: أنه القبول و الإذعان بالقلب كما ذكره أهل الميزان و يمكن أن يقال: معناه قبول الخير أعم من أن يكون بالجنان أو باللسان، و يدل عليه قوله تعالى: " قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا " فأخبروا عن أنفسهم بالإيمان و هم من أهل اللسان، مع أن الواقع منهم هو الاعتراف باللسان دون الجنان لنفيه عنهم بقوله تعالى: " قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا " و إثبات الاعتراف بقوله تعالى: " وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا " الدال على كونه إقرارا بالشهادتين، و قد سموه إيمانا بحسب عرفهم، و الذي نفاه الله عنهم إنما هو الإيمان في عرف الشرع، و أما الإيمان الشرعي فقد اختلف في بيان حقيقة العبارات بسبب اختلاف الاعتبارات، و بيان ذلك أن الإيمان شرعا إما أن يكون من أفعال القلوب فقط أو من أفعال الجوارح فقط أو منهما معا، فإن كان الأول فهو التصديق بالقلب فقط و هو مذهب الأشاعرة و جمع من متقدمي الإمامية و متأخريهم و منهم المحقق الطوسي (ره) في فصوله لكن اختلفوا في معنى التصديق فقال أصحابنا: هو العلم و قال الأشعرية: هو التصديق النفساني و عنوا به أنه عبارة عن ربط القلب على ما علم من أخبار المخبر فهو أمر كسبي يثبت باختيار المصدق و لذا يثاب عليه بخلاف العلم و المعرفة فإنها ربما تحصل بلا كسب كما في الضروريات و قد ذكر حاصل ذلك بعض المحققين فقال: التصديق هو أن تنسب باختيارك الصدق إلى المخبر حتى لو وقع ذلك في القلب من غير اختيار لم يكن تصديقا و إن كان.......... معرفة و سنبين إنشاء الله تعالى قصور ذلك، و إن كان الثاني فإما أن يكون عبارة عن التلفظ بالشهادتين فقط و هو مذهب الكرامية أو عن جميع أفعال الجوارح من الطاعات بأسرها فرضا و نفلا و هو مذهب الخوارج و قدماء المعتزلة و العلاف و القاضي عبد الجبار أو عن جميعها من الواجبات و ترك المحظورات دون النوافل و هو مذهب أبي علي الجبائي و ابنه أبي هاشم و أكثر معتزلة البصرة، و إن كان الثالث فهو إما أن يكون عبارة عن أفعال القلوب مع جميع أفعال الجوارح من الطاعات و هو قول المحدثين و جمع من السلف كابن مجاهد و غيره فإنهم قالوا أن الإيمان تصديق بالجنان و إقرار باللسان و عمل بالأركان، أو يكون عبارة عن التصديق مع كلمتي الشهادة، و نسب إلى طائفة منهم أبو حنيفة، أو يكون عبارة عن التصديق بالقلب مع الإقرار باللسان و هو مذهب المحقق نصير الدين الطوسي (ره) في تجريده، فهذه سبعة مذاهب، ذكرت في الشرح الجديد و غيره، و اعلم أن مفهوم الإيمان على المذهب الأول يكون تخصيصا للمعنى اللغوي، و أما على المذاهب الباقية فهو منقول و التخصيص خير من النقل. و هنا بحث و هو أن القائلين بأن الإيمان عبارة عن فعل الطاعات كقدماء المعتزلة و العلاف و الخوارج لا ريب أنهم يوجبون اعتقاد مسائل الأصول و حينئذ فما الفرق بينهم و بين القائلين بأنه عبارة عن أفعال القلوب و الجوارح؟ و يمكن الجواب بأن اعتقاد المعارف شرط عند الأولين و شطر عند الآخرين. ثم قال: اعلم أن المحقق الطوسي (قدس سره) ذكر في قواعد العقائد أن أصول الإيمان عند الشيعة ثلاثة ثم ذكر ما نقلنا عنه سابقا ثم قال: و ذكر في شرح الجديد للتجريد أن الإيمان في الشرع عند الأشاعرة هو التصديق للرسول فيما علم مجيئه به ضرورة فتفصيلا فيما علم تفصيلا، و إجمالا فيما علم إجمالا، فهو في الشرع تصديق خاص، انتهى........... فهؤلاء اتفقوا على أن حقيقة الإيمان هي التصديق فقط، و إن اختلفوا في مقدار المصدق به، و الكلام هيهنا في مقامين: الأول: في أن التصديق الذي هو الإيمان المراد به اليقيني الجازم الثابت كما يظهر من كلام من حكينا عنه، و الثاني: في أن الأعمال ليست جزءا من حقيقة الإيمان الحقيقي، بل هي جزء من الإيمان الكمالي، أما الدليل على الأول فآيات بينات منها قوله تعالى: " إِنَّ الظَّنَّ لٰا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً* " و الإيمان حق بالنص و الإجماع، فلا يكفي في حصوله و تحققه الظن، و منها" إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ* "" إِنْ هُمْ إِلّٰا يَظُنُّونَ* " و" إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ " فهذه قد اشتركت في التوبيخ على اتباع الظن، و الإيمان لا يوبخ من حصل له بالإجماع فلا يكون ظنا و منها قوله تعالى: " إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتٰابُوا " فنفى عنهم الريب فيكون الثابت هو اليقين، و في العرف يطلق عدم الريب على اليقين. و من السنة المطهرة قوله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا مقلب القلوب و الأبصار ثبت قلبي على دينك، و الثبات هو الجزم و المطابقة، و فيه منع لم لا يجوز أن يكون طلبه (عليه السلام) لأنه الفرد الأكمل. و من الدلائل أيضا الإجماع حيث ادعى بعضهم أنه يجب معرفة الله تعالى التي لا يتحقق الإيمان إلا بها بالدليل إجماعا من العلماء كافة، و الدليل ما أفاد العلم، و الظن لا يفيده، و في صحة دعوى الإجماع بحث لوقوع الخلاف في جواز التقليد في المعارف الأصولية كما سنذكره إنشاء الله تعالى........... و اعلم أن جميع ما ذكرنا من الأدلة لا يفيد شيء منه العلم بأن الجزم و الثبات معتبر في التصديق الذي هو الإيمان، إنما يفيد الظن باعتبارهما لأن الآيات قابلة للتأويل، و غيرها كذلك مع كونها من الآحاد. ثم قال رفع الله درجته: اعلم أن العلماء أطبقوا على وجوب معرفة الله بالنظر و أنها لا تحصل بالتقليد إلا من شذ منهم كعبد الله بن الحسن العنبري و الحشوية و التعليمية حيث ذهبوا إلى جواز التقليد في العقائد الأصولية كوجود الصانع و ما يجب له و يمتنع و النبوة و العدل و غيرها، بل ذهب بعضهم إلى وجوبه، لكن اختلف القائلون بوجوب المعرفة أنه عقلي أو سمعي فالإمامية و المعتزلة على الأول و الأشعرية على الثاني، و لا غرض لنا هنا ببيان ذلك بل ببيان أصل الوجوب المتفق عليه. ثم استدل بوجوب شكر المنعم عقلا و شكره على وجه يليق بكمال ذاته، يتوقف على معرفته، و هي لا تحصل بالظنيات كالتقليد و غيره، لاحتمال كذب المخبر و خطأ الأمارة، فلا بد من النظر المفيد للعلم ثم قال: هذا الدليل إنما يستقيم على قاعدة الحسن و القبح، و الأشاعرة ينكرون ذلك لكن كما يدل على وجوب المعرفة بالدليل يدل أيضا على كون الوجوب عقليا و اعترض أيضا بأنه مبني على وجوب ما لا يتم الواجب المطلق إلا به، و فيه أيضا منوع الأشاعرة، و من ذلك أن الأمة أجمعت على وجوب المعرفة، و التقليد و ما في حكمه لا يوجب العلم إذ لو أوجبه لزم اجتماع الضدين في مثل تقليد من يعتقد حدوث العالم و يعتقد قدمه، و قد اعترض على هذا بمنع الإجماع كيف و المخالف معروف، بل عورض بوقوع الإجماع على خلافه، و ذلك لتقرير النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و أصحابه العوام على إيمانهم، و هم الأكثرون في كل عصر مع عدم الاستفسار عن الدلائل الدالة على الصانع و صفاته، مع أنهم كانوا لا يعلمونها و إنما كانوا مقرين باللسان و مقلدين في المعارف، و لو كانت المعرفة واجبة لما جاز تقريرهم على ذلك، مع الحكم بإيمانهم، و أجيب عن هذا بأنهم كانوا.......... يعلمون الأدلة إجمالا كدليل الأعرابي حيث قال: البعرة تدل على البعير، و أثر الإقدام على المسير، أ فسماء ذات أبراج و أرض ذات فجاج لا تدلان على اللطيف الخبير، فلذا أقروا و لم يسألوا عن اعتقاداتهم أو أنهم كان يقبل منهم ذلك للتمرين ثم يبين لهم ما يجب عليهم من المعارف بعد حين. و من ذلك الإجماع على أنه لا يجوز تقليد غير المحق و إنما يعلم المحق من غيره بالنظر في أن ما يقوله حق أم لا و حينئذ فلا يجوز له التقليد إلا بعد النظر و الاستدلال، و إذا صار مستدلا امتنع كونه مقلدا فامتنع التقليد في المعارف الإلهية و نقض ذلك بلزوم مثله في الشرعيات فإنه لا يجوز تقليد المفتي إلا إذا كانت فتياه عن دليل شرعي، فإن اكتفي في الاطلاع على ذلك بالظن و إن كان مخطئا في نفس الأمر لحط ذلك عنه فليجر مثله في مسائل الأصول. و أجيب بالفرق بأن الخطأ في مسائل الأصول يقتضي الكفر، بخلافه في الفروع فساغ في الثانية ما لم يسغ في الأولى. احتج من أوجب التقليد في مسائل الأصول بأن العلم بالله تعالى غير ممكن لأن المكلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره و حال امتناع كونه عالما بأمره يمتنع كونه مأمورا من قبله و إلا لزم تكليف ما لا يطاق و إن كان عالما به استحال أيضا أمره بالعلم به لاستحالة تحصيل الحاصل؟ و الجواب عن ذلك على قواعد الإمامية و المعتزلة ظاهر، فإن وجوب النظر و المعرفة عندهم عقلي لا سمعي، نعم يلزم ذلك على قواعد الأشاعرة إذ الوجوب عندهم سمعي. أقول: و يجاب أيضا معارضة بأن هذا الدليل كما يدل على امتناع العلم بالمعارف الأصولية يدل على امتناع التقليد فيها أيضا فينسد باب المعرفة بالله تعالى و كل من يرجع إليه في التقليد لا بد و أن يكون عالما بالمسائل الأصولية ليصح تقليده، ثم يجري الدليل فيه فيقال: علم هذا الشخص بالله تعالى غير ممكن لأنه.......... حين كلف به إن لم يكن عالما به تعالى استحال أن يكون عالما بأمره بالمقدمات، و كلما أجابوا به فهو جوابنا، و لا مخلص لهم إلا أن يعترفوا بأن وجوب المعرفة عقلي فيبطل ما ادعوه من أن العلم بالله تعالى غير ممكن، أو سمعي فكذلك. فإن قيل: ربما يحصل العلم لبعض الناس بتصفية النفس أو إلهامه إلى غير ذلك فيقلده الباقون؟ قلنا: هذا أيضا يبطل قولكم إن العلم بالله تعالى غير ممكن، نعم ما ذكروه يصلح أن يكون دليلا على امتناع المعرفة بالسمع فيكون حجة على الأشاعرة لا دليلا على وجوب التقليد. و احتجوا أيضا بأن النهي عن النظر قد ورد في قوله تعالى: " مٰا يُجٰادِلُ فِي آيٰاتِ اللّٰهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا " و النظر يفتح باب الجدال فيحرم، و لأنه (عليه السلام) رأى الصحابة يتكلمون في مسألة القدر فنهاهم عن الكلام فيها، و قال: إنما هلك من كان قبلكم بخوضهم في هذا، و لقوله (عليه السلام): عليكم بدين العجائز، و المراد ترك النظر، فلو كان واجبا لم يكن منهيا عنه. و أجيب عن الأول بأن المراد الجدال بالباطل كما في قوله تعالى: " وَ جٰادَلُوا بِالْبٰاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ " لا الجدال بالحق لقوله تعالى: " وَ جٰادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ " و الأمر بذلك يدل على أن الجدال مطلقا ليس منهيا عنه، و عن الثاني بأن نهيهم عن الكلام في مسألة القدر على تقدير تسليمه لا يدل على النهي عن مطلق النظر، بل عنه في مسألة القدر، كيف و قد ورد الإنكار على تارك النظر في قوله تعالى: " أَ وَ لَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مٰا خَلَقَ اللّٰهُ " و قد أثنى على فاعله في قوله.......... " وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ " على أن نهيهم عن الخوض في القدر لعله لكونه أمرا غيبيا و بحرا عميقا كما أشار إليه علي (عليه السلام) بقوله: بحر عميق فلا تلجه، بل كان مراد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) التفويض في مثل ذلك إلى الله تعالى، لأن ذلك ليس من الأصول التي يجب اعتقادها، و البحث عنها مفصلة. و هيهنا جواب آخر عنهما معا، و هو أن النهي في الآية و الحديث مع قطع النظر عما ذكرناه إنما يدل على النهي عن الجدال الذي لا يكون إلا من متعدد بخلاف النظر فإنه يكون من واحد، فهو نصب الدليل على غير المدعى. و عن الثالث بالمنع من صحة نسبته إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فإن بعضهم ذكر أنه من مصنوعات سفيان الثوري فإنه روى أن عمر بن عبد الله المعتزلي قال: إن بين الكفر و الإيمان منزلة بين المنزلتين فقالت عجوز: قال الله تعالى: " هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ " فلم يجعل من عباده إلا الكافر و المؤمن، فسمع سفيان كلامها فقال: عليكم بدين العجائز. على أنه لو سلم فالمراد به التفويض إلى الله تعالى في قضائه و حكمه و الانقياد له في أمره و نهيه. و احتج من جوز التقليد بأنه لو وجب النظر في المعارف الإلهية لوجد من الصحابة، إذ هم أولى به من غيرهم لكنه لم يوجد و إلا لنقل عنهم كما نقل عنهم النظر و المناظرة في المسائل الفقهية فحيث لم ينقل لم يقع فلم يجب. و أجيب بالتزام كونهم أولى به لكنهم نظروا و إلا لزم نسبتهم إلى الجهل بمعرفة الله تعالى و كون الواحد منا أفضل منهم و هو باطل إجماعا إذ كانوا عالمين.......... و ليس بالضرورة فهو بالنظر و الاستدلال، و أما إنه لم ينقل النظر و المناظرة فلاتفاقهم على العقائد الحقة لوضوح الأمر عندهم حيث كانوا ينقلون عقائدهم عمن لا ينطق عن الهوى، فلم يحتاجوا إلى كثرة البحث و النظر بخلاف الأخلاف بعدهم فإنهم لما كثرت شبه الضالين و اختلف أنظار طالبي اليقين لتفاوت أذهانهم في إصابة الحق احتاجوا إلى النظر و المناظرة ليدفعوا بذلك شبه المضلين، و يقفوا على اليقين إما مسائل الفروع لما كانت أمورا ظنية اجتهادية خفية لكثرة تعارض الأمارات فيها وقع بينهم الخلاف فيها و المناظرة و التخطئة لبعضهم من بعض فلذا نقل. و احتجوا أيضا بأن النظر مظنة الوقوع في الشبهات و التورط في الضلالات بخلاف التقليد فإنه أبعد عن ذلك و أقرب إلى السلامة فيكون أولى و لأن الأصول أغمض أدلة من الفروع و أخفى، فإذا جاز التقليد في الأسهل جار في الأصعب بطريق أولى، و لأنهما سواء في التكليف بهما فإذا جاز في الفروع فليجز في الأصول. و أجيب عن الأول بأن اعتقاد المعتقد إن كان عن تقليد لزم إما التسلسل أو الانتهاء إلى من يعتقد عن نظر لانتفاء الضرورة، فيلزم ما ذكرتم من المحذور مع زيادة و هي احتمال كذب المخبر بخلاف الناظر مع نفسه، فإنه لا يكابر نفسه فيما أدى إليه نظره. على أنه لو اتفق الانتهاء إلى من اتفق له العلم بغير النظر كتصفية الباطن كما ذهب إليه بعضهم أو بالإلهام أو بخلق العلم فيه ضرورة فهو إنما يكون لأفراد نادرة لأنه على خلاف العادة فلا يتيسر لكل أحد الوصول إليه مشافهة بل بالوسائط فيكثر احتمال الكذب بخلاف الناظر فإنه لا يكابر نفسه، و لأنه أقرب إلى الوقوف على الصواب. و أما الجواب عن العلاوة فلأنه لما كان الطريق إلى العمل بالفروع إنما هو النقل ساغ لنا التقليد فيها و لم يقدح احتمال كذب المخبر و إلا لانسد باب