🏛️ مكتبة المنتقم عليه السلام↳ التطبيق التفاعلي (تلاوة وبحث)
الرئيسيةالولاية والولاء والبراءة › صفحة 60

الولاية والولاء والبراءة — صفحة 60 من 76

كا، الكافي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْعَاصِمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ النَّهْدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ شَرِيفِ بْنِ سَابِقٍ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ أَبِي قُرَّةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

أَتَتِ الْمَوَالِي أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقَالُوا نَشْكُو إِلَيْكَ هَؤُلَاءِ الْعَرَبَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ يُعْطِينَا مَعَهُمُ الْعَطَايَا بِالسَّوِيَّةِ وَ زَوَّجَ سَلْمَانَ وَ بلال [بِلَالًا وَ صهيب [صُهَيْباً- وَ أَبَوْا عَلَيْنَا هَؤُلَاءِ وَ قَالُوا لَا نَفْعَلُ فَذَهَبَ إِلَيْهِمْ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَكَلَّمَهُمْ فِيهِمْ فَصَاحَ الْأَعَارِيبُ أَبَيْنَا ذَلِكَ يَا أَبَا الْحَسَنِ أَبَيْنَا ذَلِكَ فَخَرَجَ وَ هُوَ مُغْضَبٌ يَجُرُّ رِدَاءَهُ وَ هُوَ يَقُولُ يَا مَعْشَرَ الْمَوَالِي إِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ صَيَّرُوكُمْ بِمَنْزِلَةِ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى يَتَزَوَّجُونَ إِلَيْكُمْ وَ لَا يُزَوِّجُونَكُمْ وَ لَا يُعْطُونَكُمْ مِثْلَ مَا يَأْخُذُونَ فَاتَّجِرُوا بَارَكَ اللَّهُ لَكُمْ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ الرِّزْقُ عَشَرَةُ أَجْزَاءٍ تِسْعَةُ أَجْزَاءٍ فِي التِّجَارَةِ وَ وَاحِدٌ فِي غَيْرِهَا.

بحار الأنوار - ج ٤٢ - الصفحة ١٦٠. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
دَسَّ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ- وَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَ إِلَى حُجْرِ بْنِ الْحَارِثِ - وَ شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ دَسِيساً أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنٍ مِنْ عُيُونِهِ- أَنَّكَ إِنْ قَتَلْتَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَلَكَ مِائَتَا أَلْفِ دِرْهَمٍ- وَ جُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِ الشَّامِ وَ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتِي- فَبَلَغَ الْحَسَنَ عليه السلام فَاسْتَلْأَمَ وَ لَبِسَ دِرْعاً وَ كَفَرَهَا- وَ كَانَ يَحْتَرِزُ وَ لَا يَتَقَدَّمُ لِلصَّلَاةِ بِهِمْ إِلَّا كَذَلِكَ- فَرَمَاهُ أَحَدُهُمْ فِي الصَّلَاةِ بِسَهْمٍ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ- لِمَا عَلَيْهِ مِنَ اللَّأْمَةِ فَلَمَّا صَارَ فِي مُظْلَمِ سَابَاطَ- ضَرَبَهُ أَحَدُهُمْ بِخَنْجَرٍ مَسْمُومٍ فَعَمِلَ فِيهِ الْخَنْجَرُ- فَأَمَرَ عليه السلام أَنْ يُعْدَلَ بِهِ إِلَى بَطْنِ جُرَيْحَى وَ عَلَيْهَا- عَمُّ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَيْلَةَ- فَقَالَ الْمُخْتَارُ لِعَمِّهِ- تَعَالَ حَتَّى نَأْخُذَ الْحَسَنَ وَ نُسَلِّمَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ- فَيَجْعَلَ لَنَا الْعِرَاقَ فَنَذِرَ بِذَلِكَ الشِّيعَةُ مِنْ قَوْلِ الْمُخْتَارِ لِعَمِّهِ- فَهَمُّوا بِقَتْلِ الْمُخْتَارِ- فَتَلَطَّفَ عَمُّهُ لِمَسْأَلَةِ الشِّيعَةِ بِالْعَفْوِ عَنِ الْمُخْتَارِ فَفَعَلُوا- فَقَالَ الْحَسَنُ

عليه السلام وَيْلَكُمْ وَ اللَّهِ إِنَّ مُعَاوِيَةَ- لَا يَفِي لِأَحَدٍ مِنْكُمْ بِمَا ضَمِنَهُ فِي قَتْلِي- وَ إِنِّي أَظُنُّ أَنِّي إِنْ وَضَعْتُ يَدِي فِي يَدِهِ- فَأُسَالِمُهُ لَمْ يَتْرُكْنِي أَدِينُ لِدِينِ جَدِّي ص وَ إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَحْدِي- وَ لَكِنِّي كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَبْنَائِكُمْ وَاقِفِينَ عَلَى أَبْوَابِ أَبْنَائِهِمْ- يَسْتَسْقُونَهُمْ وَ يَسْتَطْعِمُونَهُمْ- بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ فَلَا يُسْقَوْنَ وَ لَا يُطْعَمُونَ- فَبُعْداً وَ سُحْقاً لِمَا كَسَبَتْهُ أَيْدِيهِمْ- وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ فَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ بِمَا لَا عُذْرَ لَهُمْ فِيهِ- فَكَتَبَ الْحَسَنُ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَطْبِي انْتَهَى إِلَى الْيَأْسِ- مِنْ حَقٍّ أُحْيِيهِ وَ بَاطِلٍ أُمِيتُهُ- وَ خَطْبُكَ خَطْبُ مَنِ انْتَهَى إِلَى مُرَادِهِ- وَ إِنَّنِي أَعْتَزِلُ هَذَا الْأَمْرَ وَ أُخَلِّيهِ لَكَ- وَ إِنْ كَانَ تَخْلِيَتِي إِيَّاهُ شَرّاً لَكَ فِي مَعَادِكَ- وَ لِي شُرُوطٌ أَشْتَرِطُهَا- لَا تَبْهَظَنَّكَ إِنْ وَفَيْتَ لِي بِهَا بِعَهْدٍ وَ لَا تَخِفُّ إِنْ غَدَرْتَ- وَ كَتَبَ الشُّرُوطَ فِي كِتَابٍ آخَرَ فِيهِ يُمَنِّيهِ بِالْوَفَاءِ- وَ تَرْكِ الْغَدْرِ- وَ سَتَنْدَمُ يَا مُعَاوِيَةُ كَمَا نَدِمَ غَيْرُكَ مِمَّنْ نَهَضَ فِي الْبَاطِلِ- أَوْ قَعَدَ عَنِ الْحَقِّ حِينَ لَمْ يَنْفَعِ النَّدَمُ وَ السَّلَامُ. - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَنْ هُوَ النَّادِمُ النَّاهِضُ وَ النَّادِمُ الْقَاعِدُ- قُلْنَا هَذَا الزُّبَيْرُ ذَكَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صلوات الله عليه - مَا أَيْقَنَ بِخَطَاءِ مَا أَتَاهُ وَ بَاطِلِ مَا قَضَاهُ- وَ بِتَأْوِيلِ مَا عَزَاهُ فَرَجَعَ عَنْهُ الْقَهْقَرَى- وَ لَوْ وَفَى بِمَا كَانَ فِي بَيْعَتِهِ لَمَحَا نَكْثَهُ- وَ لَكِنَّهُ أَبَانَ ظَاهِراً النَّدَمَ وَ السَّرِيرَةَ إِلَى عَالِمِهَا- وَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رَوَى أَصْحَابُ الْأَثَرِ فِي فَضَائِلِهِ أَنَّهُ قَالَ- مَهْمَا آسَى عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ- فَإِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ أَسَفِي- عَلَى أَنِّي لَمْ أُقَاتِلْ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ مَعَ عَلِيٍ فَهَذَا نَدَمُ الْقَاعِدِ- وَ هَذِهِ عَائِشَةُ رَوَى الرُّوَاةُ أَنَّهَا لَمَّا أَنَّبَهَا مُؤَنِّبٌ فِيمَا أَتَتْهُ- قَالَتْ قُضِيَ الْقَضَاءُ وَ جَفَّتِ الْأَقْلَامُ- وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص عِشْرُونَ ذَكَراً- كُلُّهُمْ مِثْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ- فَثَكِلْتُهُمْ بِمَوْتٍ وَ قَتْلٍ- كَانَ أَيْسَرَ عَلَيَّ مِنْ خُرُوجِي عَلَى عَلِيٍّ- وَ مَسْعَايَ الَّتِي سَعَيْتُ فَإِلَى اللَّهِ شَكْوَايَ لَا إِلَى غَيْرِهِ - وَ هَذَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ- لَمَّا أُنْهِيَ إِلَيْهِ أَنَّ عَلِيّاً صلوات الله عليه قَتَلَ ذَا الثُّدَيَّةِ- أَخَذَهُ مَا قَدَّمَ وَ مَا أَخَّرَ وَ قَلِقَ وَ نَزِقَ- وَ قَالَ وَ اللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمَشَيْتُ إِلَيْهِ وَ لَوْ حَبْواً- وَ لَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ دَخَلَ إِلَيْهِ سَعْدٌ- فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ مَا الَّذِي مَنَعَكَ- أَنْ تُعِينَنِي عَلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْإِمَامِ الْمَظْلُومِ- فَقَالَ كُنْتُ أُقَاتِلُ مَعَكَ عَلِيّاً- وَ - قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ - أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى. - قَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ نَعَمْ وَ إِلَّا صَمَّتَا- قَالَ أَنْتَ الْآنَ أَقَلُّ عُذْراً فِي الْقُعُودِ عَنِ النُّصْرَةِ- فَوَ اللَّهِ لَوْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص مَا قَاتَلْتُهُ - وَ قَدْ أَحَالَ فَقَدْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لِعَلِيٍّ عليه السلام أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَاتَلَهُ- وَ هُوَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ لِلدُّنْيَا يَلْعَنُهُ وَ يَشْتِمُهُ- وَ يَرَى أَنَّ مُلْكَهُ وَ ثُبَاتَ قُدْرَتِهِ بِذَلِكَ- إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ عُذْرَ سَعْدٍ فِي الْقُعُودِ عَنْ نَصْرِهِ- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ- فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِحُمْقِهِ وَ خُرْقِهِ- فَإِنَّ عَلِيّاً نَدِمَ مِمَّا كَانَ مِنْهُ مِنَ النُّهُوضِ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ- وَ إِرَاقَةِ تِلْكَ الدِّمَاءِ كَمَا نَدِمُوا هُمْ فِي النُّهُوضِ وَ الْقُعُودِ- قِيلَ كَذَبْتَ وَ أَحَلْتَ - لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَقَامٍ- قَالَ: إِنِّي قَلَّبْتُ أَمْرِي وَ أَمْرَهُمْ ظَهْراً لِبَطْنٍ- فَمَا وَجَدْتُ إِلَّا قِتَالَهُمْ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ ص. - وَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أُمِرْتُ بِقِتَالِ- النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ- وَ - رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَجْهاً عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّكَ تُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ. - وَ لَوْ أَظْهَرَ نَدَماً بِحَضْرَةِ مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ هَذَا- وَ هُوَ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ص لَكَانَ مُكَذِّباً فِيهِ نَفْسَهُ- وَ كَانَ فِيهِمُ الْمُهَاجِرُونَ كَعَمَّارٍ وَ الْأَنْصَارُ- كَأَبِي الْهَيْثَمِ وَ أَبِي أَيُّوبَ وَ دُونَهُمَا- فَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّجْ وَ لَمْ يَتَوَرَّعْ عَنِ الْكَذِبِ- عَلَى مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ- اسْتَحْيَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ عَمَّارٌ الَّذِي - يَقُولُ فِيهِ النَّبِيُّ ص عَمَّارٌ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَمَّارٍ- يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ. يَحْلِفُ جَهْدَ أَيْمَانِهِ وَ اللَّهِ لَوْ بَلَغُوا بِنَا قَصَبَاتِ هَجَرَ- لَعَلِمْتُ أَنَّا عَلَى الْحَقِّ وَ أَنَّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ - وَ يَحْلِفُ أَنَّهُ قَاتَلَ رَايَتَهُ الَّتِي أَحْضَرَهَا صِفِّينَ- وَ هِيَ الَّتِي أَحْضَرَهَا يَوْمَ أُحُدٍ وَ الْأَحْزَابِ- وَ اللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُ هَذِهِ الرَّايَةَ آخِرَ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ- وَ اللَّهِ مَا هِيَ عِنْدِي بِأَهْدَى مِنَ الْأُولَى - وَ كَانَ يَقُولُ إِنَّهُمْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ- وَ أَسَرُّوا الْكُفْرَ حَتَّى وَجَدُوا عَلَيْهِ أَعْوَاناً- وَ لَوْ نَدِمَ عَلِيٌّ عليه السلام عِنْدَ - قَوْلِهِ - أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ. - لَكَانَ مَنْ مَعَ عَلِيٍّ يَقُولُ لَهُ كَذَبْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ إِقْرَارُهُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ- وَ كَانَتِ الْأُمَّةُ الزُّبَيْرُ وَ عَائِشَةُ وَ حِزْبُهُمَا- وَ عَلِيٌّ وَ أَبُو أَيُّوبَ وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَ عَمَّارٌ وَ أَصْحَابُهُ- وَ سَعْدٌ وَ ابْنُ عُمَرَ وَ أَصْحَابُهُ - فَإِذَا اجْتَمَعُوا جَمِيعاً عَلَى النَّدَمِ- فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ اجْتَمَعُوا عَلَى نَدَمٍ مِنْ شَيْءٍ- فَعَلُوهُ وَدُّوا أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوهُ- وَ أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلُوهُ بَاطِلٌ فَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى الْبَاطِلِ- وَ هُمُ الْأُمَّةُ الَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الْبَاطِلِ- أَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى النَّدَمِ مِنْ تَرْكِ شَيْءٍ- لَمْ يَفْعَلُوهُ وَدُّوا أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ- فَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى الْبَاطِلِ بِتَرْكِهِمْ جَمِيعاً الْحَقَّ- وَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ - النَّبِيُّ ص حِينَ قَالَ لِعَلِيٍّ عليه السلام إِنَّكَ تُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ. - كَانَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ص خَبَراً- وَ لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مَا أَخْبَرَ- إِلَّا بِأَنْ يُكَذِّبَ الْمُخْبِرَ أَوْ يَكُونَ أَمْرُهُ بِقِتَالِهِمْ - وَ تَرْكُهُ لِلِائْتِمَارِ بِمَا أُمِرَ بِهِ عِنْدَهُ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام إِنَّهُ كَفَرَ- فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ الْحَسَنَ أَخْبَرَ- بِأَنَّهُ حَقَنَ دِمَاءً أَنْتَ تَدَّعِي أَنَّ عَلِيّاً عليه السلام كَانَ مَأْمُوراً بِإِرَاقَتِهَا- وَ الْحَقْنُ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ بِإِرَاقَتِهِ مِنَ الْحَاقِنِ عِصْيَانٌ- قُلْنَا إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي ذَكَرَ الْحَسَنُ عليه السلام أُمَّتَانِ وَ فِرْقَتَانِ وَ طَائِفَتَانِ- هَالِكَةٌ وَ نَاجِيَةٌ وَ بَاغِيَةٌ وَ مَبْغِيٌّ عَلَيْهَا- فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَقْنُ دِمَاءِ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- إِلَّا بِحَقْنِ دِمَاءِ الْبَاغِيَةِ- لِأَنَّهُمَا إِذَا اقْتَتَلَا وَ لَيْسَ لِلْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا قِوَامٌ- بِإِزَالَةِ الْبَاغِيَةِ حُقِنَ دَمُ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- وَ إِرَاقَةُ دَمِ الْبَاغِيَةِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ- إِرَاقَةٌ لِدَمِ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا لَا غَيْرُ فَهَذَا هَذَا- فَإِنْ قَالَ فَمَا الْبَاغِي عِنْدَكَ- أَ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ لَا مُؤْمِنٌ وَ لَا كَافِرٌ- قُلْنَا إِنَّ الْبَاغِيَ هُوَ الْبَاغِي بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الصَّلَاةِ- وَ سَمَّاهُمْ أَهْلُ الْإِرْجَاءِ مُؤْمِنِينَ مَعَ تَسْمِيَتِهِمْ إِيَّاهُمْ بِالْبَاغِينَ وَ سَمَّاهُمْ أَهْلُ الْوَعِيدِ كُفَّاراً مُشْرِكِينَ- وَ كُفَّاراً غَيْرَ مُشْرِكِينَ كَالْإِبَاضِيَّةِ وَ الزَّيْدِيَّةِ- وَ فُسَّاقاً خَالِدِينَ فِي النَّارِ كَوَاصِلٍ وَ عُمَرَ- وَ مُنَافِقِينَ خَالِدِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ- كَالْحَسَنِ وَ أَصْحَابِهِ- فَكُلُّهُمْ قَدْ أَزَالَ الْبَاغِيَ عَمَّا كَانَ فِيهِ قَبْلَ الْبَغْيِ- فَأَخْرَجَهُ قَوْمٌ إِلَى الْكُفْرِ وَ الشِّرْكِ- كَجَمِيعِ الْخَوَارِجِ غَيْرِ الْإِبَاضِيَّةِ - وَ إِلَى الْكُفْرِ غَيْرِ الشِّرْكِ كَالْإِبَاضِيَّةِ وَ الزَّيْدِيَّةِ- وَ إِلَى الْفِسْقِ وَ النِّفَاقِ كَوَاصِلٍ- وَ أَقَلُّ مَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْإِرْجَاءِ- إِسْقَاطُهُمْ مِنَ السُّنَنِ وَ الْعَدَالَةِ وَ الْقَبُولِ- فَإِنْ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَمَّى الْبَاغِيَ مُؤْمِناً- فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا - فَجَعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ- قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَيْنِ- كَانَ قَبْلَ اقْتِتَالِهِمَا عَالِماً بِالْبَاغِيَةِ مِنْهُمَا- أَ وَ لَمْ يَكُنْ عَالِماً بِالْبَاغِيَةِ مِنْهُمَا- فَإِنْ كَانَ عَالِماً بِالْبَاغِيَةِ مِنْهُمَا- كَانَ مَأْمُوراً بِقِتَالِهَا مَعَ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ وَ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ بِالْبَغْيِ- وَ إِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ بِالْإِصْلَاحِ- جَاهِلًا بِالْبَاغِيَةِ وَ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- فَإِنَّهُ كَانَ جَاهِلًا بِالْمُؤْمِنِ غَيْرِ الْبَاغِي وَ الْمُؤْمِنِ الْبَاغِي- وَ كَانَ الْمُؤْمِنُ غَيْرُ الْبَاغِي عَرَفَ بَعْدَ التَّبْيِينِ- وَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْبَاغِي- [كَانَ] مُجْمَعاً مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ عَلَى إِيمَانِهِ- لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي اسْمِهِ- وَ الْمُؤْمِنُ الْبَاغِي بِزَعْمِكَ مُخْتَلِفٌ فِيهِ- فَلَا يُسَمَّى مُؤْمِناً حَتَّى يُجْمَعَ عَلَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ- كَمَا أُجْمِعَ عَلَى أَنَّهُ بَاغٍ- فَلَا يُسَمَّى الْبَاغِي مُؤْمِناً- إِلَّا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الصَّلَاةِ عَلَى تَسْمِيَتِهِ مُؤْمِناً- كَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بَاغِياً- فَإِنْ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَمَّى الْبَاغِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَخاً- وَ لَا يَكُونُ أَخُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مُؤْمِناً قِيلَ أَحَلْتَ وَ بَاعَدْتَ- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَمَّى هُوداً وَ هُوَ نَبِيٌّ أَخَا عَادٍ وَ هُمْ كُفَّارٌ- فَقَالَ وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً - وَ قَدْ يُقَالُ لِلشَّامِيِّ يَا أَخَا الشَّامِ وَ لِلْيَمَانِيِّ يَا أَخَا الْيَمَنِ- وَ يُقَالُ لِلْمُسَايِفِ اللَّازِمِ لَهُ الْمُقَاتِلِ بِهِ فُلَانٌ أَخُ السَّيْفِ- فَلَيْسَ فِي يَدِ الْمُتَأَوِّلِ أَخُ الْمُؤْمِنِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُؤْمِناً- مَعَ شَهَادَةِ الْقُرْآنِ بِخِلَافِهِ- وَ شَهَادَةِ اللُّغَةِ بِأَنَّهُ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ أَخَا الْجَمَادِ- الَّذِي هُوَ الشَّامُ وَ الْيَمَنُ وَ السَّيْفُ وَ الرُّمْحُ- وَ بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ عَلَى أُمُورِنَا فِي أَدْيَانِنَا- وَ دُنْيَانَا وَ آخِرَتِنَا- وَ إِيَّاهُ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ لِمَا قَرُبَ مِنْهُ وَ أُزْلِفَ لَدَيْهِ بِمَنِّهِ وَ كَرَمِهِ بيان استلأم الرجل إذا لبس اللأمة و هي الدرع و كفرت الشيء أكفره بالكسر كفرا أي سترته و نذر القوم بالعدو بكسر الذال أي علموا و الخطب الأمر و الشأن و بهظه الأمر كمنع غلبه و ثقل عليه. قوله عليه السلام و لا تخف إن غدرت أي لا يرتفع عنك ثقل إن لم تف بالعهد كما أنه لا يثقل عليك إن وفيت قوله ما عزاه أي نسبه إلى النبي ص من العذر في هذا الخروج و يقال أسي على مصيبة بالكسر يأسى أسى أي حزن قوله أخذه ما قدم و ما أخر أي أخذه هم ما قدم من سوء معاملته مع علي عليه السلام و ما أخر من نصرته أو من عذاب الآخرة أو كناية عن هموم شتى لأمور كثيرة مختلفة. و القلق محركة الانزعاج و نزق كفرح و ضرب طاش و خف عند الغضب قوله عن النصرة أي عن نصرة علي عليه السلام قوله و أحال هذا كلام الصدوق أي كذب معاوية و أتى بالمحال حتى ادعى عدم سماع ذلك قوله إنه قاتل رايته أي راية معاوية قوله بأهدى من الأولى أي هي مثل الأولى راية شرك في أنها راية شرك و كفر قوله أو يكون أمره حاصله أن هذا الكلام من النبي ص إما إخبار أو أمر في صورة الخبر و على ما ذكرت من كونهم على الحق يلزم على الأول كذب الرسول ص و على الثاني مخالفة أمير المؤمنين عليه السلام لما أمره به الرسول ص.

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٤ - الصفحة ٣٣. — غير محدد
ع، علل الشرائع دَسَّ مُعَاوِيَةُ إِلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ- وَ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ وَ إِلَى حُجْرِ بْنِ الْحَارِثِ - وَ شَبَثِ بْنِ رِبْعِيٍّ دَسِيساً أَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنٍ مِنْ عُيُونِهِ- أَنَّكَ إِنْ قَتَلْتَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ فَلَكَ مِائَتَا أَلْفِ دِرْهَمٍ- وَ جُنْدٌ مِنْ أَجْنَادِ الشَّامِ وَ بِنْتٌ مِنْ بَنَاتِي- فَبَلَغَ الْحَسَنَ عليه السلام فَاسْتَلْأَمَ وَ لَبِسَ دِرْعاً وَ كَفَرَهَا- وَ كَانَ يَحْتَرِزُ وَ لَا يَتَقَدَّمُ لِلصَّلَاةِ بِهِمْ إِلَّا كَذَلِكَ- فَرَمَاهُ أَحَدُهُمْ فِي الصَّلَاةِ بِسَهْمٍ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ- لِمَا عَلَيْهِ مِنَ اللَّأْمَةِ فَلَمَّا صَارَ فِي مُظْلَمِ سَابَاطَ- ضَرَبَهُ أَحَدُهُمْ بِخَنْجَرٍ مَسْمُومٍ فَعَمِلَ فِيهِ الْخَنْجَرُ- فَأَمَرَ عليه السلام أَنْ يُعْدَلَ بِهِ إِلَى بَطْنِ جُرَيْحَى وَ عَلَيْهَا- عَمُّ الْمُخْتَارِ بْنِ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ قَيْلَةَ- فَقَالَ الْمُخْتَارُ لِعَمِّهِ- تَعَالَ حَتَّى نَأْخُذَ الْحَسَنَ وَ نُسَلِّمَهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ- فَيَجْعَلَ لَنَا الْعِرَاقَ فَنَذِرَ بِذَلِكَ الشِّيعَةُ مِنْ قَوْلِ الْمُخْتَارِ لِعَمِّهِ- فَهَمُّوا بِقَتْلِ الْمُخْتَارِ- فَتَلَطَّفَ عَمُّهُ لِمَسْأَلَةِ الشِّيعَةِ بِالْعَفْوِ عَنِ الْمُخْتَارِ فَفَعَلُوا- فَقَالَ الْحَسَنُ

عليه السلام وَيْلَكُمْ وَ اللَّهِ إِنَّ مُعَاوِيَةَ- لَا يَفِي لِأَحَدٍ مِنْكُمْ بِمَا ضَمِنَهُ فِي قَتْلِي- وَ إِنِّي أَظُنُّ أَنِّي إِنْ وَضَعْتُ يَدِي فِي يَدِهِ- فَأُسَالِمُهُ لَمْ يَتْرُكْنِي أَدِينُ لِدِينِ جَدِّي ص وَ إِنِّي أَقْدِرُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَحْدِي- وَ لَكِنِّي كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَبْنَائِكُمْ وَاقِفِينَ عَلَى أَبْوَابِ أَبْنَائِهِمْ- يَسْتَسْقُونَهُمْ وَ يَسْتَطْعِمُونَهُمْ- بِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُمْ فَلَا يُسْقَوْنَ وَ لَا يُطْعَمُونَ- فَبُعْداً وَ سُحْقاً لِمَا كَسَبَتْهُ أَيْدِيهِمْ- وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ فَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ بِمَا لَا عُذْرَ لَهُمْ فِيهِ- فَكَتَبَ الْحَسَنُ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إِلَى مُعَاوِيَةَ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ خَطْبِي انْتَهَى إِلَى الْيَأْسِ- مِنْ حَقٍّ أُحْيِيهِ وَ بَاطِلٍ أُمِيتُهُ- وَ خَطْبُكَ خَطْبُ مَنِ انْتَهَى إِلَى مُرَادِهِ- وَ إِنَّنِي أَعْتَزِلُ هَذَا الْأَمْرَ وَ أُخَلِّيهِ لَكَ- وَ إِنْ كَانَ تَخْلِيَتِي إِيَّاهُ شَرّاً لَكَ فِي مَعَادِكَ- وَ لِي شُرُوطٌ أَشْتَرِطُهَا- لَا تَبْهَظَنَّكَ إِنْ وَفَيْتَ لِي بِهَا بِعَهْدٍ وَ لَا تَخِفُّ إِنْ غَدَرْتَ- وَ كَتَبَ الشُّرُوطَ فِي كِتَابٍ آخَرَ فِيهِ يُمَنِّيهِ بِالْوَفَاءِ- وَ تَرْكِ الْغَدْرِ- وَ سَتَنْدَمُ يَا مُعَاوِيَةُ كَمَا نَدِمَ غَيْرُكَ مِمَّنْ نَهَضَ فِي الْبَاطِلِ- أَوْ قَعَدَ عَنِ الْحَقِّ حِينَ لَمْ يَنْفَعِ النَّدَمُ وَ السَّلَامُ. - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ مَنْ هُوَ النَّادِمُ النَّاهِضُ وَ النَّادِمُ الْقَاعِدُ- قُلْنَا هَذَا الزُّبَيْرُ ذَكَرَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (صلوات الله عليه) - مَا أَيْقَنَ بِخَطَاءِ مَا أَتَاهُ وَ بَاطِلِ مَا قَضَاهُ- وَ بِتَأْوِيلِ مَا عَزَاهُ فَرَجَعَ عَنْهُ الْقَهْقَرَى- وَ لَوْ وَفَى بِمَا كَانَ فِي بَيْعَتِهِ لَمَحَا نَكْثَهُ- وَ لَكِنَّهُ أَبَانَ ظَاهِراً النَّدَمَ وَ السَّرِيرَةَ إِلَى عَالِمِهَا- وَ هَذَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ- رَوَى أَصْحَابُ الْأَثَرِ فِي فَضَائِلِهِ أَنَّهُ قَالَ- مَهْمَا آسَى عَلَيْهِ مِنْ شَيْءٍ- فَإِنِّي لَا آسَى عَلَى شَيْءٍ أَسَفِي- عَلَى أَنِّي لَمْ أُقَاتِلْ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ مَعَ عَلِيٍ فَهَذَا نَدَمُ الْقَاعِدِ- وَ هَذِهِ عَائِشَةُ رَوَى الرُّوَاةُ أَنَّهَا لَمَّا أَنَّبَهَا مُؤَنِّبٌ فِيمَا أَتَتْهُ- قَالَتْ قُضِيَ الْقَضَاءُ وَ جَفَّتِ الْأَقْلَامُ- وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ لِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص عِشْرُونَ ذَكَراً- كُلُّهُمْ مِثْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامِ- فَثَكِلْتُهُمْ بِمَوْتٍ وَ قَتْلٍ- كَانَ أَيْسَرَ عَلَيَّ مِنْ خُرُوجِي عَلَى عَلِيٍّ- وَ مَسْعَايَ الَّتِي سَعَيْتُ فَإِلَى اللَّهِ شَكْوَايَ لَا إِلَى غَيْرِهِ - وَ هَذَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ- لَمَّا أُنْهِيَ إِلَيْهِ أَنَّ عَلِيّاً (صلوات الله عليه) قَتَلَ ذَا الثُّدَيَّةِ- أَخَذَهُ مَا قَدَّمَ وَ مَا أَخَّرَ وَ قَلِقَ وَ نَزِقَ- وَ قَالَ وَ اللَّهِ لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمَشَيْتُ إِلَيْهِ وَ لَوْ حَبْواً- وَ لَمَّا قَدِمَ مُعَاوِيَةُ دَخَلَ إِلَيْهِ سَعْدٌ- فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا إِسْحَاقَ مَا الَّذِي مَنَعَكَ- أَنْ تُعِينَنِي عَلَى الطَّلَبِ بِدَمِ الْإِمَامِ الْمَظْلُومِ- فَقَالَ كُنْتُ أُقَاتِلُ مَعَكَ عَلِيّاً- وَ - قَدْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ - أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى. - قَالَ أَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ نَعَمْ وَ إِلَّا صَمَّتَا- قَالَ أَنْتَ الْآنَ أَقَلُّ عُذْراً فِي الْقُعُودِ عَنِ النُّصْرَةِ- فَوَ اللَّهِ لَوْ سَمِعْتُ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص مَا قَاتَلْتُهُ - وَ قَدْ أَحَالَ فَقَدْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لِعَلِيٍّ عليه السلام أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَاتَلَهُ- وَ هُوَ بَعْدَ مُفَارَقَتِهِ لِلدُّنْيَا يَلْعَنُهُ وَ يَشْتِمُهُ- وَ يَرَى أَنَّ مُلْكَهُ وَ ثُبَاتَ قُدْرَتِهِ بِذَلِكَ- إِلَّا أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقْطَعَ عُذْرَ سَعْدٍ فِي الْقُعُودِ عَنْ نَصْرِهِ- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ - فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لِحُمْقِهِ وَ خُرْقِهِ- فَإِنَّ عَلِيّاً نَدِمَ مِمَّا كَانَ مِنْهُ مِنَ النُّهُوضِ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ- وَ إِرَاقَةِ تِلْكَ الدِّمَاءِ كَمَا نَدِمُوا هُمْ فِي النُّهُوضِ وَ الْقُعُودِ- قِيلَ كَذَبْتَ وَ أَحَلْتَ - لِأَنَّهُ فِي غَيْرِ مَقَامٍ- قَالَ: إِنِّي قَلَّبْتُ أَمْرِي وَ أَمْرَهُمْ ظَهْراً لِبَطْنٍ- فَمَا وَجَدْتُ إِلَّا قِتَالَهُمْ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ ص. - وَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أُمِرْتُ بِقِتَالِ- النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ- وَ - رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ وَجْهاً عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّكَ تُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ. - وَ لَوْ أَظْهَرَ نَدَماً بِحَضْرَةِ مَنْ سَمِعُوا مِنْهُ هَذَا- وَ هُوَ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ص لَكَانَ مُكَذِّباً فِيهِ نَفْسَهُ- وَ كَانَ فِيهِمُ الْمُهَاجِرُونَ كَعَمَّارٍ وَ الْأَنْصَارُ- كَأَبِي الْهَيْثَمِ وَ أَبِي أَيُّوبَ وَ دُونَهُمَا- فَإِنْ لَمْ يَتَحَرَّجْ وَ لَمْ يَتَوَرَّعْ عَنِ الْكَذِبِ- عَلَى مَنْ كَذَبَ عَلَيْهِ تَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ- اسْتَحْيَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَعْيَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- وَ عَمَّارٌ الَّذِي - يَقُولُ فِيهِ النَّبِيُّ ص عَمَّارٌ مَعَ الْحَقِّ وَ الْحَقُّ مَعَ عَمَّارٍ- يَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دَارَ. يَحْلِفُ جَهْدَ أَيْمَانِهِ وَ اللَّهِ لَوْ بَلَغُوا بِنَا قَصَبَاتِ هَجَرَ- لَعَلِمْتُ أَنَّا عَلَى الْحَقِّ وَ أَنَّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ - وَ يَحْلِفُ أَنَّهُ قَاتَلَ رَايَتَهُ الَّتِي أَحْضَرَهَا صِفِّينَ- وَ هِيَ الَّتِي أَحْضَرَهَا يَوْمَ أُحُدٍ وَ الْأَحْزَابِ- وَ اللَّهِ لَقَدْ قَاتَلْتُ هَذِهِ الرَّايَةَ آخِرَ أَرْبَعِ مَرَّاتٍ- وَ اللَّهِ مَا هِيَ عِنْدِي بِأَهْدَى مِنَ الْأُولَى - وَ كَانَ يَقُولُ إِنَّهُمْ أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ- وَ أَسَرُّوا الْكُفْرَ حَتَّى وَجَدُوا عَلَيْهِ أَعْوَاناً- وَ لَوْ نَدِمَ عَلِيٌّ عليه السلام عِنْدَ - قَوْلِهِ - أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ. - لَكَانَ مَنْ مَعَ عَلِيٍّ يَقُولُ لَهُ كَذَبْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص وَ إِقْرَارُهُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ- وَ كَانَتِ الْأُمَّةُ الزُّبَيْرُ وَ عَائِشَةُ وَ حِزْبُهُمَا- وَ عَلِيٌّ وَ أَبُو أَيُّوبَ وَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ وَ عَمَّارٌ وَ أَصْحَابُهُ- وَ سَعْدٌ وَ ابْنُ عُمَرَ وَ أَصْحَابُهُ - فَإِذَا اجْتَمَعُوا جَمِيعاً عَلَى النَّدَمِ- فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ اجْتَمَعُوا عَلَى نَدَمٍ مِنْ شَيْءٍ- فَعَلُوهُ وَدُّوا أَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوهُ- وَ أَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلُوهُ بَاطِلٌ فَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى الْبَاطِلِ- وَ هُمُ الْأُمَّةُ الَّتِي لَا تَجْتَمِعُ عَلَى الْبَاطِلِ- أَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى النَّدَمِ مِنْ تَرْكِ شَيْءٍ- لَمْ يَفْعَلُوهُ وَدُّوا أَنَّهُمْ فَعَلُوهُ- فَقَدِ اجْتَمَعُوا عَلَى الْبَاطِلِ بِتَرْكِهِمْ جَمِيعاً الْحَقَّ- وَ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ - النَّبِيُّ ص حِينَ قَالَ لِعَلِيٍّ عليه السلام إِنَّكَ تُقَاتِلُ النَّاكِثِينَ وَ الْقَاسِطِينَ وَ الْمَارِقِينَ. - كَانَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ ص خَبَراً- وَ لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ مَا أَخْبَرَ- إِلَّا بِأَنْ يُكَذِّبَ الْمُخْبِرَ أَوْ يَكُونَ أَمْرُهُ بِقِتَالِهِمْ - وَ تَرْكُهُ لِلِائْتِمَارِ بِمَا أُمِرَ بِهِ عِنْدَهُ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ عليه السلام إِنَّهُ كَفَرَ- فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ الْحَسَنَ أَخْبَرَ- بِأَنَّهُ حَقَنَ دِمَاءً أَنْتَ تَدَّعِي أَنَّ عَلِيّاً عليه السلام كَانَ مَأْمُوراً بِإِرَاقَتِهَا- وَ الْحَقْنُ لِمَا أَمَرَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ بِإِرَاقَتِهِ مِنَ الْحَاقِنِ عِصْيَانٌ- قُلْنَا إِنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي ذَكَرَ الْحَسَنُ عليه السلام أُمَّتَانِ وَ فِرْقَتَانِ وَ طَائِفَتَانِ- هَالِكَةٌ وَ نَاجِيَةٌ وَ بَاغِيَةٌ وَ مَبْغِيٌّ عَلَيْهَا- فَإِذَا لَمْ يَكُنْ حَقْنُ دِمَاءِ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- إِلَّا بِحَقْنِ دِمَاءِ الْبَاغِيَةِ- لِأَنَّهُمَا إِذَا اقْتَتَلَا وَ لَيْسَ لِلْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا قِوَامٌ- بِإِزَالَةِ الْبَاغِيَةِ حُقِنَ دَمُ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- وَ إِرَاقَةُ دَمِ الْبَاغِيَةِ مَعَ الْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ- إِرَاقَةٌ لِدَمِ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا لَا غَيْرُ فَهَذَا هَذَا- فَإِنْ قَالَ فَمَا الْبَاغِي عِنْدَكَ- أَ مُؤْمِنٌ أَوْ كَافِرٌ أَوْ لَا مُؤْمِنٌ وَ لَا كَافِرٌ- قُلْنَا إِنَّ الْبَاغِيَ هُوَ الْبَاغِي بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الصَّلَاةِ- وَ سَمَّاهُمْ أَهْلُ الْإِرْجَاءِ مُؤْمِنِينَ مَعَ تَسْمِيَتِهِمْ إِيَّاهُمْ بِالْبَاغِينَ وَ سَمَّاهُمْ أَهْلُ الْوَعِيدِ كُفَّاراً مُشْرِكِينَ- وَ كُفَّاراً غَيْرَ مُشْرِكِينَ كَالْإِبَاضِيَّةِ وَ الزَّيْدِيَّةِ- وَ فُسَّاقاً خَالِدِينَ فِي النَّارِ كَوَاصِلٍ وَ عُمَرَ- وَ مُنَافِقِينَ خَالِدِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ - كَالْحَسَنِ وَ أَصْحَابِهِ- فَكُلُّهُمْ قَدْ أَزَالَ الْبَاغِيَ عَمَّا كَانَ فِيهِ قَبْلَ الْبَغْيِ- فَأَخْرَجَهُ قَوْمٌ إِلَى الْكُفْرِ وَ الشِّرْكِ- كَجَمِيعِ الْخَوَارِجِ غَيْرِ الْإِبَاضِيَّةِ - وَ إِلَى الْكُفْرِ غَيْرِ الشِّرْكِ كَالْإِبَاضِيَّةِ وَ الزَّيْدِيَّةِ- وَ إِلَى الْفِسْقِ وَ النِّفَاقِ كَوَاصِلٍ- وَ أَقَلُّ مَا حَكَمَ عَلَيْهِمْ أَهْلُ الْإِرْجَاءِ- إِسْقَاطُهُمْ مِنَ السُّنَنِ وَ الْعَدَالَةِ وَ الْقَبُولِ- فَإِنْ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَمَّى الْبَاغِيَ مُؤْمِناً- فَقَالَ عَزَّ وَ جَلَ وَ إِنْ طائِفَتانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا - فَجَعَلَهُمْ مُؤْمِنِينَ- قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْإِصْلَاحِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَيْنِ- كَانَ قَبْلَ اقْتِتَالِهِمَا عَالِماً بِالْبَاغِيَةِ مِنْهُمَا- أَ وَ لَمْ يَكُنْ عَالِماً بِالْبَاغِيَةِ مِنْهُمَا- فَإِنْ كَانَ عَالِماً بِالْبَاغِيَةِ مِنْهُمَا- كَانَ مَأْمُوراً بِقِتَالِهَا مَعَ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- حَتَّى تَفِيءَ إِلى أَمْرِ اللَّهِ وَ هُوَ الرُّجُوعُ إِلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ بِالْبَغْيِ- وَ إِنْ كَانَ الْمَأْمُورُ بِالْإِصْلَاحِ- جَاهِلًا بِالْبَاغِيَةِ وَ الْمَبْغِيِّ عَلَيْهَا- فَإِنَّهُ كَانَ جَاهِلًا بِالْمُؤْمِنِ غَيْرِ الْبَاغِي وَ الْمُؤْمِنِ الْبَاغِي- وَ كَانَ الْمُؤْمِنُ غَيْرُ الْبَاغِي عَرَفَ بَعْدَ التَّبْيِينِ- وَ الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ الْبَاغِي- [كَانَ] مُجْمَعاً مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ عَلَى إِيمَانِهِ- لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي اسْمِهِ- وَ الْمُؤْمِنُ الْبَاغِي بِزَعْمِكَ مُخْتَلِفٌ فِيهِ- فَلَا يُسَمَّى مُؤْمِناً حَتَّى يُجْمَعَ عَلَى أَنَّهُ مُؤْمِنٌ- كَمَا أُجْمِعَ عَلَى أَنَّهُ بَاغٍ- فَلَا يُسَمَّى الْبَاغِي مُؤْمِناً- إِلَّا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الصَّلَاةِ عَلَى تَسْمِيَتِهِ مُؤْمِناً- كَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ وَ عَلَى تَسْمِيَتِهِ بَاغِياً- فَإِنْ قَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَمَّى الْبَاغِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَخاً- وَ لَا يَكُونُ أَخُ الْمُؤْمِنِينَ إِلَّا مُؤْمِناً قِيلَ أَحَلْتَ وَ بَاعَدْتَ- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ سَمَّى هُوداً وَ هُوَ نَبِيٌّ أَخَا عَادٍ وَ هُمْ كُفَّارٌ- فَقَالَ وَ إِلى عادٍ أَخاهُمْ هُوداً - وَ قَدْ يُقَالُ لِلشَّامِيِّ يَا أَخَا الشَّامِ وَ لِلْيَمَانِيِّ يَا أَخَا الْيَمَنِ- وَ يُقَالُ لِلْمُسَايِفِ اللَّازِمِ لَهُ الْمُقَاتِلِ بِهِ فُلَانٌ أَخُ السَّيْفِ- فَلَيْسَ فِي يَدِ الْمُتَأَوِّلِ أَخُ الْمُؤْمِنِ لَا يَكُونُ إِلَّا مُؤْمِناً- مَعَ شَهَادَةِ الْقُرْآنِ بِخِلَافِهِ- وَ شَهَادَةِ اللُّغَةِ بِأَنَّهُ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ أَخَا الْجَمَادِ- الَّذِي هُوَ الشَّامُ وَ الْيَمَنُ وَ السَّيْفُ وَ الرُّمْحُ- وَ بِاللَّهِ أَسْتَعِينُ عَلَى أُمُورِنَا فِي أَدْيَانِنَا- وَ دُنْيَانَا وَ آخِرَتِنَا- وَ إِيَّاهُ نَسْأَلُ التَّوْفِيقَ لِمَا قَرُبَ مِنْهُ وَ أُزْلِفَ لَدَيْهِ بِمَنِّهِ وَ كَرَمِهِ بيان استلأم الرجل إذا لبس اللأمة و هي الدرع و كفرت الشيء أكفره بالكسر كفرا أي سترته و نذر القوم بالعدو بكسر الذال أي علموا و الخطب الأمر و الشأن و بهظه الأمر كمنع غلبه و ثقل عليه. قوله عليه السلام و لا تخف إن غدرت أي لا يرتفع عنك ثقل إن لم تف بالعهد كما أنه لا يثقل عليك إن وفيت قوله ما عزاه أي نسبه إلى النبي ص من العذر في هذا الخروج و يقال أسي على مصيبة بالكسر يأسى أسى أي حزن قوله أخذه ما قدم و ما أخر أي أخذه هم ما قدم من سوء معاملته مع علي عليه السلام و ما أخر من نصرته أو من عذاب الآخرة أو كناية عن هموم شتى لأمور كثيرة مختلفة. و القلق محركة الانزعاج و نزق كفرح و ضرب طاش و خف عند الغضب قوله عن النصرة أي عن نصرة علي عليه السلام قوله و أحال هذا كلام الصدوق أي كذب معاوية و أتى بالمحال حتى ادعى عدم سماع ذلك قوله إنه قاتل رايته أي راية معاوية قوله بأهدى من الأولى أي هي مثل الأولى راية شرك في أنها راية شرك و كفر قوله أو يكون أمره حاصله أن هذا الكلام من النبي ص إما إخبار أو أمر في صورة الخبر و على ما ذكرت من كونهم على الحق يلزم على الأول كذب الرسول ص و على الثاني مخالفة أمير المؤمنين عليه السلام لما أمره به الرسول ص. أقول قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ فِي شَرْحِ نَهْجِ الْبَلَاغَةِ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الْأَصْفَهَانِيُ كَتَبَ الْحَسَنُ عليه السلام إِلَى مُعَاوِيَةَ مَعَ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ مِنَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ جَلَّ وَ عَزَّ بَعَثَ مُحَمَّداً ص رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ وَ مِنَّةً لِلْمُؤْمِنِينَ تَوَفَّاهُ اللَّهُ غَيْرَ مُقَصِّرٍ وَ لَا وَانٍ بَعْدَ أَنْ أَظْهَرَ اللَّهُ بِهِ الْحَقَّ وَ مَحَقَ بِهِ الشِّرْكَ وَ خَصَّ قُرَيْشاً خَاصَّةً فَقَالَ لَهُ وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ فَلَمَّا تُوُفِّيَ تَنَازَعَتْ سُلْطَانَهُ الْعَرَبُ فَقَالَتْ قُرَيْشٌ نَحْنُ قَبِيلَتُهُ وَ أُسْرَتُهُ وَ أَوْلِيَاؤُهُ وَ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تُنَازِعُونَا سُلْطَانَ مُحَمَّدٍ وَ حَقَّهُ فَرَأَتِ الْعَرَبُ أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَتْ قُرَيْشٌ وَ أَنَّ الْحُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى مَنْ نَازَعَهُمْ أَمْرَ مُحَمَّدٍ ص فَأَنْعَمَتْ لَهُمْ وَ سَلَّمَتْ إِلَيْهِمْ. ثُمَّ حَاجَجْنَا نَحْنُ قُرَيْشاً بِمِثْلِ مَا حَاجَّتْ بِهِ الْعَرَبُ فَلَمْ تُنْصِفْنَا قُرَيْشٌ إِنْصَافَ الْعَرَبِ لَهَا إِنَّهُمْ أَخَذُوا هَذَا الْأَمْرَ دُونَ الْعَرَبِ بِالْإِنْصَافِ وَ الِاحْتِجَاجِ فَلَمَّا صِرْنَا أَهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَ أَوْلِيَاءَهُ إِلَى مُحَاجَّتِهِمْ وَ طَلَبِ النَّصَفِ مِنْهُمْ بَاعَدُونَا وَ اسْتَوْلَوْا بِالاجْتِمَاعِ عَلَى ظُلْمِنَا وَ مُرَاغَمَتِنَا وَ الْعَنَتِ مِنْهُمْ لَنَا فَالْمَوْعِدُ اللَّهُ وَ هُوَ الْوَلِيُّ النَّصِيرُ. وَ لَقَدْ تَعَجَّبْنَا لِتَوَثُّبِ الْمُتَوَثِّبِينَ عَلَيْنَا فِي حَقِّنَا وَ سُلْطَانِ نَبِيِّنَا وَ إِنْ كَانُوا ذَوِي فَضِيلَةٍ وَ سَابِقَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وَ أَمْسَكْنَا عَنْ مُنَازَعَتِهِمْ مَخَافَةً عَلَى الدِّينِ أَنْ يَجِدَ الْمُنَافِقُونَ وَ الْأَحْزَابُ فِي ذَلِكَ مَغْمَزاً يَثْلِمُونَهُ بِهِ أَوْ يَكُونَ لَهُمْ بِذَلِكَ سَبَبٌ إِلَى مَا أَرَادُوا مِنْ إِفْسَادِهِ فَالْيَوْمَ فَلْيَتَعَجَّبِ الْمُتَعَجِّبُ مِنْ تَوَثُّبِكَ يَا مُعَاوِيَةُ عَلَى أَمْرٍ لَسْتَ مِنْ أَهْلِهِ لَا بِفَضْلٍ فِي الدِّينِ مَعْرُوفٍ وَ لَا أَثَرٍ فِي الْإِسْلَامِ مَحْمُودٍ وَ أَنْتَ ابْنُ حِزْبٍ مِنَ الْأَحْزَابِ وَ ابْنُ أَعْدَى قُرَيْشٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ص وَ لَكِنَّ اللَّهَ حَسِيبُكَ فَسَتُرَدُّ فَتَعْلَمُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ وَ بِاللَّهِ لَتَلْقَيَنَّ عَنْ قَلِيلٍ رَبَّكَ ثُمَّ لَيَجْزِيَنَّكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَ مَا اللَّهُ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ إِنَّ عَلِيّاً لَمَّا مَضَى لِسَبِيلِهِ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ يَوْمَ قُبِضَ وَ يَوْمَ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالْإِسْلَامِ وَ يَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً وَلَّانِي الْمُسْلِمُونَ الْأَمْرَ بَعْدَهُ فَأَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ لَا يُؤْتِيَنَا فِي الدُّنْيَا الزَّائِلَةِ شَيْئاً يَنْقُصُنَا بِهِ فِي الْآخِرَةِ مِمَّا عِنْدَهُ مِنْ كَرَامَتِهِ وَ إِنَّمَا حَمَلَنِي عَلَى الْكِتَابِ إِلَيْكَ الْإِعْذَارُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فِي أَمْرِكَ وَ لَكَ فِي ذَلِكَ إِنْ فَعَلْتَهُ الْحَظُّ الْجَسِيمُ وَ الصَّلَاحُ لِلْمُسْلِمِينَ فَدَعِ التَّمَادِيَ فِي الْبَاطِلِ وَ ادْخُلْ فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ مِنْ بَيْعَتِي فَإِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي أَحَقُّ بِهَذَا الْأَمْرِ مِنْكَ عِنْدَ اللَّهِ وَ عِنْدَ كُلِ أَوَّابٍ حَفِيظٍ وَ مَنْ لَهُ قَلْبٌ مُنِيبٌ. وَ اتَّقِ اللَّهَ وَ دَعِ الْبَغْيَ وَ احْقُنْ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ فَوَ اللَّهِ مَا لَكَ مِنْ خَيْرٍ فِي أَنْ تَلْقَى اللَّهَ مِنْ دِمَائِهِمْ بِأَكْثَرَ مِمَّا أَنْتَ لَاقِيهِ بِهِ وَ ادْخُلْ فِي السِّلْمِ وَ الطَّاعَةِ وَ لَا تُنَازِعِ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنْكَ لِيُطْفِئَ اللَّهُ النَّائِرَةَ بِذَلِكَ وَ يَجْمَعَ الْكَلِمَةَ وَ يُصْلِحَ ذَاتَ الْبَيْنِ وَ إِنْ أَنْتَ أَبَيْتَ إِلَّا التَّمَادِيَ فِي غَيِّكَ سِرْتُ إِلَيْكَ بِالْمُسْلِمِينَ فَحَاكَمْتُكَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَ هُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ أقول ثم ذكر جواب معاوية و ما أظهر فيه من الكفر و الإلحاد إِلَى قَوْلِهِ وَ قَدْ فَهِمْتُ الَّذِي دَعَوْتَنِي إِلَيْه مِنَ الصُّلْحِ فَلَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ أَضْبَطُ مِنِّي لِلرَّعِيَّةِ وَ أَحْوَطُ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَ أَحْسَنُ سِيَاسَةً وَ أَقْوَى عَلَى جَمْعِ الْأَمْوَالِ وَ أَكْيَدُ لِلْعَدُوِّ لَأَجَبْتُكَ إِلَى مَا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ وَ رَأَيْتُكَ لِذَلِكَ أَهْلًا وَ لَكِنْ قَدْ عَلِمْتَ أَنِّي أَطْوَلُ مِنْكَ وَلَايَةً وَ أَقْدَمُ مِنْكَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ تَجْرِبَةً وَ أَكْبَرُ مِنْكَ سِنّاً فَأَنْتَ أَحَقُّ أَنْ تُجِيبَنِي إِلَى هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ الَّتِي سَأَلْتَنِي فَادْخُلْ فِي طَاعَتِي وَ لَكَ الْأَمْرُ مِنْ بَعْدِي وَ لَكَ مَا فِي بَيْتِ مَالِ الْعِرَاقِ بَالِغاً مَا بَلَغَ تَحْمِلُهُ إِلَى حَيْثُ أَحْبَبْتَ وَ لَكَ خَرَاجُ أَيِّ كُوَرِ الْعِرَاقِ شِئْتَ مَعُونَةً عَلَى نَفَقَتِكَ يَجْبِيهَا أَمِينُكَ وَ يَحْمِلُهَا إِلَيْكَ فِي كُلِّ سَنَةٍ وَ لَكَ أَنْ لَا يُسْتَوْلَى عَلَيْكَ بِالْأَشْيَاءِ وَ لَا يُقْضَى دُونَكَ الْأُمُورُ وَ لَا تُعْصَى فِي أَمْرٍ أَرَدْتَ بِهِ طَاعَةَ اللَّهِ أَعَانَنَا اللَّهُ وَ إِيَّاكَ عَلَى طَاعَتِهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ مُجِيبُ الدُّعَاءِ وَ السَّلَامُ. قَالَ جُنْدَبٌ فَلَمَّا أَتَيْتُ الْحَسَنَ عليه السلام بِكِتَابِ مُعَاوِيَةَ قُلْتُ لَهُ إِنَّ الرَّجُلَ سَائِرٌ إِلَيْكَ فَابْدَأْهُ بِالْمَسِيرِ حَتَّى تُقَاتِلَهُ فِي أَرْضِهِ وَ بِلَادِهِ وَ عَمَلِهِ فَأَمَّا أَنْ تُقَدِّرَ أَنَّهُ يَنْقَادُ لَكَ فَلَا وَ اللَّهِ حَتَّى يَرَى مِنَّا أَعْظَمَ مِنْ يَوْمِ صِفِّينَ فَقَالَ أَفْعَلُ ثُمَّ قَعَدَ عَنْ مَشُورَتِي وَ تَنَاسَى قَوْلِي.

بحار الأنوار - ج ٤٤ - الصفحة ٣٣. — غير محدد

شا، الإرشاد لَمَّا بَلَغَ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ وَفَاةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ بَيْعَةُ النَّاسِ ابْنَهُ الْحَسَنَ عليه السلام دَسَّ رَجُلًا مِنْ حِمْيَرٍ إِلَى الْكُوفَةِ- وَ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْقَيْنِ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَكْتُبَا إِلَيْهِ بِالْأَخْبَارِ- وَ يُفْسِدَا عَلَى الْحَسَنِ الْأُمُورَ- فَعَرَفَ ذَلِكَ الْحَسَنُ عليه السلام فَأَمَرَ بِاسْتِخْرَاجِ الْحِمْيَرِيِّ مِنْ عِنْدِ لَحَّامٍ بِالْكُوفَةِ- فَأُخْرِجَ وَ أَمَرَ بِضَرْبِ عُنُقِهِ- وَ كَتَبَ إِلَى الْبَصْرَةِ بِاسْتِخْرَاجِ الْقَيْنِيِّ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ- فَأُخْرِجَ وَ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ- وَ كَتَبَ الْحَسَنُ عليه السلام إِلَى مُعَاوِيَةَ- أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّكَ دَسَسْتَ الرِّجَالَ لِلِاحْتِيَالِ وَ الِاغْتِيَالِ- وَ أَرْصَدْتَ الْعُيُونَ كَأَنَّكَ تُحِبُّ اللِّقَاءَ- وَ مَا أَشُكُّ فِي ذَلِكَ فَتَوَقَّعْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- وَ بَلَغَنِي أَنَّكَ شَمِتَّ بِمَا لَمْ يَشْمَتْ بِهِ ذُو حِجًى- وَ إِنَّمَا مَثَلُكَ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ- فَقُلْ لِلَّذِي يَبْغِي خِلَافَ الَّذِي مَضَى* * * -تَزَوَّدْ لِأُخْرَى مِثْلَهَا فَكَأَنَّ قَدْ- فَإِنَّا وَ مَنْ قَدْ مَاتَ مِنَّا لَكَالَّذِي* * * -يَرُوحُ فَيُمْسِي فِي الْمَبِيتِ لِيَغْتَدِي - فَأَجَابَهُ مُعَاوِيَةُ عَنْ كِتَابِهِ بِمَا لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى ذِكْرِهِ- وَ كَانَ بَيْنَ الْحَسَنِ عليه السلام وَ بَيْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مُكَاتَبَاتٌ وَ مُرَاسَلَاتٌ- وَ احْتِجَاجَاتٌ لِلْحَسَنِ- عليه السلام فِي اسْتِحْقَاقِهِ الْأَمْرَ- وَ تَوَثُّبِ مَنْ تَقَدَّمَ عَلَى أَبِيهِ عليهما السلام وَ ابْتِزَازِهِمْ سُلْطَانَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ تَحَقُّقِهِمْ بِهِ دُونَهُ- أَشْيَاءُ يَطُولُ ذِكْرُهَا- وَ سَارَ مُعَاوِيَةُ نَحْوَ الْعِرَاقِ لِيَغْلِبَ- عَلَيْهِ- فَلَمَّا بَلَغَ جِسْرَ مَنْبِجٍ تَحَرَّكَ الْحَسَنُ عليه السلام وَ بَعَثَ حُجْرَ بْنَ عَدِيٍّ يَأْمُرُ الْعُمَّالَ بِالْمَسِيرِ- وَ اسْتَنْفَرَ النَّاسَ لِلْجِهَادِ فَتَثَاقَلُوا عَنْهُ- ثُمَّ خَفُّوا وَ مَعَهُ أَخْلَاطٌ مِنَ النَّاسِ بَعْضُهُمْ شِيعَةٌ لَهُ وَ لِأَبِيهِ- وَ بَعْضُهُمْ مُحَكِّمَةٌ يُؤْثِرُونَ قِتَالَ مُعَاوِيَةَ بِكُلِّ حِيلَةٍ- وَ بَعْضُهُمْ أَصْحَابُ فِتَنٍ وَ طَمَعٍ فِي الْغَنَائِمِ وَ بَعْضُهُمْ شُكَّاكٌ- وَ بَعْضُهُمْ أَصْحَابُ عَصَبِيَّةٍ اتَّبَعُوا رُؤَسَاءَ قَبَائِلِهِمْ- لَا يَرْجِعُونَ إِلَى دِينٍ- فَسَارَ حَتَّى أَتَى حَمَّامَ عُمَرَ ثُمَّ أَخَذَ عَلَى دَيْرِ كَعْبٍ- فَنَزَلَ سَابَاطَ دُونَ الْقَنْطَرَةِ وَ بَاتَ هُنَاكَ- فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرَادَ عليه السلام أَنْ يَمْتَحِنَ أَصْحَابَهُ- وَ يَسْتَبْرِئَ أَحْوَالَهُمْ لَهُ فِي الطَّاعَةِ- لِيَتَمَيَّزَ بِذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهُ مِنْ أَعْدَائِهِ- وَ يَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ لِقَاءِ مُعَاوِيَةَ وَ أَهْلِ الشَّامِ- فَأَمَرَ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ بِالصَّلَاةَ جَامِعَةً- فَاجْتَمَعُوا فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ- الْحَمْدُ لِلَّهِ كُلَّمَا حَمِدَهُ حَامِدٌ- وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كُلَّمَا شَهِدَ لَهُ شَاهِدٌ- وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ- أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَ ائْتَمَنَهُ عَلَى الْوَحْيِ- ص أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي وَ اللَّهِ لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ- قَدْ أَصْبَحْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَ مَنِّهِ- وَ أَنَا أَنْصَحُ خَلْقِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ- وَ مَا أَصْبَحْتُ مُحْتَمِلًا عَلَى مُسْلِمٍ ضَغِينَةً- وَ لَا مُرِيداً لَهُ بِسُوءٍ وَ لَا غَائِلَةٍ- أَلَا وَ إِنَّ مَا تَكْرَهُونَ فِي الْجَمَاعَةِ- خَيْرٌ لَكُمْ مِمَّا تُحِبُّونَ فِي الْفُرْقَةِ- أَلَا وَ إِنِّي نَاظِرٌ لَكُمْ خَيْراً مِنْ نَظَرِكُمْ لِأَنْفُسِكُمْ- فَلَا تُخَالِفُوا أَمْرِي وَ لَا تَرُدُّوا عَلَيَّ رَأْيِي- غَفَرَ اللَّهُ لِي وَ لَكُمْ- وَ أَرْشَدَنِي وَ إِيَّاكُمْ لِمَا فِيهِ الْمَحَبَّةُ وَ الرِّضَا- قَالَ فَنَظَرَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ- وَ قَالُوا مَا تَرَوْنَهُ يُرِيدُ بِمَا قَالَ- قَالُوا نَظُنُّهُ وَ اللَّهِ يُرِيدُ أَنْ يُصَالِحَ مُعَاوِيَةَ- وَ يُسَلِّمَ الْأَمْرَ إِلَيْهِ- فَقَالُوا كَفَرَ وَ اللَّهِ الرَّجُلُ ثُمَّ شَدُّوا عَلَى فُسْطَاطِهِ- وَ انْتَهَبُوهُ حَتَّى أَخَذُوا مُصَلَّاهُ مِنْ تَحْتِهِ- ثُمَّ شَدَّ عَلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُعَالٍ الْأَزْدِيُّ- فَنَزَعَ مطرفة [مِطْرَفَهُ عَنْ عَاتِقِهِ فَبَقِيَ جَالِساً- مُتَقَلِّداً بِالسَّيْفِ بِغَيْرِ رِدَاءٍ- ثُمَّ دَعَا بِفَرَسِهِ وَ رَكِبَهُ وَ أَحْدَقَ بِهِ طَوَائِفُ مِنْ خَاصَّتِهِ وَ شِيعَتِهِ- وَ مَنَعُوا مِنْهُ مَنْ أَرَادَهُ- فَقَالَ ادْعُوا لِي رَبِيعَةَ وَ هَمْدَانَ فَدَعَوْا لَهُ فَأَطَافُوا بِهِ- وَ دَفَعُوا النَّاسَ عَنْهُ عليه السلام وَ سَارَ وَ مَعَهُ شَوْبٌ مِنْ غَيْرِهِمْ- فَلَمَّا مَرَّ فِي مُظْلَمِ سَابَاطَ- بَدَرَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ الْجَرَّاحُ بْنُ سِنَانٍ- وَ أَخَذَ بِلِجَامِ بَغْلَتِهِ وَ بِيَدِهِ مِغْوَلٌ- وَ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ أَشْرَكْتَ يَا حَسَنُ كَمَا أَشْرَكَ أَبُوكَ مِنْ قَبْلُ- ثُمَّ طَعَنَهُ فِي فَخِذِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى بَلَغَ الْعَظْمَ- ثُمَّ اعْتَنَقَهُ الْحَسَنُ عليه السلام وَ خَرَّا جَمِيعاً إِلَى الْأَرْضِ- فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ شِيعَةِ الْحَسَنِ- يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ الطَّائِيُّ فَانْتَزَعَ الْمِغْوَلَ مِنْ يَدِهِ- وَ خَضْخَضَ بِهِ جَوْفَهُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ آخَرُ يُقَالُ لَهُ- ظَبْيَانُ بْنُ عُمَارَةَ فَقَطَعَ أَنْفَهُ فَهَلَكَ مِنْ ذَلِكَ- وَ أُخِذَ آخَرُ كَانَ مَعَهُ فَقُتِلَ- وَ حُمِلَ الْحَسَنُ عليه السلام عَلَى سَرِيرٍ إِلَى الْمَدَائِنِ- فَأُنْزِلَ بِهِ عَلَى سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ- وَ كَانَ عَامِلَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام بِهَا- فَأَقَرَّهُ الْحَسَنُ عليه السلام عَلَى ذَلِكَ- وَ اشْتَغَلَ الْحَسَنُ عليه السلام بِنَفْسِهِ يُعَالِجُ جُرْحَهُ- وَ كَتَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ رُؤَسَاءِ القَبَائِلِ إِلَى مُعَاوِيَةَ- بِالسَّمْعِ وَ الطَّاعَةِ لَهُ فِي السِّرِّ- وَ اسْتَحَثُّوهُ عَلَى الْمَسِيرِ نَحْوَهُمْ- وَ ضَمِنُوا لَهُ تَسْلِيمَ الْحَسَنِ عليه السلام إِلَيْهِ عِنْدَ دُنُوِّهِمْ- مِنْ عَسْكَرِهِ أَوِ الْفَتْكَ بِهِ- وَ بَلَغَ الْحَسَنَ عليه السلام ذَلِكَ وَ وَرَدَ عَلَيْهِ كِتَابُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ- وَ كَانَ قَدْ أَنْفَذَهُ مَعَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ- عِنْدَ مَسِيرِهِ مِنَ الْكُوفَةِ لِيَلْقَى مُعَاوِيَةَ وَ يَرُدَّهُ عَنِ الْعِرَاقِ- وَ جَعَلَهُ أَمِيراً عَلَى الْجَمَاعَةِ- وَ قَالَ إِنْ أُصِبْتَ فَالْأَمِيرُ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ- فَوَصَلَ كِتَابُ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ يُخْبِرُهُ- أَنَّهُمْ نَازَلُوا مُعَاوِيَةَ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا الْحَبُّونِيَّةُ- بِإِزَاءِ مَسْكِنَ وَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ أَرْسَلَ إِلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْعَبَّاسِ- يُرَغِّبُهُ فِي الْمَصِيرِ إِلَيْهِ- وَ ضَمِنَ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ دِرْهَمٍ يُعَجِّلُ لَهُ مِنْهَا النِّصْفَ- وَ يُعْطِيهِ النِّصْفَ الْآخَرَ عِنْدَ دُخُولِهِ إِلَى الْكُوفَةِ- فَانْسَلَّ عُبَيْدُ اللَّهِ فِي اللَّيْلِ إِلَى مُعَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ فِي خَاصَّتِهِ- وَ أَصْبَحَ النَّاسُ قَدْ فَقَدُوا أَمِيرَهُمْ- فَصَلَّى بِهِمْ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَ نَظَرَ فِي أُمُورِهِمْ- فَازْدَادَتْ بَصِيرَةُ الْحَسَنِ عليه السلام بِخِذْلَانِ الْقَوْمِ لَهُ- وَ فَسَادِ نِيَّاتِ الْمُحَكِّمَةِ فِيهِ- بِمَا أَظْهَرُوهُ لَهُ مِنَ السَّبِّ وَ التَّكْفِيرِ لَهُ- وَ اسْتِحْلَالِ دَمِهِ وَ نَهْبِ أَمْوَالِهِ- وَ لَمْ يَبْقَ مَعَهُ مَنْ يَأْمَنُ غَوَائِلَهُ- إِلَّا خَاصَّةٌ مِنْ شِيعَةِ أَبِيهِ وَ شِيعَتِهِ- وَ هُمْ جَمَاعَةٌ لَا يَقُومُ لِأَجْنَادِ الشَّامِ- فَكَتَبَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَةُ فِي الْهُدْنَةِ وَ الصُّلْحِ- وَ أَنْفَذَ إِلَيْهِ بِكُتُبِ أَصْحَابِهِ- الَّذِينَ ضَمِنُوا لَهُ فِيهَا الْفَتْكَ بِهِ وَ تَسْلِيمَهُ إِلَيْهِ- وَ اشْتَرَطَ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِجَابَتِهِ إِلَى صُلْحِهِ شُرُوطاً كَثِيرَةً- وَ عَقَدَ لَهُ عُقُوداً كَانَ فِي الْوَفَاءِ بِهَا مَصَالِحُ شَامِلَةٌ- فَلَمْ يَثِقْ بِهِ الْحَسَنُ وَ عَلِمَ بِاحْتِيَالِهِ بِذَلِكَ وَ اغْتِيَالِهِ- غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ بُدّاً مِنْ إِجَابَتِهِ إِلَى مَا الْتَمَسَ مِنْهُ- مِنْ تَرْكِ الْحَرْبِ وَ إِنْفَاذِ الْهُدْنَةِ- لِمَا كَانَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ مِمَّا وَصَفْنَاهُ مِنْ ضَعْفِ الْبَصَائِرِ فِي حَقِّهِ- وَ الْفَسَادِ عَلَيْهِ وَ الْخُلْفِ مِنْهُمْ لَهُ- وَ مَا انْطَوَى عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ فِي اسْتِحْلَالِ دَمِهِ- وَ تَسْلِيمِهِ إِلَى خَصْمِهِ- وَ مَا كَانَ مِنْ خِذْلَانِ ابْنِ عَمِّهِ لَهُ وَ مَصِيرِهِ إِلَى عَدُوِّهِ- وَ مَيْلِ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ إِلَى الْعَاجِلَةِ وَ زُهْدِهِمْ فِي الْآجِلَةِ- فَتَوَثَّقَ عليه السلام لِنَفْسِهِ مِنْ مُعَاوِيَةَ لِتَوْكِيدِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ- وَ الْإِعْذَارِ فِيمَا بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى- وَ عِنْدَ كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ- وَ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ تَرْكَ سَبِّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ الْعُدُولَ عَنِ الْقُنُوتِ عَلَيْهِ فِي الصَّلَوَاتِ- وَ أَنْ يُؤْمِنَ شِيعَتَهُ وَ لَا يَتَعَرَّضَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ بِسُوءٍ وَ يُوصِلَ إِلَى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ- وَ أَجَابَهُ مُعَاوِيَةُ إِلَى ذَلِكَ كُلِّهِ- وَ عَاهَدَ عَلَيْهِ وَ حَلَفَ لَهُ بِالْوَفَاءِ لَهُ- فَلَمَّا اسْتَتَمَّتِ الْهُدْنَةُ عَلَى ذَلِكَ- سَارَ مُعَاوِيَةُ حَتَّى نَزَلَ بِالنُّخَيْلَةِ- وَ كَانَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ- فَصَلَّى بِالنَّاسِ ضُحَى النَّهَارِ فَخَطَبَهُمْ وَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ- إِنِّي وَ اللَّهِ مَا قَاتَلْتُكُمْ لِتُصَلُّوا- وَ لَا لِتَصُومُوا وَ لَا لِتَحُجُّوا وَ لَا لِتُزَكُّوا إِنَّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ذَلِكَ- وَ لَكِنِّي قَاتَلْتُكُمْ لِأَتَأَمَّرَ عَلَيْكُمْ- وَ قَدْ أَعْطَانِي اللَّهُ ذَلِكَ وَ أَنْتُمْ لَهُ كَارِهُونَ أَلَا وَ إِنِّي كُنْتُ مَنَّيْتُ الْحَسَنَ وَ أَعْطَيْتُهُ أَشْيَاءَ- وَ جَمِيعُهَا تَحْتَ قَدَمَيَّ لَا أَفِي بِشَيْءٍ مِنْهَا لَهُ- ثُمَّ سَارَ حَتَّى دَخَلَ الْكُوفَةَ فَأَقَامَ بِهَا أَيَّاماً- فَلَمَّا اسْتَتَمَّتِ الْبَيْعَةُ لَهُ مِنْ أَهْلِهَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ- فَخَطَبَ النَّاسَ وَ ذَكَرَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ نَالَ مِنْهُ- وَ نَالَ مِنَ الْحَسَنِ عليه السلام مَا نَالَ- وَ كَانَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ عليهما السلام حَاضِرَيْنِ- فَقَامَ الْحُسَيْنُ عليه السلام لِيَرُدَّ عَلَيْهِ- فَأَخَذَ بِيَدِهِ الْحَسَنُ عليه السلام فَأَجْلَسَهُ- ثُمَّ قَامَ فَقَالَ أَيُّهَا الذَّاكِرُ عَلِيّاً أَنَا الْحَسَنُ وَ أَبِي عَلِيٌّ- وَ أَنْتَ مُعَاوِيَةُ وَ أَبُوكَ صَخْرٌ وَ أُمِّي فَاطِمَةُ وَ أُمُّكَ هِنْدٌ- وَ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ ص وَ جَدُّكَ حَرْبٌ- وَ جَدَّتِي خَدِيجَةُ وَ جَدَّتُكَ قُتَيْلَةُ- فَلَعَنَ اللَّهُ أَخْمَلَنَا ذِكْراً وَ أَلْأَمَنَا حَسَباً- وَ شَرَّنَا قَدَماً وَ أَقْدَمَنَا كُفْراً وَ نِفَاقاً- فَقَالَتْ طَوَائِفُ مِنْ أَهْلِ الْمَسْجِدِ آمِينَ آمِينَ. توضيح قوله فكأن قد أي فكأن قد نزلت أو جاءت و حذف مدخول قد شائع قوله و بيده مغول في بعض النسخ بالغين المعجمة قال الفيروزآبادي المغول كمنبر حديدة تجعل في السوط فيكون لها غلاف و شبه مشمل إلا أنه أدق و أطول منه و نصل طويل أو سيف دقيق له قفا واسم و في بعضها بالمهملة و هي حديدة ينقر بها الجبال و الخضخضة التحريك و الفتك أن يأتي الرجل صاحبه و هو غار غافل حتى يشد عليه فيقتله. أقول وَ قَالَ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ أَبِي الْحَدِيدِ لَمَّا سَارَ مُعَاوِيَةُ قَاصِداً إِلَى الْعِرَاقِ وَ بَلَغَ جِسْرَ مَنْبِجٍ نَادَى الْمُنَادِي الصَّلَاةَ جَامِعَةً فَلَمَّا اجْتَمَعُوا خَرَجَ الْحَسَنُ عليه السلام فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْجِهَادَ عَلَى خَلْقِهِ وَ سَمَّاهُ كَرْهاً ثُمَّ قَالَ لِأَهْلِ الْجِهَادِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ فَلَسْتُمْ أَيُّهَا النَّاسُ نَائِلِينَ مَا تُحِبُّونَ إِلَّا بِالصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُونَ إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَلَغَهُ أَنَّا كُنَّا أَزْمَعْنَا عَلَى الْمَسِيرِ إِلَيْهِ فَتَحَرَّكَ لِذَلِكَ فَاخْرُجُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى مُعَسْكَرِكُمْ بِالنُّخَيْلَةِ حَتَّى نَنْظُرَ وَ تَنْظُرُونَ وَ نَرَى وَ تَرَوْنَ قَالَ وَ إِنَّهُ فِي كَلَامِهِ لَيَتَخَوَّفُ خِذْلَانَ النَّاسِ لَهُ. قَالَ فَسَكَتُوا فَمَا تَكَلَّمَ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَ لَا أَجَابَهُ بِحَرْفٍ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ قَامَ فَقَالَ أَنَا ابْنُ حَاتِمٍ سُبْحَانَ اللَّهِ مَا أَقْبَحَ هَذَا الْمَقَامَ أَ لَا تُجِيبُونَ إِمَامَكُمْ وَ ابْنَ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ أَيْنَ خُطَبَاءُ مِصْرَ الَّذِينَ أَلْسِنَتُهُمْ كَالْمَخَارِيقِ فِي الدَّعَةِ فَإِذَا جَدَّ الْجَدُّ فَرَوَّاغُونَ كَالثَّعَالِبِ أَ مَا تَخَافُونَ مَقْتَ اللَّهِ وَ لَا عَنَتَهَا وَ عَارَهَا. ثُمَّ اسْتَقْبَلَ الْحَسَنَ عليه السلام بِوَجْهِهِ فَقَالَ أَصَابَ اللَّهُ بِكَ الْمَرَاشِدَ وَ جَنَّبَكَ الْمَكَارِهَ وَ وَفَّقَكَ لِمَا يُحْمَدُ وَرْدُهُ وَ صَدْرُهُ وَ قَدْ سَمِعْنَا مَقَالَتَكَ وَ انْتَهَيْنَا إِلَى أَمْرِكَ وَ سَمِعْنَا لَكَ وَ أَطَعْنَاكَ فِيمَا قُلْتَ وَ رَأَيْتَ وَ هَذَا وَجْهِي إِلَى مُعَسْكَرِنَا فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوَافِيَ فَلْيُوَافِ. ثُمَّ مَضَى لِوَجْهِهِ فَخَرَجَ مِنَ الْمَسْجِدِ وَ دَابَّتُهُ بِالْبَابِ فَرَكِبَهَا وَ مَضَى إِلَى النُّخَيْلَةِ وَ أَمَرَ غُلَامَهُ أَنْ يَلْحَقَهُ بِمَا يُصْلِحُهُ فَكَانَ عَدِيٌّ أَوَّلَ النَّاسِ عَسْكَراً. ثُمَّ قَامَ قَيْسُ بْنُ عُبَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ وَ مَعْقِلُ بْنُ قَيْسٍ الرِّيَاحِيُّ وَ زِيَادُ بْنُ حَصْفَةَ التَّيْمِيُّ فَأَنَّبُوا النَّاسَ وَ لَامُوهُمْ وَ حَرَّضُوهُمْ وَ كَلَّمُوا الْحَسَنَ عليه السلام بِمِثْلِ كَلَامِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ فِي الْإِجَابَةِ وَ الْقَبُولِ فَقَالَ لَهُمُ الْحَسَنُ عليه السلام صَدَقْتُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ مَا زِلْتُ أَعْرِفُكُمْ بِصِدْقِ النِّيَّةِ وَ الْوَفَاءِ وَ الْقَبُولِ وَ الْمَوَدَّةِ الصَّحِيحَةِ فَجَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْراً ثُمَّ نَزَلَ وَ خَرَجَ النَّاسُ وَ عَسْكَرُوا وَ نَشِطُوا لِلْخُرُوجِ وَ خَرَجَ الْحَسَنُ عليه السلام إِلَى الْمُعَسْكَرِ وَ اسْتَخْلَفَ عَلَى الْكُوفَةِ الْمُغِيرَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ وَ أَمَرَهُ بِاسْتِحْثَاثِ النَّاسِ عَلَى اللُّحُوقِ إِلَيْهِ وَ سَارَ الْحَسَنُ عليه السلام فِي عَسْكَرٍ عَظِيمٍ حَتَّى نَزَلَ دَيْرَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَقَامَ بِهِ ثَلَاثاً حَتَّى اجْتَمَعَ النَّاسُ. ثُمَّ دَعَا عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ الْعَبَّاسِ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ عَمِّ إِنِّي بَاعِثٌ مَعَكَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفاً مِنْ فُرْسَانِ الْعَرَبِ وَ قُرَّاءِ الْمِصْرِ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَزِيدُ الْكَتِيبَةَ فَسِرْ بِهِمْ وَ أَلِنْ لَهُمْ جَانِبَكَ وَ ابْسُطْ لَهُمْ وَجْهَكَ وَ افْرُشْ لَهُمْ جَنَاحَكَ وَ أَدْنِهِمْ مِنْ مَجْلِسِكَ فَإِنَّهُمْ بَقِيَّةُ ثِقَاتِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ سِرْ بِهِمْ عَلَى شَطِّ الْفُرَاتِ حَتَّى تَقْطَعَ بِهِمُ الْفُرَاتَ حَتَّى تَسِيرَ بِمَسْكِنَ ثُمَّ امْضِ حَتَّى تَسْتَقْبِلَ بِهِمْ مُعَاوِيَةَ فَإِنْ أَنْتَ لَقِيتَهُ فَاحْتَبِسْهُ حَتَّى آتِيَكَ فَإِنِّي عَلَى أَثَرِكَ وَشِيكاً وَ لْيَكُنْ خَبَرُكَ عِنْدِي كُلَّ يَوْمٍ وَ شَاوِرْ هَذَيْنِ يَعْنِي قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ وَ سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ وَ إِذَا لَقِيتَ مُعَاوِيَةَ فَلَا تُقَاتِلْهُ حَتَّى يُقَاتِلَكَ فَإِنْ فَعَلَ فَقَاتِلْهُ فَإِنْ أُصِبْتَ فَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَلَى النَّاسِ فَإِنْ أُصِيبَ فَسَعِيدُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى النَّاسِ. فَسَارَ عُبَيْدُ اللَّهِ حَتَّى انْتَهَى إِلَى شِينْوَرَ حَتَّى خَرَجَ إِلَى شَاهِي ثُمَّ لَزِمَ الْفُرَاتَ وَ الْفَلُّوجَةَ حَتَّى أَتَى مَسْكِنَ وَ أَخَذَ الْحَسَنُ عَلَى حَمَّامِ عُمَرَ حَتَّى أَتَى دَيْرَ كَعْبٍ ثُمَّ بَكَّرَ فَنَزَلَ سَابَاطَ دُونَ الْقَنْطَرَةِ. أقول ثم ذكر ما جرى عليه (صلوات الله عليه) هناك و قد مر ذكره ثم قال. فأما معاوية فإنه وافى حتى نزل في قرية يقال له الحبونية و أقبل عبيد الله بن العباس حتى نزل بإزائه فلما كان من غد وجه معاوية إلى عبيد الله أن الحسن قد راسلني في الصلح و هو مسلم الأمر إلي فإن دخلت في طاعتي الآن كنت متبوعا و إلا دخلت و أنت تابع و لك إن جئتني الآن أن أعطيك ألف ألف درهم أعجل لك في هذا الوقت نصفها و إذا دخلت الكوفة النصف الآخر. فانسل عبيد الله ليلا فدخل عسكر معاوية فوفى له بما وعده و أصبح الناس ينتظرونه أن يخرج فيصلي بهم فلم يخرج حتى أصبحوا فطلبوه فلم يجدوه فصلى بهم قيس بن سعد بن عبادة ثم خطبهم فثبتهم و ذكر عبيد الله فنال منه ثم أمرهم بالصبر و النهوض إلى العدو فأجابوه بالطاعة و قالوا له انهض بنا إلى عدونا على اسم الله فنهض بهم. و خرج إليهم بسر بن أرطاة فصاحوا إلى أهل العراق ويحكم هذا أميركم عندنا قد بايع و إمامكم الحسن قد صالح فعلام تقتلون أنفسكم فقال لهم قيس بن سعد اختاروا إحدى اثنتين إما القتال مع غير إمام و إما أن تبايعوا بيعة ضلال قالوا بل نقاتل بلا إمام فخرجوا فضربوا أهل الشام حتى ردوهم إلى مصافهم. و كتب معاوية إلى قيس بن سعد يدعوه و يمنيه فكتب إليه قيس لا و الله لا تلقاني أبدا إلا بيني و بينك الرمح فكتب إليه معاوية لما يئس منه أما بعد فإنك يهودي ابن يهودي تشقي نفسك و تقتلها فيما ليس لك فإن ظهر أحب الفريقين إليك نبذك و عزلك و إن ظهر أبغضهما إليك نكل بك و قتلك و قد كان أبوك أوتر غير قوسه و رمى غير غرضه فخذله قومه و أدركه يومه فمات بحوران طريدا غريبا و السلام. فكتب إليه قيس بن سعد أما بعد فإنما أنت وثن ابن وثن دخلت في الإسلام كرها و أقمت فيه فرقا و خرجت منه طوعا و لم يجعل الله لك فيه نصيبا لم يقدم إسلامك و لم يحدث نفاقك و لم تزل حربا لله و لرسوله و حزبا من أحزاب المشركين و عدوا لله و نبيه و المؤمنين من عباده و ذكرت أبي فلعمري ما أوتر إلا قوسه و لا رمى إلا غرضه فشغب عليه من لا يشق غباره و لا يبلغ كعبه و زعمت أني يهودي ابن يهودي و قد علمت و علم الناس إني و أبي أعداء الدين الذي خرجت منه و أنصار الدين الذي دخلت فيه و صرت إليه و السلام. فلما قرأ معاوية كتابه غاظه و أراد إجابته فقال له عمرو مهلا فإنك إن كاتبته أجابك بأشد من هذا و إن تركته دخل فيما دخل فيه الناس فأمسك عنه و بعث معاوية عبد الله بن عامر و عبد الرحمن بن سمرة إلى الحسن عليه السلام للصلح فدعواه إليه و زهداه في الأمر و أعطياه ما شرط له معاوية و أن لا يتبع أحد بما مضى و لا ينال أحد من شيعة علي بمكروه و لا يذكر علي إلا بخير و أشياء اشترطها الحسن فأجاب إلى ذلك و انصرف قيس بن سعد فيمن معه إلى الكوفة.. ثم قال و روى الأعمش عن عمرو بن مرة عن سعيد بن سويد قال صلى بنا معاوية بالنخيلة الجمعة فخطب ثم قال إني و الله ما قاتلتكم لتصلوا و لا لتصوموا و لا لتحجوا و لا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم و قد أعطاني الله ذلك و أنتم كارهون. قال فكان عبد الرحمن بن شريك إذا حدث بذلك يقول هذا و الله هو التهتك. قال أبو الفرج و دخل معاوية الكوفة بعد فراغه من خطبته بالنخيلة بين يديه خالد بن عرفطة و معه حبيب بن حمار يحمل رايته فلما صار بالكوفة دخل المسجد من باب الفيل و اجتمع الناس إليه. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ فَحَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الصَّيْرَفِيُّ وَ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو الرَّازِيِّ عَنْ مَالِكِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: بَيْنَمَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام عَلَى مِنْبَرِ الْكُوفَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَاتَ خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ فَقَالَ لَا وَ اللَّهِ مَا مَاتَ وَ لَا يَمُوتُ حَتَّى يَدْخُلَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ وَ أَشَارَ إِلَى بَابِ الْفِيلِ وَ مَعَهُ رَايَةُ ضَلَالَةٍ يَحْمِلُهَا حَبِيبُ بْنُ حَمَّارٍ قَالَ فَوَثَبَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَا حَبِيبُ بْنُ حَمَّارٍ وَ أَنَا لَكَ شِيعَةٌ فَقَالَ فَإِنَّهُ كَمَا أَقُولُ قَالَ فَوَ اللَّهِ لَقَدْ قَدِمَ خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ عَلَى مُقَدِّمَةِ مُعَاوِيَةَ يَحْمِلُ رَايَتَهُ حَبِيبُ بْنُ حَمَّارٍ. قَالَ أَبُو الْفَرَجِ وَ قَالَ مَالِكُ بْنُ سَعِيدٍ وَ حَدَّثَنِي الْأَعْمَشُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ حَدَّثَنِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ وَ أَشَارَ إِلَى دَارِ السَّائِبِ أَبِي عَطَا أَنَّهُ سَمِعَ عَلِيّاً عليه السلام يَقُولُ هَذَا. قال أبو الفرج فلما تم الصلح بين الحسن و معاوية أرسل إلى قيس بن سعد يدعوه إلى البيعة فجاء و كان رجلا طوالا يركب الفرس المشرف و رجلاه يخطان في الأرض و ما في وجهه طاقة شعر و كان يسمى خصي الأنصار فلما أرادوا إدخاله إليه قال حلفت أن لا ألقاه إلا و بيني و بينه الرمح أو السيف فأمر معاوية برمح و بسيف فوضعا بينه و بينه ليبر يمينه. قال أبو الفرج و قد روي أن الحسن لما صالح معاوية اعتزل قيس بن سعد في أربعة آلاف و أبى أن يبايع فلما بايع الحسن أدخل قيس ليبايع فأقبل على الحسن فقال أ في حل أنا من بيعتك قال نعم فألقي له كرسي و جلس معاوية على سريره و الحسن معه فقال له معاوية أ نبايع يا قيس قال نعم و وضع يده على فخذه و لم يمدها إلى معاوية فحنى معاوية على سريره و أكب على قيس حتى مسح يده على يده و ما رفع قيس إليه يده.

بحار الأنوار - ج ٤٤ - الصفحة ٤٥. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام

عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَالِكٍ النَّحْوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيِّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ شَرْقِيِّ [بْنِ الْقُطَامِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَاصَمَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ- إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ- فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ- فَارْتَفَعَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَلَاحَيَا- فَقَالَ عَمْرٌو تُلَاحِينِي وَ أَنْتَ مَوْلَايَ- فَقَالَ أُسَامَةُ وَ اللَّهِ مَا أَنَا بِمَوْلَاكَ وَ لَا يَسُرُّنِي أَنِّي فِي نَسَبِكَ- مَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَالَ أَ لَا تَسْمَعُونَ مَا يَسْتَقْبِلُنِي بِهِ هَذَا الْعَبْدُ- ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ عَمْرٌو فَقَالَ لَهُ- يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ مَا أَطْغَاكَ- فَقَالَ أَنْتَ أَطْغَى مِنِّي وَ لِمَ تُعَيِّرُنِي بِأُمِّي- وَ أُمِّي وَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أُمِّكَ- وَ هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ص بَشَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ بِالْجَنَّةِ- وَ أَبِي خَيْرٌ مِنْ أَبِيكَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ- صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ حِبُّهُ وَ مَوْلَاهُ- قُتِلَ شَهِيداً بِمُؤْتَةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَنَا أَمِيرٌ عَلَى أَبِيكَ وَ عَلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِيكَ- عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ- وَ سَرَوَاتِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَأَنَّى تُفَاخِرُنِي يَا ابْنَ عُثْمَانَ- فَقَالَ عَمْرٌو يَا قَوْمِ أَ مَا تَسْمَعُونَ مَا يُجِيبُنِي بِهِ هَذَا الْعَبْدُ- فَقَامَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ- فَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ أُسَامَةَ- فَقَامَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ عَمْرٍو- فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ أُسَامَةَ- فَلَمَّا رَآهُمْ مُعَاوِيَةُ قَدْ صَارُوا فَرِيقَيْنِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَ بَنِي أُمَيَّةَ- خَشِيَ أَنْ يَعْظُمَ الْبَلَاءُ- فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا الْحَائِطِ لَعِلْماً- قَالُوا فَقُلْ بِعِلْمِكَ فَقَدْ رَضِينَا- فَقَالَ مُعَاوِيَةُ أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص جَعَلَهُ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ- قُمْ يَا أُسَامَةُ فَاقْبِضْ حَائِطَكَ هَنِيئاً مَرِيئاً- فَقَامَ أُسَامَةُ وَ الْهَاشِمِيُّونَ فَجَزَوْا مُعَاوِيَةَ خَيْراً- فَأَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ عَلَى مُعَاوِيَةَ- فَقَالَ لَا جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الرَّحِمِ خَيْراً- مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ كَذَّبْتَ قَوْلَنَا- وَ فَسَخْتَ حُجَّتَنَا وَ أَشْمَتَّ بِنَا عَدُوَّنَا- فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَيْحَكَ يَا عَمْرُو- إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدِ اعْتَزَلُوا- ذَكَرْتُ أَعْيُنَهُمْ تَدُورُ إِلَيَّ مِنْ تَحْتِ الْمَغَافِرِ بِصِفِّينَ- وَ كَادَ يَخْتَلِطُ عَلَيَّ عَقْلِي- وَ مَا يُؤْمِنِّي يَا ابْنَ عُثْمَانَ مِنْهُمْ وَ قَدْ أَحَلُّوا بِأَبِيكَ مَا أَحَلُّوا- وَ نَازَعُونِي مُهْجَةَ نَفْسِي حَتَّى نَجَوْتُ مِنْهُمْ بَعْدَ نَبَإٍ عَظِيمٍ- وَ خَطْبٍ جَسِيمٍ- فَانْصَرِفْ فَنَحْنُ مُخْلِفُونَ لَكَ خَيْراً مِنْ حَائِطِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٤ - الصفحة ١٠٧. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم

ما، الأمالي للشيخ الطوسي الْمُفِيدُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَالِكٍ النَّحْوِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ الْأَنْبَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيِّ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّهْدِيِّ عَنِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ عَنْ شَرْقِيِّ [بْنِ الْقُطَامِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَاصَمَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ- إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ مَقْدَمَهُ الْمَدِينَةَ- فِي حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ الْمَدِينَةِ- فَارْتَفَعَ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَلَاحَيَا- فَقَالَ عَمْرٌو تُلَاحِينِي وَ أَنْتَ مَوْلَايَ- فَقَالَ أُسَامَةُ وَ اللَّهِ مَا أَنَا بِمَوْلَاكَ وَ لَا يَسُرُّنِي أَنِّي فِي نَسَبِكَ- مَوْلَايَ رَسُولُ اللَّهِ ص فَقَالَ أَ لَا تَسْمَعُونَ مَا يَسْتَقْبِلُنِي بِهِ هَذَا الْعَبْدُ- ثُمَّ الْتَفَتَ إِلَيْهِ عَمْرٌو فَقَالَ لَهُ- يَا ابْنَ السَّوْدَاءِ مَا أَطْغَاكَ- فَقَالَ أَنْتَ أَطْغَى مِنِّي وَ لِمَ تُعَيِّرُنِي بِأُمِّي- وَ أُمِّي وَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ أُمِّكَ- وَ هِيَ أُمُّ أَيْمَنَ مَوْلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ ص بَشَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ بِالْجَنَّةِ- وَ أَبِي خَيْرٌ مِنْ أَبِيكَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ- صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ حِبُّهُ وَ مَوْلَاهُ- قُتِلَ شَهِيداً بِمُؤْتَةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَ طَاعَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ أَنَا أَمِيرٌ عَلَى أَبِيكَ وَ عَلَى مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ أَبِيكَ- عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَ عُمَرَ وَ عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ- وَ سَرَوَاتِ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ فَأَنَّى تُفَاخِرُنِي يَا ابْنَ عُثْمَانَ- فَقَالَ عَمْرٌو يَا قَوْمِ أَ مَا تَسْمَعُونَ مَا يُجِيبُنِي بِهِ هَذَا الْعَبْدُ- فَقَامَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ- فَقَامَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ أُسَامَةَ- فَقَامَ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ عَمْرٍو- فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ أُسَامَةَ- فَلَمَّا رَآهُمْ مُعَاوِيَةُ قَدْ صَارُوا فَرِيقَيْنِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَ بَنِي أُمَيَّةَ- خَشِيَ أَنْ يَعْظُمَ الْبَلَاءُ- فَقَالَ إِنَّ عِنْدِي مِنْ هَذَا الْحَائِطِ لَعِلْماً- قَالُوا فَقُلْ بِعِلْمِكَ فَقَدْ رَضِينَا- فَقَالَ مُعَاوِيَةُ أَشْهَدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص جَعَلَهُ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ- قُمْ يَا أُسَامَةُ فَاقْبِضْ حَائِطَكَ هَنِيئاً مَرِيئاً- فَقَامَ أُسَامَةُ وَ الْهَاشِمِيُّونَ فَجَزَوْا مُعَاوِيَةَ خَيْراً- فَأَقْبَلَ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ عَلَى مُعَاوِيَةَ- فَقَالَ لَا جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الرَّحِمِ خَيْراً- مَا زِدْتَ عَلَى أَنْ كَذَّبْتَ قَوْلَنَا- وَ فَسَخْتَ حُجَّتَنَا وَ أَشْمَتَّ بِنَا عَدُوَّنَا- فَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَيْحَكَ يَا عَمْرُو- إِنِّي لَمَّا رَأَيْتُ هَؤُلَاءِ الْفِتْيَةَ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ قَدِ اعْتَزَلُوا- ذَكَرْتُ أَعْيُنَهُمْ تَدُورُ إِلَيَّ مِنْ تَحْتِ الْمَغَافِرِ بِصِفِّينَ- وَ كَادَ يَخْتَلِطُ عَلَيَّ عَقْلِي- وَ مَا يُؤْمِنِّي يَا ابْنَ عُثْمَانَ مِنْهُمْ وَ قَدْ أَحَلُّوا بِأَبِيكَ مَا أَحَلُّوا- وَ نَازَعُونِي مُهْجَةَ نَفْسِي حَتَّى نَجَوْتُ مِنْهُمْ بَعْدَ نَبَإٍ عَظِيمٍ- وَ خَطْبٍ جَسِيمٍ- فَانْصَرِفْ فَنَحْنُ مُخْلِفُونَ لَكَ خَيْراً مِنْ حَائِطِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. بيان التلاحي التخاصم و التنازع و الحبّ بالكسر المحبوب و السروات جمع سراة و هي جمع سريّ و السريّ الشريف و جمع السريّ على سراة عزيز. أقول. قَالَ ابْنُ أَبِي الْحَدِيدِ رَوَى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ فِي أَمَالِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: دَخَلَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام عَلَى مُعَاوِيَةَ بَعْدَ عَامِ الْجَمَاعَةِ- وَ هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ ضَيِّقٍ- فَجَلَسَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ فَتَحَدَّثَ مُعَاوِيَةُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَتَحَدَّثَ- ثُمَّ قَالَ عَجَباً لِعَائِشَةَ تَزْعُمُ أَنِّي فِي غَيْرِ مَا أَنَا أَهْلُهُ- وَ أَنَّ الَّذِي أَصْبَحْتُ فِيهِ لَيْسَ فِي الْحَقِّ مَا لَهَا وَ لِهَذَا- يَغْفِرُ اللَّهُ لَهَا- إِنَّمَا كَانَ يُنَازِعُنِي فِي هَذَا الْأَمْرِ أَبُو هَذَا الْجَالِسِ- وَ قَدِ اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِهِ- فَقَالَ الْحَسَنُ عليه السلام أَ وَ عَجَبٌ ذَلِكَ يَا مُعَاوِيَةُ- قَالَ إِي وَ اللَّهِ قَالَ أَ فَلَا أُخْبِرُكَ بِمَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ هَذَا- قَالَ مَا هُوَ قَالَ جُلُوسُكَ فِي صَدْرِ الْمَجْلِسِ وَ أَنَا عِنْدَ رِجْلَيْكَ- فَضَحِكَ مُعَاوِيَةُ وَ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي بَلَغَنِي أَنَّ عَلَيْكَ دَيْناً- قَالَ إِنَّ عَلَيَّ دَيْناً قَالَ كَمْ هُوَ قَالَ مِائَةُ أَلْفٍ- فَقَالَ قَدْ أَمَرْنَا لَكَ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ- مِائَةٌ مِنْهَا لِدَيْنِكَ وَ مِائَةٌ تَقْسِمُهَا فِي أَهْلِ بَيْتِكَ- وَ مِائَةٌ لِخَاصَّةِ نَفْسِكَ فَقُمْ مُكَرَّماً فَاقْبِضْ صِلَتَكَ- فَلَمَّا خَرَجَ الْحَسَنُ عليه السلام قَالَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ لِأَبِيهِ- تَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ اسْتَقْبَلَكَ بِمَا اسْتَقْبَلَكَ بِهِ- ثُمَّ أَمَرْتَ لَهُ بِثَلَاثِمِائَةِ أَلْفٍ- قَالَ يَا بُنَيَّ إِنَّ الْحَقَّ حَقُّهُمْ فَمَنْ أَتَاكَ مِنْهُمْ فَاحْثُ لَهُ.

بحار الأنوار - ج ٤٤ - الصفحة ١٠٧. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بِنْتَهُ- فَأَطْرَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ- فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ- مَنْ يَمْشِي عَلَيْهَا أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ- وَ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي- وَ أَنْتَ مِطْلَاقٌ فَأَخَافُ أَنْ تُطَلِّقَهَا- وَ إِنْ فَعَلْتَ خَشِيتُ أَنْ يَتَغَيَّرَ قَلْبِي عَلَيْكَ- لِأَنَّكَ بَضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص فَإِنْ شَرَطْتَ أَنْ لَا تُطَلِّقَهَا زَوَّجْتُكَ- فَسَكَتَ الْحَسَنُ عليه السلام وَ قَامَ وَ خَرَجَ فَسُمِعَ مِنْهُ يَقُولُ- مَا أَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ابْنَتَهُ طَوْقاً فِي عُنُقِي. - وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ - أَنَّهُ خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام إِلَى مَنْظُورِ بْنِ رَيَّانَ ابْنَتَهُ خَوْلَةَ- فَقَالَ

وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُنْكِحُكَ- وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ غَلِقٌ طَلِقٌ مَلِقٌ- غَيْرَ أَنَّكَ أَكْرَمُ الْعَرَبِ بَيْتاً وَ أَكْرَمُهُمْ نَفْساً- فَوُلِدَ مِنْهَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ. - وَ رَأَى يَزِيدُ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ- أُمَّ خَالِدٍ بِنْتَ أَبِي جَنْدَلٍ فَهَامَ بِهَا وَ شَكَا ذَلِكَ إِلَى أَبِيهِ- فَلَمَّا حَضَرَ عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ- لَقَدْ عَقَدْتُ لَكَ عَلَيَّ وِلَايَةَ الْبَصْرَةِ- وَ لَوْ لَا أَنَّ لَكَ زَوْجَةً لَزَوَّجْتُكَ رَمْلَةَ- فَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ وَ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَمَعاً فِي رَمْلَةَ- فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ أَبَا هُرَيْرَةَ لِيَخْطُبَ أُمَّ خَالِدٍ لِيَزِيدَ ابْنِهِ- وَ بَذَلَ لَهَا مَا أَرَادَتْ مِنَ الصَّدَاقِ- فَاطَّلَعَ عَلَيْهَا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عليه السلام فَاخْتَارَتِ الْحَسَنَ فَتَزَوَّجَهَا .

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٤٤ - الصفحة ١٧١. — الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
قب، المناقب لابن شهرآشوب فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بِنْتَهُ- فَأَطْرَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ- فَقَالَ وَ اللَّهِ مَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ- مَنْ يَمْشِي عَلَيْهَا أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ- وَ لَكِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّ ابْنَتِي بَضْعَةٌ مِنِّي- وَ أَنْتَ مِطْلَاقٌ فَأَخَافُ أَنْ تُطَلِّقَهَا- وَ إِنْ فَعَلْتَ خَشِيتُ أَنْ يَتَغَيَّرَ قَلْبِي عَلَيْكَ- لِأَنَّكَ بَضْعَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص فَإِنْ شَرَطْتَ أَنْ لَا تُطَلِّقَهَا زَوَّجْتُكَ- فَسَكَتَ الْحَسَنُ عليه السلام وَ قَامَ وَ خَرَجَ فَسُمِعَ مِنْهُ يَقُولُ- مَا أَرَادَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ ابْنَتَهُ طَوْقاً فِي عُنُقِي. - وَ رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ - أَنَّهُ خَطَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام إِلَى مَنْظُورِ بْنِ رَيَّانَ ابْنَتَهُ خَوْلَةَ- فَقَالَ

وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُنْكِحُكَ- وَ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّكَ غَلِقٌ طَلِقٌ مَلِقٌ- غَيْرَ أَنَّكَ أَكْرَمُ الْعَرَبِ بَيْتاً وَ أَكْرَمُهُمْ نَفْساً- فَوُلِدَ مِنْهَا الْحَسَنُ بْنُ الْحَسَنِ. - وَ رَأَى يَزِيدُ امْرَأَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ- أُمَّ خَالِدٍ بِنْتَ أَبِي جَنْدَلٍ فَهَامَ بِهَا وَ شَكَا ذَلِكَ إِلَى أَبِيهِ- فَلَمَّا حَضَرَ عَبْدُ اللَّهِ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ قَالَ لَهُ- لَقَدْ عَقَدْتُ لَكَ عَلَيَّ وِلَايَةَ الْبَصْرَةِ- وَ لَوْ لَا أَنَّ لَكَ زَوْجَةً لَزَوَّجْتُكَ رَمْلَةَ- فَمَضَى عَبْدُ اللَّهِ وَ طَلَّقَ زَوْجَتَهُ طَمَعاً فِي رَمْلَةَ- فَأَرْسَلَ مُعَاوِيَةُ أَبَا هُرَيْرَةَ لِيَخْطُبَ أُمَّ خَالِدٍ لِيَزِيدَ ابْنِهِ- وَ بَذَلَ لَهَا مَا أَرَادَتْ مِنَ الصَّدَاقِ- فَاطَّلَعَ عَلَيْهَا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ عليه السلام فَاخْتَارَتِ الْحَسَنَ فَتَزَوَّجَهَا. توضيح رجل غَلِقٌ بكسر اللام سيّئ الخلق و رجل مَلِقٌ بكسر اللام يعطي بلسانه ما ليس في قلبه و قال الجزريّ في حديث الحسن إنك رجل طَلِق أي كثير طلاق النساء.

بحار الأنوار - ج ٤٤ - الصفحة ١٧١. — الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
قب، المناقب لابن شهرآشوب عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ: دَخَلَ الْحُسَيْنُ عليه السلام عَلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَ هُوَ مَرِيضٌ- وَ هُوَ يَقُولُ وَا غَمَّاهْ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ عليه السلام وَ مَا غَمُّكَ يَا أَخِي- قَالَ

دَيْنِي وَ هُوَ سِتُّونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ فَقَالَ الْحُسَيْنُ- هُوَ عَلَيَّ قَالَ إِنِّي أَخْشَى أَنْ أَمُوتَ- فَقَالَ الْحُسَيْنُ لَنْ تَمُوتَ حَتَّى أَقْضِيَهَا عَنْكَ- قَالَ فَقَضَاهَا قَبْلَ مَوْتِهِ. - وَ كَانَ عليه السلام يَقُولُ شَرُّ خِصَالِ الْمُلُوكِ الْجُبْنُ مِنَ الْأَعْدَاءِ- وَ الْقَسْوَةُ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَ الْبُخْلُ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ. - وَ فِي كِتَابِ أُنْسِ الْمَجَالِسِ أَنَّ الْفَرَزْدَقَ أَتَى الْحُسَيْنَ عليه السلام لَمَّا أَخْرَجَهُ مَرْوَانُ مِنَ الْمَدِينَةِ فَأَعْطَاهُ عليه السلام أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ- فَقِيلَ لَهُ إِنَّهُ شَاعِرٌ فَاسِقٌ مُنْتَهِرٌ - فَقَالَ عليه السلام إِنَّ خَيْرَ مَالِكَ مَا وَقَيْتَ بِهِ عِرْضَكَ- وَ قَدْ أَثَابَ رَسُولُ اللَّهِ ص كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ- وَ قَالَ فِي عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ اقْطَعُوا لِسَانَهُ عَنِّي. - وَفَدَ أَعْرَابِيٌّ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَ عَنْ أَكْرَمِ النَّاسِ بِهَا- فَدُلَّ عَلَى الْحُسَيْنِ عليه السلام فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَوَجَدَهُ مُصَلِّياً فَوَقَفَ بِإِزَائِهِ وَ أَنْشَأَ- لَمْ يَخِبِ الْآنَ مَنْ رَجَاكَ وَ مَنْ* * * -حَرَّكَ مِنْ دُونِ بَابِكَ الْحَلْقَهْ- أَنْتَ جَوَادٌ وَ أَنْتَ مُعْتَمَدٌ* * * -أَبُوكَ قَدْ كَانَ قَاتِلَ الْفَسَقَهْ- لَوْ لَا الَّذِي كَانَ مِنْ أَوَائِلِكُمْ* * * -كَانَتْ عَلَيْنَا الْجَحِيمُ مُنْطَبِقَهْ - قَالَ فَسَلَّمَ الْحُسَيْنُ وَ قَالَ- يَا قَنْبَرُ هَلْ بَقِيَ مِنْ مَالِ الْحِجَازِ شَيْءٌ- قَالَ نَعَمْ أَرْبَعَةُ آلَافِ دِينَارٍ- فَقَالَ هَاتِهَا قَدْ جَاءَ مَنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنَّا- ثُمَّ نَزَعَ بُرْدَيْهِ وَ لَفَّ الدَّنَانِيرَ فِيهَا- وَ أَخْرَجَ يَدَهُ مِنْ شَقِّ الْبَابِ حَيَاءً مِنَ الْأَعْرَابِيِّ وَ أَنْشَأَ- خُذْهَا فَإِنِّي إِلَيْكَ مُعْتَذِرٌ* * * -وَ اعْلَمْ بِأَنِّي عَلَيْكَ ذُو شَفَقَهْ- لَوْ كَانَ فِي سَيْرِنَا الْغَدَاةَ عَصًا* * * -أَمْسَتْ سَمَانَا عَلَيْكَ مُنْدَفِقَهْ- لَكِنَّ رَيْبَ الزَّمَانِ ذُو غِيَرٍ* * * -وَ الْكَفُّ مِنِّي قَلِيلَةُ النَّفَقَهْ - قَالَ فَأَخَذَهَا الْأَعْرَابِيُّ وَ بَكَى فَقَالَ لَهُ- لَعَلَّكَ اسْتَقْلَلْتَ مَا أَعْطَيْنَاكَ- قَالَ لَا وَ لَكِنْ كَيْفَ يَأْكُلُ التُّرَابُ جُودَكَ- وَ هُوَ الْمَرْوِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام. قوله عصا لعل العصا كناية عن الإمارة و الحكم قال الجوهري قولهم لا ترفع عصاك عن أهلك يراد به الأدب و إنه لضعيف العصا أي الترعية و يقال أيضا إنه لليّن العصا أي رفيق حسن السياسة لما ولي انتهى أي لو كان لنا في سيرنا في هذه الغداة ولاية و حكم أو قوة لأمستْ يد عطائنا عليك صابّة و السماء كناية عن يد الجود و العطاء و الاندفاق الانصباب و ريب الزمان حوادثه و غير الدهر كعنب أحداثه أي حوادث الزمان تغيّر الأمور قوله كيف يأكل التراب جودك أي كيف تموت و تبيت تحت التراب فتمحى و تذهب جودك.

بحار الأنوار - ج ٤٤ - الصفحة ١٨٩. — غير محدد
[1/2] 2- فلما كان الغداة أمر الحسين عليه السلام بفسطاطه فضرب و أمر بجفنة فيها مسك كثير فجعل فيها نورة ثم دخل ليطلي فروي أن برير بن خضير الهمداني و عبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعده فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن يا برير أ تضحك ما هذه ساعة باطل فقال برير لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلا و لا شابا و إنما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه فو الله ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعاجلهم ساعة ثم نعانق الحور العين. رَجَعْنَا إِلَى رِوَايَةِ الْمُفِيدِ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام

إِنِّي جَالِسٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي قُتِلَ أَبِي فِي صَبِيحَتِهَا- وَ عِنْدِي عَمَّتِي زَيْنَبُ تُمَرِّضُنِي إِذِ اعْتَزَلَ أَبِي فِي خِبَاءٍ لَهُ- وَ عِنْدَهُ فُلَانٌ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَ هُوَ يُعَالِجُ سَيْفَهُ وَ يُصْلِحُهُ وَ أَبِي يَقُولُ يَا دَهْرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَلِيلٍ* * * -كَمْ لَكَ بِالْإِشْرَاقِ وَ الْأَصِيلِ مِنْ صَاحِبٍ وَ طَالِبٍ قَتِيلٍ* * * -وَ الدَّهْرُ لَا يَقْنَعُ بِالْبَدِيلِ وَ إِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى الْجَلِيلِ* * * -وَ كُلُّ حَيٍّ سَالِكٌ سَبِيلِي فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً حَتَّى فَهِمْتُهَا- وَ عَلِمْتُ مَا أَرَادَ فَخَنَقَتْنِيَ الْعَبْرَةُ فَرَدَدْتُهَا وَ لَزِمْتُ السُّكُوتَ- وَ عَلِمْتُ أَنَّ الْبَلَاءَ قَدْ نَزَلَ- وَ أَمَّا عَمَّتِي فَلَمَّا سَمِعَتْ مَا سَمِعْتُ وَ هِيَ امْرَأَةٌ- وَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ الرِّقَّةُ وَ الْجَزَعُ- فَلَمْ تَمْلِكْ نَفْسَهَا أَنْ وَثَبَتْ تَجُرُّ ثَوْبَهَا- وَ هِيَ حَاسِرَةٌ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ وَ قَالَتْ وَا ثُكْلَاهْ- لَيْتَ الْمَوْتَ أَعْدَمَنِيَ الْحَيَاةَ الْيَوْمَ مَاتَتْ أُمِّي فَاطِمَةُ- وَ أَبِي عَلِيٌّ وَ أَخِيَ الْحَسَنُ يَا خَلِيفَةَ الْمَاضِي وَ ثِمَالَ الْبَاقِي- فَنَظَرَ إِلَيْهَا الْحُسَيْنُ عليه السلام وَ قَالَ لَهَا يَا أُخْتَهْ لَا يَذْهَبَنَّ حِلْمَكِ الشَّيْطَانُ وَ تَرَقْرَقَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ- وَ قَالَ لَوْ تُرِكَ الْقَطَا لَيْلًا لَنَامَ - فَقَالَتْ يَا وَيْلَتَاهْ أَ فَتُغْتَصَبُ نَفْسُكَ اغْتِصَاباً - فَذَلِكَ أَقْرَحُ لِقَلْبِي وَ أَشَدُّ عَلَى نَفْسِي- ثُمَّ لَطَمَتْ وَجْهَهَا وَ هَوَتْ إِلَى جَيْبِهَا- وَ شَقَّتْهُ وَ خَرَّتْ مَغْشِيَّةً عَلَيْهَا- فَقَامَ إِلَيْهَا الْحُسَيْنُ عليه السلام فَصَبَّ عَلَى وَجْهِهَا الْمَاءَ- وَ قَالَ لَهَا يَا أُخْتَاهْ اتَّقِي اللَّهَ وَ تَعَزَّيْ بِعَزَاءِ اللَّهِ- وَ اعْلَمِي أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ يَمُوتُونَ وَ أَهْلَ السَّمَاءِ لَا يَبْقَوْنَ- وَ أَنَ كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى- الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ وَ يَبْعَثُ الْخَلْقَ- وَ يَعُودُونَ وَ هُوَ فَرْدٌ وَحْدَهُ وَ أَبِي خَيْرٌ مِنِّي- وَ أُمِّي خَيْرٌ مِنِّي وَ أَخِي خَيْرٌ مِنِّي- وَ لِي وَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ بِرَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ فَعَزَّاهَا بِهَذَا وَ نَحْوِهِ- وَ قَالَ لَهَا يَا أُخْتَاهْ إِنِّي أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ فَأَبِرِّي قَسَمِي- لَا تَشُقِّي عَلَيَّ جَيْباً وَ لَا تَخْمِشِي عَلَيَّ وَجْهاً- وَ لَا تَدْعَيْ عَلَيَّ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ إِذَا أَنَا هَلَكْتُ- ثُمَّ جَاءَ بِهَا حَتَّى أَجْلَسَهَا عِنْدِي- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ- أَنْ يَقْرِنَ بَعْضُهُمْ بُيُوتَهُمْ مِنْ بَعْضٍ- وَ أَنْ يُدْخِلُوا الْأَطْنَابَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ- وَ أَنْ يَكُونُوا بَيْنَ الْبُيُوتِ فَيُقْبِلُوا الْقَوْمَ فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ- وَ الْبُيُوتُ مِنْ وَرَائِهِمْ وَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَ عَنْ شَمَائِلِهِمْ قَدْ حَفَّتْ بِهِمْ- إِلَّا الْوَجْهَ الَّذِي يَأْتِيهِمْ مِنْهُ عَدُوُّهُمْ وَ رَجَعَ عليه السلام إِلَى مَكَانِهِ- فَقَامَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا يُصَلِّي وَ يَسْتَغْفِرُ وَ يَدْعُو وَ يَتَضَرَّعُ- وَ قَامَ أَصْحَابُهُ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ وَ يَدْعُونَ وَ يَسْتَغْفِرُونَ وَ قَالَ فِي الْمَنَاقِبِ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ خَفَقَ الْحُسَيْنُ بِرَأْسِهِ خَفْقَةً- ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ أَ تَعْلَمُونَ مَا رَأَيْتُ فِي مَنَامِي السَّاعَةَ- فَقَالُوا وَ مَا الَّذِي رَأَيْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- فَقَالَ رَأَيْتُ كَأَنَّ كِلَاباً قَدْ شَدَّتْ عَلَيَّ- لِتَنْهَشَنِي وَ فِيهَا كَلْبٌ أَبْقَعُ رَأَيْتُهُ أَشَدَّهَا عَلَيَّ- وَ أَظُنُّ أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى قَتْلِي رَجُلٌ أَبْرَصُ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ- ثُمَّ إِنِّي رَأَيْتُ بَعْدَ ذَلِكَ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ ص وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ هُوَ يَقُولُ لِي- يَا بُنَيَّ أَنْتَ شَهِيدُ آلِ مُحَمَّدٍ- وَ قَدِ اسْتَبْشَرَ بِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلُ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى- فَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ عِنْدِي اللَّيْلَةَ عَجِّلْ وَ لَا تُؤَخِّرْ- فَهَذَا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ- لِيَأْخُذَ دَمَكَ فِي قَارُورَةٍ خَضْرَاءَ- فَهَذَا مَا رَأَيْتُ وَ قَدْ أَزِفَ الْأَمْرُ - وَ اقْتَرَبَ الرَّحِيلُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ و قال المفيد قال الضحاك بن عبد الله: و مرت بنا خيل لابن سعد تحرسنا و إن حسينا عليه السلام ليقرأ وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له عبد الله ابن سمير و كان مضحاكا و كان شجاعا بطلا فارسا شريفا فاتكا فقال نحن و رب الطيبون ميزنا بكم فقال له برير بن الخضير يا فاسق أنت يجعلك الله من الطيبين قال له من أنت ويلك قال أنا برير بن الخضير فتسابا. و أصبح الحسين فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة و كان معه اثنان و ثلاثون فارسا و أربعون راجلا و قال محمد بن أبي طالب و في رواية أخرى اثنان و ثمانون راجلا و قال السيد- رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام أَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسَةً وَ أَرْبَعِينَ فَارِساً وَ مِائَةَ رَاجِلٍ و كذا قال ابن نما و قال المفيد فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه و حبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه و أعطى رايته العباس أخاه و جعلوا البيوت في ظهورهم و أمر بحطب و قصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك و أن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم. و أصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم و هو يوم الجمعة و قيل يوم السبت فعبأ أصحابه و خرج فيمن معه من الناس نحو الحسين و كان على ميمنته عمرو بن الحجاج و على ميسرته شمر بن ذي الجوشن و على الخيل عروة بن قيس و على الرجالة شبث بن ربعي و أعطى الراية دريدا مولاه و قال محمد بن أبي طالب و كانوا نيفا على اثنين و عشرين ألفا و في رواية عن الصادق عليه السلام ثلاثين ألفا. قَالَ الْمُفِيدُ وَ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا أَصْبَحَتِ الْخَيْلُ تُقْبِلُ عَلَى الْحُسَيْنِ عليه السلام رَفَعَ يَدَيْهِ- وَ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ وَ رَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ- وَ أَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَ عُدَّةٌ- كَمْ مِنْ كَرْبٍ يَضْعُفُ عَنْهُ الْفُؤَادُ- وَ تَقِلُّ فِيهِ الْحِيلَةُ وَ يَخْذُلُ فِيهِ الصَّدِيقُ- وَ يَشْمَتُ فِيهِ الْعَدُوُّ أَنْزَلْتُهُ بِكَ- وَ شَكَوْتُهُ إِلَيْكَ رَغْبَةً مِنِّي إِلَيْكَ عَمَّنْ سِوَاكَ- فَفَرَّجْتَهُ وَ كَشَفْتَهُ فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ- وَ صَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ وَ مُنْتَهَى كُلِّ رَغْبَةٍ- قَالَ فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ يَجُولُونَ حَوْلَ بَيْتِ الْحُسَيْنِ- فَيَرَوْنَ الْخَنْدَقَ فِي ظُهُورِهِمْ وَ النَّارُ تَضْطَرِمُ فِي الْحَطَبِ وَ الْقَصَبِ الَّذِي كَانَ أُلْقِيَ فِيهِ- فَنَادَى شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ- يَا حُسَيْنُ أَ تَعَجَّلْتَ بِالنَّارِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ- فَقَالَ الْحُسَيْنُ عليه السلام مَنْ هَذَا كَأَنَّهُ شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ- فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَاعِيَةِ الْمِعْزَى- أَنْتَ أَوْلى بِها صِلِيًّا وَ رَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ أَنْ يَرْمِيَهُ بِسَهْمٍ- فَمَنَعَهُ الْحُسَيْنُ عليه السلام مِنْ ذَلِكَ- فَقَالَ لَهُ دَعْنِي حَتَّى أَرْمِيَهُ- فَإِنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَ عُظَمَاءِ الْجَبَّارِينَ- وَ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ- فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ عليه السلام لَا تَرْمِهِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَهُمْ بِقِتَالٍ. وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ رَكِبَ أَصْحَابُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ فَقُرِّبَ إِلَى الْحُسَيْنِ فَرَسُهُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ وَ تَقَدَّمَ نَحْوَ الْقَوْمِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ عليه السلام كَلِّمِ الْقَوْمَ فَتَقَدَّمَ بُرَيْرٌ فَقَالَ يَا قَوْمِ اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّ ثَقَلَ مُحَمَّدٍ قَدْ أَصْبَحَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُهُ وَ عِتْرَتُهُ وَ بَنَاتُهُ وَ حَرَمُهُ فَهَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ وَ مَا الَّذِي تُرِيدُونَ أَنْ تَصْنَعُوهُ بِهِمْ فَقَالُوا نُرِيدُ أَنْ نُمَكِّنَ مِنْهُمُ الْأَمِيرَ ابْنَ زِيَادٍ فَيَرَى رَأْيَهُ فِيهِمْ فَقَالَ لَهُمْ بُرَيْرٌ أَ فَلَا تَقْبَلُونَ مِنْهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ وَيْلَكُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ أَ نَسِيتُمْ كُتُبَكُمْ وَ عُهُودَكُمُ الَّتِي أَعْطَيْتُمُوهَا وَ أَشْهَدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهَا يَا وَيْلَكُمْ أَ دَعَوْتُمْ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ وَ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ دُونَهُمْ حَتَّى إِذَا أَتَوْكُمْ أَسْلَمْتُمُوهُمْ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ وَ حَلَّأْتُمُوهُمْ عَنْ مَاءِ الْفُرَاتِ بِئْسَ مَا خَلَّفْتُمْ نَبِيَّكُمْ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَا لَكُمْ لَا سَقَاكُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبِئْسَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ. فَقَالَ لَهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ يَا هَذَا مَا نَدْرِي مَا تَقُولُ فَقَالَ بُرَيْرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي زَادَنِي فِيكُمْ بَصِيرَةً اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ فِعَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ أَلْقِ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَلْقَوْكَ وَ أَنْتَ عَلَيْهِمْ غَضْبَانُ فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَرْمُونَهُ بِالسِّهَامِ فَرَجَعَ بُرَيْرٌ إِلَى وَرَائِهِ. و تقدم الحسين عليه السلام حتى وقف بإزاء القوم فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل و نظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة فقال الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيَا فَجَعَلَهَا دَارَ فَنَاءٍ وَ زَوَالٍ مُتَصَرِّفَةً بِأَهْلِهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ فَالْمَغْرُورُ مَنْ غَرَّتْهُ وَ الشَّقِيُّ مَنْ فَتَنَتْهُ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا تَقْطَعُ رَجَاءَ مَنْ رَكِنَ إِلَيْهَا وَ تُخَيِّبُ طَمَعَ مَنْ طَمِعَ فِيهَا وَ أَرَاكُمْ قَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى أَمْرٍ قَدْ أَسْخَطْتُمُ اللَّهَ فِيهِ عَلَيْكُمْ وَ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَنْكُمْ وَ أَحَلَّ بِكُمْ نَقِمَتَهُ وَ جَنَّبَكُمْ رَحْمَتَهُ فَنِعْمَ الرَّبُّ رَبُّنَا وَ بِئْسَ الْعَبِيدُ أَنْتُمْ أَقْرَرْتُمْ بِالطَّاعَةِ وَ آمَنْتُمْ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ص ثُمَّ إِنَّكُمْ زَحَفْتُمْ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ وَ عِتْرَتِهِ تُرِيدُونَ قَتْلَهُمْ لَقَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاكُمْ ذِكْرَ اللَّهِ الْعَظِيمِ فَتَبّاً لَكُمْ وَ لِمَا تُرِيدُونَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فَقَالَ عُمَرُ وَيْلَكُمْ كَلِّمُوهُ فَإِنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ وَ اللَّهِ لَوْ وَقَفَ فِيكُمْ هَكَذَا يَوْماً جَدِيداً لَمَا انْقَطَعَ وَ لَمَا حُصِرَ فَكَلَّمُوهُ فَتَقَدَّمَ شِمْرٌ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالَ يَا حُسَيْنُ مَا هَذَا الَّذِي تَقُولُ أَفْهِمْنَا حَتَّى نَفْهَمَ فَقَالَ أَقُولُ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ وَ لَا تَقْتُلُونِي فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكُمْ قَتْلِي وَ لَا انْتِهَاكُ حُرْمَتِي فَإِنِّي ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ وَ جَدَّتِي خَدِيجَةُ زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ وَ لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَكُمْ قَوْلُ نَبِيِّكُمْ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي بِرِوَايَةِ الْمُفِيدِ. وَ قَالَ الْمُفِيدُ وَ دَعَا الْحُسَيْنُ عليه السلام بِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا وَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ وَ جُلُّهُمْ يَسْمَعُونَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي وَ لَا تَعْجَلُوا حَتَّى أَعِظَكُمْ بِمَا يَحِقُّ لَكُمْ عَلَيَّ وَ حَتَّى أَعْذِرَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ أَعْطَيْتُمُونِيَ النَّصَفَ كُنْتُمْ بِذَلِكَ أَسْعَدَ وَ إِنْ لَمْ تُعْطُونِيَ النَّصَفَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَأَجْمِعُوا رَأْيَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ ذَكَرَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ عَلَى مَلَائِكَتِهِ وَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ فَلَمْ يُسْمَعْ مُتَكَلِّمٌ قَطُّ قَبْلَهُ وَ لَا بَعْدَهُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي مَنْطِقٍ. ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَانْسُبُونِي فَانْظُرُوا مَنْ أَنَا ثُمَّ رَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ وَ عَاتِبُوهُمْ فَانْظُرُوا هَلْ يَصْلُحُ لَكُمْ قَتْلِي وَ انْتِهَاكُ حُرْمَتِي أَ لَسْتُ ابْنَ نَبِيِّكُمْ وَ ابْنَ وَصِيِّهِ وَ ابْنِ عَمِّهِ وَ أَوَّلِ مُؤْمِنٍ مُصَدِّقٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ص بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ أَ وَ لَيْسَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي أَ وَ لَيْسَ جَعْفَرٌ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ بِجَنَاحَيْنِ عَمِّي أَ وَ لَمْ يَبْلُغْكُمْ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِي وَ لِأَخِي هَذَانِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَإِنْ صَدَّقْتُمُونِي بِمَا أَقُولُ وَ هُوَ الْحَقُّ وَ اللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِباً مُذْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَ إِنْ كَذَّبْتُمُونِي فَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ إِنْ سَأَلْتُمُوهُ عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَكُمْ اسْأَلُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ وَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُخْبِرُوكُمْ أَنَّهُمْ سَمِعُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص لِي وَ لِأَخِي أَ مَا فِي هَذَا حَاجِزٌ لَكُمْ عَنْ سَفْكِ دَمِي. فقال له شمر بن ذي الجوشن هو يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ إن كان يدري ما تقوّل فقال له حبيب بن مظاهر و الله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا و أنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك. ثم قال لهم الحسين عليه السلام فَإِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ هَذَا أَ فَتَشُكُّونَ أَنِّي ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ فَوَ اللَّهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ ابْنُ بِنْتِ نَبِيٍّ غَيْرِي فِيكُمْ وَ لَا فِي غَيْرِكُمْ وَيْحَكُمْ أَ تَطْلُبُونِي بِقَتِيلٍ مِنْكُمْ قَتَلْتُهُ أَوْ مَالٍ لَكُمُ اسْتَهْلَكْتُهُ أَوْ بِقِصَاصٍ مِنْ جِرَاحَةٍ فَأَخَذُوا لَا يُكَلِّمُونَهُ فَنَادَى يَا شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ يَا حَجَّارَ بْنَ أَبْجَرَ يَا قَيْسَ بْنَ الْأَشْعَثِ يَا يَزِيدَ بْنَ الْحَارِثِ أَ لَمْ تَكْتُبُوا إِلَيَّ أَنْ قَدْ أَيْنَعَتِ الثِّمَارُ وَ اخْضَرَّ الْجَنَابُ وَ إِنَّمَا تَقْدَمُ عَلَى جُنْدٍ لَكَ مُجَنَّدٍ فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ الْأَشْعَثِ مَا نَدْرِي مَا تَقُولُ وَ لَكِنِ انْزِلْ عَلَى حُكْمِ بَنِي عَمِّكَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يُرُوكَ إِلَّا مَا تُحِبُّ فَقَالَ لَهُمُ الْحُسَيْنُ عليه السلام لَا وَ اللَّهِ لَا أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الذَّلِيلِ وَ لَا أُقِرُّ لَكُمْ إِقْرَارَ الْعَبِيدِ. ثُمَّ نَادَى يَا عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وَ أَعُوذُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ثم إنه أناخ راحلته و أمر عقبة بن سمعان بعقلها و أقبلوا يزحفون نحوه. - و في المناقب روى بإسناده عن عبد الله بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن الحسن عن أبيه عن جده عن عبد الله قال لما عبّأ عمر بن سعد أصحابه للمحاربة الحسين بن علي عليه السلام و رتّبهم مراتبهم و أقام الرايات في مواضعها و عبأ أصحاب الميمنة و الميسرة فقال لأصحاب القلب اثبتوا. و أحاطوا بالحسين من كل جانب حتى جعلوه في مثل الحلقة فخرج عليه السلام حتى أتى الناس فاستنصتهم فأبوا أن ينصتوا حتى قال لهم وَيْلَكُمْ مَا عَلَيْكُمْ أَنْ تُنْصِتُوا إِلَيَّ فَتَسْمَعُوا قَوْلِي وَ إِنَّمَا أَدْعُوكُمْ إِلَى سَبِيلِ الرَّشَادِ فَمَنْ أَطَاعَنِي كَانَ مِنَ الْمُرْشَدِينَ وَ مَنْ عَصَانِي كَانَ مِنَ الْمُهْلَكِينَ وَ كُلُّكُمْ عَاصٍ لِأَمْرِي غَيْرُ مُسْتَمِعٍ قَوْلِي فَقَدْ مُلِئَتْ بُطُونُكُمْ مِنَ الْحَرَامِ وَ طُبِعَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيْلَكُمْ أَ لَا تُنْصِتُونَ أَ لَا تَسْمَعُونَ فَتَلَاوَمَ أَصْحَابُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ بَيْنَهُمْ وَ قَالُوا أَنْصِتُوا لَهُ. فَقَامَ الْحُسَيْنُ عليه السلام ثُمَّ قَالَ تَبّاً لَكُمْ أَيَّتُهَا الْجَمَاعَةُ وَ تَرَحاً أَ فَحِينَ اسْتَصْرَخْتُمُونَا وَلِهِينَ مُتَحَيِّرِينَ فَأَصْرَخْتُكُمْ مُؤَدِّينَ مُسْتَعِدِّينَ سَلَلْتُمْ عَلَيْنَا سَيْفاً فِي رِقَابِنَا وَ حَشَشْتُمْ عَلَيْنَا نَارَ الْفِتَنِ خَبَأَهَا عَدُوُّكُمْ وَ عَدُوُّنَا فَأَصْبَحْتُمْ أَلْباً عَلَى أَوْلِيَائِكُمْ وَ يَداً عَلَيْهِمْ لِأَعْدَائِكُمْ بِغَيْرِ عَدْلٍ أَفْشَوْهُ فِيكُمْ وَ لَا أَمَلٍ أَصْبَحَ لَكُمْ فِيهِمْ إِلَّا الْحَرَامُ مِنَ الدُّنْيَا أَنَالُوكُمْ وَ خَسِيسُ عَيْشٍ طَمِعْتُمْ فِيهِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ كَانَ مِنَّا لَا رَأْيَ تَفَيَّلَ لَنَا فَهَلَّا لَكُمُ الْوَيْلَاتُ إِذْ كَرِهْتُمُونَا وَ تَرَكْتُمُونَا تَجَهَّزْتُمُوهَا وَ السَّيْفُ لَمْ يُشْهَرْ وَ الْجَأْشُ طَامِنٌ وَ الرَّأْيُ لَمْ يُسْتَحْصَفْ وَ لَكِنْ أَسْرَعْتُمْ عَلَيْنَا كَطَيْرَةِ الذُّبَابِ وَ تَدَاعَيْتُمْ كَتَدَاعِي الْفَرَاشِ فَقُبْحاً لَكُمْ فَإِنَّمَا أَنْتُمْ مِنْ طَوَاغِيتِ الْأُمَّةِ وَ شُذَاذِ الْأَحْزَابِ وَ نَبَذَةِ الْكِتَابِ وَ نَفَثَةِ الشَّيْطَانِ وَ عُصْبَةِ الْآثَامِ وَ مُحَرِّفِي الْكِتَابِ وَ مُطْفِئِ السُّنَنِ وَ قَتَلَةِ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ و مُبِيرِي عِتْرَةِ الْأَوْصِيَاءِ وَ مُلْحِقِي الْعُهَّارِ بِالنَّسَبِ وَ مُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ و صُرَّاخِ أَئِمَّةِ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ وَ أَنْتُمْ- ابْنَ حَرْبٍ وَ أَشْيَاعَهُ تَعْتَمِدُونَ وَ إِيَّانَا تُخَاذِلُونَ أَجَلْ وَ اللَّهِ الْخَذْلُ فِيكُمْ مَعْرُوفٌ وَشَجَتْ عَلَيْهِ عُرُوقُكُمْ وَ تَوَارَثَتْهُ أُصُولُكُمْ وَ فُرُوعُكُمْ وَ ثَبَتَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ وَ غُشِيَتْ صُدُورُكُمْ فَكُنْتُمْ أَخْبَثَ شَيْءٍ سِنْخاً لِلنَّاصِبِ وَ أُكْلَةً لِلْغَاصِبِ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى النَّاكِثِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَ قَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا فَأَنْتُمْ وَ اللَّهِ هُمْ. أَلَا إِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيَّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ بَيْنَ القلة [السَّلَّةِ وَ الذِّلَّةِ وَ هَيْهَاتَ مَا آخُذُ الدَّنِيَّةَ أَبَى اللَّهُ ذَلِكَ وَ رَسُولُهُ وَ جُدُودٌ طَابَتْ وَ حُجُورٌ طَهُرَتْ وَ أُنُوفٌ حَمِيَّةٌ وَ نُفُوسٌ أَبِيَّةٌ لَا تُؤْثِرُ مَصَارِعَ اللِّئَامِ عَلَى مَصَارِعِ الْكِرَامِ أَلَا قَدْ أَعْذَرْتُ وَ أَنْذَرْتُ أَلَا إِنِّي زَاحِفٌ بِهَذِهِ الْأُسْرَةِ عَلَى قِلَّةِ الْعَتَادِ وَ خُذَلَةِ الْأَصْحَابِ ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ فَإِنْ نَهْزِمْ فَهَزَّامُونَ قِدْماً* * * وَ إِنْ نُهْزَمْ فَغَيْرُ مُهَزَّمِينَا وَ مَا إِنْ طِبُّنَا جُبْنٌ وَ لَكِنْ* * * مَنَايَانَا وَ دَوْلَةُ آخَرِينَا أَلَا ثُمَّ لَا تَلْبَثُونَ بَعْدَهَا إِلَّا كَرَيْثِ مَا يُرْكَبُ الْفَرَسُ حَتَّى تَدُورَ بِكُمُ الرَّحَى عَهْدٌ عَهِدَهُ إِلَيَّ أَبِي عَنْ جَدِّي فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَ شُرَكاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ جَمِيعاً فَلا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَ رَبِّكُمْ ما مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِناصِيَتِها إِنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ اللَّهُمَّ احْبِسْ عَنْهُمْ قَطْرَ السَّمَاءِ وَ ابْعَثْ عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ وَ سَلِّطْ عَلَيْهِمْ غُلَامَ ثَقِيفٍ يَسْقِيهِمْ كَأْساً مُصَبَّرَةً وَ لَا يَدَعُ فِيهِمْ أَحَداً إِلَّا قَتَلَهُ قَتْلَةً بِقَتْلَةٍ وَ ضَرْبَةً بِضَرْبَةٍ يَنْتَقِمُ لِي وَ لِأَوْلِيَائِي وَ أَهْلِ بَيْتِي وَ أَشْيَاعِي مِنْهُمْ فَإِنَّهُمْ غَرُّونَا وَ كَذَبُونَا وَ خَذَلُونَا وَ أَنْتَ رَبُّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنا وَ إِلَيْكَ أَنَبْنا وَ إِلَيْكَ الْمَصِيرُ ثُمَّ قَالَ أَيْنَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ ادْعُوا لِي عُمَرَ فَدُعِيَ لَهُ وَ كَانَ كَارِهاً لَا يُحِبُّ أَنْ يَأْتِيَهُ فَقَالَ يَا عُمَرُ أَنْتَ تَقْتُلُنِي تَزْعُمُ أَنْ يُوَلِّيَكَ الدَّعِيُّ ابْنُ الدَّعِيِّ بِلَادَ الرَّيِّ وَ جُرْجَانَ وَ اللَّهِ لَا تَتَهَنَّأُ بِذَلِكَ أَبَداً عَهْداً مَعْهُوداً فَاصْنَعْ مَا أَنْتَ صَانِعٌ فَإِنَّكَ لَا تَفْرَحُ بَعْدِي بِدُنْيَا وَ لَا آخِرَةٍ وَ لَكَأَنِّي بِرَأْسِكَ عَلَى قَصَبَةٍ قَدْ نُصِبَ بِالْكُوفَةِ يَتَرَامَاهُ الصِّبْيَانُ وَ يَتَّخِذُونَهُ غَرَضاً بَيْنَهُمْ. فاغتاظ عمر من كلامه ثم صرف بوجهه عنه و نادى بأصحابه ما تنتظرون به احملوا بأجمعكم إنما هي أكلة واحدة ثم إن الحسين دعا بفرس رسول الله المرتجز فركبه و عبأ أصحابه. أقول قد روي الخطبة في تحف العقول نحوا مما مر و رواه السيد بتغيير و اختصار و ستأتي برواية الإحتجاج أيضا. ثم قال المفيد (رحمه الله) فلما رأى الحر بن يزيد أن القوم قد صمموا على قتال الحسين عليه السلام قال لعمر بن سعد أي عمر أ مقاتل أنت هذا الرجل قال إي و الله قتالا شديدا أيسره أن تسقط الرءوس و تطيح الأيدي قال أ فما لكم فيما عرضه عليكم رضى قال عمر أما لو كان الأمر إلي لفعلت و لكن أميرك قد أبى فأقبل الحر حتى وقف من الناس موقفا و معه رجل من قومه يقال له قرة بن قيس فقال له يا قرة هل سقيت فرسك اليوم قال لا قال فما تريد أن تسقيه قال قرة فظننت و الله أنه يريد أن يتنحى و لا يشهد القتال فكره أن أراه حين يصنع ذلك فقلت له لم أسقه و أنا منطلق فأسقيه فاعتزل ذلك المكان الذي كان فيه فو الله لو أنه اطلعني على الذي يريد لخرجت معه إلى الحسين. فأخذ يدنو من الحسين قليلا قليلا فقال له مهاجر بن أوس ما تريد يا ابن يزيد أ تريد أن تحمل فلم يجبه فأخذه مثل الأفكل و هي الرعدة فقال له المهاجر إن أمرك لمريب و الله ما رأيت منك في موقف قط مثل هذا و لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة لما عدوتك فما هذا الذي أرى منك فقال له الحر إني و الله أخير نفسي بين الجنة و النار فو الله لا أختار على الجنة شيئا و لو قطعت و أحرقت. ثم ضرب فرسه فلحق الحسين عليه السلام فقال له جعلت فداك يا ابن رسول الله أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع و سايرتك في الطريق و جعجعت بك في هذا المكان و ما ظننت أن القوم يردون عليك ما عرضته عليهم و لا يبلغون منك هذه المنزلة و الله لو علمت أنهم ينتهون بك إلى ما ركبت مثل الذي ركبت و أنا تائب إلى الله مما صنعت فترى لي من ذلك توبة فقال له الحسين عليه السلام نعم يتوب الله عليك فانزل فقال أنا لك فارسا خير مني راجلا أقاتلهم على فرسي ساعة و إلى النزول ما يصير آخر أمري فقال له الحسين عليه السلام فاصنع يرحمك الله ما بدا لك. فاستقدم أمام الحسين عليه السلام فقال يا أهل الكوفة لأمكم الهبل و العبر أ دعوتم هذا العبد الصالح حتى إذا أتاكم أسلمتموه و زعمتم أنكم قاتلوا أنفسكم دونه ثم عدوتم عليه لتقتلوه أمسكتم بنفسه و أخذتم بكلكله و أحطتم به من كل جانب لتمنعوه التوجه إلى بلاد الله العريضة فصار كالأسير في أيديكم لا يملك لنفسه نفعا و لا يدفع عنها ضرا و حلّأتموه و نساءه و صبيته و أهله عن ماء الفرات الجاري تشربه اليهود و النصارى و المجوس و تمرغ فيه خنازير السواد و كلابهم و ها هم قد صرعهم العطش بئسما خلفتم محمدا في ذريته لا سقاكم الله يوم الظمأ. فحمل عليه رجال يرمونه بالنبل فأقبل حتى وقف أمام الحسين عليه السلام و نادى عمر بن سعد يا دريد أدن رايتك فأدناها ثم وضع سهما في كبد قوسه ثم رمى و قال اشهدوا أني أول من رمى الناس. و قال محمد بن أبي طالب فرمى أصحابه كلهم فما بقي من أصحاب الحسين عليه السلام إلا أصابه من سهامهم قيل فلما رموهم هذه الرمية قل أصحاب الحسين عليه السلام و قتل في هذه الحملة خمسون رجلا و قال السيد فقال عليه السلام لأصحابه قُومُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ إِلَى الْمَوْتِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فَإِنَّ هَذِهِ السِّهَامَ رُسُلُ الْقَوْمِ إِلَيْكُمْ فَاقْتَتَلُوا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ حَمْلَةً وَ حَمْلَةً حَتَّى قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْحُسَيْنِ عليه السلام جَمَاعَةٌ قَالَ فَعِنْدَهَا ضَرَبَ الْحُسَيْنُ عليه السلام يَدَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ وَ جَعَلَ يَقُولُ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى الْيَهُودِ إِذْ جَعَلُوا لَهُ وَلَداً وَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى النَّصَارَى إِذْ جَعَلُوهُ ثَالِثَ ثَلَاثَةٍ وَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى الْمَجُوسِ إِذْ عَبَدُوا الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ دُونَهُ وَ اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى قَوْمٍ اتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ عَلَى قَتْلِ ابْنِ بِنْتِ نَبِيِّهِمْ أَمَا وَ اللَّهِ لَا أُجِيبُهُمْ إِلَى شَيْءٍ مَمَّا يُرِيدُونَ حَتَّى أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَ أَنَا مُخَضَّبٌ بِدَمِي. وَ رُوِيَ عَنْ مَوْلَانَا الصَّادِقِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي عليه السلام يَقُولُ لَمَّا الْتَقَى الْحُسَيْنُ عليه السلام وَ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ قَامَتِ الْحَرْبُ- أُنْزِلَ النَّصْرُ حَتَّى رَفْرَفَ عَلَى رَأْسِ الْحُسَيْنِ عليه السلام ثُمَّ خُيِّرَ بَيْنَ النَّصْرِ عَلَى أَعْدَائِهِ وَ بَيْنَ لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى- فَاخْتَارَ لِقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الرَّاوِي ثُمَّ صَاحَ عليه السلام أَ مَا مِنْ مُغِيثٍ يُغِيثُنَا لِوَجْهِ اللَّهِ- أَ مَا مِنْ ذَابٍّ يَذُبُّ عَنْ حَرَمِ رَسُولِ اللَّهِ و قال المفيد (رحمه الله) و تبارزوا فبرز يسار مولى زياد بن أبي سفيان و برز إليه عبد الله بن عمير فقال له يسار من أنت فانتسب له فقال لست أعرفك حتى يخرج إلي زهير بن القين أو حبيب بن مظاهر فقال عبد الله بن عمير يا ابن الفاعلة و بك رغبة عن مبارزة أحد من الناس ثم شد عليه فضربه بسيفه حتى برد و إنه لمشغول بضربه إذ شد عليه سالم مولى عبيد الله بن زياد فصاحوا به قد رهقك العبد فلم يشعر حتى غشيه فبدره بضربة اتقاها ابن عمير بيده اليسرى فأطارت أصابع كفه ثم شد عليه فضربه حتى قتله و أقبل و قد قتلهما جميعا و هو يرتجز و يقول إن تنكروني فأنا ابن كلب* * * أنا امرؤ ذو مرة و عصب و لست بالخوار عند النكب و حمل عمرو بن الحجاج على ميمنة أصحاب الحسين عليه السلام فيمن كان معه من أهل الكوفة فلما دنا من الحسين عليه السلام جثوا له على الركب و أشرعوا الرماح نحوهم فلم تقدم خيلهم على الرماح فذهبت الخيل لترجع فرشقهم أصحاب الحسين عليه السلام بالنبل فصرعوا منهم رجالا و جرحوا منهم آخرين و جاء رجل من بني تميم يقال له عبد الله بن خوزة فأقدم على عسكر الحسين عليه السلام فناداه القوم إلى أين ثكلتك أمك فقال إني أقدم على رب رحيم و شفيع مطاع فقال الحسين عليه السلام لأصحابه من هذا فقيل له هذا ابن خوزة التميمي فقال اللهم جره إلى النار فاضطرب به فرسه في جدول فوقع و تعلقت رجله اليسرى في الركاب و ارتفعت اليمنى و شد عليه مسلم بن عوسجة فضرب رجله اليمنى فأطارت و عدا به فرسه فضرب برأسه كل حجر و كل شجر حتى مات و عجل الله بروحه إلى النار و نشب القتال فقتل من الجميع جماعة. و قال محمد بن أبي طالب و صاحب المناقب و ابن الأثير في الكامل و رواياتهم متقاربة أن الحر أتى الحسين عليه السلام فقال يا ابن رسول الله كنت أول خارج عليك فائذن لي لأكون أول قتيل بين يديك و أول من يصافح جدك غدا و إنما قال الحر لأكون أول قتيل بين يديك و المعنى يكون أول قتيل من المبارزين و إلا فإن جماعة كانوا قد قتلوا في الحملة الأولى كما ذكر فكان أول من تقدم إلى براز القوم و جعل ينشد و يقول إني أنا الحر و مأوى الضيف* * * أضرب في أعناقكم بالسيف عن خير من حل بأرض الخيف* * * أضربكم و لا أرى من حيف و روي أن الحر لما لحق بالحسين عليه السلام قال رجل من تميم يقال له يزيد بن سفيان أما و الله لو لحقته لأتبعته السنان فبينما هو يقاتل و إن فرسه لمضروب على أذنيه و حاجبيه و إن الدماء لتسيل إذ قال الحصين يا يزيد هذا الحر الذي كنت تتمناه قال نعم فخرج إليه فما لبث الحر أن قتله و قتل أربعين فارسا و راجلا فلم يزل يقاتل حتى عرقب فرسه و بقي راجلا و هو يقول إني أنا الحر و نجل الحر* * * أشجع من ذي لبد هزبر و لست بالجبان عند الكر* * * لكنني الوقاف عند الفر ثم لم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه الله) فاحتمله أصحاب الحسين عليه السلام حتى وضعوه بين يدي الحسين عليه السلام و به رمق فجعل الحسين يمسح وجهه و يقول أنت الحر كما سمتك أمك و أنت الحر في الدنيا و أنت الحر في الآخرة و رثاه رجل من أصحاب الحسين عليه السلام و قيل بل رثاه علي بن الحسين ع لنعم الحر حر بني رياح* * * صبور عند مختلف الرماح و نعم الحر إذ نادى حسينا* * * فجاد بنفسه عند الصياح فيا ربي أضفه في جنان* * * و زوجه مع الحور الملاح و روي أن الحر كان يقول آليت لا أقتل حتى أقتلا* * * أضربهم بالسيف ضربا معضلا لا ناقل عنهم و لا معللا* * * لا عاجز عنهم و لا مبدلا أحمي الحسين الماجد المؤملا قال المفيد (رحمه الله) فاشترك في قتله أيوب بن مسرح و رجل آخر من فرسان أهل الكوفة انتهى كلامه. و قال ابن شهرآشوب قتل نيفا و أربعين رجلا منهم و قال ابن نما و رويت بإسنادي أنه قال للحسين عليه السلام لما وجهني عبيد الله إليك خرجت من القصر فنوديت من خلفي أبشر يا حر بخير فالتفت فلم أر أحدا فقلت و الله ما هذه بشارة و أنا أسير إلى الحسين و ما أحدث نفسي باتباعك فقال عليه السلام لقد أصبت أجرا و خيرا. ثم قالوا و كان كل من أراد الخروج ودع الحسين عليه السلام و قال السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه و عليك السلام و نحن خلفك و يقرأ عليه السلام فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ثم برز برير بن خضير الهمداني بعد الحر و كان من عباد الله الصالحين فبرز و هو يقول أنا برير و أبي خضير* * * ليث يروع الأسد عند الزئر يعرف فينا الخير أهل الخير* * * أضربكم و لا أرى من ضير كذاك فعل الخير من برير و جعل يحمل على القوم و هو يقول اقتربوا مني يا قتلة المؤمنين اقتربوا مني يا قتلة أولاد البدريين اقتربوا مني يا قتلة أولاد رسول رب العالمين و ذريته الباقين و كان برير أقرأ أهل زمانه فلم يزل يقاتل حتى قتل ثلاثين رجلا فبرز إليه رجل يقال له يزيد بن معقل فقال لبرير أشهد أنك من المضلين فقال له برير هلم فلندع الله أن يلعن الكاذب منا و أن يقتل المحق منا المبطل فتصاولا فضرب يزيد لبرير ضربة خفيفة لم يعمل شيئا و ضربه برير ضربة قدت المغفر و وصلت إلى دماغه فسقط قتيلا قال فحمل رجل من أصحاب ابن زياد فقتل بريرا (رحمه الله) و كان يقال لقاتله بحير بن أوس الضبي فجال في ميدان الحرب و جعل يقول سلي تخبري عني و أنت ذميمة* * * غداة حسين و الرماح شوارع أ لم آت أقصى ما كرهت و لم يحل* * * غداة الوغى و الروع ما أنا صانع معي مزني لم تخنه كعوبه* * * و أبيض مشحوذ الغرارين قاطع فجردته في عصبة ليس دينهم* * * كديني و إني بعد ذاك لقانع و قد صبروا للطعن و الضرب حسرا * * * و قد جالدوا لو أن ذلك نافع فأبلغ عبيد الله إذ ما لقيته* * * بأني مطيع للخليفة سامع قتلت بريرا ثم جلت لهمة* * * غداة الوغى لما دعا من يقارع قال ثم ذكر له بعد ذلك أن بريرا كان من عباد الله الصالحين و جاءه ابن عم له و قال ويحك يا بحير قتلت برير بن خضير فبأي وجه تلقى ربك غدا قال فندم الشقي و أنشأ يقول فلو شاء ربي ما شهدت قتالهم* * * و لا جعل النعماء عند ابن جائر لقد كان ذا عارا علي و سبة* * * يعير بها الأبناء عند المعاشر فيا ليت أني كنت في الرحم حيضة* * * و يوم حسين كنت ضمن المقابر فيا سوأتا ما ذا أقول لخالقي* * * و ما حجتي يوم الحساب القماطر ثم برز من بعده وهب بن عبد الله بن حباب الكلبي و قد كانت معه أمه يومئذ فقالت قم يا بني فانصر ابن بنت رسول الله فقال أفعل يا أماه و لا أقصر فبرز و هو يقول إن تنكروني فأنا ابن الكلب* * * سوف تروني و ترون ضربي و حملتي و صولتي في الحرب* * * أدرك ثأري بعد ثأر صحبي و أدفع الكرب أمام الكرب* * * ليس جهادي في الوغى باللعب ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل منهم جماعة فرجع إلى أمه و امرأته فوقف عليهما فقال يا أماه أ رضيت فقالت ما رضيت أو تقتل بين يدي الحسين عليه السلام فقالت امرأته بالله لا تفجعني في نفسك فقالت أمه يا بني لا تقبل قولها و ارجع فقاتل بين يدي ابن رسول الله فيكون غدا في القيامة شفيعا لك بين يدي الله فرجع قائلا إني زعيم لك أم وهب* * * بالطعن فيهم تارة و الضرب ضرب غلام مؤمن بالرب* * * حتى يذيق القوم مر الحرب إني امرؤ ذو مرة و عصب* * * و لست بالخوار عند النكب حسبي إلهي من عليم حسبي فلم يزل يقاتل حتى قتل تسعة عشر فارسا و اثني عشر راجلا ثم قطعت يداه فأخذت امرأته عمودا و أقبلت نحوه و هي تقول فداك أبي و أمي قاتل دون الطيبين حرم رسول الله فأقبل كي يردها إلى النساء فأخذت بجانب ثوبه و قالت لن أعود أو أموت معك فقال الحسين جزيتم من أهل بيتي خيرا ارجعي إلى النساء رحمك الله فانصرفت و جعل يقاتل حتى قتل (رضوان اللّه عليه) قال فذهبت امرأته تمسح الدم عن وجهه فبصر بها شمر فأمر غلاما له فضربها بعمود كان معه فشدخها و قتلها و هي أول امرأة قتلت في عسكر الحسين. و رأيت حديثا أن وهب هذا كان نصرانيا فأسلم هو و أمه على يدي الحسين فقتل في المبارزة أربعة و عشرين راجلا و اثني عشر فارسا ثم أخذ أسيرا فأتي به عمر بن سعد فقال ما أشد صولتك ثم أمر فضربت عنقه و رمي برأسه إلى عسكر الحسين عليه السلام فأخذت أمه الرأس فقبلته ثم رمت بالرأس إلى عسكر ابن سعد فأصابت به رجلا فقتلته ثم شدت بعمود الفسطاط فقتلت رجلين فقال لها الحسين ارجعي يا أم وهب أنت و ابنك مع رسول الله فإن الجهاد مرفوع عن النساء فرجعت و هي تقول إلهي لا تقطع رجائي فقال لها الحسين عليه السلام لا يقطع الله رجاك يا أم وهب. ثم برز من بعده عمرو بن خالد الأزدي و هو يقول إليك يا نفس إلى الرحمن* * * فأبشري بالروح و الريحان اليوم تجزين على الإحسان* * * قد كان منك غابر الزمان ما خط في اللوح لدى الديان* * * لا تجرعي فكل حي فان و الصبر أحظى لك بالأماني* * * يا معشر الأزد بني قحطان ثم قاتل حتى قتل (رحمه الله) و في المناقب ثم تقدم ابنه خالد بن عمرو و هو يرتجز و يقول صبرا على الموت بني قحطان* * * كي ما تكونوا في رضي الرحمن ذي المجد و العزة و البرهان* * * و ذي العلى و الطول و الإحسان يا أبتا قد صرت في الجنان* * * في قصر رب حسن البنيان ثم تقدم فلم يزل يقاتل حتى قتل رحمة الله عليه و قال محمد بن أبي طالب ثم برز من بعده سعد بن حنظلة التميمي و هو يقول صبرا على الأسياف و الأسنة* * * صبرا عليها لدخول الجنة و حور عين ناعمات هنه* * * لمن يريد الفوز لا بالظنة يا نفس للراحة فاجهدنه* * * و في طلاب الخير فارغبنه ثم حمل و قاتل قتالا شديدا ثم قتل (رضوان اللّه عليه). و خرج من بعده عمير بن عبد الله المذحجي و هو يرتجز و يقول قد علمت سعد و حي مذحج* * * أني لدى الهيجاء ليث محرج أعلو بسيفي هامة المدجج* * * و أترك القرن لدى التعرج فريسة الضبع الأزل الأعرج و لم يزل يقاتل حتى قتله مسلم الضبابي و عبد الله البجلي. ثم برز من بعده مسلم بن عوسجة رحمة الله و هو يرتجز إن تسألوا عني فإني ذو لبد* * * من فرع قوم من ذري بني أسد فمن بغانا حائد عن الرشد* * * و كافر بدين جبار صمد ثم قاتل قتالا شديدا. و قال المفيد و صاحب المناقب بعد ذلك و كان نافع بن هلال البجلي يقاتل قتالا شديدا و يرتجز و يقول أنا ابن هلال البجلي * * * أنا على دين علي و دينه دين النبي فبرز إليه رجل من بني قطيعة و قال المفيد هو مزاحم بن حريث فقال أنا على دين عثمان فقال له نافع أنت على دين الشيطان فحمل عليه نافع فقتله. فصاح عمرو بن الحجاج بالناس يا حمقى أ تدرون من تقاتلون تقاتلون فرسان أهل المصر و أهل البصائر و قوما مستميتين لا يبرز منكم إليهم أحد إلا قتلوه على قتلتهم و الله لو لم ترموهم إلا بالحجارة لقتلتموهم فقال له عمر بن سعد لعنه الله الرأي ما رأيت فأرسل في الناس من يعزم عليهم أن لا يبارزهم رجل منهم و قال لو خرجتم إليهم وحدانا لأتوا عليكم مبارزة. و دنا عمرو بن الحجاج من أصحاب الحسين عليه السلام فقال يا أهل الكوفة الزموا طاعتكم و جماعتكم و لا ترتابوا في قتل من مرق من الدين و خالف الإمام- فقال الحسين عليه السلام يَا ابْنَ الْحَجَّاجِ أَ عَلَيَّ تُحَرِّضُ النَّاسَ أَ نَحْنُ مَرَقْنَا مِنَ الدِّينِ وَ أَنْتُمْ ثَبَتُّمْ عَلَيْهِ وَ اللَّهِ لَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا الْمَارِقُ مِنَ الدِّينِ وَ مَنْ هُوَ أَوْلَى بِصَلْيِ النَّارِ. ثم حمل عمرو بن الحجاج لعنه الله في ميمنته من نحو الفرات فاضطربوا ساعة فصرع مسلم بن عوسجة و انصرف عمرو و أصحابه و انقطعت الغبرة فإذا مسلم صريع و قال محمد بن أبي طالب فسقط إلى الأرض و به رمق فمشى إليه الحسين و معه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين عليه السلام رحمك الله يا مسلم فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا ثم دنا منه حبيب فقال يعز علي مصرعك يا مسلم أبشر بالجنة فقال له قولا ضعيفا بشرك الله بخير فقال له حبيب لو لا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك فقال مسلم فإني أوصيك بهذا و أشار إلى الحسين عليه السلام فقاتل دونه حتى تموت فقال حبيب لأنعمتك عينا ثم مات (رضوان اللّه عليه). قال و صاحت جارية له يا سيداه يا ابن عوسجتاه فنادى أصحاب ابن سعد مستبشرين قتلنا مسلم بن عوسجة فقال شبث بن ربعي لبعض من حوله ثكلتكم أمهاتكم أما إنكم تقتلون أنفسكم بأيديكم و تذلون عزكم أ تفرحون بقتل مسلم بن عوسجة أما و الذي أسلمت له لرب موقف له في المسلمين كريم لقد رأيته يوم آذربيجان قتل ستة من المشركين قبل أن تلتام خيول المسلمين. ثم حمل شمر بن ذي الجوشن في الميسرة فثبتوا له و قاتلهم أصحاب الحسين عليه السلام قتالا شديدا و إنما هم اثنان و ثلاثون فارسا فلا يحملون على جانب من أهل الكوفة إلا كشفوهم فدعا عمر بن سعد بالحصين بن نمير في خمسمائة من الرماة فاقتبلوا حتى دنوا من الحسين و أصحابه فرشقوهم بالنبل فلم يلبثوا أن عقروا خيولهم و قاتلوهم حتى انتصف النهار و اشتد القتال و لم يقدروا أن يأتوهم إلا من جانب واحد لاجتماع أبنيتهم و تقارب بعضها من بعض فأرسل عمر بن سعد الرجال ليقوضوها عن أيمانهم و شمائلهم ليحيطوا بهم و أخذ الثلاثة و الأربعة من أصحاب الحسين يتخللون فيشدون على الرجل يعرض و ينهب فيرمونه عن قريب فيصرعونه فيقتلونه. فقال ابن سعد أحرقوها بالنار فأضرموا فيها فقال الحسين عليه السلام دعوهم يحرقوها فإنهم إذا فعلوا ذلك لم يجوزوا إليكم فكان كما قال عليه السلام و قيل أتاه شبث بن ربعي و قال أفزعنا النساء ثكلتك أمك فاستحيا و أخذوا لا يقاتلونهم إلا من وجه واحد و شد أصحاب زهير بن القين فقتلوا أبا عذرة الضبابي من أصحاب شمر فلم يزل يقتل من أصحاب الحسين الواحد و الاثنان فيبين ذلك فيهم لقلتهم و يقتل من أصحاب عمر العشرة فلا يبين فيهم ذلك لكثرتهم. فلما رأى ذلك أبو ثمامة الصيداوي قال للحسين عليه السلام يا أبا عبد الله نفسي لنفسك الفداء هؤلاء اقتربوا منك و لا و الله لا تقتل حتى أقتل دونك و أحب أن ألقى الله ربي و قد صليت هذه الصلاة فرفع الحسين رأسه إلى السماء و قال ذكرت الصلاة جعلك الله من المصلين نعم هذا أول وقتها ثم قال سلوهم أن يكفوا عنا حتى نصلي فقال الحصين بن نمير إنها لا تقبل فقال حبيب بن مظاهر لا تقبل الصلاة زعمت من ابن رسول الله و تقبل منك يا ختار فحمل عليه حصين بن نمير و حمل عليه حبيب فضرب وجه فرسه بالسيف فشب به الفرس و وقع عنه الحصين فاحتوشته أصحابه فاستنقذوه فقال الحسين عليه السلام لزهير بن القين و سعيد بن عبد الله تقدما أمامي حتى أصلي الظهر فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف. و روي أن سعيد بن عبد الله الحنفي تقدم أمام الحسين فاستهدف لهم يرمونه بالنبل كلما أخذ الحسين عليه السلام يمينا و شمالا قام بين يديه فما زال يرمى به حتى سقط إلى الأرض و هو يقول اللهم العنهم لعن عاد و ثمود اللهم أبلغ نبيك السلام عني و أبلغه ما لقيت من ألم الجراح فإني أردت بذلك نصرة ذرية نبيك ثم مات (رضوان اللّه عليه) فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف و طعن الرماح. و قال ابن نما و قيل صلى الحسين عليه السلام و أصحابه فرادى بالإيماء ثم قالوا ثم خرج عبد الرحمن بن عبد الله اليزني و هو يقول أنا ابن عبد الله من آل يزن* * * ديني على دين حسين و حسن أضربكم ضرب فتى من اليمن* * * أرجو بذاك الفوز عند المؤتمن ثم حمل فقاتل حتى قتل. و قال السيد فخرج عمرو بن قرظة الأنصاري فاستأذن الحسين عليه السلام فأذن له فقاتل قتال المشتاقين إلى الجزاء و بالغ في خدمة سلطان السماء حتى قتل جمعا كثيرا من حزب ابن زياد و جمع بين سداد و جهاد و كان لا يأتي إلى الحسين سهم إلا اتقاه بيده و لا سيف إلا تلقاه بمهجته فلم يكن يصل إلى الحسين سوء حتى أثخن بالجراح فالتفت إلى الحسين و قال يا ابن رسول الله أ وفيت قال نعم أنت أمامي في الجنة فأقرئ رسول الله مني السلام و أعلمه أني في الأثر فقاتل حتى قتل (رضوان اللّه عليه). و في المناقب أنه كان يقول قد علمت كتيبة الأنصار* * * أن سوف أحمي حوزة الذمار ضرب غلام غير نكس شاري* * * دون حسين مهجتي و داري و قال السيد ثم تقدم جون مولى أبي ذر الغفاري و كان عبدا أسود فقال له الحسين أنت في إذن مني فإنما تبعتنا طلبا للعافية فلا تبتل بطريقنا فقال يا ابن رسول الله أنا في الرخاء ألحس قصاعكم و في الشدة أخذلكم و الله إن ريحي لمنتن و إن حسبي للئيم و لوني لأسود فتنفس علي بالجنة فتطيب ريحي و يشرف حسبي و يبيض وجهي لا و الله لا أفارقكم حتى يختلط هذا الدم الأسود مع دمائكم. و قال محمد بن أبي طالب ثم برز للقتال و هو ينشد و يقول كيف يرى الكفار ضرب الأسود* * * بالسيف ضربا عن بني محمد أذب عنهم باللسان و اليد* * * أرجو به الجنة يوم المورد ثم قاتل حتى قتل فوقف عليه الحسين عليه السلام و قال اللَّهُمَّ بَيِّضْ وَجْهَهُ وَ طَيِّبْ رِيحَهُ وَ احْشُرْهُ مَعَ الْأَبْرَارِ وَ عَرِّفْ بَيْنَهُ وَ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ. وَ رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِ عليه السلام عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَحْضُرُونَ الْمَعْرَكَةَ وَ يَدْفِنُونَ الْقَتْلَى- فَوَجَدُوا جَوْناً بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ- يَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةُ الْمِسْكِ (رضوان اللّه عليه). و قال صاحب المناقب كان رجزه هكذا كيف يرى الفجار ضرب الأسود* * * بالمشرفي القاطع المهند بالسيف صلتا عن بني محمد* * * أذب عنهم باللسان و اليد أرجو بذلك الفوز عند المورد* * * من الإله الأحد الموحد إذ لا شفيع عنده كأحمد و قال السيد ثم برز عمرو بن خالد الصيداوي فقال للحسين عليه السلام يا أبا عبد الله قد هممت أن ألحق بأصحابي و كرهت أن أتخلف و أراك وحيدا من أهلك قتيلا فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُ تَقَدَّمْ فَإِنَّا لَاحِقُونَ بِكَ عَنْ سَاعَةٍ فتقدم فقاتل حتى قتل. قال و جاء حنظلة بن سعد الشبامي فوقف بين يدي الحسين يقيه السهام و الرماح و السيوف بوجهه و نحره و أخذ ينادي يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزابِ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَ عادٍ وَ ثَمُودَ وَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَ مَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعِبادِ وَ يا قَوْمِ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنادِ يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ ما لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عاصِمٍ يا قوم لا تقتلوا حسينا فَيُسْحِتَكُمْ الله بِعَذابٍ وَ قَدْ خابَ مَنِ افْتَرى. و في المناقب فقال له الحسين يَا ابْنَ سَعْدٍ إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْجَبُوا الْعَذَابَ حِينَ رَدُّوا عَلَيْكَ مَا دَعَوْتَهُمْ إِلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ وَ نَهَضُوا إِلَيْكَ يَشْتِمُونَكَ وَ أَصْحَابَكَ فَكَيْفَ بِهِمُ الْآنَ وَ قَدْ قَتَلُوا إِخْوَانَكَ الصَّالِحِينَ قال صدقت جعلت فداك أ فلا نروح إلى ربنا فنلحق بإخواننا فقال له رُحْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَ مَا فِيهَا وَ إِلَى مُلْكٍ لا يَبْلى فقال السلام عليك يا ابن رسول الله صلى الله عليك و على أهل بيتك و جمع بيننا و بينك في جنته قال آمين آمين ثم استقدم فقاتل قتالا شديدا فحملوا عليه فقتلوه (رضوان اللّه عليه). و قال السيد فتقدم سويد بن عمرو بن أبي المطاع و كان شريفا كثير الصلاة فقاتل قتال الأسد الباسل و بالغ في الصبر على الخطب النازل حتى سقط بين القتلى و قد أثخن بالجراح فلم يزل كذلك و ليس به حراك حتى سمعهم يقولون قتل الحسين فتحامل و أخرج سكينا من خفه و جعل يقاتل حتى قتل. و قال صاحب المناقب فخرج يحيى بن سليم المازني و هو يرتجز و يقول لأضربن القوم ضربا فيصلا* * * ضربا شديدا في العداة معجلا لا عاجزا فيها و لا مولولا* * * و لا أخاف اليوم موتا مقبلا لكنني كالليث أحمي أشبلا ثم حمل فقاتل حتى قتل (رحمه الله). ثم خرج من بعده قرة بن أبي قرة الغفاري و هو يرتجز و يقول قد علمت حقا بنو غفار* * * و خندف بعد بني نزار بأني الليث لدى الغيار* * * لأضربن معشر الفجار بكل عضب ذكر بتار* * * ضربا وجيعا عن بني الأخيار رهط النبي السادة الأبرار قال ثم حمل فقاتل حتى قتل (رحمه الله). و خرج من بعده مالك بن أنس المالكي و هو يرتجز و يقول قد علمت مالكها و الدودان* * * و الخندفيون و قيس عيلان بأن قومي آفة الأقران* * * لدى الوغى و سادة الفرسان مباشرو الموت بطعن آن* * * لسنا نرى العجز عن الطعان آل علي شيعة الرحمن* * * آل زياد شيعة الشيطان ثم حمل فقاتل حتى قتل (رحمه الله) و قال ابن نما اسمه أنس بن حارث الكاهلي و في المناقب ثم خرج من بعده عمرو بن مطاع الجعفي هو يقول أنا ابن جعف و أبي مطاع* * * و في يميني مرهف قطاع و أسمر في رأسه لماع* * * يرى له من ضوئه شعاع اليوم قد طاب لنا القراع* * * دون حسين الضرب و السطاع يرجى بذاك الفوز و الدفاع* * * عن حر نار حين لا انتفاع ثم حمل فقاتل حتى قتل (رحمه الله) و قالوا ثم خرج الحجاج بن مسروق و هو مؤذن الحسين عليه السلام و يقول أقدم حسين هاديا مهديا* * * اليوم تلقى جدك النبيا ثم أباك ذا الندا عليا* * * ذاك الذي نعرفه وصيا و الحسن الخير الرضي الوليا* * * و ذا الجناحين الفتى الكميا و أسد الله الشهيد الحيا ثم حمل فقاتل حتى قتل (رحمه الله). ثم خرج من بعده زهير بن القين رضي الله عنه و هو يرتجز و يقول أنا زهير و أنا ابن القين* * * أذودكم بالسيف عن حسين إن حسينا أحد السبطين* * * من عترة البر التقي الزين ذاك رسول الله غير المين* * * أضربكم و لا أرى من شين يا ليت نفسي قسمت قسمين و قال محمد بن أبي طالب فقاتل حتى قتل مائة و عشرين رجلا فشد عليه كثير بن عبد الله الشعبي و مهاجر بن أوس التميمي فقتلاه فقال الحسين عليه السلام حين صرع زهير لا يبعدك الله يا زهير و لعن قاتلك لعن الذين مسخوا قردة و خنازير. ثم خرج سعيد بن عبد الله الحنفي و هو يرتجز أقدم حسين اليوم تلقى أحمدا* * * و شيخك الحبر عليا ذا الندا و حسنا كالبدر وافى الأسعدا* * * و عمك القوم الهمام الأرشدا حمزة ليث الله يدعى أسدا* * * و ذا الجناحين تبوأ مقعدا في جنة الفردوس يعلو صعدا و قال في المناقب و قيل بل القائل لهذه الأبيات هو سويد بن عمرو بن أبي المطاع قال فلم يزل يقاتل حتى قتل. ثم برز حبيب بن مظاهر الأسدي و هو يقول أنا حبيب و أبي مظهر* * * فارس هيجاء و حرب تسعر و أنتم عند العديد أكثر* * * و نحن أعلى حجة و أظهر و أنتم عند الوفاء أغدر* * * و نحن أوفى منكم و أصبر حقا و أنمى منكم و أعذر و قاتل قتالا شديدا و قال أيضا أقسم لو كنا لكم أعدادا* * * أو شطركم وليتم الأكتادا يا شر قوم حسبا و آدا* * * و شرهم قد علموا أندادا ثم حمل عليه رجل من بني تميم فطعنه فذهب ليقوم فضربه الحصين بن نمير لعنه الله على رأسه بالسيف فوقع و نزل التميمي فاجتز رأسه فهد مقتله الحسين ع فقال عند الله أحتسب نفسي و حماة أصحابي و قيل بل قتله رجل يقال له بديل بن صريم و أخذ رأسه فعلقه في عنق فرسه فلما دخل مكة رآه ابن حبيب و هو غلام غير مراهق فوثب إليه فقتله و أخذ رأسه. و قال محمد بن أبي طالب فقتل اثنين و ستين رجلا فقتله الحصين بن نمير و علق رأسه في عنق فرسه. ثم برز هلال بن نافع البجلي و هو يقول أرمي بها معلمة أفواقها* * * و النفس لا ينفعها إشفاقها مسمومة تجري بها أخفاقها* * * ليملأن أرضها رشاقها فلم يزل يرميهم حتى فنيت سهامه ثم ضرب يده إلى سيفه فاستله و جعل يقول أنا الغلام اليمني البجلي* * * ديني على دين حسين و علي إن أقتل اليوم فهذا أملي* * * فذاك رأيي و ألاقي عملي فقتل ثلاثة عشر رجلا فكسروا عضديه و أخذ أسيرا فقام إليه شمر فضرب عنقه. قال ثم خرج شاب قتل أبوه في المعركة و كانت أمه معه فقالت له أمه اخرج يا بني و قاتل بين يدي ابن رسول الله فخرج فقال الحسين هذا شاب قتل أبوه و لعل أمه تكره خروجه فقال الشاب أمي أمرتني بذلك فبرز و هو يقول أميري حسين و نعم الأمير* * * سرور فؤاد البشير النذير علي و فاطمة والداه* * * فهل تعلمون له من نظير له طلعة مثل شمس الضحى* * * له غرة مثل بدر منير و قاتل حتى قتل و جز رأسه و رمي به إلى عسكر الحسين عليه السلام فحملت أمه رأسه و قالت أحسنت يا بني يا سرور قلبي و يا قرة عيني ثم رمت برأس ابنها رجلا فقتلته و أخذت عمود خيمته و حملت عليهم و هي تقول أنا عجوز سيدي ضعيفة* * * خاوية بالية نحيفة أضربكم بضربة عنيفة* * * دون بني فاطمة الشريفة و ضربت رجلين فقتلتهما فأمر الحسين عليه السلام بصرفها و دعا لها. و في المناقب ثم خرج جنادة بن الحارث الأنصاري و هو يقول أنا جناد و أنا ابن الحارث* * * لست بخوار و لا بناكث عن بيعتي حتى يرثني وارث* * * اليوم شلوي في الصعيد ماكث قال ثم حمل فلم يزل يقاتل حتى قتل (رحمه الله). قال ثم خرج من بعده عمرو بن جنادة و هو يقول أضق الخناق من ابن هند و ارمه* * * من عامه بفوارس الأنصار و مهاجرين مخضبين رماحهم* * * تحت العجاجة من دم الكفار خضبت على عهد النبي محمد* * * فاليوم تخضب من دم الفجار و اليوم تخضب من دماء أراذل* * * رفضوا القرآن لنصرة الأشرار طلبوا بثأرهم ببدر إذ أتوا* * * بالمرهفات و بالقنا الخطار و الله ربي لا أزال مضاربا* * * في الفاسقين بمرهف بتار هذا على الأزدي حق واجب* * * في كل يوم تعانق و كرار قال ثم خرج عبد الرحمن بن عروة فقال قد علمت حقا بنو غفار* * * و خندف بعد بني نزار لنضر بن معشر الفجار* * * بكل عضب ذكر بتار يا قوم ذودوا عن بني الأخيار* * * بالمشرفي و القنا الخطار ثم قاتل حتى قتل (رحمه الله). و قال محمد بن أبي طالب و جاء عابس بن أبي شبيب الشاكري معه شوذب مولى شاكر و قال يا شوذب ما في نفسك أن تصنع قال ما أصنع أقاتل حتى أقتل قال ذاك الظن بك فتقدم بين يدي أبي عبد الله حتى يحتسبك كما احتسب غيرك فإن هذا يوم ينبغي لنا أن نطلب فيه الأجر بكل ما نقدر عليه فإنه لا عمل بعد اليوم و إنما هو الحساب. فتقدم فسلم على الحسين عليه السلام و قال يا أبا عبد الله أما و الله ما أمسى على وجه الأرض قريب و لا بعيد أعز علي و لا أحب إلي منك و لو قدرت على أن أدفع عنك الضيم أو القتل بشيء أعز علي من نفسي و دمي لفعلت السلام عليك يا أبا عبد الله أشهد أني على هداك و هدى أبيك ثم مضى بالسيف نحوهم. قال ربيع بن تميم فلما رأيته مقبلا عرفته و قد كنت شاهدته في المغازي و كان أشجع الناس فقلت أيها الناس هذا أسد الأسود هذا ابن أبي شبيب لا يخرجن إليه أحد منكم فأخذ ينادي أ لا رجل أ لا رجل. فقال عمر بن سعد ارضخوه بالحجارة من كل جانب فلما رأى ذلك ألقى درعه و مغفره ثم شد على الناس فو الله لقد رأيت يطرد أكثر من مائتين من الناس ثم إنهم تعطفوا عليه من كل جانب فقتل فرأيت رأسه في أيدي رجال ذوي عدة هذا يقول أنا قتلته و الآخر يقول كذلك فقال عمر بن سعد لا تختصموا هذا لم يقتله إنسان واحد حتى فرق بينهم بهذا القول. ثم جاءه عبد الله و عبد الرحمن الغفاريان فقالا يا أبا عبد الله السلام عليك إنه جئنا لنقتل بين يديك و ندفع عنك- فقال مَرْحَباً بِكُمَا ادْنُوَا مِنِّي فَدَنَوَا مِنْهُ وَ هُمَا يَبْكِيَانِ فَقَالَ يَا ابْنَيْ أَخِي مَا يُبْكِيكُمَا فَوَ اللَّهِ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَا بَعْدَ سَاعَةٍ قَرِيرَيِ الْعَيْنِ فَقَالا جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاكَ وَ اللَّهِ مَا عَلَى أَنْفُسِنَا نَبْكِي وَ لَكِنْ نَبْكِي عَلَيْكَ نَرَاكَ قَدْ أُحِيطَ بِكَ وَ لَا نَقْدِرُ عَلَى أَنْ نَنْفَعَكَ فَقَالَ جَزَاكُمَا اللَّهُ يَا ابْنَيْ أَخِي بِوُجْدِكُمَا مِنْ ذَلِكَ وَ مُوَاسَاتِكُمَا إِيَّايَ بِأَنْفُسِكُمَا أَحْسَنَ جَزَاءِ الْمُتَّقِينَ ثُمَّ اسْتَقْدَمَا وَ قَالا السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ وَ عَلَيْكُمَا السَّلَامُ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ فقاتلا حتى قتلا. قال ثم خرج غلام تركي كان للحسين عليه السلام و كان قارئا للقرآن فجعل يقاتل و يرتجز و يقول البحر من طعني و ضربي يصطلي* * * و الجو من سهمي و نبلي يمتلي إذا حسامي في يميني ينجلي* * * ينشق قلب الحاسد المبجل فقتل جماعة ثم سقط صريعا فجاءه الحسين عليه السلام فبكى و وضع خده على خده ففتح عينه فرأى الحسين عليه السلام فتبسم ثم صار إلى ربه رضي الله عنه. قال ثم رماهم يزيد بن زياد بن الشعثاء بثمانية أسهم ما أخطأ منها بخمسة أسهم و كان كلما رمى- قال الحسين عليه السلام اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ وَ اجْعَلْ ثَوَابَهُ الْجَنَّةَ فحملوا عليه فقتلوه. و قال ابن نما حدث مهران مولى بني كاهل قال شهدت كربلاء مع الحسين عليه السلام فرأيت رجلا يقاتل قتالا شديدا شديدا لا يحمل على قوم إلا كشفهم ثم يرجع إلى الحسين عليه السلام و يرتجز و يقول أبشر هديت الرشد تلقى أحمدا* * * في جنة الفردوس تعلو صعدا فقلت من هذا فقالوا أبو عمرو النهشلي و قيل الخثعمي فاعترضه عامر بن نهشل أحد بني اللات من ثعلبة فقتله و اجتز رأسه و كان أبو عمرو هذا متهجدا كثير الصلاة. و خرج يزيد بن مهاجر فقتل خمسة من أصحاب عمر بالنشاب و صار مع الحسين عليه السلام و هو يقول أنا يزيد و أبي المهاجر* * * كأنني ليث بغيل خادر يا رب إني للحسين ناصر* * * و لابن سعد تارك و هاجر و كان يكنى أبا الشعشاء من بني بهدلة من كندة. قال و جاء رجل فقال أين الحسين فقال ها أنا ذا قال أبشر بالنار تردها الساعة- قال بَلْ أَبْشِرْ بِرَبٍّ رَحِيمٍ وَ شَفِيعٍ مُطَاعٍ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْأَشْعَثِ قَالَ اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ عَبْدُكَ كَاذِباً فَخُذْهُ إِلَى النَّارِ وَ اجْعَلْهُ الْيَوْمَ آيَةً لِأَصْحَابِهِ فما هو إلا أن ثنى عنان فرسه فرمى به و ثبتت رجله في الركاب فضربه حتى قطعه و وقعت مذاكيره في الأرض فو الله لقد عجبت من سرعة دعائه. ثم جاء آخر فقال أين الحسين فقال ها أنا ذا قال أبشر بالنار- قال أَبْشِرْ بِرَبٍّ رَحِيمٍ وَ شَفِيعٍ مُطَاعٍ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ قَالَ الْحُسَيْنُ عليه السلام اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص رَأَيْتُ كَأَنَّ كَلْباً أَبْقَعَ يَلَغُ فِي دِمَاءِ أَهْلِ بَيْتِي وَ قَالَ الْحُسَيْنُ رَأَيْتُ كَأَنَّ كِلَاباً تَنْهَشُنِي وَ كَأَنَّ فِيهَا كَلْباً أَبْقَعَ كَانَ أَشَدَّهُمْ عَلَيَّ وَ هُوَ أَنْتَ وَ كَانَ أَبْرَصَ. وَ نَقَلْتُ مِنَ التِّرْمِذِيِّ قِيلَ لِلصَّادِقِ عليه السلام كَمْ تَتَأَخَّرُ الرُّؤْيَا- فَذَكَرَ مَنَامَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَكَانَ التَّأْوِيلُ بَعْدَ سِتِّينَ سَنَةً. و تقدم سيف بن أبي الحارث بن سريع و مالك بن عبد الله بن سريع الجابريان بطن من همدان يقال لهم بنو جابر أمام الحسين عليه السلام ثم التقيا فقالا عليك السلام يا ابن رسول الله فقال عليكما السلام ثم قاتلا حتى قتلا. ثم قال محمد بن أبي طالب و غيره و كان يأتي الحسين عليه السلام الرجل بعد الرجل فيقول السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه الحسين و يقول و عليك السلام و نحن خلفك ثم يقرأ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ حتى قتلوا عن آخرهم (رضوان اللّه عليهم) و لم يبق مع الحسين إلا أهل بيته. و هكذا يكون المؤمن يؤثر دينه على دنياه و موته على حياته في سبيل الله و ينصر الحق و إن قتل قال سبحانه وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. و لما وقف رسول الله ص على شهداء أحد و فيهم حمزة (رضوان اللّه عليه) و قال أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ أَوْدَاجُهُمْ تَشْخُبُ دَماً فَاللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَ الرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ. و لما قتل أصحاب الحسين و لم يبق إلا أهل بيته و