العمل.......... بها، بخلاف الاعتقاديات فإن الطريق إليها بالنظر ميسر. ثم قال (رحمه الله) بعد إطالة الكلام في الجواب عن حجة الخصام: و أما المقام الثاني و هو أن الأعمال ليست جزءا من الإيمان و لا نفسه، فالدليل عليه من الكتاب العزيز و السنة المطهرة و الإجماع، أما الكتاب فمنه قوله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ* " فإن العطف يقتضي المغايرة و عدم دخول المعطوف في المعطوف عليه، فلو كان عمل الصالحات جزءا من الإيمان أو نفسه لزم خلو العطف عن الفائدة لكونه تكرارا، و رد بأن الصالحات جمع معرف يشمل الفرض و النفل، و القائل بكون الطاعات جزءا من الإيمان يريد بها فعل الواجبات و اجتناب المحرمات و حينئذ فيصح العطف لحصول المغايرة المفيدة لعموم المعطوف، فلم يدخل كله في المعطوف عليه، نعم يصلح دليلا على إبطال مذهب القائلين بكون المندوب داخلا في حقيقة الإيمان كالخوارج. و منه قوله تعالى: " وَ مَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصّٰالِحٰاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ " أي حالة إيمانه و هذا يقتضي المغايرة. و منه قوله تعالى: " وَ إِنْ طٰائِفَتٰانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا " فإنه أثبت الإيمان لمن ارتكب بعض المعاصي فلا يكون ترك المنهيات جزءا من الإيمان. و منه قوله تعالى: " يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّٰهَ وَ كُونُوا مَعَ الصّٰادِقِينَ " فإن أمرهم بالتقوى التي لا تحصل إلا بفعل الطاعات و الانزجار عن المنهيات مع وصفهم بالإيمان يدل على عدم حصول التقوى لهم، و إلا لكان أمرا بتحصيل الحاصل. و منه الآيات الدالة على كون القلب محلا للإيمان من دون ضميمة شيء.......... آخر كقوله تعالى: " أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ " و لو كان الإقرار أو غيره من الأعمال نفس الإيمان أو جزءه لما كان القلب محل جميعه، و قوله تعالى: " وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ " و قوله تعالى: " وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ " و كذا آيات الطبع و الختم تشعر بأن محل الإيمان القلب كقوله تعالى: " أُولٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ* " و" خَتَمَ عَلىٰ سَمْعِهِ وَ قَلْبِهِ وَ جَعَلَ عَلىٰ بَصَرِهِ غِشٰاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللّٰهِ ". و أما السنة فكقوله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) يا مقلب القلوب و الأبصار ثبت قلبي على دينك و روي أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) سأل جبرئيل عن الإيمان؟ فقال: أن تؤمن بالله و رسله و اليوم الآخر. و أما الإجماع فهو أن الأمة أجمعت على أن الإيمان شرط لسائر العبادات و الشيء لا يكون شرطا لنفسه فلا يكون الإيمان هو العبادات. و أما أهل الثاني و هم الكرامية فقد استدلوا على مذهبهم بأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و الصحابة كانوا يكتفون في الخروج عن الكفر بكلمتي الشهادتين فتكون هي الإيمان إذ لا واسطة بين الكفر و الإيمان، لأن الكفر عدم الإيمان، و لقوله تعالى: " فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ " و بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، و بقوله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لأسامة حين قتل من تكلم بالشهادتين: هلا شققت قلبه، أو هل.......... شققت قلبه؟ على بعض النسخ، يريد بذلك الإنكار عليه، حيث لم يكتف بالشهادتين منه. و الجواب عن الأول أن الخروج عن الكفر بكلمة الشهادة إن أرادوا به الخروج في نفس الأمر بحيث يصير مؤمنا عند الله سبحانه بمجرد ذلك من دون تصديق فهو ممنوع، لم لا يجوز أن يكون اكتفاؤهم بذلك للترغيب في الإسلام، لا الحكم بالإيمان و إن أرادوا به الخروج بحسب الظاهر فهو مسلم لكن لا ينفعهم إذا الكلام فيما يتحقق به الإيمان عند الله تعالى، بحيث يصير المتصف به مؤمنا في نفس الأمر لا فيما يتحقق به الإسلام في ظاهر الشرع حيث لا يمكن الاطلاع على الباطن، أ لا ترى أنهم كانوا يحكمون بكفر من ظهر منه النفاق بعد الحكم بإسلامه، و لو كان مؤمنا في نفس الأمر لما جاز ذلك، و أما نفي الواسطة فهو مستقيم على أخذ الحكم في نفس الأمر، فإن حال المكلف في نفس الأمر لا يخلو عن أحدهما، و أما جعل لا إله إلا الله غاية للقتال، فلا يدل على أكثر من كونه للترغيب في الإسلام أيضا بسبب حقن الدماء، على أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) ربما لا يطلع على بواطن الناس، فكيف يؤمر بالقتال على ما لا يطلع عليه. و أما أهل الثالث و هم قدماء المعتزلة القائلون بأنه جميع الطاعات فرضا و نفلا، فمن أمتن دلائلهم على ذلك قوله تعالى: " وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ " و المشار إليه بذلك هو جميع ما حصر بإلا و ما عطف عليه، و الدين هو الإسلام لقوله تعالى: " إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ " و الإسلام هو الإيمان لقوله تعالى: " وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ " و لا ريب أن الإيمان مقبول من مبتغيه للنص.......... و الإجماع، فيكون إسلاما، فيكون دينا فيعتبر فيه الطاعات كما دلت عليه الآيات. و الجواب المنع من اتحاد الدينين في الآيتين فلا يتكرر الوسط، و لو سلم اتحادهما فلا نسلم أن الإيمان هو الإسلام ليكون هو الدين، فتعتبر فيه الطاعات لم لا يجوز أن يكون الإيمان شرطا للإسلام أو جزءا منه أو بالعكس، و شرط الشيء و جزؤه يقبل مع كونه غيره، و لا يلزم من ذلك أن يكون الإيمان هو الدين بل شرطه أو جزؤه. على أنا لو قطعنا النظر عن جميع ذلك فالآية الكريمة إنما تدل على من ابتغى و طلب غير دين الإسلام دينا له فلن يقبل منه ذلك المطلوب، و لم تدل على أن من صدق بما أوجبه الشارع عليه لكنه ترك فعل بعض الطاعات غير مستحل أنه طالب لغير دين الإسلام، إذ ترك الفعل يجتمع مع طلبه لعدم المنافاة بينهما، فإن الشخص قد يكون طالبا للطاعة مريدا لها لكنه تركها إهمالا و تقصيرا، و لا يخرج بذلك عن ابتغائها. و استدلوا أيضا بقوله تعالى: " وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِيعَ إِيمٰانَكُمْ " أي صلاتكم إلى بيت المقدس، و اعترض عليه بأنه لم لا يجوز أن يكون المراد به تصديقكم بتلك الصلاة. سلمنا ذلك لكن لا دلالة لهم في الآية و ذلك لأنهم زعموا أن الإيمان جميع الطاعات، و الصلاة إنما هي جزء من الطاعات و جزء الشيء لا يكون ذلك الشيء. و أما أهل الرابع و هم القائلون بكونه عبارة عن جميع الواجبات و ترك المحظورات و دون النوافل فقد يستدل لهم بقوله تعالى: " إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ " و التقوى لا يتحقق إلا بفعل المأمور به و ترك المنهي عنه، فلا يكون التصديق مقبولا ما لم يحصل التقوى، و بما روي أن الزاني لا يزني و هو مؤمن، و بقوله (عليه السلام): لا إيمان.......... لمن لا أمانة له، و بقوله تعالى: " وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ " و قد لا يحكم بما أنزل الله أو يحكم بما لم ينزل الله مصدقا فلو تحقق الإيمان بالتصديق لزم اجتماع الكفر و الإيمان في محل واحد و هو محال لتقابلهما بالعدم و الملكة. و الجواب عن الأول أنه يجوز أن يكون المراد و الله أعلم الأعمال الندبية، على أنا نقول أن ظاهر الآية الكريمة متروك فإنها تدل ظاهرا على أن من أخلص في جميع أفعاله و كان قد سبق منه معصية واحدة لم يثبت عليها و يكون جميع الطاعات اللاحقة غير مقبولة، و القول بذلك مع بعده عن حكمة الله تعالى من أفظع الفظائع فلا يكون مرادا، بل المراد و الله أعلم أن من عمل عملا إنما يكون مقبولا إذا كان متقيا فيه بأن يكون مخلصا فيه لله تعالى و حينئذ فلا دلالة لهم في الآية الكريمة. مع أنا لو تنزلنا عن ذلك و قلنا بدلالتها على عدم قبول التصديق من دون التقوى فلا يحصل بذلك مدعاهم الذي هو كون الإيمان عبارة عن جميع الواجبات" إلخ" و لقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون الإيمان عبارة عما ذكرتهم مع التصديق بالمعارف الأصولية و عدم قبول الجزء إنما هو لعدم قبول الكل، و أما الحديث الأول على تقدير تسليمه فيمكن حمله على المبالغة في الزجر أو تخصيصه بمن استحل و دليل التخصيص في أحاديث أخر، أو على نفي الكمال في الإيمان، و كذا الحديث الثاني. و أما الاستدلال بالآية فقد تعارض بقوله تعالى: " وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ " و الفاسق مؤمن على المذهب الحق أو بين المنزلتين على غيره و يمكن أن يقال: الفسق لا ينافي الكفر إذ الكافر فاسق لغة و إن كان في العرف يباينه لكنه لم يتحقق كونه عرف الشارع، بل المعلوم كونه لأهل الشرع و الأصول فلا تعارض حينئذ........... أقول: و الحق في الجواب أن المراد و الله أعلم: و من لم يحكم بما أنزل الله، أي بما علم قطعا أن الله سبحانه أنزله فإن العدول عنه إلى غيره مستحلا أو الوقوف عنه كذلك لا ريب في كونه كفرا لأنه إنكار لما علم ثبوته ضرورة فلا يكون التصديق حاصلا و حينئذ فلا دلالة فيها على أن من ارتكب معصية غير مستحل أو مستحلا مع كون تحريمها لم يعلم من الدين ضرورة يكون كافرا، و إنما ارتكبنا هذا الإضمار في الآية لما دل عليه النص و الإجماع من أن الحاكم لو أخطأ في حكمه لم يكفر مع أنه يصدق عليه أنه لم يحكم بما أنزل الله. و اعلم أنه قد ظهر من هذا الجواب وجه آخر للجمع بين الآيتين و وقع التعارض بين ظاهر هما بأن يراد من إحداهما ما ذكرناه في الجواب و من الأخرى و من لم يحكم غير مستحل مع علمه بالتحريم فهو فاسق، و الحاصل أنه يقال لهم: إن أردتم بالطاعات و التروك ما علم ثبوته من الدين ضرورة فنحن نقول بموجب ذلك، لكن لا يلزم منه مدعا كم لجواز كون الحكم بكفره إما لجحده ما علم من الدين ضرورة فيكون قد أخل بما هو شرط الإيمان و هو عدم الجحد على ما قدمناه، أو لكون المذكورات جزء الإيمان على ما ذهب إليه بعضهم، و إن أردتم الأعم فلا دلالة لكم فيها أيضا و هو ظاهر. و أما أهل الخامس القائلون بأنه تصديق بالجنان و إقرار باللسان و عمل بالأركان فيستدل لهم بما استدل به أهل التصديق مع ما استدل به أهل الأعمال و من أضاف الإقرار باللسان إلى الجنان، و قد علمت تزييف ما سوى الأول و سيجيء إنشاء الله تعالى تزييف أدلة من أضاف الإقرار فلم يبق لمذهبهم قرار. نعم في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ما يشهد لهم و قد ذكر في الكافي و غيره منها جملة فمنها ما رواه علي بن إبراهيم عن العباس بن معروف عن عبد الرحمن بن أبي نجران عن حماد بن عثمان عن عبد الرحيم القصير قال: كتبت مع عبد الملك بن أعين.......... إلى أبي عبد الله (عليهم السلام) أسأله عن الإيمان ما هو إلى آخر الخبر، و منها ما رواه علي بن إبراهيم عن محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن عن عجلان أبي صالح قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أوقفني على حدود الإيمان، الخبر. و منها: أبو علي الأشعري عن محمد بن عبد الجبار عن صفوان أو غيره عن العلاء عن محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الإيمان، الخبر. ثم قال (قدس سره): و اعلم أن هذه الأحاديث منها ما سنده غير نقي كالأول، فإن في سنده عبد الرحيم و هو مجهول مع كونه مكاتبة، و أما الثاني فإن سنده و إن كان جيدا إلا أن دلالته غير صريحة فإن كون المذكورات حدود الإيمان لا يقتضي كونها نفس حقيقته إذ حد الشيء نهايته و ما لا يجوز تجاوزه، فإن تجاوزه خرج عنه، و نحن نقول بموجب ذلك فإن من تجاوز هذه المذكورات بأن تركها جاحدا لا ريب في خروجه عن الإيمان، لكن لعل ذلك لكونها شروطا للإيمان، لا لكونها نفسه، و أما الثالث فإن دلالته و إن كانت جيدة إلا أن في سنده إرسالا مع كون العلاء مشتركا بين المقبول و المجهول، و بالجملة فهذه الرواية معارضة بما هو أمتن منها دلالة، و قد تقدم ذلك فليراجع، نعم لا ريب في كونها مؤيدة لما قالوه. و أما أهل السادس القائلون بأنه التصديق مع كلمتي الشهادة ففيما مر من الأحاديث ما يصلح شاهدا لهم، و كذا ما ذكره الكرامية مع ما ذكره أهل التصديق يصلح شاهدا لهم، و قد عرفت ما في الأولين فلا نعيده، و أما السابع فإنه مذهب جماعة من المتأخرين منهم المحقق الطوسي (ره) في تجريده فإنه اعتبر في حقيقة الإيمان مع التصديق الإقرار باللسان، قال: و لا يكفي الأول لقوله تعالى: " وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ " أثبت للكفار الاستيقان النفسي و هو التصديق القلبي، فلو كان الإيمان هو التصديق القلبي فقط لزم اجتماع الكفر و الإيمان و هو باطل لتقابلهما.......... تقابل العدم و الملكة، و لا الثاني يعني الإقرار باللسان لقوله تعالى: " قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا " الآية و لقوله تعالى: " وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مٰا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ " فأثبت لهم تعالى في الآيتين التصديق باللسان، و نفي عنهم الإيمان. أقول: الاستدلال على عدم الاكتفاء بالثاني مسلم موجه و كذا عدم الاكتفاء بالأول، أما على اعتبار الإقرار ففيه بحث فإن الدليل أخص من المدعى، إذ المدعي أن الإيمان لا يحقق إلا بالتصديق مع الإقرار، و بدون ذلك يتحقق الكفر، و الآية الكريمة إنما دلت على ثبوت الكفر لمن جحد أي أنكر الآيات مع علمه بحقيقتها و بينهما واسطة، فإن من حصل له التصديق اليقيني في أول الأمر، و لم يكن تلفظ بكلمات الإيمان لا يقال أنه منكر و لا جاحد، و حينئذ فلا يلزم اجتماع الكفر و الإيمان في مثل هذه الصورة مع أنه غير مقر و لا تارك للإقرار جحدا كما هو المفروض، هذا إن قصد بالآية الدلالة على اعتبار الإقرار أيضا، و إلا لكان اعتبار الإقرار دعوى مجردة، و قد علت ما عليه، و أما دلالة الآية الكريمة على كفره في صورة جحده و استيقانه فنقول بموجبه لكن ليس لعدم إقراره فقط بل لأنه ضم إنكارا إلى استيقان. و بالجملة فهو من جملة العلامات على الحكم بالكفر كما جعل الاستخفاف بالشارع أو الشرع، و وطي المصحف علامة على الحكم بالكفر، مع أنه قد يكون مصدقا كما سبقت الإشارة إليه، نعم غاية ما يلزم أن يكون إقرار المصدق شرطا