بحار الأنوار - ج ٤٥ - الصفحة ١. — الإمام السجاد عليه السلام

ج، الإحتجاج عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ عُتْبَةَ الْهَاشِمِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام بِمَكَّةَ- إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ أُنَاسٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ- وَ وَاصِلُ بْنُ عَطَا وَ حَفْصُ بْنُ سَالِمٍ وَ أُنَاسٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ- وَ ذَلِكَ حِينَ قُتِلَ الْوَلِيدُ وَ اخْتَلَفَ أَهْلُ الشَّامِ بَيْنَهُمْ فَتَكَلَّمُوا وَ أَكْثَرُوا وَ خَطَبُوا فَأَطَالُوا- فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عليه السلام إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَيَّ وَ أَطَلْتُمْ- فَأَسْنِدُوا أَمْرَكُمْ إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ فَلْيَتَكَلَّمْ بِحُجَّتِكُمْ وَ لْيُوجِزْ فَأَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إِلَى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَأَبْلَغَ وَ أَطَالَ- فَكَانَ فِيمَا قَالَ أَنْ قَالَ قَتَلَ أَهْلُ الشَّامِ خَلِيفَتَهُمْ- وَ ضَرَبَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَ تَشَتَّتَ أَمْرُهُمْ- فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا رَجُلًا لَهُ دِينٌ وَ عَقْلٌ وَ مُرُوَّةٌ وَ مَعْدِنٌ لِلْخِلَافَةِ- وَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ- فَأَرَدْنَا أَنْ نَجْتَمِعَ مَعَهُ فَنُبَايِعَهُ ثُمَّ نُظْهِرَ أَمْرَنَا مَعَهُ- وَ نَدْعُوَ النَّاسَ إِلَيْهِ فَمَنْ بَايَعَهُ كُنَّا مَعَهُ وَ كَانَ مَعَنَا- وَ مَنِ اعْتَزَلَنَا كَفَفْنَا عَنْهُ وَ مَنْ نَصَبَ لَنَا جَاهَدْنَاهُ- وَ نَصَبْنَا لَهُ عَلَى بَغْيِهِ وَ رَدِّهِ إِلَى الْحَقِّ وَ أَهْلِهِ- وَ قَدْ أَحْبَبْنَا أَنْ نَعْرِضَ ذَلِكَ عَلَيْكَ فَإِنَّهُ لَا غِنَى بِنَا عَنْ مِثْلِكَ- لِفَضْلِكَ وَ كَثْرَةِ شِيعَتِكَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَ كُلُّكُمْ عَلَى مِثْلِ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالُوا نَعَمْ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص ثُمَّ قَالَ- إِنَّمَا نَسْخَطُ إِذَا عُصِيَ اللَّهُ فَإِذَا أُطِيعَ رَضِينَا- أَخْبِرْنِي يَا عَمْرُو لَوْ أَنَّ الْأُمَّةَ قَلَّدَتْكَ أَمْرَهَا فَمَلَكْتَهُ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَ لَا مَئُونَةٍ- فَقِيلَ لَكَ وَلِّهَا مَنْ شِئْتَ مَنْ كُنْتَ تُوَلِّي- قَالَ كُنْتُ أَجْعَلُهَا شُورَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ بَيْنَ كُلِّهِمْ- قَالَ نَعَمْ قَالَ بَيْنَ فُقَهَائِهِمْ وَ خِيَارِهِمْ- قَالَ نَعَمْ قَالَ قُرَيْشٍ وَ غَيْرِهِمْ قَالَ الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ- قَالَ أَخْبِرْنِي يَا عَمْرُو أَ تَتَوَلَّى أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ- أَوْ تَتَبَرَّأُ مِنْهُمَا قَالَ أَتَوَلَّاهُمَا- قَالَ يَا عَمْرُو إِنْ كُنْتَ رَجُلًا تَتَبَرَّأُ مِنْهُمَا- فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَكَ الْخِلَافُ عَلَيْهِمَا- وَ إِنْ كُنْتَ تَتَوَلَّاهُمَا فَقَدْ خَالَفْتَهُمَا قَدْ عَهِدَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ- فَبَايَعَهُ وَ لَمْ يُشَاوِرْ أَحَداً ثُمَّ رَدَّهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِ وَ لَمْ يُشَاوِرْ أَحَداً ثُمَّ جَعَلَهَا عُمَرُ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ- فَأَخْرَجَ مِنْهَا الْأَنْصَارَ غَيْرَ أُولَئِكَ السِّتَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ- ثُمَّ أَوْصَى فِيهِمُ النَّاسَ بِشَيْءٍ- مَا أَرَاكَ تَرْضَى بِهِ أَنْتَ وَ لَا أَصْحَابُكَ قَالَ وَ مَا صَنَعَ- قَالَ أَمَرَ صُهَيْباً أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ- وَ أَنْ يتشاوروا [يُشَاوِرَ أُولَئِكَ السِّتَّةَ لَيْسَ فِيهِمْ أَحَدٌ سِوَاهُمْ- إِلَّا ابْنُ عُمَرَ وَ يُشَاوِرُونَهُ وَ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ- وَ أَوْصَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ- إِنْ مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغُوا وَ يُبَايِعُوا- أَنْ يُضْرَبَ أَعْنَاقُ السِّتَّةِ جَمِيعاً- وَ إِنِ اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَ خَالَفَ اثْنَانِ أَنْ يُضْرَبَ أَعْنَاقُ الِاثْنَيْنِ- أَ فَتَرْضَوْنَ بِذَا فِيمَا تَجْعَلُونَ مِنَ الشُّورَى فِي الْمُسْلِمِينَ- قَالُوا لَا قَالَ يَا عَمْرُو دَعْ ذَا- أَ رَأَيْتَ لَوْ بَايَعْتُ صَاحِبَكَ هَذَا الَّذِي تَدْعُو إِلَيْهِ- ثُمَّ اجْتَمَعَتْ لَكُمُ الْأُمَّةُ وَ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكُمْ فِيهَا رَجُلَانِ- فَأَفْضَيْتُمْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا- وَ لَمْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ أَ كَانَ عِنْدَكُمْ وَ عِنْدَ صَاحِبِكُمْ مِنَ الْعِلْمِ- مَا تَسِيرُونَ فِيهِمْ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص فِي الْمُشْرِكِينَ فِي حَرْبِهِ- قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَتَصْنَعُونَ مَا ذَا قَالُوا- نَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَبَوْا دَعَوْنَاهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ- قَالَ وَ إِنْ كَانُوا مَجُوساً وَ أَهْلَ الْكِتَابِ- قَالُوا وَ إِنْ كَانُوا مَجُوساً وَ أَهْلَ الْكِتَابِ قَالَ وَ إِنْ كَانُوا أَهْلَ الْأَوْثَانِ وَ عَبْدَةَ النِّيرَانِ وَ الْبَهَائِمِ- وَ لَيْسُوا بِأَهْلِ الْكِتَابِ قَالُوا سَوَاءٌ- قَالَ فَأَخْبِرْنِي عَنِ الْقُرْآنِ أَ تَقْرَؤُهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ اقْرَأْ- قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ لا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ- وَ لا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ- وَ لا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ- حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ قَالَ فَاسْتَثْنَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ اشْتَرَطَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ- فَهُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوُا الْكِتَابَ سَوَاءٌ قَالَ نَعَمْ- قَالَ عليه السلام عَمَّنْ أَخَذْتَ هَذَا قَالَ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَهُ قَالَ- فَدَعْ ذَا فَإِنَّهُمْ إِنْ أَبَوُا الْجِزْيَةَ فَقَاتَلْتَهُمْ وَ ظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ- كَيْفَ تَصْنَعُ بِالْغَنِيمَةِ قَالَ أُخْرِجُ الْخُمُسَ- وَ أُخْرِجُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ بَيْنَ مَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا- قَالَ تَقْسِمُهُ بَيْنَ جَمِيعِ مَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا قَالَ نَعَمْ- قَالَ قَدْ خَالَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ ص فِي فِعْلِهِ وَ فِي سِيرَتِهِ وَ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَشِيخَتُهُمْ- فَسَلْهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ وَ لَا يَتَنَازَعُونَ- فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص إِنَّمَا صَالَحَ الْأَعْرَابَ- عَلَى أَنْ يَدَعَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ وَ أَنْ لَا يُهَاجِرُوا عَلَى أَنَّهُ إِنْ دَهِمَهُ مِنْ عَدُوِّهِ دَهْمٌ فَيَسْتَفِزَّهُمْ فَيُقَاتِلَ بِهِمْ- وَ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ وَ أَنْتَ تَقُولُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ- فَقَدْ خَالَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ ص فِي سِيرَتِهِ فِي الْمُشْرِكِينَ- دَعْ ذَا مَا تَقُولُ فِي الصَّدَقَةِ قَالَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ- إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَ الْمَساكِينِ وَ الْعامِلِينَ عَلَيْها - إِلَى آخِرِهَا قَالَ نَعَمْ فَكَيْفَ تَقْسِمُ بَيْنَهُمْ- قَالَ أَقْسِمُهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ- فَأُعْطِي كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَانِيَةِ جُزْءاً- قَالَ عليه السلام إِنْ كَانَ صِنْفٌ مِنْهُمْ عَشَرَةَ آلَافٍ- وَ صِنْفٌ رَجُلًا وَاحِداً وَ رَجُلَيْنِ وَ ثَلَاثَةً- جَعَلْتَ لِهَذَا الْوَاحِدِ مِثْلَ مَا جَعَلْتَ لِلْعَشَرَةِ آلَافٍ- قَالَ نَعَمْ قَالَ وَ كَذَا تَصْنَعُ بَيْنَ صَدَقَاتِ أَهْلِ الْحَضَرِ- وَ أَهْلِ الْبَوَادِي فَتَجْعَلُهُمْ فِيهَا سَوَاءً قَالَ نَعَمْ- قَالَ فَخَالَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ ص فِي كُلِّ مَا بِهِ أَتَى فِي سِيرَتِهِ- كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْسِمُ صَدَقَةَ الْبَوَادِي فِي أَهْلِ الْبَوَادِي- وَ صَدَقَةَ الْحَضَرِ فِي أَهْلِ الْحَضَرِ لَا يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ- إِنَّمَا يَقْسِمُ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْضُرُهُ مِنْهُمْ وَ عَلَى مَا يَرَى- فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ شَيْءٌ ما [مِمَّا قُلْتُ- فَإِنَّ فُقَهَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَشِيخَتَهُمْ كُلَّهُمْ- لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَذَا كَانَ يَصْنَعُ- ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَمْرٍو وَ قَالَ اتَّقِ اللَّهَ يَا عَمْرُو- وَ أَنْتُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ فَاتَّقُوا اللَّهَ- فَإِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي وَ كَانَ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ- وَ أَعْلَمَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ رَسُولِهِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ- مَنْ ضَرَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ وَ دَعَاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ- وَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَهُوَ ضَالٌّ مُتَكَلِّفٌ.

بحار الأنوار - ج ٤٧ - الصفحة ٢١٣. — الإمام الصادق عليه السلام
كش، رجال الكشي نَصْرُ بْنُ الصَّبَّاحِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ أَبِي نَجْرَانَ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى السَّيِّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ هُوَ لِمَا بِهِ قَدِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ وَ زَرِقَ عَيْنَاهُ وَ عَطِشَ كَبِدُهُ- وَ هُوَ يَوْمَئِذٍ يَقُولُ بِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ- وَ هُوَ مِنْ حَشَمِهِ وَ كَانَ مِمَّنْ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ فَجِئْتُ- وَ كَانَ قَدْ قَدِمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام الْكُوفَةَ- لِأَنَّهُ كَانَ انْصَرَفَ مِنْ عِنْدِ أَبِي جَعْفَرٍ الْمَنْصُورِ- فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ- إِنِّي فَارَقْتُ السَّيِّدَ ابْنَ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيَّ لِمَا بِهِ قَدِ اسْوَدَّ وَجْهُهُ- وَ ازْرَقَّتْ عَيْنَاهُ وَ عَطِشَ كَبِدُهُ وَ سُلِبَ الْكَلَامَ- فَإِنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ الْمُسْكِرَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَسْرِجُوا حِمَارِي فَأُسْرِجَ لَهُ وَ رَكِبَ وَ مَضَى وَ مَضَيْتُ مَعَهُ- حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى السَّيِّدِ وَ إِنَّ جَمَاعَةً مُحْدِقُونَ بِهِ- فَقَعَدَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عِنْدَ رَأْسِهِ وَ قَالَ

- يَا سَيِّدُ فَفَتَحَ عَيْنَهُ يَنْظُرُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ لَا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ وَ قَدِ اسْوَدَّ- فَجَعَلَ يَبْكِي وَ عَيْنُهُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ لَا يُمْكِنُهُ الْكَلَامُ- وَ إِنَّا لَنَتَبَيَّنُ مِنْهُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْكَلَامَ وَ لَا يُمْكِنُهُ فَرَأَيْنَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام حَرَّكَ شَفَتَيْهِ- فَنَطَقَ السَّيِّدُ فَقَالَ جَعَلَنِيَ اللَّهُ فِدَاكَ أَ بِأَوْلِيَائِكَ يُفْعَلُ هَذَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَا سَيِّدُ قُلْ بِالْحَقِّ يَكْشِفِ اللَّهُ مَا بِكَ وَ يَرْحَمْكَ- وَ يُدْخِلْكَ جَنَّتَهُ الَّتِي وَعَدَ أَوْلِيَاءَهُ فَقَالَ فِي ذَلِكَ تَجَعْفَرْتُ بِسْمِ اللَّهِ وَ اللَّهُ أَكْبَرُ فَلَمْ يَبْرَحْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام حَتَّى قَعَدَ السَّيِّدُ عَلَى اسْتِهِ. وَ رُوِيَ أَنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام لَقِيَ السَّيِّدَ ابْنَ مُحَمَّدٍ الْحِمْيَرِيَّ- قَالَ سَمَّتْكَ أُمُّكَ سَيِّداً وَ وُفِّقْتَ فِي ذَلِكَ- وَ أَنْتَ سَيِّدُ الشُّعَرَاءِ ثُمَّ أَنْشَدَ السَّيِّدُ فِي ذَلِكَ وَ لَقَدْ عَجِبْتُ لِقَائِلٍ لِي مَرَّةً* * * عَلَّامَةٌ فَهِمٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ- سَمَّاكَ قَوْمُكَ سَيِّداً صَدَقُوا بِهِ* * * أَنْتَ الْمُوَفَّقُ سَيِّدُ الشُّعَرَاءِ- مَا أَنْتَ حِينَ تَخُصُّ آلَ مُحَمَّدٍ* * * بِالْمَدْحِ مِنْكَ وَ شَاعِرٌ بِسَوَاءٍ- مَدَحَ الْمُلُوكُ ذَوِي الْغِنَى لِعَطَائِهِمْ* * * وَ الْمَدْحُ مِنْكَ لَهُمْ بِغَيْرِ عَطَاءٍ- فَأَبْشِرْ فَإِنَّكَ فَائِزٌ فِي حُبِّهِمْ* * * لَوْ قَدْ وَرَدْتَ عَلَيْهِمْ بِجَزَاءٍ- مَا يَعْدِلُ الدُّنْيَا جَمِيعاً كُلَّهَا* * * مِنْ حَوْضِ أَحْمَدَ شَرْبَةً مِنْ مَاءٍ. أَقُولُ وَجَدْتُ فِي بَعْضِ تَأْلِيفَاتِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ ذُبْيَانَ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى الْإِمَامِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا عليه السلام فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ- قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ- فَقَالَ لِي مَرْحَباً بِكَ يَا ابْنَ ذُبْيَانَ- السَّاعَةَ أَرَادَ رَسُولُنَا أَنْ يَأْتِيَكَ لِتَحْضُرَ عِنْدَنَا- فَقُلْتُ لِمَا ذَا يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- فَقَالَ لِمَنَامٍ رَأَيْتُهُ الْبَارِحَةَ وَ قَدْ أَزْعَجَنِي وَ أَرَّقَنِي- فَقُلْتُ خَيْراً يَكُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى- فَقَالَ يَا ابْنَ ذُبْيَانَ رَأَيْتُ كَأَنِّي قَدْ نُصِبَ لِي سُلَّمٌ فِيهِ مِائَةُ مِرْقَاةٍ- فَصَعِدْتُ إِلَى أَعْلَاهُ- فَقُلْتُ يَا مَوْلَايَ أُهَنِّيكَ بِطُولِ الْعُمُرِ- وَ رُبَّمَا تَعِيشُ مِائَةَ سَنَةٍ لِكُلِّ مِرْقَاةٍ سَنَةٌ- فَقَالَ لِي عليه السلام مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ ثُمَّ قَالَ يَا ابْنَ ذُبْيَانَ فَلَمَّا صَعِدْتُ إِلَى أَعْلَى السُّلَّمِ- رَأَيْتُ كَأَنِّي دَخَلْتُ فِي قُبَّةٍ خَضْرَاءَ يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا- وَ رَأَيْتُ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ ص جَالِساً فِيهَا- وَ إِلَى يَمِينِهِ وَ شِمَالِهِ غُلَامَانِ حَسَنَانِ- يُشْرِقُ النُّورُ مِنْ وُجُوهِهِمَا وَ رَأَيْتُ امْرَأَةً بَهِيَّةَ الْخِلْقَةِ- وَ رَأَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَخْصاً بَهِيَّ الْخِلْقَةِ جَالِساً عِنْدَهُ- وَ رَأَيْتُ رَجُلًا وَاقِفاً بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُوَ يَقْرَأُ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ- لِأُمِّ عَمْرٍو بِاللِّوَى مَرْبَعٌ فَلَمَّا رَآنِي النَّبِيُّ ص قَالَ لِي- مَرْحَباً بِكَ يَا وَلَدِي يَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَى الرِّضَا سَلِّمْ عَلَى أَبِيكَ عَلِيٍّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِي- سَلِّمْ عَلَى أُمِّكَ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهَا- فَقَالَ لِي وَ سَلِّمْ عَلَى أَبَوَيْكَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ- فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمَا ثُمَ قَالَ لِي- وَ سَلِّمْ عَلَى شَاعِرِنَا وَ مَادِحِنَا فِي دَارِ الدُّنْيَا- السَّيِّدِ إِسْمَاعِيلَ الْحِمْيَرِيِّ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ- وَ جَلَسْتُ فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ إِلَى السَّيِّدِ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَ لَهُ- عُدْ إِلَى مَا كُنَّا فِيهِ مِنْ إِنْشَادِ الْقَصِيدَةِ فَأَنْشَدَ يَقُولُ لِأُمِّ عَمْرٍو بِاللِّوَى مَرْبَعٌ* * * طَامِسَةٌ أَعْلَامُهُ بَلْقَعٌ فَبَكَى النَّبِيُّ ص فَلَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ- وَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ إِذْ تَطْلُعُ- بَكَى النَّبِيُّ ص وَ فَاطِمَةُ عليها السلام مَعَهُ وَ مَنْ مَعَهُ وَ لَمَّا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ قَالُوا لَهُ لَوْ شِئْتَ أَعْلَمْتَنَا* * * إِلَى مَنِ الْغَايَةُ وَ الْمَفْزَعُ رَفَعَ النَّبِيُّ ص يَدَيْهِ وَ قَالَ- إِلَهِي أَنْتَ الشَّاهِدُ عَلَيَّ وَ عَلَيْهِمْ أَنِّي أَعْلَمْتُهُمْ أَنَّ الْغَايَةَ وَ الْمَفْزَعَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ- وَ أَشَارَ بِيَدِهِ إِلَيْهِ وَ هُوَ جَالِسٌ بَيْنَ يَدَيْهِ (صلوات الله عليه) قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا عليه السلام فَلَمَّا فَرَغَ السَّيِّدُ إِسْمَاعِيلُ الْحِمْيَرِيُّ مِنْ إِنْشَاءِ الْقَصِيدَةِ- الْتَفَتَ النَّبِيُّ ص إِلَيَّ وَ قَالَ لِي- يَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَى احْفَظْ هَذِهِ الْقَصِيدَةَ- وَ مُرْ شِيعَتَنَا بِحِفْظِهَا- وَ أَعْلِمْهُمْ أَنَّ مَنْ حَفِظَهَا وَ أَدْمَنَ قِرَاءَتَهَا- ضَمِنْتُ لَهُ الْجَنَّةَ- عَلَى اللَّهِ تَعَالَى- قَالَ الرِّضَا عليه السلام وَ لَمْ يَزَلْ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى حَفِظْتُهَا مِنْهُ- وَ الْقَصِيدَةُ هَذِهِ لِأُمِّ عَمْرٍو بِاللِّوَى مَرْبَعٌ* * * طَامِسَةٌ أَعْلَامُهُ بَلْقَعٌ- تَرُوحُ عَنْهُ الطَّيْرُ وَحْشِيَّةً* * * وَ الْأُسْدُ مِنْ خِيفَتِهِ تَفْزَعُ- بِرَسْمِ دَارٍ مَا بِهَا مُونِسٌ* * * إِلَّا صِلَالٌ فِي الثَّرَى وُقَّعٌ- رُقْشٌ يَخَافُ الْمَوْتُ نَفَثَاتِهَا* * * وَ السَّمُّ فِي أَنْيَابِهَا مُنْقَعٌ لَمَّا وَقَفْنَ الْعِيسُ فِي رَسْمِهَا* * * وَ الْعَيْنُ مِنْ عِرْفَانِهِ تَدْمَعُ ذَكَرْتُ مَنْ قَدْ كُنْتُ أَلْهُو بِهِ* * * فَبِتُّ وَ الْقَلْبُ شَجًا مُوجَعٌ كَأَنَّ بِالنَّارِ لِمَا شَفَّنِي* * * مِنْ حُبٍّ أَرْوَى كَبِدِي تَلْذَعُ عَجِبْتُ مِنْ قَوْمٍ أَتَوْا أَحْمَداً* * * بِخُطَّةٍ لَيْسَ لَهَا مَوْضِعٌ قَالُوا لَهُ لَوْ شِئْتَ أَعْلَمْتَنَا* * * إِلَى مَنِ الْغَايَةُ وَ الْمَفْزَعُ إِذَا تُوُفِّيتَ وَ فَارَقْتَنَا* * * وَ فِيهِمْ فِي الْمُلْكِ مَنْ يَطْمَعُ فَقَالَ لَوْ أَعْلَمْتُكُمْ مَفْزَعاً* * * كُنْتُمْ عَسَيْتُمْ فِيهِ أَنْ تَصْنَعُوا صَنِيعَ أَهْلِ الْعِجْلِ إِذْ فَارَقُوا* * * هَارُونَ فَالتَّرْكُ لَهُ أَوْدَعُ وَ فِي الَّذِي قَالَ بَيَانٌ لِمَنْ* * * كَانَ إِذَا يَعْقِلُ أَوْ يَسْمَعُ ثُمَّ أَتَتْهُ بَعْدَ ذَا عَزْمَةٌ* * * مِنْ رَبِّهِ لَيْسَ لَهَا مَدْفَعٌ أَبْلِغْ وَ إِلَّا لَمْ تَكُنْ مُبْلِغاً* * * وَ اللَّهُ مِنْهُمْ عَاصِمٌ يَمْنَعُ فَعِنْدَهَا قَامَ النَّبِيُّ الَّذِي* * * كَانَ بِمَا يَأْمُرُهُ يَصْدَعُ يَخْطُبُ مَأْمُوراً وَ فِي كَفِّهِ* * * كَفُّ عَلِيٍّ ظَاهِراً تَلْمَعُ رَافِعُهَا أَكْرِمْ بِكَفِّ الَّذِي* * * يَرْفَعُ وَ الْكَفِّ الَّذِي يُرْفَعُ يَقُولُ وَ الْأَمْلَاكُ مِنْ حَوْلِهِ* * * وَ اللَّهُ فِيهِمْ شَاهِدٌ يَسْمَعُ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَهَذَا لَهُ* * * مَوْلًى فَلَمْ يَرْضَوْا وَ لَمْ يَقْنَعُوا فَاتَّهَمُوهُ وَ حَنَّتْ مِنْهُمْ* * * عَلَى خِلَافِ الصَّادِقِ الْأَضْلَعُ وَ ضَلَّ قَوْمٌ غَاظَهُمْ فِعْلُهُ* * * كَأَنَّمَا آنَافُهُمْ تُجْدَعُ حَتَّى إِذَا وَارَوْهُ فِي قَبْرِهِ* * * وَ انْصَرَفُوا عَنْ دَفْنِهِ ضَيَّعُوا مَا قَالَ بِالْأَمْسِ وَ أَوْصَى بِهِ* * * وَ اشْتَرَوُا الضُّرَّ بِمَا يَنْفَعُ وَ قَطَّعُوا أَرْحَامَهُ بَعْدَهُ* * * فَسَوْفَ يُجْزَوْنَ بِمَا قَطَّعُوا وَ أَزْمَعُوا غَدْراً بِمَوْلَاهُمُ* * * تَبّاً لِمَا كَانَ بِهِ أَزْمَعُوا لَا هُمْ عَلَيْهِ يَرِدُوا حَوْضَهُ* * * غَداً وَ لَا هُوَ فِيهِمُ يَشْفَعُ حَوْضٌ لَهُ مَا بَيْنَ صَنْعَا إِلَى* * * أَيْلَةَ وَ الْعَرْضُ بِهِ أَوْسَعُ يُنْصَبُ فِيهِ عَلَمٌ لَلْهُدَى* * * وَ الْحَوْضُ مِنْ مَاءٍ لَهُ مُتْرَعٌ يَفِيضُ مِنْ رَحْمَتِهِ كَوْثَرٌ* * * أَبْيَضُ كَالْفِضَّةِ أَوْ أَنْصَعُ حَصَاهُ يَاقُوتٌ وَ مَرْجَانَةٌ* * * وَ لُؤْلُؤٌ لَمْ تَجْنِهِ إِصْبَعُ بَطْحَاؤُهُ مِسْكٌ وَ حَافَاتُهُ* * * يَهْتَزُّ مِنْهَا مُونِقٌ مَرْبَعٌ أَخْضَرُ مَا دُونَ الْوَرَى نَاضِرٌ* * * وَ فَاقِعٌ أَصْفَرُ أَوْ أَنْصَعُ فِيهِ أَبَارِيقُ وَ قِدْحَانُهُ* * * يَذُبُّ عَنْهَا الرَّجُلُ الْأَصْلَعُ يُذَبُّ عَنْهَا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ* * * ذَبَّاً كَجَرْبَا إِبِلٍ شُرَّعٌ وَ الْعِطْرُ وَ الرَّيْحَانُ أَنْوَاعُهُ* * * زَاكٍ وَ قَدْ هَبَّتْ بِهِ زَعْزَعُ رِيحٍ مِنَ الْجَنَّةِ مَأْمُورَةٌ* * * ذَاهِبَةٌ لَيْسَ لَهَا مَرْجِعٌ إِذَا دَنَوْا مِنْهُ لِكَيْ يَشْرَبُوا* * * قِيلَ لَهُمْ تَبّاً لَكُمْ فَارْجِعُوا دُونَكُمْ فَالْتَمِسُوا مَنْهَلًا* * * يُرْوِيكُمْ أَوْ مَطْعَماً يُشْبِعُ هَذَا لِمَنْ وَالَى بَنِي أَحْمَدَ* * * وَ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ يَتْبَعُ فَالْفَوْزُ لِلشَّارِبِ مِنْ حَوْضِهِ* * * وَ الْوَيْلُ وَ الذُّلُّ لِمَنْ يَمْنَعُ وَ النَّاسُ يَوْمَ الْحَشْرِ رَايَاتُهُمْ* * * خَمْسٌ فَمِنْهَا هَالِكٌ أَرْبَعُ فَرَايَةُ الْعِجْلِ وَ فِرْعَوْنُهَا* * * وَ سَامِرِيُّ الْأُمَّةِ الْمُشْنَعُ وَ رَايَةٌ يَقْدُمُهَا أَدْلَمٌ* * * عَبْدٌ لَئِيمٌ لُكَعٌ أَكْوَعُ وَ رَايَةٌ يَقْدُمُهَا حَبْتَرٌ* * * لِلزُّورِ وَ الْبُهْتَانِ قَدْ أَبْدَعُوا وَ رَايَةٌ يَقْدُمُهَا نَعْثَلٌ* * * لَا بَرَّدَ اللَّهُ لَهُ مَضْجَعٌ أَرْبَعَةٌ فِي سَقَرَ أُودِعُوا* * * لَيْسَ لَهَا مِنْ قَعْرِهَا مَطْلَعٌ وَ رَايَةٌ يَقْدُمُهَا حَيْدَرٌ* * * وَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ إِذْ تَطْلُعُ غَداً يُلَاقِي الْمُصْطَفَى حَيْدَرٌ* * * وَ رَايَةُ الْحَمْدِ لَهُ تُرْفَعُ مَوْلًى لَهُ الْجَنَّةُ مَأْمُورَةٌ* * * وَ النَّارُ مِنْ إِجْلَالِهِ تَفْزَعُ إِمَامُ صِدْقٍ وَ لَهُ شِيعَةٌ* * * يُرْوَوْا مِنَ الْحَوْضِ وَ لَمْ يُمْنَعُوا بِذَاكَ جَاءَ الْوَحْيُ مِنْ رَبِّنَا* * * يَا شِيعَةَ الْحَقِّ فَلَا تَجْزَعُوا الْحِمْيَرِيُّ مَادِحُكُمْ لَمْ يَزَلْ* * * وَ لَوْ يُقَطَّعُ إِصْبَعٌ إِصْبَعٌ وَ بَعْدَهَا صَلُّوا عَلَى الْمُصْطَفَى* * * وَ صِنْوِهِ حَيْدَرَةَ الْأَصْلَعِ.

بحار الأنوار - ج ٤٧ - الصفحة ٣٢٧. — الإمام الصادق عليه السلام
كا، الكافي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ: قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ اذْهَبْ بِنَا إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام قَالَ

فَذَهَبْتُ مَعَهُ إِلَيْهِ فَوَجَدْنَاهُ قَدْ رَكِبَ دَابَّتَهُ- فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ- حَدِّثْنَا بِحَدِيثِ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ص فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ- قَالَ دَعْنِي حَتَّى أَذْهَبَ فِي حَاجَتِي فَإِنِّي قَدْ رَكِبْتُ- فَإِذَا جِئْتُ حَدَّثْتُكَ فَقَالَ- أَسْأَلُكَ بِقَرَابَتِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص لَمَّا حَدَّثْتَنِي- قَالَ فَنَزَلَ فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ- مُرْ لِي بِدَوَاةٍ وَ قِرْطَاسٍ حَتَّى أُثْبِتَهُ فَدَعَا بِهِ ثُمَّ قَالَ اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ - خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ ص فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ- نَصَرَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَ بَلَّغَهَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ- يَا أَيُّهَا النَّاسُ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ- فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ- وَ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ- ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ- إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَ النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ- وَ اللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحِيطَةٌ مِنْ وَرَائِهِمْ- الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَى دِمَاؤُهُمْ- وَ هُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ- فَكَتَبَهُ ثُمَّ عَرَضَهُ عَلَيْهِ- وَ رَكِبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ جِئْتُ أَنَا وَ سُفْيَانُ- فَلَمَّا كُنَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَقَالَ لِي- كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَنْظُرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقُلْتُ لَهُ- قَدْ وَ اللَّهِ أَلْزَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام رَقَبَتَكَ شَيْئاً- لَا يَذْهَبُ مِنْ رَقَبَتِكَ أَبَداً فَقَالَ وَ أَيُّ شَيْءٍ ذَلِكَ- فَقُلْتُ لَهُ ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ- إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ قَدْ عَرَفْنَاهُ- وَ النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ الَّذِينَ تَجِبُ عَلَيْنَا نَصِيحَتُهُمْ- مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ- وَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ- وَ كُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عِنْدَنَا وَ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ وَ قَوْلُهُ وَ اللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ فَأَيُّ الْجَمَاعَةِ- مُرْجِئٌ يَقُولُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَ لَمْ يَصُمْ وَ لَمْ يَغْتَسِلْ مِنْ جَنَابَةٍ- وَ هَدَمَ الْكَعْبَةَ وَ نَكَحَ أُمَّهُ فَهُوَ عَلَى إِيمَانِ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ- أَوْ قَدَرِيٌّ يَقُولُ لَا يَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ يَكُونُ مَا شَاءَهُ إِبْلِيسُ أَوْ حَرُورِيٌّ يَبْرَأُ مِنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ- وَ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ أَوْ جَهْمِيٌّ يَقُولُ- إِنَّمَا هِيَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ لَيْسَ الْإِيمَانُ شَيْءٌ غَيْرُهَا- قَالَ وَيْحَكَ وَ أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُونَ- فَقُلْتُ يَقُولُونَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَ اللَّهِ الْإِمَامُ- الَّذِي يَجِبُ عَلَيْنَا نَصِيحَتُهُ وَ لُزُومُ جَمَاعَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ- قَالَ فَأَخَذَ الْكِتَابَ فَخَرَقَهُ ثُمَّ قَالَ لَا تُخْبِرْ بِهَا أَحَداً.

بحار الأنوار - ج ٤٧ - الصفحة ٣٦٥. — الإمام الصادق عليه السلام
ن، عيون أخبار الرضا ( عليه السلام قَالَ

كَانَ بَيْنِي وَ بَيْنَ حُمَيْدِ بْنِ قَحْطَبَةَ الطَّائِيِّ الطُّوسِيِّ مُعَامَلَةٌ فَرَحَلْتُ إِلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ فَبَلَغَهُ خَبَرُ قُدُومِي فَاسْتَحْضَرَنِي لِلْوَقْتِ وَ عَلَيَّ ثِيَابُ السَّفَرِ لَمْ أُغَيِّرْهَا وَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَقْتِ صَلَاةِ الظُّهْرِ فَلَمَّا دَخَلْتُ إِلَيْهِ رَأَيْتُهُ فِي بَيْتٍ يَجْرِي فِيهِ الْمَاءُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وَ جَلَسْتُ فَأُتِيَ بِطَسْتٍ وَ إِبْرِيقٍ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ أَمَرَنِي فَغَسَلْتُ يَدَيَّ وَ أُحْضِرَتِ الْمَائِدَةُ وَ ذَهَبَ عَنِّي أَنِّي صَائِمٌ وَ أَنِّي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثُمَّ ذَكَرْتُ فَأَمْسَكْتُ يَدِي فَقَالَ لِي حُمَيْدٌ مَا لَكَ لَا تَأْكُلُ فَقُلْتُ أَيُّهَا الْأَمِيرُ هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ وَ لَسْتُ بِمَرِيضٍ وَ لَا بِي عِلَّةٌ تُوجِبُ الْإِفْطَارَ وَ لَعَلَّ الْأَمِيرَ لَهُ عُذْرٌ فِي ذَلِكَ أَوْ عِلَّةٌ تُوجِبُ الْإِفْطَارَ فَقَالَ مَا بِي عِلَّةٌ تُوجِبُ الْإِفْطَارَ وَ إِنِّي لَصَحِيحُ الْبَدَنِ ثُمَّ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَ بَكَى فَقُلْتُ لَهُ بَعْدَ مَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ مَا يُبْكِيكَ أَيُّهَا الْأَمِيرُ فَقَالَ أَنْفَذَ إِلَيَّ هَارُونُ الرَّشِيدُ وَقْتَ كَوْنِهِ بِطُوسَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ أَنْ أَجِبْ فَلَمَّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ رَأَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَمْعَةً تَتَّقِدُ وَ سَيْفاً أُحْضِرَ مَسْلُولًا وَ بَيْنَ يَدَيْهِ خَادِمٌ وَاقِفٌ فَلَمَّا قُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ فَقَالَ كَيْفَ طَاعَتُكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ بِالنَّفْسِ وَ الْمَالِ فَأَطْرَقَ ثُمَّ أَذِنَ لِي فِي الِانْصِرَافِ فَلَمْ أَلْبَثْ فِي مَنْزِلِي حَتَّى عَادَ الرَّسُولُ إِلَيَّ وَ قَالَ أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ فِي نَفْسِي إِنَّا لِلَّهِ أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَزَمَ عَلَى قَتْلِي وَ إِنَّهُ لَمَّا رَآنِي اسْتَحْيَا مِنِّي فَعُدْتُ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ فَقَالَ كَيْفَ طَاعَتُكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ بِالنَّفْسِ وَ الْمَالِ وَ الْأَهْلِ وَ الْوَلَدِ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً ثُمَّ أَذِنَ لِي فِي الِانْصِرَافِ فَلَمَّا دَخَلْتُ مَنْزِلِي لَمْ أَلْبَثْ أَنْ عَادَ الرَّسُولُ إِلَيَّ فَقَالَ أَجِبْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَحَضَرْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَ هُوَ عَلَى حَالِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ إِلَيَّ فَقَالَ كَيْفَ طَاعَتُكَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلْتُ بِالنَّفْسِ وَ الْمَالِ وَ الْأَهْلِ وَ الْوَلَدِ وَ الدِّينِ فَضَحِكَ ثُمَّ قَالَ لِي خُذْ هَذَا السَّيْفَ وَ امْتَثِلْ مَا يَأْمُرُكَ بِهِ هَذَا الْخَادِمُ قَالَ فَتَنَاوَلَ الْخَادِمُ السَّيْفَ وَ نَاوَلَنِيهِ وَ جَاءَ بِي إِلَى بَيْتٍ بَابُهُ مُغْلَقٌ فَفَتَحَهُ فَإِذَا فِيهِ بِئْرٌ فِي وَسَطِهِ وَ ثَلَاثَةُ بُيُوتٍ أَبْوَابُهَا مُغْلَقَةٌ فَفَتَحَ بَابَ بَيْتٍ مِنْهَا فَإِذَا فِيهِ عِشْرُونَ نَفْساً عَلَيْهِمُ الشُّعُورُ وَ الذَّوَائِبُ شُيُوخٌ وَ كُهُولٌ وَ شُبَّانٌ مُقَيَّدُونَ فَقَالَ لِي إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكَ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ وَ كَانُوا كُلُّهُمْ عَلَوِيَّةً مِنْ وُلْدِ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ عليها السلام فَجَعَلَ يُخْرِجُ إِلَيَّ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ فَأَضْرِبُ عُنُقَهُ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِمْ ثُمَّ رَمَى بِأَجْسَادِهِمْ وَ رُءُوسِهِمْ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ ثُمَّ فَتَحَ بَابَ بَيْتٍ آخَرَ فَإِذَا فِيهِ أَيْضاً عِشْرُونَ نَفْساً مِنَ الْعَلَوِيَّةِ مِنْ وُلْدِ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ عليها السلام مُقَيَّدُونَ فَقَالَ لِي إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكَ بِقَتْلِ هَؤُلَاءِ فَجَعَلَ يُخْرِجُ إِلَيَّ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ فَأَضْرِبُ عُنُقَهُ وَ يَرْمِي بِهِ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى آخِرِهِمْ ثُمَّ فَتَحَ بَابَ الْبَيْتِ الثَّالِثِ فَإِذَا فِيهِ مِثْلُهُمْ عِشْرُونَ نَفْساً مِنْ وُلْدِ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ مُقَيَّدُونَ عَلَيْهِمُ الشُّعُورُ وَ الذَّوَائِبُ فَقَالَ لِي إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ يَأْمُرُكَ أَنْ تَقْتُلَ هَؤُلَاءِ أَيْضاً فَجَعَلَ يُخْرِجُ إِلَيَّ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ فَأَضْرِبُ عُنُقَهُ فَيَرْمِي بِهِ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ حَتَّى أَتَيْتُ عَلَى تِسْعَ عَشْرَةَ نَفْساً مِنْهُمْ وَ بَقِيَ شَيْخٌ مِنْهُمْ عَلَيْهِ شَعْرٌ فَقَالَ لِي تَبّاً لَكَ يَا مَشُومُ أَيُّ عُذْرٍ لَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا قَدِمْتَ عَلَى جَدِّنَا رَسُولِ اللَّهِ ص وَ قَدْ قَتَلْتَ مِنْ أَوْلَادِهِ سِتِّينَ نَفْساً قَدْ وَلَدَهُمْ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ عليها السلام فَارْتَعَشَتْ يَدِي وَ ارْتَعَدَتْ فَرَائِصِي فَنَظَرَ إِلَيَّ الْخَادِمُ مُغْضَباً وَ زَبَرَنِي فَأَتَيْتُ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْخِ أَيْضاً فَقَتَلْتُهُ وَ رَمَى بِهِ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ فَإِذَا كَانَ فِعْلِي هَذَا وَ قَدْ قَتَلْتُ سِتِّينَ نَفْساً مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اللَّهِ ص فَمَا يَنْفَعُنِي صَوْمِي وَ صَلَاتِي وَ أَنَا لَا أَشُكُّ أَنِّي مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ.

بحار الأنوار - ج ٤٨ - الصفحة ١٧٦. — الإمام الرضا عليه السلام
ن، عيون أخبار الرضا ( عليه السلام قَالَ

كُنْتُ أَنَا وَ أَخِي عِنْدَ الرِّضَا عليه السلام فَأَتَاهُ مَنْ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَدْ رَبَطَ ذَقَنَ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ فَمَضَى أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام وَ مَضَيْنَا مَعَهُ وَ إِذَا لَحْيَاهُ قَدْ رُبِطَا وَ إِذَا إِسْحَاقُ بْنُ جَعْفَرٍ وَ وُلْدُهُ وَ جَمَاعَةُ آلِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام يَبْكُونَ فَجَلَسَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام عِنْدَ رَأْسِهِ وَ نَظَرَ فِي وَجْهِهِ فَتَبَسَّمَ فَنَقَمَ مَنْ كَانَ فِي الْمَجْلِسِ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا تَبَسَّمَ شَامِتاً بِعَمِّهِ قَالَ وَ خَرَجَ لِيُصَلِّيَ فِي الْمَسْجِدِ فَقُلْنَا لَهُ جُعِلْنَا فِدَاكَ قَدْ سَمِعْنَا فِيكَ مِنْ هَؤُلَاءِ مَا نَكْرَهُ حِينَ تَبَسَّمْتَ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام إِنَّمَا تَعَجَّبْتُ مِنْ بُكَاءِ إِسْحَاقَ وَ هُوَ وَ اللَّهِ يَمُوتُ قَبْلَهُ وَ يَبْكِيهِ مُحَمَّدٌ قَالَ فَبَرَأَ مُحَمَّدٌ وَ مَاتَ إِسْحَاقُ. نجم، كتاب النجوم بإسنادنا إلى محمد بن جرير الطبري بإسناده إلى أبي الحسن بن موسى عليه السلام مثله بيان فنقم أي كره و عاب.

بحار الأنوار - ج ٤٩ - الصفحة ٣١. — الإمام الرضا عليه السلام

و الجرائح رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَهَّرٍ قَالَ كَتَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ يَسْأَلُهُ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى أتوالاهم [أَتَوَلَّاهُمْ أَمْ أَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ فَكَتَبَ أَ تَتَرَحَّمُ عَلَى عَمِّكَ لَا رَحِمَ اللَّهُ عَمَّكَ وَ تَبَرَّأْ مِنْهُ أَنَا إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ بَرِيءٌ فَلَا تتوالاهم [تَتَوَلَّاهُمْ وَ لَا تَعُدْ مَرْضَاهُمْ وَ لَا تَشْهَدْ جَنَائِزَهُمْ وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً سَوَاءٌ مَنْ جَحَدَ إِمَاماً مِنَ اللَّهِ أَوْ زَادَ إِمَاماً لَيْسَتْ إِمَامَتُهُ مِنَ اللَّهِ وَ جَحَدَ أَوْ قَالَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ إِنَّ الْجَاحِدَ أَمْرَ آخِرِنَا جَاحِدٌ أَمْرَ أَوَّلِنَا وَ الزَّائِدَ فِينَا كَالنَّاقِصِ الْجَاحِدِ أَمْرَنَا وَ كَانَ هَذَا السَّائِلُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَمَّهُ كَانَ مِنْهُمْ فَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ .

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٠ - الصفحة ٢٧٤. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)

يج، الخرائج و الجرائح رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَهَّرٍ قَالَ: كَتَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ يَسْأَلُهُ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى أتوالاهم [أَتَوَلَّاهُمْ أَمْ أَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ فَكَتَبَ أَ تَتَرَحَّمُ عَلَى عَمِّكَ لَا رَحِمَ اللَّهُ عَمَّكَ وَ تَبَرَّأْ مِنْهُ أَنَا إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ بَرِيءٌ فَلَا تتوالاهم [تَتَوَلَّاهُمْ وَ لَا تَعُدْ مَرْضَاهُمْ وَ لَا تَشْهَدْ جَنَائِزَهُمْ وَ لا تُصَلِّ عَلى أَحَدٍ مِنْهُمْ ماتَ أَبَداً سَوَاءٌ مَنْ جَحَدَ إِمَاماً مِنَ اللَّهِ أَوْ زَادَ إِمَاماً لَيْسَتْ إِمَامَتُهُ مِنَ اللَّهِ وَ جَحَدَ أَوْ قَالَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ إِنَّ الْجَاحِدَ أَمْرَ آخِرِنَا جَاحِدٌ أَمْرَ أَوَّلِنَا وَ الزَّائِدَ فِينَا كَالنَّاقِصِ الْجَاحِدِ أَمْرَنَا وَ كَانَ هَذَا السَّائِلُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ عَمَّهُ كَانَ مِنْهُمْ فَأَعْلَمَهُ ذَلِكَ.

بحار الأنوار - ج ٥٠ - الصفحة ٢٧٤. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَمَّدِيِّ عَنْ أَبِي رَوْحٍ فَرَجِ بْنِ قُرَّةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ وَ لَمْ يَجْبُرْ كَسْرَ عَظْمٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ أَيُّهَا النَّاسُ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَطْبٍ وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرِ عَيْنٍ بِبَصِيرٍ عِبَادَ اللَّهِ أَحْسِنُوا فِيمَا يُعِينُكُمُ النَّظَرُ فِيهِ ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَرَصَاتِ مَنْ قَدْ أَقَادَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَانُوا عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَهْلَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ ثُمَّ انْظُرُوا بِمَا خَتَمَ اللَّهُ لَهُمْ بَعْدَ النَّظْرَةِ وَ السُّرُورِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ لِمَنْ صَبَرَ مِنْكُمُ الْعَاقِبَةُ فِي الْجِنَانِ وَ اللَّهِ مُخَلَّدُونَ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ فَيَا عَجَبَا وَ مَا لِي لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَاءِ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا لَا يَقْتَفُونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لَا يَعْتَدُّونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَ لَا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا وَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ آخِذٌ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى وَثِيقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ فَلَا يَزَالُونَ بِجَوْرٍ وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا خَطَأً لَا يَنَالُونَ تَقَرُّباً وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْداً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أُنْسُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَ تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كُلُّ ذَلِكَ وَحْشَةً مِمَّا وَرَّثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ نُفُوراً مِمَّا أَدَّى إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أَهْلُ حَسَرَاتٍ وَ كُهُوفُ شُبُهَاتٍ وَ أَهْلُ عَشَوَاتٍ وَ ضَلَالَةٍ وَ رِيبَةٍ مَنْ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ رَأْيِهِ فَهُوَ مَأْمُونٌ عِنْدَ مَنْ يَجْهَلُهُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ بِأَنْعَامٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا وَ وَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِنَا مِنْ بَعْدِ قُرْبِ مَوَدَّتِهَا الْيَوْمَ كَيْفَ يَسْتَذِلُّ بَعْدِي بَعْضُهَا بَعْضاً وَ كَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً الْمُتَشَتِّتَةُ غَداً عَنِ الْأَصْلِ النَّازِلَةُ بِالْفَرْعِ الْمُؤَمِّلَةُ الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ آخِذٌ مِنْهُ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ الْغُصْنُ مَالَ مَعَهُ مَعَ أَنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ سَيَجْمَعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا يَجْمَعُ قَزَعَ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ سَيْلَ الْعَرِمِ حَيْثُ نَقَبَ عَلَيْهِ فَأْرَةٌ فَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَةٍ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَ يُمَكِّنُ بِهِمْ قَوْماً فِي دِيَارِ قَوْمٍ تَشْرِيداً لِبَنِي أُمَيَّةَ وَ لِكَيْ لَا يَغْتَصِبُوا مَا غَصَبُوا يُضَعْضِعُ اللَّهُ بِهِمْ رُكْناً وَ يَنْقُضُ بِهِمْ طَيَّ الْجَنَادِلِ مِنْ إِرَمَ وَ يَمْلَأُ مِنْهُمْ بُطْنَانَ الزَّيْتُونِ فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ وَ كَأَنِّي أَسْمَعُ صَهِيلَ خَيْلِهِمْ وَ طَمْطَمَةَ رِجَالِهِمْ وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَاتَ ضَالًّا وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُفْضِي مِنْهُمْ مَنْ دَرَجَ وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَنْ تَابَ وَ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شِيعَتِي بَعْدَ التَّشَتُّتِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِهَؤُلَاءِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْخِيَرَةُ بَلْ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ وَ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمُنْتَحِلِينَ لِلْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا كَثِيرٌ وَ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ مُرِّ الْحَقِّ وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَتَشَجَّعْ عَلَيْكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ عَلَى هَضْمِ الطَّاعَةِ وَ إِزْوَائِهَا عَنْ أَهْلِهَا لَكِنْ تِهْتُمْ كَمَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى عليه السلام وَ لَعَمْرِي لَيُضَاعَفَنَّ عَلَيْكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافَ مَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدِ اسْتَكْمَلْتُمْ مِنْ بَعْدِي مُدَّةَ سُلْطَانِ بَنِي أُمَيَّةَ لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى سُلْطَانِ الدَّاعِي إِلَى الضَّلَالَةِ وَ أَحْيَيْتُمُ الْبَاطِلَ وَ أَخْلَفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ الْحَرْبِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ لَدَنَا التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ وَ قَرُبَ الْوَعْدُ وَ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ ذُو الذَّنَبِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَ لَاحَ لَكُمُ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم فَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الْعَمَى وَ الصَّمَمِ وَ الْبَكَمِ وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ الطَّلَبِ وَ التَّعَسُّفِ وَ نَبَذْتُمُ الثِّقَلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ وَ لَا يُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَبَى وَ ظَلَمَ وَ اعْتَسَفَ وَ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ .

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥١ - الصفحة ١٢٢. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
كا، الكافي أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَمَّدِيِّ عَنْ أَبِي رَوْحٍ فَرَجِ بْنِ قُرَّةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ وَ لَمْ يَجْبُرْ كَسْرَ عَظْمٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ أَيُّهَا النَّاسُ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَطْبٍ وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرِ عَيْنٍ بِبَصِيرٍ عِبَادَ اللَّهِ أَحْسِنُوا فِيمَا يُعِينُكُمُ النَّظَرُ فِيهِ ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَرَصَاتِ مَنْ قَدْ أَقَادَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَانُوا عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَهْلَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ ثُمَّ انْظُرُوا بِمَا خَتَمَ اللَّهُ لَهُمْ بَعْدَ النَّظْرَةِ وَ السُّرُورِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ لِمَنْ صَبَرَ مِنْكُمُ الْعَاقِبَةُ فِي الْجِنَانِ وَ اللَّهِ مُخَلَّدُونَ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ فَيَا عَجَبَا وَ مَا لِي لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَاءِ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا لَا يَقْتَفُونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لَا يَعْتَدُّونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَ لَا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا وَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ آخِذٌ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى وَثِيقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ فَلَا يَزَالُونَ بِجَوْرٍ وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا خَطَأً لَا يَنَالُونَ تَقَرُّباً وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْداً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أُنْسُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَ تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كُلُّ ذَلِكَ وَحْشَةً مِمَّا وَرَّثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ نُفُوراً مِمَّا أَدَّى إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أَهْلُ حَسَرَاتٍ وَ كُهُوفُ شُبُهَاتٍ وَ أَهْلُ عَشَوَاتٍ وَ ضَلَالَةٍ وَ رِيبَةٍ مَنْ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ رَأْيِهِ فَهُوَ مَأْمُونٌ عِنْدَ مَنْ يَجْهَلُهُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ بِأَنْعَامٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا وَ وَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِنَا مِنْ بَعْدِ قُرْبِ مَوَدَّتِهَا الْيَوْمَ كَيْفَ يَسْتَذِلُّ بَعْدِي بَعْضُهَا بَعْضاً وَ كَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً الْمُتَشَتِّتَةُ غَداً عَنِ الْأَصْلِ النَّازِلَةُ بِالْفَرْعِ الْمُؤَمِّلَةُ الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ آخِذٌ مِنْهُ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ الْغُصْنُ مَالَ مَعَهُ مَعَ أَنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ سَيَجْمَعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا يَجْمَعُ قَزَعَ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ سَيْلَ الْعَرِمِ حَيْثُ نَقَبَ عَلَيْهِ فَأْرَةٌ فَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَةٍ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَ يُمَكِّنُ بِهِمْ قَوْماً فِي دِيَارِ قَوْمٍ تَشْرِيداً لِبَنِي أُمَيَّةَ وَ لِكَيْ لَا يَغْتَصِبُوا مَا غَصَبُوا يُضَعْضِعُ اللَّهُ بِهِمْ رُكْناً وَ يَنْقُضُ بِهِمْ طَيَّ الْجَنَادِلِ مِنْ إِرَمَ وَ يَمْلَأُ مِنْهُمْ بُطْنَانَ الزَّيْتُونِ فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ وَ كَأَنِّي أَسْمَعُ صَهِيلَ خَيْلِهِمْ وَ طَمْطَمَةَ رِجَالِهِمْ وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَاتَ ضَالًّا وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُفْضِي مِنْهُمْ مَنْ دَرَجَ وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَنْ تَابَ وَ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شِيعَتِي بَعْدَ التَّشَتُّتِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِهَؤُلَاءِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْخِيَرَةُ بَلْ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ وَ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمُنْتَحِلِينَ لِلْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا كَثِيرٌ وَ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ مُرِّ الْحَقِّ وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَتَشَجَّعْ عَلَيْكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ عَلَى هَضْمِ الطَّاعَةِ وَ إِزْوَائِهَا عَنْ أَهْلِهَا لَكِنْ تِهْتُمْ كَمَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى عليه السلام وَ لَعَمْرِي لَيُضَاعَفَنَّ عَلَيْكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافَ مَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدِ اسْتَكْمَلْتُمْ مِنْ بَعْدِي مُدَّةَ سُلْطَانِ بَنِي أُمَيَّةَ لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى سُلْطَانِ الدَّاعِي إِلَى الضَّلَالَةِ وَ أَحْيَيْتُمُ الْبَاطِلَ وَ أَخْلَفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ الْحَرْبِ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ لَدَنَا التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ وَ قَرُبَ الْوَعْدُ وَ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ ذُو الذَّنَبِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَ لَاحَ لَكُمُ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم فَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الْعَمَى وَ الصَّمَمِ وَ الْبَكَمِ وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ الطَّلَبِ وَ التَّعَسُّفِ وَ نَبَذْتُمُ الثِّقَلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ وَ لَا يُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَبَى وَ ظَلَمَ وَ اعْتَسَفَ وَ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ. بيان: الأزل الضيق و الشدة و الخطب الشأن و الأمر و يحتمل أن يكون المراد بما استدبروه ما وقع في زمن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من استيلاء الكفرة أولا و غلبة الحق و أهله ثانيا و بما استقبلوه ما ورد عليهم بعد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من أشباهها و نظائرها من استيلاء المنافقين على أمير المؤمنين عليه السلام ثم رجوع الدولة إليه بعد ذلك فإن الحالتين متطابقتان و يحتمل أن يكون المراد بهما شيئا واحدا و إنما يستقبل قبل وروده و يستدبر بعد مضيه و المقصود التفكر في انقلاب أحوال الدنيا و سرعة زوالها و كثرة الفتن فيها فتدعو إلى تركها و الزهد فيها و يحتمل على بعد أن يكون المراد بما يستقبلونه ما هو أمامهم من أحوال البرزخ و أهوال القيامة و عذاب الآخرة و بما استدبروه ما مضى من أيام عمرهم و ما ظهر لهم مما هو محل للعبرة فيها. بلبيب أي عاقل بسميع أي يفهم الحق و يؤثر فيه ببصير أي يبصر الحق و يعتبر بما يرى و ينتفع بما يشاهد فيما يعنيكم أي يهمكم و ينفعكم و في بعض النسخ يغنيكم و النظر فيه الظاهر أنه بدل اشتمال لقوله فيما يعنيكم و يحتمل أن يكون فاعلا لقوله يعنيكم بتقدير النظر قبل الظرف أيضا. من قد أقاده الله يقال أقاده خيلا أي أعطاه ليقودها و لعل المعنى من مكنه الله من الملك بأن خلى بينه و بين اختياره و لم يمسك يده عما أراده بعلمه أي بما يقتضيه علمه و حكمته من عدم إجبارهم على الطاعات و يحتمل أن يكون من القود و القصاص و يؤيده أن في بعض النسخ بعمله فالضمير راجع إلى الموصول على سنة أي طريقة و حالة مشبهة و مأخوذة من آل فرعون من الظلم و الكفر و الطغيان أو من الرفاهية و النعمة كما قال أهل جنات فعلى الأول حال و على الثاني بدل من قوله على سنة أو عطف بيان له بما ختم الله الباء بمعنى في أو إلى أو زائدة و النضرة الحسن و الرونق و قوله عليه السلام مخلدون خبر لمبتدإ محذوف و الجملة مبينة و مؤكدة للسابقة أي هم و الله مخلدون في الجنان وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ أي مرجعها إلى حكمه كما قيل أو عاقبة الملك و الدولة و العز لله و لمن طلب رضاه كما هو الأنسب بالمقام فيا عجبا بغير تنوين و أصله يا عجبي ثم قلبوا الياء ألفا فإن وقفت قلت يا عجباه أي يا عجبي أقبل هذا أوانك أو بالتنوين أي يا قوم اعجبوا عجبا أو أعجب عجبا و الأول أشهر و أظهر في دينها الظرف متعلق بالاختلاف أو بالخطاء أو بهما على التنازع بغيب أي بأمر غائب عن الحس مما أخبر به النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الجنة و النار و غيرهما و لا يعفون بكسر العين و تشديد الفاء من العفة و الكف أو بسكون العين و تخفيف الفاء من العفو أي عن عيوب الناس. المعروف إلخ أي المعروف و الخير عندهم ما يعدونه معروفا و يستحسنونه بعقولهم الناقصة و إن كان منكرا في نفس الأمر أو المعنى أن المعروف و المنكر تابعان لإرادتهم و ميول طبائعهم و شهواتهم فما اشتهته أنفسهم و إن أنكرته الشريعة فهو المعروف عندهم بعرى وثيقات أي يظنون أنهم تمسكوا بدلائل و براهين فيما يدعون من الأمور الباطلة. و أسباب محكمات أي يزعمون أنهم تعلقوا بوسائل محكمة فيمن يتوسلون بهم من أئمة الجور أنس بعضهم على الفعل أو المصدر و الثاني أظهر وحشة أي يفعلون كل ذلك لوحشتهم و نفورهم عن العلوم التي ورثها النبي صلى الله عليه وآله وسلم أهل بيته أهل حسرات بعد الموت و في القيامة و في النار و كهوف شبهات أي تأوي إليهم الشبهات لأنهم يقبلون إليها و يفتتنون بها و في بعض النسخ و كفر و شبهات فيكونان معطوفين على حسرات. و قال الجوهري العشوة أن يركب أمرا على غير بيان و يقال أخذت عليهم بالعشوة أي بالسواد من الليل فهو مأمون خبر للموصول و المعنى أن حسن ظن الناس و العوام بهم إنما هو لجهلهم بضلالتهم و جهالتهم و يحتمل أن يكون المراد بالموصول أئمة من قد ذمهم سابقا لا أنفسهم من فعلات شيعتي أي من يتبعني اليوم ظاهرا و اليوم ظرف للقرب المتشتتة أي هم الذين يتفرقون عن أئمة الحق و لا ينصرونهم و يتعلقون بالفروع التي لا ينفع التعلق بها بدون التشبث بالأصل كاتباعهم المختار و أبا مسلم و زيدا و أضرابهم بعد تفرقهم عن الأئمة عليهم السلام من غير جهته أي من غير الجهة التي يرجى منها الفتح أو من غير الجهة التي أمروا بالاستفتاح منها فإن خروجهم بغير إذن الإمام كان معصية. لشر يوم إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم لدفع بني أمية و قد فعلوا لكن سلطوا على أئمة الحق من هو شر منهم و قال الجزري و في حديث علي فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف أي قطع السحاب المتفرقة و إنما خص الخريف لأنه أول الشتاء و السحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم و لا مطبق ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك و قال الركام السحاب المتراكم بعضه فوق بعض. أقول نسبة الجمع إليه تعالى مجاز لعدم منعهم عنه و تمكينهم من أسبابه و تركهم و اختيارهم ثم يفتح لهم فتح الأبواب كناية عما هيئ لهم من أسبابهم و إصابة تدبيراتهم و اجتماعهم و عدم تخاذلهم. و المستثار موضع ثورانهم و هيجانهم ثم شبه عليه السلام تسليط هذا الجيش عليهم بسوء أعمالهم بما سلط الله على أهل سبإ بعد إتمام النعمة عليهم لكفرانهم و إنما سمي ذلك بسيل العرم لصعوبته أي سيل الأمر العرم أي الصعب أو المراد بالعرم المطر الشديد أو الجرذ أضاف إليه لأنه نقب عليهم سدا ضربت لهم بلقيس و قيل اسم لذلك السد و قد مرت القصة في كتاب النبوة. و الضمير في عليه إما راجع إلى سيل فعلى تعليلية أو إلى العرم إذا فسر بالسد و في بعض النسخ بعث و في بعضها نقب بالنون و القاف و الباء الموحدة فقوله فأرة مرفوع بالفاعلية و في النهج كسيل الجنتين حيث لم تسلم عليه قارة و لم تثبت له أكمة و القارة الجبل الصغير و الأكمة هي الموضع الذي يكون أشد ارتفاعا مما حوله و هو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرا و الحاصل بيان شدة السيل المشبه به بأنه أحاط بالجبال و ذهب بالتلال و لم يمنعه شيء و السنن الطريق و الرص التصاق الأجزاء بعضها ببعض و الطود الجبل أي لم يرد طريقه طود مرصوص. و لما بين عليه السلام شدة المشبه به أخذ في بيان شدة المشبه فقال يذعذعهم الله أي يفرقهم في السبل متوجهين إلى البلاد ثم يسلكهم يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ من ألفاظ القرآن أي كما أن الله تعالى ينزل الماء من السماء فيسكن في أعماق الأرض ثم يظهره ينابيع إلى ظاهرها كذلك هؤلاء يفرقهم الله في بطون الأودية و غوامض الأغوار ثم يظهرهم بعد الاختفاء كذا ذكره ابن أبي الحديد و الأظهر عندي أنه بيان لاستيلائهم على البلاد و تفرقهم فيها و تيسر أعوانهم من سائر الفرق فكما أن مياه الأنهار و وفورها توجب وفور مياه العيون و الآبار فكذلك يظهر أثر هؤلاء في كل البلاد و تكثر أعوانهم في جميع الأقطار و كل ذلك ترشيح لما سبق من التشبيه يأخذ بهم من قوم أي بني أمية حقوق قوم أي أهل البيت عليهم السلام للانتقام من أعدائهم و إن لم يصل الحق إليهم و يمكن من قوم أي بني العباس لديار قوم أي بني أمية و في بعض النسخ و يمكن بهم قوما في ديار قوم و في النهج و يمكن لقوم في ديار قوم و المال في الكل واحد تشريدا لبني أمية التشريد التفريق و الطرد و الاغتصاب الغصب و لعل المعنى أن الغرض من استيلاء هؤلاء ليس إلا تفريق بني أمية و دفع ظلمهم. و قال الفيروزآبادي ضعضعه هدمه حتى الأرض و الجنادل جمع جندل و هو ما يقله الرجل من الحجارة أي يهدم الله بهم ركنا وثيقا هو أساس دولة بني أمية و ينقض بهم الأبنية التي طويت و بنيت بالجنادل و الأحجار من بلاد إرم و هي دمشق و الشام إذ كان مستقر ملكهم في أكثر زمانهم تلك البلاد لا سيما في زمانه صلوات إليه عليه. و قال الجزري فيه ينادي مناد من بطنان العرش أي من وسطه و قيل من أصله و قيل البطنان جمع بطن و هو الغامض من الأرض يريد من دواخل العرش. و قال الفيروزآبادي الزيتون مسجد دمشق أو جبال الشام و بلد بالصين و المعنى أن الله يملأ منهم وسط مسجد دمشق أو دواخل جبال الشام و الغرض بيان استيلاء هؤلاء القوم على بني أمية في وسط ديارهم و الظفر عليهم في محل استقرارهم و أنه لا ينفعهم بناء و لا حصن في التحرز عنهم. و طمطمة رجالهم الطمطمة اللغة العجمية و رجل طمطمي في لسانه عجمة و أشار عليه السلام بذلك إلى أن أكثر عسكرهم من العجم لأن عسكر أبي مسلم كان من خراسان و ايم الله ليذوبن الظاهر أن هذا أيضا من تتمة بيان انقراض ملك بني أمية و سرعة زواله و يحتمل أن يكون إشارة إلى انقراض هؤلاء الغالبين من بني العباس و إلى الله عز و جل يقضي من القضاء بمعنى المحاكمة أو الإنهاء و الإيصال كما في قوله تعالى وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ و في بعض النسخ يفضي بالفاء أي يوصل و درج الرجل أي مشى و درج أيضا بمعنى مات و يقال درج القوم أي انقرضوا و الظاهر أن المراد به هنا الموت أي من مات مات ضالا و أمره إلى الله يعذبه كيف يشاء و يحتمل أن يكون بمعنى المشي أي من بقي منهم فعاقبته الفناء و الله يقضي فيه بعلمه و لعل الله يجمع إشارة إلى زمن القائم ع. و ليس لأحد على الله عز ذكره الخيرة أي ليس لأحد من الخلق أن يشير بأمر على الله أن هذا خير ينبغي أن تفعله بل له أن يختار من الأمور ما يشاء بعلمه و له الأمر يأمر بما يشاء في جميع الأشياء عن مر الحق أي الحق الذي هو مر أو خالص الحق فإنه مر و اتباعه صعب و في النهج عن نصر الحق و الهضم الكسر و زوى الشيء عنه أي صرفه و نحاه و لم أطلع على الإزواء فيما عندي من كتب اللغة و كفى بالخطبة شاهدا على أنه ورد بهذا المعنى. كما تاهت بنو إسرائيل أي خارج المصر أربعين سنة ليس لهم مخرج بسبب عصيانهم و تركهم الجهاد فكذا أصحابه (صلوات اللّه عليه) تحيروا في أديانهم و أعمالهم لما لم ينصروه و لم يعينوه على عدوه - كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ: لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ.. أضعاف ما تاهت يحتمل أن يكون المراد بالمشبه به هنا تحير قوم موسى بعده في دينهم و يحتمل أن يكون المراد التحير السابق و على التقديرين إما المراد المضاعفة بحسب الشدة و كثرة الحيرة أو بحسب الزمان فإن حيرتهم كان إلى أربعين سنة و هذه الأمة إلى الآن متحيرون تائهون في أديانهم و أحكامهم الداعي إلى الضلالة أي الداعي إلى بني العباس و قطعتم الأدنى من أهل بدر أي الأدنين إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم نسبا الناصرين له في غزوة بدر و هي أعز غزوات الإسلام يعني نفسه و أولاده (صلوات اللّه عليهم) و وصلتم الأبعد أي أولاد العباس فإنهم كانوا أبعد نسبا من أهل البيت عليهم السلام و كان جدهم عباس ممن حارب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة بدر حتى أسر ما في أيديهم أي ملك بني العباس لدنا التمحيص للجزاء أي قرب قيام القائم و التمحيص الابتلاء و الاختبار أي يبتلى الناس و يمتحنون بقيامه عليه السلام ليخزي الكافرين و يعذبهم في الدنيا قبل نزول عذاب الآخرة بهم و يمكن أن يكون المراد تمحيص جميع الخلق لجزائهم في الآخرة إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا و قرب الوعد أي وعد الفرج و انقضت المدة أي قرب انقضاء دولة أهل الباطل. و بدا لكم النجم هذا من علامات ظهور القائم عليه السلام كما سيأتي و قيل إنه إشارة إلى ما ظهر في سنة تسع و ثلاثين و ثمانمائة هجرية و الشمس في أوائل الميزان بقرب الإكليل الشمالي كانت تطلع و تغيب معه لا تفارقه ثم بعد مدة ظهر أن لها حركة خاصة بطيئة فيما بين المغرب و الشمال و كان يصغر جرمها و يضعف ضوؤها بالتدريج حتى انمحت بعد ثمانية أشهر تقريبا و قد بعدت عن الإكليل في الجهة المذكورة قدر رمح لكن قوله عليه السلام من قبل المشرق يأبى عنه إلا بتكلف و قد ظهر في زماننا في سنة خمس و سبعين و ألف ذو ذؤابة ما بين القبلة و المشرق و كان له طلوع و غروب و كانت له حركة خاصة سريعة عجيبة على التوالي لكن لا على نسق و نظام معلوم ثم غاب بعد شهرين تقريبا كان يظهر أول الليل من جانب المشرق و قد ضعف حتى انمحى بعد شهر تقريبا و تطبيقه على هذا يحتاج إلى تكلفين كما لا يخفى و لاح لكم القمر المنير الظاهر أنه استعارة للقائم عليه السلام و يؤيده ما مر بسند آخر و أشرق لكم قمركم و يحتمل أن يكون من علامات قيامه عليه السلام ظهور قمر آخر أو شيء شبيه بالقمر. إن اتبعتم طالع المشرق أي القائم عليه السلام و ذكر المشرق إما لترشيح الاستعارة السابقة أو لأن ظهوره عليه السلام من مكة و هي شرقية بالنسبة إلى المدينة أو لأن اجتماع العساكر عليه و توجهه عليه السلام إلى فتح البلاد إنما يكون من الكوفة و هي شرقية بالنسبة إلى الحرمين و كونه إشارة إلى السلطان إسماعيل أنار الله برهانه بعيد و التعسف أي لا تحتاجون في زمانه عليه السلام إلى طلب الرزق و الظلم على الناس لأخذ أموالهم و نبذتم الثقل الفادح أي الديون المثقلة و مظالم العباد أو إطاعة أهل الجور و ظلمهم و لا يبعد الله أي في ذلك الزمان أو مطلقا إلا من أبى أي عن طاعته عليه السلام أو طاعة الله و ظلم أي نفسه أو الناس و اعتسف أي مال عن طريق الحق أو ظلم غيره.

بحار الأنوار - ج ٥١ - الصفحة ١٢٢. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم

قال قوم من الشيعة إن أبا محمد الحسن بن علي قال لا يجمع على امرئ ابن عثمان و أبو عمرو و أمر بكسر كنيته فقيل العمري. و يقال له العسكري أيضا لأنه كان من عسكر سرمنرأى و يقال له السمان لأنه كان يتجر في السمن تغطية على الأمر. و كان الشيعة إذا حملوا إلى أبي محمد عليه السلام ما يجب عليهم حمله من الأموال أنفذوا إلى أبي عمرو فيجعله في جراب السمن و زقاقه و يحمله إلى أبي محمد عليه السلام تقية و خوفا. فَأَخْبَرَنِي جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ هَارُونَ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ هَمَّامٍ الْإِسْكَافِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ الْقُمِّيُّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ صلوات اللّه عليه فِي يَوْمٍ مِنَ الْأَيَّامِ فَقُلْتُ يَا سَيِّدِي أَنَا أَغِيبُ وَ أَشْهَدُ وَ لَا يَتَهَيَّأُ لِيَ الْوُصُولُ إِلَيْكَ إِذَا شَهِدْتُ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَقَوْلَ مَنْ نَقْبَلُ وَ أَمْرَ مَنْ نَمْتَثِلُ فَقَالَ لِي صلوات اللّه عليه هَذَا أَبُو عَمْرٍو الثِّقَةُ الْأَمِينُ مَا قَالَهُ لَكُمْ فَعَنِّي يَقُولُهُ وَ مَا أَدَّاهُ إِلَيْكُمْ فَعَنِّي يُؤَدِّيهِ فَلَمَّا مَضَى أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام وَصَلْتُ إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ ابْنِهِ الْحَسَنِ صَاحِبِ الْعَسْكَرِ عليه السلام ذَاتَ يَوْمٍ فَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ قَوْلِي لِأَبِيهِ فَقَالَ لِي هَذَا أَبُو عَمْرٍو الثِّقَةُ الْأَمِينُ ثِقَةُ الْمَاضِي وَ ثِقَتِي فِي الْحَيَاةِ وَ الْمَمَاتِ فَمَا قَالَهُ لَكُمْ فَعَنِّي يَقُولُهُ وَ مَا أَدَّى إِلَيْكُمْ فَعَنِّي يُؤَدِّيهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ هَارُونُ قَالَ أَبُو عَلِيٍّ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْحِمْيَرِيُّ فَكُنَّا كَثِيراً مَا نَتَذَاكَرُ هَذَا الْقَوْلَ وَ نَتَوَاصَفُ جَلَالَةَ مَحَلِّ أَبِي عَمْرٍو. و أخبرنا جماعة عن أبي محمد هارون عن محمد بن همام عن عبد الله بن جعفر قال: حججنا في بعض السنين بعد مضي أبي محمد عليه السلام فدخلت على أحمد بن إسحاق بمدينة السلام فرأيت أبا عمرو عنده فقلت إن هذا الشيخ و أشرت إلى أحمد بن إسحاق و هو عندنا الثقة المرضي حدثنا فيك بكيت و كيت و اقتصصت عليه ما تقدم يعني ما ذكرناه عنه من فضل أبي عمرو و محله و قلت أنت الآن من لا يشك في قوله و صدقه فأسألك بحق الله و بحق الإمامين اللذين وثقاك هل رأيت ابن أبي محمد الذي هو صاحب الزمان فبكى ثم قال على أن لا تخبر بذلك أحدا و أنا حي قلت نعم قال قد رأيته عليه السلام و عنقه هكذا يريد أنها أغلظ الرقاب حسنا و تماما قلت فالاسم قال قد نهيتم عن هذا. وَ رَوَى أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ نُوحٍ أَبُو الْعَبَّاسِ السِّيرَافِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو نَصْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ برينة الْكَاتِبِ قَالَ حَدَّثَنَا بَعْضُ الشِّرَافِ مِنَ الشِّيعَةِ الْإِمَامِيَّةِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْعَبَّاسُ بْنُ أَحْمَدَ الصَّائِغُ قَالَ حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ أَحْمَدَ الْخَصِيبَةُ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الحسينان [الْحَسَنِيَّانِ قَالا دَخَلْنَا عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ عليه السلام بِسُرَّمَنْرَأَى وَ بَيْنَ يَدَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَوْلِيَائِهِ وَ شِيعَتِهِ حَتَّى دَخَلَ عَلَيْهِ بَدْرٌ خَادِمُهُ فَقَالَ يَا مَوْلَايَ بِالْبَابِ قَوْمٌ شُعْثٌ غُبْرٌ فَقَالَ لَهُمْ هَؤُلَاءِ نَفَرٌ مِنْ شِيعَتِنَا بِالْيَمَنِ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَسُوقَانِهِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى أَنْ قَالَ الْحَسَنُ عليه السلام لِبَدْرٍ فَامْضِ فَأْتِنَا بِعُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَمْرِيِّ فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيراً حَتَّى دَخَلَ عُثْمَانُ فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام امْضِ يَا عُثْمَانُ فَإِنَّكَ الْوَكِيلُ وَ الثِّقَةُ الْمَأْمُونُ عَلَى مَالِ اللَّهِ وَ اقْبِضْ مِنْ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ الْيَمَنِيِّينَ مَا حَمَلُوهُ مِنَ الْمَالِ ثُمَّ سَاقَ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالا ثُمَّ قُلْنَا بِأَجْمَعِنَا يَا سَيِّدَنَا وَ اللَّهِ إِنَّ عُثْمَانَ لَمِنْ خِيَارِ شِيعَتِكَ وَ لَقَدْ زِدْتَنَا عِلْماً بِمَوْضِعِهِ مِنْ خِدْمَتِكَ وَ إِنَّهُ وَكِيلُكَ وَ ثِقَتُكَ عَلَى مَالِ اللَّهِ قَالَ نَعَمْ وَ اشْهَدُوا عَلَيَّ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ سَعِيدٍ الْعَمْرِيَّ وَكِيلِي وَ أَنَّ ابْنَهُ مُحَمَّداً وَكِيلُ ابْنِي مَهْدِيِّكُمْ. عنه عن أبي نصر هبة الله بن محمد بن أحمد الكاتب بن بنت أبي جعفر العمري قدس الله روحه و أرضاه عن شيوخه أنه لما مات الحسن بن علي عليه السلام حضر غسله عثمان بن سعيد رضي الله عنه و أرضاه و تولى جميع أمره في تكفينه و تحنيطه و تقبيره مأمورا بذلك لظاهر من الحال التي لا يمكن جحدها و لا دفعها إلا بدفع حقائق الأشياء في ظواهرها و كانت توقيعات صاحب الأمر عليه السلام تخرج على يدي عثمان بن سعيد و ابنه أبي جعفر محمد بن عثمان إلى شيعته و خواص أبيه أبي محمد عليه السلام بالأمر و النهي و الأجوبة عما تسأل الشيعة عنه إذا احتاجت إلى السؤال فيه بالخط الذي كان يخرج في حياة الحسن عليه السلام فلم تزل الشيعة مقيمة على عدالتهما إلى أن توفي عثمان بن سعيد رحمه الله و غسله ابنه أبو جعفر و تولى القيام به و حصل الأمر كله مردودا إليه و الشيعة مجتمعة على عدالته و ثقته و أمانته لما تقدم له من النص عليه بالأمانة و العدالة و الأمر بالرجوع إليه في حياة الحسن عليه السلام و بعد موته في حياة أبيه عثمان رحمه الله.. قَالَ وَ قَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكٍ الْفَزَارِيُّ الْبَزَّازُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الشِّيعَةِ مِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ بِلَالٍ وَ أَحْمَدُ بْنُ هِلَالٍ وَ مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُكَيْمٍ وَ الْحَسَنُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ نُوحٍ فِي خَبَرٍ طَوِيلٍ مَشْهُورٍ قَالُوا جَمِيعاً اجْتَمَعْنَا إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام نَسْأَلُهُ عَنِ الْحُجَّةِ مِنْ بَعْدِهِ وَ فِي مَجْلِسِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا فَقَامَ إِلَيْهِ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو الْعَمْرِيُّ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ أُرِيدُ أَنْ أَسْأَلَكَ عَنْ أَمْرٍ أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ يَا عُثْمَانُ فَقَامَ مُغْضَباً لِيَخْرُجَ فَقَالَ لَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ فَلَمْ يَخْرُجْ مِنَّا أَحَدٌ إِلَى [أَنْ كَانَ بَعْدَ سَاعَةٍ فَصَاحَ عليه السلام بِعُثْمَانَ فَقَامَ عَلَى قَدَمَيْهِ فَقَالَ أُخْبِرُكُمْ بِمَا جِئْتُمْ قَالُوا نَعَمْ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ جِئْتُمْ تَسْأَلُونِّي عَنِ الْحُجَّةِ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعَمْ فَإِذَا غُلَامٌ كَأَنَّهُ قِطَعُ قَمَرٍ أَشْبَهُ النَّاسِ بِأَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام فَقَالَ هَذَا إِمَامُكُمْ مِنْ بَعْدِي وَ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ أَطِيعُوهُ وَ لَا تَتَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِي فَتَهْلِكُوا فِي أَدْيَانِكُمْ أَلَا وَ إِنَّكُمْ لَا تَرَوْنَهُ مِنْ بَعْدِ يَوْمِكُمْ هَذَا حَتَّى يَتِمَّ لَهُ عُمُرٌ فَاقْبَلُوا مِنْ عُثْمَانَ مَا يَقُولُهُ وَ انْتَهُوا إِلَى أَمْرِهِ وَ اقْبَلُوا قَوْلَهُ فَهُوَ خَلِيفَةُ إِمَامِكُمْ وَ الْأَمْرُ إِلَيْهِ. في حديث قال أبو نصر هبة الله بن محمد و قبر عثمان بن سعيد بالجانب الغربي من مدينة السلام في شارع الميدان في أول الموضع المعروف في الدرب المعروف بدرب حبلة في مسجد الدرب يمنة الداخل إليه و القبر في نفس قبلة المسجد ثم قال الشيخ رحمه الله رأيت قبره في الموضع الذي ذكره و كان بني في وجهه حائط و به محراب المسجد و إلى جنبه باب يدخل إلى موضع القبر في بيت ضيق مظلم فكنا ندخل إليه و نزوره مشاهرة و كذلك من وقت دخولي إلى بغداد و هي سنة ثمان و أربعمائة إلى سنة نيف و ثلاثين و أربعمائة ثم نقض ذلك الحائط الرئيس أبو منصور محمد بن الفرج و أبرز القبر إلى برا و عمل عليه صندوقا و هو تحت سقف يدخل إليه من أراده و يزوره و يتبرك جيران المحلة بزيارته و يقولون هو رجل صالح و ربما قالوا هو ابن داية الحسين عليه السلام و لا يعرفون حقيقة الحال فيه و هو إلى يومنا هذا و ذلك سنة سبع و أربعين و أربعمائة على ما هو عليه ذكر أبي جعفر محمد بن عثمان بن سعيد العمري و القول فيه فلما مضى أبو عمرو عثمان بن سعيد قام ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان مقامه بنص أبي محمد عليه السلام و نص أبيه عثمان عليه بأمر القائم ع- فأخبرني جماعة عن أبي الحسن محمد بن أحمد بن داود القمي و ابن قولويه عن سعد بن عبد الله قال حدثنا الشيخ الصدوق أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري رحمه الله و ذكر الحديث الذي قدمنا ذكره. و أخبرني جماعة عن أبي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه و أبي غالب الزراري و أبي محمد التلعكبري كلهم عن محمد بن يعقوب الكليني عن محمد بن عبد الله و محمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر الحميري قال اجتمعت أنا و الشيخ أبو عمرو عند أحمد بن إسحاق بن سعد الأشعري القمي فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف. فقلت له يا با عمرو إني أريد أن أسألك و ما أنا بشاك فيما أريد أن أسألك عنه فإن اعتقادي و ديني أن الأرض لا تخلو من حجة إلا إذا كان قبل القيامة بأربعين يوما فإذا كان ذلك رفعت الحجة و غلق باب التوبة فلم يكن ينفع نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً فأولئك أشرار من خلق الله عز و جل و هم الذين تقوم عليهم القيامة و لكن أحببت أن أزداد يقينا فإن إبراهيم عليه السلام سأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى فقال أَ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَ لكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي و قد أخبرني أحمد بن إسحاق أبو علي عن أبي الحسن عليه السلام قال سألته فقلت له لمن أعامل و عمن آخذ و قول من أقبل فقال له العمري ثقتي فما أدى إليك فعني يؤدي و ما قال لك فعني يقول فاسمع له و أطع فإنه الثقة المأمون. قال و أخبرني أبو علي أنه سأل أبا محمد الحسن بن علي عن مثل ذلك فقال له العمري و ابنه ثقتان فما أديا إليك فعني يؤديان و ما قالا لك فعني يقولان فاسمع لهما و أطعهما فإنهما الثقتان المأمونان. فهذا قول إمامين قد مضيا فيك قال فخر أبو عمرو ساجدا و بكى ثم قال سل فقلت له أنت رأيت الخلف من أبي محمد عليه السلام فقال إي و الله و رقبته مثل ذا و أومأ بيديه فقلت له فبقيت واحدة فقال لي هات قلت فالاسم قال محرم عليكم أن تسألوا عن ذلك و لا أقول هذا من عندي و ليس لي أن أحلل و أحرم و لكن عنه عليه السلام فإن الأمر عند السلطان أن أبا محمد عليه السلام مضى و لم يخلف ولدا و قسم ميراثه و أخذه من لا حق له و صبر على ذلك و هو ذا عياله يجولون و ليس أحد يجسر أن يتعرف إليهم أو ينيلهم شيئا و إذا وقع الاسم وقع الطلب فاتقوا الله و أمسكوا عن ذلك. قال الكليني و حدثني شيخ من أصحابنا ذهب عني اسمه أن أبا عمرو سئل عند أحمد بن إسحاق عن مثل هذا فأجاب بمثل هذا. وَ أَخْبَرَنَا جَمَاعَةٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُوسَى بْنِ بَابَوَيْهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الْفَامِيِّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ خَرَجَ التَّوْقِيعُ إِلَى الشَّيْخِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ الْعَمْرِيِّ قدس الله روحه فِي التَّعْزِيَةِ بِأَبِيهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ فِي فَصْلٍ مِنَ الْكِتَابِ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ تَسْلِيماً لِأَمْرِهِ وَ رِضًى بِقَضَائِهِ عَاشَ أَبُوكَ سَعِيداً وَ مَاتَ حَمِيداً فَ رحمه اللّه وَ أَلْحَقَهُ بِأَوْلِيَائِهِ وَ مَوَالِيهِ عليه السلام فَلَمْ يَزَلْ مُجْتَهِداً فِي أَمْرِهِمْ سَاعِياً فِيمَا يُقَرِّبُهُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِلَيْهِمْ نَضَّرَ اللَّهُ وَجْهَهُ وَ أَقَالَهُ عَثْرَتَهُ وَ فِي فَصْلٍ آخَرَ أَجْزَلَ اللَّهُ لَكَ الثَّوَابَ وَ أَحْسَنَ لَكَ الْعَزَاءَ رُزِئْتَ وَ رُزِئْنَا وَ أَوْحَشَكَ فِرَاقُهُ وَ أَوْحَشَنَا فَسَرَّهُ اللَّهُ فِي مُنْقَلَبِهِ وَ كَانَ مِنْ كَمَالِ سَعَادَتِهِ أَنْ رَزَقَهُ اللَّهُ وَلَداً مِثْلَكَ يَخْلُفُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَ يَقُومُ مَقَامَهُ بِأَمْرِهِ وَ يَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وَ أَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ فَإِنَّ الْأَنْفُسَ طَيِّبَةٌ بِمَكَانِكَ وَ مَا جَعَلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِيكَ وَ عِنْدَكَ أَعَانَكَ اللَّهُ وَ قَوَّاكَ وَ عَضَدَكَ وَ وَفَّقَكَ وَ كَانَ لَكَ وَلِيّاً وَ حَافِظاً وَ رَاعِياً. - ج، الإحتجاج الحميري قال خرج التوقيع إلى آخر الخبر- ك، إكمال الدين أحمد بن هارون مثله.

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥١ - الصفحة ٣٤٤. — الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
ك، إكمال الدين أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سِنَانٍ الْمَوْصِلِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ لَمَّا قُبِضَ سَيِّدُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيُّ عليه السلام وَفَدَ مِنْ قُمَّ وَ الْجِبَالِ وُفُودٌ بِالْأَمْوَالِ الَّتِي كَانَتْ تُحْمَلُ عَلَى الرَّسْمِ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ خَبَرُ وَفَاتِهِ عليه السلام فَلَمَّا أَنْ وَصَلُوا إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى سَأَلُوا عَنْ سَيِّدِنَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام فَقِيلَ لَهُمْ إِنَّهُ قَدْ فُقِدَ قَالُ

وا فَمَنْ وَارِثُهُ قَالُوا أَخُوهُ جَعْفَرُ بْنُ عَلِيٍّ فَسَأَلُوا عَنْهُ فَقِيلَ لَهُمْ قَدْ خَرَجَ مُتَنَزِّهاً وَ رَكِبَ زَوْرَقاً فِي الدِّجْلَةِ يَشْرَبُ وَ مَعَهُ الْمُغَنُّونَ قَالَ فَتَشَاوَرَ الْقَوْمُ وَ قَالُوا لَيْسَتْ هَذِهِ صِفَاتِ الْإِمَامِ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ امْضُوا بِنَا لِنَرُدَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ عَلَى أَصْحَابِهَا فَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ الْقُمِّيُّ قِفُوا بِنَا حَتَّى يَنْصَرِفَ هَذَا الرَّجُلُ وَ نَخْتَبِرَ أَمْرَهُ عَلَى الصِّحَّةِ قَالَ فَلَمَّا انْصَرَفَ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَ قَالُوا يَا سَيِّدَنَا نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ قُمَّ وَ مَعَنَا جَمَاعَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ وَ غَيْرِهَا وَ كُنَّا نَحْمِلُ إِلَى سَيِّدِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام الْأَمْوَالَ فَقَالَ وَ أَيْنَ هِيَ قَالُوا مَعَنَا قَالَ احْمَلُوهَا إِلَيَّ قَالُوا إِنَّ لِهَذِهِ الْأَمْوَالِ خَبَراً طَرِيفاً فَقَالَ وَ مَا هُوَ قَالُوا إِنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ تُجْمَعُ وَ يَكُونُ فِيهَا مِنْ عَامَّةِ الشِّيعَةِ الدِّينَارُ وَ الدِّينَارَانِ ثُمَّ يَجْعَلُونَهَا فِي كِيسٍ وَ يَخْتِمُونَ عَلَيْهَا وَ كُنَّا إِذَا وَرَدْنَا بِالْمَالِ قَالَ سَيِّدُنَا أَبُو مُحَمَّدٍ عليه السلام جُمْلَةُ الْمَالِ كَذَا وَ كَذَا دِينَاراً مِنْ فُلَانٍ كَذَا وَ مِنْ فُلَانٍ كَذَا حَتَّى يَأْتِي عَلَى أَسْمَاءِ النَّاسِ كُلِّهِمْ وَ يَقُولُ مَا عَلَى الْخَوَاتِيمِ مِنْ نَقْشٍ فَقَالَ جَعْفَرٌ كَذَبْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى أَخِي مَا لَمْ يَفْعَلْهُ هَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ الْقَوْمُ كَلَامَ جَعْفَرٍ جَعَلَ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ فَقَالَ لَهُمُ احْمِلُوا هَذَا الْمَالَ إِلَيَّ فَقَالُوا إِنَّا قَوْمٌ مُسْتَأْجَرُونَ وُكَلَاءُ لِأَرْبَابِ الْمَالِ وَ لَا نُسَلِّمُ الْمَالَ إِلَّا بِالْعَلَامَاتِ الَّتِي كُنَّا نَعْرِفُهَا مِنْ سَيِّدِنَا أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام فَإِنْ كُنْتَ الْإِمَامَ فَبَرْهِنْ لَنَا وَ إِلَّا رَدَدْنَاهَا إِلَى أَصْحَابِهَا يَرَوْنَ فِيهَا رَأْيَهُمْ قَالَ فَدَخَلَ جَعْفَرٌ عَلَى الْخَلِيفَةِ وَ كَانَ بِسُرَّ مَنْ رَأَى فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِمْ فَلَمَّا حَضَرُوا قَالَ الْخَلِيفَةُ احْمِلُوا هَذَا الْمَالَ إِلَى جَعْفَرٍ قَالُوا أَصْلَحَ اللَّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّا قَوْمٌ مُسْتَأْجَرُونَ وُكَلَاءُ لِأَرْبَابِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ وَ هِيَ وَدَاعَةٌ لِجَمَاعَةٍ أَمَرُونَا أَنْ لَا نُسَلِّمَهَا إِلَّا بِعَلَامَةٍ وَ دَلَالَةٍ وَ قَدْ جَرَتْ بِهَذَا الْعَادَةُ مَعَ أَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام فَقَالَ الْخَلِيفَةُ وَ مَا الدَّلَالَةُ الَّتِي كَانَتْ لِأَبِي مُحَمَّدٍ قَالَ الْقَوْمُ كَانَ يَصِفُ الدَّنَانِيرَ وَ أَصْحَابَهَا وَ الْأَمْوَالَ وَ كَمْ هِيَ فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ سَلَّمْنَاهَا إِلَيْهِ وَ قَدْ وَفَدْنَا عَلَيْهِ مِرَاراً فَكَانَتْ هَذِهِ عَلَامَتَنَا مِنْهُ وَ دَلَالَتَنَا وَ قَدْ مَاتَ فَإِنْ يَكُنْ هَذَا الرَّجُلُ صَاحِبَ هَذَا الْأَمْرِ فَلْيُقِمْ لَنَا مَا كَانَ يُقِيمُ لَنَا أَخُوهُ وَ إِلَّا رَدَدْنَاهَا إِلَى أَصْحَابِهَا فَقَالَ جَعْفَرٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَذَّابُونَ يَكْذِبُونَ عَلَى أَخِي وَ هَذَا عِلْمُ الْغَيْبِ فَقَالَ الْخَلِيفَةُ الْقَوْمُ رُسُلٌ وَ ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ قَالَ فَبُهِتَ جَعْفَرٌ وَ لَمْ يُحِرْ جَوَاباً فَقَالَ الْقَوْمُ يَتَطَوَّلُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِإِخْرَاجِ أَمْرِهِ إِلَى مَنْ يُبَدْرِقُنَا حَتَّى نَخْرُجَ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ قَالَ فَأَمَرَ لَهُمْ بِنَقِيبٍ فَأَخْرَجَهُمْ مِنْهَا فَلَمَّا أَنْ خَرَجُوا مِنَ الْبَلَدِ خَرَجَ عَلَيْهِمْ غُلَامٌ أَحْسَنُ النَّاسِ وَجْهاً كَأَنَّهُ خَادِمٌ فَنَادَى يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَ يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ أَجِيبُوا مَوْلَاكُمْ قَالَ فَقَالُوا لَهُ أَنْتَ مَوْلَانَا قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنَا عَبْدُ مَوْلَاكُمْ فَسِيرُوا إِلَيْهِ قَالُوا فَسِرْنَا مَعَهُ حَتَّى دَخَلْنَا دَارَ مَوْلَانَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عليه السلام فَإِذَا وَلَدُهُ الْقَائِمُ عليه السلام قَاعِدٌ عَلَى سَرِيرٍ كَأَنَّهُ فِلْقَةُ الْقَمَرِ عَلَيْهِ ثِيَابٌ خُضْرٌ فَسَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْنَا السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ جُمْلَةُ الْمَالِ كَذَا وَ كَذَا دِينَاراً حَمَلَ فُلَانٌ كَذَا وَ فُلَانٌ كَذَا وَ لَمْ يَزَلْ يَصِفُ حَتَّى وَصَفَ الْجَمِيعَ ثُمَّ وَصَفَ ثِيَابَنَا وَ رِحَالَنَا وَ مَا كَانَ مَعَنَا مِنَ الدَّوَابِّ فَخَرَرْنَا سُجَّداً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ شُكْراً لِمَا عَرَفْنَا وَ قَبَّلْنَا الْأَرْضَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ سَأَلْنَاهُ عَمَّا أَرَدْنَا فَأَجَابَ فَحَمَلْنَا إِلَيْهِ الْأَمْوَالَ وَ أَمَرَنَا الْقَائِمُ أَنْ لَا نَحْمِلَ إِلَى سُرَّ مَنْ رَأَى بَعْدَهَا شَيْئاً فَإِنَّهُ يَنْصِبُ لَنَا بِبَغْدَادَ رَجُلًا نَحْمِلُ إِلَيْهِ الْأَمْوَالَ وَ يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِ التَّوْقِيعَاتُ قَالَ فَانْصَرَفْنَا مِنْ عِنْدِهِ وَ دَفَعَ إِلَى أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْقُمِّيِّ الْحِمْيَرِيِّ شَيْئاً مِنَ الْحَنُوطِ وَ الْكَفَنِ وَ قَالَ لَهُ أَعْظَمَ اللَّهُ أَجْرَكَ فِي نَفْسِكَ قَالَ فَمَا بَلَغَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَقَبَةَ هَمَذَانَ حَتَّى تُوُفِّيَ (رحمه اللّه) وَ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ تُحْمَلُ الْأَمْوَالُ إِلَى بَغْدَادَ إِلَى النُّوَّابِ الْمَنْصُوبِينَ وَ يَخْرُجُ مِنْ عِنْدِهِمُ التَّوْقِيعَاتُ. قال الصدوق رحمه الله هذا الخبر يدل على أن الخليفة كان يعرف هذا الأمر كيف هو و أين موضعه فلهذا كف عن القوم و عما معهم من الأموال و دفع جعفر الكذاب عنهم و لم يأمرهم بتسليمها إليه إلا أنه كان يحب أن يخفى هذا الأمر و لا يظهر لئلا يهتدي إليه الناس فيعرفونه. وَ قَدْ كَانَ جَعْفَرٌ حَمَلَ إِلَى الْخَلِيفَةِ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ لَمَّا تُوُفِّيَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ عليه السلام فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَجْعَلُ لِي مَرْتَبَةَ أَخِي وَ مَنْزِلَتَهُ فَقَالَ الْخَلِيفَةُ اعْلَمْ أَنَّ مَنْزِلَةَ أَخِيكَ لَمْ تَكُنْ بِنَا إِنَّمَا كَانَتْ بِاللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ نَحْنُ كُنَّا نَجْتَهِدُ فِي حَطِّ مَنْزِلَتِهِ وَ الْوَضْعِ مِنْهُ وَ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ يَأْبَى إِلَّا أَنْ يَزِيدَهُ كُلَّ يَوْمٍ رِفْعَةً بِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الصِّيَانَةِ وَ حُسْنِ السَّمْتِ وَ الْعِلْمِ وَ الْعِبَادَةِ فَإِنْ كُنْتَ عِنْدَ شِيعَةِ أَخِيكَ بِمَنْزِلَتِهِ فَلَا حَاجَةَ بِكَ إِلَيْنَا وَ إِنْ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُمْ بِمَنْزِلَتِهِ وَ لَمْ يَكُنْ فِيكَ مَا فِي أَخِيكَ لَمْ نُغْنِ عَنْكَ فِي ذَلِكَ شَيْئاً.

بحار الأنوار - ج ٥٢ - الصفحة ٤٧. — الإمام العسكري عليه السلام
شي، تفسير العياشي عَنْ عَجْلَانَ أَبِي صَالِحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ

لَا تَمْضِي الْأَيَّامُ وَ اللَّيَالِي حَتَّى يُنَادِيَ مُنَادٍ مِنَ السَّمَاءِ يَا أَهْلَ الْحَقِّ اعْتَزِلُوا يَا أَهْلَ الْبَاطِلِ اعْتَزِلُوا فَيَعْزِلُ هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ وَ يَعْزِلُ هَؤُلَاءِ مِنْ هَؤُلَاءِ قَالَ قُلْتُ أَصْلَحَكَ اللَّهُ يُخَالِطُ هَؤُلَاءِ وَ هَؤُلَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ النِّدَاءِ قَالَ كَلَّا إِنَّهُ يَقُولُ فِي الْكِتَابِ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ.

بحار الأنوار - ج ٥٢ - الصفحة ٢٢٢. — الإمام الصادق عليه السلام

خص، منتخب البصائر: وَقَفْتُ عَلَى كِتَابِ خُطَبٍ لِمَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ عَلَيْهِ خَطُّ السَّيِّدِ رَضِيِّ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ طَاوُسٍ مَا صُورَتُهُ هَذَا الْكِتَابُ ذَكَرَ كَاتِبُهُ رَجُلَيْنِ بَعْدَ الصَّادِقِ عليه السلام فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَارِيخُ كِتَابَتِهِ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ لِأَنَّهُ عليه السلام انْتَقَلَ بَعْدَ سَنَةِ مِائَةٍ وَ أَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَ قَدْ رَوَى بَعْضَ مَا فِيهِ عَنْ أَبِي رَوْحٍ فَرَجِ بْنِ فَرْوَةَ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ بَعْضَ مَا فِيهِ عَنْ غَيْرِهِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ خُطْبَةً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام تُسَمَّى الْمَخْزُونَ وَ هِيَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَحَدِ الْمَحْمُودِ الَّذِي تَوَحَّدَ بِمُلْكِهِ وَ عَلَا بِقُدْرَتِهِ أَحْمَدُهُ عَلَى مَا عَرَّفَ مِنْ سَبِيلِهِ وَ أَلْهَمَ مِنْ طَاعَتِهِ وَ عَلَّمَ مِنْ مَكْنُونِ حِكْمَتِهِ فَإِنَّهُ مَحْمُودٌ بِكُلِّ مَا يُولِي مَشْكُورٌ بِكُلِّ مَا يُبْلِي وَ أَشْهَدُ أَنَّ قَوْلَهُ عَدْلٌ وَ حُكْمَهُ فَصْلٌ وَ لَمْ يَنْطِقْ فِيهِ نَاطِقٌ بِكَانَ إِلَّا كَانَ قَبْلَ كَانَ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَ سَيِّدُ عِبَادِهِ خَيْرُ مَنْ أَهَّلَ أَوَّلًا وَ خَيْرُ مَنْ أَهَّلَ آخِراً فَكُلَّمَا نَسَجَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَرِيقَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ لَمْ يُسْهَمْ فِيهِ عَائِرٌ وَ لَا نِكَاحُ جَاهِلِيَّةٍ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ إِلَيْكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فَ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلًا وَ لِلْحَقِّ دَعَائِمَ وَ لِلطَّاعَةِ عِصَماً يُعْصَمُ بِهِمْ وَ يُقِيمُ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ عَلَى ارْتِضَاءٍ مِنْ ذَلِكَ وَ جَعَلَ لَهَا رُعَاةً وَ حَفَظَةً يَحْفَظُونَهَا بِقُوَّةٍ وَ يُعِينُونَ عَلَيْهَا أَوْلِيَاءَ ذَلِكَ بِمَا وُلُّوا مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهَا أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رُوحَ الْبَصَرِ رُوحُ الْحَيَاةِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ إِيمَانٌ إِلَّا بِهِ مَعَ كَلِمَةِ اللَّهِ وَ التَّصْدِيقِ بِهَا فَالْكَلِمَةُ مِنَ الرُّوحِ وَ الرُّوحُ مِنَ النُّورِ وَ النُّورُ نُورُ السَّمَاوَاتِ فَبِأَيْدِيكُمْ سَبَبٌ وَصَلَ إِلَيْكُمْ مِنْهُ إِيْثَارٌ وَ اخْتِيَارٌ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تَبْلُغُوا شُكْرَهَا خَصَّصَكُمْ بِهَا وَ اخْتَصَّكُمْ لَهَا وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ فَأَبْشِرُوا بِنَصْرٍ مِنَ اللَّهِ عَاجِلٍ وَ فَتْحٍ يَسِيرٍ يُقِرُّ اللَّهُ بِهِ أَعْيُنَكُمْ وَ يَذْهَبُ بِحُزْنِكُمْ كُفُّوا مَا تَنَاهَى النَّاسُ عَنْكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اللَّهِ يَقُولُ عَلَى الْأَلْسُنِ وَ يَثْبُتُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ وَ ذَلِكَ عَوْنُ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ يَظْهَرُ فِي خَفِيِّ نِعْمَتِهِ لَطِيفاً وَ قَدْ أَثْمَرَتْ لِأَهْلِ التَّقْوَى أَغْصَانَ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ وَ إِنَّ فُرْقَاناً مِنَ اللَّهِ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَ أَعْدَائِهِ فِيهِ شِفَاءٌ لِلصُّدُورِ وَ ظُهُورٌ لِلنُّورِ يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ طَاعَتِهِ وَ يُذِلُّ بِهِ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ فَلْيُعِدَّ امْرُؤٌ لِذَلِكَ عُدَّتَهُ وَ لَا عُدَّةَ لَهُ إِلَّا بِسَبَبِ بَصِيرَةٍ وَ صِدْقِ نِيَّةٍ وَ تَسْلِيمٍ سَلَامَةُ أَهْلِ الْخِفَّةِ فِي الطَّاعَةِ ثِقْلُ الْمِيزَانِ وَ الْمِيزَانُ بِالْحِكْمَةِ وَ الْحِكْمَةُ فَضَاءٌ لِلْبَصَرِ وَ الشَّكُّ وَ الْمَعْصِيَةُ فِي النَّارِ وَ لَيْسَا مِنَّا وَ لَا لَنَا وَ لَا إِلَيْنَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ مَطْوِيَّةٌ عَلَى الْإِيمَانِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ مَا فِيهَا فَتَحَهَا بِالْوَحْيِ وَ زَرَعَ فِيهَا الْحِكْمَةَ وَ إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ إِنًى يَبْلُغُهُ لَا يُعَجِّلُ اللَّهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَبْلُغَ إِنَاهُ وَ مُنْتَهَاهُ فَاسْتَبْشِرُوا بِبُشْرَى مَا بُشِّرْتُمْ وَ اعْتَرِفُوا بِقُرْبَانِ مَا قُرِّبَ لَكُمْ وَ تَنَجَّزُوا مَا وَعَدَكُمْ إِنَّ مِنَّا دَعْوَةً خَالِصَةً يُظْهِرُ اللَّهُ بِهَا حُجَّتَهُ الْبَالِغَةَ وَ يُتِمُّ بِهَا نِعَمَهُ السَّابِغَةَ وَ يُعْطِي بِهَا الْكَرَامَةَ الْفَاضِلَةَ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهَا أَخَذَ بِحِكْمَةٍ مِنْهَا آتَاكُمُ اللَّهُ رَحْمَتَهُ وَ مِنْ رَحْمَتِهِ نُورُ الْقُلُوبِ وَ وَضَعَ عَنْكُمْ أَوْزَارَ الذُّنُوبِ وَ عَجَّلَ شِفَاءَ صُدُورِكُمْ وَ صَلَاحَ أُمُورِكُمْ وَ سَلَامٌ مِنَّا دَائِماً عَلَيْكُمْ تَعْلَمُونَ بِهِ فِي دُوَلِ الْأَيَّامِ وَ قَرَارِ الْأَرْحَامِ فَإِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لِدِينِهِ أَقْوَاماً انْتَخَبَهُمْ لِلْقِيَامِ عَلَيْهِ وَ النُّصْرَةِ لَهُ بِهِمْ ظَهَرَتْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ وَ أَرْجَاءُ مُفْتَرَضِ الْقُرْآنِ وَ الْعَمَلِ بِالطَّاعَةِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبِهَا ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ خَصَّصَكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَ اسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ لِأَنَّهُ اسْمُ سَلَامَةٍ وَ جِمَاعُ كَرَامَةٍ اصْطَفَاهُ اللَّهُ فَنَهَجَهُ وَ بَيَّنَ حُجَجَهُ وَ أَرَّفَ أُرَفَهُ وَ حَدَّهُ وَ وَصَفَهُ وَ جَعَلَهُ رِضًى كَمَا وَصَفَهُ وَ وَصَفَ أَخْلَاقَهُ وَ بَيَّنَ أَطْبَاقَهُ وَ وَكَّدَ مِيثَاقَهُ مِنْ ظَهْرٍ وَ بَطْنٍ ذِي حَلَاوَةٍ وَ أَمْنٍ فَمَنْ ظَفَرَ بِظَاهِرِهِ رَأَى عَجَائِبَ مَنَاظِرِهِ فِي مَوَارِدِهِ وَ مَصَادِرِهِ وَ مَنْ فَطَنَ بِمَا بَطَنَ رَأَى مَكْنُونَ الْفِطَنِ وَ عَجَائِبَ الْأَمْثَالِ وَ السُّنَنِ فَظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَ لَا تَفْنَى غَرَائِبُهُ فِيهِ يَنَابِيعُ النِّعَمِ وَ مَصَابِيحُ الظُّلَمِ لَا تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلَّا بِمَفَاتِيحِهِ وَ لَا تَنْكَشِفُ الظُّلَمُ إِلَّا بِمَصَابِيحِهِ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَ تَوْصِيلٌ وَ بَيَانُ الِاسْمَيْنِ الْأَعْلَيْنِ اللَّذَيْنِ جُمِعَا فَاجْتَمَعَا لَا يَصْلُحَانِ إِلَّا مَعاً يُسَمَّيَانِ فَيُعْرَفَانِ وَ يُوصَفَانِ فَيَجْتَمِعَانِ قِيَامُهُمَا فِي تَمَامِ أَحَدِهِمَا فِي مَنَازِلِهِمَا جَرَى بِهِمَا وَ لَهُمَا نُجُومٌ وَ عَلَى نُجُومِهِمَا نُجُومٌ سِوَاهُمَا تُحْمَى حِمَاهُ وَ تُرْعَى مَرَاعِيهِ وَ فِي الْقُرْآنِ بَيَانُهُ وَ حُدُودُهُ وَ أَرْكَانُهُ وَ مَوَاضِعُ تَقَادِيرِ مَا خُزِنَ بِخَزَائِنِهِ وَ وُزِنَ بِمِيزَانِهِ مِيزَانُ الْعَدْلِ وَ حُكْمُ الْفَصْلِ إِنَّ رُعَاةَ الدِّينِ فَرَّقُوا بَيْنَ الشَّكِّ وَ الْيَقِينِ وَ جَاءُوا بِالْحَقِّ الْمُبِينِ قَدْ بَيَّنُوا الْإِسْلَامَ تِبْيَاناً وَ أَسَّسُوا لَهُ أَسَاساً وَ أَرْكَاناً وَ جَاءُوا عَلَى ذَلِكَ شُهُوداً وَ بُرْهَاناً مِنْ عَلَامَاتٍ وَ أَمَارَاتٍ فِيهَا كِفَاءٌ لِمُكْتَفٍ وَ شِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ يَحْمَوْنَ حِمَاهُ وَ يَرْعَوْنَ مَرْعَاهُ وَ يَصُونُونَ مَصُونَهُ وَ يَهْجُرُونَ مَهْجُورَهُ وَ يُحِبُّونَ مَحْبُوبَهُ بِحُكْمِ اللَّهِ وَ بِرِّهِ وَ بِعَظِيمِ أَمْرِهِ وَ ذِكْرِهِ بِمَا يَجِبُ أَنْ يُذْكَرَ بِهِ يَتَوَاصَلُونَ بِالْوَلَايَةِ وَ يَتَلَاقَوْنَ بِحُسْنِ اللَّهْجَةِ وَ يَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسِ الرَّوِيَّةِ وَ يَتَرَاعَوْنَ بِحُسْنِ الرِّعَايَةِ بِصُدُورٍ بَرِيَّةٍ وَ أَخْلَاقٍ سَنِيَّةٍ- وَ بِسَلَامٍ رَضِيَّةٍ لَا يُشْرَبُ فِيهِ الدَّنِيَّةُ وَ لَا تُشْرَعُ فِيهِ الْغِيبَةُ فَمَنِ اسْتَبْطَنَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً اسْتَبْطَنَ خُلُقاً سَنِيّاً وَ قَطَعَ أَصْلَهُ وَ اسْتَبْدَلَ مَنْزِلَهُ بِنَقْصِهِ مُبْرِماً وَ اسْتِحْلَالِهِ مُجْرِماً مِنْ عَهْدٍ مَعْهُودٍ إِلَيْهِ وَ عَقْدٍ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ بِالْبِرِّ وَ التَّقْوَى وَ إِيْثَارِ سَبِيلِ الْهُدَى عَلَى ذَلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَ آخَى أُلْفَتَهُمْ فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ وَ بِهِ يَتَوَاصَلُونَ فَكَانُوا كَالزَّرْعِ وَ تَفَاضُلُهُ يَبْقَى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَ يَفْنَى وَ بَيْعَتُهُ التَّخْصِيصُ وَ يَبْلُغُ مِنْهُ التَّخْلِيصُ فَانْتَظِرْ أَمْرَهُ فِي قِصَرِ أَيَّامِهِ وَ قِلَّةِ مَقَامِهِ فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ مَنْزِلًا لِيَضَعَ مَنْحُولَهُ وَ مَعَارِفَ مُنْقَلَبِهِ فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ وَ تَجَنَّبَ مَا يُرْدِيهِ فَيَدْخُلُ مَدْخَلَ الْكَرَامَةِ فَأَصَابَ سَبِيلَ السَّلَامَةِ سَيُبْصِرُ بِبَصَرِهِ وَ أَطَاعَ هَادِيَ أَمْرِهِ دُلَّ أَفْضَلَ الدَّلَالَةِ وَ كَشَفَ غِطَاءَ الْجَهَالَةِ الْمُضِلَّةِ الْمُلْهِيَةِ فَمَنْ أَرَادَ تَفَكُّراً أَوْ تَذَكُّراً فَلْيَذْكُرْ رَأْيَهُ وَ لْيُبْرِزْ بِالْهُدَى مَا لَمْ تُغْلَقْ أَبْوَابُهُ وَ تُفَتَّحْ أَسْبَابُهُ وَ قَبِلَ نَصِيحَةَ مَنْ نَصَحَ بِخُضُوعٍ وَ حُسْنِ خُشُوعٍ بِسَلَامَةِ الْإِسْلَامِ وَ دُعَاءِ التَّمَامِ وَ سَلَامٍ بِسَلَامٍ تَحِيَّةً دَائِمَةً لِخَاضِعٍ مُتَوَاضِعٍ يَتَنَافَسُ بِالْإِيمَانِ وَ يَتَعَارَفُ عِدْلَ الْمِيزَانِ فَلْيَقْبَلْ أَمْرَهُ وَ إِكْرَامَهُ بِقَبُولٍ وَ لْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ لَا يَعِي حَدِيثَنَا إِلَّا حُصُونٌ حَصِينَةٌ أَوْ صُدُورٌ أَمِينَةٌ أَوْ أَحْلَامٌ رَزِينَةٌ يَا عَجَباً كُلَّ الْعَجَبِ بَيْنَ جُمَادَى وَ رَجَبٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ شُرْطَةِ الْخَمِيسِ مَا هَذَا الْعَجَبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ وَ مَا لِيَ لَا أَعْجَبُ وَ سَبَقَ الْقَضَاءُ فِيكُمْ وَ مَا تَفْقَهُونَ الْحَدِيثَ إِلَّا صَوْتَاتٍ بَيْنَهُنَّ مَوْتَاتٌ حَصْدُ نَبَاتٍ وَ نَشْرُ أَمْوَاتٍ وَا عَجَبَا كُلَّ الْعَجَبِ بَيْنَ جُمَادَى وَ رَجَبٍ قَالَ أَيْضاً رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذَا الْعَجَبُ الَّذِي لَا تَزَالُ تَعْجَبُ مِنْهُ قَالَ ثَكِلَتِ الْآخَرَ أُمُّهُ وَ أَيُّ عَجَبٍ يَكُونُ أَعْجَبَ مِنْهُ أَمْوَاتٌ يَضْرِبُونَ هَامَ الْأَحْيَاءِ قَالَ أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ قَدْ تَخَلَّلُوا سِكَكَ الْكُوفَةِ وَ قَدْ شَهَرُوا سُيُوفَهُمْ عَلَى مَنَاكِبِهِمْ يَضْرِبُونَ كُلَّ عَدُوٍّ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ أَلَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي إِنِّي بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنَ الْعَالِمِ بِطُرُقِ الْأَرْضِ أَنَا يَعْسُوبُ الدِّينِ وَ غَايَةُ السَّابِقِينَ وَ لِسَانُ الْمُتَّقِينَ وَ خَاتَمُ الْوَصِيِّينَ وَ وَارِثُ النَّبِيِّينَ وَ خَلِيفَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنَا قَسِيمُ النَّارِ وَ خَازِنُ الْجِنَانِ وَ صَاحِبُ الْحَوْضِ وَ صَاحِبُ الْأَعْرَافِ وَ لَيْسَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ إِمَامٌ إِلَّا عَارِفٌ بِجَمِيعِ أَهْلِ وَلَايَتِهِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ - أَلَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ شَرْقِيَّةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا بَعْدَ مَوْتٍ وَ حَيَاةٍ أَوْ تَشِبَّ نَارٌ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ غَرْبِيَّ الْأَرْضِ رَافِعَةً ذَيْلَهَا تَدْعُو يَا وَيْلَهَا بِذَحْلَةٍ أَوْ مِثْلِهَا فَإِذَا اسْتَدَارَ الْفَلَكُ قُلْتُ مَاتَ أَوْ هَلَكَ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً وَ لِذَلِكَ آيَاتٌ وَ عَلَامَاتٌ أَوَّلُهُنَّ إِحْصَارُ الْكُوفَةِ بِالرَّصَدِ وَ الْخَنْدَقِ وَ تَخْرِيقُ الزَّوَايَا فِي سِكَكِ الْكُوفَةِ وَ تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ تَخْفِقُ رَايَاتٌ ثَلَاثٌ حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ يُشْبِهْنَ بِالْهُدَى الْقَاتِلُ وَ الْمَقْتُولُ فِي النَّارِ وَ قَتْلٌ كَثِيرٌ وَ مَوْتٌ ذَرِيعٌ وَ قَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ فِي سَبْعِينَ وَ الْمَذْبُوحُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ وَ قَتْلُ الْأَسْبَغِ الْمُظَفَّرِ صَبْراً فِي بَيْعَةِ الْأَصْنَامِ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَ خُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ بِرَايَةٍ خَضْرَاءَ وَ صَلِيبٍ مِنْ ذَهَبٍ أَمِيرُهَا رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ وَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عِنَانِ مَنْ يَحْمِلُ السُّفْيَانِيَّ مُتَوَجِّهاً إِلَى مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ أَمِيرُهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَالُ لَهُ خُزَيْمَةُ أَطْمَسُ الْعَيْنِ الشِّمَالِ عَلَى عَيْنِهِ طَرْفَةٌ- يَمِيلُ بِالدُّنْيَا فَلَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ حَتَّى يَنْزِلَ الْمَدِينَةَ فَيَجْمَعَ رِجَالًا وَ نِسَاءً مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَيَحْبِسَهُمْ فِي دَارٍ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا دَارُ أَبِي الْحَسَنِ الْأُمَوِيِّ وَ يَبْعَثُ خَيْلًا فِي طَلَبِ رَجُلٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ أَمِيرُهُمْ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ حَتَّى إِذَا تَوَسَّطُوا الصَّفَائِحَ الْأَبْيَضَ بِالْبَيْدَاءِ يُخْسَفُ بِهِمْ فَلَا يَنْجُو مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ يُحَوِّلُ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي قَفَاهُ لِيُنْذِرَهُمْ وَ لِيَكُونَ آيَةً لِمَنْ خَلْفَهُ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَ يَبْعَثُ السُّفْيَانِيُّ مِائَةً وَ ثَلَاثِينَ أَلْفاً إِلَى الْكُوفَةِ فَيَنْزِلُونَ بِالرَّوْحَاءِ وَ الْفَارُوقِ وَ مَوْضِعِ مَرْيَمَ وَ عِيسَى عليه السلام بِالْقَادِسِيَّةِ وَ يَسِيرُ مِنْهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفاً حَتَّى يَنْزِلُوا الْكُوفَةَ مَوْضِعَ قَبْرِ هُودٍ عليه السلام بِالنُّخَيْلَةِ فَيَهْجُمُوا عَلَيْهِ يَوْمَ زِينَةٍ وَ أَمِيرُ النَّاسِ جَبَّارٌ عَنِيدٌ يُقَالُ لَهُ الْكَاهِنُ السَّاحِرُ فَيَخْرُجُ مِنْ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهُ الزَّوْرَاءُ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْكَهَنَةِ وَ يَقْتُلُ عَلَى جِسْرِهَا سَبْعِينَ أَلْفاً حَتَّى يَحْتَمِيَ النَّاسُ الْفُرَاتَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الدِّمَاءِ وَ نَتْنِ الْأَجْسَادِ وَ يَسْبِي مِنَ الْكُوفَةِ أَبْكَاراً لَا يُكْشَفُ عَنْهَا كَفٌّ وَ لَا قِنَاعٌ حَتَّى يُوضَعْنَ فِي الْمَحَامِلِ يُزْلِفُ بِهِنَّ الثُّوَيَّةَ وَ هِيَ الْغَرِيَّيْنِ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ الْكُوفَةِ مِائَةُ أَلْفٍ بَيْنَ مُشْرِكٍ وَ مُنَافِقٍ حَتَّى يَضْرِبُونَ دِمَشْقَ لَا يَصُدُّهُمْ عَنْهَا صَادٌّ وَ هِيَ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ وَ تُقْبِلُ رَايَاتُ شَرْقِيِّ الْأَرْضِ لَيْسَتْ بِقُطْنٍ وَ لَا كَتَّانٍ وَ لَا حَرِيرٍ مُخَتَّمَةً فِي رُءُوسِ الْقَنَا بِخَاتَمِ السَّيِّدِ الْأَكْبَرِ يَسُوقُهَا رَجُلٌ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْمَ تُطَيَّرُ بِالْمَشْرِقِ يُوجَدُ رِيحُهَا بِالْمَغْرِبِ كَالْمِسْكِ الْأَذْفَرِ يَسِيرُ الرُّعْبُ أَمَامَهَا شَهْراً وَ يَخْلُفُ أَبْنَاءُ سَعْدٍ السَّقَّاءِ بِالْكُوفَةِ طَالِبِينَ بِدِمَاءِ آبَائِهِمْ وَ هُمْ أَبْنَاءُ الْفَسَقَةِ حَتَّى يَهْجُمَ عَلَيْهِمْ خَيْلُ الْحُسَيْنِ عليه السلام يَسْتَبِقَانِ كَأَنَّهُمَا فَرَسَا رِهَانٍ شُعْثٌ غُبْرٌ أَصْحَابُ بَوَاكِي وَ قَوَارِحَ إِذْ يَضْرِبُ أَحَدُهُمْ بِرِجْلِهِ بَاكِيَةً يَقُولُ لَا خَيْرَ فِي مَجْلِسٍ بَعْدَ يَوْمِنَا هَذَا اللَّهُمَّ فَإِنَّا التَّائِبُونَ الْخَاشِعُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ فَهُمُ الْأَبْدَالُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وَ الْمُطَهَّرُونَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وَ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ رَاهِبٌ يَسْتَجِيبُ الْإِمَامَ فَيَكُونُ أَوَّلَ النَّصَارَى إِجَابَةً وَ يَهْدِمُ صَوْمَعَتَهُ وَ يَدُقُّ صَلِيبَهَا وَ يَخْرُجُ بِالْمَوَالِي وَ ضُعَفَاءِ النَّاسِ وَ الْخَيْلِ فَيَسِيرُونَ إِلَى النُّخَيْلَةِ بِأَعْلَامِ هُدًى فَيَكُونُ مَجْمَعُ النَّاسِ جَمِيعاً مِنَ الْأَرْضِ كُلِّهَا بِالْفَارُوقِ وَ هِيَ مَحَجَّةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ هِيَ مَا بَيْنَ الْبُرْسِ وَ الْفُرَاتِ فَيُقْتَلُ يَوْمَئِذٍ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى فَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ - بِالسَّيْفِ وَ تَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ وَ يَخْلُفُ مِنْ بَنِي أَشْهَبَ الزَّاجِرُ اللَّحْظِ فِي أُنَاسٍ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ هُرَّاباً حَتَّى يَأْتُونَ سِبَطْرَى عُوَّذاً بِالشَّجَرِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ - وَ مَسَاكِنُهُمُ الْكُنُوزُ الَّتِي غَنِمُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَ يَأْتِيهِمْ يَوْمَئِذٍ الْخَسْفُ وَ الْقَذْفُ وَ الْمَسْخُ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ وَ يُنَادِي مُنَادٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَا أَهْلَ الْهُدَى اجْتَمِعُوا وَ يُنَادِي مِنْ نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَا تَغِيبُ الشَّمْسُ يَا أَهْلَ الْهُدَى اجْتَمِعُوا وَ مِنَ الْغَدِ عِنْدَ الظُّهْرِ بَعْدَ تَكَوُّرِ الشَّمْسِ فَتَكُونُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً وَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ بِخُرُوجِ دَابَّةِ الْأَرْضِ وَ تُقْبِلُ الرُّومُ إِلَى قَرْيَةٍ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ عِنْدَ كَهْفِ الْفِتْيَةِ وَ يَبْعَثُ اللَّهُ الْفِتْيَةَ مِنْ كَهْفِهِمْ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَلِيخَا وَ الْآخَرُ كمسلمينا وَ هُمَا الشَّاهِدَانِ الْمُسْلِمَانِ لِلْقَائِمِ فَيَبْعَثُ أَحَدَ الْفِتْيَةِ إِلَى الرُّومِ فَيَرْجِعُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ وَ يَبْعَثُ بِالْآخَرِ فَيَرْجِعُ بِالْفَتْحِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً لِيُرِيَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ وَ الْوَزَعُ خَفَقَانُ أَفْئِدَتِهِمْ وَ يَسِيرُ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ بِرَايَةِ الْهُدَى وَ السَّيْفِ ذِي الْفَقَارِ وَ الْمِخْصَرَةِ حَتَّى يَنْزِلَ أَرْضَ الْهِجْرَةِ مَرَّتَيْنِ وَ هِيَ الْكُوفَةُ فَيَهْدِمُ مَسْجِدَهَا وَ يَبْنِيهِ عَلَى بِنَائِهِ الْأَوَّلِ وَ يَهْدِمُ مَا دُونَهُ مِنْ دُورِ الْجَبَابِرَةِ وَ يَسِيرُ إِلَى الْبَصْرَةِ حَتَّى يُشْرِفَ عَلَى بَحْرِهَا وَ مَعَهُ التَّابُوتُ وَ عَصَا مُوسَى فَيَعْزِمُ عَلَيْهِ فَيَزْفِرُ فِي الْبَصْرَةِ زَفْرَةً فَتَصِيرُ بَحْراً لُجِّيّاً لَا يَبْقَى فِيهَا غَيْرُ مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ السَّفِينَةِ عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ ثُمَّ يَسِيرُ إِلَى حَرُورَاءَ حَتَّى يُحْرِقَهَا وَ يَسِيرَ مِنْ بَابِ بَنِي أَسَدٍ حَتَّى يَزْفِرَ زَفْرَةً فِي ثَقِيفٍ وَ هُمْ زَرْعُ فِرْعَوْنَ ثُمَّ يَسِيرُ إِلَى مِصْرَ فَيَصْعَدُ مِنْبَرَهُ فَيَخْطُبُ النَّاسَ فَتَسْتَبْشِرُ الْأَرْضُ بِالْعَدْلِ وَ تُعْطِي السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَ الشَّجَرُ ثَمَرَهَا وَ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا وَ تَتَزَيَّنُ لِأَهْلِهَا وَ تَأْمَنُ الْوُحُوشُ حَتَّى تَرْتَعِيَ فِي طُرُقِ الْأَرْضِ كَأَنْعَامِهِمْ وَ يُقْذَفُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الْعِلْمُ فَلَا يَحْتَاجُ مُؤْمِنٌ إِلَى مَا عِنْدَ أَخِيهِ مِنْ عِلْمٍ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ - وَ تُخْرِجُ لَهُمُ الْأَرْضُ كُنُوزَهَا وَ يَقُولُ الْقَائِمُ كُلُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ فَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ أَهْلُ صَوَابٍ لِلدِّينِ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا فَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا دِينَهُ الْحَقَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ انْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ - فَيَمْكُثُ فِيمَا بَيْنَ خُرُوجِهِ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَ نَيِّفٍ وَ عِدَّةُ أَصْحَابِهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ سَبْعُونَ مِنَ الْجِنِّ وَ مِائَتَانِ وَ أَرْبَعَةٌ وَ ثَلَاثُونَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ الَّذِينَ غَضِبُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم إِذْ هَجَمَتْهُ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ فَطَلَبُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي إِجَابَتِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ حَيْثُ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ - وَ عِشْرُونَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْهُمُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَ مِائَتَانِ وَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ الَّذِينَ كَانُوا بِسَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي عَدَنَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ بِرِسَالَةٍ فَأْتُوا مُسْلِمِينَ وَ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ أَلْفَانِ وَ ثَمَانُمِائَةٍ وَ سَبْعَةَ عَشَرَ وَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَرْبَعُونَ أَلْفاً مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُسَوِّمِينَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَ مِنَ الْمُرْدِفِينَ خَمْسَةُ آلَافٍ فَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ عليه السلام سَبْعَةٌ وَ أَرْبَعُونَ أَلْفاً وَ مِائَةٌ وَ ثَلَاثُونَ مِنْ ذَلِكَ تِسْعَةُ رُءُوسٍ مَعَ كُلِّ رَأْسٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ عِدَّةَ يَوْمِ بَدْرٍ فَبِهِمْ يُقَاتِلُ وَ إِيَّاهُمْ يَنْصُرُ اللَّهُ وَ بِهِمْ يَنْتَصِرُ وَ بِهِمْ يُقَدَّمُ النَّصْرُ وَ مِنْهُمْ نَضْرَةُ الْأَرْضِ كَتَبْتُهَا كَمَا وَجَدْتُهَا وَ فِيهَا نَقْصُ حُرُوفٍ. بيان: لم ينطق فيه ناطق بكان أي كلما عبر عنه بكان فهو لضرورة العبارة إذ كان يدل على الزمان و هو معرى عنه موجود قبل حدوثه. قوله عليه السلام من أهل أي جعله أهلا للنبوة و الخلافة قوله عليه السلام كلما نسج الله أي جمعهم مجازا قوله عليه السلام لم يسهم أي لم يشرك فيه و العائر من السهام الذي لا يدرى راميه كناية عن الزنا و اختلاط النسب و يحتمل أن يكون مأخوذا من العار و كأنه تصحيف عاهر. قوله عليه السلام فإن روح البصر لعل خبر أن مع كلمة الله و روح الحياة بدل من روح البصر أي روح الإيمان الذي يكون مع المؤمن و به يكون بصيرا و حيا حقيقة لا يكون إلا مع كلمة الله أي إمام الهدى فالكلمة من الروح أي معه أو هو أيضا آخذ من الروح أي روح القدس و الروح يأخذ من النور و النور هو الله تعالى كما قال اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فبأيديكم سبب من كلمة الله وصل إليكم من الله ذلك السبب آثركم و اختاركم و خصصكم به و هو نعمة من الله خصصكم بها لا يمكنكم أن تؤدوا شكرها. قوله عليه السلام يظهر أي العون أو هو تعالى قوله عليه السلام و إن فرقانا خبر أن إما محذوف أي بين ظاهر أو هو قوله يعز الله أو قوله فليعد بتأويل مقول في حقه و المراد بالفرقان القرآن و قوله سلامة مبتدأ و ثقل الميزان خبره أي سلامة من يخف في الطاعة و لا يكسل فيها إنما يظهر عند ثقل الميزان في القيامة أو هو سبب لثقله و يحتمل أن يكون التسليم مضافا إلى السلامة أي التسليم الموجب للسلامة و أهل مبتدأ و ثقل بالتشديد على صيغة الجمع خبره. قوله و الميزان بالحكمة أي ثقل الميزان بالعمل إنما يكون إذا كان مقرونا بالحكمة فإن عمل الجاهل لا وزن له فتقديره الميزان يثقل بالحكمة و الحكمة فضاء للبصر أي بصر القلب يجول فيها قوله إنى بالكسر و القصر أي وقتا قوله و اعترفوا بقربان ما قرب لكم أي اعترفوا و صدقوا بقرب ما أخبركم أنه قريب منكم قوله عليه السلام و أرف أرفه الأرف كصرد جمع الآرفة و هي الحد أي حدد حدوده و بينها ثم الظاهر أنه قد سقط كلام مشتمل على ذكر القرآن قبل قوله من ظهر و بطن فإنما ذكر بعده أوصاف القرآن و ما ذكر قبله أوصاف الإسلام و إن أمكن أن يستفاد ذكر القرآن من الوصف و التبيين و التحديد المذكورة في وصف الإسلام لكن الظاهر على هذا السياق أن يكون جميع ذلك أوصاف الإسلام. و المراد بالاسمين الأعلين محمد و علي (صلوات اللّه عليهما) و لهما نجوم أي سائر أئمة الهدى و على نجومهما نجوم أي على كل من تلك النجوم دلائل و براهين من الكتاب و السنة و المعجزات الدالة على حقيتهم و يحتمل أن يكون المراد بالاسمين الكتاب و العترة. قوله تحمى على بناء المعلوم و الفاعل النجوم أو على المجهول و على التقديرين الضمير في حماه و مراعيه راجع إلى الإسلام و كذا الضمائر بعدهما و كان في الأصل بعد قوله و أخلاق سنية بياض. و الطرفة بالفتح نقطة حمراء من الدم تحدث في العين من ضربة و نحوها. أقول هكذا وجدتها في الأصل سقيمة محرفة و قد صححت بعض أجزائها من بعض مؤلفات بعض أصحابنا و من الأخبار الأخر و قد اعترف صاحب الكتاب بسقمها و مع ذلك يمكن الانتفاع بأكثر فوائدها و لذا أوردتها مع ما أرجو من فضله تعالى أن يتيسر نسخة يمكن تصحيحها بها و قد سبق كثير من فقراتها في باب علامات ظهوره ع.

بحار الأنوار - ج ٥٣ - الصفحة ٧٧. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام

خص، منتخب البصائر: وَقَفْتُ عَلَى كِتَابِ خُطَبٍ لِمَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ عَلَيْهِ خَطُّ السَّيِّدِ رَضِيِّ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ طَاوُسٍ مَا صُورَتُهُ هَذَا الْكِتَابُ ذَكَرَ كَاتِبُهُ رَجُلَيْنِ بَعْدَ الصَّادِقِ عليه السلام فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَارِيخُ كِتَابَتِهِ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ لِأَنَّهُ عليه السلام انْتَقَلَ بَعْدَ سَنَةِ مِائَةٍ وَ أَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ وَ قَدْ رَوَى بَعْضَ مَا فِيهِ عَنْ أَبِي رَوْحٍ فَرَجِ بْنِ فَرْوَةَ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَ بَعْضَ مَا فِيهِ عَنْ غَيْرِهِمَا ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ خُطْبَةً لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام تُسَمَّى الْمَخْزُونَ وَ هِيَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَحَدِ الْمَحْمُودِ الَّذِي تَوَحَّدَ بِمُلْكِهِ وَ عَلَا بِقُدْرَتِهِ أَحْمَدُهُ عَلَى مَا عَرَّفَ مِنْ سَبِيلِهِ وَ أَلْهَمَ مِنْ طَاعَتِهِ وَ عَلَّمَ مِنْ مَكْنُونِ حِكْمَتِهِ فَإِنَّهُ مَحْمُودٌ بِكُلِّ مَا يُولِي مَشْكُورٌ بِكُلِّ مَا يُبْلِي وَ أَشْهَدُ أَنَّ قَوْلَهُ عَدْلٌ وَ حُكْمَهُ فَصْلٌ وَ لَمْ يَنْطِقْ فِيهِ نَاطِقٌ بِكَانَ إِلَّا كَانَ قَبْلَ كَانَ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَ سَيِّدُ عِبَادِهِ خَيْرُ مَنْ أَهَّلَ أَوَّلًا وَ خَيْرُ مَنْ أَهَّلَ آخِراً فَكُلَّمَا نَسَجَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَرِيقَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ لَمْ يُسْهَمْ فِيهِ عَائِرٌ وَ لَا نِكَاحُ جَاهِلِيَّةٍ ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ إِلَيْكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ فَ اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلًا وَ لِلْحَقِّ دَعَائِمَ وَ لِلطَّاعَةِ عِصَماً يُعْصَمُ بِهِمْ وَ يُقِيمُ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ عَلَى ارْتِضَاءٍ مِنْ ذَلِكَ وَ جَعَلَ لَهَا رُعَاةً وَ حَفَظَةً يَحْفَظُونَهَا بِقُوَّةٍ وَ يُعِينُونَ عَلَيْهَا أَوْلِيَاءَ ذَلِكَ بِمَا وُلُّوا مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهَا أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ رُوحَ الْبَصَرِ رُوحُ الْحَيَاةِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ إِيمَانٌ إِلَّا بِهِ مَعَ كَلِمَةِ اللَّهِ وَ التَّصْدِيقِ بِهَا فَالْكَلِمَةُ مِنَ الرُّوحِ وَ الرُّوحُ مِنَ النُّورِ وَ النُّورُ نُورُ السَّمَاوَاتِ فَبِأَيْدِيكُمْ سَبَبٌ وَصَلَ إِلَيْكُمْ مِنْهُ إِيْثَارٌ وَ اخْتِيَارٌ نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تَبْلُغُوا شُكْرَهَا خَصَّصَكُمْ بِهَا وَ اخْتَصَّكُمْ لَهَا وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ فَأَبْشِرُوا بِنَصْرٍ مِنَ اللَّهِ عَاجِلٍ وَ فَتْحٍ يَسِيرٍ يُقِرُّ اللَّهُ بِهِ أَعْيُنَكُمْ وَ يَذْهَبُ بِحُزْنِكُمْ كُفُّوا مَا تَنَاهَى النَّاسُ عَنْكُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اللَّهِ يَقُولُ عَلَى الْأَلْسُنِ وَ يَثْبُتُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ وَ ذَلِكَ عَوْنُ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ يَظْهَرُ فِي خَفِيِّ نِعْمَتِهِ لَطِيفاً وَ قَدْ أَثْمَرَتْ لِأَهْلِ التَّقْوَى أَغْصَانَ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ وَ إِنَّ فُرْقَاناً مِنَ اللَّهِ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَ أَعْدَائِهِ فِيهِ شِفَاءٌ لِلصُّدُورِ وَ ظُهُورٌ لِلنُّورِ يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ طَاعَتِهِ وَ يُذِلُّ بِهِ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ فَلْيُعِدَّ امْرُؤٌ لِذَلِكَ عُدَّتَهُ وَ لَا عُدَّةَ لَهُ إِلَّا بِسَبَبِ بَصِيرَةٍ وَ صِدْقِ نِيَّةٍ وَ تَسْلِيمٍ سَلَامَةُ أَهْلِ الْخِفَّةِ فِي الطَّاعَةِ ثِقْلُ الْمِيزَانِ وَ الْمِيزَانُ بِالْحِكْمَةِ وَ الْحِكْمَةُ فَضَاءٌ لِلْبَصَرِ وَ الشَّكُّ وَ الْمَعْصِيَةُ فِي النَّارِ وَ لَيْسَا مِنَّا وَ لَا لَنَا وَ لَا إِلَيْنَا قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ مَطْوِيَّةٌ عَلَى الْإِيمَانِ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ مَا فِيهَا فَتَحَهَا بِالْوَحْيِ وَ زَرَعَ فِيهَا الْحِكْمَةَ وَ إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ إِنًى يَبْلُغُهُ لَا يُعَجِّلُ اللَّهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَبْلُغَ إِنَاهُ وَ مُنْتَهَاهُ فَاسْتَبْشِرُوا بِبُشْرَى مَا بُشِّرْتُمْ وَ اعْتَرِفُوا بِقُرْبَانِ مَا قُرِّبَ لَكُمْ وَ تَنَجَّزُوا مَا وَعَدَكُمْ إِنَّ مِنَّا دَعْوَةً خَالِصَةً يُظْهِرُ اللَّهُ بِهَا حُجَّتَهُ الْبَالِغَةَ وَ يُتِمُّ بِهَا نِعَمَهُ السَّابِغَةَ وَ يُعْطِي بِهَا الْكَرَامَةَ الْفَاضِلَةَ مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهَا أَخَذَ بِحِكْمَةٍ مِنْهَا آتَاكُمُ اللَّهُ رَحْمَتَهُ وَ مِنْ رَحْمَتِهِ نُورُ الْقُلُوبِ وَ وَضَعَ عَنْكُمْ أَوْزَارَ الذُّنُوبِ وَ عَجَّلَ شِفَاءَ صُدُورِكُمْ وَ صَلَاحَ أُمُورِكُمْ وَ سَلَامٌ مِنَّا دَائِماً عَلَيْكُمْ تَعْلَمُونَ بِهِ فِي دُوَلِ الْأَيَّامِ وَ قَرَارِ الْأَرْحَامِ فَإِنَّ اللَّهَ اخْتَارَ لِدِينِهِ أَقْوَاماً انْتَخَبَهُمْ لِلْقِيَامِ عَلَيْهِ وَ النُّصْرَةِ لَهُ بِهِمْ ظَهَرَتْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ وَ أَرْجَاءُ مُفْتَرَضِ الْقُرْآنِ وَ الْعَمَلِ بِالطَّاعَةِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبِهَا ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ خَصَّصَكُمْ بِالْإِسْلَامِ وَ اسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ لِأَنَّهُ اسْمُ سَلَامَةٍ وَ جِمَاعُ كَرَامَةٍ اصْطَفَاهُ اللَّهُ فَنَهَجَهُ وَ بَيَّنَ حُجَجَهُ وَ أَرَّفَ أُرَفَهُ وَ حَدَّهُ وَ وَصَفَهُ وَ جَعَلَهُ رِضًى كَمَا وَصَفَهُ وَ وَصَفَ أَخْلَاقَهُ وَ بَيَّنَ أَطْبَاقَهُ وَ وَكَّدَ مِيثَاقَهُ مِنْ ظَهْرٍ وَ بَطْنٍ ذِي حَلَاوَةٍ وَ أَمْنٍ فَمَنْ ظَفَرَ بِظَاهِرِهِ رَأَى عَجَائِبَ مَنَاظِرِهِ فِي مَوَارِدِهِ وَ مَصَادِرِهِ وَ مَنْ فَطَنَ بِمَا بَطَنَ رَأَى مَكْنُونَ الْفِطَنِ وَ عَجَائِبَ الْأَمْثَالِ وَ السُّنَنِ فَظَاهِرُهُ أَنِيقٌ وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَ لَا تَفْنَى غَرَائِبُهُ فِيهِ يَنَابِيعُ النِّعَمِ وَ مَصَابِيحُ الظُّلَمِ لَا تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلَّا بِمَفَاتِيحِهِ وَ لَا تَنْكَشِفُ الظُّلَمُ إِلَّا بِمَصَابِيحِهِ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَ تَوْصِيلٌ وَ بَيَانُ الِاسْمَيْنِ الْأَعْلَيْنِ اللَّذَيْنِ جُمِعَا فَاجْتَمَعَا لَا يَصْلُحَانِ إِلَّا مَعاً يُسَمَّيَانِ فَيُعْرَفَانِ وَ يُوصَفَانِ فَيَجْتَمِعَانِ قِيَامُهُمَا فِي تَمَامِ أَحَدِهِمَا فِي مَنَازِلِهِمَا جَرَى بِهِمَا وَ لَهُمَا نُجُومٌ وَ عَلَى نُجُومِهِمَا نُجُومٌ سِوَاهُمَا تُحْمَى حِمَاهُ وَ تُرْعَى مَرَاعِيهِ وَ فِي الْقُرْآنِ بَيَانُهُ وَ حُدُودُهُ وَ أَرْكَانُهُ وَ مَوَاضِعُ تَقَادِيرِ مَا خُزِنَ بِخَزَائِنِهِ وَ وُزِنَ بِمِيزَانِهِ مِيزَانُ الْعَدْلِ وَ حُكْمُ الْفَصْلِ إِنَّ رُعَاةَ الدِّينِ فَرَّقُوا بَيْنَ الشَّكِّ وَ الْيَقِينِ وَ جَاءُوا بِالْحَقِّ الْمُبِينِ قَدْ بَيَّنُوا الْإِسْلَامَ تِبْيَاناً وَ أَسَّسُوا لَهُ أَسَاساً وَ أَرْكَاناً وَ جَاءُوا عَلَى ذَلِكَ شُهُوداً وَ بُرْهَاناً مِنْ عَلَامَاتٍ وَ أَمَارَاتٍ فِيهَا كِفَاءٌ لِمُكْتَفٍ وَ شِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ يَحْمَوْنَ حِمَاهُ وَ يَرْعَوْنَ مَرْعَاهُ وَ يَصُونُونَ مَصُونَهُ وَ يَهْجُرُونَ مَهْجُورَهُ وَ يُحِبُّونَ مَحْبُوبَهُ بِحُكْمِ اللَّهِ وَ بِرِّهِ وَ بِعَظِيمِ أَمْرِهِ وَ ذِكْرِهِ بِمَا يَجِبُ أَنْ يُذْكَرَ بِهِ يَتَوَاصَلُونَ بِالْوَلَايَةِ وَ يَتَلَاقَوْنَ بِحُسْنِ اللَّهْجَةِ وَ يَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسِ الرَّوِيَّةِ وَ يَتَرَاعَوْنَ بِحُسْنِ الرِّعَايَةِ بِصُدُورٍ بَرِيَّةٍ وَ أَخْلَاقٍ سَنِيَّةٍ- وَ بِسَلَامٍ رَضِيَّةٍ لَا يُشْرَبُ فِيهِ الدَّنِيَّةُ وَ لَا تُشْرَعُ فِيهِ الْغِيبَةُ فَمَنِ اسْتَبْطَنَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً اسْتَبْطَنَ خُلُقاً سَنِيّاً وَ قَطَعَ أَصْلَهُ وَ اسْتَبْدَلَ مَنْزِلَهُ بِنَقْصِهِ مُبْرِماً وَ اسْتِحْلَالِهِ مُجْرِماً مِنْ عَهْدٍ مَعْهُودٍ إِلَيْهِ وَ عَقْدٍ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ بِالْبِرِّ وَ التَّقْوَى وَ إِيْثَارِ سَبِيلِ الْهُدَى عَلَى ذَلِكَ عَقَدَ خَلْقَهُمْ وَ آخَى أُلْفَتَهُمْ فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ وَ بِهِ يَتَوَاصَلُونَ فَكَانُوا كَالزَّرْعِ وَ تَفَاضُلُهُ يَبْقَى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ وَ يَفْنَى وَ بَيْعَتُهُ التَّخْصِيصُ وَ يَبْلُغُ مِنْهُ التَّخْلِيصُ فَانْتَظِرْ أَمْرَهُ فِي قِصَرِ أَيَّامِهِ وَ قِلَّةِ مَقَامِهِ فِي مَنْزِلِهِ حَتَّى يَسْتَبْدِلَ مَنْزِلًا لِيَضَعَ مَنْحُولَهُ وَ مَعَارِفَ مُنْقَلَبِهِ فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ وَ تَجَنَّبَ مَا يُرْدِيهِ فَيَدْخُلُ مَدْخَلَ الْكَرَامَةِ فَأَصَابَ سَبِيلَ السَّلَامَةِ سَيُبْصِرُ بِبَصَرِهِ وَ أَطَاعَ هَادِيَ أَمْرِهِ دُلَّ أَفْضَلَ الدَّلَالَةِ وَ كَشَفَ غِطَاءَ الْجَهَالَةِ الْمُضِلَّةِ الْمُلْهِيَةِ فَمَنْ أَرَادَ تَفَكُّراً أَوْ تَذَكُّراً فَلْيَذْكُرْ رَأْيَهُ وَ لْيُبْرِزْ بِالْهُدَى مَا لَمْ تُغْلَقْ أَبْوَابُهُ وَ تُفَتَّحْ أَسْبَابُهُ وَ قَبِلَ نَصِيحَةَ مَنْ نَصَحَ بِخُضُوعٍ وَ حُسْنِ خُشُوعٍ بِسَلَامَةِ الْإِسْلَامِ وَ دُعَاءِ التَّمَامِ وَ سَلَامٍ بِسَلَامٍ تَحِيَّةً دَائِمَةً لِخَاضِعٍ مُتَوَاضِعٍ يَتَنَافَسُ بِالْإِيمَانِ وَ يَتَعَارَفُ عِدْلَ الْمِيزَانِ فَلْيَقْبَلْ أَمْرَهُ وَ إِكْرَامَهُ بِقَبُولٍ وَ لْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ لَا يَعِي حَدِيثَنَا إِلَّا حُصُونٌ حَصِينَةٌ أَوْ صُدُورٌ أَمِينَةٌ أَوْ أَحْلَامٌ رَزِينَةٌ يَا عَجَباً كُلَّ الْعَجَبِ بَيْنَ جُمَادَى وَ رَجَبٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ شُرْطَةِ الْخَمِيسِ مَا هَذَا الْعَجَبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ وَ مَا لِيَ لَا أَعْجَبُ وَ سَبَقَ الْقَضَاءُ فِيكُمْ وَ مَا تَفْقَهُونَ الْحَدِيثَ إِلَّا صَوْتَاتٍ بَيْنَهُنَّ مَوْتَاتٌ حَصْدُ نَبَاتٍ وَ نَشْرُ أَمْوَاتٍ وَا عَجَبَا كُلَّ الْعَجَبِ بَيْنَ جُمَادَى وَ رَجَبٍ قَالَ أَيْضاً رَجُلٌ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذَا الْعَجَبُ الَّذِي لَا تَزَالُ تَعْجَبُ مِنْهُ قَالَ ثَكِلَتِ الْآخَرَ أُمُّهُ وَ أَيُّ عَجَبٍ يَكُونُ أَعْجَبَ مِنْهُ أَمْوَاتٌ يَضْرِبُونَ هَامَ الْأَحْيَاءِ قَالَ أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ كَأَنِّي أَنْظُرُ قَدْ تَخَلَّلُوا سِكَكَ الْكُوفَةِ وَ قَدْ شَهَرُوا سُيُوفَهُمْ عَلَى مَنَاكِبِهِمْ يَضْرِبُونَ كُلَّ عَدُوٍّ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ وَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ أَلَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي إِنِّي بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنَ الْعَالِمِ بِطُرُقِ الْأَرْضِ أَنَا يَعْسُوبُ الدِّينِ وَ غَايَةُ السَّابِقِينَ وَ لِسَانُ الْمُتَّقِينَ وَ خَاتَمُ الْوَصِيِّينَ وَ وَارِثُ النَّبِيِّينَ وَ خَلِيفَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَنَا قَسِيمُ النَّارِ وَ خَازِنُ الْجِنَانِ وَ صَاحِبُ الْحَوْضِ وَ صَاحِبُ الْأَعْرَافِ وَ لَيْسَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ إِمَامٌ إِلَّا عَارِفٌ بِجَمِيعِ أَهْلِ وَلَايَتِهِ وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ - أَلَا يَا أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ شَرْقِيَّةٌ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا بَعْدَ مَوْتٍ وَ حَيَاةٍ أَوْ تَشِبَّ نَارٌ بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ غَرْبِيَّ الْأَرْضِ رَافِعَةً ذَيْلَهَا تَدْعُو يَا وَيْلَهَا بِذَحْلَةٍ أَوْ مِثْلِهَا فَإِذَا اسْتَدَارَ الْفَلَكُ قُلْتُ مَاتَ أَوْ هَلَكَ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً وَ لِذَلِكَ آيَاتٌ وَ عَلَامَاتٌ أَوَّلُهُنَّ إِحْصَارُ الْكُوفَةِ بِالرَّصَدِ وَ الْخَنْدَقِ وَ تَخْرِيقُ الزَّوَايَا فِي سِكَكِ الْكُوفَةِ وَ تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَ تَخْفِقُ رَايَاتٌ ثَلَاثٌ حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ يُشْبِهْنَ بِالْهُدَى الْقَاتِلُ وَ الْمَقْتُولُ فِي النَّارِ وَ قَتْلٌ كَثِيرٌ وَ مَوْتٌ ذَرِيعٌ وَ قَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ فِي سَبْعِينَ وَ الْمَذْبُوحُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ وَ قَتْلُ الْأَسْبَغِ الْمُظَفَّرِ صَبْراً فِي بَيْعَةِ الْأَصْنَامِ مَعَ كَثِيرٍ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَ خُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ بِرَايَةٍ خَضْرَاءَ وَ صَلِيبٍ مِنْ ذَهَبٍ أَمِيرُهَا رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ وَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ عِنَانِ مَنْ يَحْمِلُ السُّفْيَانِيَّ مُتَوَجِّهاً إِلَى مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ أَمِيرُهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَالُ لَهُ خُزَيْمَةُ أَطْمَسُ الْعَيْنِ الشِّمَالِ عَلَى عَيْنِهِ طَرْفَةٌ- يَمِيلُ بِالدُّنْيَا فَلَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ حَتَّى يَنْزِلَ الْمَدِينَةَ فَيَجْمَعَ رِجَالًا وَ نِسَاءً مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم فَيَحْبِسَهُمْ فِي دَارٍ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا دَارُ أَبِي الْحَسَنِ الْأُمَوِيِّ وَ يَبْعَثُ خَيْلًا فِي طَلَبِ رَجُلٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ أَمِيرُهُمْ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ حَتَّى إِذَا تَوَسَّطُوا الصَّفَائِحَ الْأَبْيَضَ بِالْبَيْدَاءِ يُخْسَفُ بِهِمْ فَلَا يَنْجُو مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ يُحَوِّلُ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي قَفَاهُ لِيُنْذِرَهُمْ وَ لِيَكُونَ آيَةً لِمَنْ خَلْفَهُ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ وَ يَبْعَثُ السُّفْيَانِيُّ مِائَةً وَ ثَلَاثِينَ أَلْفاً إِلَى الْكُوفَةِ فَيَنْزِلُونَ بِالرَّوْحَاءِ وَ الْفَارُوقِ وَ مَوْضِعِ مَرْيَمَ وَ عِيسَى عليه السلام بِالْقَادِسِيَّةِ وَ يَسِيرُ مِنْهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفاً حَتَّى يَنْزِلُوا الْكُوفَةَ مَوْضِعَ قَبْرِ هُودٍ عليه السلام بِالنُّخَيْلَةِ فَيَهْجُمُوا عَلَيْهِ يَوْمَ زِينَةٍ وَ أَمِيرُ النَّاسِ جَبَّارٌ عَنِيدٌ يُقَالُ لَهُ الْكَاهِنُ السَّاحِرُ فَيَخْرُجُ مِنْ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهُ الزَّوْرَاءُ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْكَهَنَةِ وَ يَقْتُلُ عَلَى جِسْرِهَا سَبْعِينَ أَلْفاً حَتَّى يَحْتَمِيَ النَّاسُ الْفُرَاتَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الدِّمَاءِ وَ نَتْنِ الْأَجْسَادِ وَ يَسْبِي مِنَ الْكُوفَةِ أَبْكَاراً لَا يُكْشَفُ عَنْهَا كَفٌّ وَ لَا قِنَاعٌ حَتَّى يُوضَعْنَ فِي الْمَحَامِلِ يُزْلِفُ بِهِنَّ الثُّوَيَّةَ وَ هِيَ الْغَرِيَّيْنِ ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ الْكُوفَةِ مِائَةُ أَلْفٍ بَيْنَ مُشْرِكٍ وَ مُنَافِقٍ حَتَّى يَضْرِبُونَ دِمَشْقَ لَا يَصُدُّهُمْ عَنْهَا صَادٌّ وَ هِيَ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ وَ تُقْبِلُ رَايَاتُ شَرْقِيِّ الْأَرْضِ لَيْسَتْ بِقُطْنٍ وَ لَا كَتَّانٍ وَ لَا حَرِيرٍ مُخَتَّمَةً فِي رُءُوسِ الْقَنَا بِخَاتَمِ السَّيِّدِ الْأَكْبَرِ يَسُوقُهَا رَجُلٌ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم يَوْمَ تُطَيَّرُ بِالْمَشْرِقِ يُوجَدُ رِيحُهَا بِالْمَغْرِبِ كَالْمِسْكِ الْأَذْفَرِ يَسِيرُ الرُّعْبُ أَمَامَهَا شَهْراً وَ يَخْلُفُ أَبْنَاءُ سَعْدٍ السَّقَّاءِ بِالْكُوفَةِ طَالِبِينَ بِدِمَاءِ آبَائِهِمْ وَ هُمْ أَبْنَاءُ الْفَسَقَةِ حَتَّى يَهْجُمَ عَلَيْهِمْ خَيْلُ الْحُسَيْنِ عليه السلام يَسْتَبِقَانِ كَأَنَّهُمَا فَرَسَا رِهَانٍ شُعْثٌ غُبْرٌ أَصْحَابُ بَوَاكِي وَ قَوَارِحَ إِذْ يَضْرِبُ أَحَدُهُمْ بِرِجْلِهِ بَاكِيَةً يَقُولُ لَا خَيْرَ فِي مَجْلِسٍ بَعْدَ يَوْمِنَا هَذَا اللَّهُمَّ فَإِنَّا التَّائِبُونَ الْخَاشِعُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ فَهُمُ الْأَبْدَالُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وَ الْمُطَهَّرُونَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وآله وسلم وَ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ رَاهِبٌ يَسْتَجِيبُ الْإِمَامَ فَيَكُونُ أَوَّلَ النَّصَارَى إِجَابَةً وَ يَهْدِمُ صَوْمَعَتَهُ وَ يَدُقُّ صَلِيبَهَا وَ يَخْرُجُ بِالْمَوَالِي وَ ضُعَفَاءِ النَّاسِ وَ الْخَيْلِ فَيَسِيرُونَ إِلَى النُّخَيْلَةِ بِأَعْلَامِ هُدًى فَيَكُونُ مَجْمَعُ النَّاسِ جَمِيعاً مِنَ الْأَرْضِ كُلِّهَا بِالْفَارُوقِ وَ هِيَ مَحَجَّةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَ هِيَ مَا بَيْنَ الْبُرْسِ وَ الْفُرَاتِ فَيُقْتَلُ يَوْمَئِذٍ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى فَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ - بِالسَّيْفِ وَ تَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ وَ يَخْلُفُ مِنْ بَنِي أَشْهَبَ الزَّاجِرُ اللَّحْظِ فِي أُنَاسٍ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ هُرَّاباً حَتَّى يَأْتُونَ سِبَطْرَى عُوَّذاً بِالشَّجَرِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ - وَ مَسَاكِنُهُمُ الْكُنُوزُ الَّتِي غَنِمُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَ يَأْتِيهِمْ يَوْمَئِذٍ الْخَسْفُ وَ الْقَذْفُ وَ الْمَسْخُ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ وَ يُنَادِي مُنَادٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ يَا أَهْلَ الْهُدَى اجْتَمِعُوا وَ يُنَادِي مِنْ نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَا تَغِيبُ الشَّمْسُ يَا أَهْلَ الْهُدَى اجْتَمِعُوا وَ مِنَ الْغَدِ عِنْدَ الظُّهْرِ بَعْدَ تَكَوُّرِ الشَّمْسِ فَتَكُونُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً وَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ بِخُرُوجِ دَابَّةِ الْأَرْضِ وَ تُقْبِلُ الرُّومُ إِلَى قَرْيَةٍ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ عِنْدَ كَهْفِ الْفِتْيَةِ وَ يَبْعَثُ اللَّهُ الْفِتْيَةَ مِنْ كَهْفِهِمْ إِلَيْهِمْ مِنْهُمْ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ مَلِيخَا وَ الْآخَرُ كمسلمينا وَ هُمَا الشَّاهِدَانِ الْمُسْلِمَانِ لِلْقَائِمِ فَيَبْعَثُ أَحَدَ الْفِتْيَةِ إِلَى الرُّومِ فَيَرْجِعُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ وَ يَبْعَثُ بِالْآخَرِ فَيَرْجِعُ بِالْفَتْحِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً لِيُرِيَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ وَ الْوَزَعُ خَفَقَانُ أَفْئِدَتِهِمْ وَ يَسِيرُ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ بِرَايَةِ الْهُدَى وَ السَّيْفِ ذِي الْفَقَارِ وَ الْمِخْصَرَةِ حَتَّى يَنْزِلَ أَرْضَ الْهِجْرَةِ مَرَّتَيْنِ وَ هِيَ الْكُوفَةُ فَيَهْدِمُ مَسْجِدَهَا وَ يَبْنِيهِ عَلَى بِنَائِهِ الْأَوَّلِ وَ يَهْدِمُ مَا دُونَهُ مِنْ دُورِ الْجَبَابِرَةِ وَ يَسِيرُ إِلَى الْبَصْرَةِ حَتَّى يُشْرِفَ عَلَى بَحْرِهَا وَ مَعَهُ التَّابُوتُ وَ عَصَا مُوسَى فَيَعْزِمُ عَلَيْهِ فَيَزْفِرُ فِي الْبَصْرَةِ زَفْرَةً فَتَصِيرُ بَحْراً لُجِّيّاً لَا يَبْقَى فِيهَا غَيْرُ مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ السَّفِينَةِ عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ ثُمَّ يَسِيرُ إِلَى حَرُورَاءَ حَتَّى يُحْرِقَهَا وَ يَسِيرَ مِنْ بَابِ بَنِي أَسَدٍ حَتَّى يَزْفِرَ زَفْرَةً فِي ثَقِيفٍ وَ هُمْ زَرْعُ فِرْعَوْنَ ثُمَّ يَسِيرُ إِلَى مِصْرَ فَيَصْعَدُ مِنْبَرَهُ فَيَخْطُبُ النَّاسَ فَتَسْتَبْشِرُ الْأَرْضُ بِالْعَدْلِ وَ تُعْطِي السَّمَاءُ قَطْرَهَا وَ الشَّجَرُ ثَمَرَهَا وَ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا وَ تَتَزَيَّنُ لِأَهْلِهَا وَ تَأْمَنُ الْوُحُوشُ حَتَّى تَرْتَعِيَ فِي طُرُقِ الْأَرْضِ كَأَنْعَامِهِمْ وَ يُقْذَفُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الْعِلْمُ فَلَا يَحْتَاجُ مُؤْمِنٌ إِلَى مَا عِنْدَ أَخِيهِ مِنْ عِلْمٍ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ - وَ تُخْرِجُ لَهُمُ الْأَرْضُ كُنُوزَهَا وَ يَقُولُ الْقَائِمُ كُلُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ فَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ أَهْلُ صَوَابٍ لِلدِّينِ أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا فَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا دِينَهُ الْحَقَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ انْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ - فَيَمْكُثُ فِيمَا بَيْنَ خُرُوجِهِ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَ نَيِّفٍ وَ عِدَّةُ أَصْحَابِهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ تِسْعَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَ سَبْعُونَ مِنَ الْجِنِّ وَ مِائَتَانِ وَ أَرْبَعَةٌ وَ ثَلَاثُونَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ الَّذِينَ غَضِبُوا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم إِذْ هَجَمَتْهُ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ فَطَلَبُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي إِجَابَتِهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ حَيْثُ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ - وَ عِشْرُونَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْهُمُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَ مِائَتَانِ وَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ الَّذِينَ كَانُوا بِسَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي عَدَنَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ بِرِسَالَةٍ فَأْتُوا مُسْلِمِينَ وَ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ أَلْفَانِ وَ ثَمَانُمِائَةٍ وَ سَبْعَةَ عَشَرَ وَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَرْبَعُونَ أَلْفاً مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُسَوِّمِينَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَ مِنَ الْمُرْدِفِينَ خَمْسَةُ آلَافٍ فَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ عليه السلام سَبْعَةٌ وَ أَرْبَعُونَ أَلْفاً وَ مِائَةٌ وَ ثَلَاثُونَ مِنْ ذَلِكَ تِسْعَةُ رُءُوسٍ مَعَ كُلِّ رَأْسٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ عِدَّةَ يَوْمِ بَدْرٍ فَبِهِمْ يُقَاتِلُ وَ إِيَّاهُمْ يَنْصُرُ اللَّهُ وَ بِهِمْ يَنْتَصِرُ وَ بِهِمْ يُقَدَّمُ النَّصْرُ وَ مِنْهُمْ نَضْرَةُ الْأَرْضِ كَتَبْتُهَا كَمَا وَجَدْتُهَا وَ فِيهَا نَقْصُ حُرُوفٍ.

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٣ - الصفحة ٧٧. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
قِصَصُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ

سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام هَلْ كَانَ فِي الْأَرْضِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ آدَمَ وَ ذُرِّيَّتِهِ فَقَالَ نَعَمْ قَدْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يُقَدِّسُونَ اللَّهَ وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ يُعَظِّمُونَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ لا يَفْتُرُونَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا خَلَقَ الْأَرَضِينَ خَلَقَهَا قَبْلَ السَّمَاوَاتِ ثُمَّ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ رُوحَانِيِّينَ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ بِهَا حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ فَأَسْكَنَهُمْ فِيمَا بَيْنَ أَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ يُقَدِّسُونَهُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ اصْطَفَى مِنْهُمْ إِسْرَافِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ جَبْرَئِيلَ ثُمَّ خَلَقَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْأَرْضِ الْجِنَّ رُوحَانِيِّينَ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ فَخَلَقَهُمْ دُونَ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَ حَفِظَهُمْ أَنْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ الْمَلَائِكَةِ فِي الطَّيَرَانِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ فَأَسْكَنَهُمْ فِيمَا بَيْنَ أَطْبَاقِ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَ فَوْقَهُنَّ يُقَدِّسُونَ اللَّهَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ثُمَّ خَلَقَ خَلْقاً دُونَهُمْ لَهُمْ أَبْدَانٌ وَ أَرْوَاحٌ بِغَيْرِ أَجْنِحَةٍ يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ نَسْنَاسٌ أَشْبَاهُ خَلْقِهِمْ وَ لَيْسُوا بِإِنْسٍ وَ أَسْكَنَهُمْ أَوْسَاطَ الْأَرْضِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مَعَ الْجِنِّ يُقَدِّسُونَ اللَّهَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ قَالَ وَ كَانَ الْجِنُّ تَطِيرُ فِي السَّمَاءِ فَتَلْقَى الْمَلَائِكَةَ فِي السَّمَاوَاتِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ وَ يَزُورُونَهُمْ وَ يَسْتَرِيحُونَ إِلَيْهِمْ وَ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمُ الْخَبَرَ ثُمَّ إِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ وَ أَسْكَنَهُمْ أَوْسَاطَ الْأَرْضِ مَعَ الْجِنِّ تَمَرَّدُوا وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ فَمَرَحُوا وَ بَغَوْا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ عَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعُتُوِّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى سَفَكُوا الدِّمَاءَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ أَظْهَرُوا الْفَسَادَ وَ جَحَدُوا رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَ أَقَامَتِ الطَّائِفَةُ الْمُطِيعُونَ مِنَ الْجِنِّ عَلَى رِضْوَانِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ وَ بَايَنُوا الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَحَطَّ اللَّهُ أَجْنِحَةَ الطَّائِفَةِ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ تَمَرَّدُوا فَكَانُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الطَّيَرَانِ إِلَى السَّمَاءِ وَ إِلَى مُلَاقَاةِ الْمَلَائِكَةِ لَمَّا ارْتَكَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْمَعَاصِي قَالَ وَ كَانَتِ الطَّائِفَةُ الْمُطِيعَةُ لِأَمْرِ اللَّهِ مِنَ الْجِنِّ تَطِيرُ إِلَى السَّمَاءِ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَ كَانَ إِبْلِيسُ وَ اسْمُهُ الْحَارِثُ يُظْهِرُ لِلْمَلَائِكَةِ أَنَّهُ مِنَ الطَّائِفَةِ الْمُطِيعَةِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقاً عَلَى خِلَافِ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَ عَلَى خِلَافِ خَلْقِ الْجِنِّ وَ عَلَى خِلَافِ خَلْقِ النَّسْنَاسِ يَدِبُّونَ كَمَا يَدِبُّ الْهَوَامُّ فِي الْأَرْضِ يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ مِنْ مَرَاعِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ ذُكْرَانٌ لَيْسَ فِيهِمْ إِنَاثٌ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِمْ شَهْوَةَ النِّسَاءِ وَ لَا حُبَّ الْأَوْلَادِ وَ لَا الْحِرْصَ وَ لَا طُولَ الْأَمَلِ وَ لَا لَذَّةَ عَيْشٍ لَا يُلْبِسُهُمُ اللَّيْلُ وَ لَا يَغْشَاهُمُ النَّهَارُ وَ لَيْسُوا بِبَهَائِمَ وَ لَا هَوَامَّ لِبَاسُهُمْ وَرَقُ الشَّجَرِ وَ شُرْبُهُمْ مِنَ الْعُيُونِ الْغِزَارِ وَ الْأَدْوِيَةِ الْكِبَارِ ثُمَّ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَ فِرْقَةً خَلْفَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ فَكَوَّنَ لَهُمْ مَدِينَةً أَنْشَأَهَا تُسَمَّى جَابَرْسَا طُولُهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ وَ كَوَّنَ عَلَيْهَا سُوراً مِنْ حَدِيدٍ يَقْطَعُ الْأَرْضَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ أَسْكَنَهُمْ فِيهَا وَ أَسْكَنَ الْفِرْقَةَ الْأُخْرَى خَلْفَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ وَ كَوَّنَ لَهُمْ مَدِينَةً أَنْشَأَهَا تُسَمَّى جَابَلْقَا طُولُهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ وَ كَوَّنَ لَهُمْ سُوراً مِنْ حَدِيدٍ يَقْطَعُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَسْكَنَ الْفِرْقَةَ الْأُخْرَى فِيهَا لَا يَعْلَمُ أَهْلُ جَابَرْسَا بِمَوْضِعِ أَهْلِ جَابَلْقَا وَ لَا يَعْلَمُ أَهْلُ جَابَلْقَا بِمَوْضِعِ أَهْلِ جَابَرْسَا وَ لَا يَعْلَمُ بِهِمْ أَهْلُ أَوْسَاطِ الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ فَكَانَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ عَلَى أَهْلِ أَوْسَاطِ الْأَرَضِينَ مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ فَيَنْتَفِعُونَ بِحَرِّهَا وَ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهَا ثُمَّ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَهْلُ جَابَلْقَا إِذَا غَرَبَتْ وَ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَهْلُ جَابَرْسَا إِذَا طَلَعَتْ لِأَنَّهَا تَطْلُعُ مِنْ دُونِ جَابَرْسَا وَ تَغْرُبُ مِنْ دُونِ جَابَلْقَا فَقِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ وَ يَحْيَوْنَ وَ كَيْفَ يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ وَ لَيْسَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّهُمْ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِ اللَّهِ فَهُمْ فِي أَشَدِّ ضَوْءٍ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَ لَا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ شَمْساً وَ لَا قَمَراً وَ لَا نُجُوماً وَ لَا كَوَاكِبَ وَ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئاً غَيْرَهُ فَقِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَيْنَ إِبْلِيسُ عَنْهُمْ قَالَ لَا يَعْرِفُونَ إِبْلِيسَ وَ لَا سَمِعُوا بِذِكْرِهِ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَمْ يَكْتَسِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ خَطِيئَةً وَ لَمْ يَقْتَرِفْ إِثْماً لَا يَسْقُمُونَ وَ لَا يَهْرَمُونَ وَ لَا يَمُوتُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ لا يَفْتُرُونَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ وَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً وَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا مَضَى لِلْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ فَلَمَّا كَانَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ لِلَّذِي أَرَادَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ التَّقْدِيرِ فِيمَا هُوَ مُكَوِّنُهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ كَشَطَ عَنْ أَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ انْظُرُوا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ خَلْقِي مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ هَلْ تَرْضَوْنَ أَعْمَالَهُمْ وَ طَاعَتَهُمْ لِي فَاطَّلَعَتْ وَ رَأَوْا مَا يَعْمَلُونَ فِيهَا مِنَ الْمَعَاصِي وَ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَعْظَمُوا ذَلِكَ وَ غَضِبُوا لِلَّهِ وَ أَسِفُوا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَ لَمْ يَمْلِكُوا غَضَبَهُمْ وَ قَالُوا يَا رَبَّنَا أَنْتَ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْقَاهِرُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ وَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ خَلْقُكَ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ فِي أَرْضِكَ كُلُّهُمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي قَبْضَتِكَ وَ يَعِيشُونَ بِرِزْقِكَ وَ يَتَمَتَّعُونَ بِعَافِيَتِكَ وَ هُمْ يَعْصُونَكَ بِمِثْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ لَا تَغْضَبُ وَ لَا تَنْتَقِمُ مِنْهُمْ لِنَفْسِكَ بِمَا تَسْمَعُ مِنْهُمْ وَ تَرَى وَ قَدْ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْنَا وَ أَكْبَرْنَاهُ فِيكَ قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ اللَّهُ تَعَالَى مَقَالَةَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَيَكُونُ حُجَّتِي عَلَى خَلْقِي فِي أَرْضِي فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا مَلَائِكَتِي إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إِنِّي أَخْلُقُ خَلْقاً بِيَدِي وَ أَجْعَلُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ وَ مُرْسَلِينَ وَ عِبَاداً صَالِحِينَ وَ أَئِمَّةً مُهْتَدِينَ وَ أَجْعَلُهُمْ خُلَفَائِي عَلَى خَلْقِي فِي أَرْضِي يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِي وَ يُنْذِرُونَهُمْ مِنْ عَذَابِي وَ يَهْدُونَهُمْ إِلَى طَاعَتِي وَ يَسْلُكُونَ بِهِمْ طَرِيقَ سَبِيلِي أَجْعَلُهُمْ حُجَّةً لِي عُذْراً أَوْ نُذْراً وَ أَنْفِي الشَّيَاطِينَ مِنْ أَرْضِي وَ أُطَهِّرُهَا مِنْهُمْ فَأُسْكِنُهُمْ فِي الْهَوَاءِ وَ أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَ فِي الْفَيَافِي فَلَا يَرَاهُمْ خَلْقِي وَ لَا يَرَوْنَ شَخْصَهُمْ وَ لَا يُجَالِسُونَهُمْ وَ لَا يُخَالِطُونَهُمْ وَ لَا يُؤَاكِلُونَهُمْ وَ لَا يُشَارِبُونَهُمْ وَ أُنَفِّرُ مَرَدَةَ الْجِنِّ الْعُصَاةِ مِنْ نَسْلِ بَرِيَّتِي وَ خَلْقِي وَ خِيَرَتِي فَلَا يُجَاوِرُونَ خَلْقِي وَ أَجْعَلُ بَيْنَ خَلْقِي وَ بَيْنَ الْجَانِّ حِجَاباً فَلَا يَرَى خَلْقِي شَخْصَ الْجِنِّ وَ لَا يُجَالِسُونَهُمْ وَ لَا يُشَارِبُونَهُمْ وَ لَا يَتَهَجَّمُونَ تَهَجُّمَهُمْ وَ مَنْ عَصَانِي مِنْ نَسْلِ خَلْقِيَ الَّذِي عَظَّمْتُهُ وَ اصْطَفَيْتُهُ لِغَيْبِي أُسْكِنُهُمْ مَسَاكِنَ الْعُصَاةِ وَ أُورِدُهُمْ مَوْرِدَهُمْ وَ لَا أُبَالِي فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ قَالَ وَ كَانَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَقْدِمَةً لِلْمَلَائِكَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ احْتِجَاجاً مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُغَيِّرَ مَا بِقَوْمٍ إِلَّا بَعْدَ الْحُجَّةِ عُذْراً أَوْ نُذْراً فَأَمَرَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَاغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَمِينِهِ فَصَلْصَلَهَا فِي كَفِّهِ فَجَمَدَتْ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْكَ أَخْلُقُ.

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٤ - الصفحة ٣٢٢. — الإمام الباقر عليه السلام
قِصَصُ الرَّاوَنْدِيِّ، بِإِسْنَادِهِ إِلَى الصَّدُوقِ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الْوَلِيدِ مَعاً عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي الْمِقْدَامِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ

سُئِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام هَلْ كَانَ فِي الْأَرْضِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى يَعْبُدُونَ اللَّهَ قَبْلَ آدَمَ وَ ذُرِّيَّتِهِ فَقَالَ نَعَمْ قَدْ كَانَ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ خَلْقٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يُقَدِّسُونَ اللَّهَ وَ يُسَبِّحُونَهُ وَ يُعَظِّمُونَهُ بِاللَّيْلِ وَ النَّهَارِ لا يَفْتُرُونَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمَّا خَلَقَ الْأَرَضِينَ خَلَقَهَا قَبْلَ السَّمَاوَاتِ ثُمَّ خَلَقَ الْمَلَائِكَةَ رُوحَانِيِّينَ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ يَطِيرُونَ بِهَا حَيْثُ يَشَاءُ اللَّهُ فَأَسْكَنَهُمْ فِيمَا بَيْنَ أَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ يُقَدِّسُونَهُ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ وَ اصْطَفَى مِنْهُمْ إِسْرَافِيلَ وَ مِيكَائِيلَ وَ جَبْرَئِيلَ ثُمَّ خَلَقَ عَزَّ وَ جَلَّ فِي الْأَرْضِ الْجِنَّ رُوحَانِيِّينَ لَهُمْ أَجْنِحَةٌ فَخَلَقَهُمْ دُونَ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَ حَفِظَهُمْ أَنْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ الْمَلَائِكَةِ فِي الطَّيَرَانِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ فَأَسْكَنَهُمْ فِيمَا بَيْنَ أَطْبَاقِ الْأَرَضِينَ السَّبْعِ وَ فَوْقَهُنَّ يُقَدِّسُونَ اللَّهَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ ثُمَّ خَلَقَ خَلْقاً دُونَهُمْ لَهُمْ أَبْدَانٌ وَ أَرْوَاحٌ بِغَيْرِ أَجْنِحَةٍ يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ نَسْنَاسٌ أَشْبَاهُ خَلْقِهِمْ وَ لَيْسُوا بِإِنْسٍ وَ أَسْكَنَهُمْ أَوْسَاطَ الْأَرْضِ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ مَعَ الْجِنِّ يُقَدِّسُونَ اللَّهَ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لا يَفْتُرُونَ قَالَ وَ كَانَ الْجِنُّ تَطِيرُ فِي السَّمَاءِ فَتَلْقَى الْمَلَائِكَةَ فِي السَّمَاوَاتِ فَيُسَلِّمُونَ عَلَيْهِمْ وَ يَزُورُونَهُمْ وَ يَسْتَرِيحُونَ إِلَيْهِمْ وَ يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمُ الْخَبَرَ ثُمَّ إِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ الَّذِينَ خَلَقَهُمُ اللَّهُ وَ أَسْكَنَهُمْ أَوْسَاطَ الْأَرْضِ مَعَ الْجِنِّ تَمَرَّدُوا وَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ فَمَرَحُوا وَ بَغَوْا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَ عَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعُتُوِّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى سَفَكُوا الدِّمَاءَ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَ أَظْهَرُوا الْفَسَادَ وَ جَحَدُوا رُبُوبِيَّةَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَ أَقَامَتِ الطَّائِفَةُ الْمُطِيعُونَ مِنَ الْجِنِّ عَلَى رِضْوَانِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ وَ بَايَنُوا الطَّائِفَتَيْنِ مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ فَحَطَّ اللَّهُ أَجْنِحَةَ الطَّائِفَةِ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ عَتَوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ تَمَرَّدُوا فَكَانُوا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى الطَّيَرَانِ إِلَى السَّمَاءِ وَ إِلَى مُلَاقَاةِ الْمَلَائِكَةِ لَمَّا ارْتَكَبُوا مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْمَعَاصِي قَالَ وَ كَانَتِ الطَّائِفَةُ الْمُطِيعَةُ لِأَمْرِ اللَّهِ مِنَ الْجِنِّ تَطِيرُ إِلَى السَّمَاءِ اللَّيْلَ وَ النَّهَارَ عَلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ وَ كَانَ إِبْلِيسُ وَ اسْمُهُ الْحَارِثُ يُظْهِرُ لِلْمَلَائِكَةِ أَنَّهُ مِنَ الطَّائِفَةِ الْمُطِيعَةِ ثُمَّ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى خَلْقاً عَلَى خِلَافِ خَلْقِ الْمَلَائِكَةِ وَ عَلَى خِلَافِ خَلْقِ الْجِنِّ وَ عَلَى خِلَافِ خَلْقِ النَّسْنَاسِ يَدِبُّونَ كَمَا يَدِبُّ الْهَوَامُّ فِي الْأَرْضِ يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ مِنْ مَرَاعِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ ذُكْرَانٌ لَيْسَ فِيهِمْ إِنَاثٌ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ فِيهِمْ شَهْوَةَ النِّسَاءِ وَ لَا حُبَّ الْأَوْلَادِ وَ لَا الْحِرْصَ وَ لَا طُولَ الْأَمَلِ وَ لَا لَذَّةَ عَيْشٍ لَا يُلْبِسُهُمُ اللَّيْلُ وَ لَا يَغْشَاهُمُ النَّهَارُ وَ لَيْسُوا بِبَهَائِمَ وَ لَا هَوَامَّ لِبَاسُهُمْ وَرَقُ الشَّجَرِ وَ شُرْبُهُمْ مِنَ الْعُيُونِ الْغِزَارِ وَ الْأَدْوِيَةِ الْكِبَارِ ثُمَّ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَ فِرْقَةً خَلْفَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ فَكَوَّنَ لَهُمْ مَدِينَةً أَنْشَأَهَا تُسَمَّى جَابَرْسَا طُولُهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ وَ كَوَّنَ عَلَيْهَا سُوراً مِنْ حَدِيدٍ يَقْطَعُ الْأَرْضَ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ أَسْكَنَهُمْ فِيهَا وَ أَسْكَنَ الْفِرْقَةَ الْأُخْرَى خَلْفَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ مِنْ وَرَاءِ الْبَحْرِ وَ كَوَّنَ لَهُمْ مَدِينَةً أَنْشَأَهَا تُسَمَّى جَابَلْقَا طُولُهَا اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ فِي اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ فَرْسَخٍ وَ كَوَّنَ لَهُمْ سُوراً مِنْ حَدِيدٍ يَقْطَعُ إِلَى السَّمَاءِ فَأَسْكَنَ الْفِرْقَةَ الْأُخْرَى فِيهَا لَا يَعْلَمُ أَهْلُ جَابَرْسَا بِمَوْضِعِ أَهْلِ جَابَلْقَا وَ لَا يَعْلَمُ أَهْلُ جَابَلْقَا بِمَوْضِعِ أَهْلِ جَابَرْسَا وَ لَا يَعْلَمُ بِهِمْ أَهْلُ أَوْسَاطِ الْأَرْضِ مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ فَكَانَتِ الشَّمْسُ تَطْلُعُ عَلَى أَهْلِ أَوْسَاطِ الْأَرَضِينَ مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ فَيَنْتَفِعُونَ بِحَرِّهَا وَ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِهَا ثُمَّ تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ فَلَا يَعْلَمُ بِهَا أَهْلُ جَابَلْقَا إِذَا غَرَبَتْ وَ لَا يَعْلَمُ بِهَا أَهْلُ جَابَرْسَا إِذَا طَلَعَتْ لِأَنَّهَا تَطْلُعُ مِنْ دُونِ جَابَرْسَا وَ تَغْرُبُ مِنْ دُونِ جَابَلْقَا فَقِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَكَيْفَ يُبْصِرُونَ وَ يَحْيَوْنَ وَ كَيْفَ يَأْكُلُونَ وَ يَشْرَبُونَ وَ لَيْسَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ إِنَّهُمْ يَسْتَضِيئُونَ بِنُورِ اللَّهِ فَهُمْ فِي أَشَدِّ ضَوْءٍ مِنْ نُورِ الشَّمْسِ وَ لَا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ شَمْساً وَ لَا قَمَراً وَ لَا نُجُوماً وَ لَا كَوَاكِبَ وَ لَا يَعْرِفُونَ شَيْئاً غَيْرَهُ فَقِيلَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَيْنَ إِبْلِيسُ عَنْهُمْ قَالَ لَا يَعْرِفُونَ إِبْلِيسَ وَ لَا سَمِعُوا بِذِكْرِهِ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَمْ يَكْتَسِبْ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَطُّ خَطِيئَةً وَ لَمْ يَقْتَرِفْ إِثْماً لَا يَسْقُمُونَ وَ لَا يَهْرَمُونَ وَ لَا يَمُوتُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ يَعْبُدُونَ اللَّهَ لا يَفْتُرُونَ اللَّيْلُ وَ النَّهَارُ عِنْدَهُمْ سَوَاءٌ وَ قَالَ إِنَّ اللَّهَ أَحَبَّ أَنْ يَخْلُقَ خَلْقاً وَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا مَضَى لِلْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ فَلَمَّا كَانَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ يَخْلُقَ آدَمَ لِلَّذِي أَرَادَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ التَّقْدِيرِ فِيمَا هُوَ مُكَوِّنُهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ كَشَطَ عَنْ أَطْبَاقِ السَّمَاوَاتِ ثُمَّ قَالَ لِلْمَلَائِكَةِ انْظُرُوا إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ خَلْقِي مِنَ الْجِنِّ وَ النَّسْنَاسِ هَلْ تَرْضَوْنَ أَعْمَالَهُمْ وَ طَاعَتَهُمْ لِي فَاطَّلَعَتْ وَ رَأَوْا مَا يَعْمَلُونَ فِيهَا مِنَ الْمَعَاصِي وَ سَفْكِ الدِّمَاءِ وَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أَعْظَمُوا ذَلِكَ وَ غَضِبُوا لِلَّهِ وَ أَسِفُوا عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ وَ لَمْ يَمْلِكُوا غَضَبَهُمْ وَ قَالُوا يَا رَبَّنَا أَنْتَ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْقَاهِرُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ وَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ خَلْقُكَ الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ فِي أَرْضِكَ كُلُّهُمْ يَتَقَلَّبُونَ فِي قَبْضَتِكَ وَ يَعِيشُونَ بِرِزْقِكَ وَ يَتَمَتَّعُونَ بِعَافِيَتِكَ وَ هُمْ يَعْصُونَكَ بِمِثْلِ هَذِهِ الذُّنُوبِ الْعِظَامِ لَا تَغْضَبُ وَ لَا تَنْتَقِمُ مِنْهُمْ لِنَفْسِكَ بِمَا تَسْمَعُ مِنْهُمْ وَ تَرَى وَ قَدْ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْنَا وَ أَكْبَرْنَاهُ فِيكَ قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ اللَّهُ تَعَالَى مَقَالَةَ الْمَلَائِكَةِ قَالَ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَيَكُونُ حُجَّتِي عَلَى خَلْقِي فِي أَرْضِي فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ سُبْحَانَكَ رَبَّنَا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَ يَسْفِكُ الدِّماءَ وَ نَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَ نُقَدِّسُ لَكَ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا مَلَائِكَتِي إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ إِنِّي أَخْلُقُ خَلْقاً بِيَدِي وَ أَجْعَلُ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ أَنْبِيَاءَ وَ مُرْسَلِينَ وَ عِبَاداً صَالِحِينَ وَ أَئِمَّةً مُهْتَدِينَ وَ أَجْعَلُهُمْ خُلَفَائِي عَلَى خَلْقِي فِي أَرْضِي يَنْهَوْنَهُمْ عَنْ مَعْصِيَتِي وَ يُنْذِرُونَهُمْ مِنْ عَذَابِي وَ يَهْدُونَهُمْ إِلَى طَاعَتِي وَ يَسْلُكُونَ بِهِمْ طَرِيقَ سَبِيلِي أَجْعَلُهُمْ حُجَّةً لِي عُذْراً أَوْ نُذْراً وَ أَنْفِي الشَّيَاطِينَ مِنْ أَرْضِي وَ أُطَهِّرُهَا مِنْهُمْ فَأُسْكِنُهُمْ فِي الْهَوَاءِ وَ أَقْطَارِ الْأَرْضِ وَ فِي الْفَيَافِي فَلَا يَرَاهُمْ خَلْقِي وَ لَا يَرَوْنَ شَخْصَهُمْ وَ لَا يُجَالِسُونَهُمْ وَ لَا يُخَالِطُونَهُمْ وَ لَا يُؤَاكِلُونَهُمْ وَ لَا يُشَارِبُونَهُمْ وَ أُنَفِّرُ مَرَدَةَ الْجِنِّ الْعُصَاةِ مِنْ نَسْلِ بَرِيَّتِي وَ خَلْقِي وَ خِيَرَتِي فَلَا يُجَاوِرُونَ خَلْقِي وَ أَجْعَلُ بَيْنَ خَلْقِي وَ بَيْنَ الْجَانِّ حِجَاباً فَلَا يَرَى خَلْقِي شَخْصَ الْجِنِّ وَ لَا يُجَالِسُونَهُمْ وَ لَا يُشَارِبُونَهُمْ وَ لَا يَتَهَجَّمُونَ تَهَجُّمَهُمْ وَ مَنْ عَصَانِي مِنْ نَسْلِ خَلْقِيَ الَّذِي عَظَّمْتُهُ وَ اصْطَفَيْتُهُ لِغَيْبِي أُسْكِنُهُمْ مَسَاكِنَ الْعُصَاةِ وَ أُورِدُهُمْ مَوْرِدَهُمْ وَ لَا أُبَالِي فَقَالَتِ الْمَلَائِكَةُ لا عِلْمَ لَنا إِلَّا ما عَلَّمْتَنا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ فَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ صَلْصالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ قَالَ وَ كَانَ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ تَقْدِمَةً لِلْمَلَائِكَةِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَهُ احْتِجَاجاً مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَ مَا كَانَ اللَّهُ لِيُغَيِّرَ مَا بِقَوْمٍ إِلَّا بَعْدَ الْحُجَّةِ عُذْراً أَوْ نُذْراً فَأَمَرَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَلَكاً مِنَ الْمَلَائِكَةِ فَاغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَمِينِهِ فَصَلْصَلَهَا فِي كَفِّهِ فَجَمَدَتْ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْكَ أَخْلُقُ. إيضاح أشباه خلقهم أي بالإنس أو بعضهم ببعض أو بالإضافة أي أشباه خلق الجن فمرحوا بالحاء المهملة يقال مرح كفرح أي أشر و بطر و اختال و نشط تبخترا أو بالجيم و المرج بالتحريك الفساد و القلق و الاختلاط و الاضطراب و الفعل كفرح أيضا لا يلبسهم الليل لعل المعنى أنهم لم يكونوا يحتاجون في الليل إلى ستر و في النهار إلى غشاء و ستر أو أنهم لما لم تطلع عليهم الشمس لا ليل عندهم و لا نهار و يظهر من هذا الخبر أن جابلقا و جابرسا خارجان من هذا العالم خلق السماء الرابعة بل السابعة على المشهور و أهلهما صنف من الملائكة أو شبيه بهم و اختصر الراوندي الخبر و تمامه مر بسند آخر في المجلد الخامس.

بحار الأنوار - ج ٥٤ - الصفحة ٣٢٢. — الإمام الباقر عليه السلام
تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ الصَّادِقُ

عليه السلام فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْإِنْسَانِ مِنَ الطَّعْمِ وَ النَّوْمِ وَ الْجِمَاعِ وَ مَا دُبِّرَ فِيهَا فَإِنَّهُ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الطِّبَاعِ نَفْسِهِ مُحَرِّكٌ يَقْتَضِيهِ وَ يَسْتَحِثُّ بِهِ فَالْجُوعُ يَقْتَضِي الطَّعْمَ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْبَدَنِ وَ قِوَامُهُ وَ الْكَرَى يَقْتَضِي النَّوْمَ الَّذِي فِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ وَ إِجْمَامُ قُوَاهُ وَ الشَّبَقُ يَقْتَضِي الْجِمَاعَ الَّذِي فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وَ بَقَاؤُهُ وَ لَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى أَكْلِ الطَّعَامِ لِمَعْرِفَتِهِ بِحَاجَةِ بَدَنِهِ إِلَيْهِ وَ لَمْ يَجِدْ مِنْ طِبَاعِهِ شَيْئاً يَضْطَرُّهُ إِلَى ذَلِكَ كَانَ خَلِيقاً أَنْ يَتَوَانَى عَنْهُ أَحْيَاناً بِالتَّثَقُّلِ وَ الْكَسَلِ حَتَّى يَنْحَلَّ بَدَنُهُ فَيَهْلِكَ كَمَا يَحْتَاجُ الْوَاحِدُ إِلَى الدَّوَاءِ لِشَيْءٍ مِمَّا يَصْلُحُ بِهِ بَدَنُهُ فَيُدَافِعُ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى الْمَرَضِ وَ الْمَوْتِ وَ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى النَّوْمِ بِالتَّفَكُّرِ فِي حَاجَتِهِ إِلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ وَ إِجْمَامِ قُوَاهُ كَانَ عَسَى أَنْ يَتَثَاقَلَ عَنْ ذَلِكَ فَيَدْفَعَهُ حَتَّى يُنْهَكَ بَدَنُهُ وَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَتَحَرَّكُ لِلْجِمَاعِ بِالرَّغْبَةِ فِي الْوَلَدِ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ أَنْ يَفْتُرَ عَنْهُ حَتَّى يَقِلَّ النَّسْلُ أَوْ يَنْقَطِعَ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْوَلَدِ وَ لَا يَحْفِلُ بِهِ فَانْظُرْ كَيْفَ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْإِنْسَانِ وَ صَلَاحُهُ مُحَرِّكٌ مِنْ نَفْسِ الطَّبْعِ يُحَرِّكُهُ كَذَلِكَ وَ يَحْدُوهُ عَلَيْهِ وَ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ قُوًى أَرْبَعاً قُوَّةً جَاذِبَةً تَقْبَلُ الْغِذَاءَ وَ تُورِدُهُ عَلَى الْمَعِدَةِ وَ قُوَّةً مُمْسِكَةً تَحْبِسُ الطَّعَامَ حَتَّى تَفْعَلَ فِيهِ الطَّبِيعَةُ فِعْلَهَا وَ قُوَّةً هَاضِمَةً وَ هِيَ الَّتِي تَطْبُخُهُ وَ تَسْتَخْرِجُ صَفْوَهُ وَ تَبُثُّهُ فِي الْبَدَنِ وَ قُوَّةً دَافِعَةً تَدْفَعُهُ وَ تَحْدُرُ الثُّفْلَ الْفَاضِلَ بَعْدَ أَخْذِ الْهَاضِمَةِ حَاجَتَهَا فَفَكِّرْ فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعِ الَّتِي فِي الْبَدَنِ وَ أَفْعَالِهَا وَ تَقْدِيرِهَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَ الْإِرْبِ فِيهَا وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ وَ لَوْ لَا الْجَاذِبَةُ كَيْفَ يَتَحَرَّكُ الْإِنْسَانُ لِطَلَبِ الْغِذَاءِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْبَدَنِ وَ لَوْ لَا الْمَاسِكَةُ كَيْفَ كَانَ يَلْبَثُ الطَّعَامُ فِي الْجَوْفِ حَتَّى تَهْضِمَهُ الْمَعِدَةُ وَ لَوْ لَا الْهَاضِمَةُ كَيْفَ كَانَ يَنْطَبِخُ مِنْهُ حَتَّى يَخْلُصَ مِنْهُ الصَّفْوُ الَّذِي يَغْذُو الْبَدَنَ وَ يَسُدُّ خُلَلَهُ وَ لَوْ لَا الدَّافِعَةُ كَيْفَ كَانَ الثُّفْلُ الَّذِي تُخَلِّفُهُ الْهَاضِمَةُ يَنْدَفِعُ وَ يَخْرُجُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وَكَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وَ حُسْنِ تَقْدِيرِهِ هَذِهِ الْقُوَى بِالْبَدَنِ وَ الْقِيَامِ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَ سَأُمَثِّلُ فِي ذَلِكَ مِثَالًا إِنَّ الْبَدَنَ بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْمَلِكِ وَ لَهُ فِيهَا حَشَمٌ وَ صِبْيَةٌ وَ قُوَّامٌ مُوَكَّلُونَ بِالدَّارِ فَوَاحِدٌ لِإِفْضَاءِ حَوَائِجِ الْحَشَمِ وَ إِيرَادِهَا عَلَيْهِمْ وَ آخَرُ لِقَبْضِ مَا يَرِدُ وَ خَزْنِهِ إِلَى أَنْ يُعَالَجَ وَ يُهَيَّأَ وَ آخَرُ لِعِلَاجِ ذَلِكَ وَ تَهْيِئَتِهِ وَ تَفْرِيقِهِ وَ آخَرُ لِتَنْظِيفِ مَا فِي الدَّارِ مِنَ الْأَقْذَارِ وَ إِخْرَاجِهِ مِنْهَا فَالْمَلِكُ هُوَ الْخَلَّاقُ الْحَكِيمُ مَلِكُ الْعَالَمِينَ وَ الدَّارُ هِيَ الْبَدَنُ وَ الْحَشَمُ هِيَ الْأَعْضَاءُ وَ الْقُوَّامُ هِيَ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعُ وَ لَعَلَّكَ تَرَى ذِكْرَنَا هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعَ وَ أَفْعَالَهَا بَعْدَ الَّذِي وَصَفْتُ فَضْلًا وَ تَزْدَاداً وَ لَيْسَ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْقُوَى عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْأَطِبَّاءِ وَ لَا قَوْلُنَا فِيهِ كَقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا عَلَى مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ وَ تَصْحِيحِ الْأَبْدَانِ وَ ذَكَرْنَاهَا عَلَى مَا يُحْتَاجُ فِي صَلَاحِ الدِّينِ وَ شِفَاءِ النُّفُوسِ مِنَ الْغَيِّ كَالَّذِي أَوْضَحْتُهُ بِالْوَصْفِ الثَّانِي وَ الْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ فِيهَا تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ هَذِهِ الْقُوَى الَّتِي فِي النَّفْسِ وَ مَوْقِعَهَا مِنَ الْإِنْسَانِ أَعْنِي الْفِكْرَ وَ الْوَهْمَ وَ الْعَقْلَ وَ الْحِفْظَ وَ غَيْرَ ذَلِكَ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ نُقِصَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَذِهِ الْخِلَالِ الْحِفْظَ وَحْدَهُ كَيْفَ كَانَتْ تَكُونُ حَالُهُ وَ كَمْ مِنْ خَلَلٍ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِهِ وَ مَعَاشِهِ وَ تَجَارُبِهِ إِذَا لَمْ يَحْفَظْ مَا لَهُ وَ عَلَيْهِ وَ مَا أَخَذَهُ وَ مَا أَعْطَى وَ مَا رَأَى وَ مَا سَمِعَ وَ مَا قَالَ وَ مَا قِيلَ لَهُ وَ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَسَاءَهُ وَ مَا نَفَعَهُ مِمَّا ضَرَّهُ ثُمَّ كَانَ لَا يَهْتَدِي لِطَرِيقٍ لَوْ سَلَكَهُ مَا لَا يُحْصَى وَ لَا يَحْفَظُ عِلْماً وَ لَوْ دَرَسَهُ عُمُرَهُ وَ لَا يَعْتَقِدُ دِيناً وَ لَا يَنْتَفِعُ بِتَجْرِبَةٍ وَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْتَبِرَ شَيْئاً عَلَى مَا مَضَى بَلْ كَانَ حَقِيقاً أَنْ يَنْسَلِخَ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ أَصْلًا فَانْظُرْ إِلَى النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ أَوْ كَيْفَ مَوْقِعُ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا دُونَ الْجَمِيعِ وَ أَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْحِفْظِ النِّعْمَةُ فِي النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ لَوْ لَا النِّسْيَانُ لَمَا سَلَا أَحَدٌ عَنْ مُصِيبَةٍ وَ لَا انْقَضَتْ لَهُ حَسْرَةٌ وَ لَا مَاتَ لَهُ حِقْدٌ وَ لَا اسْتَمْتَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا مَعَ تَذَكُّرِ الْآفَاتِ وَ لَا رَجَاءُ غَفْلَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ وَ لَا فَتْرَةٌ مِنْ حَاسِدٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ جُعِلَ فِي الْإِنْسَانِ الْحِفْظُ وَ النِّسْيَانُ وَ هُمَا مُخْتَلِفَانِ مُتَضَادَّانِ جُعِلَ لَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ مَا عَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْأَشْيَاءَ بَيْنَ خَالِقَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ الْمُتَبَايِنَةِ وَ قَدْ تَرَاهَا تَجْمَعُ عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ وَ الْمَنْفَعَةُ انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى مَا خُصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ دُونَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مِنْ هَذَا الْخَلْقِ الْجَلِيلِ قَدْرُهُ الْعَظِيمِ غَنَاؤُهُ أَعْنِي الْحَيَاءَ فَلَوْلَاهُ لَمْ يُقْرَ ضَيْفٌ وَ لَمْ يُوفَ بِالْعِدَاتِ وَ لَمْ تُقْضَ الْحَوَائِجُ وَ لَمْ يُتَحَرَّ الْجَمِيلُ وَ لَمْ يُتَنَكَّبِ الْقَبِيحُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأُمُورِ الْمُفْتَرَضَةِ أَيْضاً إِنَّمَا يُفْعَلُ لِلْحَيَاءِ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ [مَنْ لَوْ لَا الْحَيَاءُ لَمْ يَرْعَ حَقَّ وَالِدَيْهِ وَ لَمْ يَصِلْ ذَا رَحِمٍ وَ لَمْ يُؤَدِّ أَمَانَةً وَ لَمْ يَعِفَّ عَنْ فَاحِشَةٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وُفِّيَ الْإِنْسَانُ جَمِيعَ الْخِلَالِ الَّتِي فِيهَا صَلَاحُهُ وَ تَمَامُ أَمْرِهِ تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ هَذَا النُّطْقِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ وَ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وَ يُنْتِجُهُ فِكْرُهُ وَ بِهِ يَفْهَمُ مِنْ غَيْرِهِ مَا فِي نَفْسِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ الْمُهْمَلَةِ الَّتِي لَا تُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهَا بِشَيْءٍ وَ لَا تَفْهَمُ عَنْ مُخْبِرٍ شَيْئاً وَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ الَّتِي بِهَا تُقَيَّدُ أَخْبَارُ الْمَاضِينَ لِلْبَاقِينَ وَ أَخْبَارُ الْبَاقِينَ لِلْآتِينَ وَ بِهَا تُخَلَّدُ الْكُتُبُ فِي الْعُلُومِ وَ الْآدَابِ وَ غَيْرِهَا وَ بِهَا يَحْفَظُ الْإِنْسَانُ ذِكْرَ مَا يَجْرِي بَيْنَهُ وَ بَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَ الْحِسَابِ وَ لَوْلَاهُ لَانْقَطَعَ أَخْبَارُ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ عَنْ بَعْضٍ وَ أَخْبَارُ الْغَائِبِينَ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَ دَرَسَتِ الْعُلُومُ وَ ضَاعَتِ الْآدَابُ وَ عَظُمَ مَا يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْخَلَلِ فِي أُمُورِهِمْ وَ مُعَامَلَاتِهِمْ وَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَى النَّظَرِ فِيهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَ مَا رُوِيَ لَهُمْ مِمَّا لَا يَسَعُهُمْ جَهْلُهُ وَ لَعَلَّكَ تَظُنُّ أَنَّهَا مِمَّا يُخْلَصُ إِلَيْهِ بِالْحِيلَةِ وَ الْفِطْنَةِ وَ لَيْسَتْ مِمَّا أُعْطِيَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ خَلْقِهِ وَ طِبَاعِهِ وَ كَذَلِكَ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَصْطَلِحُ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيَجْرِي بَيْنَهُمْ وَ لِهَذَا صَارَ يَخْتَلِفُ فِي الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ بِأَلْسُنٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ كَكِتَابَةِ الْعَرَبِيِّ وَ السُّرْيَانِيِّ وَ الْعِبْرَانِيِّ وَ الرُّومِيِّ وَ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْكِتَابَةِ الَّتِي هِيَ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْأُمَمِ إِنَّمَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا كَمَا اصْطَلَحُوا عَلَى الْكَلَامِ فَيُقَالُ لِمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ إِنَّ الْإِنْسَانَ وَ إِنْ كَانَ لَهُ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعاً فِعْلٌ أَوْ حِيلَةٌ فَإِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَ الْحِيلَةَ عَطِيَّةٌ وَ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ فِي خَلْقِهِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لِسَانٌ مُهَيَّأٌ لِلْكَلَامِ وَ ذِهْنٌ يَهْتَدِي بِهِ لِلْأُمُورِ لَمْ يَكُنْ لِيَتَكَلَّمَ أَبَداً وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَفٌّ مُهَيَّأَةٌ وَ أَصَابِعُ لِلْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ لِيَكْتُبَ أَبَداً وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا كَلَامَ لَهَا وَ لَا كِتَابَةَ فَأَصْلُ ذَلِكَ فِطْرَةُ الْبَارِئِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى خَلْقِهِ فَمَنْ شَكَرَ أُثِيبَ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي مَا أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ عِلْمَهُ وَ مَا مُنِعَ فَإِنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ جَمِيعِ مَا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ فَمِمَّا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِ مَعْرِفَةُ الْخَالِقِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِالدَّلَائِلِ وَ الشَّوَاهِدِ الْقَائِمَةِ فِي الْخَلْقِ وَ مَعْرِفَةُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنَ الْعَدْلِ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً وَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَ مُوَاسَاةِ أَهْلِ الْخُلَّةِ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ تُوجِبُ مَعْرِفَتَهُ وَ الْإِقْرَارُ وَ الِاعْتِرَافُ بِهِ فِي الطَّبْعِ وَ الْفِطْرَةِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ مُوَافِقَةٍ أَوْ مُخَالِفَةٍ وَ كَذَلِكَ أُعْطِيَ عِلْمَ مَا فِيهِ صَلَاحُ دُنْيَاهُ كَالزِّرَاعَةِ وَ الْغِرَاسِ وَ اسْتِخْرَاجِ الْأَرَضِينَ وَ اقْتِنَاءِ الْأَغْنَامِ وَ الْأَنْعَامِ وَ اسْتِنْبَاطِ الْمِيَاهِ وَ مَعْرِفَةِ الْعَقَاقِيرِ الَّتِي يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ ضُرُوبِ الْأَسْقَامِ وَ الْمَعَادِنِ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا أَنْوَاعُ الْجَوَاهِرِ وَ رُكُوبِ السُّفُنِ وَ الْغَوْصِ فِي الْبَحْرِ وَ ضُرُوبِ الْحِيَلِ فِي صَيْدِ الْوَحْشِ وَ الطَّيْرِ وَ الْحِيتَانِ وَ التَّصَرُّفِ فِي الصِّنَاعَاتِ وَ وُجُوهِ الْمَتَاجِرِ وَ الْمَكَاسِبِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ وَ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ أَمْرِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَأُعْطِيَ عِلْمَ مَا يَصْلُحُ بِهِ دِينُهُ وَ دُنْيَاهُ وَ مُنِعَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ شَأْنُهُ وَ لَا طَاقَتُهُ أَنْ يَعْلَمَ كَعِلْمِ الْغَيْبِ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ وَ بَعْضِ مَا قَدْ كَانَ أَيْضاً كَعِلْمِ مَا فَوْقَ السَّمَاءِ وَ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَ مَا فِي لُجَجِ الْبِحَارِ وَ أَقْطَارِ الْعَالَمِ وَ مَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَ أَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا حُجِبَ عَلَى النَّاسِ عِلْمُهُ وَ قَدِ ادَّعَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ هَذِهِ الْأُمُورَ فَأَبْطَلَ دَعْوَاهُمْ مَا يَبِينُ مِنْ خَطَئِهُمْ فِي مَا يَقْضُونَ عَلَيْهِ وَ يَحْكُمُونَ بِهِ فِي مَا ادَّعَوْا عِلْمَهُ فَانْظُرْ كَيْفَ أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ عِلْمَ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدِينِهِ وَ دُنْيَاهُ وَ حُجِبَ عَنْهُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ وَ نَقْصَهُ وَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ فِيهَا صَلَاحُهُ تَأَمَّلِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ مَا سُتِرَ عَنِ الْإِنْسَانِ عِلْمُهُ مِنْ مُدَّةِ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ عَرَفَ مِقْدَارَ عُمُرِهِ وَ كَانَ قَصِيرَ الْعُمُرِ لَمْ يَتَهَنَّأْ بِالْعَيْشِ مَعَ تَرَقُّبِ الْمَوْتِ وَ تَوَقُّعِهِ لِوَقْتٍ قَدْ عَرَفَهُ بَلْ كَانَ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدْ فَنِيَ مَالُهُ أَوْ قَارَبَ الْفَنَاءَ فَقَدِ اسْتَشْعَرَ الْفَقْرَ وَ الْوَجَلَ مِنْ فَنَاءِ مَالِهِ وَ خَوْفِ الْفَقْرِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ فَنَاءِ الْعُمُرِ أَعْظَمُ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ فَنَاءِ الْمَالِ لِأَنَّ مَنْ يَقِلُّ مَالُهُ يَأْمُلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْهُ فَيَسْكُنُ إِلَى ذَلِكَ وَ مَنْ أَيْقَنَ بِفَنَاءِ الْعُمُرِ اسْتَحْكَمَ عَلَيْهِ الْيَأْسُ وَ إِنْ كَانَ طَوِيلَ الْعُمُرِ ثُمَّ عَرَفَ ذَلِكَ وَثِقَ بِالْبَقَاءِ وَ انْهَمَكَ فِي اللَّذَّاتِ وَ الْمَعَاصِي وَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَهْوَتَهُ ثُمَّ يَتُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَ هَذَا مَذْهَبٌ لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ وَ لَا يَقْبَلُهُ أَ لَا تَرَى لَوْ أَنَّ عَبْداً لَكَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يُسْخِطُكَ سَنَةً وَ يُرْضِيكَ يَوْماً أَوْ شَهْراً لَمْ تَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَ لَمْ يَحُلَّ عِنْدَكَ مَحَلَّ الْعَبْدِ الصَّالِحِ دُونَ أَنْ يُضْمِرَ طَاعَتَكَ وَ نُصْحَكَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ عَلَى تَصَرُّفِ الْحَالاتِ فَإِنْ قُلْتَ أَ وَ لَيْسَ قَدْ يُقِيمُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ حِيناً ثُمَّ يَتُوبُ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسَانِ لِغَلَبَةِ الشَّهَوَاتِ لَهُ لو [وَ تَرْكِهِ مُخَالَفَتَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدِّرَهَا فِي نَفْسِهِ وَ يَبْنِيَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ فَيَصْفَحُ اللَّهُ عَنْهُ وَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ فَأَمَّا مَنْ قَدَّرَ أَمْرَهُ عَلَى أَنْ يَعْصِيَ مَا بَدَا لَهُ ثُمَّ يَتُوبَ آخِرَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُحَاوِلُ خَدِيعَةَ مَنْ لَا يُخَادَعُ بِأَنْ يَتَسَلَّفَ التَّلَذُّذَ فِي الْعَاجِلِ وَ يَعِدَ وَ يُمَنِّيَ نَفْسَهُ التَّوْبَةَ فِي الْآجِلِ وَ لِأَنَّهُ لَا يَفِي بِمَا يَعِدُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ النُزُوعَ مِنَ التَّرَفُّهِ وَ التَّلَذُّذِ وَ مُعَانَاةَ التَّوْبَةِ وَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْكِبَرِ وَ ضَعْفِ الْبَدَنِ أَمْرٌ صَعْبٌ وَ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَعَ مُدَافَعَتِهِ بِالتَّوْبَةِ أَنْ يُرْهِقَهُ الْمَوْتُ فَيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا غَيْرَ تَائِبٍ كَمَا قَدْ يَكُونُ عَلَى الْوَاحِدِ دَيْنٌ إِلَى أَجَلٍ وَ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ فَلَا يَزَالُ يُدَافِعُ بِذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَ قَدْ نَفِدَ الْمَالُ فَيَبْقَى الدَّيْنُ قَائِماً عَلَيْهِ فَكَانَ خَيْرَ الْإِنْسَانِ أَنْ يُسْتَرَ عَنْهُ مَبْلَغُ عُمُرِهِ فَيَكُونَ طُولَ عُمُرِهِ يَتَرَقَّبُ الْمَوْتَ فَيَتْرُكَ الْمَعَاصِيَ وَ يُؤْثِرَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فَإِنْ قُلْتَ وَ هَا هُوَ الْآنَ قَدْ سُتِرَ عَنْهُ مِقْدَارُ حَيَاتِهِ وَ صَارَ يَتَرَقَّبُ الْمَوْتَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يُقَارِفُ الْفَوَاحِشَ وَ يَنْتَهِكُ الْمَحَارِمَ قُلْنَا إِنَّ وَجْهَ التَّدْبِيرِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَرْعَوِي وَ لَا يَنْصَرِفُ عَنِ الْمَسَاوِي فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ مَرَحِهِ وَ مِنْ قَسَاوَةِ قَلْبِهِ لَا مِنْ خَطَإٍ فِي التَّدْبِيرِ كَمَا أَنَّ الطَّبِيبَ قَدْ يَصِفُ لِلْمَرِيضِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ مُخَالِفاً لِقَوْلِ الطَّبِيبِ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَأْمُرُهُ وَ لَا يَنْتَهِي عَمَّا يَنْهَاهُ عَنْهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِصِفَتِهِ وَ لَمْ يَكُنِ الْإِسَاءَةُ فِي ذَلِكَ الطَّبِيبِ بَلْ لِلْمَرِيضِ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَ لَئِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ مَعَ تَرَقُّبِهِ لِلْمَوْتِ كُلَّ سَاعَةٍ لَا يَمْتَنِعُ عَنِ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُ لَوْ وَثِقَ بِطُولِ الْبَقَاءِ كَانَ أَحْرَى بِأَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْكَبَائِرِ الْقَطْعِيَّةِ فَتَرَقُّبُ الْمَوْتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الثِّقَةِ بِالْبَقَاءِ ثُمَّ إِنَّ تَرَقُّبَ الْمَوْتِ وَ إِنْ كَانَ صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ يَلْهَوْنَ عَنْهُ وَ لَا يَتَّعِظُونَ بِهِ فَقَدْ يَتَّعِظُ بِهِ صِنْفٌ آخَرُ مِنْهُمْ وَ يَنْزِعُونَ عَنِ الْمَعَاصِي وَ يُؤْثِرُونَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَ يَجُودُونَ بِالْأَمْوَالِ وَ الْعَقَائِلِ النَّفْسِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يُحْرَمَ هَؤُلَاءِ الِانْتِفَاعَ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ لِتَضْيِيعِ أُولَئِكَ حَظَّهُمْ مِنْهَا. و لنذكر بعض ما ذكره الحكماء في تحقيق القوى البدنية الإنسانية لتوقف فهم الآيات و الأخبار عليها في الجملة و اشتمالها على الحكم الربانية. قالوا الحيوان جسم مركب مختص من بين المركبات بالنفس الحيوانية لكون مزاجه أقرب إلى الاعتدال جدا من النباتات و المعادن فبعد أن يستوفي درجة الجماد و النبات يقبل صورة أشرف من صورتهما و عرفوا النفس الحيوانية بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات و يتحرك بالإرادة و لها قوتان مدركة و محركة أما المدركة فهي إما في الظاهر أو في الباطن أما التي في الظاهر فهي خمس بحكم الاستقراء و قيل لأن الطبيعة لا تنتقل من درجة الحيوانية إلى درجة فوقها إلا و قد استكملت جميع ما في تلك المرتبة فلو كان في الإمكان حس آخر لكان حاصلا للإنسان فلما لم يحصل علمنا أن الحواس منحصرة في الخمس. فمنها السمع و هو قوة مودعة في العصب المفروش في مقعر الصماخ و يتوقف على وصول الهواء المنضغط بين القارع و المقروع و القالع و المقلوع مع مقاومة المتكيف بكيفية الصوت المعلول لتموج ذلك الهواء إلى الصماخ و ليس مرادهم بوصوله ما هو المتبادر منه بل إن ذلك الهواء بتموجه يموج الهواء المجاور له و يكفيه بالصوت ثم يتموج المجاور لهذا المجاور و هكذا إلى أن يتموج الهواء الراكد في الصماخ و قيل لا ينحصر المتوسط في الهواء بل كل جسم سيال كالماء أيضا. و منها البصر و هو قوة مودعة في ملتقى العصبتين المجوفتين النابتتين من غور البطنين المقدمين من الدماغ يتيامن النابت منهما يسارا و يتياسر النابت منهما يمينا فيلتقيان و يصير تجويفهما واحدا ثم ينعطف النابت منهما يمينا إلى الحدقة اليمنى و النابت منهما يسارا إلى الحدقة اليسرى و يسمى الملتقى بمجمع النور. و الفلاسفة اختلفوا في كيفية الإبصار فالطبيعيون منهم ذهبوا إلى أنه بانطباع شبح المرئي في جزء من الرطوبة الجليدية التي هي بمنزلة البرد و الجمد في الصقالة المرآتية فإذا قابلها متلون مستنير انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع صورة الإنسان في المرآة لا بأن ينفصل من المتلون شيء و يميل إلى العين بل بأن يحدث مثل صورته في عين الناظر و يكون استعداد حصوله بالمقابلة المخصوصة مع توسط الهواء المشف. و الرياضيون ذهبوا إلى أنه بخروج الشعاع من العين على هيئة مخروط رأسه عند العين و قاعدته عند المرئي ثم اختلفوا في أن ذلك المخروط مصمت أو مؤتلف من خطوط مجتمعة في الجانب الذي يلي الرأس متفرقة في الجانب الذي يلي القاعدة و قال بعضهم بأن الخارج من العين خط واحد مستقيم لكن يثبت طرفه الذي يلي العين و يضطرب طرفه الأخرى على المرئي فيتخيل منه هيئة مخروط. و الإشراقيون قالوا لا شعاع و لا انطباع و إنما الإبصار مقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقيلة فإذا وجدت هذه الشروط مع زوال المانع يقع للنفس علم حضوري إشراقي على المبصر فتدركه النفس مشاهدة ظاهرة جلية لكن المشهور من آراء الفلاسفة الانطباع و الشعاع. تمسك الأولون بوجوه أحدها و هو العمدة أن العين جسم صقيل نوراني و كل جسم كذلك إذا قابله كثيف ملون انطبع فيه شبحه كالمرآة أما الكبرى فظاهر و أما الصغرى فلما نشاهد من النور في الظلمة إذا حك المنتبه من النوم عينه و لأن الإنسان إذا نظر نحو أنفه قد يرى عليه دائرة مثل الضياء و إذا انتبه من النوم قد يبصر ما قرب منه ثم يفقده و ذلك لامتلاء العين من النور و إن غمضنا إحدى العينين اتسع مثقب العين الأخرى فيعلم أنه يملؤه جوهر نوري و لو لا انصباب أجسام نورانية من الدماغ إلى العين لكان تجويف العصبتين عديم الفائدة. و ثانيها أن الإحساس بسائر الحواس ليس لأجل خروج شيء من المحسوس بل لأجل أن يأتيها صورة المحسوس فكذا حكم الإبصار. و ثالثها أن كون رؤية الأشياء الكبيرة من البعيد صغيرة لضيق زاوية الرؤية لا يتأتى إلا مع القول بكون موضع الرؤية هو الزاوية كما هو رأي أصحاب الانطباع لا القاعدة على ما هو رأي القائلين بخروج الشعاع فإنها لا تتفاوت. و رابعها أن من حدق النظر إلى الشمس ثم انصرف عنها يبقى في عينه صورتها زمانا و ذلك يوجب ما قلناه. و خامسها أن الممرورين يرون صورا مخصوصة لا وجود لها في الخارج فإذن حصولها في البصر. و أجيب عن الأول بأنه بعد تمامه لا يفيد إلا انطباع الشبح و أما كون الإبصار به فلا و عن الثاني أنه تمثيل بلا جامع و عن الثالث بأن كون العلة ما ذكرتم غير مسلم كيف و أصحاب الشعاع يذكرون له وجها آخر و عن الرابع بأن الصورة غير باقية في الباصرة بل في الخيال و أين أحدهما من الآخر و عن الخامس أنه إنما يدل على إثبات الانطباع في هذا النحو من الرؤية التي هي من قبيل الرؤيا و مشاهدة الأمور الغائبة عن الأبصار بوقوع أشباحها في الخيال و لا يدل على أن الإبصار للموجودات في الخارج بالانطباع و قياس أحدهما على الآخر غير ملتفت إليه في العلوم. و تمسك القائلون بالشعاع أيضا بوجوه أحدها أن من قل شعاع بصره كان إدراكه للقريب أصح من إدراكه للبعيد لتفرق الشعاع في البعيد و من كثر شعاع بصره مع غلظه كان إدراكه للبعيد أصح لأن الحركة في المسافة البعيدة تفيد رقة و صفاء و لو كان الإبصار بالانطباع لما تفاوت الحال. و ثانيها أن الأجهر يبصر بالليل دون النهار لأن شعاع بصره لقلته يتخلل نهارا شعاع الشمس فلا يبصر و يجتمع ليلا فيقوى على الإبصار و الأعمش بالعكس لأن شعاع بصره لغلظه لا يقوى على الإبصار إلا إذا أفادته الشمس رقة و صفاء. و ثالثها أن الإنسان إذا نظر إلى ورقة و رآها كلها لم يظهر له إلا السطر الذي يحدق نحوه البصر و ما ذاك إلا بسبب أن مسقط سهم مخروط الشعاع أصح إدراكا. و رابعها أن الإنسان يرى في الظلمة كأن نورا انفصل عن عينه و أشرق على أنفه و إذا غمض عينه على السراج يرى كأن خطوطا شعاعية اتصلت بين عينيه و السراج. و الجواب عن الكل أنها لا تدل على المطلوب أعني كون الإبصار بخروج الشعاع بل على أن في العين نورا و نحن لا ننكر أن في آلات الإبصار أجساما شعاعية مضيئة تسمى بالروح الباصرة و إن أنكرها محمد بن زكريا زعما أن النور لا يوجد إلا في النار و في الكواكب و أما الأجسام الكثيفة و ما في بواطنها فالأولى بها الظلمة و كيف يعقل داخل الدماغ مع تسترها بالحجب جسم نوراني أما ابن سينا فقد اعترف بذلك لأن جالينوس لما احتج ببعض الشبه التي مر ذكرها على خروج الشعاع من العين و أجاب عنه بأن ذلك يدل على وجود الشعاع في العين و لا نزاع فيه لكن قلتم إن ذلك الشعاع يخرج فحينئذ نقول آلة الإبصار جسم نوراني في الجليدية يرتسم منه بين العين و المرئي مخروط وهمي يتعلق إدراك النفس بذلك المرئي من جهة زاويته التي عند الجليدية و تشتد حركته عند رؤية البعيد فيتخلل لطيفها فيفتقر إلى تلطيف إذا غلظ و تكثيف إذا لطف و رق فوق ما ينبغي و يحدث منها في المقابل القابل أشعة و أضواء يكون قوتها في مسقط السهم مما يحاذي مركز العين الذي هو بمنزلة الزاوية للمخروط الوهمي و لشدة استنارته يكون ما يرى منه أظهر و إدراكه أقوى و أكمل و يشبه أن يكون هذا مراد القائلين بخروج الشعاع تجوزا منهم على ما صرح به الشيخ و إلا فهو باطل قطعا أما إذا أريد حقيقة الشعاع الذي هو من قبيل الأعراض فظاهر و إن أريد جسم شعاعي يتحرك من العين إلى المرئي فلأنا قاطعون بأنه يمتنع أن يخرج من العين جسم ينبسط في لحظة على نصف كرة العالم ثم إذا طبق الجفن عاد إليها أو انعدم ثم إذا فتح خرج مثله و هكذا و أن يتحرك الجسم الشعاعي من دون قاسر أو إرادة إلى جميع الجهات و أن ينفذ في الأفلاك و يخرقها ليرى الكواكب و أن لا يتشوش لهبوب الرياح و لا يتصل بغير المقابل كما في الأصوات حيث يميلها الرياح إلى الجهات و لأنه يلزم أن لا يرى القمر مثل الثوابت بل بزمان يناسب التفاوت بينهما و ليس كذلك بل يرى الأفلاك بما فيها من الكواكب دفعة ثم إن للقائلين بالشعاع مذهبا آخر و هو أن المشف الذي بين البصر و المرئي يتكيف بكيفية الشعاع الذي في البصر و يصير بذلك آلة للإبصار و يرد عليه المفاسد المتقدمة مع زيادة. و قال صاحب المقاصد الحق أن الإبصار بمحض خلق الله تعالى عند فتح العين. ثم اعلم أنه يعرض في الرؤية أمور غريبة قد يستدل ببعضها على أحد المذهبين منها اختلاف الأقدار بسبب تفاوت الأبعاد و السبب فيه على كلا المذهبين اختلاف زاوية مركز الجليدية انفراجا و حدة فإنه إذا قابل المبصر البصر توهمنا خطين مستقيمين واصلين بين مركز الجليدية و طرفي المبصر فيحصل زاوية البتة عند مركز الجليدية فكلما كانت تلك الزاوية أعظم يرى المرئي أصغر و لا يخفى على المتدرب أن قرب المرئي سبب لعظم تلك الزاوية و بعده سبب لصغرها أو بزيادة القرب يزيد عظمها و بزيادة البعد يزيد صغرها فالخطوط التي هي أضلاع الزوايا موجودة عند الرياضيين موهومة عند المشاءين و كل من أصحاب المذهبين جعل هذا مؤيدا لمذهبه و له وجه و إن كان بمذهب المشاءين أنسب. و قال بعض المحققين قد قرر الحكماء عن آخرهم أن تفاوت أقدار المبصرات بتفاوت أقدار الزاوية المذكورة و يتبع تفاوت إحداهما تفاوت الأخرى على نسبتها من غير انثلام في اتساق النسبة و بنوا عليه علم المناظر و غيره من معظمات المسائل و فيه شبهة و هو أنا إذا قربنا جسما صغيرا طوله مثل طول البصر أو أزيد بقليل كالإصبع من البصر بحيث يصل إلى رءوس شعر الجفن فيرى بزاوية عظيمة جدا و يحجب الجبل العظيم جدا فزاويته أعظم من زاوية الجبل فيجب أن يرى أعظم مع أن الأمر بخلافه ضرورة و الجواب أنه في الرؤية أعظم إلا أنه يعلم بحكم العقل أنه صغير جدا و رئي عظيما بسبب كمال قربه انتهى. و منها رؤية المرئيات في المرايا و الأجسام الصقيلة و اختلف في سببه و تفرق آراؤهم إلى مذاهب أربعة الأول مذهب أصحاب الشعاع حيث ذهبوا إلى أنه بانعكاس الخطوط الشعاعية و تفصيله أنا نعلم تجربة أن الشعاع ينعكس من الجسم الصقيل كما ينعكس شعاع الشمس من الماء إلى الجدار و من المرآة إلى مقابلها فإذا وقع شعاع البصر على المرآة مثلا ينعكس منها إلى جسم آخر وضعه من المرآة وضع المرآة من البصر على وجه تتساوى زاويتا الشعاع و الانعكاس فإذا قابلت المرآة وجه المبصر و كان سهم المخروط الشعاعي عمودا على سطح المرآة وجب انعكاس ذلك الخط العمود من سمته بعينه إلى مركز الجليدية إذ لو انعكس إلى غيره لزم تساوي زاوية قائمة مع زاوية حادة و انعكست الخطوط القريبة منه إلى باقي أجزاء الوجه فيرى الوجه و إذا كانت المرآة غير مقابلة للبصر على الوجه المذكور لم ينعكس الشعاع إليه بل إلى جسم آخر من شأنه أن تتساوى به الزاويتان المذكورتان فالمرئي في المرآة إنما هو الأمر الخارجي لكن لما رئي بالشعاع الذي رئي به المرآة يظن أنه في المرآة و ليس موجودا في المرآة و إذا كان الوجه قريبا من المرآة و الخطوط المنعكسة قصيرة يظن أن صورة المرئي قريبة من سطح المرآة و إذا كان الوجه بعيدا عنها و الخطوط المنعكسة طويلة يظن الصورة غائرة فيها و أورد عليه وجوه من الإيراد المذكورة في محالها. الثاني مذهب أصحاب الانطباع و توضيحه أنه كما أن القوة الباصرة بحيث إذا قابلت جسما ملونا مضيئا ارتسمت صورته فيها فكذلك هي بحيث إذا قابلت جسما صقيلا ارتسمت صورتها في الباصرة مع صورة مقابل ذلك الجسم الصقيل و ترتسم في جزء ارتسمت فيه صورة المرآة و شرط الانعكاس عندهم أيضا ما مر من كون الجسم المقابل من المرآة مثل مقابلة المرآة للمبصر بحيث تتساوى زاويتا الشعاع و الانعكاس من الخطوط الشعاعية الموهومة المفروضة المستقيمة. الثالث مذهب سخيف ضعيف و هو أن الصورة ينطبع في المرآة. الرابع مذهب أفلاطون و من سبقه و تبعه من الإشراقيين حيث أثبتوا عالما آخر سوى هذا العالم الجسماني الذي هو المحدد للجهات مع ما فيه من الأجرام الفلكية و الأجسام العنصرية و هو عالم متوسط بينه و بين عالم المجردات العقلية الصرفة المنزهة عن المقدار و الحيز و الجهة و الشكل فإن أشخاص هذا العالم صور مثالية و أشباح برزخية مجردة عن الطبائع و المواد نورانية يسمى ذلك العالم عالم المثال و قالوا إن الصور المرئية في المرايا و غيرها من الأجسام الصقيلة و الصور المتخيلة و أمثالها صور موجودة قائمة بنفسها إذ لو كانت الصور في المرآة لما اختلفت رؤية الشيء باختلاف مواضع نظرنا إليها و لو كانت في الهواء لم يمكن أن ترى لأن الهواء شفاف لم يمكن أن يرى و كذا ما حل فيه و ليست هي صورتك بعينها بأن ينعكس الشعاع من المرآة إليك لبطلان القول بالشعاع لوجوه مذكورة في كتب القوم و لا في القوة الباصرة أو غيرها من القوى البدنية لوجوه ذكروها فهي صور جسمانية موجودة في عالم آخر متوسط بين عالمي الحس و العقل يسمى بعالم المثال و هي قائمة بذاتها معلقة لا في محل و لا في مكان لها مظاهر كالمرآة في الصور المرئية المرآتية و الخيال في الصور الخيالية و وافقهم الصوفية في إثبات هذا العالم و قد مرت الإشارة إليه. قال القيصري في شرح الفصوص اعلم أن العالم المثالي هو عالم روحاني من جوهر نوراني شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريا و بالجوهر المجرد العقلي في كونه نورانيا و ليس بجسم مركب مادي و لا جوهر مجرد عقلي لأنه برزخ و حد فاصل بينهما و كل ما هو برزخ بين الشيئين لا بد و أن يكون غيرهما بل له جهتان يشبه بكل منهما ما يناسب عالمه اللهم إلا أن يقال أنه جسم نوري في غاية ما يمكن من اللطافة فيكون حدا فاصلا بين الجواهر المجردة اللطيفة و بين الجواهر الجسمانية الكثيفة و إن كان بعض هذه الأجسام ألطف من البعض كالسماوات بالنسبة إلى غيرهما انتهى. و منها رؤية الشيء شيئين كما في الأحول و في من مد طرف عينه أو غمض إصبعه في طرف من العين فإنه يرى كل شيء اثنين و اختلفت الآراء في تعليله و لنذكر منها مذهبين الأول مذهب أصحاب الشعاع فإنهم يقولون إنه يخرج من كل عين مخروط شعاعي له سهم فإن وقع السهمان على موضع واحد من المرئي يرى شيئا واحدا و إن اختلف موقعاهما يرى اثنين الثاني مذهب أصحاب الانطباع و مداره على مقدمة و هي أن القوة البصرية قائمة بالروح الحيواني المصبوب في العصبتين المجوفتين النابتتين من مقدم الدماغ المتقاطعتين و عند التقاطع يتحد التجويفان و هناك مجمع النور فإذا قابل البصر المبصر انطبعت صورته في الجليديتين و لا يكفي ذلك في الإبصار و إلا لرئي الشيء الواحد شيئين بل يحب أن تتأدى صورة أخرى مثل تلك الصورة إلى مجمع النور فتحصل الإبصار ثم إن هذا الروح الذي في مجمع النور يؤدي صورة المرئي إلى الحس المشترك و هناك يتم كمال الإبصار ثم بعده هذه المقدمة نقول إن لإدراك الشيء الواحد اثنين أربعة أسباب الأول انتقال الآلة المؤدية للشبح الذي في الجليدية إلى ملتقى العصبتين فلا يتأدى الشبحان إلى موضع واحد بل ينتهي كل إلى جزء آخر من الروح الباصرة لأن خطي الشبحين لم ينفذا نفوذا من شأنه أن يتقاطعا عند ملتقى العصبتين و إذا اختص كل بجزء آخر من الروح الباصرة فكأنهما شبحان لشيئين و لأنه يختلف موضع الشبح في الروح الباصرة يرى الاثنين في الاثنين. الثاني حركة الروح الباصرة التي في الملتقى و تموجها يمينا و يسارا حتى يتقدم مركزها المرسوم له في الطبع إلى جهتي الجليديتين أخذا متموجا مضطربا فيرتسم فيه الشبح قبل تقاطع المخروطين فينطبع من الشيء الواحد شبحان و يرى كشيئين مفترقين و هذا مثل ارتسام شبح الشمس في الماء الساكن الراكد مرة واحدة و في الماء المتوج متكررا. الثالث اضطراب روح الباصرة التي في مقدم الدماغ و حركته قداما إلى صوب ملتقى العصبتين و خلفا إلى الحس المشترك فإذا نظر في تلك الحالة إلى المرئي انطبع شبحه في جزء من الروح الحاصل في مركزه الذي له وضع مخصوص بالقياس إلى ذلك المرئي فإذا تحرك ذلك الجزء و وقع جزء آخر في موضعه فلا جرم انطبع شبحه في ذلك الجزء أيضا و لم يزل بعد عن الجزء الأول فتجتمع هناك صورتان و يرى شيئان و لمثل هذا السبب يرى الشيء السريع الحركة إلى جانبين كشيئين لأنه قبل انمحاء صورته عن الحس المشترك و هو في جانب يراه البصر في جانب آخر فتتوافى إدراكاته في الجانبين معا و من هذا القبيل رؤية القطرة النازلة خطا مستقيما و الشعلة الجوالة دائرة و نظير الحركة الدورية لصاحب الدوار فإنه لسبب من الأسباب الطبية يتحرك الروح الذي في تجويف مقدم الدماغ على الدور فحينئذ إن انطبعت فيه صورة تزول بسرعة لتحركه كزوال الضوء عن أجزاء الكرة المقابلة للكوة التي تشرق منها الشمس على الكرة إذا دارت الكرة لكن قبل زوالها عن ذلك الجزء تحصل صورة في الجزء الذي حصل مكانه فيظن أن المرئي يدور حول نفسه و ما ذلك إلا لحركة الرائي. الرابع اضطراب يعرض للثقبة العنبية فإن الطبقة العنبية سهلة الحركة إلى هيئة تتسع بها الثقبة تارة و تضيق أخرى تارة إلى خارج و تارة إلى داخل فإن تحرك إلى خارج يعرض للثقبة اتساع و إن تحرك إلى داخل يعرض لها تضيق فإن ضاقت يرى الشيء أكبر و إن اتسعت يرى أصغر فيرى المرئي أولا غير المرئي ثانيا خصوصا إذا تمثلت قبل انمحاء الأول فيرى اثنين و في حال ضيق الثقبة يتكاثف الروح البصري و النور الشعاعي فيرى أكبر كما يرى الشيء في البخار أعظم و في حال السعة يتلطف الروح و يتخلخل و يرق فيرى أصغر. و منها انعطاف الشعاع و بيان ذلك أن الخطوط الشعاعية التي هي على سطح المخروط تنفذ على الاستقامة إلى طرفي المرئي إذا كان الشفاف المتوسط متشابه الغلظ و الرقة فإن فرض هناك تفاوت بأن يكون مما يلي الرائي هواء و مما يلي المرئي ماء أو بخارا فإن تلك الخطوط إذا وصلت إلى ذلك الماء مثلا انعطفت و مالت إلى سهم المخروط ثم وصلت إلى طرفي المرئي و لو انعكس الفرض مالت الخطوط إلى خلاف جانب السهم و من لوازم الانعطاف رؤية الشيء في الماء و البخار أعظم مما يرى في الهواء فإن العنبة ترى في الماء كالإجاصة و الكوكب يرى في الأفق أعظم مما يرى في وسط السماء و ذلك لأن الخطوط إذا انعطفت و مالت إلى جانب السهم تكون زاوية رأس المخروط أعظم منها إذا نفذت الخطوط على الاستقامة لأنه يجب أن تتباعد الخطوط بحيث إذا انعطفت و مالت إلى السهم وصلت إلى طرفي المرئي فيكون المرئي بها أعظم من المرئي بالأخرى. و منها رؤية الشجر على الشط منتكسا و ذلك لأن الخطوط الشعاعية المنعكسة من سطح الماء إلى الشجر إنما تنعكس إليه على هيئة أوتار الآلة الحدباء المسماة بالفارسية چنگ فإذا كان الشجر على الطرف الآخر من الماء انعكس الشعاع إلى رأس الشجر من موضع أقرب من الرائي و إلى ما تحت رأسه من موضع أبعد منه و هكذا و إذا كان الشجر على طرف الرائي كان الأمر في الانعكاس على عكس ما ذكر أ لا ترى أنك إذا سترت سطح الماء من جانبك يستر عنك رأس الشجر في الصورة الأولى و قاعدتها في الصورة الثانية فيكون الخط الشعاعي المنعكس إلى رأس الشجر أطول من جميع تلك الخطوط المنعكسة إلى ما دونه و يكون ما هو أقرب منه أطول مما هو أبعد منه على الترتيب حتى يكون أقصرها هو المنعكس إلى قاعدة الشجرة و ذلك لتساوي زاويتي الشعاع و الانعكاس. و لنفرض خط ا ب عرض النهر و خط ج ب الشجر القائم على شطه و ه الحدقة و نفرض على ا ب نقطتي د و و على ج ب ح و ط فإذا خرج من ه خط شعاعي إلى و و آخر إلى د وجب أن ينعكس الأول إلى نقطة ط مثلا فتكون الزاوية الشعاعية أعني زاوية ه و ا كالزاوية الانعكاسية أعني زاوية ط و ب و أن ينعكس الآخر إلى نقطة ح و تتساوى أيضا شعاعية ه د ا و انعكاسية ح د ب. ثم إن النفس لا تدرك الانعكاس لتعودها في رؤية المرئيات بنفوذ الشعاع على الاستقامة فتحسب الشعاع المنعكس نافذا في الماء و لا نفوذ حينئذ هناك إذ ربما لا يكون الماء عميقا بقدر طول الشجر فيحسب لذلك أن رأس الشجر أكثر نزولا في الماء لكون الشعاع المنعكس إليه أطول و كذا الحال في باقي الأجزاء على الترتيب فتراه كأنه منتكس تحت سطح الماء. و منها الشامة و هي قوة منبثة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي تدرك الروائح بتوسط الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة و قيل بتبخر أجزاء لطيفة من ذي الرائحة تختلط بالهواء و تصل معه إلى الخيشوم و قيل بفعل ذي الرائحة في الشامة من غير استحالة في الهواء و لا تبخر و انفصال أجزاء و رد الثاني بأن القليل من المسك يشم على طول الأزمنة و كثرة الأمكنة من غير نقصان في وزنه و حجمه و الثالث بأن المسك قد يذهب به إلى مسافة بعيدة و يحرق و يفنى بالكلية مع أن رائحته تدرك في الهواء الأول أزمنة متطاولة و يؤيد ذلك ما حكى أرسطو أن الرخمة قد انتقلت من مسافة مائتي فرسخ برائحة جيفة من حرب وقع بين اليونانيين و دلهم على انتقالها من تلك المسافة عدم كون الرخمة في تلك الأرض إلا في نحو من هذا الحد من المسافة و قد يقال لعل المتحلل منه أجزاء صغار جدا تختلط بجميع تلك الأجزاء الهوائية و الاستبعاد غير كاف في المباحث العلمية على أن الشيخ اعترض عليه في الشفاء بقوله يجوز أن يكون إدراكها للجيف بالباصرة حين هي محلقة في الجو العالي. و منها الذائقة و هي قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان و هي تالية للامسة إذ منفعتها أيضا في الفعل الذي به يتقوم البدن و هي تشهية الغذاء و اختياره و بالجملة يتمكن به على جذب الملائم و دفع المنافر من المطعومات كما أن اللامسة يتمكن بها على مثل ذلك من الملموسات و هي توافق اللامسة في الاحتياج إلى الملامسة و تفارقها في أن نفس ملامسة المطعوم لا يؤدي الطعم كما أن نفس ملامسة الحار تؤدي الحرارة بل تفتقر إلى توسط الرطوبة اللعابية المنبعثة عن الآلة التي تسمى الملعبة و يشترط أن تكون هذه الرطوبة خالية عن مثل طعم المطعوم و ضده بل عن غير ما يؤدي طعم المذوق كما هو إلى الذائقة فإن المريض إذا تكيف لعابه بطعم الخلط الغالب عليه لا يدرك طعوم الأشياء المأكولة و المشروبة إلا مشوبة بذلك الطعوم فإن الممرور إنما يجد طعم العسل مرا. و اختلفوا في أن توسطها إما بأن يخالطها أجزاء لطيفة من ذي الطعم ثم تغوص هذه الرطوبة معها في جرم اللسان إلى الذائقة فالمحسوس حينئذ هو كيفية ذي الطعم و تكون الرطوبة واسطة لتسهل وصول جوهر المحسوس الحامل للكيفية إلى الحاسة أو بأن يتكيف نفس الرطوبة بالطعم بسبب المجاورة فتغوص وحدها فيكون المحسوس كيفيتها و على التقديرين لا واسطة بين الذائقة و محسوسها حقيقة بخلاف الإبصار المحتاج إلى توسط الجسم الشفاف و منها اللامسة و هي منبثة في البدن كله من شأنها إدراك الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و نحو ذلك بأن ينفعل عنها العضو اللامس عند الملامسة بحكم الاستقراء قال الشيخ أول الحواس الذي يصير به الحيوان حيوانا هو اللمس فإنه كما أن للنبات قوة غاذية يجوز أن يفقد سائر القوى دونها كذلك حال اللامسة للحيوان لأن صلاح مزاجه من الكيفيات الملموسة و فساده باختلالها و الحس طليعة للنفس فيجب أن يكون الطليعة الأولى هو ما يدل على ما منع به الفساد و يحفظ به الصلاح و أن يكون قبل الطلائع التي تدل على أمور تتعلق ببعضها منفعة خارجة عن القوام و مضرة خارجة عن الفساد و الذوق و إن كان دالا على الشيء الذي به يستبقى الحياة من المطعومات فقد يجوز أن يبقى الحيوان بدونه لإرشاد الحواس الأخر على الغذاء الموافق و اجتناب المضار و ليس شيء منها يعين على أن الهواء محرق أو مجمد و لشدة الاحتياج إليه كان بمعونة الأعصاب ساريا في جميع الأعضاء إلا ما يكون عدم الحس أنفع له كالكبد و الطحال و الكلية لئلا تتأذى بما يلاقيها من الحاد اللذاع فإن الكبد مولد للصفراء و السوداء و الطحال و الكلية مصبان لما فيه لذع و كالرئة فإنها دائمة الحركة فتتألم باصطكاك بعضها ببعض و كالعظام فإنها أساس البدن و دعامة الحركات فلو أحست لتألمت بالضغط و المزاحمة و بما يرد عليها من المصاكات. ثم إن الجمهور ذهبوا إلى أن اللامسة قوة واحدة بها يدرك جميع الملموسات كسائر الحواس فإن اختلاف المدركات لا يوجب اختلاف الإدراكات ليستدل بذلك على تعدد مبادئها و ذهب كثير من المحققين و منهم الشيخ إلى أنها قوى متعددة بناء على ما مهدوه في تكثير القوى من أن القوة الواحدة لا يصدر عنها أكثر من واحد فقالوا هاهنا ملموسات مختلفة الأجناس متضادة الأجناس فلا بد لها من قوى مدركة مختلفة تحكم بالتضاد بينها فأثبتوا لكل ضدين منها قوة واحدة هي الحاكمة بين الحرارة و البرودة و الحاكمة بين الرطوبة و اليبوسة و الحاكمة بين الخشونة و الملاسة و الحاكمة بين اللين و الصلابة و منهم من زاد الحاكمة بين الثقل و الخفة قالوا و يجوز أن يكون لهذه القوى بأسرها آلة واحدة مشتركة بينها و أن يكون هناك في الآلات انقسام غير محسوس فلذا توهم اتحاد القوى. و يرد عليه أن المدرك بالحس هو المتضادان كالحرارة و البرودة دون التضاد فإنه من المعاني المدركة بالعقل أو الوهم و إذا جاز إدراك قوة واحدة للضدين فقد صدر عنها اثنان فلم لا يجوز أن يصدر عنها ما هو أكثر من ذلك و أيضا فإن الطعوم و الروائح و الألوان أجناس مختلفة متضادة مع اتحاد القوى المدركة لها و كون التضاد في ما بين الملموسات أكثر و أقوى لا يجدي نفعا. و أما الحواس الباطنة فهي أيضا خمس عندهم بشهادة الاستقراء. الأول الحس المشترك و يسمى باليونانية بنطاسيا أي لوح النفس و هي قوة مرتبة في مقدم التجويف الأول من التجاويف الثلاثة التي في الدماغ تقبل جميع الصور المنطبعة في الحواس الظاهرة بالتأدي إليها من طريق الحواس فهو كحوض ينصب فيه أنهار خمسة و استدلوا على وجوده بوجوه. الأول أنا نشاهد القطرة النازلة خطا مستقيما و النقطة الدائرة بسرعة خطا مستديرا و ليس ارتسامها في البصر إذ لا يرتسم فيه إلا المقابل و هو القطرة و النقطة فإذن ارتسامها إنما يكون في قوة أخرى غير البصر حصل فيها الارتسامات المتتالية بعضها ببعض فيشاهد خطا. الثاني أنا نحكم ببعض المحسوسات الظاهرة على بعض كالحكم بأن هذا الأبيض هو هذا الحلو و هذا الأصفر هو هذا الحار و كل من الحواس الظاهرة لا يحضر عندها إلا نوع مدركاتها فلا بد من قوة يحضر عندها جميع الأنواع ليصح الحكم بينها. الثالث أن المبرسم أي من به المرض المسمى بذات الجنب إذا قوي مرضه و تعطلت حواسه الظاهرة بغلبة المرض يرى أشياء لا تحقق لها في الخارج على سبيل المشاهدة دون التخيل فإنه قد يرى سباعا و أشخاصا حاضرة عنده و لا يراها أحد ممن سلم حواسه و ليست هذه الصور مرتسمة في بصره إذ لا يرتسم فيه إلا ما هو موجود مقابل إياه و لما كان إدراكها كإدراك ما يرتسم من الخارج بلا فرق عند المدرك دل ذلك أيضا على أن الإبصار إنما هو بالحس المشترك و لما كان الإبصار بارتسام الصورة في الحس المشترك لم يتميز الحال عند المدرك بين أن يرد عليه الصورة من الخارج كما هو الغالب و بين أن ترد عليه من داخل كما في المبرسم فإنه لما اشتغل نفسه بمزاولة المرض بحيث تعطلت حواسه الظاهرة استولت المتخيلة و نقشت في لوح الحس المشترك صورا كانت مخزونة في الخيال و صورا ركبتها من الصور المخزونة على طريق انتقاشها فيه من الخارج و لما لم يكن لها شعور بانتقاشها فيه من داخل لم يفرق بينها و بين الصور المنتقشة فيه من خارج فيحسب الأشياء التي هذه صورها موجودة في الخارج حاضرة عنده كما في الصحة بلا فرق. و اعترض على الأول بأنه يجوز أن يكون اتصال الارتسام في الباصرة بأن يرتسم المقابل الآخر قبل أن يزول المرتسم قبله بسرعة لحوق الثاني و قوة ارتسام الأول فيكونان معا قيل و هذا مكابرة للقطع بأنه لا ارتسام في البصر عند زوال المقابلة. و على الثاني بأنه لا يلزم من عدم كون الارتسام في الباصرة كونه في قوة أخرى جسمانية لجواز أن يكون في النفس أ لا ترى أنا نحكم بالكلي على الجزئي كحكمنا بأن زيدا إنسان مع القطع بأن مدرك الكلي هو النفس و يجوز أن يكون حضورهما عند النفس و حكمها بينهما لارتسامهما في آلتين كما أن الحكم بين الكلي و الجزئي تكون لارتسام الكلي في النفس و الجزئي في الآلة. و على الثالث أنه لا يلزم من ذلك وجود حس مشترك غاية الأمر أن لا تكفي الحواس الظاهرة لمشاهدة الصور حالتي الغيبة و الحضور بل يكون لكل حس ظاهر حس باطن. الثاني الخيال و هي قوة مرتبة في مؤخر التجويف الأول من الدماغ بحسب المشهور و عند المحققين الروح المصوب في التجويف الأول آلة للحس المشترك و الخيال إلا أن المشاهدة اختص بما في مقدمه و التخيل بما في مؤخره و هو يحفظ جميع صور المحسوسات و يمثلها بعد الغيبة عن الحواس المختصة و الحس المشترك و هي خزانة الحس المشترك لبقاء الصور المحسوسة فيها بعد زوالها عنه و إنما جعلت خزانة للحس المشترك مع أن مدركات جميع الحواس الظاهرة تختزن فيها لأن الحواس الظاهرة لا تدرك شيئا بسبب الاختزان بالخيال بل بإحساس جديد من خارج فيفوت معنى الخزانة بالقياس إليها بخلاف الحس المشترك فإنا إذا شاهدنا صورة في اليقظة أو النوم ثم ذهلنا عنها ثم شاهدناها مرة أخرى نحكم عليها بأنها هي التي شاهدناها قبل ذلك فلو لم تكن الصور محفوظة لم يكن هذا الحكم كما لو صارت منسية و إنما احتيج إلى الحفظ لئلا يختل نظام العالم و لا يشتبه الضار بالنافع إذا لم يعلم أنه المبصر أو لا و ينفسد المعاملات و غيرها. و الدليل على مغايرتها للحس المشترك وجهان أحدهما أن قوة القبول غير قوة الحفظ فرب قابل النقش كالماء لم يحفظ لوجود رطوبة فيه هي شرط سرعة القبول و عدم اليبس الذي هو شرط الحفظ و ثانيهما أن استحضار الصور و الذهول عنها من غير نسيان و النسيان يوجب تغاير القوتين ليكون الاستحضار حصول الصورة فيهما و الذهول حصولها في أحدهما دون الأخرى و النسيان زوالها عنهما و اعترض عليهما بوجوه و أجابوا منها و هي مذكورة في محالها. و احتج الرازي على إبطال الخيال بأن من طاف في العالم و رأى البلاد و الأشخاص الغير المعدودة فلو انطبقت صورها في الروح الدماغي فإما أن يحصل جميع تلك الصور في محل واحد فيلزم الاختلاط و عدم التمايز و إما أن يكون لكل صورة محل فيلزم ارتسام صورة في غاية العظم في جزء في غاية الصغر. و أجيب بأنه قياس للصور على الأعيان و هو باطل فإنه لا استحالة و لا استبعاد في توارد الصور على محل واحد مع تمايزها و لا في ارتسام صورة العظيم في المحل الصغير و إنما ذلك في الأعيان الحالة في محالها حلول العرض في الموضوع أو الجسم في المكان الثالث الوهم و هي القوة المدركة للمعاني الجزئية الموجودة في المحسوسات كالعداوة المعينة من زيد و قيد بذلك لأن مدرك العداوة الكلية هو النفس و المراد بالمعاني ما لا يدرك بالحواس الظاهرة فيقابل الصور أعني ما يدرك بها فإدراك تلك المعاني دليل على وجود قوة بها إدراكها و كونها مما لم يتأد من الحواس دليل على مغايرتها للحس المشترك و كونها جزئية دليل على مغايرتها للنفس الناطقة بناء على أنها لا تدرك الجزئيات بالذات هذا مع وجودها في الحيوانات العجم كإدراك الشاة معنى في الذئب بقي الكلام في أن القوة الواحدة لما جاز أن تكون آلة لإدراك أنواع المحسوسات لم لا يجوز أن تكون آلة لإدراك معانيها أيضا. و أما إثبات ذلك بأنهم جعلوا من أحكام الوهم ما إذا رأينا شيئا أصفر فحكمنا بأنه عسل و حلو فيكون الوهم مدركا للحلاوة و الصفرة و العسل جميعا ليصح الحكم و بأن مدرك عداوة الشخص مدرك له ضرورة فضعيف لأن الحاكم حقيقة هو النفس فيكون المجموع من الصور و المعاني حاضرا عندها بواسطة الآلات كل منها بآلتها الخاصة و لا يلزم كون محل الصور و المعاني قوة واحدة لكن يشكل بأن مثل هذا الحكم قد يكون للحيوانات العجم التي لا يعلم وجود النفس الناطقة لها كذا ذكره في شرح المقاصد. و قد يستدل على وجودها بأن في الإنسان شيئا ينازع عقله في قضاياه كما يخاف الانفراد بميت يقتضي عقله الأمن منه و ربما يغلب التخويف على التأمين فهو قوة باطنية غير عقله و قيل محل هذه القوة التجويف الأوسط من الدماغ و آلتها الدماغ كله لأنها الرئيس المطلق في الحيوان و مستخدمة سائر القوى الحيوانية التي مصدر أكثر أفاعيلها الروح الدماغي فيكون كل الدماغ آلة لكن الأخص بها التجويف الأوسط لاستخدامها المتخيلة و محلها مؤخر ذلك التجويف و لا يستلزم كون الشيء آلة القوة كونه محلا لها ليلزم توارد القوى على محل واحد كما توهم. الرابع الحافظة و هي للوهم كالخيال للحس المشترك و وجه تغايرهما أن قوة القبول غير قوة الحفظ و الحافظة للمعاني غير الحافظة للصور و الكلام فيه كالكلام في ما تقدم و يسميها قوم ذاكرة إذ بها الذكر أعني ملاحظة المحفوظ بعد الذهول و متذكرة إذ بها التذكر أي الاحتيال لاستعراض الصور بعد ما اندرست و محلها أول التجويف الآخر من الدماغ. و الخامس المتخيلة المركبة للصور المحسوسة و المعاني الجزئية المتعلقة بها بعضها مع بعض و المفصلة بعضها عن بعض تركيب الصورة بالصورة كما في قولك صاحب هذا اللون المخصوص له هذا الطعم المخصوص و تركيب المعنى بالمعنى كما في قولك ما له هذه العداوة له هذه النفرة و تركيب الصورة بالمعنى كما في قولك صاحب هذه الصداقة له هذا اللون و تفصيل الصورة عن الصورة كما في قولك هذا اللون ليس هذا الطعم و قس على هذا و قال بعضهم هي مرتبة في مقدم التجويف الأوسط من الدماغ من شأنها تركيب بعض ما في الخيال أو الحافظة من الصور و المعاني مع بعض و تفصيل بعضها عن بعض فتجمع أجزاء أنواع مختلفة كجعلها حيوانا من رأس إنسان و عنق جمل و ظهر نمر و يفرق أجزاء نوع واحد كإنسان بلا رأس و لا يسكن عن فعلها دائما لا نوما و لا يقظة و هي المحاكية للمدركات و الهيئات المزاجية و تنتقل إلى الضد و الشبيه فما في القوى الباطنة أشد شيطنة منها ليس من شأنها أن يكون عملها منتظما بل النفس هي التي تستعملها على أي نظام أرادت فتسمى عند استعمال النفس إياها بواسطة الوهم بالمتخيلة و عند استعمالها إياها بواسطة القوة العقلية بالمفكرة بها تستنبط العلوم و الصناعات و تقتنص الحدود الوسطى باستعراض ما في الحافظة. قال بعض المحققين قد علم بالتشريح أن للدماغ بطونا ثلاثة أعظمها البطن المقدم و أصغرها البطن الأوسط و هو كمنفذ من البطن المقدم إلى البطن المؤخر فآلة الحس المشترك هو الروح المصبوب في مقدم البطن المقدم و آلة الخيال هو الروح المصبوب في مؤخره و لما كان الوهم سلطان القوى الحسية و مستخدما لسائر القوى الحيوانية كان الدماغ كله آلة له و إن كان له اختصاص بآخر التجويف الأوسط و آلة المتصرفة مقدم التجويف الأوسط و آلة الحافظة مقدم التجويف الأخير و أما مؤخر هذا التجويف فلم يودع فيه شيء من هذه القوى إذ لا حارس هناك من الحواس الظاهرة فلو أودع فيه شيء من هذه القوى لكثر فيه المصادمات الموجبة لاختلال القوة. قال المحقق الشريف فانظر إلى حكمة البارئ حيث قدم ما يدرك به الصور الجزئية و وضع تحته ما يحفظها و أخر ما يدرك به المعاني المنتزعة من تلك الصور و قرنه بما يحفظها و أقعد المتصرف فيهما بينهما فسبحانه جلت قدرته و عظمت حكمته انتهى. هو إشارة إلى ما قيل في تعيين محال تلك القوى بطريق الحكمة و الغاية من أن الحس المشترك ينبغي أن يكون في مقدم الدماغ ليكون قريبا من الحواس الظاهرة فيكون التأدي إليه سهلا و الخيال خلفه لأن خزانة الشيء ينبغي أن يكون كذلك ثم ينبغي أن يكون الوهم بقرب الخيال ليكون الصور الجزئية بحذاء معانيها الجزئية و الحافظة بعده لأنها خزانته و المتخيلة في الوسط لتكون قريبة من الصور و المعاني فيمكنها الأخذ منهما بسهولة. و أما القوى المحركة فعندهم تنقسم إلى فاعلة و باعثة أما الباعثة المسماة بالشوقية فهي القوة التي إذا ارتسمت في الخيال صورة مطلوبة أو مهروبة عنها حملت القوة الفاعلة على تحريك آلات الحركة و الشوقية ذات شعبتين شهوية و غضبية لأنها إن حملت الفاعلة على تحريك يطلب بها الأشياء المتخيلة التي اعتقد أنها نافعة سواء كانت ضارة بحسب الواقع أو نافعة طلبا لحصول اللذة تسمى قوة شهوانية و إن حملت القوة الشوقية القوى المباشرة على تحريك يدفع به الشيء المتخيل ضارا كان بحسب الواقع أو مفيدا دفعا على سبيل الغلبة تسمى قوة غضبية. و أما الفاعلة المباشرة للتحريك فهي التي من شأنها أن تعد العضلات للتحريك و كيفية ذلك الإعداد منها أن تبسط العضل بإرخاء الأعصاب إلى خلاف جهة مبدئها لينبسط العضو المتحرك أي يزداد طولا و ينتقص عرضا أو تقبضه بتمديد الأعصاب إلى جهة مبدئها لينقبض العضو المتحرك أي يزداد عرضا و ينتقص طولا. ثم اعلم أن للحركات الاختيارية مبادئ مترتبة أبعدها القوى المدركة التي هي الخيال أو الوهم في الحيوان و العقل بتوسطهما في الإنسان و في الفلك بزعمهم و تليها القوة الشوقية و هي الرئيسة في القوة المحركة الفاعلة كما أن الوهم رئيسه في القوى المدركة و بعد الشوقية و قبل الفاعلة قوة أخرى هي مبدأ العزم و الإجماع المسماة بالإرادة و الكراهة و هي التي تصمم بعد التردد في الفعل و الترك عند وجود ما يترجح به أحد طرفيهما المتساوي نسبتهما إلى القادر عليهما. و يدل على مغايرة الشوق للإدراك تحقق الإدراك بدونه و على مغايرة الشوق للإجماع أنه قد يكون شوق و لا إرادة و قيل إنه لا تغاير بينهما إلا بالشدة و الضعف فإن الشوق قد يكون ضعيفا ثم يقوى فيصير عزما فالعزم كمال الشوق و ما قيل من أنه قد يحصل كمال الشوق بدون الإرادة كما في المحرمات للزاهد المغلوب للشهوة فغير مسلم بل الشوق العقلي فيه إلى جانب الترك أقوى من الميل الشهوي إلى خلافه و يدل على مغايرة الفاعلة لسائر المبادئ كون الإنسان المشتاق العازم غير قادر على التحريك و كون القادر على ذلك غير مشتاق و قال الشيخ المفيد قدس الله روحه في كتاب المسائل الحس كله مماسة ما تحس به المحسوس و اتصال به أو بما يتصل به أو بما ينفصل منه أو بما يتصل بما ينفصل منه و ذلك كالبصر فإن شعاعه لا بد من أن يتصل بالمبصر أو بما ينفصل منه أو بما يتصل بما ينفصل منه و لو كان يحس به بغير اتصال لما ضر الساتر و الحاجز و لما ضرت الظلمة و لكان وجود ذلك و عدمه في وقوع العلم سواء فإن قال قائل أ فيتصل شعاع البصر بالمشتري و زحل على بعدهما قيل له لا لكنه يتصل بالشعاع المنفصل منهما فيصيران كالشيء الواحد لتجانسهما و تشاكلهما. و أما الصوت فإنه إذا حدث في أول الهواء الذي يلي الأجسام المصطكة و كذا في ما يليه من الهواء مثله ثم كذلك إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ فيدركه السامع و مما يدل على ذلك أن القصار يضرب الثوب على الحجر فترى مماسة الثوب للحجر و يصل الصوت بعد ذلك فهذا دال على ما قلناه من أنه يتولد في هواء بعد هواء إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ. و أما الرائحة فإنه ينفصل من الجسم ذي الرائحة أجزاء لطاف و تتفرق في الهواء فما صار منه في الخيشوم الذي يقرب من موضع ذي الرائحة أدركه. و أما الذوق فإنه إدراك ما ينحل من الجسم فيمازج رطوبة اللسان و اللهوات و لذلك لا يوجد طعم ما لا ينحل منه الشيء كاليواقيت و الزجاج و نحوهما و الطعم و الرائحة لا خلاف في أنهما لا يكونان إلا بمماسة و اللمس في الحقيقة هو طلب الشيء ليشعر به و حقيقته الشعور و هذه جملة على اعتقادنا و أبي القاسم البلخي و جمهور أهل العدل و أبو هاشم الجبائي يخالف في مواضع منها. و أقول قال الحكماء أيضا للنفس الناطقة قوى تشارك بها الحيوان الأعجم و النبات و قوى أخرى أخص يحصل بها الإدراك للجزئي و هي قوى تشارك بها الحيوان الأعجم دون النبات و هي الحواس الخمس الظاهرة و الخمس الباطنة و لها قوة أخرى أخص من الأوليين لأنها تختص بالإنسان و هي قوة يحصل بها الإدراك للكلي. فأما القوى التي تشارك بها النبات و الحيوان الأعجم فأصولها ثلاثة اثنتان لأجل الشخص و هما الغاذية و النامية و واحدة لأجل النوع و هي المولدة و هذه القوى الثلاثة تسمى نباتية لا لاختصاص النبات بها بل لانحصار قواه فيها و تسمى طبيعية أيضا. فأما الغاذية فهي التي تحيل الغذاء إلى مشاكلة المغتذي و يتم فعلها بأفعال جزئية ثلاثة أحدها تحصيل جوهر البدل و هي الدم و الخلط الذي هو بالقوة القريبة من الفعل و بالإلزاق و هو أن يلصق ذلك الحاصل بالعضو و يجعله جزءا منه و بالتشبيه بالعضو المغتذي حتى في قوامه و لونه و قد تخل بكل واحد من هذه الأفعال الثلاثة أما الأول فكما في علة تسمى أطروقيا و هي عدم الغذاء و أما الثاني فكما في الاستسقاء اللحمي و أما الثالث فكما في البرص و البهق فإن البدل و الإلصاق موجودان فيهما و التشبيه غير موجود فهذه الأفعال الثلاثة لا بد و أن تكون بقوى ثلاث لكن القوة الغاذية هي مجموعها أو قوة أخرى هي تستخدم كل واحدة منها و القوة التي يصدر منها التشبيه يسمونها مغيرة ثانية و هي واحدة بالجنس في الإنسان و غيره من المركبات التي لها أجزاء و أعضاء مختلفة بالحقيقة بمنزلة الأعضاء و تختلف بالنوع إذ في كل عضو منها قوة تغير الغذاء إلى تشبيه مخالف لتشبيه قوة أخرى. و أما النامية فهي التي تداخل الغذاء بين أجزاء المغتذي فيزيد في الأقطار الثلاثة بنسبة طبيعية بأن يزيد في الأعضاء الأصلية أعني ما يتولد عن المني كالعظم و العصب و الرباط و غيرها و بذلك يظهر الفرق بين النمو و السمن فإن السمن إنما هو زيادة في الأعضاء المتولدة من الدم كاللحم و الشحم و السمين لا في الأعضاء الأصلية و بقولنا بنسبة طبيعية يخرج الورم فإنه ليس على نسبة طبيعية بل خارج عن المجرى الطبيعي. و أما المولدة فالمراد بها قوتان فوحدتهما اعتبارية كما في الغاذية إحداهما ما يجعل فضلة الهضم الرابع منيا و هذه القوة فعلها في الأنثيين لأن ذلك الدم يصير منيا فيها و ثانيهما ما يهيئ كل جزء من المني من الذكر و الأنثى في الرحم بعضو مخصوص بأن يجعل بعضه مستعدا للعظمية و بعضه مستعدا للعصبية و بعضه للرباطية إلى غير ذلك و هذه القوة تسمى المغيرة الأولى و فعلها إنما يكون حال كون المني في الرحم ليصادف ذلك فعل القوة المصورة لأنها تعد مواد الأعضاء و المصورة تلبسها صورها الخاصة بها. و إنما احتيج إلى هذه القوى أما إلى الغاذية فلأن بقاء البدن بدون الغذاء محال لأن البدن إنما يمكن تكونه من جسم رطب ليكون قابلا للتشكيل و التمديد و لا بد من حرارة عاقدة منضجة محللة للفضول يلزمها لا محالة أن تحلل الرطوبة و يعينها على ذلك الهواء الخارجي و الحركات البدنية و النفسانية فلو لا أن الغذاء يخلف بدل ما يتحلل منه لم يمكن بقاؤه مدة تمام التكون فضلا عما بعد ذلك و ليس يوجد في الخارج جسم إذا مس جسد الإنسان استحال بطبيعته فلا بد إذن من أن يكون للنفس قوة من شأنها أن تحيل الوارد إلى مشابهة جوهر أعضاء البدن ليخلف بذلك بدل ما يتحلل منه و هي القوة الغاذية. و أما إلى المولدة فلما ثبت من أن الموت ضروري و حدوث الإنسان بالتولد مما يندر وجوده فوجب أن يكون للنفس قوة تفصل من المادة التي تحصلها الغاذية ما بعده مادة لشخص آخر و لما كانت المادة المنفصلة أقل من المقدار الواجب لشخص كامل جعلت النفس ذات قوة تضيف من المادة التي تحصلها الغاذية شيئا فشيئا إلى المادة المفصولة فيزيد بها مقدارها في الأقطار على تناسب طبيعي يليق بأشخاص ذلك النوع إلى أن يتم الشخص. و تخدم الغاذية قوى أربع هي الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة أما الاحتياج إلى الجاذبة فظاهر لأن الغذاء لا يمكن أن يصل بنفسه إلى جميع الأعضاء لأنه لا يخلو إما أن يكون ثقيلا فلا يصل إلى الأعضاء العالية و إما أن يكون خفيفا فلا يصل إلى الأعضاء السافلة و وجودها في بعض الأعضاء معلوم بالحس فإن المنتكس إذا اشتدت حاجته إلى الغذاء يجده ينجذب من فمه إلى المعدة من غير إرادته بل مع إرادة إمساكه في فمه و أيضا إن الحلو يخرج بالقيء بعد غيره و إن تناوله أولا و ما ذلك إلا بجذب المعدة اللذيذ إلى قعرها و أيضا الرحم إذا كانت خالية عن الفضول بعيدة العهد من الجماع يحس الإنسان وقت الجماع أن إحليله ينجذب إلى الداخل. و أما إلى الماسكة فلأن الغذاء لا بد فيه من الاستحالة حتى يصير شبيها بجوهر المغتذي و الاستحالة حركة و كل حركة في زمان فلا بد من زمان في مثله يستحيل الغذاء إلى جوهر المغتذي و لأن الخلط جسم رطب سيال استحال أن يقف بنفسه زمانا فلا بد من قاسر يقسره على الوقوف و ذلك القاسر هو الماسكة و وجودها في بعض الأعضاء معلوم بالحس فإن أرباب التشريح قالوا إذا شرحنا الحيوان حال ما تناول الغذاء وجدنا معدته محتوية على الغذاء بحيث لا يمكن أن يسيل من ذلك الغذاء شيء و أيضا قالوا إذا شققنا بطن الحامل من تحت السرة وجدنا رحمها منضمة انضماما شديدا بحيث لا يسع أن يدخل فيها طرف الميل و أيضا فإن المني إذا استقر في الرحم لا ينزل عنها مع ثقله. و أما إلى الهاضمة فلأن إحالة القوة المغيرة إنما يكون لما هو متقارب الاستعداد للصورة العضوية و إنما يكون ذلك بعد فعل القوة التي تجعله متقارب الاستعداد و تلك هي القوة الهاضمة. و مراتب الهضم أربع أولها في المعدة فإن الغذاء يصير فيها كيلوسا أي جوهرا شبيها بماء الكشك الثخين إما بمخالطة المشروب و ذلك في أكثر الحيوانات و إما بلا مخالطة المشروب كما في جوارح الصيد و ابتداء ذلك الهضم في الفم و لهذا كانت الحنطة الممضوغة تفعل في إنضاج الدماميل ما لا تفعله المطبوخة و لا المدقوقة المخلوطة باللعاب و ثانيها في الكبد فإن الكيلوس إذا تم انهضامه في المعدة انجذبت لطائفه بالعروق المسماة بالماساريقا إلى الكبد و تداخلت في العروق المتصغرة المتضائلة المنتشرة في جميع أجزاء الكبد بحيث يلاقي الكبد بكليته الكيلوس فينهضم هناك انهضاما ثانيا و تنخلع صورته النوعية الغذائية و يستحيل إلى الأخلاط و يسمى كيموسا و ابتداء هذا الهضم في الماساريقا و ثالثها في العروق و ابتداؤه من حين صعود الخلط في العرق العظيم الطالع من حدبة الكبد و رابعها في الأعضاء و ابتداؤه من حين ما ترشح الدم من فوهات العروق. و أما إلى الدافعة فلأنه ليس غذاء يصير بتمامه جزءا من المغتذي بل يفضل منه ما يضيق المكان و يمنع ما يرد من الغذاء عن الوصول إلى الأعضاء و يوجب ثقل البدن بل يفسد و يفسد فلا بد من قوة تدفع تلك الفضلات و وجودها ظاهر عند الحس في حال التبرز و القيء و إراقة البول. و قد تتضاعف هذه القوى لبعض الأعضاء كما للمعدة فإن فيها الجاذبة و الماسكة و الهاضمة و الدافعة بالنسبة إلى غذاء جميع البدن و فيها أيضا هذه القوى بالنسبة إلى ما تغتذي به خاصة. ثم اعلم أن الحكماء عدوا من القوى المولدة القوة المصورة و أنكرها جماعة منهم المحقق الطوسي قدّس سرّه و الفخر الرازي و الغزالي و غيرهم قال في المقاصد المولدة هي قوة شأنها تحصيل البزر و تفصيله إلى أجزاء مختلفة و هيئات مناسبة و ذلك بأن يفرز جزءا من الغذاء بعد الهضم التام ليصير مبدأ لشخص آخر من نوع المغتذي أو جنسه ثم يفصل ما فيه من الكيفيات المزاجية فيمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو ثم يفيده بعد الاستحالات الصور و القوى و الأعراض الحاصلة للنوع الذي انفصل عنه البزر أو لجنسه كما في البغل و المحققون على أن هذه الأفعال مستندة إلى قوى ثلاث بينوا حالها على ما عرفت في الإنسان و كثير من الحيوانات الأولى التي تجذب الدم إلى الأنثيين و تتصرف فيه إلى أن يصير منيا و هي لا تفارق الأنثيين و تخص باسم المحصلة. و الثانية التي تتصرف في المني فتفصل كيفياتها المزاجية و تمزجها تمزيجات بحسب عضو عضو فتعين للعصب مثلا مزاجا خاصا و للشريان مزاجا خاصا و للعظم مزاجا خاصا و بالجملة تعد مواد الأعضاء و تخص هذه باسم المفصلة و المغيرة الأولى تمييزا عن المغيرة التي هي من جملة الغاذية. و الثالثة التي تفيد تمييز الأجزاء و تشكيلها على مقاديرها و أوضاع بعضها عن بعض و كيفياتها و بالجملة تلبس كل عضو صورته الخاصة به يستكمل وجود الأعضاء و هذه تخص باسم المصورة و فعلها إنما يكون في الرحم انتهى. و قال المحقق الطوسي قدّس سرّه و المصورة عندي باطلة لاستحالة صدور هذه الأفعال المحكمة المركبة عن قوة بسيطة ليس لها شعور أصلا انتهى. و الغزالي بالغ في ذلك حتى أبطل القوى مطلقا و ادعى أن الأفعال المنسوبة إلى القوى صادرة عن ملائكة موكلة بهذه الأفعال تفعلها بالشعور و الاختيار كما هو ظاهر النصوص الواردة في هذا الباب. و قال الشارح القوشجي بعد إيراد الكلام المتقدم يرد عليه أنا لا نسلم أن المصورة قوة واحدة بسيطة لم لا يجوز أن تكون وحدتها بالجنس كما أن المغيرة واحدة بالجنس مختلفة بالنوع و لو سلم فلم لا يجوز أن يكون صدور هذه الأفعال عنها بحسب استعداد المادة فإن المني إنما يحصل من فضلة الهضم الرابع في الأعضاء ففضلة هضم كل عضو إنما تستعد لصورة ذلك العضو. لكن الإنصاف أن تلك الأفعال المتقنة المحكمة على النظام المشاهد من الصور العجيبة و الأشكال الغريبة و النقوش المؤتلفة و الألوان المختلفة و ما روعي فيها من حكم و مصالح لقد تحيرت فيها الأوهام و عجزت عن إدراكها العقول و الأفهام قد بلغ المدون منها كما علم في علم التشريح و منافع خلقة الناس خمسة آلاف مع أن ما لم يعلم منها أكثر مما قد علم كما لا يخفى على ذي حدس كامل كما لا يكاد يذعن العقل بصدورها عن القوة التي سموها مصورة و إن فرضنا كونها مركبة و المواد مختلفة بل يحكم بأن أمثال تلك الأمور لا يمكن أن تصدر إلا عن حكيم عليم خبير قدير. ثم أطال الكلام في الاعتراض على دلائلهم في إثبات تلك القوى و تعددها تركناها مخافة الإطناب و الإسهاب.