لحكمنا بإيمانه ظاهرا، و أما قبل ذلك و بعد التصديق فهو مؤمن عند الله تعالى إذا لم يكن تركه للإقرار عن جحد. على أنه يلزمه (قدس سره) أن من حصل له التصديق بالمعارف الإلهية ثم عرض له الموت فجأة قبل الإقرار يموت كافرا و يستحق العذاب الدائم مع اعتقاده.......... وحدة الصانع و حقية ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و لا أظن أن مثل هذا المحقق يلتزم ذلك، و الحاصل أنه إن أراد (رحمه الله) أن كون الإنسان مؤمنا عند الله سبحانه كما هو ظاهر كلامه لا يتحقق إلا بمجموع الأمرين فالواسطة و الالتزام لا زمان عليه، و إن أراد أن كونه مؤمنا في ظاهر الشرع لا يتحقق إلا بالأمرين معا فالنزاع لفظي فإن من اكتفى فيه بالتصديق يريد به كونه مؤمنا عند الله تعالى فقط، و أما عند الناس فلا بد في العلم بذلك من الإقرار و نحوه. و اعلم أنه استدل بعضهم على هذا المذهب أيضا بأنا نعلم بالضرورة أن الإيمان في اللغة هو التصديق، و الدلائل عليه كثيرة، فإما أن يكون في الشرع كذلك أو يكون منقولا عن معناه في اللغة، و الثاني باطل لأن أكثر الألفاظ تكرار في القرآن و كلام الرسول (عليه السلام) لفظ الإيمان، فلو كان منقولا عن معناه اللغوي لوجب أن يكون حاله كحال سائر العبادات الظاهرة في وجوب العلم به فلما لم يكن كذلك علمنا أنه باق على وضع اللغة. إذا ثبت هذه فنقول: ذلك التصديق إما أن يكون هو التصديق القلبي أو اللساني أو مجموعهما، و الأول باطل لقوله تعالى: " فَلَمّٰا جٰاءَهُمْ مٰا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ " فأثبت لهم المعرفة مع أنه حكم بكفرهم و لو كان مجرد المعرفة إيمانا لما صح ذلك و أيضا قوله تعالى: " فَلَمّٰا جٰاءَتْهُمْ آيٰاتُنٰا مُبْصِرَةً قٰالُوا هٰذٰا سِحْرٌ مُبِينٌ وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا " و لا يصح أن يكون جحدهم لها بقلوبهم حيث أثبت لهم الاستيقان بها، فلا بد أن يكون بألسنتهم حيث لم يقروا بها و إذا كان الجحد باللسان موجبا للكفر كان الإقرار به مع التصديق القلبي موجبا للإيمان فيكون الإقرار من محققات الإيمان، و أيضا قوله تعالى حكاية عن موسى (عليه السلام) إذا يقول لفرعون: " لَقَدْ عَلِمْتَ.......... مٰا أَنْزَلَ هٰؤُلٰاءِ إِلّٰا رَبُّ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ " فأثبت كونه عالما بأن الله تعالى هو الذي أنزل الآيات التي جاء بها موسى (عليه السلام)، فلو كان مجرد العلم هو الإيمان لكان فرعون مؤمنا و هو باطل بنص القرآن العزيز و إجماع الأنبياء (عليهم السلام) من لدن موسى إلى محمد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و أيضا قوله تعالى: " فَإِنَّهُمْ لٰا يُكَذِّبُونَكَ وَ لٰكِنَّ الظّٰالِمِينَ بِآيٰاتِ اللّٰهِ يَجْحَدُونَ " و معنى ذلك و الله أعلم: أنهم يجحدون ذلك بألسنتهم و لا يكذبونك بقلوبهم أي يعلمون نبوتك، و لا يستقيم أن يكون المعنى لا يكذبونك بألسنتهم لمنافاة يجحدون بألسنتهم له، فيلزم أن يكونوا كذبوا بألسنتهم و لم يكذبوا بها و بطلانه ظاهر فيجب تنزيه القرآن العزيز عنه. و لك أن تقول: لم لا يجوز أن يكون المعنى لا يكذبونك بألسنتهم و لكن يجحدون نبوتك بقلوبهم كما أخبر الله تعالى عن المنافقين في سورتهم حيث قالوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّٰهِ، و كذبهم الله تعالى حيث شهد سبحانه و تعالى بكذبهم فقال: " وَ اللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ لَكٰاذِبُونَ " و المراد في شهادتهم أي فيما تضمنته من أنها عن صميم القلب و خلوص الاعتقاد كما ذكره جماعة من المفسرين حيث لم توافق عقيدتهم فقد علم من ذلك أنهم لم يكذبوه بألسنتهم بل شهدوا له بها، و لكنهم جحدوا ذلك بقلوبهم حيث كذبهم الله تعالى في شهادتهم. و الجواب التكذيب لهم و رد على نفس شهادتهم التي هي باللسان لا على نفس عقيدتهم، و بالجملة فهذا لا يصلح نظيرا لما نحن فيه، على أن معنى الجحد كما قرروه هو الإنكار باللسان مع تصديق القلب، و ما ذكر من الاحتمال عكس هذا المعنى. ثم قال: و الثاني باطل أما أولا فبالاتفاق من الإمامية، و أما ثانيا فلقوله تعالى: " قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا " و لا شك أنهم كانوا.......... صدقوا بألسنتهم و حيث لم يكن كافيا نفى الله تعالى عنهم الإيمان مع تحققه، و قوله تعالى: " وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّٰا بِاللّٰهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ مٰا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ " فأثبت لهم الإقرار و التصديق باللسان، و نفي إيمانهم فثبت بذلك أن الإيمان هو التصديق مع الإقرار. ثم قال: لا يقال: لو كان الإقرار باللسان جزء الإيمان للزم كفر الساكت؟ لأنا نقول: لو كان الإيمان هو العلم أي التصديق لكان النائم غير مؤمن لكن لما كان النوم لا يخرجه عن كونه مؤمنا بالإجماع مع كونه أولى بأن يخرج النائم عن الإيمان لأنه لا يبقى معه معنى من الإيمان بخلاف الساكت، فإنه قد بقي معه معنى منه و هو العلم لم يكن السكوت مخرجا بطريق أولى، نعم لو كان الخروج عن التصديق و الإقرار أو عن أحدهما على جهة الإنكار و الجحد لخرج بذلك عن الإيمان، و لذلك قلنا أن الإيمان هو التصديق بالقلب و الإقرار باللسان أو ما في حكمهما، انتهى محصل ما ذكره. أقول: قوله: إن النائم ينتفي عنه العلم أي التصديق غير مسلم، و إنما المنتفي شعوره بذلك العلم و هو غير العلم، فالتصديق حينئذ باق لكونه من الكيفيات النفسية، فلا يزيله النوم و حينئذ فلا يلزم من عدم الحكم بانتفاء الإيمان عن النائم عدم الحكم بانتفائه عن الساكت بطريق أولى، نعم الحكم بعدم انتفائه عن الساكت على مذهب من جعل الإقرار جزءا إما للزوم الحرج العظيم بدوام الإقرار في كل وقت أو أن يكون المراد من كون الإقرار جزءا للإيمان الإقرار في الجملة أي في وقت ما مع البقاء عليه، فلا ينافيه السكوت المجرد، و إنما ينافيه مع الجحد لعدم بقاء الإقرار حينئذ. و أقول: الذي ذكره من الدليل على عدم النقل لا يدل وحده على كون الإقرار جزءا و هو ظاهر، بل قصد به الدلالة على بطلان ما عدا مذهب أهل التصديق،.......... ثم استدل على بطلان مذهب التصديق بما ذكره من الآيات الدالة على اعتبار الإقرار في الإيمان الشرعي تخصيصا للغوي كما هو عند أهل التصديق و هذا جيد، لكن دلالة الآيات على اعتبار الإقرار ممنوعة، و قد بينا ذلك سابقا أن تكفيرهم إنما كان لجحدهم الإقرار و هو أخص من عدم الإقرار فتكفيرهم بالجحد لا يستلزم تكفيرهم بمطلق عدم الإقرار ليكون الإقرار معتبرا. نعم اللازم من الآيات اعتبار عدم الجحد مع التصديق و هو أعم من الإقرار و اعتبار الأعم لا يستلزم اعتبار الأخص و هو ظاهر. و هذا جواب عن استدلاله بجميع الآيات، و يزيد في الجواب عن الاستدلال بقوله تعالى، في الحكاية عن موسى عليه و على نبينا الصلاة و السلام: " لَقَدْ عَلِمْتَ مٰا أَنْزَلَ هٰؤُلٰاءِ " الآية أنه يجوز أن يكون نسب إلى فرعون العلم على طريق الملاطفة و الملائمة حيث كان مأمورا بذلك بقوله: " فَقُولٰا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً، لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشىٰ " و هذا شائع في الاستعمال كما يقال في المحاورات كثيرا، و أنت خبير بأنه كذا و كذا، مع أن المخاطب بذلك قد لا يكون عارفا بذلك المعنى أصلا، بل قد لا يكون هناك مخاطب أصلا كما يقع في المؤلفات كثيرا. و على هذا فلا تدل الآية على ثبوت العلم لفرعون، و لو سلم ثبوته كان الحكم بكفره للجحد لا لعدم الإقرار مطلقا كما سبق بيانه. و اعلم أن المحقق الطوسي (قدس سره) اختار في فصوله الاكتفاء بالتصديق القلبي في تحقق الإيمان فكأنه (رحمه الله) لحظ ما ذكرناه، و قد استدل بعض الشارحين بقوله تعالى: " أُولٰئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمٰانَ " و بقوله تعالى: " وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ " فيكون حقيقة فيه، فلو أطلق على غيره لزم الاشتراك أو المجاز
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٧ - الصفحة ١٢٦. — الإمام الصادق عليه السلام
1 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي نَصْرٍ قَالَ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الرِّضَا عليه السلام مِنْ عَلَامَاتِ الْفِقْهِ الْحِلْمُ وَ الْعِلْمُ وَ الصَّمْتُ إِنَّ " فإن رد الحليم عليه" أي بعد حلمه عنه أولا ارتفع الملكان ساخطين عليهما و يكلانهما إلى الملكين ليكتبا عليهما قولهما، و الرد بعد مبالغة الآخر في الشتم و الفحش لا ينافي وصفه بالحلم لأنه قد حلم أولا و مراتب الحلم متفاوتة. باب الصمت و حفظ اللسان الحديث الأول: صحيح. و كان المراد بالفقه العلم المقرون بالعمل، فلا ينافي كون مطلق العلم من علاماته، أو المراد بالفقه التفكر و التدبر في الأمور، قال الراغب: الفقه هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد فهو أخص من العلم، قال تعالى
" فَمٰا لِهٰؤُلٰاءِ الْقَوْمِ لٰا يَكٰادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً " بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لٰا يَفْقَهُونَ* " إلى غير ذلك من الآيات، و الفقه العلم بأحكام الشريعة، انتهى. و قيل: أراد العلم فيما يقول و الصمت عما لا يعلم أو يضر، و قيل: المراد بالعلم آثاره أعني إثبات الحق و إبطال الباطل، و ترويج الدين و حل المشكلات، انتهى. الصَّمْتَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْحِكْمَةِ إِنَّ الصَّمْتَ يَكْسِبُ الْمَحَبَّةَ إِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى كُلِّ خَيْرٍ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٨ - الصفحة ٢١٠. — غير محدد
إِنَّ شِيعَةَ عَلِيٍّ كَانُوا خُمْصَ له، فإن من خالقا و معطيا للوجود و القوي و الجوارح و خالقا لجميع ما يحتاج إليه فهو المستحق للعبادة، و لا يجوز عقلا تشريك غيره معه فيها. الحديث العاشر: ضعيف على المشهور كالصحيح عندي. و روى السيد رضي الله عنه في الغرر و الدرر عن علي (عليه السلام) أنه رأى قوما على بابه فقال: يا قنبر من هؤلاء؟ فقال قنبر: هؤلاء شيعتك، فقال: ما لي لا أرى فيهم من سيماء الشيعة؟ قال: و ما سيماء الشيعة؟ قال: خمص البطون من الطوي، ذبل الشفاه من الظمأ، عمش العيون من البكاء، و خماص البطن كناية عن قلة الأكل أو كثرة الصوم أو العفة عن أكل أموال الناس، و ذبل الشفاه إما كناية عن الصوم أو كثرة التلاوة و الدعاء و الذكر، و الخمص بالضم أخمص أو بالفتح مصدر، و الحمل للمبالغة، و ربما يقرأ خمصا بضمتين جمع خميص كرغف و رغيف، و الذبل قد يقرأ بالفتح مصدرا و الحمل كما مر أو بالضم أو بضمتين أو كركع و الجميع جمع ذابل. و قال في القاموس: الخمصة الجوعة و المخمصة المجاعة و قد خمصه الجوع خمصا و مخمصة و خمص البطن مثلثة الميم خلا، و قال: ذبل النبات كنصر و كرم ذبلا و ذبولا ذوي، و ذبل الفرس ضمر، و قني ذابل رقيق لاصق اللبط، و الجمع ككتب و ركع، و في النهاية: رجل خمصان و خميص إذا كان ضامر البطن، و جمع الخميص خماص، و منه الحديث خماص البطون خفاف الظهور أي إنهم أعفه عن أموال الناس فهم ضامروا البطون من أكلها، خفاف الظهور من ثقل وزرها، انتهى. الْبُطُونِ ذُبُلَ الشِّفَاهِ أَهْلَ رَأْفَةٍ وَ عِلْمٍ وَ حِلْمٍ يُعْرَفُونَ بِالرَّهْبَانِيَّةِ فَأَعِينُوا عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِالْوَرَعِ وَ الِاجْتِهَادِ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٩ - الصفحة ٢٤٠. — الإمام الصادق عليه السلام
صلى الله عليه وآله وسلم مَا مِنْ عَبْدٍ إِلَّا وَ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ جُنَّةً حَتَّى يَعْمَلَ أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً فَإِذَا عَمِلَ تغلبه، و تارك الصلاة لا يتركها إلا استخفافا بها، و ذلك لأنك لا تجد الزاني يأتي المرأة إلا و هو مستلذ لإتيانه إياها، قاصدا إليها، و كل من ترك الصلاة قاصدا إليها فليس يكون قصده لتركها إلى اللذة فإذا امتنعت اللذة وقع الاستخفاف، و إذا وقع الاستخفاف وقع الكفر. قيل: ما الفرق بين من أتى امرأة فزنا بها أو خمرا فشربها، و بين من ترك الصلاة حتى لا يكون الزاني و شارب الخمر مستخفا كما استخف تارك الصلاة و ما الحجة في ذلك؟ و ما العلة التي تفرق بينهما؟ قال: الحجة أن كلما أدخلت أنت نفسك فيه و لم يدعك إليه داع و لم يغلبك عليه غالب شهوة مثل الزنا و شرب الخمر، و أنت دعوت نفسك إلى ترك الصلاة و ليس ثم شهوة فهو الاستخفاف بعينه، فهذا فرق بينهما، فالمراد بالكفر هنا ما يشمل إنكار أصول الدين و ترك الفرائض التي يؤذن تركها بالاستخفاف بالدين، و فيه إيماء إلى أن ما أطلق عليه لفظ الكفر في الأخبار داخل في الكبائر، و قوله: يعني، كلام المصنف أو بعض الرواة، و كونه من كلامه (عليه السلام) على سبيل الالتفات كما زعم بعيد جدا. الحديث التاسع: ضعيف و سنده الثاني موثق كالصحيح إذ الظاهر أنه معلق على السند السابق، فالراوي عنه محمد بن خالد، و يحتمل على بعد أن يكون الراوي عنه ابن حبيب، فيكون مجهولا، و إن لم يكن معلقا على السابق فهو مرسل، و هو أيضا بعيد. " أربعون جنة" الجنة بالضم السترة، و الجمع جنن بضم الجيم و فتح النون، أَرْبَعِينَ كَبِيرَةً انْكَشَفَتْ عَنْهُ الْجُنَنُ فَيُوحِي اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَنِ اسْتُرُوا عَبْدِي بِأَجْنِحَتِكُمْ فَتَسْتُرُهُ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا قَالَ فَمَا يَدَعُ شَيْئاً مِنَ الْقَبِيحِ إِلَّا يقال استجن بجنة أي استتر بسترة، ذكره الجوهري و غيره، و كان المراد بالجنن ألطافه سبحانه التي تصير سببا لترك المعاصي و امتناعه فبكل كبيرة سواء كانت من نوع واحد أو أنواع مختلفة يستحق منع لطف من ألطافه، أو رحماته تعالى و عفوه و غفرانه، فلا يفضحه الله بها، فإذا استحق غضب الله سلبت عنه لكن يرحمه سبحانه و يأمر الملائكة بستره، و لكن ليس سترهم كستر الله تعالى. أو المراد بالجنن ترك الكبائر فإن تركها موجب لغفران الصغائر عند الله، و سترها عن الناس، فإذا عمل بكبيرة لم يتحتم على الله مغفرة صغائره و شرع الناس في تجسس عيوبه، و هكذا إلى أن يعمل جميع الكبائر و هي أربعون تقريبا، فيفتضح عند الله و عند الناس بكبائره و صغائره. أو أراد بالجنن الطاعات التي يوفقه الله تعالى لفعلها بسبب ترك الكبائر، فكلما أتى بكبيرة سلب التوفيق لبعض الطاعات التي هي مكفرة لذنوبه عند الله، و ساترة لعيوبه عند الناس، و يؤيده ما ورد عن الصادق (عليه السلام) و ذلك أن الصلاة ستر و كفارة لما بينها من الذنوب، فهذه ثلاثة وجوه خطر بالبال على سبيل الإمكان و الاحتمال. و الرابع: ما قيل كان الجنن كناية عن نتائج أخلاقه الحسنة، و ثمرات أعماله الصالحة التي تخلق منها الملائكة و أجنحة الملائكة كناية عن معارفه الحقة التي بها يرتقي في الدرجات، و ذلك لأن العمل أسرع زوالا من المعرفة، و إنما يأخذ في بغض أهل البيت لأنهم الحائلون بينه و بين الذنوب التي صارت محبوبة له، و معشوقة لنفسه الخبيثة بمواعظهم و وصاياهم (عليهم السلام). الخامس: ما قيل أن تلك الجنن أجنحة الملائكة و لا يخفى إباء ما بعده عنه إلا بتكلف تام. قَارَفَهُ حَتَّى يَمْتَدِحَ إِلَى النَّاسِ بِفِعْلِهِ الْقَبِيحِ فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ يَا رَبِّ هَذَا عَبْدُكَ مَا يَدَعُ شَيْئاً إِلَّا رَكِبَهُ وَ إِنَّا لَنَسْتَحْيِي مِمَّا يَصْنَعُ فَيُوحِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ أَنِ ارْفَعُوا أَجْنِحَتَكُمْ عَنْهُ فَإِذَا فُعِلَ ذَلِكَ أَخَذَ فِي بُغْضِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ فَعِنْدَ ذَلِكَ يَنْهَتِكُ سِتْرُهُ فِي السَّمَاءِ وَ سِتْرُهُ فِي الْأَرْضِ فَيَقُولُ الْمَلَائِكَةُ يَا رَبِّ هَذَا عَبْدُكَ قَدْ بَقِيَ مَهْتُوكَ السِّتْرِ فَيُوحِي اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِمْ لَوْ كَانَتْ لِلَّهِ فِيهِ حَاجَةٌ مَا أَمَرَكُمْ أَنْ تَرْفَعُوا السادس: أن المراد بالجنن الملائكة أنفسهم لأنهم جنن له من دفع شر الشيطان و وساوسه، فإذا عمل كبيرة فارق عنه ملك إلى أن يفارق الجميع، فإذا فارقوه جميعا أوحى الله إليهم أن استروه بأجنحتكم من بعيد ليكون محفوظا في الجملة من شر الشياطين، فضمير إليهم في قوله: فيوحي الله إليهم، راجع إلى الجنن. و أقول: على الوجوه الأخر ضمير إليهم راجع إلى الملائكة بقرينة ما بعده، و في القاموس اقترف الذنب أتاه و فعله، و قارفه قاربه و المرأة جامعها، و قال: تمدح تكلف أن يمدح و افتخر و تشيع بما ليس عنده، و قال: مدحه كمنعه أحسن الثناء عليه كمدحه و امتدحه و تمدحه فالامتداح استعمل هنا بمعنى التمدح، و في بعض النسخ يتمدح و هو أظهر. " هذا عبدك" قيل: عبدك عطف بيان لهذا" فإذا فعل" على بناء المجهول" ذلك" أي رفع الأجنحة أو علي بناء المعلوم فذلك إشارة إلى ما هو سبب رفع الأجنحة. " قد بقي مهتوك الستر" لا يقال: قول الملائكة هذا بناء على أنهم يريدون ستره و هذا ينافي قولهم المذكور قبله لإشعاره بأنهم يريدون هتك ستره؟ لأنا نقول: دلالة قولهم الأول على ذلك ممنوع، لاحتمال أن يكون طلبا لإصلاحه و توفيقه كما يومئ إليه قوله تعالى: " لو كان لله فيه حاجة" أي كان مستحقا للطف و التوفيق كما مر تحقيقه في الأبواب السابقة، و لو سلم فيحتمل أن يكون طلبهم هتك الستر أولا أَجْنِحَتَكُمْ عَنْهُ وَ رَوَاهُ ابْنُ فَضَّالٍ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٠ - الصفحة ٢١. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
لِعَبَّادِ بْنِ كَثِيرٍ الْبَصْرِيِّ فِي الْمَسْجِدِ وَيْلَكَ يَا عَبَّادُ إِيَّاكَ وَ الرِّيَاءَ فَإِنَّهُ مَنْ عَمِلَ لِغَيْرِ اللَّهِ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى مَنْ عَمِلَ لَهُ ذريته باستحلال قتلهم أو ضربهم أو شتمهم أو إهانتهم أو ترك مودتهم أو غصب حقهم أو عدم القول بإمامتهم أو ترك تعظيمهم" و المستأثر بالفيء المستحل له" في النهاية الاستئثار الانفراد بالشيء، و قال: الفيء ما حصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب و لا جهاد، انتهى. و أقول: الفيء يطلق على الغنيمة و الخمس و الأنفال و كل ذلك يتعلق بالإمام كلا أو بعضا كما حقق في محله. باب الرياء الحديث الأول: ضعيف. " وكله الله إلى من عمل له" أي في الآخرة كما سيأتي أو الأعم منها و من الدنيا و قيل: و كل ذلك العمل إلى الغير و لا يقبله أصلا، و قد روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قال: إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر؟ قالوا: و ما الشرك الأصغر يا رسول الله؟ قال: الرياء يقول الله عز و جل يوم القيامة إذا جازى العباد بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا هل تجدون عندهم ثواب أعمالكم. و قال بعض المحققين: اعلم أن الرياء مشتق من الرؤية، و السمعة مشتقة من السماع، و إنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإراءتهم خصال الخير، إلا أن الجاه و المنزلة يطلب في القلب بأعمال سوى العبادات و يطلب بالعبادات، و اسم الرياء مخصوص.......... بحكم العادة بطلب المنزلة في القلوب بالعبادات و إظهارها فحد الرياء هو إرادة المنزلة بطاعة الله تعالى، فالمرائي هو العابد، و المرائي هو الناس المطلوب رؤيتهم لطلب المنزلة في قلوبهم، و المرائي به هي الخصال التي قصد المرائي إظهارها، و الرياء هو هو قصده إظهار ذلك. و المرائي به كثيرة و يجمعها خمسة أقسام، و هي مجامع ما يتزين العبد به للناس فهو البدن و الزي و القول و العمل و الأتباع و الأشياء الخارجة، و لذلك أهل الدنيا يراءون بهذه الأسباب الخمسة، إلا أن طلب الجاه و قصد الرياء بأعمال ليست من جملة الطاعات أهون من الرياء بالطاعات، و الرياء في الدين من جهة البدن، و ذلك بإظهار النحول و الصفار ليوهم بذلك شدة الاجتهاد و عظم الحزن على أمر الدين، و غلبة خوف الآخرة، و ليدل بالنحول على قلة الأكل، و بالصفار على سهر الليل، و كثرة الأرق في الدين، و كذلك يرائي بتشعث الشعر ليدل به على استغراق الهم بالدين و عدم التفرغ لتسريح الشعر، و يقرب من هذا خفض الصوت و إغارة العينين و ذبول الشفتين، فهذه مراءاة أهل الدين في البدن، و أما أهل الدنيا فيراءون بإظهار السمن و صفاء اللون و اعتدال القامة و حسن الوجه و نظافة البدن و قوة الأعضاء. و ثانيها: الرياء بالزي و الهيئة أما الهيئة فتشعث شعر الرأس و حلق الشارب و إطراق الرأس في المشي و الهدء في الحركة و إبقاء أثر السجود على الوجه، و غلظ الثياب، و ليس الصوف و تشميرها إلى قريب من نصف الساق، و تقصير الأكمام و ترك تنظف الثوب و تركه مخرقا، كل ذلك يرائي به ليظهر من نفسه أنه يتبع السنة فيه و مقتد فيه بعباد الله الصالحين، و أما أهل الدنيا فمراءاتهم بالثياب النفيسة و المراكب الرفيعة و أنواع التوسع و التجمل. الثالث: الرياء بالقول، و رياء أهل الدين بالوعظ و التذكير و النطق بالحكمة.......... و حفظ الأخبار و الآثار لأجل الاستعمال في المحاورة إظهارا لغزارة العلم و لدلالته على شدة العناية بأقوال السلف الصالحين، و تحريك الشفتين بالذكر في محضر الناس و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بمشهد الخلق و إظهار الغضب للمنكرات و إظهار الأسف على مقارفة الناس بالمعاصي، و تضعيف الصوت في الكلام، و أما أهل الدنيا فمراءاتهم بالقول بحفظ الأشعار و الأمثال و التفاصح في العبارات و حفظ النحو الغريب للأعراب على أهل الفضل و إظهار التودد إلى الناس لاستمالة القلوب. الرابع: الرياء بالعمل، كمراءاة المصلي بطول القيام و مده و تطويل الركوع و السجود، و إطراق الرأس و ترك الالتفات و إظهار الهدء و السكون، و تسوية القدمين و اليدين، و كذلك بالصوم و بالحج و بالصدقة و بإطعام الطعام و بالإخبات بالشيء عند اللقاء، كإرخاء الجفون و تنكيس الرأس و الوقار في الكلام حتى أن المرائي قد يسرع في المشي إلى حاجته فإذا اطلع عليه واحد من أهل الدين رجع إلى الوقار و إطراق الرأس خوفا من أن ينسبه إلى العجلة و قلة الوقار، فإن غاب الرجل عاد إلى عجلته فإذا رآه عاد إلى خشوعه، و منهم من يستحيي أن يخالف مشيته في الخلوة لمشيته بمرأى من الناس، فيكلف نفسه المشية الحسنة في الخلوة حتى إذا رآه الناس لم يفتقر إلى التغيير و يظن أنه تخلص به من الرياء، و قد تضاعف به رياؤه فإنه صار في خلواته أيضا مرائيا، و أما أهل الدنيا فمراءاتهم بالتبختر و الاختيال و تحريك اليدين و تقريب الخطا و الأخذ بأطراف الذيل و إدارة العطفين ليدلوا بذلك على الجاه و الحشمة. الخامس: المراءاة بالأصحاب و الزائرين و المخالطين كالذي يتكلف أن يزور عالما من العلماء ليقال أن فلانا قد زار فلانا أو عابدا من العباد لذلك، أو ملكا من الملوك و أشباهه ليقال إنهم يتبركون به، و كالذي يكثر ذكر الشيوخ ليرى أنه.......... لقي شيوخا كثيرة و استفاد منهم فيباهي بشيوخه، و منهم من يريد انتشار الصيت في البلاد لتكثر الرحلة إليه، و منهم من يريد الاشتهار عند الملوك لتقبل شفاعته، و منهم من يقصد التوصل بذلك إلى جمع حطام و كسب مال، و لو من الأوقاف و أموال اليتامى و غير ذلك. و أما حكم الرياء فهل هو حرام أو مكروه أو مباح أو فيه تفصيل؟ فأقول: فيه تفصيل، فإن الرياء هو طلب الجاه، و هو إما أن يكون بالعبادات أو بغير العبادات فإن كان بغير العبادات فهو كطلب المال فلا يحرم من حيث أنه طلب منزله في قلوب العباد، و لكن كما يمكن كسب المال بتلبيسات و أسباب مخطورة فكذلك الجاه، و كما أن كسب قليل من المال و هو ما يحتاج إليه الإنسان محمود فكسب قليل من الجاه و هو ما يسلم به عن الآفات محمود، و هو الذي طلبه يوسف (عليه السلام) حيث قال: " إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ " و كما أن المال فيه سم ناقع و ترياق نافع فكذلك الجاه، و أما انصراف الهم إلى سعة الجاه فهو مبدء الشرور كانصراف الهم إلى كثرة المال، و لا يقدر محب الجاه و المال على ترك معاصي القلب و اللسان و غيرها و أما سعة الجاه من غير حرص منك على طلبه و من غير اهتمام بزواله إن زال فلا ضرر فيه، فلا جاه أوسع من جاه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و من بعده من علماء الدين، و لكن انصراف الهم إلى طلب الجاه نقصان في الدين و لا يوصف بالتحريم، و بالجملة المراءاة بما ليس من العبادات قد يكون مباحا و قد يكون طاعة و قد يكون مذموما، و ذلك بحسب الغرض المطلوب به. و أما العبادات كالصدقة و الصلاة و الغزو و الحج، فللمرائي فيه حالتان: إحداهما أن لا يكون له قصد إلا الرياء المحض دون الأجر، و هذا يبطل عبادته.......... لأن الأعمال بالنيات، و هذا ليس بقصد العبادة، ثم لا يقتصر على إحباط عبادته حتى يقول صار كما كان قبل العبادة، بل يعصي بذلك و يأثم لما دلت عليه الأخبار و الآيات و المعنى فيه أمران، أحدهما يتعلق بالعبادة، و هو التلبيس و المكر لأنه خيل إليهم أنه مخلص مطيع لله و أنه من أهل الدين، و ليس كذلك و التلبيس في أمر الدنيا أيضا حرام حتى لو قضى دين جماعة و خيل إلى الناس أنه متبرع عليهم ليعتقدوا سخاوته أثم بذلك لما فيه من التلبيس و تملك القلوب بالخداع و المكر، و الثاني يتعلق بالله و هو أنه مهما قصد بعبادة الله خلق الله فهو مستهزئ بالله، فهذا من كبائر المهلكات، و لهذا سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) الشرك الأصغر فلو لم يكن في الرياء إلا أنه يسجد و يركع لغير الله لكان فيه كفاية، فإنه إذا لم يقصد التقرب إلى الله فقد قصد غير الله، لعمري لو قصد غير الله بالسجود لكفر كفرا جليا إلا أن الرياء هو الكفر الخفي. و اعلم أن بعض أبواب الرياء أشد و أغلظ من بعض، و اختلافه باختلاف أركانه و تفاوت الدرجات فيه، و أركانه ثلاثة المرايا به و المرايا و نفس قصد الرياء، الركن الأول نفس قصد الرياء و ذلك لا يخلو إما أن يكون مجردا دون إرادة الله و الثواب، فإن كان كذلك فلا يخلو إما أن يكون إرادة الثواب أقوى و أغلب أو أضعف أو مساويا لإرادة العبادة، فيكون الدرجات أربعا. الأولى: و هو أغلظها أن لا يكون مراده الثواب أصلا كالذي يصلي بين أظهر الناس، و لو انفرد لكان لا يصلي فهذه الدرجة العليا من الرياء. الثانية: أن يكون له قصد الثواب أيضا و لكن قصدا ضعيفا بحيث لو كان في في الخلوة لكان لا يفعله، و لا يحمله ذلك القصد على العمل، و لو لم يكن الثواب لكان قصد الرياء يحمله على العمل فهذا قريب مما قبله........... الثالثة: أن يكون قصد الثواب و قصد الرياء متساويين بحيث لو كان كل واحد خاليا عن الآخر لم يبعثه على العمل، فلما اجتمعا انبعثت الرغبة فكان كل واحد لو انفرد لا يستقل بحمله على العمل، فهذا قد أفسد مثل ما أصلح فنرجو أن يسلم رأسا برأس لا له و لا عليه، أو يكون له من الثواب مثل ما كان عليه من العقاب، و ظواهر الأخبار تدل على أنه لا يسلم. الرابعة: أن يكون اطلاع الناس مرجحا و مقويا لنشاطه، و لو لم يكن لكان لا يترك العبادة و لو كان قصد الرياء وحده لما أقدم، و الذي نظنه و العلم عند الله أنه لا يحبط أصل الثواب، و لكنه ينقص منه، أو يعاقب على مقدار قصد الرياء و يثاب على مقدار قصد الثواب، و أما قوله تعالى: أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فهو محمول على ما إذا تساوى القصدان أو كان الرياء أرجح. الركن الثاني: المرايا به و هو الطاعات، و ذلك ينقسم إلى الرياء بأصول العبادات و إلى الرياء بأوصافها، القسم الأول و هو الأغلظ الرياء بالأصول و هو على ثلاث درجات. الأولى: الرياء بأصل الإيمان و هو أغلظ أبواب الرياء، و صاحبه مخلد في النار و هو الذي يظهر كلمتي الشهادة و باطنه مشحون بالتكذيب، و لكنه يرائي بظاهر الإسلام، و هم المنافقون الذين ذمهم الله سبحانه في مواضع كثيرة، و قد قال: " يُرٰاؤُنَ النّٰاسَ وَ لٰا يَذْكُرُونَ اللّٰهَ إِلّٰا قَلِيلًا ". و كان النفاق في ابتداء الإسلام ممن يدخل في ظاهر الإسلام ابتداء لغرض و ذلك مما يقل في زماننا، و لكن يكثر نفاق من ينسل من الدين باطنا فيجحد الجنة و النار و الدار الآخرة ميلا إلى قول الملحدة، أو يعتقد طي بساط الشرع.......... و الأحكام ميلا إلى أهل الإباحة، و يعتقد كفرا أو بدعة و هو يظهر خلافه فهؤلاء من المرائين المنافقين المخلدين في النار، و حال هؤلاء أشد من حال الكفار المجاهرين لأنهم جمعوا بين كفر الباطن و نفاق الظاهر. الثانية: الرياء بأصول العبادات