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٥٨ - الصفحة ٢٥٥. — الإمام الصادق عليه السلام
[1/2] 8- تَوْحِيدُ الْمُفَضَّلِ، قَالَ الصَّادِقُ

عليه السلام فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي جُعِلَتْ فِي الْإِنْسَانِ مِنَ الطَّعْمِ وَ النَّوْمِ وَ الْجِمَاعِ وَ مَا دُبِّرَ فِيهَا فَإِنَّهُ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي الطِّبَاعِ نَفْسِهِ مُحَرِّكٌ يَقْتَضِيهِ وَ يَسْتَحِثُّ بِهِ فَالْجُوعُ يَقْتَضِي الطَّعْمَ الَّذِي بِهِ حَيَاةُ الْبَدَنِ وَ قِوَامُهُ وَ الْكَرَى يَقْتَضِي النَّوْمَ الَّذِي فِيهِ رَاحَةُ الْبَدَنِ وَ إِجْمَامُ قُوَاهُ وَ الشَّبَقُ يَقْتَضِي الْجِمَاعَ الَّذِي فِيهِ دَوَامُ النَّسْلِ وَ بَقَاؤُهُ وَ لَوْ كَانَ الْإِنْسَانُ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى أَكْلِ الطَّعَامِ لِمَعْرِفَتِهِ بِحَاجَةِ بَدَنِهِ إِلَيْهِ وَ لَمْ يَجِدْ مِنْ طِبَاعِهِ شَيْئاً يَضْطَرُّهُ إِلَى ذَلِكَ كَانَ خَلِيقاً أَنْ يَتَوَانَى عَنْهُ أَحْيَاناً بِالتَّثَقُّلِ وَ الْكَسَلِ حَتَّى يَنْحَلَّ بَدَنُهُ فَيَهْلِكَ كَمَا يَحْتَاجُ الْوَاحِدُ إِلَى الدَّوَاءِ لِشَيْءٍ مِمَّا يَصْلُحُ بِهِ بَدَنُهُ فَيُدَافِعُ بِهِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ ذَلِكَ إِلَى الْمَرَضِ وَ الْمَوْتِ وَ كَذَلِكَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَصِيرُ إِلَى النَّوْمِ بِالتَّفَكُّرِ فِي حَاجَتِهِ إِلَى رَاحَةِ الْبَدَنِ وَ إِجْمَامِ قُوَاهُ كَانَ عَسَى أَنْ يَتَثَاقَلَ عَنْ ذَلِكَ فَيَدْفَعَهُ حَتَّى يُنْهَكَ بَدَنُهُ وَ لَوْ كَانَ إِنَّمَا يَتَحَرَّكُ لِلْجِمَاعِ بِالرَّغْبَةِ فِي الْوَلَدِ كَانَ غَيْرَ بَعِيدٍ أَنْ يَفْتُرَ عَنْهُ حَتَّى يَقِلَّ النَّسْلُ أَوْ يَنْقَطِعَ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يَرْغَبُ فِي الْوَلَدِ وَ لَا يَحْفِلُ بِهِ فَانْظُرْ كَيْفَ جُعِلَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَفْعَالِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْإِنْسَانِ وَ صَلَاحُهُ مُحَرِّكٌ مِنْ نَفْسِ الطَّبْعِ يُحَرِّكُهُ كَذَلِكَ وَ يَحْدُوهُ عَلَيْهِ وَ اعْلَمْ أَنَّ فِي الْإِنْسَانِ قُوًى أَرْبَعاً قُوَّةً جَاذِبَةً تَقْبَلُ الْغِذَاءَ وَ تُورِدُهُ عَلَى الْمَعِدَةِ وَ قُوَّةً مُمْسِكَةً تَحْبِسُ الطَّعَامَ حَتَّى تَفْعَلَ فِيهِ الطَّبِيعَةُ فِعْلَهَا وَ قُوَّةً هَاضِمَةً وَ هِيَ الَّتِي تَطْبُخُهُ وَ تَسْتَخْرِجُ صَفْوَهُ وَ تَبُثُّهُ فِي الْبَدَنِ وَ قُوَّةً دَافِعَةً تَدْفَعُهُ وَ تَحْدُرُ الثُّفْلَ الْفَاضِلَ بَعْدَ أَخْذِ الْهَاضِمَةِ حَاجَتَهَا فَفَكِّرْ فِي تَقْدِيرِ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعِ الَّتِي فِي الْبَدَنِ وَ أَفْعَالِهَا وَ تَقْدِيرِهَا لِلْحَاجَةِ إِلَيْهَا وَ الْإِرْبِ فِيهَا وَ مَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ وَ لَوْ لَا الْجَاذِبَةُ كَيْفَ يَتَحَرَّكُ الْإِنْسَانُ لِطَلَبِ الْغِذَاءِ الَّتِي بِهَا قِوَامُ الْبَدَنِ وَ لَوْ لَا الْمَاسِكَةُ كَيْفَ كَانَ يَلْبَثُ الطَّعَامُ فِي الْجَوْفِ حَتَّى تَهْضِمَهُ الْمَعِدَةُ وَ لَوْ لَا الْهَاضِمَةُ كَيْفَ كَانَ يَنْطَبِخُ مِنْهُ حَتَّى يَخْلُصَ مِنْهُ الصَّفْوُ الَّذِي يَغْذُو الْبَدَنَ وَ يَسُدُّ خُلَلَهُ وَ لَوْ لَا الدَّافِعَةُ كَيْفَ كَانَ الثُّفْلُ الَّذِي تُخَلِّفُهُ الْهَاضِمَةُ يَنْدَفِعُ وَ يَخْرُجُ أَوَّلًا فَأَوَّلًا أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وَكَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِلَطِيفِ صُنْعِهِ وَ حُسْنِ تَقْدِيرِهِ هَذِهِ الْقُوَى بِالْبَدَنِ وَ الْقِيَامِ بِمَا فِيهِ صَلَاحُهُ وَ سَأُمَثِّلُ فِي ذَلِكَ مِثَالًا إِنَّ الْبَدَنَ بِمَنْزِلَةِ دَارِ الْمَلِكِ وَ لَهُ فِيهَا حَشَمٌ وَ صِبْيَةٌ وَ قُوَّامٌ مُوَكَّلُونَ بِالدَّارِ فَوَاحِدٌ لِإِفْضَاءِ حَوَائِجِ الْحَشَمِ وَ إِيرَادِهَا عَلَيْهِمْ وَ آخَرُ لِقَبْضِ مَا يَرِدُ وَ خَزْنِهِ إِلَى أَنْ يُعَالَجَ وَ يُهَيَّأَ وَ آخَرُ لِعِلَاجِ ذَلِكَ وَ تَهْيِئَتِهِ وَ تَفْرِيقِهِ وَ آخَرُ لِتَنْظِيفِ مَا فِي الدَّارِ مِنَ الْأَقْذَارِ وَ إِخْرَاجِهِ مِنْهَا فَالْمَلِكُ هُوَ الْخَلَّاقُ الْحَكِيمُ مَلِكُ الْعَالَمِينَ وَ الدَّارُ هِيَ الْبَدَنُ وَ الْحَشَمُ هِيَ الْأَعْضَاءُ وَ الْقُوَّامُ هِيَ هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعُ وَ لَعَلَّكَ تَرَى ذِكْرَنَا هَذِهِ الْقُوَى الْأَرْبَعَ وَ أَفْعَالَهَا بَعْدَ الَّذِي وَصَفْتُ فَضْلًا وَ تَزْدَاداً وَ لَيْسَ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ هَذِهِ الْقُوَى عَلَى الْجِهَةِ الَّتِي ذُكِرَتْ فِي كُتُبِ الْأَطِبَّاءِ وَ لَا قَوْلُنَا فِيهِ كَقَوْلِهِمْ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوهَا عَلَى مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ فِي صِنَاعَةِ الطِّبِّ وَ تَصْحِيحِ الْأَبْدَانِ وَ ذَكَرْنَاهَا عَلَى مَا يُحْتَاجُ فِي صَلَاحِ الدِّينِ وَ شِفَاءِ النُّفُوسِ مِنَ الْغَيِّ كَالَّذِي أَوْضَحْتُهُ بِالْوَصْفِ الثَّانِي وَ الْمَثَلِ الْمَضْرُوبِ مِنَ التَّدْبِيرِ وَ الْحِكْمَةِ فِيهَا تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ هَذِهِ الْقُوَى الَّتِي فِي النَّفْسِ وَ مَوْقِعَهَا مِنَ الْإِنْسَانِ أَعْنِي الْفِكْرَ وَ الْوَهْمَ وَ الْعَقْلَ وَ الْحِفْظَ وَ غَيْرَ ذَلِكَ أَ فَرَأَيْتَ لَوْ نُقِصَ الْإِنْسَانُ مِنْ هَذِهِ الْخِلَالِ الْحِفْظَ وَحْدَهُ كَيْفَ كَانَتْ تَكُونُ حَالُهُ وَ كَمْ مِنْ خَلَلٍ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهِ فِي أُمُورِهِ وَ مَعَاشِهِ وَ تَجَارُبِهِ إِذَا لَمْ يَحْفَظْ مَا لَهُ وَ عَلَيْهِ وَ مَا أَخَذَهُ وَ مَا أَعْطَى وَ مَا رَأَى وَ مَا سَمِعَ وَ مَا قَالَ وَ مَا قِيلَ لَهُ وَ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ مِمَّنْ أَسَاءَهُ وَ مَا نَفَعَهُ مِمَّا ضَرَّهُ ثُمَّ كَانَ لَا يَهْتَدِي لِطَرِيقٍ لَوْ سَلَكَهُ مَا لَا يُحْصَى وَ لَا يَحْفَظُ عِلْماً وَ لَوْ دَرَسَهُ عُمُرَهُ وَ لَا يَعْتَقِدُ دِيناً وَ لَا يَنْتَفِعُ بِتَجْرِبَةٍ وَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْتَبِرَ شَيْئاً عَلَى مَا مَضَى بَلْ كَانَ حَقِيقاً أَنْ يَنْسَلِخَ مِنَ الْإِنْسَانِيَّةِ أَصْلًا فَانْظُرْ إِلَى النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي هَذِهِ الْخِلَالِ أَوْ كَيْفَ مَوْقِعُ الْوَاحِدَةِ مِنْهَا دُونَ الْجَمِيعِ وَ أَعْظَمُ مِنَ النِّعْمَةِ عَلَى الْإِنْسَانِ فِي الْحِفْظِ النِّعْمَةُ فِي النِّسْيَانِ فَإِنَّهُ لَوْ لَا النِّسْيَانُ لَمَا سَلَا أَحَدٌ عَنْ مُصِيبَةٍ وَ لَا انْقَضَتْ لَهُ حَسْرَةٌ وَ لَا مَاتَ لَهُ حِقْدٌ وَ لَا اسْتَمْتَعَ بِشَيْءٍ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا مَعَ تَذَكُّرِ الْآفَاتِ وَ لَا رَجَاءُ غَفْلَةٍ مِنْ سُلْطَانٍ وَ لَا فَتْرَةٌ مِنْ حَاسِدٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ جُعِلَ فِي الْإِنْسَانِ الْحِفْظُ وَ النِّسْيَانُ وَ هُمَا مُخْتَلِفَانِ مُتَضَادَّانِ جُعِلَ لَهُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا ضَرْبٌ مِنَ الْمَصْلَحَةِ وَ مَا عَسَى أَنْ يَقُولَ الَّذِينَ قَسَّمُوا الْأَشْيَاءَ بَيْنَ خَالِقَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَضَادَّةِ الْمُتَبَايِنَةِ وَ قَدْ تَرَاهَا تَجْمَعُ عَلَى مَا فِيهِ الصَّلَاحُ وَ الْمَنْفَعَةُ انْظُرْ يَا مُفَضَّلُ إِلَى مَا خُصَّ بِهِ الْإِنْسَانُ دُونَ جَمِيعِ الْحَيَوَانِ مِنْ هَذَا الْخَلْقِ الْجَلِيلِ قَدْرُهُ الْعَظِيمِ غَنَاؤُهُ أَعْنِي الْحَيَاءَ فَلَوْلَاهُ لَمْ يُقْرَ ضَيْفٌ وَ لَمْ يُوفَ بِالْعِدَاتِ وَ لَمْ تُقْضَ الْحَوَائِجُ وَ لَمْ يُتَحَرَّ الْجَمِيلُ وَ لَمْ يُتَنَكَّبِ الْقَبِيحُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ حَتَّى إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأُمُورِ الْمُفْتَرَضَةِ أَيْضاً إِنَّمَا يُفْعَلُ لِلْحَيَاءِ فَإِنَّ مِنَ النَّاسِ [مَنْ لَوْ لَا الْحَيَاءُ لَمْ يَرْعَ حَقَّ وَالِدَيْهِ وَ لَمْ يَصِلْ ذَا رَحِمٍ وَ لَمْ يُؤَدِّ أَمَانَةً وَ لَمْ يَعِفَّ عَنْ فَاحِشَةٍ أَ فَلَا تَرَى كَيْفَ وُفِّيَ الْإِنْسَانُ جَمِيعَ الْخِلَالِ الَّتِي فِيهَا صَلَاحُهُ وَ تَمَامُ أَمْرِهِ تَأَمَّلْ يَا مُفَضَّلُ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ تَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ بِهِ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ هَذَا النُّطْقِ الَّذِي يُعَبِّرُ بِهِ عَمَّا فِي ضَمِيرِهِ وَ مَا يَخْطُرُ بِقَلْبِهِ وَ يُنْتِجُهُ فِكْرُهُ وَ بِهِ يَفْهَمُ مِنْ غَيْرِهِ مَا فِي نَفْسِهِ وَ لَوْ لَا ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهَائِمِ الْمُهْمَلَةِ الَّتِي لَا تُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهَا بِشَيْءٍ وَ لَا تَفْهَمُ عَنْ مُخْبِرٍ شَيْئاً وَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ الَّتِي بِهَا تُقَيَّدُ أَخْبَارُ الْمَاضِينَ لِلْبَاقِينَ وَ أَخْبَارُ الْبَاقِينَ لِلْآتِينَ وَ بِهَا تُخَلَّدُ الْكُتُبُ فِي الْعُلُومِ وَ الْآدَابِ وَ غَيْرِهَا وَ بِهَا يَحْفَظُ الْإِنْسَانُ ذِكْرَ مَا يَجْرِي بَيْنَهُ وَ بَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ وَ الْحِسَابِ وَ لَوْلَاهُ لَانْقَطَعَ أَخْبَارُ بَعْضِ الْأَزْمِنَةِ عَنْ بَعْضٍ وَ أَخْبَارُ الْغَائِبِينَ عَنْ أَوْطَانِهِمْ وَ دَرَسَتِ الْعُلُومُ وَ ضَاعَتِ الْآدَابُ وَ عَظُمَ مَا يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْخَلَلِ فِي أُمُورِهِمْ وَ مُعَامَلَاتِهِمْ وَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَى النَّظَرِ فِيهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ وَ مَا رُوِيَ لَهُمْ مِمَّا لَا يَسَعُهُمْ جَهْلُهُ وَ لَعَلَّكَ تَظُنُّ أَنَّهَا مِمَّا يُخْلَصُ إِلَيْهِ بِالْحِيلَةِ وَ الْفِطْنَةِ وَ لَيْسَتْ مِمَّا أُعْطِيَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ خَلْقِهِ وَ طِبَاعِهِ وَ كَذَلِكَ الْكَلَامُ إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَصْطَلِحُ عَلَيْهِ النَّاسُ فَيَجْرِي بَيْنَهُمْ وَ لِهَذَا صَارَ يَخْتَلِفُ فِي الْأُمَمِ الْمُخْتَلِفَةِ بِأَلْسُنٍ مُخْتَلِفَةٍ وَ كَذَلِكَ الْكِتَابَةُ كَكِتَابَةِ الْعَرَبِيِّ وَ السُّرْيَانِيِّ وَ الْعِبْرَانِيِّ وَ الرُّومِيِّ وَ غَيْرِهَا مِنْ سَائِرِ الْكِتَابَةِ الَّتِي هِيَ مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْأُمَمِ إِنَّمَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهَا كَمَا اصْطَلَحُوا عَلَى الْكَلَامِ فَيُقَالُ لِمَنِ ادَّعَى ذَلِكَ إِنَّ الْإِنْسَانَ وَ إِنْ كَانَ لَهُ فِي الْأَمْرَيْنِ جَمِيعاً فِعْلٌ أَوْ حِيلَةٌ فَإِنَّ الشَّيْءَ الَّذِي يَبْلُغُ بِهِ ذَلِكَ الْفِعْلَ وَ الْحِيلَةَ عَطِيَّةٌ وَ هِبَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَهُ فِي خَلْقِهِ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ لِسَانٌ مُهَيَّأٌ لِلْكَلَامِ وَ ذِهْنٌ يَهْتَدِي بِهِ لِلْأُمُورِ لَمْ يَكُنْ لِيَتَكَلَّمَ أَبَداً وَ لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَفٌّ مُهَيَّأَةٌ وَ أَصَابِعُ لِلْكِتَابَةِ لَمْ يَكُنْ لِيَكْتُبَ أَبَداً وَ اعْتَبِرْ ذَلِكَ مِنَ الْبَهَائِمِ الَّتِي لَا كَلَامَ لَهَا وَ لَا كِتَابَةَ فَأَصْلُ ذَلِكَ فِطْرَةُ الْبَارِئِ جَلَّ وَ عَزَّ وَ مَا تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى خَلْقِهِ فَمَنْ شَكَرَ أُثِيبَ وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ فَكِّرْ يَا مُفَضَّلُ فِي مَا أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ عِلْمَهُ وَ مَا مُنِعَ فَإِنَّهُ أُعْطِيَ عِلْمَ جَمِيعِ مَا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ فَمِمَّا فِيهِ صَلَاحُ دِينِهِ مَعْرِفَةُ الْخَالِقِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بِالدَّلَائِلِ وَ الشَّوَاهِدِ الْقَائِمَةِ فِي الْخَلْقِ وَ مَعْرِفَةُ الْوَاجِبِ عَلَيْهِ مِنَ الْعَدْلِ عَلَى النَّاسِ كَافَّةً وَ بِرِّ الْوَالِدَيْنِ وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَ مُوَاسَاةِ أَهْلِ الْخُلَّةِ وَ أَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ تُوجِبُ مَعْرِفَتَهُ وَ الْإِقْرَارُ وَ الِاعْتِرَافُ بِهِ فِي الطَّبْعِ وَ الْفِطْرَةِ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ مُوَافِقَةٍ أَوْ مُخَالِفَةٍ وَ كَذَلِكَ أُعْطِيَ عِلْمَ مَا فِيهِ صَلَاحُ دُنْيَاهُ كَالزِّرَاعَةِ وَ الْغِرَاسِ وَ اسْتِخْرَاجِ الْأَرَضِينَ وَ اقْتِنَاءِ الْأَغْنَامِ وَ الْأَنْعَامِ وَ اسْتِنْبَاطِ الْمِيَاهِ وَ مَعْرِفَةِ الْعَقَاقِيرِ الَّتِي يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ ضُرُوبِ الْأَسْقَامِ وَ الْمَعَادِنِ الَّتِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا أَنْوَاعُ الْجَوَاهِرِ وَ رُكُوبِ السُّفُنِ وَ الْغَوْصِ فِي الْبَحْرِ وَ ضُرُوبِ الْحِيَلِ فِي صَيْدِ الْوَحْشِ وَ الطَّيْرِ وَ الْحِيتَانِ وَ التَّصَرُّفِ فِي الصِّنَاعَاتِ وَ وُجُوهِ الْمَتَاجِرِ وَ الْمَكَاسِبِ وَ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ شَرْحُهُ وَ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ مِمَّا فِيهِ صَلَاحُ أَمْرِهِ فِي هَذِهِ الدَّارِ فَأُعْطِيَ عِلْمَ مَا يَصْلُحُ بِهِ دِينُهُ وَ دُنْيَاهُ وَ مُنِعَ مَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ شَأْنُهُ وَ لَا طَاقَتُهُ أَنْ يَعْلَمَ كَعِلْمِ الْغَيْبِ وَ مَا هُوَ كَائِنٌ وَ بَعْضِ مَا قَدْ كَانَ أَيْضاً كَعِلْمِ مَا فَوْقَ السَّمَاءِ وَ مَا تَحْتَ الْأَرْضِ وَ مَا فِي لُجَجِ الْبِحَارِ وَ أَقْطَارِ الْعَالَمِ وَ مَا فِي قُلُوبِ النَّاسِ وَ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَ أَشْبَاهِ هَذَا مِمَّا حُجِبَ عَلَى النَّاسِ عِلْمُهُ وَ قَدِ ادَّعَتْ طَائِفَةٌ مِنَ النَّاسِ هَذِهِ الْأُمُورَ فَأَبْطَلَ دَعْوَاهُمْ مَا يَبِينُ مِنْ خَطَئِهُمْ فِي مَا يَقْضُونَ عَلَيْهِ وَ يَحْكُمُونَ بِهِ فِي مَا ادَّعَوْا عِلْمَهُ فَانْظُرْ كَيْفَ أُعْطِيَ الْإِنْسَانُ عِلْمَ جَمِيعِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدِينِهِ وَ دُنْيَاهُ وَ حُجِبَ عَنْهُ مَا سِوَى ذَلِكَ لِيَعْرِفَ قَدْرَهُ وَ نَقْصَهُ وَ كِلَا الْأَمْرَيْنِ فِيهَا صَلَاحُهُ تَأَمَّلِ الْآنَ يَا مُفَضَّلُ مَا سُتِرَ عَنِ الْإِنْسَانِ عِلْمُهُ مِنْ مُدَّةِ حَيَاتِهِ فَإِنَّهُ لَوْ عَرَفَ مِقْدَارَ عُمُرِهِ وَ كَانَ قَصِيرَ الْعُمُرِ لَمْ يَتَهَنَّأْ بِالْعَيْشِ مَعَ تَرَقُّبِ الْمَوْتِ وَ تَوَقُّعِهِ لِوَقْتٍ قَدْ عَرَفَهُ بَلْ كَانَ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدْ فَنِيَ مَالُهُ أَوْ قَارَبَ الْفَنَاءَ فَقَدِ اسْتَشْعَرَ الْفَقْرَ وَ الْوَجَلَ مِنْ فَنَاءِ مَالِهِ وَ خَوْفِ الْفَقْرِ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَدْخُلُ عَلَى الْإِنْسَانِ مِنْ فَنَاءِ الْعُمُرِ أَعْظَمُ مِمَّا يَدْخُلُ عَلَيْهِ مِنْ فَنَاءِ الْمَالِ لِأَنَّ مَنْ يَقِلُّ مَالُهُ يَأْمُلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مِنْهُ فَيَسْكُنُ إِلَى ذَلِكَ وَ مَنْ أَيْقَنَ بِفَنَاءِ الْعُمُرِ اسْتَحْكَمَ عَلَيْهِ الْيَأْسُ وَ إِنْ كَانَ طَوِيلَ الْعُمُرِ ثُمَّ عَرَفَ ذَلِكَ وَثِقَ بِالْبَقَاءِ وَ انْهَمَكَ فِي اللَّذَّاتِ وَ الْمَعَاصِي وَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يَبْلُغُ مِنْ ذَلِكَ شَهْوَتَهُ ثُمَّ يَتُوبُ فِي آخِرِ عُمُرِهِ وَ هَذَا مَذْهَبٌ لَا يَرْضَاهُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ وَ لَا يَقْبَلُهُ أَ لَا تَرَى لَوْ أَنَّ عَبْداً لَكَ عَمِلَ عَلَى أَنَّهُ يُسْخِطُكَ سَنَةً وَ يُرْضِيكَ يَوْماً أَوْ شَهْراً لَمْ تَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ وَ لَمْ يَحُلَّ عِنْدَكَ مَحَلَّ الْعَبْدِ الصَّالِحِ دُونَ أَنْ يُضْمِرَ طَاعَتَكَ وَ نُصْحَكَ فِي كُلِّ الْأُمُورِ فِي كُلِّ الْأَوْقَاتِ عَلَى تَصَرُّفِ الْحَالاتِ فَإِنْ قُلْتَ أَ وَ لَيْسَ قَدْ يُقِيمُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ حِيناً ثُمَّ يَتُوبُ فَتُقْبَلُ تَوْبَتُهُ قُلْنَا إِنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ يَكُونُ مِنَ الْإِنْسَانِ لِغَلَبَةِ الشَّهَوَاتِ لَهُ لو [وَ تَرْكِهِ مُخَالَفَتَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُقَدِّرَهَا فِي نَفْسِهِ وَ يَبْنِيَ عَلَيْهِ أَمْرَهُ فَيَصْفَحُ اللَّهُ عَنْهُ وَ يَتَفَضَّلُ عَلَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ فَأَمَّا مَنْ قَدَّرَ أَمْرَهُ عَلَى أَنْ يَعْصِيَ مَا بَدَا لَهُ ثُمَّ يَتُوبَ آخِرَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يُحَاوِلُ خَدِيعَةَ مَنْ لَا يُخَادَعُ بِأَنْ يَتَسَلَّفَ التَّلَذُّذَ فِي الْعَاجِلِ وَ يَعِدَ وَ يُمَنِّيَ نَفْسَهُ التَّوْبَةَ فِي الْآجِلِ وَ لِأَنَّهُ لَا يَفِي بِمَا يَعِدُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ النُزُوعَ مِنَ التَّرَفُّهِ وَ التَّلَذُّذِ وَ مُعَانَاةَ التَّوْبَةِ وَ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْكِبَرِ وَ ضَعْفِ الْبَدَنِ أَمْرٌ صَعْبٌ وَ لَا يُؤْمَنُ عَلَى الْإِنْسَانِ مَعَ مُدَافَعَتِهِ بِالتَّوْبَةِ أَنْ يُرْهِقَهُ الْمَوْتُ فَيَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا غَيْرَ تَائِبٍ كَمَا قَدْ يَكُونُ عَلَى الْوَاحِدِ دَيْنٌ إِلَى أَجَلٍ وَ قَدْ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهِ فَلَا يَزَالُ يُدَافِعُ بِذَلِكَ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَ قَدْ نَفِدَ الْمَالُ فَيَبْقَى الدَّيْنُ قَائِماً عَلَيْهِ فَكَانَ خَيْرَ الْإِنْسَانِ أَنْ يُسْتَرَ عَنْهُ مَبْلَغُ عُمُرِهِ فَيَكُونَ طُولَ عُمُرِهِ يَتَرَقَّبُ الْمَوْتَ فَيَتْرُكَ الْمَعَاصِيَ وَ يُؤْثِرَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ فَإِنْ قُلْتَ وَ هَا هُوَ الْآنَ قَدْ سُتِرَ عَنْهُ مِقْدَارُ حَيَاتِهِ وَ صَارَ يَتَرَقَّبُ الْمَوْتَ فِي كُلِّ سَاعَةٍ يُقَارِفُ الْفَوَاحِشَ وَ يَنْتَهِكُ الْمَحَارِمَ قُلْنَا إِنَّ وَجْهَ التَّدْبِيرِ فِي هَذَا الْبَابِ هُوَ الَّذِي جَرَى عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِيهِ فَإِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَرْعَوِي وَ لَا يَنْصَرِفُ عَنِ الْمَسَاوِي فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ مَرَحِهِ وَ مِنْ قَسَاوَةِ قَلْبِهِ لَا مِنْ خَطَإٍ فِي التَّدْبِيرِ كَمَا أَنَّ الطَّبِيبَ قَدْ يَصِفُ لِلْمَرِيضِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ مُخَالِفاً لِقَوْلِ الطَّبِيبِ لَا يَعْمَلُ بِمَا يَأْمُرُهُ وَ لَا يَنْتَهِي عَمَّا يَنْهَاهُ عَنْهُ لَمْ يَنْتَفِعْ بِصِفَتِهِ وَ لَمْ يَكُنِ الْإِسَاءَةُ فِي ذَلِكَ الطَّبِيبِ بَلْ لِلْمَرِيضِ حَيْثُ لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُ وَ لَئِنْ كَانَ الْإِنْسَانُ مَعَ تَرَقُّبِهِ لِلْمَوْتِ كُلَّ سَاعَةٍ لَا يَمْتَنِعُ عَنِ الْمَعَاصِي فَإِنَّهُ لَوْ وَثِقَ بِطُولِ الْبَقَاءِ كَانَ أَحْرَى بِأَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْكَبَائِرِ الْقَطْعِيَّةِ فَتَرَقُّبُ الْمَوْتِ عَلَى كُلِّ حَالٍ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الثِّقَةِ بِالْبَقَاءِ ثُمَّ إِنَّ تَرَقُّبَ الْمَوْتِ وَ إِنْ كَانَ صِنْفٌ مِنَ النَّاسِ يَلْهَوْنَ عَنْهُ وَ لَا يَتَّعِظُونَ بِهِ فَقَدْ يَتَّعِظُ بِهِ صِنْفٌ آخَرُ مِنْهُمْ وَ يَنْزِعُونَ عَنِ الْمَعَاصِي وَ يُؤْثِرُونَ الْعَمَلَ الصَّالِحَ وَ يَجُودُونَ بِالْأَمْوَالِ وَ الْعَقَائِلِ النَّفْسِيَّةِ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى الْفُقَرَاءِ وَ الْمَسَاكِينِ فَلَمْ يَكُنْ مِنَ الْعَدْلِ أَنْ يُحْرَمَ هَؤُلَاءِ الِانْتِفَاعَ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ لِتَضْيِيعِ أُولَئِكَ حَظَّهُمْ مِنْهَا. و لنذكر بعض ما ذكره الحكماء في تحقيق القوى البدنية الإنسانية لتوقف فهم الآيات و الأخبار عليها في الجملة و اشتمالها على الحكم الربانية. قالوا الحيوان جسم مركب مختص من بين المركبات بالنفس الحيوانية لكون مزاجه أقرب إلى الاعتدال جدا من النباتات و المعادن فبعد أن يستوفي درجة الجماد و النبات يقبل صورة أشرف من صورتهما و عرفوا النفس الحيوانية بأنها كمال أول لجسم طبيعي آلي من جهة ما يدرك الجزئيات و يتحرك بالإرادة و لها قوتان مدركة و محركة أما المدركة فهي إما في الظاهر أو في الباطن أما التي في الظاهر فهي خمس بحكم الاستقراء و قيل لأن الطبيعة لا تنتقل من درجة الحيوانية إلى درجة فوقها إلا و قد استكملت جميع ما في تلك المرتبة فلو كان في الإمكان حس آخر لكان حاصلا للإنسان فلما لم يحصل علمنا أن الحواس منحصرة في الخمس. فمنها السمع و هو قوة مودعة في العصب المفروش في مقعر الصماخ و يتوقف على وصول الهواء المنضغط بين القارع و المقروع و القالع و المقلوع مع مقاومة المتكيف بكيفية الصوت المعلول لتموج ذلك الهواء إلى الصماخ و ليس مرادهم بوصوله ما هو المتبادر منه بل إن ذلك الهواء بتموجه يموج الهواء المجاور له و يكفيه بالصوت ثم يتموج المجاور لهذا المجاور و هكذا إلى أن يتموج الهواء الراكد في الصماخ و قيل لا ينحصر المتوسط في الهواء بل كل جسم سيال كالماء أيضا. و منها البصر و هو قوة مودعة في ملتقى العصبتين المجوفتين النابتتين من غور البطنين المقدمين من الدماغ يتيامن النابت منهما يسارا و يتياسر النابت منهما يمينا فيلتقيان و يصير تجويفهما واحدا ثم ينعطف النابت منهما يمينا إلى الحدقة اليمنى و النابت منهما يسارا إلى الحدقة اليسرى و يسمى الملتقى بمجمع النور. و الفلاسفة اختلفوا في كيفية الإبصار فالطبيعيون منهم ذهبوا إلى أنه بانطباع شبح المرئي في جزء من الرطوبة الجليدية التي هي بمنزلة البرد و الجمد في الصقالة المرآتية فإذا قابلها متلون مستنير انطبع مثل صورته فيها كما ينطبع صورة الإنسان في المرآة لا بأن ينفصل من المتلون شيء و يميل إلى العين بل بأن يحدث مثل صورته في عين الناظر و يكون استعداد حصوله بالمقابلة المخصوصة مع توسط الهواء المشف. و الرياضيون ذهبوا إلى أنه بخروج الشعاع من العين على هيئة مخروط رأسه عند العين و قاعدته عند المرئي ثم اختلفوا في أن ذلك المخروط مصمت أو مؤتلف من خطوط مجتمعة في الجانب الذي يلي الرأس متفرقة في الجانب الذي يلي القاعدة و قال بعضهم بأن الخارج من العين خط واحد مستقيم لكن يثبت طرفه الذي يلي العين و يضطرب طرفه الأخرى على المرئي فيتخيل منه هيئة مخروط. و الإشراقيون قالوا لا شعاع و لا انطباع و إنما الإبصار مقابلة المستنير للعضو الباصر الذي فيه رطوبة صقيلة فإذا وجدت هذه الشروط مع زوال المانع يقع للنفس علم حضوري إشراقي على المبصر فتدركه النفس مشاهدة ظاهرة جلية لكن المشهور من آراء الفلاسفة الانطباع و الشعاع. تمسك الأولون بوجوه أحدها و هو العمدة أن العين جسم صقيل نوراني و كل جسم كذلك إذا قابله كثيف ملون انطبع فيه شبحه كالمرآة أما الكبرى فظاهر و أما الصغرى فلما نشاهد من النور في الظلمة إذا حك المنتبه من النوم عينه و لأن الإنسان إذا نظر نحو أنفه قد يرى عليه دائرة مثل الضياء و إذا انتبه من النوم قد يبصر ما قرب منه ثم يفقده و ذلك لامتلاء العين من النور و إن غمضنا إحدى العينين اتسع مثقب العين الأخرى فيعلم أنه يملؤه جوهر نوري و لو لا انصباب أجسام نورانية من الدماغ إلى العين لكان تجويف العصبتين عديم الفائدة. و ثانيها أن الإحساس بسائر الحواس ليس لأجل خروج شيء من المحسوس بل لأجل أن يأتيها صورة المحسوس فكذا حكم الإبصار. و ثالثها أن كون رؤية الأشياء الكبيرة من البعيد صغيرة لضيق زاوية الرؤية لا يتأتى إلا مع القول بكون موضع الرؤية هو الزاوية كما هو رأي أصحاب الانطباع لا القاعدة على ما هو رأي القائلين بخروج الشعاع فإنها لا تتفاوت. و رابعها أن من حدق النظر إلى الشمس ثم انصرف عنها يبقى في عينه صورتها زمانا و ذلك يوجب ما قلناه. و خامسها أن الممرورين يرون صورا مخصوصة لا وجود لها في الخارج فإذن حصولها في البصر. و أجيب عن الأول بأنه بعد تمامه لا يفيد إلا انطباع الشبح و أما كون الإبصار به فلا و عن الثاني أنه تمثيل بلا جامع و عن الثالث بأن كون العلة ما ذكرتم غير مسلم كيف و أصحاب الشعاع يذكرون له وجها آخر و عن الرابع بأن الصورة غير باقية في الباصرة بل في الخيال و أين أحدهما من الآخر و عن الخامس أنه إنما يدل على إثبات الانطباع في هذا النحو من الرؤية التي هي من قبيل الرؤيا و مشاهدة الأمور الغائبة عن الأبصار بوقوع أشباحها في الخيال و لا يدل على أن الإبصار للموجودات في الخارج بالانطباع و قياس أحدهما على الآخر غير ملتفت إليه في العلوم. و تمسك القائلون بالشعاع أيضا بوجوه أحدها أن من قل شعاع بصره كان إدراكه للقريب أصح من إدراكه للبعيد لتفرق الشعاع في البعيد و من كثر شعاع بصره مع غلظه كان إدراكه للبعيد أصح لأن الحركة في المسافة البعيدة تفيد رقة و صفاء و لو كان الإبصار بالانطباع لما تفاوت الحال. و ثانيها أن الأجهر يبصر بالليل دون النهار لأن شعاع بصره لقلته يتخلل نهارا شعاع الشمس فلا يبصر و يجتمع ليلا فيقوى على الإبصار و الأعمش بالعكس لأن شعاع بصره لغلظه لا يقوى على الإبصار إلا إذا أفادته الشمس رقة و صفاء. و ثالثها أن الإنسان إذا نظر إلى ورقة و رآها كلها لم يظهر له إلا السطر الذي يحدق نحوه البصر و ما ذاك إلا بسبب أن مسقط سهم مخروط الشعاع أصح إدراكا. و رابعها أن الإنسان يرى في الظلمة كأن نورا انفصل عن عينه و أشرق على أنفه و إذا غمض عينه على السراج يرى كأن خطوطا شعاعية اتصلت بين عينيه و السراج. و الجواب عن الكل أنها لا تدل على المطلوب أعني كون الإبصار بخروج الشعاع بل على أن في العين نورا و نحن لا ننكر أن في آلات الإبصار أجساما شعاعية مضيئة تسمى بالروح الباصرة و إن أنكرها محمد بن زكريا زعما أن النور لا يوجد إلا في النار و في الكواكب و أما الأجسام الكثيفة و ما في بواطنها فالأولى بها الظلمة و كيف يعقل داخل الدماغ مع تسترها بالحجب جسم نوراني أما ابن سينا فقد اعترف بذلك لأن جالينوس لما احتج ببعض الشبه التي مر ذكرها على خروج الشعاع من العين و أجاب عنه بأن ذلك يدل على وجود الشعاع في العين و لا نزاع فيه لكن قلتم إن ذلك الشعاع يخرج فحينئذ نقول آلة الإبصار جسم نوراني في الجليدية يرتسم منه بين العين و المرئي مخروط وهمي يتعلق إدراك النفس بذلك المرئي من جهة زاويته التي عند الجليدية و تشتد حركته عند رؤية البعيد فيتخلل لطيفها فيفتقر إلى تلطيف إذا غلظ و تكثيف إذا لطف و رق فوق ما ينبغي و يحدث منها في المقابل القابل أشعة و أضواء يكون قوتها في مسقط السهم مما يحاذي مركز العين الذي هو بمنزلة الزاوية للمخروط الوهمي و لشدة استنارته يكون ما يرى منه أظهر و إدراكه أقوى و أكمل و يشبه أن يكون هذا مراد القائلين بخروج الشعاع تجوزا منهم على ما صرح به الشيخ و إلا فهو باطل قطعا أما إذا أريد حقيقة الشعاع الذي هو من قبيل الأعراض فظاهر و إن أريد جسم شعاعي يتحرك من العين إلى المرئي فلأنا قاطعون بأنه يمتنع أن يخرج من العين جسم ينبسط في لحظة على نصف كرة العالم ثم إذا طبق الجفن عاد إليها أو انعدم ثم إذا فتح خرج مثله و هكذا و أن يتحرك الجسم الشعاعي من دون قاسر أو إرادة إلى جميع الجهات و أن ينفذ في الأفلاك و يخرقها ليرى الكواكب و أن لا يتشوش لهبوب الرياح و لا يتصل بغير المقابل كما في الأصوات حيث يميلها الرياح إلى الجهات و لأنه يلزم أن لا يرى القمر مثل الثوابت بل بزمان يناسب التفاوت بينهما و ليس كذلك بل يرى الأفلاك بما فيها من الكواكب دفعة ثم إن للقائلين بالشعاع مذهبا آخر و هو أن المشف الذي بين البصر و المرئي يتكيف بكيفية الشعاع الذي في البصر و يصير بذلك آلة للإبصار و يرد عليه المفاسد المتقدمة مع زيادة. و قال صاحب المقاصد الحق أن الإبصار بمحض خلق الله تعالى عند فتح العين. ثم اعلم أنه يعرض في الرؤية أمور غريبة قد يستدل ببعضها على أحد المذهبين منها اختلاف الأقدار بسبب تفاوت الأبعاد و السبب فيه على كلا المذهبين اختلاف زاوية مركز الجليدية انفراجا و حدة فإنه إذا قابل المبصر البصر توهمنا خطين مستقيمين واصلين بين مركز الجليدية و طرفي المبصر فيحصل زاوية البتة عند مركز الجليدية فكلما كانت تلك الزاوية أعظم يرى المرئي أصغر و لا يخفى على المتدرب أن قرب المرئي سبب لعظم تلك الزاوية و بعده سبب لصغرها أو بزيادة القرب يزيد عظمها و بزيادة البعد يزيد صغرها فالخطوط التي هي أضلاع الزوايا موجودة عند الرياضيين موهومة عند المشاءين و كل من أصحاب المذهبين جعل هذا مؤيدا لمذهبه و له وجه و إن كان بمذهب المشاءين أنسب. و قال بعض المحققين قد قرر الحكماء عن آخرهم أن تفاوت أقدار المبصرات بتفاوت أقدار الزاوية المذكورة و يتبع تفاوت إحداهما تفاوت الأخرى على نسبتها من غير انثلام في اتساق النسبة و بنوا عليه علم المناظر و غيره من معظمات المسائل و فيه شبهة و هو أنا إذا قربنا جسما صغيرا طوله مثل طول البصر أو أزيد بقليل كالإصبع من البصر بحيث يصل إلى رءوس شعر الجفن فيرى بزاوية عظيمة جدا و يحجب الجبل العظيم جدا فزاويته أعظم من زاوية الجبل فيجب أن يرى أعظم مع أن الأمر بخلافه ضرورة و الجواب أنه في الرؤية أعظم إلا أنه يعلم بحكم العقل أنه صغير جدا و رئي عظيما بسبب كمال قربه انتهى. و منها رؤية المرئيات في المرايا و الأجسام الصقيلة و اختلف في سببه و تفرق آراؤهم إلى مذاهب أربعة الأول مذهب أصحاب الشعاع حيث ذهبوا إلى أنه بانعكاس الخطوط الشعاعية و تفصيله أنا نعلم تجربة أن الشعاع ينعكس من الجسم الصقيل كما ينعكس شعاع الشمس من الماء إلى الجدار و من المرآة إلى مقابلها فإذا وقع شعاع البصر على المرآة مثلا ينعكس منها إلى جسم آخر وضعه من المرآة وضع المرآة من البصر على وجه تتساوى زاويتا الشعاع و الانعكاس فإذا قابلت المرآة وجه المبصر و كان سهم المخروط الشعاعي عمودا على سطح المرآة وجب انعكاس ذلك الخط العمود من سمته بعينه إلى مركز الجليدية إذ لو انعكس إلى غيره لزم تساوي زاوية قائمة مع زاوية حادة و انعكست الخطوط القريبة منه إلى باقي أجزاء الوجه فيرى الوجه و إذا كانت المرآة غير مقابلة للبصر على الوجه المذكور لم ينعكس الشعاع إليه بل إلى جسم آخر من شأنه أن تتساوى به الزاويتان المذكورتان فالمرئي في المرآة إنما هو الأمر الخارجي لكن لما رئي بالشعاع الذي رئي به المرآة يظن أنه في المرآة و ليس موجودا في المرآة و إذا كان الوجه قريبا من المرآة و الخطوط المنعكسة قصيرة يظن أن صورة المرئي قريبة من سطح المرآة و إذا كان الوجه بعيدا عنها و الخطوط المنعكسة طويلة يظن الصورة غائرة فيها و أورد عليه وجوه من الإيراد المذكورة في محالها. الثاني مذهب أصحاب الانطباع و توضيحه أنه كما أن القوة الباصرة بحيث إذا قابلت جسما ملونا مضيئا ارتسمت صورته فيها فكذلك هي بحيث إذا قابلت جسما صقيلا ارتسمت صورتها في الباصرة مع صورة مقابل ذلك الجسم الصقيل و ترتسم في جزء ارتسمت فيه صورة المرآة و شرط الانعكاس عندهم أيضا ما مر من كون الجسم المقابل من المرآة مثل مقابلة المرآة للمبصر بحيث تتساوى زاويتا الشعاع و الانعكاس من الخطوط الشعاعية الموهومة المفروضة المستقيمة. الثالث مذهب سخيف ضعيف و هو أن الصورة ينطبع في المرآة. الرابع مذهب أفلاطون و من سبقه و تبعه من الإشراقيين حيث أثبتوا عالما آخر سوى هذا العالم الجسماني الذي هو المحدد للجهات مع ما فيه من الأجرام الفلكية و الأجسام العنصرية و هو عالم متوسط بينه و بين عالم المجردات العقلية الصرفة المنزهة عن المقدار و الحيز و الجهة و الشكل فإن أشخاص هذا العالم صور مثالية و أشباح برزخية مجردة عن الطبائع و المواد نورانية يسمى ذلك العالم عالم المثال و قالوا إن الصور المرئية في المرايا و غيرها من الأجسام الصقيلة و الصور المتخيلة و أمثالها صور موجودة قائمة بنفسها إذ لو كانت الصور في المرآة لما اختلفت رؤية الشيء باختلاف مواضع نظرنا إليها و لو كانت في الهواء لم يمكن أن ترى لأن الهواء شفاف لم يمكن أن يرى و كذا ما حل فيه و ليست هي صورتك بعينها بأن ينعكس الشعاع من المرآة إليك لبطلان القول بالشعاع لوجوه مذكورة في كتب القوم و لا في القوة الباصرة أو غيرها من القوى البدنية لوجوه ذكروها فهي صور جسمانية موجودة في عالم آخر متوسط بين عالمي الحس و العقل يسمى بعالم المثال و هي قائمة بذاتها معلقة لا في محل و لا في مكان لها مظاهر كالمرآة في الصور المرئية المرآتية و الخيال في الصور الخيالية و وافقهم الصوفية في إثبات هذا العالم و قد مرت الإشارة إليه. قال القيصري في شرح الفصوص اعلم أن العالم المثالي هو عالم روحاني من جوهر نوراني شبيه بالجوهر الجسماني في كونه محسوسا مقداريا و بالجوهر المجرد العقلي في كونه نورانيا و ليس بجسم مركب مادي و لا جوهر مجرد عقلي لأنه برزخ و حد فاصل بينهما و كل ما هو برزخ بين الشيئين لا بد و أن يكون غيرهما بل له جهتان يشبه بكل منهما ما يناسب عالمه اللهم إلا أن يقال أنه جسم نوري في غاية ما يمكن من اللطافة فيكون حدا فاصلا بين الجواهر المجردة اللطيفة و بين الجواهر الجسمانية الكثيفة و إن كان بعض هذه الأجسام ألطف من البعض كالسماوات بالنسبة إلى غيرهما انتهى. و منها رؤية الشيء شيئين كما في الأحول و في من مد طرف عينه أو غمض إصبعه في طرف من العين فإنه يرى كل شيء اثنين و اختلفت الآراء في تعليله و لنذكر منها مذهبين الأول مذهب أصحاب الشعاع فإنهم يقولون إنه يخرج من كل عين مخروط شعاعي له سهم فإن وقع السهمان على موضع واحد من المرئي يرى شيئا واحدا و إن اختلف موقعاهما يرى اثنين الثاني مذهب أصحاب الانطباع و مداره على مقدمة و هي أن القوة البصرية قائمة بالروح الحيواني المصبوب في العصبتين المجوفتين النابتتين من مقدم الدماغ المتقاطعتين و عند التقاطع يتحد التجويفان و هناك مجمع النور فإذا قابل البصر المبصر انطبعت صورته في الجليديتين و لا يكفي ذلك في الإبصار و إلا لرئي الشيء الواحد شيئين بل يحب أن تتأدى صورة أخرى مثل تلك الصورة إلى مجمع النور فتحصل الإبصار ثم إن هذا الروح الذي في مجمع النور يؤدي صورة المرئي إلى الحس المشترك و هناك يتم كمال الإبصار ثم بعده هذه المقدمة نقول إن لإدراك الشيء الواحد اثنين أربعة أسباب الأول انتقال الآلة المؤدية للشبح الذي في الجليدية إلى ملتقى العصبتين فلا يتأدى الشبحان إلى موضع واحد بل ينتهي كل إلى جزء آخر من الروح الباصرة لأن خطي الشبحين لم ينفذا نفوذا من شأنه أن يتقاطعا عند ملتقى العصبتين و إذا اختص كل بجزء آخر من الروح الباصرة فكأنهما شبحان لشيئين و لأنه يختلف موضع الشبح في الروح الباصرة يرى الاثنين في الاثنين. الثاني حركة الروح الباصرة التي في الملتقى و تموجها يمينا و يسارا حتى يتقدم مركزها المرسوم له في الطبع إلى جهتي الجليديتين أخذا متموجا مضطربا فيرتسم فيه الشبح قبل تقاطع المخروطين فينطبع من الشيء الواحد شبحان و يرى كشيئين مفترقين و هذا مثل ارتسام شبح الشمس في الماء الساكن الراكد مرة واحدة و في الماء المتوج متكررا. الثالث اضطراب روح الباصرة التي في مقدم الدماغ و حركته قداما إلى صوب ملتقى العصبتين و خلفا إلى الحس المشترك فإذا نظر في تلك الحالة إلى المرئي انطبع شبحه في جزء من الروح الحاصل في مركزه الذي له وضع مخصوص بالقياس إلى ذلك المرئي فإذا تحرك ذلك الجزء و وقع جزء آخر في موضعه فلا جرم انطبع شبحه في ذلك الجزء أيضا و لم يزل بعد عن الجزء الأول فتجتمع هناك صورتان و يرى شيئان و لمثل هذا السبب يرى الشيء السريع الحركة إلى جانبين كشيئين لأنه قبل انمحاء صورته عن الحس المشترك و هو في جانب يراه البصر في جانب آخر فتتوافى إدراكاته في الجانبين معا و من هذا القبيل رؤية القطرة النازلة خطا مستقيما و الشعلة الجوالة دائرة و نظير الحركة الدورية لصاحب الدوار فإنه لسبب من الأسباب الطبية يتحرك الروح الذي في تجويف مقدم الدماغ على الدور فحينئذ إن انطبعت فيه صورة تزول بسرعة لتحركه كزوال الضوء عن أجزاء الكرة المقابلة للكوة التي تشرق منها الشمس على الكرة إذا دارت الكرة لكن قبل زوالها عن ذلك الجزء تحصل صورة في الجزء الذي حصل مكانه فيظن أن المرئي يدور حول نفسه و ما ذلك إلا لحركة الرائي. الرابع اضطراب يعرض للثقبة العنبية فإن الطبقة العنبية سهلة الحركة إلى هيئة تتسع بها الثقبة تارة و تضيق أخرى تارة إلى خارج و تارة إلى داخل فإن تحرك إلى خارج يعرض للثقبة اتساع و إن تحرك إلى داخل يعرض لها تضيق فإن ضاقت يرى الشيء أكبر و إن اتسعت يرى أصغر فيرى المرئي أولا غير المرئي ثانيا خصوصا إذا تمثلت قبل انمحاء الأول فيرى اثنين و في حال ضيق الثقبة يتكاثف الروح البصري و النور الشعاعي فيرى أكبر كما يرى الشيء في البخار أعظم و في حال السعة يتلطف الروح و يتخلخل و يرق فيرى أصغر. و منها انعطاف الشعاع و بيان ذلك أن الخطوط الشعاعية التي هي على سطح المخروط تنفذ على الاستقامة إلى طرفي المرئي إذا كان الشفاف المتوسط متشابه الغلظ و الرقة فإن فرض هناك تفاوت بأن يكون مما يلي الرائي هواء و مما يلي المرئي ماء أو بخارا فإن تلك الخطوط إذا وصلت إلى ذلك الماء مثلا انعطفت و مالت إلى سهم المخروط ثم وصلت إلى طرفي المرئي و لو انعكس الفرض مالت الخطوط إلى خلاف جانب السهم و من لوازم الانعطاف رؤية الشيء في الماء و البخار أعظم مما يرى في الهواء فإن العنبة ترى في الماء كالإجاصة و الكوكب يرى في الأفق أعظم مما يرى في وسط السماء و ذلك لأن الخطوط إذا انعطفت و مالت إلى جانب السهم تكون زاوية رأس المخروط أعظم منها إذا نفذت الخطوط على الاستقامة لأنه يجب أن تتباعد الخطوط بحيث إذا انعطفت و مالت إلى السهم وصلت إلى طرفي المرئي فيكون المرئي بها أعظم من المرئي بالأخرى. و منها رؤية الشجر على الشط منتكسا و ذلك لأن الخطوط الشعاعية المنعكسة من سطح الماء إلى الشجر إنما تنعكس إليه على هيئة أوتار الآلة الحدباء المسماة بالفارسية چنگ فإذا كان الشجر على الطرف الآخر من الماء انعكس الشعاع إلى رأس الشجر من موضع أقرب من الرائي و إلى ما تحت رأسه من موضع أبعد منه و هكذا و إذا كان الشجر على طرف الرائي كان الأمر في الانعكاس على عكس ما ذكر أ لا ترى أنك إذا سترت سطح الماء من جانبك يستر عنك رأس الشجر في الصورة الأولى و قاعدتها في الصورة الثانية فيكون الخط الشعاعي المنعكس إلى رأس الشجر أطول من جميع تلك الخطوط المنعكسة إلى ما دونه و يكون ما هو أقرب منه أطول مما هو أبعد منه على الترتيب حتى يكون أقصرها هو المنعكس إلى قاعدة الشجرة و ذلك لتساوي زاويتي الشعاع و الانعكاس. و لنفرض خط ا ب عرض النهر و خط ج ب الشجر القائم على شطه و ه الحدقة و نفرض على ا ب نقطتي د و و على ج ب ح و ط فإذا خرج من ه خط شعاعي إلى و و آخر إلى د وجب أن ينعكس الأول إلى نقطة ط مثلا فتكون الزاوية الشعاعية أعني زاوية ه و ا كالزاوية الانعكاسية أعني زاوية ط و ب و أن ينعكس الآخر إلى نقطة ح و تتساوى أيضا شعاعية ه د ا و انعكاسية ح د ب. ثم إن النفس لا تدرك الانعكاس لتعودها في رؤية المرئيات بنفوذ الشعاع على الاستقامة فتحسب الشعاع المنعكس نافذا في الماء و لا نفوذ حينئذ هناك إذ ربما لا يكون الماء عميقا بقدر طول الشجر فيحسب لذلك أن رأس الشجر أكثر نزولا في الماء لكون الشعاع المنعكس إليه أطول و كذا الحال في باقي الأجزاء على الترتيب فتراه كأنه منتكس تحت سطح الماء. و منها الشامة و هي قوة منبثة في زائدتي مقدم الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي تدرك الروائح بتوسط الهواء المتكيف بكيفية ذي الرائحة و قيل بتبخر أجزاء لطيفة من ذي الرائحة تختلط بالهواء و تصل معه إلى الخيشوم و قيل بفعل ذي الرائحة في الشامة من غير استحالة في الهواء و لا تبخر و انفصال أجزاء و رد الثاني بأن القليل من المسك يشم على طول الأزمنة و كثرة الأمكنة من غير نقصان في وزنه و حجمه و الثالث بأن المسك قد يذهب به إلى مسافة بعيدة و يحرق و يفنى بالكلية مع أن رائحته تدرك في الهواء الأول أزمنة متطاولة و يؤيد ذلك ما حكى أرسطو أن الرخمة قد انتقلت من مسافة مائتي فرسخ برائحة جيفة من حرب وقع بين اليونانيين و دلهم على انتقالها من تلك المسافة عدم كون الرخمة في تلك الأرض إلا في نحو من هذا الحد من المسافة و قد يقال لعل المتحلل منه أجزاء صغار جدا تختلط بجميع تلك الأجزاء الهوائية و الاستبعاد غير كاف في المباحث العلمية على أن الشيخ اعترض عليه في الشفاء بقوله يجوز أن يكون إدراكها للجيف بالباصرة حين هي محلقة في الجو العالي. و منها الذائقة و هي قوة منبثة في العصب المفروش على جرم اللسان و هي تالية للامسة إذ منفعتها أيضا في الفعل الذي به يتقوم البدن و هي تشهية الغذاء و اختياره و بالجملة يتمكن به على جذب الملائم و دفع المنافر من المطعومات كما أن اللامسة يتمكن بها على مثل ذلك من الملموسات و هي توافق اللامسة في الاحتياج إلى الملامسة و تفارقها في أن نفس ملامسة المطعوم لا يؤدي الطعم كما أن نفس ملامسة الحار تؤدي الحرارة بل تفتقر إلى توسط الرطوبة اللعابية المنبعثة عن الآلة التي تسمى الملعبة و يشترط أن تكون هذه الرطوبة خالية عن مثل طعم المطعوم و ضده بل عن غير ما يؤدي طعم المذوق كما هو إلى الذائقة فإن المريض إذا تكيف لعابه بطعم الخلط الغالب عليه لا يدرك طعوم الأشياء المأكولة و المشروبة إلا مشوبة بذلك الطعوم فإن الممرور إنما يجد طعم العسل مرا. و اختلفوا في أن توسطها إما بأن يخالطها أجزاء لطيفة من ذي الطعم ثم تغوص هذه الرطوبة معها في جرم اللسان إلى الذائقة فالمحسوس حينئذ هو كيفية ذي الطعم و تكون الرطوبة واسطة لتسهل وصول جوهر المحسوس الحامل للكيفية إلى الحاسة أو بأن يتكيف نفس الرطوبة بالطعم بسبب المجاورة فتغوص وحدها فيكون المحسوس كيفيتها و على التقديرين لا واسطة بين الذائقة و محسوسها حقيقة بخلاف الإبصار المحتاج إلى توسط الجسم الشفاف و منها اللامسة و هي منبثة في البدن كله من شأنها إدراك الحرارة و البرودة و الرطوبة و اليبوسة و نحو ذلك بأن ينفعل عنها العضو اللامس عند الملامسة بحكم الاستقراء قال الشيخ أول الحواس الذي يصير به الحيوان حيوانا هو اللمس فإنه كما أن للنبات قوة غاذية يجوز أن يفقد سائر القوى دونها كذلك حال اللامسة للحيوان لأن صلاح مزاجه من الكيفيات الملموسة و فساده باختلالها و الحس طليعة للنفس فيجب أن يكون الطليعة الأولى هو ما يدل على ما منع به الفساد و يحفظ به الصلاح و أن يكون قبل الطلائع التي تدل على أمور تتعلق ببعضها منفعة خارجة عن القوام و مضرة خارجة عن الفساد و الذوق و إن كان دالا على الشيء الذي به يستبقى الحياة من المطعومات فقد يجوز أن يبقى الحيوان بدونه لإرشاد الحواس الأخر على الغذاء الموافق و اجتناب المضار و ليس شيء منها يعين على أن الهواء محرق أو مجمد و لشدة الاحتياج إليه كان بمعونة الأعصاب ساريا في جميع الأعضاء إلا ما يكون عدم الحس أنفع له كالكبد و الطحال و الكلية لئلا تتأذى بما يلاقيها من الحاد اللذاع فإن الكبد مولد للصفراء و السوداء و الطحال و الكلية مصبان لما فيه لذع و كالرئة فإنها دائمة الحركة فتتألم باصطكاك بعضها ببعض و كالعظام فإنها أساس البدن و دعامة الحركات فلو أحست لتألمت بالضغط و المزاحمة و بما يرد عليها من المصاكات. ثم إن الجمهور ذهبوا إلى أن اللامسة قوة واحدة بها يدرك جميع الملموسات كسائر الحواس فإن اختلاف المدركات لا يوجب اختلاف الإدراكات ليستدل بذلك على تعدد مبادئها و ذهب كثير من المحققين و منهم الشيخ إلى أنها قوى متعددة بناء على ما مهدوه في تكثير القوى من أن القوة الواحدة لا يصدر عنها أكثر من واحد فقالوا هاهنا ملموسات مختلفة الأجناس متضادة الأجناس فلا بد لها من قوى مدركة مختلفة تحكم بالتضاد بينها فأثبتوا لكل ضدين منها قوة واحدة هي الحاكمة بين الحرارة و البرودة و الحاكمة بين الرطوبة و اليبوسة و الحاكمة بين الخشونة و الملاسة و الحاكمة بين اللين و الصلابة و منهم من زاد الحاكمة بين الثقل و الخفة قالوا و يجوز أن يكون لهذه القوى بأسرها آلة واحدة مشتركة بينها و أن يكون هناك في الآلات انقسام غير محسوس فلذا توهم اتحاد القوى. و يرد عليه أن المدرك بالحس هو المتضادان كالحرارة و البرودة دون التضاد فإنه من المعاني المدركة بالعقل أو الوهم و إذا جاز إدراك قوة واحدة للضدين فقد صدر عنها اثنان فلم لا يجوز أن يصدر عنها ما هو أكثر من ذلك و أيضا فإن الطعوم و الروائح و الألوان أجناس مختلفة متضادة مع اتحاد القوى المدركة لها و كون التضاد في ما بين الملموسات أكثر و أقوى لا يجدي نفعا. و أما الحواس الباطنة فهي أيضا خمس عندهم بشهادة الاستقراء. الأول الحس المشترك و يسمى باليونانية بنطاسيا أي لوح النفس و هي قوة مرتبة في مقدم التجويف الأول من التجاويف الثلاثة التي في الدماغ تقبل جميع الصور المنطبعة في الحواس الظاهرة بالتأدي إليها من طريق الحواس فهو كحوض ينصب فيه أنهار خمسة و استدلوا على وجوده بوجوه. الأول أنا نشاهد القطرة النازلة خطا مستقيما و النقطة الدائرة بسرعة خطا مستديرا و ليس ارتسامها في البصر إذ لا يرتسم فيه إلا المقابل و هو القطرة و النقطة فإذن ارتسامها إنما يكون في قوة أخرى غير البصر حصل فيها الارتسامات المتتالية بعضها ببعض فيشاهد خطا. الثاني أنا نحكم ببعض المحسوسات الظاهرة على بعض كالحكم بأن هذا الأبيض هو هذا الحلو و هذا الأصفر هو هذا الحار و كل من الحواس الظاهرة لا يحضر عندها إلا نوع مدركاتها فلا بد من قوة يحضر عندها جميع الأنواع ليصح الحكم بينها. الثالث أن المبرسم أي من به المرض المسمى بذات الجنب إذا قوي مرضه و تعطلت حواسه الظاهرة بغلبة المرض يرى أشياء لا تحقق لها في الخارج على سبيل المشاهدة دون التخيل فإنه قد يرى سباعا و أشخاصا حاضرة عنده و لا يراها أحد ممن سلم حواسه و ليست هذه الصور مرتسمة في بصره إذ لا يرتسم فيه إلا ما هو موجود مقابل إياه و لما كان إدراكها كإدراك ما يرتسم من الخارج بلا فرق عند المدرك دل ذلك أيضا على أن الإبصار إنما هو بالحس المشترك و لما كان الإبصار بارتسام الصورة في الحس المشترك لم يتميز الحال عند المدرك بين أن يرد عليه الصورة من الخارج كما هو الغالب و بين أن ترد عليه من داخل كما في المبرسم فإنه لما اشتغل نفسه بمزاولة المرض بحيث تعطلت حواسه الظاهرة استولت المتخيلة و نقشت في لوح الحس المشترك صورا كانت مخزونة في الخيال و صورا ركبتها من الصور المخزونة على طريق انتقاشها فيه من الخارج و لما لم يكن لها شعور بانتقاشها فيه من داخل لم يفرق بينها و بين الصور المنتقشة فيه من خارج فيحسب الأشياء التي هذه صورها موجودة في الخارج حاضرة عنده كما في الصحة بلا فرق. و اعترض على الأول بأنه يجوز أن يكون اتصال الارتسام في الباصرة بأن يرتسم المقابل الآخر قبل أن يزول المرتسم قبله بسرعة لحوق الثاني و قوة ارتسام الأول فيكونان معا قيل و هذا مكابرة للقطع بأنه لا ارتسام في البصر عند زوال المقابلة. و على الثاني بأنه لا يلزم من عدم كون الارتسام في الباصرة كونه في قوة أخرى جسمانية لجواز أن يكون في النفس أ لا ترى أنا نحكم بالكلي على الجزئي كحكمنا بأن زيدا إنسان مع القطع بأن مدرك الكلي هو النفس و يجوز أن يكون حضورهما عند النفس و حكمها بينهما لارتسامهما في آلتين كما أن الحكم بين الكلي و الجزئي تكون لارتسام الكلي في النفس و الجزئي في الآلة. و على الثالث أنه لا يلزم من ذلك وجود حس مشترك غاية الأمر أن لا تكفي الحواس الظاهرة لمشاهدة الصور حالتي الغيبة و الحضور بل يكون لكل حس ظاهر حس باطن. الثاني الخيال و هي قوة مرتبة في مؤخر التجويف الأول من الدماغ بحسب المشهور و عند المحققين الروح المصوب في التجويف الأول آلة للحس المشترك و الخيال إلا أن المشاهدة اختص بما في مقدمه و التخيل بما في مؤخره و هو يحفظ جميع صور المحسوسات و يمثلها بعد الغيبة عن الحواس المختصة و الحس المشترك و هي خزانة الحس المشترك لبقاء الصور المحسوسة فيها بعد زوالها عنه و إنما جعلت خزانة للحس المشترك مع أن مدركات جميع الحواس الظاهرة تختزن فيها لأن الحواس الظاهرة لا تدرك شيئا بسبب الاختزان بالخيال بل بإحساس جديد من خارج فيفوت معنى الخزانة بالقياس إليها بخلاف الحس المشترك فإنا إذا شاهدنا صورة في اليقظة أو النوم ثم ذهلنا عنها ثم شاهدناها مرة أخرى نحكم عليها بأنها هي التي شاهدناها قبل ذلك فلو لم تكن الصور محفوظة لم يكن هذا الحكم كما لو صارت منسية و إنما احتيج إلى الحفظ لئلا يختل نظام العالم و لا يشتبه الضار بالنافع إذا لم يعلم أنه المبصر أو لا و ينفسد المعاملات و غيرها. و الدليل على مغايرتها للحس المشترك وجهان أحدهما أن قوة القبول غير قوة الحفظ فرب قابل النقش كالماء لم يحفظ لوجود رطوبة فيه هي شرط سرعة القبول و عدم اليبس الذي هو شرط الحفظ و ثانيهما أن استحضار الصور و الذهول عنها من غير نسيان و النسيان يوجب تغاير القوتين ليكون الاستحضار حصول الصورة فيهما و الذهول حصولها في أحدهما دون الأخرى و النسيان زوالها عنهما و اعترض عليهما بوجوه و أجابوا منها و هي مذكورة في محالها. و احتج الرازي على إبطال الخيال بأن من طاف في العالم و رأى البلاد و الأشخاص الغير المعدودة فلو انطبقت صورها في الروح الدماغي فإما أن يحصل جميع تلك الصور في محل واحد فيلزم الاختلاط و عدم التمايز و إما أن يكون لكل صورة محل فيلزم ارتسام صورة في غاية العظم في جزء في غاية الصغر. و أجيب بأنه قياس للصور على الأعيان و هو باطل فإنه لا استحالة و لا استبعاد في توارد الصور على محل واحد مع تمايزها و لا في ارتسام صورة العظيم في المحل الصغير و إنما ذلك في الأعيان الحالة في محالها حلول العرض في الموضوع أو الجسم في المكان الثالث الوهم و هي القوة المدركة للمعاني الجزئية الموجودة في المحسوسات كالعداوة المعينة من زيد و قيد بذلك لأن مدرك العداوة الكلية هو النفس و المراد بالمعاني ما لا يدرك بالحواس الظاهرة فيقابل الصور أعني ما يدرك بها فإدراك تلك المعاني دليل على وجود قوة بها إدراكها و كونها مما لم يتأد من الحواس دليل على مغايرتها للحس المشترك و كونها جزئية دليل على مغايرتها للنفس الناطقة بناء على أنها لا تدرك الجزئيات بالذات هذا مع وجودها في الحيوانات العجم كإدراك الشاة معنى في الذئب بقي الكلام في أن القوة الواحدة لما جاز أن تكون آلة لإدراك أنواع المحسوسات لم لا يجوز أن تكون آلة لإدراك معانيها أيضا. و أما إثبات ذلك بأنهم جعلوا من أحكام الوهم ما إذا رأينا شيئا أصفر فحكمنا بأنه عسل و حلو فيكون الوهم مدركا للحلاوة و الصفرة و العسل جميعا ليصح الحكم و بأن مدرك عداوة الشخص مدرك له ضرورة فضعيف لأن الحاكم حقيقة هو النفس فيكون المجموع من الصور و المعاني حاضرا عندها بواسطة الآلات كل منها بآلتها الخاصة و لا يلزم كون محل الصور و المعاني قوة واحدة لكن يشكل بأن مثل هذا الحكم قد يكون للحيوانات العجم التي لا يعلم وجود النفس الناطقة لها كذا ذكره في شرح المقاصد. و قد يستدل على وجودها بأن في الإنسان شيئا ينازع عقله في قضاياه كما يخاف الانفراد بميت يقتضي عقله الأمن منه و ربما يغلب التخويف على التأمين فهو قوة باطنية غير عقله و قيل محل هذه القوة التجويف الأوسط من الدماغ و آلتها الدماغ كله لأنها الرئيس المطلق في الحيوان و مستخدمة سائر القوى الحيوانية التي مصدر أكثر أفاعيلها الروح الدماغي فيكون كل الدماغ آلة لكن الأخص بها التجويف الأوسط لاستخدامها المتخيلة و محلها مؤخر ذلك التجويف و لا يستلزم كون الشيء آلة القوة كونه محلا لها ليلزم توارد القوى على محل واحد كما توهم. الرابع الحافظة و هي للوهم كالخيال للحس المشترك و وجه تغايرهما أن قوة القبول غير قوة الحفظ و الحافظة للمعاني غير الحافظة للصور و الكلام فيه كالكلام في ما تقدم و يسميها قوم ذاكرة إذ بها الذكر أعني ملاحظة المحفوظ بعد الذهول و متذكرة إذ بها التذكر أي الاحتيال لاستعراض الصور بعد ما اندرست و محلها أول التجويف الآخر من الدماغ. و الخامس المتخيلة المركبة للصور المحسوسة و المعاني الجزئية المتعلقة بها بعضها مع بعض و المفصلة بعضها عن بعض تركيب الصورة بالصورة كما في قولك صاحب هذا اللون المخصوص له هذا الطعم المخصوص و تركيب المعنى بالمعنى كما في قولك ما له هذه العداوة له هذه النفرة و تركيب الصورة بالمعنى كما في قولك صاحب هذه الصداقة له هذا اللون و تفصيل الصورة عن الصورة كما في قولك هذا اللون ليس هذا الطعم و قس على هذا و قال بعضهم هي مرتبة في مقدم التجويف الأوسط من الدماغ من شأنها تركيب بعض ما في الخيال أو الحافظة من الصور و المعاني مع بعض و تفصيل بعضها عن بعض فتجمع أجزاء أنواع مختلفة كجعلها حيوانا من رأس إنسان و عنق جمل و ظهر نمر و يفرق أجزاء نوع واحد كإنسان بلا رأس و لا يسكن عن فعلها دائما لا نوما و لا يقظة و هي المحاكية للمدركات و الهيئات المزاجية و تنتقل إلى الضد و الشبيه فما في القوى الباطنة أشد شيطنة منها ليس من شأنها أن يكون عملها منتظما بل النفس هي التي تستعملها على أي نظام أرادت فتسمى عند استعمال النفس إياها بواسطة الوهم بالمتخيلة و عند استعمالها إياها بواسطة القوة العقلية بالمفكرة بها تستنبط العلوم و الصناعات و تقتنص الحدود الوسطى باستعراض ما في الحافظة. قال بعض المحققين قد علم بالتشريح أن للدماغ بطونا ثلاثة أعظمها البطن المقدم و أصغرها البطن الأوسط و هو كمنفذ من البطن المقدم إلى البطن المؤخر فآلة الحس المشترك هو الروح المصبوب في مقدم البطن المقدم و آلة الخيال هو الروح المصبوب في مؤخره و لما كان الوهم سلطان القوى الحسية و مستخدما لسائر القوى الحيوانية كان الدماغ كله آلة له و إن كان له اختصاص بآخر التجويف الأوسط و آلة المتصرفة مقدم التجويف الأوسط و آلة الحافظة مقدم التجويف الأخير و أما مؤخر هذا التجويف فلم يودع فيه شيء من هذه القوى إذ لا حارس هناك من الحواس الظاهرة فلو أودع فيه شيء من هذه القوى لكثر فيه المصادمات الموجبة لاختلال القوة. قال المحقق الشريف فانظر إلى حكمة البارئ حيث قدم ما يدرك به الصور الجزئية و وضع تحته ما يحفظها و أخر ما يدرك به المعاني المنتزعة من تلك الصور و قرنه بما يحفظها و أقعد المتصرف فيهما بينهما فسبحانه جلت قدرته و عظمت حكمته انتهى. هو إشارة إلى ما قيل في تعيين محال تلك القوى بطريق الحكمة و الغاية من أن الحس المشترك ينبغي أن يكون في مقدم الدماغ ليكون قريبا من الحواس الظاهرة فيكون التأدي إليه سهلا و الخيال خلفه لأن خزانة الشيء ينبغي أن يكون كذلك ثم ينبغي أن يكون الوهم بقرب الخيال ليكون الصور الجزئية بحذاء معانيها الجزئية و الحافظة بعده لأنها خزانته و المتخيلة في الوسط لتكون قريبة من الصور و المعاني فيمكنها الأخذ منهما بسهولة. و أما القوى المحركة فعندهم تنقسم إلى فاعلة و باعثة أما الباعثة المسماة بالشوقية فهي القوة التي إذا ارتسمت في الخيال صورة مطلوبة أو مهروبة عنها حملت القوة الفاعلة على تحريك آلات الحركة و الشوقية ذات شعبتين شهوية و غضبية لأنها إن حملت الفاعلة على تحريك يطلب بها الأشياء المتخيلة التي اعتقد أنها نافعة سواء كانت ضارة بحسب الواقع أو نافعة طلبا لحصول اللذة تسمى قوة شهوانية و إن حملت القوة الشوقية القوى المباشرة على تحريك يدفع به الشيء المتخيل ضارا كان بحسب الواقع أو مفيدا دفعا على سبيل الغلبة تسمى قوة غضبية. و أما الفاعلة المباشرة للتحريك فهي التي من شأنها أن تعد العضلات للتحريك و كيفية ذلك الإعداد منها أن تبسط العضل بإرخاء الأعصاب إلى خلاف جهة مبدئها لينبسط العضو المتحرك أي يزداد طولا و ينتقص عرضا أو تقبضه بتمديد الأعصاب إلى جهة مبدئها لينقبض العضو المتحرك أي يزداد عرضا و ينتقص طولا. ثم اعلم أن للحركات الاختيارية مبادئ مترتبة أبعدها القوى المدركة التي هي الخيال أو الوهم في الحيوان و العقل بتوسطهما في الإنسان و في الفلك بزعمهم و تليها القوة الشوقية و هي الرئيسة في القوة المحركة الفاعلة كما أن الوهم رئيسه في القوى المدركة و بعد الشوقية و قبل الفاعلة قوة أخرى هي مبدأ العزم و الإجماع المسماة بالإرادة و الكراهة و هي التي تصمم بعد التردد في الفعل و الترك عند وجود ما يترجح به أحد طرفيهما المتساوي نسبتهما إلى القادر عليهما. و يدل على مغايرة الشوق للإدراك تحقق الإدراك بدونه و على مغايرة الشوق للإجماع أنه قد يكون شوق و لا إرادة و قيل إنه لا تغاير بينهما إلا بالشدة و الضعف فإن الشوق قد يكون ضعيفا ثم يقوى فيصير عزما فالعزم كمال الشوق و ما قيل من أنه قد يحصل كمال الشوق بدون الإرادة كما في المحرمات للزاهد المغلوب للشهوة فغير مسلم بل الشوق العقلي فيه إلى جانب الترك أقوى من الميل الشهوي إلى خلافه و يدل على مغايرة الفاعلة لسائر المبادئ كون الإنسان المشتاق العازم غير قادر على التحريك و كون القادر على ذلك غير مشتاق و قال الشيخ المفيد (قدس الله روحه) في كتاب المسائل الحس كله مماسة ما تحس به المحسوس و اتصال به أو بما يتصل به أو بما ينفصل منه أو بما يتصل بما ينفصل منه و ذلك كالبصر فإن شعاعه لا بد من أن يتصل بالمبصر أو بما ينفصل منه أو بما يتصل بما ينفصل منه و لو كان يحس به بغير اتصال لما ضر الساتر و الحاجز و لما ضرت الظلمة و لكان وجود ذلك و عدمه في وقوع العلم سواء فإن قال قائل أ فيتصل شعاع البصر بالمشتري و زحل على بعدهما قيل له لا لكنه يتصل بالشعاع المنفصل منهما فيصيران كالشيء الواحد لتجانسهما و تشاكلهما. و أما الصوت فإنه إذا حدث في أول الهواء الذي يلي الأجسام المصطكة و كذا في ما يليه من الهواء مثله ثم كذلك إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ فيدركه السامع و مما يدل على ذلك أن القصار يضرب الثوب على الحجر فترى مماسة الثوب للحجر و يصل الصوت بعد ذلك فهذا دال على ما قلناه من أنه يتولد في هواء بعد هواء إلى أن يتولد في الهواء الذي يلي الصماخ. و أما الرائحة فإنه ينفصل من الجسم ذي الرائحة أجزاء لطاف و تتفرق في الهواء فما صار منه في الخيشوم الذي يقرب من موضع ذي الرائحة أدركه. و أما الذوق فإنه إدراك ما ينحل من الجسم فيمازج رطوبة اللسان و اللهوات و لذلك لا يوجد طعم ما لا ينحل منه الشيء كاليواقيت و الزجاج و نحوهما و الطعم و الرائحة لا خلاف في أنهما لا يكونان إلا بمماسة و اللمس في الحقيقة هو طلب الشيء ليشعر به و حقيقته الشعور و هذه جملة على اعتقادنا و أبي القاسم البلخي و جمهور أهل العدل و أبو هاشم الجبائي يخالف في مواضع منها. و أقول قال الحكماء أيضا للنفس الناطقة قوى تشارك بها الحيوان الأعجم و النبات و قوى أخرى أخص يحصل بها الإدراك للجزئي و هي قوى تشارك بها الحيوان الأعجم دون النبات و هي الحواس الخمس الظاهرة و الخمس الباطنة و لها قوة أخرى أخص من الأوليين لأنها تختص بالإنسان و هي قوة يحصل بها الإدراك للكلي. فأما القوى التي تشارك بها النبات و الحيوان الأعجم فأصولها ثلاثة اثنتان لأجل الشخص و هما الغاذية و النامية و واحدة لأجل النوع و هي المولدة و هذه القوى الثلاثة تسمى نباتية لا لاختصاص النبات بها بل لانحصار قواه فيها و تسمى طبيعية أيضا. فأما الغاذية فهي التي تحيل الغذاء إلى مشاكلة المغتذي و يتم فعلها بأفعال جزئية ثلاثة أحدها تحصيل جوهر البدل و هي الدم و الخلط الذي هو بالقوة القريبة من الفعل و بالإلزاق و هو أن يلصق ذلك الحاصل بالعضو و يجعله جزءا منه و بالتشبيه بالعضو المغتذي حتى في قوامه و لونه و قد تخل بكل واحد من هذه الأفعال الثلاثة أما الأول فكما في علة تسمى أطروقيا و هي عدم الغذاء و أما الثاني فكما في الاستسقاء اللحمي و أما الثالث فكما في البرص و البهق فإن البدل و الإلصاق موجودان فيهما و التشبيه غير موجود فهذه الأفعال الثلاثة لا بد و أن تكون بقوى ثلاث لكن القوة الغاذية هي مجموعها أو قوة أخرى هي تستخدم كل واحدة منها و القوة التي يصدر منها التشبيه يسمونها مغيرة ثانية و هي واحدة بالجنس في الإنسان و غيره من المركبات التي

بحار الأنوار - ج ٥٨ - الصفحة ٢٥٥. — الإمام الصادق عليه السلام
وَ مِنْهُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ هَارُونَ بْنِ خَارِجَةَ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ نَادَى إِبْلِيسُ يَا وَيْلَهُ أَطَاعَ وَ عَصَيْتُ وَ سَجَدَ وَ أَبَيْتُ. توضيح قال في النهاية في حديث أبي هريرة إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي و يقول يا ويله. الويل الحزن و الهلاك و المشقة من العذاب و كل من وقع في هلكة دعا بالويل و معنى النداء فيه يا ويلي و يا حزني و يا هلاكي و يا عذابي احضر فهذا وقتك و أوانك فكأنه نادى الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع و الشدة و عدل عن حكاية قول إبليس يا ويلي كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه. الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عُمَرَ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ سَيَابَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: لَمَّا هَبَطَ نُوحٌ عليه السلام مِنَ السَّفِينَةِ أَتَاهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ لَهُ مَا فِي الْأَرْضِ رَجُلٌ أَعْظَمَ مِنْهُ عَلَيَّ مِنْكَ دَعَوْتُ اللَّهَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقِ فَأَرَحْتَنِي مِنْهُمْ أَ لَا أُعَلِّمُكَ خَصْلَتَيْنِ إِيَّاكَ وَ الْحَسَدَ فَهُوَ الَّذِي عَمِلَ بِي مَا عَمِلَ وَ إِيَّاكَ وَ الْحِرْصَ فَهُوَ الَّذِي عَمِلَ بِآدَمَ مَا عَمِلَ.

بحار الأنوار - ج ٦٠ - الصفحة ٢٢١. — الإمام الصادق عليه السلام
الْبَصَائِرُ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْوَشَّاءِ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنِ الْمِيثَمِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ عَنِ الثُّمَالِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام فِي دَارِهِ وَ فِيهَا عَصَافِيرُ وَ هُنَّ يَصِحْنَ فَقَالَ

لِي أَ تَدْرِي مَا يَقُلْنَ هَؤُلَاءِ الْعَصَافِيرُ قُلْتُ لَا أَدْرِي قَالَ يُسَبِّحْنَ رَبَّهُنَّ وَ يَطْلُبْنَ رِزْقَهُنَ. - دَلَائِلُ الطَّبَرِيِّ، عَنِ ابْنِ يَزِيدَ عَنِ الْوَشَّاءِ عَمَّنْ رَوَاهُ عَنِ الْمِيثَمِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَنْصُورٍ عَنِ الثُّمَالِيِّ مِثْلَهُ إِلَى قَوْلِهِ يُسَبِّحْنَ رَبَّهُنَّ وَ يُهَلِّلْنَ وَ يَسْأَلْنَهُ قُوتَ يَوْمِهِنَّ ثُمَّ قَالَ يَا بَا حَمْزَةَ عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَ أُوتِينا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

بحار الأنوار - ج ٦١ - الصفحة ٣٠٢. — الإمام السجاد عليه السلام

مَجْمَعُ الْبَيَانِ، رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ص كَانَ يَأْكُلُ الدَّجَاجَ وَ الْفَالُوذَجَ وَ كَانَ يُعْجِبُهُ الْحَلْوَاءُ وَ الْعَسَلُ. بيان أكثر الأخبار تدل على كراهة لحم الدجاج و لم أر من تعرض لها غير أن الشهيد (رحمه الله) في الدروس ذكر الرواية المتقدمة و يمكن حمل أخبار الذم على ما إذا كانت جلالة أو قريبة من الجلل و لم يستبرأ فمع الاستبراء ثلاثة أيام يزول التحريم أو الكراهة كَمَا رَوَى الدِّمْيَرِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ص كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ دَجَاجَةً أَمَرَ بِهَا فَرُبِطَتْ أَيَّاماً ثُمَّ يَأْكُلُهَا بَعْدَ ذَلِكَ. انتهى. و التعليل الوارد في الأخبار المتقدمة ربما يشعر بذلك.. 15 حياة الحيوان، الديك ذكر الدجاج و جمعه ديوك و ديكة و تصغيره دويك و يسمى الأنيس و المؤانس و من شأنه أنه لا يحنو على ولده و لا يألف زوجة واحدة و هو أبله الطبيعة و ذلك أنه إذا سقط من حائط لم تكن له هداية ترشده إلى دار أهله و فيه من الخصال الحميدة أن يسوي بين دجاجه و لا يؤثر واحدة على واحدة إلا نادرا و أعظم ما فيه من العجائب معرفة الأوقات الليلية فيقسط أصواته عليها تقسيطا لا يكاد يغادر منه شيئا سواء طال أو قصر و يوالي صياحه قبل الفجر و بعده فسبحان من هداه لذلك و لهذا أفتى القاضي حسين و المتولي و الرافعي بجواز اعتماد الديك المجرب في أوقات الصلاة و من غرائب أمره أنه إذا كانت الديكة بمكان و دخل عليهم ديك غريب سفدته كلها قال الجاحظ و يدخل في الديك الهندي و الجلاسي و النبطي و السندي و الزنجي قال و زعم أهل التجربة أن الديك الأبيض الأفرق من خواصه أن يحفظ الدار التي هو فيها و زعموا أن الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق لم يزل ينكب في أهله و ماله - رَوَى عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ قَانِعٍ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جَابِرِ بْنِ أَثْوَبَ بِسُكُونِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَ فَتْحِ الْوَاوِ وَ هُوَ أَثْوَبُ بْنُ عُتْبَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: الدِّيكُ الْأَبْيَضُ خَلِيلِي. - وَ إِسْنَادُهُ لَا يَثْبُتُ وَ رَوَاهُ غَيْرُهُ بِلَفْظِ الدِّيكُ الْأَبْيَضُ صَدِيقِي وَ عَدُوُّ الشَّيْطَانِ يَحْرُسُ صَاحِبَهُ وَ سَبْعَ دُورٍ خَلْفَهُ. - وَ كَانَ النَّبِيُّ ص يَقْتَنِيهِ فِي الْبَيْتِ وَ الْمَسْجِدِ. - وَ فِي تَرْجَمَةِ الْبَزِّيِّ الرَّاوِي عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ص كَانَ يَقُولُ الدِّيكُ الْأَبْيَضُ الْأَفْرَقُ حَبِيبِي وَ حَبِيبُ جَبْرَئِيلَ يَحْرُسُ بَيْتَهُ وَ سِتَّةَ عَشَرَ بَيْتاً مِنْ جِيرَانِهِ. - وَ رَوَى الشَّيْخُ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُ أَنَّ النَّبِيَّ ص كَانَ لَهُ دِيكٌ أَبْيَضُ وَ كَانَتِ الصَّحَابَةُ يُسَافِرُونَ بِالدِّيكَةِ لِتُعَرِّفَهُمْ أَوْقَاتَ الصَّلَاةِ. - وَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَ سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَ التِّرْمِذِيِّ وَ النَّسَائِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: إِذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيَكَةِ فَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكاً وَ إِذَا سَمِعْتُمْ نُهَاقَ الْحَمِيرِ فَتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَاناً. قال القاضي سببه رجاء تأمين الملائكة على الدعاء و استغفارهم و شهادتهم له بالإخلاص و التضرع و الابتهال و فيه استحباب الدعاء عند حضور الصالحين و التبرك بهم و إنما أمرنا بالتعوذ من الشيطان عند نهيق الحمير لأن الشيطان يخاف من شره عند حضوره فينبغي أن يتعوذ منه انتهى - وَ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ وَ تَارِيخِ أَصْبَهَانَ عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ دِيكاً أَبْيَضَ جَنَاحَاهُ مَوْشِيَّانِ بِالزَّبَرْجَدِ وَ الْيَاقُوتِ وَ اللُّؤْلُؤِ لَهُ جَنَاحٌ بِالْمَشْرِقِ وَ جَنَاحٌ بِالْمَغْرِبِ وَ رَأْسُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ وَ قَوَائِمُهُ فِي الْهَوَاءِ وَ يُؤَذِّنُ كُلَّ سَحَرٍ فَيَسْمَعُ تِلْكَ الصَّيْحَةَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ فَعِنْدَ ذَلِكَ يُجِيبُهُ دُيُوكُ الْأَرْضِ فَإِذَا دَنَا يَوْمُ الْقِيَامَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ضُمَّ جَنَاحَكَ وَ غُضَّ صَوْتَكَ فَيَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا الثَّقَلَيْنِ أَنَّ السَّاعَةَ قَدِ اقْتَرَبَتْ. - وَ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ وَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشِّعْبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ دِيكاً رِجْلَاهُ فِي التُّخُومِ وَ رَأْسُهُ تَحْتَ الْعَرْشِ مَطْوِيَّةً فَإِذَا كَانَ هَنَةٌ مِنَ اللَّيْلِ صَاحَ سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ فَتَصِيحُ الدِّيَكَةُ. - وَ فِي كِتَابِ فَضْلِ الذِّكْرِ لِلْحَافِظِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْفِرْيَانِيِّ عَنْ ثَوْبَانَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ: إِنَّ لِلَّهِ دِيكاً بَرَاثِنُهُ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى وَ عُنُقُهُ مَثْنِيٌّ تَحْتَ الْعَرْشِ وَ جَنَاحَاهُ فِي الْهَوَاءِ يَخْفِقُ بِهِمَا فِي السَّحَرِ كُلَّ لَيْلَةٍ يَقُولُ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ رَبِّنَا الرَّحْمَنِ الْمَلِكِ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ. - وَ رَوَى الثَّعْلَبِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: ثَلَاثَةُ أَصْوَاتٍ يُحِبُّهَا اللَّهُ تَعَالَى صَوْتُ الدِّيكِ وَ صَوْتُ قَارِئِ الْقُرْآنِ وَ صَوْتُ الْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ - وَ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَ أَبُو دَاوُدَ وَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ. إسناده جيد و في لفظ فإنه يدعو إلى الصلاة قال الإمام الحليمي قوله ص فإنه يدعو إلى الصلاة فيه دليل على أن كل من استفيد منه خير لا ينبغي أن يسب و يستهان بل حقه أن يكرم و يشكر و يتلقى بالإحسان و ليس معنى دعاء الديك إلى الصلاة أن يقول بصراخه حقيقة الصلاة أو قد حانت الصلاة بل معناه أن العادة قد جرت بأن يصرخ صرخات متتابعة عند الفجر و عند الزوال فطرة فطره الله عليها فتذكر الناس بصراخه الصلاة و لا يجوز لهم أن يصلوا بصراخه من غير دلالة سواه إلا من جرب منه ما لا يخلف فيصير ذلك له إشارة و الله أعلم انتهى - وَ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذِنَ لِي أَنْ أُحَدِّثَ عَنْ دِيكٍ رِجْلَاهُ فِي الْأَرْضِ وَ عُنُقُهُ مَثْنِيَّةٌ تَحْتَ الْعَرْشِ وَ هُوَ يَقُولُ سُبْحَانَكَ مَا أَعْظَمَ شَأْنَكَ قَالَ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ مَا يَعْلَمُ ذَلِكَ مَنْ حَلَفَ بِي لَاذِباً. - وَ رَوَى أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ وَ الْغَزَالِيُّ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ تَحْتَ الْعَرْشِ مَلَكاً فِي صُورَةِ دِيكٍ رَأْسُهُ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَ جَنَاحَاهُ مِنْ زَبَرْجَدٍ أَخْضَرَ فَإِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ضَرَبَ بِجَنَاحَيْهِ وَ زَقَا وَ قَالَ لِيَقُمِ الْقَائِمُونَ فَإِذَا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ ضَرَبَ بِجَنَاحَيْهِ وَ زَقَا وَ قَالَ لِيَقُمِ الْمُصَلُّونَ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ ضَرَبَ بِجَنَاحَيْهِ وَ زَقَا وَ قَالَ لِيَقُمِ الْغَافِلُونَ وَ عَلَيْهِمْ أَوْزَارُهُمْ وَ مَعْنَى زَقَا صَاحَ. - وَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ص نَهَى عَنْ إِخْصَاءِ الْخَيْلِ وَ الْغَنَمِ وَ الدِّيكِ. و قال إنما النماء في الخيل و تحرم المنافرة بالديكة و قال الدجاج مثلث الدال الواحدة دجاجة الذكر و الأنثى فيه سواء و الهاء فيه كبطة و حمامة و من عجيب أمرها أنه يمر بها سائر السباع فلا يخشاها فإذا مر بها ابن آوى و هي على سطح أو جدار أو شجرة رمت بنفسها إليه و توصف بسرعة الانتباه و قوة النوم و يقال إن نومها و استيقاظها إنما هو بمقدار خروج النفس و رجوعه و يقال إنما تفعل ذلك من شدة الجبن و أكثر ما عندها من الحيلة أنها لا تنام على الأرض بل ترتفع على رف أو جذع أو جدار أو ما قارب ذلك و الدجاج مشترك الطبيعة يأكل اللحم و الذباب و ذلك من طباع الجوارح و يأكل الخبز و يلقط الحب و ذلك من طباع بهائم الطير و الفرخ يخرج من البيضة تارة بالحضن و تارة بأن يدفن في الزبل و نحوه - وَ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ص أَمَرَ الْأَغْنِيَاءَ بِاتِّخَاذِ الْغَنَمِ وَ أَمَرَ الْفُقَرَاءَ بِاتِّخَاذِ الدَّجَاجِ. و يحل أكل الدجاج لِمَا رَوَى الشَّيْخَانِ وَ التِّرْمِذِيُّ وَ النَّسَائِيُّ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رهدم [زَهْدَمِ بْنِ الْمُصْرِمِ الْحَرَمِيِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَدَعَا بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا لَحْمُ دَجَاجَةٍ فَخَرَجَ مِنْ بَنِي تَيْمِ اللَّهِ أَحْمَرُ شَبِيهٌ بِالْمَوَالِي فَقَالَ هَلُمَّ فَتَلَكَّأَ فَقَالَ هَلُمَّ فَإِنِّي رَأَيْتُ النَّبِيَّ ص يَأْكُلُ مِنْهُ. و في لفظ يأكل دجاجة و هذا الرجل إنما تلكأ لأنها تأكل العذرة فقذره و يحتمل أن يكون تردد لالتباس الحكم عليه أو لم يكن عنده دليل فتوقف حتى يعلم حكم الله تعالى.

بحار الأنوار - ج ٦٢ - الصفحة ٦. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَاتِمٍ التَّمِيمِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ شَكَوْتُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عليه السلام بَعْضَ الْوَجَعِ وَ قُلْتُ لَهُ إِنَّ الطَّبِيبَ وَصَفَ لِي شَرَاباً وَ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ الشَّرَابَ مُوَافِقٌ لِهَذَا الدَّاءِ قَالَ لَهُ الصَّادِقُ عليه السلام وَ مَا وَصَفَ لَكَ الطَّبِيبُ قَالَ

قَالَ خُذِ الزَّبِيبَ وَ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ عَسَلًا ثُمَّ اطْبُخْهُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَ يَبْقَى الثُّلُثُ فَقَالَ أَ لَيْسَ هُوَ حُلْوٌ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ اشْرَبِ الْحُلْوَ حَيْثُ وَجَدْتَهُ أَوْ حَيْثُ أَصَبْتَهُ وَ لَمْ يَزِدْنِي عَلَى هَذَا . الأول اتفق فقهاؤنا رضوان الله عليهم على حرمة العصير العنبي بالغليان و الاشتداد و ظاهر الأخبار و أكثر الأصحاب تحقق الحرمة بمجرد الغليان المفسر بالقلب في رِوَايَةِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ شُرْبِ الْعَصِيرِ قَالَ تَشْرَبُ مَا لَمْ يَغْلِ فَإِذَا غَلَى فَلَا تَشْرَبْهُ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَيُّ شَيْءٍ الْغَلَيَانُ قَالَ الْقَلْبُ . و المراد به كما فسره الأكثر أن يصير أسفله أعلاه و لعله هو المقصود أيضا من النشيش فيما تقدم من الأخبار وَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ ذَرِيحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ إِذَا نَشَّ الْعَصِيرُ وَ غَلَى حَرُمَ. فإن النشيش هو صوت الماء و غيره عند الغليان فعلى هذا يكون العطف بالواو في الرواية للتفسير و يحتمل أن يكون المراد بالنشيش حالة مقارنة للغليان أو متقدمة عليه فيكون العطف لمحض الجمع أو الترتيب للإشعار بعدم انفكاك أحدهما عن الآخر أو عدم كفاية النشيش بدون الغليان و ما وقع في نسخ التهذيب من لفظة أو بدل الواو مؤيد لعدم الانفكاك و أما ما ضم إليه بعض الفقهاء في هذا المقام من الاشتداد حيث قالوا إذا غلا و اشتد فإن كان المراد به معنى القلب أو النشيش أو معنى الثخانة الحاصلة بمجرد الغليان كما قيل فضمه إلى الغليان من قبيل ضم النشيش إليه في الرواية و إن كان المراد معنى آخر يمكن أن يحصل الغليان بدونه معتبرا معه في تحقق الحرمة فلا دليل عليه في الروايات بل إنها إنما تدل على استقلال مجرد الغليان في علية الحرمة من غير اعتبار غيره فيها إلا على سبيل الدلالة عليه كالقلب و النشيش على ما مر و كإصابة النار فيما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: كُلُّ عَصِيرٍ أَصَابَتْهُ النَّارُ فَهُوَ حَرَامٌ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَ يَبْقَى ثُلُثُهُ . فإن أصابه النار بعنوان التأثير كما هو المراد من جملة أسباب الغليان فتدل عليه دلالة السبب على المسبب و أما ترتب الحرمة على إصابة النار بخصوصها كما يتوهم من ظاهر الرواية فليس بمقصود لدلالة الروايات الكثيرة على أنها مترتبة على الغليان سواء كان سببا عن الإصابة المذكورة أو عن غيرها و قد صرح جماعة من الأصحاب منهم الشهيد الثاني بالتساوي بين كونه بالنار أو غيره و عد صاحب الوسيلة الغليان بنفسه من موجبات الحرمة. قيل فالوجه في تخصيص المذكور اعتبار الفرد الغالب و خصوصية الغاية المذكورة فإن ذهاب الثلثين هو غاية الحرمة التي تتحقق بهذا السبب الخاص لا غاية الحرمة المطلقة فإن ما يحرم غليانه بنفسه إنما تكون غاية حرمته هي الخلية بدون اعتبار ذهاب الثلثين. و أقول الظاهر أن كلا من ذهاب الثلثين و الخلية كافيان في الحلية ما لم يصر مسكرا و مع الإسكار فلا بد من الخلية و لا ينفع ذهاب الثلثين و الغالب عدم تحقق الخلية بدون الخمرية و ما وقع في الأخبار و كلام الأصحاب من التخصيص كأنه مبني على الغالب قال ابن البراج في المهذب كل عصير لم يغل فإنه حلال استعماله على كل حال و الغليان الذي معه يحرم استعماله هو أن يصير أسفله أعلاه بالغليان فإن صار بعد ذلك خلا جاز استعماله و إذا طبخ العصير على النار و غلا و لم يذهب ثلثاه لم يجز استعماله فإن ذهب ثلثاه و بقي الثلث جاز استعماله و حد ذلك أن يصير حلوا يخضب الإناء. الثاني ذهب جماعة من الأصحاب إلى نجاسة العصير المذكور قبل ذهاب الثلثين و أنه يطهر بعده فمنهم من عمم الحكم كالمحقق و العلامة رحمهما الله لكنهما اشترطا مع الغليان الاشتداد و ذهب ابن حمزة في الوسيلة إلى تخصيص النجاسة في العصير المذكور بصورة غليانه بنفسه لا بغيره كالنار و بعض المتأخرين عد العصير إذا غلا من النجاسات بدون تخصيص أو اشتراط فالمذاهب في النجاسة ثلاثة و لا مستند لشيء منها في الروايات التي وصلت إلينا كما صرح به الشهيد رحمه الله في البيان حيث قال لم أقف على نص في تنجيسه إلا ما دل على نجاسة المسكر لكنه لا يسكر بمجرد غليانه و اشتداده و في الذكرى حيث قال بعد نقل قول ابن حمزة و المحقق و ذكر توقف العلامة فيها في نهايته و لم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة و لا نص على نجاسة غير المسكر و هو منتف هنا. و قال الشهيد الثاني رحمه الله في المسالك القول بنجاسة العصير هو المشهور بين المتأخرين و مستنده غير معلوم بل النص إنما دل على التحريم و قال العلامة رحمه الله في المختلف و الخمر و كل مسكر و الفقاع و العصير إذا غلا قبل ذهاب ثلثيه بالنار أو من نفسه نجس ذهب إليه أكثر علمائنا كالشيخ المفيد و الشيخ أبي جعفر و السيد المرتضى و أبي الصلاح و سلار و ابن إدريس و قال أبو علي بن أبي عقيل من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما لأن الله تعالى إنما حرمهما تعبدا لا لأنهما نجسان و كذلك سبيل العصير و الخل إذا أصاب الثوب و الجسد و قال أبو جعفر بن بابويه لا بأس بالصلاة في ثوب أصابته خمر لأن الله حرم شربها و لم يحرم الصلاة في ثوب أصابته مع أنه حكم بنزح ماء البئر أجمع بانصباب الخمر فيها. لنا وجوه الأول الإجماع على ذلك فإن السيد المرتضى قال لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم و قال الشيخ رحمه الله الخمر نجسة بلا خلاف و كل مسكر عندنا حكمه حكم الخمر و ألحق أصحابنا الفقاع بذلك و قول السيد المرتضى و الشيخ حجة في ذلك فإنه إجماع منقول بقولهما و هما صادقان فيغلب على الظن ثبوته و الإجماع كما يكون حجة إذا نقل متواترا فكذا إذا نقل آحادا انتهى. و يرد عليه وجوه من الإيراد الأول حكمه بنجاسة كل مسكر بدون استثناء غير المائع بالأصالة مع أنه مستثنى عنه بالاتفاق و الثاني بنجاسة العصير المذكور قبل ذهاب ثلثيه مطلقا مع أنه لا خلاف في طهارة بعض أنواعه قبل ذهاب ثلثيه إذا صار خلا كما سيأتي و الثالث حكمه بها بدون اشتراط الاشتداد مع تصريحه به في سائر كتبه و الرابع نسبة القول بنجاسة الجميع الداخل فيه العصير المذكور إلى أكثر العلماء الذين عد منهم الشيخ و المرتضى رحمهما الله مع ما ترى من خلو كلامهما الذي نقل عنهما عن ذكر العصير و مع ما مر من تصريح الشهيد رحمه الله مع كمال تتبعه و تبحره الذي لا ريب فيه من تتبع كلامه بعدم وقوفه على قول بالنجاسة إلا ممن عده في جملة العلماء المذكورين الخامس دعواه الإجماع على هذا الحكم المشتمل على نجاسة العصير المذكور بنقل المرتضى و الشيخ مع أن ما نقله عن المرتضى إنما هو في خصوص الخمر و ما نقله عن الشيخ خال عن ذكر العصير بل عن ذكر عدم الخلاف في غير الخمر. الثالث لما كان الغليان الموجب للحرمة أو النجاسة على وجهين كونه بغير النار و كونه بالنار و مرجع كل منهما إما إلى صيرورته طلاء أو خلا تكون الاحتمالات العقلية أربعة و لعدم جريان العادة بصيرورته طلاء بغير النار تكون العادية منها ثلاثة. الأول أن يصير خلا بدون إصابة النار و يعبر عنه بنفسه و إن كان بإمداد حرارة من الهواء أو الشمس الثاني أن يصير طلاء بطبخه على النار الثالث أن يصير خلا بعد أن أصابته النار بإبقائه على حاله مدة و لا خلاف في حلية الأول و طهارته مطلقا و لا في حلية الثاني و طهارته بشرط أن يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه و أما الثالث فصريح ما ذكره الشيخ في النهاية حيث قال و العصير لا بأس بشربه و بيعه ما لم يغل و حد الغليان الذي يحرم ذلك هو أن يصير أسفله أعلاه فإذا غلا حرم شربه و بيعه إلى أن يعود إلى كونه خلا و إذا غلا العصير على النار لم يجز شربه إلى أن يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه و حد ذلك هو أن تراه قد صار حلوا أو يخضب الإناء و يعلق به أو يذهب من كل درهم ثلاثة دوانيق و نصف و هو على النار ثم ينزل به و يترك حتى يبرد فإذا برد فقد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه انتهى و ما ذكره ابن حمزة في الوسيلة حيث قال فإن كان عصيرا لم يخل إما غلا أو لم يغل فإن غلا لم يخل إما غلا من قبل نفسه حتى يعود أسفله أعلاه و أعلاه أسفله حرم و نجس إلى أن يصير خلا بنفسه أو بفعل غيره فيعود حلالا طيبا و إن غلا بالنار حرم شربه حتى يذهب بالنار نصفه و نصف سدسه و لم ينجس أو يخضب الإناء و يعلق به و يحلو و إن لم يغل أصلا حل خلا كان أو عصيرا انتهى أن لا يكون حلالا و إن كان طاهرا. و ظاهر المحقق حيث قال في الشرائع و يحرم العصير إذا غلا من قبل نفسه أو بالنار و لا يحل حتى يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا و العلامة حيث قال في الإرشاد عند تعداد الأشربة المحرمة و العصير إذا غلا و اشتد إلا أن ينقلب خلا أو يذهب ثلثاه و كذا في القواعد و الشهيد رحمه الله حيث قال في اللمعة و يحرم العصير العنبي إذا غلا حتى يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا و كذا في الدروس أن يكون حلالا أيضا. و ظاهر ما مر من رواية ابن سنان و كذا ما روي فِي الْكَافِي عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْعَصِيرِ يُطْبَخُ بِالنَّارِ حَتَّى يَغْلِيَ مِنْ سَاعَتِهِ أَ يَشْرَبُهُ صَاحِبُهُ قَالَ إِذَا تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ وَ غَلَا فَلَا خَيْرَ فِيهِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَ يَبْقَى ثُلُثُهُ . مؤيدان لقول الشيخ و ابن حمزة بل قولهما مبني على حفظ ظاهرهما و لكن لا يخفى إمكان تأويلهما بنحو من التخصيص فلا ينافيان قول المحقق و العلامة و الشهيد و لعل هذا التخصيص هنا هو الظاهر المناسب لتعميم حلية كل خمر و طهارتها بعد الحرمة و النجاسة بصيرورتها خلا فإن مصير العصير مطلقا إلى الخلية إنما يكون بعد الخمرية كما هو المشهور و كل خمر تحل و تطهر بصيرورتها خلا و إن كان بنحو علاج كما سيأتي. الرابع اعلم أن الأحكام المذكورة مخصوصة على المشهور بالعصير العنبي و لا خلاف في عدم تحريم ما سوى عصير التمر و عصير الزبيب مما سوى عصير العنب كعصير الرمان و سائر الفواكه و غيرها و لا في طهارتها إلا أن تصير مسكرا و لا يشترط في حلها و طهارتها ذهاب الثلثين و إنما اختلفوا في عصير التمر و الزبيب قال الشهيد رحمه الله في الدروس و لا يحرم العصير من الزبيب ما لم يحصل فيه نشيش فيحل طبيخ الزبيب على الأصح لذهاب ثلثيه بالشمس غالبا و خروجه عن مسمى العنب و حرمه بعض مشايخنا المعاصرين و هو مذهب بعض فضلائنا المتقدمين لمفهوم رواية علي بن جعفر و أما عصير التمر فقد أحله بعض الأصحاب ما لم يسكر وَ فِي رِوَايَةِ عَمَّارٍ سُئِلَ الصَّادِقُ عليه السلام عَنِ النَّضُوحِ كَيْفَ نَصْنَعُ حَتَّى يَحِلَّ قَالَ خُذْ مَاءَ التَّمْرِ فَأَغْلِهِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ . انتهى و كأن المراد بالنشيش هنا السكر أو ما يئول إليه لا ما مر من الغليان أو ما يقرب منه كما هو المعروف لسياق كلامه هنا و لتصريحه بما ينافيه في اللمعة حيث قال و لا يحرم من الزبيب و إن غلا على الأقوى. ثم إن الشهيد الثاني رحمه الله في شرحها بعد الاستدلال على هذا الحكم بخروجه عن مسمى العنب و بأصالة الحل و استصحابه و ذكر ما ذهب إليه بعض الأصحاب من التحريم لمفهوم رواية علي بن جعفر قال و سند الرواية و المفهوم ضعيفان فالقول بالتحريم أضعف أما النجاسة فلا شبهة في نفيها انتهى و كان الفرق بين القول بالتحريم و النجاسة في هذا المقام لعدم النص على نجاسة العصير مطلقا و عدم القول بها إلا من جماعة معدودين و هم لا يقولون هاهنا لا بالتحريم و لا بالنجاسة فيكون عدم النجاسة هاهنا اتفاقيا. و قال رحمه الله في المسالك و الحكم مختص بعصير العنب فلا يتعدى إلى غيره كعصير التمر ما لم يسكر للأصل و لا إلى عصير الزبيب على الأصح لخروجه عن اسمه و ذهاب ثلثيه و زيادة بالشمس و حرمه بعض علمائنا استنادا إلى مفهوم رواية علي بن جعفر و هي مع أن في طريقها سهل بن زياد لا يدل على تحريمه قبل ذهاب ثلثيه بوجه و إنما نفى عليه السلام البأس عن هذا العمل الموصوف و إبقاء الشراب عنده يشرب منه و تخصيص السؤال بالثلثين لا يدل على تحريمه بدونه و لا بالمفهوم الذي ادعوه و إنما تظهر فائدة التقييد به لتذهب مائيته فيصلح للمكث عند المدة المذكورة كما يبقى الدبس و لو سلم دلالتها بالمفهوم فهو ضعيف لا يصلح لإثبات مثل هذا الحكم المخالف للأصل. وَ رَوَى أَبُو بَصِيرٍ فِي الصَّحِيحِ قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يُعْجِبُهُ الزَّبِيبَةُ . و هذا ظاهر في الحل لأن طعام الزبيبة لا يذهب فيه ثلثا ماء الزبيب كما لا يخفى انتهى. و أقول القول بعدم تحريم عصير الزبيب و التمر لا يخلو من قوة لما مر من عمومات الحل و عدم ورود ما يصلح لتخصيصها و رواية علي بن جعفر مع ضعفها على المشهور بالمفهوم و هي ضعيفة خصوصا إذا كان في كلام السائل على أن مفهومه وجود البأس قبل ذهاب الثلثين و هو أعم من الحرمة و رواية عمار أيضا ضعيفة سندا و متنا فإن قيل الروايات الدالة على تحريم العصير بعد الغليان أكثرها عامة أو مطلقة شاملة لكل عصير خرج عنه ما حل بالإجماع كعصير الرمان و أشباهه فيبقى عصير الزبيب و التمر داخلين تحت عموم التحريم قلت شمول العصير حقيقة لما ينفصل عنهما ممنوع إذ لا ينفصل منهما شيء إلا بعد نقعهما في الماء فلا يسمى عصيرا إلا مجازا بل هو نقيع و ما ينفصل عن التمر بلا نقع فهو دبس لا يطلق عليه العصير بل قيل يحصل الظن القوي بعد تتبع الأخبار و كلام الأصحاب بشيوع استعمال العصير بما يختص بالعنب و يؤيده ما مر في المقنع وَ فِقْهُ الرِّضَا عليه السلام وَ ذَكَرَهُ الصَّدُوقُ فِي الْفَقِيهِ أَيْضاً حَيْثُ قَالَ: وَ لَهَا خَمْسَةُ أَسَامِي الْعَصِيرُ وَ هُوَ مِنَ الْكَرْمِ وَ النَّقِيعُ وَ هُوَ مِنَ الزَّبِيبِ. و نحوه ورد في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و إذا كان كذلك تعين حمل العصير في الأخبار المطلقة عليه و إن كان مجازا حذرا من ارتكاب التخصيص البعيد الذي قد منع صحته جماعة من الأصوليين فإن صدور مثل هذه الكلية عنهم عليه السلام مع خروج أكثر أفراد الموضوع عن الحكم بعيد جدا. قال المحقق الأردبيلي رحمه الله المشهور أن التحريم بالغليان مخصوص بالعصير العنبي و لا خلاف في حلية عصير غير التمر و الزبيب مثل عصير التفاح و الرمان و إن غلا ما لم يكن مسكرا و كذا سائر الربوبات و الأصل و العمومات و حصر المحرمات مؤيدات و يدل عليه أيضا بعض الروايات مِثْلُ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَكْفُوفِ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ عليه السلام أَسْأَلُهُ عَنِ السِّكَنْجَبِينِ وَ الْجُلَّابِ وَ رُبِّ التُّوتِ وَ رُبِّ التُّفَّاحِ فَكَتَبَ حَلَالٌ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ عَنْهُ عليه السلام وَ زَادَ رُبَّ السَّفَرْجَلِ إِذَا كَانَ الَّذِي يَبِيعُهَا غَيْرَ عَارِفٍ وَ هِيَ تُبَاعُ فِي أَسْوَاقِنَا فَكَتَبَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهَا . . و فيها مع الغليان خلاف و المشهور الحل و يؤيده الأصل و العمومات و حصر المحرمات في الآية و الأخبار الكثيرة و قيل بالتحريم بل يظهر أيضا القول بالنجاسة من الذكرى و الظاهر الطهارة و لا ينبغي النزاع في ذلك و قياسهما على الخمر و العصير العنبي باطل مع عدم ثبوت الحكم في الأصل و الحل لما مر و لعدم دليل صالح للتحريم إلا ما مر من عموم العصير و الظاهر أنهما ليسا بداخلين فيه فالمراد فيه العصير العنبي كما يفهم من كلامهم و من ظاهر الأخبار و لهذا ما قال أحد بالعموم إلا ما أخرجه الدليل و ما استدل القائل بعدم إباحتها بتلك العمومات و ما استدل له بها أيضا فكأن العصير عندهم مخصوص بالعنب بالوضع الثاني فتأمل. ثم قال رحمه الله و يؤيده أن النبيذ الذي يؤخذ من التمر و النقيع الذي يؤخذ من الزبيب إنما يحرمان مع السكر و قد مر أنه لو فعلا بحيث لا يسكران يحلان و ما يدل عليه بالمفهوم و يدل عليه أيضا ما يدل على حل النبيذ الغير المسكر و صحيحة أبي بصير في الزبيبة انتهى. و أما الأخبار المتقدمة الواردة في كيفية الشراب الحلال و إن كانت مشعرة باشتراط ذهاب الثلثين في الحل لكن ليس فيها خبر صحيح على مصطلح القوم و لا في شيء منها دلالة ظاهرة إذ قوله عليه السلام في رواية عمار حتى يصير حلالا يحتمل أن يكون المراد به حتى يبقى على الحلية و لا يصير نبيذا مسكرا حراما كما قال في خبره الآخر حتى يشرب حلالا و كما قال في رواية الهاشمي هو شراب طيب لا يتغير إذا بقي و إن احتمل أن يكون هذا علة لوجوب ذهاب الثلثين و قد يقال معناه بقرينة روايته الأخرى و غيرها في هذا الباب حتى يصير نبيذا حلالا أي يكون مثل النبيذ المسكر في النفع دون الحرمة.

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٦٣ - الصفحة ٥٠٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
طِبُّ الْأَئِمَّةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَاتِمٍ التَّمِيمِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: شَكَوْتُ إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عليه السلام بَعْضَ الْوَجَعِ وَ قُلْتُ لَهُ إِنَّ الطَّبِيبَ وَصَفَ لِي شَرَاباً وَ ذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ الشَّرَابَ مُوَافِقٌ لِهَذَا الدَّاءِ قَالَ لَهُ الصَّادِقُ عليه السلام وَ مَا وَصَفَ لَكَ الطَّبِيبُ قَالَ

قَالَ خُذِ الزَّبِيبَ وَ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ عَسَلًا ثُمَّ اطْبُخْهُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَ يَبْقَى الثُّلُثُ فَقَالَ أَ لَيْسَ هُوَ حُلْوٌ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ اشْرَبِ الْحُلْوَ حَيْثُ وَجَدْتَهُ أَوْ حَيْثُ أَصَبْتَهُ وَ لَمْ يَزِدْنِي عَلَى هَذَا. الأول اتفق فقهاؤنا (رضوان الله عليهم) على حرمة العصير العنبي بالغليان و الاشتداد و ظاهر الأخبار و أكثر الأصحاب تحقق الحرمة بمجرد الغليان المفسر بالقلب في رِوَايَةِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ شُرْبِ الْعَصِيرِ قَالَ تَشْرَبُ مَا لَمْ يَغْلِ فَإِذَا غَلَى فَلَا تَشْرَبْهُ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَيُّ شَيْءٍ الْغَلَيَانُ قَالَ الْقَلْبُ. و المراد به كما فسره الأكثر أن يصير أسفله أعلاه و لعله هو المقصود أيضا من النشيش فيما تقدم من الأخبار وَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ ذَرِيحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ إِذَا نَشَّ الْعَصِيرُ وَ غَلَى حَرُمَ. فإن النشيش هو صوت الماء و غيره عند الغليان فعلى هذا يكون العطف بالواو في الرواية للتفسير و يحتمل أن يكون المراد بالنشيش حالة مقارنة للغليان أو متقدمة عليه فيكون العطف لمحض الجمع أو الترتيب للإشعار بعدم انفكاك أحدهما عن الآخر أو عدم كفاية النشيش بدون الغليان و ما وقع في نسخ التهذيب من لفظة أو بدل الواو مؤيد لعدم الانفكاك و أما ما ضم إليه بعض الفقهاء في هذا المقام من الاشتداد حيث قالوا إذا غلا و اشتد فإن كان المراد به معنى القلب أو النشيش أو معنى الثخانة الحاصلة بمجرد الغليان كما قيل فضمه إلى الغليان من قبيل ضم النشيش إليه في الرواية و إن كان المراد معنى آخر يمكن أن يحصل الغليان بدونه معتبرا معه في تحقق الحرمة فلا دليل عليه في الروايات بل إنها إنما تدل على استقلال مجرد الغليان في علية الحرمة من غير اعتبار غيره فيها إلا على سبيل الدلالة عليه كالقلب و النشيش على ما مر و كإصابة النار فيما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: كُلُّ عَصِيرٍ أَصَابَتْهُ النَّارُ فَهُوَ حَرَامٌ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَ يَبْقَى ثُلُثُهُ. فإن أصابه النار بعنوان التأثير كما هو المراد من جملة أسباب الغليان فتدل عليه دلالة السبب على المسبب و أما ترتب الحرمة على إصابة النار بخصوصها كما يتوهم من ظاهر الرواية فليس بمقصود لدلالة الروايات الكثيرة على أنها مترتبة على الغليان سواء كان سببا عن الإصابة المذكورة أو عن غيرها و قد صرح جماعة من الأصحاب منهم الشهيد الثاني بالتساوي بين كونه بالنار أو غيره و عد صاحب الوسيلة الغليان بنفسه من موجبات الحرمة. قيل فالوجه في تخصيص المذكور اعتبار الفرد الغالب و خصوصية الغاية المذكورة فإن ذهاب الثلثين هو غاية الحرمة التي تتحقق بهذا السبب الخاص لا غاية الحرمة المطلقة فإن ما يحرم غليانه بنفسه إنما تكون غاية حرمته هي الخلية بدون اعتبار ذهاب الثلثين. و أقول الظاهر أن كلا من ذهاب الثلثين و الخلية كافيان في الحلية ما لم يصر مسكرا و مع الإسكار فلا بد من الخلية و لا ينفع ذهاب الثلثين و الغالب عدم تحقق الخلية بدون الخمرية و ما وقع في الأخبار و كلام الأصحاب من التخصيص كأنه مبني على الغالب قال ابن البراج في المهذب كل عصير لم يغل فإنه حلال استعماله على كل حال و الغليان الذي معه يحرم استعماله هو أن يصير أسفله أعلاه بالغليان فإن صار بعد ذلك خلا جاز استعماله و إذا طبخ العصير على النار و غلا و لم يذهب ثلثاه لم يجز استعماله فإن ذهب ثلثاه و بقي الثلث جاز استعماله و حد ذلك أن يصير حلوا يخضب الإناء. الثاني ذهب جماعة من الأصحاب إلى نجاسة العصير المذكور قبل ذهاب الثلثين و أنه يطهر بعده فمنهم من عمم الحكم كالمحقق و العلامة رحمهما الله لكنهما اشترطا مع الغليان الاشتداد و ذهب ابن حمزة في الوسيلة إلى تخصيص النجاسة في العصير المذكور بصورة غليانه بنفسه لا بغيره كالنار و بعض المتأخرين عد العصير إذا غلا من النجاسات بدون تخصيص أو اشتراط فالمذاهب في النجاسة ثلاثة و لا مستند لشيء منها في الروايات التي وصلت إلينا كما صرح به الشهيد (رحمه الله) في البيان حيث قال لم أقف على نص في تنجيسه إلا ما دل على نجاسة المسكر لكنه لا يسكر بمجرد غليانه و اشتداده و في الذكرى حيث قال بعد نقل قول ابن حمزة و المحقق و ذكر توقف العلامة فيها في نهايته و لم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة و لا نص على نجاسة غير المسكر و هو منتف هنا. و قال الشهيد الثاني (رحمه الله) في المسالك القول بنجاسة العصير هو المشهور بين المتأخرين و مستنده غير معلوم بل النص إنما دل على التحريم و قال العلامة (رحمه الله) في المختلف و الخمر و كل مسكر و الفقاع و العصير إذا غلا قبل ذهاب ثلثيه بالنار أو من نفسه نجس ذهب إليه أكثر علمائنا كالشيخ المفيد و الشيخ أبي جعفر و السيد المرتضى و أبي الصلاح و سلار و ابن إدريس و قال أبو علي بن أبي عقيل من أصاب ثوبه أو جسده خمر أو مسكر لم يكن عليه غسلهما لأن الله تعالى إنما حرمهما تعبدا لا لأنهما نجسان و كذلك سبيل العصير و الخل إذا أصاب الثوب و الجسد و قال أبو جعفر بن بابويه لا بأس بالصلاة في ثوب أصابته خمر لأن الله حرم شربها و لم يحرم الصلاة في ثوب أصابته مع أنه حكم بنزح ماء البئر أجمع بانصباب الخمر فيها. لنا وجوه الأول الإجماع على ذلك فإن السيد المرتضى قال لا خلاف بين المسلمين في نجاسة الخمر إلا ما يحكى عن شذاذ لا اعتبار بقولهم و قال الشيخ (رحمه الله) الخمر نجسة بلا خلاف و كل مسكر عندنا حكمه حكم الخمر و ألحق أصحابنا الفقاع بذلك و قول السيد المرتضى و الشيخ حجة في ذلك فإنه إجماع منقول بقولهما و هما صادقان فيغلب على الظن ثبوته و الإجماع كما يكون حجة إذا نقل متواترا فكذا إذا نقل آحادا انتهى. و يرد عليه وجوه من الإيراد الأول حكمه بنجاسة كل مسكر بدون استثناء غير المائع بالأصالة مع أنه مستثنى عنه بالاتفاق و الثاني بنجاسة العصير المذكور قبل ذهاب ثلثيه مطلقا مع أنه لا خلاف في طهارة بعض أنواعه قبل ذهاب ثلثيه إذا صار خلا كما سيأتي و الثالث حكمه بها بدون اشتراط الاشتداد مع تصريحه به في سائر كتبه و الرابع نسبة القول بنجاسة الجميع الداخل فيه العصير المذكور إلى أكثر العلماء الذين عد منهم الشيخ و المرتضى رحمهما الله مع ما ترى من خلو كلامهما الذي نقل عنهما عن ذكر العصير و مع ما مر من تصريح الشهيد (رحمه الله) مع كمال تتبعه و تبحره الذي لا ريب فيه من تتبع كلامه بعدم وقوفه على قول بالنجاسة إلا ممن عده في جملة العلماء المذكورين الخامس دعواه الإجماع على هذا الحكم المشتمل على نجاسة العصير المذكور بنقل المرتضى و الشيخ مع أن ما نقله عن المرتضى إنما هو في خصوص الخمر و ما نقله عن الشيخ خال عن ذكر العصير بل عن ذكر عدم الخلاف في غير الخمر. الثالث لما كان الغليان الموجب للحرمة أو النجاسة على وجهين كونه بغير النار و كونه بالنار و مرجع كل منهما إما إلى صيرورته طلاء أو خلا تكون الاحتمالات العقلية أربعة و لعدم جريان العادة بصيرورته طلاء بغير النار تكون العادية منها ثلاثة. الأول أن يصير خلا بدون إصابة النار و يعبر عنه بنفسه و إن كان بإمداد حرارة من الهواء أو الشمس الثاني أن يصير طلاء بطبخه على النار الثالث أن يصير خلا بعد أن أصابته النار بإبقائه على حاله مدة و لا خلاف في حلية الأول و طهارته مطلقا و لا في حلية الثاني و طهارته بشرط أن يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه و أما الثالث فصريح ما ذكره الشيخ في النهاية حيث قال و العصير لا بأس بشربه و بيعه ما لم يغل و حد الغليان الذي يحرم ذلك هو أن يصير أسفله أعلاه فإذا غلا حرم شربه و بيعه إلى أن يعود إلى كونه خلا و إذا غلا العصير على النار لم يجز شربه إلى أن يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه و حد ذلك هو أن تراه قد صار حلوا أو يخضب الإناء و يعلق به أو يذهب من كل درهم ثلاثة دوانيق و نصف و هو على النار ثم ينزل به و يترك حتى يبرد فإذا برد فقد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه انتهى و ما ذكره ابن حمزة في الوسيلة حيث قال فإن كان عصيرا لم يخل إما غلا أو لم يغل فإن غلا لم يخل إما غلا من قبل نفسه حتى يعود أسفله أعلاه و أعلاه أسفله حرم و نجس إلى أن يصير خلا بنفسه أو بفعل غيره فيعود حلالا طيبا و إن غلا بالنار حرم شربه حتى يذهب بالنار نصفه و نصف سدسه و لم ينجس أو يخضب الإناء و يعلق به و يحلو و إن لم يغل أصلا حل خلا كان أو عصيرا انتهى أن لا يكون حلالا و إن كان طاهرا. و ظاهر المحقق حيث قال في الشرائع و يحرم العصير إذا غلا من قبل نفسه أو بالنار و لا يحل حتى يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا و العلامة حيث قال في الإرشاد عند تعداد الأشربة المحرمة و العصير إذا غلا و اشتد إلا أن ينقلب خلا أو يذهب ثلثاه و كذا في القواعد و الشهيد (رحمه الله) حيث قال في اللمعة و يحرم العصير العنبي إذا غلا حتى يذهب ثلثاه أو ينقلب خلا و كذا في الدروس أن يكون حلالا أيضا. و ظاهر ما مر من رواية ابن سنان و كذا ما روي فِي الْكَافِي عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْعَصِيرِ يُطْبَخُ بِالنَّارِ حَتَّى يَغْلِيَ مِنْ سَاعَتِهِ أَ يَشْرَبُهُ صَاحِبُهُ قَالَ إِذَا تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ وَ غَلَا فَلَا خَيْرَ فِيهِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَ يَبْقَى ثُلُثُهُ. مؤيدان لقول الشيخ و ابن حمزة بل قولهما مبني على حفظ ظاهرهما و لكن لا يخفى إمكان تأويلهما بنحو من التخصيص فلا ينافيان قول المحقق و العلامة و الشهيد و لعل هذا التخصيص هنا هو الظاهر المناسب لتعميم حلية كل خمر و طهارتها بعد الحرمة و النجاسة بصيرورتها خلا فإن مصير العصير مطلقا إلى الخلية إنما يكون بعد الخمرية كما هو المشهور و كل خمر تحل و تطهر بصيرورتها خلا و إن كان بنحو علاج كما سيأتي. الرابع اعلم أن الأحكام المذكورة مخصوصة على المشهور بالعصير العنبي و لا خلاف في عدم تحريم ما سوى عصير التمر و عصير الزبيب مما سوى عصير العنب كعصير الرمان و سائر الفواكه و غيرها و لا في طهارتها إلا أن تصير مسكرا و لا يشترط في حلها و طهارتها ذهاب الثلثين و إنما اختلفوا في عصير التمر و الزبيب قال الشهيد (رحمه الله) في الدروس و لا يحرم العصير من الزبيب ما لم يحصل فيه نشيش فيحل طبيخ الزبيب على الأصح لذهاب ثلثيه بالشمس غالبا و خروجه عن مسمى العنب و حرمه بعض مشايخنا المعاصرين و هو مذهب بعض فضلائنا المتقدمين لمفهوم رواية علي بن جعفر و أما عصير التمر فقد أحله بعض الأصحاب ما لم يسكر وَ فِي رِوَايَةِ عَمَّارٍ سُئِلَ الصَّادِقُ عليه السلام عَنِ النَّضُوحِ كَيْفَ نَصْنَعُ حَتَّى يَحِلَّ قَالَ خُذْ مَاءَ التَّمْرِ فَأَغْلِهِ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ. انتهى و كأن المراد بالنشيش هنا السكر أو ما يئول إليه لا ما مر من الغليان أو ما يقرب منه كما هو المعروف لسياق كلامه هنا و لتصريحه بما ينافيه في اللمعة حيث قال و لا يحرم من الزبيب و إن غلا على الأقوى. ثم إن الشهيد الثاني (رحمه الله) في شرحها بعد الاستدلال على هذا الحكم بخروجه عن مسمى العنب و بأصالة الحل و استصحابه و ذكر ما ذهب إليه بعض الأصحاب من التحريم لمفهوم رواية علي بن جعفر قال و سند الرواية و المفهوم ضعيفان فالقول بالتحريم أضعف أما النجاسة فلا شبهة في نفيها انتهى و كان الفرق بين القول بالتحريم و النجاسة في هذا المقام لعدم النص على نجاسة العصير مطلقا و عدم القول بها إلا من جماعة معدودين و هم لا يقولون هاهنا لا بالتحريم و لا بالنجاسة فيكون عدم النجاسة هاهنا اتفاقيا. و قال (رحمه الله) في المسالك و الحكم مختص بعصير العنب فلا يتعدى إلى غيره كعصير التمر ما لم يسكر للأصل و لا إلى عصير الزبيب على الأصح لخروجه عن اسمه و ذهاب ثلثيه و زيادة بالشمس و حرمه بعض علمائنا استنادا إلى مفهوم رواية علي بن جعفر و هي مع أن في طريقها سهل بن زياد لا يدل على تحريمه قبل ذهاب ثلثيه بوجه و إنما نفى عليه السلام البأس عن هذا العمل الموصوف و إبقاء الشراب عنده يشرب منه و تخصيص السؤال بالثلثين لا يدل على تحريمه بدونه و لا بالمفهوم الذي ادعوه و إنما تظهر فائدة التقييد به لتذهب مائيته فيصلح للمكث عند المدة المذكورة كما يبقى الدبس و لو سلم دلالتها بالمفهوم فهو ضعيف لا يصلح لإثبات مثل هذا الحكم المخالف للأصل. وَ رَوَى أَبُو بَصِيرٍ فِي الصَّحِيحِ قَالَ: كَانَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يُعْجِبُهُ الزَّبِيبَةُ. و هذا ظاهر في الحل لأن طعام الزبيبة لا يذهب فيه ثلثا ماء الزبيب كما لا يخفى انتهى. و أقول القول بعدم تحريم عصير الزبيب و التمر لا يخلو من قوة لما مر من عمومات الحل و عدم ورود ما يصلح لتخصيصها و رواية علي بن جعفر مع ضعفها على المشهور بالمفهوم و هي ضعيفة خصوصا إذا كان في كلام السائل على أن مفهومه وجود البأس قبل ذهاب الثلثين و هو أعم من الحرمة و رواية عمار أيضا ضعيفة سندا و متنا فإن قيل الروايات الدالة على تحريم العصير بعد الغليان أكثرها عامة أو مطلقة شاملة لكل عصير خرج عنه ما حل بالإجماع كعصير الرمان و أشباهه فيبقى عصير الزبيب و التمر داخلين تحت عموم التحريم قلت شمول العصير حقيقة لما ينفصل عنهما ممنوع إذ لا ينفصل منهما شيء إلا بعد نقعهما في الماء فلا يسمى عصيرا إلا مجازا بل هو نقيع و ما ينفصل عن التمر بلا نقع فهو دبس لا يطلق عليه العصير بل قيل يحصل الظن القوي بعد تتبع الأخبار و كلام الأصحاب بشيوع استعمال العصير بما يختص بالعنب و يؤيده ما مر في المقنع وَ فِقْهُ الرِّضَا عليه السلام وَ ذَكَرَهُ الصَّدُوقُ فِي الْفَقِيهِ أَيْضاً حَيْثُ قَالَ: وَ لَهَا خَمْسَةُ أَسَامِي الْعَصِيرُ وَ هُوَ مِنَ الْكَرْمِ وَ النَّقِيعُ وَ هُوَ مِنَ الزَّبِيبِ. و نحوه ورد في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و إذا كان كذلك تعين حمل العصير في الأخبار المطلقة عليه و إن كان مجازا حذرا من ارتكاب التخصيص البعيد الذي قد منع صحته جماعة من الأصوليين فإن صدور مثل هذه الكلية عنهم عليه السلام مع خروج أكثر أفراد الموضوع عن الحكم بعيد جدا. قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) المشهور أن التحريم بالغليان مخصوص بالعصير العنبي و لا خلاف في حلية عصير غير التمر و الزبيب مثل عصير التفاح و الرمان و إن غلا ما لم يكن مسكرا و كذا سائر الربوبات و الأصل و العمومات و حصر المحرمات مؤيدات و يدل عليه أيضا بعض الروايات مِثْلُ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَكْفُوفِ قَالَ: كَتَبْتُ إِلَيْهِ يَعْنِي أَبَا الْحَسَنِ عليه السلام أَسْأَلُهُ عَنِ السِّكَنْجَبِينِ وَ الْجُلَّابِ وَ رُبِّ التُّوتِ وَ رُبِّ التُّفَّاحِ فَكَتَبَ حَلَالٌ وَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ عَنْهُ عليه السلام وَ زَادَ رُبَّ السَّفَرْجَلِ إِذَا كَانَ الَّذِي يَبِيعُهَا غَيْرَ عَارِفٍ وَ هِيَ تُبَاعُ فِي أَسْوَاقِنَا فَكَتَبَ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهَا.. و فيها مع الغليان خلاف و المشهور الحل و يؤيده الأصل و العمومات و حصر المحرمات في الآية و الأخبار الكثيرة و قيل بالتحريم بل يظهر أيضا القول بالنجاسة من الذكرى و الظاهر الطهارة و لا ينبغي النزاع في ذلك و قياسهما على الخمر و العصير العنبي باطل مع عدم ثبوت الحكم في الأصل و الحل لما مر و لعدم دليل صالح للتحريم إلا ما مر من عموم العصير و الظاهر أنهما ليسا بداخلين فيه فالمراد فيه العصير العنبي كما يفهم من كلامهم و من ظاهر الأخبار و لهذا ما قال أحد بالعموم إلا ما أخرجه الدليل و ما استدل القائل بعدم إباحتها بتلك العمومات و ما استدل له بها أيضا فكأن العصير عندهم مخصوص بالعنب بالوضع الثاني فتأمل. ثم قال (رحمه الله) و يؤيده أن النبيذ الذي يؤخذ من التمر و النقيع الذي يؤخذ من الزبيب إنما يحرمان مع السكر و قد مر أنه لو فعلا بحيث لا يسكران يحلان و ما يدل عليه بالمفهوم و يدل عليه أيضا ما يدل على حل النبيذ الغير المسكر و صحيحة أبي بصير في الزبيبة انتهى. و أما الأخبار المتقدمة الواردة في كيفية الشراب الحلال و إن كانت مشعرة باشتراط ذهاب الثلثين في الحل لكن ليس فيها خبر صحيح على مصطلح القوم و لا في شيء منها دلالة ظاهرة إذ قوله عليه السلام في رواية عمار حتى يصير حلالا يحتمل أن يكون المراد به حتى يبقى على الحلية و لا يصير نبيذا مسكرا حراما كما قال في خبره الآخر حتى يشرب حلالا و كما قال في رواية الهاشمي هو شراب طيب لا يتغير إذا بقي و إن احتمل أن يكون هذا علة لوجوب ذهاب الثلثين و قد يقال معناه بقرينة روايته الأخرى و غيرها في هذا الباب حتى يصير نبيذا حلالا أي يكون مثل النبيذ المسكر في النفع دون الحرمة. أقول و كأنه لاحتمال هذه الوجوه في تلك الأخبار احتمالا ظاهرا لم يتمسك بها القائل باستواء ماء الزبيب و عصير العنب في وجوب ذهاب ثلثيهما لحصول الحلية كما تمسك بمفهوم رواية علي بن جعفر و رواية إسحاق يشعر بأنه ما دام حلوا لم يتغير فهو حلال لا سيما على ما في طب الأئمة قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) بعد إيرادها بل يمكن فهم الحل مطلقا من قوله عليه السلام أ ليس حلوا فافهم انتهى و أما رواية النرسي فهي و إن دلت على تحريم ماء الزبيب بعد الغليان أو النشيش لكن إثبات مثل هذا الحكم بمثل هذه الرواية مشكل و لا ريب أن الأحوط الاجتناب عن عصير الزبيب بعد الغليان و لا يبعد الاكتفاء بخضب الإناء و علوقه به كما ورد في بعض الأخبار أو بتسميته دبسا و أما ذهاب الثلثين فلا يتحقق فيما يعمل في هذا الزمان غالبا إلا بعد انعقاده و خروجه عن الدبسية و أحوط منه اجتنابه قبل ذهاب الثلثين مطلقا. الخامس الحق جماعة من الأصحاب بالعصير ماء العنب إذا غلا في حبه و هو غير موجه لعدم صدق العصير عليه فالأدلة العامة تقتضي حله قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) الظاهر اشتراط كونه معصورا فلو غلا ماء العنب في حبه لم يصدق عليه أنه عصير غلا ففي تحريمه تأمل و لكن صرحوا به فتأمل و الأصل و العمومات و حصر المحرمات دليل التحليل حتى يعلم الناقل انتهى. و أقول بعض من قارب عصرنا ألحق به الزبيب المطبوخ في الطعام فحكم بحرمته لأنه يغلي ماؤه في جوفه و تابعه بعض من لم يشم رائحة العلم و الفقه من المعاصرين و هو وهن على وهن و ربما يستدل له بخبر النرسي و قد عرفت حاله مع أنه لا يدل على مدعاهم إذ الظاهر أنه إنما يحرم إذا أدى الحلاوة إلى الماء حتى صار بمنزلة العصير و معلوم أن ما يوضع من الزبيب تحت الأرز في القدور ليس بهذه المثابة و لا يحلى الماء بسببه كحلاوة العصير و كذا ما يلقى في الشورباجات قلما يصير بهذه المنزلة نعم ما يدق و يدخل فيها قد يكون قريبا من ذلك و كأنه الزبيبة و قد مرت الرواية بحلها و بالجملة الحكم بالحرمة في جميع ذلك مشكل و إن كان الاحتياط في بعضها أولى. السادس قال في المسالك لا فرق مع عدم ذهاب ثلثيه في تحريمه بين أن يصير دبسا و عدمه لإطلاق النصوص باشتراط ذهاب الثلثين مع أن هذا فرض بعيد لأنه لا يصير دبسا حتى يذهب أربعة أخماسه غالبا بالوجدان فضلا عن الثلثين و يحتمل الاكتفاء بصيرورته دبسا قبل ذلك على تقدير إمكانه لانتقاله عن اسم العصير كما يطهر بصيرورته خلا لذلك و لا فرق في ذهاب ثلثيه بين وقوعه بالغليان و الشمس و الهواء فلو وضع المعمول به قبل ذهاب ثلثيه كالملبن في الشمس فتجفف بها و بالهواء و ذهب ثلثاه حل و كذا يطهر بذلك لو قيل بنجاسته و لا يقدح فيه نجاسة الأجسام الموضوعة فيه قبل ذهاب الثلثين كما يطهر ما فيه من الأجسام بعد انقلابه من الخمرية إلى الخلية عندنا انتهى. أقول و يؤيد الاكتفاء بالدبسية مَا رَوَاهُ الشَّيْخُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِذَا كَانَ يَخْضِبُ الْإِنَاءَ فَاشْرَبْهُ. و إن احتمل أن يكون من علامات ذهاب الثلثين كما فهمه الشيخ (رحمه الله) حيث جعل في النهاية لذهاب الثلثين الذي هو مناط الحلية ثلاث علامات صيرورته حلوا و خضبه الإناء و علوقه به و ذهاب ثلاثة دوانيق و نصف منه عند كونه على النار وَ رَوَى الْكُلَيْنِيُّ (رحمه الله) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِذَا زَادَ الطِّلَاءُ عَلَى الثُّلُثِ أُوقِيَّةً فَهُوَ حَرَامٌ. و كأن المعنى زاد على الثلث بقدر أوقية و هي سبع مثاقيل أو أربعون درهما و هذا إما كناية عن القلة أو مبني على أنه إذا كان أقل من أوقية يذهب بالهواء و يمكن أن يكون هذا فيما إذا كان العصير رطلا فإن الرطل أحد و تسعون مثقالا و نصف سدس سبعه و نصف نصف سدس و قد ورد في بعض الأخبار أن نصف السدس يذهب بالهواء كَمَا رَوَى الشَّيْخُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: الْعَصِيرُ إِذَا طُبِخَ حَتَّى يَذْهَبَ مِنْهُ ثَلَاثَةُ دَوَانِيقَ وَ نِصْفٌ ثُمَّ يُتْرَكُ حَتَّى يَبْرُدَ فَقَدْ ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَ بَقِيَ ثُلُثُهُ. و نصف السدس على هذا الوجه قريب من الأوقية بالمعنى الأول و فيه بعد إشكال. السابع ذهاب الثلثين المعتبر في هذا الباب هل هو بحسب الكيل أو بحسب الوزن و ظاهر بعض الأخبار اعتبار الكليل و ظاهر بعض الأصحاب كالمحقق الأردبيلي (رحمه الله) اعتبار الوزن و لم يتفطن الأكثر للتفاوت بينهما و لذا لم يتعرضوا لذلك و معلوم أن نسبة الذاهب إلى الباقي في العصير المذكور مختلفة بحسب الاعتبارين لتقدم ذهاب جزء مفروض منه بحسب الكيل على مثل هذا الجزء بحسب الوزن و ذلك ظاهر بالتجربة. و يمكن أن يستدل عليه أيضا بما تفطن به بعض الأفاضل بأن نقصان الكيل و الوزن هناك مسبب عن انقلاب بعض أجزائه إلى الهواء و معلوم أن المنقلب إلى الهواء من تلك الأجزاء هو الألطف فالألطف و إن اللطيف أقل وزنا و أكثر حجما من الكثيف فما ينقص من وزنه بالانقلاب المذكور يلزم أن يكون أقل مما ينقص من كيله به دائما على أن نقصان الحجم قد يكون بسبب آخر أيضا كمداخلة بعض الأجزاء في قوام بعض آخر و دعوى أن تلك المداخلة لا يمكن فيما نحن فيه بناء على أن الحرارة موجبة للتخلخل الذي هو ضدها ساقطة بجواز وقوعها من جهة ما يستلزمه من انفتاح السدد المانعة عنها و حصول الفرج المعدة لها مع ما يمكن هناك من أن يكون في بعض الأجزاء قوة نفوذ و في بعضها قوة جذب و قبض فيدخل بتينك القوتين و زوال المانع و حصول المعد ما هو من قبيل الأول فيما هو من قبيل الثاني و يستحكم فيه كما قيل في سبب حصول السواد من ممازجة الزاج و العقص فتأمل. و بالجملة تبين أن ذهاب الثلثين في العصير المذكور من حيث الكيل و الحجم يتحقق قبل ذهابهما فيه من حيث الوزن فيحتمل هاهنا أن يكون المعيار للثلث و الثلثين ما هو بحسب الكيل لكونه معروفا بين الناس في أمثال ذلك و لسهولته عليهم من حيث إمكان هذا النوع من التقدير لهم بالقصعة و القدر و أمثالهما من الأدوات الدائرة و استغنائه عن ميزان صحيح أو قبان مجرب لا يطمئن به إلا بعد تقويمات و تدقيقات لا يهتدي إليها أكثر الناس و ليتيسر تخمينهم الكيلية بين الذاهب و الباقي بحس البصر أيضا بدون احتياج إلى آلة أصلا. و يدل عليه رواية عقبة بن خالد المتقدمة حيث اعتبر عليه السلام فيه الأرطال و الرطل يطلق غالبا على الكيل لا الوزن كما حققناه في رسالة الأوزان و كذا تدل عليه الروايات الثلاث المتقدمة في كيفية الشراب الحلال فإنها صريحة في أن المعتبر في الثلث و الثلثين الكيل دون الوزن و إن أمكن أن يكون الذهاب بحسب الكيل كافيا في ترتب الفوائد التي أفادها عليه السلام لهذا الدواء بناء على ما احتملناه بل اخترناه أن ذهاب الثلثين هاهنا ليس لتحقق الحلية بل لترتب الفوائد الطبية فإن الأطباء في كثير من الأدوية المركبة يذكرون ذلك و غرضهم حصول مزاج ذلك المركب و عدم إسراع الفساد إليه و ترتب كمال الفوائد عليه نعم على مذهب من يختار أن ذهاب الثلثين هنا للحلية هي صريحة في ذلك لكن على ما اخترناه أيضا فيه إيماء إليه و يمكن أن يقال أيضا إنه لما ذكر الشارع ذهاب الثلثين و لم يصرح بالمراد فمتى صدق عليه عرفا أنه ذهب ثلثاه يتحقق الحل و لا ريب في أنه يصدق عليه عرفا أنه ذهب ثلثاه و فيه نظر و يحتمل أن يكون المعيار هاهنا هو التقدير الوزني أو ما في حكمه مما يطابقه و ذلك لأن حكمهم عليه السلام فيما روي عنهم في هذا الباب بترتب الحلية على ذهاب ثلثي العصير و بقاء ثلثه أو ما في معناه من ذهاب اثنين منه و بقاء واحد يدل على وجوب تحقق فناء هذا القدر منه بالطبخ فسواء أخذ هذا القدر بحسب الكيل أو بحسب الوزن لا يتحقق هذا الفناء بالنسبة إليه مع بقاء الزائد على الثلث بحسب الوزن فإنه مستلزم لإمكان بقاء الزائد عليه بحسب الكيل أيضا لتوافقهما في العصير المذكور قبل الطبخ بلا شبهة و إنما اشتبهت حال الكيل بعده من جهة حصول القوام و احتمال مداخلة بعض الأجزاء في بعض فلا يعرف بمحض الكيل في هذا الوقت قدر ثلثي العصير أو ثلثه و إنما يعرف بحسب الوزن فيه ذلك لعدم حصول الاشتباه في حاله من جهة أصلا. و لنوضح ذلك بمثال فرضنا أن العصير ستة أمنان موافقا لست قصعات معينة فيجب أن يذهب و يفنى منه أربعة أمنان مطابق لأربع قصعات حتى يصير حلالا فإذا طبخ إلى أن تبقى قصعتان فحينئذ و إن كان مجال أن يتوهم بلوغه النصاب من حيث كون الباقي بقدر ثلث المجموع بحسب الصورة فيكون الذاهب لا محالة بقدر ثلثيه لكن العقل بمعونة ملاحظة القوام الحاصل فيه بالطبخ يحكم بإمكان كونه زائدا على الثلث بحسب الحقيقة فإنه حال كونه رقيقا كان ثلثه بقدر قصعتين فيمكن أن يكون هذا القدر مع هذا القوام و الغلظ أكثر من الثلث بقدر زيادة وزن الغليظ على الرقيق هاهنا فلا يكون الذاهب و الفاني بقدر ثلثيه لبقاء بعضه بالمداخلة المذكورة في قوام الثلث المذكور فما دام لم يبلغ حدا يطابق وزنه منين موافقا لقدر قصعتين في حال رقته لم يتحقق كون الباقي ثلثا و الذاهب ثلثين فيكون المعيار لمعرفة بلوغه هذا الحد بلوغه هذا الوزن أو ما في حكمه كبلوغه قدر قصعة و نصف إذا علم أن النسبة بين وزني الرقيق و الغليظ أي بين وزني العصير و الطلاء عند كونهما على حجم واحد كنسبة واحد و نصف إلى اثنين و هكذا. و بالجملة يمكن أن تقوم تلك المعرفة أيضا لمن تتبع و استخرج النسبة مقام معرفة الوزن الذي هو المعيار هاهنا على ما عرفت. فتلخص بهذا التحقيق أن تحقق اليقين بذهاب ثلثي العصير مطلقا موقوف على تحقق فناء الثلثين بحسب الوزن و قبل أن يتحقق ذلك تكون الحال مشكوكا فيها لتعارض احتمالي الذهاب و عدم الذهاب بحسب اعتباري الصورة و الحقيقة فلا ترتفع الحرمة اليقينية الحاصلة بإصابة النار إلا بحصول الحلية اليقينية الموقوفة على تحقق الذهاب على الوجه المذكور. و في ألفاظ الروايات إشارات لطيفة إلى هذا التحقيق مثل استعمال لفظ الباقي في مقابل الذاهب فإنه مشعر بأن المراد بالذهاب هناك هو الفناء و الانفصال لا ما يشمل الدخول و الاندماج في قوام سائر الأجزاء فإن الذهاب بهذا المعنى لا ينافي البقاء في الجملة و لعل ذكر بقاء الثلث بعد ذكر ذهاب الثلثين في أكثر الروايات مع أنه بحسب الظاهر مستغنى عنه لدفع هذا التوهم. و مثل استعمال لفظ الأوقية في رواية ابن أبي يعفور المتقدمة فإنها سواء كانت تمييزا أو مفعولا بحسب التركيب تكون باعتبار أنها مفسرة بأربعين درهما أو سبعة مثاقيل كما عرفت صريحة في الوزن بلا شائبة احتمال الكيل فيها فتدل على أن المعيار هاهنا هو الوزن لا الكيل. و مثل استعمال لفظ الدوانيق في رواية ابن سنان فإن الدانق في أصل وضعه عبارة عن سدس الدرهم الذي لا يجري فيه شائبة الكيل خصوصا إذا كان المقصود به هناك أيضا معناه الحقيقي كما فهمه الشيخ (رحمه الله) حيث عبر عنه في النهاية بقوله أو يذهب من كل درهم ثلاثة دوانيق و نصف و أما الكيل الوارد في رواية عقبة بن خالد فيمكن حمله على الوزن المعروف فيه لا الكيل للجمع بينه و بين سائر الروايات. و أقول يمكن أن يكون مخيرا في التقدير بهما توسعة على الناس كما هو المناسب للملة الحنيفية لقلة التفاوت بينهما و حصول الغرض الذي هو عدم التغير و الفساد بالبقاء زمانا طويلا بكل منهما كما أن الشارع خير في الكر بين التقدير بالأشبار و الأرطال و في مسافة القصر بين مسير يوم و الأميال و في الدية بين ألف دينار و عشرة آلاف درهم مع حصول التفاوت الكثير في النسبة بينهما في اختلاف الأزمان و الأحوال و هو أوفق للجمع بين الأخبار و لعدم التعرض للتصريح بأحدهما في الروايات و كلام القدماء و المتأخرين من العلماء الأخيار و هذا عندي أظهر الوجوه و إن كان الأحوط العمل بالوزن مطلقا. فإن قلت لما كان الكيل أقل مطلقا فيرجع الوجه الأخير إلى الأول قلنا هذا جار في جميع النظائر التي ذكرناها لذلك مع أن الفقهاء صرحوا في الجميع بالتخيير و الفائدة في ذلك التوسعة على الأمة فإن في بعض الأحيان الاعتبار بالكيل أسهل و في بعضها الاعتبار بالوزن أيسر مع أنه يمكن القول باستحباب رعاية الوزن و رجحانه على الكيل و به تحصل الفائدة أيضا و إنما أطنبنا الكلام في ذلك لكثرة الجدوى فيه و عموم البلوى به و عدم تعرض الأصحاب له. قُرْبُ الْإِسْنَادِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ عليه السلام قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الْخَمْرِ يَكُونُ أَوَّلُهُ خَمْراً ثُمَّ يَصِيرُ خَلًّا يُؤْكَلُ قَالَ إِذَا ذَهَبَ سُكْرُهُ فَلَا بَأْسَ. كِتَابُ الْمَسَائِلِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّهُ زَادَ فِيهِ أَ يُؤْكَلُ قَالَ نَعَمْ. الْعُيُونُ، بِالْأَسَانِيدِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَنِ الرِّضَا عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام كُلُوا خَلَّ الْخَمْرِ فَإِنَّهُ يَقْتُلُ الدِّيدَانَ فِي الْبَطْنِ وَ قَالَ عليه السلام كُلُوا خَلَّ الْخَمْرِ مَا انْفَسَدَ وَ لَا تَأْكُلُوا مَا أَفْسَدْتُمُوهُ أَنْتُمْ.

بحار الأنوار - ج ٦٣ - الصفحة ٥٠٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ يُونُسَ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَيَسْكُنُ إِلَى الْمُؤْمِنِ كَمَا يَسْكُنُ الظَّمْآنُ إِلَى الْمَاءِ الْبَارِدِ. بيان إلى المؤمن قيل إلى بمعنى مع و أقول كأن فيه تضمينا و هذا تشبيه كامل للمعقول بالمحسوس فإن للظمآن اضطرابا في فراق الماء و يشتد طلبه له فإذا وجده استقر و سكن و يصير سببا لحياته البدني فكذلك المؤمن يشتد شوقه إلى المؤمن و تعطشه في لقائه فإذا وجده سكن و مال إليه و يحيا به حياة طيبة روحانية فإنه يصير سببا لقوة إيمانه و إزالة شكوكه و شبهاته و زوال وحشته. و قيل هذا السكون ينشأ من أمرين أحدهما الاتحاد في الجنسية للتناسب في الطبيعة و الروح كما مر و المتجانسان يميل أحدهما إلى الآخر و كلما كان التناسب و التجانس أكمل كان الميل أعظم كما روي أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف و ما تناكر منها اختلف و ثانيهما المحبة لأن المؤمن لكمال صورته الظاهرة و الباطنة بالعلم و الإيمان و الأخلاق و الأعمال محبوب القلوب و تلك الصورة قد تدرك بالبصر و البصيرة و قد تكون سببا للمحبة و السكون بإذن الله تعالى و بسبب العلاقة في الواقع و إن لم يعلم تفصيلها. الآيات التوبة الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَ صَلَواتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ الشعراء وَ لَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ محمد وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ تفسير الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً الأعراب سكان البادية الذين لم يهاجروا إلى النبي ص قال الراغب العرب أولاد إسماعيل و الأعراب جمعه في الأصل و صار ذلك اسما لسكان البادية قال تعالى قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا و قال الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَ نِفاقاً انتهى. و كونهم أشد كفرا و نفاقا من أهل الحضر لتوحشهم و قساوتهم و جفائهم و نشوهم في بعد من مشاهدة العلماء و سماع التنزيل وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا أي أحق بأن لا يعلموا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ من الشرائع فرائضها و سننها و أحكامها وَ اللَّهُ عَلِيمٌ يعلم حال كل أحد من أهل الوبر و المدر حَكِيمٌ فيما يصيب به مسيئهم و محسنهم عقابا و ثوابا. وَ مِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ أي يعد ما يُنْفِقُ أي يصرفه في سبيل الله و يتصدق به مَغْرَماً أي غرامة و خسرانا إذ لا يحتسبه عند الله و لا يرجو عليه ثوابا و إنما ينفق رئاء و تقية وَ يَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ أي ينتظر بكم صروف الزمان و حوادث الأيام من الموت و القتل و المغلوبية فيرجع إلى دين المشركين و يتخلص من الإنفاق عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ اعتراض بالدعاء عليهم بنحو ما يتربصونه أو إخبار عن وقوع ما يتربصون عليهم وَ اللَّهُ سَمِيعٌ لما يقولون عند الإنفاق و غيره عَلِيمٌ بما يضمرون. قُرُباتٍ أي سبب قربات وَ صَلَواتِ الرَّسُولِ أي و سبب دعواته لأنه كان يدعو للمتصدقين بالخير و البركة و يستغفر لهم أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ شهادة من الله لهم بصحة معتقدهم و تصديق لرجائهم سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ وعد لهم بإحاطة الرحمة عليهم إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ تقرير له. ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ لفرط عنادهم و استنكافهم من اتباع العجم و ما قيل من أن المراد بالأعجمين البهائم فهو في غاية البعد. وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا عطف على وَ إِنْ تُؤْمِنُوا وَ تَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ و قال علي بن إبراهيم يعني عن ولاية أمير المؤمنين ع. يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أي يقم مكانكم قوما آخرين و قال علي بن إبراهيم يدخلهم في هذا الأمر ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ قال في معاداتكم و خلافكم و ظلمكم لآل محمد عليه و (عليهم السلام). قال في المجمع وَ إِنْ تَتَوَلَّوْا أي تعرضوا عن طاعته و عن أمر رسوله يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ أمثل و أطوع منكم ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ بل يكونوا خيرا منكم و أطوع لله منكم. وَ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ نَاساً مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ وَ كَانَ سَلْمَانُ إِلَى جَنْبِ رَسُولِ اللَّهِ فَضَرَبَ ص يَدَهُ عَلَى فَخِذِ سَلْمَانَ فَقَالَ هَذَا وَ قَوْمُهُ وَ الَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَ الْإِيمَانُ مَنُوطاً بِالثُّرَيَّا لَتَنَاوَلَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ. وَ رَوَى أَبُو بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: إِنْ تَتَوَلَّوْا يَا مَعْشَرَ الْعَرَبِ- يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ يَعْنِي الْمَوَالِيَ. وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: قَدْ وَ اللَّهِ أَبْدَلَ بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمُ الْمَوَالِيَ -. 1- مع، معاني الأخبار عَنْ مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْوَاسِطِيِّ عَمَّنْ ذَكَرَهُ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ مَنْ لَمْ يَكُنْ عَرَبِيّاً صَلْباً وَ مَوْلًى صَرِيحاً فَهُوَ سِفْلِيٌّ فَقَالَ وَ أَيُ شَيْءٍ الْمَوْلَى الصَّرِيحُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ مَنْ مُلِكَ أَبَوَاهُ قَالَ وَ لِمَ قَالُوا هَذَا قَالَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ص مَوْلَى الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ أَ مَا بَلَغَكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص قَالَ أَنَا مَوْلَى مَنْ لَا مَوْلَى لَهُ أَنَا مَوْلَى كُلِّ مُسْلِمٍ عَرَبِيِّهَا وَ عَجَمِيِّهَا فَمَنْ وَالَى رَسُولَ اللَّهِ ص أَ لَيْسَ يَكُونُ مِنْ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ أَيُّهُمَا أَشْرَفُ مَنْ كَانَ مِنْ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ ص أَوْ مَنْ كَانَ مِنْ نَفْسِ أَعْرَابِيٍّ جِلْفٍ بَائِلٍ عَلَى عَقِبَيْهِ ثُمَّ قَالَ عليه السلام مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ رَغْبَةً خَيْرٌ مِمَّنْ دَخَلَ رَهْبَةً وَ دَخَلَ الْمُنَافِقُونَ رَهْبَةً وَ الْمَوَالِي دَخَلُوا رَغْبَةً. بيان في القاموس الصلب بالضم الشديد و الحسب و القوة و قال الصريح الخالص من كل شيء و قال السفل و السفلة بكسرهما نقيض العلو و قد سفل ككرم و علم و نصر سفالا و سفولا و تسفل و سفل في خلقه و علمه ككرم سفلا و يضم و سفالا ككتاب و في الشيء سفولا نزل من أعلاه إلى أسفله و سفلة الناس بالكسر كفرحة أسافلهم و غوغاؤهم. مولى القوم من أنفسهم كان غرضه ص حثهم على إكرام مواليهم و معتقيهم و رعايتهم و عدم الإزراء بشأنهم و تعييرهم بخسة نسبهم لا أنهم في حكمهم في جميع الأمور كما فهمه بعض العامة قال في النهاية في حديث الزكاة مولى القوم منهم الظاهر من المذهب و المشهور أن موالي بني هاشم و المطلب لا يحرم عليهم أخذ الزكاة لانتفاء النسب الذي به حرم على بني هاشم و المطلب و في مذهب الشافعي على وجه أنه يحرم على الموالي أخذها لهذا الحديث و وجه الجمع بين الحديث و نفي التحريم أنه إنما قال هذا القول تنزيها لهم و بعثا على التشبه بسادتهم و الاستنان بسنتهم في اجتناب مال الصدقة التي هي أوساخ الناس. و أقول غرض القائل أنه ليس غير العرب من نجباء الناس و لما قال رسول الله ص مولى القوم من أنفسهم فالمولى الصريح أيضا ملحق بهم فحمل الرواية على الحقيقة و العموم و سائر الناس من أهل فارس و غيرهم من سقاط الناس و أراذلهم و ليسوا من أكفاء العرب كما كان عمر يقوله و ذلك أنه سمع من النبي ص أن أنصار علي و أهل بيته عليه السلام يكونون من العجم و لذا حكم بقتل العجم جميعا لما استولى على بلاد فارس فمنعه أمير المؤمنين عليه السلام عن ذلك وَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أَهْلِ الْكِتَابِ. فصار أولادهم من أهل العراق و غيرهم من أصحاب أئمتنا (صلوات الله عليهم) و أنصارهم و محل أسرارهم و دونوا الأصول و انتشر ببركتهم علوم أهل البيت (صلوات الله عليهم) في العالم. و هذا الكلام الذي نقله الراوي عن المتعصبين من المخالفين الذين كانوا أعداء أهل البيت و شيعتهم و مواليهم كان مبنيا على ما ذكرنا فأجاب عليه السلام متعجبا من كلامهم بأن النبي ص و إن قال مولى القوم من أنفسهم قال أيضا أنا مولى من لا مولى له فالعجم كلهم رسول الله مولاهم. و أيضا له ص ولاء كل مسلم من العرب و العجم أي هو أولى بأمورهم و ناصرهم و معينهم في الدنيا و الآخرة و إن ماتوا و لا وارث لهم فهو وارثهم و عليه نفقتهم إن كانوا فقراء و يجب عليه قضاء ديونهم إن ماتوا و لا مال لهم من بيت مال المسلمين و كذا بعده أوصياؤه عليه السلام مواليهم بتلك المعاني كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص بِاتِّفَاقِ الْمُخَالِفِ وَ الْمُؤَالِفِ مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ.. ثم بين عليه السلام أنهم أشرف من الموالي الصريح الذي ذكره الراوي لأنه على مقتضى قوله إذا أعتق والدي رجل أعرابي جلف يبول على عقبيه و لا يغسلهما للشقاق الذي فيهما و كان ذلك عادتهم و لذا أمرهم رسول الله ص بغسل رجليهم قبل الصلاة و قال ويل للأعقاب من النار فتوهموا أن ذلك في الوضوء كما ذكره الجزري في النهاية أو هو كناية عن عدم احترازهم عن البول فيصل إلى أرجلهم رشاشته و لا يغسلونها و الأول أظهر فكان هذا الرجل مولى صريحا للعرب و هو عندهم أشرف من العجم مع أن العجم مولى رسول الله ص بمقتضى الخبر الثاني فهو من نفس رسول الله ص بمقتضى الخبر الأول فكيف لا يكون أشرف منه و من مولاه. ثم بين عليه السلام بوجه آخر أن العجم الذين كانوا في ذلك الزمان من شيعتهم و أصحابهم أفضل من العرب الذين يفتخرون هؤلاء بالانتساب بهم فإن الموالي أي أولاد فارس دخلوا في الإسلام رغبة و هم كانوا منافقين أظهروا الإسلام خوفا و رهبة فقوله فمن والى رسول الله ص أي دخل في الإسلام و لا مولى له و صار رسول الله مولاه و الجلف في أكثر النسخ بالجيم في القاموس الجلف بالكسر الرجل الجافي و في النهاية الجلف الأحمق و في بعض النسخ بالخاء المفتوحة و اللام الساكنة و هو الرديء من كل شيء.

بحار الأنوار - ج ٦٤ - الصفحة ١٦٥. — الإمام الصادق عليه السلام
جع، جامع الأخبار قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ

عَلِيٌّ عليه السلام الْجَزَعُ عِنْدَ الْبَلَاءِ تَمَامُ الْمِحْنَةِ. وَ قَالَ عليه السلام إِنَّ الْبَلَاءَ لِلظَّالِمِ أَدَبٌ وَ لِلْمُؤْمِنِ امْتِحَانٌ وَ لِلْأَنْبِيَاءِ دَرَجَةٌ وَ لِلْأَوْلِيَاءِ كَرَامَةٌ. وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص مَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ وَ أُعْطِيَ فَشَكَرَ وَ ظَلَمَ فَغَفَرَ وَ ظَلَمَ فَاسْتَغْفَرَ قَالُوا مَا بَالُهُ قَالَ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ وَ قَالَ عليه السلام إِنَّ اللَّهَ يَتَعَاهَدُ وَلِيَّهُ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَتَعَاهَدُ الْمَرِيضَ أَهْلُهُ بِالدَّوَاءِ وَ إِنَّ اللَّهَ لَيَحْمِي عَبْدَهُ الدُّنْيَا كَمَا يُحْمَى الْمَرِيضُ الطَّعَامَ. وَ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ خَيْراً ابْتَلَاهُمْ. وَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا يَزَالُ الْبَلَاءُ فِي الْمُؤْمِنِ وَ الْمُؤْمِنَةِ فِي جَسَدِهِ وَ مَالِهِ وَ وُلْدِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَ مَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ. وَ قَالَ عليه السلام لَيَوَدَّنَّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنَّ جُلُودَهُمْ قُرِضَتْ بِالْمَقَارِيضِ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ أَهْلِ الْبَلَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا دَاوُدُ قُلْ لِعِبَادِي يَا عِبَادِي مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي وَ لَمْ يَشْكُرْ نَعْمَائِي وَ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى بَلَائِي فَلْيَطْلُبْ رَبّاً سِوَائِي. وَ قَالَ الْبَاقِرُ عليه السلام يَا بُنَيَّ مَنْ كَتَمَ بَلَاءً ابْتُلِيَ بِهِ مِنَ النَّاسِ وَ شَكَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُعَافِيَهُ مِنْ ذَلِكَ الْبَلَاءِ قَالَ عليه السلام يُبْتَلَى الْمَرْءُ عَلَى قَدْرِ حُبِّهِ. وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مَا مِنْ عَبْدٍ أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ إِلَّا ابْتَلَيْتُهُ فِي جَسَدِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ وَ إِلَّا ضَيَّقْتُ عَلَيْهِ فِي رِزْقِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ وَ إِلَّا شَدَّدْتُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ حَتَّى يَأْتِيَنِي وَ لَا ذَنْبَ لَهُ ثُمَّ أُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ وَ مَا مِنْ عَبْدٍ أُرِيدُ أَنْ أُدْخِلَهُ النَّارَ إِلَّا صَحَّحْتُ جِسْمَهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَمَاماً لِطَلِبَتِهِ وَ إِلَّا آمَنْتُ [خَوْفَهُ لَهُ وَ عَنْ سُلْطَانِهِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ تَمَاماً لِطَلِبَتِهِ وَ إِلَّا هَوَّنْتُ عَلَيْهِ الْمَوْتَ حَتَّى يَأْتِيَنِي وَ لَا حَسَنَةَ لَهُ ثُمَّ أَدْخَلْتُهُ النَّارَ. وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَيَتَعَاهَدُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلَاءِ إِمَّا بِمَرَضٍ فِي جَسَدِهِ أَوْ بِمُصِيبَةٍ فِي أَهْلٍ أَوْ مَالٍ أَوْ مُصِيبَةٍ مِنْ مَصَائِبِ الدُّنْيَا لِيَأْجُرَهُ عَلَيْهَا. وَ قَالَ عليه السلام مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَ هُوَ يُذَكَّرُ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ يَوْماً بِبَلَاءٍ إِمَّا فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ فَيُؤْجَرُ عَلَيْهِ أَوْ هَمٍّ لَا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ هُوَ. وَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَمَنْزِلَةً لَا يَبْلُغُهَا الْعَبْدُ إِلَّا بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ. وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: خَرَجَ مُوسَى عليه السلام فَمَرَّ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَذَهَبَ بِهِ حَتَّى خَرَجَ إِلَى الظَّهْرِ فَقَالَ لَهُ اجْلِسْ حَتَّى أَجِيئَكَ وَ خَطَّ عَلَيْهِ خَطَّةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ إِنِّي اسْتَوْدَعْتُكَ صَاحِبِي وَ أَنْتَ خَيْرُ مُسْتَوْدَعٍ ثُمَّ مَضَى فَنَاجَاهُ اللَّهُ بِمَا أَحَبَّ أَنْ يُنَاجِيَهُ ثُمَّ انْصَرَفَ نَحْوَ صَاحِبِهِ فَإِذَا أَسَدٌ قَدْ وَثَبَ عَلَيْهِ فَشَقَّ بَطْنَهُ وَ فَرَثَ لَحْمَهُ وَ شَرِبَ دَمَهُ قُلْتُ وَ مَا فَرْثُ اللَّحْمِ قَالَ قَطْعُ أَوْصَالِهِ فَرَفَعَ مُوسَى رَأْسَهُ فَقَالَ يَا رَبِّ اسْتَوْدَعْتُكَ وَ أَنْتَ خَيْرُ مُسْتَوْدَعٍ فَسَلَّطْتَ عَلَيْهِ شَرَّ كِلَابِكَ فَشَقَّ بَطْنَهُ وَ فَرَثَ لَحْمَهُ وَ شَرِبَ دَمَهُ فَقِيلَ يَا مُوسَى إِنَّ صَاحِبَكَ كَانَتْ لَهُ مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَمْ يَكُنْ يَبْلُغُهَا إِلَّا بِمَا صَنَعْتُ بِهِ انْظُرْ وَ كَشَفَ لَهُ الْغِطَاءَ فَنَظَرَ مُوسَى فَإِذَا مَنْزِلٌ شَرِيفُ فَقَالَ رَبِّ رَضِيتُ. وَ عَنِ الْكَاظِمِ عليه السلام قَالَ: لَنْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ حَتَّى تَعُدُّوا الْبَلَاءَ نِعْمَةً وَ الرَّخَاءَ مُصِيبَةً وَ ذَلِكَ أَنَّ الصَّبْرَ عِنْدَ الْبَلَاءِ أَعْظَمُ مِنَ الْغَفْلَةِ عِنْدَ الرَّخَاءِ. قَالَ النَّبِيُّ ص لَا تَكُونُ مُؤْمِناً حَتَّى تَعُدَّ الْبَلَاءَ نِعْمَةً وَ الرَّخَاءَ مِحْنَةً لِأَنَّ بَلَاءَ الدُّنْيَا نِعْمَةٌ فِي الْآخِرَةِ وَ رَخَاءَ الدُّنْيَا مِحْنَةٌ فِي الْآخِرَةِ. وَ عَنْ أَبِي الْجَارُودِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام قَالُوا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا قَارَفَ الذُّنُوبَ ابْتُلِيَ بِهَا بِالْفَقْرِ فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِ وَ إِلَّا ابْتُلِيَ بِالْمَرَضِ فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لِذُنُوبِهِ وَ إِلَّا ابْتُلِيَ بِالْخَوْفِ مِنَ السُّلْطَانِ يَطْلُبُهُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ كَفَّارَةً لِذُنُوبِهِ وَ إِلَّا ضُيِّقَ عَلَيْهِ عِنْدَ خُرُوجِ نَفْسِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ حِينَ يَلْقَاهُ وَ مَا لَهُ مِنْ ذَنْبٍ يَدَّعِيهِ عَلَيْهِ فَيَأْمُرُ بِهِ إِلَى الْجَنَّةِ وَ إِنَّ الْكَافِرَ وَ الْمُنَافِقَ لَيُهَوَّنُ عَلَيْهِمَا خُرُوجُ أَنْفُسِهِمَا حَتَّى يَلْقَيَا اللَّهَ حِينَ يَلْقَيَانِهِ وَ مَا لَهُمَا عِنْدَهُ مِنْ حَسَنَةٍ يَدَّعِيَانِهَا عَلَيْهِ فَيَأْمُرُ بِهِمَا إِلَى النَّارِ. وَ عَنْهُ عليه السلام قَالَ: كُلَّمَا ازْدَادَ الْعَبْدُ إِيمَاناً ازْدَادَ ضِيقاً فِي مَعِيشَتِهِ. بيان: في القاموس فرث الجلة يفرث و يفرث نثر ما فيها و كبده يفرثها ضربها و هو حي كفرثها تفريثا فانفرثت كبده انتثرت. بشا، بشارة المصطفى عَنِ ابْنِ شَيْخِ الطَّائِفَةِ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْمُفِيدِ عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ السُّلَمِيِّ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَكَمِ الْكِنْدِيِّ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ صَبِيحٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: كُنْتُ جَالِساً مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاقِرِ عليه السلام إِذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ (عليه السلام) فَقَالَ الرَّجُلُ كَيْفَ أَنْتُمْ فَقَالَ لَهُ مُحَمَّدٌ أَ وَ مَا آنَ لَكُمْ أَنْ تَعْلَمُوا كَيْفَ نَحْنُ إِنَّمَا مَثَلُنَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ مَثَلُ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ يُذَبَّحُ أَبْنَاؤُهُمْ وَ تُسْتَحْيَا نِسَاؤُهُمْ أَلَا وَ إِنَّ هَؤُلَاءِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَنَا وَ يَسْتَحْيُونَ نِسَاءَنَا زَعَمَتِ الْعَرَبُ أَنَّ لَهُمْ فَضْلًا عَلَى الْعَجَمِ فَقَالَ الْعَجَمُ وَ بِمَا ذَاكَ؟ قَالُوا كَانَ مُحَمَّدٌ مِنَّا عَرَبِيٌّ قَالُوا لَهُمْ صَدَقْتُمْ وَ زَعَمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ لَهَا فَضْلًا عَلَى غَيْرِهَا مِنَ الْعَرَبِ فَقَالَتْ لَهُمُ الْعَرَبُ مِنْ غَيْرِهِمْ وَ بِمَا ذَاكَ؟ قَالُوا كَانَ مُحَمَّدٌ قُرَشِيّاً قَالُوا لَهُمْ صَدَقْتُمْ فَإِنْ كَانَ الْقَوْمُ صَدَقُوا فَلَنَا فَضْلٌ عَلَى النَّاسِ لِأَنَّا ذُرِّيَّةُ مُحَمَّدٍ وَ أَهْلُ بَيْتِهِ خَاصَّةً وَ عِتْرَتُهُ لَا يَشْرَكُنَا فِي ذَلِكَ غَيْرُنَا فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ قَالَ فَاتَّخِذْ لِلْبَلَاءِ جِلْبَاباً فَوَ اللَّهِ إِنَّهُ لَأَسْرَعُ إِلَيْنَا وَ إِلَى شِيعَتِنَا مِنَ السَّيْلِ فِي الْوَادِي وَ بِنَا يُبْدَأُ الْبَلَاءُ ثُمَّ بِكُمْ وَ بِنَا يُبْدَأُ الرَّخَاءُ ثُمَّ بِكُمْ. بيان: قال الجوهري آن أينك أي حان حينك و آن لك أن تفعل كذا يئين أينا عن أبي زيد أي حان مثل أنى لك و هو مقلوب منه.

بحار الأنوار - ج ٦٤ - الصفحة ٢٣٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دَاهِرٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ يَحْيَى عَنْ قُثَمَ أَبِي قَتَادَةَ الْحَرَّانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

قَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ وَ كَانَ عَابِداً نَاسِكاً مُجْتَهِداً إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ هُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لَنَا صِفَةَ الْمُؤْمِنِ كَأَنَّنَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا هَمَّامُ الْمُؤْمِنُ هُوَ الْكَيِّسُ الْفَطِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً وَ أَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً زَاجِرٌ عَنْ كُلِّ فَانٍ حَاضٌّ عَلَى كُلِّ حَسَنٍ لَا حَقُودٌ وَ لَا حَسُودٌ وَ لَا وَثَّابٌ وَ لَا سَبَّابٌ وَ لَا عَيَّابٌ وَ لَا مُغْتَابٌ يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ وَ يَشْنَأُ السُّمْعَةَ طَوِيلُ الْغَمِّ بَعِيدُ الْهَمِّ كَثِيرُ الصَّمْتِ وَقُورٌ ذَكُورٌ صَبُورٌ شَكُورٌ مَغْمُومٌ بِفِكْرِهِ مَسْرُورٌ بِفَقْرِهِ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ رَصِينُ الْوَفَا قَلِيلُ الْأَذَى لَا مُتَأَفِّكٌ وَ لَا مُتَهَتِّكٌ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَخْرَقْ وَ إِنْ غَضِبَ لَمْ يَنْزَقْ ضِحْكُهُ تَبَسُّمٌ وَ اسْتِفْهَامُهُ تَعَلُّمٌ وَ مُرَاجَعَتُهُ تَفَهُّمٌ كَثِيرٌ عِلْمُهُ عَظِيمٌ حِلْمُهُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَا يَنْجَلُ وَ لَا يَعْجَلُ وَ لَا يَضْجَرُ وَ لَا يَبْطَرُ وَ لَا يَحِيفُ فِي حُكْمِهِ وَ لَا يَجُورُ فِي عِلْمِهِ نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ وَ مُكَادَحَتُهُ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ لَا جَشِعٌ وَ لَا هَلِعٌ وَ لَا عَنِفٌ وَ لَا صَلِفٌ وَ لَا مُتَكَلِّفٌ وَ لَا مُتَعَمِّقٌ جَمِيلُ الْمُنَازَعَةِ كَرِيمُ الْمُرَاجَعَةِ عَدْلٌ إِنْ غَضِبَ رَفِيقٌ إِنْ طَلَبَ لَا يَتَهَوَّرُ وَ لَا يَتَهَتَّكُ وَ لَا يَتَجَبَّرُ خَالِصُ الْوُدِّ وَثِيقُ الْعَهْدِ وَفِيُّ الْعَقْدِ شَفِيقٌ وَصُولٌ حَلِيمٌ حَمُولٌ قَلِيلُ الْفُضُولِ رَاضٍ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مُخَالِفٌ لِهَوَاهُ لَا يَغْلُظُ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَ لَا يَخُوضُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ نَاصِرٌ لِلدِّينِ مُحَامٍ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ كَهْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَخْرِقُ الثَّنَاءُ سَمْعَهُ وَ لَا يَنْكِي الطَّمَعُ قَلْبَهُ وَ لَا يَصْرِفُ اللَّعِبُ حُكْمَهُ وَ لَا يُطْلِعُ الْجَاهِلَ عِلْمَهُ قَوَّالٌ عَمَّالٌ عَالِمٌ حَازِمٌ لَا بِفَحَّاشٍ وَ لَا بِطَيَّاشٍ وَصُولٌ فِي غَيْرِ عُنْفٍ بَذُولٌ فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَ لَا بِخَتَّالٍ وَ لَا بِغَدَّارٍ وَ لَا يَقْتَفِي أَثَراً وَ لَا يُخِيفُ بَشَراً رَفِيقٌ بِالْخَلْقِ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ عَوْنٌ لِلضَّعِيفِ غَوْثٌ لِلْمَلْهُوفِ لَا يَهْتِكُ سِتْراً وَ لَا يَكْشِفُ سِرّاً كَثِيرُ الْبَلْوَى قَلِيلُ الشَّكْوَى إِنْ رَأَى خَيْراً ذَكَرَهُ وَ إِنْ عَايَنَ شَرّاً سَتَرَهُ يَسْتُرُ الْعَيْبَ وَ يَحْفَظُ الْغَيْبَ وَ يُقِيلُ الْعَثْرَةَ وَ يَغْفِرُ الزَّلَّةَ لَا يَطَّلِعُ عَلَى نُصْحٍ فَيَذَرَهُ وَ لَا يَدَعُ جُنْحَ حَيْفٍ فَيُصْلِحَهُ أَمِينٌ رَصِينٌ تَقِيٌّ نَقِيٌّ زَكِيٌّ رَضِيٌّ يَقْبَلُ الْعُذْرَ وَ يُجْمِلُ الذِّكْرَ وَ يُحْسِنُ بِالنَّاسِ الظَّنَّ وَ يَتَّهِمُ عَلَى الْغَيْبِ نَفْسَهُ يُحِبُّ فِي اللَّهِ بِفِقْهٍ وَ عِلْمٍ وَ يَقْطَعُ فِي اللَّهِ بِحَزْمٍ وَ عَزْمٍ لَا يَخْرَقُ بِهِ فَرَحٌ وَ لَا يَطِيشُ بِهِ مَرَحٌ مُذَكِّرٌ لِلْعَالِمِ مُعَلِّمٌ لِلْجَاهِلِ لَا يُتَوَقَّعُ لَهُ بَائِقَةٌ وَ لَا يُخَافُ لَهُ غَائِلَةٌ كُلُّ سَعْيٍ أَخْلَصُ عِنْدَهُ مِنْ سَعْيِهِ وَ كُلُّ نَفْسٍ أَصْلَحُ عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ عَالِمٌ بِعَيْبِهِ شَاغِلٌ بِغَمِّهِ لَا يَثِقُ بِغَيْرِ رَبِّهِ قَرِيبٌ وَحِيدٌ حَزِينٌ يُحِبُّ فِي اللَّهِ وَ يُجَاهِدُ فِي اللَّهِ لِيَتَّبِعَ رِضَاهُ وَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ وَ لَا يُوَالِي فِي سَخَطِ رَبِّهِ مُجَالِسٌ لِأَهْلِ الْفَقْرِ مُصَادِقٌ لِأَهْلِ الصِّدْقِ مُؤَازِرٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ عَوْنٌ لِلْغَرِيبِ أَبٌ لِلْيَتِيمِ بَعْلٌ لِلْأَرْمَلَةِ حَفِيٌّ بِأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ مَرْجُوٌّ لِكُلِّ كَرِيهَةٍ مَأْمُولٌ لِكُلِّ شِدَّةٍ هَشَّاشٌ بَشَّاشٌ لَا بِعَبَّاسٍ وَ لَا بِجَسَّاسٍ صَلِيبٌ كَظَّامٌ بَسَّامٌ دَقِيقُ النَّظَرِ عَظِيمُ الْحَذَرِ لَا يَبْخَلُ وَ إِنْ بُخِلَ عَلَيْهِ صَبَرَ عَقَلَ فَاسْتَحْيَا وَ قَنِعَ فَاسْتَغْنَى حَيَاؤُهُ يَعْلُو شَهْوَتَهُ وَ وُدُّهُ يَعْلُو حَسَدَهُ وَ عَفْوُهُ يَعْلُو حِقْدَهُ لَا يَنْطِقُ بِغَيْرِ صَوَابٍ وَ لَا يَلْبَسُ إِلَّا الِاقْتِصَادَ مَشْيُهُ التَّوَاضُعُ خَاضِعٌ لِرَبِّهِ بِطَاعَتِهِ رَاضٍ عَنْهُ فِي كُلِّ حَالاتِهِ نِيَّتُهُ خَالِصَةٌ أَعْمَالُهُ لَيْسَ فِيهَا غِشٌّ وَ لَا خَدِيعَةٌ نَظَرُهُ عِبْرَةٌ وَ سُكُوتُهُ فِكْرَةٌ وَ كَلَامُهُ حِكْمَةٌ مُنَاصِحاً مُتَبَاذِلًا مُتَوَاخِياً نَاصِحٌ فِي السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ لَا يَهْجُرُ أَخَاهُ وَ لَا يَغْتَابُهُ وَ لَا يَمْكُرُ بِهِ وَ لَا يَأْسَفُ عَلَى مَا فَاتَهُ وَ لَا يَحْزَنُ عَلَى مَا أَصَابَهُ وَ لَا يَرْجُو مَا لَا يَجُوزُ لَهُ الرَّجَاءُ وَ لَا يَفْشَلُ فِي الشِّدَّةِ وَ لَا يَبْطَرُ فِي الرَّخَاءِ يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْعَقْلَ بِالصَّبْرِ تَرَاهُ بَعِيداً كَسَلُهُ دَائِماً نَشَاطُهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ مُتَوَقِّعاً لِأَجَلِهِ خَاشِعاً قَلْبُهُ ذَاكِراً رَبَّهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْفِيّاً جَهْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَزِيناً لِذَنْبِهِ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ كَظُوماً غَيْظَهُ صَافِياً خُلُقُهُ آمِناً مِنْهُ جَارُهُ ضَعِيفاً كِبْرُهُ قَانِعاً بِالَّذِي قُدِّرَ لَهُ مَتِيناً صَبْرُهُ مُحْكَماً أَمْرُهُ كَثِيراً ذِكْرُهُ يُخَالِطُ النَّاسَ لِيَعْلَمَ وَ يَصْمُتُ لِيَسْلَمَ وَ يَسْأَلُ لِيَفْهَمَ وَ يَتَّجِرُ لِيَغْنَمَ لَا يُنْصِتُ لِلْخَيْرِ لِيَفْخَرَ بِهِ وَ لَا يَتَكَلَّمُ لِيَتَجَبَّرَ بِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآِخِرَتِهِ فَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ الَّذِي يَنْتَصِرُ لَهُ بُعْدُهُ مِمَّنْ تَبَاعَدَ مِنْهُ بُغْضٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ تَكَبُّراً وَ لَا عَظَمَةً وَ لَا دُنُوُّهُ خَدِيعَةً وَ لَا خِلَابَةً بَلْ يَقْتَدِي بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَهُوَ إِمَامٌ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ قَالَ فَصَاحَ هَمَّامٌ صَيْحَةً ثُمَّ وَقَعَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ وَ قَالَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ إِنَّ لِكُلٍّ أَجَلًا لَنْ يَعْدُوَهُ وَ سَبَباً لَا يُجَاوِزُهُ فَمَهْلًا لَا تُعِدْ فَإِنَّمَا نَفَثَ عَلَى لِسَانِكَ شَيْطَانٌ. بيان سيأتي رواية همام نقلا عن نهج البلاغة و مجالس الصدوق باختلاف كثير و فيه أنه قال صف لي المتقين و يمكن أن يكون سأل عن صفات المؤمنين و المتقين معا فاكتفي في بعض الروايات بذكر الأولى و في بعضها بذكر الثانية. و همام بفتح الهاء و تشديد الميم و في القاموس الهمام كغراب الملك العظيم الهمة و السيد الشجاع السخي و كشداد بن الحارث و ابن زيد و ابن مالك صحابيون. و ما ذكر في الروايتين من تثاقله عليه السلام في الجواب أنسب بقوله عليه السلام في آخر الخبر لقد كنت أخافها عليه و في القاموس النسك مثلثة و بضمتين العبادة و كل حق لله عز و جل و قيل المراد هنا المواظب على العبادة و المجتهد المبالغ في العبادة في القاموس جهد كمنع جد كاجتهد و قال الكيس خلاف الحمق و قال الفطنة بالكسر الحذق. و أقول الكيس كسيد و الفطن بفتح الفاء و كسر الطاء و تعريف الخبر باللام و توسيط الضمير للحصر و التأكيد كأن الفرق بينهما أن الكياسة ما كان خلقة و الفطنة ما يحصل بالتجارب أو الأول ما كان في الكليات و الثاني ما كان في الجزئيات و يحتمل التأكيد. و في القاموس البشر بالكسر الطلاقة أوسع شيء صدرا كناية عن كثرة العلم أو وفور الحلم و أذل شيء نفسا أي لا يترفع و لا يطلب الرفعة و يتواضع للناس و يرى نفسه أخس من كل أحد و قيل أي صارت نفسه الأمارة ذليلة لروحه المقدسة و صارت مخالفته للنفس شعاره فعلى الثاني من الذل بالكسر و هو السهولة و الانقياد و على الأول من الذل بالضم بمعنى المضلة و الهوان. زاجرا أي نفسه أو غيره أو الأعم منهما عن كل فان أي عن جميع الأمور الدنيوية فإنها في معرض الفناء و الحض الترغيب و التحريص و هذا أيضا يحتمل النفس و الغير و الأعم و الحقد إمساك العداوة و البغض في القلب و الحقود الكثير الحقد و قيل لا للمبالغة في النفي لا لنفي المبالغة كما قيل في قوله تعالى وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فلا يلزم ثبوت أصل الفعل و كذا في البواقي و يحتمل أن يكون إشارة إلى أن النادر منها لا ينافي الإيمان. و لا وثاب أي لا يثب في وجوه الناس بالمنازعة و المعارضة و في القاموس رفع ككرم رفعة بالكسر شرف و علا قدره و قال شنأه كمنعه و سمعه شنأ و يثلث و شنأة و شنآنا أبغضه و قال الجوهري تقول فعله رئاء و سمعة أي ليراه الناس و يسمعوا به طويل الغم أي لما يستقبله من سكرات الموت و أحوال القبر و أهوال الآخرة بعيد الهم إما تأكيد للفقرة السابقة فإن الغم و الهم متقاربان أي يهتم للأمور البعيدة عنه من أمور الآخرة أو المراد بالهم القصد أي هو عالي الهمة لا يرضى بالدون من الدنيا الفانية أو لا يرضى من السعادات الباقية و الكمالات النفسانية بأدانيها بل يطلب معاليها و قيل أي يتفكر في العواقب في القاموس الهم الحزن و الجمع هموم و ما هم به في نفسه و الهمة بالكسر و يفتح ما هم به من أمر ليفعل. كثير الصمت أي عما لا يعنيه وقور أي ذو وقار و رزانة لا يستعجل في الأمور و لا يبادر في الغضب و لا تجره الشهوات إلى ما لا ينبغي فعله في القاموس الوقار كسحاب الرزانة و رجل وقار و وقور و وقر كندس ذكور كثير الذكر لله و لما ينفعه في الآخرة صبور عند البلاء شكور عند الرخاء. مغموم بفكره أي بسبب فكره في أمور الآخرة مسرور بفقره لعلمه بقلة خطره و يسر الحساب في الآخرة و قلة تكاليف الله فيه سهل الخليقة أي ليس في طبعه خشونة و غلظة و قيل أي سريع الانقياد للحق و في القاموس الخليقة الطبيعة قال الله تعالى وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ لين العريكة هي قريبة من الفقرة السابقة مؤكدة لها في القاموس العريكة كسفينة النفس و رجل لين العريكة سلس الخلق منكسر النخوة و في النهاية في صفته ص أصدق الناس لهجة و ألينهم عريكة العريكة الطبيعة يقال فلان لين العريكة إذا كان سلسا مطاوعا منقادا قليل الخلاف و النفور. رصين الوقار بالراء و الصاد المهملتين و ما في بعض نسخ الكافي بالضاد المعجمة تصحيف أي محكم الوفاء بعهود الله و عهود الخلق في القاموس رصنه أكمله و أرصنه أحكمه و قد رصن ككرم و كأمير المحكم الثابت و الحفي بحاجة صاحبه قليل الأذى إنما ذكر القلة و لم ينف الأذى رأسا لأن الإيذاء قد يكون حسنا بل واجبا كما في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و جهاد الكفار و قيل إنما قال ذلك لأنه يؤذي نفسه و لا يخفى بعده لا متأفك كأنه مبالغة في الإفك بمعنى الكذب أي لا يكذب كثيرا أو المعنى لا يكذب على الناس و في بعض النسخ لا مستأفك أي لا يكذب على الناس فيكذبوا عليه فكأنه طلب منهم الإفك و قيل المتأفك من لا يبالي أن ينسب إليه الإفك و لا متهتك أي ليس قليل الحياء لا يبالي أن يهتك ستره أو لا يهتك ستر الناس في القاموس هتك الستر و غيره يهتكه فانهتك و تهتك جذبه فقطعه من موضعه أو شق منه جزءا فبدا ما وراءه و رجل منهتك و متهتك و مستهتك لا يبالي أن يهتك ستره. إن ضحك لم يخرق أي لا يبالغ فيه حتى ينتهي إلى الخرق و السفه بل يقتصر على التبسم كما سيأتي في القاموس الخرق بالضم و بالتحريك ضد الرفق و أن لا يحسن الرجل العمل و التصرف في الأمور و الحمق و قيل هو من الخرق بمعنى الشق أي لم يشق فاه و لم يفتحه كثيرا. و إن غضب لم ينزق في القاموس نزق الفرس كسمع و نصر و ضرب نزقا و نزوقا نزا أو تقدم خفة و وثب و أنزقه و نزقه غيره و كفرح و ضرب طاش و خف عند الغضب ضحكه تبسم في القاموس بسم يبسم بسما و ابتسم و تبسم و هو أقل الضحك و أحسنه و في المصباح بسم بسما من باب ضرب ضحك قليلا من غير صوت و ابتسم و تبسم كذلك. و استفهامه تعلم أي للتعلم لا لإظهار العلم و مراجعته أي معاودته في السؤال تفهم أي لطلب الفهم لا للمجادلة كثير الرحمة أي ترحمه على العباد كثير لا يبخل بالباء الموحدة ثم الخاء المعجمة كيعلم و يكرم و ربما يقرأ بالنون ثم الجيم من النجل و هو الرمي بالشيء أي لا يرمي بالكلام من غير روية و هو تصحيف. و لا يعجل أي في الكلام و العمل و لا يضجر في القاموس ضجر منه و به كفرح و تضجر تبرم و في الصحاح الضجر القلق من الغم و قال البطر الأشر و هو شدة المرح و قد بطر بالكسر يبطر و البطر أيضا الحيرة و الدهش و في القاموس البطر محركة النشاط و الأشر و قلة احتمال النعمة و الدهش و الحيرة و الطغيان بالنعمة و كراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة فعل الكل كفرح و قال الحيف الجور و الظلم. و لا يجور في علمه أي لا يظلم أحدا بسبب علمه أو لا يظهر خلاف ما يعلم و ربما يقرأ يجوز بالزاي أي لا يتجاوز عن العلم الضروري إلى غيره نفسه أصلب من الصلد أي من الحجر الصلب كناية عن شدة تحمله للمشاق أو عن عدم عدوله عن الحق و تزلزله فيه بالشبهات و عدم ميله إلى الدنيا بالشهوات و في القاموس الصلد و يكسر الصلب الأملس. و مكادحته أحلى من الشهد في القاموس كدح في العمل كمنع سعى و عمل لنفسه خيرا أو شرا و كد و وجهه خدش أو عمل به ما يشينه ككدحه أو أفسده و لعياله كسب كاكتدح و في الصحاح الكدح العمل و السعي و الخدش و الكسب يقال هو يكدح في كذا أي يكد و قوله تعالى إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً أي تسعى انتهى و الشهد العسل و قيل المكادحة هنا المنازعة أي منازعته لرفعة فيها أحلى من العسل و كأنه أخذه من الكدح بمعنى الخدش و العض استعير هنا لمطلق المنازعة في النهاية كل أثر من خدش أو عض فهو كدح. و أقول يحتمل أن يكون المعنى أن سعيه في تحصيل المعيشة و الأمور الدنيوية لمساهلته فيها حسن لطيف و قيل الكدح الكد و السعي و حلاوة مكادحته لحلاوة ثمرتها فإن التعب في سبيل المحبوب راحة. لا جشع في القاموس الجشع محركة أشد الحرص و أسوؤه و أن تأخذ نصيبك و تطمع في نصيب غيرك و قد جشع كفرح فهو جشع و قال الهلع محركة أفحش الجزع و كصرد الحريص و الهلوع من يجزع و يفزع من الشر و يحرص و يشح على المال أو الضجور لا يصبر على المصائب و قال العنف مثلثة العين ضد الرفق و قال الصلف بالتحريك قلة نماء الطعام و بركته و أن لا تحظى المرأة عند زوجها و التكلم بما يكرهه صاحبك و التمدح بما ليس عندك أو مجاوزة قدر الظرف و الادعاء فوق ذلك تكبرا و هو صلف ككتف و أقول أكثر المعاني مناسبة. و قال المتكلف العريض لما لا يعنيه و نحوه قال الجوهري و قال تكلفت الشيء تجشمته أي ارتكبته على مشقة و لا متعمق أي لا يتعمق و لا يبالغ في الأمور الدنيوية و قيل لا يطول الكلام و لا يسعى في تحسينه لإظهار الكمال قال في القاموس عمق النظر في الأمور بالغ و تعمق في كلامه تنطع و قال تنطع في الكلام تعمق و غالى و تأنق و يحتمل أن يكون المراد عدم التعمق في المعارف الإلهية فإنه أيضا ممنوع لقصور العقول عن الوصول إليها لما مر في كتاب التوحيد بسند صحيح قال سئل علي بن الحسين عن التوحيد فقال إن الله عز و جل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و الآيات من سورة الحديد إلى قوله عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فمن رام وراء ذلك فقد هلك. جميل المنازعة أي إن احتاج إلى منازعة يأتي بها على أحسن الوجوه كريم المراجعة قد مر أن مراجعته في السؤال تفهم و هنا يصفها بالكرم أي يأتي بها في غاية الملاينة و حسن الأدب و قيل المراد بالمراجعة هنا الرجوع عن الذنب أو السهو أو الخطاء عدل إن غضب أي لا يصير غضبه سببا لجوره على من غضب عليه رفيق إن طلب أي إن طلب شيئا من أحد يطلبه برفق سواء كان له عنده حق أم لا و يمكن أن يقرأ على بناء المجهول أي إن طلب أحد رفاقته يصاحبه برفق أو إن طلب أحد منه حقه يجيبه برفق. لا يتهور التهور الإفراط في الشجاعة و هو مذموم قال في القاموس تهور الرجل وقع في الأمر بقلة مبالاة و لا يتهتك قد مر ذلك فهو تأكيد أو المراد هنا هتك ستر الغير فيكون تأسيسا لكن لا يساعده اللغة كما عرفت و لا يتجبر أي لا يتكبر على الغير أو لا يعد نفسه كبيرا خالص الود أي محبته خالصة لله أو مخصوصة بالله أو محبته خالصة لكل من يوده غير مخلوطة بالخديعة و النفاق و كأن هذا أظهر وثيق العهد أي عهده مع الله و مع الخلق محكم. وفي العقد أي يفي بما يصدر عنه من العقود الشرعية كما قال سبحانه أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على بعض الوجوه قال في مجمع البيان اختلف في هذه العقود على أقوال أحدها أن المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضا فيها على النصرة و المؤازرة و المظاهرة على من حاول ظلمهم أو بغاهم سوءا و ذلك هو معنى الحلف. و ثانيها أنها العهود التي أخذ الله سبحانه على عباده بالإيمان به و الطاعة فيما أحل لهم أو حرم عليهم. و ثالثها أن المراد بها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم و يعقدها المرء على نفسه كعقد الأيمان و عقد النكاح و عقد العهد و عقد البيع و عقد الحلف. و رابعها أن ذلك أمر من الله سبحانه لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في كتبهم من تصديق نبينا ص و ما جاء به من عند الله و أقوى هذه الأقوال عن ابن عباس أن المراد بها عقود الله التي أوجبها على العباد في الحلال و الحرام و الفرائض و الحدود و يدخل في ذلك جميع الأقوال الأخر فيجب الوفاء بجميع ذلك إلا ما كان عقدا في المعاونة على أمر قبيح انتهى. و العلماء مدارهم في الاستدلال على لزوم العقود بهذه الآية و قد يحمل العقد في هذا الخبر على الاعتقاد. و في القاموس الشفق حرص الناصح على صلاح المنصوح و هو مشفق و شفيق و حاصله أنه ناصح و مشفق على المؤمنين و قيل خائف من الله و الأول أظهر وصول للرحم أو الأعم منهم و من سائر المؤمنين و الحلم الأناة و العقل كما في القاموس و قال الراغب الحلم ضبط النفس و الطبع عن هيجان الغضب و جمعه أحلام قال الله تعالى أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا قيل معناه عقولهم و ليس الحلم في الحقيقة هو العقل لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل. خمول في أكثر النسخ بالخاء المعجمة و في بعضها بالحاء المهملة فعلى الأول المعنى أنه خامل الذكر غير مشهور بين الناس و كأنه محمول على أنه لا يحب الشهرة و لا يسعى فيها لا أن الشهرة مطلقا مذمومة في القاموس خمل ذكره و صوته خمولا خفي و أخمله الله فهو خامل ساقط لا نباهة له و على الثاني إما المراد به الحلم تأكيدا أو المراد بالحليم العاقل أو أنه يتحمل المشاق للمؤمنين و الأول أظهر في القاموس حمل عنه حلم فهو حمول ذو حلم. قليل الفضول الفضول جمع الفضل و هي الزوائد من القول و الفعل في القاموس الفضل ضد النقص و الجمع فضول و الفضولي بالضم المشتغل بما لا يعنيه مخالف لهواه أي لما تشتهيه نفسه مخالفا للحق قال الراغب الهوى ميل النفس إلى الشهوة و يقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة و قيل سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية و في الآخرة إلى الهاوية و قد عظم الله ذم اتباع الهوى فقال أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ و قال وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ و قال وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ انتهى. لا يغلظ على بناء الإفعال يقال أغلظ له في القول أي خشن أو على بناء التفعيل أو على بناء المجرد ككرم قال في المصباح غلظ الرجل اشتد فهو غليظ و فيه غلظة أي غير لين و لا سلس و أغلظ له في القول إغلاظا و غلظت عليه في اليمين تغليظا شددت عليه و أكدت. على من دونه دينا أو دنيا أو الأعم و لا يخوض أي لا يدخل فيما لا يعنيه أي لا يهمه في القاموس عناه الأمر يعنيه و يعنوه عناية و عناية أهمه و اعتنى به اهتم ناصر للدين أصوله و فروعه قولا و فعلا محام عن المؤمنين أي يدفع الضرر عنهم في القاموس حاميت عنه محاماة و حماء منعت عنه كهف للمسلمين في القاموس الكهف الوزر و الملجأ لا يخرق الثناء سمعته كأن المراد بالخرق الشق و عدمه كناية عن عدم التأثير فيه كأنه لم يسمعه و ما قيل من أنه على بناء الإفعال أي لا يصير سمعه ذا خرق و حمق فلا يخفى بعده. و لا ينكي الطمع قلبه أي لا يؤثر في قلبه و لا يستقر فيه و فيه إشعار بأن الطمع يورث جراحة القلب جراحة لا تبرأ في القاموس نكأ القرحة كمنع قشرها قبل أن تبرأ فنديت و قال في المعتل نكى العدو و فيه نكاية قتل و جرح و القرحة نكأها أقول فهنا يمكن أن يقرأ مهموزا و غير مهموز. و لا يصرف اللعب حكمه أي حكمته و المعنى لا يلتفت إلى اللعب لحكمته كما قال تعالى وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً أو المعنى أن الأمور الدنيوية لا تصير سببا لتغيير حكمه كما قال تعالى وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ و لا يطلع الجاهل علمه لا يطلع على بناء الإفعال و المراد بالجاهل المخالفون أي يتقي منهم أو ضعفاء العقول فالمراد بالعلم ما لا يستطيعون فهمه كما مر قوال أي كثير القول لما يحسن قوله عمال كثير الفعل و العمل بما يقوله عالم قيل هو ناظر إلى قوله قوال و حازم ناظر إلى قوله عمال و الحزم رعاية العواقب و في القاموس الحزم ضبط الأمر و الأخذ فيه بالثقة لا بفحاش في القاموس الفحش عدوان الجواب و قال الراغب الفحش و الفحشاء و الفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال و الأقوال. و في القاموس الطيش النزق و الخفة طاش يطيش فهو طائش و طياش و ذهاب العقل و الطياش من لا يقصد وجها واحدا. وصول في غير عنف كأن في بمعنى مع أي يعاشر الأرحام و المؤمنين و يحسن إليهم بحيث لا يصير سببا للثقل عليهم أو وصله دائم غير مشوب بعنف أو يصلهم بالمال و لا يعنف عليهم عند العطاء و لا يؤذيهم بالقول و الفعل. بذول في غير سرف أي يبذل المال مع غير إسراف و لا بختار و في بعض النسخ و لا بختال في القاموس الختر الغدر و الخديعة أو أقبح الغدر و هو خاتر و ختار و قال ختله يختله و يختله ختلا و ختلانا خدعه و الذئب الصيد تخفى له فهو خاتل و ختول و خاتله خادعه و تخاتلوا تخادعوا لا يقتفي أثرا أي لا يتبع عيوب الناس أو لا يتبع أثر من لا يعلم حقيقة. و لا يحيف بشرا بالحاء المهملة و في بعض النسخ بالمعجمة فعلى الأول هو من الحيف الجور و الظلم و على الثاني من الإخافة ساع في الأرض أي لقضاء حوائج المؤمنين و عيادة مرضاهم و شهود جنائزهم و هدايتهم و إرشادهم. و الغوث اسم من الإغاثة و هي النصرة و أغاثهم الله برحمته كشف الله شدتهم و في القاموس لهف كفرح حزن و تحسر كتلهف عليه و الملهوف و اللهيف و اللهفان و اللاهف المظلوم المضطر يستغيث و يتحسر انتهى. و هتك الستر إفشاء العيوب و لا يكشف سرا أي سر نفسه أو سر غيره أو الأعم و الشكوى الشكاية إن رأى خيرا بالنسبة إليه أو مطلقا ذكره عند الناس و إن عاين شرا بالنسبة إليه أو مطلقا ستره عن الناس و حفظ الغيب أن يكون في غيبة أخيه مراعيا لحرمته كرعايته عند حضوره. و يقيل العثرة أصل الإقالة هو أن يبيع الإنسان من آخر شيئا فيندم المشتري فيستقيل البائع أي يطلب عنه فسخ البيع فيقيله أي يقبل ذلك منه فيتركه ثم يستعمل ذلك في أن يفعل أحد بغيره ما يستحق تأديبا أو ضررا فيعتذر منه و يطلب العفو فيعفو عنه كأنه وقع بينهما معاوضة فتتاركا و منه قولهم أقال الله عثرته. و غفر الزلة أيضا قريب من ذلك يقال أرض مزلة تزل فيه الأقدام و زل في منطقه أو فعله يزل من باب ضرب زلة أخطأ و يمكن أن تكون الثانية تأكيدا أو تكون إحداهما محمولة على ما يفعل به و الأخرى على الخطاء الذي صدر منه من غير أن يصل ضرره إليه أو تكون إحداهما محمولة على العمد و الأخرى على الخطإ أو إحداهما على القول و الأخرى على الفعل أو إحداهما على نقض العهد و الوعد و الأخرى على غيره. لا يطلع على نصح فيذره لا يطلع بالتشديد على بناء الافتعال أي إذا اطلع على نصح لأخيه لا يتركه بل يذكره له و لا يدع جنح حيف فيصلحه في القاموس الجنح بالكسر الجانب و الكنف و الناحية و من الليل الطائفة منه و يضم و قال الحيف الجور و الظلم و الحاصل أنه لا يدع شيئا من الظلم يقع منه أو من غيره على أحد بل يصلحه أو لا يصدر منه شيء من الظلم فيحتاج إلى أن يصلحه و في بعض النسخ جنف بالجيم و النون و هو محركة الميل و الجور. أمين يأتمنه الناس على مالهم و عرضهم رصين بالصاد المهملة و تقدم و في بعض النسخ بالضاد المعجمة و في القاموس المرضون شبه المنضود من حجارة و نحوها يضم بعضها إلى بعض في بناء و غيره تقي عن المعاصي نقي عن ذمائم الأخلاق أو مختار يقال انتقاه أي اختاره زكي أي طاهر من العيوب أو تام في الكمالات أو صالح في القاموس زكا يزكو زكاء نما كأزكى و زكاه الله و أزكاه و الرجل صلح و تنعم فهو زكي من أزكياء و في بعض النسخ بالذال أي يدرك المطالب العلية من المبادي الخفية بسهولة رضي أي راض عن الله و عن الخلق أو مرضي عندهما كما قال تعالى وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي مرضيا عندك قولا و فعلا. و يجمل الذكر على بناء الإفعال أي يذكرهم بالجميل و يتهم على العيب نفسه بالعين المهملة و في بعض النسخ بالمعجمة أي يتهم نفسه غائبا عن الناس لا كالمرائي الذي يظهر ذلك عند الناس و ليس كذلك أو يتهم نفسه على ما يغيب عن الناس من عيوبه الباطنة الخفية. يحب في الله بفقه و علم أي يحب في الله و لله من يعلم أنه محبوب لله و يلزم محبته لا كالجهال الذين يحبون أعداء الله لزعمهم أنهم أولياء الله كالمخالفين و يقطع في الله بحزم و عزم أي يقطع من أعداء الله بحزم و رعاية للعاقبة فإنه قد تلزم مواصلتهم ظاهرا للتقية و هو عازم على قطعهم لا كمن يصل يوما و يقطع يوما. لا يخرق به فرح يخرق كيحسن و الباء للتعدية أي لا يصير الفرح سببا لخرقه و سفهه قال في المصباح الفرح يستعمل في معان أحدها الأشر و البطر و عليه قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ و الثاني الرضا و عليه قوله تعالى كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ و الثالث السرور و عليه قوله تعالى فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ و يقال فرح بشجاعته و بنعمة الله عليه و بمصيبة عدوه فهذا الفرح لذة القلب بنيل ما يشتهي. و لا يطيش به مرح أي لا يصير شدة فرحه سببا لنزقه و خفته و ذهاب عقله أو عدوله عن الحق و ميله إلى الباطل في القاموس الطيش جواز السهم الهدف و أطاشه أماله عن الهدف و قال مرح كفرح أشر و بطر و اختال و نشط و تبختر و قال الجوهري المرح شدة الفرح و النشاط. مذكر العالم الآخرة أو مسائل الدين لا يتوقع له بائقة أي لا يخاف أن يصدر منه داهية و شر في القاموس توقع الأمر انتظر كونه و قال البائقة الداهية و باق جاء بالشر و الخصومات و قال الجوهري فلان قليل الغائلة و المغالة أي الشر الكسائي الغوائل الدواهي. كل سعي أخلص عنده من سعيه أي لحسن ظنه بالناس و اتهامه لنفسه سعي كل أحد في الطاعات أخلص عنده من سعيه و قريب منه الفقرة التالية و قوله عالم بعيبه كالدليل عليها شاغل بغمه أي غمه لآخرته شغله عن أن يلتفت إلى عيوب الناس أو إلى الدنيا و لذاتها. قريب في أكثر النسخ بالقاف أي قريب من الله أو قريب عن الناس لا يتكبر عليهم أو من فهم المسائل و الاطلاع على الأسرار قال في النهاية فيه اتقوا قراب المؤمن فإنه ينظر بنور الله و روي قرابة المؤمن يعني فراسته و ظنه الذي هو قريب من العلم و التحقق لصدق حدسه و إصابته انتهى. و أقول كونه مأخوذا منه ليس بقريب و الأظهر غريب بالغين كما في بعض النسخ أي لا يجد مثله فهو بين الناس غريب و لذا يعيش فردا لا يأنس بأحد قال في النهاية فيه إن الإسلام بدا غريبا و سيعود كما بدا فطوبى للغرباء أي أنه كان في أول أمره كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ و سيعود غريبا كما كان أي يقل المسلمون في آخر الزمان فيصيرون كالغرباء فطوبى للغرباء أي الجنة لأولئك المسلمين الذين كانوا في أول الإسلام و يكونون في آخره و إنما خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولا و آخرا و لزومهم دين الإسلام انتهى. وحيد أي يصبر على الوحدة أو فريد لا مثل له حزين لضلالة الناس و قلة أهل الحق لا ينتقم لنفسه بنفسه بل يصبر حتى ينتقم الله له في الدنيا أو في الآخرة و لا يوالي في سخط ربه أي ليس موالاته لمعاصي الله و في القاموس الصداقة المحبة و المصادقة و الصداق المخالة كالتصادق و الموازرة و المعاونة. عون أي معاون للغريب النائي عن بلده أو للقرباء من أهل الحق كما ورد أن المؤمن غريب أب لليتيم أي كالأب له و كذا البعل و في الصحاح الأرملة المرأة التي لا زوج لها و في القاموس امرأة رملة محتاجة أو مسكينة و الجمع أرامل و أراملة و الأرمل العزب و هي بهاء أو لا يقال للعزبة الموسرة أرملة. حفي بأهل المسكنة قال الراغب الحفي البر اللطيف في قوله عز ذكره إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا و يقال حفيت بفلان و تحفيت به إذا عنيت بإكرامه و الحفي العالم بالشيء. مرجو لكل كريهة أي يرجى لرفع كل كريهة و يأمله الناس لدفع كل شدة و لو بالدعاء إن لم تمكنه الإعانة الظاهرة و في القاموس الكريهة الحرب أو الشدة في الحرب و النازلة و قيل المرجو أقرب إلى الوقوع من المأمول. هشاش بشاش قال الجوهري الهشاشة الارتياح و الخفة للمعروف و قد هششت بفلان بالكسر أهش هشاشة إذا خففت إليه و ارتحت له و رجل هش بش و قال البشاشة طلاقة الوجه و رجل هش بش أي طلق الوجه لا بعباس أي كثير العبوس و لا بجساس أي لا كثير التجسس لعيوب الناس صليب أي متصلب شديد في أمور الدين كظام يكظم الغيظ كثيرا يقال كظم غيظه أي رده و حبسه بسام أي كثير التبسم دقيق النظر أي نافذ الفكر في دقائق الأمور عظيم الحذر عن الدنيا و مهالكها و فتنها لا يبخل بمنع حقوق الناس واجباتها و مندوباتها و إن بخل عليه بمنع حقوقه صبر. عقل أي فهم قبح المعاصي فاستحيا من ارتكابها أو عقل أن الله مطلع عليه في جميع أحواله فاستحيا من أن يعصيه و قنع بما أعطاه الله فاستغنى عن الطلب من المخلوقين حياؤه من الله و من الخلق يعلو شهوته فيمنعه عن اتباع الشهوات النفسانية و وده للمؤمنين يعلو حسده أي يمنعه عن أن يحسدهم على ما أعطاهم الله و عفوه عن زلات إخوانه و ما أصابه منهم من الأذى يعلو حقده عليهم. و لا يلبس إلا الاقتصاد أي يقتصد و يتوسط في لباسه فلا يلبس ما يلحقه بدرجة المسرفين و المترفين و لا ما يلحقه بأهل الخسة و الدناءة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه أو يصير سببا لشهرتهم بالزهد كما هو دأب المتصوفة و يحتمل أن يكون المراد جعله الاقتصاد في جميع أموره شعارا و دثارا على الاستعارة. و مشيه التواضع أي لا يختال في مشيه و قيل هو العدل بين رذيلتي المهانة و الكبر. و أقول يحتمل أن يكون المراد مسلكه و طريقته التواضع. بطاعته أي بأن يطيعه أو بسبب طاعته في كل حالاته أي من الشدة و الرخاء و النعمة و البلاء خالصة أي لله سبحانه ليس فيها غش لله أو للخلق أو الأعم في القاموس غشه لم يمحضه النصح أو أظهر له خلاف ما أضمر و الغش بالكسر الاسم منه. نظره إلى المخلوقات عبرة و استدلال على وجود الخالق و علمه و قدرته و لطفه و حكمته و إلى الدنيا عبرة بفنائها و انقضائها و سكوته فكرة أي تفكر في عظمة الله و قدرته و فناء الدنيا و عواقب أموره و الحمل في تلك الفقرات للمبالغة في السببية فإن النظر سبب للعبرة و السكوت سبب للفكرة مناصحا نصبه و أختيه على الحال مما أضيف إليه المبتدأ على القول بجوازه و قيل نصبها على الاختصاص أي ينصح أخاه و يقبل منه النصح متباذلا أي يبذل أخاه من المال و العلم و يقبل منه متواخيا أي يواخي مع خلص المؤمنين لله و في الله. ناصحا في السر و العلانية أي ينصح في السر إن اقتضته المصلحة و في العلانية إن اقتضته الحكمة أو المراد بالسر القلب و بالعلانية اللسان إشارة إلى أن نصحه غير مشوب بالخدعة. لا يهجر أخاه الهجر ضد الوصل أي لا يترك صحبته و لا يأسف على ما فاته أي من النعم في القاموس الأسف محركة أشد الحزن أسف كفرح و عليه غضب و لا يحزن على ما أصابه أي من البلاء و لا يرجو ما لا يجوز له الرجاء كان يرجو البقاء في الدنيا أو درجة الأنبياء و الأوصياء أو الأمور الدنيوية كالمناصب الباطلة. و لا يفشل في الشدة أي لا يكسل في العبادة في حال الشدة أو لا يضطرب و لا يجبن فيها بل يصبر أو يقدم على دفعها بالجهاد و نحوه في القاموس فشل كفرح فهو فشل كسل و ضعف و تراخى و جبن يمزج العلم بالحلم أي بالعفو و كظم الغيظ أو العقل و الأول أظهر لأن العلم يصير غالبا سببا للتكبر و الترفع و ترك الحلم و المزج الخلط و الفعل كنصر و العقل بالصبر أي مع وفور عقله يصبر على جهل الجهال أو يصبر على المصائب لقوة عقله و قيل أي مع عقله و فهمه أحوال الخلائق يصبر عليها. تراه بعيدا كسله أي في العبادات دائما نشاطه أي رغبته في الطاعات في القاموس نشط كسمع نشاطا طابت نفسه للعمل و غيره قريبا أمله أي لا يأمل ما يبعد حصوله من أمور الدنيا أو لا يأمل ما يتوقف حصوله على عمر طويل بل يعد موته قريبا و الحاصل أنه ليس له طول الأمل أو لا يؤخر ما يريده من الطاعة و لا يسوف فيها قليلا زلله لتيقظه و أخذه بالحائطة لدينه متوقعا لأجله أي منتظرا له يعده قريبا منه خاشعا قلبه أي خاضعا منقادا لأمر الله متذكرا له خائفا منه سبحانه قانعة نفسه بما أعطاه ربه منفيا جهله لوفور علمه سهلا أمره أي هو خفيف المئونة أو يصفح عن السفهاء و لا يصر على الانتقام منهم و قيل أي لا يتكلف لأحد و لا يكلف أحدا. ميتة شهوته أي هو عفيف النفس صافيا خلقه عن الغلظ و الخشونة محكما أمره أي أمر دينه أو الأعم ليسلم أي من آفات اللسان و يتجر ليغنم أي ليحصل الغنيمة و الربح لا للفخر و الحرص على جمع الأموال و الذخيرة أو المراد بالغنيمة الفوائد الأخروية أي يتجر لينفق ما يحصل له في سبيل الله فتحصل له الغنائم الأخروية كذا أفاده الوالد (رحمه الله) أو المراد بالتجارة أيضا التجارة الأخروية كما قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لا ينصت للخير ليفخر به أي لا يسكت مستمعا لقول الخير لينقله في مجلس آخر فيفخر به في القاموس نصت ينصت و أنصت و انتصت سكت و أنصته و له سكت له و استمع لحديثه و أنصته أسكته و في بعض النسخ لا ينصب للخير ليفجر به أي لا يقبل المنصب الشرعي ليفجر به و يحكم بالفجور و يرتشي و يقضي بالباطل و لا يتكلم أي بالخير. نفسه منه في عناء لرياضتها في الطاعات و الناس منه في راحة و فسر هذا بقوله أتعب نفسه لآخرته فأراح الناس من نفسه لأن شغله بأمر نفسه يشغله عن التعرض لغيره و ربما يفرق بين الفقرات بأن المراد بالفقرتين الأوليين أن نفسه الأمارة منه في عناء و تعب لمنعها عن هواها و زجرها عن مشتهاها فصار الناس منه في راحة لأن المداومة على الطاعات و الرياضات تصير النفس سليمة حليمة غير مائلة إلى المعارضات الذي ينتصر له أي ينتقم له. بعده ممن تباعد منه بغض و نزاهة أي إنما يبعد عن الكفار و الفساق للبغض في الله و النزاهة و البعد عن أعمالهم و أفعالهم و النزاهة بالفتح التباعد عن كل قذر و مكروه و دنوه ممن دنا منه من المؤمنين لين و رحمة أي ملاينة و ملاطفة و ترحم و لا عظمة أي تجبرا و عد النفس عظيما و قيل المراد بها العظمة الواقعية و في القاموس خلبه كنصره خلبا و خلابا و خلابة بكسرهما خدعه بل يقتدي أي في هذا البعد و الدنو. أقول هذه الصفات قد يتداخل بعضها في بعض و لكن تورد بعبارة أخرى أو تذكر مفردة ثم تذكر ثانية مركبة مع غيرها و هذا النوع من التكرار في الخطب و المواعظ مطلوب لمزيد التذكار. ثم وقع مغشيا عليه كأن المراد به أنه مات من غشيته كما سيأتي في رواية النهج هكذا تصنع المواعظ البالغة هكذا في محل النصب نائب للمفعول المطلق لقوله تصنع و التقديم للحصر و المشار إليه نوع من التأثير صار في همام سبب موته بأهلها أي بمن تؤثر فيه و يتدبرها و يفهمها كما ينبغي. فما بالك يا أمير المؤمنين أي ما حالك حيث لم يفعل العلم بتلك الصفات أو ذكرها أو سماعك من الرسول ص ما فعل بهمام أو لم أتيت بتلك الموعظة مع خوفك عليه فعلى الأول الجواب يحتمل وجوها الأول أن المشار إليه بهكذا التأثير الكامل و صيرورته في همام سبب موته لضعف نفسه و قلة حوصلته و عدم اتصافه ببعض تلك الصفات لا يستلزم صيرورته سببا للموت في كل أحد لا سيما فيه (صلوات الله عليه). الثاني ما ذكره بعض المحققين و هو أنه أجابه عليه السلام بالإشارة إلى السبب البعيد و هو الأجل المحتوم به القضاء الإلهي و هو جواب مقنع للسامع مع أنه حق و صدق و أما السبب القريب الفرق بينه و بين همام و نحوه لقوة نفسه القدسية على قبول الواردات الإلهية و تعوده بها و بلوغ رياضته حد السكينة عند ورود أكثرها و ضعف نفس همام عما ورد عليه من خوف الله و رجائه و أيضا فإنه عليه السلام كان متصفا بهذه الصفات لم يفقدها حتى يتحسر على فقدها. قيل و لم يجب عليه السلام بمثل هذا الجواب لاستلزامه تفضيل نفسه أو لقصور فهم السائل و هذا قريب من الأول لكن الأول أظهر لأنه عليه السلام أشار إلى الفرق إجمالا بأن الآجال منوطة بالأسباب و الأسباب في المواد مختلفة فيمكن أن يؤثر في بعض المواد و لا يؤثر في بعضها. الثالث أن يكون المعنى أن قولنا هكذا تصنع المواعظ على تقدير كون هكذا إشارة إلى الموت ليس كليا بل المراد أنه قد تصنع ذلك إذا صادف قلة ظرف سامعه أو غير ذلك و ليس سببا مستقلا للموت بالنسبة إلى أهلها فإن لكل أحد أجلا منوطا بأسباب و دواعي و مصالح و الوجوه الثلاثة متقاربة. و قيل يمكن أن يكون كلام السائل مبنيا على أن هكذا إشارة إلى الإماتة و حاصل الجواب حينئذ التنبيه على بطلان هذا التوهم و أن المشار إليه التأثير الكامل كما مر. و على الثاني حاصل الجواب أني لم أكن أعلم أنه يفعل به ما فعل و الخوف يحصل بمحض الاحتمال و محض الاحتمال لا يكفي لترك بيان ما أمر الله ببيانه كما قال ابن ميثم. إن قيل كيف جاز منه عليه السلام أن يجيبه مع غلبة ظنه بهلاكه و هو كالطبيب يعطي كلا من المرضى بحسب احتمال طبيعته من الدواء قلت إنه لم يكن يغلب على ظنه إلا الصعقة عن الوجد الشديد فأما أن تلك الصعقة فيها موته فلم يكن مظنونا له انتهى. أقول و يحتمل أن يكون المراد أن هذا كان أجلا مقدرا له و لا يمكن الفرار من الأجل المقدر بترك ما أمر الله به كما قال تعالى قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ على بعض التفاسير و يمكن أن يجوز له عليه السلام ذلك مع العلم بموته لعهد من الرسول ص فيشبه قصة الغلام و صاحب موسى ع. و سببا لا يجاوزه الضمير راجع إلى السبب و قال الجوهري المهل بالتحريك التؤدة و أمهله أنظره و تمهل في أمره أي اتأد و قولهم مهلا يا رجل و كذلك للاثنين و الجمع و المؤنث و هي موحدة بمعنى أمهل و قال النفث شبيه بالنفخ و هو أقل من التفل. أقول و ربما يتوهم التنافي بين ما تضمن هذا الخبر من صيحة همام عند سماع الموعظة و بين ما سيأتي في كتاب القرآن من ذم أبي جعفر عليه السلام قوما إذا ذكروا شيئا من القرآن أو حدثوا به صعق أحدهم و يمكن أن يجاب بأن عروض ذلك نادرا لا ينافي ذمه عليه السلام قوما كان دأبهم ذلك و كانوا متعمدين لفعله رئاء و سمعة كالصوفية. بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله محمّد و آله أمناء الله. و بعد: فمن سعادتي الخالدة- و الشكر لواهبها و منعمها- أن وفّقني الله العزيز لخدمة الدين القويم و الخوض في تراثه الذهبيّ القيّم تحقيقاً لآثار الوحي و الرسالة و تصحيحها و تبريزها بصورة تناسب أدنى شأنها و شأنها أن تكتب بالتبر على ألواح الزبرجد. و في مقدّمتها هذا الموسوعة الكبرى بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار الباحث عن المعارف الإسلاميّة الدائرة بين المسلمين فلله المنّ و الشكر على توفيقه لذلك. و هذا الجزء الذي نقدّمها إلى القرّاء الكرام هو الجزء الأوّل من المجلّد الخامس عشر في بيان الإسلام و الإيمان و شرائطهما و صفات المؤمنين و المتّقين من مكارم الاخلاق و محاسن الأعراق و بيان معاني الكفر و النفاق و موجباتها و علائم الكفار و المنافقين و مقابح خصالهم و مذامّ خلالهم إلى غير ذلك من المباحث النافعة الكثيرة التي ستمرّ عليكم في طيّ أجزائها. و قد اعتمدنا في تصحيح أحاديثها و تحقيقها على النسخة المصحّحة المشهورة بكمبانيّ بعد تخريج أحاديثه من المصادر و تعيين موضع النصّ منها إلّا في المصادر المخطوطة. نرجو من الله العزيز أن يوفّقنا لإتمام ذلك و يعيننا في إخراج سائر أجزائه متواليا متواترا و أن يعصمنا عن الزلل و الخطاء إنّه وليّ العصمة و التوفيق. محمد الباقر البهبودى بسمه تعالى إلى هنا انتهى الجزء الأول من المجلّد الخامس عشر و هو الجزء الرابع و الستّون حسب تجزئتنا يحتوي على أربعة عشر باباً و لقد بذلنا الجهد في تصحيحنا فخرج بعون الله و مشيّته نقيّا من الأغلاط إلّا نزرا زهيدا زاغ منه البصر و حسر عنه النظر الّلهمّ ما بنا من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فوفّقنا لأقرب من هذا رشداً. السيّد إبراهيم الميانجي محمّد الباقر البهبودى عناوين الأبواب/ رقم الصفحة أبواب الإيمان و الإسلام و التشيّع و معانيها و فضلها و صفاتها

بحار الأنوار - ج ٦٤ - الصفحة ٣٦٥. — الإمام الصادق عليه السلام
وَ مِنْهُ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ

قَالَ: يَا جَابِرُ إِنَّمَا شِيعَةُ عَلِيٍّ عليه السلام مَنْ لَا يَعْدُو صَوْتُهُ سَمْعَهُ وَ لَا شَحْنَاؤُهُ بَدَنَهُ لَا يَمْدَحُ لَنَا قَالِياً وَ لَا يُوَاصِلُ لَنَا مُبْغِضاً وَ لَا يُجَالِسُ لَنَا عَائِباً شِيعَةُ عَلِيٍّ عليه السلام مَنْ لَا يَهِرُّ هَرِيرَ الْكَلْبِ وَ لَا يَطْمَعُ طَمَعَ الْغُرَابِ وَ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ وَ إِنْ مَاتَ جُوعاً أُولَئِكَ الْخَفِيضَةُ عَيْشُهُمُ الْمُنْتَقِلَةُ دِيَارُهُمْ إِنْ شَهِدُوا لَمْ يُعْرَفُوا وَ إِنْ غَابُوا لَمْ يُفْتَقَدُوا وَ إِنْ مَرِضُوا لَمْ يُعَادُوا وَ إِنْ مَاتُوا لَمْ يُشْهَدُوا فِي قُبُورِهِمْ يَتَزَاوَرُونَ قُلْتُ وَ أَيْنَ أَطْلُبُ هَؤُلَاءِ قَالَ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ بَيْنَ الْأَسْوَاقِ وَ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَأَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ.

بحار الأنوار - ج ٦٥ - الصفحة ١٦٨. — الإمام الباقر عليه السلام
الْمِشْكَاةُ، رَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نبيك قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُقْبِلٍ الْقُمِّيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّائِدِيِّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَسَدٍ عَنِ الْهَيْثَمِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ مِهْزَمٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَذَكَرْتُ الشِّيعَةَ فَقَالَ

يَا مِهْزَمُ إِنَّمَا الشِّيعَةُ مَنْ لَا يَعْدُو سَمْعَهُ صَوْتُهُ وَ لَا شَجْنُهُ بَدَنَهُ وَ لَا يُحِبُّ لَنَا مُبْغِضاً وَ لَا يُبْغِضُ لَنَا مُحِبّاً وَ لَا يُجَالِسُ لَنَا غَالِياً وَ لَا يَهِرُّ هَرِيرَ الْكَلْبِ وَ لَا يَطْمَعُ طَمَعَ الْغُرَابِ وَ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ وَ إِنْ مَاتَ جُوعاً الْمُتَنَحِّي عَنِ النَّاسِ الْخَفِيُّ عَلَيْهِمْ وَ إِنِ اخْتَلَفَتْ بِهِمُ الدَّارُ لَمْ تَخْتَلِفْ أَقَاوِيلُهُمْ إِنْ غَابُوا لَمْ يُفْقَدُوا وَ إِنْ حَضَرُوا لَمْ يُؤْبَهْ بِهِمْ وَ إِنْ خَطَبُوا لَمْ يُزَوَّجُوا يَخْرُجُونَ مِنَ الدُّنْيَا وَ حَوَائِجُهُمْ فِي صُدُورِهِمْ إِنْ لَقُوا مُؤْمِناً أَكْرَمُوهُ وَ إِنْ لَقُوا كَافِراً هَجَرُوهُ وَ إِنْ أَتَاهُمْ ذُو حَاجَةٍ رَحِمُوهُ وَ فِي أَمْوَالِهِمْ يَتَوَاسَوْنَ ثُمَّ قَالَ يَا مِهْزَمُ قَالَ جَدِّي رَسُولُ اللَّهِ ص لِعَلِيٍّ (رضوان اللّه عليه) يَا عَلِيُّ كَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَ لَا يُحِبُّكَ أَنَا الْمَدِينَةُ وَ أَنْتَ الْبَابُ وَ مِنْ أَيْنَ تُؤْتَى الْمَدِينَةُ إِلَّا مِنْ بَابِهَا. وَ رَوَى أَيْضاً مِهْزَمٌ هَذَا الْحَدِيثَ إِلَى قَوْلِهِ وَ إِنْ مَاتَ جُوعاً قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَيْنَ أَطْلُبُ هَؤُلَاءِ قَالَ هَؤُلَاءِ اطْلُبْهُمْ فِي أَطْرَافِ الْأَرْضِ أُولَئِكَ الْخَفِيضُ عَيْشُهُمْ الْمُنَقَّلَةُ دِيَارُهُمُ الْقَلِيلَةُ مُنَازَعَتُهُمْ إِنْ مَرِضُوا لَمْ يُعَادُوا وَ إِنْ مَاتُوا لَمْ يُشْهَدُوا وَ إِنْ خَاطَبَهُمْ جَاهِلٌ سَلَّمُوا وَ عِنْدَ الْمَوْتِ لَا يَجْزَعُونَ وَ فِي أَمْوَالِهِمْ مُتَوَاسُونَ إِنِ الْتَجَأَ إِلَيْهِمْ ذُو حَاجَةٍ مِنْهُمْ رَحِمُوهُ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُمْ وَ إِنِ اخْتَلَفَ بِهِمُ الْبُلْدَانُ ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص كَذَبَ يَا عَلِيُّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يُحِبُّنِي وَ يُبْغِضُكَ.

بحار الأنوار - ج ٦٥ - الصفحة ١٧٩. — الإمام الصادق عليه السلام
نهج، نهج البلاغة قَالَ عليه السلام

إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ نَظَرُوا إِلَى بَاطِنِ الدُّنْيَا إِذَا نَظَرَ النَّاسُ إِلَى ظَاهِرِهَا وَ اشْتَغَلُوا بِآجِلِهَا إِذَا اشْتَغَلَ النَّاسُ بِعَاجِلِهَا فَأَمَاتُوا مِنْهَا مَا خَشُوا أَنْ يُمِيتَهُمْ وَ تَرَكُوا مِنْهَا مَا عَلِمُوا أَنَّهُ سَيَتْرُكُهُمْ وَ رَأَوُا اسْتِكْثَارَ غَيْرِهِمْ مِنْهَا اسْتِقْلَالًا وَ دَرَكَهُمْ لَهَا فَوْتاً أَعْدَاءُ مَا سَالَمَ النَّاسُ وَ سَلْمُ مَا عَادَى النَّاسُ بِهِمْ عُلِمَ الْكِتَابُ وَ بِهِ عَلِمُوا وَ بِهِمْ قَامَ الْكِتَابُ وَ بِهِ قَامُوا لَا يَرَوْنَ مَرْجُوّاً فَوْقَ مَا يَرْجُونَ وَ لَا مَخُوفاً فَوْقَ مَا يَخَافُونَ. بيان مع أن الظاهر اتحاد الروايتين بينهما اختلاف كثير و بعض فقرات الرواية الأولى مذكورة في خطبة أخرى سنشير إليها و قد مر معنى الإخلاص و باطن الدنيا ما خفي عن أعين الناس من مضارها و وخامة عاقبتها للراغبين إليها فالمراد بالنظر إليه التفكر فيه و عدم الغفلة عنه أو ما لا يلتفت الناس إليه من تحصيل المعارف و القربات فيها فالمراد بالنظر إليه الرغبة و طموح البصر إليه و إنما سماه باطنا لغفلة أكثر الناس عنه و لكونه سر الدنيا و حقيقتها و غايتها التي خلقت لأجلها و المراد بظاهرها شهواتها التي تغر أكثر الناس عن التوجه إلى باطنها و المراد بأجل الدنيا ما يأتي من نعيم الآخرة بعدها أضيف إليها لنوع من الملابسة أو المراد بأجلها ما يظهر ثمرتها في الآجل من المعارف و الطاعات و أطلق الآجل عليه مجازا. و ما علموا أنه سيتركهم الأموال و الأولاد و ملاذ الدنيا و الإماتة الإهلاك المعنوي بحرمان الثواب و حلول العقاب عند الإياب و ما يميتهم اتباع الشهوات النفسانية و الاتصاف بالصفات الذميمة الدنية و في الرواية الثانية نسبة الخشية إلى الإماتة و العلم بالترك لأن الترك معلوم لا بد منه بخلاف الإماتة إذ يمكن أن تدركهم رحمة من الله تلحقهم بالسعداء أو للمبالغة في اجتناب المنهيات من الأخلاق و الأعمال بأنهم يتركون ما خشوا أن يميتهم فكيف إذا علموا و الاستكثار عد الشيء كثيرا أو جمع الكثير من الشيء و يقابله الاستقلال بالمعنيين و الدرك محركة اللحاق و الوصول إلى الشيء يقال أدركته إدراكا و دركا و الضمير في دركهم يرجع إلى غيرهم و يحتمل الرجوع إليهم أيضا. و السلم بالفتح و الكسر الصلح يذكر و يؤنث و في نسخ النهج بالكسر و سالمه أي صالحه و ما سالم الناس ما مالوا إليه من متاع الدنيا و زينتها و ملاذها و ما عادى الناس ما رفضوه من العلوم و العبادات و الرغبة في الآخرة و ثوابها و بهم علم الكتاب لأنه لولاهم لما علم تفسير الآيات و تأويل المتشابهات و هذه من أوصاف أئمتنا المقدسين (صلوات الله عليهم أجمعين) و يحتمل أن تشمل الحفظة لأخبارهم المقتبسين من أنوارهم و به علموا لدلالة آيات الكتاب على فضلهم و شرف منزلتهم كآيات المودة و التطهير و الولاية و غيرها و لو عمم الكلام حتى يدخل فيه العلماء الربانيون فالمراد به أنه علم فضلهم بالآيات الدالة على فضل العلماء كقوله تعالى إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ و قوله عز و جل هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ و قوله سبحانه وَ مَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً إلى غير ذلك من الآيات و قيل به علموا لاشتهارهم به عند الناس و بهم قام الكتاب أي بهم صارت أحكامه قائمة في الخلق معمولا بها و به قاموا أي ارتفعت منزلتهم و فازوا بالزلفى بالعمل بما فيه أو ببركته انتظم الأمر في معاشهم و قال بعض الشارحين أي قاموا بأوامره و نواهيه فلا يكون الباء مثلها في بهم قام الكتاب و قال بعضهم بهم قام الكتاب لأنهم قرروا البراهين على صدقه و صحته و به قاموا أي باتباع أوامر الكتاب لأنه لو لا تأدبهم بآداب القرآن و امتثالهم أوامره لما أغنى عنهم علمهم شيئا. و دون ما يخافون أي غير ما يخافون من عذاب الآخرة و البعد من رحمة الله و في بعض النسخ فوق ما يخافون. قوله عليه السلام أيها المعلل نفسه أقول بعض هذه الفقرات مذكورة في كلام له عليه السلام ذكره حين سمع رجلا يذم الدنيا كما سيأتي و قال الجوهري علله بالشيء أي لهاه به كما يعلل الصبي بشيء من الطعام يتجزأ به عن اللبن يقال فلان يعلل نفسه بتعلة و تعلل به أي تلهى به و تجزأ و قال الركض تحريك الرجل و ركضت الفرس برجلي إذا استحثثته ليعدو ثم كثر حتى قيل ركض الفرس إذا عدا و الحبائل جمع الحبالة و هي التي يصاد بها أي تركض لأخذ ما وقع في الحبائل التي نصبتها في الدنيا كناية عن شدة الحرص في تحصيل متمنياتها أو المعنى نصب لك الشيطان مصايد فيها ليصطادك بها و أنت تركض إليها حتى تقع فيها جهلا و غرورا. المجتهد في عمارة ما سيخرب منها أي تسعى بغاية جهدك في عمارة ما تعلم أنه آئل إلى الخراب و لا تنتفع به ثم بين عليه السلام ما يمكن أن يستدل به على خرابها و عدم بقائها بقوله أ لم تر إلى مصارع آبائك يقال صرع فلان من دابته على صيغة المجهول أي سقط و صرعه أي طرحه على الأرض و الموضع مصرع و الثرى بالفتح الندى أو التراب الندي و في المصباح بلي الثوب يبلى من باب تعب بلى بالكسر و القصر و بلاء بالفتح و المد خلق فهو بال و بلي الميت أفنته الأرض و قوله في البلى كأنه حال عن آبائك و في النهج متى استهوتك أم متى غرتك أ بمصارع آبائك من البلى أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى. و الجنادل جمع جندل كجعفر و هي الحجارة و قال الجوهري مرضته تمريضا إذا قمت عليه في مرضه و العلة المرض و علله أي قام عليه في علته يطلب دواءه و صحته و يتكفل بأموره و قال الجوهري استوصفت الطبيب لدائي إذا سألته أن يصف لك ما تتعالج به انتهى و الاستعتاب الاسترضاء كناية عن طلب الدعاء أو رضاهم إذا كانت لهم موجدة و في بعض النسخ تستغيث و هو أظهر و في القاموس أغنى عنه غناء فلان و مغناه ناب عنه و أجزأ مجزأه و قال الراغب أغنى عنه كذا إذا اكتفاه قال تعالى ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَ ما كَسَبَ ما أَغْنى عَنِّي مالِيَهْ و قال لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَ لا أَوْلادُهُمْ ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ و قال لا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ و في القاموس نجع الطعام كمنع نجوعا هنأ آكله و العلف في الدابة و الوعظ و الخطاب فيه دخل فأثر كأنجع و نجع.

بحار الأنوار - ج ٦٦ - الصفحة ٣١٩. — غير محدد
ل، الخصال ابْنُ مَسْرُورٍ عَنِ ابْنِ بُطَّةَ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ إِلَى زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَقَالَ

يَا زُرَارَةُ النَّاسُ فِي زَمَانِنَا عَلَى سِتِّ طَبَقَاتٍ أَسَدٌ وَ ذِئْبٌ وَ ثَعْلَبٌ وَ كَلْبٌ وَ خِنْزِيرٌ وَ شَاةٌ فَأَمَّا الْأَسَدُ فَمُلُوكُ الدُّنْيَا يُحِبُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَغْلِبَ وَ لَا يُغْلَبَ وَ أَمَّا الذِّئْبُ فَتُجَّارُكُمْ يَذُمُّوا إِذَا اشْتَرَوْا وَ يَمْدَحُوا إِذَا بَاعُوا وَ أَمَّا الثَّعْلَبُ فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ بِأَدْيَانِهِمْ وَ لَا يَكُونُ فِي قُلُوبِهِمْ مَا يَصِفُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ أَمَّا الْكَلْبُ يَهِرُّ عَلَى النَّاسِ بِلِسَانِهِ وَ يَكْرَهُهُ النَّاسُ مِنْ شِرَّةِ لِسَانِهِ وَ أَمَّا الْخِنْزِيرُ فَهَؤُلَاءِ الْمُخَنَّثُونَ وَ أَشْبَاهُهُمْ لَا يُدْعَوْنَ إِلَى فَاحِشَةٍ إِلَّا أَجَابُوا وَ أَمَّا الشَّاةُ فَالَّذِينَ تُجَزُّ شُعُورُهُمْ وَ يُؤْكَلُ لُحُومُهُمْ وَ يُكْسَرُ عَظْمُهُمْ فَكَيْفَ تَصْنَعُ الشَّاةُ بَيْنَ أَسَدٍ وَ ذِئْبٍ وَ ثَعْلَبٍ وَ كَلْبٍ وَ خِنْزِيرٍ.

بحار الأنوار - ج ٦٧ - الصفحة ١٠. — الإمام السجاد عليه السلام
كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْوَابِشِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ

احْذَرُوا أَهْوَاءَكُمْ كَمَا تَحْذَرُونَ أَعْدَاءَكُمْ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْدَى لِلرِّجَالِ مِنِ اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ وَ حَصَائِدِ أَلْسِنَتِهِمْ. بيان: احذروا أهواءكم الأهواء جمع الهوى و هو مصدر هويه كرضيه إذا أحبه و اشتهاه ثم سمي به المهوي المشتهى محمودا كان أو مذموما ثم غلب على المذموم قال الجوهري كل خال هواء و قوله تعالى وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ يقال إنه لا عقول فيها و الهوى مقصورا هوى النفس و الجمع الأهواء و هوي بالكسر يهوى هوى أي أحب الأصمعي هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى أسفل و قال الراغب الهوى ميل النفس إلى الشهوة و يقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة و قيل سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية و في الآخرة إلى الهاوية و قد عظم الله ذم اتباع الهوى فقال أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ و قال وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً و قوله وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فإنما قاله بلفظ الجمع تنبيها على أن لكل هوى غير هوى الآخر ثم هوى كل واحد لا يتناهى فإذن اتباع أهوائهم نهاية الضلال و الحيرة قال وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ و قال كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ و قال قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ قُلْ آمَنْتُ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتابٍ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ انتهى. و أقول ينبغي أن يعلم أن ما تهواه النفس ليس كله مذموما و ما لا تهواه النفس ليس كله ممدوحا بل المعيار ما مر في باب ذم الدنيا و هو أن كل ما يرتكبه الإنسان لمحض الشهوة النفسانية و اللذة الجسمانية و المقاصد الفانية الدنيوية و لم يكن الله مقصودا له في ذلك فهو من الهوى المذموم و يتبع فيه النفس الأمارة بالسوء و إن كان مشتملا على زجر النفس عن بعض المشتهيات أيضا كمن يترك لذيذ المآكل و المطعم و الملبس و يقاسي الجوع و الصوم و السهر للاشتهار بالعبادة و جلب قلوب الجهال و ما يرتكبه الإنسان لإطاعة أمره سبحانه و تحصيل رضاه و إن كان مما تشتهيه نفسه و تهواه فليس هو من الهوى المذموم كمن يأكل و يشرب لأمره تعالى بهما أو لتحصيل القوة على العبادة و كمن يجامع الحلال لكونه مأمورا به أو لتحصيل الأولاد الصالحين أو لعدم ابتلائه بالحرام. فهؤلاء و إن حصل لهم الالتذاذ بهذه الأمور لكن ليس مقصودهم محض اللذة بل لهم في ذلك أغراض صحيحة إن صدقتهم أنفسهم و لم تكن تلك من التسويلات النفسانية و التخييلات الشيطانية و لو لم يكن غرضهم من ارتكاب تلك اللذات هذه الأمور فليسوا بمعاقبين في ذلك إذا كان حلالا لكن إطاعة النفس في أكثر ما تشتهيه قد ينجر إلى ارتكاب الشبهات و المكروهات ثم إلى المحرمات و من حام حول الحمى أوشك أن يقع فيه. فظهر أن كل ما تهواه النفس ليس مما يلزم اجتنابه فإن كثيرا من العلماء قد يلتذون بعلمهم أكثر مما يلتذ الفساق بفسقهم كثيرا من العباد يأنسون بالعبادات بحيث يحصل لهم الهم العظيم بتركها و ليس كل ما لا تشتهيه النفس يحسن ارتكابه كأكل القاذورات و الزنا بالجارية القبيحة و يطلق أيضا الهوى على اختيار ملة أو طريقة أو رأي لم يستند إلى برهان قطعي أو دليل من الكتاب و السنة كمذاهب المخالفين و آرائهم و بدعهم فإنها من شهوات أنفسهم و من أوهامهم المعارضة للحق الصريح كما دلت عليه أكثر الآيات المتقدمة. فذم الهوى مطلقا إما مبني على أن الغالب فيما تشتهيه الأنفس أنها مخالفة لما يرتضيه العقل أو على أن المراد بالنفس النفس المعتادة بالشر الداعية إلى السوء و الفساد و يعبر عنها بالنفس الأمارة كما قال تعالى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي أو صار الهوى حقيقة شرعية في المعاصي و الأمور القبيحة التي تدعو النفس إليها و الآراء و الملل و المذاهب الباطلة التي تدعو إليها الشهوات الباطلة و الأوهام الفاسدة لا البراهين الحقة. فليس شيء أعدى للرجال لأن ضرر العدو على فرض وقوعه راجع إلى الدنيا الزائلة و منافعها الفانية و ضرر الهوى راجع إلى الآخرة الباقية. و حصائد ألسنتهم قال في النهاية فيه و هل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم أي ما يقطعونه من الكلام الذي لا خير فيه واحدتها حصيدة تشبيها بما يحصد من الزرع و تشبيها للسان و ما يقتطعه من القول بحد المنجل الذي يحصد به و قال الطيبي أي كلامهم القبيح كالكفر و القذف و الغيبة و قال الجوهري حصدت الزرع و غيره أحصده و أحصده حصدا و الزرع محصود و حصيد و حصيدة و حصائد ألسنتهم الذي في الحديث هو ما قيل في الناس باللسان و قطع به عليهم.

بحار الأنوار - ج ٦٧ - الصفحة ٨٢. — الإمام الصادق عليه السلام
دَلَائِلُ الْإِمَامَةِ لِلطَّبَرِيِّ الْإِمَامِيِّ، عَنْ حَسَنِ بْنِ مُعَاذٍ الرَّضَوِيِّ عَنْ لُوطِ بْنِ يَحْيَى الْأَزْدِيِّ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ زَيْدٍ الْوَاقِدِيِّ قَالَ: حَجَّ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ سَنَةً مِنَ السِّنِينَ وَ كَانَ قَدْ حَجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَاقِرُ وَ ابْنُهُ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عليه السلام فَقَالَ

جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ نَبِيّاً وَ أَكْرَمَنَا بِهِ فَنَحْنُ صَفْوَةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَ خِيَرَتُهُ مِنْ عِبَادِهِ فَالسَّعِيدُ مَنِ اتَّبَعَنَا وَ الشَّقِيُّ مَنْ عَادَانَا وَ خَالَفَنَا وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ يَتَوَلَّانَا وَ هُوَ يُوَالِي أَعْدَاءَنَا وَ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ جُلَسَائِهِمْ وَ أَصْحَابِهِمْ أعداؤنا فَهُوَ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَ رَبِّنَا وَ لَمْ يَعْمَلْ بِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عليه السلام فَأَخْبَرَ مُسَيْلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ أَخَاهُ بِمَا سَمِعَ فَلَمْ يَعْرِضْ لَنَا حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى دِمَشْقَ وَ انْصَرَفْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَنْفَذَ بَرِيداً إِلَى عَامِلِ الْمَدِينَةِ بِإِشْخَاصِ أَبِي وَ إِشْخَاصِي مَعَهُ فَأَشْخَصَنَا فَلَمَّا وَرَدْنَا دِمَشْقَ حَجَبَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ أَذِنَ لَنَا فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ فَدَخَلْنَا وَ إِذَا هُوَ قَدْ قَعَدَ عَلَى سَرِيرِ الْمُلْكِ وَ جُنْدُهُ وَ خَاصَّتُهُ وُقُوفٌ عَلَى أَرْجُلِهِمُ سِمَاطَيْنِ مُتَسَلِّحَيْنِ وَ قَدْ نُصِبَ الْبُرْجَاسُ حِذَاهُ وَ أَشْيَاخُ قَوْمِهِ يَرْمُونَ فَلَمَّا دَخَلْنَا وَ أَبِي أَمَامِي يَقْدُمُنِي عَلَيْهِ بَدَأَهُ وَ أَنَا خَلْفَهُ عَلَى يَدِ أَبِي حَتَّى حَاذَيْنَاهُ فَنَادَى أَبِي يَا مُحَمَّدُ ارْمِ مَعَ أَشْيَاخِ قَوْمِكَ الْغَرَضَ وَ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَهْتِكَ بِأَبِي وَ ظَنَّ أَنَّهُ يَقْصُرُ وَ يُخْطِئُ وَ لَا يُصِيبُ إِذَا رَمَى فَيَشْتَفِي مِنْهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ أَبِي قَدْ كَبِرْتُ عَنِ الرَّمْيِ فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُعْفِيَنِي فَقَالَ وَ حَقِّ مَنْ أَعَزَّنَا بِدِينِهِ وَ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ص لَا أُعْفِيكَ ثُمَّ أَوْمَى إِلَى شَيْخٍ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ أَنْ أَعْطِهِ قَوْسَكَ فَتَنَاوَلَ أَبِي عِنْدَ ذَلِكَ قَوْسَ الشَّيْخِ ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنْهُ سَهْماً فَوَضَعَهُ فِي كَبِدِ الْقَوْسِ ثُمَّ انْتَزَعَ وَ رَمَى وَسَطَ الْغَرَضِ فَنَصَبَهُ فِيهِ ثُمَّ رَمَى فِيهِ الثَّانِيَةَ فَشَقَّ فُوَاقَ سَهْمِهِ إِلَى نَصْلِهِ ثُمَّ تَابَعَ الرَّمْيَ حَتَّى شَقَّ تِسْعَةَ أَسْهُمٍ بَعْضُهَا فِي جَوْفِ بَعْضٍ وَ هِشَامٌ يَضْطَرِبُ فِي مَجْلِسِهِ فَلَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ قَالَ أَجَدْتَ يَا بَا جَعْفَرٍ وَ أَنْتَ أَرْمَى الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ كَلَّا زَعَمْتَ أَنَّكَ قَدْ كَبِرْتَ عَنِ الرَّمْيِ ثُمَّ أَدْرَكَتْهُ نَدَامَةٌ عَلَى مَا قَالَ وَ كَانَ هِشَامٌ لَمْ يُكَنِّ أَحَداً قَبْلَ أَبِي وَ لَا بَعْدَهُ فِي خِلَافَتِهِ فَهَمَّ بِهِ وَ أَطْرَقَ إِطْرَاقَةً يَرْتَوِي فِيهِ رَأْياً وَ أَبِي وَاقِفٌ بِحِذَاهُ مُوَاجِهاً لَهُ وَ أَنَا وَرَاءَ أَبِي فَلَمَّا طَالَ وُقُوفُنَا بَيْنَ يَدَيْهِ غَضِبَ أَبِي فَهَمَّ بِهِ وَ كَانَ أَبِي عَلَيْهِ وَ عَلَى آبَائِهِ السَّلَامُ إِذَا غَضِبَ نَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ نَظَرَ غَضْبَانَ يَتَبَيَّنُ لِلنَّاظِرِ الْغَضَبُ فِي وَجْهِهِ فَلَمَّا نَظَرَ هِشَامٌ إِلَى ذَلِكَ مِنْ أَبِي قَالَ لَهُ يَا مُحَمَّدُ اصْعَدْ فَصَعِدَ أَبِي إِلَى سَرِيرِهِ وَ أَنَا أَتْبَعُهُ فَلَمَّا دَنَا مِنْ هِشَامٍ قَامَ إِلَيْهِ فَاعْتَنَقَهُ وَ أَقْعَدَهُ عَنْ يَمِينِهِ ثُمَّ اعْتَنَقَنِي وَ أَقْعَدَنِي عَنْ يَمِينِ أَبِي ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى أَبِي بِوَجْهِهِ فَقَالَ لَهُ يَا مُحَمَّدُ لَا تَزَالُ الْعَرَبُ وَ الْعَجَمُ تَسُودُهَا قُرَيْشٌ مَا دَامَ فِيهِمْ مِثْلُكَ لِلَّهِ دَرُّكَ مَنْ عَلَّمَكَ هَذَا الرَّمْيَ وَ فِي كَمْ تَعَلَّمْتَهُ فَقَالَ لَهُ أَبِي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ يَتَعَاطَوْنَهُ فَتَعَاطَيْتُهُ أَيَّامَ حَدَاثَتِي ثُمَّ تَرَكْتُهُ فَلَمَّا أَرَادَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مِنِّي ذَلِكَ عُدْتُ فِيهِ فَقَالَ لَهُ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَذَا الرَّمْيِ قَطُّ مُنْذُ عَقَلْتُ وَ مَا ظَنَنْتُ أَنَّ فِي الْأَرْضِ أَحَداً يَرْمِي مِثْلَ هَذَا الرَّمْيِ أَيْنَ رَمْيُ جَعْفَرٍ مِنْ رَمْيِكَ فَقَالَ إِنَّا نَحْنُ نَتَوَارَثُ الْكَمَالَ وَ التَّمَامَ وَ الدِّينَ إِذْ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ فِي قَوْلِهِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً وَ الْأَرْضُ لَا تَخْلُو مِمَّنْ يَكْمُلُ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي يَقْصُرُ عَنْهَا غَيْرُنَا قَالَ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ أَبِي انْقَلَبَتْ عَيْنُهُ الْيُمْنَى فَاحْوَلَّتْ وَ احْمَرَّ وَجْهُهُ وَ كَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ غَضَبِهِ إِذَا غَضِبَ ثُمَّ أَطْرَقَ هُنَيْهَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ لِأَبِي أَ لَسْنَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ نَسَبُنَا وَ نَسَبُكُمْ وَاحِدٌ فَقَالَ أَبِي نَحْنُ كَذَلِكَ وَ لَكِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ اخْتَصَّنَا مِنْ مَكْنُونِ سِرِّهِ وَ خَالِصِ عِلْمِهِ بِمَا لَمْ يَخُصَّ بِهِ أَحَداً غَيْرَنَا فَقَالَ أَ لَيْسَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَعَثَ مُحَمَّداً ص مِنْ شَجَرَةِ عَبْدِ مَنَافٍ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً أَبْيَضِهَا وَ أَسْوَدِهَا وَ أَحْمَرِهَا مِنْ أَيْنَ وَرِثْتُمْ مَا لَيْسَ لِغَيْرِكُمْ وَ رَسُولُ اللَّهِ مَبْعُوثٌ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ فَمِنْ أَيْنَ وَرِثْتُمْ هَذَا الْعِلْمَ وَ لَيْسَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ نَبِيٌّ وَ لَا أَنْتُمْ أَنْبِيَاءُ فَقَالَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ فَالَّذِي أَبْدَاهُ فَهُوَ لِلنَّاسِ كَافَّةً وَ الَّذِي لَمْ يُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَهُ أَمَرَ اللَّهُ أَنْ يَخُصَّنَا بِهِ مِنْ دُونِ غَيْرِنَا فَلِذَلِكَ كَانَ يُنَاجِي أَخَاهُ عَلِيّاً مِنْ دُونِ أَصْحَابِهِ وَ أَنْزَلَ اللَّهُ بِذَلِكَ قرآن [قُرْآناً فِي قَوْلِهِ وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِأَصْحَابِهِ سَأَلْتُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ يَا عَلِيُّ فَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام بِالْكُوفَةِ عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ ص أَلْفَ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ يَفْتَحُ كُلُّ بَابٍ أَلْفَ بَابٍ خَصَّهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ص مِنْ مَكْنُونِ سِرِّهِ فَكَمَا خَصَّ اللَّهُ أَكْرَمَ الْخَلْقِ عَلَيْهِ كَذَلِكَ خَصَّ نَبِيُّهُ أَخَاهُ عَلِيّاً مِنْ مَكْنُونِ سِرِّهِ وَ عِلْمِهِ بِمَا لَمْ يَخُصَّ بِهِ أَحَداً مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى صَارَ إِلَيْنَا فَتَوَارَثْنَا مِنْ دُونِ أَهْلِهَا فَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِنَّ عَلِيّاً كَانَ يَدَّعِي عِلْمَ الْغَيْبِ وَ اللَّهُ لَمْ يُطْلِعْ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً فَمِنْ أَيْنَ ادَّعَى ذَلِكَ فَقَالَ أَبِي إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ذِكْرُهُ أَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ كِتَاباً بَيَّنَ فِيهِ مَا كَانَ وَ مَا يَكُونُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي قَوْلِهِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ مَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ وَ فِي قَوْلِهِ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ وَ فِي قَوْلِهِ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ وَ فِي قَوْلِهِ وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ وَ أَوْحَى اللَّهُ إِلَى نَبِيِّهِ عليه السلام أَنْ لَا يَبْقَى فِي غَيْبِهِ وَ سِرِّهِ وَ مَكْنُونِ عِلْمِهِ شَيْءٌ إِلَّا يُنَاجِي بِهِ عَلِيّاً فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَلِّفَ الْقُرْآنَ مِنْ بَعْدِهِ وَ يَتَوَلَّى غُسْلَهُ وَ تَكْفِينَهُ وَ تَحْنِيطَهُ مِنْ دُونِ قَوْمِهِ وَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ حَرَامٌ عَلَى أَصْحَابِي وَ أَهْلِي أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى عَوْرَتِي غَيْرَ أَخِي عَلِيٍّ فَإِنَّهُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ لَهُ مَا لِي وَ عَلَيْهِ مَا عَلَيَّ وَ هُوَ قَاضِي دَيْنِي وَ مُنْجِزُ مَوْعِدِي: ثُمَّ قَالَ ص لِأَصْحَابِهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يُقَاتِلُ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَمَا قَاتَلْتُ عَلَى تَنْزِيلِهِ وَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ بِكَمَالِهِ وَ تَمَامِهِ إِلَّا عِنْدَ عَلِيٍّ عليه السلام وَ لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِأَصْحَابِهِ أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ أَيْ هُوَ قَاضِيكُمْ وَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَوْ لَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ يَشْهَدُ لَهُ عُمَرُ وَ يَجْحَدُ غَيْرُهُ فَأَطْرَقَ هِشَامٌ طَوِيلًا ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ سَلْ حَاجَتَكَ فَقَالَ خَلَّفْتُ أَهْلِي وَ عِيَالِي مُسْتَوْحِشِينَ لِخُرُوجِي فَقَالَ قَدْ آمَنَ اللَّهُ وَحْشَتَهُمْ بِرُجُوعِكَ إِلَيْهِمْ وَ لَا تُقِمْ أَكْثَرَ مِنْ يَوْمِكَ فَاعْتَنَقَهُ أَبِي وَ دَعَا لَهُ وَ وَدَّعَهُ وَ فَعَلْتُ أَنَا كَفِعْلِ أَبِي ثُمَّ نَهَضَ وَ نَهَضْتُ مَعَهُ وَ خَرَجْنَا إِلَى بَابِهِ وَ إِذَا مَيْدَانٌ بِبَابِهِ وَ فِي آخِرِ الْمَيْدَانِ أُنَاسٌ قُعُودٌ عَدَدٌ كَثِيرٌ قَالَ أَبِي مَنْ هَؤُلَاءِ قَالَ الْحُجَّابُ هَؤُلَاءِ الْقِسِّيسُونَ وَ الرُّهْبَانُ وَ هَذَا عَالِمٌ لَهُمْ يَقْعُدُ إِلَيْهِمْ فِي كُلِّ سَنَةٍ يَوْماً وَاحِداً يَسْتَفْتُونَهُ فَيُفْتِيهِمْ فَلَفَّ أَبِي عِنْدَ ذَلِكَ رَأْسَهُ بِفَاضِلِ رِدَائِهِ وَ فَعَلْتُ أَنَا فِعْلَ أَبِي فَأَقْبَلَ نَحْوَهُمْ حَتَّى قَعَدَ نَحْوَهُمْ وَ قَعَدْتُ وَرَاءَ أَبِي وَ رُفِعَ ذَلِكَ فِي الْخَبَرِ إِلَى هِشَامٍ فَأَمَرَ بَعْضَ غِلْمَانِهِ أَنْ يَحْضُرَ الْمَوْضِعَ فَيَنْظُرَ مَا يَصْنَعُ أَبِي فَأَقْبَلَ وَ أَقْبَلَ عَدَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَأَحَاطُوا بِنَا وَ أَقْبَلَ عَالِمُ النَّصَارَى وَ قَدْ شَدَّ حَاجِبَيْهِ بِحَرِيرَةٍ صَفْرَاءَ حَتَّى تَوَسَّطَنَا فَقَامَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الْقِسِّيسِينَ وَ الرُّهْبَانِ مُسَلِّمِينَ عَلَيْهِ فَجَاءَ إِلَى صَدْرِ الْمَجْلِسِ فَقَعَدَ فِيهِ وَ أَحَاطَ بِهِ أَصْحَابُهُ وَ أَبِي وَ أَنَا بَيْنَهُمْ فَأَدَارَ نَظَرَهُ ثُمَّ قَالَ لِأَبِي أَ مِنَّا أَمْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ فَقَالَ أَبِي بَلْ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ أَنْتَ مِنْ عُلَمَائِهَا أَمْ مِنْ جُهَّالِهَا فَقَالَ لَهُ أَبِي لَسْتُ مِنْ جُهَّالِهَا فَاضْطَرَبَ اضْطِرَاباً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ لَهُ أَسْأَلُكَ فَقَالَ لَهُ أَبِي سَلْ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَطْعَمُونَ وَ يَشْرَبُونَ وَ لَا يُحْدِثُونَ وَ لَا يَبُولُونَ وَ مَا الدَّلِيلُ فِيمَا تَدَّعُونَهُ مِنْ شَاهِدٍ لَا يُجْهَلُ فَقَالَ لَهُ أَبِي دَلِيلُ مَا نَدَّعِي مِنْ شَاهِدٍ لَا يُجْهَلُ الْجَنِينُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يَطْعَمُ وَ لَا يُحْدِثُ قَالَ فَاضْطَرَبَ النَّصْرَانِيُّ اضْطِرَاباً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ كَلَّا زَعَمْتَ أَنَّكَ لَسْتَ مِنْ عُلَمَائِهَا فَقَالَ لَهُ أَبِي وَ لَا مِنْ جُهَّالِهَا وَ أَصْحَابُ هِشَامٍ يَسْمَعُونَ ذَلِكَ فَقَالَ لِأَبِي أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ أُخْرَى فَقَالَ لَهُ أَبِي سَلْ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ ادَّعَيْتُمْ أَنَّ فَاكِهَةَ الْجَنَّةِ أَبَداً غَضَّةٌ طَرِيَّةٌ مَوْجُودَةٌ غَيْرُ مَعْدُومَةٍ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا تَنْقَطِعُ وَ مَا الدَّلِيلُ فِيمَا تَدَّعُونَهُ مِنْ شَاهِدٍ لَا يُجْهَلُ فَقَالَ لَهُ أَبِي دَلِيلُ مَا نَدَّعِي أَنَّ قُرْآنَنَا أَبَداً غَضٌّ طَرِيٌّ مَوْجُودٌ غَيْرُ مَعْدُومٍ عِنْدَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لَا يَنْقَطِعُ فَاضْطَرَبَ اضْطِرَاباً شَدِيداً ثُمَّ قَالَ كَلَّا زَعَمْتَ أَنَّكَ لَسْتَ مِنْ عُلَمَائِهَا فَقَالَ لَهُ أَبِي وَ لَا مِنْ جُهَّالِهَا فَقَالَ أَسْأَلُكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ فَقَالَ لَهُ سَلْ قَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ سَاعَةٍ مِنْ سَاعَاتِ الدُّنْيَا لَيْسَتْ مِنْ سَاعَاتِ اللَّيْلِ وَ لَا مِنْ سَاعَاتِ النَّهَارِ فَقَالَ لَهُ أَبِي هِيَ السَّاعَةُ الَّتِي بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ يَهْدَأُ فِيهَا الْمُبْتَلَى وَ يَرْقُدُ فِيهَا السَّاهِرُ وَ يُفِيقُ الْمُغْمَى عَلَيْهِ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي الدُّنْيَا رَغْبَةً لِلرَّاغِبِينَ وَ فِي الْآخِرَةِ لِلْعَامِلِينَ لَهَا وَ دَلِيلًا وَاضِحاً وَ حِجَاباً بَالِغاً عَلَى الْجَاحِدِينَ الْمُنْكِرِينَ التَّارِكِينَ لَهَا قَالَ فَصَاحَ النَّصْرَانِيُّ صَيْحَةً ثُمَّ قَالَ بَقِيَتْ مَسْأَلَةٌ وَاحِدَةٌ وَ اللَّهِ لَأَسْأَلَنَّكَ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا تَهْتَدِي إِلَى الْجَوَابِ عَنْهَا أَبَداً فَأَسْأَلُكَ فَقَالَ لَهُ أَبِي سَلْ فَإِنَّكَ حَانِثٌ فِي يَمِينِكَ فَقَالَ أَخْبِرْنِي عَنْ مَوْلُودَيْنِ وُلِدَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَ مَاتَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عُمْرُ أَحَدِهِمَا خَمْسُونَ وَ مِائَةُ سَنَةٍ وَ الْآخَرِ خَمْسُونَ سَنَةً فِي دَارِ الدُّنْيَا فَقَالَ لَهُ أَبِي ذَلِكَ عُزَيْرٌ وَ عَزْرَةُ وُلِدَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَلَمَّا بَلَغَا مَبْلَغَ الرِّجَالِ خَمْسَةً وَ عِشْرِينَ عَاماً مَرَّ عُزَيْرٌ عَلَى حِمَارِهِ رَاكِباً عَلَى قَرْيَةٍ بِأَنْطَاكِيَةَ وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها فَقَالَ أَنَّى يُحْيِي اللَّهُ هَذِهِ بَعْدَ مَوْتِهَا وَ قَدْ كَانَ اصْطَفَاهُ وَ هَدَاهُ فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ الْقَوْلَ غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ سَخَطاً عَلَيْهِ بِمَا قَالَ ثُمَّ بَعَثَهُ عَلَى حِمَارِهِ بِعَيْنِهِ وَ طَعَامِهِ وَ شَرَابِهِ فَعَادَ إِلَى دَارِهِ وَ عَزْرَةُ أَخُوهُ لَا يَعْرِفُهُ فَاسْتَضَافَهُ فَأَضَافَهُ وَ بَعَثَ إِلَى وُلْدِ عَزْرَةَ وَ وُلْدِ وُلْدِهِ وَ قَدْ شَاخُوا وَ عُزَيْرٌ شَابٌّ فِي سِنِّ ابْنِ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً فَلَمْ يَزَلْ عُزَيْرٌ يَذْكُرُ أَخَاهُ وَ وُلْدَهُ وَ قَدْ شَاخُوا وَ هُمْ يَذْكُرُونَ مَا يُذَكِّرُهُمْ وَ يَقُولُونَ مَا أَعْلَمَكَ بِأَمْرٍ قَدْ مَضَتْ عَلَيْهِ السِّنُونَ وَ الشُّهُورُ وَ يَقُولُ لَهُ عَزْرَةُ وَ هُوَ شَيْخٌ ابْنُ مِائَةٍ وَ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً مَا رَأَيْتُ شَابّاً فِي سِنِّ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ سَنَةً أَعْلَمَ بِمَا كَانَ بَيْنِي وَ بَيْنَ أَخِي عُزَيْرٍ أَيَّامَ شَبَابِي مِنْكَ فَمِنْ أَهْلِ السَّمَاءِ أَنْتَ أَمْ مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ فَقَالَ عُزَيْرٌ لِأَخِيهِ عَزْرَةَ أَنَا عُزَيْرٌ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيَّ بِقَوْلٍ قُلْتُهُ بَعْدَ أَنِ اصْطَفَانِي وَ هَدَانِي فَأَمَاتَنِي مِائَةَ سَنَةٍ ثُمَّ بَعَثَنِي لِيَزْدَادُوا بِذَلِكَ يَقِيناً أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ هَا هُوَ هَذَا حِمَارِي وَ طَعَامِي وَ شَرَابِيَ الَّذِي خَرَجْتُ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ أَعَادَهُ اللَّهُ لِي كَمَا كَانَ يُعِيدُهَا فَأَيْقَنُوا فَأَعَاشَهُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ خَمْساً وَ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ وَ أَخَاهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ فَنَهَضَ عَالِمُ النَّصَارَى عِنْدَ ذَلِكَ قَائِماً وَ قَامَ النَّصَارَى عَلَى أَرْجُلِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ عَالِمُهُمْ جِئْتُمُونِي بِأَعْلَمَ مِنِّي وَ أَقْعَدْتُمُوهُ مَعَكُمْ حَتَّى يَهْتِكَنِي وَ يَفْضَحَنِي وَ يَعْلَمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ لَهُمْ مَنْ أَحَاطَ بِعُلُومِنَا وَ عِنْدَهُ مَا لَيْسَ عِنْدَنَا لَا وَ اللَّهِ لَا كَلَّمْتُكُمْ مِنْ رَأْسِي كَلِمَةً وَ لَا قَعَدْتُ لَكُمْ إِنْ عِشْتُ سَنَةً فَتَفَرَّقُوا وَ أَبِي قَاعِدٌ مَكَانَهُ وَ أَنَا مَعَهُ وَ رُفِعَ ذَلِكَ الْخَبَرُ إِلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ فَلَمَّا تَفَرَّقَ النَّاسُ نَهَضَ أَبِي وَ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْزِلِ الَّذِي كُنَّا فِيهِ فَوَافَانَا رَسُولُ هِشَامٍ بِالْجَائِزَةِ وَ أَمَرَنَا أَنْ نَنْصَرِفَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ سَاعَتِنَا وَ لَا نَحْتَبِسَ لِأَنَّ النَّاسَ مَاجُوا وَ خَاضُوا فِيمَا جَرَى بَيْنَ أَبِي وَ بَيْنَ عَالِمِ النَّصَارَى فَرَكِبْنَا دَوَابَّنَا مُنْصَرِفَيْنَ وَ قَدْ سَبَقَنَا بَرِيدٌ مِنْ عِنْدِ هِشَامٍ إِلَى عَامِلِ مَدْيَنَ عَلَى طَرِيقِنَا إِلَى الْمَدِينَةِ أَنَّ ابْنَيْ أَبِي تُرَابٍ السَّاحِرَيْنِ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ وَ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْكَذَّابَيْنِ بَلْ هُوَ الْكَذَّابُ لَعَنَهُ اللَّهُ فِيمَا يُظْهِرَانِ مِنَ الْإِسْلَامِ وَرَدَا عَلَيَّ فَلَمَّا صَرَفْتُهُمَا إِلَى الْمَدِينَةِ مَالا إِلَى الْقِسِّيسِينَ وَ الرُّهْبَانِ مِنْ كُفَّارِ النَّصَارَى وَ تَقَرَّبَا إِلَيْهِمْ بِالنَّصْرَانِيَّةِ فَكَرِهْتُ أَنْ أَنْكُلَ بِهِمَا لِقَرَابَتِهِمَا فَإِذَا قَرَأْتَ كِتَابِي هَذَا فَنَادِ فِي النَّاسِ بَرِئَتِ الذِّمَّةُ مِمَّنْ يُشَارِيهِمْ أَوْ يُبَايِعُهُمْ أَوْ يُصَافِحُهُمْ أَوْ يُسلِّمُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمَا قَدِ ارْتَدَّا عَنِ الْإِسْلَامِ وَ رَأَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَقْتُلَهُمَا وَ دَوَابَّهُمَا وَ غِلْمَانَهُمَا وَ مَنْ مَعَهُمَا أَشَرَّ قَتْلَةٍ قَالَ فَوَرَدَ الْبَرِيدُ إِلَى مَدِينَةِ مَدْيَنَ فَلَمَّا شَارَفْنَا مَدِينَةَ مَدْيَنَ قَدَّمَ أَبِي غِلْمَانَهُ لِيَرْتَادُوا لَهُ مَنْزِلًا وَ يَشْتَرُوا لِدَوَابِّنَا عَلَفاً وَ لَنَا طَعَاماً فَلَمَّا قَرُبَ غِلْمَانُنَا مِنْ بَابِ الْمَدِينَةِ أَغْلَقُوا الْبَابَ فِي وُجُوهِنَا وَ شَتَمُونَا وَ ذَكَرُوا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام وَ قَالُوا لَا نُزُولَ لَكُمْ عِنْدَنَا وَ لَا شِرَى وَ لَا بَيْعَ يَا كُفَّارُ يَا مُشْرِكِينَ يَا مُرْتَدِّينَ يَا كَذَّابِينَ يَا شَرَّ الْخَلَائِقِ أَجْمَعِينَ فَوَقَفَ غِلْمَانُنَا عَلَى الْبَابِ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ فَكَلَّمَهُمْ أَبِي وَ لَيَّنَ لَهُمُ الْقَوْلَ وَ قَالَ لَهُمُ اتَّقُوا اللَّهَ وَ لَا تَغْلَطُونَ فَلَسْنَا كَمَا بَلَغَكُمْ وَ لَا نَحْنُ كَمَا تَقُولُونَ فَاسْمَعُونَا فَقَالَ أَبِي فَهَبْنَا كَمَا تَقُولُونَ افْتَحُوا لَنَا الْبَابَ وَ شَارُونَا وَ بَايِعُونَا كَمَا تُشَارُونَ وَ تُبَايِعُونَ الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى وَ الْمَجُوسَ فَقَالُوا أَنْتُمْ أَشَرُّ مِنَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى وَ الْمَجُوسِ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ وَ أَنْتُمْ مَا تُؤَدُّونَ فَقَالَ لَهُمْ أَبِي افْتَحُوا لَنَا الْبَابَ وَ أَنْزِلُونَا وَ خُذُوا مِنَّا الْجِزْيَةَ كَمَا تَأْخُذُونَ مِنْهُمْ فَقَالُوا لَا نَفْتَحُ وَ لَا كَرَامَةَ لَكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا عَلَى ظُهُورِ دَوَابِّكُمْ جِيَاعاً مِيَاعاً وَ تَمُوتَ دَوَابُّكُمْ تَحْتَكُمْ فَوَعَظَهُمْ أَبِي فَازْدَادُوا عُتُوّاً وَ نُشُوزاً قَالَ فَثَنَى أَبِي بِرِجْلِهِ عَنْ سَرْجِهِ وَ قَالَ لِي مَكَانَكَ يَا جَعْفَرُ لَا تَبْرَحْ ثُمَّ صَعِدَ الْجَبَلَ الْمُطِلَّ عَلَى مَدِينَةِ مَدْيَنَ وَ أَهْلُ مَدْيَنَ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ مَا يَصْنَعُ فَلَمَّا صَارَ فِي أَعْلَاهُ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْمَدِينَةَ وَحْدَهُ ثُمَّ وَضَعَ إِصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ ثُمَّ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً إِلَى قَوْلِهِ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ نَحْنُ وَ اللَّهِ بَقِيَّةُ اللَّهِ فِي أَرْضِهِ فَأَمَرَ اللَّهُ رِيحاً سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً فَهَبَّتْ وَ احْتَمَلَتْ صَوْتَ أَبِي فَطَرَحَتْهُ فِي أَسْمَاعِ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ الصِّبْيَانِ فَمَا بَقِيَ أَحَدٌ مِنَ الرِّجَالِ وَ النِّسَاءِ وَ الصِّبْيَانِ إِلَّا صَعِدَ السُّطُوحَ وَ أَبِي مُشْرِفٌ عَلَيْهِمْ وَ صَعِدَ فِيمَنْ صَعِدَ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مَدْيَنَ كَبِيرُ السِّنِّ فَنَظَرَ إِلَى أَبِي عَلَى الْجَبَلِ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ اتَّقُوا اللَّهَ يَا أَهْلَ مَدْيَنَ فَإِنَّهُ قَدْ وَقَفَ الْمَوْقِفَ الَّذِي وَقَفَ فِيهِ شُعَيْبٌ عليه السلام حِينَ دَعَا عَلَى قَوْمِهِ فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَفْتَحُوا الْبَابَ وَ لَمْ تُنْزِلُوهُ جَاءَكُمْ مِنَ الْعَذَابِ وَ أَتَى عَلَيْكُمْ وَ قَدْ أَعْذَرَ مَنْ أَنْذَرَ فَفَزِعُوا وَ فَتَحُوا الْبَابَ وَ أَنْزَلُونَا وَ كَتَبَ الْعَامِلُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ إِلَى هِشَامٍ فَارْتَحَلْنَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فَكَتَبَ هِشَامٌ إِلَى عَامِلِ مَدْيَنَ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَأْخُذَ الشَّيْخَ فَيَطُمُّوهُ فَأَخَذُوهُ فَطَمُّوهُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ صَلَوَاتُهُ وَ كَتَبَ إِلَى عَامِلِ مَدِينَةِ الرَّسُولِ أَنْ يَحْتَالَ فِي سَمِّ أَبِي فِي طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ فَمَضَى هِشَامٌ وَ لَمْ يَتَهَيَّأْ لَهُ فِي أَبِي شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. الآيات المائدة وَ تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَ الْعُدْوانِ وَ أَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ الأنفال وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَراً وَ رِئاءَ النَّاسِ وَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ الرعد وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدَّارِ الكهف وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْها وَ نَسِيَ ما قَدَّمَتْ يَداهُ إِنَّا جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَ فِي آذانِهِمْ وَقْراً وَ إِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً ق أَلْقِيا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ.

بحار الأنوار - ج ٦٩ - الصفحة ١٨١. — الإمام الصادق عليه السلام
كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَدِيرٍ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ

عَزَّ وَ جَلَ فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الْآيَةَ فَقَالَ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَانَتْ لَهُمْ قُرًى مُتَّصِلَةٌ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ أَنْهَارٌ جَارِيَةٌ وَ أَمْوَالٌ ظَاهِرَةٌ فَكَفَرُوا نِعَمَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ عَافِيَةِ اللَّهِ فَغَيَّرَ اللَّهُ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ فَغَرَّقَ قُرَاهُمْ وَ خَرَّبَ دِيَارَهُمْ وَ ذَهَبَ بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَبْدَلَهُمْ مَكَانَ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ثُمَّ قَالَ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ. بيان: الآيات في سورة سبإ هكذا لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ و قرأ أكثر القراء في مساكنهم قال الطبرسي (قدّس سرّه) ثم أخبر سبحانه عن قصة سبإ بما دل على حسن عاقبة الشكور و سوء عاقبة الكفور فقال لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ و هو أبو عرب اليمن كلها و قد تسمى بها القبيلة وَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص عَنْ سَبَإٍ أَ رَجُلٌ هُوَ أَمِ امْرَأَةٌ فَقَالَ هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةٌ تَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَ تَشَاءَمَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ تَيَامَنُوا فَالْأَزْدُ وَ كِنْدَةُ وَ مَذْحِجٌ وَ الْأَشْعَرُونَ وَ الْأَنْمَارُ وَ حِمْيَرٌ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ مَا أَنْمَارٌ قَالَ الَّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَمٌ وَ بَجِيلَةُ وَ أَمَّا الَّذِينَ تَشَاءَمُوا فَعَامِلَةُ وَ جُذَامُ وَ لَحْمٌ وَ غَسَّانُ. فالمراد بسبإ هاهنا القبيلة الذين هم أولاد سبإ بن يشحب بن يعرب بن قحطان. فِي مَسْكَنِهِمْ أي في بلدهم آيَةٌ أي حجة على وحدانية الله سبحانه و كمال قدرته و علامة على سبوغ نعمه ثم فسر سبحانه الآية فقال جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ أي بستانان عن يمين من آتاهما و شماله و قيل عن يمين البلد و شماله و قيل إنه لم يرد جنتين اثنتين و المراد كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذ كانت البساتين عن يمينهم و شمالهم متصلة بعضها ببعض و كان من كثرة النعم أن المرء كانت تمشي و المكتل على رأسها فيمتلئ بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا: و قيل الآية المذكورة هي أنه لم تكن في قريتهم بعوضة و لا ذباب و لا برغوث و لا عقرب و لا حية و كان الغريب إذا دخل بلدهم و في ثيابه قمل و دواب ماتت عن ابن زيد و قيل إن المراد بالآية خروج الأزهار و الثمار من الأشجار على اختلاف ألوانها و طعومها. و قيل إنما كانت ثلاث عشرة قرية في كل قرية نبي يدعوهم إلى الله سبحانه يقولون لهم كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ أي كلوا مما رزقكم الله في هذه الجنان و اشكروا له يزدكم من نعمة و استغفروه يغفر لكم. بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ أي هذه بلدة مخصبة نزهة أرضها عذبة تخرج النبات و ليست بسبخة و ليس فيها شيء من الهوام المؤذية و قيل أراد به صحة هوائها و عذوبة مائها و سلامة تربتها و أنه ليس فيها حر يؤذي في القيظ و لا برد يؤذي في الشتاء. وَ رَبٌّ غَفُورٌ أي كثير المغفرة للذنوب فَأَعْرَضُوا عن الحق و لم يشكروا الله سبحانه و لم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ و ذلك أن الماء كان يأتي أرض سبإ من أودية اليمن و كان هناك جبلان يجتمع ماء المطر و السيول بينهما فسدوا ما بين الجبلين فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة فكانوا يسقون زرعهم و بساتينهم فلما كذبوا رسلهم و تركوا أمر الله بعث الله جرذا نقبت ذلك الردم و فاض الماء عليهم فأغرقهم. العرم المسناة التي تحبس الماء واحدها عرمة أخذ من عرامة الماء و هو ذهابه كل مذهب و قيل العرم اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى و قيل العرم هنا اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم و هو الذي يقال له الخلد و قيل العرم المطر الشديد. و قال ابن الأعرابي العرم السيل الذي لا يطاق وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ اللتين فيهما أنواع الفواكه و الخيرات جَنَّتَيْنِ أخراوين سماهما جنتين لإزدواج الكلام كما قال تعالى وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ أي صاحبي أكل و هو اسم لثمر كل شجرة و ثمر الخمط هو الأراك و قيل هو شجر الغضا و قيل هو شجر له شوك و الأثل الطرفا عن ابن عباس و قيل ضرب من الخشب و قيل هو السمر وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ يعني أن الخمط و الأثل كانا أكثر فيهما من السدر و هو النبق قال قتادة كان شجرهم خير شجر فصيره الله شر شجرة بسوء أعمالهم. ذلِكَ أي ما فعلنا بهم جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا أي بكفرهم وَ هَلْ نُجازِي بهذا الجزاء إِلَّا الْكَفُورَ الذي يكفر نعم الله و قيل معناه هل نجازي بجميع سيئاته إلا الكافر لأن المؤمن قد كان يكفر عنه بعض سيئاته و قيل إن المجازاة من التجازي و هو التقاضي أي لا يقتضي و لا يرتجع ما أعطي إلا الكافر فإنهم لما كفروا النعمة اقتضوا ما أعطوا أي ارتجع منهم عن أبي مسلم. وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً أي و قد كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم و بين قرى الشام التي باركنا فيها بالماء و الشجر قرى متواصلة و كان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام و كانوا يبيتون بقرية و يقيلون بأخرى حتى يرجعوا و كانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبإ إلى الشام و معنى الظاهرة أن الثانية كانت ترى من الأولى لقربها منها وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي جعلنا السير من القرية إلى القرية نصف يوم و قلنا لهم سِيرُوا فِيها أي في تلك القرى لَيالِيَ وَ أَيَّاماً أي ليلا شئتم المصير أو نهارا آمِنِينَ من الجوع و العطش و التعب و من السباع و كل المخاوف و في هذا إشارة إلى تكامل نعمه عليهم في السفر كما أنه كذلك في الحضر. ثم أخبر سبحانه أنهم بطروا و بغوا فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا أي اجعل بيننا و بين الشام فلوات و مفاوز لنركب إليها الرواحل و نقطع المنازل و هذا كما قالت بنو إسرائيل لما ملوا النعمة اخرج لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها بدل من المن و السلوى وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بارتكاب الكفر و المعاصي فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لمن بعدهم يتحدثون أمرهم و شأنهم و يضربون بهم المثل فيقولون تفرقوا أيادي سبإ إذا تشتتوا أعظم التشتت وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل تفريق إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ على الشدائد شكور على النعماء و قيل لكل صبار عن المعاصي شكور للنعم بالطاعات. ثم نقل عن الكلبي عن أبي صالح قال ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء و كانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب و أنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين فباع عمرو بن عامر أمواله و سار هو و قومه حتى انتهوا إلى مكة فأقاموا بها و ما حولها فأصابتهم الحمى و كانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى فدعوا طريفة و شكوا إليها الذي أصابهم فقالت لهم قد أصابني الذي تشتكون و هو مفرق بيننا. قالوا فما ذا تأمرين قالت من كان منكم ذا هم بعيد و جمل شديد و مزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد فكانت أزد عمان ثم قالت من كان منكم ذا جلد و قسر و صبر على ما أزمات الدهر فعليه بالأراك من بطن مر فكانت خزاعة ثم قالت من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس و الخزرج ثم قالت من كان منكم يريد الخمر و الخمير و الملك و التأمير و ملابس التاج و الحرير فليلحق ببصرى و غوير و هما من أرض الشام فكان الذين سكنوها آل جفنة بن غسان ثم قالت من كان منكم يريد الثياب الرقاق و الخيل العتاق و كنوز الأرزاق و الدم المهراق فليلحق بأرض العراق فكان الذين يسكنونها آل جزيمة الأبرش و من كان بالحيرة و آل محرق.

بحار الأنوار - ج ٧٠ - الصفحة ٣٣٤. — الإمام الصادق عليه السلام
وَ مِنَ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْمُفَضَّلِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ

يَا مُفَضَّلُ كَيْفَ حَالُ الشِّيعَةِ عِنْدَكُمْ- قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ مَا أَحْسَنَ حَالَهُمْ- وَ أَوْصَلَ بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَ أَبَرَّ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ- قَالَ أَ يَجِيءُ الرَّجُلُ مِنْكُمْ إِلَى أَخِيهِ- فَيُدْخِلُ يَدَهُ فِي كِيسِهِ وَ يَأْخُذُ مِنْهُ حَاجَتَهُ- لَا يَجْبَهُهُ وَ لَا يَجِدُ فِي نَفْسِهِ أَلَماً- قَالَ قُلْتُ لَا وَ اللَّهِ مَا هُمْ كَذَا- قَالَ وَ اللَّهِ لَوْ كَانُوا- ثُمَّ اجْتَمَعَتْ شِيعَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَلَى فَخِذِ شَاةٍ لَأَصْدَرَهُمْ. وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام قَالَ: مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَاءِ حَقِّ الْمُؤْمِنِ. وَ قَالَ عليه السلام إِنَّ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى حُرُمَاتٍ- حُرْمَةَ كِتَابِ اللَّهِ وَ حُرْمَةَ رَسُولِ اللَّهِ ص وَ حُرْمَةَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَ حُرْمَةَ الْمُؤْمِنِ. وَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى عليه السلام وَ عِنْدَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ- فَتَبَسَّمْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ أَ تُحِبُّهُ- قُلْتُ نَعَمْ وَ مَا أَحْبَبْتُهُ إِلَّا فِيكُمْ- فَقَالَ هُوَ أَخُوكَ الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ لِأُمَّهِ وَ أَبِيهِ- فَمَلْعُونٌ مَنْ غَشَّ أَخَاهُ وَ مَلْعُونٌ مَنْ لَمْ يَنْصَحْ أَخَاهُ- وَ مَلْعُونٌ مَنْ حَجَبَ أَخَاهُ وَ مَلْعُونٌ مَنِ اغْتَابَ أَخَاهُ. وَ بِإِسْنَادِهِ قَالَ: سُئِلَ عَنِ الرِّضَا عليه السلام مَا حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ- فَقَالَ إِنَّ مِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْمَوَدَّةَ لَهُ فِي صَدْرِهِ- وَ الْمُوَاسَاةَ لَهُ فِي مَالِهِ وَ النُّصْرَةَ لَهُ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ- وَ إِنْ كَانَ فَيْءٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَ كَانَ غَائِباً أَخَذَ لَهُ بِنَصِيبِهِ- وَ إِذَا مَاتَ فَالزِّيَارَةُ إِلَى قَبْرِهِ- وَ لَا يَظْلِمُهُ وَ لَا يَغُشُّهُ- وَ لَا يَخُونُهُ وَ لَا يَخْذُلُهُ وَ لَا يَغْتَابُهُ وَ لَا يَكْذِبُهُ- وَ لَا يَقُولُ لَهُ أُفٍّ فَإِذَا قَالَ لَهُ أُفٍّ فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا وَلَايَةٌ- وَ إِذَا قَالَ لَهُ أَنْتَ عَدُوِّي فَقَدْ كَفَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ- وَ إِذَا اتَّهَمَهُ انْمَاثَ الْإِيمَانُ فِي قَلْبِهِ كَمَا يَنْمَاثُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ وَ مَنْ أَطْعَمَ مُؤْمِناً كَانَ أَفْضَلَ مِنْ عِتْقِ رَقَبَةٍ- وَ مَنْ سَقَى مُؤْمِناً مِنْ ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ- وَ مَنْ كَسَى مُؤْمِناً مِنْ عُرْيٍ كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ سُنْدُسٍ وَ حَرِيرِ الْجَنَّةِ- وَ مَنْ أَقْرَضَ مُؤْمِناً قَرْضاً يُرِيدُ بِهِ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- حُسِبَ لَهُ ذَلِكَ بِحِسَابِ الصَّدَقَةِ حَتَّى يُؤَدِّيَهُ إِلَيْهِ- وَ مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا- فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الْآخِرَةِ وَ مَنْ قَضَى لِمُؤْمِنٍ حَاجَةً- كَانَ أَفْضَلَ مِنْ صِيَامِهِ وَ اعْتِكَافِهِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ- وَ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ السَّاقِ مِنَ الْجَسَدِ- وَ إِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ الْبَاقِرَ عليه السلام اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ- وَ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَرَّمَكِ وَ شَرَّفَكِ وَ عَظَّمَكِ- وَ جَعَلَكِ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَ أَمْناً- وَ اللَّهِ لَحُرْمَةُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ حُرْمَةً مِنْكِ- وَ لَقَدْ دَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ- فَقَالَ لَهُ عِنْدَ الْوَدَاعِ أَوْصِنِي- فَقَالَ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ بِرِّ أَخِيكَ الْمُؤْمِنِ- فأحببت [فَأَحِبَّ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ وَ إِنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ- وَ إِنْ كَفَّ عَنْكَ فَاعْرِضْ عَلَيْهِ- لَا تَمَلَّهُ فَإِنَّهُ لَا يَمَلُّكَ- وَ كُنْ لَهُ عَضُداً- فَإِنْ وَجَدَ عَلَيْكَ فَلَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَسُلَّ سَخِيمَتَهُ- فَإِنْ غَابَ فَاحْفَظْهُ فِي غَيْبَتِهِ- وَ إِنْ شَهِدَ فَاكْنُفْهُ وَ اعْضُدْهُ- وَ زُرْهُ وَ أَكْرِمْهُ وَ الْطُفْ بِهِ- فَإِنَّهُ مِنْكَ وَ أَنْتَ مِنْهُ وَ فِطْرُكَ لِأَخِيكَ الْمُؤْمِنِ- وَ إِدْخَالُ السُّرُورِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنَ الصِّيَامِ وَ أَعْظَمُ أَجْراً .

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧١ - الصفحة ٢٣٢. — الإمام الصادق عليه السلام
أَقُولُ، وَجَدْتُ بِخَطِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُبَاعِيِّ نَقْلًا مِنْ خَطِّ الشَّيْخِ الشَّهِيدِ (رحمه الله) مَا هَذِهِ صُورَتُهُ مِنْ كِتَابِ الْمُؤْمِنِ لِابْنِ سَعِيدٍ الْحُسَيْنِ الْأَهْوَازِيِّ وَ أَصْلُهُ كُوفِيٌّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

لَا وَ اللَّهِ لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِناً أَبَداً- حَتَّى يَكُونَ لِأَخِيهِ مِثْلَ الْجَسَدِ- إِذَا ضَرَبَ عَلَيْهِ عِرْقٌ وَاحِدٌ تَدَاعَتْ لَهُ سَائِرُ عُرُوقِهِ. وَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ: لِكُلِّ شَيْءٍ شَيْءٌ يَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ- وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَرِيحُ إِلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ- كَمَا يَسْتَرِيحُ الطَّيْرُ إِلَى شَكْلِهِ. وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ فِي تَبَارِّهِمْ وَ تَرَاحُمِهِمْ وَ تَعَاطُفِهِمْ- كَمِثْلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى تَدَاعَى لَهُ سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ وَ الْحُمَّى. وَ عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ- قَالَ إِنِّي عَلَيْكَ شَفِيقٌ- إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَعْلَمَ وَ لَا تَعْمَلَ وَ تُضَيِّعَ وَ لَا تَحْفَظَ- قَالَ فَقُلْتُ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- قَالَ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سَبْعَةُ حُقُوقٍ وَاجِبَةٍ- لَيْسَ مِنْهَا حَقٌّ إِلَّا وَ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى أَخِيهِ- إِنْ ضَيَّعَ مِنْهَا حَقّاً خَرَجَ مِنْ وَلَايَةِ اللَّهِ- وَ تَرَكَ طَاعَتَهُ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ- أَيْسَرُ حَقٍّ مِنْهَا أَنْ تُحِبَّ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- وَ أَنْ تَكْرَهَ لَهُ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ- وَ الثَّانِي أَنْ تُعِينَهُ بِنَفْسِكَ وَ مَالِكَ وَ لِسَانِكَ وَ يَدَيْكَ وَ رِجْلَيْكَ- وَ الثَّالِثُ أَنْ تَتَّبِعَ رِضَاهُ وَ تَجْتَنِبَ سَخَطَهُ وَ تُطِيعَ أَمْرَهُ- وَ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ عَيْنَهُ وَ دَلِيلَهُ وَ مِرْآتَهُ- وَ الْخَامِسُ لَا تَشْبَعُ وَ يَجُوعُ- وَ [لَا تَرْوَى وَ يَظْمَأُ وَ [لَا تُكْسَى وَ يَعْرَى- وَ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ لَكَ خَادِمٌ وَ لَيْسَ لَهُ خَادِمُ- أَوْ لَكَ امْرَأَةٌ تَقُومُ عَلَيْكَ وَ لَيْسَ لَهُ امْرَأَةٌ تَقُومُ عَلَيْهِ- أَنْ تَبْعَثَ خَادِمَكَ تَغْسِلُ ثِيَابَهُ- وَ تَصْنَعُ طَعَامَهُ وَ تُهَيِّئُ فِرَاشَهُ- وَ السَّابِعُ تُبِرُّ قَسَمَهُ وَ تُجِيبُ دَعْوَتَهُ- وَ تَعُودُ مَرْضَتَهُ وَ تَشْهَدُ جَنَازَتَهُ- وَ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ تُبَادِرُ مُبَادَرَةً إِلَى قَضَائِهَا- وَ لَا تُكَلِّفُهُ أَنْ يَسْأَلَكَهَا- فَإِذَا جَعَلْتَ ذَلِكَ وَصَلْتَ وَلَايَتَكَ بِوَلَايَتِهِ وَ وَلَايَتَهُ بِوَلَايَتِكَ. وَ عَنِ الْمُعَلَّى مِثْلَهُ وَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ وَصَلْتَ وَلَايَتَكَ بِوَلَايَتِهِ- وَ وَلَايَتَهُ بِوَلَايَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ قَالَ أَحْبِبْ لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- فَإِذَا احْتَجْتَ فَسَلْهُ وَ إِذَا سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ- وَ لَا تَمَلَّهُ خَيْراً وَ يَمَلُّ لَكَ- كُنْ لَهُ ظَهْراً فَإِنَّهُ لَكَ ظَهِيرٌ وَ احْفَظْهُ فِي غَيْبَتِهِ وَ إِنْ شَهِدَ فَزُرْهُ- وَ أَجِلَّهُ وَ أَكْرِمْهُ فَإِنَّهُ مِنْكَ وَ أَنْتَ مِنْهُ- وَ إِنْ كَانَ عَلَيْكَ عَاتِباً فَلَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَسُلَّ سَخِيمَتَهُ- وَ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ فَاحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنِ ابْتُلِيَ فَأَعْطِهِ- وَ تَحَمَّلْ عَنْهُ وَ أَعِنْهُ. نَصْرُ بْنُ قَابُوسَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْمَاضِي عليه السلام بَلَغَنِي عَنْ أَبِيكَ [الْحُسَيْنِ] أَنَّهُ أَتَاهُ آتٍ- فَاسْتَعَانَ بِهِ عليه السلام عَلَى حَاجَةٍ فَذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ مُعْتَكِفٌ- فَأَتَى الْحَسَنَ عليه السلام فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ- فَقَالَ أَ مَا عَلِمَ أَنَّ الْمَشْيَ فِي حَاجَةِ الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَقْضِيَهَا- خَيْرٌ مِنِ اعْتِكَافِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ- فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِصِيَامِهَا- ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام وَ مِنِ اعْتِكَافِ الدَّهْرِ.

بحار الأنوار - ج ٧١ - الصفحة ٢٣٣. — الإمام الباقر عليه السلام
وَ عَنْهُ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ

لِكُلِّ شَيْءٍ شَيْءٌ يَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ- وَ إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَرِيحُ إِلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ- كَمَا يَسْتَرِيحُ الطَّيْرُ إِلَى شَكْلِهِ. وَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ: الْمُؤْمِنُونَ فِي تَبَارِّهِمْ وَ تَرَاحُمِهِمْ وَ تَعَاطُفِهِمْ- كَمِثْلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى تَدَاعَى لَهُ سَائِرُهُ بِالسَّهَرِ وَ الْحُمَّى. وَ عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا حَقُّ الْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ- قَالَ إِنِّي عَلَيْكَ شَفِيقٌ- إِنِّي أَخَافُ أَنْ تَعْلَمَ وَ لَا تَعْمَلَ وَ تُضَيِّعَ وَ لَا تَحْفَظَ- قَالَ فَقُلْتُ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- قَالَ لِلْمُؤْمِنِ عَلَى الْمُؤْمِنِ سَبْعَةُ حُقُوقٍ وَاجِبَةٍ- لَيْسَ مِنْهَا حَقٌّ إِلَّا وَ هُوَ وَاجِبٌ عَلَى أَخِيهِ- إِنْ ضَيَّعَ مِنْهَا حَقّاً خَرَجَ مِنْ وَلَايَةِ اللَّهِ- وَ تَرَكَ طَاعَتَهُ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا نَصِيبٌ- أَيْسَرُ حَقٍّ مِنْهَا أَنْ تُحِبَّ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- وَ أَنْ تَكْرَهَ لَهُ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ- وَ الثَّانِي أَنْ تُعِينَهُ بِنَفْسِكَ وَ مَالِكَ وَ لِسَانِكَ وَ يَدَيْكَ وَ رِجْلَيْكَ- وَ الثَّالِثُ أَنْ تَتَّبِعَ رِضَاهُ وَ تَجْتَنِبَ سَخَطَهُ وَ تُطِيعَ أَمْرَهُ- وَ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ عَيْنَهُ وَ دَلِيلَهُ وَ مِرْآتَهُ- وَ الْخَامِسُ لَا تَشْبَعُ وَ يَجُوعُ- وَ [لَا تَرْوَى وَ يَظْمَأُ وَ [لَا تُكْسَى وَ يَعْرَى- وَ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ لَكَ خَادِمٌ وَ لَيْسَ لَهُ خَادِمُ- أَوْ لَكَ امْرَأَةٌ تَقُومُ عَلَيْكَ وَ لَيْسَ لَهُ امْرَأَةٌ تَقُومُ عَلَيْهِ- أَنْ تَبْعَثَ خَادِمَكَ تَغْسِلُ ثِيَابَهُ- وَ تَصْنَعُ طَعَامَهُ وَ تُهَيِّئُ فِرَاشَهُ- وَ السَّابِعُ تُبِرُّ قَسَمَهُ وَ تُجِيبُ دَعْوَتَهُ- وَ تَعُودُ مَرْضَتَهُ وَ تَشْهَدُ جَنَازَتَهُ- وَ إِنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ تُبَادِرُ مُبَادَرَةً إِلَى قَضَائِهَا- وَ لَا تُكَلِّفُهُ أَنْ يَسْأَلَكَهَا- فَإِذَا جَعَلْتَ ذَلِكَ وَصَلْتَ وَلَايَتَكَ بِوَلَايَتِهِ وَ وَلَايَتَهُ بِوَلَايَتِكَ. وَ عَنِ الْمُعَلَّى مِثْلَهُ وَ قَالَ فِي حَدِيثِهِ فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ وَصَلْتَ وَلَايَتَكَ بِوَلَايَتِهِ- وَ وَلَايَتَهُ بِوَلَايَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ قَالَ أَحْبِبْ لِأَخِيكَ الْمُسْلِمِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- فَإِذَا احْتَجْتَ فَسَلْهُ وَ إِذَا سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ- وَ لَا تَمَلَّهُ خَيْراً وَ يَمَلُّ لَكَ- كُنْ لَهُ ظَهْراً فَإِنَّهُ لَكَ ظَهِيرٌ وَ احْفَظْهُ فِي غَيْبَتِهِ وَ إِنْ شَهِدَ فَزُرْهُ- وَ أَجِلَّهُ وَ أَكْرِمْهُ فَإِنَّهُ مِنْكَ وَ أَنْتَ مِنْهُ- وَ إِنْ كَانَ عَلَيْكَ عَاتِباً فَلَا تُفَارِقْهُ حَتَّى تَسُلَّ سَخِيمَتَهُ- وَ إِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ فَاحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ وَ إِنِ ابْتُلِيَ فَأَعْطِهِ- وَ تَحَمَّلْ عَنْهُ وَ أَعِنْهُ. نَصْرُ بْنُ قَابُوسَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي الْحَسَنِ الْمَاضِي عليه السلام بَلَغَنِي عَنْ أَبِيكَ [الْحُسَيْنِ] أَنَّهُ أَتَاهُ آتٍ- فَاسْتَعَانَ بِهِ عليه السلام عَلَى حَاجَةٍ فَذُكِرَ لَهُ أَنَّهُ مُعْتَكِفٌ- فَأَتَى الْحَسَنَ عليه السلام فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ- فَقَالَ أَ مَا عَلِمَ أَنَّ الْمَشْيَ فِي حَاجَةِ الْمُؤْمِنِ حَتَّى يَقْضِيَهَا- خَيْرٌ مِنِ اعْتِكَافِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ- فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِصِيَامِهَا- ثُمَّ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ عليه السلام وَ مِنِ اعْتِكَافِ الدَّهْرِ .

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧١ - الصفحة ٢٣٤. — الإمام الباقر عليه السلام
كا، الكافي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَيْرٍ الْهَجَرِيِّ عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

قُلْتُ لَهُ مَا حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ- قَالَ لَهُ سَبْعُ حُقُوقٍ وَاجِبَاتٍ- مَا مِنْهُنَّ حَقٌّ إِلَّا وَ هُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ- إِنْ ضَيَّعَ مِنْهَا شَيْئاً خَرَجَ مِنْ وَلَايَةِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ- وَ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ مِنْ نَصِيبٍ- قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ مَا هِيَ- قَالَ يَا مُعَلَّى إِنِّي عَلَيْكَ شَفِيقٌ- أَخَافُ أَنْ تُضَيِّعَ وَ لَا تَحْفَظَ وَ تَعْلَمَ وَ لَا تَعْمَلَ- قَالَ قُلْتُ لَهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ - قَالَ أَيْسَرُ حَقٍّ مِنْهَا أَنْ تُحِبَّ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- وَ تَكْرَهَ لَهُ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ- وَ الْحَقُّ الثَّانِي أَنْ تَجْتَنِبَ سَخَطَهُ وَ تَتَّبِعَ مَرْضَاتَهُ- وَ تُطِيعَ أَمْرَهُ- وَ الْحَقُّ الثَّالِثُ أَنْ تُعِينَهُ بِنَفْسِكَ- وَ مَالِكَ وَ لِسَانِكَ وَ يَدِكَ وَ رِجْلِكَ- وَ الْحَقُّ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ عَيْنَهُ وَ دَلِيلَهُ وَ مِرْآتَهُ وَ الْحَقُّ الْخَامِسُ لَا تَشْبَعُ وَ يَجُوعُ- وَ لَا تَرْوَى وَ يَظْمَأُ وَ لَا تَلْبَسُ وَ يَعْرَى- وَ الْحَقُّ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ لَكَ خَادِمٌ وَ لَيْسَ لِأَخِيكَ خَادِمٌ- فَوَاجِبٌ أَنْ تَبْعَثَ خَادِمَكَ فَيَغْسِلَ ثِيَابَهُ- وَ يَصْنَعَ طَعَامَهُ وَ يَمْهَدَ فِرَاشَهُ- وَ الْحَقُّ السَّابِعُ أَنْ تُبِرَّ قَسَمَهُ وَ تُجِيبَ دَعْوَتَهُ- وَ تَعُودَ مَرِيضَهُ وَ تَشْهَدَ جَنَازَتَهُ- وَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ حَاجَةً تُبَادِرُهُ إِلَى قَضَائِهَا- وَ لَا تُلْجِئُهُ أَنْ يَسْأَلَكَهَا وَ لَكِنْ تُبَادِرُهُ مُبَادَرَةً- فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ وَصَلْتَ وَلَايَتَكَ بِوَلَايَتِهِ وَ وَلَايَتَهُ بِوَلَايَتِكَ. تبيان واجبات بالجر صفة للحقوق و قيل أو بالرفع خبرا للسبع و يمكن حمل الوجوب على الأعم من المعنى المصطلح و الاستحباب المؤكد إذ لا أظن أحدا قال بوجوب أكثر ما ذكر مع تضمنه للحرج العظيم من ولاية الله أي محبته سبحانه أو نصرته و الإضافة إما إلى الفاعل أو إلى المفعول و في النهاية الولاية بالفتح في النسب و النصرة و المعتق و الولاية بالكسر في الإمارة و الولاء في المعتق و الموالاة من والى القوم و في القاموس الولي القرب و الدنو و الولي الاسم منه و المحب و الصديق و النصير و ولي الشيء و عليه ولاية و ولاية أو هي المصدر و بالكسر الخطة و الإمارة و السلطان و تولاه اتخذه وليا و الأمر تقلده و إنه لبين الولاءة و الولية و التولي و الولاء و الولاية و تكسر و القوم على ولاية واحدة و تكسر أي يد انتهى. قوله و لم يكن لله فيه من نصيب أي لا يصل شيء من أعماله إلى الله و لا يقبلها أو ليس هو من السعداء الذين هم حزب الله بل هو من الأشقياء الذين هم حزب الشيطان، و حمل جميع ذلك على المبالغة و أنه ليس من خلص أولياء الله. ثم الظاهر أن هذه الحقوق بالنسبة إلى المؤمنين الكاملين أو الأخ الذي واخاه في الله و إلا فرعاية جميع ذلك بالنسبة إلى جميع الشيعة حرج عظيم بل ممتنع إلا أن يقال إن ذلك مقيد بالإمكان بل السهولة بحيث لا يضر بحاله و بالجملة هذا أمر عظيم يشكل الإتيان به و الإطاعة فيه إلا بتأييده سبحانه قوله إني عليك شفيق أي خائف أن لا تعمل أو متعطف محب من أشفقت على الصغير أي حنوت و عطفت و لذا لا أذكرها لك لأني أخاف أن تضيع و لا تعتني بشأنه و لا تحفظه و تنساه أو لا ترويه أو لا تعمل به فالفقرة الآتية مؤكدة و على التقادير يدل على أن الجاهل معذور و لا ريب فيه إن لم يكن له طريق إلى العلم. لكن يشكل توجيه عدم ذكره عليه السلام ذلك و إبطائه فيه للخوف من عدم عمله به و تجويز مثل ذلك مشكل و إن ورد مثل ذلك في بيان وجوب الغسل على النساء في احتلامهن حيث ورد النهي عن تعليمهن هذا الحكم لئلا يتخذنه علة مع أن ظاهر أكثر الآيات و الأخبار وجوب التعليم و الهداية و إرشاد الضال لا سيما بالنسبة إليهم عليه السلام مع عدم خوف و تقية كما هو ظاهر هذا المقام و قد قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ و أمثالها كثيرة و يمكن الجواب عنه بوجهين الأول أن الظاهر أن غرضه عليه السلام من هذا الامتناع لم يكن ترك ذكره و الإعراض عنه بل كان الغرض تشويق المخاطب إلى استماعه و تفخيم الأمر عليه و أنه أمر شديد أخاف أن لا تعمل به فتستحق العقاب و لم يصرح عليه السلام بأني لا أذكره لك لذلك و لا أنك مع عدم العلم معذور بل إنما أكد الأمر الذي أراد إلقاءه عليه بتأكيدات لتكون أدعى له على العمل به كما إذا أراد الأمير أن يأمر بعض عبيده و خدمه بأمر صعب فيقول قبل أن يأمره به- أريد أن أوليك أمرا صعبا عظيما و أخاف أن لا تعمل به لصعوبته و ليس غرضه الامتناع عن الذكر بل التأكيد في الفعل. و الثاني أن يكون هذا مؤيدا لاستحباب هذه الأمور و وجوب بيان المستحبات لجميع الناس لا سيما لمن يخاف عليه عدم العمل به غير معلوم خصوصا إذا ذكره عليه السلام لبعض الناس بحيث يكفي لشيوع الحكم و روايته و عدم صيرورته متروكا بين الناس بل يمكن أن يكون عدم ذكره إذا خيف استهانته بالحكم و استخفافه به أفضل و أصلح بالنسبة إلى السامع إذ ترك المستحب مع عدم العلم به أولى بالنسبة إليه من استماعه و عدم الاعتناء بشأنه و كلا الوجهين اللذين خطرا بالبال حسن و لعل الأول أظهر و أحسن و أمتن. و قوله لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إظهار للعجز عن الإتيان بطاعة الله كما يستحقه و طلب للتوفيق منه تعالى ضمنا أن تجتنب سخطه أي في غير ما يسخط الله و تتبع مرضاته مصدر- أي رضاه فيما لم يكن موجبا لسخط الله و كذا إطاعة الأمر مقيد بذلك و كان عدم التقييد في تلك الفقرات يؤيد كون المراد بالأخ الصالح الذي يؤمن من ارتكاب غير ما يرضى الله غالبا. بنفسك بأن تسعى في حوائجه بنفسك و بمالك بالمواساة و الإيثار و الإنفاق و قضاء الدين و نحو ذلك قبل السؤال و بعده و الأول أفضل و لسانك بأن تعينه بالشفاعة عند الناس و عند الله و الدعاء و دفع الغيبة عنه و ذكر محاسنه في المجالس و إرشاده إلى مصالحه الدينية و الدنيوية و هدايته و تعليمه و يدك و رجلك باستعمالهما في جلب كل خير و دفع كل شر يتوقفان عليهما. و جمل و يجوع و يظمأ و يعرى حالية و في المصباح خدمه يخدمه خدمة فهو خادم غلاما كان أو جارية و الخادمة بالهاء في المؤنث قليل و في القاموس مهده كمنعه بسطه كمهده و أن يبر قسمه من باب الإفعال و بر اليمين من باب علم و ضرب صدق و إبرار المقسم العمل بما ناشده عليه أو تصديقه فيما أقسم عليه كما في الحديث لو أقسم على الله لأبره فقيل أي لو أقسم على وقوع أمر أوقعه الله إكراما له و قيل لو دعا الله على البت لأجابه و في النهاية بر قسمه و أبره أي صدقه و منه الحديث أمرنا بسبع منها إبرار المقسم و قال الجوهري بررت والدي بالكسر أبره برا و فلان يبر خالقه أي يطيعه و بر فلان في يمينه صدق و في القاموس البر الصلة و ضد العقوق بررته أبره كعلمته و ضربته و الصدق في اليمين و قد بررت و بررت و برت اليمين تبر و تبر كيمل و يحل برا و برا و برورا و أبرها أمضاها على الصدق انتهى و المشهور بين الأصحاب استحباب العمل بما أقسمه عليه غيره إذا كان مباحا استحبابا مؤكدا و لا كفارة بالمخالفة على أحدهما - وَ فِي مُرْسَلَةِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام قَالَ: إِذَا أَقْسَمَ الرَّجُلُ عَلَى أَخِيهِ فَلَمْ يُبِرَّ قَسَمَهُ- فَعَلَى الْمُقْسِمِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. و هو لبعض العامة و حملها الشيخ على الاستحباب و قيل المراد بإبرار القسم أن يعمل بما وعد الأخ لغيره من قبله بأن يقضي حاجته فيفي بذلك و لا يخفى ما فيه. قوله وصلت ولايتك بولايته أي محبته لك بمحبتك له و بالعكس أي صارت المحبة ثابتة مستقرة بينك و بينه و صرت سببا لذلك أو عملت بمقتضى ولايتك له و ولايته لك عملا بقوله تعالى الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ كما يقال وصل الرحم و قطعها و يحتمل أن يكون المراد بولايتهما موالاتهما للأئمة أي أحكمت الأخوة الحاصلة بينكما من جهة الولاية و في الخصال وصلت ولايتك بولايته و ولايته بولاية الله عز و جل.

بحار الأنوار - ج ٧١ - الصفحة ٢٣٨. — الإمام الصادق عليه السلام
كا، الكافي عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْخَزَّازِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

مَنْ أَذَاعَ عَلَيْنَا حَدِيثَنَا فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَحَدَنَا حَقَّنَا- قَالَ وَ قَالَ لِلْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ- الْمُذِيعُ حَدِيثَنَا كَالْجَاحِدِ لَهُ. بيان يدل على أن المذيع و الجاحد متشاركون في عدم الإيمان و براءة الإمام منهم و فعل ما يوجب لحوق الضرر بل ضرر الإذاعة أقوى لأن ضرر الجحد يعود إلى الجاحد و ضرر الإذاعة يعود إلى المذيع- و إلى المعصوم و إلى المؤمنين و لعل مخاطبة المعلى بذلك لأنه كان قليل التحمل لأسرارهم و صار ذلك سببا لقتله وَ رَوَى الْكَشِّيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الْمُفَضَّلِ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَوْمَ قُتِلَ فِيهِ الْمُعَلَّى- فَقُلْتُ لَهُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- أَ لَا تَرَى إِلَى هَذَا الْخَطْبِ الْجَلِيلِ- الَّذِي نَزَلَ بِالشِّيعَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ- قَالَ وَ مَا هُوَ قُلْتُ قَتْلُ الْمُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ- قَالَ رَحِمَ اللَّهُ الْمُعَلَّى قَدْ كُنْتُ أَتَوَقَّعُ ذَلِكَ- إِنَّهُ أَذَاعَ سِرَّنَا- وَ لَيْسَ النَّاصِبُ لَنَا حَرْباً بِأَعْظَمَ مَئُونَةً عَلَيْنَا- مِنَ الْمُذِيعِ عَلَيْنَا سِرَّنَا- فَمَنْ أَذَاعَ سِرَّنَا إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ- لَمْ يُفَارِقِ الدُّنْيَا حَتَّى يَعَضَّهُ السِّلَاحُ أَوْ يَمُوتَ بِحَبْلٍ. 36- كا، الكافي عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَنْ أَذَاعَ عَلَيْنَا حَدِيثاً سَلَبَهُ اللَّهُ الْإِيمَانَ. بيان سلبه الله الإيمان أي يمنع منه لطفه فلا يبقى على الإيمان.

بحار الأنوار - ج ٧٢ - الصفحة ٨٥. — الإمام الصادق عليه السلام
ع، علل الشرائع عَنِ ابْنِ الْوَلِيدِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنِ ابْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: لَاحَانِي زُرَارَةُ بْنُ أَعْيَنَ فِي نَتْفِ الْإِبْطِ وَ حَلْقِهِ- فَقُلْتُ نَتْفُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَلْقِهِ وَ طَلْيُهُ أَفْضَلُ مِنْهُمَا جَمِيعاً- فَأَتَيْنَا بَابَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَطَلَبْنَا الْإِذْنَ عَلَيْهِ- فَقِيلَ لَنَا هُوَ فِي الْحَمَّامِ فَذَهَبْنَا إِلَى الْحَمَّامِ- فَخَرَجَ عليه السلام عَلَيْنَا وَ قَدْ اطَّلَى إِبْطَهُ- فَقُلْتُ لِزُرَارَةَ يَكْفِيكَ قَالَ

لَا لَعَلَّهُ إِنَّمَا فَعَلَهُ لِعِلَّةٍ بِهِ- فَقَالَ فِيمَا أَتَيْتُمَا- فَقُلْتُ لَاحَانِي زُرَارَةُ بْنُ أَعْيَنَ فِي نَتْفِ الْإِبْطِ وَ حَلْقِهِ- فَقُلْتُ نَتْفُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَلْقِهِ وَ طَلْيُهُ أَفْضَلُ مِنْهُمَا- فَقَالَ أَمَا إِنَّكَ أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَ أَخْطَأَهَا زُرَارَةُ- أَمَا إِنَّ نَتْفَهُ أَفْضَلُ مِنْ حَلْقِهِ وَ طَلْيَهُ أَفْضَلُ مِنْهُمَا ثُمَّ قَالَ لَنَا اطَّلِيَا فَقُلْنَا فَعَلْنَا مُنْذُ ثَلَاثٍ- فَقَالَ أَعِيدَا فَإِنَّ الِاطِّلَاءَ طَهُورٌ فَفَعَلْنَا فَقَالَ لِي تَعْلَمُ يَا ابْنَ أَبِي يَعْفُورٍ- فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ عَلِّمْنِي- فَقَالَ إِيَّاكَ وَ الِاضْطِجَاعَ فِي الْحَمَّامِ- فَإِنَّهُ يُذِيبُ شَحْمَ الْكُلْيَتَيْنِ- وَ إِيَّاكَ وَ الِاسْتِلْقَاءَ عَلَى الْقَفَا فِي الْحَمَّامِ- فَإِنَّهُ يُورِثُ الدَّاءَ الدُّبَيْلَةَ- وَ إِيَّاكَ وَ التَّمَشُّطَ فِي الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ يُورِثُ وَبَاءَ الشَّعْرِ وَ إِيَّاكَ وَ السِّوَاكَ فِي الْحَمَّامِ فَإِنَّهُ يُورِثُ وَبَاءَ الْأَسْنَانِ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْسِلَ رَأْسَكَ بِالطِّينِ فَإِنَّهُ يُسَمِّجُ الْوَجْهَ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَدْلُكَ رَأْسَكَ وَ وَجْهَكَ بِمِئْزَرٍ- فَإِنَّهُ يَذْهَبُ بِمَاءِ الْوَجْهِ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَدْلُكَ تَحْتَ قَدَمِكَ بِالْخَزَفِ فَإِنَّهُ يُورِثُ الْبَرَصَ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تَغْتَسِلَ مِنْ غُسَالَةِ الْحَمَّامِ- فَفِيهَا تَجْتَمِعُ غُسَالَةُ الْيَهُودِيِّ وَ النَّصْرَانِيِّ وَ الْمَجُوسِيِّ- وَ النَّاصِبِ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ وَ هُوَ شَرُّهُمْ- فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَخْلُقْ خَلْقاً أَنْجَسَ مِنَ الْكَلْبِ- وَ إِنَّ النَّاصِبَ لَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَنْجَسُ مِنْهُ. قَالَ الصَّدُوقُ رُوِّيتُ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ هَذَا الطِّينَ هُوَ طِينُ مِصْرَ- وَ أَنَّ هَذَا الْخَزَفَ هُوَ خَزَفُ الشَّامِ. 6- مع، معاني الأخبار عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْبَرْقِيِّ عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ قَالَ: نَظَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِلَى رَجُلٍ- قَدْ خَرَجَ مِنَ الْحَمَّامِ مَخْضُوبَ الْيَدَيْنِ- فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَ يَسُرُّكَ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ خَلَقَ يَدَيْكَ هَكَذَا- قَالَ لَا وَ اللَّهِ وَ إِنَّمَا فَعَلْتُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْكُمْ أَنَّهُ مَنْ دَخَلَ الْحَمَّامَ- فَلْيُرَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ يَعْنِي الْحِنَّاءَ- فَقَالَ لَيْسَ حَيْثُ ذَهَبْتَ- مَعْنَى ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ أَحَدُكُمْ مِنَ الْحَمَّامِ وَ قَدْ سَلِمَ- فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ شُكْراً. قَالَ سَعْدٌ وَ أَخْبَرَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ وَ رَوَاهُ نُوحُ بْنُ شُعَيْبٍ رَفَعَهُ قَالَ: فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَ.

بحار الأنوار - ج ٧٣ - الصفحة ٧١. — الإمام الصادق عليه السلام
كا، الكافي مِنَ الرَّوْضَةِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَمَّدِيِّ عَنْ أَبِي رَوْحٍ فَرَجِ بْنِ قُرَّةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام بِالْمَدِينَةِ- فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ- ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ- فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ- إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ- وَ لَمْ يَجْبُرْ كَسْرَ عَظْمٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ - أَيُّهَا النَّاسُ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَطَبٍ- وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ - وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ- وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرِ عَيْنٍ بِبَصِيرٍ- عِبَادَ اللَّهِ أَحْسِنُوا فِيمَا يَعْنِيكُمُ النَّظَرُ فِيهِ- ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَرَصَاتِ مَنْ قَدْ أَقَادَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ- كَانُوا عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ- أَهْلَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ - ثُمَّ انْظُرُوا بِمَا خَتَمَ اللَّهُ لَهُمْ بَعْدَ النَّضْرَةِ وَ السُّرُورِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ- وَ لِمَنْ صَبَرَ مِنْكُمُ الْعَاقِبَةُ فِي الْجِنَانِ وَ اللَّهِ مُخَلَّدُونَ- وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ - فَيَا عَجَباً وَ مَا لِيَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ- عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا- لَا يَقْتَفُونَ أَثَرَ نَبِيٍّ- وَ لَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ- وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَ لَا يَعِفُّونَ [يَعْفُونَ عَنْ عَيْبٍ الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا- وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا- وَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى وَثِيقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ- فَلَا يَزَالُونَ بِجَوْرٍ وَ لَمْ يَزْدَادُوا إِلَّا خَطَأً- لَا يَنَالُونَ تَقَرُّباً وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْداً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- أُنْسُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَ تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ- كُلُّ ذَلِكَ وَحْشَةً مِمَّا وَرَّثَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ- وَ نُفُوراً مِمَّا أَدَّى إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ- أَهْلُ حَسَرَاتٍ وَ كُهُوفُ شُبُهَاتٍ- وَ أَهْلُ عَشَوَاتٍ وَ ضَلَالَةٍ وَ رِيبَةٍ - مَنْ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ رَأْيِهِ فَهُوَ مَأْمُونٌ- عِنْدَ مَنْ يَجْهَلُهُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ- فَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ بِأَنْعَامٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا- وَ وَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِي مِنْ بَعْدِ قُرْبِ مَوَدَّتِهَا الْيَوْمَ- كَيْفَ يَسْتَذِلُّ بَعْدِي بَعْضُهَا بَعْضاً- وَ كَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً- الْمُتَشَتِّتِ غَداً عَنِ الْأَصْلِ النَّازِلَةِ بِالْفَرْعِ- الْمُؤَمِّلَةِ الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ آخِذٌ مِنْهُ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ الْغُصْنُ مَالَ مَعَهُ- مَعَ أَنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ سَيَجْمَعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ- كَمَا يَجْمَعُ قَزَعَ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ- ثُمَ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ - ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ سَيْلَ الْعَرِمِ- حَيْثُ بَعَثَ عَلَيْهِ فَأْرَةً فَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ- وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَضُّ طَوْدٍ- يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَةٍ- ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ - يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ- وَ يُمَكِّنُ بِهِمْ قَوْماً فِي دِيَارِ قَوْمٍ تَشْرِيداً لِبَنِي أُمَيَّةَ - وَ لِكَيْلَا يَغْتَصِبُوا مَا غَصَبُوا- يُضَعْضِعُ اللَّهُ بِهِمْ رُكْناً- وَ يَنْقُضُ بِهِمْ طَيَّ الْجَنَادِلِ مِنْ إِرَمَ وَ يَمْلَأُ مِنْهُمْ بُطْنَانَ الزَّيْتُونِ - فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ- وَ كَأَنِّي أَسْمَعُ صَهِيلَ خَيْلِهِمْ وَ طَمْطَمَةَ رِجَالِهِمْ - وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ- بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ- كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَاتَ ضَالًّا- وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُفْضِي مِنْهُمْ مَنْ دَرَجَ - وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَنْ تَابَ- وَ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شِيعَتِي بَعْدَ التَّشَتُّتِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِهَؤُلَاءِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْخِيَرَةُ- بَلْ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ وَ الْأَمْرُ جَمِيعاً- أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمُنْتَحِلِينَ لِلْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا كَثِيرٌ- وَ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ مُرِّ الْحَقِّ- وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَتَشَجَّعْ عَلَيْكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ- وَ لَمْ يَقُومَنَّ قَوِيٌّ عَلَيْكُمْ عَلَى هَضْمِ الطَّاعَةِ وَ إِزْوَائِهَا عَنْ أَهْلِهَا - لَكِنْ تِهْتُمْ كَمَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ- وَ لَعَمْرِي لَيُضَاعَفَنَّ عَلَيْكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافَ مَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدِ اسْتَكْمَلْتُمْ مِنْ بَعْدِي مُدَّةَ سُلْطَانِ بَنِي أُمَيَّةَ- لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى سُلْطَانِ الدَّاعِي إِلَى الضَّلَالَةِ- وَ أَحْيَيْتُمُ الْبَاطِلَ وَ خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ- وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ- وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ الْحَرْبِ لِرَسُولِ اللَّهِ ص وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ لَدَنَا التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ- وَ قَرُبَ الْوَعْدُ وَ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ- وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ ذُو الذَّنَبِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ- وَ لَاحَ لَكُمُ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ- فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ- سَلَكَ بِكُمْ مَنَاهِجَ الرَّسُولِ ص فَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الْعَمَى وَ الصَّمَمِ وَ الْبَكَمِ- وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ الطَّلَبِ وَ التَّعَسُّفِ- وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ - وَ لَا يُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَبَى وَ ظَلَمَ وَ اعْتَسَفَ وَ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ.

بحار الأنوار - ج ٧٤ - الصفحة ٣٤٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم

مِنَ الرَّوْضَةِ خُطْبَةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ رَوَاهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ- وَ ذَكَرَ أَنَّهُ خَطَبَ بِذِي قَارٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ- لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ عِبَادِهِ إِلَى عِبَادَتِهِ- وَ مِنْ عُهُودِ عِبَادِهِ إِلَى عُهُودِهِ- وَ مِنْ طَاعَةِ عِبَادِهِ إِلَى طَاعَتِهِ- وَ مِنْ وَلَايَةِ عِبَادِهِ إِلَى وَلَايَتِهِ- بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ دَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرَاجاً مُنِيراً- عَوْداً وَ بَدْءاً وَ عُذْراً وَ نُذْراً- بِحُكْمٍ قَدْ فَصَّلَهُ وَ تَفْصِيلٍ قَدْ أَحْكَمَهُ وَ فُرْقَانٍ قَدْ فَرَّقَهُ - وَ قُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ- وَ لِيُقِرُّوا بِهِ إِذْ جَحَدُوهُ وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ- فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ- فَأَرَاهُمْ حِلْمَهُ كَيْفَ حَلُمَ وَ أَرَاهُمْ عَفْوَهُ كَيْفَ عَفَا- وَ أَرَاهُمْ قُدْرَتَهُ كَيْفَ قَدَرَ- وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَ كَيْفَ خَلَقَ مَا خَلَقَ مِنَ الْآيَاتِ- وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ مِنَ الْعُصَاةِ بِالْمَثُلَاتِ- وَ احْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ - وَ كَيْفَ رَزَقَ وَ هَدَى وَ أَعْطَى- وَ أَرَاهُمْ حُكْمَهُ- كَيْفَ حَكَمَ وَ صَبَرَ حَتَّى يَسْمَعَ مَا يَسْمَعُ وَ يَرَى- فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُحَمَّداً ص بِذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ- لَيْسَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ- وَ لَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ لَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ رَسُولِهِ ص وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ- إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ- وَ لَا سِلْعَةٌ أَنْفَقَ بَيْعاً - وَ لَا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ- وَ لَيْسَ فِي الْعِبَادِ وَ لَا فِي الْبِلَادِ شَيْءٌ- هُوَ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَ لَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ- وَ لَيْسَ فِيهَا فَاحِشَةٌ أَنْكَرَ وَ لَا عُقُوبَةٌ أَنْكَى مِنَ الْهُدَى - عِنْدَ الضَّلَالِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ- فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ- وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ حَتَّى تَمَالَتْ بِهِمُ الْأَهْوَاءُ- وَ تَوَارَثُوا ذَلِكَ مِنَ الْآبَاءِ- وَ عَمِلُوا بِتَحْرِيفِ الْكِتَابِ كَذِباً وَ تَكْذِيباً فَبَاعُوهُ بِالْبَخْسِ وَ كَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ- وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ- لَا يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ فَحَبَّذَا ذَانِكَ الصَّاحِبَانِ- وَاهاً لَهُمَا وَ لِمَا يَعْمَلَانِ لَهُ - فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَ لَيْسُوا فِيهِمْ- وَ مَعَهُمْ وَ لَيْسُوا مَعَهُمْ- وَ ذَلِكَ لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى- وَ إِنِ اجْتَمَعَا وَ قَدِ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ- وَ افْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ- وَ قَدْ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ وَ أَمْرَ دِينِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَكْرِ وَ الْمُنْكَرِ- وَ الرِّشَا وَ الْقَتْلِ- كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَ لَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ- لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْحَقِّ إِلَّا اسْمُهُ- وَ لَمْ يَعْرِفُوا مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ يَدْخُلُ الدَّاخِلُ- لِمَا يَسْمَعُ مِنْ حِكَمِ الْقُرْآنِ- فَلَا يَطْمَئِنُّ جَالِساً حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدِّينِ- يَنْتَقِلُ مِنْ دِينِ مَلِكٍ إِلَى دِينِ مَلِكٍ- وَ مِنْ وَلَايَةِ مَلِكٍ إِلَى وَلَايَةِ مَلِكٍ- وَ مِنْ طَاعَةِ مَلِكٍ إِلَى طَاعَةِ مَلِكٍ- وَ مِنْ عُهُودِ مَلِكٍ إِلَى عُهُودِ مَلِكٍ- فَاسْتَدْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ - وَ إِنَّ كَيْدَهُ مَتِينٌ بِالْأَمَلِ وَ الرَّجَاءِ حَتَّى تَوَالَدُوا فِي الْمَعْصِيَةِ- وَ دَانُوا بِالْجَوْرِ وَ الْكِتَابِ لَمْ يَضْرِبْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ صَفْحاً ضُلَّالًا تَائِهِينَ- قَدْ دَانُوا بِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ أَدَانُوا لِغَيْرِ اللَّهِ - مَسَاجِدُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَامِرَةٌ مِنَ الضَّلَالَةِ- خَرِبَةٌ مِنَ الْهُدَى و فَقُرَّاؤُهَا وَ عُمَّارُهَا أَخَائِبُ خَلْقِ اللَّهِ وَ خَلِيقَتِهِ- مِنْ عِنْدِهِمْ جَرَتِ الضَّلَالَةُ وَ إِلَيْهِمْ تَعُودُ وَ حُضُورُ مَسَاجِدِهِمْ- وَ الْمَشْيُ إِلَيْهَا كُفْرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ إِلَّا مَنْ مَشَى إِلَيْهَا- وَ هُوَ عَارِفٌ بِضَلَالَتِهِمْ- فَصَارَتْ مَسَاجِدُهُمْ مِنْ فِعَالِهِمْ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ خَرِبَةً مِنَ الْهُدَى- عَامِرَةً مِنَ الضَّلَالَةِ- قَدْ بُدِّلَتْ سُنَّةُ اللَّهِ وَ تُعُدِّيَتْ حُدُودُهُ- وَ لَا يَدْعُونَ إِلَى الْهُدَى وَ لَا يَقْسِمُونَ الْفَيْءَ- وَ لَا يُوفُونَ بِذِمَّةٍ- يَدْعُونَ الْقَتِيلَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ شَهِيداً- قَدْ أَتَوُا اللَّهَ بِالافْتِرَاءِ وَ الْجُحُودِ- وَ اسْتَغْنَوْا بِالْجَهْلِ عَنِ الْعِلْمِ- وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةً- وَ جَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ الْعُقُوبَةَ السَّيِّئَةَ- وَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزاً عَلَيْهِ- مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً عَزِيزاً- لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ- تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ - قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا - وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ فَلَا يُلْهِيَنَّكُمُ الْأَمَلُ- وَ لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَجَلُ- فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَمَدُ أَمَلِهِمْ- وَ تَغْطِيَةُ الْآجَالِ عَنْهُمْ- حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ- وَ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ وَ تَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَ النَّقِمَةُ وَ قَدْ أَبْلَغَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْكُمْ بِالْوَعْدِ- وَ فَصَّلَ لَكُمُ الْقَوْلَ وَ عَلَّمَكُمُ السُّنَّةَ وَ شَرَعَ لَكُمُ الْمَنَاهِجَ لِيُزِيحَ الْعِلَّةَ - وَ حَثَّ عَلَى الذِّكْرِ وَ دَلَّ عَلَى النَّجَاةِ- وَ إِنَّهُ مَنِ انْتَصَحَ لِلَّهِ وَ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلًا هَدَاهُ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ - وَ وَفَّقَهُ لِلرَّشَادِ وَ سَدَّدَهُ وَ يَسَّرَهُ لِلْحُسْنَى- فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ مَحْفُوظٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ مَغْرُورٌ- فَاحْتَرِسُوا مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ- وَ اخْشَوْا مِنْهُ بِالتُّقَى- وَ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ- أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ- فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ - فَاسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ آمِنُوا بِهِ وَ عَظِّمُوا اللَّهَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ - فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَةُ اللَّهِ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ- وَ عِزَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا جَلَالُ اللَّهِ أَنْ يَذِلُّوا لَهُ وَ سَلَامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قَدْرُ اللَّهِ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ- فَلَا يُنْكِرُونَ أَنْفُسَهُمْ بَعْدَ حَدِّ الْمَعْرِفَةِ- وَ لَا يَضِلُّونَ بَعْدَ الْهُدَى- فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ وَ الْبَارِئِ مِنْ ذِي السَّقَمِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ- وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ- وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ- وَ لَنْ تَتْلُوا الْكِتَابَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي حَرَّفَهُ- وَ لَنْ تَعْرِفُوا الضَّلَالَةَ حَتَّى تَعْرِفُوا الْهُدَى- وَ لَنْ تَعْرِفُوا التَّقْوَى حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَعَدَّى- فَإِذَا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ عَرَفْتُمُ الْبِدَعَ وَ التَّكَلُّفَ- وَ رَأَيْتُمُ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ وَ التَّحْرِيفَ لِكِتَابِهِ وَ رَأَيْتُمْ كَيْفَ هَدَى اللَّهُ مَنْ هَدَى- فَلَا يُجْهِلَنَّكُمُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ عِلْمَ الْقُرْآنِ إِنَّ عِلْمَ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِعِلْمٍ مَا هُوَ إِلَّا مَنْ ذَاقَ طَعْمَهُ- فَعُلِّمَ بِالْعِلْمِ جَهْلَهُ وَ بُصِّرَ بِهِ عَمَاهُ وَ سُمِّعَ بِهِ صَمَمَهُ- وَ أَدْرَكَ بِهِ عِلْمَ مَا فَاتَ وَ حَيِيَ بِهِ بَعْدَ إِذْ مَاتَ- وَ أَثْبَتَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْحَسَنَاتِ وَ مَحَا بِهِ السَّيِّئَاتِ- وَ أَدْرَكَ بِهِ رِضْوَاناً مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَاطْلُبُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ خَاصَّةً - فَإِنَّهُمْ خَاصَّةً نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ- وَ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ وَ هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ- هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ- وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ - وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لَا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ- فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ - فَهُمْ مِنْ شَأْنِهِمْ شُهَدَاءُ بِالْحَقِّ وَ مُخْبِرٌ صَادِقٌ لَا يُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ- قَدْ خَلَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ سَابِقَةٌ- وَ مَضَى فِيهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حُكْمٌ صَادِقٌ- وَ فِي ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ فَاعْقِلُوا الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ- وَ لَا تَعْقِلُوهُ عَقْلَ رِوَايَةٍ- فَإِنَّ رُوَاةَ الْكِتَابِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ .

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٧٤ - الصفحة ٣٦٥. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
كا، الكافي مِنَ الرَّوْضَةِ خُطْبَةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَالَ

خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ رَوَاهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ- وَ ذَكَرَ أَنَّهُ خَطَبَ بِذِي قَارٍ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً ص بِالْحَقِّ- لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ عِبَادِهِ إِلَى عِبَادَتِهِ- وَ مِنْ عُهُودِ عِبَادِهِ إِلَى عُهُودِهِ- وَ مِنْ طَاعَةِ عِبَادِهِ إِلَى طَاعَتِهِ- وَ مِنْ وَلَايَةِ عِبَادِهِ إِلَى وَلَايَتِهِ- بَشِيراً وَ نَذِيراً وَ دَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرَاجاً مُنِيراً- عَوْداً وَ بَدْءاً وَ عُذْراً وَ نُذْراً- بِحُكْمٍ قَدْ فَصَّلَهُ وَ تَفْصِيلٍ قَدْ أَحْكَمَهُ وَ فُرْقَانٍ قَدْ فَرَّقَهُ - وَ قُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ- وَ لِيُقِرُّوا بِهِ إِذْ جَحَدُوهُ وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ- فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ- فَأَرَاهُمْ حِلْمَهُ كَيْفَ حَلُمَ وَ أَرَاهُمْ عَفْوَهُ كَيْفَ عَفَا- وَ أَرَاهُمْ قُدْرَتَهُ كَيْفَ قَدَرَ- وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَ كَيْفَ خَلَقَ مَا خَلَقَ مِنَ الْآيَاتِ- وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ مِنَ الْعُصَاةِ بِالْمَثُلَاتِ- وَ احْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ - وَ كَيْفَ رَزَقَ وَ هَدَى وَ أَعْطَى- وَ أَرَاهُمْ حُكْمَهُ- كَيْفَ حَكَمَ وَ صَبَرَ حَتَّى يَسْمَعَ مَا يَسْمَعُ وَ يَرَى- فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُحَمَّداً ص بِذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ- لَيْسَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ- وَ لَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ- وَ لَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ رَسُولِهِ ص وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ- إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ- وَ لَا سِلْعَةٌ أَنْفَقَ بَيْعاً - وَ لَا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ- وَ لَيْسَ فِي الْعِبَادِ وَ لَا فِي الْبِلَادِ شَيْءٌ- هُوَ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَ لَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ- وَ لَيْسَ فِيهَا فَاحِشَةٌ أَنْكَرَ وَ لَا عُقُوبَةٌ أَنْكَى مِنَ الْهُدَى - عِنْدَ الضَّلَالِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ- فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ- وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ حَتَّى تَمَالَتْ بِهِمُ الْأَهْوَاءُ- وَ تَوَارَثُوا ذَلِكَ مِنَ الْآبَاءِ- وَ عَمِلُوا بِتَحْرِيفِ الْكِتَابِ كَذِباً وَ تَكْذِيباً فَبَاعُوهُ بِالْبَخْسِ وَ كَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ- وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ- لَا يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ فَحَبَّذَا ذَانِكَ الصَّاحِبَانِ- وَاهاً لَهُمَا وَ لِمَا يَعْمَلَانِ لَهُ - فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَ لَيْسُوا فِيهِمْ- وَ مَعَهُمْ وَ لَيْسُوا مَعَهُمْ- وَ ذَلِكَ لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى- وَ إِنِ اجْتَمَعَا وَ قَدِ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ- وَ افْتَرَقُوا عَلَى الْجَمَاعَةِ- وَ قَدْ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ وَ أَمْرَ دِينِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَكْرِ وَ الْمُنْكَرِ- وَ الرِّشَا وَ الْقَتْلِ- كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَ لَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ- لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْحَقِّ إِلَّا اسْمُهُ- وَ لَمْ يَعْرِفُوا مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ يَدْخُلُ الدَّاخِلُ- لِمَا يَسْمَعُ مِنْ حِكَمِ الْقُرْآنِ- فَلَا يَطْمَئِنُّ جَالِساً حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدِّينِ- يَنْتَقِلُ مِنْ دِينِ مَلِكٍ إِلَى دِينِ مَلِكٍ- وَ مِنْ وَلَايَةِ مَلِكٍ إِلَى وَلَايَةِ مَلِكٍ- وَ مِنْ طَاعَةِ مَلِكٍ إِلَى طَاعَةِ مَلِكٍ- وَ مِنْ عُهُودِ مَلِكٍ إِلَى عُهُودِ مَلِكٍ- فَاسْتَدْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ - وَ إِنَّ كَيْدَهُ مَتِينٌ بِالْأَمَلِ وَ الرَّجَاءِ حَتَّى تَوَالَدُوا فِي الْمَعْصِيَةِ- وَ دَانُوا بِالْجَوْرِ وَ الْكِتَابِ لَمْ يَضْرِبْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ صَفْحاً ضُلَّالًا تَائِهِينَ- قَدْ دَانُوا بِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ أَدَانُوا لِغَيْرِ اللَّهِ - مَسَاجِدُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَامِرَةٌ مِنَ الضَّلَالَةِ- خَرِبَةٌ مِنَ الْهُدَى و فَقُرَّاؤُهَا وَ عُمَّارُهَا أَخَائِبُ خَلْقِ اللَّهِ وَ خَلِيقَتِهِ- مِنْ عِنْدِهِمْ جَرَتِ الضَّلَالَةُ وَ إِلَيْهِمْ تَعُودُ وَ حُضُورُ مَسَاجِدِهِمْ- وَ الْمَشْيُ إِلَيْهَا كُفْرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ إِلَّا مَنْ مَشَى إِلَيْهَا- وَ هُوَ عَارِفٌ بِضَلَالَتِهِمْ- فَصَارَتْ مَسَاجِدُهُمْ مِنْ فِعَالِهِمْ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ خَرِبَةً مِنَ الْهُدَى- عَامِرَةً مِنَ الضَّلَالَةِ- قَدْ بُدِّلَتْ سُنَّةُ اللَّهِ وَ تُعُدِّيَتْ حُدُودُهُ- وَ لَا يَدْعُونَ إِلَى الْهُدَى وَ لَا يَقْسِمُونَ الْفَيْءَ- وَ لَا يُوفُونَ بِذِمَّةٍ- يَدْعُونَ الْقَتِيلَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ شَهِيداً- قَدْ أَتَوُا اللَّهَ بِالافْتِرَاءِ وَ الْجُحُودِ- وَ اسْتَغْنَوْا بِالْجَهْلِ عَنِ الْعِلْمِ- وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةً- وَ جَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ الْعُقُوبَةَ السَّيِّئَةَ- وَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزاً عَلَيْهِ- مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً عَزِيزاً- لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ- تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ - قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا - وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ فَلَا يُلْهِيَنَّكُمُ الْأَمَلُ- وَ لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَجَلُ- فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَمَدُ أَمَلِهِمْ- وَ تَغْطِيَةُ الْآجَالِ عَنْهُمْ- حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ- وَ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ وَ تَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَ النَّقِمَةُ وَ قَدْ أَبْلَغَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْكُمْ بِالْوَعْدِ- وَ فَصَّلَ لَكُمُ الْقَوْلَ وَ عَلَّمَكُمُ السُّنَّةَ وَ شَرَعَ لَكُمُ الْمَنَاهِجَ لِيُزِيحَ الْعِلَّةَ - وَ حَثَّ عَلَى الذِّكْرِ وَ دَلَّ عَلَى النَّجَاةِ- وَ إِنَّهُ مَنِ انْتَصَحَ لِلَّهِ وَ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلًا هَدَاهُ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ - وَ وَفَّقَهُ لِلرَّشَادِ وَ سَدَّدَهُ وَ يَسَّرَهُ لِلْحُسْنَى- فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ مَحْفُوظٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ مَغْرُورٌ- فَاحْتَرِسُوا مِنَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ- وَ اخْشَوْا مِنْهُ بِالتُّقَى- وَ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ- أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ- فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ - فَاسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ آمِنُوا بِهِ وَ عَظِّمُوا اللَّهَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ - فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَةُ اللَّهِ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ- وَ عِزَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا جَلَالُ اللَّهِ أَنْ يَذِلُّوا لَهُ وَ سَلَامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قَدْرُ اللَّهِ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ- فَلَا يُنْكِرُونَ أَنْفُسَهُمْ بَعْدَ حَدِّ الْمَعْرِفَةِ- وَ لَا يَضِلُّونَ بَعْدَ الْهُدَى- فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ وَ الْبَارِئِ مِنْ ذِي السَّقَمِ- وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ- وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ- وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ- وَ لَنْ تَتْلُوا الْكِتَابَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي حَرَّفَهُ- وَ لَنْ تَعْرِفُوا الضَّلَالَةَ حَتَّى تَعْرِفُوا الْهُدَى- وَ لَنْ تَعْرِفُوا التَّقْوَى حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَعَدَّى- فَإِذَا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ عَرَفْتُمُ الْبِدَعَ وَ التَّكَلُّفَ- وَ رَأَيْتُمُ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ وَ التَّحْرِيفَ لِكِتَابِهِ وَ رَأَيْتُمْ كَيْفَ هَدَى اللَّهُ مَنْ هَدَى- فَلَا يُجْهِلَنَّكُمُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ عِلْمَ الْقُرْآنِ إِنَّ عِلْمَ الْقُرْآنِ لَيْسَ بِعِلْمٍ مَا هُوَ إِلَّا مَنْ ذَاقَ طَعْمَهُ- فَعُلِّمَ بِالْعِلْمِ جَهْلَهُ وَ بُصِّرَ بِهِ عَمَاهُ وَ سُمِّعَ بِهِ صَمَمَهُ- وَ أَدْرَكَ بِهِ عِلْمَ مَا فَاتَ وَ حَيِيَ بِهِ بَعْدَ إِذْ مَاتَ- وَ أَثْبَتَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْحَسَنَاتِ وَ مَحَا بِهِ السَّيِّئَاتِ- وَ أَدْرَكَ بِهِ رِضْوَاناً مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى فَاطْلُبُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ خَاصَّةً - فَإِنَّهُمْ خَاصَّةً نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ- وَ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ وَ هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ- هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ- وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ - وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لَا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ- فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ - فَهُمْ مِنْ شَأْنِهِمْ شُهَدَاءُ بِالْحَقِّ وَ مُخْبِرٌ صَادِقٌ لَا يُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ- قَدْ خَلَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ سَابِقَةٌ- وَ مَضَى فِيهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حُكْمٌ صَادِقٌ- وَ فِي ذَلِكَ ذِكْرى لِلذَّاكِرِينَ فَاعْقِلُوا الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ- وَ لَا تَعْقِلُوهُ عَقْلَ رِوَايَةٍ- فَإِنَّ رُوَاةَ الْكِتَابِ كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ- وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ.

بحار الأنوار - ج ٧٤ - الصفحة ٣٦٥. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
أَقُولُ رَوَى الشَّهِيدُ الثَّانِي (رحمه الله) بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ قُولَوَيْهِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُلَيْمَانَ النَّوْفَلِيِّ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ عليه السلام قَالَ

فَإِذَا بِمَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ النَّجَاشِيِّ قَدْ وَرَدَ عَلَيْهِ فَسَلَّمَ- وَ أَوْصَلَ إِلَيْهِ كِتَابَهُ فَفَضَّهُ- وَ قَرَأَهُ فَإِذَا أَوَّلُ سَطْرٍ فِيهِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ - أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَ سَيِّدِي وَ جَعَلَنِي مِنْ كُلِّ سُوءٍ فِدَاءَهُ- وَ لَا أَرَانِي فِيهِ مَكْرُوهاً فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ وَ الْقَادِرُ عَلَيْهِ- اعْلَمْ سَيِّدِي وَ مَوْلَايَ إِنِّي بُلِيتُ بِوِلَايَةِ الْأَهْوَازِ- فَإِنْ رَأَى سَيِّدِي أَنْ يَحُدَّ لِيَ حَدّاً أَوْ يُمَثِّلَ لِي مَثَلًا- لِأَسْتَدِلَّ بِهِ عَلَى مَا يُقَرِّبُنِي إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِلَى رَسُولِهِ وَ يُلَخِّصَ فِي كِتَابِهِ مَا يَرَى لِيَ الْعَمَلَ بِهِ- وَ فِيمَا بَذْلُهُ وَ أَبْتَذِلُهُ وَ أَيْنَ أَضَعُ زَكَاتِي- وَ فِيمَنْ أَصْرِفُهَا وَ بِمَنْ آنَسُ وَ إِلَى مَنْ أَسْتَرِيحُ- وَ مَنْ أَثِقُ وَ آمَنُ وَ أَلْجَأُ إِلَيْهِ فِي سِرِّي- فَعَسَى أَنْ يُخَلِّصَنِي اللَّهُ بِهِدَايَتِكَ وَ دَلَالَتِكَ- فَإِنَّكَ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ- وَ أَمِينُهُ فِي بِلَادِهِ لَا زَالَتْ نِعْمَتُهُ عَلَيْكَ- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ فَأَجَابَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ جَامَلَكَ اللَّهُ بِصُنْعِهِ- وَ لَطَفَ بِكَ بِمَنِّهِ وَ كَلَأَكَ بِرِعَايَتِهِ- فَإِنَّهُ وَلِيُّ ذَلِكَ- أَمَّا بَعْدُ فَقَدْ جَاءَ إِلَيَّ رَسُولُكَ بِكِتَابِكَ فَقَرَأْتُهُ- وَ فَهِمْتُ جَمِيعَ مَا ذَكَرْتَهُ وَ سَأَلْتَ عَنْهُ- وَ زَعَمْتَ أَنَّكَ بُلِيتَ بِوِلَايَةِ الْأَهْوَازِ فَسَرَّنِي ذَلِكَ وَ سَاءَنِي- وَ سَأُخْبِرُكَ بِمَا سَاءَنِي مِنْ ذَلِكَ- وَ مَا سَرَّنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَأَمَّا سُرُورِي بِوِلَايَتِكَ- فَقُلْتُ عَسَى أَنْ يُغِيثَ اللَّهُ بِكَ- مَلْهُوفاً خَائِفاً مِنْ أَوْلِيَاءِ آلِ مُحَمَّدٍ ص وَ يُعِزَّ بِكَ ذَلِيلَهُمْ وَ يَكْسُوَ بِكَ عَارِيَهُمْ- وَ يُقَوِّيَ بِكَ ضَعِيفَهُمْ وَ يُطْفِئَ بِكَ نَارَ الْمُخَالِفِينَ عَنْهُمْ- وَ أَمَّا الَّذِي سَاءَنِي مِنْ ذَلِكَ- فَإِنَّ أَدْنَى مَا أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تَعْثُرَ بِوَلِيٍّ لَنَا- فَلَا تَشَمَّ حَظِيرَةَ الْقُدْسِ- فَإِنِّي مُلَخِّصٌ لَكَ جَمِيعَ مَا سَأَلْتَ عَنْهُ إِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بِهِ- وَ لَمْ تُجَاوِزْهُ رَجَوْتُ أَنْ تَسْلَمَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَخْبَرَنِي يَا عَبْدَ اللَّهِ أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ص أَنَّهُ قَالَ مَنِ اسْتَشَارَهُ أَخُوهُ الْمُؤْمِنُ- فَلَمْ يَمْحَضْهُ النَّصِيحَةَ سَلَبَهُ اللَّهُ لُبَّهُ- وَ اعْلَمْ أَنِّي سَأُشِيرُ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ- إِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بِهِ تَخَلَّصْتَ مِمَّا أَنْتَ مُتَخَوِّفُهُ- وَ اعْلَمْ أَنَّ خَلَاصَكَ وَ نَجَاتَكَ مِنْ حَقْنِ الدِّمَاءِ- وَ كَفِّ الْأَذَى مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَ الرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ وَ التَّأَنِّي- وَ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ لِينٍ فِي غَيْرِ ضَعْفٍ- وَ شِدَّةٍ فِي غَيْرِ عُنْفٍ- وَ مُدَارَاةِ صَاحِبِكَ وَ مَنْ يَرِدُ عَلَيْكَ مِنْ رُسُلِهِ- وَ ارْتُقْ فَتْقَ رَعِيَّتِكَ بِأَنْ تُوَفِّقَهُمْ- عَلَى مَا وَافَقَ الْحَقَّ وَ الْعَدْلَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- إِيَّاكَ وَ السُّعَاةَ وَ أَهْلَ النَّمَائِمِ فَلَا يَلْتَزِقَنَّ مِنْهُمْ بِكَ أَحَدٌ- وَ لَا يَرَاكَ اللَّهُ يَوْماً وَ لَيْلَةً- وَ أَنْتَ تَقْبَلُ مِنْهُمْ صَرْفاً وَ لَا عَدْلًا- فَيَسْخَطَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَ يَهْتِكَ سِتْرَكَ- وَ احْذَرْ مَكْرَ خُوزِ الْأَهْوَازِ فَإِنَّ أَبِي أَخْبَرَنِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ الْإِيمَانُ لَا يَثْبُتُ فِي قَلْبِ يَهُودِيٍّ وَ لَا خُوزِيٍّ أَبَداً- فَأَمَّا مَنْ تَأْنَسُ بِهِ تَسْتَرِيحُ إِلَيْهِ وَ تُلْجِئُ أُمُورَكَ إِلَيْهِ فَذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُمْتَحَنُ الْمُسْتَبْصِرُ- الْأَمِينُ الْمُوَافِقُ لَكَ عَلَى دِينِكَ- وَ مَيِّزْ أَعْوَانَكَ وَ جَرِّبِ الْفَرِيقَيْنِ - فَإِنْ رَأَيْتَ هُنَالِكَ رُشْداً فَشَأْنَكَ وَ إِيَّاهُ- وَ إِيَّاكَ أَنْ تُعْطِيَ دِرْهَماً أَوْ تَخْلَعَ ثَوْباً- أَوْ تَحْمِلَ عَلَى دَابَّةٍ فِي غَيْرِ ذَاتِ اللَّهِ لِشَاعِرٍ- أَوْ مُضْحِكٍ أَوْ مُتَمَزِّحٍ إِلَّا أَعْطَيْتَ مِثْلَهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ- وَ لْتَكُنْ جَوَائِزُكَ وَ عَطَايَاكَ- وَ خِلَعُكَ لِلْقُوَّادِ وَ الرُّسُلِ وَ الْأَجْنَادِ - وَ أَصْحَابِ الرَّسَائِلِ وَ أَصْحَابِ الشُّرَطِ وَ الْأَخْمَاسِ- وَ مَا أَرَدْتَ تَصْرِفُهُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ- وَ النَّجَاحِ الْعِتْقِ وَ الصَّدَقَةِ وَ الْحَجِّ وَ الْمَشْرَبِ- وَ الْكِسْوَةِ الَّتِي تُصَلِّي فِيهَا وَ تَصِلُ بِهَا وَ الْهَدِيَّةِ- الَّتِي تُهْدِيهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِلَى رَسُولِهِ ص مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِكَ- يَا عَبْدَ اللَّهِ اجْهَدْ أَنْ لَا تَكْنِزَ ذَهَباً وَ لَا فِضَّةً فَتَكُونَ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الْآيَةِ الَّتِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ- وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ - وَ لَا تَسْتَصْغِرَنَّ مِنْ حُلْوٍ أَوْ فَضْلِ طَعَامٍ تَصْرِفُهُ فِي بُطُونٍ خَالِيَةً- لِتُسَكِّنَ بِهَا غَضَبَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى- وَ اعْلَمْ أَنِّي سَمِعْتُ مِنْ أَبِي يُحَدِّثُ مِنْ آبَائِهِ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ص يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ يَوْماً- مَا آمَنَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ مَنْ بَاتَ شَبْعَانَ وَ جَارُهُ جَائِعٌ- فَقُلْنَا هَلَكْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ- مِنْ فَضْلِ طَعَامِكُمْ وَ مِنْ فَضْلِ تَمْرِكُمْ- وَ رِزْقِكُمْ وَ خَلَقِكُمْ وَ خِرَقِكُمْ تُطْفِئُونَ بِهَا غَضَبَ الرَّبِ - وَ سَأُنَبِّئُكَ بِهَوَانِ الدُّنْيَا- وَ هَوَانِ شَرَفِهَا عَلَى مَا مَضَى مِنَ السَّلَفِ وَ التَّابِعِينَ- فَقَدْ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ عليه السلام لَمَّا تَجَهَّزَ الْحُسَيْنُ عليه السلام إِلَى الْكُوفَةِ أَتَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ- فَنَاشَدَهُ اللَّهَ وَ الرَّحِمَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَقْتُولَ بِالطَّفِّ فَقَالَ- أَنَا أَعْرَفُ بِمَصْرَعِي مِنْكَ- وَ مَا وَكْدِي مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا فِرَاقَهَا - أَ لَا أُخْبِرُكَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ بِحَدِيثِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَ الدُّنْيَا- فَقَالَ لَهُ بَلَى لَعَمْرِي إِنِّي لَأُحِبُّ أَنْ تُحَدِّثَنِي بِأَمْرِهَا- فَقَالَ أَبِي فَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عليه السلام سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحُسَيْنِ عليه السلام يَقُولُ- حَدَّثَنِي أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَالَ- إِنِّي كُنْتُ بِفَدَكَ فِي بَعْضِ حِيطَانِهَا- وَ قَدْ صَارَتْ لِفَاطِمَةَ عليها السلام قَالَ فَإِذَا أَنَا بِامْرَأَةٍ قَدْ هَجَمَتْ عَلَيَّ- وَ فِي يَدِي مِسْحَاةٌ وَ أَنَا أَعْمَلُ بِهَا- فَلَمَّا نَظَرْتُ إِلَيْهَا طَارَ قَلْبِي مِمَّا تَدَاخَلَنِي مِنْ جَمَالِهَا- فَشَبَّهْتُهَا بِبُثَيْنَةَ بِنْتِ عَامِرٍ الْجُمَحِيِّ- وَ كَانَتْ مِنْ أَجْمَلِ نِسَاءِ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ يَا ابْنَ أَبِي طَالِبٍ- هَلْ لَكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ بِي فَأُغْنِيَكَ عَنْ هَذِهِ الْمِسْحَاةِ- وَ أَدُلَّكَ عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ- فَيَكُونَ لَكَ الْمُلْكُ مَا بَقِيتَ وَ لِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ- فَقَالَ لَهَا مَنْ أَنْتِ حَتَّى أَخْطُبَكِ مِنْ أَهْلِكِ فَقَالَتْ- أَنَا الدُّنْيَا قَالَ لَهَا فَارْجِعِي- وَ اطْلُبِي زَوْجاً غَيْرِي فَلَسْتِ مِنْ شَأْنِي وَ أَقْبَلْتُ عَلَى مِسْحَاتِي وَ أَنْشَأَتُ أَقُولُ- لَقَدْ خَابَ مَنْ غَرَّتْهُ دُنْيَا دَنِيَّةٌ* * * -وَ مَا هِيَ إِنْ غَرَّتْ قُرُوناً بِنَائِلٍ- أَتَتْنَا عَلَى زِيِّ الْعَزِيزِ بُثَيْنَةَ* * * -وَ زِينَتُهَا فِي مِثْلِ تِلْكَ الشَّمَائِلِ- فَقُلْتُ لَهَا غُرِّي سِوَايَ فَإِنَّنِي* * * -عَزُوفٌ عَنِ الدُّنْيَا فَلَسْتُ بِجَاهِلٍ- وَ مَا أَنَا وَ الدُّنْيَا فَإِنَّ مُحَمَّداً* * * -أَحَلَّ صَرِيعاً بَيْنَ تِلْكَ الْجَنَادِلِ - وَ هَبْهَا أَتَتْنَا بِالْكُنُوزِ وَ دُرِّهَا* * * -وَ أَمْوَالِ قَارُونَ وَ مُلْكِ القَبَائِلِ- أَ لَيْسَ جَمِيعاً لِلْفَنَاءِ مَصِيرُنَا* * * -وَ يُطْلَبُ مِنْ خُزَّانِهَا بِالطَّوَائِلِ - فَغُرِّي سِوَايَ إِنَّنِي غَيْرُ رَاغِبٍ* * * -بِمَا فِيكِ مِنْ مُلْكٍ وَ عِزٍّ وَ نَائِلٍ- فَقَدْ قَنِعَتْ نَفْسِي بِمَا قَدْ رُزِقْتُهُ* * * -فَشَأْنَكَ يَا دُنْيَا وَ أَهْلَ الْغَوَائِلِ- فَإِنِّي أَخَافُ اللَّهَ يَوْمَ لِقَائِهِ* * * -وَ أَخْشَى عَذَاباً دَائِماً غَيْرَ زَائِلٍ - فَخَرَجَ مِنَ الدُّنْيَا وَ لَيْسَ فِي عُنُقِهِ- تَبِعَةٌ لِأَحَدٍ حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ مَحْمُوداً غَيْرَ مَلُومٍ وَ لَا مَذْمُومٍ- ثُمَّ اقْتَدَتْ بِهِ الْأَئِمَّةُ مِنْ بَعْدِهِ- بِمَا قَدْ بَلَغَكُمْ لَمْ يَتَلَطَّخُوا بِشَيْءٍ مِنْ بَوَائِقِهَا- (صلوات اللّه عليهم أَجْمَعِينَ) وَ أَحْسَنَ مَثْوَاهُمْ: وَ قَدْ وَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِمَكَارِمِ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ- وَ عَنِ الصَّادِقِ الْمُصَدَّقِ رَسُولِ اللَّهِ- فَإِنْ أَنْتَ عَمِلْتَ بِمَا نَصَحْتُ لَكَ فِي كِتَابِي هَذَا- ثُمَّ كَانَتْ عَلَيْكَ مِنَ الذُّنُوبِ وَ الْخَطَايَا- كَمِثْلِ أَوْزَانِ الْجِبَالِ وَ أَمْوَاجِ الْبِحَارِ- رَجَوْتُ اللَّهَ أَنْ يَتَجَافَى عَنْكَ جَلَّ وَ عَزَّ بِقُدْرَتِهِ- يَا عَبْدَ اللَّهِ إِيَّاكَ أَنْ تُخِيفَ مُؤْمِناً فَإِنَّ أَبِي مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ حَدَّثَنِي عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ نَظَرَ إِلَى مُؤْمِنٍ نَظْرَةً لِيُخِيفَهُ بِهَا أَخَافَهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ- وَ حَشَرَهُ فِي صُورَةِ الذَّرِّ لَحْمَهُ وَ جَسَدَهُ- وَ جَمِيعَ أَعْضَائِهِ حَتَّى يُورِدَهُ مَوْرِدَهُ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ مَنْ أَغَاثَ لَهْفَاناً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَغَاثَهُ اللَّهُ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ- وَ آمَنَهُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَ آمَنَهُ عَنْ سُوءِ الْمُنْقَلَبِ- وَ مَنْ قَضَى لِأَخِيهِ الْمُؤْمِنِ حَاجَةً- قَضَى اللَّهُ لَهُ حَوَائِجَ كَثِيرَةً إِحْدَاهَا الْجَنَّةُ- وَ مَنْ كَسَا أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عُرْيٍ- كَسَاهُ اللَّهُ مِنْ سُنْدُسِ الْجَنَّةِ وَ إِسْتَبْرَقِهَا وَ حَرِيرِهَا- وَ لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي رِضْوَانِ اللَّهِ- مَا دَامَ عَلَى الْمَكْسُوِّ مِنْهَا سِلْكٌ- وَ مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ مِنْ جُوعٍ أَطْعَمَهُ اللَّهُ مِنْ طَيِّبَاتِ الْجَنَّةِ- وَ مَنْ سَقَاهُ مِنْ ظَمَإٍ سَقَاهُ اللَّهُ مِنَ الرَّحِيقِ الْمَخْتُومِ رَيَّةً- وَ مَنْ أَخْدَمَ أَخَاهُ أَخْدَمَهُ اللَّهُ مِنَ الْوِلْدَانِ الْمُخَلَّدِينَ- وَ أَسْكَنَهُ مَعَ أَوْلِيَائِهِ الطَّاهِرِينَ- وَ مَنْ حَمَلَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ رَحْلِهِ- حَمَلَهُ اللَّهُ عَلَى نَاقَةٍ مِنْ نُوقِ الْجَنَّةِ- وَ بَاهَى بِهِ الْمَلَائِكَةَ الْمُقَرَّبِينَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ مَنْ زَوَّجَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ امْرَأَةً يَأْنَسُ بِهَا- وَ يَشُدُّ عَضُدَهُ وَ يَسْتَرِيحُ إِلَيْهَا زَوَّجَهُ اللَّهُ مِنَ الْحُورِ الْعِينِ- وَ آنَسَهُ بِمَنْ أَحَبَّ مِنَ الصِّدِّيقِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّهِ- وَ إِخْوَانِهِ وَ آنَسَهُمْ بِهِ- وَ مَنْ أَعَانَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ عَلَى سُلْطَانٍ جَائِرٍ- أَعَانَهُ اللَّهُ عَلَى إِجَازَةِ الصِّرَاطِ عِنْدَ زَلْزَلَةِ الْأَقْدَامِ- وَ مَنْ زَارَ أَخَاهُ الْمُؤْمِنَ إِلَى مَنْزِلِهِ- لَا لِحَاجَةٍ مِنْهُ إِلَيْهِ كُتِبَ مِنْ زُوَّارِ اللَّهِ- وَ كَانَ حَقِيقاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ص يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ يَوْماً- مَعَاشِرَ النَّاسِ إِنَّهُ لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ- وَ لَمْ يُؤْمِنْ بِقَلْبِهِ فَلَا تَتَّبَّعُوا عَثَرَاتِ الْمُؤْمِنِينَ- فَإِنَّهُ مَنِ اتَّبَّعَ عَثْرَةَ مُؤْمِنٍ اتَّبَّعَ اللَّهُ عَثَرَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَ فَضَحَهُ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يُصَدَّقَ فِي مَقَالَتِهِ- وَ لَا يَنْتَصِفَ مِنْ عَدُوِّهِ- وَ عَلَى أَنْ لَا يَشْفِيَ غَيْظَهُ إِلَّا بِفَضِيحَةِ نَفْسِهِ- لِأَنَّ كُلَّ مُؤْمِنٍ مُلْجَمٌ وَ ذَلِكَ لِغَايَةٍ قَصِيرَةٍ وَ رَاحَةٍ طَوِيلَةٍ- أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْمُؤْمِنِ عَلَى أَشْيَاءَ- أَيْسَرُهَا عَلَيْهِ مُؤْمِنٌ مِثْلُهُ يَقُولُ بِمَقَالَتِهِ- يَبْغِيهِ وَ يَحْسُدُهُ وَ الشَّيْطَانُ يُغْوِيهِ وَ يَمْقُتُهُ- وَ السُّلْطَانُ يَقْفُو أَثَرَهُ وَ يَتَّبَّعُ عَثَرَاتِهِ- وَ كَافِرٌ بِالَّذِي هُوَ مُؤْمِنٌ بِهِ يَرَى سَفْكَ دَمِهِ دِيناً- وَ إِبَاحَةَ حَرِيمِهِ غُنْماً فَمَا بَقَاءُ الْمُؤْمِنِ بَعْدَ هَذَا يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ نَزَلَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ اللَّهَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ- وَ يَقُولُ اشْتَقَقْتُ لِلْمُؤْمِنِ اسْماً مِنْ أَسْمَائِي سَمَّيْتُهُ مُؤْمِناً- فَالْمُؤْمِنُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ- مَنِ اسْتَهَانَ بِمُؤْمِنٍ فَقَدِ اسْتَقْبَلَنِي بِالْمُحَارَبَةِ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عليهم السلام عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ قَالَ يَوْماً يَا عَلِيُّ لَا تُنَاظِرْ رَجُلًا حَتَّى تَنْظُرَ فِي سَرِيرَتِهِ- فَإِنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ حَسَنَةً- فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَمْ يَكُنْ لِيَخْذُلَ وَلِيَّهُ- وَ إِنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ رَدِيَّةً فَقَدْ يَكْفِيهِ مَسَاوِيهِ- فَلَوْ جَهَدْتَ أَنْ تَعْمَلَ بِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عَمِلَهُ- مِنْ مَعَاصِي اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ مَا قَدَرْتَ عَلَيْهِ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام عَنِ النَّبِيِّ ص قَالَ أَدْنَى الْكُفْرِ أَنْ يَسْمَعَ الرَّجُلُ عَنْ أَخِيهِ الْكَلِمَةَ- فَيَحْفَظَهَا عَلَيْهِ يُرِيدُ أَنْ يَفْضَحَهُ بِهَا- أُولئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ مَنْ قَالَ فِي مُؤْمِنٍ مَا رَأَتْ عَيْنَاهُ- وَ سَمِعَتْ أُذُنَاهُ مَا يَشِينُهُ وَ يَهْدِمُ مُرُوَّتَهُ- فَهُوَ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ- فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ يَا عَبْدَ اللَّهِ وَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ آبَائِهِ عَنْ عَلِيٍّ عليه السلام أَنَّهُ قَالَ مَنْ رَوَى عَنْ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ رِوَايَةً يُرِيدُ بِهَا هَدْمَ مُرُوَّتِهِ- وَ ثَلْبَهُ أَوْبَقَهُ اللَّهُ بِخَطِيئَتِهِ - حَتَّى يَأْتِيَ بِمَخْرَجٍ مِمَّا قَالَ- وَ لَنْ يَأْتِيَ بِالْمَخْرَجِ مِنْهُ أَبَداً- وَ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ سُرُوراً- فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ عليهم السلام سُرُوراً- وَ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ سُرُوراً- فَقَدْ أَدْخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص سُرُوراً- وَ مَنْ أَدْخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ص سُرُوراً فَقَدْ سَرَّ اللَّهَ- وَ مَنْ سَرَّ اللَّهَ فَحَقِيقٌ عَلَيْهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ حِينَئِذٍ- ثُمَّ إِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ إِيثَارِ طَاعَتِهِ- وَ الِاعْتِصَامِ بِحَبْلِهِ فَإِنَّهُ مَنِ اعْتَصَمَ بِحَبْلِ اللَّهِ- فَقَدْ هُدِيَ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ - فَاتَّقِ اللَّهَ وَ لَا تُؤْثِرْ أَحَداً عَلَى رِضَاهُ وَ هَوَاهُ- فَإِنَّهُ وَصِيَّةُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَى خَلْقِهِ- لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ غَيْرَهَا وَ لَا يُعَظِّمُ سِوَاهَا- وَ اعْلَمْ أَنَّ الْخَلَائِقَ لَمْ يُوَكَّلُوا بِشَيْءٍ أَعْظَمَ مِنَ التَّقْوَى- فَإِنَّهُ وَصِيَّتُنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَنَالَ مِنَ الدُّنْيَا شَيْئاً تُسْأَلُ عَنْهُ غَداً فَافْعَلْ- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ- فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الصَّادِقِ عليه السلام إِلَى النَّجَاشِيِّ نَظَرَ فِيهِ- فَقَالَ صَدَقَ وَ اللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ مَوْلَايَ- فَمَا عَمِلَ أَحَدٌ بِمَا فِي هَذَا الْكِتَابِ إِلَّا نَجَا- فَلَمْ يَزَلْ عَبْدُ اللَّهِ يَعْمَلُ بِهِ فِي أَيَّامِ حَيَاتِهِ.

بحار الأنوار - ج ٧٥ - الصفحة ٢٧١. — الإمام الصادق عليه السلام
ف، تحف العقول قَالَ عليه السلام

لَا تُمَارِ فَيَذْهَبَ بَهَاؤُكَ وَ لَا تُمَازِحْ فَيُجْتَرَأَ عَلَيْكَ. وَ قَالَ عليه السلام مَنْ رَضِيَ بِدُونِ الشَّرَفِ مِنَ الْمَجْلِسِ- لَمْ يَزَلِ اللَّهُ وَ مَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ. وَ كَتَبَ عليه السلام إِلَى رَجُلٍ سَأَلَهُ دَلِيلًا- مَنْ سَأَلَ آيَةً أَوْ بُرْهَاناً فَأُعْطِيَ مَا سَأَلَ- ثُمَّ رَجَعَ عَمَّنْ طَلَبَ مِنْهُ الْآيَةَ عُذِّبَ ضِعْفَ الْعَذَابِ وَ مَنْ صَبَرَ أُعْطِيَ التَّأْيِيدَ مِنَ اللَّهِ- وَ النَّاسُ مَجْبُولُونَ عَلَى حِيلَةِ إِيثَارِ الْكُتُبِ الْمُنَشَّرَةِ- نَسْأَلُ اللَّهَ السَّدَادَ فَإِنَّمَا هُوَ التَّسْلِيمُ- أَوِ الْعَطَبُ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ - وَ كَتَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ شِيعَتِهِ يُعَرِّفُهُ اخْتِلَافَ الشِّيعَةِ- فَكَتَبَ عليه السلام إِنَّمَا خَاطَبَ اللَّهُ الْعَاقِلَ- وَ النَّاسُ فِيَّ عَلَى طَبَقَاتٍ الْمُسْتَبْصِرُ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ- مُتَمَسِّكٌ بِالْحَقِّ مُتَعَلِّقٌ بِفَرْعِ الْأَصْلِ- غَيْرُ شَاكٍّ وَ لَا مُرْتَابٍ لَا يَجِدُ عَنِّي مَلْجَأً- وَ طَبَقَةٌ لَمْ تَأْخُذِ الْحَقَّ مِنْ أَهْلِهِ- فَهُمْ كَرَاكِبِ الْبَحْرِ يَمُوجُ عِنْدَ مَوْجِهِ- وَ يَسْكُنُ عِنْدَ سُكُونِهِ- وَ طَبَقَةٌ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ - شَأْنُهُمُ الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ- وَ دَفْعُ الْحَقِّ بِالْبَاطِلِ حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ - فَدَعْ مَنْ ذَهَبَ يَمِيناً وَ شِمَالًا- فَإِنَّ الرَّاعِيَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ غَنَمَهُ جَمَعَهَا بِأَهْوَنِ سَعْيٍ- وَ إِيَّاكَ وَ الْإِذَاعَةَ وَ طَلَبَ الرِّئَاسَةِ- فَإِنَّهُمَا يَدْعُوَانِ إِلَى الْهَلَكَةِ. وَ قَالَ عليه السلام مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا تُغْفَرُ لَيْتَنِي لَا أُؤَاخَذُ إِلَّا بِهَذَا. ثُمَّ قَالَ عليه السلام الْإِشْرَاكُ فِي النَّاسِ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ- عَلَى الْمِسْحِ الْأَسْوَدِ فِي اللَّيْلَةِ الْمُظْلِمَةِ. وَ قَالَ عليه السلام بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ* * * أَقْرَبُ إِلَى اسْمِ اللَّهِ الْأَعْظَمِ مِنْ سَوَادِ الْعَيْنِ إِلَى بَيَاضِهَا وَ خَرَجَ فِي بَعْضِ تَوْقِيعَاتِهِ عليه السلام عِنْدَ اخْتِلَافِ قَوْمٍ مِنْ شِيعَتِهِ فِي أَمْرِهِ- مَا مُنِيَ أَحَدٌ مِنْ آبَائِي- بِمِثْلِ مَا مُنِيتُ بِهِ مِنْ شَكِّ هَذِهِ الْعِصَابَةِ فِيَّ- فَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَمْرُ أَمْراً اعْتَقَدَتْمُوُهُ وَ دِنْتُمْ بِهِ إِلَى وَقْتٍ- ثُمَّ يَنْقَطِعُ فَلِلشَّكِّ مَوْضِعٌ- وَ إِنْ كَانَ مُتَّصِلًا مَا اتَّصَلَتْ أُمُورُ اللَّهِ فَمَا مَعْنَى هَذَا الشَّكِّ. وَ قَالَ عليه السلام حُبُّ الْأَبْرَارِ لِلْأَبْرَارِ ثَوَابٌ لِلْأَبْرَارِ- وَ حُبُّ الْفُجَّارِ لِلْأَبْرَارِ فَضِيلَةٌ لِلْأَبْرَارِ- وَ بُغْضُ الْفُجَّارِ لِلْأَبْرَارِ زَيْنٌ لِلْأَبْرَارِ- وَ بُغْضُ الْأَبْرَارِ لِلْفُجَّارِ خِزْيٌ عَلَى الْفُجَّارِ. وَ قَالَ عليه السلام مِنَ التَّوَاضُعِ السَّلَامُ عَلَى كُلِّ مَنْ تَمُرُّ بِهِ- وَ الْجُلُوسُ دُونَ شَرَفِ الْمَجْلِسِ. وَ قَالَ عليه السلام مِنَ الْجَهْلِ الضَّحِكُ مِنْ غَيْرِ عَجَبٍ. وَ قَالَ عليه السلام مِنَ الْفَوَاقِرِ الَّتِي تَقْصِمُ الظَّهْرَ جَارٌ- إِنْ رَأَى حَسَنَةً أَخْفَاهَا وَ إِنْ رَأَى سَيِّئَةً أَفْشَاهَا. وَ قَالَ عليه السلام لِشِيعَتِهِ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ وَ الْوَرَعِ فِي دِينِكُمْ- وَ الِاجْتِهَادِ لِلَّهِ وَ صِدْقِ الْحَدِيثِ- وَ أَدَاءِ الْأَمَانَةِ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكُمْ مِنْ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ- وَ طُولِ السُّجُودِ وَ حُسْنِ الْجِوَارِ- فَبِهَذَا جَاءَ مُحَمَّدٌ ص صَلُّوا فِي عَشَائِرِهِمْ- وَ اشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ وَ عُودُوا مَرْضَاهُمْ وَ أَدُّوا حُقُوقَهُمْ- فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ إِذَا وَرِعَ فِي دِينِهِ وَ صَدَقَ فِي حَدِيثِهِ- وَ أَدَّى الْأَمَانَةَ وَ حَسُنَ خُلُقُهُ مَعَ النَّاسِ- قِيلَ هَذَا شِيعِيٌّ فَيَسُرُّنِي ذَلِكَ- اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا زَيْناً وَ لَا تَكُونُوا شَيْناً- جَرُّوا إِلَيْنَا كُلَّ مَوَدَّةٍ وَ ادْفَعُوا عَنَّا كُلَّ قَبِيحٍ- فَإِنَّهُ مَا قِيلَ فِينَا مِنْ حُسْنٍ فَنَحْنُ أَهْلُهُ- وَ مَا قِيلَ فِينَا مِنْ سُوءٍ فَمَا نَحْنُ كَذَلِكَ- لَنَا حَقٌّ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَ قَرَابَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ- وَ تَطْهِيرٌ مِنَ اللَّهِ لَا يَدَّعِيهِ أَحَدٌ غَيْرُنَا إِلَّا كَذَّابٌ- أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ وَ ذِكْرَ الْمَوْتِ وَ تِلَاوَةَ الْقُرْآنِ- وَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ص فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ- احْفَظُوا مَا وَصَّيْتُكُمْ بِهِ وَ أَسْتَوْدِعُكُمُ اللَّهَ- وَ أَقْرَأُ عَلَيْكُمُ السَّلَامَ. وَ قَالَ عليه السلام لَيْسَتِ الْعِبَادَةُ كَثْرَةَ الصِّيَامِ وَ الصَّلَاةِ- وَ إِنَّمَا الْعِبَادَةُ كَثْرَةُ التَّفَكُّرِ فِي أَمْرِ اللَّهِ. وَ قَالَ عليه السلام بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَكُونُ ذَا وَجْهَيْنِ وَ ذَا لِسَانَيْنِ- يُطْرِي أَخَاهُ شَاهِداً وَ يَأْكُلُهُ غَائِباً- إِنْ أُعْطِيَ حَسَدَهُ وَ إِنِ ابْتُلِيَ خَانَهُ. وَ قَالَ عليه السلام الْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ. وَ قَالَ عليه السلام لِشِيعَتِهِ فِي سَنَةِ سِتِّينَ وَ مِائَتَيْنِ- أَمَرْنَاكُمْ بِالتَّخَتُّمِ فِي الْيَمِينِ وَ نَحْنُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْكُمْ - وَ الْآنَ نَأْمُرُكُمْ بِالتَّخَتُّمِ فِي الشِّمَالِ- لِغَيْبَتِنَا عَنْكُمْ إِلَى أَنْ يُظْهِرَ اللَّهُ أَمْرَنَا وَ أَمْرَكُمْ- فَإِنَّهُ مِنْ أَدَلِّ دَلِيلٍ عَلَيْكُمْ فِي وَلَايَتِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ- فَخَلَعُوا خَوَاتِيمَهُمْ مِنْ أَيْمَانِهِمْ- بَيْنَ يَدَيْهِ وَ لَبِسُوهَا فِي شَمَائِلِهِمْ- وَ قَالَ عليه السلام لَهُمْ حَدِّثُوا بِهَذَا شِيعَتَنَا. وَ قَالَ عليه السلام أَقَلُّ النَّاسِ رَاحَةً الْحَقُودُ. وَ قَالَ عليه السلام أَوْرَعُ النَّاسِ مَنْ وَقَفَ عِنْدَ الشُّبْهَةِ- أَعْبَدُ النَّاسِ مَنْ أَقَامَ عَلَى الْفَرَائِضِ- أَزْهَدُ النَّاسِ مَنْ تَرَكَ الْحَرَامَ- أَشَدُّ النَّاسِ اجْتِهَاداً مَنْ تَرَكَ الذُّنُوبَ. وَ قَالَ عليه السلام إِنَّكُمْ فِي آجَالٍ مَنْقُوصَةٍ وَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ- وَ الْمَوْتُ يَأْتِي بَغْتَةً مَنْ يَزْرَعْ خَيْراً يَحْصُدْ غِبْطَةً- وَ مَنْ يَزْرَعْ شَرّاً يَحْصُدْ نَدَامَةً لِكُلِّ زَارِعٍ مَا زَرَعَ- لَا يُسْبَقُ بَطِيءٌ بِحَظِّهِ وَ لَا يُدْرِكُ حَرِيصٌ مَا لَمْ يُقَدَّرْ لَهُ- مَنْ أُعْطِيَ خَيْراً فَاللَّهُ أَعْطَاهُ وَ مَنْ وُقِيَ شَرّاً فَاللَّهُ وَقَاهُ. وَ قَالَ عليه السلام الْمُؤْمِنُ بَرَكَةٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ وَ حُجَّةٌ عَلَى الْكَافِرِ. وَ قَالَ عليه السلام قَلْبُ الْأَحْمَقِ فِي فَمِهِ وَ فَمُ الْحَكِيمِ فِي قَلْبِهِ. وَ قَالَ عليه السلام لَا يَشْغَلْكَ رِزْقٌ مَضْمُونٌ عَنْ عَمَلٍ مَفْرُوضٍ. وَ قَالَ عليه السلام مَنْ تَعَدَّى فِي طَهُورِهِ كَانَ كَنَاقِضِهِ. وَ قَالَ عليه السلام مَا تَرَكَ الْحَقَّ عَزِيزٌ إِلَّا ذَلَّ وَ لَا أَخَذَ بِهِ ذَلِيلٌ إِلَّا عَزَّ. وَ قَالَ عليه السلام صَدِيقُ الْجَاهِلِ تَعَبٌ. وَ قَالَ عليه السلام خَصْلَتَانِ لَيْسَ فَوْقَهُمَا شَيْءٌ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَ نَفْعُ الْإِخْوَانِ. وَ قَالَ عليه السلام جُرْأَةُ الْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ فِي صِغَرِهِ تَدْعُو إِلَى الْعُقُوقِ فِي كِبَرِهِ. وَ قَالَ عليه السلام لَيْسَ مِنَ الْأَدَبِ إِظْهَارُ الْفَرَحِ عِنْدَ الْمَحْزُونِ. وَ قَالَ عليه السلام خَيْرٌ مِنَ الْحَيَاةِ مَا إِذَا فَقَدْتَهُ بغضت [أَبْغَضْتَ الْحَيَاةَ- وَ شَرٌّ مِنَ الْمَوْتِ مَا إِذَا نَزَلَ بِكَ أَحْبَبْتَ الْمَوْتَ. وَ قَالَ عليه السلام رِيَاضَةُ الْجَاهِلِ وَ رَدُّ الْمُعْتَادِ عَنْ عَادَتِهِ كَالْمُعْجِزِ. وَ قَالَ عليه السلام التَّوَاضُعُ نِعْمَةٌ لَا يُحْسَدُ عَلَيْهَا. وَ قَالَ عليه السلام لَا تُكْرِمِ الرَّجُلَ بِمَا يَشُقُّ عَلَيْهِ. وَ قَالَ عليه السلام مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرّاً فَقَدْ زَانَهُ وَ مَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ شَانَهُ. وَ قَالَ عليه السلام مَا مِنْ بَلِيَّةٍ إِلَّا وَ لِلَّهِ فِيهَا نِعْمَةٌ تُحِيطُ بِهَا. وَ قَالَ عليه السلام مَا أَقْبَحَ بِالْمُؤْمِنِ أَنْ تَكُونَ لَهُ رَغْبَةٌ تُذِلُّهُ.

بحار الأنوار - ج ٧٥ - الصفحة ٣٧٠. — غير محدد

4] 1- ك، إكمال الدين عَنْ أَبِي عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْقَطَّانِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْعَسْكَرِيِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا- أَنَّ مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ الْهِنْدِ كَانَ كَثِيرَ الْجُنْدِ وَاسِعَ الْمَمْلَكَةِ مَهِيباً فِي أَنْفُسِ النَّاسِ مُظَفَّراً عَلَى الْأَعْدَاءِ- وَ كَانَ مَعَ ذَلِكَ عَظِيمَ النَّهْمَةِ - فِي شَهَوَاتِ الدُّنْيَا وَ لَذَّاتِهَا وَ مَلَاهِيهَا- مُؤْثِراً لِهَوَاهُ مُطِيعاً لَهُ وَ كَانَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْهِ- وَ أَنْصَحُهُمْ لَهُ فِي نَفْسِهِ مَنْ زَيَّنَ لَهُ حَالَهُ- وَ حَسَّنَ رَأْيَهُ- وَ أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيْهِ- وَ أَغَشُّهُمْ لَهُ فِي نَفْسِهِ مَنْ أَمَرَهُ بِغَيْرِهَا وَ تَرَكَ أَمْرَهُ فِيهَا- وَ كَانَ قَدْ أَصَابَ الْمُلْكَ فِيهَا فِي حَدَاثَةِ سِنِّهِ- وَ عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ وَ كَانَ لَهُ رَأْيٌ أَصِيلٌ- وَ لِسَانٌ بَلِيغٌ وَ مَعْرِفَةٌ بِتَدْبِيرِ النَّاسِ وَ ضَبْطِهِمْ- فَعَرَفَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْهُ فَانْقَادُوا لَهُ- وَ خَضَعَ لَهُ كُلُّ صَعْبٍ وَ ذَلُولٍ- وَ اجْتَمَعَ لَهُ سُكْرُ الشَّبَابِ وَ سُكْرُ السُّلْطَانِ وَ الشَّهْوَةُ وَ الْعُجْبُ- ثُمَّ قَوِيَ ذَلِكَ مَا أَصَابَ مِنَ الظَّفَرِ عَلَى مَنْ نَاصَبَهُ- وَ الْقَهْرِ لِأَهْلِ مَمْلَكَتِهِ وَ انْقِيَادِ النَّاسِ لَهُ- فَاسْتَطَالَ عَلَى النَّاسِ وَ احْتَقَرَهُمْ- ثُمَّ ازْدَادَ عُجْباً بِرَأْيِهِ- وَ نَفْسِهِ لَمَّا مَدَحَهُ النَّاسُ وَ زَيَّنُوا أَمْرَهُ عِنْدَهُ- فَكَانَ لَا هِمَّةَ لَهُ إِلَّا الدُّنْيَا- وَ كَانَتِ الدُّنْيَا لَهُ مُؤَاتِيَةً لَا يُرِيدُ مِنْهَا شَيْئاً إِلَّا نَالَهُ- غَيْرَ أَنَّهُ كَانَ مِئْنَاثاً لَا يُولَدُ لَهُ ذَكَرٌ- وَ قَدْ كَانَ الدِّينُ فَشَا فِي أَرْضِهِ قَبْلَ مُلْكِهِ وَ كَثُرَ أَهْلُهُ- فَزَيَّنَ لَهُ الشَّيْطَانُ عَدَاوَةَ الدِّينِ- وَ أَهْلِهِ وَ أَضَرَّ بِأَهْلِ الدِّينِ فَأَقْصَاهُمْ مَخَافَةً عَلَى مُلْكِهِ- وَ قَرَّبَ أَهْلَ الْأَوْثَانِ- وَ صَنَعَ لَهُمْ أَصْنَاماً مِنْ ذَهَبٍ وَ فِضَّةٍ- وَ فَضَّلَهُمْ وَ شَرَّفَهُمْ وَ سَجَدَ لِأَصْنَامِهِمْ- فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ مِنْهُ سَارَعُوا إِلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ- وَ الِاسْتِخْفَافِ بِأَهْلِ الدِّينِ- ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ سَأَلَ يَوْماً عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بِلَادِهِ- كَانَتْ لَهُ مِنْهُ مَنْزِلَةٌ حَسَنَةٌ وَ مَكَانَةٌ رَفِيعَةٌ- وَ كَانَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِ عَلَى بَعْضِ أُمُورِهِ وَ يَحْبُوَهُ وَ يُكْرِمَهُ- فَقِيلَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّهُ قَدْ خَلَعَ الدُّنْيَا وَ خُلِّيَ مِنْهَا- وَ لَحِقَ بِالنُّسَّاكِ فَثَقُلَ ذَلِكَ عَلَى الْمَلِكِ- وَ شَقَّ عَلَيْهِ ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُوتِيَ بِهِ- فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ فِي زِيِّ النُّسَّاكِ وَ تَخَشُّعِهِمْ زَبَرَهُ وَ شَتَمَهُ - وَ قَالَ لَهُ بَيْنَا أَنْتَ مِنْ عَبِيدِي- وَ عُيُونِ أَهْلِ مَمْلَكَتِي وَ وَجْهِهِمْ وَ أَشْرَافِهِمْ- إِذْ فَضَحْتَ نَفْسَكَ وَ ضَيَّعْتَ أَهْلَكَ وَ مَالَكَ- وَ اتَّبَعْتَ أَهْلَ الْبِطَالَةِ وَ الْخَسَارَةِ حَتَّى صِرْتَ ضُحْكَةً وَ مَثَلًا- وَ قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتُكَ لِمُهِمِّ أُمُورِي- وَ الِاسْتِعَانَةِ بِكَ عَلَى مَا يَنُوبُنِي- فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ- إِنْ لَمْ يَكُنْ لِي عَلَيْكَ حَقٌّ فَلِعَقْلِكَ عَلَيْكَ حَقٌّ- فَاسْتَمِعْ قَوْلِي بِغَيْرِ غَضَبٍ- ثُمَّ أْمُرْ بِمَا بَدَا لَكَ بَعْدَ الْفَهْمِ وَ التَّثْبِيتِ- فَإِنَّ الْغَضَبَ عَدُوُّ الْعَقْلِ- وَ لِذَلِكَ يَحُولُ مَا بَيْنَ صَاحِبِهِ وَ بَيْنَ الْفَهْمِ- قَالَ لَهُ الْمَلِكُ قُلْ مَا بَدَا لَكَ- قَالَ النَّاسِكُ فَإِنِّي أَسْأَلُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ- أَ فِي ذَنْبِي عَلَى نَفْسِي عَتَبْتَ عَلَيَّ أَمْ فِي ذَنْبٍ مِنِّي إِلَيْكَ سَالِفٍ- قَالَ الْمَلِكُ إِنَّ ذَنْبَكَ إِلَى نَفْسِكَ أَعْظَمُ الذُّنُوبِ عِنْدِي- وَ لَيْسَ كُلَّمَا أَرَادَ رَجُلٌ مِنْ رَعِيَّتِي- أَنْ يُهْلِكَ نَفْسَهُ أُخَلِّي بَيْنَهُ وَ بَيْنَ ذَلِكَ- وَ لَكِنِّي أَعُدُّ إِهْلَاكَهُ لِنَفْسِهِ- كَإِهْلَاكِهِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ أَنَا وَلِيُّهُ وَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَ لَهُ- فَأَنَا أَحْكَمُ عَلَيْكَ لِنَفْسِكَ- وَ آخَذُ لَهَا مِنْكَ إِذْ ضَيَّعْتَ أَنْتَ ذَلِكَ- فَقَالَ لَهُ النَّاسِكُ أَرَاكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ لَا تَأْخُذُنِي- إِلَّا بِحُجَّةٍ وَ لَا نَفَاذَ لِحُجَّةٍ إِلَّا عِنْدَ قَاضٍ- وَ لَيْسَ عَلَيْكَ مِنَ النَّاسِ قَاضٍ- لَكِنْ عِنْدَكَ قُضَاةٌ وَ أَنْتَ لِأَحْكَامِهِمْ مُنْفِذٌ- وَ أَنَا بِبَعْضِهِمْ رَاضٍ وَ مِنْ بَعْضِهِمْ مُشْفِقٌ- قَالَ الْمَلِكُ وَ مَا أُولَئِكَ الْقُضَاةُ- قَالَ أَمَّا الَّذِي أَرْضَى قَضَاءَهُ فَعَقْلُكَ- وَ أَمَّا الَّذِي أَنَا مُشْفِقٌ مِنْهُ فَهَوَاكَ قَالَ الْمَلِكُ- قُلْ مَا بَدَا لَكَ وَ اصْدُقْنِي خَبَرَكَ وَ مَتَى كَانَ هَذَا رَأْيَكَ- وَ مَنْ أَغْوَاكَ قَالَ أَمَّا خَبَرِي- فَإِنِّي كُنْتُ سَمِعْتُ كَلِمَةً فِي حَدَاثَةِ سِنِّي وَقَعَتْ فِي قَلْبِي- فَصَارَتْ كَالْحَبَّةِ الْمَزْرُوعَةِ- ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تَنْمِي حَتَّى صَارَتْ شَجَرَةً إِلَى مَا تَرَى- وَ ذَلِكَ أَنِّي كُنْتُ قَدْ سَمِعْتُ قَائِلًا يَقُولُ- يَحْسَبُ الْجَاهِلُ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ لَا شَيْءَ شَيْئاً وَ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ الشَّيْءُ لَا شَيْءَ- وَ مَنْ لَمْ يَرْفَضِ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ لَا شَيْءَ لَمْ يَنَلِ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ شَيْءٌ- وَ مَنْ لَمْ يُبْصِرِ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ الشَّيْءُ لَمْ تَطِبْ نَفْسُهُ بِرَفْضِ الْأَمْرِ الَّذِي هُوَ لَا شَيْءَ- وَ الشَّيْءُ هُوَ الْآخِرَةُ وَ لَا شَيْءَ هُوَ الدُّنْيَا فَكَانَ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ عِنْدِي قَرَارٌ- لِأَنِّي وَجَدْتُ الدُّنْيَا حَيَاتَهَا مَوْتاً وَ غَنَاهَا فَقْراً- وَ فَرَحَهَا تَرَحاً وَ صِحَّتَهَا سُقْماً- وَ قُوَّتَهَا ضَعْفاً وَ عِزَّهَا ذُلًّا- وَ كَيْفَ لَا تَكُونُ حَيَاتُهَا مَوْتاً وَ إِنَّمَا يَحْيَا فِيهَا صَاحِبُهَا لِيَمُوتَ- وَ هُوَ مِنَ الْمَوْتِ عَلَى يَقِينٍ وَ مِنَ الْحَيَاةِ عَلَى قُلْعَةٍ- وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ غَنَاؤُهَا فَقْراً- وَ لَيْسَ أُصِيبَ أَحَدٌ مِنْهَا شَيْئاً- إِلَّا احْتَاجَ لِذَلِكَ الشَّيْءِ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ يُصْلِحُهُ- وَ إِلَى أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا: وَ مِثْلُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى دَابَّةٍ- فَإِذَا أَصَابَهَا احْتَاجَ إِلَى عَلَفِهَا- وَ قَيِّمِهَا وَ مَرْبَطِهَا وَ أَدَوَاتِهَا- ثُمَّ احْتَاجَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَى شَيْءٍ آخَرَ يُصْلِحُهُ- وَ إِلَى أَشْيَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا- فَمَتَى تَنْقَضِي حَاجَةُ مَنْ هُوَ كَذَلِكَ وَ فَاقَتُهُ- وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ فَرَحُهَا تَرَحاً- وَ هِيَ مَرْصَدَةٌ لِكُلِّ مَنْ أَصَابَ مِنْهَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ- أَنْ يَرَى مِنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِعَيْنِهِ أَضْعَافَهُ مِنَ الْحُزْنِ- إِنْ رَأَى سُرُوراً فِي وَلَدِهِ فَمَا يَنْتَظِرُ مِنَ الْأَحْزَانِ فِي مَوْتِهِ- وَ سُقْمِهِ وَ جَائِحَةٌ إِنْ أَصَابَتْهُ أَعْظَمُ مِنْ سُرُورِهِ بِهِ- وَ إِنْ رَأَى السُّرُورَ فِي مَالٍ- فَمَا يَتَخَوَّفُ مِنَ التَّلَفِ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ سُرُورِهِ بِالْمَالِ- فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ- فَأَحَقُّ النَّاسِ بِأَنْ لَا يَتَلَبَّسَ بِشَيْءٍ مِنْهَا مَنْ عَرَفَ هَذَا مِنْهَا- وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ صِحَّتُهَا سُقْماً- وَ إِنَّمَا صِحَّتُهَا مِنْ أَخْلَاطِهَا وَ أَصَحُّ أَخْلَاطِهَا- وَ أَقْرَبُهَا مِنَ الْحَيَاةِ الدَّمُ- وَ أَظْهَرُ مَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ دَماً أَخْلَقُ مَا يَكُونُ صَاحِبُهُ بِمَوْتِ الْفَجْأَةِ- وَ الذُّبْحَةِ وَ الطَّاعُونِ وَ الْآكِلَةِ وَ الْبِرْسَامِ- وَ كَيْفَ لَا تَكُونُ قُوَّتُهَا ضَعْفاً- وَ إِنَّمَا تَجْمَعُ الْقُوَى فِيهَا مَا يَضُرُّهُ وَ يُوبِقُهُ- وَ كَيْفَ لَا يَكُونُ عِزُّهَا ذُلًّا- وَ لَمْ يُرَ فِيهَا عَزٌّ قَطُّ إِلَّا أَوْرَثَ أَهْلَهَا ذُلًّا طَوِيلًا- غَيْرَ أَنَّ أَيَّامَ الْعِزِّ قَصِيرَةٌ وَ أَيَّامَ الذُّلِّ طَوِيلَةٌ- فَأَحَقُّ النَّاسِ بِذَمِّ الدُّنْيَا مَنْ بُسِطَتْ لَهُ الدُّنْيَا- فَأَصَابَ حَاجَتَهُ مِنْهَا فَهُوَ يَتَوَقَّعُ كُلَّ يَوْمٍ وَ لَيْلَةٍ- وَ سَاعَةٍ وَ طَرْفَةِ عَيْنٍ أَنْ يُعْدَى عَلَى مَالِهِ فَيَحْتَاجَ- وَ عَلَى حَمِيمِهِ فَيُخْتَطَفَ وَ عَلَى جَمْعِهِ فَيُنْهَبَ- وَ أَنْ يُؤْتَى بُنْيَانُهُ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَيُهْدَمَ- وَ أَنْ يَدِبَّ الْمَوْتُ إِلَى جَسَدِهِ فَيَسْتَأْصِلَ- وَ يُفْجَعَ بِكُلِّ مَا هُوَ بِهِ ضَنِينٌ فَأَذُمُّ إِلَيْكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ الدُّنْيَا الْآخِذَةَ مَا تُعْطِي- وَ الْمُوَرِّثَةَ بَعْدَ ذَلِكَ التَّبِعَةَ السَّالِبَةَ لِمَنْ تَكْسُو- وَ الْمُوَرِّثَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الْعُرَى الْمُوَاضِعَةَ لِمَنْ تَرْفَعُ- وَ الْمُوَرِّثَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الْجَزَعَ التَّارِكَةَ لِمَنْ يَعْشَقُهَا- وَ الْمُوَرِّثَةَ بَعْدَ ذَلِكَ الشِّقْوَةَ الْمُغْوِيَةَ لِمَنْ أَطَاعَهَا وَ اغْتَرَّ بِهَا- الْغَدَّارَةَ بِمَنِ ائْتَمَنَهَا وَ رَكِنَ إِلَيْهَا- هِيَ الْمَرْكَبُ الْقَمُوصُ وَ الصَّاحِبُ الْخَئُونُ- وَ الطَّرِيقُ الزَّلَقُ وَ الْمَهْبَطُ الْمُهْوِي- هِيَ الْمَكْرُمَةُ الَّتِي لَا تُكْرِمُ أَحَداً إِلَّا أَهَانَتْهُ- الْمَحْبُوبَةُ الَّتِي لَا تُحِبُّ أَحَداً- الْمَلْزُومَةُ الَّتِي لَا تَلْزَمُ أَحَداً يُوَفَّى لَهَا وَ تَغْدِرُ- وَ يُصْدَقُ لَهَا وَ تَكْذِبُ وَ يُنْجَزُ لَهَا وَ تُخْلِفُ- هِيَ الْمُعْوَجَّةُ لِمَنِ اسْتَقَامَ بِهَا- الْمُتَلَاعِبَةُ بِمَنِ اسْتَمْكَنَتْ مِنْهُ- بَيْنَا هِيَ تُطْعِمُهُ إِذْ حَوَّلَتْهُ مَأْكُولًا- وَ بَيْنَا هِيَ تَخْدُمُهُ إِذْ جَعَلَتْهُ خَادِماً- وَ بَيْنَا هِيَ تُضْحِكُهُ إِذْ ضَحِكَتْ مِنْهُ- وَ بَيْنَا هِيَ تَشْتِمُهُ إِذْ شَتَمَتْ مِنْهُ - وَ بَيْنَا هِيَ تُبْكِيهِ إِذَا بَكَتْ عَلَيْهِ- وَ بَيْنَا هِيَ قَدْ بُسِطَتْ يَدُهُ بِالْعَطِيَّةِ إِذْ بَسَطَتْهَا بِالْمَسْأَلَةِ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا عَزِيزٌ إِذْ أَذَلَّتْهُ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا مُكْرَمٌ إِذْ أَهَانَتْهُ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا مُعَظَّمٌ إِذْ صَارَ مَحْقُوراً- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا رَفِيعٌ إِذْ وَضَعَتْهُ وَ بَيْنَا هِيَ لَهُ مُطِيعَةٌ إِذْ عَصَتْهُ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا مَسْرُورٌ إِذْ أَحْزَنَتْهُ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا شَبْعَانُ إِذْ أَجَاعَتْهُ- وَ بَيْنَا هُوَ فِيهَا حَيٌّ إِذْ أَمَاتَتْهُ- فَأُفٍّ لَهَا مِنْ دَارٍ إِذْ كَانَ هَذَا فِعَالَهَا وَ هَذِهِ صِفَتَهَا- تَضَعُ التَّاجَ عَلَى رَأْسِهِ غُدْوَةً وَ تُعَفِّرُ خَدَّهُ بِالتُّرَابِ عَشِيَّةً- وَ تَجْعَلُهَا فِي الْأَغْلَالِ غُدْوَةً [تُحَلِّي الْأَيْدِيَ- بِأَسْوِرَةِ الذَّهَبِ عَشِيَّةً- وَ تَجْعَلُهَا فِي الْأَغْلَالِ غُدْوَةً]- وَ تُقْعِدُ الرَّجُلَ عَلَى السَّرِيرِ غُدْوَةً- وَ تَرْمِي بِهِ فِي السِّجْنِ عَشِيَّةً تَفْرُشُ لَهُ الدِّيبَاجَ عَشِيَّةً- وَ تَفْرُشُ لَهُ التُّرَابَ غُدْوَةً- وَ تَجْمَعُ لَهُ الْمَلَاهِيَ وَ الْمَعَازِفَ غُدْوَةً- وَ تَجْمَعُ عَلَيْهِ النَّوَائِحَ وَ النَّوَادِبَ عَشِيَّةً- تُحَبِّبُ إِلَى أَهْلِهِ قُرْبَهُ عَشِيَّةً وَ تُحَبِّبُ إِلَيْهِمْ بُعْدَهُ غُدْوَةً- تُطَيِّبُ رِيحَهُ غُدْوَةً وَ تُنَتِّنُ رِيحَهُ عَشِيَّةً- فَهُوَ مُتَوَقِّعٌ لِسَطَوَاتِهَا غَيْرُ نَاجٍ مِنْ فِتْنَتِهَا وَ بَلَائِهَا- تَمَتَّعُ نَفْسُهُ مِنْ أَحَادِيثِهَا وَ عَيْنُهُ مِنْ أَعَاجِيبِهَا- وَ يَدُهُ مَمْلُوَّةٌ مِنْ جَمْعِهَا ثُمَّ تُصْبِحُ الْكَفُّ صِفْراً- وَ الْعَيْنُ هَامِدَةً ذَهَبَ مَا ذَهَبَ وَ هَوَى مَا هَوَى- وَ بَادَ مَا بَادَ وَ هَلَكَ مَا هَلَكَ تَجِدُ فِي كُلٍّ مِنْ كُلٍّ خَلَفاً- وَ تَرْضَى بِكُلٍّ مِنْ كُلٍّ بَدَلًا تُسْكِنُ دَارَ كُلِّ قَرْنٍ قَرْناً- وَ تُطْعِمُ سُؤْرَ كُلِّ قَوْمٍ قَوْماً تُقْعِدُ الْأَرَاذِلَ مَكَانَ الْأَفَاضِلِ- وَ الْعَجَزَةَ مَكَانَ الْحَزَمَةِ تَنْقُلُ أَقْوَاماً مِنَ الْجَدْبِ إِلَى الْخِصْبِ - وَ مِنَ الرِّجْلَةِ إِلَى الْمَرْكَبِ وَ مِنَ الْبُؤْسِ إِلَى النِّعْمَةِ- وَ مِنَ الشِّدَّةِ إِلَى الرَّخَاءِ- وَ مِنَ الشَّقَاءِ إِلَى الْخَفْضِ وَ الدَّعَةِ- حَتَّى إِذَا غَمَسَتْهُمْ فِي ذَلِكَ انْقَلَبَتْ بِهِمْ فَسَلَبَتْهُمُ الْخِصْبَ- وَ نَزَعَتْ مِنْهُمُ الْقُوَّةَ فَعَادُوا إِلَى أَبْأَسِ الْبُؤْسِ- وَ أَفْقَرِ الْفَقْرِ وَ أَجْدَبِ الْجَدْبِ- فَأَمَّا قَوْلُكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ فِي إِضَاعَةِ الْأَهْلِ وَ تَرْكِهِمْ- فَإِنِّي لَمْ أُضَيِّعْهُمْ وَ لَمْ أَتْرُكْهُمْ- بَلْ وَصَلْتُهُمْ وَ انْقَطَعْتُ إِلَيْهِمْ وَ لَكِنِّي كُنْتُ- وَ أَنَا أَنْظُرُ بِعَيْنٍ مَسْحُورَةٍ لَا أَعْرِفُ بِهَا الْأَهْلَ مِنَ الْغُرَبَاءِ- وَ لَا الْأَعْدَاءَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ فَلَمَّا انْجَلَى عَنِّي السِّحْرُ- اسْتَبْدَلْتُ بِالْعَيْنِ الْمَسْحُورَةِ عَيْناً صَحِيحَةً- وَ اسْتَبَنْتُ الْأَعْدَاءَ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَ الْأَقْرِبَاءَ مِنَ الْغُرَبَاءِ- فَإِذَا الَّذِينَ كُنْتُ أَعُدُّهُمْ أَهْلِينَ وَ أَصْدِقَاءَ وَ إِخْوَاناً- وَ خُلَطَاءَ إِنَّمَا هُمْ سِبَاعٌ ضَارِيَةٌ - لَا هِمَّةَ لَهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْكُلَنِي وَ تَأْكُلَ بِي- غَيْرَ أَنَّ اخْتِلَافَ مَنَازِلِهِمْ فِي ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الْقُوَّةِ- فَمِنْهُمْ كَالْأَسَدِ فِي شِدَّةِ السَّوْرَةِ - وَ مِنْهُمْ كَالذِّئْبِ فِي الْغَارَةِ وَ النُّهْبَةِ- وَ مِنْهُمْ كَالْكَلْبِ فِي الْهَرِيرِ وَ الْبَصْبَصَةِ- وَ مِنْهُمْ كَالثَّعْلَبِ فِي الْحِيلَةِ وَ السَّرِقَةِ- فَالطُّرُقُ وَاحِدَةٌ وَ الْقُلُوبُ مُخْتَلِفَةٌ- فَلَوْ أَنَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ فِي عَظِيمِ مَا أَنْتَ فِيهِ مِنْ مُلْكِكَ- وَ كَثْرَةِ مَنْ تَبِعَكَ مِنْ أَهْلِكَ- وَ جُنُودِكَ وَ حَاشِيَتِكَ وَ أَهْلِ طَاعَتِكَ- نَظَرْتَ فِي أَمْرِكَ عَرَفْتَ أَنَّكَ وَحِيدٌ فَرِيدٌ- لَيْسَ مَعَكَ أَحَدٌ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِ الْأَرْضِ- وَ ذَلِكَ أَنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ أَنَّ عَامَّةَ الْأُمَمِ عَدُوٌّ لَكَ- وَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ الَّتِي أُوتِيتَ الْمُلْكَ عَلَيْهَا- كَثِيرَةُ الْحَسَدِ مِنْ أَهْلِ الْعَدَاوَةِ- وَ الْغِشِّ لَكَ الَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ عَدَاوَةً لَكَ- مِنَ السِّبَاعِ الضَّارِيَةِ- وَ أَشَدُّ حَنَقاً عَلَيْكَ مِنْ كُلِّ الْأُمَمِ الْغَرِيبَةِ- وَ إِذَا صِرْتَ إِلَى أَهْلِ طَاعَتِكَ وَ مَعُونَتِكَ وَ قَرَابَتِكَ- وَجَدْتَ لَهُمْ قَوْماً يَعْمَلُونَ عَمَلًا بِأَجْرٍ مَعْلُومٍ- يَحْرِصُونَ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَنْقُصُوكَ مِنَ الْعَمَلِ- فَيَزْدَادُوكَ مِنَ الْأَجْرِ وَ إِذَا صِرْتَ إِلَى أَهْلِ خَاصَّتِكَ- وَ قَرَابَتِكَ صِرْتَ إِلَى قَوْمٍ جَعَلْتَ كَدَّكَ- وَ كَدْحَكَ وَ مُهَنَّأَكَ وَ كَسْبَكَ لَهُمْ- فَأَنْتَ تُؤَدِّي إِلَيْهِمْ كُلَّ يَوْمٍ الضَّرِيبَةَ- وَ لَيْسَ كُلُّهُمْ وَ إِنْ وَزَعْتَ بَيْنَهُمْ جَمِيعَ كَدِّكَ عَنْكَ بِرَاضٍ- فَإِنْ أَنْتَ حَبَسْتَ عَنْهُمْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنْهُمْ الْبَتَّةَ بِرَاضٍ- أَ فَلَا تَرَى أَنَّكَ أَيُّهَا الْمَلِكُ وَحِيدٌ لَا أَهْلَ لَكَ وَ لَا مَالَ- فَأَمَّا أَنَا فَإِنَّ لِي أَهْلًا وَ مَالًا وَ إِخْوَاناً وَ أَخَوَاتاً وَ أَوْلِيَاءَ- لَا يَأْكُلُونِّي وَ لَا يَأْكُلُونَ بِي يُحِبُّونِّي وَ أُحِبُّهُمْ- فَلَا يُفْقَدُ الْحُبُّ بَيْنَنَا يَنْصَحُونِّي وَ أَنْصَحُهُمْ فَلَا غِشَّ بَيْنَنَا- وَ يَصْدُقُونِّي وَ أَصْدُقُهُمْ فَلَا تَكَاذُبَ بَيْنَنَا- وَ يُوَالُونِّي وَ أُوَالِيهِمْ فَلَا عَدَاوَةَ بَيْنَنَا- يَنْصُرُونِّي وَ أَنْصُرُهُمْ فَلَا تَخَاذُلَ بَيْنَنَا- يَطْلُبُونَ الْخَيْرَ الَّذِي إِنْ طَلَبْتُهُ مَعَهُمْ- لَمْ يَخَافُوا أَنْ أَغْلِبَهُمْ عَلَيْهِ أَوْ أَسْتَأْثِرَ بِهِ دُونَهُمْ- فَلَا فَسَادَ بَيْنَنَا وَ لَا تَحَاسُدَ- يَعْمَلُونَ لِي وَ أَعْمَلُ لَهُمْ بِأُجُورٍ لَا تَنْفَدُ- وَ لَا يَزَالُ الْعَمَلُ قَائِماً بَيْنَنَا هُمْ هُدَاتِي إِنْ ضَلَلْتُ- وَ نُورُ بَصَرِي إِنْ عَمِيتُ وَ حِصْنِي إِنْ أُتِيتُ- وَ مِجَنِّي إِنْ رُمِيتُ وَ أَعْوَانِي إِذَا فَزِعْتُ- وَ قَدْ تَنَزَّهْنَا عَنِ الْبُيُوتِ وَ الْمَخَانِي - فَلَا يَزِيدُهَا وَ تَرَكْنَا الذَّخَائِرَ- وَ الْمَكَاسِبَ لِأَهْلِ الدُّنْيَا فَلَا تَكَاثُرَ بَيْنَنَا وَ لَا تَبَاغِيَ- وَ لَا تَبَاغُضَ وَ لَا تَفَاسُدَ وَ لَا تَحَاسُدَ- وَ لَا تَقَاطُعَ فَهَؤُلَاءِ أَهْلِي أَيُّهَا الْمَلِكُ- وَ إِخْوَانِي وَ أَقْرِبَائِي وَ أَحِبَّائِي أَحْبَبْتُهُمْ وَ انْقَطَعْتُ إِلَيْهِمْ- وَ تَرَكْتُ الَّذِينَ كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ- بِالْعَيْنِ الْمَسْحُورَةِ لَمَّا عَرَفْتُهُمْ- وَ الْتَمَسْتُ السَّلَامَةَ مِنْهُمْ فَهَذِهِ الدُّنْيَا أَيُّهَا الْمَلِكُ الَّتِي أَخْبَرْتُكَ أَنَّهَا لَا شَيْءَ- فَهَذَا نَسَبُهَا وَ حَسَبُهَا وَ مَسِيرُهَا إِلَى مَا قَدْ سَمِعْتَ- قَدْ رَفَضْتُهَا لِمَا عَرَفْتُهَا- وَ أَبْصَرْتُ الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ الشَّيْءُ- فَإِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَيُّهَا الْمَلِكُ أَنْ أَصِفَ لَكَ- مَا أَعْرِفُ عَنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ الَّتِي هِيَ الشَّيْءُ فَاسْتَعِدَّ إِلَى السَّمَاعِ- تَسْمَعُ غَيْرَ مَا كُنْتَ تَسْمَعُ بِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ- فَلَمْ يَزِدْهُ الْمَلِكُ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ قَالَ لَهُ- كَذَبْتَ لَمْ تُصِبْ شَيْئاً وَ لَمْ تَظْفَرْ إِلَّا بِالشَّقاءِ وَ الْعَنَاءِ- فَاخْرُجْ وَ لَا تُقِيمَنَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَمْلَكَتِي- فَإِنَّكَ فَاسِدٌ مُفْسِدٌ- وَ وُلِدَ لِلْمَلِكِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ بَعْدَ إِيَاسِهِ مِنَ الذُّكُورِ غُلَامٌ- لَمْ يَرَ النَّاسُ مَوْلُوداً مِثْلَهُ قَطُّ حُسْناً وَ جَمَالًا وَ ضِيَاءً- فَبَلَغَ السُّرُورُ مِنَ الْمَلِكِ مَبْلَغاً عَظِيماً- كَادَ يُشْرِفُ مِنْهُ عَلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ مِنَ الْفَرَحِ- وَ زَعَمَ أَنَّ الْأَوْثَانَ الَّتِي كَانَ يَعْبُدُهَا هِيَ- الَّتِي وَهَبَتْ لَهُ الْغُلَامَ- فَقَسَمَ عَامَّةَ مَا كَانَ فِي بُيُوتِ أَمْوَالِهِ عَلَى بُيُوتِ أَوْثَانِهِ- وَ أَمَرَ النَّاسَ بِالْأَكْلِ وَ الشُّرْبِ سَنَةً وَ سَمَّى الْغُلَامَ يُوذَاسُفَ- وَ جَمَعَ الْعُلَمَاءَ وَ الْمُنَجِّمِينَ لِتَقْوِيمِ مِيلَادِهِ- فَرَفَعَ الْمُنَجِّمُونَ إِلَيْهِ- أَنَّهُمْ يَجِدُونَ الْغُلَامَ يَبْلُغُ مِنَ الشَّرَفِ- وَ الْمَنْزِلَةِ مَا لَا يَبْلُغُهُ أَحَدٌ قَطُّ فِي أَرْضِ الْهِنْدِ- وَ اتَّفَقُوا عَلَى ذَلِكَ جَمِيعاً غَيْرَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ- مَا أَظُنُّ الشَّرَفَ وَ الْمَنْزِلَةَ وَ الْفَضْلَ- الَّذِي وَجَدْنَاهُ يَبْلُغُهُ هَذَا الْغُلَامُ إِلَّا شَرَفَ الْآخِرَةِ- وَ لَا أَحْسَبُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَاماً فِي الدِّينِ وَ النُّسُكِ- وَ ذَا فَضِيلَةٍ فِي دَرَجَاتِ الْآخِرَةِ لِأَنِّي أَرَى الشَّرَفَ- الَّذِي تَبْلُغُهُ لَيْسَ يُشْبِهُ شَيْئاً مِنْ شَرَفِ الدُّنْيَا- وَ هُوَ شَبِيهٌ بِشَرَفِ الْآخِرَةِ- فَوَقَعَ ذَلِكَ الْقَوْلُ مِنَ الْمَلِكِ مَوْقِعاً- كَادَ أَنْ يُنَغِّصَهُ سُرُورَهُ بِالْغُلَامِ- وَ كَانَ الْمُنَجِّمُ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ- مِنْ أَوْثَقِ الْمُنَجِّمِينَ فِي نَفْسِهِ وَ أَعْلَمِهِمْ وَ أَصْدَقِهِمْ عِنْدَهُ- وَ أَمَرَ الْمَلِكُ لِلْغُلَامِ بِمَدِينَةٍ فَأَخْلَاهَا- وَ تَخَيَّرَ لَهُ مِنَ الظُّؤْرَةِ وَ الْخَدَمِ كُلَّ ثِقَةٍ- وَ تَقَدَّمَ إِلَيْهِمْ أَنْ لَا يُذْكَرَ فِيمَا بَيْنَهُمْ مَوْتٌ- وَ لَا آخِرَةٌ وَ لَا حُزْنٌ وَ لَا مَرَضٌ وَ لَا فَنَاءٌ- حَتَّى تَعْتَادَ ذَلِكَ أَلْسِنَتُهُمْ وَ تَنْسَاهُ قُلُوبُهُمْ- وَ أَمَرَهُمْ إِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ أَنْ لَا يَنْطِقُوا عِنْدَهُ بِذِكْرِ شَيْءٍ- مِمَّا يَتَخَوَّفُونَهُ عَلَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ فِي قَلْبِهِ مِنْهُ شَيْءٌ- فَيَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيَةً إِلَى اهْتِمَامِهِ بِالدِّينِ وَ النُّسُكِ- وَ أَنْ يَتَحَفَّظُوا وَ يَتَحَرَّزُوا مِنْ ذَلِكَ- وَ يَتَفَقَّدَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ- وَ ازْدَادَ الْمَلِكُ عِنْدَ ذَلِكَ حَنَقاً عَلَى النُّسَّاكِ مَخَافَةً عَلَى ابْنِهِ- وَ كَانَ لِذَلِكَ الْمَلِكُ وَزِيرٌ قَدْ كَفَلَ أَمْرَهُ- وَ حَمَلَ عَنْهُ مَئُونَةَ سُلْطَانِهِ- وَ كَانَ لَا يَخُونُهُ وَ لَا يَكْذِبُهُ وَ لَا يَكْتُمُهُ وَ لَا يُؤْثِرُ عَلَيْهِ- وَ لَا يَتَوَانَى فِي شَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ وَ لَا يُضَيِّعُهُ- وَ كَانَ الْوَزِيرُ مَعَ ذَلِكَ رَجُلًا لَطِيفاً طَلِقاً مَعْرُوفاً بِالْخَيْرِ- يُحِبُّهُ النَّاسُ وَ يَرْضَوْنَ بِهِ إِلَّا أَنَّ أَحِبَّاءَ الْمَلِكِ- وَ أَقْرِبَاءَهُ كَانُوا يَحْسُدُونَهُ وَ يَبْغُونَ عَلَيْهِ- وَ يَسْتَثْقِلُونَ بِمَكَانِهِ- ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى الصَّيْدِ- وَ مَعَهُ ذَلِكَ الْوَزِيرُ فَأَتَى بِهِ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ- عَلَى رَجُلٍ قَدْ أَصَابَتْهُ زَمَانَةٌ شَدِيدَةٌ فِي رِجْلَيْهِ- مُلْقًى فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ بَرَاحاً - فَسَأَلَهُ الْوَزِيرُ عَنْ شَأْنِهِ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ السِّبَاعَ أَصَابَتْهُ- فَرَقَّ لَهُ الْوَزِيرُ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ- ضُمَّنِي إِلَيْكَ وَ احْمِلْنِي إِلَى مَنْزِلِكَ- فَإِنَّكَ تَجِدُ عِنْدِي مَنْفَعَةً فَقَالَ الْوَزِيرُ- إِنِّي لَفَاعِلٌ وَ إِنْ لَمْ أَجِدْ عِنْدَكَ مَنْفَعَةً- وَ لَكِنْ يَا هَذَا مَا الْمَنْفَعَةُ الَّتِي تَعِدُنِيهَا- هَلْ تَعْمَلُ عَمَلًا أَوْ تُحْسِنُ شَيْئاً فَقَالَ الرَّجُلُ نَعَمْ- أَنَا أَرْتِقُ الْكَلَامَ فَقَالَ وَ كَيْفَ تَرْتِقُ الْكَلَامَ- قَالَ إِذَا كَانَ فِيهِ فَتْقٌ أَرْتِقُهُ حَتَّى لَا يَجِيءَ مِنْ قِبَلِهِ فَسَادٌ- فَلَمْ يَرَ الْوَزِيرُ قَوْلَهُ شَيْئاً- وَ أَمَرَ بِحَمْلِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ وَ أَمَرَ لَهُ بِمَا يُصْلِحُهُ- حَتَّى إِذْ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ احْتَالَ أَحِبَّاءُ الْمَلِكِ لِلْوَزِيرِ- وَ ضَرَبُوا لَهُ الْأُمُورَ ظَهْراً وَ بَطْناً- فَأَجْمَعَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ دَسُّوا رَجُلًا مِنْهُمْ إِلَى الْمَلِكِ- فَقَالَ لَهُ أَيُّهَا الْمَلِكُ- إِنَّ هَذَا الْوَزِيرَ يَطْمَعُ فِي مُلْكِكَ أَنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ عَقِبُكَ مِنْ بَعْدِكَ- فَهُوَ يُصَانِعُ النَّاسَ عَلَى ذَلِكَ وَ يَعْمَلُ عَلَيْهِ دَائِباً- فَإِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَعْلَمَ صِدْقَ ذَلِكَ- فَأَخْبِرْهُ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لَكَ أَنْ تَرْفِضَ الْمُلْكَ وَ تَلْحَقَ بِالنُّسَّاكِ- فَإِنَّكَ سَتَرَى مِنْ فَرَحِهِ بِذَلِكَ مَا تَعْرِفُ بِهِ أَمْرَهُ- وَ كَانَ الْقَوْمُ قَدْ عَرَفُوا مِنَ الْوَزِيرِ رِقَّةً عِنْدَ ذِكْرِ فَنَاءِ الدُّنْيَا- وَ الْمَوْتِ وَ لِيناً لِلنُّسَّاكِ وَ حُبّاً لَهُمْ- فَعَمِلُوا فِيهِ مِنَ الْوَجْهِ- الَّذِي ظَنُّوا أَنَّهُمْ يَظْفَرُونَ بِحَاجَتِهِمْ مِنْهُ- فَقَالَ الْمَلِكُ لَئِنْ هَجَمْتُ مِنْهُ عَلَى هَذَا لَمْ أَسْأَلْ عَمَّا سِوَاهُ- فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ الْوَزِيرُ قَالَ لَهُ الْمَلِكُ- إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ حِرْصِي عَلَى الدُّنْيَا وَ طَلَبِ الْمُلْكِ- وَ إِنِّي ذَكَرْتُ مَا مَضَى مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ أَجِدْ مَعِي مِنْهُ طَائِلًا- وَ قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ الَّذِي بَقِيَ مِنْهُ كَالَّذِي مَضَى- فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَضِيَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِأَجْمَعِهِ- فَلَا يَصِيرَ فِي يَدِي مِنْهُ شَيْءٌ- وَ أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَعْمَلَ فِي حَالِ الْآخِرَةِ- عَمَلًا قَوِيّاً عَلَى قَدْرِ مَا كَانَ مِنْ عَمَلِي فِي الدُّنْيَا- وَ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أَلْحَقَ بِالنُّسَّاكِ- وَ أُخَلِّيَ هَذَا الْعَمَلَ لِأَهْلِهِ فَمَا رَأْيُكَ- قَالَ فَرَقَّ الْوَزِيرُ لِذَلِكَ رِقَّةً شَدِيدَةً حَتَّى عَرَفَ الْمَلِكُ ذَلِكَ مِنْهُ- ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا الْمَلِكُ إِنَّ الْبَاقِيَ- وَ إِنْ كَانَ عَزِيزاً لَأَهْلٌ أَنْ يُطْلَبَ وَ إِنَّ الْفَانِيَ- وَ إِنِ اسْتَمْكَنْتَ مِنْهُ لَأَهْلٌ أَنْ يُرْفَضَ وَ نِعْمَ الرَّأْيُ رَأَيْتَ- وَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَجْمَعَ اللَّهُ لَكَ مَعَ الدُّنْيَا شَرَفَ الْآخِرَةِ- قَالَ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمَلِكِ- وَ وَقَعَ مِنْهُ كُلُّ مَوْقِعٍ- وَ لَمْ يُبْدِ لَهُ شَيْئاً غَيْرَ أَنَّ الْوَزِيرَ عَرَفَ الثِّقْلَ فِي وَجْهِهِ- فَانْصَرَفَ إِلَى أَهْلِهِ كَئِيباً حَزِيناً لَا يَدْرِي مِنْ أَيْنَ أُتِيَ- وَ لَا مَنْ دَهَاهُ وَ لَا يَدْرِي مَا دَوَاءُ الْمَلِكِ- فِيمَا اسْتَنْكَرَ عَلَيْهِ فَسَهِرَ لِذَلِكَ عَامَّةَ اللَّيْلِ- ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ الَّذِي زَعَمَ أَنَّهُ يَرْتِقُ الْكَلَامَ- فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ فَقَالَ لَهُ- إِنَّكَ كُنْتَ ذَكَرْتَ لِي ذِكْراً مِنْ رَتْقِ الْكَلَامِ- فَقَالَ الرَّجُلُ أَجَلْ فَهَلِ احْتَجْتَ إِلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ- فَقَالَ الْوَزِيرُ نَعَمْ أُخْبِرُكَ أَنِّي صَحِبْتُ هَذَا الْمَلِكَ قَبْلَ مُلْكِهِ- وَ مُنْذُ صَارَ مَلِكاً فَلَمْ أَسْتَنْكِرْهُ فِيمَا بَيْنِي وَ بَيْنَهُ قَطُّ- لِمَا يَعْرِفُهُ مِنْ نَصِيحَتِي وَ شَفَقَتِي- وَ إِيثَارِي إِيَّاهُ عَلَى نَفْسِي وَ عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ- حَتَّى إِذَا كَانَ هَذَا الْيَوْمُ اسْتَنْكَرْتُهُ اسْتِنْكَاراً شَدِيداً- لَا أَظُنُّ خَيْراً عِنْدَهُ بَعْدَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّاتِقُ- هَلْ لِذَلِكَ سَبَبٌ أَوْ عِلَّةٌ قَالَ الْوَزِيرُ- نَعَمْ دَعَانِي أَمْسِ وَ قَالَ لِي كَذَا وَ كَذَا- فَقُلْتُ لَهُ كَذَا وَ كَذَا- فَقَالَ مِنْ هَاهُنَا جَاءَ الْفَتْقُ وَ أَنَا أَرْتِقُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ- اعْلَمْ أَنَّ الْمَلِكَ- قَدْ ظَنَّ أَنَّكَ تُحِبُّ أَنْ يَنْجَلِيَ هُوَ عَنْ مُلْكِهِ وَ تَخْلُفَهُ أَنْتَ فِيهِ فَإِذَا كَانَ عِنْدَ الصُّبْحِ- فَاطْرَحْ عَنْكَ ثِيَابَكَ وَ حِلْيَتَكَ- وَ الْبَسْ أَوْضَعَ مَا تَجِدُهُ مِنْ ذِي النُّسَّاكِ وَ أَشْهَرَهُ- ثُمَّ احْلِقْ رَأْسَكَ وَ امْضِ عَلَى وَجْهِكَ إِلَى بَابِ الْمَلِكِ- فَإِنَّ الْمَلِكَ سَيَدْعُو بِكَ- وَ يَسْأَلُكَ عَنِ الَّذِي صَنَعْتَ فَقُلْ لَهُ- هَذَا الَّذِي دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ- وَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُشِيرَ عَلَى صَاحِبِهِ بِشَيْءٍ إِلَّا- وَاسَاهُ فِيهِ وَ صَبَرَ عَلَيْهِ- وَ مَا أَظُنُّ الَّذِي دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ إِلَّا خَيْراً مِمَّا نَحْنُ فِيهِ- فَقُمْ إِذَا بَدَا لَكَ فَفَعَلَ الْوَزِيرُ ذَلِكَ- فَتَخَلَّى عَنْ نَفْسِ الْمَلِكِ مَا كَانَ فِيهَا عَلَيْهِ- ثُمَّ أَمَرَ الْمَلِكُ بِنَفْيِ النُّسَّاكِ مِنْ جَمِيعِ بِلَادِهِ- وَ تَوَعَّدَهُمْ بِالْقَتْلِ فَجَدُّوا فِي الْهَرَبِ وَ الِاسْتِخْفَاءِ- ثُمَّ إِنَّ الْمَلِكَ خَرَجَ ذَاتَ يَوْمٍ مُتَصَيِّداً- فَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى شَخْصَيْنِ مِنْ بَعِيدٍ- فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمَا فَأُتِيَ بِهِمَا فَإِذَا هُمَا نَاسِكَانِ فَقَالَ لَهُمَا- مَا بَالُكُمَا لَنْ تَخْرُجَا مِنْ بِلَادِي- قَالا قَدْ أَتَتْنَا رُسُلُكَ وَ نَحْنُ عَلَى سَبِيلِ الْخُرُوجِ- قَالَ وَ لِمَ خَرَجْتُمَا رَاجِلَيْنِ- قَالا لِأَنَّا قَوْمٌ ضُعَفَاءُ لَيْسَ لَنَا دَوَابُّ- وَ لَا زَادٌ وَ لَا نَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ إِلَّا بِالتَّقْصِيرِ- قَالَ الْمَلِكُ إِنَّ مَنْ خَافَ الْمَوْتَ أَسْرَعَ بِغَيْرِ دَابَّةٍ- وَ لَا زَادٍ فَقَالا لَهُ إِنَّا لَا نَخَافُ الْمَوْتَ- بَلْ لَا نَنْظُرُ قُرَّةَ عَيْنٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا فِيهِ- قَالَ الْمَلِكُ وَ كَيْفَ لَا تَخَافَانِ الْمَوْتَ- وَ قَدْ زَعَمْتُمَا أَنَّ رُسُلَنَا لَمَا أَتَتْكُمُ- وَ أَنْتُمْ عَلَى سَبِيلِ الْخُرُوجِ- أَ فَلَيْسَ هَذَا هُوَ الْهَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ- قَالا إِنَّ الْهَرَبَ مِنَ الْمَوْتِ لَيْسَ مِنَ الْفَرَقِ - فَلَا تَظُنُّ أَنَّا فَرَقْنَاكَ- وَ لَكِنَّا هَرَبْنَا مِنْ أَنْ يعينك [نُعِينَكَ عَلَى أَنْفُسِنَا- فَأَسِفَ الْمَلِكُ وَ أَمَرَ بِهِمَا أَنْ يُحْرَقَا بِالنَّارِ- وَ أَذِنَ فِي أَهْلِ مَمْلَكَتِهِ بِأَخْذِ النُّسَّاكِ وَ تَحْرِيقِهِمْ بِالنَّارِ- فَتَجَرَّدَ رُؤَسَاءُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فِي طَلَبِهِمْ- وَ أَخَذُوا مِنْهُمْ بَشَراً كَثِيراً وَ أَحْرَقُوهُمْ بِالنَّارِ- فَمِنْ ثَمَّ صَارَ التَّحْرِيقُ سُنَّةً بَاقِيَةً فِي أَرْضِ الْهِنْدِ- وَ بَقِيَ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْأَرْضِ- قَوْمٌ قَلِيلٌ مِنَ النُّسَّاكِ كَرِهُوا الْخُرُوجَ مِنَ الْبِلَادِ- وَ اخْتَارُوا الْغَيْبَةَ وَ الِاسْتِخْفَاءَ- لِيَكُونُوا دُعَاةً وَ هُدَاةً لِمَنْ وَصَلُوا إِلَى كَلَامِهِ- فَنَبَتَ ابْنُ الْمَلِكِ أَحْسَنَ نَبَاتٍ فِي جِسْمِهِ وَ عَقْلِهِ وَ عِلْمِهِ وَ رَأْيِهِ- وَ لَكِنَّهُ لَمْ يُؤْخَذْ بِشَيْءٍ مِنَ الْآدَابِ- إِلَّا بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْمُلُوكُ مِمَّا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ مَوْتٍ- وَ لَا زَوَالٍ وَ لَا فَنَاءٍ وَ أُوتِيَ الْغُلَامُ مِنَ الْعِلْمِ- وَ الْحِفْظِ شَيْئاً كَانَ عِنْدَ النَّاسِ مِنَ الْعَجَائِبِ- وَ كَانَ أَبُوهُ لَا يَدْرِي أَ يَفْرَحُ بِمَا أُوتِيَ ابْنُهُ مِنْ ذَلِكَ أَوْ يَحْزَنُ لَهُ- لِمَا يَتَخَوَّفُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْعُوَهُ ذَلِكَ إِلَى مَا قِيلَ فِيهِ- فَلَمَّا فَطَنَ الْغُلَامُ بِحَصْرِهِمْ إِيَّاهُ فِي الْمَدِينَةِ- وَ مَنَعَهُمْ إِيَّاهُ مِنَ الْخُرُوجِ وَ النَّظَرِ وَ الِاسْتِمَاعِ- وَ تَحَفُّظِهِمْ عَلَيْهِ ارْتَابَ لِذَلِكَ وَ سَكَتَ عَنْهُ- وَ قَالَ فِي نَفْسِهِ هَؤُلَاءِ أَعْلَمُ بِمَا يُصْلِحُنِي مِنِّي- حَتَّى إِذَا ازْدَادَ بِالسِّنِّ وَ التَّجْرِبَةِ عِلْماً- قَالَ مَا أَرَى لِهَؤُلَاءِ عَلَيَّ فَضْلًا- وَ مَا أَنَا بِحَقِيقٍ أَنْ أُقَلِّدَهُمْ أَمْرِي- فَأَرَادَ أَنْ يُكَلِّمَ أَبَاهُ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ- وَ يَسْأَلَهُ عَنْ سَبَبِ حَصْرِهِ إِيَّاهُ- ثُمَّ قَالَ مَا هَذَا الْأَمْرُ إِلَّا مِنْ قِبَلِهِ- وَ مَا كَانَ لِيُطْلِعَنِي عَلَيْهِ وَ لَكِنِّي حَقِيقٌ- أَنْ أَلْتَمِسَ عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ أَرْجُو إِدْرَاكَهُ- وَ كَانَ فِي خَدَمِهِ رَجُلٌ كَانَ أَلْطَفَهُمْ بِهِ وَ أَرْأَفَهُمْ بِهِ- وَ كَانَ الْغُلَامُ إِلَيْهِ مُسْتَأْنِساً- فَطَمِعَ الْغُلَامُ فِي إِصَابَةِ الْخَبَرِ مِنْ قِبَلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ- فَازْدَادَ لَهُ مُلَاطَفَةً وَ بِهِ اسْتِينَاساً- ثُمَّ إِنَّ الْغُلَامَ وَاضَعَهُ الْكَلَامَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ بِاللِّينِ- وَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ وَالِدِهِ وَ أَوْلَى النَّاسِ بِهِ- ثُمَّ أَخَذَهُ بِالتَّرْغِيبِ وَ التَّرْهِيبِ- وَ قَالَ لَهُ إِنِّي لَأَظُنُّ هَذَا الْمُلْكَ سائر [سَائِراً لِي بَعْدَ وَالِدِي- وَ أَنْتَ فِيهِ سَائِرُ أَحَدِ رَجُلَيْنِ- إِمَّا أَعْظَمُ النَّاسِ فِيهِ مَنْزِلَةً وَ إِمَّا أَسْوَأُ النَّاسِ حَالًا- قَالَ لَهُ الْحَاضِنُ وَ بِأَيِّ شَيْءٍ أَتَخَوَّفُ فِي مُلْكِكَ سُوءَ الْحَالِ- قَالَ بِأَنْ تَكْتُمَنِي الْيَوْمَ أَمْراً أَفْهَمُهُ غَداً مِنْ غَيْرِكَ- فَأَنْتَقِمَ مِنْكَ بِأَشَدِّ مَا أَقْدِرُ عَلَيْكَ- فَعَرَفَ الْحَاضِنُ مِنْهُ الصِّدْقَ- وَ طَمِعَ مِنْهُ فِي الْوَفَاءِ فَأَفْشَى إِلَيْهِ خَبَرَهُ- وَ الَّذِي قَالَ الْمُنَجِّمُونَ لِأَبِيهِ وَ الَّذِي حَذَرَ أَبُوهُ مِنْ ذَلِكَ- فَشَكَرَ لَهُ الْغُلَامُ ذَلِكَ- وَ أَطْبَقَ عَلَيْهِ حَتَّى إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَبُوهُ- قَالَ يَا أَبَهْ إِنِّي وَ إِنْ كُنْتُ صَبِيّاً فَقَدْ رَأَيْتُ فِي نَفْسِي- وَ اخْتِلَافِ حَالِي أَذْكُرُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَذْكُرُ- وَ أَعْرِفُ بِمَا لَا أَذْكُرُ مِنْهُ مَا أَعْرِفُ- وَ أَنَا أَعْرِفُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ عَلَى هَذَا الْمِثَالِ- وَ أَنَّكَ لَمْ تَكُنْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ- وَ لَا أَنْتَ كَائِنٌ عَلَيْهَا إِلَى الْأَبَدِ وَ سَيُغَيِّرُكَ الدَّهْرُ عَنْ حَالِكَ هَذِهِ- فَلَئِنْ كُنْتَ أَرَدْتَ أَنْ تُخْفِيَ عَنِّي أَمْرَ الزَّوَالِ- فَمَا خَفِيَ عَلَى ذَلِكَ- وَ لَئِنْ كُنْتَ حَبَسْتَنِي عَنِ الْخُرُوجِ- وَ حُلْتَ بَيْنِي وَ بَيْنَ النَّاسِ لِكَيْلَا تَتُوقَ نَفْسِي- إِلَى غَيْرِ مَا أَنَا فِيهِ لَقَدْ تَرَكْتَنِي بِحَصْرِكَ إِيَّايَ- وَ إِنَّ نَفْسِي لَقَلِقَةٌ مِمَّا تَحُولُ بَيْنِي وَ بَيْنَهُ حَتَّى مَا لِي هَمٌّ غَيْرُهُ- وَ لَا أَرَدْتُ سِوَاهُ- حَتَّى لَا يَطْمَئِنُّ قَلْبِي إِلَى شَيْءٍ مِمَّا أَنَا فِيهِ- وَ لَا أَنْتَفِعُ بِهِ وَ لَا آلَفُهُ- فَخَلِّ عَنِّي وَ أَعْلِمْنِي بِمَا تَكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ وَ تَحْذَرُهُ حَتَّى أَجْتَنِبَهُ- وَ أُوثِرَ مُوَافَقَتَكَ وَ رِضَاكَ عَلَى مَا سِوَاهُمَا فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ ذَلِكَ مِنِ ابْنِهِ عَلِمَ- أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مَا الَّذِي يَكْرَهُهُ- وَ أَنَّهُ مِنْ حَبْسِهِ وَ حَصْرِهِ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا إِغْرَاءً- وَ حِرْصاً عَلَى مَا يُحَالُ بَيْنَهُ وَ بَيْنَهُ فَقَالَ يَا بُنَيَّ- مَا أَرَدْتُ بِحَصْرِي إِيَّاكَ إِلَّا أَنْ أُنَحِّيَ عَنْكَ الْأَذَى- فَلَا تَرَى إِلَّا مَا يُوَافِقُكَ وَ لَا تَسْمَعُ إِلَّا مَا يَسُرُّكَ- فَأَمَّا إِذَا كَانَ هَوَاكَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ- فَإِنَّ آثَرَ الْأَشْيَاءِ عِنْدِي مَا رَضِيتَ وَ هَوِيتَ- ثُمَّ أَمَرَ الْمَلِكُ أَصْحَابَهُ أَنْ يُرْكِبُوهُ فِي أَحْسَنِ زِينَةٍ- وَ أَنْ يُنَحُّوا عَنْ طَرِيقِهِ كُلَّ مَنْظَرٍ قَبِيحٍ- وَ أَنْ يُعِدُّوا لَهُ الْمَعَازِفَ وَ الْمَلَاهِيَ فَفَعَلُوا ذَلِكَ- فَجَعَلَ بَعْدَ رَكْبَتِهِ تِلْكَ يُكْثِرُ الرُّكُوبَ- فَمَرَّ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى طَرِيقٍ قَدْ غَفَلُوا عَنْهُ- فَأَتَى عَلَى رَجُلَيْنِ مِنَ السُّؤَّالِ - أَحَدُهُمَا قَدْ تَوَرَّمَ وَ ذَهَبَ لَحْمُهُ- وَ اصْفَرَّ جِلْدُهُ وَ ذَهَبَ مَاءُ وَجْهِهِ- وَ سَمُجَ مَنْظَرُهُ وَ الْآخَرُ أَعْمَى يَقُودُهُ قَائِدٌ- فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ اقْشَعَرَّ مِنْهُمَا وَ سَأَلَ عَنْهُمَا- فَقِيلَ لَهُ إِنَّ هَذَا الْمُوَرَّمَ مِنْ سُقْمٍ بَاطِنٍ- وَ هَذَا الْأَعْمَى مِنْ زَمَانَةٍ فَقَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- وَ إِنَّ هَذَا الْبَلَاءَ لَيُصِيبُ غَيْرَ وَاحِدٍ قَالُوا نَعَمْ- فَقَالَ هَلْ يَأْمَنُ أَحَدٌ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُصِيبَهُ مِثْلُ هَذَا قَالُوا لَا- وَ انْصَرَفَ يَوْمَئِذٍ مَهْمُوماً ثَقِيلًا مَحْزُوناً بَاكِياً- مُسْتَخِفّاً بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ مُلْكِهِ- وَ مُلْكِ أَبِيهِ فَلَبِثَ بِذَلِكَ أَيَّاماً- ثُمَّ رَكِبَ رَكْبَةً فَأَتَى فِي مَسِيرِهِ عَلَى شَيْخٍ كَبِيرٍ- قَدِ انْحَنَى مِنَ الْكِبَرِ وَ تَبَدَّلَ خَلْقُهُ- وَ ابْيَضَّ شَعْرُهُ وَ اسْوَدَّ لَوْنُهُ- وَ تَقَلَّصَ جِلْدُهُ وَ قَصُرَ خَطْوُهُ- فَعَجِبَ مِنْهُ وَ سَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا هَذَا الْهَرَمُ فَقَالَ وَ فِي كَمْ يَبْلُغُ الرَّجُلُ مَا أَرَى- قَالُوا فِي مِائَةِ سَنَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ- وَ قَالَ فَمَا وَرَاءَ ذَلِكَ قَالُوا الْمَوْتُ- قَالَ فَمَا يُخَلَّى بَيْنَ الرَّجُلِ وَ بَيْنَ مَا يُرِيدُ مِنَ الْمُدَّةِ- قَالُوا لَا وَ لَيُصَيَّرَنَّ إِلَى هَذَا فِي قَلِيلٍ مِنَ الْأَيَّامِ- فَقَالَ الشَّهْرُ ثَلَاثُونَ يَوْماً وَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً- وَ انْقِضَاءُ الْعُمُرِ مِائَةَ سَنَةٍ فَمَا أَسْرَعَ الْيَوْمَ فِي الشَّهْرِ- وَ مَا أَسْرَعَ الشَّهْرَ فِي السَّنَةِ- وَ مَا أَسْرَعَ السَّنَةَ فِي الْعُمُرِ فَانْصَرَفَ الْغُلَامُ- وَ هَذَا كَلَامُهُ يُبْدِيهِ وَ يُعِيدُهُ مُكَرِّراً لَهُ ثُمَّ سَهَرَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا وَ كَانَ لَهُ قَلْبٌ حَيٌّ ذَكِيٌّ- وَ عَقْلٌ لَا يَسْتَطِيعُ مَعَهُ نِسْيَاناً وَ لَا غَفْلَةً- فَعَلَاهُ الْحُزْنُ وَ الِاهْتِمَامُ فَانْصَرَفَ نَفْسَهُ عَنِ الدُّنْيَا وَ شَهَوَاتِهَا- وَ كَانَ فِي ذَلِكَ يُدَارِي أَبَاهُ وَ يَتَلَطَّفُ عِنْدَهُ- وَ هُوَ مَعَ ذَلِكَ قَدْ أَصْغَى بِسَمْعِهِ إِلَى كُلِّ مُتَكَلِّمٍ بِكَلِمَةٍ طَمِعَ- أَنْ يَسْمَعَ شَيْئاً يَدُلُّهُ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ فِيهِ- وَ خَلَا بِحَاضِنِهِ الَّذِي كَانَ أَفْضَى إِلَيْهِ بِسِرِّهِ- فَقَالَ لَهُ هَلْ تَعْرِفُ مِنَ النَّاسِ أَحَداً شَأْنُهُ غَيْرُ شَأْنِنَا- قَالَ نَعَمْ قَدْ كَانَ قَوْمٌ يُقَالُ لَهُمُ النُّسَّاكُ- رَفَضُوا الدُّنْيَا وَ طَلَبُوا الْآخِرَةَ وَ لَهُمْ كَلَامٌ- وَ عِلْمٌ لَا يُدْرَى مَا هُوَ- غَيْرَ أَنَّ النَّاسَ عَادُوهُمْ وَ أَبْغَضُوهُمْ وَ حَرَّقُوهُمْ- وَ نَفَاهُمُ الْمَلِكُ عَنْ هَذِهِ الْأَرْضِ- فَلَا يُعْلَمُ الْيَوْمَ بِبِلَادِنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ- فَإِنَّهُمْ قَدْ غَيَّبُوا أَشْخَاصَهُمْ يَنْتَظِرُونَ الْفَرَجَ- وَ هَذِهِ سُنَّةٌ فِي أَوْلِيَاءِ اللَّهِ قَدِيمَةٌ يَتَعَاطُونَهَا فِي دُوَلِ الْبَاطِلِ- فَاغْتَصَّ لِذَلِكَ الْخَبَرِ فُؤَادُهُ وَ طَالَ بِهِ اهْتِمَامُهُ- وَ صَارَ كَالرَّجُلِ الْمُلْتَمِسِ ضَالَّتَهُ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا- وَ ذَاعَ خَبَرُهُ فِي آفَاقِ الْأَرْضِ وَ شُهِرَ بِتَفَكُّرِهِ- وَ جَمَالِهِ وَ كَمَالِهِ وَ فَهْمِهِ وَ عَقْلِهِ- وَ زَهَادَتِهِ فِي الدُّنْيَا وَ هَوَانِهَا عَلَيْهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنَ النُّسَّاكِ يُقَالُ لَهُ بِلَوْهَرُ- بِأَرْضٍ يُقَالُ لَهَا سرانديب [سَرَنْدِيبُ وَ كَانَ رَجُلًا نَاسِكاً حَكِيماً- فَرَكِبَ الْبَحْرَ حَتَّى أَتَى أَرْضَ سولابط- ثُمَّ عَمَدَ إِلَى بَابِ ابْنِ الْمَلِكِ فَلَزِمَهُ- وَ طَرَحَ عَنْهُ زِيَّ النُّسَّاكِ وَ لَبِسَ زِيَّ التُّجَّارِ- وَ تَرَدَّدَ إِلَى بَابِ ابْنِ الْمَلِكِ حَتَّى عَرَفَ الْأَهْلَ- وَ الْأَحِبَّاءَ وَ الدَّاخِلِينَ إِلَيْهِ- فَلَمَّا اسْتَبَانَ لَهُ لُطْفُ الْحَاضِنِ بِابْنِ الْمَلِكِ- وَ حُسْنُ مَنْزِلَتِهِ مِنْهُ أَطَافَ بِهِ بِلَوْهَرُ حَتَّى أَصَابَ مِنْهُ خَلْوَةً- فَقَالَ لَهُ إِنِّي رَجُلٌ مِنْ تُجَّارِ سرانديب [سَرَنْدِيبَ- قَدِمْتُ مُنْذُ أَيَّامٍ وَ مَعِي سِلْعَةٌ عَظِيمَةٌ نَفِيسَةُ الثَّمَنِ- عَظِيمَةُ الْقَدْرِ فَأَرَدْتُ الثِّقَةَ لِنَفْسِي فَعَلَيْكَ وَقَعَ اخْتِيَارِي- وَ سِلْعَتِي خَيْرٌ مِنَ الْكِبْرِيتِ الْأَحْمَرِ- وَ هِيَ تُبْصِرُ الْعُمْيَانَ وَ تُسْمِعُ الصُّمَّ- وَ تُدَاوِي مِنَ الْأَسْقَامِ وَ تُقَوِّي مِنَ الضَّعْفِ- وَ تَعْصِمُ مِنَ الْجُنُونِ وَ تَنْصُرُ عَلَى الْعَدُوِّ- وَ لَمْ أَرَ بِهَذَا أَحَداً هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ هَذَا الْفَتَى- فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تَذْكُرَ لَهُ ذَلِكَ ذَكَرْتَهُ- فَإِنْ كَانَ لَهُ فِيهَا حَاجَةٌ أَدْخَلْتَنِي عَلَيْهِ- فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَنْهُ فَضْلُ سِلْعَتِي لَوْ قَدْ نَظَرَ إِلَيْهَا- قَالَ الْحَاضِنُ لِلْحَكِيمِ إِنَّكَ لَتَقُولُ شَيْئاً- مَا سَمِعْنَا بِهِ مِنْ أَحَدٍ قَبْلَكَ وَ لَا أَرَى بِكَ بَأْساً- وَ مَا مِثْلِي يَذْكُرُ مَا لَا يَدْرِي بِهِ مَا هُوَ- فَاعْرِضْ عَلَيَّ سِلْعَتَكَ أَنْظُرْ إِلَيْهَا- فَإِنْ رَأَيْتُ شَيْئاً يَنْبَغِي لِي أَنْ أَذْكُرَهُ ذَكَرْتُهُ- قَالَ لَهُ بِلَوْهَرُ إِنِّي رَجُلٌ طَبِيبٌ وَ إِنِّي لَأَرَى فِي بَصَرِكَ ضَعْفاً- فَأَخَافُ إِنْ نَظَرْتَ إِلَى سِلْعَتِي أَنْ يَلْتَمِعَ بَصَرُكَ- وَ لَكِنِ ابْنُ الْمَلِكِ صَحِيحُ الْبَصَرِ حَدَثُ السِّنِّ- وَ لَسْتُ أَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى سِلْعَتِي- فَإِنْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ كَانَتْ لَهُ مَبْذُولَةً عَلَى مَا يُحِبُّ- وَ إِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ تَدْخُلْ عَلَيْهِ مَئُونَةٌ وَ لَا مَنْقَصَةٌ- وَ هَذَا أَمْرٌ عَظِيمٌ لَا يَسَعُكَ أَنْ تُحَرِّمَهُ إِيَّاهُ أَوْ تَطْوِيَهُ دُونَهُ- فَانْطَلَقَ الْحَاضِنُ إِلَى ابْنِ الْمَلِكِ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ- فَحَسَّ قَلْبُ ابْنِ الْمَلِكِ بِأَنَّهُ قَدْ وَجَدَ حَاجَتَهُ- فَقَالَ عَجِّلْ إِدْخَالَ الرَّجُلِ عَلَيَّ لَيْلًا- وَ لْيَكُنْ ذَلِكَ فِي سِرٍّ وَ كِتْمَانٍ- فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَتَهَاوَنُ بِهِ- فَأَمَرَ الْحَاضِنُ بِلَوْهَرَ بِالتَّهَيُّؤِ لِلدُّخُولِ عَلَيْهِ- فَحَمَلَ مَعَهُ سَفَطاً فِيهِ كُتُبٌ لَهُ- فَقَالَ الْحَاضِنُ مَا هَذَا السَّفَطُ- قَالَ بِلَوْهَرُ فِي هَذَا السَّفَطِ سِلْعَتِي فَإِذَا شِئْتَ فَأَدْخِلْنِي عَلَيْهِ- فَانْطَلَقَ بِهِ حَتَّى أَدْخَلَهُ عَلَيْهِ- فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ بِلَوْهَرُ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَ حَيَّاهُ- وَ أَحْسَنَ ابْنُ الْمَلِكِ إِجَابَتَهُ وَ انْصَرَفَ الْحَاضِنُ- وَ قَعَدَ الْحَكِيمُ عِنْدَ الْمَلِكِ فَأَوَّلُ مَا قَالَ لَهُ بِلَوْهَرُ- رَأَيْتُكَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ- زِدْتَنِي فِي التَّحِيَّةِ عَلَى مَا تَصْنَعُ بِغِلْمَانِكَ- وَ أَشْرَافِ أَهْلِ بِلَادِكَ قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- ذَلِكَ لِعَظِيمِ مَا رَجَوْتُ عِنْدَكَ- قَالَ بِلَوْهَرُ لَئِنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ بِي- فَقَدْ كَانَ رَجُلًا مِنَ الْمُلُوكِ فِي بَعْضِ الْآفَاقِ يُعْرَفُ بِالْخَيْرِ- وَ يُرْجَى فَبَيْنَا هُوَ يَسِيرُ يَوْماً فِي مَوْكِبِهِ- إِذْ عَرَضَ لَهُ فِي مَسِيرِهِ رَجُلَانِ مَاشِيَانِ- لِبَاسُهُمَا الْخَلِقَانِ وَ عَلَيْهِمَا أَثَرُ الْبُؤْسِ وَ الضُّرِّ- فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِمَا الْمَلِكُ لَمْ يَتَمَالَكْ أَنْ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ- فَحَيَّاهُمَا وَ صَافَحَهُمَا فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ وُزَرَاؤُهُ- اشْتَدَّ جَزَعُهُمْ مِمَّا صَنَعَ الْمَلِكُ- فَأَتَوْا أَخاً لَهُ وَ كَانَ جَرِيّاً عَلَيْهِ فَقَالُوا- إِنَّ الْمَلِكَ أَزْرَى بِنَفْسِهِ وَ فَضَحَ أَهْلَ مَمْلَكَتِهِ- وَ خَرَّ عَنْ دَابَّتِهِ لِإِنْسَانَيْنِ دَنِيَّيْنِ- فَعَاتِبْهُ عَلَى ذَلِكَ كَيْلَا يَعُودَ وَ لُمْهُ عَلَى مَا صَنَعَ- فَفَعَلَ ذَلِكَ أَخُ الْمَلِكِ- فَأَجَابَهُ الْمَلِكُ بِجَوَابٍ لَا يُدْرَى- مَا حَالُهُ فِيهِ أَ سَاخِطٌ عَلَيْهِ الْمَلِكُ أَمْ رَاضٍ عَنْهُ- فَانْصَرَفَ إِلَى مَنْزِلِهِ حَتَّى إِذَا كَانَ بَعْدَ أَيَّامٍ أَمَرَ الْمَلِكُ مُنَادِياً- وَ كَانَ يُسَمَّى مُنَادِيَ الْمَوْتِ فَنَادَى فِي فِنَاءِ دَارِهِ- وَ كَانَتْ تِلْكَ سُنَّتَهُمْ فِيمَنْ أَرَادُوا قَتْلَهُ- فَقَامَتِ النَّوَائِحُ وَ النَّوَادِبُ فِي دَارِ أَخِ الْمَلِكِ- وَ لَبِسَ ثِيَابَ الْمَوْتَى وَ انْتَهَى إِلَى بَابِ الْمَلِكِ- وَ هُوَ يَبْكِي بُكَاءً شَدِيداً وَ نَتَفَ شَعْرَهُ- فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكَ دَعَا بِهِ- فَلَمَّا أَذِنَ لَهُ الْمَلِكُ دَخَلَ عَلَيْهِ- وَ وَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ وَ نَادَى بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ- وَ رَفَعَ يَدَهُ بِالتَّضَرُّعِ فَقَالَ لَهُ الْمَلِكُ- اقْتَرِبْ أَيُّهَا السَّفِيهُ أَنْتَ تَجْزَعُ مِنْ مُنَادٍ- نَادَى مِنْ بَابِكَ بِأَمْرِ مَخْلُوقٍ وَ لَيْسَ بِأَمْرِ خَالِقٍ- وَ أَنَا أَخُوكَ وَ قَدْ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ لَكَ إِلَيَّ ذَنْبٌ أَقْتُلُكَ عَلَيْهِ- ثُمَّ أَنْتُمْ تَلُومُونَنِي عَلَى وُقُوعِي إِلَى الْأَرْضِ- حِينَ نَظَرْتُ إِلَى مُنَادِي رَبِّي إِلَيَّ- وَ أَنَا أَعْرَفُ مِنْكُمْ بِذُنُوبِي- فَاذْهَبْ فَإِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ- إِنَّمَا اسْتَغَرَّكَ وُزَرَائِي وَ سَيَعْلَمُونَ خَطَأَهُمْ- ثُمَّ أَمَرَ الْمَلِكُ بِأَرْبَعَةِ تَوَابِيتَ فَصُنِعَتْ لَهُ مِنْ خَشَبٍ- فَطَلَا تَابُوتَيْنِ مِنْهَا بِالذَّهَبِ وَ تَابُوتَيْنِ بِالْقَارِ- فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهَا مَلَأَ تَابُوتَيِ الْقَارِ- ذَهَباً وَ يَاقُوتاً وَ زَبَرْجَداً وَ مَلَأَ تَابُوتَيِ الذَّهَبِ- جِيَفاً وَ دَماً وَ عَذِرَةً وَ شَعْراً- ثُمَّ جَمَعَ الْوُزَرَاءَ وَ الْأَشْرَافَ- الَّذِينَ ظَنَّ أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا صَنِيعَهُ- بِالرَّجُلَيْنِ الضَّعِيفَيْنِ النَّاسِكِينَ- فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ التَّوَابِيتَ الْأَرْبَعَةَ وَ أَمَرَهُمْ بِتَقْوِيمِهَا- فَقَالُوا أَمَّا فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ وَ مَا رَأَيْنَا وَ مَبْلَغِ عَلِمْنَا- فَإِنَّ تَابُوتَيِ الذَّهَبِ لَا ثَمَنَ لَهُمَا لِفَضْلِهِمَا- وَ تَابُوتَيِ الْقَارِ لَا ثَمَنَ لَهُمَا لِرَذَالَتِهِمَا فَقَالَ الْمَلِكُ- أَجَلْ هَذَا لِعِلْمِكُمْ بِالْأَشْيَاءِ وَ مَبْلَغِ رَأْيِكُمْ فِيهَا- ثُمَّ أَمَرَ بِتَابُوتَيِ الْقَارِ فَنُزِعَتْ عَنْهُمَا صَفَائِحُهُمَا- فَأَضَاءَ الْبَيْتُ بِمَا فِيهَا مِنَ الْجَوَاهِرِ فَقَالَ- هَذَانِ مَثَلُ الرَّجُلَيْنِ الَّذِينَ ازْدَرَيْتُمْ لِبَاسَهُمَا- وَ ظَاهِرَهُمَا وَ هُمَا مَمْلُوَّانِ عِلْماً- وَ حِكْمَةً وَ صِدْقاً وَ بِرّاً وَ سَائِرَ مَنَاقِبِ الْخَيْرِ- الَّذِي هُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْيَاقُوتِ وَ اللُّؤْلُؤِ وَ الْجَوْهَرِ وَ الذَّهَبِ- ثُمَّ أَمَرَ بِتَابُوتَيِ الذَّهَبِ فَنُزِعَ عَنْهُمَا أَبْوَابُهُمَا- فَاقْشَعَرَّ الْقَوْمُ مِنْ سُوءِ مَنْظَرِهِمَا- وَ تَأَذَّوْا بِرِيحِهِمَا وَ نَتْنِهِمَا فَقَالَ الْمَلِكُ- وَ هَذَانِ مَثَلُ الْقَوْمِ الْمُتَزَيِّنِينَ بِظَاهِرِ الْكِسْوَةِ- وَ اللِّبَاسِ وَ أَجْوَافُهُمَا مَمْلُوَّةٌ جَهَالَةً وَ عَمًى وَ كَذِباً- وَ جَوْراً وَ سَائِرَ أَنْوَاعِ الشَّرِّ- الَّتِي هِيَ أَفْظَعُ وَ أَشْنَعُ وَ أَقْذَرُ مِنَ الْجِيَفِ- قَالَ الْقَوْمُ قَدْ فُقِّهْنَا وَ اتَّعَظْنَا أَيُّهَا الْمَلِكُ- ثُمَّ قَالَ بِلَوْهَرُ هَذَا مَثَلُكَ يَا ابْنَ الْمَلِكِ- فِيمَا تَلَقَّيْتَنِي بِهِ مِنَ التَّحِيَّةِ وَ الْبِشْرِ- فَانْتَصَبَ يُوذَاسُفُ ابْنُ الْمَلِكِ وَ كَانَ مُتَّكِئاً- ثُمَّ قَالَ زِدْنِي مَثَلًا قَالَ الْحَكِيمُ- إِنَّ الزَّارِعَ خَرَجَ بِبَذْرِهِ الطَّيِّبِ لِيَبْذُرَهُ- فَلَمَّا مَلَأَ كَفَّهُ وَ نَثَرَهُ وَقَعَ بَعْضُهُ عَلَى حَافَّةِ الطَّرِيقِ- فَلَمْ يلبثان [يَلْبَثْ أَنِ الْتَقَطَهُ الطَّيْرُ- وَ وَقَعَ بَعْضُهُ عَلَى صَفَاةٍ قَدْ أَصَابَهَا نَدًى وَ طِينٌ- فَمَكَثَ حَتَّى اهْتَزَّ- فَلَمَّا صَارَتْ عُرُوقُهُ إِلَى يُبْسِ الصَّفَاةِ مَاتَ وَ يَبِسَ- وَ وَقَعَ بَعْضُهُ بِأَرْضٍ ذَاتِ شَوْكٍ فَنَبَتَ حَتَّى سَنْبَلَ- وَ كَادَ أَنْ يُثْمِرَ فَمَنَعَهُ الشَّوْكُ فَأَبْطَلَهُ- وَ أَمَّا مَا كَانَ مِنْهُ وَقَعَ فِي الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ- وَ إِنْ كَانَ قَلِيلًا فَإِنَّهُ سَلِمَ وَ طَابَ وَ زَكِيَ- فَالزَّارِعُ حَامِلُ الْحِكْمَةِ وَ أَمَّا الْبَذْرُ فَفُنُونُ الْكَلَامِ- وَ أَمَّا مَا وَقَعَ مِنْهُ عَلَى حَافَّةِ الطَّرِيقِ فَالْتَقَطَهُ الطَّيْرُ فَمَا لَا يُجَاوِزُ السَّمْعَ مِنْهُ حَتَّى يَمُرَّ صَفْحاً- وَ أَمَّا مَا وَقَعَ عَلَى الصَّخْرَةِ فِي النَّدَى- فَيَبِسَ حِينَ بَلَغَتْ عُرُوقُهُ الصَّفَاةَ فَمَا اسْتَحْلَاهُ صَاحِبُهُ- حَتَّى سَمِعَهُ بِفَرَاغِ قَلْبِهِ وَ عَرَفَهُ بِفَهْمِهِ- وَ لَمْ يَفْقَهْ بِحَصَافَةِ وَلَايَتِهِ- وَ أَمَّا مَا نَبَتَ مِنْهُ وَ كَادَ أَنْ يُثْمِرَ فَمَنَعَهُ الشَّوْكُ فَأَهْلَكَهُ- فَمَا وَعَاهُ صَاحِبُهُ حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْدَ الْعَمَلِ بِهِ- حَفَّتْهُ الشَّهَوَاتُ فَأَهْلَكَتْهُ وَ أَمَّا مَا زَكِيَ وَ طَابَ- وَ سَلِمَ مِنْهُ وَ انْتُفِعَ بِهِ رَآهُ الْبَصَرُ وَ وَعَاهُ الْحِفْظُ- وَ أَنْفَذَهُ الْعَزْمُ بِقَمْعِ الشَّهَوَاتِ وَ تَطْهِيرِ الْقُلُوبِ مِنْ دَنَسِهَا- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَا تَبْذُرَهُ أَيُّهَا الْحَكِيمُ مَا يَزْكُو- وَ يَسْلَمُ وَ يَطِيبُ فَاضْرِبْ لِي مَثَلَ الدُّنْيَا وَ غُرُورِ أَهْلِهَا بِهَا- قَالَ بِلَوْهَرُ بَلَغَنَا أَنَّ رَجُلًا حَمَلَ عَلَيْهِ فِيلٌ مُغْتَلِمٌ - فَانْطَلَقَ مُوَلِّياً هَارِباً وَ أَتْبَعَهُ الْفِيلُ حَتَّى غَشِيَهُ- فَاضْطَرَّهُ إِلَى بِئْرٍ فَتَدَلَّى فِيهَا- وَ تَعَلَّقَ بِغُصْنَيْنِ نَابِتَيْنِ عَلَى شَفِيرِ الْبِئْرِ- وَ وَقَعَتْ قَدَمَاهُ عَلَى رُءُوسِ حَيَّاتٍ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ الْغُصْنَيْنِ- فَإِذَا فِي أَصْلِهِمَا جُرَذَانٌ يَقْرِضَانِ الْغُصْنَيْنِ- أَحَدُهُمَا أَبْيَضُ وَ الْآخَرُ أَسْوَدُ فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى تَحْتِ قَدَمَيْهِ- فَإِذَا رُءُوسُ أَرْبَعِ أَفَاعٍ قَدْ طَلَعْنَ مِنْ جُحْرِهِنَّ- فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى قَعْرِ الْبِئْرِ إِذَا بِتِنِّينٍ- فَاغِرٍ فَاهُ نَحْوَهُ يُرِيدُ الْتِقَامَهُ- فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى أَعْلَى الْغُصْنَيْنِ- إِذَا عَلَيْهِمَا شَيْءٌ مِنْ عَسَلِ النَّحْلِ- فَتَطَعَّمَ مِنْ ذَلِكَ الْعَسَلِ فَأَلْهَاهُ مَا طَعِمَ مِنْهُ- وَ مَا نَالَ مِنْ لَذَّةِ الْعَسَلِ وَ حَلَاوَتِهِ عَنِ الْفِكْرِ- فِي أَمْرِ الْأَفَاعِي اللَّوَاتِي لَا يَدْرِي- مَتَى يُبَادِرْنَهَ وَ أَلْهَاهُ عَنِ التِّنِّينِ- الَّذِي لَا يَدْرِي كَيْفَ مَصِيرُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ فِي لَهَوَاتِهِ- أَمَّا الْبِئْرُ فَالدُّنْيَا مَمْلُوَّةَ آفَاتٍ وَ بَلَايَا وَ شُرُورٍ- وَ أَمَّا الْغُصْنَانِ فَالْعُمُرُ- وَ أَمَّا الْجِرْذَانُ فَاللَّيْلُ وَ النَّهَارُ يُسْرِعَانِ فِي الْأَجَلِ- وَ أَمَّا الْأَفَاعِي الْأَرْبَعَةُ فَالْأَخْلَاطُ الْأَرْبَعَةُ- الَّتِي هِيَ السُّمُومُ الْقَاتِلَةُ مِنَ الْمِرَّةِ- وَ الْبَلْغَمِ وَ الرِّيحِ وَ الدَّمِ الَّتِي لَا يَدْرِي صَاحِبُهَا مَتَى تُهَيِّجُ بِهِ- وَ أَمَّا التِّنِّينُ الْفَاغِرُ فَاهُ لِيَلْتَقِمَهُ- فَالْمَوْتُ الرَّاصِدُ الطَّالِبُ- وَ أَمَّا الْعَسَلُ الَّذِي اغْتَرَّ بِهِ الْمَغْرُورُ- فَمَا يَنَالُ النَّاسُ مِنْ لَذَّةِ الدُّنْيَا وَ شَهَوَاتِهَا وَ نَعِيمِهَا- وَ دَعَتِهَا مِنْ لَذَّةِ المَطْعَمِ وَ الْمَشْرَبِ- وَ الشَّمِّ وَ اللَّمْسِ وَ السَّمْعِ وَ الْبَصَرِ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ- إِنَّ هَذَا الْمَثَلَ عَجِيبٌ وَ إِنَّ هَذَا التَّشْبِيهَ حَقٌّ- فَزِدْنِي مَثَلًا لِلدُّنْيَا- وَ صَاحِبِهَا الْمَغْرُورِ بِهَا الْمُتَهَاوِنِ بِمَا يَنْفَعُهُ فِيهَا- قَالَ بِلَوْهَرُ زَعَمُوا أَنَّ رَجُلًا كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ قُرَنَاءَ- وَ كَانَ قَدْ آثَرَ أَحَدَهُمْ عَلَى النَّاسِ جَمِيعاً- وَ يَرْكَبُ الْأَهْوَالَ وَ الْأَخْطَارَ بِسَبَبِهِ وَ يُغَرِّرُ بِنَفْسِهِ لَهُ- وَ يُشْغَلُ لَيْلَهُ وَ نَهَارَهُ فِي حَاجَتِهِ- وَ كَانَ الْقَرِينُ الثَّانِي دُونَ الْأَوَّلِ مَنْزِلَةً- وَ هُوَ عَلَى ذَلِكَ حَبِيبٌ إِلَيْهِ مُشْفِقٌ عِنْدَهُ- وَ يُكْرِمُهُ وَ يُلَاطِفُهُ وَ يَخْدُمُهُ- وَ يُطِيعُهُ وَ يَبْذُلُ لَهُ وَ لَا يَغْفُلُ عَنْهُ- وَ كَانَ الْقَرِينُ الثَّالِثُ مَحْقُوراً مُسْتَثْقِلًا- لَيْسَ لَهُ مِنْ وُدِّهِ وَ مَالِهِ إِلَّا أَقَلُّهُ- حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِالرَّجُلِ الْأَمْرُ- الَّذِي يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى قُرَنَائِهِ الثَّلَاثَةِ- فَأَتَاهُ جَلَاوِزَةُ الْمَلِكِ لِيَذْهَبُوا بِهِ- فَفَزِعَ إِلَى قَرِينِهِ الْأَوَّلِ- فَقَالَ لَهُ قَدْ عَرَفْتَ إِيثَارِي إِيَّاكَ وَ بَذْلَ نَفْسِي لَكَ- وَ هَذَا الْيَوْمُ يَوْمُ حَاجَتِي إِلَيْكَ فَمَا ذَا عِنْدَكَ- قَالَ مَا أَنَا لَكَ بِصَاحِبٍ وَ إِنَّ لِي أَصْحَاباً يَشْغَلُونِي عَنْكَ- هُمُ الْيَوْمَ أَوْلَى بِي مِنْكَ- وَ لَكِنْ لَعَلِّي أُزَوِّدُكَ ثَوْبَيْنِ لِتَنْتَفِعَ بِهِمَا- ثُمَّ فَزِعَ إِلَى قَرِينِهِ الثَّانِي ذِي الْمَحَبَّةِ وَ اللُّطْفِ- فَقَالَ لَهُ قَدْ عَرَفْتَ كَرَامَتِي إِيَّاكَ- وَ لُطْفِي بِكَ وَ حِرْصِي عَلَى مَسَرَّتِكَ- وَ هَذَا يَوْمُ حَاجَتِي إِلَيْكَ فَمَا ذَا عِنْدَكَ- فَقَالَ إِنَّ أَمْرَ نَفْسِي يَشْغَلُنِي عَنْكَ وَ عَنْ أَمْرِكَ- فَاعْمِدْ لِشَأْنِكَ وَ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ انْقَطَعَ الَّذِي بَيْنِي وَ بَيْنَكَ- وَ أَنَّ طَرِيقِي غَيْرُ طَرِيقِكَ- إِلَّا أَنِّي لَعَلِّي أَخْطُو مَعَكَ خُطُوَاتٍ يَسِيرَةً لَا تَنْتَفِعُ بِهَا- ثُمَّ أَنْصَرِفُ إِلَى مَا هُوَ أَهُمُّ إِلَيَّ مِنْكَ- ثُمَّ فَزِعَ إِلَى قَرِينِهِ الثَّالِثِ الَّذِي كَانَ يُحَقِّرُهُ وَ يَعْصِيهِ- وَ لَا يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ أَيَّامَ رَخَائِهِ فَقَالَ لَهُ- إِنِّي مِنْكَ لَمُسْتَحٍ- وَ لَكِنَّ الْحَاجَةَ اضْطَرَّتْنِي إِلَيْكَ فَمَا ذَا لِي عِنْدَكَ- قَالَ لَكَ عِنْدِي الْمُوَاسَاةُ وَ الْمُحَافَظَةُ عَلَيْكَ- وَ قِلَّةُ الْغَفْلَةِ عَنْكَ فَأَبْشِرْ وَ قَرَّ عَيْناً- فَإِنِّي صَاحِبُكَ الَّذِي لَا يَخْذُلُكَ وَ لَا يُسْلِمُكَ- فَلَا يُهِمُّكَ قِلَّةُ مَا أَسْلَفْتَنِي وَ اصْطَنَعْتَ إِلَيَّ- فَإِنِّي قَدْ كُنْتُ أَحْفَظُ لَكَ ذَلِكَ وَ أُوَفِّرُهُ عَلَيْكَ كُلَّهُ- ثُمَّ لَمْ أَرْضَ لَكَ بَعْدَ ذَلِكَ بِهِ- حَتَّى اتَّجَرْتُ لَكَ بِهِ فَرَبِحْتُ أَرْبَاحاً كَثِيرَةً- فَلَكَ الْيَوْمُ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ أَضْعَافُ مَا وَضَعْتَ عِنْدِي مِنْهُ فَأَبْشِرْ- وَ إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ فِي ذَلِكَ- رِضَى الْمَلِكِ عَنْكَ الْيَوْمَ وَ فَرَجاً مِمَّا أَنْتَ فِيهِ- فَقَالَ الرَّجُلُ عِنْدَ ذَلِكَ مَا أَدْرِي عَلَى أَيِّ الْأَمْرَيْنِ- أَنَا أَشَدُّ حَسْرَةً عَلَيْهِ عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي الْقَرِينِ الصَّالِحِ- أَمْ عَلَى مَا اجْتَهَدْتُ فِيهِ مِنَ الْمَحَبَّةِ لِقَرِينِ السَّوْءِ- قَالَ بِلَوْهَرُ فَالْقَرِينُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمَالُ- وَ الْقَرِينُ الثَّانِي هُوَ الْأَهْلُ وَ الْوَلَدُ- وَ الْقَرِينُ الثَّالِثُ هُوَ الْعَمَلُ الصَّالِحُ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ إِنَّ هَذَا هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ- فَزِدْنِي مَثَلًا لِلدُّنْيَا وَ غُرُورِهَا- وَ صَاحِبِهَا الْمَغْرُورِ بِهَا الْمُطْمَئِنِّ إِلَيْهَا- قَالَ بِلَوْهَرُ كَانَ أَهْلُ مَدِينَةٍ يَأْتُونَ الرَّجُلَ- الْغَرِيبَ الْجَاهِلَ بِأَمْرِهِمْ فَيُمَلِّكُونَهُ عَلَيْهِمْ سَنَةً- فَلَا يَشُكُّ أَنَّ مُلْكَهُ دَائِمٌ عَلَيْهِمْ لِجَهَالَتِهِ بِهِمْ- فَإِذَا انْقَضَتِ السَّنَةُ أَخْرَجُوهُ مِنْ مَدِينَتِهِمْ- عُرْيَاناً مُجَرَّداً سَلِيباً- فَيَقَعُ فِي بَلَاءٍ وَ شَقَاءٍ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ- فَصَارَ مَا مَضَى عَلَيْهِ مِنْ مُلْكِهِ وَبَالًا وَ حُزْناً وَ مُصِيبَةً وَ أَذًى- ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَخَذُوا رَجُلًا آخَرَ فَمَلَّكُوهُ عَلَيْهِمْ- فَلَمَّا رَأَى الرَّجُلُ غُرْبَتَهُ فِيهِمْ لَمْ يَسْتَأْنِسْ بِهِمْ- وَ طَلَبَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ أَرْضِهِ خَبِيراً بِأَمْرِهِمْ حَتَّى وَجَدَهُ- فَأَفْضَى إِلَيْهِ بِسِرِّ الْقَوْمِ وَ أَشَارَ إِلَيْهِ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الْأَمْوَالِ- الَّتِي فِي يَدَيْهِ فَيُخْرِجَ مِنْهَا مَا اسْتَطَاعَ الْأَوَّلَ- فَالْأَوَّلَ حَتَّى يُحْرِزَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُخْرِجُونَهُ إِلَيْهِ- فَإِذَا أَخْرَجَهُ الْقَوْمُ صَارَ إِلَى الْكِفَايَةِ- وَ السَّعَةِ بِمَا قَدَّمَ وَ أَحْرَزَ- فَفَعَلَ مَا قَالَ لَهُ الرَّجُلُ وَ لَمْ يُضَيِّعْ وَصِيَّتَهُ- قَالَ بِلَوْهَرُ وَ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلَ- يَا ابْنَ الْمَلِكِ الَّذِي لَمْ يَسْتَأْنِسْ بِالْغُرَبَاءِ- وَ لَمْ يَغْتَرَّ بِالسُّلْطَانِ وَ أَنَا الرَّجُلُ الَّذِي طَلَبْتَ- وَ لَكَ عِنْدِي الدَّلَالَةُ وَ الْمَعْرِفَةُ وَ الْمَعُونَةُ- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ صَدَقْتَ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- أَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ وَ أَنْتَ ذَلِكَ الرَّجُلُ وَ أَنْتَ طَلِبَتِيَ الَّتِي كُنْتُ طَلَبْتُهَا فَصِفْ لِي أَمْرَ الْآخِرَةِ تَامّاً- فَأَمَّا الدُّنْيَا فَلَعَمْرِي لَقَدْ صَدَقْتَ- وَ لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْهَا مَا يَدُلُّنِي عَلَى فَنَائِهَا وَ يُزَهِّدُنِي فِيهَا- وَ لَمْ يَزَلْ أَمْرُهَا حَقِيراً عِنْدِي- قَالَ بِلَوْهَرُ إِنَّ الزَّهَادَةَ فِي الدُّنْيَا- يَا ابْنَ الْمَلِكِ مِفْتَاحُ الرَّغْبَةِ إِلَى الْآخِرَةِ- وَ مَنْ طَلَبَ الْآخِرَةَ فَأَصَابَ بَابَهَا دَخَلَ مَلَكُوتَهَا- وَ كَيْفَ لَا تَزْهَدُ فِي الدُّنْيَا وَ قَدْ آتَاكَ اللَّهُ مِنَ الْعَقْلِ مَا آتَاكَ- وَ قَدْ تَرَى أَنَّ الدُّنْيَا كُلَّهَا- وَ إِنْ كَثُرَتْ إِنَّمَا يَجْمَعُهَا أَهْلُهَا لِهَذِهِ الْأَجْسَادِ الْفَانِيَةِ- وَ الْجَسَدُ لَا قِوَامَ لَهُ وَ لَا امْتِنَاعَ بِهِ- فَالْحَرُّ يُذِيبُهُ وَ الْبَرْدُ يُجْمِدُهُ- وَ السُّمُومُ يَتَخَلَّلُهُ وَ الْمَاءُ يُغْرِقُهُ وَ الشَّمْسُ تُحْرِقُهُ- وَ الْهَوَاءُ يُسْقِمُهُ وَ السِّبَاعُ يَفْتَرِسُهُ- وَ الطَّيْرُ تَنْقُرُهُ وَ الْحَدِيدُ يَقْطَعُهُ وَ الصَّدْمُ يَحْطِمُهُ- ثُمَّ هُوَ مَعْجُونٌ بِطِيْنَةٍ مِنْ أَلْوَانِ الْأَسْقَامِ وَ الْأَوْجَاعِ وَ الْأَمْرَاضِ- فَهُوَ مُرْتَهَنٌ بِهَا مُتَرَقِّبٌ لَهَا وَجِلٌ مِنْهَا- غَيْرُ طَامِعٍ فِي السَّلَامَةِ مِنْهَا- ثُمَّ هُوَ مُقَارِنُ الْآفَاتِ السَّبْعِ الَّتِي لَا يَتَخَلَّصُ مِنْهَا ذُو جَسَدٍ- وَ هِيَ الْجُوعُ وَ الظَّمَأُ وَ الْحَرُّ وَ الْبَرْدُ- وَ الْوَجَعُ وَ الْخَوْفُ وَ الْمَوْتُ- فَأَمَّا مَا سَأَلْتَ مِنْهُ مِنَ الْأَمْرِ الْآخِرَةِ- فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ تَجِدَ مَا تَحْسَبُهُ بَعِيداً قَرِيباً- وَ مَا كُنْتَ تَحْسَبُهُ عَسِيراً يَسِيراً- وَ مَا كُنْتَ تَحْسَبُهُ قَلِيلًا كَثِيراً- قَالَ ابْنُ الْمَلِكِ أَيُّهَا الْحَكِيمُ- أَ رَأَيْتَ الْقَوْمَ

بحار الأنوار - ج ٧٥ - الصفحة ٣٨٣. — الإمام العسكري عليه السلام
الْعِلَلُ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْعَلَوِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ الْعَلَوِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام قَالَ

الْمُسُوخُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ الْفِيلُ وَ الدُّبُّ وَ الْأَرْنَبُ وَ الْعَقْرَبُ وَ الضَّبُّ وَ الْعَنْكَبُوتُ وَ الدُّعْمُوصُ وَ الْجِرِّيُّ وَ الْوَطْوَاطُ وَ الْقِرْدُ وَ الْخِنْزِيرُ وَ الزُّهَرَةُ وَ سُهَيْلٌ قِيلَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ص مَا كَانَ سَبَبُ مَسْخِ هَؤُلَاءِ قَالَ أَمَّا الْفِيلُ فَكَانَ رَجُلًا جَبَّاراً لُوطِيّاً لَا يَدَعُ رَطْباً وَ لَا يَابِساً وَ أَمَّا الدُّبُّ فَكَانَ رَجُلًا مُؤَنَّثاً يَدْعُو الرِّجَالَ إِلَى نَفْسِهِ وَ أَمَّا الْأَرْنَبُ فَكَانَتِ امْرَأَةً قَذِرَةً لَا تَغْتَسِلُ مِنْ حَيْضٍ وَ لَا غَيْرِ ذَلِكَ وَ أَمَّا الْعَقْرَبُ فَكَانَ رَجُلًا هَمَّازاً لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ وَ أَمَّا الضَّبُّ فَكَانَ رَجُلًا أَعْرَابِيّاً يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ وَ أَمَّا الْعَنْكَبُوتُ فَكَانَتِ امْرَأَةً سَحَرَتْ زَوْجَهَا وَ أَمَّا الدُّعْمُوصُ فَكَانَ رَجُلًا نَمَّاماً يَقْطَعُ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ وَ أَمَّا الْجِرِّيُّ فَكَانَ رَجُلًا دَيُّوثاً يَجْلِبُ الرِّجَالَ عَلَى حَلَائِلِهِ وَ أَمَّا الْوَطْوَاطُ فَكَانَ رَجُلًا سَارِقاً يَسْرِقُ الرُّطَبَ مِنْ رُءُوسِ النَّخْلِ وَ أَمَّا الْقِرَدَةُ فَالْيَهُودُ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ وَ أَمَّا الْخَنَازِيرُ فَالنَّصَارَى حِينَ سَأَلُوا الْمَائِدَةَ فَكَانُوا بَعْدَ نُزُولِهَا أَشَدَّ مَا كَانُوا تَكْذِيباً وَ أَمَّا سُهَيْلٌ فَكَانَ رَجُلًا عَشَّاراً بِالْيَمَنِ وَ أَمَّا الزُّهَرَةُ فَإِنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً تُسَمَّى نَاهِيدَ وَ هِيَ الَّتِي تَقُولُ النَّاسُ إِنَّهُ افْتَتَنَ بِهَا هَارُوتُ وَ مَارُوتُ.

بحار الأنوار - ج ٧٧ - الصفحة ٦٦. — الإمام الصادق عليه السلام
فَتَدُلُّ عَلَيْهِ أَخْبَارٌ مِنْهَا صَحِيحَةُ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ رَجُلٍ نَسِيَ أَنْ يَسْجُدَ وَاحِدَةً فَذَكَرَهَا وَ هُوَ قَائِمٌ قَالَ

يَسْجُدُهَا إِذَا ذَكَرَهَا وَ لَمْ يَرْكَعْ فَإِنْ كَانَ قَدْ رَكَعَ فَلْيَمْضِ عَلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا انْصَرَفَ قَضَاهَا وَحْدَهَا وَ لَيْسَ عَلَيْهِ سَهْوٌ. . و أما استئناف الركعة فلم يذكر الأصحاب له دليلا مع اتفاقهم عليه و يمكن أن يستدل له بما ورد في هذا الخبر و أمثاله من قوله يسجدها إذا ذكرها و تقييد الثاني بالقضاء دون الأول فإنهما يقتضيان كون السجدة أداء واقعة في محلها و هذا يعطي هدم ما وقع قبلها فإنه إذا تقع السجدة في محلها و لو اكتفى بما فعل قبلها كانت واقعة في غير محلها فلم تكن أداء بل قضاء و يؤيده ما سيأتي في فقه الرضا. ثم إنه ذهب أكثر المتأخرين إلى أنه إذا نسي سجدة واحدة و عاد للإتيان بها فإن كان جلس عقيب الأولى و اطمأن بنية الفعل أو لا بنيته لم يجب الرجوع إلى الجلوس قبل السجدة و إن لم يجلس أو جلس و لم يطمئن فقيل يجب الجلوس (2) وجوب استيناف الركعة انما يكون قضاء لحق الركن، و هو واضح. و قيل لا كما اختاره العلامة في المنتهى و الشيخ في المبسوط و المسألة محل تردد و إن كان الأول أقوى و أحوط و لو نوى بالجلوس الاستحباب لتوهمه أنه جلسة الاستراحة ففي الاكتفاء به وجهان و لعل الاكتفاء أقوى لعدم المضايقة في النية في الأخبار و لما روي من أنه إذا فعل كثيرا من أفعال الصلاة بقصد النافلة يبني على ما نواه أولا من الفريضة فيدل على أن نية الصلاة أولا تكفي لانصراف كل فعل إلى ما يلزمه الإتيان به و لا يضر نية المنافي سهوا. و قال الشهيد الثاني رحمه الله و لو شك هل جلس أم لا بنى على الأصل فيجب الجلوس و إن كان حالة الشك قد انتقل عن محله لأنه بالعود إلى السجدة مع استمرار الشك يصير في محله و لا يخفى ما فيه إذ ظاهر أن الإتيان بالسجود في هذا المحل ليس بالأمر الأول إذ الأمر الأول كان مقتضيا لإيقاعه قبل القيام و غيره و العود إليه إنما هو للأخبار الواردة فيه و لم يرد في تدارك الجلوس خبر و عود المحل لا معنى له. ثم إنه أوجب بعض الأصحاب هنا سجود السهو للقيام في موضع القعود و زيادة الأفعال و هو غير ثابت و سيأتي الكلام فيه و لعل الإتيان به أحوط. و اعلم أن هذا كله فيما إذا ذكر قبل الركوع و لو ذكر ترك السجدة بعد الوصول إلى حد الراكع فالمشهور أنه يجب عليه قضاء السجود بعد الصلاة و يسجد له سجدتي السهو. و ذهب الشيخ في التهذيب إلى أن من ترك سجدة واحدة من الأوليين أعاد الصلاة و الظاهر من كلام ابن أبي عقيل إعادة الصلاة بترك سجدة واحدة مطلقا سواء في ذلك الأوليان و الأخريان لأنه قال من سها عن فرض فزاد فيه أو نقص منه أو قدم منه مؤخرا أو أخر منه مقدما فصلاته باطلة و عليه الإعادة و قال قريبا منه في موضع آخر و عد من الفرض الركوع و السجود. و نسب إلى المفيد و الشيخ القول بأن كل سهو يلحق الركعتين الأوليين يوجب إعادة الصلاة و كذلك الشك سواء كان في عددهما أو أفعالهما و نقل الشيخ هذا القول عن بعض علمائنا و على هذا القول يلزم في نسيان السجدة إعادة الصلاة. و احتج الشيخ بهذا الخبر و في التهذيب ليس قوله و السجود و في الخبر تشويش و إجمال و يحتمل وجوها الأول أن يكون المراد بقوله و لم تدر واحدة هي أو اثنتين الركعة و الركعتين أي شككت مع ذلك بين الركعة و الركعتين فلا إشكال حينئذ في الحكم لكن لا ينطبق الجواب على السؤال و لا يستقيم المقابلة بين الشقين. الثاني أن يكون المراد السجدة و السجدتين و المعنى أنه تيقن ترك سجدة و شك في أنه هل سجد شيئا أم لا و على هذا يدل على مقصود الشيخ في الجملة إذ الشك بعد تجاوز المحل لا عبرة به فيكون البطلان لترك السجدة. الثالث أن يكون الواو في قوله و لم تدر بمعنى أو فيحتمل الوجه الأول أي الشك بين الركعة و الركعتين و الوجه الثاني أي السجدة و السجدتين فعلى الوجهين يدل على مذهب الشيخ في السجود و على الثاني يدل على ما نقلنا عنه ثانيا من إبطال مطلق الشك في الأوليين أيضا و في التهذيب فلم تدر فلا يتأتى فيه هذا الوجه و في الكافي كما هنا. و مع هذا الإجمال يشكل العمل به و رد الأخبار الكثيرة الدالة على عدم الفرق بين الأوليين و الأخيرتين و مفهوم آخر الخبر أيضا لا يعارض منطوق تلك الأخبار. و أجاب العلامة في المختلف عن هذا الخبر بأنه يحتمل أن يكون المراد بالاستقبال الإتيان بالسجود المشكوك فيه لا استقبال الصلاة و يكون قوله عليه السلام و إذا كان في الثالثة و الرابعة فتركت سجدة راجعا إلى من تيقن ترك السجدة في الأوليين فإن عليه إعادة السجدة لفوات محلها و لا شيء عليه لو شك بخلاف ما لو كان الشك في الأولى لأنه لم ينتقل من محل السجود فيأتي بالمشكوك فيه و لا يخفى بعده و لعل الأولى حمله على الاستحباب جمعا و العمل بالمشهور أولى. وَ احْتَجَّ فِي الْمُخْتَلَفِ لِابْنِ أَبِي عَقِيلٍ بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخُ بِسَنَدٍ فِيهِ إِرْسَالٌ عَنْ مُعَلَّى بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ الْمَاضِيَ عليه السلام فِي الرَّجُلِ يَنْسَى السَّجْدَةَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ إِذَا ذَكَرَهَا قَبْلَ رُكُوعِهِ سَجَدَهَا وَ بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ بَعْدَ انْصِرَافِهِ وَ إِنْ ذَكَرَهَا بَعْدَ رُكُوعِهِ أَعَادَ الصَّلَاةَ وَ نِسْيَانُ السَّجْدَةِ فِي الْأُولَيَيْنِ وَ الْأَخِيرَتَيْنِ سَوَاءٌ. و الشيخ حملها على نسيان السجدتين معا و هو حسن جمعا بين الأدلة. و أما سجدتا السهو فالمشهور بين الأصحاب وجوبهما و نقل في المنتهى و التذكرة الإجماع عليه و نقل في المختلف و الذكرى الخلاف في ذلك عن ابن أبي عقيل و ابن بابويه و في المختلف عن المفيد في الغرية. - وَ اسْتَدَلُّوا عَلَى الْمَشْهُورِ بِرِوَايَةِ سُفْيَانِ بْنِ السِّمْطِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: تَسْجُدُ سَجْدَتَيِ السَّهْوِ فِي كُلِّ زِيَادَةٍ تَدْخُلُ عَلَيْكَ وَ نُقْصَانٍ. و لا يخفى أن هذه الرواية مخصصة في موارد كثيرة وردت الروايات بعدم وجوب سجود السهو فيها و الأظهر حمله على الاستحباب. وَ رَوَى الشَّيْخُ فِي الْمُوَثَّقِ عَنْ عَمَّارٍ السَّابَاطِيِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَنْسَى الرُّكُوعَ أَوْ يَنْسَى سَجْدَةً هَلْ عَلَيْهِ سَجْدَةُ السَّهْوِ قَالَ لَا قَدْ أَتَمَّ الصَّلَاةَ. و ظاهره عدم وجوب سجدة السهو لترك السجود مطلقا و إن أمكن حمله على ما إذا أتى بها في محلها كما يدل عليه انضمام الركوع. و ربما يقال فيه إشعار بوجوب سجود السهو فيما إذا ذكر بعد الركوع إذ التعليل بإتمام الصلاة يشعر بأنه إذا لم يتمها ليس كذلك ففي الركوع لأنه يبطل به الصلاة و في السجود لأنه يحتاج إلى سجود السهو إذا قضاه بعد الصلاة. و قد مرت صحيحة أبي بصير و قوله عليه السلام فيها ليس عليه سهو إذ الظاهر نفي سجود السهو و تأويل الشيخ بأنه أراد لا يكون حكمه حكم السهاة بل يكون حكم القاطعين لأنه إذا ذكر ما كان فاته و قضاه لم يبق عليه شيء يشك فيه فخرج عن حد السهو بعيد جدا و قد ورد نحوه في رواية محمد بن منصور و هو أصرح من ذلك مع تأيده بأصل البراءة فالقول بعدم الوجوب قوي و إن كان اتباع القوم أحوط. ثم اعلم أن الأصحاب اختلفوا في محل السجود المنسي فالأكثر على أنه بعد التسليم و قال علي بن بابويه إن السجدة المنسية في الأولى تقضى في الثالثة و المنسية في الثانية تقضى في الرابعة و المنسية في الثالثة تقضى بعد التسليم. و قال ابن الجنيد و اليقين بتركه إحدى السجدتين أهون من اليقين بتركه الركوع فإن أيقن بتركه إياها بعد ركوعه في الثالثة لها سجدها قبل سلامه و الاحتياط إن كانت في الأوليين الإعادة إن كانت في وقت. و للمفيد قول آخر قال إن ذكر بعد الركوع فليسجد ثلاث مرات سجدات واحدة منها قضاء و الاثنتان لركعته التي هو فيها. و الأخبار المعتبرة تدل على المشهور و صحيحة عبد الله بن أبي يعفور تدل على مذهب ابن الجنيد من إيقاعها قبل التسليم و لا يبعد القول بالتخيير أو حمل ما قبل التسليم على التقية أو على النافلة أو على ما إذا كان النسيان من الركعة الأخيرة و أما مذهب ابن بابويه و المفيد فقد اعترف أكثر المتأخرين بعدم النص فيهما و قال في الذكرى و كأنهما عولا على خبر لم يصل إلينا.