مع التصديق بأصل الدين، و هذا أيضا عظيم عند الله، و لكنه دون الأول بكثير، و مثاله أن يكون مال الرجل في يد غيره فيأمره بإخراج الزكاة خوفا من ذمه و الله يعلم منه أنه لو كان في يده لما أخرجها، أو يدخل وقت الصلاة و هو في جمع فيصلي معهم، و عادته ترك الصلاة في الخلوة، و كذا سائر العبادات، فهو مراء معه أصل الإيمان بالله، يعتقد أنه لا معبود سواه، و لو كلف أن يعبد غير الله أو يسجد لغير الله لم يفعل، و لكنه يترك العبادات للكسل و ينشط عند اطلاع الناس، فتكون منزلته عند الخلق أحب إليه من منزلته عند الخالق، و خوفه من مذمة الناس أعظم من خوفه من عقاب الله، و رغبته في محمدتهم أشد من رغبته في ثواب الله، و هذا غاية الجهل، و ما أجدر صاحبه بالمقت و إن كان غير منسل عن أصل الإيمان من حيث الاعتقاد. الثالثة: أن لا يرائي بالإيمان و لا بالفرائض و لكن يرائي بالنوافل و السنن التي لو تركها لا يعصي، و لكن يكسل عنها في الخلوة لفتور رغبته في ثوابها، و لا يثأر لذة الكسل على ما يرجى من الثواب، ثم يبعثه الرياء على فعله، و ذلك كحضور الجماعة في الصلاة و عيادة المريض و اتباع الجنائز و كالتهجد بالليل و صيام السنة و التطوع و نحو ذلك، فقد يفعل المرائي جملة ذلك خوفا من المذمة أو طلبا للمحمدة و يعلم الله تعالى منه لو خلي بنفسه لما زاد على أداء الفرائض فهذا أيضا عظيم، و لكن دون ما قبله، و كأنه على الشطر من الأول و عقابه نصف عقابه. القسم الثاني: الرياء بأوصاف العبادات لا بأصولها، و هي أيضا على ثلاث درجات.......... الأولى: أن يرائي بفعل ما في تركه نقصان العبادة كالذي غرضه أن يخفف الركوع و السجود و لا يطول القراءة فإذا رآه الناس أحسن الركوع و ترك الالتفات و تمم القعود بين السجدتين و قد قال ابن مسعود من فعل ذلك فهو استهانة يستهين بها ربه، فهذا أيضا من الرياء المخطور لكنه دون الرياء بأصول التطوعات، فإن قال المرائي: إنما فعلت ذلك صيانة لألسنتهم عن الغيبة فإنهم إذا رأوا تخفيف الركوع و السجود و كثرة الالتفات أطلقوا اللسان بالذم و الغيبة فإنما قصدت صيانتهم عن هذه المعصية فيقال له: هذه مكيدة للشيطان و تلبيس، و ليس الأمر كذلك، فإن ضررك من نقصان صلاتك و هي خدمة منك لمولاك أعظم من ضررك من غيبة غيرك، فلو كان باعثك الدين لكان شفقتك على نفسك أكثر، نعم للمرائي فيه حالتان: إحداهما: أن يطلب بذلك المنزلة و المحمدة عند الناس، و ذلك حرام قطعا، و الثانية أن يقول: ليس يحضرني الإخلاص في تحسين الركوع و السجود، و لو خففت كان صلاتي عند الله ناقصة، و آذاني الناس بذمهم و غيبتهم و استفيد بتحسين الهيئة دفع مذمتهم و لا أرجو عليه ثوابا فهو خير من أن أترك تحسين الصلاة فيفوت الثواب و تحصل المذمة فهذا فيه أدنى نظر، فالصحيح أن الواجب عليه أن يحسن و يخلص، فإن لم تحضره النية فينبغي أن يستمر على عبادته في الخلوة و ليس له أن يدفع الذم بالمراءاة بطاعة الله، فإن ذلك استهزاء. الثانية أن يرائي بفعل ما لا نقصان في تركه، و لكن فعله في حكم التكملة و التتمة لعبادته، كالتطويل في الركوع و السجود و مد القيام و تحسين الهيئة في رفع اليدين، و الزيادة في القراءة على السورة المعتادة و أمثال ذلك، و كل ذلك مما لو خلي و نفسه لكان لا يقدم عليه. الثالثة: أن يرائي بزيادات خارجة عن نفس النوافل، كحضوره الجماعة قبل.......... القوم، و قصده الصف الأول و توجهه إلى يمين الإمام و ما يجري مجراه، و كل ذلك مما يعلم الله منه أنه لو خلي بنفسه لكان لا يبالي من أين وقف و متى يحرم بالصلاة فهذه درجات الرياء بالإضافة إلى ما يرائي به، و بعضه أشد من بعض و الكل مذموم. الركن الثالث: المرايا لأجله، فإن للمرائي مقصودا لا محالة فإنما يرائي لإدراك مال أو جاه أو غرض من الأغراض لا محالة، و له أيضا ثلاث درجات: الأولى: و هي أشدها و أعظمها أن يكون مقصده التمكن من معصية كالذي يرائي بعباداته ليعرف بالأمانة فيولي القضاء أو الأوقاف أو أموال الأيتام، فيحكم بغير الحق، و يتصرف في الأموال بالباطل و أمثال ذلك كثيرة. الثانية: أن يكون غرضه نيل حظ مباح من مال أو نكاح امرأة جميلة أو شريفة فهذا رياء مخطور، لأنه طلب بطاعة الله متاع الدنيا، و لكنه دون الأول. الثالثة: أن لا يقصد نيل حظ و إدراك مال أو شبهه و لكن يظهر عبادته خيفة من أن ينظر إليه بعين النقص و لا يعد من الخاصة و الزهاد كان يسبق إلى الضحك أو يبدر منه المزاح فيخاف أن ينظر إليه بعين الاحتقار فيتبع ذلك بالاستغفار و تنفس الصعداء و إظهار الحزن و يقول: ما أعظم غفلة الإنسان عن نفسه، و الله يعلم منه أنه لو كان في الخلوة لما كان يثقل عليه ذلك، فهذه درجات الرياء. و مراتب أصناف المرائين، و جميعهم تحت مقت الله و غضبه، و هي من أشد المهلكات. و أما ما يحبط العمل من الرياء الخفي و الجلي و ما لا يحبط فنقول: إذا عقد العبد العبادة على الإخلاص ثم ورد وارد الرياء فلا يخلو إما أن ورد عليه بعد فراغه من العمل أو قبل الفراغ، فإن ورد بعد الفراغ سرور من غير إظهار فلا يحبط العمل إذ العمل قد تم على نعت الإخلاص سالما من الرياء فما يطرء بعده فنرجو.......... أن لا ينعطف عليه أثره لا سيما إذا لم يتكلف هو إظهاره و التحدث به و لم يتمن ذكره و إظهاره، و لكن اتفق ظهوره بإظهار الله إياه و لم يكن منه إلا ما دخل من السرور و الارتياح على قلبه، و يدل على هذا ما سيأتي في آخر الباب و قد روي أن رجلا قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا رسول الله أسر العمل لا أحب أن يطلع عليه أحد فيطلع عليه فيسرني؟ قال: لك أجران أجر السر و أجر العلانية، و قال الغزالي: نعم لو تم العمل على الإخلاص من غير عقد رياء، و لكن ظهرت له بعده رغبة في الإظهار فتحدث به و أظهره فهذا مخوف، و في الأخبار و الآثار ما يدل على أنه محبط، و يمكن حملها على أن هذا دليل علي أن قلبه عند العبادة لم يخل عن عقد الرياء و قصده لما أن ظهر منه التحدث به، إذ يبعد أن يكون ما يطرء بعد العمل مبطلا للثواب، بل الأقيس أن يقال أنه مثاب على عمله الذي مضى و معاقب على مراءاته بطاعة الله بعد الفراغ منها، بخلاف ما لو تغير عقده إلى الرياء قبل الفراغ فإنه مبطل. ثم قال المحقق المذكور: و أما إذا ورد وارد الرياء قبل الفراغ من الصلاة مثلا، و كان قد عقد على الإخلاص، و لكن ورد في أثنائها وارد الرياء فلا يخلو إما أن يكون مجرد سرور لا يؤثر في العمل فهو لا يبطله، و أما أن يكون رياء باعثا على العمل، و ختم به العمل، فإذا كان كذلك حبط أجره، و مثاله أن يكون في تطوع فتجددت له نظارة أو حضر ملك من الملوك و هو يشتهي أن ينظر إليه أو يذكر شيئا نسيه من ماله، و هو يريد أن يطلبه، و لو لا الناس لقطع الصلاة فاستتمها خوفا من مذمة الناس فقد حبط أجره و عليه الإعادة إن كان في فريضة و قد قال (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): العمل كالوعاء إذا طاب آخره طاب أوله، أي النظر إلى خاتمته، و روي من راءى بعمله ساعة حبط عمله الذي كان قبله، و هو منزل على الصلاة في هذه الصورة، لا على.......... الصدقة و لا على القراءة فإن كل جزء منها منفرد، فما يطرء يفسد الباقي دون الماضي و الصوم و الحج من قبيل الصلاة. فأما إذا كان وارد الرياء بحيث لا يمنعه من قصد الاستتمام لأجل الثواب كما لو حضر جماعة في أثناء صلاة ففرح بحضورهم، و اعتقد الرياء و قصد تحسين الصلاة لأجل نظرهم، و كان لو لا حضورهم لكان يتمها أيضا فهذا رياء قد أثر في العمل، و انتهض باعثا على الحركات فإن غلب حتى انمحق معه الإحساس بقصد العبادة و الثواب، و صار قصد العبادة مغمورا فهذا أيضا ينبغي أن يفسد العبادة مهما مضى ركن من أركانها على هذا الوجه، لأنا نكتفي بالنية السابقة عند الإحرام بشرط أن لا يطرء ما يغلبها و يغمرها، و يحتمل أن يقال لا تفسد العبادة نظرا إلى حالة العقد و إلى بقاء أصل قصد الثواب و إن ضعف بهجوم قصد هو أغلب منه، و الأقيس أن هذا القدر إذا لم يظهر أثره في العمل بل بقي العمل صادرا عن باعث الدين، و إنما انضاف إليه سرور بالاطلاع فلا يفسد العمل، لأنه لم ينعدم به أصل نيته، و بقيت تلك النية باعثة على العمل، و حاملة على الإتمام، و روي في الكافي عن أبي جعفر (عليه السلام) ما يدل عليه. و أما الأخبار التي وردت في الرياء فهي محمولة على ما إذا لم يرد به إلا الخلق، و أما ما ورد في الشركة فهو محمول على ما إذا كان قصد الرياء مساويا لقصد الثواب أو أغلب منه، أما إذا كان ضعيفا بالإضافة إليه فلا يحبط بالكلية ثواب الصدقة و سائر الأعمال، و لا ينبغي أن تفسد الصلاة، و لا يبعد أيضا أن يقال: إن الذي أوجب عليه صلاة خالصة لوجه الله، و الخالصة ما لا يشوبه شيء، فلا يكون مؤديا للواجب مع هذا الشوب و العلم عند الله فيه، فهذا حكم الرياء الطاري بعد عقد العبادة، إما قبل الفراغ أو بعده. القسم الثالث: الذي يقارن حال العقد بأن يبتدئ الصلاة على قصد الرياء، فإن.......... تم عليه حتى يسلم فلا خلاف في أنه يعصي و لا يعتد بصلاته، و إن ندم عليه في أثناء ذلك و استغفر و رجع قبل التمام ففيما يلزمه ثلاثة أوجه، قالت فرقة لم تنعقد صلاته مع قصد الرياء فليستأنف، و قالت فرقة تلزمه إعادة الأفعال كالركوع و السجود و يفسد أعماله دون تحريمة الصلاة لأن التحريم عقد و الرياء خاطر في قلبه لا يخرج التحريم عن كونه عقدا، و قالت فرقة: لا تلزمه إعادة شيء بل يستغفر الله بقلبه و يتم العبادة على الإخلاص، و النظر إلى خاتمة العبادة، كما لو ابتدأها بالإخلاص و ختم بالرياء لكان يفسد عمله، و شبهوا ذلك بثوب أبيض لطخ بنجاسة عارضة، فإذا أزيل العارض عاد إلى الأصل، فقالوا: إن الصلاة و الركوع و السجود لا يكون إلا لله، و لو سجد لغير الله لكان كافرا، و لكن قد اقترن به عارض الرياء. ثم إن زال بالندم و التوبة و صار إلى حالة لا يبالي بحمد الناس و ذمهم فتصح صلاته، و مذهب الفريقين الآخرين خارج عن قياس الفقه جدا، خصوصا من قال يلزمه إعادة الركوع و السجود دون الافتتاح، لأن الركوع و السجود إن لم يصح صارت أفعالا زائدة في الصلاة فتبطل الصلاة، و كذلك قول من يقول لو ختم بالإخلاص صح نظرا إلى الآخر فهو أيضا ضعيف، لأن الرياء يقدح في النية و أولى الأوقات بمراعاة أحكام النية حالة الافتتاح، فالذي يستقيم على قياس الفقه هو أن يقال: إن كان باعثه مجرد الرياء في ابتداء العقد دون طلب الثواب و امتثال الأمر لم ينعقد افتتاحه، و لم يصح ما بعده، و ذلك من إذا خلا بنفسه لم يصل و لما رآه الناس يحرم بالصلاة، و كان بحيث لو كان ثوبه أيضا نجسا كان يصلي لأجل الناس، فهذه صلاة لا نية فيها إذ النية عبارة عن إجابة باعث الدين، و هيهنا لا باعث و لا إجابة. فأما إذا كان بحيث لو لا الناس أيضا لكان يصلي إلا أنه ظهرت له الرغبة في المحمدة أيضا فاجتمع الباعثان فهذا إما أن يكون في صدقة أو قراءة و ما ليس فيه تحليل و تحريم، أو في عقد صلاة و حج فإن كان في صدقة فقد عصى بإجابة باعث.......... الرياء و أطاع بإجابة باعث الثواب، فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره و من يعمل مثقال ذرة شرا يره، و له ثواب بقدر قصده الصحيح، و عقاب بقدر قصده الفاسد، و لا يحبط أحدهما الآخر، و إن كان في صلاة يقبل الفساد بتطرق خلل إلى النية فلا يخلو إما أن يكون نفلا أو فرضا، فإن كانت نفلا فحكمها أيضا حكم الصدقة فقد عصى من وجه و أطاع من وجه، إذا اجتمع في قلبه الباعثان، و أما إذا كان في فرض و اجتمع الباعثان و كان كل واحد منهما لا يستقل، و إنما يحصل الانبعاث بمجموعهما فهذا لا يسقط الواجب عنه، لأن الإيجاب لم ينتهض باعثا في حقه بمجرده و استقلاله و إن كان كل باعث مستقلا حتى لو لم يكن باعث الرياء لأدى الفرض، و لو لم يكن باعث الفرض لأنشأ صلاة تطوعا لأجل الرياء فهذا في محل النظر و هو محتمل جدا فيحتمل أن يقال: أن الواجب صلاة خالصة لوجه الله، و لم يؤد الواجب الخالص، و يحتمل أن يقال: أن الواجب امتثال الأمر بواجب مستقل بنفسه و قد وجد، فاقتران غيره به لا يمنع سقوط الفرض عنه، كما لو صلى في دار مغصوبة فإنه و إن كان عاصيا بإيقاع الصلاة في الدار المغصوبة فإنه مطيع بأصل الصلاة و مسقط للفرض عن نفسه، و تعارض الاحتمال في تعارض البواعث في أصل الصلاة. أما إذا كان الرياء في المبادرة مثلا دون أصل الصلاة، مثل من بادر في الصلاة في أول الوقت لحضور الجماعة، و لو خلا لأخرها إلى وسط الوقت، و لو لا الفرض لكان لا يبتدأ صلاة لأجل الرياء، فهذا مما يقطع بصحة صلاته، و سقوط الفرض به لأن باعث أصل الصلاة من حيث إنها صلاة لم يعارضها غيره، بل من حيث تعيين الوقت، فهذا أبعد من القدح في النية. هذا في رياء يكون باعثا على العمل و حاملا عليه، فأما مجرد السرور باطلاع الناس إذا لم يبلغ أثره حيث يؤثر في العمل فبعيد أن يفسد الصلاة فهذا ما نراه.......... لائقا بقانون الفقه و المسألة غامضة من حيث أن الفقهاء لم يتعرضوا لها في فن الفقه، و الذين خاضوا فيه و تصرفوا لم يلاحظوا قوانين الفقه، و مقتضى فتاوى العلماء في صحة الصلاة و فسادها، بل حملهم الحرص على تصفية القلوب و طلب الإخلاص على إفساد العبادات بأدنى الخواطر، و ما ذكرناه هو الأقصد فيما نراه و العلم عند الله تعالى، انتهى كلامه. و قال الشهيد (قدس الله روحه) في قواعده: النية يعتبر فيها القربة، و دل عليه الكتاب و السنة، قال تعالى: " وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ " و الإخلاص فعل الطاعة خالصة لله وحده، و هنا غايات ثمان: فالأول الرياء، و لا ريب في أنه مخل بالإخلاص فيتحقق الرياء بقصد مدح الرائي أو الانتفاع به، أو دفع ضرره، فإن قلت: فما تقول في العبادة المشوبة بالتقية؟ قلت: أصل العبادة واقع على وجه الإخلاص و ما فعل منها تقية فإن له اعتبارين بالنظر إلى أصله، و هو قربة، و بالنظر إلى ما طرأ من استدفاع الضرر، و هو لازم لذلك فلا يقدح في اعتباره، أما لو فرض إحداثه صلاة مثلا تقية فإنها من باب الرياء. الثاني قصد الثواب أو الخلاص من العقاب أو قصدهما معا. الثالث فعلها شكرا لنعم الله تعالى و استجلابا لمزيده. الرابع فعلها حياء من الله تعالى. الخامس فعلها حبا لله تعالى. السادس فعلها تعظيما لله تعالى و مهابة و انقيادا و إجابة. السابع فعلها موافقة لإرادته و طاعة لأمره. الثامن فعلها لكونه أهلا للعبادة، و هذه الغاية مجمع على كون العبادة تقع.......... بها معتبرة و هي أكمل مراتب الإخلاص و إليه أشار الإمام الحق أمير المؤمنين (عليه السلام): ما عبدتك طمعا في جنتك و لا خوفا من نارك، و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك. و أما غاية الثواب و العقاب فقد قطع الأصحاب بكون العبادة لا يفسد بقصدها و كذا ينبغي أن يكون غاية الحياء و الشكر، و باقي الغايات الظاهر أن قصدها مجز لأن الغرض بها الله في الجملة، و لا يقدح كون تلك الغايات باعثة على العبادة أعني الطمع و الرجاء و الشكر و الحياء، لأن الكتاب و السنة مشتملة على المرهبات من الحدود و التعزيرات و الذم و الإيعاد بالعقوبات، و على المرغبات من المدح و الثناء في العاجل و نعيمها في الآجل، و أما الحياء فغرض مقصود و قد جاء في الخبر عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): استحيوا من الله حق الحياء، أعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فإنه إذا تخيل الرؤية انبعث على الحياء و التعظيم و المهابة، و عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد قال له ذعلب اليماني- بالذال المعجمة المكسورة و العين المهملة الساكنة، و اللام المكسورة- هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين؟ فقال (عليه السلام) أ فأعبد ما لا أرى؟ فقال: و كيف تراه؟ فقال: لا يدركه العيون بمشاهدة العيان، و لكن يدركه القلوب بحقائق الإيمان، قريب من الأشياء غير ملامس، بعيد منها غير مباين، متكلم بلا رؤية، مريد بلا هم، صانع لا بجارحة، لطيف لا يوصف بالخفاء، بصير لا يوصف بالحاسة، رحيم لا يوصف بالرقة، تعنو الوجوه لعظمته، و تجل القلوب من مخافته. و قد اشتمل هذا الكلام الشريف على أصول صفات الجلال و الإكرام التي عليها مدار علم الكلام، و أفاد أن العبادة تابعة للرؤية، و يفسر معنى الرؤية و أفاد الإشارة إلى أن قصد التعظيم بالعبادة حسن، و إن لم يكن تمام الغاية،.......... و كذلك الخوف منه تعالى. ثم لما كان الركن الأعظم في النية هو الإخلاص، و كان انضمام تلك الأربعة غير قادح فيه فخليق أن يذكر ضمائم آخر و هي أقسام: الأول ما يكون منافية له كضم الرياء و يوصف بسببه العبادة بالبطلان بمعنى عدم استحقاق الثواب، و هل يقع مجزيا بمعنى سقوط التعبد به و الخلاص من العقاب؟ الأصح أنه لا يقع مجزيا و لم أعلم فيه خلافا إلا من السيد الإمام المرتضى قدس الله لطيفه، فإن ظاهره الحكم بالإجزاء في العبادة المنوي بها الرياء. الثاني: ما يكون من الضمائم لازما للفعل كضم التبرد و التسخن أو التنظيف إلى نية القربة، و فيه وجهان ينظران إلى عدم تحقق معنى الإخلاص، فلا يكون الفعل مجزيا و إلى أنه حاصل لا محالة فنيته كتحصيل الحاصل الذي لا فائدة فيه و هذا الوجه ظاهر أكثر الأصحاب، و الأول أشبه، و لا يلزم من حصوله نية حصوله. و يحتمل أن يقال: إن كان الباعث الأصلي هو القربة ثم طرأ التبرد عند الابتداء في الفعل لم يضر، و إن كان الباعث الأصلي هو التبرد فلما أراد ضم القربة لم يجز، و كذا إذا كان الباعث مجموع الأمرين لأنه لا أولوية فتدافعا فتساقطا فكأنه غير ناو، و من هذا الباب ضم نية الحمية إلى القربة في الصوم، و ضم ملازمة الغريم إلى القربة في الطواف و السعي و الوقوف بالمشعرين. الثالث: ضم ما ليس بمناف و لا لازم كما لو ضم إرادة دخول السوق مع نية التقرب في الطهارة أو إرادة الأكل، و لم يرد بذلك الكون على طهارة في هذه الأشياء، فإنه لو أراد الكون على طهارة كان مؤكدا غير مناف، و هذه الأشياء و إن لم يستحب لها الطهارة بخصوصياتها إلا أنهما داخلة فيما يستحب لعمومه، و في هذه الضميمة وجهان مرتبان على القسم الثاني و أولى بالبطلان، لأن ذلك
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٠ - الصفحة ٨٧. — الإمام الصادق عليه السلام
لِي مَا هُمْ قُلْتُ مُرْجِئَةٌ وَ قَدَرِيَّةٌ وَ حَرُورِيَّةٌ فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ تِلْكَ الْمِلَلَ الْكَافِرَةَ الْمُشْرِكَةَ الَّتِي كلمة ما استفهامية، و الموضع بمعنى المرتبة، و اللام في" العمل" للعهد أي العمل الذي أقر به، و الاستفهام في" حتى يدعه" مقدر، و قيل: لعل المراد من السؤال استعلام مطلق العمل الذي تركه يوجب الكفر، و يكون قوله حتى يدعه أجمع استفهاما آخر، يعني أ هو ترك الأعمال أجمع؟ فأجاب (عليه السلام) بأنه قد يكون ترك بعض الأعمال كالصلاة. الحديث الثالث عشر: حسن. " مرجئة" أقول: قد مر الكلام في بيان مذاهب هؤلاء مرارا، و أن المرجئة بالهمز اسم فاعل من أرجأته إذا أخرته، و هم فرقة من المخالفين يزعمون أن الإيمان محض العلم بما جاء به الرسول، و أنه لا يضر مع الأيمان معصية كما أنه لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا بذلك لأنهم اعتقدوا أن الله تعالى أخر تعذيبهم على المعاصي و أخره عنهم، قال في المصباح: أرجأته بالهمز أخرته، و المرجئة اسم فاعل من هذا لأنهم لا يحكمون على أحد بشيء في الدنيا، بل يؤخرون الحكم إلى يوم القيامة، و تخفف فتقلب الهمزة ياءا مع الضمير المتصل، فيقال: أرجيته. و أقول: قد مضى الكلام في بيان مذاهبهم في باب أن الإيمان مبثوث بجوارح البدن، و قال الشيخ البهائي (قدس سره): لعل المراد بالقدرية الجبرية، و أقول: يحتمل أن يكون المراد بهم التفويضية القائلين باستقلال العبد في أفعاله، و أن لا مدخل لله فيها أصلا، النافين لقضاء الله و قدره رأسا، و قد عرفت إطلاقه عليهما، و أنهما خارجان عن الحق و أن الحق الأمر بين الأمرين، و في النهاية: الحرورية من الخوارج نسبوا إلى لَا تَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى شَيْءٍ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١١ - الصفحة ١٢٠. — الإمام الصادق عليه السلام
عَزَّ وَ جَلَّ- الَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمٰانَهُمْ بِظُلْمٍ قَالَ بِشَكٍّ يكفر إذا جحد" يحتمل وجوها: الأول: أن غرضه (عليه السلام) الرد على زرارة فيما كان بينه و بينه (عليه السلام) من الواسطة بين الإيمان و الكفر، لئلا يتوهم زرارة من حكمه (عليه السلام) بكفر الشاك في الله و الرسول كفر الشاك في الإمام أيضا، بل ما لم يجحد الإمام لا يكفر، و يؤيده الخبر الأول من الباب الآتي. الثاني: أن يكون المراد أن الشك في أصول الدين مطلقا إنما يصير سببا للكفر بعد البيان و إقامة الدليل، و من لم تتم عليه الحجة ليس كذلك فالمستضعف الذي لا يمكنه التمييز بين الحق و الباطل و لم تتم عليه الحجة ليس بكافر كما زعمه زرارة، و قيل: إنما ذلك في الشك في الرسول و أما الشاك في الله فهو كافر، لأن الدلائل الدالة على وجوده أوضح من أن يشك فيها و لا ينكره إلا معاند مباهت. الثالث: ما قيل: المراد بالشاك المقر تارة و الجاحد أخرى، و أنه كلما أقر فهو مؤمن، و كلما جحد فهو كافر. الرابع: أن المعنى أن الشك إنما يصير سببا للكفر إذا كان مقرونا لجحود الظاهري و إلا فهو منافق يجري عليه أحكام الإسلام ظاهرا. الحديث الرابع: صحيح. " الَّذِينَ آمَنُوا " في المجمع معناه الذين عرفوا الله تعالى و صدقوا به و بما أوجبه.......... عليهم و لم يخلطوا ذلك بظلم، و الظلم هو الشرك عن أكثر المفسرين لقوله تعالى: " إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " و روي عن ابن مسعود لما نزلت هذه الآية شق على الناس و قالوا: يا رسول الله و أينا لم يظلم نفسه؟ فقال (عليه السلام): إنه ليس الذي تعنون أ لم تسمعوا إلى ما قال العبد الصالح: " يٰا بُنَيَّ لٰا تُشْرِكْ بِاللّٰهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ " و قال الجبائي: و البلخي يدخل في الظلم كل كبيرة تحبط ثواب الطاعة، و تتمة الآية: " أُولٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ ". و أقول: روى العياشي عن الصادق (عليه السلام) في هذه الآية قال: الظلم الضلال فما فوقه، و في رواية قال: أولئك الخوارج و أصحابهم و في رواية أخرى قال: آمنوا بما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) من الولاية و لم يخلطوها بولاية فلان و فلان، و أقول: لا تنافي بين هذه الأخبار و الأقوال، لأن الظلم وضع الشيء في غير محله، فالعاصي ظالم لأنه وضع المعصية موضع الطاعة و أيضا ظلم نفسه بارتكابها، و المشرك ظالم لأنه وضع الكفر موضع الإيمان، و الشاك ظالم لأنه وضع الشك موضع اليقين، و أيضا في جميع ذلك ظلم نفسه و نقص حظه. قيل: كان السائل سأل عن العام هل هو باق بعمومه أو مختص ببعض أفراده؟ فأجاب (عليه السلام) بأن المراد به ظلم الشك و الكفر، و قيل: فيه دلالة على أنهم كانوا يقولون بالعموم و على جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، و اعترض بأنه لا دلالة فيه على شيء منهما أما الأول فلان السائل حمل الظلم على ظلم المخالفة، و شق عليه ذلك لما ترتب عليه من عدم الأمن و عدم الاهتداء فسأل عن ذلك فأجاب (عليه السلام) بحمله على ظلم الشك، و أما الثاني فلان الآية ليس فيها تكليف بعمل و إنما فيها تكليف باعتقاد صدق الخبر بأن للمؤمنين الأمن و الاهتداء فأين الحاجة التي تأخر البيان إليها. و أجيب عن الأول بأن ظلم المخالفة يتنوع إلى كبائر و صغائر لا تنحصر، و إنما
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١١ - الصفحة ١٨٣. — الإمام الصادق عليه السلام
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ حَفْصِ بْنِ الْبَخْتَرِيِّ و الظاهر أن المراد بفلان أبو الخطاب و كنى عنه بفلان لمصلحة، فإن أصحابه كانوا جماعة كثيرة كان يحتمل ترتب مفسدة على التصريح باسمه. و يحتمل أن يكون كناية عن ابن عباس فإنه قد انحرف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) و ذهب بأموال البصرة إلى الحجاز، و وقع بينه (عليه السلام) و بينه مكاتبات تدل على شقاوته و ارتداده كما ذكرته في الكتاب الكبير، و التقية فيه أظهر، لكن سيأتي التصريح بأبي الخطاب في خبر شلقان، و على التقديرين" منهم" خبر كان، و ضمير الجمع للخلق بين ذلك، و معارا خبر بعد خبر، و قيل: فلان كناية عن عثمان، و الضمير للخلفاء الثلاثة، و الظرف حال عن فلان، و معارا خبر كان، و لا يخفى بعده لفظا و معنى، فإن الثلاثة كانوا كفرة لم يؤمنوا قط. الحديث الثاني: صحيح. " ثم يسلبونه" يدل على أن السلب متعد إلى مفعولين بخلاف ما يظهر من كتب اللغة، و يومئ إليه أيضا تمثيلهم لبدل الاشتمال بقولهم سلب زيد ثوبه، إذ لو كان متعديا إلى مفعولين لما احتاج إلى البدلية لكن لا عبرة بقولهم بعد وروده في كلام أفصح الفصحاء. الحديث الثالث: حسن كالصحيح. و في المصباح البهمة ولد الضأن، يطلق على الذكر و الأنثى و الجمع بهم، مثل وَ غَيْرِهِ عَنْ عِيسَى شَلَقَانَ قَالَ كُنْتُ قَاعِداً فَمَرَّ أَبُو الْحَسَنِ مُوسَى عليه السلام وَ مَعَهُ بَهْمَةٌ قَالَ قُلْتُ يَا غُلَامُ مَا تَرَى مَا يَصْنَعُ أَبُوكَ يَأْمُرُنَا بِالشَّيْءِ ثُمَّ يَنْهَانَا عَنْهُ أَمَرَنَا أَنْ نَتَوَلَّى أَبَا الْخَطَّابِ ثُمَّ أَمَرَنَا أَنْ نَلْعَنَهُ وَ نَتَبَرَّأَ مِنْهُ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام وَ هُوَ غُلَامٌ تمرة و تمر، و جمع البهم بهام مثل سهم و سهام، و تطلق البهام على أولاد الضأن و المعز إذا اجتمعت تغليبا، فإذا انفردت قيل: لأولاد الضأن بهام و لأولاد المعز سخال، و قال ابن فارس: البهم صغار الغنم، و قال أبو زيد: يقال لأولاد الغنم ساعة تضعها الضأن أو المعز، ذكرا كان الولد أو أنثى سخلة، ثم هي بهمة و الجمع بهم، و قال: الغلام الابن الصغير. و أبو الخطاب هو محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي و كان في أول الحال ظاهرا من أجلاء أصحاب الصادق (عليه السلام) ثم ارتد و ابتدع مذاهب باطلة، و لعنه الصادق (عليه السلام) و تبرأ منه. و روى الكشي روايات كثيرة تدل على كفره و لعنه، فمنها ما رواه عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: اللهم العن أبا الخطاب فإنه خوفني قائما و قاعدا و على فراشي، اللهم أذقه حر الحديد. و روى بإسناده عن حنان بن سدير قال: كنت جالسا عند أبي عبد الله (عليه السلام) و ميسر عنده فقال له ميسر: جعلت فداك عجبت لقوم كانوا يأتون معنا إلى هذا الموضع فانقطعت آثارهم و فنيت آجالهم، قال: و من هم؟ قال: أبو الخطاب و أصحابه و كان متكئا فجلس فرفع إصبعيه إلى السماء ثم قال: على أبي الخطاب لعنة الله و الملائكة و الناس أجمعين، فأشهد بالله أنه كافر فاسق مشرك، و أنه يحشر مع فرعون في أشد العذاب غدوا و عشيا ثم قال: أما و الله إني لأنفس على أجساد أصبت معه. و عنه (عليه السلام) قال: تراءى و الله إبليس لأبي الخطاب على سور المدينة و المسجد و كأني أنظر إليه و هو يقول: أيها تظفر الآن، أيها تظفر الآن، انتهى. إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقاً لِلْإِيمَانِ لَا زَوَالَ لَهُ وَ خَلَقَ خَلْقاً لِلْكُفْرِ لَا زَوَالَ لَهُ وَ خَلَقَ خَلْقاً بَيْنَ ذَلِكَ أَعَارَهُ الْإِيمَانَ يُسَمَّوْنَ الْمُعَارِينَ إِذَا شَاءَ سَلَبَهُمْ وَ كَانَ أَبُو الْخَطَّابِ مِمَّنْ أُعِيرَ الْإِيمَانَ قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَأَخْبَرْتُهُ مَا قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ عليه السلام وَ مَا قَالَ لِي فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّهُ نَبْعَةُ نُبُوَّةٍ و روي أنه كان يدعي ألوهية الصادق (عليه السلام) و يدعي أنه نبي من قبله على أهل الكوفة، و به يتأول قوله تعالى: " وَ هُوَ الَّذِي فِي السَّمٰاءِ إِلٰهٌ وَ فِي الْأَرْضِ إِلٰهٌ " و اختلف الأصحاب فيما رواه في حال استقامته و الأكثر على جواز العمل بها، و كأنه متفرع على المسألة السابقة فمن ادعى جواز تحقق الإيمان و زواله يجوز العمل بروايته، لأنه حينئذ كان مؤمنا و من زعم أنه كاشف عن عدم كونه مؤمنا لا يجوز العمل بها. " أنه نبعة نبوة" أي عمله من ينبوع النبوة أو هو غصن من شجرة النبوة و الرسالة، في القاموس: نبع الماء ينبع مثلثة نبعا و نبوعا خرج من العين، و النبع شجر للقسي و السهام ينبت في قلة الجبل. و أقول: روى الكشي بسند صحيح عن شلقان قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) و هو يومئذ غلام قبل أوان بلوغه: جعلت فداك ما هذا الذي نسمع من أبيك أنه أمرنا بولاية أبي الخطاب ثم أمرنا بالبراءة منه؟ قال: فقال أبو الحسن (عليه السلام) من تلقاء نفسه: إن الله خلق الأنبياء على النبوة فلا يكونون إلا أنبياء، و خلق المؤمنين على الإيمان فلا يكونون إلا مؤمنين، و استودع قوما إيمانا فإن شاء أتمه و إن شاء سلبهم إياه و إن أبا الخطاب كان ممن أعاره الله الإيمان، فلما كذب على أبي، سلبه الله الإيمان، قال: فعرضت هذا الكلام على أبي عبد الله (عليه السلام) قال: فقال: لو سألتنا عن ذلك ما كان يكون عندنا غير ما قال.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١١ - الصفحة ٢٤٤. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
قَدْ قُلْتُ ذَلِكَ قَالَ قُلْتُ وَ إِنْ زَنَوْا أَوْ سَرَقُوا أَوْ شَرِبُوا الْخَمْرَ فَقَالَ لِي إِنّٰا لِلّٰهِ وَ إِنّٰا إِلَيْهِ رٰاجِعُونَ وَ اللَّهِ مَا أَنْصَفُونَا أَنْ نَكُونَ أُخِذْنَا إِلّٰا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّٰهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ لٰا يَأْتُونَ الصَّلٰاةَ إِلّٰا وَ هُمْ كُسٰالىٰ وَ لٰا يُنْفِقُونَ إِلّٰا وَ هُمْ كٰارِهُونَ، فَلٰا تُعْجِبْكَ أَمْوٰالُهُمْ وَ لٰا أَوْلٰادُهُمْ إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهٰا فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ تَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَ هُمْ كٰافِرُونَ " و قال بعد آيات كثيرة: " وَ أَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزٰادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَ مٰاتُوا وَ هُمْ كٰافِرُونَ " فلعلها كانت في قراءتهم هكذا و نقل (عليه السلام) بالمعنى لكون الآيات في وصف جماعة واحدة، و لعل فيما ذكره (عليه السلام) إشعارا بأنهم لو ماتوا على الإيمان تقبل منهم نفقاتهم في حال الكفر. الحديث الرابع: مجهول و أبو سعيد إن كان القماط فالخبر موثق، و قد مر الكلام فيه. الحديث الخامس: مرسل. و قوله: حديث، مبتدأ و" روي" خبره، و أنك بالفتح خبر محذوف أي هو أنك" و إن زانوا" إن وصلية بتقدير الاستفهام" إنا لله" إشارة إلى أن هذا الافتراء علينا بفهم هذا المعنى مصيبة عظيمة" أن نكون" أي في أن نكون، و الحاصل أن التكليف لم يوضع عنا فكيف وضع عنهم بسببنا أو إنا نخاف العقاب و نتوب و نتضرع إلى الله تعالى و هم آملون بسبب ولايتنا أن هذا ليس بإنصاف. بِالْعَمَلِ وَ وُضِعَ عَنْهُمْ إِنَّمَا قُلْتُ إِذَا عَرَفْتَ فَاعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنْ قَلِيلِ الْخَيْرِ وَ كَثِيرِهِ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْكَ
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١١ - الصفحة ٣٩٧. — الإمام الصادق عليه السلام
سَمِعَ أَبِي رَجُلًا مُتَعَلِّقاً بِالْبَيْتِ وَ هُوَ يَقُولُ اللَّهُمَّ صَلِّ الرذيلة فحرم بذلك تلك الفضيلة، و إن لم يكن معاقبا بذلك لقوله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): رفع عن أمتي الخطأ و النسيان. الحديث الحادي و العشرون: ضعيف. و في القاموس: البتر القطع أو مستأصلا، و الأبتر المقطوع الذنب، و كل أمر منقطع من الخير، و البتراء من الخطب ما لم يذكر اسم الله فيه، و لم يصل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و الانبتار الانقطاع، و قال: الظلم بالضم وضع الشيء في غير موضعه، و ظلمه حقه و تظلمه إياه" و لم تظلم منه شيئا" أي و لم تنقص. و أقول: المراد بالبتر هنا إما الاستئصال للإشعار بأن الصلاة على النبي بدون آله باطل فكأنه لم يصل أصلا، أو النقص و عدم الإتمام كما سموا خطبة زياد بدون الحمد و الصلاة البتراء، و يدل الخبر على حرمة الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بدون الصلاة على الآل لأنه عده ظلما عليهم و الظلم عليهم حرام بإجماع المسلمين. و لنختم الباب بذكر فوائد لا بد من التعرض لها. الأولى: في بيان وجوب الصلاة على النبي و آله (صلوات الله عليهم)، و موانعها. قال مؤلف كنز العرفان: ذهب أصحابنا و الشافعي و أحمد إلى وجوب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في الصلاة و استدل بعض الفقهاء بما تقريره شيء من الصلاة على النبي واجب، و لا شيء من ذلك في غير الصلاة بواجب، ينتج أنها في الصلاة واجبة، أما الصغرى فلقوله تعالى صَلُّوا، و الأمر حقيقة في الوجوب، و أما الكبرى فظاهرة، و فيه نظر: لمنع الكبرى كما يجيء. و حينئذ فالأولى الاستدلال على الوجوب بدليل خارج، أما من طرقهم فما رووه عن عائشة قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) يقول عَلَى مُحَمَّدٍ فَقَالَ لَهُ أَبِي يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَبْتُرْهَا لَا تَظْلِمْنَا حَقَّنَا قُلِ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ أَهْلِ بَيْتِهِ لا تقبل صلاة إلا بطهور، و بالصلاة على، و كذا عن أنس عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قال: إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله ثم ليصلي علي، و من طرقنا ما رواه أبو بصير و غيره عن الصادق (عليه السلام) قال: " من صلى و لم يصل على النبي و تركه متعمدا فلا صلاة له" حتى إن الشيخ جعلها ركنا في الصلاة، فإن عنى الوجوب و البطلان بتركها عمدا فهو صحيح، و إن عنى تفسير الركن بأنه ما يبطل الصلاة بتركه عمدا و سهوا فلا. ثم قال (ره): قال علماؤنا أجمع: إن الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) واجبة في التشهدين معا، و به قال أحمد، و قال الشافعي: مستحبة في الأول واجبة في الأخير، و قال مالك و أبو حنيفة هي مستحبة فيهما، دليل أصحابنا روايات كثيرة عن أئمتهم (عليهم السلام). أقول: ظاهر كلامه عدم الخلاف بيننا في وجوبها في التشهدين، و قد خالف فيه بعضهم و إن ادعوا الإجماع أيضا. ثم قال (قدس سره): هل تجب الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في غير الصلاة أم لا؟ فذهب الكرخي إلى وجوبها في العمر مرة، و قال الطحاوي: تجب كلما ذكر و اختاره الزمخشري، و نقل عن ابن بابويه من أصحابنا، و قال بعضهم: في كل مجلس مرة. أقول: أي و لو تكرر ذكره. و قال بعضهم: تجب في التشهد آخر الصلاة، و قيل: في التشهد مطلقا و قيل: تجب في الصلاة من غير تعيين المحل، و قيل: يجب الإكثار منها من غير تقييد بعدد، و قيل: تجب في كل دعاء، و قال الزمخشري- بعد ذكر قول الطحاوي- و هو الذي يقتضيه الاحتياط........... و قال المحقق الأردبيلي (ره): و لا شك أن احتياط الكشاف أحوط- ثم قال- و يمكن اختيار الوجوب في كل مجلس مرة إن صلى آخرا، و إن صلى ثم ذكر تجب أيضا كما في تعدد الكفارة بتعدد الموجب، إذا تخللت و إلا فلا، و لا يخفى ما في هذه الوجوه. ثم قال صاحب الكنز (قدس سره): و المختار الوجوب كلما ذكر لدلالة ذلك على التنوير برفع شأنه و الشكر لإحسانه المأمور بهما، و لأنه لولاه لكان كذكر بعضنا بعضا و هو منهي عنه في آية النور، و لما روي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): من ذكرت عنده فلم يصل علي فدخل النار فأبعده الله، و الوعيد أمارة الوجوب، و روي أنه قيل له: يا رسول الله أ رأيت قول الله: " إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ " فقال (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): هذا من العلم المكنون و لو لا أنكم سألتموني عنه ما أخبرتكم به، إن الله عز و جل و كل بي ملكين فلا أذكر عند مسلم فيصلي علي إلا قال له ذانك الملكان: غفر الله لك، و قال الله و ملائكته: آمين، و لا أذكر عند مسلم فلا يصلي علي إلا قال له الملكان لا غفر الله لك و قال الله و ملائكته آمين. و أما عند عدم ذكره فيستحب استحبابا مؤكدا لتظافر الروايات بأن الصلاة عليه تهدم الذنوب و توجب إجابة الدعاء المقرون بها. و أقول: استدل القائلون بعدم وجوب الصلاة عند مطلق الذكر بالأصل و بالشهرة و بعدم تعليمه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) للمؤذنين و تركهم ذلك مع عدم وقوع نكير لهم كما يفعلون الآن، و لو كان لنقل، و في جميع ذلك نظر لأن عدم التعليم ممنوع، و كذا عدم النكير و عدم النقل و تكفي الأخبار و التهديدات الواردة فيها مطلقا، مع أنه سيجيء في باب بدو الأذان و الإقامة ما رواه زرارة في الصحيح عن أبي جعفر.......... (عليه السلام) قال: قال: إذا أذنت فأفصح بالألف و الهاء، و صل على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كلما ذكرته أو ذكره ذاكر في أذان أو غيره، على أن عدم النقل لا يدل على العدم و أصالة البراءة لا يصح التمسك بها بعد ورود الآية و الأخبار الكثيرة به. الثانية: الظاهر أن الأمر فيها على الفور حيث رتب الأمر في أكثرها بالفاء الدالة على التعقيب بلا تراخ، فلو أهمل الفور أثم على تقدير الوجوب و لم يسقط، و كذا الظاهر هو الأمر بها على كل أحد في جميع الأحوال، و لو كان مشتغلا بالصلاة فلو ترك الامتثال و اشتغل بالقراءة أو بغيرها من الأذكار الواجبة أمكن القول ببطلانها على تقدير الوجوب بناء على أن الأمر بالشيء يستلزم النهي عن ضده الخاص، و النهي في العبادة يدل على الفساد، لكن كون الأمر بالشيء مستلزما للنهي عن الضد في محل المنع و لو كان في أثناء كلمة بل أثناء آية لا يبعد القول بأن إتمامهما لا ينافي الفورية العرفية بل إذا كان قريبا من آخر السورة لا يبعد القول بجواز إتمامها، و لو تكرر الذكر تكرارا كثيرا بحيث يخرج الاشتغال بالصلاة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) عن كونه قارئا أو عن كونه مصليا على طريقة الأصحاب لا يبعد القول بسقوط التكليف بها لأن الواجبين إذا تضيقا و لم يمكن الجمع بينهما علمنا أن أحدهما ليس بواجب، و لما كان مشتغلا بالصلاة و يحرم قطعها، فكان ما ينافيها غير مأمور به لا سيما إذا كان وقت الصلاة مضيقا. و مع التوسعة يمكن أن يقال: إذا كان وقت الصلاة موسعا و وقت الصلاة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) مضيقا ينبغي أن يبدأ بالمضيق و تحريم القطع في تلك الصورة ممنوع، لأنه يمكن أن يكون من الضرورات التي يجوز القطع لها، كإنقاذ الغريق أو إدراك الغريم أو إذا تضيق وقت صلاة الكسوف مثلا و قد دخل في الحاضرة الموسعة. و بالجملة تلك الفروع لا تخلو من إشكال لما سمعت، و لعدم ثبوت خروج الإنسان عن كونه مصليا و عن كونه قارئا بأمثال ذلك، و أنه موقوف على معرفة.......... كون الأذكار الكثيرة و الأعمال الكثيرة التي لم يرد عنها نهي في الشريعة و السكوت الطويل و أمثال ذلك مخرجة عن الصلاة. مع أنه قد ورد تجويز التسبيحات الكثيرة و الأدعية الطويلة في الركوع و السجود و غيرهما، و الخروج عن المسجد الحرام إلى ما بين الصفا و المروة و إزالة النجاسة ثم العود إلى المسجد و البناء على الصلاة، و العرف العام و اصطلاحات العوام لا مدخل لها في تحقيق الحقائق الشرعية، و أيضا تحريم قطع الصلاة مطلقا محل نظر، و قد حققنا ذلك في كتاب الصلاة من الكتاب الكبير، و في بعض تعليقاتنا على كتب الحديث. الثالثة: قد عرفت اشتراط صحة الصلاة على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بالصلاة على الآل، قال صاحب الكنز: مذهب علمائنا أجمع أنه تجب الصلاة على آل محمد في التشهدين و به قال بعض الشافعية، و إحدى الروايتين عن أحمد، و قال الشافعي بالاستحباب، لنا رواية كعب و قد تقدمت في كيفية الصلاة عليه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و إذا كانت الصلاة عليه واجبة كانت كيفيتها واجبة أيضا، و روى كعب أن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كان يقول ذلك في صلاته، و قال (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): صلوا كما رأيتموني أصلي، و عن جابر الجعفي عن الصادق (عليه السلام) و عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) من صلى صلاة و لم يصل فيها على و على أهل بيتي لم تقبل منه. ثم قال: الذين يجب عليهم الصلاة في الصلاة و يستحب في غيرها هم الأئمة المعصومون لإطباق الأصحاب على أنهم هم الآل و لأن الأمر بذلك مشعر بغاية التعظيم الذي لا يستوجبه إلا المعصوم، و أما فاطمة (عليها السلام) فتدخل أيضا لأنها بضعة منه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، انتهى. ثم اعلم أنه اشتهر بين الشيعة عدم جواز الفصل بين النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) ب" على" ما.......... اشتهر بينهم من رواية غير معلوم الإسناد" من فصل بيني و بين آلي بعلي لم ينل شفاعتي" و لم يثبت عندنا هذا الخبر، و لم أره في كثبنا، و يروي عن الشيخ البهائي (ره) أنه من أخبار الإسماعيلية لكن لم أجد في الدعوات المأثورة عن أرباب العصمة الفصل بها إلا نادرا، و لعل تركه أحوطه. الرابعة: اختلف العلماء في أنه هل ينفعهم الصلاة شيئا أم ليس إلا لانتفاعنا، فذهب الأكثر إلى أنهم (صلوات الله عليهم) لم يبق لهم كمال منتظر، بل حصل لهم جميع الخصال السنية و الكمالات البشرية و لا يتصور للبشر أكثر ما منحهم الله تعالى، فلا يزيدهم صلواتنا عليهم شيئا بل يصل نفعها إلينا و إنما أمرنا بذلك لإظهار حبهم و ولاءهم بل هي إنشاء لإظهار الإخلاص و الولاء لنا، و ليس الغرض طلب شيء لهم و يترتب عليه أن يفيض الله علينا بسبب هذا الإظهار فيوضه و مواهبه و عطاياه، كما أنه إذا كان لأحد محبوب يحبه حبا شديدا و قد أعطاه كلما يمكن فإذا كان لرجل حاجة عند المحب يتقرب إليه بالثناء على محبوبة و طلب شيء له تقربا إليه بإظهار حبه و تصويبه في إكرامه و أنه مستحق لما أعطاه حقيق بما أولاه. و هذا الكلام عندي مدخول، بل يمكن توجيهه بوجوه آخر لكل منها شواهد من الأخبار. الأول: أن تكون الصلاة سببا لمزيد قربهم و كمالاتهم، و لم يدل دليل على عدم ترقيهم إلى ما لا يتناهى من الدرجات العلى في الآخرة و الأولى، و كثير من الأخبار يدل على خلافه، كما ورد في كثير من أخبار التفويض أنه إذا أراد الله سبحانه أن يفيض شيئا على إمام العصر يفيضه أولا على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) ثم على إمام إمام حتى ينتهي إلى إمام الزمان، لئلا يكون آخرهم أعلم من أولهم،.......... و كما أن بيننا و بين موالينا (صلوات الله عليهم) من أرباب العصمة و الطهارة درجات غير متناهية