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٨٥ - الصفحة ١٤٤. — الإمام الصادق عليه السلام
[1/2] 11- كش، رجال الكشي حَمْدَوَيْهِ وَ إِبْرَاهِيمُ مَعاً عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ هِشَامٍ الْمَشْرِقِيِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ الْخُرَاسَانِيِّ عليه السلام فَقَالَ

إِنَّ أَهْلَ الْبَصْرَةِ سَأَلُوا عَنِ الْكَلَامِ فَقَالُوا إِنَّ يُونُسَ يَقُولُ إِنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ فَقُلْتُ لَهُمْ صَدَقَ يُونُسُ إِنَّ الْكَلَامَ لَيْسَ بِمَخْلُوقٍ أَ مَا بَلَغَكُمْ قَوْلُ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام حِينَ سُئِلَ عَنِ الْقُرْآنِ أَ خَالِقٌ هُوَ أَمْ مَخْلُوقٌ فَقَالَ لَهُمْ لَيْسَ بِخَالِقٍ وَ لَا مَخْلُوقٍ إِنَّمَا هُوَ كَلَامُ الْخَالِقِ فَقَوَّيْتُ أَمْرَ يُونُسَ فَقَالُوا إِنَّ يُونُسَ يَقُولُ إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِنْسَانُ رَكْعَتَيْنِ وَ هُوَ جَالِسٌ بَعْدَ الْعَتَمَةِ فَقُلْتُ صَدَقَ يُونُسُ. أقول: قد سبق ما يناسب هذا الباب في الباب الأول من هذا الكتاب و قد أوردنا أكثر ما يناسب هذا الباب في كتاب أحوال النبي ص فتذكر. و لنذكر هنا ما أورده القطب الراوندي (رحمه الله) بطوله في كتاب الخرائج و الجرائح في هذا المعنى فإنه كاف في هذا الباب و مقنع في دفع الشبه الموردة على ذلك في كل باب. قال (رضوان اللّه عليه) اعلم أن كتاب الله المجيد ليس مصدقا لنبي الرحمة خاتم النبيين فقط بل هو مصدق لسائر الأنبياء و الأوصياء قبله و سائر الأوصياء بعده جملة و تفصيلا و ليس جملة الكتاب معجزة واحدة بل هي معجزات لا تحصى و فيه أعلام عدد الرمل و الحصى لأن أقصر سورة فيه إنما هو الكوثر و فيه إعجاز من وجهين أحدهما أنه قد تضمن خبرا عن الغيب قطعا قبل وقوعه فوقع كما أخبر عنه من غير خلف فيه و هو قوله إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ لما قال قائلهم إن محمدا رجل صنبور فإذا مات انقطع ذكره و لا خلف له يبقى به ذكره فعكس ذلك على قائله و كان كذلك. و الثاني من طريق نظمه لأنه على قلة عدد حروفه و قصر آيه يجمع نظما بديعا و أمرا عجيبا و بشارة للرسول و تعبدا للعبادات بأقرب لفظ و أوجز بيان و قد نبهنا على ذلك في كتاب مفرد لذلك. ثم إن السور الطوال متضمنة للإعجاز من وجوه كثيرة نظما و جزالة و خبرا عن الغيوب فلذلك لا يجوز أن يقال إن القرآن معجز واحد و لا ألف معجز و لا أضعافه فلذلك خطأنا قول من قال إن للمصطفى ص ألف معجز أو ألفي معجز بل يزيد ذلك عند الإحصاء على الألوف. ثم الاستدلال في أن القرآن معجز لا يتم إلا بعد بيان خمسة أشياء أحدها ظهور محمد ص بمكة و ادعاؤه أنه مبعوث إلى الخلق و رسول إليهم و ثانيها تحديه العرب بهذا القرآن الذي ظهر على يديه و ادعاؤه أن الله أنزله عليه و خصه به و ثالثها أن العرب مع طول المدة لم يعارضوه و رابعها أنه لم يعارضوه للتعذر و العجز و خامسها أن هذا التعذر خارق للعادة فإذا ثبت ذلك فإما أن يكون القرآن نفسه معجزا خارقا للعادة بفصاحته و لذلك لم يعارضوه أو لأن الله صرفهم عن معارضتهم و لو لا الصرف لعارضوه و أي الأمرين ثبت صحت نبوته (عليه السلام) لأنه تعالى لا يصدق كاذبا و لا يخرق العادة لمبطل. و أما ظهوره عليه السلام بمكة و دعاؤه إلى نفسه فلا شبهة فيه بل هو معلوم ضرورة لا ينكره عاقل و ظهور هذا القرآن على يده أيضا معلوم ضرورة و الشك في أحدهما كالشك في الآخر. و أما الذي يدل على أنه ص تحدى بالقرآن فهو أن معنى قولنا إنه تحدى أنه كان يدعي أن الله تعالى خصه بهذا القرآن و إنبائه به و أن جبرئيل عليه السلام أتاه به و ذلك معلوم ضرورة لا يمكن لأحد دفعه و هذا غاية التحدي في المعنى. و أما الكلام في أنه لم يعارض فلانة لو عورض لوجب أن ينقل و لو نقل لعلم كما علم نفس القرآن فلما لم يعلم دل على أنه لم يكن و بهذا يعلم أنه ليس بين بغداد و البصرة بلد أكبر منهما لأنه لو كان لنقل و علم و إنما قلنا إن المعارضة لو كانت لوجب نقلها لأن الدواعي متوفرة على نقلها و لأنها تكون الحجة و القرآن شبهه لو كانت و نقل الحجة أولى من نقل الشبهة و أما الذي نعلم به أن جهة انتفاء المعارضة التعذر لا غير فهو أن كل فعل ارتفع عن فاعله مع توفر دواعيه إليه علم أنه ارتفع للتعذر و لهذا قلنا إن هذه الجواهر و الأكوان ليست في مقدورنا و خاصة إذا علمنا أن الموانع المعقولة مرتفعة كلها فيجب لنا أن نقطع على أن ذلك من جهة التعذر لا غيره و إذا علمنا أن العرب تحدوا بالقرآن فلم يعارضوه مع شدة حاجتهم إلى المعارضة علمنا أنهم لم يعارضوه للتعذر لا غير و إذا ثبت كون القرآن معجزا و أن معارضته تعذرت لكونه خارقا للعادة ثبت بذلك نبوته المطلوبة. ثم اعلم أن الطريق إلى معرفة صدق النبي ص أو الوصي عليه السلام ليس إلا ظهور المعجز عليه أو خبر نبي ثابت نبوته بالمعجز و المعجز في اللغة ما يجعل غيره عاجزا ثم تعورف في الفعل الذي يعجز القادر عن مثله و في الشرع هو كل حادث من فعل الله أو بأمره أو تمكينه ناقض لعادة الناس في زمان تكليف مطابق لدعوته أو ما يجري مجراه. و اعلم أن شروط المعجزات أمور منها أن يعجز عن مثله أو عما يقاربه المبعوثة إليه و جنسه لأنه لو قدر عليه أو واحد من جنسه في الحال لما دل على صدقه و وصي النبي حكمه حكمه. و منها أن يكون من فعل الله أو بأمره و تمكينه لأن المصدق للنبي بالمعجز هو الله فلا بد أن يكون من جهته تعالى. و منها أن يكون ناقضا للعادة لأنه لو فعل معتادا لم يدل على صدقه كطلوع الشمس من المشرق. و منها أن يحدث عقيب دعوى المدعى أو جاريا مجرى ذلك و الذي يجري مجراه أن يدعي النبوة و يظهر عليه معجزا ثم يشيع دعواه في الناس ثم يظهر معجز من غير تجديد دعوى لذلك لأنه إذا لم يظهر كذلك لم يعلم تعلقه بالدعوى فلا يعلم أنه تصديق له في دعواه. و منها أن يظهر ذلك في زمان التكليف لأن أشراط الساعة ينتقض بها عادته تعالى و لا يدل على صدق مدع. ثم إن القرآن معجز لأنه ص تحدى العرب بمثله و هم النهاية في البلاغة و توفرت دواعيهم إلى الإتيان بما تحداهم به و لم يكن لهم صارف عنه و لا مانع منه و لم يأتوا به فعلمنا أنهم عجزوا عن الإتيان بمثله. و إنما قلنا إنه ص تحداهم به لأن القرآن نفسه يتضمن التحدي كقوله تعالى فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ و معلوم أن العرب في زمانه و بعده كانوا يتبارون بالبلاغة و يفخرون بالفصاحة و كانت لهم مجامع يعرضون فيها شعرهم و حضر زمانه من يعد في الطبقة الأولى كالأعشى و لبيد و طرفه و زمانه أوسط الأزمنة في استعمال المستأنس من كلام العرب دون الغريب الوحشي و الثقيل على اللسان فصح أنهم كانوا الغاية في الفصاحة و إنما قلنا اشتدت دواعيهم إلى الإتيان بمثله فإنه تحداهم ثم قرعهم بالعجز عنه بقوله تعالى قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً و قوله تعالى فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا فإن قيل لعل صارفهم هو قلة احتفالهم به أو بالقرآن لانحطاطه في البلاغة قلنا لا شبهة أنه ص كان من أوسطهم في النسب و في الخصال المحمودة حتى سموه الأمين الصدوق و كيف لا يحتفلون به و هم كانوا يستعظمون القرآن حتى شهروه بالسحر و منعوا الناس من استماعه لئلا يأخذ بمجامع قلوب السامعين فكيف يرغبون عن معارضته. فإن قيل أ لستم تقولون إن ما يأتي به محمد من القرآن هو كلام الله و فعله و قلتم إن مقدورات العباد لا تنتقض بها العادة و قلتم إن القرآن هو أول كلام تكلم به تعالى و ليس بحادث في وقت نزوله و الناقض للعادة لا بد و أن يكون هو متجدد الحدوث لأن الكلام مقدور للعباد فما يكون من جنسه لا يكون ناقضا للعادة فلا يكون معجزا للعباد. الجواب أن الناقض للعادة هو ظهور القرآن في مثل بلاغته المعجزة و ذلك يتجدد و ليس يظهر مثله في العادة سواء جوز أن يكون من قبله أو من قبل ملك يظهر عليه بأمره تعالى أو أوحى الله به إليه فإذا علم صدقه في دعواه بظهور مثل هذا الكلام البليغ الذي يعجز عنه المبعوث إليه و جنسه عن مثله و عما يقاربه و كان ناقضا للعادة فكان معجزا دالا على صدقه و لم يضرنا في ذلك أن يكون تعالى تكلم به قبل إذ لم يجر تعالى عادته في إظهاره على أحد غيره. و قوله إنه مركب من جنس مقدور العباد لا يقدح في كونه ناقضا للعادة و لا في كونه معجزا لأن الإعجاز فيه هو من جملة البلاغة و فيها يقع التفاوت بين البلغاء أ لا ترى أن الشعراء و الخطباء يتفاضلون في بلاغتهم في شعرهم و خطبهم فصح أن يكون في الكلام ما بلغ حدا في البلاغة ينقض به العادة في بلاغة البلغاء من العباد. و يبين ذلك أن البلاغة في الكلام البليغ لا يحصل بقدرة القادر على إحداث الحروف المركبة و إنما يظهر بعلوم المتكلم بالكلام البليغ و تلك العلوم لا تحصل للعبد باكتسابه و إنما يحصل له من قبل الله ابتداء و عند اجتهاد العبد في استعمال ما يحصل عنده و تلك العلوم من فعله تعالى و قد أجرى الله عادته فيها بمنح العبد من العلوم للبلاغة فلا يمنح من ذلك إلا مقدارا يتفاوت فيه بلاغة بعضهم عن بعض و يتفاوتون في ذلك بقدر تفاوت بلاغتهم فإذا تجاوز بلاغة القرآن ذلك المقدار الذي جرت به العادة في بلاغة العبد و بلغت حدا لا تبلغه بلاغة أبلغهم ظهر كونه ناقضا للعادة و إنما يبين كونه كذلك إذا بينا أنه تحداهم بمثل القرآن فعجزوا عنه و عما يقاربه. فإذا قيل فبما ذا علمتم أن القرآن ظهر معجزة له دون غيره و ما أنكرتم أن الله بعث نبينا غير محمد و آمن محمد به فتلقته منه محمد ثم قتل ذلك النبي و ادعاه معجزة لنفسه. الجواب إنا نعلم باضطرار أنه مختص به كما نعلم في كثير من الأشعار و التصانيف أنها مختصة بمن تضاف إليه كشعر إمرئ القيس و كتاب العين للخليل ثم إن القرآن ظهر منه و سمع و لم يجر في الناس ذكر أنه ظهر لغيره و لا جوزوه و كيف يجوز في حكمة الحكيم أن يمكن أحدا من ذلك و قد علم حال محمد في عزف نفسه عن ملاذ الدنيا من أول أمره إلى أواخره كيف يتهم بما قالوه. فإن قيل لعل من تقدم محمدا كإمرئ القيس و أضرابه لو عاصره لأمكنه معارضته قلنا إن التحدي لم يقع بالشعر فيصح ما قلته و كان في زمانه ص و قريبا منه من قدم في البلاغة من تقدم و لأنه ما كلفهم أن يأتوا بالمعارضة من عند أنفسهم و إنما تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن من كلامهم أو كلام غيرهم ممن تقدمهم فلو علموا أن في كلامهم ما يوازي بلاغة القرآن لأتوا به و لقالوا إن هذا كلام من ليس بمنبئ و هو مساو للقرآن في بلاغته و معلوم أن محمدا ص ما قرأ الكتب و لا تتلمذ لأحد من أهل الكتاب و كان ذلك معلوما لأعدائه ثم قص عليهم قصص نوح و موسى و يوسف و هود و صالح و شعيب و لوط و عيسى و قصة مريم على طولها فما رد عليه أحد من أهل الكتاب شيئا منها و لا خطاؤه في شيء من ذلك و مثل هذه الأخبار لا يتمكن منها إلا بالتبخيت و الاتفاق و قد نبه الله عليه بقوله ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَ ما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ و نحو ذلك من قصص الأنبياء و الأمم الماضين. و أما وجه إعجاز القرآن فاعلم أن المسلمين اتفقوا على ثبوت دلالة القرآن على النبوة و صدق الدعوة و اختلف المتكلمون في جهة إعجاز القرآن على سبعة أوجه فقد ذهب قوم إلى أنه معجز من حيث كان قديما أو لأنه حكاية للكلام القديم و عبارة عنه فقولهم أظهر فسادا من أن يختلط بالمذاهب المذكورة في إعجاز القرآن. فأول ما ذكر من تلك الوجوه ما اختاره المرتضى و هو أن وجه الإعجاز في القرآن أن الله صرف العرب عن معارضته و سلبهم العلم بكيفية نظمه و فصاحته و قد كانوا لو لا هذا الصرف قادرين على المعارضة متمكنين منها. و الثاني ما ذهب إليه الشيخ المفيد و هو أنه إنما كان معجزا من حيث اختص برتبة في الفصاحة خارقة للعادة قال لأن مراتب الفصاحة إنما تتفاوت بحسب العلوم التي يفعلها الله في العباد فلا يمتنع أن يجري الله العادة بقدر من المعلوم فيقع التمكين بها من مراتب في الفصاحة محصورة متناهية و يكون ما زاد على ذلك زيادة غير معتادة معجزا خارقا للعادة. و الثالث و هو ما قال قوم و هو أن إعجازه من حيث كانت معانيه صحيحة مستمرة على النظر و موافقة للعقل. و الرابع أن جماعة جعلوه معجزا من حيث زال عنه الاختلال و التناقض على وجه لم تجر العادة بمثله. و الخامس ما ذهب إليه أقوام و هو أن جهة إعجازه أنه يتضمن الإخبار عن الغيوب. و السادس ما قاله آخرون و هو أن القرآن إنما كان معجزا لاختصاصه بنظم مخصوص مخالف للمعهود. و السابع ما ذكره أكثر المعتزلة و هو أن تأليف القرآن و نظمه معجزان لا لأن الله أعجز عنهما بمنع خلقه في العباد و قد كان يجوز أن يرتفع فيقدر عليه لكن محال وقوعه منهم كاستحالة إحداث الأجسام و الألوان و إبراء الأكمه و الأبرص من غير دواء و لو قلنا إن هذه الوجوه السبعة كلها وجوه إعجاز القرآن على وجه دون وجه لكان حسنا. ثم إن المرتضى (رحمه الله) استدل على أنه تعالى صرفهم عن المعارضة و أن العدول عنها كان لهذا لا لأن فصاحة القرآن خرقت عادتهم بأن الفضل بين الشيئين إذا كثر لم تقف المعرفة بحالهما على ذوي القرائح الذكية بل يغني ظهور أمريهما عن الرؤية بينهما و هذا كما لا يحتاج إلى الفرق بين الخز و الصوف إلى أحذق البزازين و إنما يحتاج إلى التأمل الشديد التقارب الذي يشكل مثله. و نحن نعلم أنا على مبلغ علمنا بالفصاحة نفرق بين شعر إمرئ القيس و شعر غيره من المحدثين و لا نحتاج في هذا الفرق إلى الرجوع إلى من هو الغاية في علم الفصاحة بل نستغني معه عن الفكرة و ليس بين الفاضل و المفضول من أشعار هؤلاء و كلام هؤلاء قدر ما بين الممكن و المعجز و المعتاد و الخارج عن العادة و إذا استقر هذا و كان الفرق بين سور المفصل و بين أفصح قصائد العرب غير ظاهر لنا الظهور الذي ذكرناه و لعله إن كان ثم فرق فهو مما يقف عليه غيرنا و لا يبلغه علمنا فقد دل على أن القوم صرفوا عن المعارضة و أخذوا عن طريقها. و الأشبه بالحق و الأقرب إلى الحجة بعد ذلك القول قول من جعل وجه إعجاز القرآن خروجه عن العادة في الفصاحة فيكون ما زاد على المعتاد معجزا كما أنه لما أجرى الله العادة في القدرة التي يمكن بها من ضروب أفعال الجوارح كالطفو بالبحر و حمل الجبل فإنها إذا زادت على ما تأتي العادة كانت لاحقة بالمعجزات كذلك القول هاهنا. ثم إن هؤلاء الذين قالوا إن جهة إعجاز القرآن الفصاحة المفرطة التي خرقت العادة صاروا صنفين منهم من اقتصر على ذلك و لم يعتبر النظم و منهم من اعتبر مع الفصاحة النظم المخصوص و قال الفريقان إذا ثبت أنه خارق للعادة بفصاحته دل على نبوته لأنه لو كان من قبل الله فهو دال على نبوته و معجز و إن كان من فعل النبي ص و لم نتمكن من ذلك مع خرقه العادة لفصاحته لأن الله خلق فيه علوما خرق بها العادة فإذا علمنا بقوله إن القرآن من فعل الله دون فعله قطعنا على ذلك دون غيره. و أما القول الثالث و الرابع فكلاهما مأخوذ من قوله تعالى وَ لَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً فحمل الأولون ذلك على المعنى و الآخرون على اللفظ و الآية مشتملة عليهما عامة فيهما و يجوز أن يكون كلا القولين معجزا على بعض الوجوه لارتفاع التناقض فيه و الاختلاف فيه على وجه مخالف للعادة. و أما من جعل جهة إعجازه ما تضمنه من الإخبار عن الغيوب فذلك لا شك أنه معجز لكن ليس هو الذي قصد به التحدي لأن كثيرا من القرآن خال من الإخبار بالغيب و التحدي وقع بسورة غير معينة. و أما الذين قالوا إنما كان معجزا لاختصاصه بأسلوب مخصوص ليس بمعهود فإن النظم دون الفصاحة لا يجوز أن يكون جهة إعجاز القرآن على الإطلاق لأن ذلك لا يقع فيه التفاضل و في ذلك كفاية لأن السابق إلى ذلك لا بد أن يقع فيه مشاركة لمجرى العادة كما تبين. و أما من قال إن القرآن نظمه و تأليفه مستحيلان من العباد كخلق الجواهر و الألوان فقولهم به على الإطلاق باطل لأن الحروف كلها من مقدورنا و الكلام كله يتركب من الحروف التي يقدر عليها كل متكلم و أما التأليف فإطلاقه مجاز في القرآن لأن حقيقته في الأجسام و إنما يراد من القرآن حدوث بعضه في أثر بعض فإن أريد ذلك فهو إنما يتعذر لفقد العلم بالفصاحة و كيفية إيقاع الحروف لا أن ذلك مستحيل كما أن الشعر يتعذر على العجم لعدم علمه بذلك لا أنه مستحيل منه من حيث القدرة و متى أريد استحالة ذلك بما يرجع إلى فقد العلم فذلك خطأ في العبارة دون المعنى. أقول ثم أعاد (رحمه الله) الكلام على كل من الوجوه المذكورة على الترتيب المذكور فقال في الصرفة. و اعترض فقالوا إذا كان الصرف هو المعجز فلم لم يجعل القرآن من أرك الكلام و أقله فصاحة ليكون أبهر في باب الإعجاز. الجواب لو فعل ذلك لجاز لكن المصلحة معتبرة في ذلك فلا يمتنع أنها اقتضت أن يكون القرآن على ما هو عليه من الفصاحة فلأجل ذلك لم ينقص منه و لا يلزم في باب المعجزات أن يفعل ما هو أبهر و أظهر و إنما يفعل ما تقتضيه المصلحة بعد أن تكون دلالة الإعجاز قائمة فيه ثم يقال فهلا جعل الله القرآن أفصح مما هو عليه فما قالوا فهو جوابنا عنه و ليس لأحد أن يقول ليس وراء هذه الفصاحة زيادة لأن الغايات التي ينتهي إليها الكلام الفصيح غير متناهية. و من اعتراضاتهم قولهم لو كان الصرف لما خفي ذلك على فصحاء العرب لأنهم إذا كانوا يتأتى منهم قبل التحدي ما تعذر بعده و عند الروم المعارضة فالحال في أنهم صرفوا عنها ظاهره فكيف لم ينقادوا. و الجواب لا بد أن يعلموا تعذر ما كان متأتيا منهم لكنهم يجوز أن ينسبوه إلى الاتفاقات أو إلى السحر أو العناد و يجوز أن يدخل عليهم الشبهة على أنه يلزمهم مثل ما ألزمونا بأن يقال إن العرب إذا علموا أن القرآن خرق العادة بفصاحته فلم لم ينقادوا فجوابهم جوابنا. و اعترضوا فقالوا إذا لم يخرق القرآن العادة بفصاحته فلم شهد له بالفصاحة متقدمو العرب كالوليد بن المغيرة و كعب بن زهير و الأعشى الكبير لأنه ورد ليسلم فمنعه أبو جهل و خدعه و قال إنه يحرم عليك الأطيبين فلو لا أنه بهرهم بفصاحته و إلا لم ينقادوا. و الجواب جميع ما شهد به الفصحاء من بلاغة القرآن فواقعه موقعه لأن من قال بالصرفة لا ينكر مزية القرآن على غيره بفصاحته و إنما يقول تلك المزية ليست مما تخرق العادة و تبلغ حد الإعجاز فليس في قبول الفصحاء و شهادتهم بفصاحة القرآن ما يوجب القول ببطلان الصرفة و أما دخولهم في الإسلام فلأمر بهرهم و أعجزهم و أي شيء أبلغ من الصرفة في ذلك. و أما القائلون بأن إعجازه الفصاحة قالوا إن الله جعل معجزة كل نبي من جنس ما يتعاطى قومه أ لا ترى أن في زمان موسى عليه السلام لما كان الغالب على قومه السحر جعل الله معجزته من ذلك القبيل فأظهر على يده قلب العصا حية و اليد البيضاء فعلم أولئك الأقوام بأن ذلك مما لا يتعلق بالسحر فآمنوا و كذلك زمان عيسى عليه السلام لما كان الغالب على قومه الطب جعل الله معجزته من ذلك القبيل فأظهر على يده إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص فعلم أولئك الأقوام أن ذلك مما لا يوصل إليه بالطب فآمنوا به. و كذلك لما كان زمن محمد ص الغالب على قومه الفصاحة و البلاغة حتى كانوا لا يتفاخرون بشيء كتفاخرهم بها جعل الله معجزته من ذلك القبيل فأظهر على يده هذا القرآن و علم الفصحاء منهم أن ذلك ليس من كلام البشر فآمنوا به و لهذا جاء المخصوصون فآمنوا برسول الله كالأعشى مدح رسول الله ص بقصيدة و أراد أن يؤمن فدافعه قريش و جعلوا يحدثونه بأسوإ ما يقدرون عليه و قالوا إنه يحرم عليك الخمر و الزنا فقال لقد كبرت و ما لي في الزنا من حاجة فقالوا أنشدنا ما مدحته به فأنشدهم أ لم تغتمض عيناك ليلة أرمدا* * * و بت كما بات السليم مسهدا نبي يرى ما لا ترون و ذكره* * * أغار لعمري في البلاد و أنجدا قالوا إن أنشدته هذا لم يقبله منك فلم يزالوا بالسعي حتى صدوه فقال أخرج إلى اليمامة ألزمه عامي هذا فمكث زمانا يسيرا و مات باليمامة و جاء لبيد و آمن برسول الله ص و ترك قيل الشعر تعظيما لأمر القرآن فقيل له ما فعلت قصيدتاك قال أبدلني الله بهما سورتي البقرة و آل عمران. قالوا و من خالفنا في هذا الباب يقول إن الطريق إلى النبوة ليس إلا المعجز و زعموا أن المعجز يلتبس بالحيلة و الشعوذة و خفة اليد فلا يكون طريقا إلى النبوة فقوله باطل لأن هذا إنما كان لو لم يكن طريق إلى الفصل بين المعجز و الحيلة و هاهنا وجوه من الفصل بينه و بينها منها أن المعجز لا يدخل جنسه تحت مقدور العباد كقلب العصا حية و إحياء الموتى و غير ذلك و منها أن المعجز يكون ناقضا للعادة بخلاف الحيلة فإنه يحتاج فيه إلى التعليم و منها أن المعجز لا يحتاج إلى الآلات بخلاف الحيلة فإنها تحتاج إلى الآلات و منها أن المعجز إنما يظهر عند من يكون من أهل ذلك الباب و يروج عليهم و الحيلة إنما يظهر عند العوام و الذين لا يكونون من أهل ذلك الباب و يروج على الجهال و من قال من مخالفينا إن محمدا لم يكن نبيا لأنه لم يكن معه معجز فالكلام عليه أن نقول إنا نعلم ضرورة أنه ادعى النبوة كما نعلم أنه ظهر بمكة و هاجر إلى المدينة و تحدى العرب بالقرآن و ادعى مزية القرآن على كلامهم و هذا يكون تحديا من جهة المعنى و علموا أن شأنه يبطل بمعارضته فلم يأتوا بها لضعفهم و عجزهم كان لانتقاض العادة بالقرآن فأوجب انتقاض العادة كونه معجزا دالا على نبوته. فإن قيل إنما لم يعارضوه لكونهم غبايا جهالا لا لعجزهم. قلنا المعارضات كانت مسلوكة فيما بينهم فإمرؤ القيس عارض علقمة بن عبدة بن الطبيب و ناقضه و طريقة المعارضة لا تخفى على دهاة العرب مع ذكائها. فإن قيل أخطئوا طريق المعارضة كما أخطئوا في عبادة الأصنام أو لأن القرآن يشتمل على الأقاصيص و هم لم يكونوا من أهله. قلنا في الأول فرق بينهما لأن عبادة الأصنام طريقها الدلالة و ما كان طريقه الدلالة يجوز فيه الخطأ بخلاف مسألتنا لأن طريقة التحدي هي الضرورة لا يجوز فيها الخطأ و أما الثاني ففي القرآن ما ليس من الأقاصيص فوجب أن يأتوا بمثله فيعارضوه على أنهم طلبوا أخبار رستم و إسفنديار و حاولوا أن يجعلوه معارضة للقرآن و اليهود و النصارى كانوا أهل الأقاصيص و كان من الواجب أن يتعرفوها منهم و يجعلوها معارضة. فإن قيل لا يجوز أن يكون القرآن معجزا دالا على نبوته من حيث إنه ناقض العادة فلا يمتنع أن يكون العرب أفصح الناس و منهم جماعة أفصح العرب و في الجماعة واحد هو أفصح منهم و إذا أتى بكلام لا يمكنهم أن يأتوا بمثله و لا بما يقاربه فإذا أتى بكلام مختص بالفصاحة لا يمكنهم أن يأتوا بمثله و لا بما يقاربه يوجب كونه معجزا. قلنا لهم لا يصح و لو اتفق لكان دليلا على صدقه. فإن قيل لو كان القرآن معجزا لكان نبيا مبعوثا إلى العرب و العجم و كان يجب أن يعلم سائر الناس إعجاز القرآن من حيث الفصاحة و العجم لا يمكنهم ذلك. قلنا هذا لا يصح لأن الفصاحة ليست بمقصورة على بعض اللغات يمكنهم أن يعرفوا ذلك على سبيل الجملة إذا أمكن أن يعلموا بالأخبار المتواترة أن محمدا كان ظهر عليه القرآن و تحدى العرب و عجزوا أن يأتوا بمثله فيجب أن يكون القرآن معجزا دالا على نبوته و العرب يعرفون ذلك على التفصيل لأن القرآن نزل بلغتهم و العلم به على سبيل الجملة في هذا الباب كاف. و إنما قلنا إنه معجز من حيث إنه ناقض العادة لأن العادة لم يجر أن يتعلم واحد الفصاحة ثم يبرز عليهم بحيث لم يمكنهم أن يأتوا بما يقاربه فإذا أتى به كذلك كان معجزا. و أما القائلون بأن إعجازه بالفصاحة و النظم معا قالوا إن الذي يدل على أن التحدي كان بالفصاحة و النظم معا إنا رأينا النبي (عليه السلام) أرسل التحدي إرسالا و أطلقه إطلاقا من غير تخصيص يحصره فقال مخبرا عن ربه قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَ الْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً و قال وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ فترك القوم استفهامه عن مراده بالتحدي هل أراد مثله في الفصاحة دون النظم أو فيهما جميعا أو في غيرهما فعل من سبق الفهم إلى قلبه و زال الريب عنه لأنهم لو ارتابوا لسألوه و لو شكوا لاستفهموه و لم يجز ذلك على هذا إلا و التحدي واقع بحسب عهدهم و عادتهم و قد علمنا أن عادتهم جارية في التحدي باعتبار طريقة النظم مع الفصاحة و لهذا لا يتحدى الشاعر الخطيب الذي لا يتمكن من الشعر و لا الخطيب الشاعر و إنما يتحدى كل بنظيره و لا يقنع المعارض حتى يأتي بمثل عروض صاحبه كمناقضة جرير للفرزدق و جرير للأخطل و إذا كانت هذه عادتهم فإنما اختلفوا في التحدي عليها. فإن قيل عادة العرب و إن جرت في التحدي بما ذكرتموه فلا يمنع صحة التحدي بالفصاحة دون طريقة النظم لا سيما و الفصاحة هي التي يصح فيها التفاضل و إذا لم يمتنع ذلك فبما أنكرتم أن يكون تحداهم بالفصاحة دون النظم فأفهمهم قصده فلهذا لم يستفهموه. قلنا ليس نمنع أن يقع التحدي بالفصاحة دون النظم فمن أين عرفته و إنما سمعناه في التحدي بالقرآن من حيث أطلق التحدي به و عرى عما يخصه بوجه دون وجه فحملناه على ما عهده القوم و ألفوه في التحدي فلو كان أفهمهم تخصيص التحدي بقول مسموع لوجب أن ينقل إلينا لفظه و لا نجد له نقلا و لو كان أفهمهم بمخارج الكلام أو بإشارة و غيرها لوجب اتصاله بنا أيضا فإن ما يدعو إلى النقل للألفاظ يدعو إلى نقل ما يتصل بها من مقاصد و مخارج سيما فيما تمس الحاجة إليه. أ لا ترى أنه لما نفى النبوة بعد نبوته بقوله لا نبي بعدي أفهم مراده السامعين من هذا القول أنه عنى لا نبي بقي من البشر كلهم و أراد بالبعد عموم سائر الأوقات اتصل ذلك بنا على حد اتصال اللفظ و في ارتفاع كل ذلك من النقل دليل على صحة قولنا. على أن التحدي لو كان مقصورا على الفصاحة دون النظم لوقعت المعارضة من القوم ببعض فصيح شعرهم أو بليغ كلامهم لأنا نعلم خفاء الفرق بين قصار السور و فصيح كلام العرب. فكان يجب أن يعارضوه فإذا لم يفعلوا فلأنهم فهموا من التحدي الفصاحة و طريقة النظم و لم يجتمعا لهم و اختصاص القرآن بنظم مخالف لسائر ضروب الكلام أوضح من أن يتكلف الدلالة عليه. و قد قال السيد و عندي أن التحدي وقع بالإتيان بمثله في فصاحته و طريقته في النظم و لم يكن بأحد الأمرين و لو وقعت المعارضة بشعر منظوم أو برجز موزون أو بمنثور من الكلام ليس له طريقة القرآن في النظم لم تكن واقعة موقعها و الصرفة على هذا إنما كانت بأن يسلب الله كل من رام المعارضة للعلوم التي يتأتى معها مثل فصاحة القرآن و طريقته في النظم و لهذا لا يصاب في كلام العرب ما يقارب القرآن في فصاحته و نظمه. و أما القائلون بأن إعجاز القرآن في النظم المخصوص قالوا لما وجدنا الكلام منظوما موزونا و منثورا غير موزون و المنظوم هو الشعر و أكثر الناس لا يقدرون عليه فجعل الله تعالى معجز نبيه النمط الذي يقدر عليه كل أحد و لا يتعذر نوعه في كلهم و هو الذي ليس بموزون فيلزم حجته الجميع. و الذي يجب أن يعلم في العلم بإعجاز النظم هو أن يعلم مباني الكلام و أسباب الفصاحة في ألفاظها و كيفية ترتيبها و تباين ألفاظها و كيفية الفرق بين الفصيح و الأفصح و البليغ و الأبلغ و تعرف مقادير النظم و الأوزان و ما به يبين المنظوم من المنثور و فواصل الكلام و مقاطعه و مباديه و أنواع مؤلفه و منظومه ثم ينظر فيما أتى به حتى يعلم أنه من أي نوع هو و كيف فضل على ما فضل عليه من أنواع الكلام حتى يعلم أنه من نظم مباين لسائر المنظوم و نمط خارج من جملة ما كانوا اعتادوه فيما بينهم من أنواع الخطب و الرسائل و الشعر و المنظوم و المنثور و الرجز و المخمس و المزدوج و العريض و القصير فإذا تأملت ذلك و تدبرت مقاطعه و مفاتحه و سهولة ألفاظه و استجماع معانيه و أن كل واحد منها لو غيرت لم يكن أن يؤتى بدلها بلفظة هي أوفق من تلك اللفظة و أدل على المعنى منها و أجمع للفوائد و الزوائد منها و إذا كان كذلك فعند تأمل جميع ذلك يتحقق ما فيه من النظم اللائق و المعاني الصحيحة التي لا يكاد يوجد مثلها على نظم تلك العبارة و إن اجتهد البليغ و الخطيب. و في خواص نظم القرآن وجوه أولها خروج نظمه عن صورة جمع أسباب المنظومات و لو لا نزول القرآن لم يقع في خلد فصيح سواها و كذلك قال عتبة بن ربيعة لما اختاره قريش للمصير إلى النبي ص قرأ عليه حم السجدة فلما انصرف قال سمعت أنواع الكلام من العرب فما شبهته بشيء منها أنه ورد على ما راعني و نحوه ما حكى الله عن الجن قُلْ أُوحِيَ إِلَيَ إلى قوله فَآمَنَّا بِهِ فلما عدم وجود شبيه القرآن من أنواع المنظوم انقطعت أطماعهم عن معارضته. و الخاصة الثانية في الروعة التي له في قلوب السامعين فمن كان مؤمنا يجد شوقا إليه و انجذابا نحوه و حكي أن نصرانيا مر برجل يقرأ القرآن فبكى فقيل له ما أبكاك قال النظم. و الثالثة أنه لم يزل غضا طريا لا يخلق و لا يمل تاليه و الكتب المتقدمة عارية عن رتبة النظم و أهل الكتاب لا يدعون ذلك لها. و الرابعة أنه في صورة كلام هو خطاب لرسوله تارة و لخلقه أخرى. و الخامسة ما يوجد من جمعه بين الأضداد فإن له صفتي الجزالة و العذوبة و هما كالمتضادتين. و السادسة ما وقع في أجزائه من امتزاج بعض أنواع الكلام ببعض و عادة ناطقي البشر تقسيم معاني الكلام. و السابعة أن كل فضيلة من تأسيس اللغة في اللسان العربي هي موجودة في القرآن. و الثامنة عدم وجود التفاضل بين بعض أجزائه من السور كما في التوراة كلمات عشر تشتمل على الوصايا يستحلفون بها لجلالة قدرها و كذا في الإنجيل أربع صحف و كذا في الإنجيل محاميد و مسابيح يقرءونها في صلواتهم. و التاسعة وجود ما يحتاج العباد إلى علمه من أصول دينهم و فروعه من التنبيه على طريق العقليات و إقامة الحجج على الملاحدة و البراهمة و الثنوية و المنكرة للبعث القائلين بالطبائع بأوجز كلام و أبلغه ففيه من أنواع الإعراب و العربية حتى الطب في قوله كُلُوا وَ اشْرَبُوا وَ لا تُسْرِفُوا فهذا أصل الطب و المحكم و المتشابه و الحقيقة و المجاز و الناسخ و المنسوخ و هو مهيمن على جميع الكتب المتقدمة. و العاشرة وجود قوام النظم في أجزائه كلها حتى لا يظهر في شيء من ذلك تناقض و لا اختلاف و له خواص سواها كثيرة. فإن قيل فهلا كانت ألفاظ القرآن كليتها مؤلفة من قبل الألفاظ الموجزة التي إذا وقعت في الكلام زادته حسنا ليكون كلام الله على النظم الأحسن الأفضل إذ كان لا يعجزه شيء عن بلوغ الغاية كما يعجز الخلق عن ذلك. الجواب أن هذا يعود إلى أنه كيف لم يرتفع أسباب التفاضل بين الأشياء حتى يكون كلها كشيء واحد متشابه الأجزاء و الأبعاض و كيف فضل بعض الملائكة على بعض و متى كان كذلك لم يوجد اختلاف الأشياء يعرف به الشيء و ضده على أنه لو كان كلام الله كما ذكر يخرج في صورة المعمى الذي لا يوجد له لذة البسط و الشرح و لو كان مبسوطا لم تبين فضيلة الراسخين في العلم على من سواهم و أنه تعالى حكيم عليم بأن إلطاف المبعوث إليهم إنما هو في النمط الذي أنزله فلو كان على تركيب آخر لم يكن لطفا لهم. ثم لنذكر وجها آخر للصرفة و هو أن الأمر لو كان بخلافه و كان تعذر المعارضة و العدول عنها لعلمهم بفضله على سائر كلامهم في الفصاحة و تجاوزه له في الجزالة لوجب أن يقع منهم معارضة على كل حال لأن العرب الذين خوطبوا بالتحدي و التقريع و وجهوا بالتعنيف و التبكيت كانوا إذا أضافوا فصاحة القرآن إلى فصاحتهم و قاسوا بكلامهم كلامه علموا أن المزية بينهما إنما تظهر لهم دون غيرهم ممن نقص عن طبقتهم و نزل عن درجتهم دون الناس جميعا ممن لا يعرف الفصاحة و لا يأنس بالعربية و كان ما عليه دون المعرفة لفصيح الكلام من أهل زماننا ممن خفي الفرق عليهم بين مواضع من القرآن و بين فقرات العرب البديعة و كلمهم الغريبة فأي شيء أقعد بهم عن أن يعتمدوا إلى بعض أشعارهم الفصيحة و ألفاظهم المنثورة فيقابلوه و يدعوا أنه مماثل لفصاحته أو أزيد عليها لا سيما و أكثر من يذهب إلى هذه الطريقة يدعي أن التحدي وقع بالفصاحة دون النظم و غيره من المعاني المدعاة في هذا الموضع. فسواء حصلت المعارضة بمنظوم الكلام أو بمنثوره فمن هذا الذي كان يكون الحكم في هذه الدعوى و جماعة الفصحاء أو جمهورهم كانوا حرب رسول الله ص و من أهل الخلاف عليه و الرد لدعوته و الصدود عن محجته لا سيما في بدو الأمر و أوله و قبل أوان استقرار الحجة و ظهور الدعوة و كثرة عدد الموافقين و تظافر الأنصار و المهاجرين. و لا نعمد إلا على أن هذه الدعوى لو حصلت لردها بالتكذيب من كان في حرب النبي ص من الفصحاء لكن كان اللبس يحصل و الشبهة تقع لكل من ليس من أهل المعرفة من المستجيبين الدعوة و المنحرفين عنها من العرب. ثم لطوائف الناس جميعا كالفرس و الروم و الترك و من ماثلهم ممن لا حظ له في العربية عند تقابل الدعوى في وقوع المعارضة موقعها و تعارض الأقوال من الإجابة بها مكانها ما يتأكد الشبهة و تعظم المحنة و يرتفع الطريق إلى إصابة الحق لأن الناظر إذا رأى جل أصحاب الفصاحة و أكثرهم يدعي وقوع المعارضة و المكافاة و المماثلة و قوما منهم كلهم ينكر ذلك و يدفعه كان أحسن حاله أن يشك في القولين و يجوز في كل واحد منهما الصدق و الكذب فأي شيء يبقى من المعجز بعد هذا و الإعجاز لا يتم إلا بالقطع على تعذر المعارضة على القوم و قصورهم عن المعارضة و المقاربة و التعذر لا يحصل إلا بعد حصول العلم بأن المعارضة لم تقع مع توفر الدواعي و قوة الأسباب و كانت حينئذ لا تقع الاستجابة من عاقل و لا المؤازرة من صديق. و ليس يحجز العرب عما ذكرناه ورع و لا حياء لأنا وجدناهم لم يرعووا عن السب و الهجاء و لم يستحيوا من القذف و الافتراء و ليس في ذلك ما يكون حجة و لا شبهة بل هو كاشف عن شدة عداوتهم و أن الحيرة قد بلغت بهم إلى استحسان القبيح الذي يكون نفوسهم تأباه و أخرجهم ضيق الخناق إلى أن أحضر أحدهم أخبار رستم و إسفنديار و جعل يقص بها و يوهم الناس أنه قد عارض و أن المطلوب بالتحدي هو القصص و الأخبار و ليس يبلغ الأمر بهم إلى هذا و هم متمكنون مما ترفع الشبهة فعدلوا عنه مختارين. و ليس يمكن لأحد أن يدعي أن ذلك مما لم يهتد إليه العرب و أنه لو اتفق خطوره ببالهم لفعلوه غير أنه لم يتفق لأنهم كانوا من الفطنة و الكياسة على ما لا يخفى عليهم معه أنفذ الأمرين مع صدق الحاجة و فوتها و الحاجة تفتق الجبل. و هب لم يفطنوا ذلك بالبديهة كيف لم يقعوا عليه مع التفكر و كيف لم يتفق لهم ذلك مع فرط الذكاء و جودة الذهن و هذا من قبيح الغفلة التي تنزه القوم عنها و وصفهم الله بخلافها. و ليس يورد هذا الاعتراض من يوافق في إعجاز القرآن و إنما يصير إليه من خالفنا في الملة و أبهرته الحجة فيرمي العرب بالبله و الغفلة فيقول لعلهم لم يعرفوا أن المعارضة أنجع و أنفع و بطريق الحجة أصوب و أقرب لأنهم لم يكونوا أصحاب نظر و ذكر و إنما كانت الفصاحة صنعتهم فعدلوا إلى الحرب. و هذا الاعتراض إذا ورد علينا كانت كلمة جماعتنا واحدة في رده و قلنا في جوابه إن العرب إن لم يكونوا نظارين فلم يكونوا في غفلة مخامرة في العقول إن مسألة التحدي في فعله و معارضته بمثله أبلغ في الاحتجاج عليه من كل فعل و لا يجوز أن يذهب العرب جلهم عما لا يذهب عنه العامة و الاعتناء بالحرب غير مانعة عن المعارضة و قد كانوا يستعملون في حروبهم من الارتجاز ما لو جعلوا مكانه معارضة القرآن كان أنفع لهم. قالوا إن في القرآن تفاوتا قوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَ لا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَ ففي الكلام تكرار بغير فائدة لأن قوله قَوْمٌ مِنْ قَوْمٌ يغني من قوله نِساءٌ مِنْ نِساءٍ فالنساء يدخلن في قوم يقال هؤلاء قوم فلان الرجال و النساء من عترته. الجواب أن قوله قَوْمٌ لا يقع في حقيقة اللغة إلا على الرجال و لا يقال للنساء ليس فيهن رجل هؤلاء قوم فلان و إنما تسمى الرجال لأنهم هم القائمون بالأمور عند الشدائد كتاجر و تجر و مسافر و سفر و نائم و نوم و زائر و زور يدل عليه قول زهير و ما أدري و سوف إخال أدري* * * أ قوم آل حصن أم نساء و قالوا في قوله تعالى الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي تفاوت كيف يكون الأعين في غطاء عن ذكر و إنما تكون الأسماع في غطاء عنه. الجواب أن الله أراد بذلك عميان القلوب يدل على ذلك قول الناس عمي قلب فلان و فلان أعمى القلب إذا لم يفهم و قال تعالى وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ و قصد القلوب لأن عماها هو المؤثر في باب الدين المانع من الاقتداء فجاز أن يقال للقلب أعمى و إن كان العمى في العين و مثله قوله وَ جَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ و الأكنة الأغطية. و سألوا عن قوله إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّا قالوا لا يقال فلان يجعل لفلان حبا إذا أحبه. الجواب إنما أراد سيجعل لهم الرحمن ودا في قلوب المؤمنين و المعنى إلى يحببهم إلى القلوب. و قالوا في قوله أَمْ عِنْدَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ و كانت قريش أميين فكيف جعلهم يكتبون. الجواب أن معنى الكتابة هنا الحكم يريد أ عندهم علم الغيب فهم يحكمون فيقولون سنقهرك و نطردك و تكون العاقبة لنا لا لك و مثله قول الجعدي و مال الولاء بالبلاء فملتم* * * و ما ذاك حكم الله إذ هو يكتب. أي يحكم بيده و مثله وَ كَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ و مثل قوله للمتحالفين إليه و الذي نفسي بيده لأقضين فيكما بكتاب الله أي بحكم الله لأنه أراد الرجم و التعذيب و ليس ذلك في ظاهر كتاب الله. و قالوا في قوله وَ قُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ و لفظه كما يأتي تشبيه شيء بشيء تقدم ذكره و لم يتقدم في أول الكلام ما يشبه به ما تأخر عنه. قالوا و كذلك قوله لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ ما الذي يشبه بالكلام الأول من إخراج الله إياه. قالوا و كذلك قوله وَ لِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَما أَرْسَلْنا الجواب أن القرآن على لسان العرب و فيه حذف و إيماء و وحي و إشارة فقوله أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ فيه حذف كأنه قال أنا النذير المبين عذابا كَما أَنْزَلْنا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ فحذف العذاب إذ كان الإنذار يدل عليه لقوله في موضع آخر أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَ ثَمُودَ و مثله من المحذوف في أشعار العرب و كلامهم كثير. و أما قوله كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِ فإن المسلمين يوم بدر اختلفوا في الأنفال و جادل كثير منهم رسول الله ص فيما فعله في الأنفال فأنزل الله سبحانه يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ يجعلها لمن يشاء فَاتَّقُوا اللَّهَ وَ أَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ أي فرقوه بينكم على السواء وَ أَطِيعُوا اللَّهَ وَ رَسُولَهُ فيما بعد إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ و وصف المؤمنين ثم قال كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَ إِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ يريد أن كراهتهم في الغنائم ككراهتهم في الخروج معك. و أما قوله وَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ كَما أَرْسَلْنا فإنه أراد و لأتم نعمتي كإرسالي فيكم رسولا أنعمت به عليكم يبين لكم. سألوا عن قوله وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ و لا يقول أحدهما ذلك. الجواب أنه لما حرق بختنصر بيت المقدس بغى على بني إسرائيل و سبى ذراريهم و حرق التوراة حتى لم يبق لهم رسم و كان في سباياه دانيال فعبر رؤياه فنزل منه أحسن المنازل فأقام عزير لهم التوراة بعينها حين عاد إلى الشام بعد موته فقالت طائفة من اليهود هو ابن الله و لم يقل ذلك كل اليهود و هذا خصوص خرج مخرج العموم. و سألوا عن قوله فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ وَ هُوَ سَقِيمٌ قالوا كيف جمع الله بينه و بين قوله لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَ هُوَ مَذْمُومٌ و هذا خلاف الأول لأنه قال أولا نبذناه مطلقا ثم قال لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ... لَنُبِذَ فجعله شرطا. الجواب معنى ذلك لو لا أنا رحمناه بإجابة دعائه لنبذناه حين نبذناه بالعراء مذموما و قد كان نبذه في حالته الأولى سقيما يدل عليه قوله فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ لكن تداركه الله بنعمة من عنده فطرح بالفضاء و هو غير مذموم و اختاره الله و بعثه نبيا و لا تناقض بين الآيتين و إن كان في موضع نبذناه مطلقا و هو سقيم و لم يكن في هذه الحالة بمليم و في موضع آخر نبذ مشروطا و معناه لو لا أن رحمنا يونس عليه السلام لنبذناه ملوما و كان لوم عتاب لا لوم عقاب لأنه بترك الأولى. و سألوا عن قوله وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ و اسمه في التوراة تارخ فيقال لا ينكر أن يكون له اسمان و كنيتان هذا إدريس في التوراة أخنوخ و يعقوب إسرائيل و عيسى يدعى المسيح و قد قال نبينا لي خمسة أسماء أنا محمد أنا أحمد و العاقب و الماحي و الحاشر و قد يكون للرجل كنيتان كما كان له اسمان فإن حمزة يكنى أبا يعلى و أبا عتبة و صخر بن حرب أبا معاوية و أبا سفيان و أبا حنظلة. و قيل معنى آزر يا ضعيف و يا جاهل و يقال يا معاوني و يا مصاحبي و يا شيخي فعلى هذا يكون ذلك وصفا له و قال الأكثرون إن آزر كان عم إبراهيم و العرب تجعل العم أبا و الصحيح أن آزر كان أبا لأم إبراهيم. و سألوا عن قوله وَ لَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَ ازْدَادُوا تِسْعاً ثم قال قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا و هذا كلام متفاوت لأنه أخبرنا بمدة كهفهم ثم قال اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا و قد علمنا ذلك بما أعلمنا. الجواب أنهم اختلفوا في مدة لبثهم كما اختلفوا في عدتهم فأعلمنا الله أنهم لبثوا ثلاثمائة فقالوا سنين و شهورا و أياما فأنزل الله سنين ثم قال ازْدَادُوا تِسْعاً و أنا أعلم بما لبثوا من المختلفين. و سألوا عن قوله يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ و لم تكن لمريم أخ يقال له هارون. الجواب أنه لم يرد بهذا أخوة النسب بل أراد ما يشبه هارون في الصلاح و كان في بني إسرائيل رجل صالح يقال له هارون و قد يقول الرجل لغيره يا أخي و لا يريد به أخوة النسب و يقال هذا الشيء أخو هذا الشيء إذا ما كان مشاكلا له و قال تعالى وَ ما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها و قالوا كيف يكون هذا النظم بالوصف الذي ذكرتم في البلاغة النهاية و قد وجد التكرار من ألفاظه كقوله فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ و نحوه من تكرير القصص. الجواب أن التكرير على وجوه منها ما يوجد في اللفظ دون المعنى كقولهم أطعني و لا تعصني و منها ما يوجد فيهما معا كقولهم عجل عجل أي سرا و علانية و تالله و الله أي في الماضي و المستقبل و قد يقع كل ذلك لتأكيد المعنى و المبالغة فيه و يقع مرة لتزيين النظم و حسنه و الحاجة إلى استعمال كليهما و المستعمل للإيجاز و الحذف ربما عمى على السامع و إنما ذم أهل البلاغة التكرير الواقع في الألفاظ إذا وجدوه فضلا من القول من غير فائدة في التأكيد لمعنى أو لتزيين لفظ و نظم و إذا وجد كذلك كان هذرا و لغوا فأما إذا أفاد فائدة في كل من النوعين كان من أفضل اللواحق للكلام المنظوم و لم يسم تكريرا على الذم و تكرير اللفظ لتزيين النظم أمر لا يدفعه عارف بالبلاغة و هو موجود في أشعارهم. و لنذكر الفرق بين الحيل و المعجزات و هو يتوقف على ذكر الحيل و أسبابها و آلاتها و كيفية التوصل إلى استعمالها و ذكر وجه إعجاز المعجزات. اعلم أن الحيل هي أن صاحب الحيلة يرى الأمر في الظاهر على وجه لا يكون عليه و يخفي وجه الحيلة فيه نحو عجل السامري الذي جعل فيه خروقا تدخل فيها الريح فيسمع منه صوت و منها مخرقة الشعبذة نحو أن يرى الناظر ذبح الحيوان بخفة حركاته و لا يذبحه في الحقيقة ثم يرى من بعد أنه أحياه بعد الذبح. و هذا الجنس من الحيل هو السحر و ليست معجزات الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام) من هذا القبيل بل ما يأتون بها من المعجزات فإنها تكون على ما يأتون به و العقلاء يعلمون أكثرها باضطرار أنها كذلك لا يشكون فيه و أنه ليس فيه وجه حيلة نحو قلب العصا حية و إحياء الميت و كلام الجماد و الحيوانات من السباع و البهائم و الطيور على الاستمرار في أشياء مختلفة و الإخبار عن الغيب و الإتيان بخرق العادة و نحو القرآن في بلاغته و الصرفة فإنه يعلم كونه معجزا أكثر الناس باستدلال و لهذا قال تعالى في قوم فرعون و ما رواه من معجزات موسى عليه السلام وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً فإن قيل بما أنكرتم أن يكون في الأدوية ما إذا مس به ميت حيي و عاش و إذا جعل في عصا و نحوها صارت حية و إذا سقي حيوانا تكلم و إذا شربه الإنسان صار بليغا بحيث يتمكن من مثل بلاغة القرآن. قلنا ليس يخلو إما أن يكون للناس طريق إلى معرفة ذلك الدواء أو لا يكون لهم طريق إلى معرفته فإن كان لهم إليه طريق لزم أن يكون الظفر به ممكنا و كانوا يعارضون به و لا يكون معجزا و إن لم يمكن الظفر به لزم أن يكون الظفر به معجزا لأنه يعلم أنه ما ظفر به إلا بأن الله أطلعه عليه فعلم بذلك صدقه ثم يعلم من بعد بخبره أن ذلك ليس من قبله نحو القرآن بل هو منه تعالى أنزله عليه. و كذلك هذا في الدواء الذي جوزه السائل في إحياء الموتى لا يخلو إما أن لا يمكن الظفر به أو يمكن فعلى الأول يلزم أن يكون الظفر به معجزا للنبي أو الوصي لأنه يعلم أنه ما ظفر به إلا بأن أطلعه الله عليه فيعلم بذلك صدقه و إن أمكن الظفر به و هو الوجه الثاني فالواجب أن يسهل الإحياء لكل أحد و المعلوم خلافه. ثم اعلم أن الحيل و السحر و خفة اليد كلها وجوه متى فتش عنها الإنسان يقف على تلك الوجوه و لهذا يصح فيها التلمذ و التعلم و لا يختص به واحد دون آخر مثاله أنهم يأخذون البيض و يضعونه في الخل و يتركونه فيه يومين و ثلاثة حتى يصير قشره الفوقاني لينا بحيث يمكن أن يطول فإذا صار طويلا يمده كذلك يطرح في قارورة ضيقة الرأس فإذا صار فيها يصب فيها الماء البارد حتى يصير البيض مدورا كما كان و يذهب ذلك اللين من قشره الفوقاني بذلك بعد ساعات و يشتد بحيث ينكسر انكساره أولا فيظن الغفلة أن المعجز مثله و هو حيلة. و نحو ذلك ما ألقى سحرة فرعون من حبالهم و عصيهم تخيل الناظر أنها تسعى احتالوا في تحريك العصا و الحبال بما جعلوا فيها من الزيبق فلما طلعت الشمس عليها تحركت بحرارة الشمس و غير ذلك من أنواع الحيل و أنواع التمويه و التلبيس و خيل إلى الناس أنها تتحرك كما تتحرك الحية و إنما سحروا أعين الناس لأنهم أروهم شيئا لم يعرفوا حقيقة و خفي ذلك عليهم لبعده منهم فإنهم لم يخلوا الناس يدخلون فيما بينهم. و في هذه دلالة على أن السحر لا حقيقة له لأنها لو صارت حيات حقيقة لم يقل الله تعالى سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ بل كان يقول فلما ألقوها صارت حيات ثم قال تعالى وَ أَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ أي ألقاها فصارت ثعبانا فإذا تبتلع ما يأفكون فيه من الحبال و العصي و إنما ظهر ذلك للسحرة على الفور لأنهم لما رأوا تلك الآيات و المعجزات في العصا علموا أنه أمر سماوي لا يقدر عليه غير الله فمنها قلب العصا حية و منها أكلها حبالهم و عصيهم مع كثرتها و منها فناء حبالهم و عصيهم في بطنها إما بالتفرق أو الخسف و إما بالفناء عند من جوزه و منها عودها عصا كما كانت من غير زيادة و لا نقصان و كل عاقل يعلم أن مثل هذه الأمور لا تدخل تحت مقدور البشر فاعترفوا كلهم و اعترف كثير من الناس معهم بالتوحيد و بالنبوة و صار إسلامهم حجة على فرعون و قومه. و أما معجزات الأنبياء و الأوصياء ص فإن أعداء الدين كانوا يعتنون بالتفتيش عنها فلم يعثروا على وجه حيلة فيها و لذلك كل من سعى في تفتيش عوارهم و تكذيبهم يفتش عن دلالتهم أ هي شبهات أم لا فلم يوقف منها على مكر و خديعة منهم (عليهم السلام) و لا في شيء من ذلك أ لا ترى أن سحرة فرعون كانت همهم أشد في تفتيش معجزة موسى فصاروا هم أعلم الناس بأن ما جاء به موسى عليه السلام ليس بسحر و هم كانوا أحذق أهل الأرض بالسحر و آمنوا و قالوا لفرعون وَ ما تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآياتِ رَبِّنا لَمَّا جاءَتْنا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَ تَوَفَّنا مُسْلِمِينَ فقتلهم فرعون و هم يقولون لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ و قيل إن فرعون لم يصل إليهم و عصمهم الله تعالى منه. و أما القمر الذي أطلعه المعروف بالمقنع فإنه ليس بأمر خارق للعادة و إنما هو إجراء عين من العيون التي تنبع في الجبال في ذلك الموضع متى كانت الشمس في برج الثور و الجوزاء سامتت تلك العين انعكس فيها الشعاع إلى الجو و هناك تكثر الأبخرة في الحر و تتراكم و تتكاثف فيركد الشعاع الذي انعكس من العين فيها فيرى إلى الناس صورة القمر و على هذا لما طمت تلك العين فسد ما فعله المقنع و قد عثر على ذلك و اطلع و كل من اطلع على ذلك الوقت و أنفق المال و أتعب الفكر فيه أمكنه أن يطلع مثل ما أطلعه المقنع إلا أن الناس يرغبون عن إنفاق المال و إتيان الفكر فيما يجري هذا المجرى سيما و إن تم لهم نسبوه إلى الشعوذة. و أما الطلسمات فإن في الناس من يسمي الحيل الباقية بها و ذلك مجاز و استعارة و إلا فالطلسمات هي التي ظاهرها و باطنها سواء و لا يظهر فيها وجه حيلة كما كان على المنارة الإسكندرية و كما روي أن الله تعالى بفضة أمر نبيا من الأنبياء المتقدمين أن يأخذ طيرا من نحاس أو شبه و يجعله على رأس منارة كانت في تلك الولاية و لم يكن فيها شجر الزيتون و كان أهلها محتاجين إلى دهن الزيت للمأدوم و غيره فإذا كان عند إدراك الزيتون بالشامات خلق الله صوتا في ذلك الطير فيذهب ذلك الصوت في الهواء فيجتمع إلى ذلك ألوف ألوف من أجناسه في منقار كل واحد زيتونة فيطرحها على ذلك الطير فيمتلئ حوالي المنارة من الزيتون إلى رأسها و كان ذلك الطير غير مجوف فلا يدعى أنها من الحيل التي يأخذها الناس الصندوق الساعة و نحوها و لا يسمع لذلك الطير صوت إلا عند إدراك الزيتون في السنة و كان أهلوها ينتفعون به طول السنة بذلك فهي عندنا من معجزاته باقية للأنبياء الماضين و الأوصياء المتقدمين و لهذا لم يظهر طلسم بعد محمد ص و حان قصور أيدي الأئمة ع. و أما الزراقون الذين يتفق لهم من الإصابة على غير أصل كالشغراني فإنه كان ذكيا حاضر الجواب فطنا بالزرق معروفا به كثير الإصابة فيما يخرصه من الإصابة حتى قال المنجمون إن مولده و ما يتولاه كواكبه اقتضى له ذلك و ذلك باطل لأنه لو كانت الإصابة بالمواليد لكان النظر في علم النجوم عبثا لا يحتاج إليه لأن المولد إذا اقتضى الإصابة أو الخطاء فالتعلم لا ينفع و تركه لا يضر و هذه علة تسري إلى كل صنعة حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق و صانع حاذق و ناسج للديباج موفق لا علم له بذلك و إنما اتفقت له الصنعة بغير علم لما يقتضيه كواكب مولده و ما يلزم من الجهالة على هذا لا يحصى. ثم اعلم أن النبي ص كان يذكر أخبار الأولين و الآخرين من ابتداء خلق الدنيا إلى انتهائها و أمر الجنة و النار و ذكر ما فيهما على الوجه الذي صدقه عليه أهل الكتاب و كان لم يتعلم و لم يقعد عند حبر و لم يقرأ الكتب فإذا كان كذلك فقد بان اختصاصه بمعجزة لأن ما أتى به من هذه الأخبار لا على الوجه المعتاد في معرفتها من تلقيها من ألسنة الناطقين لا يكون إلا بدلالة تكون علما على صدقه. و ما أخبر به عن الغيوب التي تكون على التفصيل لا على الإجمال كقوله لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ و كان كما أخبر به و لم يكن عليه و آله السلام صاحب تقويم و حساب أصطرلاب و معرفة بطالع نجم و زيج و كان ينكر على المنجمين فيقول - من أتى عرافا أو كاهنا فآمن بما قال فقد كفر بما أنزل على محمد. و قد علمنا أن الإخبار عن الغيوب على التفصيل من حيث لا يقع فيه خلاف بقليل و لا بكثير من غير استعانة على ذلك بآلة أو حساب أو تقويم كوكب طالع أو على التنجيم الذي يخطئ مرة و يصيب مرة لا يمكن إلا من ذي معجزة مخصوصة قد خصه الله تعالى بإلهام من عنده أو أمر يكون ناقضا للعادة الجارية في معرفة مثلها إظهارا لصدق من يظهرها عليه و علامة له. و اعلم أنه قد تضمن القرآن و الأحاديث الصحيحة الإخبار عن الغيوب الماضية و المستقبلة فأما الماضية فكالإخبار عن أقاصيص الأولين و الآخرين من غير تعلم من الكتب المتقدمة على ما ذكرنا. و أما المستقبلة فكالإخبار عما يكون من الكائنات و كان كما أخبر عنها على الوجه الذي أخبر عنها على التفصيل من غير تعلق بما يستعان به على ذلك من تلقين ملقن و إرشاد مرشد أو حكم بتقويم أو رجوع إلى حساب كالكسوف و الخسوف و من غير اعتماده على أصطرلاب و طالع و ذلك قوله تعالى لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ و كقوله مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ و كقوله سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَ يُوَلُّونَ الدُّبُرَ و كقوله لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَ لَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً و كقوله فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَ لَنْ تَفْعَلُوا و كقوله وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها إلى قوله قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها و نحو ذلك من الآيات و كان كلها كما قال. و الأحاديث المعجزة أيضا كثيرة لا يتفق أمثالها على كثرتها مع ما فيها من تفصيل الأحكام المفصلة عن المنجمين فتقع كلها صدقا فيعلم أن ذلك بإلهام ملهم الغيوب يعرف له حقائق الأمور. و وجه آخر و هو ما في القرآن و الأحاديث من الإخبار عن الضمائر كقوله إِذْ هَمَّتْ طائِفَتانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا من غير أن ظهر منهم قول أو فعل بخلاف ذلك و كقوله وَ إِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ من غير أن يسمعه منهم و لا ينكرونه و كقوله وَ إِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَ تَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ يخبرهم بما يريدون في أنفسهم و ما يهمون به و كعرضه تمني الموت على اليهود في قوله فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ و قوله وَ لَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فعرفوا صدقه فلم يجسر أحدهم أن يتمنى الموت لأنه قال لهم إن تمنيتم الموت متم فدل جميع ذلك على صدقه بإخباره عن الضمائر و كذا ما ذكرناه من معجزات الأوصياء فدل على صدقهم و كونهم حججا لله. فإن قيل فما الدليل على أن أسباب الحيل مفقودة في أخباركم حتى حكمتم بصحة كونها معجزة. قلنا كثير من تلك المعجزات لا يمكن فيها الحيل مثل انشقاق القمر و حديث الاستسقاء و إطعام الخلق الكثير من الطعام اليسير و خروج الماء من بين الأصابع و الإخبار بالغائبات قبل كونها و مجيء الشجرة ثم رجوعها إلى مكانها لا تتم الحيلة فيها و إنما تتم الحيلة في الأجسام الطفيفة التي يحدث بالتطفل و القسر و غير ذلك و لا يتم مثله في الشجرة و الجبل لأنه لو كان لوجب أن يشاهد. فإن قيل يجوز أن يكون هاهنا جسم يجذب الشجرة كما أن هاهنا حجرا يجذب الحديد يسمى المغناطيس. قلنا لو كان الأمر كذلك لعثر عليه و لظفر به مع تطاول الزمان كما عثر على حجر المغناطيس حتى علمه كل واحد فلو جاز ما قالوه للزم أن يقال هاهنا حجر يجذب الكواكب و يقلع الجبال من أماكنها و إذا قربت من ميت عاش فيؤدي ذلك إلى أن لا نتيقن بشيء أصلا و يؤدي ذلك إلى الجهالات و كان ينبغي أن يطعن بذلك أعداء الدين و مخالفو الإسلام لأنهم إلى ذلك أشغف و كذلك القول في خروج الماء من بين أصابعه إن ادعى طبيعة فيه أو حيلة لزم تجويز ذلك في قلع الجبال و جذب الكواكب و إحياء الموتى و كل ذلك فاسد و حنين الجذع لا يمكن أن يدعى أنه كان لتجويف فيه لأنه لو كان كذلك لعثر عليه مع المشاهدة و لكان لا يسكن مع الإلزام و تسبيح الحصا و تكليم الذراع لا يمكن فيه حيلة البتة و في سماع الكلام من الذراع وجهان أحدهما أن الله بنى الذراع بنية حي صغير و جعل له آلة النطق و التميز يتكلم بما يسمع و الآخر أن الله خلق فيه كلاما سمع من جهتها و أضافه إلى الذراع مجازا. و قول من قال لو انشق القمر لرآه كل الناس لا يلزم لأنه لا يمتنع أن يكون الناس في تلك الحال مشاغيل فإنه كان بالليل فلم يتفق لهم مراعاة ذلك فإنه بقي ساعة ثم التأم و أيضا فإنه لا يمتنع أن يكون الغيم حال بينه و بين من لم يشاهده فلأجل ذلك لم يره الكل و أكثر معجزات الأئمة عليهم السلام تجري مجرى ذلك فالكلام فيها كالكلام في ذلك. ثم نقول في الفصل بين المعجزة و الشعوذة و نحوها فرق قوم من المسلمين بين المعجزات و المخاريق بأن قالوا المعجزة يظهرها الله لرسول أو وصي رسول عند الأفاضل من أهل عصره و الأماثل منهم فيتعذر عليهم فعلها عند التأمل لها و النظر فيها على كل حال و الشعوذة يظهرها صاحبها عند الضعفة من العوام و العجائز فإذا بحث عن أسبابها المبرزون وجدوها مخرقة و المعجزة على مر الأيام لا تزداد إلا عن ظهور صحة لها و لا تنكشف إلا عن حقيقة فيها. و إن الشعوذة ربما تعلم من يظهر عليه مخرجها و طريقها و كيف يتأتى و يظهر مما يهتدي صاحبها إلى أسبابها و يعلم أن من شاركه فيها أتى بمثل ما يأتي هو به و إن المعجزة يجري أمرها مجرى ما ظهر في عصا موسى عليه السلام من انقلابها حية تسعى حتى انقادت إليه السحرة و خاف موسى أن تلتبس بالشعوذة على كثير من الحاضرين. و إن المعجزة تظهر عند دعاء الرسول أو الوصي ابتداء من غير تكلف آلة و أداة منه و الشعوذة مخرقة و خفة يد تظهر على أيدي بعض المحتالين بأسباب مقدرة لها و حيل متعلمة أو موضوعة فيمكن المساواة فيها و لا يتهيأ ذلك إلا لمن عرف مباديها و لا بد من آلات يستعين بها في إتمام ذلك و يتوصل بها إليه. و اعلم أن المعجزة أمر يتعذر على كل من في العصر مثله عند التكليف و الاجتهاد على المشعبذين فضلا عن غيرهم كعصا موسى الذي أعجز السحرة أمرها مع حذقهم في السحر و صنعتهم و الشعبذة مخرقة و خفة تظهر على أيدي بعض المحتالين بأسباب مقدرة يخفى على قوم دون قوم و المعجزة تظهر على أيدي من يعرف بالصدق و الصيانة و الصلاح و السداد و الشعوذة تظهر على أيدي المجانين و الخبثاء و الأرذال و المعجزة يظهرها صاحبها متحديا و

بحار الأنوار - ج ٨٩ - الصفحة ١٢١. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
عليهم السلام الْبَرْقِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرٍو ذِي قَرٍّ وَ ثَعْلَبَةَ الْجَمَالِيِّ قَالا سَمِعْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام يَقُولُ

حُمَّ رَسُولُ اللَّهِ حُمَّى شَدِيدَةً فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَعَوَّذَهُ وَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ بِسْمِ اللَّهِ أَشْفِيكَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُؤْذِيكَ بِسْمِ اللَّهِ وَ اللَّهُ شَافِيكَ بِسْمِ اللَّهِ خُذْهَا فَلْتَهْنِيكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ لَتَبْرَأَنَّ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَأُطْلِقَ النَّبِيُّ ص مِنْ عِقَالِهِ فَقَالَ يَا جَبْرَئِيلُ هَذِهِ عُوذَةٌ بَلِيغَةٌ قَالَ هِيَ مِنْ خِزَانَةٍ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ .

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٩٢ - الصفحة ٢٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
طب، طب الأئمة ( عليهم السلام قَال

ا سَمِعْنَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام يَقُولُ حُمَّ رَسُولُ اللَّهِ حُمَّى شَدِيدَةً فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَعَوَّذَهُ وَ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ بِسْمِ اللَّهِ أَشْفِيكَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُؤْذِيكَ بِسْمِ اللَّهِ وَ اللَّهُ شَافِيكَ بِسْمِ اللَّهِ خُذْهَا فَلْتَهْنِيكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ وَ إِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ لَتَبْرَأَنَّ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَأُطْلِقَ النَّبِيُّ ص مِنْ عِقَالِهِ فَقَالَ يَا جَبْرَئِيلُ هَذِهِ عُوذَةٌ بَلِيغَةٌ قَالَ هِيَ مِنْ خِزَانَةٍ فِي السَّمَاءِ السَّابِعَةِ.

بحار الأنوار - ج ٩٢ - الصفحة ٢٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
كا، الكافي الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام حُمَّ رَسُولُ اللَّهِ ص فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَعَوَّذَهُ فَقَالَ

بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ يَا مُحَمَّدُ بِسْمِ اللَّهِ أَشْفِيكَ بِسْمِ اللَّهِ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يَعْنِيكَ بِسْمِ اللَّهِ وَ اللَّهُ شَافِيكَ بِسْمِ اللَّهِ خُذْهَا فَلْيَهْنِيكَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ لَتَبْرَأَنَّ بِإِذْنِ اللَّهِ قَالَ بَكْرٌ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ رُقْيَةِ الْحُمَّى فَحَدَّثَنِي بِهَذَا.

بحار الأنوار - ج ٩٢ - الصفحة ٣٥. — الإمام الصادق عليه السلام
طب، طب الأئمة ( عليهم السلام قَالَ

يَا صَحَّافُ قُلْتُ لَبَّيْكَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ إِنَّكَ مَأْخُوذٌ عَنْ أَهْلِكَ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مُنْذُ ثَلَاثِ سِنِينَ قَدْ عَالَجْتُ بِكُلِّ دَوَاءٍ فَوَ اللَّهِ مَا نَفَعَنِي قَالَ يَا صَحَّافُ أَ فَلَا أَعْلَمْتَنِي قُلْتُ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ وَ اللَّهِ مَا خَفِيَ عَلَيَّ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ عِنْدَكُمْ فَرَجُهُ وَ لَكِنْ أَسْتَحْيِيكَ قَالَ وَيْحَكَ وَ مَا مَنَعَكَ الْحَيَاءُ فِي رَجُلٍ مَسْحُورٍ مَأْخُوذٍ أَمَا إِنِّي أَرَدْتُ أَنْ أُفَاتِحَكَ بِذَلِكَ قُلْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ أَذْرَأْتُكُمْ أَيُّهَا السَّحَرَةُ عَنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانَةَ بِاللَّهِ الَّذِي قَالَ لِإِبْلِيسَ اخْرُجْ مِنْها مَذْؤُماً مَدْحُوراً اخْرُجْ مِنْهَافَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ أَبْطَلْتُ عَمَلَكُمْ وَ رَدَدْتُ عَلَيْكُمْ وَ نَقَضْتُهُ بِإِذْنِ اللَّهِ الْعَلِيِّ الْأَعْلَى الْأَعْظَمِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ الْقَدِيمِ رَجَعَ سِحْرُكُمْ كَمَا لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ كَمَا بَطَلَ كَيْدُ السَّحَرَةِ حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِمُوسَى (صلوات الله عليه) أَلْقِ عَصاكَ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ فَوَقَعَ الْحَقُّ وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ بِإِذْنِ اللَّهِ أُبْطِلُ سَحَرَةَ فِرْعَوْنَ أَبْطَلْتُ عَمَلَكُمْ أَيُّهَا السَّحَرَةُ وَ نَقَضْتُهُ عَلَيْكُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْساهُمْ أَنْفُسَهُمْ وَ بِالَّذِي قَالَ وَ لَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ وَ قالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَ لَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ وَ لَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلًا وَ لَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ وَ بِإِذْنِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ فَأَكَلا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما فَأَنْتُمْ تَتَحَيَّرُونَ وَ لَا تَتَوَجَّهُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ وَ لَا تَرْجِعُونَ إِلَى شَيْءٍ مِنْهُ أَبَداً قَدْ بَطَلَ بِحَمْدِ اللَّهِ عَمَلُكُمْ وَ خَابَ سَعْيُكُمْ وَ وَهَنَ كَيْدُكُمْ مَعَ مَنْ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيَاطِينِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً غَلَبْتُكُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ هَزَمْتُ كَثْرَتَكُمْ بِجُنُودِ اللَّهِ وَ كَسَرْتُ قُوَّتَكُمْ بِسُلْطَانِ اللَّهِ وَ سَلَّطْتُ عَلَيْكُمْ عَزَائِمَ اللَّهِ عَمِيَ بَصَرُكُمْ وَ ضَعُفَتْ قُوَّتُكُمْ وَ انْقَطَعَتْ أَسْبَابُكُمْ وَ تَبَرَّأَ الشَّيْطَانُ مِنْكُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ فَكانَ عاقِبَتَهُما أَنَّهُما فِي النَّارِ خالِدَيْنِ فِيها وَ ذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ وَ أَنْزَلَ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَ رَأَوُا الْعَذابَ وَ تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ وَ قالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَ ما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ بِإِذْنِ اللَّهِ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْآيَةَ إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ رَبُّ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى شِهابٌ ثاقِبٌ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلافِ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ وَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ الْآيَةَ إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ الْآيَةَ هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ مَنْ أَرَادَ فُلَانَ بْنَ فُلَانَةَ بِسُوءٍ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ أَوْ غَيْرِهِمْ بَعْدَ هَذِهِ الْعُوذَةِ جَعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ وَصَفَهُمْ فَقَالَ أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ ثَلَاثَ آيَاتٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ قَالَ وَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ جَعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ قَالَ وَ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّما خَرَّ الْآيَةَ جَعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ قَالَ مَثَلُ ما يُنْفِقُونَ فِي هذِهِ الْحَياةِ الدُّنْيا الْآيَةَ جَعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ قَالَ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ الْآيَةَ جَعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ قَالَ وَ مَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ أَرْبَعَ آيَاتٍ جَعَلَهُ اللَّهُ مِمَّنْ قَالَ مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ إِلَى قَوْلِهِ فَما لَهُ مِنْ نُورٍ اللَّهُمَّ فَأَسْأَلُكَ بِصِدْقِكَ وَ عِلْمِكَ وَ حُسْنِ أَمْثَالِكَ وَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ وَ آلِهِ مَنْ أَرَادَ فُلَاناً بِسُوءٍ أَنْ تَرُدَّ كَيْدَهُ فِي نَحْرِهِ وَ تَجْعَلَ خَدَّهُ الْأَسْفَلَ وَ تُرْكِسَهُ لِأُمِّ رَأْسِهِ فِي حَفِيرَةٍ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَ ذَلِكَ عَلَيْكَ يَسِيرٌ وَ ما كَانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ ثُمَّ تَقْرَأُ عَلَى طِينِ الْقَبْرِ وَ تَخْتِمُ وَ تُعَلِّقُهُ عَلَى الْمَأْخُوذِ وَ تَقْرَأُ هُوَ اللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ وَ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً وَ بَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ فَغُلِبُوا هُنالِكَ وَ انْقَلَبُوا صاغِرِينَ.

بحار الأنوار - ج ٩٢ - الصفحة ١١٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
ابْنُ الْوَلِيدِ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ كِتَابِهِ الْجَامِعِ يَرْوِي عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام قَالَ

إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُوَدِّعَ قَبْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ وَ أَسْتَرْعِيكَ وَ أَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرُّسُلِ وَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ وَ دَعَتْ إِلَيْهِ وَ دَلَّتْ عَلَيْهِ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيَارَتِي إِيَّاهُ فَإِنْ تَوَفَّيْتَنِي قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنِّي أَشْهَدُ مَعَ الشَّاهِدِينَ فِي مَمَاتِي عَلَى مَا شَهِدْتُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِي أَشْهَدُ أَنَّكُمُ الْأَئِمَّةُ وَ تُسَمِّيهِمْ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ قَتَلَهُمْ وَ حَارَبَهُمْ مُشْرِكُونَ وَ مَنْ رَدَّ عِلْمَهُمْ وَ رَدَّ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَلِ دَرْكٍ مِنَ الْجَحِيمِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ حَارَبَهُمْ لَنَا أَعْدَاءٌ وَ نَحْنُ مِنْهُمْ بُرَآءُ وَ أَنَّهُمْ حِزْبُ الشَّيْطَانِ وَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ وَ مَنْ شَرِكَ فِيهِمْ وَ مَنْ سَرَّهُ قَتْلُهُمْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَ التَّسْلِيمِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ تُسَمِّيهِمْ وَ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيَارَتِهِ فَإِنْ جَعَلْتَهُ فَاحْشُرْنِي مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُسَمَّيْنَ الْأَئِمَّةِ اللَّهُمَّ وَ ذَلِّلْ قُلُوبَنَا لَهُمْ بِالطَّاعَةِ وَ الْمُنَاصَحَةِ وَ الْمَحَبَّةِ وَ حُسْنِ الْمُوَازَرَةِ وَ التَّسْلِيمِ .

بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج ٩٧ - الصفحة ٢٦٦. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
مل، كامل الزيارات ابْنُ الْوَلِيدِ فِيمَا ذَكَرَ مِنْ كِتَابِهِ الْجَامِعِ يَرْوِي عَنْ أَبِي الْحَسَنِ عليه السلام قَالَ

إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُوَدِّعَ قَبْرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَقُلِ السَّلَامُ عَلَيْكَ وَ رَحْمَةُ اللَّهِ وَ بَرَكَاتُهُ أَسْتَوْدِعُكَ اللَّهَ وَ أَسْتَرْعِيكَ وَ أَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالرُّسُلِ وَ بِمَا جَاءَتْ بِهِ وَ دَعَتْ إِلَيْهِ وَ دَلَّتْ عَلَيْهِ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيَارَتِي إِيَّاهُ فَإِنْ تَوَفَّيْتَنِي قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنِّي أَشْهَدُ مَعَ الشَّاهِدِينَ فِي مَمَاتِي عَلَى مَا شَهِدْتُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِي أَشْهَدُ أَنَّكُمُ الْأَئِمَّةُ وَ تُسَمِّيهِمْ وَاحِداً بَعْدَ وَاحِدٍ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ قَتَلَهُمْ وَ حَارَبَهُمْ مُشْرِكُونَ وَ مَنْ رَدَّ عِلْمَهُمْ وَ رَدَّ عَلَيْهِمْ فِي أَسْفَلِ دَرْكٍ مِنَ الْجَحِيمِ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مَنْ حَارَبَهُمْ لَنَا أَعْدَاءٌ وَ نَحْنُ مِنْهُمْ بُرَآءُ وَ أَنَّهُمْ حِزْبُ الشَّيْطَانِ وَ عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَ الْمَلائِكَةِ وَ النَّاسِ أَجْمَعِينَ وَ مَنْ شَرِكَ فِيهِمْ وَ مَنْ سَرَّهُ قَتْلُهُمْ اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَ التَّسْلِيمِ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ وَ تُسَمِّيهِمْ وَ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ زِيَارَتِهِ فَإِنْ جَعَلْتَهُ فَاحْشُرْنِي مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُسَمَّيْنَ الْأَئِمَّةِ اللَّهُمَّ وَ ذَلِّلْ قُلُوبَنَا لَهُمْ بِالطَّاعَةِ وَ الْمُنَاصَحَةِ وَ الْمَحَبَّةِ وَ حُسْنِ الْمُوَازَرَةِ وَ التَّسْلِيمِ. بيان: قوله عليه السلام و أسترعيك يقال استرعاه إياهم استحفظه ذكره الفيروزآبادي.

بحار الأنوار - ج ٩٧ - الصفحة ٢٦٦. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
مل، كامل الزيارات مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَتٍّ الْجَوْهَرِيُّ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُمَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ النُّعْمَانِ عَنِ ابْنِ مُسْكَانَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى يَتَجَلَّى لِزُوَّارِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ (صلوات الله عليه) قَبْلَ أَهْلِ عَرَفَاتٍ وَ يَقْضِي حَوَائِجَهُمْ وَ يَغْفِرُ ذُنُوبَهُمْ وَ يُشَفِّعُهُمْ فِي مَسَائِلِهِمْ ثُمَّ يُثْنِي بِأَهْلِ عَرَفَاتٍ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِهِمْ. 51 مل، كامل الزيارات أَبِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْعَمْرَكِيِّ عَنْ صَنْدَلٍ عَنِ ابْنِ فَرْقَدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا لِمَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ عليه السلام فِي كُلِّ شَهْرٍ مِنَ الثَّوَابِ قَالَ

لَهُ مِنَ الثَّوَابِ ثَوَابُ مِائَةِ أَلْفِ شَهِيدٍ مِثْلُ شُهَدَاءِ بَدْرٍ. 52 ثو، ثواب الأعمال ابْنُ الْوَلِيدِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ عَنِ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْخَيْبَرِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ الْقَاسِمِ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ: قَدِمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي أَوَّلِ وِلَايَةِ أَبِي جَعْفَرٍ فَنَزَلَ النَّجَفَ فَقَالَ يَا مُوسَى اذْهَبْ إِلَى الطَّرِيقِ الْأَعْظَمِ فَقِفْ عَلَى الطَّرِيقِ فَانْظُرْ فَإِنَّهُ سَيَجِيئُكَ رَجُلٌ مِنْ نَاحِيَةِ الْقَادِسِيَّةِ فَإِذَا دَنَا مِنْكَ فَقُلْ لَهُ هَاهُنَا رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اللَّهِ ص يَدْعُوكَ فَسَيَجِيءُ مَعَكَ قَالَ فَذَهَبْتُ حَتَّى قُمْتُ عَلَى الطَّرِيقِ وَ الْحَرُّ شَدِيدٌ فَلَمْ أَزَلْ قَائِماً حَتَّى كِدْتُ أَعْصِي وَ أَنْصَرِفُ وَ أَدَعُهُ إِذْ نَظَرْتُ إِلَى شَيْءٍ مُقْبِلٍ شِبْهِ رَجُلٍ عَلَى بَعِيرٍ قَالَ فَلَمْ أَزَلْ أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى دَنَا مِنِّي فَقُلْتُ لَهُ يَا هَذَا هَاهُنَا رَجُلٌ مِنْ وُلْدِ رَسُولِ اللَّهِ ص يَدْعُوكَ وَ قَدْ وَصَفَكَ لِي قَالَ اذْهَبْ بِنَا إِلَيْهِ قَالَ فَجِئْتُهُ حَتَّى أَنَاخَ بَعِيرَهُ نَاحِيَةً قَرِيباً مِنَ الْخَيْمَةِ قَالَ فَدَعَا بِهِ فَدَخَلَ الْأَعْرَابِيُّ إِلَيْهِ فَدَنَوْتُ أَنَا فَصِرْتُ عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ أَسْمَعُ الْكَلَامَ وَ لَا أَرَاهُمَا فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مِنْ أَيْنَ قَدِمْتَ قَالَ مِنْ أَقْصَى الْيَمَنِ قَالَ فَأَنْتَ مِنْ مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا قَالَ نَعَمْ أَنَا مِنْ مَوْضِعِ كَذَا وَ كَذَا قَالَ فِيمَا جِئْتَ هَاهُنَا قَالَ جِئْتُ زَائِراً لِلْحُسَيْنِ عليه السلام فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَجِئْتَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لَيْسَ إِلَّا الزِّيَارَةَ قَالَ جِئْتُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لَيْسَ إِلَّا أَنْ أُصَلِّيَ عِنْدَهُ وَ أَزُورَهُ وَ أُسَلِّمَ عَلَيْهِ وَ أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي قَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ مَا تَرْوُونَ فِي زِيَارَتِهِ قَالَ نَرْوِي فِي زِيَارَتِهِ أَنَّا نَرَى الْبَرَكَةَ فِي أَنْفُسِنَا وَ أَهَالِينَا وَ أَوْلَادِنَا وَ أَمْوَالِنَا وَ مَعَايِشِنَا وَ قَضَاءِ حَوَائِجِنَا قَالَ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَ فَلَا أَزِيدُكَ مِنْ فَضْلِهِ فَضْلًا يَا أَخَا الْيَمَنِ قَالَ زِدْنِي يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ إِنَّ زِيَارَةَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام تَعْدِلُ حَجَّةً مَقْبُولَةً مُتَقَبَّلَةً زَاكِيَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ إِي وَ اللَّهِ وَ حَجَّتَيْنِ مَبْرُورَتَيْنِ مُتَقَبَّلَتَيْنِ زَاكِيَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص فَتَعَجَّبَ مِنْ ذَلِكَ فَلَمْ يَزَلْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَزِيدُ حَتَّى قَالَ ثَلَاثِينَ حَجَّةً مَبْرُورَةً مُتَقَبَّلَةً زَاكِيَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص. 53 مل، كامل الزيارات مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ مِثْلَهُ. 54 يب، تهذيب الأحكام مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دَاوُدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مَعْمَرٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّ فُلَاناً أَخْبَرَنِي أَنَّهُ قَالَ لَكَ إِنِّي حَجَجْتُ تِسْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً وَ تِسْعَ عَشْرَةَ عُمْرَةً فَقُلْتَ لَهُ حُجَّ حَجَّةً أُخْرَى وَ اعْتَمِرْ عُمْرَةً أُخْرَى تُكْتَبْ لَكَ زِيَارَةُ قَبْرِ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَقَالَ أَيُّمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ تَحُجَّ عِشْرِينَ حَجَّةً وَ تَعْتَمِرَ عِشْرِينَ عُمْرَةً أَوْ تُحْشَرَ مَعَ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَقُلْتُ لَا بَلْ أُحْشَرُ مَعَ الْحُسَيْنِ عليه السلام قَالَ فَزُرْ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام. 55 مل، كامل الزيارات أَبِي وَ جَمَاعَةُ مَشَايِخِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْكُوفِيِّ عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ أَبَانٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَطِيَّةَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ هُوَ يَقُولُ مَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَجَّةً وَ عُمْرَةً أَوْ عُمْرَةً وَ حَجَّةً وَ ذَكَرَ الْحَدِيثَ. 56 مل، كامل الزيارات بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِي فُلَانٍ الْكِنْدِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: مَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَجَّةً وَ عُمْرَةً. 57 مل، كامل الزيارات مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَلِيِّ بْنِ مَهْزِيَارَ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي خَارِجَةَ قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ يَقُولُ فِي آخِرِهِ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي رَوَوْا عَنْ أَبِيكَ فِي الْحَجِّ قَالَ نَعَمْ حَجَّةً وَ عُمْرَةً حَتَّى عَدَّ عَشَرَةً. 58 مل، كامل الزيارات أَبِي وَ جَمَاعَةُ مَشَايِخِي عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ الْعَمْرَكِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُصَادِفٍ قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ الْجُهَنِيُّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فِي زِيَارَةِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ عليه السلام قَالَ مَنْ أَتَاهُ زَائِراً لَهُ عَارِفاً بِحَقِّهِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَجَّةً وَ لَمْ يَزَلْ مَحْفُوظاً حَتَّى يَرْجِعَ قَالَ فَمَاتَ مَالِكٌ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَحَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَقُلْتُ إِنَّ مَالِكاً حَدَّثَنِي بِحَدِيثٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام فِي زِيَارَةِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ عليه السلام قَالَ هَاتِهِ فَحَدَّثْتُهُ فَلَمَّا فَرَغْتُ قَالَ نَعَمْ يَا مُحَمَّدُ حَجَّةٌ وَ عُمْرَةٌ. 59 مل، كامل الزيارات أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ حَمْدَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَنِيعِ بْنِ الْحَجَّاجِ عَنْ يُونُسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: الزِّيَارَةُ إِلَى قَبْرِ الْحُسَيْنِ عليه السلام حَجَّةٌ وَ بَعْدَ الْحَجَّةِ حَجَّةٌ وَ عُمْرَةٌ بَعْدَ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. 60 مل، كامل الزيارات بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الرِّضَا عليه السلام قَالَ: مَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ عليه السلام فَقَدْ حَجَّ وَ اعْتَمَرَ قَالَ قُلْتُ يَطْرَحُ عَنْهُ حَجَّةَ الْإِسْلَامِ قَالَ لَا هِيَ حَجَّةُ الضَّعِيفِ حَتَّى يَقْوَى وَ يَحُجُّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ الْبَيْتَ يَطُوفُ بِهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُمُ اللَّيْلُ صَعِدُوا وَ نَزَلَ غَيْرُهُمْ فَطَافُوا بِالْبَيْتِ حَتَّى الصَّبَاحِ وَ إِنَّ الْحُسَيْنَ لَأَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْبَيْتِ وَ إِنَّهُ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ شُعْثٌ غُبْرٌ لَا تَقَعُ النَّوْبَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. 61 مل، كامل الزيارات ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ حَبِيبٍ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ وَكَّلَ اللَّهُ بِقَبْرِ الْحُسَيْنِ (صلوات الله عليه) أَرْبَعَةَ آلَافِ مَلَكٍ شُعْثاً غُبْراً يَبْكُونَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَ إِتْيَانُهُ تَعْدِلُ حَجَّةً وَ عُمْرَةً وَ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ. بيان: أي و تعدل مع الحج و العمرة إتيان قبور الشهداء بالمدينة أيضا أو المعنى أن إتيان قبور الشهداء عنده تعدل حجة و عمرة أيضا و الظاهر أنه من زيادات النساخ. 62 مل، كامل الزيارات مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَمَرَّ قَوْمٌ عَلَى حُمُرٍ قَالَ أَيْنَ يُرِيدُ هَؤُلَاءِ قُلْتُ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ قَالَ فَمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ زِيَارَةِ الشَّهِيدِ الْغَرِيبِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَ زِيَارَتُهُ وَاجِبَةٌ قَالَ زِيَارَتُهُ خَيْرٌ مِنْ حَجَّةٍ وَ عُمْرَةٍ حَتَّى عَدَّ عِشْرِينَ حَجَّةً وَ عُمْرَةً ثُمَّ قَالَ مَبْرُورَاتٍ مُتَقَبَّلَاتٍ قَالَ فَوَ اللَّهِ مَا قُمْتُ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ إِنِّي قَدْ حَجَجْتُ تِسْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ يَرْزُقَنِي تَمَامَ الْعِشْرِينَ قَالَ فَهَلْ زُرْتَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ قَالَ لَا قَالَ إِنَّ زِيَارَتَهُ خَيْرٌ مِنْ عِشْرِينَ حَجَّةً. 63 مل، كامل الزيارات عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ مِثْلَهُ. 64 ثو، ثواب الأعمال أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ مِثْلَهُ. 65 مل، كامل الزيارات أَبِي وَ جَمَاعَةُ مَشَايِخِي عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ وَ أَحْمَدَ بْنِ إِدْرِيسَ مَعاً عَنِ الْعَمْرَكِيِّ عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ قَالَ: سُئِلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ زِيَارَةِ قَبْرِ الْحُسَيْنِ عليه السلام فَقَالَ فِيهَا حَجَّةٌ وَ عُمْرَةٌ. 66 مل، كامل الزيارات أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ زَيْدٍ الشَّحَّامِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: زِيَارَةُ الْحُسَيْنِ عليه السلام تَعْدِلُ عِشْرِينَ حَجَّةً وَ أَفْضَلُ مِنْ عِشْرِينَ حَجَّةً. 67 مل، كامل الزيارات الْكُلَيْنِيُّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. 68 ثو، ثواب الأعمال ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى مِثْلَهُ. 69 يب، تهذيب الأحكام مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ دَاوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ وَ أَفْضَلُ مِنْ عِشْرِينَ عُمْرَةً وَ حَجَّةً. 70 مل، كامل الزيارات ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ بَزِيعٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَقُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ آتِي قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام قَالَ نَعَمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ ائْتِ قَبْرَ الْحُسَيْنِ بْنِ رَسُولِ اللَّهِ ص أَطْيَبِ الْأَطْيَبِينَ وَ أَطْهَرِ الطَّاهِرِينَ وَ أَبَرِّ الْأَبْرَارِ فَإِنَّكَ إِذَا زُرْتَهُ كَتَبَ اللَّهُ لَكَ بِهِ خَمْساً وَ عِشْرِينَ حَجَّةً. 71 مل، كامل الزيارات الْكُلَيْنِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. 72 ثو، ثواب الأعمال أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ مِثْلَهُ. 73 مل، كامل الزيارات مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ أَوْ عَنْ رَجُلٍ عَنْ شِهَابٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فَقَالَ: سَأَلَنِي فَقَالَ يَا شِهَابُ كَمْ حَجَجْتَ مِنْ حَجَّةٍ فَقُلْتُ تِسْعَ عَشْرَةَ حَجَّةً فَقَالَ لِي تُتِمُّهَا عِشْرِينَ حَجَّةً تُحْسَبُ لَكَ بِزِيَارَةِ الْحُسَيْنِ عليه السلام. 74 ثو، ثواب الأعمال أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ مِثْلَهُ إِلَّا أَنَّ فِيهِ تُكْتَبُ لَكَ زِيَارَةُ الْحُسَيْنِ عليه السلام. 75 مل، كامل الزيارات أَبُو الْعَبَّاسِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام كَمْ حَجَجْتَ قُلْتُ تِسْعَةَ عَشَرَ قَالَ فَقَالَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَتْمَمْتَ إِحْدَى وَ عِشْرِينَ حَجَّةً لَكُنْتَ كَمَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ عليه السلام. 76 ثو، ثواب الأعمال مَاجِيلَوَيْهِ عَنْ عَمِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ مِثْلَهُ. 77 مل، كامل الزيارات أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ صَالِحٍ النِّيلِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام عَارِفاً بِحَقِّهِ كَانَ كَمَنْ حَجَّ مِائَةَ حَجَّةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص. 78 مل، كامل الزيارات أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ مَالِكِ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: مَنْ زَارَ الْحُسَيْنَ عليه السلام كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَمَانِينَ حَجَّةً مَبْرُورَةً. 79 مل، كامل الزيارات أَبِي وَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ مَعاً عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ عَنْ هَارُونَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا لِمَنْ زَارَ قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام قَالَ تُكْتَبُ لَهُ حَجَّةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ حَجَّةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ نَعَمْ وَ حَجَّتَانِ قَالَ قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ حَجَّتَانِ قَالَ قَالَ نَعَمْ وَ ثَلَاثٌ فَمَا زَالَ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ عَشْراً قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ عَشْرُ حِجَجٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ص قَالَ نَعَمْ وَ عِشْرُونَ حَجَّةً قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ عِشْرُونَ فَمَا زَالَ يَعُدُّ حَتَّى بَلَغَ خَمْسِينَ فَسَكَتَ. 80 مل، كامل الزيارات ابْنُ الْوَلِيدِ عَنِ الصَّفَّارِ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ الْمُغِيرَةِ عَنِ الْقَدَّاحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: قُلْتُ لَهُ مَا لِمَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام زَائِراً عَارِفاً بِحَقِّهِ غَيْرَ مُسْتَكْبِرٍ وَ لَا مُسْتَنْكِفٍ قَالَ يُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَجَّةٍ مَقْبُولَةٍ وَ أَلْفُ عُمْرَةٍ مَبْرُورَةٍ وَ إِنْ كَانَ شَقِيّاً كُتِبَ سَعِيداً وَ لَمْ يَزَلْ يَخُوضُ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ. 81 مل، كامل الزيارات مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ صَالِحٍ النِّيلِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام عَارِفاً بِحَقِّهِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ مَنْ أَعْتَقَ أَلْفَ نَسَمَةٍ وَ كَمَنْ حَمَلَ عَلَى أَلْفِ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُسْرَجَةٍ مُلْجَمَةٍ. 82 ثو، ثواب الأعمال أَبِي عَنْ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ مِثْلَهُ. 83 مل، كامل الزيارات أَبِي وَ الْكُلَيْنِيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ الْعَطَّارِ عَنِ ابْنِ أَبِي الْخَطَّابِ بِإِسْنَادِهِ مِثْلَهُ. بيان: لعل اختلافات هذه الأخبار في قدر الفضل و الثواب محمولة على اختلاف الأشخاص و الأعمال و قلة الخوف و المسافة و كثرتهما فإن كل عمل من أعمال الخير يختلف ثوابها باختلاف مراتب الإخلاص و المعرفة و التقوى و سائر الشرائط التي توجب كمال العمل على أنه يظهر من كثير من الأخبار أنهم كانوا يراعون أحوال السائل في ضعف إيمانه و قوته لئلا يصير سببا لإنكاره و كفره و أنهم كانوا يكلمون الناس على قدر عقولهم. - 14، 1، 2، 3، 15- 84 أَقُولُ وَجَدْتُ بِخَطِّ الشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجُبَعِيِّ نَقْلًا مِنْ خَطِّ الشَّهِيدِ رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ نَقْلًا مِنْ مِصْبَاحِ الشَّيْخِ أَبِي مَنْصُورٍ طَابَ ثَرَاهُ قَالَ رُوِيَ أَنَّهُ دَخَلَ النَّبِيُّ ص يَوْماً إِلَى فَاطِمَةَ عليها السلام فَهَيَّأَتْ لَهُ طَعَاماً مِنْ تَمْرٍ وَ قُرْصٍ وَ سَمْنٍ فَاجْتَمَعُوا عَلَى الْأَكْلِ هُوَ وَ عَلِيٌّ وَ فَاطِمَةُ وَ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ عليهما السلام فَلَمَّا أَكَلُوا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ص وَ أَطَالَ سُجُودَهُ ثُمَّ بَكَى ثُمَّ ضَحِكَ ثُمَّ جَلَسَ وَ كَانَ أَجْرَأَهُمْ فِي الْكَلَامِ عَلِيٌّ عليه السلام فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَا مِنْكَ الْيَوْمَ مَا لَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَ ص إِنِّي لَمَّا أَكَلْتُ مَعَكُمْ فَرِحْتُ وَ سُرِرْتُ بِسَلَامَتِكُمْ وَ اجْتِمَاعِكُمْ فَسَجَدْتُ لِلَّهِ تَعَالَى شُكْراً فَهَبَطَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام يَقُولُ سَجَدْتَ شُكْراً لِفَرَحِكَ بِأَهْلِكَ فَقُلْتُ نَعَمْ فَقَالَ أَ لَا أُخْبِرُكَ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ بَعْدَكَ فَقُلْتُ بَلَى يَا أَخِي يَا جَبْرَئِيلُ فَقَالَ أَمَّا ابْنَتُكَ فَهِيَ أَوَّلُ أَهْلِكَ لَحَاقاً بِكَ بَعْدَ أَنْ تُظْلَمَ وَ يُؤْخَذَ حَقُّهَا وَ تُمْنَعَ إِرْثَهَا وَ يُظْلَمَ بَعْلُهَا وَ يُكْسَرَ ضِلْعُهَا وَ أَمَّا ابْنُ عَمِّكَ فَيُظْلَمُ وَ يُمْنَعُ حَقَّهُ وَ يُقْتَلُ وَ أَمَّا الْحَسَنُ فَإِنَّهُ يُظْلَمُ وَ يُمْنَعُ حَقَّهُ وَ يُقْتَلُ بِالسَّمِّ وَ أَمَّا الْحُسَيْنُ فَإِنَّهُ يُظْلَمُ وَ يُمْنَعُ حَقَّهُ وَ تُقْتَلُ عِتْرَتُهُ وَ تَطَئُوهُ الْخُيُولُ وَ يُنْهَبُ رَحْلُهُ وَ تُسْبَى نِسَاؤُهُ وَ ذَرَارِيُّهُ وَ يُدْفَنُ مُرَمَّلًا بِدَمِهِ وَ يَدْفِنُهُ الْغُرَبَاءُ فَبَكَيْتُ وَ قُلْتُ وَ هَلْ يَزُورُهُ أَحَدٌ قَالَ يَزُورُهُ الْغُرَبَاءُ قُلْتُ فَمَا لِمَنْ زَارَهُ مِنَ الثَّوَابِ قَالَ يُكْتَبُ لَهُ ثَوَابُ أَلْفِ حَجَّةٍ وَ أَلْفِ عُمْرَةٍ كُلُّهَا مَعَكَ فَضَحِكَ.

بحار الأنوار - ج ٩٨ - الصفحة ٣٦. — الإمام الباقر عليه السلام
د، العدد القوية مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ الشِّيعِيُّ غَيْرُ التَّارِيخِيِّ قَالَ: لَمَّا وَرَدَ سَبْيُ الْفُرْسِ إِلَى الْمَدِينَةِ أَرَادَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَيْعَ النِّسَاءِ وَ أَنْ يَجْعَلَ الرِّجَالَ عَبِيداً فَمَنَعَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَ أَعْتَقَ نَصِيبَهُ مِنْهُمْ ثُمَّ الصَّحَابَةُ وَهَبُوا أَنْصِبَاءَهُمْ فَقَبِلَ وَ أَعْتَقَهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ قَالَ عليه السلام

هَؤُلَاءِ لَا يُكْرَهْنَ عَلَى التَّزْوِيجِ وَ لَكِنْ يُخَيَّرْنَ فَلَمَّا خُيِّرَتْ شَهْرَبَانُوَيْهِ فَقِيلَ لَهَا مَنْ تَخْتَارِينَ مِنْ خُطَّابِكِ وَ هَلْ أَنْتِ مِمَّنْ يُرِيدُ بَعْلًا فَسَكَتَتْ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام قَدْ أَرَادَتْ وَ بَقِيَ الِاخْتِيَارُ فَقَالَ عُمَرُ وَ مَا عِلْمُكَ بِإِرَادَتِهَا الْبَعْلَ قَالَ عليه السلام إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص كَانَ إِذَا أَتَتْهُ كَرِيمَةُ قَوْمٍ لَا وَلِيَّ لَهَا وَ قَدْ خُطِبَتْ يَأْمُرُ أَنْ يُقَالَ لَهَا أَنْتِ رَاضِيَةٌ بِالْبَعْلِ فَإِنِ اسْتَحْيَتْ وَ سَكَتَتْ جُعِلَتْ إِذْنُهَا صُمَاتَهَا وَ أَمَرَ بِتَزْوِيجِهَا وَ إِنْ قَالَتْ لَا لَمْ تُكْرَهْ عَلَى مَا تَخْتَارُهُ وَ إِنَّ شَهْرَبَانُوَيْهِ أُرِيَتِ الْخُطَّابَ فَأَوْمَأَتْ بِيَدِهَا وَ اخْتَارَتِ الْحُسَيْنَ عليه السلام فَأُعِيدَ الْقَوْلُ عَلَيْهَا فِي التَّخْيِيرِ فَأَشَارَتْ بِيَدِهَا وَ قَالَتْ بِلُغَتِهَا هَذَا إِنْ كُنْتُ مُخَيَّرَةً وَ جَعَلَتْ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام وَلِيَّهَا وَ خَطَبَ حُذَيْفَةُ إِلَى آخِرِ الْخَبَرِ وَ قَدْ مَرَّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ.

بحار الأنوار - ج ١٠٠ - الصفحة ٣٣١. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام

محمد بن الحسن، عن بعض أصحابنا، عن على بن الحكم، عن الحكم ابن مسكين، عن رجل من قريش من أهل مكة قال: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمد، قال: فذهبت معه إليه فوجناه قد ركب دابته، فقال له سفيان: يا أبا عبدالله حدثنا بحديث خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الخيف، قال: دعني حتى أذهب في حاجتى فإني قد ركبت فإذا جئت حدثتك، فقال: أسألك بقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما حدثتني، قال: فنزل، فقال له سفيان: مر لي بدواة وقرطاس حتى اثبته فدعا به ثم قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الخيف: " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم تبلغه يا أيها الناس ليبلغ الشاهد الغائب، فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصيحة لائمة المسليمن واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون إخوة تتكافى دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم " فكتبه سفيان ثم عرضه عليه وركب أبوعبدالله (عليه السلام) وجئت أنا وسفيان فلما كنا في بعض الطريق قال لي كما أنت حتى أنظر في هذا الحديث، قلت له: قد والله ألزم أبو عبدالله رقبتك شيئا لا يذهب من رقبتك أبدا فقال: وأي شئ ذلك؟ فقلت له: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله قد عرفناه والنصيحة لائمة المسلمين، من هؤلاء الائمة الذين يجب علينا نصيحتهم؟ معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم، وكل من لا تجوز الصلاة خلفهم؟ وقوله: واللزوم لجماعتهم فأي الجماعة؟ مرجئ يقول: من لم يصل ولم يصم ولم يغتسل من جنابة وهدم الكعبة ونكح امه فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل، أو قدري يقول: لا يكون ما شاء الله عزوجل ويكون ما شاء إبليس، أو حروري يتبرأ من علي بن أبي طالب وشهد عليه بالكفر أو جهمي يقول: إنما هي معرفة الله وحده ليس الايمان شئ غيرها؟!! قال: ويحك وأي شئ يقولون؟ فقلت: يقولون: إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) والله الامام الذي وجب علينا نصيحته، ولزوم جماعتهم: أهل بيته، قال: فأخذ الكتاب فخرقه ثم: قال لا تخبر بها أحدا.

الأصول من الكافي - ج ١ - الصفحة ٤٠٣. — الإمام الصادق عليه السلام
2 عنه، عن علي بن الحكم، عن عبدالله بن بكير الهجري، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبدالله ( عليه السلام قال

قلت له: ما حق المسلم على المسلم؟ قال له؟ سبع حقوق واجبات ما منهن حق إلا وهو عليه واجب، إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه من نصيب، قلت له: جعلت فداك وماهي؟ قال: يا معلى إني عليك شفيق أخاف أن تضيع ولا تحفظ وتعلم ولاتعمل، قال: قلت له: لا قوة إلا بالله، قال: أيسر حق منها أن تحب له ماتحب لنفسك وتكرة له ما تكره لنفسك ; والحق الثاني أن تجتنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره ; والحق الثالث أن تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك ; والحق الرابع أن تكون عينه ودليله ومرآته ; والحق الخامس [أن] لا تشبع ويجوع ولا تروى ويظمأ ولا تلبس ويعرى، والحق السادس أن يكون لك خادم وليس لاخيك خادم فواجب أن تبعث خادمك فيغسل ثيابه ويصنع طعامه ويمهد فراشه، والحق السابق أن تبر قسمه وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته ; وإذا علمت أن له حاجة تبادره إلى قضائها ولا تلجئه أن يسألكها ولكن تبادره مبادرة، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك.

الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ١٦٩. — غير محدد
25 عنه، عن محمد بن علي، عن محمد بن سنان، عن عيسى النهريري، عن أبي عبدالله ( عليه السلام قال: قال رسول الله

(صلى الله عليه وآله): من عرف الله وعظمه منع فاه من الكلام وبطنه من الطعام وعفى نفسه بالصيام والقيام، قالوا: بآبائنا وامهاتنا يا رسو ل الله هؤ لاء أولياء الله؟ قال: إن أولياء الله سكتوا فكان سكوتهم ذكرا، ونظروا فكان نظرهم عبرة، ونطقوا فكان نطقهم حكمة، ومشوافكان مشيهم بين الناس بركة، لولا الآجال التي قد كتبت عليهم لم تقرأرواحهم في أجسادهم خوفا من العذاب وشوقا إلى الثواب. 6 2 عنه، عن بعض أصحابه من العراقيين، رفعه قال: خطب الناس الحسن ابن علي صلوات الله عليهما فقال: أيها الناس أنا اخبركم عن أخ لي كان من أعظم الناس في عيني وكان رأس ما عظم به في عيني صغر الدنيا في عينه، كان خارجا من سلطان بطنه، فلا يشتهي مالا يجد ولا يكثر إذا وجد، كان خارجا من سلطان فرجه، فلا يستخف له عقله ولا رأيه، كان خارجا من سلطان الجهالة فلا يمد يده إلا على ثقة لمنفعة، كان لايتشهى ولا يتسخط ولا يتبرم، كان أكثر دهره صماتا، فإذا قال بذ القائلين كان لا يدخل في مراء، ولا يشارك في دعوى، ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضيا وكان لا يغفل عن إخوانه، ولايخص نفسه بشئ دونهم، كان ضعيفا مستضعفا فإذا جاء الجد كان ليثاعاديا، كان لايلون أحدا فيما يقع العذر في مثله حتى يرى اعتذارا، كان يفعل ما يقول ويفعل ما لايقول، كان إذاابتزه أمران لايدري أيهما أفضل نظر إلى أقربهما إلى الهوى فخالفه، كان لا يشكووجعا إلا عند من يرجو عنده البرء، ولا يستشير إلا من يرجو عنده النصيحة، كان لايتبرم ولا يتسخط ولا يتشكي ولايتشهي ولاينتقم ولا يغفل عن العدو، فعليكم بمثل هذه الاخلاق الكريمة، إن أطقتموها، فإن لم تطيقوها كلها فأخذ القليل خير من ترك الكثير. ولا حول ولا قوة إلابالله. 7 2 علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن مهزم ; وبعض أصحابنا، عن محمد بن علي، عن محمد بن إسحاق الكاهلي ; وأبوعلي الاشعري، عن الحسن بن علي الكوفي، عن العباس بن عامر، عن ربيع بن محمد، جميعا، عن مهزم الاسدي قال: قال أبوعبدالله (عليه السلام): يا مهزم شيعتنا من لا يعدو صوته سمعه، ولا شحناؤه بدنه ولا يمتدح بنا معلنا ولا يجالس لنا عائبا ولا يخاصم لنا قاليا، إن لقي مؤمنا أكرمه وإن لقي جاهلا هجره ; قلت: جعلت فداك فكيف أصنع بهؤلاء المتشيعة قال: فيهم التمييز وفيهم التبديل وفيهم التمحيص، تأتي عليهم سنون تفنيهم وطاعون يقتلهم واختلاف يبددهم، شيعتنا من لايهر هرير الكلب ولا يطمع طمع الغراب ولا يسأل عدونا وإن مات جوعا. قلت: جعلت فداك فأين أطلب هؤلاء؟ قال: في أطراف الارض ; اولئك الخفيض عيشهم، المنتقلة ديارهم، إن شهدوا لم يعرفوا وإن غابوا لم يفتقدوا ; ومن الموت لايجزعون، وفي القبور يتزاورون وإن لجأ إليهم ذوحاجة منهم رحموه، لن تختلف قلوبهم وإن اختلف بهم الدار، ثم قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أناالمدينة وعلي الباب وكذب من زعم أنه يدخل المدينة لا من قبل الباب وكذب من زعم أنه يحبني ويبغض عليا صلوات الله عليه.

الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ٢٣٧. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
3 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبدالله ( عليه السلام قال

ما من مؤمن إلا ولقلبه اذنان في جوفه: اذن ينفث فيها الوسواس الخناس، واذن ينفث فيهاالملك، فيؤيدالله المؤمن بالملك، فذلك قوله: " وأيدهم بروح منه ". قال الفيض (ره) المستفاد من هذا الحديث أن صاحب الشمال شيطان والمشهور انهما جميعا ملكان كما ياتى في باب الهم بالسيئة أو الحسنة إلا أن يقال: إن المرشد والمفتتن غير الكاتبين الرقيبين وأماما أفاده العلامة الطباطبائى مد ظله فهو أن غاية ما تدل عليه أن مع الانسان من يراقبه ويحفظ عليه أقواله، وأن هذا الرقيب قاعد عن يمين الانسان وشماله فهو أكثر من واحد وأما أنه من هو وهل هو ملك أو شيطان فلا دلالة فيها على ذلك ولذا صح أن ينطبق على ما في بعض الاخبار من أنه شيطان وملك كما في هذا الخبر وعلى ما في آخر أنهما ملكان كاتبان للحسنات والسيئات. ولآية في السورة ق آية 18. للنفس طريق إلى الخير وطريق إلى الشر وللخير مشقة حاضرة زائلة ولذة غائبة دائمة وللشر لذة حاضرة فانية ومشقة غائبة باقية والنفس يطلب اللذة ويهرب عن المشقة فهو دائما متردد بين الخير والشر فروح الايمان يامره، بالخير وينهاه عن الشر والشيطان بالعكس. البارز في بطنها يعود إلى المزنى بها كما وقع التصريح به في الاخبار الاتية (في). المجادلة: 22. وقوله: " الوسواس الخناس " قال البيضاوي: " من شر الوسواس " أى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة واما المصدر فبالكسر كالزلزال والمراد به الوسواس، سمى به مبالغة و " الخناس ": الذى عادته ان يخنس أى يتاخر إذا ذكر الانسان ربه " الذى يوسوس في صدور الناس " إذا غفلواعن ذكرربهم وذلك كالقوة الهمية فانها تساعد العقل في المقدمات فاذا آل الامر إلى النتيجة خنست واخذت توسوسه وتشككه (آت). [*]

الأصول من الكافي - ج ٢ - الصفحة ٢٦٧. — غير محدد
1 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ ثَعْلَبَةَ عَنْ زُرَارَةَ بْنِ أَعْيَنَ عَنْ أَحَدِهِمَا عليهما السلام قَالَ

مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ الْبَدَاءِ باب البداء الحديث الأول: صحيح. قوله: ما عبد الله بشيء مثل البداء، أي الإيمان بالبداء من أعظم العبادات أو أنه ادعى إلى العبادة من كل شيء، و اعلم أن البداء مما ظن أن الإمامية قد تفردت به و قد شنع عليهم بذلك كثير من المخالفين، و الأخبار في ثبوتها كثيرة مستفيضة من الجانبين و لنشر إلى بعض ما قيل في تحقيق ذلك ثم إلى ما ظهر لي من الأخبار مما هو الحق في المقام: اعلم أنه لما كان البداء ممدودا في اللغة بمعنى ظهور رأي لم يكن، يقال: بدا الأمر بدوا: ظهر، و بدا له في هذا الأمر بداء أي نشأ له فيه رأي كما ذكره الجوهري و غيره، فلذلك يشكل القول بذلك في جناب الحق تعالى لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله، و هذا محال، و لذا شنع كثير من المخالفين على الإمامية في ذلك نظرا إلى ظاهر اللفظ من غير تحقيق لمرامهم، حتى أن الناصبي المتعصب الفخر الرازي ذكر في خاتمة كتاب المحصل حاكيا عن سليمان بن جرير إن أئمة الرافضة وصفوا القول بالبداء لشيعتهم، فإذا قالوا إنه سيكون لهم أمر و شوكة ثم لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا: بد الله تعالى فيه. و أعجب منه أنه أجاب المحقق الطوسي (ره) في نقد المحصل عن ذلك لعدم.......... إحاطته (قدس سره) كثيرا بالأخبار بأنهم لا يقولون بالبداء، و إنما القول به ما كان إلا في رواية رووها عن جعفر الصادق (عليه السلام) أنه جعل إسماعيل القائم مقام بعده فظهر من إسماعيل ما لم يرتضه منه، فجعل القائم مقامه موسى (عليه السلام)، فسئل عن ذلك فقال: بدا لله في إسماعيل، و هذه رواية، و عندهم أن خبر الواحد لا يوجب علما و لا عملا" انتهى". فانظر إلى هذا المعاند كيف أعمت العصبية عينه حيث نسب إلى أئمة الدين الذين لم يختلف مخالف و لا مؤالف في فضلهم و علمهم و ورعهم و كونهم أتقى الناس و أعلاهم شأنا و رفعة، الكذب و الحيلة و الخديعة، و لم يعلم أن مثل هذه الألفاظ المجازية الموهمة لبعض المعاني الباطلة قد وردت في القرآن الكريم و أخبار الطرفين، كقوله تعالى: " اللّٰهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ "" و مَكَرَ اللّٰهُ* "" و لِيَبْلُوَكُمْ* "" و لِنَعْلَمَ* "" و يُرِيدُ اللّٰهُ* "" و وَجْهُ اللّٰهِ* "" و جَنْبِ اللّٰهِ " إلى غير ذلك مما لا يحصي، و قد ورد في أخبارهم ما يدل على البداء بالمعنى الذي قالت به الشيعة أكثر مما ورد في أخبارنا، كخبر دعاء النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على اليهودي، و إخبار عيسى (عليه السلام) و أن الصدقة و الدعاء يغيران القضاء و غير ذلك. و قال ابن الأثير في النهاية في حديث الأقرع و الأبرص و الأعمى: بدا لله عز و جل أن يبتليهم، أي قضى بذلك، و هو معنى البداء ههنا، لأن القضاء سابق، و البداء.......... استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم، و ذلك على الله غير جائز" انتهى". و قد قال سبحانه: " هُوَ الَّذِي. قَضىٰ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ " و قال المحقق الطوسي (ره) في التجريد: أجل الحيوان الوقت الذي علم الله بطلان حياته فيه، و المقتول يجوز فيه الأمران لولاه، و يجوز أن يكون الأجل لطفا للغير لا للمكلف، و قال العلامة (ره) في شرحه: اختلف الناس في المقتول لو لم يقتل، فقالت المجبرة: إنه كان يموت قطعا و هو قول العلاف، و قال بعض البغداديين: إنه كان يعيش قطعا، و قال أكثر المحققين: إنه كان يجوز أن يعيش و يجوز أن يموت ثم اختلفوا فقال قوم منهم: لو كان المعلوم منه البقاء لو لم يقتل له أجلان، و قال الجبائيان و أصحابهما و أبو الحسين: إن أجله هو الوقت الذي قتل فيه ليس له أجل آخر لو لم يقتل، فما كان يعيش إليه ليس بأجل له الآن حقيقي بل تقديري" انتهى" و قال تعالى: " يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتٰابِ ". و قال الناصبي الرازي في تفسيره في هذه الآية قولان: الأول: أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، قالوا: إن الله يمحو من الرزق و يزيد فيه، و كذا القول في الأجل و السعادة و الشقاوة و الإيمان و الكفر، و هو مذهب عمرو بن مسعود، و رواه جابر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). و الثاني: أنها خاصة في بعض الأشياء دون البعض، ففيها وجوه: " الأول": أن المراد من المحو و الإثبات نسخ الحكم المتقدم و إثبات حكم آخر بدلا عن الأول" الثاني" أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة و لا سيئة، لأنهم مأمورون بكتبة كل قول و فعل و يثبت غيره" الثالث" أنه تعالى.......... أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه، فإذا تاب عنه محي عن ديوانه" الرابع" يمحو الله ما يشاء، و هو من جاء أجله و يدع من لم يجيء أجله و يثبته" الخامس" أنه تعالى يثبت في أول السنة، فإذا مضت السنة محيت و أثبت كتاب آخر للمستقبل" السادس" يمحو نور القمر و يثبت نور الشمس" السابع" يمحو الدنيا و يثبت الآخرة" الثامن" أنه في الأرزاق و المحن و المصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء و الصدقة، و فيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى" التاسع" تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو، و ما حصل و حضر فهو الإثبات" العاشر" يزيل ما يشاء من حكمه، لا يطلع على غيبة أحد، فهو المتفرد بالحكم كما يشاء، و هو المستقبل بالإيجاد و الإعدام و الإحياء و الإماتة و الإغناء و الإفقار، بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه، و اعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم. فإن قال قائل: أ لستم تزعمون أن المقادير سابقه قد جفت بها القلم، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو و الإثبات؟ قلنا: ذلك المحو و الإثبات أيضا مما قد جفت به القلم، فلا يمحو إلا ما قد سبق في علمه و قضائه محوه، ثم قال: قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، و هو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده، و تمسكوا فيه بقوله" يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ " انتهى كلامه لعنه الله. و لا أدري من أين أخذ هذا القول الذي افترى به عليهم، مع أن الكتب الإمامية المتقدمين عليه كالصدوق و المفيد و الشيخ و المرتضى و غيرهم (رضوان الله عليهم) مشحونة بالتبري عن ذلك، و لا يقولون إلا ببعض ما ذكره سابقا أو بما هو أصوب منها كما ستعرف، و العجب أنهم في أكثر الموارد ينسبون إلى الرب تعالى ما لا يليق به، و الإمامية قدس الله أسرارهم يبالغون في تنزيهه تعالى و يفحمونهم بالحجج البالغة، و لما لم يظفروا في عقائدهم بما يوجب نقصا يباهتونهم و يفترون عليهم بأمثال تلك.......... الأقاويل الفاسدة، و هل البهتان و الافتراء إلا دأب العاجزين، و لو فرض أن بعضا من الجهلة المنتحلين للتشيع قال بذلك، فالإمامية يتبرءون منه و من قوله كما يتبرءون من هذا الناصبي و أمثاله و أقاويلهم الفاسدة. فأما ما قيل في توجيه البداء فقال الصدوق (ره) في كتاب التوحيد: ليس البداء كما تقوله جهال الناس بأنه بداء ندامة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، و لكن يجب علينا أن نقر لله عز و جل بأن له البداء، معناه أن له أن يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء، ثم يعدم ذلك الشيء و يبدأ بخلق غيره، أو يأمر بأمر ثم ينهى عن مثله أو ينهى عن شيء ثم يأمر بمثل ما نهى عنه، و ذلك مثل نسخ الشرائع و تحويل القبلة و عدة المتوفى عنها زوجها، و لا يأمر الله عباده بأمر في وقت ما إلا و يعلم أن الصلاح لهم في ذلك الوقت في أن يأمرهم بذلك، و يعلم أن في وقت آخر الصلاح لهم في أن ينهاهم عن مثل ما أمرهم به، فإذا كان ذلك الوقت أمرهم بما يصلحهم، فمن أقر لله عز و جل بأن له أن يفعل ما يشاء و يؤخر ما يشاء، و يخلق مكانه ما يشاء، و يقدر ما يشاء، و يؤخر ما يشاء، و يأمر بما يشاء كيف يشاء، فقد أقر بالبداء، و ما عظم الله بشيء أفضل من الإقرار بأن له الخلق و الأمر و التقديم و التأخير و إثبات ما لم يكن و محو ما قد كان، و البداء هو رد على اليهود لأنهم قالوا إن الله قد فرغ من الأمر، فقلنا إن الله كل يوم في شأن يحيى و يميت و يرزق و يفعل ما يشاء، و البداء ليس من ندامة، و إنما هو ظهور أمر، تقول العرب: بدا لي شخص في طريقي أي ظهر، و قال الله عز و جل: " وَ بَدٰا لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ مٰا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ " أي ظهر لهم و متى ظهر لله تعالى ذكره من عبد صلة لرحمه زاد في عمره، و متى ظهر له قطيعة رحم نقص من عمره، و متى ظهر له من عبد إتيان الزنا نقص من رزقه و عمره، و متى ظهر له التعفف عن الزنا زاد في رزقه و عمره........... و من ذلك قول الصادق (عليه السلام): ما بدا لله كما بدا له في إسماعيل ابني، يقول: ما ظهر له أمر كما ظهر له في إسماعيل إذ اخترمه قبلي، ليعلم بذلك أنه ليس بإمام بعدي. و قال شيخ الطائفة عظم الله أجره في كتاب الغيبة بعد إيراد الأخبار المشتملة على البداء في قيام القائم (عليه السلام): الوجه في هذه الأخبار- إن صحت- أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد وقت هذا الأمر في الأوقات التي ذكرت، فلما تجدد ما تجدد تغيرت المصلحة و اقتضت تأخيره إلى وقت آخر، و كذلك فيما بعد، و يكون الوقت الأول و كل وقت يجوز أن يؤخر مشروطا بأن لا يتجدد ما تقتضي المصلحة تأخيره إلى أن يجيء الوقت الذي لا يغيره شيء، فيكون محتوما. و على هذا يتأول ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها و الزيادة فيها عند الدعاء و صلة الأرحام، و ما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم و قطع الرحم و غير ذلك، و هو تعالى و إن كان عالما بالأمرين فلا يمتنع أن يكون أحدهما معلوما بشرط، و الآخر بلا شرط، و هذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل، و على هذا يتأول أيضا ما روي من أخبارنا المتضمنة للفظ البداء، و يبين أن معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل، فيما يجوز فيه النسخ، أو تغير شروطها إن كان طريقها الخبر عن الكائنات، لأن البداء في اللغة هو الظهور، فلا يمتنع أن يظهر لنا من أفعال الله تعالى ما كنا نظن خلافه أو نعلم و لا نعلم شرطه. فمن ذلك ما رواه سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: علي بن الحسين و علي بن أبي طالب قبله، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد (عليهم السلام): كيف لنا بالحديث مع هذه الآية: " يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتٰابِ " فأما من قال بأن الله تعالى لا يعلم الشيء إلا بعد كونه فقد كفر" انتهى"........... و قد قيل فيه وجوه أخر: الأول: ما ذكره السيد الداماد (قدس الله روحه) في نبراس الضياء حيث قال: البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي و الأحكام التكليفية نسخ فهو في الأمر التكويني و المكونات الزمانية بداء، فالنسخ كأنه بداء تشريعي، و البداء كأنه نسخ تكويني، و لا بداء في القضاء، و لا بالنسبة إلى جناب القدس الحق و المفارقات المحضة من ملائكته القدسية، و في متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القار و الثبات البات و وعاء عالم الوجود كله، و إنما البداء في القدر و في امتداد الزمان الذي هو أفق التقضي و التجدد، و ظرف التدريج و التعاقب، و بالنسبة إلى الكائنات الزمانية، و من في عالم الزمان و المكان و إقليم المادة و الطبيعة و كما أن حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي و انقطاع استمراره لا رفعه و ارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الأمر التكويني و انتهاء اتصال الإفاضة، و مرجعه إلى تحديد زمان الكون و تخصيص وقت الإفاضة، لا أنه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه و بطلانه في حد حصوله" انتهى". الثاني: ما ذكره بعض الأفاضل في شرحه على الكافي و تبعه غيره من معاصرينا: و هو أن القوي المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة، لعدم تناهي تلك الأمور، بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا و جملة فجملة مع أسبابها و عللها على نهج مستمر و نظام مستقر، فإن ما يحدث في عالم الكون و الفساد فإنما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة لله تعالى، و نتائج بركاتها فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا، فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم، و ربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لو لا ذلك السبب، و لم يحصل لها.......... العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت، لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب، ثم لما جاء أو أنه و اطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول فيمحي عنها نقش الحكم السابق، و يثبت الحكم الآخر، مثلا لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا، الأسباب تقتضي ذلك و لم يحصل لها العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت، لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد، ثم علمت به و كان موته بتلك الأسباب مشروطا بأن لا يتصدق، فتحكم أولا بالموت و ثانيا بالبرء، و إذا كانت الأسباب لوقوع أمر و لا وقوعه متكافئة، و لم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد، لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد، كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر و لا وقوعه فينتقش فيها الوقوع تارة و اللاوقوع أخرى، فهذا هو السبب في البداء و المحو و الإثبات و التردد و أمثال ذلك في أمور العالم، فإذا اتصلت بتلك القوي نفس النبي أو الإمام (عليهم السلام) و قرأ فيها بعض تلك الأمور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه، أو شاهده بنور بصيرته، أو سمع بإذن قلبه، و أما نسبة ذلك كله إلى الله تعالى فلان كلما يجري في العالم الملكوتي إنما يجري بإرادة الله تعالى بل فعلهم بعينه فعل الله سبحانه، حيث إنهم لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، إذ لا داعي لهم على الفعل إلا إرادة الله جل و عز لاستهلاك إرادتهم في إرادته تعالى، و مثلهم كمثل الحواس للإنسان، كلما هم بأمر محسوس امتثلت الحواس لما هم به، فكل كتابة تكون في هذه الألواح و الصحف فهو أيضا مكتوب لله عز و جل بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول، فيصح أن يوصف الله عز و جل نفسه بأمثال ذلك بهذا الاعتبار، و إن كان مثل هذه الأمور يشعر بالتغير و النسوخ، و هو سبحانه منزه عنه، فإن كلما وجد أو سيوجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيته. الثالث: ما ذكره بعض المحققين حيث قال: تحقيق القول في البداء أن الأمور كلها عامها و خاصها و مطلقها و مقيدها و منسوخها و ناسخها و مفرداتها و مركباتها.......... و إخباراتها و إنشاءاتها، بحيث لا يشذ عنها شيء منتقشة في اللوح، و الفائض منه على الملائكة و النفوس العلوية و النفوس السفلية قد يكون الأمر العام المطلق أو المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة الكاملة من الفيضان في ذلك الوقت، و يتأخر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه، و هذه النفوس العلوية و ما يشبهها يعبر عنها بكتاب المحو و الإثبات، و البداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب. الرابع: ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في جواب مسائل أهل الري، و هو أنه قال: المراد بالبداء النسخ، و ادعى أنه ليس بخارج عن معناه اللغوي. أقول: هذا ما قيل في هذا الباب، و قد قيل فيه وجوه أخر لا طائل في إيرادها و الوجوه التي أوردناها بعضها بمعزل عن معنى البداء، و بينهما كما بين الأرض و السماء و بعضها مبتنية على مقدمات لم تثبت في الدين، بل ادعي على خلافها إجماع المسلمين و كلها يشتمل على تأويل نصوص كثيرة بلا ضرورة تدعو إليه، و تفصيل القول في كل منها يفضي إلى الإطناب، و لنذكر ما ظهر لنا من الآيات و الأخبار بحيث تدل عليه النصوص الصريحة، و لا تأبى عنه العقول الصحيحة. فنقول و بالله التوفيق: إنهم (عليهم السلام) إنما بالغوا في البداء ردا على اليهود الذين يقولون إن الله قد فرغ من الأمر، و على النظام، و بعض المعتزلة الذين يقولون إن الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن، معادن و نباتا و حيوانا و إنسانا و لم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده، و التقدم إنما يقع في ظهورها لا في حدوثها و وجودها، و إنما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون و الظهور من الفلاسفة، و على بعض الفلاسفة القائلين بالعقول و النفوس الفلكية، و بأن الله تعالى لم يؤثر حقيقة إلا في العقل الأول، فهم يعزلونه تعالى عن ملكه، و ينسبون الحوادث إلى هؤلاء، و على آخرين منهم قالوا: إن الله سبحانه أوجد جميع مخلوقاته دفعة واحدة دهرية لا ترتب فيها باعتبار الصدور، بل إنما ترتبها في الزمان فقط، كما أنه لا تترتب.......... الأجسام المجتمعة زمانا و إنما ترتبها في المكان فقط، فنفوا (عليهم السلام) كل ذلك و أثبتوا أنه تعالى كل يوم في شأن من إعدام شيء و إحداث آخر و إماتة شخص و إحياء آخر إلى غير ذلك لئلا يترك العباد التضرع إلى الله و مسألته و طاعته و التقرب إليه بما يصلح أمور دنياهم و عقباهم، و ليرجوا عند التصدق على الفقراء و صلة الأرحام و بر الوالدين و المعروف و الإحسان ما وعدوا عليها من طول العمر و زيادة الرزق و غير ذلك. ثم اعلم أن الآيات و الأخبار تدل على أن الله تعالى خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات: أحدهما اللوح المحفوظ الذي لا تغير فيه أصلا، و هو مطابق لعلمه تعالى، و الآخر لوح المحو و الإثبات فيثبت فيه شيئا ثم يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على أولي الألباب، مثلا يكتب فيه أن عمر زيد خمسون سنة و معناه أن مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره، فإذا وصل الرحم مثلا يمحى الخمسون و يكتب مكانه ستون، و إذا قطعها يكتب مكانه أربعون، و في اللوح المحفوظ أنه يصل و عمره ستون، كما أن الطبيب الحاذق إذا اطلع على مزاج شخص يحكم بأن عمره بحسب هذا المزاج يكون ستين سنة، فإذا شرب سما و مات أو قتله إنسان فنقص من ذلك، أو استعمل دواء قوي مزاجه به فزاد عليه لم يخالف قول الطبيب، و التغيير الواقع في هذا اللوح مسمى بالبداء، إما لأنه مشبه به كما في سائر ما يطلق عليه تعالى من الابتلاء و الاستهزاء و السخرية و أمثالها، أو لأنه يظهر للملائكة أو للخلق إذا أخبروا بالأول خلاف ما علموا أولا. و أي استبعاد في تحقق هذين اللوحين؟ و أية استحالة في هذا المحو و الإثبات حتى يحتاج إلى التأويل و التكلف. و إن لم تظهر الحكمة فيه لنا لعجز عقولنا عن الإحاطة بها، مع أن الحكم فيه ظاهرة. منها: أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح و المطلعين عليه لطفه تعالى بعباده و إيصالهم في الدنيا إلى ما يستحقونه فيزدادوا به معرفة........... و منها: أن يعلم العباد بأخبار الرسل و الحج (عليهم السلام) أن لأعمالهم الحسنة مثل هذه التأثيرات في صلاح أمورهم، و لأعمالهم السيئة تأثيرا في فسادها فيكون داعيا لهم إلى الخيرات، صارفا لهم عن السيئات، فظهر أن لهذا اللوح تقدما على اللوح المحفوظ من جهة، لصيرورته سببا لحصول بعض الأعمال، فبذلك انتقش في اللوح المحفوظ حصوله، فلا يتوهم أنه بعد ما كتب في هذا اللوح حصوله لا فائدة في المحو و الإثبات. و منها: أنه إذا أخبر الأنبياء و الأوصياء أحيانا من كتاب المحو و الإثبات ثم أخبروا بخلافه يلزمهم الإذعان به، و يكون في ذلك تشديد للتكليف عليهم، و تسبيبا لمزيد الأجر لهم، كما في سائر ما يبتلي الله عباده به من التكاليف الشاقة، و إيراد الأمور التي تعجز أكثر العقول عن الإحاطة بها، و بها يمتاز المسلمون الذين فازوا بدرجات اليقين عن الضعفاء الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين. و منها: أن تكون هذه الأخبار تسلية لقوم من المؤمنين المنتظرين لفرج أولياء الله و غلبة الحق و أهله، كما روي في قصة نوح (عليه السلام) حين أخبروا بهلاك القوم ثم أخر ذلك مرارا. و كما روي في فرج أهل البيت (عليهم السلام) و غلبتهم (عليهم السلام)، لأنهم (عليهم السلام) لو كانوا أخبروا الشيعة في أول ابتلائهم باستيلاء المخالفين و شدة محنتهم أنه ليس فرجهم إلا بعد ألف سنة أو ألفي سنة ليئسوا و رجعوا عن الدين، و لكنهم أخبروا شيعتهم بتعجيل الفرج، و ربما أخبروهم بأنه يمكن أن يحصل الفرج في بعض الأزمنة القريبة ليثبتوا على الدين و يثابوا بانتظار الفرج كما سيأتي في باب كراهية التوقيت من كتاب الحجة عن علي بن يقطين، قال: قال لي أبو الحسن (عليه السلام): الشيعة تربى بالأماني منذ مائتي سنة، قال: و قال يقطين لابنه علي بن يقطين: ما بالنا قيل لنا فكان، و قيل لكم فلم يكن؟ قال: فقال له علي: إن الذي قيل لنا و لكم كان من مخرج واحد غير.......... أن أمركم حضر فأعطيتم محضه فكان كما قيل لكم، و إن أمرنا لم يحضر فعللنا بالأماني، فلو قيل لنا إن هذا الأمر لا يكون إلا إلى مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة لقست القلوب و لرجع عامة الناس عن الإسلام و لكن قالوا ما أسرعه و ما أقربه تألفا لقلوب الناس و تقريبا للفرج. و قد ذكرنا كثيرا من الأخبار في ذلك في كتاب بحار الأنوار في كتاب النبوة، لا سيما في أبواب قصص نوح و موسى و شعياء (عليهم السلام)، و في كتاب الغيبة. فأخبارهم (عليهم السلام) بما يظهر خلافه ظاهرا من قبيل المجملات و المتشابهات التي تصدر عنهم بمقتضى الحكم، ثم يصدر عنهم بعد ذلك تفسيرها و بيانها، و قولهم يقع الأمر الفلاني في وقت كذا معناه إن كان كذا، و إن لم يقع الأمر الفلاني الذي ينافيه و لم يذكروا الشرط كما قالوا في النسخ قبل الفعل، و قد أوضحناه في باب ذبح إسماعيل (عليه السلام) من الكتاب المذكور. فمعنى قولهم (عليهم السلام): ما عبد الله بمثل البداء، أن الإيمان بالبداء من أعظم العبادات القلبية لصعوبته و معارضته الوساوس الشيطانية فيه، و لكونه إقرارا بأن له الخلق و الأمر، و هذا كمال التوحيد، أو المعنى أنه من أعظم الأسباب و الدواعي لعبادة الرب تعالى كما عرفت، و كذا قولهم ما عظم الله بمثل البداء يحتمل الوجهين و إن كان الأول فيه أظهر. و أما قول الصادق (عليه السلام): لو علم الناس ما في القول بالبداء من الأجر ما فتروا عن الكلام فيه، فلما مر أيضا من أن أكثر مصالح العباد موقوفة على القول بالبداء إذ لو اعتقدوا أن كل ما قدر في الأزل فلا بد من وقوعه حتما لما دعوا الله في شيء من مطالبهم، و ما تضرعوا إليه و ما استكانوا لديه، و لا خافوا منه، و لا رجوا إليه إلى غير ذلك مما قد أومأنا إليه، و أما إن هذه الأمور من جملة الأسباب المقدرة في الأزل أن يقع الأمر بها لا بدونها فمما لا يصل إليه عقول أكثر الخلق، فظهر أن.......... هذا اللوح و علمهم بما يقع فيه من المحو و الإثبات أصلح لهم من كل شيء. بقي هيهنا إشكال آخر: و هو أنه يظهر من كثير من الأخبار أن البداء لا يقع فيما يصل علمه إلى الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام)، و يظهر من كثير منها وقوع البداء فيما وصل إليهم أيضا و يمكن الجمع بينها بوجوه: الأول: أن يكون المراد بالأخبار الأولة عدم وقوع البداء فيما وصل إليهم على سبيل التبليغ، بأن يؤمروا بتبليغه فيكون إخبارهم بها من قبل أنفسهم لا على وجه التبليغ. الثاني: أن يكون المراد بالأولة الوحي و يكون ما يخبرون به من جهة الإلهام و اطلاع نفوسهم على الصحف السماوية و هذا قريب من الأول. الثالث: أن تكون الأولة محمولة على الغالب فلا ينافي ما وقع على سبيل الندرة. الرابع: ما أشار إليه الشيخ (قدس الله روحه): من أن المراد بالأخبار الأولة عدم وصول الخبر إليهم و أخبارهم على سبيل الحتم، فيكون أخبارهم على قسمين: " أحدهما" ما أوحي إليهم أنه من الأمور المحتومة، فهم يخبرون كذلك و لا بداء فيه. " و ثانيهما" ما يوحى إليهم لا على هذا الوجه، فهم يخبرون كذلك، و ربما أشعروا أيضا باحتمال وقوع البداء فيه، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد الإخبار بالسبعين" يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ" و هذا وجه قريب. الخامس: أن يكون المراد بالأخبار الأولة أنهم لا يخبرون بشيء لا يظهر وجه الحكمة فيه على الخلق، لئلا يوجب تكذيبهم بل لو أخبروا بشيء من ذلك يظهر وجه الصدق فيما أخبروا به كخبر عيسى (عليه السلام) و النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث ظهرت الحية دالة على صدق مقالهما، و سيأتي بعض القول في ذلك في باب ليلة القدر إن شاء الله تعالى.