لا يمكن لأحدنا و إن عرج على معارج القرب و الكمال أن يصلي إلى أدنى منازلهم، فكذا بينهم (عليهم السلام) و بين جناب الألوهية و ساحة الربوبية معارج غير متناهية كلما صعدوا بأجنحة الرفعة و الكمال على منازل القرب و الجلال، لا تنتهي تلك المعارج، و يعدون أنفسهم في جنب ساحة القدس مثل الذرة أو دونها. و قد أفيض على وجه وجيه في استغفار النبي و الأئمة (صلوات الله عليهم) يناسب هذا الوجه، و هو أنهم (صلوات الله عليهم) لما كانوا دائما في الترقي في مدارج المعرفة و القرب و الكمال، ففي كل آن تحصل لهم معرفة جديدة و قرب جليل و كمال عتيد عدوا أنفسهم مقصرين في المرتبة السابقة في المعرفة و القرب و الطاعة، فكانوا يستغفرون منها، و هكذا إلى ما لا نهاية لها، و قد ورد في الروايات الكثيرة أن أشرف علومنا علم ما يحدث بالليل و النهار آنا فآنا، و ساعة فساعة. و يؤيده ما روي في تأويل قوله سبحانه: " وَ لَدَيْنٰا مَزِيدٌ " أن أهل الجنة في كل يوم جمعة يجتمعون في موضع يتجلى لهم الرب تبارك و تعالى بأنوار جلاله، فيرجع المؤمن بسبعين ضعفا مما في يديه فيتضاعف نوره و ضياؤه، و هذا كناية عن تضاعف قربه و معرفته. الثاني: أن تكون سببا لزيادة المثوبات الأخروية و إن لم تصر سببا لمزيد قربهم و كمالهم، و كيف يمنع ذلك عنهم و قد ورد في الأخبار الكثيرة وصول آثار الصدقات الجارية و الأولاد و المصحف، و تعليم العلوم و العبادات إلى أموات المؤمنين و المؤمنات، و أي دليل دل على استثنائهم عن تلك الفضائل و المثوبات، بل هم آباء هذه الأمة المرحومة و الأمة عبيدهم و ببركتهم فازوا بالسعادات، و نجوا من الهلكات، و كلما صدر عن الأمة من خير و سعادة و طاعة يصل إليهم نفعها و بركتها.......... و لا منقصة لهم في ذلك مع أن جميع ذلك من آثار مساعيهم الجميلة و أياديهم الجليلة. الثالث: أن تصير سببا لأمور تنسب إليهم من رواج دينهم و كثرة أمتهم و استيلاء قائمهم و تعظيمهم و ذكرهم في الملإ الأعلى بالجميل و بالتفخيم و التبجيل، و قد ورد في بعض الأخبار في معنى السلام عليهم أن المراد سلامتهم و سلامة دينهم و شيعتهم في زمن القائم (عليه السلام). فإن قيل: ما ذكرت إنما ينفع في دفع الشبهة الواردة في الصلاة عليهم فما تقول في اللعن على أعدائهم و سائر من يستحق اللعن، بل هل يصير سببا لمزيد عقابهم أم لا؟ و على الأول يلزم أن يعاقب المرء بفعل غيره ما لا يستحقه و هو ينافي العدل، و على الثاني يلزم أن يكون لغوا؟ قلت: يمكن أن يجاب بوجوه: " الأول" أن يختار الشق الثاني و يقال: الفائدة فيه إظهار ما يجب على الإنسان من التبري عن أعداء الله، و هو من أعظم أركان الإيمان، و ليس الغرض منه طلب العقاب بل محض إظهار عداوتهم و التبري منهم و من أعمالهم، فيستحق بذلك المثوبات العظيمة كما في ذكر كلمة التوحيد و أشباهها المخبرة عما في الضمير من العقائد الحقة. الثاني: أن نختار الشق الأول و نقول إن مقادير العقوبات ليست إلا بتقرير الشارع و تبيينه، فإذا قال المولى لعبده: إن فعلت الفعل الفلاني أعطيتك مائة درهم، و إن تركته ضربتك مائة سوط، فإذا أتى به استحق مائة درهم، و إن تركه استحق مائة سوط و إذا قال الشارع إن صليت الصلوات الخمس أعطيتك كذا و كذا في الجنة، و إن تركتها عذبتك ألف سنة ثم تركها مع علمه بذلك استحق تلك العقوبة، و ليس له أن يقول: لم عذبتني ألف سنة لترك صلاة واحدة لأنه عبده و يجب إطاعته، فإذا قرر مقدارا من العقوبة على المخالفة ثم خالفه باختياره و عاقبه بتلك العقوبة لا يعد العقلاء ذلك ظلما، فنقول هيهنا قرر سبحانه لمن خالف أولياءه.......... و غصب حقوقهم أو أنكرها أو أمثال ذلك عقابا في نفسه و عقابا بسبب لعن من يلعنهم، فالعقاب المترتب على اللعن جزء من عقوبتهم المقررة لهم على أعمالهم، فإذا عاقبهم عند اللعن لم يعاقبهم أكثر من استحقاقهم، و هم مستحقون لجميع ذلك. الثالث: أن يقال إن لإعمال هؤلاء الأشقياء قبحا في نفسه حيث خالف أمر الله، و قبحا آخر من جهة الظلم على غيرهم و منعهم عن الشيعة الفوائد التي كانت تترتب على اقتدار أئمتهم و استيلائهم و ظهورهم من المنافع الدنيوية و الأخروية و هداتهم، و دفع الظلم عنهم و عدم جهالتهم و تحيرهم في الأحكام الدينية و الدنيوية و لم يوجد أحد لم يصل إليه من ثمرات هذه الشجرات الملعونة شيء بل في كل آن يصل إليهم أثر من آثار ظلمهم، كما ورد في الأخبار الكثيرة أنه ما زال حجر عن حجر و لا أهريقت محجمة دم إلا و هو في أعناقهما يعنون أبا بكر و عمر، فكل الشيعة مظلومون من جهتهم طالبوا حقوق منهم، و كل لعن طلب حق و استعداء لظلم فيزيد عقابهم من قدر من يلعنهم. الرابع: أن يقال: إنهم بجرأتهم على الله و ظلمهم على أهل بيت العصمة و الطهارة (سلام الله عليهم) مستحقون لما لا يتناهى من العقوبات، و كلما عاقبهم الله تعالى به فهو أقل من استحقاقهم، فكلما زاد الله تعالى في عقابهم بسبب لعن اللاعنين لا يصل إلى قدر استحقاقهم إليهم جميعا لعنة الله إلى يوم الدين. الخامسة: في مزيد تحقيق لمعنى الصلاة عليهم، و إن أسلفنا بعض القول في ذلك قال الله تعالى: " إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً " قيل: صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه و تبجيله و تعظيمه، و كذا صلاة الملائكة الثناء عليه بأحسن الثناء، و الدعاء له بأفضل الدعاء و قيل: صلاة الله مغفرة و صلاة الملائكة استغفار، و هو لا يستقيم على أصولنا إلا.......... بتأويل، و قيل: صلاة الله رحمته و من الملائكة طلب رحمته. و يدل على الأول ما رواه أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن هذه الآية؟ فقلت: كيف صلاة الله على رسوله؟ فقال: يا أبا محمد تزكيته له في السماوات العلى، فقلت: قد عرفت صلاتنا عليه فكيف التسليم؟ فقال: هو التسليم له في الأمور و أمرنا بالصلاة عليه أمر بقول: اللهم صلى على محمد و آل محمد. و قال صاحب الكنز: الصلاة و إن كانت من الله الرحمة المراد بها الاعتناء بإظهار شرفه و رفعة شأنه، و من هنا قال بعضهم: تشريف الله محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بقوله: " إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) " أبلغ من تشريف آدم بالسجود له و التسليم، قيل: المراد به التسليم بمعنى الانقياد له، كما في قوله: " فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً " و قيل: هو قولهم السلام عليك أيها النبي قاله الزمخشري و القاضي في تفسير بهما، و ذكره الشيخ في تبيانه و هو الحق لقضية العطف، و لأنه المتبادر إلى الفهم عرفا، و لرواية كعب المتقدمة و غيرها. ثم قال: استدل بعض شيوخنا على وجوب التسليم المخرج من الصلاة بما تقريره شيء من التسليم واجب، و لا شيء منه في غير الصلاة بواجب، فيكون وجوبه في الصلاة و هو المطلوب، أما الصغرى فلقوله: " سَلِّمُوا " الدال على الوجوب، و أما الكبرى فللإجماع: و فيه نظر لجواز كونه بمعنى الانقياد كما تقدم، سلمنا لكنه سلام على النبي، لسياق الكلام، و قضية العطف، و أنتم لا تقولون أنه المخرج من الصلاة بل المخرج غيره. و استدل بعض شيوخنا المعاصرين على أنه يجب إضافة السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته إلى الأخير بما تقريره السلام على النبي واجب، و لا.......... شيء منه في غير التشهد الأخير بواجب، ينتج أنه فيه واجب، و بيان المقدمتين تقدم. قيل عليه: أنه خرق للإجماع لنقل العلامة الإجماع على استحبابه، و لأن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لم يعلمه الأعرابي في كيفية التشهد، و لا هو في حديث حماد في صفة الصلاة عن الصادق (عليه السلام) فلو وجب لزم تأخر البيان عن وقت الحاجة و هو باطل اتفاقا، و لضبط الأصحاب الواجبات في الصلاة و لم يعدوه فيها، و لعدم دلالة الآية عليه صريحا، و لو دلت لم تدل، على الفورية، و لا على التكرار، و لا على كونه في الصلاة، و لا على كونه آخرها، و لا على كونه بصيغة مخصوصة. و يمكن الجواب عن الأول بمنع الإجماع على عدم وجوبه، و الإجماع المنقول على شرعيته و راجحيته و هو أعم من الوجوب و الندب. و عن الثاني و الثالث بأن عدم النقل لا يدل على العدم، مع أن حديث حماد ليس فيه إشعار بالعبارة المتنازع فيها بالوجوب وجودا و عدما، مع إمكان الدخول في التشهد لأنه قال: فلما فرغ من التشهد سلم. و عن الرابع بأنه معارض بوجوب التسليم المخرج عن الصلاة، فإن كثيرا من الأصحاب لم يعده من الواجبات، مع الفتوى بوجوبه. و عن الخامس قد بينا فيما تقدم أن سياق الكلام و قضية العطف تدل على أن المراد السلام على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم). و عن السادس بأن الفورية و التكرار استفيدا من خارج الآية، و هو أنه لما ثبت كونه جزءا من الصلاة فكل ما دل على فوريتها و تكرارها يدل على فوريته و تكراره تضمنا. و عن السابع و الثامن و التاسع بما تقرر في بيان الكبرى إذ لا قائل بالوجوب في غير الصلاة و لا في غير التشهد الأخير، و لا بغير الصيغة........... و بالجملة الذي يغلب على ظني الوجوب و يؤيده ما رواه أبو بصير عن الصادق (عليه السلام) قال: إذا كنت إماما فإنما التسليم أن تسلم على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و تقول السلام علينا و على عباد الله الصالحين، و أيضا رواية الشيخ في التهذيب عن أبي كهمش عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته إذا جلست للتشهد فقلت و أنا جالس السلام عليك أيها النبي و رحمة الله و بركاته انصراف هو؟ قال: لا، و لكن إذا قلت السلام علينا و على عباد الله الصالحين فهو انصراف، و هي ظاهرة في أنه من التشهد، و الإجماع حاصل منا على وجوبه. و عن الحلبي عن الصادق (عليه السلام) قال: كلما ذكرت الله و النبي فهو من الصلاة و دلت الآية على الوجوب، فيكون الواجب فيها و هو المطلوب، انتهى كلامه (قدس سره). و من الغرائب أن بعض من كان في عصرنا كان يقول بتحريم هذا السلام في الصلاة و أنه مبطل لها، و هما قد أبعدا في الإفراط و التفريط و الحق استحبابه، و قد دلت الأخبار المعتبرة المنقولة عن أهل البيت (عليهم السلام) تعقيب الصلاة عليهم بالسلام، بل هو من شعار المخالفين حيث تركوا الصلاة على الآل في غير الصلاة و أردفوها بالتسليم و قالوا صلى الله عليه و و آله و سلم.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٢ - الصفحة ١٠٧. — الإمام الصادق عليه السلام
6 أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ عَنِ الْوَشَّاءِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قال
أبو عبد الله (عليه السلام): الطامث أشرب من فضل شربها و لا أحب أن تتوضأ منه. الحديث" انتهى. و لعل المراد بالوضوء غسل الثياب و الجسد من النجاسات. الحديث الخامس: حسن. و يدل ظاهرا على نجاسة سؤر اليهود و النصارى و اتفق الأصحاب على نجاسة ما عدا اليهود و النصارى من أصناف الكفار سواء كان كفرهم أصليا أو ارتدادا، و أما اليهود و النصارى فذهب الأكثر إلى نجاستهم، بل ادعى عليه المرتضى، و ابن إدريس الإجماع، و نقل عن ابن الجنيد و ابن أبي عقيل القول بعدم نجاسة أساراهم، و حكي في المعتبر عن المفيد في المسائل الغرية القول بالكراهة، و ربما ظهر من كلام الشيخ في موضع من النهاية. و يحكي عن المرتضى (رحمه الله) القول بنجاسة سؤر ولد- الزنا لأنه كافر، و يعزى القول بكفره إلى ابن إدريس و إلى الصدوق أيضا، و المشهور نجاسة الخوارج و النواصب و الغلاة الحديث السادس: مرسل، و المراد بالكراهة هنا الحرمة.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٣ - الصفحة ٤٠. — الإمام الصادق عليه السلام
لِي قَائِدِي إِنَّ فِي ثَوْبِهِ دَماً فَلَمَّا انْصَرَفَ قُلْتُ لَهُ إِنَّ قَائِدِي أَخْبَرَنِي أَنَّ بِثَوْبِكَ دَماً فَقَالَ لِي إِنَّ بِي دَمَامِيلَ وَ لَسْتُ أَغْسِلُ ثَوْبِي حَتَّى تَبْرَأَ الحديث العاشر: مجهول. باب الثوب يصيبه الدم و المدة و في القاموس المدة بالكسر ما يجتمع في الجرح من القيح. الحديث الأول: موثق. و لا خلاف بين الأصحاب في العفو عن دم القرح و الجرح في الجملة فمنهم من قال بالعفو مطلقا، و منهم من اعتبر السيلان في جميع الوقت أو تعاقب الجريان على وجه لا يتسع فتراتها لأداء الفريضة، و الذي يستفاد من الروايات العفو عن هذا الدم في الثوب و البدن سواء شقت إزالته أم لا و سواء كان له فترة ينقطع فيها بقدر الصلاة أم لا و أنه لا يجب إبدال الثوب و لا تخفيف النجاسة و لا عصب موضع الدم بحيث يمنعه من الخروج كما اختاره جماعة، و استقرب العلامة في المنتهى وجوب الإبدال مع الإمكان. و قال في المدارك: ينبغي أن يراد بالبرء الأمن من خروج الدم منهما و إن لم يندمل أثرهما.
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٣ - الصفحة ١٦٣. — الإمام الباقر عليه السلام
سَأَلْتُهُ عَنِ الْمَرْأَةِ تَمُوتُ مَنْ أَحَقُّ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا قَالَ الزَّوْجُ قُلْتُ الزَّوْجُ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ وَ الْأَخِ وَ الْوَلَدِ قَالَ نَعَمْ أقول: الظاهر أن المراد إمامة هذه الصلاة إذ الظاهر أن ليس المراد بكون الإمام أحق أو الوارث أحق أن لا يصلي عليها غيرهم، مع هذا الحث و الترغيب العظيم الوارد في الأخبار من غير تقيد بأحد، فما ذكره ( (رحمه الله) ) متين و إن اعترض عليه بعض من تأخر عنه. الحديث الثاني: ضعيف. و يدل على أن الزوج أولى في الصلاة و الغسل من الأب و الولد و الأخ. الحديث الثالث: مجهول موافق لما سبق في الدلالة. و اعلم أن كون الزوج أولى من سائر الأقارب، هو المعروف من مذهب الأصحاب، و ورد صحيحة حفص بن البختري و رواية عبد الرحمن بن أبي عبد الله بأن الأخ أولى من الزوج، و حملهما الشيخ و غيره على التقية. أقول: و إن وافقنا على كون الزوج أولى من العصبات الشعبي، و عطاء، و عمر ابن عبد العزيز، و إسحاق، و أحمد في رواية، لكن حكم بأولوية العصبات جماعة منهم سعيد بن المسيب، و الزهري، و أبو حنيفة، و مالك. و الشافعي، و أحمد في رواية و هؤلاء أكثر، و أقوالهم بين العامة أشهر و رعاية التقية في آرائهم أظهر. ثم اعلم أن المشهور أن هذا الحكم مخصوص بالزوج، و لا يتعدى إلى
مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٤ - الصفحة ٣٦. — الإمام الصادق عليه السلام