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ١٢٣. — غير محدد
3 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ

اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ لِلَّهِ وَ لَا تَجْعَلُوهُ لِلنَّاسِ فَإِنَّهُ مَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ لِلَّهِ وَ مَا كَانَ لِلنَّاسِ فَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ وَ لَا تُخَاصِمُوا النَّاسَ لِدِينِكُمْ فَإِنَّ الْمُخَاصَمَةَ مَمْرَضَةٌ لِلْقَلْبِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ص إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً " فقال: قد يكون ضيقا و له منفذ يسمع منه و يبصر و الحرج هو الملتئم الذي لا منفذ يسمع به و لا يبصر منه. الحديث الثالث: حسن. قوله (عليه السلام): اجعلوا أمركم، أي دينكم قولا و فعلا خالصا" لله" طالبين لمرضاته" و لا تجعلوه للناس" رياء و سمعة، و للغلبة عليهم و إظهارا للفضل و الكمال" فإنه ما كان لله فهو لله" أي يصل إليه و يقبله، و قيل: ما كان لله في الدنيا فهو في الآخرة أيضا لله يطلب الثواب منه" و ما كان للناس فلا يصعد إلى الله" أي لا يقبله، أو لا يصعد به ليكتب في ديوان المقربين كما قال سبحانه: " إِنَّ كِتٰابَ الْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ " و قال: " إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّٰالِحُ " فإن صعودهما إليه مجاز عن قبوله إياهما، أو صعود الكتبة بصحيفتهما" فإن المخاصمة ممرضة" بفتح الميم و الراء، اسم مكان أو بضم الميم و كسر الراء اسم فاعل، أي موجبة لحدوث أمراض الشك و الشبهة و الأخلاق الذميمة من الحقد و الحسد و غيرهما في القلب، و القلب المستعد لقبول الحق يكفيه أدنى تنبيه، و القلب المطبوع على الباطل لا تنجع فيه أعلى مدارج الخصومات من العالم النبيه بل يضره و يصير سببا لمزيد رسوخه فيما هو فيه، ثم أيد (عليه السلام) ما ذكره بقوله تعالى لنبيه (صلوات الله عليه) في عدم ترتب الهداية على مبالغته و مجادلته: " إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ " قال الطبرسي (رحمه الله) أي أحببت هدايته أو وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ وَ قَالَ أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أحببته لقرابته، و المراد بالهداية هنا اللطف الذي يختار عنده الإيمان، فإنه لا يقدر عليه إلا الله لأنه إما أن يكون من فعله خاصة أو بإعلامه، و لا يعلم ما يصلح المرء في دينه إلا الله تعالى، فإن الهداية التي هي الدعوة و البيان قد أضافه سبحانه إليه في قوله: " وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ ". و قيل: إن المراد بالهداية في الآية الإجبار على الاهتداء أي أنت لا تقدر على ذلك، و قيل: معناه ليس عليك اهتداؤهم و قبولهم الحق" وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ* " بلطفه، و قيل: على وجه الإجبار. و قال (رحمه الله) في قوله تعالى" وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً " معناه الأخبار عن قدرة الله تعالى على أن يكره الخلق على الإيمان، كما قال: " إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمٰاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنٰاقُهُمْ لَهٰا خٰاضِعِينَ " و لذا قال بعد ذلك" أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ " و معناه أنه لا ينبغي أن تريد إكراههم على الإيمان، مع أنك لا تقدر عليه، لأن الله تعالى يقدر عليه و لا يريده لأنه ينافي التكليف، و أراد بذلك تسلية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) و تخفيف ما يلحقه من التحسر و الحرص على إيمانهم عنه" انتهى". و روى الصدوق (رحمه الله) في كتاب العيون بإسناده عن الرضا (عليه السلام) أنه قال له المأمون: ما معنى قول الله جل ثناؤه: " وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ " فقال الرضا (عليه السلام): حدثني أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: إن المسلمين ذَرُوا النَّاسَ فَإِنَّ النَّاسَ أَخَذُوا عَنِ النَّاسِ وَ إِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي عليه السلام يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا كَتَبَ عَلَى عَبْدٍ أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ كَانَ أَسْرَعَ قالوا لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا، و قوينا على عدونا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما كنت لألقى الله ببدعة لم يحدث إلى فيها شيئا و ما أنا من المتكلفين، فأنزل الله تبارك و تعالى يا محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) " وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً " على سبيل الإلجاء و الاضطرار في الدنيا كما يؤمن عند المعاينة و رؤية البأس في الآخرة، و لو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا و لا مدحا و لكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا مني الزلفى و الكرامة، و دوام الخلود في جنة الخلد أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، و أما قوله عز و جل: " وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ " فليس على تحريم الإيمان عليها، و لكن على أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله، و إذنه أمره لها بالإيمان، ما كانت مكلفة متعبدة و إلجاؤه إياها إلى الإيمان عند زوال التكليف و التعبد عنها، فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك. " ذروا الناس" أي اتركوا المخالفين و لا تتعرضوا لمعارضتهم و مجادلتهم، أو لدعوتهم أيضا تقية فإنهم أخذوا دينهم من الناس و اتبعوهم و ظنوا أن فعلهم و قولهم حجة، فلا يتركون دينهم بقولكم، و أنتم أخذتم دينكم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بواسطة المعصومين من أهل بيته (عليه السلام)، و الغرض إما بيان المباينة بين المسلكين و البعد بين الطريقتين لبيان أن حجة الشيعة لا يؤثر فيهم فلا ينبغي لهم التعرض للمهالك لذلك أو هو تسلية للشيعة بأنكم لما كنتم على الحق فلا تبالوا بمخالفة من خالفكم، أو الغرض أنه إن كان غرضكم هدايتهم فقد سبق أنه من الله، و إن كان لتبين حجية مذهبكم فحجتكم واضحة لا نحتاج إلى ذلك. و قيل: المعنى ذروا مخالطة الناس و موافقتهم، فإنكم على الحق و إنهم على الباطل، و لا يخفى بعده. إِلَيْهِ مِنَ الطَّيْرِ إِلَى وَكْرِهِ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢ - الصفحة ٢٥٢. — الإمام الصادق عليه السلام
1 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِذَا حَدَثَ عَلَى الْإِمَامِ حَدَثٌ كَيْفَ يَصْنَعُ النَّاسُ يطع الله و رسوله" وَ تَعْمَلْ صٰالِحاً " فيما بينها و بين ربها" نُؤْتِهٰا أَجْرَهٰا مَرَّتَيْنِ " أي نعطها ثوابها مثلي ثواب غيرها. و روى أبو حمزة الثمالي عن زيد بن علي (عليه السلام) أنه قال

إني لأرجو للمحسن منا أجرين و أخاف للمسيء منا أن يضاعف له العذاب ضعفين، كما وعد أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم). - و روى محمد بن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد عن علي بن عبد الله بن الحسين عن أبيه عن علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام)، أنه قال له رجل: إنكم أهل بيت مغفور لكم؟ قال: فغضب و قال: نحن أحرى أن يجري فينا ما جرى الله في أزواج النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) من أن يكون كما تقول، إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر و لمسيئنا ضعفين من العذاب، ثم قرأ الآيتين. الحديث الرابع: صحيح. باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام الحديث الأول: صحيح. و الحدث بالتحريك المصيبة و المراد هنا الموت، و يدل على الوجوب كفاية على النائين عن بلد الإمام أن ينفر جماعة منهم للعلم بتعيين الإمام بعد الإمام و أنه لا بد من قَالَ أَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ قَالَ هُمْ فِي عُذْرٍ مَا دَامُوا فِي الطَّلَبِ العلم بالتعيين، و أن لا يكفي العلم بوجود إمام بعده مجملا، هذا مع القدرة و أما مع عدمها فيكفي ذلك كما فعل زرارة رضي الله عنه، و كذا لو مات في الطلب أو الانتظار، و بذلك يخرجون عن كون موتهم ميتة جاهلية، ثم هذا مع العلم بعدم خلو العصر من الإمام ظاهر، و أما مع عدم العلم بذلك و وجوب الطلب و عدم تمام الحجة عليه في ذلك فمشكل. و أما قوله سبحانه: " فَلَوْ لٰا نَفَرَ " فقال الطبرسي (قدس سره): اختلف في معناه على وجوه: أحدها: أن معناه فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة و يبقى مع النبي جماعة ليتفقهوا في الدين، يعني الفرقة القاعدين يتعلمون القرآن و السنن و الفرائض و الأحكام، فإذا رجعت السرايا و قد نزل بعدهم قرآن و تعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا إليهم إن الله قد أنزل بعدكم على نبيكم قرآنا و قد تعلمناه فيتعلمه السرايا، فذلك قوله: " وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ " أي و ليعلموهم القرآن" لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ " فلا يعملون بخلافه عن ابن عباس و غيره، و قال الباقر (عليه السلام): كان هذا حين كثر الناس فأمرهم الله أن تنفر منهم طائفة للتفقه، و يكون الغزو نوبا. و ثانيها: أن التفقه و الإنذار يرجعان إلى الفرقة النافرة، و حثها الله على التفقه لترجع إلى المتخلفة فتحذرها، فمعنى ليتفقهوا في الدين ليتبصروا و يتيقنوا بما يريهم الله عز و جل من الظهور على المشركين و نصرة الدين، و لينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد، فيخبرونهم بنصر الله النبي و المؤمنين، و يخبرونهم أنهم لا يدان لهم بقتال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و المؤمنين" لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ " أن يقاتلوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار. وَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُمْ فِي عُذْرٍ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ أَصْحَابُهُمْ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٤ - الصفحة ٢٢٧. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
16 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ سَيْفٍ عَنْ أَبِيهِ عَمَّنْ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم النَّاسَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى قَابِضاً عَلَى كَفِّهِ ثُمَّ قَالَ أَ تَدْرُونَ أَيُّهَا النَّاسُ مَا فِي كَفِّي قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ فِيهَا فأقول: ردوا رواء مرويين فيشربون شربة لا يظمأون بعدها أبدا، وجه إمامهم كالشمس الطالعة، و وجوه أصحابه كالقمر ليلة البدر و كأضواء نجم في السماء. ثم قال- يعني أبو ذر رحمة الله عليه- أ لستم تشهدون على ذلك؟ قالوا: نعم قال: و أنا على ذلك من الشاهدين. أقول: و قد أوردت مثله بأسانيد في الكتاب الكبير. " لمن آمن منهم" لإخراج سائر فرق الشيعة غير الإمامية فإن الشيعة كل من قال بإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد النبي بلا فصل، أو المراد بالشيعة الإمامية و المراد بالإيمان صحة سائر العقائد، أو المراد بالإيمان عدم الإصرار على الكبائر أو يكون تأكيدا" و أن لا يغادر" أي لا يدع و لا يترك منهم صغيرة و لا كبيرة من المعاصي إلا غفرها لهم، و يحتمل أن يكون المراد قبول الصغيرة و الكبيرة من الطاعات، فإدخاله في الخصلة لتلازمهما مع أنه يحتمل عطفه على الخصلة لكنه بعيد. " و لهم تبدل السيئات" تقديم الظرف للحصر، أي هذه الخصلة مختصة بهم و هو أيضا إما معطوف على" إن ربي" فليس داخلا في الخصلة، أو هو من تتمتها و لعله إشارة إلى قوله تعالى: " إِلّٰا مَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ عَمَلًا صٰالِحاً فَأُوْلٰئِكَ يُبَدِّلُ اللّٰهُ سَيِّئٰاتِهِمْ حَسَنٰاتٍ " فالمعنى أن تبدل السيئات بالحسنات الوارد في تلك الآية مختصة بهم، لأن الولاية داخلة في الإيمان، أو هي المراد بالعمل الصالح كما ورد في الخبر. الحديث السادس عشر: مرسل. " قابضا على كفه" أي واضعا أصابعها على راحتها" أ تدرون" قيل سؤاله أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ أَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَ قَبَائِلِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ رَفَعَ يَدَهُ الشِّمَالَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ أَ تَدْرُونَ مَا فِي كَفِّي قَالُوا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ أَعْلَمُ فَقَالَ أَسْمَاءُ أَهْلِ النَّارِ وَ أَسْمَاءُ آبَائِهِمْ وَ قَبَائِلِهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ قَالَ حَكَمَ اللَّهُ وَ عَدَلَ حَكَمَ اللَّهُ وَ عَدَلَ إياهم من هذا الأمر الذي لا يعلمه إلا الله و رسوله يكون للحث على استماع ما يلقى إليهم و الكشف عن مقدار فهمهم، و مبلغ علمهم، فلما راعوا الأدب بقولهم: الله و رسوله أعلم، علم أنهم يريدون استخراج ما عنده فأجاب بما ذكر، و قيل: فائدته التعريف بمنزلته من الله تعالى في إعلام هذه الأمور المغيبة، و قيل: فائدته استنطاقهم و حملهم على الإقرار بأن الله و رسوله أعلم. " فيها أسماء أهل الجنة" أي فيها كتاب فيه أسماؤهم، أو من قبيل الاستعارة التمثيلية و المقصود بيان علمه بالمقربين و أصحاب اليمين بحيث صاروا كأنهم مكتوبون في كفه أو في كتاب في كفه، و لعل المراد بأسماء آبائهم نسبتهم إلى الآباء كفلان بن فلان و قيل: فيه دلالة على أن ولد الزنا لا يدخل الجنة كما أن في مقابله دلالة على أنه لا يدخل النار فكأنهم في الأعراف أو يخص أسماء آبائهم بمن له أب أو يعم الأب بحيث يشمل لغة و عرفا. " حكم الله" أي يكون ما في اليد اليمنى من أهل الجنة، و عدل في ذلك، لأنه لم يكن ذلك مجازفة، بل لعلمه بأنهم يختارون الإيمان باختيارهم" حكم الله" بكون ما في اليد اليسرى من أهل النار، و عدل في ذلك لأن العلم لا يكون علته، و في أكثر النسخ ثلاث مرات، فالثالث إشارة إلى حكم أهل الأعراف، أو الأول إلى الحكم الأزلي و الثاني إلى الحكم بعد إيجادهم، و الثالث إلى الحكم الأخروي أو لمحض التأكيد فيهما. أقول: و مثل هذه الرواية موجودة في طرق المخالفين، ففي الترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و في يده كتابان، فقال للذي في يده اليمنى: هذا كتاب من رب العالمين فيه أسماء أهل الجنة و أسماء آبائهم و قبائلهم فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَ فَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٥ - الصفحة ٢١٤. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
5 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ حُصَيْنٍ السَّكُونِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَا مِنْ عَبْدٍ كَظَمَ غَيْظاً إِلَّا زَادَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عِزّاً فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ

- وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ الخلق و فظاظته و مظظته لمته. و ماظظته مماظة و مماظا شاردته و نازعته، و الخصم لازمته و قال: جامله لم يصفه الإخاء بل ماسحة بالجميل له و أحسن عشرته، قوله: يسمن ذلك عندهم، كذا في أكثر النسخ من قولهم سمن فلان يسمن من باب تعب، و في لغة من باب قرب إذا كثر لحمه و شحمه كناية عن العظمة و النمو و يمكن أن يقرأ على بناء المفعول من الأفعال أو التفعيل، أي يفعل الله ذلك مرضيا محبوبا عندهم، و في بعض النسخ يسمى على بناء المفعول من التسمية أي يذكر عندهم و يحمدونكم بذلك، فيكون مرفوعا بالاستيناف البياني و الحمل على الرقاب كناية عن التسلط و الاستيلاء. الحديث الخامس: مجهول. " و قد قال الله" بيان لعز الآخرة لأنه تعالى قال في سورة آل عمران: " وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ " قال البيضاوي: الممسكين عليه، الكافين عن إمضائه مع القدرة، من كظمت القربة إذا ملأتها و شددت رأسها، و عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): من كظم غيظا و هو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا و إيمانا" وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ " التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته" وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " يحتمل الجنس و يدخل تحته هؤلاء، و العهد فيكون إشارة إليهم، انتهى. وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَ أَثَابَهُ اللَّهُ مَكَانَ غَيْظِهِ ذَلِكَ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٨ - الصفحة ٢٠٠. — الإمام الصادق عليه السلام
22 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَنْ غِيَاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

إِنَّ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ مَا أَلْيَنَ مَسَّهَا وَ فِي جَوْفِهَا السَّمُّ النَّاقِعُ يَحْذَرُهَا الرَّجُلُ الْعَاقِلُ وَ يَهْوِي إِلَيْهَا الصَّبِيُّ الْجَاهِلُ في الآراء. و أقول: يناسب هنا أكثر المعاني" و لا تغبط أحدا" بأن تتمنى حاله" تكثر الذنوب" بصيغة المضارع من باب حسن أو مصدر باب التفعل" لواجب الحقوق" أي للتقصير في أداء الحقوق الواجبة غالبا" بطاعة الناس له" أي في الباطل. الحديث الثاني و العشرون: حسن موثق. و في النهاية: السم الناقع أي القاتل، و قد نقعت فلانا إذا قتلته، و قيل: الناقع الثابت المجتمع، من نقع الماء، انتهى. و ما أحسن هذا التشبيه و أتمه و أكمله، و في النهج عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: مثل الدنيا مثل الحية لين مسها و السم الناقع في جوفها، يهوي إليها الغر الجاهل، و يحذرها ذو اللب العاقل. و في خبر المتن ظاهره أن الجملتين الأخيرتين لبيان المشبه به، و في النهج لبيان المشبه، و يحتمل العكس في كل منهما، و كون المشبه به أقوى لا ينافي كون ضرر الدنيا على طالبها واقعا أشد من ضرر الحية على لامسها لأن الأشدية و الأظهرية إنما تعتبران بالنسبة إلى المخاطب، و المخاطبون هنا هم أهل الدنيا

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٨ - الصفحة ٣٠٩. — الإمام الصادق عليه السلام
2 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ الْعَمِّيِّ عَنْ خَضِرِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنَانِ مُؤْمِنٌ وَفَى لِلَّهِ بِشُرُوطِهِ الَّتِي شَرَطَهَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ الصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً وَ ذَلِكَ مَنْ يَشْفَعُ وَ لَا يُشْفَعُ لَهُ وَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ لَا أَهْوَالُ الْآخِرَةِ وَ مُؤْمِنٌ زَلَّتْ بِهِ قَدَمٌ فَذَلِكَ كَخَامَةِ الزَّرْعِ و بقيامه استقامته على طريق الحق و مخالفته للأهواء و الوساوس الشيطانية، و قد مر الكلام في أهوال الدنيا" و لا يشفع" أي لا يؤذن له في الشفاعة. الحديث الثاني: كالأول. و خضر بكسر الخاء و سكون الضاد أو بفتح الخاء و كسر الضاد صحح بهما في القاموس و غيره" و في لله بشروطه" العهود داخلة تحت الشروط هنا" فذلك مع النبيين" إشارة إلى قوله تعالى: " وَ مَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ الصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً " و هذا مبني على ما ورد في الأخبار الكثيرة أن الصديقين و الشهداء و الصالحين هم الأئمة (عليهم السلام)، و المراد بالمؤمن في المقسم هنا غيرهم من المؤمنين و قد مر عن أبي- جعفر (عليه السلام) أنه قال بعد قراءة هذه الآية فمنا النبي و منا الصديق و الشهداء و الصالحون، و في تفسير علي بن إبراهيم قال: النبيين رسول الله و الصديقين علي، و الشهداء الحسن و الحسين، و الصالحين الأئمة" وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً " القائم من آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، فلا يحتاج إلى ما قيل: أن الظاهر أنه كان من النبيين لأن الصنف الأول إما نبي أو صديق أو شهيد أو صالح، و الصنف الثاني يكون مع هؤلاء بشفاعتهم" زلت به قدم" كان الباء للتعدية، أي أزلته قدم و أقدام على المعصية، و قيل: الباء للسببية أي زلت بسببه قدمه أي فعله عمدا من غير نسيان كَيْفَمَا كَفَأَتْهُ الرِّيحُ انْكَفَأَ وَ ذَلِكَ مِمَّنْ تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ يُشْفَعُ لَهُ وَ هُوَ عَلَى خَيْرٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٩ - الصفحة ٣٠٦. — الإمام الصادق عليه السلام
23 عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ جَمِيلِ بْنِ صَالِحٍ عَنْ سَدِيرٍ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ

عَزَّ وَ جَلَّ- فَقٰالُوا رَبَّنٰا بٰاعِدْ بَيْنَ الحديث الثاني و العشرون: مجهول. " لا ينعم" استئناف بياني أو منصوب بتقدير أن، و قوله: فيسلبها معطوف على المنفي لا على النفي، و حتى للاستثناء و المشار إليه في قوله: بذلك إما مصدر يحدث أو الذنب و المال واحد، و في القاموس: النقمة بالكسر و الفتح و كفرحة المكافاة بالعقوبة، و فيه تلميح إلى قوله سبحانه: " إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ ". الحديث الثالث و العشرون: حسن. و الآيات في سورة سبأ هكذا" لَقَدْ كٰانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ " و قرأ أكثر القراء في مساكنهم قال الطبرسي (ره): ثم أخبر سبحانه عن قصة سبأ بما دل على حسن عاقبة الشكور و سوء عاقبة الكفور، فقال: " لَقَدْ كٰانَ لِسَبَإٍ " و هو أبو عرب اليمن كلها و قد تسمى بها القبيلة و في الحديث عن فروة بن مسيك أنه قال: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) عن سبأ أ رجل هو أم امرأة؟ فقال: هو رجل من العرب، ولد له عشر تيامن منهم ستة و تشاءم منهم أربعة، فأما الذين تيامنوا فالأزد و كندة و مذحج و الأشعرون و أنمار و حمير، فقال رجل من القوم: ما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم أَسْفٰارِنٰا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الْآيَةَ فَقَالَ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَانَتْ لَهُمْ قُرًى مُتَّصِلَةٌ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ أَنْهَارٌ جَارِيَةٌ وَ أَمْوَالٌ ظَاهِرَةٌ فَكَفَرُوا نِعَمَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ غَيَّرُوا و بجيلة، و أما الذين تشاءموا فعاملة و جذام و لخم و غسان، فالمراد بسبإ هنا القبيلة الذين هم أولاد سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان. " فِي مَسْكَنِهِمْ " أي في بلدهم" آيَةٌ " أي حجة على وحدانية الله عز اسمه و كمال قدرته و علامة على سبوغ نعمه، ثم فسر سبحانه الآية فقال" جَنَّتٰانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمٰالٍ " أي بستانان عن يمين من أتاهما و شماله، و قيل: عن يمين البلد و شماله، و قيل: أنه لم يرد جنتين اثنتين، و المراد كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذ كانت البساتين عن يمينهم و شمالهم متصلة بعضها ببعض، و كان من كثرة النعم أن المرأة كانت تمشي و المكتل على رأسها فيمتلي بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا. و قيل: الآية المذكورة هي أنه لم تكن في قريتهم بعوضة و لا ذباب و لا برغوث و لا عقرب و لا حية، و كان الغريب إذا دخل بلدهم و في ثيابه قمل و دواب ماتت عن ابن زيد، و قيل: إن المراد بالآية خروج الأزهار و الثمار من الأشجار على اختلاف ألوانها و طعومها، و قيل: إنها كانت ثلاث عشرة قرية في كل قرية نبي يدعوهم إلى الله سبحانه، يقولون لهم" كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ " أي كلوا مما رزقكم الله في هذه الجنات و اشكروا له يزدكم من نعمه و استغفروه يغفر لكم" بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ " أي هذه بلدة طيبة مخصبة نزهة أرضها عذبة تخرج النبات و ليست بسبخة، و ليس فيها شيء من الهوام المؤذية و قيل: أراد به صحة هوائها و عذوبة مائها و سلامة تربتها، و أنه ليس فيها حر يؤذى في القيظ، و لا برد يؤذي في الشتاء" وَ رَبٌّ غَفُورٌ " أي كثير المغفرة للذنوب، و تقديره هذه بلدة طيبة و الله رب غفور. مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ عَافِيَةِ اللَّهِ فَغَيَّرَ اللَّهُ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ- وَ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ فَغَرَّقَ قُرَاهُمْ وَ خَرَّبَ دِيَارَهُمْ وَ أَذْهَبَ " فَأَعْرَضُوا " عن الحق و لم يشكروا الله سبحانه و لم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه" فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ " و ذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من أودية اليمن و كان هناك جبلان يجتمع ماء المطر و السيول بينهما، فسدوا ما بين الجبلين فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة فكانوا يسقون زروعهم و بساتينهم، فلما كذبوا رسلهم و تركوا أمر الله بعث الله جرذا نقبت ذلك الردم و فاض الماء عليهم فأغرقهم. و العرم المسناة التي تحبس الماء واحدها عرمة أخذ من عرامة الماء و هي ذهابه كل مذهب و قيل: العرم اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى، و قيل: العرم هنا اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم، و هو الذي يقال له: الخلد، و قيل: العرم المطر الشديد، و قال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق" وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ " اللتين فيهما أنواع الفواكه و الخيرات" جَنَّتَيْنِ " أخراوين سماها جنتين لازدواج الكلام كما قال: " وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللّٰهُ ". " ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ " أي صاحبتي أكل و هو اسم لثمر كل شجرة، و ثمر الخمط البرير، قال ابن عباس: الخمط هو الأراك و قيل: هو شجرة الغضا، و قيل: هو كل شجر له شوك، و الأثل الطرفاء عن ابن عباس، و قيل: ضرب من الخشب، و قيل: هو السمر" وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ " يعني أن الخمط و الأثل كانا أكثر فيهما من السدر و هو النبق، قال قتادة: كان شجرهم خير شجر فصيره الله شر شجر بسوء أعمالهم" ذٰلِكَ " أي ما فعلنا بهم" جَزَيْنٰاهُمْ بِمٰا كَفَرُوا " أي بكفرهم بهذا أَمْوَالَهُمْ وَ أَبْدَلَهُمْ مَكَانَ جَنَّاتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ الجزاء" وَ هَلْ نُجٰازِي " هذا الجزاء" إِلَّا الْكَفُورَ " الذي يكفر نعم الله، و قيل: معناه هل نجازي بجميع سيئاته إلا الكافر، لأن المؤمن قد يكفر عنه بعض سيئاته، و قيل: إن المجازاة من التجازي و هو التقاضي أي لا يقتضي و لا يرتجع ما أعطي إلا الكافر و إنهم لما كفروا النعمة اقتضوا ما أعطوا أي ارتجع منهم عن أبي مسلم. " وَ جَعَلْنٰا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بٰارَكْنٰا فِيهٰا قُرىً ظٰاهِرَةً " أي و قد كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم و بين قرى الشام التي باركنا فيها بالماء و الشجر قرى متواصلة، و كان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام، و كانوا يبيتون بقرية و يقيلون بأخرى حتى يرجعوا، و كانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبأ إلى الشام، و معنى الظاهرة أن الثانية كانت ترى من الأولى لقربها منها" وَ قَدَّرْنٰا فِيهَا السَّيْرَ " أي جعلنا السير من القرية إلى القرية نصف يوم و قلنا لهم" سِيرُوا فِيهٰا " أي في تلك القرى" لَيٰالِيَ وَ أَيّٰاماً " أي ليلا شئتم المسير أو نهارا" آمِنِينَ " من الجوع و العطش و التعب و من السباع و كل المخاوف، و في هذا إشارة إلى تكامل نعمه عليهم في السفر كما أنه كذلك في الحضر. ثم أخبر سبحانه أنهم بطروا و بغوا" فَقٰالُوا رَبَّنٰا بٰاعِدْ بَيْنَ أَسْفٰارِنٰا " أي اجعل بيننا و بين الشام فلوات و مفاوز لتركب إليها الرواحل، و نقطع المنازل، و هذا كما قالت بنو إسرائيل لما ملوا النعمة" يُخْرِجْ لَنٰا مِمّٰا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهٰا وَ قِثّٰائِهٰا " بدلا من المن و السلوى" وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ " بارتكاب الكفر و المعاصي" فَجَعَلْنٰاهُمْ أَحٰادِيثَ " لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم و شأنهم و يضربون بهم المثل فيقولون: تفرقوا أيادي سبأ إذا تشتتوا أعظم التشتت" وَ مَزَّقْنٰاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ " أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل تفريق" إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ " أي دلالات قَلِيلٍ ثُمَّ قَالَ ذٰلِكَ جَزَيْنٰاهُمْ بِمٰا كَفَرُوا وَ هَلْ نُجٰازِي إِلَّا الْكَفُورَ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٩ - الصفحة ٤٢٠. — الإمام الصادق عليه السلام
1 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ أَبِي مُحَمَّدٍ الْوَابِشِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ

احْذَرُوا أَهْوَاءَكُمْ كَمَا تَحْذَرُونَ أَعْدَاءَكُمْ " و ليس يحصد أحد من المر حلوا" هذا تمثيل لبيان أن جزاء الشر لا يكون نفعا و خيرا، و جزاء الخير و ثمرته لا يكون شرا و وبالا في الدارين. الحديث الثالث و العشرون: ضعيف على المشهور. باب اتباع الهوى الحديث الأول: مجهول. " احذروا أهواءكم" الأهواء جمع الهوى و هو مصدر هويه كرضيه إذا أحبه و اشتهاه، ثم سمي به المهوي المشتهى، محمودا كان أو مذموما ثم غلب على المذموم. قال الجوهري: كل حال هواء، و قوله تعالى: " وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَوٰاءٌ " يقال: إنه لا عقول فيها، و الهوى مقصورا هوى النفس، و الجمع الأهواء، و هوى بالكسر يهوي هوى أي أحب، الأصمعي: هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى أسفل. و قال الراغب: الهوى ميل النفس إلى الشهوة، و يقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، و قيل: سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية و في الآخرة فَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْدَى لِلرِّجَالِ مِنِ اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ وَ حَصَائِدِ أَلْسِنَتِهِمْ إلى الهاوية، و قد عظم الله ذم اتباع الهوى فقال: " أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ " و قال: " وَ لٰا تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ "" وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً " و قوله: " وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوٰاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جٰاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ " فإنما قاله بلفظ الجمع تنبيها على أن لكل هوى غير هوى الآخر، ثم هوى كل واحد لا يتناهى فإذا اتباع أهوائهم نهاية الضلال و الحيرة، و قال: " وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ " و قال: " كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيٰاطِينُ فِي الْأَرْضِ "" وَ لٰا تَتَّبِعُوا أَهْوٰاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ " و قال: " قُلْ لٰا أَتَّبِعُ أَهْوٰاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً "" وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ وَ قُلْ آمَنْتُ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنْ كِتٰابٍ و مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوٰاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّٰهِ " انتهى. و أقول: ينبغي أن يعلم أن ما تهواه النفس ليس كله مذموما و ما لا تهواه النفس ليس كله ممدوحا، بل المعيار ما مر في باب ذم الدنيا و هو أن كل ما يرتكبه الإنسان لمحض الشهوة النفسانية و اللذة الجسمانية و المقاصد الفانية الدنيوية و لم يكن الله مقصودا له في ذلك فهو من الهوى المذموم و يتبع فيه النفس الأمارة بالسوء، و إن كان مشتملا على زجر النفس عن بعض المشتهيات أيضا كمن يترك لذيذ المأكل و المطعم و الملبس و يقاسي الجوع و الصوم و السهر للاشتهار بالعبادة و جلب قلوب الجهال، و ما يرتكبه الإنسان لإطاعة أمره سبحانه و تحصيل رضاه و إن كان مما تشتهيه نفسه و تهواه، فليس هو من الهوى المذموم كمن يأكل و يشرب لأمره تعالى بهما، أو لتحصيل القوة على العبادة، و كمن يجامع الحلال لكونه مأمورا به.......... أو لتحصيل الأولاد الصالحين، أو لعدم ابتلائه بالحرام فهؤلاء و إن حصل لهم الالتذاذ بهذه الأمور لكن ليس مقصودهم محض اللذة، بل لهم في ذلك أغراض صحيحة إن صدقتهم أنفسهم، و لم تكن تلك من التسويلات النفسانية و التخييلات الشيطانية، و لو لم يكن غرضهم من ارتكاب تلك اللذات هذه الأمور فليسوا بمعاقبين في ذلك إذا كان حلالا لكن إطاعة النفس في أكثر ما تشتهيه قد ينجر إلى ارتكاب الشبهات و المكروهات ثم إلى المحرمات و من حام حول الحمى أو شك أن يقع فيه. فظهر أن كل ما تهواه النفس ليس مما يلزم اجتنابه فإن كثيرا من العلماء قد يلتذون بعلمهم أكثر مما يلتذ الفساق بفسقهم، و كثيرا من العباد يأنسون بالعبادة بحيث يحصل لهم الهم العظيم بتركها، و ليس كل ما لا تشتهيه النفس يحسن ارتكابه كأكل القاذورات و الزنا بالجارية القبيحة، و يطلق أيضا الهوى على اختيار ملة أو طريقة أو رأي لم يستند إلى برهان قطعي، أو دليل من الكتاب و السنة، كمذاهب المخالفين و آرائهم و بدعهم فإنها من شهوات أنفسهم، و من أوهامهم المعارضة للحق الصريح كما دلت عليه أكثر الآيات المتقدمة. فذم الهوى مطلقا إما مبني على أن الغالب فيما تشتهيه الأنفس أنها مخالفة لما ترتضيه العقل، أو على أن المراد بالنفس النفس المعتادة بالشر الداعية إلى السوء و الفساد، و يعبر عنها بالنفس الأمارة كما قال تعالى: " إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ إِلّٰا مٰا رَحِمَ رَبِّي ". أو صار الهوى حقيقة شرعية في المعاصي و الأمور القبيحة التي تدعو النفس إليها، و الآراء و الملل و المذاهب الباطلة التي تدعو إليها الشهوات الباطلة و الأوهام الفاسدة، لا البراهين الحقة فليس شيء أعدى للرجال لأن ضرر العدو على فرض وقوعه راجع إلى الدنيا الزائلة و منافعها الفانية، و ضرر الهوى راجع إلى الآخرة الباقية.

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٠ - الصفحة ٣١٠. — الإمام الصادق عليه السلام
3 أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ

صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ و تطبيقه على ما يناسب المقام لا يخلو من تكلف، في القاموس: صد عنه صدودا أعرض و فلانا عن كذا صدا منعه و صرفه، و صد يصد و يصد صديدا ضج، و التصدد التعرض و في النهاية: الصد الصرف و المنع، يقال: صده و أصده و صد عنه و الصد الهجران و منه الحديث: فيصد هذا و يصد هذا، أي يعرض بوجهه عنه و في المصباح: صد من كذا من باب ضرب ضحك. و أقول: أكثر المعاني مناسبة لكن بتضمين معنى التعرض و نحوه للتعدية باللام، فالصدود بالضم جمع صاد و في بعض النسخ المؤذون لأوليائي فلا يحتاج إلى تكلف. و قال الجوهري: نصبت لفلات نصبا إذا عاديته، و ناصبته الحرب مناصبة. و قال: التعنيف و التعيير اللوم و قيل: لعل خلو وجوههم من اللحم لأجل أنه ذاب من الغم و خوف العقوبة، أو من خدشه بأيديهم تحسرا و تأسفا، و يؤيده ما رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قال: مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظفار من نحاس يخدشون وجوههم و صدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هم الذين يأكلون لحوم الناس و يقعون في أعراضهم، و قيل: إنما سقط لحم وجوههم لأنهم كاشفوهم بوجوههم الشديدة من غير استحياء من الله و منهم. و أقول: أو لأنهم لما أرادوا أن يقبحوهم عند الناس في الدنيا قبحهم الله في الآخرة عند الناس في أظهر أعضائهم و أحسنها. الحديث الثالث: مجهول. اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ أَرْصَدَ لِمُحَارَبَتِي

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٠ - الصفحة ٣٧٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
5 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عُبَيْدٍ عَنْ زُرَارَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنْ قَوْلِ اللَّهِ

عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ قَالَ تَرْكُ الْعَمَلِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ " إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ " قال البيضاوي: أي بنصف الدلائل و إنزال الآيات" إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً " حالان من الهاء، و إما للتفصيل أو التقسيم، أي هديناه في حالية جميعا أو مقسوما إليهما، بعضهم شاكر بالاهتداء و الأخذ فيه، و بعضهم كفور بالإعراض عنه أو من السبيل، و وصفه بالشكر و الكفر مجاز، و لعله لم يقل كافرا ليطابق قسيمه محافظة على الفواصل و إشعارا بأن الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا و إنما المأخوذ به المتوغل فيه، انتهى. و الخبر يدل على أن المراد بالكفور الكافر، فيدل على أن من لم يأخذ السبيل هداه الله إليه من الإقرار به و برسوله، و بما جاء الرسول به من المعاد و ولاية أئمة الدين فهو كافر، و يحتمل شموله لترك العمل أيضا فيأول الكفر بما مر مرارا و سيأتي، و فيها دلالة على كمال لطفه تعالى بأن الإقرار و العمل و إن كانا شكرين لنعمة الهداية و الخلق و إعطاء العقل و سائر الآلات و الألطاف و الهدايات يجازيهم عليها نعيم الأبد. الحديث الخامس: ضعيف على المشهور. " وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ " قيل الياء للعوض كقوله تعالى: " اشْتَرَوُا الضَّلٰالَةَ بِالْهُدىٰ* " أو للمصاحبة نحو" اهْبِطْ بِسَلٰامٍ " فعلى الأول المعنى الكفر بعد الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ وَ لَا شُغُلٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١١ - الصفحة ١١٣. — الإمام الصادق عليه السلام
8 أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ جَمِيعاً عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَنْصُورِ بْنِ حَازِمٍ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام عَنِ الرَّجُلِ يَخْرُجُ فِي السَّفَرِ وَ مَعَهُ امْرَأَتُهُ يُغَسِّلُهَا قَالَ

نَعَمْ وَ أُمَّهُ الأجانب تلك الأعضاء. الحديث الثامن: صحيح. و يظهر من بعض الأصحاب المنع من تغسيل الرجل محارمه في حال الاختيار، و جوزه في المنتهى من فوق الثياب، و ذهب بعض المتأخرين إلى الجواز مطلقا. و قال في الحبل المتين: بعد إيراد هذا الخبر يدل على جواز تغسيل الرجل زوجته و جميع محارمه إن جعلنا قوله (عليه السلام): " و نحو هذا" منصوبا بالعطف على أمه و أخته بمعنى أنه يغسل أمه و أخته و من هو مثل كل من هذين الشخصين في المحرمية، و حينئذ يكون قوله (عليه السلام): " يلقي على عورتها خرقة" جملة مستأنفة، لكن الأظهر أنه مرفوع بالابتداء و جملة- يلقي- خبره و الإشارة بهذا إلى الرجل، و المعنى أن مثل هذا الرجل المغتسل كلا من هؤلاء يلقي على عورتها خرقة و على هذا فتعدية الحكم إلى بقية المحارم لعدم القائل بالفرق، و ربما يوجد في بعض نسخ الكافي" و نحوهما" بدل" و نحو هذا". ثم لا يخفى أن هذا الحديث كالصريح في أن تغسيل الرجل زوجته و محارمه لا يجب أن يكون من وراء الثياب، و إن ستر العورة كاف، و شيخنا الشهيد في الذكرى و قبله العلامة في المنتهى و جعلاه دليلا على كونه من وراء الثياب، و هو كما ترى، نعم صحيحة محمد بن مسلم و حسنة [و صحيحة] الحلبي يدلان على أن تغسيل الرجل زوجته يكون من وراء الثياب و هو المشهور بين الأصحاب، و أما تغسيل المحارم فقد قطعوا بكونه من وراء الثياب، و المراد بالمحارم من حرم نكاحه وَ أُخْتَهُ وَ نَحْوَ هَذَا يُلْقِي عَلَى عَوْرَتِهَا خِرْقَةً

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٣ - الصفحة ٣٣٧. — الإمام الصادق عليه السلام

عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عُتْبَةَ الْهَاشِمِيِّ قَالَ كُنْتُ قَاعِداً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام بِمَكَّةَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ أُنَاسٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ وَ حَفْصُ بْنُ سَالِمٍ مَوْلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ وَ نَاسٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَ ذَلِكَ حِدْثَانُ قَتْلِ الْوَلِيدِ وَ اخْتِلَافِ أَهْلِ الشَّامِ بَيْنَهُمْ فَتَكَلَّمُوا وَ أَكْثَرُوا وَ خَطَبُوا فَأَطَالُوا فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَيَّ فَأَسْنِدُوا أَمْرَكُمْ إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ وَ لْيَتَكَلَّمْ بِحُجَجِكُمْ وَ يُوجِزُ فَأَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إِلَى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَتَكَلَّمَ فَأَبْلَغَ وَ أَطَالَ فَكَانَ فِيمَا قَالَ أَنْ قَالَ قَدْ قَتَلَ أَهْلُ الشَّامِ خَلِيفَتَهُمْ وَ ضَرَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَ شَتَّتَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا رَجُلًا لَهُ دِينٌ وَ عَقْلٌ وَ مُرُوَّةٌ وَ مَوْضِعٌ وَ مَعْدِنٌ لِلْخِلَافَةِ وَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فَأَرَدْنَا أَنْ نَجْتَمِعَ عَلَيْهِ فَنُبَايِعَهُ ثُمَّ نَظْهَرَ مَعَهُ فَمَنْ كَانَ بَايَعَنَا فَهُوَ الحديث الثالث: مجهول مرسل. باب دخول عمرو بن عبيد و المعتزلة على أبي عبد الله (عليه السلام) الحديث الأول: حسن. مِنَّا وَ كُنَّا مِنْهُ وَ مَنِ اعْتَزَلَنَا كَفَفْنَا عَنْهُ وَ مَنْ نَصَبَ لَنَا جَاهَدْنَاهُ وَ نَصَبْنَا لَهُ عَلَى بَغْيِهِ وَ رَدِّهِ إِلَى الْحَقِّ وَ أَهْلِهِ وَ قَدْ أَحْبَبْنَا أَنْ نَعْرِضَ ذَلِكَ عَلَيْكَ فَتَدْخُلَ مَعَنَا فَإِنَّهُ لَا غِنَى بِنَا عَنْ مِثْلِكَ لِمَوْضِعِكَ وَ كَثْرَةِ شِيعَتِكَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَ كُلُّكُمْ عَلَى مِثْلِ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالُوا نَعَمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا نَسْخَطُ إِذَا عُصِيَ اللَّهُ فَأَمَّا إِذَا أُطِيعَ رَضِينَا أَخْبِرْنِي يَا عَمْرُو لَوْ أَنَّ الْأُمَّةَ قَلَّدَتْكَ أَمْرَهَا وَ وَلَّتْكَ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَ لَا مَئُونَةٍ وَ قِيلَ لَكَ وَ لِّهَا مَنْ شِئْتَ مَنْ كُنْتَ تُوَلِّيهَا قَالَ كُنْتُ أَجْعَلُهَا شُورَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ قَالَ نَعَمْ قَالَ بَيْنَ فُقَهَائِهِمْ وَ خِيَارِهِمْ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُرَيْشٍ وَ غَيْرِهِمْ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَ الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَخْبِرْنِي يَا عَمْرُو أَ تَتَوَلَّى أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ أَوْ تَتَبَرَّأُ مِنْهُمَا قَالَ أَتَوَلَّاهُمَا فَقَالَ فَقَدْ خَالَفْتَهُمَا مَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ تَتَوَلَّوْنَهُمَا أَوْ تَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمَا قَالُوا نَتَوَلَّاهُمَا قَالَ يَا عَمْرُو إِنْ كُنْتَ رَجُلًا تَتَبَرَّأُ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَكَ الْخِلَافُ عَلَيْهِمَا وَ إِنْ كُنْتَ تَتَوَلَّاهُمَا فَقَدْ خَالَفْتَهُمَا قَدْ عَهِدَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ وَ لَمْ يُشَاوِرْ فِيهِ أَحَداً ثُمَّ رَدَّهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِ وَ لَمْ يُشَاوِرْ فِيهِ أَحَداً ثُمَّ جَعَلَهَا عُمَرُ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ وَ أَخْرَجَ مِنْهَا جَمِيعَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ غَيْرَ أُولَئِكَ السِّتَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ أَوْصَى فِيهِمْ شَيْئاً لَا أَرَاكَ تَرْضَى بِهِ أَنْتَ وَ لَا أَصْحَابُكَ- إِذْ جَعَلْتَهَا شُورَى بَيْنَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ وَ مَا صَنَعَ قَالَ أَمَرَ صُهَيْباً أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَ أَنْ يُشَاوِرَ أُولَئِكَ السِّتَّةَ لَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا ابْنُ عُمَرَ يُشَاوِرُونَهُ وَ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وَ أَوْصَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ إِنْ مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغُوا أَوْ يُبَايِعُوا رَجُلًا أَنْ يَضْرِبُوا أَعْنَاقَ أُولَئِكَ السِّتَّةِ جَمِيعاً فَإِنِ اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَ خَالَفَ اثْنَانِ أَنْ يَضْرِبُوا أَعْنَاقَ الِاثْنَيْنِ أَ فَتَرْضَوْنَ بِهَذَا أَنْتُمْ فِيمَا تَجْعَلُونَ مِنَ الشُّورَى فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لَا ثُمَّ قَالَ يَا عَمْرُو دَعْ ذَا أَ رَأَيْتَ لَوْ بَايَعْتُ صَاحِبَكَ الَّذِي تَدْعُونِي إِلَى بَيْعَتِهِ ثُمَّ اجْتَمَعَتْ قوله (عليه السلام): " من نصب لنا" أي الحرب و العداوة. لَكُمُ الْأُمَّةُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكُمْ رَجُلَانِ فِيهَا فَأَفَضْتُمْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُسْلِمُونَ وَ لَا يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ أَ كَانَ عِنْدَكُمْ وَ عِنْدَ صَاحِبِكُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا تَسِيرُونَ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي الْمُشْرِكِينَ فِي حُرُوبِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَصْنَعُ مَا ذَا قَالَ نَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَبَوْا دَعَوْنَاهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ قَالَ وَ إِنْ كَانُوا مَجُوساً لَيْسُوا بِأَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ سَوَاءٌ قَالَ وَ إِنْ كَانُوا مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ قَالَ سَوَاءٌ- قَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقُرْآنِ تَقْرَؤُهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ اقْرَأْ- قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ فَاسْتِثْنَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اشْتِرَاطُهُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فَهُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوُا الْكِتَابَ سَوَاءٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ عَمَّنْ أَخَذْتَ ذَا قَالَ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَالَ فَدَعْ ذَا فَإِنْ هُمْ أَبَوُا الْجِزْيَةَ فَقَاتَلْتَهُمْ فَظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ كَيْفَ تَصْنَعُ بِالْغَنِيمَةِ قَالَ أُخْرِجُ الْخُمُسَ وَ أَقْسِمُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ بَيْنَ مَنْ قَاتَلَ عَلَيْهِ قَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْخُمُسِ مَنْ تُعْطِيهِ قَالَ حَيْثُمَا سَمَّى اللَّهُ قَالَ فَقَرَأَ وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ قَالَ الَّذِي لِلرَّسُولِ مَنْ تُعْطِيهِ وَ مَنْ ذُو الْقُرْبَى قَالَ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَرَابَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ أَهْلُ بَيْتِهِ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْخَلِيفَةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ قَرَابَةُ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فَأَيَّ ذَلِكَ تَقُولُ أَنْتَ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ فَأَرَاكَ لَا تَدْرِي فَدَعْ ذَا ثُمَّ قَالَ أَ رَأَيْتَ الْأَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ تَقْسِمُهَا بَيْنَ جَمِيعِ مَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ قوله (عليه السلام): " و إن كانوا مجوسا" يمكن أن يكون ذكر المجوس لإظهار عدم علمهم لأن العامة مختلفون فيهم و كان غرضه (عليه السلام) أن يسأل منهم الدليل و كان يعرف أنهم لا يعلمونه. قوله (عليه السلام): " فهم و الذين" قال الوالد العلامة: يدل على حجية مفهوم الوصف و إن أمكن أن يكون إلزاما عليهم، أو لأن هذا المفهوم معتبر ببيان النبي فَقَدْ خَالَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي سِيرَتِهِ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَشِيخَتُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ وَ لَا يَتَنَازَعُونَ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّمَا صَالَحَ الْأَعْرَابَ عَلَى أَنْ يَدَعَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ وَ لَا يُهَاجِرُوا عَلَى إِنْ دَهِمَهُ مِنْ عَدُوِّهِ دَهْمٌ أَنْ يَسْتَنْفِرَهُمْ فَيُقَاتِلَ بِهِمْ وَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ وَ أَنْتَ تَقُولُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ فَقَدْ خَالَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي كُلِّ مَا قُلْتَ فِي سِيرَتِهِ فِي الْمُشْرِكِينَ وَ مَعَ هَذَا مَا تَقُولُ فِي الصَّدَقَةِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْآيَةَ- إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ نَعَمْ فَكَيْفَ تَقْسِمُهَا قَالَ أَقْسِمُهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ فَأُعْطِي كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَانِيَةِ جُزْءاً قَالَ وَ إِنْ كَانَ صِنْفٌ مِنْهُمْ عَشَرَةَ آلَافٍ وَ صِنْفٌ مِنْهُمْ رَجُلًا وَاحِداً أَوْ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً جَعَلْتَ لِهَذَا الْوَاحِدِ مِثْلَ مَا جَعَلْتَ لِلْعَشَرَةِ آلَافٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَ تَجْمَعُ صَدَقَاتِ أَهْلِ الْحَضَرِ وَ أَهْلِ الْبَوَادِي فَتَجْعَلُهُمْ فِيهَا سَوَاءً قَالَ نَعَمْ قَالَ فَقَدْ خَالَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي كُلِّ مَا قُلْتَ فِي سِيرَتِهِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقْسِمُ صَدَقَةَ أَهْلِ الْبَوَادِي فِي أَهْلِ الْبَوَادِي وَ صَدَقَةَ أَهْلِ الْحَضَرِ فِي أَهْلِ الْحَضَرِ وَ لَا يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَ إِنَّمَا يَقْسِمُهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْضُرُهُ مِنْهُمْ وَ مَا يَرَى وَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ مُوَظَّفٌ وَ إِنَّمَا يَصْنَعُ ذَلِكَ بِمَا يَرَى عَلَى قَدْرِ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ مِمَّا قُلْتُ شَيْءٌ فَالْقَ فُقَهَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَذَا كَانَ يَصْنَعُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَقَالَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ وَ أَنْتُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ فَاتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي وَ كَانَ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّ رَسُولَ (صلى الله عليه وآله وسلم) مع عموم آيات جهاد الكفار و خرج أهل الكتاب بالآية و الأخبار فبقي الباقي. قوله (عليه السلام): " على أن دهمه" يقال دهمه كسمع و منع غشيه و" الدهماء" العدد الكثير و جماعة الناس ذكره الفيروزآبادي. و قال الجزري: الدهم: العدد الكثير، و في الحديث" قبل أن يدهمك الناس" أي يكثروا عليك و يفجأوك و" الاستنفار" طلب النفور و في بعض النسخ [يستفزه]. اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ مَنْ ضَرَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ وَ دَعَاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَهُوَ ضَالٌّ مُتَكَلِّفٌ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٨ - الصفحة ٣٤٨. — الإمام الصادق عليه السلام
3 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ فَضَالَةَ عَنْ مُوسَى بْنِ بَكْرٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ

أَيُّمَا رَجُلٍ اشْتَرَى شَيْئاً وَ بِهِ عَيْبٌ أَوْ عَوَارٌ وَ لَمْ يَتَبَرَّأْ إِلَيْهِ وَ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ فَأَحْدَثَ فِيهِ بَعْدَ مَا قَبَضَهُ شَيْئاً ثُمَّ عَلِمَ بِذَلِكَ الْعَوَارِ أَوْ بِذَلِكَ الدَّاءِ إِنَّهُ يُمْضَى عَلَيْهِ الْبَيْعُ وَ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِقَدْرِ مَا يَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ الدَّاءِ وَ الْعَيْبِ مِنْ ثَمَنِ ذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِهِ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٩ - الصفحة ٢٣٠. — الإمام الباقر عليه السلام
3 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ سَيَابَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَسْمَعُ قَوْماً يَقُولُونَ إِنَّ الزِّرَاعَةَ قوله (عليه السلام): " و ما بقي فللميت" قال الوالد العلامة ( (قدس سره) ): أي إذا لم يكن الصلح بطيب أنفسهم، و يدل على أن مثل هذا الصلح ينفع في الدنيا و لا ينفع لبراءة الذمة، و أما كونه للميت فالظاهر أنه إذا لم يذكر لهم أنه أكثر كما هو الشائع و إن كان هنا أيضا إشكال لأنه بالموت صار ملكا لهم و بعدهم لورثتهم و الأجر للميت في كل مرتبة، لأنه ضيع حقه و يمكن أن يكون ظاهر الخبر مرادا. باب فضل الزراعة الحديث الأول: ضعيف على المشهور. قوله (عليه السلام): " كيلا يكرهوا" أي طبعا مع قطع النظر عن علمهم بالمصالح العامة. الحديث الثاني: ضعيف. الحديث الثالث: مجهول. مَكْرُوهَةٌ فَقَالَ لَهُ ازْرَعُوا وَ اغْرِسُوا فَلَا وَ اللَّهِ مَا عَمِلَ النَّاسُ عَمَلًا أَحَلَّ وَ لَا أَطْيَبَ مِنْهُ وَ اللَّهِ لَيَزْرَعُنَّ الزَّرْعَ وَ لَيَغْرِسُنَّ النَّخْلَ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ١٩ - الصفحة ٣٣١. — الإمام الصادق عليه السلام
2 مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

لَمَّا خَطَبَ إِلَيْهِ قَالَ باب في تزويج أم كلثوم الحديث الأول: حسن. الحديث الثاني: حسن. أقول: هذان الخبران لا يدلان على وقوع تزويج أم كلثوم رضي الله عنها من الملعون المنافق ضرورة و تقية، و ورد في بعض الأخبار ما ينافيه. مثل ما رواه القطب الراوندي من الصفار بإسناده إلى عمر بن أذينة، قال: قيل لأبي عبد الله (عليه السلام): إن الناس يحتجون علينا و يقولون: إن أمير المؤمنين (عليه السلام) زوج فلانا ابنته أم كلثوم و كان متمكنا فجلس، و قال: أ يقولون ذلك؟ إن قوما يزعمون ذلك لا يهتدون إلى سواء السبيل، سبحان الله ما كان يقدر أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يحول بينه و بينها فينقذها، كذبوا و لم يكن ما قالوا، إن فلانا خطب إلى علي (عليه السلام) بنته أم كلثوم فأبى علي، فقال للعباس: و الله لئن لم تزوجني لأنتزعن منك السقاية و زمزم، فأتى العباس عليا فكلمه فأبى عليه فألح العباس فلما رأى أمير المؤمنين مشقة كلام الرجل على العباس، و أنه سيفعل بالسقاية ما قال، أرسل أمير المؤمنين إلى جنية من أهل نجران يهودية يقال لها سحيقة بنت جريرية فأمرها فتمثلت في مثال أم كلثوم و حجبت الأبصار عن أم كلثوم، و بعث بها لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِنَّهَا صَبِيَّةٌ قَالَ فَلَقِيَ الْعَبَّاسَ فَقَالَ لَهُ مَا لِي أَ بِي بَأْسٌ قَالَ وَ مَا ذَاكَ قَالَ إلى الرجل فلم تزل عنده حتى أنه استراب بها يوما، فقال: ما في الأرض أهل بيت أسحر من بني هاشم، ثم أراد أن يظهر ذلك للناس فقتل، و حوت الميراث و انصرفت إلى نجران و أظهر أمير المؤمنين (عليه السلام) أم كلثوم. و لا تنافي بينها و بين سائر الأخبار لأنها قصة مخفية اطلعوا عليها خواصهم، و لم يكن يهتم به، لا لاحتجاج على المخالفين بل ربما كانوا يحترزون عن إظهار أمثال تلك الأمور لأكثر الشيعة أيضا لئلا تقبله عقولهم، و لئلا يغلوا فيهم. فالمعنى غصبناه ظاهرا و بزعم الناس إن صحت تلك القصة. و قال الشيخ المفيد (قدس روحه) في جواب المسائل السروية: إن الخبر الوارد بتزويج أمير المؤمنين (عليه السلام) بنته من عمر لم يثبت، و طريقته من الزبير بن بكار، و لم يكن موثوقا به في النقل، و كان متهما فيما يذكره من بغضه لأمير المؤمنين (عليه السلام) و غير مأمون، و الحديث مختلف فتارة يروى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) تولى العقد له على ابنته، و تارة يروى عن العباس أنه تولى ذلك عنه، و تارة يروى أنه لم يقع العقد إلا بعد وعيد عن عمر و تهديد لبني هاشم، و تارة يروى أنه كان عن اختيار و إيثار، ثم إن بعض الرواة يذكر أن عمر أولدها ولدا سماه زيدا، و بعضهم يقولون إن لزيد بن عمر عقبا، و منهم من يقول: إنه قتل و لا عقب له، و منهم من يقول: إنه و أمه قتلا، و منهم من يقول: إن أمه بقيت بعده، و منهم من يقول: إن عمر أمهر أم كلثوم أربعين ألف درهم، و منهم من يقول: مهرها أربعة آلاف درهم، و منهم من يقول: كان مهرها خمسمائة درهم، و هذا الاختلاف مما يبطل الحديث، ثم إنه لو صح لكان له وجهان لا ينافيان مذهب الشيعة في ضلال المتقدمين على أمير المؤمنين (عليه السلام)، أحدهما: أن النكاح إنما هو على ظاهر الإسلام الذي هو الشهادتان و الصلاة إلى الكعبة، و الإقرار بجملة الشريعة، و إن كان الأفضل مناكحة من يعتقد الإيمان، و يكره مناكحة من ضم إلى ظاهر الإسلام ضلالا يخرجه عن الإيمان، إلا أن الضرورة خَطَبْتُ إِلَى ابْنِ أَخِيكَ فَرَدَّنِي أَمَا وَ اللَّهِ لَأُعَوِّرَنَّ زَمْزَمَ وَ لَا أَدَعُ لَكُمْ مَكْرُمَةً إِلَّا هَدَمْتُهَا وَ متى قادت إلى مناكحة الضال مع إظهاره كلمة الإسلام زالت الكراهة من ذلك و أمير المؤمنين (عليه السلام) كان مضطرا إلى مناكحة الرجل، لأنه تهدده و تواعده فلم يأمنه على نفسه و شيعته، فأجابه إلى ذلك ضرورة، كما أن الضرورة يشرع إظهار كلمة الكفر، و ليس ذلك بأعجب من قول لوط" هٰؤُلٰاءِ بَنٰاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ " فدعاهم إلى العقد عليهم لبناته، و هم كفار ضلال قد أذن الله تعالى في هلاكهم، و قد زوج رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ابنتيه قبل البعثة كافرين كانا يعبدان الأصنام، أحدهما عتبة بن أبي لهب، و الآخر أبو العاص بن الربيع، فلما بعث (صلى الله عليه وآله وسلم) فرق بينهما و بين ابنتيه. و قال السيد المرتضى رضي الله عنه في كتاب الشافي: فأما الحنفية فلم تكن سبية على الحقيقة و لم يستجبها (عليه السلام) بالسبي، لأنها بالإسلام قد صارت حرة مالكة أمرها فأخرجها من يد من استرقها ثم عقد عليها عقد النكاح، و في أصحابنا من يذهب إلى أن الظالمين متى غلبوا على الدار و قهروا و لم يتمكن المؤمن من الخروج من أحكامهم، جاز له أن يطأ سبيهم، و يجري أحكامهم مع الغلبة و القهر مجرى أحكام المجبين فيها يرجع إلى المحكوم عليه، و إن كان فيما يرجع إلى الحاكم معاقبا آثما، و أما تزويجه بنته فلم يكن ذلك عن اختيار، ثم ذكر رحمة الله عليه الأخبار السابقة الدالة على الاضطرار، ثم قال: على أنه لو لم يجر ما ذكرنا فيه لم يمتنع أن يجوز له (عليه السلام) لأنه كان على ظاهر الإسلام و التمسك بشرائعه و إظهار الإسلام، و هذا حكم يرجع إلى الشرع فيه، و ليس مما يخاطره العقول، و قد كان يجوز في العقول أن يبيحنا الله تعالى مناكحة المرتدين على اختلاف ردتهم، و كان يجوز أيضا أن يبيحنا أن ننكح اليهود و النصارى كما أباحنا عند أكثر المسلمين أن ننكح فيهم، و هذا إذا كان في العقول سائغا فالمرجع في تحليله و تحريمه إلى الشريعة، و فعل أمير المؤمنين (عليه السلام) حجة عندنا في الشرع، فلنا أن نجعل ما فعله لَأُقِيمَنَّ عَلَيْهِ شَاهِدَيْنِ بِأَنَّهُ سَرَقَ وَ لَأَقْطَعَنَّ يَمِينَهُ فَأَتَاهُ الْعَبَّاسُ فَأَخْبَرَهُ وَ سَأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ إِلَيْهِ فَجَعَلَهُ إِلَيْهِ أصلا في جواز مناكحة من ذكروه، و ليس لهم أن يلزموا على ذلك مناكحة اليهود و النصارى و عباد الأوثان، لأنهم إن سألوا عن جوازه في العقل فهو جائز، و إن سألوا عنه في الشرع فالإجماع يحظره و يمنع منه. انتهى كلامه رفع الله مقامه. أقول: بعد إنكار عمر النص الجلي و ظهور نصبه و عداوته لأهل البيت (عليهم السلام) يشكل القول بجواز مناكحته من غير ضرورة و لا تقية، إلا أن يقال بجواز مناكحة كل مرتد عن الإسلام، و لم يقل به أحد من أصحابنا، و لعل الفاضلين إنما ذكرا ذلك استظهارا على الخصم، و كذا إنكار المفيد (ره) أصل الواقعة إنما هو لبيان أنه لم يثبت ذلك من طرقهم، و إلا فبعد ورود تلك الأخبار و ما سيأتي بأسانيد أن عليا (عليه السلام) لما توفي عمر أتى أم كلثوم فانطلق بها إلى بيته و غير ذلك مما أوردته في كتاب بحار الأنوار إنكار ذلك عجيب، و الأصل في الجواب هو أن ذلك وقع على سبيل التقية و الاضطرار، و لا استبعاد في ذلك، فإن كثيرا من المحرمات تنقلب عند الضرورة أحكامها، و تصير من الواجبات. على أنه قد ثبتت بالأخبار أن أمير المؤمنين و سائر الأئمة (عليهم السلام) كانوا قد أخبرهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بما يجري عليهم من الظلم، و بما يجب عليهم فعله عند ذلك، فقد أباح الله تعالى خصوص ذلك بنص الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، و هذا مما يسكن استبعاد الأوهام، و الله يعلم حقائق أحكامه و حججه (عليهم السلام).

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٠ - الصفحة ٤٢. — الإمام الصادق عليه السلام
5 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي دَاوُدَ الْمُسْتَرِقِّ عَنْ بَعْضِ رِجَالِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

إِنَّ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ أَتَيْنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَتْ إِحْدَاهُنَّ إِنَّ زَوْجِي لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ وَ قَالَتِ الْأُخْرَى إِنَّ زَوْجِي لَا يَشَمُّ الطِّيبَ وَ قَالَتِ الْأُخْرَى إِنَّ زَوْجِي لَا يَقْرَبُ النِّسَاءَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ مِنْ أَصْحَابِي لَا يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ وَ لَا يَشَمُّونَ الطِّيبَ وَ لَا يَأْتُونَ النِّسَاءَ أَمَا إِنِّي آكُلُ اللَّحْمَ وَ أَشَمُّ الطِّيبَ وَ آتِي النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي و كذلك آجره الله إيجارا و أجر فلان خمسة من ولده أي ماتوا فصاروا أجره. الحديث الرابع: ضعيف. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أتتكم الحولاء" أي زينب العطارة. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم): " أما لو يدري" كلمة لو للتمني أو للجزاء محذوف أي لأقبل عليك، أو بادرت بالسؤال قبل إتمام الجواب. الحديث الخامس: ضعيف على المشهور.

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٠ - الصفحة ٣٠٤. — الإمام الصادق عليه السلام
9 حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَمَاعَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ

عليه السلام إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الطَّلَاقَ طَلَّقَهَا فِي قُبُلِ عِدَّتِهَا بِغَيْرِ جِمَاعٍ فَإِنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى يَخْلُوَ أَجَلُهَا إِنْ شَاءَ أَنْ يَخْطُبَ مَعَ الْخُطَّابِ فَعَلَ فَإِنْ رَاجَعَهَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُوَ أَجَلُهَا أَوْ بَعْدَهُ كَانَتْ عِنْدَهُ عَلَى تَطْلِيقَةٍ فَإِنْ طَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ أَيْضاً فَشَاءَ أَنْ يَخْطُبَهَا مَعَ الْخُطَّابِ إِنْ كَانَ تَرَكَهَا حَتَّى يَخْلُوَ أَجَلُهَا كما هو ظاهر الآية" وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ " و الخطاب مع المؤمنين، فإنهم مسلمون و مولودون على الفطرة، فما كان ينبغي السؤال عنه من أمثالكم، و الظاهر أن مراده بالناصب من كان على خلاف الحق كما هو الشائع في الأخبار. الحديث السابع: حسن أو موثق. و الظاهر أن" ابن" من زيادة النساخ، بل" هو بكير" إذ ابنه لا يروي عن أبي جعفر (عليه السلام)، و سيأتي نظير هذا السند و فيه عن بكير. الحديث الثامن: ضعيف على المشهور. الحديث التاسع: مجهول و سقط شرحه عن المصنف. قوله (عليه السلام): " إن كان تركها" قيد للمشيئة، أي مشيئة الخطبة إنما يكون إذا تركها حتى يخلو أجلها، و جزاء الشرط محذوف، أي فعل، و يحتمل أن يكون فَإِنْ شَاءَ رَاجَعَهَا قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ أَجَلُهَا فَإِنْ فَعَلَ فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى تَطْلِيقَتَيْنِ فَإِنْ طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ وَ هِيَ تَرِثُ وَ تُورَثُ مَا كَانَتْ فِي الدَّمِ مِنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ الْأَوَّلَتَيْنِ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢١ - الصفحة ١١٥. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
9 أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شِمْرٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

أُتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صلى الله عليه وآله وسلم بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ قَدْ تَنَصَّرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ قَالَ صَدَقُوا وَ أَنَا أَرْجِعُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ كَذَّبْتَ الشُّهُودَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ وَ قَدْ قَبِلْتُ مِنْكَ وَ لَا تَعُدْ فَإِنَّكَ إِنْ رَجَعْتَ لَمْ أَقْبَلْ مِنْكَ رُجُوعاً بَعْدَهُ و قال في التحرير: الزنديق و هو الذي يظهر الإيمان و يبطن الكفر يقتل بالإجماع، و قال في الصحاح: العلاوة: رأس الإنسان ما دام في عنقه، يقال: ضرب علاوته أي رأسه. الحديث السابع: مرسل. و ظاهره عدم قتل الفطري ابتداء، و يمكن حمله على المراهق للبلوغ. الحديث الثامن: ضعيف. الحديث التاسع: صحيح. لعل القتل على تقدير التكذيب بناء على عدم توبته مع ثبوت ارتداده بالشهود و فيه إشكال. و كذا في قوله (عليه السلام): " لم أقبل منك رجوعا" و يمكن تأويله بأن عدم قبول

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٣ - الصفحة ٣٩٩. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
32 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَسْبَاطٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَخِي مُوسَى عليه السلام قَالَ

كُنْتُ وَاقِفاً عَلَى رَأْسِ أَبِي حِينَ أَتَاهُ رَسُولُ زِيَادِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْحَارِثِيِّ عَامِلِ الْمَدِينَةِ قَالَ يَقُولُ لَكَ الْأَمِيرُ انْهَضْ إِلَيَّ فَاعْتَلَّ بِعِلَّةٍ فَعَادَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ فَقَالَ لَهُ قَدْ أَمَرْتُ أَنْ يُفْتَحَ لَكَ بَابُ الْمَقْصُورَةِ فَهُوَ أَقْرَبُ لِخُطْوَتِكَ قَالَ فَنَهَضَ الحديث الثلاثون: ضعيف على المشهور. و في الصحاح: قميص مورد صبغ على ألوان الورد و هو دون المضرج. الحديث الحادي و الثلاثون: ضعيف على المشهور. الحديث الثاني و الثلاثون: ضعيف على المشهور. و قال الطبري: وادي القرى اسم حصن قريب من خيبر كان يسكنه اليهود حين هاجر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى المدينة. أَبِي وَ اعْتَمَدَ عَلَيَّ وَ دَخَلَ عَلَى الْوَالِي وَ قَدْ جَمَعَ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ كِتَابٌ فِيهِ شَهَادَةٌ عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ وَادِي الْقُرَى فَذَكَرَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم فَنَالَ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ الْوَالِي يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ انْظُرْ فِي الْكِتَابِ قَالَ حَتَّى أَنْظُرَ مَا قَالُوا فَالْتَفَتَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ مَا قُلْتُمْ قَالُوا قُلْنَا يُؤَدَّبُ وَ يُضْرَبُ وَ يُعَزَّرُ وَ يُحْبَسُ قَالَ فَقَالَ لَهُمْ أَ رَأَيْتُمْ لَوْ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم بِمِثْلِ مَا ذَكَرَ بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وآله وسلم مَا كَانَ الْحُكْمُ فِيهِ قَالُوا مِثْلَ هَذَا قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ فَقَالَ فَلَيْسَ بَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَرْقٌ قَالَ فَقَالَ الْوَالِي دَعْ هَؤُلَاءِ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَوْ أَرَدْنَا هَؤُلَاءِ لَمْ نُرْسِلْ إِلَيْكَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَخْبَرَنِي أَبِي عليه السلام أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ عليه السلام قَالَ نَّ] النَّاسَ فِيَّ أُسْوَةٌ سَوَاءٌ مَنْ سَمِعَ أَحَداً يَذْكُرُنِي فَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ شَتَمَنِي وَ لَا يُرْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ وَ الْوَاجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ إِذَا رُفِعَ إِلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَ مَنْ نَالَ مِنِّي فَقَالَ زِيَادُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَخْرِجُوا الرَّجُلَ فَاقْتُلُوهُ بِحُكْمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ع

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٣ - الصفحة ٤١٤. — غير محدد
22 أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكُوفِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَمَّدِيِّ عَنْ أَبِي رَوْحٍ فَرَجِ بْنِ قُرَّةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام بِالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ وَ لَمْ يَجْبُرْ كَسْرَ عَظْمٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ أَيُّهَا النَّاسُ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَطَبٍ وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ الحديث الثاني و العشرون: ضعيف قوله: " لم يقصم" أي لم يكسر" جباري دهر إلا من بعد تمهيل" أي تأخير" و رخاء" أي نعمة و سعة عيش، " و لم يجبر كسر عظم من الأمم" أي يدفع الجبابرة، و استيلاء أهل الحق عليهم، و في نهج البلاغة" و لم يجبر عظم أحد من الأمم إلا بعد أزل و بلاء" الأزل: الضيق و الشدة، " أيها الناس في دون ما استقبلتم من خطب و استدبرتم من خطب، معتبر" الخطب: الشأن و الأمر. و يحتمل أن يكون المراد بما استدبروه ما وقع في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) من استيلاء الكفرة، أولا و غلبة الحق و أهله ثانيا، و انقضاء دولة الظالمين و نصرة الله رسوله على الكافرين، و المراد بما استقبلوه ما ورد عليهم بعد الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) من الفتن، و استبداد أهل الجهالة و الضلالة بأمور المسلمين بلا نصر من رسول رب العالمين، و كثرة خطائهم في أحكام الدين، ثم انقضاء دولتهم، و ما وقع بعد ذلك من الحروب، و الفتن كل ذلك محل للاعتبار لمن عقل و فهم، و ميز الحق عن الباطل فإن زمان الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و غزواته و مصالحته و مهادنته مع المشركين كانت منطبقة على أحوال أمير المؤمنين (عليه السلام) من وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) إلى شهادته (عليه السلام). و يحتمل أن يكون المراد بما يستقبل و ما يستدبر شيئا واحدا، فإن ما يستقبل قبل وروده يستدبر بعد مضيه، و المراد التفكر في انقلاب أحوال الدنيا. و سرعة وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرِ عَيْنٍ بِبَصِيرٍ عِبَادَ اللَّهِ أَحْسِنُوا فِيمَا يَعْنِيكُمُ النَّظَرُ فِيهِ ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَرَصَاتِ مَنْ قَدْ أَقَادَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَانُوا عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَهْلَ جَنّٰاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقٰامٍ كَرِيمٍ ثُمَّ انْظُرُوا بِمَا خَتَمَ اللَّهُ لَهُمْ بَعْدَ النَّضْرَةِ وَ السُّرُورِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ لِمَنْ صَبَرَ مِنْكُمُ الْعَاقِبَةُ فِي الْجِنَانِ وَ اللَّهِ زوالها و كثرة الفتن فيها فيحث هذا التفكر العاقل اللبيب على ترك الأغراض الدنيوية و السعي لما يوجب حصول السعادات الأخروية. و يحتمل على بعد أن يكون المراد بما يستقبلونه ما أمامهم من أحوال البرزخ و أهوال القيامة، و عذاب الآخرة و مثوباتها، و بما استدبروه ما مضى من أيام عمرهم و ما ظهر لهم من آثار فناء الدنيا و حقارتها، و قلة بقائها، " و ما كل ذي قلب بلبيب" أي عاقل، " و لا كل ذي سمع بسميع" أي يفهم الحق و يؤثر فيه و يعمل به، " و لا كل ذي ناظر عين ببصير" أي يبصر الحق و يعتبر بما يرى، و ينتفع بما يشاهد، و ليس لفظ" عين" في نسخ النهج، و في بعض نسخ الكتاب" عباد الله أحسنوا فيما يعنيكم" أي يهمكم و ينفعكم، و في بعض النسخ" يعينكم النظر فيه" الظاهر أنه بدل اشتمال لقوله: " فيما يعينكم" و يحتمل أن يكون فاعلا لقوله يعينكم، بتقدير النظر قبل الظرف أيضا" ثم انظروا إلى عرصات" قال الفيروزآبادي: العرصة كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء، و الجمع عراص و عرصات" من قد أقاده الله بعلمه" يقال: أقاده خيلا أي أعطاه ليقودها، و لعل المراد من مكنه الله من الملك بأن خلى بينه و بين اختياره، و لم يمسك يده عما أراده بعلمه و حكمته أي بما يقتضيه علمه من عدم إجبارهم على الطاعات و ترك المنهيات. و يحتمل أن يكون من القود و القصاص، و يؤيده أن في بعض النسخ بعمله بتقديم الميم على اللام، فالضمير راجع إلى الموصول" كانوا على سنة" أي طريقة و حالة مشبهة، و مأخوذة من آل فرعون من الظلم و الكفر و الطغيان، أو من الرفاهية و النعمة كما قال: " مِنْ جَنّٰاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقٰامٍ كَرِيمٍ " فعلى الأول: حال، و على مُخَلَّدُونَ وَ لِلّٰهِ عٰاقِبَةُ الْأُمُورِ فَيَا عَجَباً وَ مَا لِي لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا لَا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَ لَا يَعْفُونَ عَنْ عَيْبٍ الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا- وَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ آخِذٌ مِنْهَا فِيمَا الثاني: بدل، من قوله على سنة، أو عطف بيان له" ثم انظروا بما ختم الله لهم" الباء بمعنى في أو إلى أو زائدة، أو صلة للختم قدم عليه، أي انظروا بأي شيء ختم لهم بعد النضرة. و السرور و الأمر و النهي، النضرة: الحسن و الرونق" و لمن صبر منكم العاقبة في الجنان و الله مخلدون" قوله: " مخلدون" خبر لمبتدء محذوف، و الجملة مبينة، و مؤكدة للجملة السابقة، يسأل عن عاقبتهم فيقال: هم و الله مخلدون في الجنان، " وَ لِلّٰهِ عٰاقِبَةُ الْأُمُورِ " أي مرجعها إلى حكمه كما قيل أو عاقبة الدولة، و الملك و العز لله و لمن طلب رضاه كما هو الأنسب بالمقام" فيا عجبا" بغير تنوين و أصله فيا عجبا ثم قلبوا الياء ألفا، فإن وقفت قلت يا عجباه، أي يا عجبي أقبل فهذا أوانك، أو بالتنوين أي يا قوم أعجبوا عجبا أو أعجب عجبا، و الأول أشهر و أظهر" و ما لي لا أعجب من خطإ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها" الظرف الأخير إما متعلق بالاختلاف أو بالخطإ أو بهما على التنازع، و قوله: " على اختلاف حججها" أي مذاهبها أو طرقها أو دلائلها على مذاهبهم الباطلة أو على الحق، مع عدولهم عنها" لا يعتقون أثر نبي" و في بعض النسخ" لا يقتصون" من قولهم اقتص أثره أي تتبعه" و لا يقتدون بعمل وصي" يعني نفسه (عليه السلام) و لا يؤمنون بغيب، أي بأمر غائب عن الحس، مما أخبر به النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) من الجنة و النار و غيرهما" و لا يعفون عن عيب" بكسر العين و تشديد الفاء من العفة، و بسكون العين و تخفيف الفاء من العفو، أي عن عيوب الناس" المعروف فيهم ما عرفوا، و المنكر عندهم ما أنكروا" أي المعروف و الخبر عندهم يعرفونه، و يعدونه معروفا، و يستحسنونه بعقولهم الناقصة، و إن كان منكرا في نفس الأمر، و المراد أن المعروف و المنكر تابعان لإراداتهم و ميولهم يَرَى بِعُرًى وَثِيقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ فَلَا يَزَالُونَ بِجَوْرٍ وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا خَطَأً لَا يَنَالُونَ تَقَرُّباً وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْداً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أُنْسُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَ تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كُلُّ ذَلِكَ وَحْشَةً مِمَّا وَرَّثَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ نُفُوراً مِمَّا أَدَّى إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أَهْلُ حَسَرَاتٍ وَ كُهُوفُ شُبُهَاتٍ وَ أَهْلُ عَشَوَاتٍ وَ ضَلَالَةٍ وَ رِيبَةٍ مَنْ الطبيعية، فما أنكرته طباعهم كان هو المنكر بينهم، و إن كان معروفا في الشريعة، و ما اقتضته طباعهم و مالت إليه شهواتهم كان هو المعروف بينهم، و إن علموا أنه منكر في الذين" و كل امرء منهم إمام نفسه" و في نهج البلاغة هكذا: " مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، و تعويلهم في المبهمات على آرائهم، كان كل امرئ منهم إمام نفسه"" أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات" أي يظنون أنهم تمسكوا بدلائل و براهين فيما يدعون من الأمور الباطلة" و أسباب محكمات" أي زعموا أنهم تعلقوا بوسائل محكمة فيمن يتوسلون بهم من أئمة الجور" فلا يزالون بجور، و لم يزدادوا إلا خطأ لا ينالون تقربا" أي إلى ربهم" و لن يزدادوا إلا بعدا من الله" لخطائهم في أديانهم و أعمالهم آنس بعضهم ببعض" على صيغة المصدر و يحتمل الفعل و الفقرة التالية يؤيد الأول" و تصديق بعضهم لبعض" و في بعض النسخ" و تصدق" أي يعطي بعضهم صدقاتهم بعضا و لعله تصحيف" كل ذلك، وحشة مما ورث النبي الأمي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) " أي يفعلون كل ذلك لوحشتهم و نفرتهم عن العلوم التي ورثها النبي لأهل بيته و الأمي: نسبة إلى أم القرى، أو لأنه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لم يتعلم الخط و القراءة، و إن كان عالما بهما بإلهامه تعالى" و نفورا مما أدى إليهم من إخبار فاطر السماوات و الأرض" أي خالقهما، و مبدعهما" أهل حسرات" بعد الموت و في القيامة" و كهوف شبهات" أي تأدى إليهم الشبهات لأنهم يقبلون إليها و يقتلون بها، و في بعض النسخ" و كفر و شبهات" فيكونان معطوفين على حسرات" و أهل عشوات" قال الجوهري: العشوة أن يركب أمرا على غير بيات، و يقال أخذت عليهم بالعشوة، أي بالسواد من الليل" و ضلالة و ريبة" أي شك" من وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ رَأْيِهِ فَهُوَ مَأْمُونٌ عِنْدَ مَنْ يَجْهَلُهُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ بِأَنْعَامٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا وَ وَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِي مِنْ بَعْدِ قُرْبِ مَوَدَّتِهَا الْيَوْمَ كَيْفَ يَسْتَذِلُّ بَعْدِي بَعْضُهَا بَعْضاً وَ كَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً الْمُتَشَتِّتَةِ غَداً عَنِ الْأَصْلِ النَّازِلَةِ بِالْفَرْعِ الْمُؤَمِّلَةِ الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ آخِذٌ مِنْهُ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ الْغُصْنُ مَالَ مَعَهُ مَعَ أَنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ سَيَجْمَعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا يَجْمَعُ وكله الله إلى نفسه و رأيه" أي بسبب إعراضه عن الحق، و تركه لأهله" فهو مأمون عند من يجهله" و" غير المتهم عند من لا يعرفه" خبر للموصول، و الغرض بيان أن حسن ظن الناس و العوام بهم إنما هو لجهلهم بضلالتهم و جهالتهم، و يحتمل أن يكون المراد بالموصول أئمة من قد ذمهم سابقا، لا أنفسهم" فما أشبه هؤلاء" أي هذه الفرق الضالة المختلفة" بإنعام قد غاب عنها رعاؤها" هي جمع الراعي" و وا أسفا من فعلات شيعتي" أي من تتبعني اليوم ظاهرا" من بعد قرب مودتها اليوم" ظرف للقرب" كيف يستذل بعدي بعضها بعضا" كما تفرقوا عن أئمة الحق، و توسلوا بأئمة الجور" و كيف يقتل بعضها بعضا المتشتتة غدا عن الأصل" أي هم الذين يتفرقون عن أئمة الحق و لا ينصرونهم" النازلة بالفرع" أي يتعلقون بالأغصان، و الفروع التي لا ينفع التعلق بها بدون التشبث بالأصل كما أنهم بعد تفرقهم عن الأئمة (عليهم السلام) تبعوا كل من ادعى حقا، و إن لم يكن محقا، كمختار و أبي مسلم، و زيد و يحيى، و محمد، و إبراهيم، و غيرهم" المؤملة الفتح من غير جهته" أي من غير الجهة التي يرجى منها الفتح، إذ صاروا بعد خروجهم مغلوبين مقتولين، أو من غير الجهة التي أمروا بالاستفتاح منها، فإنه كان خروجهم بغير إذن الأئمة (عليهم السلام) معصية" كل حزب منهم آخذ بغصن، أين ما مال الغصن مال معه" أي لتفرقهم عن أئمة الحق صاروا شعبا شتى كل منهم آخذ بغصن من أغصان شجرة الحق بزعمهم، ممن يدعي الانتساب إلى أهل البيت (عليهم السلام) مع تركهم الأصل" مع أن الله و له الحمد سيجمع هؤلاء" أي هؤلاء الأحزاب المتشتتة" لشر يوم لبني أمية" قَزَعَ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ سَيْلَ الْعَرِمِ حَيْثُ بَعَثَ عَلَيْهِ قَارَةً فَلَمْ يَثْبُتْ إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم الخراساني لدفع بني أمية، و قد ظفروا بذلك، لكن دفعوا لفاسد بالأفسد و سلطوا أولاد العباس على أئمة الحق" كما يجمع قزع الخريف، يؤلف الله بينهم ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب" في نهج البلاغة" كما تجتمع" قال الجزري في حديث الاستسقاء" و ما في السماء قرعة" أي قطعة من الغيم و جمعها قزع، و منه حد على" فتجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف" أي قطع السحاب المتفرقة، و إنما خص الخريف لأنه أول الشتاء، و السحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم و لا مطبق، ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك، و قال: الركام: السحاب المتراكب بعضه فوق بعض. أقول: نسبة هذا التأليف إليه تعالى مع أنه لم يكن برضاه على سبيل المجاز تشبيها لعدم منعهم عن ذلك و تمكينهم من أسبابه، و تركهم و اختيارهم بتأليفهم، و حثهم عليه، و مثل هذا كثير في الآيات و الأخبار" ثم يفتح لهم أبوابا يسئلون من مستثارهم، كسيل الجنتين سيل العرم، حيث بعث عليه فأرة فلم يثبت عليه أكمة" فتح الأبواب كناية عما هيئ لهم من أسبابهم، و ما سنح لهم من تدابيرهم المصيبة، و من اجتماعهم و عدم تخاذلهم، و المستثار موضع ثوراتهم، أي هيجانهم و وثبهم و نهوضهم، و شبه (عليه السلام) تسلط هذا الجيش عليهم بسوء أعمالهم بما سلط الله على أهل سبأ بعد إتمام النعمة عليهم، لكفرانهم و عصيانهم، كما قال تعالى: " لَقَدْ كٰانَ لِسَبَإٍ " لأولاد سبأ بن يسحب بن يعرب بن قحطان" فِي مَسْكَنِهِمْ " في موضع سكناهم، و هو باليمن يقال له مأرب" آيَةٌ " علامة دالة على وجود الصانع المختار، و أنه قادر على ما يشاء" جَنَّتٰانِ " بدل من آية، أو خبر محذوف تقديره الآية جنتان" عَنْ يَمِينٍ وَ شِمٰالٍ " جماعة عن يمين بلدهم، و جماعة عن شماله، كل واحدة منهما في تقاربهما و تضايقها كأنه جنة واحدة، أو بستانا كل رجل منهم عن يمين مسكنه و عن شماله.......... " كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ " حكاية لما قال لهم نبيهم أو لسان الحال أو دلالة بأنهم كانوا أحقاء بأن يقال لهم ذلك" بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ " استئناف للدلالة على موجب الشكر" فَأَعْرَضُوا " عن الشكر" فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ " سيل الأمر العرم: أي الصعب من عرم الرجل فهو عارم إذا شرس خلقه و صعب، أو المطر الشديد أو الجرد أضاف إليه لأنه نقب عليهم سكرا ضربت لهم بلقيس، كما رواه البغوي" أن بلقيس لما ملكت سبأ كانوا يقتتلون على ماء واديهم، و كان يأتيهم السيل من بعيد، فيؤذيهم سدت بلقيس ما بين الجبلين، بسد فيه أبواب بعضها فوق بعض، و جعلت بركة لها اثني عشر مخرجا كعدد أنهارهم التي يسقون بها بساتينهم، و إذا استغنوا سدوها فإذا جاء السيل احتبس وراء السد، فأخصبت بلادهم و كثرت نعمتهم، حتى قيل: إن المرأة كانت تخرج و على رأسها المكتل فتعمل بيديها و تسير بين تلك الشجر فيمتلي المكتل مما يتساقط فيه من الثمر، و كان الرجل يمر ببلدهم في ثيابه القمل فتموت القمل كلها من طيب الهواء". و قال علي بن إبراهيم: كانت لهم جنات عن يمين، و شمال مسيرة عشرة أيام، فمن يمر لا تقع عليه الشمس من التفافها، فلما عملوا بالمعاصي و عتوا عن أمر ربهم و نهاهم الصالحون، فلم ينتهوا بعث الله على ذلك السد الجرذ، و هي الفأرة الكبيرة فكانت تقلع الصخرة التي لا يستقلها الرجل، و ترمي به فلما رأى ذلك قوم منهم هربوا و تركوا البلاد، فما زال الجرذ تقلع الحجر حتى خرب ذلك السد، فلم يشعروا حتى غشيهم السيل، و خرب بلادهم و قلع أشجارهم و قيل العرم: اسم للمسناة التي عقدت سكرا، على أنه جمع عرمة، و هي الحجارة المركومة، و قيل اسم واد جاء السيل من قبله" وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ " أي ثمر بشع و قيل: الأراك أو كل شجر لا شوك له" وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ " و الأثل: هو الطرفاء فعلى ما في الكتاب من قوله: " حيث بعث عليه فأرة" إشارة إلى ما فسر، و ضمير.......... " عليه" إما راجع إلى السيل فعلى تعليلية أو إلى العرم، إذا فسر بالسد و في بعض النسخ نقب بالنون و القاف و الباء الموحدة فقوله فأرة مرفوع بالفاعلية، و في نهج البلاغة كسيل الجنتين حيث لم تسلم عليه فأرة، و لم تثبت له أكمة. و الفأرة: الجبل الصغير، و الأكمة هي الموضع الذي يكون أشد ارتفاعا مما حوله، و هو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرا، أو التل من حجارة واحدة أو هي دون الجبال. و الحاصل: بيان شدة السيل المشبه به بأنه أحاط بالجبال، و ذهب بالتلال و لم يمنعه شيء" و لم يرد سننه رص طود" السنن: الطريق و الرص: التصاق الأجزاء بعضها ببعض، و الطود: الجبل أي لم يرد طريقه طود مرصوص، أي جبل اشتد التصاق أجزائه بعضها ببعض، و في النهج بعد ذلك: و لا حداب أرض هي جمع حدبة، و هي المكان المرتفع، و لما بين (عليه السلام) شدة المشبه به أخذ في بيان شدة المشبه فقال: " يذعذعهم الله في بطون أو دية" الذعذعة بالذالين المعجمتين، و العينين المهملتين: التفريق أي يفرقهم الله في السيل متوجهين إلى البلاد" ثم يسلكهم يَنٰابِيعَ فِي الْأَرْضِ " من ألفاظ القرآن أي كما أن الله تعالى ينزل الماء من السماء فيستكن في أعماق الأرض ثم يظهره ينابيع إلى ظاهرها كذلك هؤلاء يفرقهم الله في بطون الأودية، و غوامض الأغوار ثم يظهرهم بعد الاختفاء، كذا ذكره ابن أبي الحديد، و الأظهر أنه بيان لاستيلائهم على البلاد و تفرقهم فيها و ظهورهم في كل البلاد، و حصول أعوانهم من سائر العباد فكما أن مياه الأنهار و وفورها توجب وفور مياه العيون و الآبار، فكذلك يظهر أثر هؤلاء في كل البلاد و تكثر أعوانهم في جميع الأقطار، و كل ذلك ترشيح لما سبق من التشبيه" يأخذ بهم من قوم" أي بني أمية" حقوق قوم" أي أهل البيت (عليهم السلام) للانتقام من أعدائهم، و إن لم يصل إليهم" و يمكن لقوم" أي لبني العباس" لديار قوم" أي بني أمية و في بعض النسخ [و يمكن لهم قوما ديار قوم] و في النهج" و يمكن لقوم في ديار قوم" و المال واحد الْأَرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَ يُمَكِّنُ بِهِمْ قَوْماً فِي دِيَارِ قَوْمٍ تَشْرِيداً لِبَنِي أُمَيَّةَ وَ لِكَيْلَا يَغْتَصِبُوا مَا غَصَبُوا يُضَعْضِعُ اللَّهُ بِهِمْ رُكْناً وَ يَنْقُضُ بِهِمْ طَيَّ الْجَنَادِلِ مِنْ إِرَمَ وَ يَمْلَأُ مِنْهُمْ بُطْنَانَ الزَّيْتُونِ فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ وَ كَأَنِّي في الكل" تشريدا لبني أمية. و لكيلا يغتصبوا ما غصبوا" التشريد: التفريق و الطرد" و الاغتصاب بمعنى الغصب، و لعل المراد أن الغرض من استيلاء هؤلاء ليس إلا تفريق بني أمية و دفع ظلمهم" يضعضع الله بهم ركنا" قال الفيروزآبادي: ضعضعه: هدمه حتى الأرض أي يهدم الله بهم ركنا وثيقا عظيما هو أساس دولة بني أمية" و ينقض بهم طي الجنادل من إرم" الجنادل: جمع جندل و هو ما يقله الرجل من الحجارة، أي ينقض الله و يكسر بهم البنيان التي طويت، و بنيت بالجنادل و الأحجار من بلاد إرم، و هي دمشق و الشام، إذ كان مستقر ملكهم في أكثر الأزمان تلك البلاد لا سيما زمانه (عليه السلام). قال الفيروزآبادي: إرم ذات العماد: دمشق أو الإسكندرية، أو موضع بفارس، و في بعض النسخ [على الجنادل]" و يملأ منهم بطنان الزيتون" قال الجزري: فيه" ينادي مناد من بطنان العرش" أي من وسطه، و قيل: من أصله، و قيل: البطنان جمع بطن: و هو الغامض من الأرض، يريد من دواخل العرش. و قال الفيروزآبادي: الزيتون: مسجد دمشق أو جبال الشام، و بلد بالصين، و المعنى إن الله يملأ منهم وسط مسجد دمشق أو دواخل جبال الشام، و الغرض من الفقرتين بيان استيلاء هؤلاء القوم على بني أمية في وسط ديارهم و الظفر عليهم في محل استقرارهم، و أنه لا ينفعهم بناء و لا حصن في التحرز منهم" فو الذي فلق الحبة" فأخرج منها أنواع النبات" و برء النسمة" أي أصناف ذوي الحياة ليكونن ذلك و كأني أسمع صهيل خيلهم" الصهيل: كأمير صوت الفرس" و طمطمة رجالهم" قال الفيروزآبادي رجل طمطم، و طمطمي بكسرهما و طمطماني بالضم: في لسانه عجمة، و قال الجزري في أَسْمَعُ صَهِيلَ خَيْلِهِمْ وَ طَمْطَمَةَ رِجَالِهِمْ وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَاتَ ضَالًّا وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُفْضِي مِنْهُمْ مَنْ دَرَجَ وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَنْ تَابَ وَ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شِيعَتِي بَعْدَ التَّشَتُّتِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِهَؤُلَاءِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْخِيَرَةُ بَلْ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ وَ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمُنْتَحِلِينَ لِلْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا كَثِيرٌ وَ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ مُرِّ الْحَقِّ صفة قريش (ليس فيهم طمطمانية حمير) شبه كلام حمير لما فيه من الألفاظ المنكرة بكلام العجم يقال رجل أعجم طمطمي و قد طمطم في كلامه و أشار (عليه السلام) بذلك إلى أن أكثر عسكرهم من العجم، لأن عسكر أبي مسلم كان من خراسان" و أيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو و التمكين في البلاد كما تذوب الألية على النار" الظاهر أن هذا أيضا من تتمة بيان انقراض ملك بنو أمية، و سرعة زواله، و يحتمل أن يكون إشارة إلى انقراض هؤلاء الغالبين من بني عباس" من مات منهم مات ضالا و إلى الله تعالى يقضي منهم من درج" و في النسخ يفضي بالفاء، أي يوصل، و بالقاف بمعنى القضاء و المحاكمة أو الإنهاء و الإيصال كما في قوله تعالى: " وَ قَضَيْنٰا إِلَيْهِ ذٰلِكَ الْأَمْرَ " و درج الرجل أي مشى و درج أيضا بمعنى مات، و يقال: درج القوم أي انقرضوا، و الظاهر أن المراد به هنا الموت، أي من مات ضالا و أمره إلى الله يعذبه كيف يشاء، و يحتمل المشي أيضا أي من بقي منهم فعاقبة الفناء، و الله يقضي فيه يعلمه" و يتوب الله عز و جل على من تاب" أي من أعوانهم و أحزابهم" و لعل الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء" إشارة إلى زمان القائم (عليه السلام) " و ليس لأحد على الله عز و جل الخيرة بل لله الخيرة و الأمر جميعا" أي ليس لأحد أن يشير بأمر على الله إن هذا خير ينبغي أن تفعله، بل له أن يختار من الأمور ما يشاء بعلمه، و له الأمر يأمر بما يشاء في جميع الأشياء" أيها الناس إن المنتحلين للإمامة من غير أهلها كثير" أي فلا تصدقوا كل مدع و لا تتبعوه، و لو لم تتخاذلوا عن مر الحق، أي وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَتَشَجَّعْ عَلَيْكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ وَ عَلَى هَضْمِ الطَّاعَةِ وَ إِزْوَائِهَا عَنْ أَهْلِهَا لَكِنْ تِهْتُمْ كَمَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ عليه السلام وَ لَعَمْرِي لَيُضَاعَفَنَّ عَلَيْكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافَ مَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدِ اسْتَكْمَلْتُمْ مِنْ بَعْدِي مُدَّةَ سُلْطَانِ بَنِي أُمَيَّةَ لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى السُّلْطَانِ الدَّاعِي إِلَى الضَّلَالَةِ وَ أَحْيَيْتُمُ الْبَاطِلَ وَ خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى الحق الذي هو مر أو خالص الحق فإنه مر و اتباعه صعب، و في النهج: عن نصر الحق" و لم تهنوا عن توهين الباطل" أي لم تضعفوا عن تحقير الباطل و أضعافه، " لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم" و في النهج: لم يطمع فيكم" و لم يقومن قوي عليكم، و على هضم الطاعة" أي كسرها" و إزوائها عن أهلها" يقال زوى الشيء عنه: أي صرفه و نحاه، و لم أظفر بهذا البناء فيما اطلعت عليه من كتب اللغة" لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى" أي كما تاهوا في خارج المصر أربعين سنة، يتيهون و يتحيرون في الأرض، ليس لهم مخرج بسبب عصيانهم، و تركهم الجهاد، فكذا أصحابه تحيروا في أديانهم و أعمالهم لما لم ينصروه و لم يعينوه على عدوه كما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) أنه قال: لتركبن سنين من كان قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة، حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه. و في النهج: و لكنكم تهتم متاه بني إسرائيل و لعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو إسرائيل. يحتمل أن يكون المراد بالمشبه به هنا تحير قوم موسى بعده في دينهم و يمكن أن يراد به تحيرهم في الأرض في حياته (عليه السلام) كالسابق، و على التقديرين المراد بالمضاعفة إما المضاعفة بحسب الشدة، و كثرة الحيرة، أو بحسب الزمان، فإن حيرتهم كانت أربعين سنة و الناس إلى الآن متحيرون تائهون في أديانهم و أحكامهم" و لعمري أن لو قد استكملتم مدة سلطان بني أمية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة، أي الداعي إلى بني عباس" و أحييتم الباطل" أي مرة ثانية" و خلفتم الحق وراء ظهوركم" أي متابعة أئمة أهل البيت (عليهم السلام) " و قطعتم مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ الْحَرْبِ- لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ لَدَنَا التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ وَ قَرُبَ الْوَعْدُ وَ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ ذُو الذَّنَبِ الأدنى من أهل بدر" أي الأدنين إلى الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) نسبا الناصرين له في غزوة بدر و هي أعز غزوات الإسلام، يعني نفسه و أولاده (صلوات الله عليهم) " و وصلتم إلا بعد من أبناء الحرب لرسول الله" أي أولاد العباس، فإنهم كانوا أبعد نسبا عن الرسول من أهل البيت (عليهم السلام)، و كان جدهم العباس ممن حارب الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في غزوة بدر، حتى أسر. " و لعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم" أي لو ذهب ملك بني العباس، لدنى التمحيص للجزاء أي قرب قيام القائم و التمحيص الابتلاء و الاختبار، أي يبتلي الناس و يختبرون بقيامه (عليه السلام) ليجزي الكافرين، و يعذبهم في الدنيا قبل نزول عذاب الآخرة بهم. و يمكن أن يكون المراد تمحيص جميع الخلق لجزائهم في الآخرة إن خيرا فخيرا، و إن شرا فشرا، و قرب الوعد أي وعد الفرج، و انقضت المدة أي قرب انقضاء مدة دولة أهل الباطل" و بدا لكم النجم ذو الذنب" و هو من علامات ظهور القائم (عليه السلام)، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ذات ذنب ظهرت في سنة تسع و ثلاثين و ثمانمائة هجرية، و الشمس في أوائل الميزان بقرب الإكليل الشمالي كانت تطلع و تغيب معه لا تفارقه، ثم بعد مدة ظهر أن لها حركة خاصة بطيئة فيما بين المغرب و الشمال، و كان يصغر جرمها و يضعف ضوؤها بالتدريج حتى انمحت بعد ثمانية أشهر تقريبا، و قد بعدت عن الإكليل في الجهة المذكورة، قدر ذراع، لكن قوله (عليه السلام): " من قبل المشرق" يأبى عنه إلا بتكلف، و قد ظهر في زماننا في سنة خمس و سبعين و ألف ذو ذؤابة فيما بين القبلة و المشرق، و مكث أشهرا ثم ظهر أول الليل في جانب المشرق و قد ضعف ثم بعد أيام انمحى، و كانت له حركة على التوالي لا على نظام معلوم، مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَ لَاحَ لَكُمُ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ سَلَكَ بِكُمْ مَنَاهِجَ الرَّسُولِ صلى الله عليه وآله وسلم فَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الْعَمَى وَ الصَّمَمِ وَ الْبَكَمِ وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ الطَّلَبِ وَ التَّعَسُّفِ وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ وَ لَا و تطبيق ما في الخبر عليه يحتاج إلى تكلف آخر أيضا" و لاح لكم القمر المنير" لعل المراد ظهور قمر آخر أو شيء شبيه بالقمر في السماء، أو كناية عن القائم (عليه السلام) و يؤيد الأخير ما رواه المفيد (ره) في إرشاده مرسلا عن مسعدة، و فيه و أشرق لكم قمركم كملاء شهر، و كليلة تم" فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة" أي ارجعوا إلى التوبة أو إلى الله بالتوبة، و اعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق، أي المهدي (عليه السلام) إذ مكة شرقية بالنسبة إلى المدينة، أو لأن اجتماع العساكر عليه و توجهه إلى فتح البلاد إنما يكون من الكوفة، و هي شرقية بالنسبة إلى الحرمين، و لا يبعد أن يكون ذكر المشرق ترشيحا للاستعارة أي القمر الطالع من مشرقه، و يحتمل على بعد أن يكون إشارة إلى السلطان إسماعيل أنار الله برهانه" سلك بكم مناهج الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و في بعض النسخ [منهاج] كما في النهج" فتداويتم من العمى و الصمم و البكم" أي ليفيض الله تعالى به (عليه السلام) و بمتابعته نور الإيمان على جوارحكم، فترون الحق، و تسمعونه و تقبلونه، و تنطقون به" و كفيتم به مؤنة الطلب و التعسف" التعسف هنا الظلم، أي لا تحتاجون في زمانه (عليه السلام) إلى طلب الرزق، و الظلم على الناس لأخذ أموالهم" و نبذتم الثقل الفادح عن الأعناق" يقال: فدحه الدين، أي أثقله، أي طرحتم الديون المثقلة، و مظالم العباد، أو إطاعة أهل الجور و ظلمهم عليكم عن أعناقكم، " و لا يبعد الله" أي في ذلك الزمان أو مطلقا" إلا من أبي" عن طاعته (عليه السلام) أو طاعة الله، " و ظلم" على نفسه، و على الناس" و اعتسف" أي مال عن طريق الحق إلى غيره، " أو ظلم على غيره، " و أخذ ما ليس له" من الأموال و الحقوق و الولايات، يُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَبَى وَ ظَلَمَ وَ اعْتَسَفَ وَ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ- وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٥ - الصفحة ١٣٨. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
88 الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَشْعَرِيِّ عَنْ بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْأَزْدِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام حُمَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَأَتَاهُ جَبْرَئِيلُ عليه السلام فَعَوَّذَهُ فَقَالَ

بِسْمِ اللَّهِ أَرْقِيكَ يَا مُحَمَّدُ وَ بِسْمِ اللَّهِ أَشْفِيكَ وَ بِسْمِ اللَّهِ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يُعْيِيكَ بِسْمِ اللَّهِ قوله: " ثم ينادي" لعل نداءه (عليه السلام) كان لاستشفائه بها صلى الله عليها. قوله (عليه السلام): " قيئت" على البناء للمجهول من باب التفعيل، يقال: قاء الرجل و قياه غيره، قوله (عليه السلام) " زال كل مفصل مني" أي لا أقدر لكثرة الضعف على القيء. أقول: هذا الخبر يدل: على أن بيان كيفية المرض و مدته و شدته ليس بشكاية. الحديث الثامن و الثمانون: مجهول. لكن الظاهر [أنه] أحمد بن إسحاق، إذ هو يروي عن بكر بن محمد كثيرا، فالخبر صحيح على الظاهر، و يؤيده أن الحميري، رواه في قرب الإسناد، عن أحمد بن إسحاق عن بكر بن محمد، قوله: " بسم الله أرقيك" قال في المصباح المنير: رقيته أرقيه رقيا من باب رمي عوذته بالله. قوله: " و بسم الله من كل داء يعنيك" أي أعيذك أو أرقيك أو أشفيك من كل داء. وَ اللَّهُ شَافِيكَ بِسْمِ اللَّهِ خُذْهَا فَلْتَهْنِيكَ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* فَلٰا أُقْسِمُ بِمَوٰاقِعِ النُّجُومِ لَتَبْرَأَنَّ بِإِذْنِ اللَّهِ قَالَ بَكْرٌ وَ سَأَلْتُهُ عَنْ رُقْيَةِ الْحُمَّى فَحَدَّثَنِي بِهَذَا

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٥ - الصفحة ٢٦٥. — الإمام الصادق عليه السلام
90 حُمَيْدُ بْنُ زِيَادٍ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنْدِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ نُعْمَانَ الرَّازِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

انْهَزَمَ النَّاسُ يَوْمَ قال في النهاية: فيه" أتاه جبرئيل فقال: بسم الله أرقيك من كل داء يعنيك" أي يقصدك يقال: عنيت فلانا عنيا إذا قصدته، و قيل: معناه من كل داء يشغلك، يقال: هذا أمر لا يعنيني، أي لا يشغلني و يهمني انتهى. و في بعض النسخ يعييك من الإعياء. قوله (عليه السلام): " بِمَوٰاقِعِ النُّجُومِ " أي بمساقطها و تخصيص المغارب لما في غروبها من زوال أثرها، و الدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره، أو بمنازلها و مجاريها، و قيل النجوم القرآن، و مواقعها أوقات نزولها. قوله: " عن رقية الحمى" قال الجزري: الرقية: العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة، كالحمى و الصرع و غير ذلك من الآفات. الحديث التاسع و الثمانون: ضعيف. قوله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): " أيسرهن الخنق" أي الموت بالخناق. الحديث التسعون: مجهول. أُحُدٍ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَغَضِبَ غَضَباً شَدِيداً قَالَ وَ كَانَ إِذَا غَضِبَ انْحَدَرَ عَنْ جَبِينِهِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤِ مِنَ الْعَرَقِ قَالَ فَنَظَرَ فَإِذَا عَلِيٌّ عليه السلام إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ لَهُ الْحَقْ بِبَنِي أَبِيكَ مَعَ مَنِ انْهَزَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِي بِكَ أُسْوَةٌ قَالَ فَاكْفِنِي هَؤُلَاءِ فَحَمَلَ فَضَرَبَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام إِنَّ هَذِهِ لَهِيَ الْمُوَاسَاةُ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ إِنَّهُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام وَ أَنَا مِنْكُمَا يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع قوله (عليه السلام): " لي بك أسوة" قال في المصباح: الأسوة بكسر الهمزة و ضمها: القدوة، و تأسيت به اقتديت، و آسيته بنفسي بالمد سويته، و يجوز إبدال الهمزة واوا في لغة اليمن، فيقال: واسيته. أقول: مضمون تلك الرواية من المشهورات بين الخاصة و العامة، قال ابن أبي الحديد: روى أبو عمر و محمد بن عبد الواحد الزاهد اللغوي غلام ثعلب و رواه أيضا محمد بن حبيب في أماليه أن رسول الله لما فر معظم أصحابه عنه يوم أحد كثرت عليه كتائب المشركين و قصدته كتيبة من بني كنانة، ثم من بني عبد مناف بن كنانة فيها بنو سفيان بن عويف و هم خالد بن ثعلب و أبو الشعثاء بن سفيان و أبو الحمراء بن سفيان و غراب بن سفيان فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):، يا علي اكفني هذه الكتيبة، فحمل عليها و إنها لتقارب خمسين فارسا، و هو (عليه السلام) راجل فما زال يضربها بالسيف فتفرق عنه ثم تجتمع عليه، هكذا مرارا حتى قتل بني سفيان بن عويف الأربعة و تمام العشرة منها ممن لا يعرف بأسمائهم فقال جبرئيل (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): إن هذه المواساة، لقد عجبت الملائكة من مواساة هذا الفتى، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): و ما يمنعه و هو مني و أنا منه: فقال جبرئيل: و أنا منكما، قال: و سمع فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِلَى جَبْرَئِيلَ عليه السلام عَلَى كُرْسِيٍّ مِنْ ذَهَبٍ بَيْنَ السَّمَاءِ وَ الْأَرْضِ وَ هُوَ يَقُولُ لَا سَيْفَ إِلَّا ذُو الْفَقَارِ وَ لَا فَتَى إِلَّا عَلِيٌّ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٥ - الصفحة ٢٦٦. — الإمام الصادق عليه السلام
123 يَحْيَى الْحَلَبِيُّ عَنْ بَشِيرٍ الْكُنَاسِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ

وَصَلْتُمْ وَ قَطَعَ النَّاسُ وَ أَحْبَبْتُمْ وَ أَبْغَضَ النَّاسُ وَ عَرَفْتُمْ وَ أَنْكَرَ النَّاسُ وَ هُوَ الْحَقُّ إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ نَبِيّاً وَ إِنَّ عَلِيّاً عليه السلام كَانَ عَبْداً نَاصِحاً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَنَصَحَهُ وَ أَحَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَأَحَبَّهُ إِنَّ حَقَّنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ بَيِّنٌ لَنَا صَفْوُ الْأَمْوَالِ وَ لَنَا الْأَنْفَالُ وَ إِنَّا قَوْمٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ طَاعَتَنَا وَ إِنَّكُمْ تَأْتَمُّونَ بِمَنْ لَا يُعْذَرُ النَّاسُ بِجَهَالَتِهِ وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ مَاتَ وَ لَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ فَقَدْ رَأَيْتُمْ أَصْحَابَ عَلِيٍّ عليه السلام ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ادْعُوا لِي خَلِيلِي فَأَرْسَلَتَا إِلَى أَبَوَيْهِمَا فَلَمَّا جَاءَا أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ الحديث الثالث و العشرون و المائة: مجهول. و يمكن أن يعد حسنا لأن هذا الخبر يدل على مدح بشير. قوله (عليه السلام): " إن الله اتخذ محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) عبدا" أي عبدا كاملا في العبودية مطيعا لله في جميع أموره، و لذا لم ينسب الله تعالى بالعبودية أحدا إلى نفسه إلا مقربي جنابه من الأنبياء و الأوصياء كما قال: " سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ " و قال: " عَبْداً مِنْ عِبٰادِنٰا " و قال: إلى" عَبْدَنٰا دٰاوُدَ " و مثله كثير، و الغرض أن هذا الكمال الذي كان حاصلا لنبينا قبل بعثته و نبوته، قد كان لعلي (عليه السلام) و كان في جميع الكمالات مشاركا مع الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) سوى النبوة فقد أخذتم بولاية من هو هكذا. قوله (عليه السلام): " لنا صفو المال" أي صفايا الغنيمة. قوله (عليه السلام): " فقد رأيتم أصحاب علي (عليه السلام) " أي المطيعين له أو المخالفين له ادْعُوا لِي خَلِيلِي فَقَالا قَدْ رَآنَا لَوْ أَرَادَنَا لَكَلَّمَنَا فَأَرْسَلَتَا إِلَى عَلِيٍّ عليه السلام فَلَمَّا جَاءَ أَكَبَّ عَلَيْهِ يُحَدِّثُهُ وَ يُحَدِّثُهُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ لَقِيَاهُ فَقَالا مَا حَدَّثَكَ فَقَالَ حَدَّثَنِي بِأَلْفِ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ يُفْتَحُ كُلُّ بَابٍ إِلَى أَلْفِ بَابٍ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٥ - الصفحة ٣٥٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
193 عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُؤَدِّبُ وَ غَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي الْحَارِثِ الْهَمْدَانِيِّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ

خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْخَافِضِ الرَّافِعِ- المعصوم. الحديث الثاني و التسعون و المائة: ضعيف. و يدل على جواز ذكر الحاجة و النازلة للإخوان في الله بل رجحانه. خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) الحديث الثالث و التسعون و المائة: مجهول. قوله (عليه السلام): " الخافض الرافع" الخفض: ضد الرفع، أي يخفض الجبارين و الفراعنة، و يضعهم و يهينهم، و يخفض كل شيء يريد خفضه، و هو الرافع يرفع أنبياءه و حججه على درجات القرب و الكمال، و كذا المؤمنين في مراتب الدين و يلحقهم بالمقربين، و يرفع من أراد رفعته في الدنيا بالعز و التمكين، و رفع الضَّارِّ النَّافِعِ الْجَوَادِ الْوَاسِعِ السماء بغير عمد، فكل رفعة و عزة و غلبة منه تعالى. قوله (عليه السلام): " الضار النافع" أي يضر من يشاء بتعذيبه إذا استحق العقاب، و بالبلايا و المحن في الدنيا، إما لغضبه عليهم أو لتكفير سيئاتهم أو لرفع درجاتهم، و هذان الأخيران و إن كانا عائدين إلى النفع، لكن يمكن إطلاق الضرر عليهما بحسب ظاهر الحال، و نفعه تعالى لا يحتاج إلى البيان، إذ هو منشأ كل جود و رحمة و نعمة و إحسان. قوله (عليه السلام): " الجواد" روى الصدوق (ره) عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن إبراهيم بن هاشم، عن أحمد بن سليمان قال: سأل رجل أبا الحسن (عليه السلام) و هو في الطواف، فقال له: أخبرني عن الجواد؟ فقال: إن لكلامك وجهين، فإن كنت تسأل عن المخلوق فإن الجواد الذي يؤدي ما افترض الله تعالى عليه، و البخيل من بخل بما افترض الله عليه، و إن كنت تعني الخالق فهو الجواد إن أعطى، و هو الجواد إن منع، لأنه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له، و إن منع منع ما ليس له. قوله (عليه السلام): " الواسع" هو مشتق من السعة، و هي تستعمل حقيقة باعتبار المكان، و هي لا يمكن إطلاقها على الله تعالى بهذا المعنى، و مجازا في العلم و الإنعام و المكنة و الغنى، قال تعالى: " وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً " و قال: " لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ " و لذا فسر الواسع بالعالم المحيط بجميع المعلومات كليها و جزئيها موجودها و معدومها، و بالجواد الذي عمت نعمته، و شملت رحمته كل بر و فاجر، و مؤمن و كافر، و بالغني التام الغني المتمكن فيما يشاء، و قيل: الواسع الذي لا نهاية لبرهانه و لا غاية لسلطانه و لا حد لإحسانه. الْجَلِيلِ ثَنَاؤُهُ الصَّادِقَةِ أَسْمَاؤُهُ الْمُحِيطِ بِالْغُيُوبِ وَ مَا يَخْطُرُ عَلَى الْقُلُوبِ الَّذِي جَعَلَ الْمَوْتَ بَيْنَ خَلْقِهِ عَدْلًا وَ أَنْعَمَ بِالْحَيَاةِ عَلَيْهِمْ فَضْلًا فَأَحْيَا وَ أَمَاتَ وَ قَدَّرَ الْأَقْوَاتَ أَحْكَمَهَا بِعِلْمِهِ تَقْدِيراً وَ أَتْقَنَهَا بِحِكْمَتِهِ تَدْبِيراً إِنَّهُ كَانَ خَبِيراً بَصِيراً هُوَ الدَّائِمُ بِلَا فَنَاءٍ وَ الْبَاقِي إِلَى غَيْرِ مُنْتَهًى يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْضِ وَ مَا فِي السَّمَاءِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ - أَحْمَدُهُ بِخَالِصِ حَمْدِهِ الْمَخْزُونِ بِمَا حَمِدَهُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَ النَّبِيُّونَ حَمْداً لَا يُحْصَى لَهُ عَدَدٌ وَ لَا يَتَقَدَّمُهُ أَمَدٌ وَ لَا يَأْتِي بِمِثْلِهِ أَحَدٌ أُومِنُ بِهِ وَ أَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَ أَسْتَهْدِيهِ وَ أَسْتَكْفِيهِ وَ أَسْتَقْضِيهِ بِخَيْرٍ وَ أَسْتَرْضِيهِ قوله (عليه السلام): " الجليل ثناؤه" أي ثناؤه و مدحه أجل من أن يحيط به الواصفون. قوله (عليه السلام): " أحكمها بعلمه تقديرا" أي كانت الأقوات مقدرة مجددة في علمه، أو قدر الأقوات قبل خلق الخلائق و أحكمها لعلمه بمصالحهم قبل إيجادهم و قوله (عليه السلام): " تقديرا" تميز. قوله (عليه السلام): " و أتقنها بحكمته تدبيرا" أي أتقن تدبير الأقوات بعد خلق الأشياء المحتاجة إليها على وفق حكمته، أو لعلمه بالحكم و المصالح. قوله (عليه السلام): " إنه كان خبيرا بصيرا" الخبير: العليم ببواطن الأشياء، من الخبرة و هي العلم بالخفايا الباطنة، و البصير: فيه تعالى معناه العالم بالمبصرات. قوله (عليه السلام): " بخالص حمده" أي بحمده الخالص عن النقص و الشوائب الذي هو مخزون عن أكثر الخلق، لا يأتي به إلا المقربون. قوله (عليه السلام): " و لا يتقدمه أحد" أي بالتقدم المعنوي بأن يحمد أفضل منه أو بالتقدم الزماني بأن يكون حمده أحد قبل ذلك. قوله (عليه السلام): " أستقصيه" بالصاد المهملة من قولهم: استقصى في المسألة و تقصى وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدىٰ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* (صلى الله عليه وآله وسلم) أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَكُمْ بِدَارٍ وَ لَا قَرَارٍ إِنَّمَا أَنْتُمْ فِيهَا كَرَكْبٍ عَرَّسُوا فَأَنَاخُوا ثُمَّ اسْتَقَلُّوا فَغَدَوْا وَ رَاحُوا دَخَلُوا خِفَافاً وَ رَاحُوا خِفَافاً لَمْ يَجِدُوا عَنْ مُضِيٍّ نُزُوعاً وَ لَا إِلَى مَا تَرَكُوا رُجُوعاً جُدَّ بِهِمْ فَجَدُّوا وَ رَكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا فَمَا اسْتَعَدُّوا إذا بلغ الغاية أو بالضاد المعجمة كما في بعض النسخ من قولهم: استقضى فلان أي طلب إليه أن يقضيه. قوله (عليه السلام): " بخير" أي بسبب طلب الخير. قوله (عليه السلام): " و لا قرار" أي محل قرار. قوله (عليه السلام): " كركب عرسوا" الركب جمع راكب و التعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل نزلة للنوم و الاستراحة. قوله (عليه السلام): " ثم استقلوا" قال الجوهري: استقل القوم: مضوا و ارتحلوا. قوله (عليه السلام): " دخلوا خفافا" هو جمع خفيف أي دخلوا في الدنيا عند ولادتهم خفاقا، بلا زاد و لا مال، و راحوا عند الموت كذلك، و يحتمل أن يكون كناية عن الإسراع. قوله (عليه السلام): " نزوعا" قال الفيروزآبادي: نزع عن الشيء نزوعا: كف و أقلع حَتَّى إِذَا أُخِذَ بِكَظَمِهِمْ وَ خَلَصُوا إِلَى دَارِ قَوْمٍ جَفَّتْ أَقْلَامُهُمْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَكْثَرِهِمْ خَبَرٌ وَ لَا أَثَرٌ قَلَّ فِي الدُّنْيَا لَبْثُهُمْ وَ عُجِّلَ إِلَى الْآخِرَةِ بَعْثُهُمْ فَأَصْبَحْتُمْ حُلُولًا فِي دِيَارِهِمْ ظَاعِنِينَ عَلَى آثَارِهِمْ وَ الْمَطَايَا بِكُمْ تَسِيرُ سَيْراً مَا فِيهِ أَيْنٌ وَ لَا تَفْتِيرٌ نَهَارُكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ دَءُوبٌ عنه أي لم يقدروا على الكف عن المضي، و الظرفان متعلقان بالنزوع و الرجوع. قوله (عليه السلام): " جد بهم فجدوا" أي حثوهم على الإسراع في السير، فأسرعوا و فيه استعارة تمثيلية شبه سرعة زوال القوي و تسبب أسباب الموت، و كثرة ورود ما يوجب الزوال من الأسباب الخارجة و الداخلة برجال يحثون المراكب و الأجساد بتلك المراكب، و العمر بالمسافة التي يقطعها المسافر، و الأجل بالمنزل الذي يحل فيه. قوله (عليه السلام): " بكظمهم" قال الفيروزآبادي: الكظم محركة: الحلق أو الفم، أو مخرج النفس من الحلق. قوله (عليه السلام): " و خلصوا إلى دار قوم جفت أقلامهم" يقال: خلص فلان إلى فلان، أي وصل إليه، و قوله (عليه السلام): " جفت أقلامهم" أي سكنت قواهم عن الحركات كالكتابة حتى جفت أقلامهم التي كانوا يكتبون بها، أو جفت أقلام الناس عن كتابة آثارهم، لبعد عهدهم، و محو ذكرهم، أو جفت أقلام أهل السماوات عن تقدير أمورهم المتعلقة بحياتهم و الأوسط أظهر. قوله (عليه السلام): " فأصبحتم حلولا" جمع حال. قوله (عليه السلام): " ظاعنين" أي سائرين. قوله (عليه السلام): " ما فيه أين" قال الجوهري: الأين: الإعياء. قوله (عليه السلام): " و لا تفتير" أي ليست تلك الحركة موجبة لفتور تلك المطايا فتسكن وَ لَيْلُكُمْ بِأَرْوَاحِكُمْ ذَهُوبٌ فَأَصْبَحْتُمْ تَحْكُونَ مِنْ حَالِهِمْ حَالًا وَ تَحْتَذُونَ مِنْ مَسْلَكِهِمْ مِثَالًا فَلٰا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا* فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِيهَا سَفْرٌ حُلُولٌ الْمَوْتُ بِكُمْ نُزُولٌ تَنْتَضِلُ فِيكُمْ مَنَايَاهُ وَ تَمْضِي بِأَخْبَارِكُمْ مَطَايَاهُ إِلَى دَارِ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ وَ الْجَزَاءِ وَ عن السير زمانا. قال الفيروزآبادي: فتر يفتر و يفتر فتورا أو فتارا: سكن بعد حدة و لأن بعد شدة و فترة تفتيرا. قوله (عليه السلام): " نهاركم بأنفسكم دؤوب" قال الفيروزآبادي: يقال فلان دؤب في العمل إذا جد و تعب، أي نهاركم يسرع و يجد و يتعب بسبب أنفسكم ليذهبها، و يحتمل أن يكون الباء للتعدية أي نهاركم يتعبكم في أعمالكم و حركاتكم و ذلك سبب لفناء أجسادكم. قوله (عليه السلام): " تحكون من حالهم حالا" أي أحوالكم تحكي و تخبر عن أحوالهم لموافقتها لها. قوله (عليه السلام): " و تحتذون من سلكهم مثالا" يقال: احتذى مثاله أي اقتدى به، و السلك بالفتح مصدر بمعنى السلوك، أي تقتدون بهم في سلوكهم، و في بعض النسخ [مسلكهم]. قوله (عليه السلام): " سفر حلول" هما جمعان أي مسافرون، حللتم بالدنيا. قوله (عليه السلام): " نزول" بفتح النون أي نازل. قوله (عليه السلام): " تنتضل فيكم مناياه" الانتضال. رمي السهام للسبق، و المنايا جمع المنية و هو الموت، و لعل الضمير راجع إلى الدنيا بتأويل الدهر أو بتشبيهها بالرجل الرامي، أي ترمي إليكم المنايا في الدنيا سهامها، فتهلككم، و السهام الأمراض الْحِسَابِ فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً رَاقَبَ رَبَّهُ وَ تَنَكَّبَ ذَنْبَهُ و البلايا الموجبة للموت، و يحتمل أن يكون فاعل تنتضل الضمير الراجع إلى الدنيا، و يكون المرمي المنايا، و الأول أظهر، و يمكن إرجاع ضمير مناياه إلى الموت، بأن يكون المراد بالمنايا البلايا التي هي أسباب الموت، أطلق عليها مجازا تسمية للسبب باسم المسبب و في نهج البلاغة في كلام له (عليه السلام): " إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا". قوله (عليه السلام): " و تمضي بأخباركم مطاياه" و الأخبار الأعمال يمكن توجيهه بوجوه. الأول: أن يكون المراد بالمطايا: الأشخاص التي ماتوا قبلهم، و مضيهم بأخبار هؤلاء، لأنهم إن أحسنوا إليهم أو أساءوا إليهم يذكرون عند محاسبة هؤلاء الموتى و مجازاتهم، إما بالخير أو بالشر. و الثاني: أن يكون المراد بالمطايا: عين تلك الأشخاص، أي أنتم مطايا الدنيا قد حملت عليكم أعمالكم و تسيركم إلى دار الثواب. و الثالث: أن يكون المراد بالمطايا حفظة الأعمال، و نسبتهم إلى الدنيا لكون أعمالهم فيها و حفظهم لإعمال أهلها. الرابع: أن يكون المراد بالمطايا: الأعمار، أي تمضي بكم مطاياه مع أعمالكم، قوله (عليه السلام): " راقب ربه" مراقبة الشيء محافظته و انتظاره و حراسته، أي يكون دائما في ذكره منتظرا لرحمته، محترزا عن عذابه، متذكرا لأنه يطلع عليه دائما. قوله (عليه السلام): " و تنكب ذنبه" أي تجنبه. وَ كَابَرَ هَوَاهُ وَ كَذَّبَ مُنَاهُ امْرَأً زَمَّ نَفْسَهُ مِنَ التَّقْوَى بِزِمَامٍ وَ أَلْجَمَهَا مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهَا بِلِجَامٍ فَقَادَهَا إِلَى الطَّاعَةِ بِزِمَامِهَا وَ قَدَعَهَا عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِلِجَامِهَا رَافِعاً إِلَى الْمَعَادِ طَرْفَهُ مُتَوَقِّعاً فِي كُلِّ أَوَانٍ حَتْفَهُ دَائِمَ الْفِكْرِ طَوِيلَ السَّهَرِ عَزُوفاً عَنِ الدُّنْيَا سَأَماً كَدُوحاً لآِخِرَتِهِ مُتَحَافِظاً قوله (عليه السلام) " و كابر هواه" أي غالبها و خالفها، و في بعض النسخ [كابد] بالدال المهملة، يقال: كابدت الأمر إذا قاسيت شدته، أي يقاسي الشدائد في ترك هواه. قوله (عليه السلام): " و كذب مناه" أي لم يعتمد على ما يمنية نفسه، و الشيطان من طول الأمل و درك الآمال البعيدة و رجاء الأمور الدنيوية الباطلة و منافعها. قوله (عليه السلام): " امرءا" بدل من قوله: امرءا أولا. قوله (عليه السلام): " و قدعها" قال الجوهري: قدعت فرسي أقدعه قدعا: كبحته و كففته. قوله (عليه السلام): " طرفه" أي عينه. قوله (عليه السلام): " حتفه" أي موته. قوله (عليه السلام) " عزوفا عن الدنيا" قال الجزري: عزفت نفسي عنه: زهدت فيه، و انصرفت عنه. قوله (عليه السلام): " ساما" أي عن الدنيا، و هو من تتمة الفقرة السابقة. قوله (عليه السلام): " كدوحا" الكدح: السعي و الاهتمام في العمل. قوله (عليه السلام): " متحافظا" أي عن المحارم. امْرَأً جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ وَ دَوَاءَ أَجْوَائِهِ فَاعْتَبَرَ وَ قَاسَ وَ تَرَكَ الدُّنْيَا وَ النَّاسَ يَتَعَلَّمُ لِلتَّفَقُّهِ وَ السَّدَادِ وَ قَدْ وَقَّرَ قَلْبَهُ ذِكْرُ الْمَعَادِ وَ طَوَى مِهَادَهُ وَ هَجَرَ وِسَادَهُ مُنْتَصِباً عَلَى أَطْرَافِهِ دَاخِلًا فِي أَعْطَافِهِ خَاشِعاً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُرَاوِحُ بَيْنَ الْوَجْهِ وَ الْكَفَّيْنِ خَشُوعٌ فِي السِّرِّ لِرَبِّهِ لَدَمْعُهُ صَبِيبٌ وَ لَقَلْبُهُ وَجِيبٌ شَدِيدَةٌ أَسْبَالُهُ قوله (عليه السلام): " و دواء أجوائه" قال الجوهري: الجوى: الحرقة من شدة الوجد من عشق أو حزن. قوله (عليه السلام): " فاعتبر" أي بمن مضى" و قاس" أحواله بأحوالهم. قوله (عليه السلام): " و قد وقر قلبه ذكر المعاد" أي حمل على قلبه ذكر المعاد فأكثر، من قولهم: أوقر على الدابة، أي حمل عليه حملا ثقيلا، و يحتمل بعيدا أن يكون من الوقار، و يكون ذكر المعاد فاعلا للتوقير أي جعل ذكر المعاد قلبه ذا وقار لا يتبع الشهوات و الأهواء. قوله (عليه السلام): " على أطرافه" أي أقدامه. قوله (عليه السلام): " و طوى مهاده" المهاد: الفراش، و طيه كناية عن مجانبة النوم و كذا هجر الوساد. قوله (عليه السلام): " في أعطافه" جمع عطاف و هو الرداء. قوله (عليه السلام): " يراوح بين الوجه و الكفين" أي يضع جبهته تارة للسجود، و يرفع يديه تارة في الدعاء، ففي إعمال كل منهما راحة للأخرى. قوله (عليه السلام): " لدمعه صبيب" أي هو صاب كثير الصب لدمعه، و يحتمل المصدر فيكون أوفق بما بعده إن ورد بهذا الوزن في هذا الباب. قوله (عليه السلام): " و لقلبه و جيب" أي اضطراب. قوله (عليه السلام): " شديدة أسباله" قال الجوهري: السبل بالتحريك: المطر تَرْتَعِدُ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْصَالُهُ قَدْ عَظُمَتْ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ رَغْبَتُهُ وَ اشْتَدَّتْ مِنْهُ رَهْبَتُهُ رَاضِياً بِالْكَفَافِ مِنْ أَمْرِهِ يُظْهِرُ دُونَ مَا يَكْتُمُ وَ يَكْتَفِي بِأَقَلَّ مِمَّا يَعْلَمُ أُولَئِكَ وَدَائِعُ اللَّهِ فِي بِلَادِهِ الْمَدْفُوعُ بِهِمْ عَنْ عِبَادِهِ لَوْ أَقْسَمَ أَحَدُهُمْ عَلَى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ لَأَبَرَّهُ أَوْ دَعَا عَلَى أَحَدٍ نَصَرَهُ اللَّهُ يَسْمَعُ إِذَا نَاجَاهُ وَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِذَا دَعَاهُ جَعَلَ اللَّهُ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى وَ الْجَنَّةَ لِأَهْلِهَا مَأْوًى دُعَاؤُهُمْ فِيهَا أَحْسَنُ الدُّعَاءِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ دَعَاهُمُ الْمَوْلَى عَلَى مَا و أسبل المطر و الدمع إذا هطل انتهى، فيحتمل فتح الهمزة ليكون جمعا، و كسرها ليكون مصدرا، و تأنيث الخبر يؤيد الأول. قوله (عليه السلام): " أوصاله" أي مفاصله. قوله (عليه السلام): " من أمره" أي أمر معاشه. قوله (عليه السلام): " يظهر دون ما يكتم" أي يظهر للناس من كمالاته و عباداته و نياته أقل مما يكتم، و يحتمل أن يكون المراد ما يطلع عليه من عيوب الناس. قوله (عليه السلام): " و يكتفي بأقل مما يعلم" أي يكتفي من إظهار أعماله و أحواله بأقل مما يعلم، أو يكتفي في النية بأمور المبدأ و المعاد و ما يحثه على العمل بأقل مما يعلم منها، و الغرض أنه يتعظ بكل واعظ، و ينزجر بكل زاجر أو يكتفي من أمور الدنيا بأقل شيء لما يعلم من مفاسدها، و فوت نعيم الآخرة بها. قوله (عليه السلام): " ودائع الله" أي أودعهم الله خلقه ليحفظوهم، و يكرموهم و لا يضيعوهم. قوله (عليه السلام): " لأهلها" أي لأهل التقوى. قوله (عليه السلام): " دعاؤهم فيها أحسن الدعاء" أي إذا أرادوا طلب شيء طلبوه بأحسن طلب بأن يقولوا" سبحانك اللهم". آتَاهُمْ وَ آخِرُ دَعْوٰاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٦ - الصفحة ٤٤. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
237 عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَهْلِ بْنِ زِيَادٍ عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ وَ غَيْرِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قال

الجزري: و منه الحديث" الطيرة شرك و ما منا إلا و لكن الله يذهبه بالتوكل" هكذا جاء في الحديث مقطوعا و لم يذكر المستثنى: أي إلا و قد يعتريه التطير و تسبق إلى قلبه الكراهة، فحذف اختصارا و اعتمادا على فهم السامع، و إنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعا أو يدفع عنهم ضرا إذا عملوا بموجبه، فكأنهم أشركوه مع الله في ذلك، و قوله: " و لكن الله يذهبه بالتوكل" معناه إذا خطر له عارض التطير فتوكل على الله، و سلم إليه، و لم يعمل بذلك الخاطر، غفره الله تعالى له و لم يؤاخذه به. الحديث السابع و الثلاثون و المائتان: ضعيف. قوله تعالى: " أَ لَمْ تَرَ " قال الشيخ الطبرسي (ره): أي أ لم تعلم يا أيها السامع أو لم ينته علمك إلى خبر هؤلاء" الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيٰارِهِمْ " قيل: هم قوم من ثُمَّ أَحْيٰاهُمْ فَقَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ أَهْلُ مَدِينَةٍ مِنْ مَدَائِنِ الشَّامِ وَ كَانُوا سَبْعِينَ أَلْفَ بَيْتٍ بني إسرائيل فروا من طاعون وقع بأرضهم عن الحسن، و قيل: فروا من الجهاد و قد كتب عليهم عن الضحاك و مقاتل، و احتجا بقوله عقيب الآية" وَ قٰاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ ". و قيل: هم قوم حزقيل و هو ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى (عليه السلام)، و ذلك أن القيم بأمر بني إسرائيل بعد موسى (عليه السلام) كان يوشع بن نون ثم كالب بن يوفنا ثم حزقيل و قد كان يقال له ابن العجوز و ذلك أن أمه كانت عجوزا فسألت الله الولد و قد كبرت و عقمت فوهبه الله سبحانه لها. و قال الحسن: هو ذو الكفل، و إنما سمي حزقيل ذو الكفل لأنه كفل سبعين نبيا نجاهم من القتل، و قال لهم: اذهبوا فإني إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا جميعا فلما جاء اليهود و سألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين، فقال: إنهم ذهبوا و لا أدري أين هم و منع الله سبحانه ذا الكفل منهم" وَ هُمْ أُلُوفٌ ". أجمع أهل التفسير على أن المراد بألوف هنا كثرة العدد، إلا ابن زيد فإنه قال: معناه خرجوا مؤتلفي القلوب لم يخرجوا عن تباغض، فجعله جمع آلف مثل قاعد و قعود، و شاهد و شهود، و اختلف من قال: المراد به العدد الكثير، فقيل: كانوا ثلاثة آلاف عن عطاء الخراساني و قيل: ثمانية آلاف عن مقاتل، و الكلبي. و قيل: عشرة آلاف عن ابن روق، و قيل: بضعة و ثلاثين ألفا عن السدي، و قيل: أربعين ألفا عن ابن عباس و ابن جريح، و قيل: سبعين ألفا عن عطاء بن أبي رباح، و قيل: كانوا عدا كثيرا عن الضحاك. و الذي يقضي به الظاهر أنهم كانوا أكثر من عشرة آلاف، لأن بناء فعول للكثرة و هو ما زاد على العشرة و ما نقص عنها يقال فيه عشرة آلاف، و لا يقال فيه عشرة ألوف. " حَذَرَ الْمَوْتِ " أي من خوف الموت" فَقٰالَ لَهُمُ اللّٰهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيٰاهُمْ " قيل وَ كَانَ الطَّاعُونُ يَقَعُ فِيهِمْ فِي كُلِّ أَوَانٍ فَكَانُوا إِذَا أَحَسُّوا بِهِ خَرَجَ مِنَ الْمَدِينَةِ الْأَغْنِيَاءُ لِقُوَّتِهِمْ وَ بَقِيَ فِيهَا الْفُقَرَاءُ لِضَعْفِهِمْ فَكَانَ الْمَوْتُ يَكْثُرُ فِي الَّذِينَ أَقَامُوا وَ يَقِلُّ فِي الَّذِينَ خَرَجُوا فَيَقُولُ الَّذِينَ خَرَجُوا لَوْ كُنَّا أَقَمْنَا لَكَثُرَ فِينَا الْمَوْتُ وَ يَقُولُ الَّذِينَ أَقَامُوا لَوْ كُنَّا خَرَجْنَا لَقَلَّ فِينَا الْمَوْتُ قَالَ فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُمْ جَمِيعاً أَنَّهُ إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ فِيهِمْ وَ أَحَسُّوا بِهِ خَرَجُوا كُلُّهُمْ مِنَ الْمَدِينَةِ فَلَمَّا أَحَسُّوا بِالطَّاعُونِ خَرَجُوا جَمِيعاً وَ تَنَحَّوْا عَنِ الطَّاعُونِ حَذَرَ الْمَوْتِ فَسَارُوا فِي الْبِلَادِ مَا شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ إِنَّهُمْ مَرُّوا بِمَدِينَةٍ خَرِبَةٍ قَدْ جَلَا أَهْلُهَا عَنْهَا وَ أَفْنَاهُمُ الطَّاعُونُ فَنَزَلُوا بِهَا فَلَمَّا حَطُّوا رِحَالَهُمْ وَ اطْمَأَنُّوا بِهَا قَالَ لَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُوتُوا جَمِيعاً فَمَاتُوا مِنْ سَاعَتِهِمْ وَ صَارُوا رَمِيماً يَلُوحُ وَ كَانُوا عَلَى طَرِيقِ الْمَارَّةِ فَكَنَسَتْهُمُ الْمَارَّةُ فَنَحَّوْهُمْ وَ جَمَعُوهُمْ فِي مَوْضِعٍ فَمَرَّ بِهِمْ نَبِيٌّ مِنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ يُقَالُ لَهُ حِزْقِيلُ فَلَمَّا رَأَى تِلْكَ الْعِظَامَ بَكَى وَ اسْتَعْبَرَ وَ قَالَ يَا رَبِّ لَوْ شِئْتَ لَأَحْيَيْتَهُمُ السَّاعَةَ كَمَا أَمَتَّهُمْ فَعَمَرُوا بِلَادَكَ وَ وَلَدُوا عِبَادَكَ وَ عَبَدُوكَ مَعَ مَنْ يَعْبُدُكَ مِنْ خَلْقِكَ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ أَ فَتُحِبُّ ذَلِكَ في معناه قولان: أحدهما: أن معناه أماتهم الله كما يقال: قالت السماء. فهطلت، معناه فهطلت السماء، و قلت برأسي كذا، و قلت بيدي كذا، و معناه أشرت برأسي و بيدي، و ذلك لما كان القول في الأكثر استفتاحا للفعل، كالقول الذي هو التسميت و ما جرى مجراه مما كان يستفتح به الفعل، صار معناه قالت السماء فهطلت أي استفتحت بالهطل، كذلك معناه هيهنا فاستفتح الله بإماتتهم. و الثاني: أن معناه أماتهم بقول سمعته الملائكة لضرب من العبرة" ثُمَّ أَحْيٰاهُمْ " قيل: أحياهم الله بدعاء نبيهم حزقيل عن ابن عباس، و قيل: إنه شمعون نبي من أنبياء بني إسرائيل. قوله (عليه السلام): " يلوح" أي يظهر للناس عظامهم المندرسة من غير جلد و لحم. قَالَ نَعَمْ يَا رَبِّ فَأَحْيِهِمْ قَالَ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْهِ أَنْ قُلْ كَذَا وَ كَذَا فَقَالَ الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ يَقُولَهُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ هُوَ الِاسْمُ الْأَعْظَمُ فَلَمَّا قَالَ حِزْقِيلُ ذَلِكَ الْكَلَامَ نَظَرَ إِلَى الْعِظَامِ يَطِيرُ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ فَعَادُوا أَحْيَاءً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ يُكَبِّرُونَهُ وَ يُهَلِّلُونَهُ فَقَالَ حِزْقِيلُ عِنْدَ ذَلِكَ أَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَالَ عُمَرُ بْنُ يَزِيدَ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٦ - الصفحة ١٠٠. — الإمام الصادق عليه السلام
321 أَبَانٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الطَّائِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ

وَ اللَّهِ لَوْ نَشَرَتْ شَعْرَهَا مَاتُوا طُرّاً الحديث العشرون و الثلاثمائة: ضعيف. قولها (عليها السلام): " أن توتم ابني" المشهور في كتب اللغة أن الأيتام تنسب إلى المرأة، يقال أيتمت المرأة أي صار أولادها يتامى، و اليتيم جعله يتيما قولها (عليها السلام) " و ترملني" الأرملة: المرأة التي لا زوج لها، قولها سلام الله عليها " أن تكون سيئة" أي مكافأة السيئة بالسيئة، و ليست من دأب الكرام، فيكون إطلاق السيئة عليها مجازا أو المراد مطلق الإضرار و يحتمل أن يكون المراد المعصية أي فنهيت عن ذلك، و لا يجوز لي فعله. قوله: " ما تريد إلى هذا" لعل فيه تضمين معنى القصد أي قال مخاطبا لأبي بكر أو عمر ما تريد بقصدك إلى هذا الفعل، أ تريد أن تنزل عذاب الله على هذه الأمة. الحديث الحادي و العشرون و الثلاثمائة: ضعيف. قوله (عليه السلام): " ماتوا طرا" أي جميعا و هو منصوب على المصدر أو على الحال، أقول: هذه القصة من المشهورات روته الخاصة و العامة مبسوطة و إن أنكر بعض أجزائها بعض متعصبي أهل الخلاف لتقليل الفضيحة، و لن يصلح العطار ما أفسد.......... الدهر، و ليس هذا مقام ذكر تفاصيل تلك الواقعة الشنيعة، و القصة الغريبة، و لعل الله يوفقنا أن نذكرها مفصلا في شرح كتاب الحجة و لنذكر بعض ما يناسب المقام هيهنا. فأما ما رواه الخاصة فمنها ما رواه سليم بن قيس الهلالي فيما عندنا من كتابه و رواه الطبرسي أيضا في كتاب الاحتجاج عنه، عن سلمان في خبر طويل أخذنا منه موضع الحاجة، أنه قال: لما بايع القوم أبا بكر و كان الليل حمل علي (عليه السلام) فاطمة (عليها السلام) على حمار و أخذ بيد ابنيه حسن و حسين فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين و لا من الأنصار إلا أتاه في منزله، و ذكره حقه و دعاه إلى نصرته فما استجاب له من جميعهم إلا أربعة و عشرون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم قد بايعوه على الموت، فأصبح و لم يوافه منهم أحد غير أربعة، فقلت لسلمان و من الأربعة؟ قال: أنا و أبو ذر و المقداد و الزبير بن العوام ثم أتاهم من الليل فناشدهم فقالوا: نصبحك بكرة فما منهم أحد و في غيرنا، ثم الليلة الثالثة فما و في غيرنا. فلما رأى علي (عليه السلام) غدرهم و قلة وفائهم لزم بيته، و أقبل على القرآن يؤلفه و يجمعه، فلم يخرج حتى جمعه كله، فكتبه على تنزيله و الناسخ و المنسوخ فبعث إليهم أبو بكر أن أخرج فبايع، فبعث إليه أني مشغول فقد آليت بيمين أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أؤلف القرآن و أجمعه فجمعه في ثوب و ختمه، ثم خرج إلى الناس و هم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله فنادى علي (عليه السلام) بأعلى صوته أيها الناس إني لم أزل منذ قبض النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) مشغول بغسله.......... ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب، فلم ينزل الله على نبيه آية من القرآن إلا و قد جمعتها، و ليست منه آية إلا و قد أقرأنيها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أعلمني تأويلها ثم دخل بيته. فقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى علي (عليه السلام) فليبايع فإنا لسنا في شيء حتى يبايع، و لو قد بايع آمنا فأرسل أبو بكر رسولا أن أجب خليفة رسول الله فأتاه الرسول فأخبره بذلك فقال علي (عليه السلام) ما أسرع ما كذبتم على رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، إنه ليعلم و يعلم الذين حوله، أن الله و رسوله لم يستخلفا غيري، فذهب الرسول فأخبره بما قاله، فقال: اذهب فقل أجب أمير المؤمنين أبا بكر فأتاه فأخبره بذلك، فقال علي (عليه السلام): سبحان الله ما طال العهد فينسى و أنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، و لقد أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين، فاستفهمه هو و صاحبه عمر من بين السبعة، فقالا أ من الله أو من رسوله؟ فقال لهما رسول الله نعم حقا من الله و من رسوله أنه أمير المؤمنين، و سيد المسلمين، و صاحب لواء الغر المحجلين يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة، و أعداءه النار، فانطلق الرسول إلى أبي بكر و أخبره بما قال فكفوا عنه يومئذ. فلما كان الليل حمل فاطمة سلام الله عليها على حمار ثم دعاهم إلى نصرته فما استجاب له رجل غيرنا أربعة فإنا حلقنا رؤوسنا و بذلنا له نصرتنا، و كان علي (عليه السلام) لما رأى خذلان الناس له و تركهم نصرته و اجتماع كلمة الناس مع أبي بكر و طاعتهم له، و تعظيمهم له، جلس في بيته. و قال عمر لأبي بكر: ما منعك أن تبعث إليه فيبايع فإنه لم يبق أحد إلا و قد بايع غيره و غير هؤلاء الأربعة معه، و كان أبو بكر أرأف الرجلين و أرفقهما و أدهاهما.......... و أبعدهما غورا، و الآخر أفظهما و أغلظهما و أجفاهما، فقال: من ترسل إليه؟ قال: أرسل إليه قنفذا و كان رجلا فظا غليظا جافيا من الطلقاء أحد بني تميم [تيم] فأرسله و أرسل معه أعوانا فانطلق فاستأذن فأبى علي (عليه السلام) أن يأذن له فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر و عمر و هما في المسجد، و الناس حولهما، فقالوا: لم يأذن لنا، فقال عمر: إن هو أذن لكم و إلا فادخلوا عليه بغير إذنه، فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة (عليها السلام) أحرج عليكم أن تدخلوا بيتي بغير إذن، فرجعوا و ثبت قنفذ، فقالوا إن فاطمة قالت كذا كذا فحرجتنا أن ندخل عليها بغير إذن، فغضب عمر فقال: ما لنا و للنساء، ثم أمر أناسا حوله فحملوا حطبا، و حمل معهم عمر فجعلوه حول منزله، و فيه علي و فاطمة و ابناهما (عليهم السلام)، ثم نادى عمر حتى أسمع عليا (عليه السلام) و الله لتخرجن و لتبايعن خليفة رسول الله أو لأضرمن عليك بيتك نارا، ثم رجع فقعد إلى أبي- بكر و هو يخاف أن يخرج إليه علي (عليه السلام) بسيفه لما يعرف من بأسه و شدته ثم قال لقنفذ إن خرج و إلا فاقتحم عليه، فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم نارا، فانطلق قنفذ فاقتحم هو و أصحابه بغير إذن، و ثار علي إلى سيفه فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا فضبطوه، و ألقوا في عنقه حبلا، و حالت فاطمة (عليها السلام) بين زوجها و بينهم عند باب البيت، فضربها قنفذ بالسوط على عضدها، و إن بعضدها مثل الدملوج من ضرب قنفذ إياها، فأرسل أبو بكر إلى قنفذ اضربها فألجأها إلى عضادة باب بيتها فدفعتها فكسر ضلعا من جنبها، و ألقت جنينا من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة (صلوات الله عليها). ثم انطلقوا بعلي (عليه السلام) يعتل حتى انتهوا به إلى أبي بكر و عمر قائم بالسيف على رأسه، و خالد بن الوليد و أبو عبيدة بن الجراح، و سالم، و المغيرة بن شعبة، و أسيد بن حصين، و بشير بن سعد، و سائر الناس قعود حول أبي بكر و هو (عليه السلام) يقول.......... أما و الله لو وقع سيفي بيدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلى هذا مني و بالله ما ألوم نفسي في جهد و لو كنت في أربعين رجلا لفرقت جماعتكم فلعن الله قوما بايعوني ثم خذلوني، فانتهره عمر، فقال: بايع، فقال: فإن لم أفعل قال إذا نقتلك ذلا و صغارا، فقال: إذا تقتلون عبد الله و أخا رسول الله، فقال أبو بكر: أما عبد الله فنعم، و أما أخا رسول الله فلا نقر لك بها، قال: أ تجحدون أن رسول الله آخى بين نفسه و بيني، فأعادوا عليه بذلك ثلاث مرات، ثم أقبل علي (عليه السلام) فقال: يا معاشر المهاجرين و الأنصار أنشدكم بالله أ سمعتم رسول الله يقول يوم غدير خم كذا و كذا، و في غزوة تبوك كذا و كذا فلم يدع شيئا قال فيه (عليه السلام) علانية للعامة إلا ذكر، فقالوا اللهم نعم. فلما أن خاف أبو بكر أن ينصروه و يمنعوه بادرهم، فقال: كلما قلت قد سمعناه بآذاننا و دعته قلوبنا، و لكن سمعت رسول الله يقول: بعد هذا إنا أهل بيت اصطفانا الله و أكرمنا و اختار لنا الآخرة على الدنيا و إن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة و الخلافة. فقال علي (عليه السلام): أما أحد من أصحاب رسول الله شهد هذا معك؟ قال عمر: صدق خليفة رسول الله و قد سمعنا هذا منه كما قال و قال أبو عبيدة و سالم مولى أبي حذيفة و معاذ بن جبل صدق قد سمعنا ذلك من رسول الله، فقال لهم: لتسد ما وقيتم بصحيفتكم الملعونة، التي تعاقدتم عليها في الكعبة، إن قتل الله محمدا و أماته أن تزووا هذا الأمر منا أهل البيت، فقال أبو بكر: و ما علمك بذلك، ما أطلعناك عليها، فقال علي (عليه السلام): يا زبير و يا سلمان و أنت يا مقداد أذكركم الله و بالإسلام أ سمعتم رسول الله يقول ذلك لي إن فلانا و فلانا حتى عد هؤلاء الخمس قد كتبوا بينهم كتابا و تعاهدوا و تعاقدوا على ما صنعوا؟ قالوا: اللهم نعم قد سمعنا، يقول ذلك لك، فقلت بأبي أنت يا رسول الله فما تأمرني أفعل إذا كان ذلك فقال لك إن وجدت.......... عليهم أعوانا فجاهدهم، و نابذهم، و إن لم تجد أعوانا فبايعهم و احقن دمك. فقال علي (عليه السلام): أما و الله لو أن أولئك الأربعين رجلا الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتك و الله، أما و الله لا ينالها أحد من عقبكم إلى يوم القيامة ثم نادى قبل أن يبايع" يا بن أم إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كٰادُوا يَقْتُلُونَنِي " ثم تناول يد أبي بكر فبايعه كرها، فقال للزبير بايع فأبى فوثب إليه عمر، و خالد بن الوليد و ابن شعبة في أناس فانتزعوا سيفه فضربوا به الأرض حتى كسر فقال الزبير و عمر على صدره يا بن صهاك أما و الله لو أن سيفي في يدي لحدث عني، ثم بايع قال سلمان: ثم أخذوني فوجؤوا عنقي حتى تركوها مثل السلعة، ثم فتلوا يدي فبايعت مكرها ثم بايع أبو ذر و المقداد مكرهين و ما من الأمة أحد بايع مكرها غير علي و أربعتنا و لم يكن أحد منا أشد قولا من الزبير، أقول: ثم ذكر احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) و هؤلاء الأربعة عليهم. و روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: " لما استخرج أمير المؤمنين من منزله خرجت فاطمة (عليها السلام) فما بقيت امرأة هاشمية إلا خرجت معها حق انتهت قريبا من القبر فقالت خلوا عن ابن عمي فو الذي بعث محمدا بالحق إن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري و لأضعن قميص رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على رأسي، و لأصرخن إلى الله تبارك و تعالى فما ناقة صالح بأكرم على الله مني و لا الفصيل بأكرم على الله من ولدي، قال سلمان: كنت قريبا منها فرأيت و الله أساس حيطان مسجد رسول الله تقلعت من أسفلها، حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها نفذ فدنوت منها و قلت يا سيدتي و مولاتي إن الله تعالى بعث أباك رحمة، فلا تكوني نقمة فرجعت و رجعت الحيطان إلى.......... الأرض حتى سطعت الغبرة من أسفلها قد خلت في خياشيمنا انتهى. و قد روى أصحابنا في ذلك أخبارا كثيرة ليس هذا مقام ذكرها. و أما روايات العامة فقد روى البلاذري في تاريخه أكثر ما نقلناه من طرقنا مبسوطا، و قد اعترف ابن أبي الحديد مجملا أن جماعة من أصحاب الحديث رووا أمثال ذلك، و روى ابن أبي الحديد عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري بإسناد ذكره عن سلمة بن عبد الرحمن، قال لما جلس أبو بكر على المنبر كان علي (عليه السلام) و الزبير و أناس من بني هاشم في بيت فاطمة فجاء عمر إليهم، فقال و الذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم فخرج إليه الزبير مصلتا سيفه فاعتنقه رجل من الأنصار و زياد بن لبيد فدق به السيف من يده فصاح به أبو بكر و هو على المنبر أضرب به على الحجر، قال أبو عمرو بن حماس فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، و يقال هذه ضربة سيف الزبير ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر و قد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة (عليها السلام)، و المقداد بن الأسود أيضا، و إنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليا (عليه السلام) فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، و خرجت فاطمة سلام الله عليها تبكي و تصيح إلى ما ذكره. و روى أيضا عن أحمد بن إسحاق عن أحمد بن سيار، عن سعيد بن كثير الأنصاري- في أثناء ذكر خبر السقيفة بطوله- و ذهب عمر و معه عصابة إلى بيت فاطمة منهم أسيد بن حضير و سلمة بن أسلم، فقال لهم: انطلقوا فبايعوا فأبوا عليه، و خرج.......... إليه الزبير بسيفه، فقال عمر عليكم الكلب فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده، فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به و بعلي و معهما بنو هاشم، و علي يقول: أنا عبد الله و أخو رسوله حتى انتهوا به إلى أبي بكر، فقيل له: بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار و احتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فأعطوكم و سلموا إليكم الإمارة، و أنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم و أعرفوا للناس الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، و إلا فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون. فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: أحلب يا عمر حلبا لك شطره أشدت له اليوم أمره ليرد عليك غدا لا و الله لا أقبل قولك و لا أبايعه. فقال له أبو بكر: فإن لم تبايعني فلم أكرهك. فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن إنك حديث السن و هؤلاء مشيخة قريش قومك ليس لك تجربتهم و معرفتهم بالأمور و لا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك، و أشد احتمالا له و اضطلاعا به فسلم له هذا الأمر و أرض به فإنك إن تعش و يطل عمرك فأنت لهذا الأمر خليق، و به حقيق في فضلك و قرابتك و سابقتك و جهادك. فقال علي: يا معشر المهاجرين الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن داره و بيته إلى بيوتكم و دوركم و لا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس و حقه، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، أما كان منا القاري لكتاب الله، الفقيه في دين الله العالم بالسنة المصطلع بأمر الرعية، و الله إنه لفينا فلا.......... تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشر بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار قبل بيعتهم لأبي- بكر ما اختلف عليك اثنان، و لكنهم قد بايعوا و انصرف علي إلى منزله و لم يبايع و لزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع. و روي أيضا عن أحمد بن عبد العزيز قال أخبرني أبو بكر الباهلي، عن إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: قال أبو بكر: يا عمر أين خالد بن الوليد؟ قال: هو هذا فقال: انطلقا إليهما يعني عليا و الزبير فأتياني بهما، فدخل عمر و وقف خالد على الباب، من خارج فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ قال: أعددته لأبايع عليا قال: و كان في البيت ناس كثير منهم المقداد بن الأسود و جمهور الهاشميين فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه فأخرجه، و قال: يا خالد دونك هذا، فأمسكه خالد و كان خارج الباب مع خالد جمع كثير من الناس بعثهم أبو بكر ردأ لهما، ثم دخل عمر، فقال لعلي: قم فبايع فتلكأ و احتبس فأخذه بيده فقال قم، فأبى أن يقوم فحمله و دفعه كما دفع الزبير ثم أمسكهما خالد و ساقهما عمر و من معه سوقا عنيفا و اجتمع الناس ينظرون و امتلأت شوارع المدينة بالرجال، و رأت فاطمة ما صنع عمر فصرخت و ولولت، و اجتمع معها نساء كثير من الهاشميات و غيرهن فخرجت إلى باب حجرتها و نادت يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، و الله لا أكلمه حتى ألقى الله قال: فلما بايع علي و الزبير و هدأت تلك الفورة أمسى إليها أبو بكر بعد ذلك فشفع لعمر و طلبه إليها فرضيت عنه،.......... ثم قال ابن أبي الحديد- بعد ذكر بعض الأخبار في ذلك-: و الصحيح عندي أنها ماتت و هي واجدة على أبي بكر و عمر و أنها أوصت أن لا يصليا عليها، و ذلك عند أصحابنا من الأمور المغفورة لهما، و كان الأولى بهما إكرامها و احترام منزلها ثم روي بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال له أما و الله إن صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) إلا أنا خفناه على اثنين، على حداثة سنة و حبه بني عبد المطلب و قد أورد ابن قتيبة أكثر هذه الواقعة الشنيعة و ذكر أنه هدد أبو بكر عليا بالقتل إن لم يبايع، فأتى قبر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) باكيا و قال: (يا بن أم إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كٰادُوا يَقْتُلُونَنِي). أقول: نكتفي في هذا المقام بما أوردنا من أخبار الفريقين، و إن كان قليلا من كثير فلينظر امرؤ فيها و لينصف من نفسه هل يظهر له بغض هؤلاء لأهل البيت (عليهم السلام) و معاندتهم لهم مع أنهم رووا في أخبار كثيرة أن حبهم إيمان، و بغضهم كفر و نفاق و هل يتبين له منها مفارقة القوم عليا و مفارقته إياهم، و قد رووا بأسانيد جمة أن عليا مع الحق و الحق مع علي حيث ما دار و هل يخفى على ذي حجى أن مثل هذه الإهانات و أقل منها إيذاء له (عليه السلام). و قد روى أحمد بن حنبل و غيره أنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: " من آذى عليا فقد آذاني". و هل يخفى عليك بعد التفكر فيما نقلنا أن هذه البيعة من عظماء الصحابة كانت بعد زمان طويل جبرا و قهرا، فهل يجوز عاقل أن يكون مثل هذه البيعة.......... سببا لحصول رئاسة الدنيا و الدين، و إمامة كافة المسلمين، و قد اعترف جلهم بل كلهم بأن فاطمة (عليها السلام) استشهدت ساخطة عليهما، و قد رووا جميعا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال لفاطمة: " يا فاطمة إن الله يغضب لغضبك، و يرضى لرضاك" و أنه قال: " فاطمة بضعة مني من آذاها فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى الله" و قد قال الله تعالى: " إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللّٰهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللّٰهُ فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذٰاباً مُهِيناً " و من فوض مصالح المسلمين إلى هؤلاء المنافقين الكافرين الجاهلين حتى لزمهم مثل هذه الشنائع و القبائح لرعاية مصالح المسلمين و أية مصلحة للمسلمين كانت تعارض مثل هذه المفاسد العظيمة، حتى يرعوها، و أية مفسدة كانت أشد من الدخول في حرم أهل البيت بغير إذنهم، و كشف سترهم و زجرهم و دفعهم و إبكائهم و إلجاء سيدة النساء إلى الخروج و التظلم في مجامع الكفرة، و تسليط أهل الكفر على أهل بيت الرسالة أعواما كثيرة حتى انتهى الأمر إلى أن قتلوهم و شردوهم هل كان هذا مقتضى وصية الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهم في المواطن على ما أثبته جميع المخالفين في كتبهم؟ أم كان لائقا بحرمة النبي الذي أعزهم و آواهم و نصرهم و أغناهم، و من شفا جرف النار أنقذهم فلبئس ما عزوا أهل بيته في مصيبته، و لساء ما جبروا وهنهم في رزيئته. و هذا الكلام يقتضي مقاما أوسع من ذلك المقام، و ما ذكرناه كاف لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد، اللهم العن هؤلاء الظالمين الغاصبين لعنا وبيلا و عذبهم عذابا أليما لا تعذب به أحدا من العالمين، و العن أشياعهم و أتباعهم من الأولين و الآخرين إلى يوم الدين.

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٦ - الصفحة ١٨٣. — الإمام الباقر عليه السلام
419 عَنْهُ عَنْ أَبَانٍ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ

كَانَ إِبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ يُقَلِّلُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيُنِ الْكُفَّارِ وَ يُكَثِّرُ الْكُفَّارَ فِي أَعْيُنِ الْمُسْلِمِينَ فَشَدَّ عَلَيْهِ قوله (عليه السلام): " إن امرء عمه عينه في القوم" و المراد بالعم أما أبو لهب أو نفسه و الأول أظهر إذ الظاهر أن الغرض حمله على الحمية، و المراد بالعين السيد أو الرقيب و الحافظ، و الحاصل أن من كان عمه مثلك سيد القوم و زعيمهم لا ينبغي أن يكون ذليلا بينهم. قوله: " على ابن أخي" أي على إيذائه و أنتم تفرطون في ذلك، و تريدون قتله أو على محافظته و ترك إيذائه و الأول أظهر. الحديث التاسع عشر و الأربعمائة: موثق، و ضمير عنه راجع إلى ابن أبي عمير. قوله (عليه السلام): " يقلل المؤمنين" إما بأن كان يحول بين بعضهم، أو كان يقول لهم: إن هؤلاء شرذمة قليلون، و أما تكثير الكفار فالظاهر أنه بما أدخل بينهم من جنوده و عساكره، و يحتمل أن يكون بإلقاء الوساوس في قلوب المؤمنين أيضا. قال الشيخ الطبرسي: اختلف في ظهور الشيطان يوم بدر كيف كان، فقيل: إن قريشا لما أجمعت المسير ذكرت الذي بينها و بين بني بكر بن عبد مناف بن كنانة جَبْرَئِيلُ عليه السلام بِالسَّيْفِ فَهَرَبَ مِنْهُ وَ هُوَ يَقُولُ يَا جَبْرَئِيلُ إِنِّي مُؤَجَّلٌ إِنِّي مُؤَجَّلٌ حَتَّى وَقَعَ فِي الْبَحْرِ قَالَ زُرَارَةُ فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام لِأَيِّ شَيْءٍ كَانَ يَخَافُ وَ هُوَ مُؤَجَّلٌ من الحرب، و كاد ذلك أن يثنيهم، فجاء إبليس في جند من الشيطان، فتبدي لهم في صورة سراقة بن مالك بن جشعم الكناني ثم المدلجي و كان من أشراف كنانة، فقال لهم: لا غالب لكم اليوم من الناس، و إني جار لكم أي مجير لكم من كنانة، فلما رأى إبليس الملائكة نزلوا من السماء، و علم أنه لا طاقة له بهم نكص على عقبيه. عن ابن عباس و السدي و الكلبي و غيرهم، و قيل: إنهم لما التقوا كان إبليس في صف المشركين آخذا بيد الحارث بن هشام فنكص على عقبيه، فقال له الحارث يا سراق إلى أين أ تخذلنا على هذه الحالة؟ فقال له، إني أرى ما لا ترون، فقال: و الله ما نرى إلا جعاسيس يثرب، فدفع في صدر الحارث، و انطلق و انهزم الناس فلما قدموا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة، فقال: و الله ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم فقالوا: إنك أتيتنا يوم كذا فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان عن الكلبي و روي ذلك عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام). و قيل: إن إبليس لا يجوز أن يقدر على خلع صورته و لبس صورة سراقة، و لكن الله تعالى جعل إبليس في صورة سراقة علما لصدق النبي، و إنما فعل ذلك لأنه علم أنه لو لم يدع المشركين إنسان إلى قتال المسلمين، فإنهم لا يخرجون من ديارهم حتى يقاتلهم المسلمون لخوفهم من بني كنانة، فصوره بصورة سراقة حتى تم المراد في إعزاز الدين عن الجبائي و جماعة، و قيل: إن إبليس لم يتصور في صورة إنسان، و إنما قال ذلك لهم على وجه الوسوسة عن الحسن، و اختاره البلخي و الأول هو المشهور في التفاسير. و رأيت في كلام الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان (رضي الله عنه) أنه يجوز أن يقدر الله تعالى الجن و من جرى مجراهم على أن يجمعوا و يعتمدوا ببعض جواهرهم على بعض، حتى يتمكن الناس من رؤيتهم، و يتشبهوا بغيرهم من أنواع الحيوان قَالَ يَقْطَعُ بَعْضَ أَطْرَافِهِ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٦ - الصفحة ٢٩٠. — الإمام الباقر عليه السلام
586 أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام رَوَاهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ وَ ذَكَرَ أَنَّهُ خَطَبَ بِذِي قَارٍ] فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ عِبَادِهِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَ مِنْ عُهُودِ عِبَادِهِ إِلَى عُهُودِهِ وَ مِنْ طَاعَةِ عِبَادِهِ إِلَى طَاعَتِهِ وَ مِنْ وَلَايَةِ عِبَادِهِ إِلَى وَلَايَتِهِ بَشِيراً وَ نَذِيراً* وَ دٰاعِياً إِلَى اللّٰهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرٰاجاً مُنِيراً عَوْداً خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) الحديث السادس و الثمانون و الخمسمائة: مجهول. قوله: " بذي قار" موضع بين الكوفة و واسط. قوله (عليه السلام): " من عبادة عباده" كعيسى و عزير و الملائكة أو الأصنام أيضا تغليبا أو إطاعة الشياطين، و الطواغيت كما قال تعالى

" أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ " و قد أورد في النهج بعض تلك الخطبة مختصرا و فيه" من عبادة الأوثان إلى عبادته و من طاعة الشيطان إلى طاعته". قوله (عليه السلام): " و من عهود عباده" كالأمراء و السلاطين و الشياطين و المضلين أيضا. قوله (عليه السلام): " و من ولاية عباده" أي محبتهم أو نصرتهم أو طاعتهم. قوله (عليه السلام): " عودا و بدءا" منصوبان بالظرفية أو بالحالية أو بالتميز، و على وَ بَدْءاً وَ عُذْراً وَ نُذْراً- بِحُكْمٍ قَدْ فَصَّلَهُ وَ تَفْصِيلٍ قَدْ أَحْكَمَهُ وَ فُرْقَانٍ قَدْ فَرَقَهُ وَ قُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ وَ لِيُقِرُّوا بِهِ إِذْ جَحَدُوهُ وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ فَأَرَاهُمْ حِلْمَهُ كَيْفَ حَلُمَ وَ أَرَاهُمْ عَفْوَهُ كَيْفَ عَفَا وَ أَرَاهُمْ قُدْرَتَهُ كَيْفَ قَدَرَ وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَ كَيْفَ خَلَقَ مَا خَلَقَ مِنَ الْآيَاتِ وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ مِنَ الْعُصَاةِ بِالْمَثُلَاتِ وَ احْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ التقادير يحتمل تعلقهما ب قوله (عليه السلام): " سِرٰاجاً مُنِيراً " و بقوله (عليه السلام): " دٰاعِياً " أي كان سراجا منيرا أو داعيا أولا و آخرا و قيل: الهجرة عن مكة و بعد الرجوع إليها، أو في جميع الأحوال، أو باديا و عاديا. قوله (عليه السلام): " عُذْراً أَوْ نُذْراً " كل منهما مفعول له لقوله- بعث- أي عذرا للمحقين و نذرا للمبطلين، أو حال أي عاذرا و منذرا. قوله (عليه السلام): " بحكم" المراد به الجنس، أي بعثه مع أحكام مفصلة مبنية و تفصيل في الأحكام قد أحكمه و أتقنه. قوله (عليه السلام): " و فرقان" هو بالضم القرآن، و كل ما فرق بين الحق و الباطل و المراد بتفريقه إنزاله متفرقا أو تعلقه بالأحكام المتفرقة. قوله (عليه السلام): " فتجلى سبحانه" قال ابن ميثم: أشار بتجليه سبحانه في كتابه إلى ظهوره لهم في تذكيرهم فيه ما أراهم من عجائب مصنوعاته، و بما خوفهم به من وعيده، و بتذكيرهم أنه كيف محق من القرون الماضية بالعقوبات، و احتصد من احتصد منهم بالنقمات، كل ذلك الظهور و الجلاء من غير رؤية له تعالى عن إدراك الحواس. و قال بعض الفضلاء: يحتمل أن يريد بتجليه في كتابه ظهوره في عجائب مصنوعاته و مكوناته، و يكون لفظ الكتاب استعارة في العالم انتهى. قوله (عليه السلام): " بالمثلات" بفتح الميم و ضم الثاء أي العقوبات. قوله (عليه السلام): " و احتصد" الاحتصاد قطع الزرع و النبات بالمنجد أي أهلكهم. وَ كَيْفَ رَزَقَ وَ هَدَى وَ أَعْطَى وَ أَرَاهُمْ حُكْمَهُ كَيْفَ حَكَمَ وَ صَبَرَ حَتَّى يَسْمَعَ مَا يَسْمَعُ وَ يَرَى فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم بِذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ وَ لَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ وَ لَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ وَ لَا سِلْعَةٌ أَنْفَقَ بَيْعاً وَ لَا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ لَيْسَ فِي الْعِبَادِ وَ لَا فِي الْبِلَادِ شَيْءٌ هُوَ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَ لَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ وَ لَيْسَ فِيهَا فَاحِشَةٌ أَنْكَرَ وَ لَا عُقُوبَةٌ أَنْكَى مِنَ الْهُدَى عِنْدَ الضَّلَالِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ حَتَّى تَمَالَتْ بِهِمُ الْأَهْوَاءُ وَ تَوَارَثُوا ذَلِكَ مِنَ الْآبَاءِ وَ عَمِلُوا بِتَحْرِيفِ الْكِتَابِ كَذِباً قوله (عليه السلام): " حكمه كيف حكم" و في النسخة القديمة [حلمه كيف حلم] و في الأول حكمه كيف حكم و هو أظهر. قوله (عليه السلام): " من بعدي زمان" أي زمن بني أمية و بني العباس لعنهم الله. قوله (عليه السلام): " أبور" البوار الكساد. قوله (عليه السلام): " أنكى" قال الجزري: يقال نكيت في العدو، أنكى نكاية إذا كثرت فيهم الجراح و القتل فوهنوا لذلك. قوله: " و تناساه" قال الجوهري تناساه آوى من نفسه أنه نسيه. قوله (عليه السلام): " حتى تمالت بهم الأهواء" كذا في أكثر النسخ فيحتمل أن يكون بتشديد اللام تفاعلا من الملال، أي بالغوا في متابعة الأهواء حتى كأنها ملت بهم أو بتخفيف اللام من قولهم تمالؤوا عليه أي تعاونوا أو اجتمعوا فخفف الهمزة و يكون الباء بمعنى على، و الأظهر ما في النسخة المصححة القديمة و هو [تمايلت] أي أمالتهم الأهواء و الشهوات عن الحق إلى الباطل، و في بعض النسخ [غالت] بالغين المعجمة من قولهم غاله أي أهلكه. وَ تَكْذِيباً فَبَاعُوهُ بِالْبَخْسِ وَ كٰانُوا فِيهِ مِنَ الزّٰاهِدِينَ - فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لَا يَأْوِيهِمَا مُؤْوٍ فَحَبَّذَا ذَانِكَ الصَّاحِبَانِ وَاهاً لَهُمَا وَ لِمَا يَعْمَلَانِ لَهُ- فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَ لَيْسُوا فِيهِمْ وَ مَعَهُمْ وَ لَيْسُوا مَعَهُمْ وَ ذَلِكَ لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى وَ إِنِ اجْتَمَعَا وَ قَدِ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ وَ افْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ قَدْ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ وَ أَمْرَ دِينِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَكْرِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الرِّشَا وَ الْقَتْلِ كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَ لَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْحَقِّ إِلَّا اسْمُهُ وَ لَمْ يَعْرِفُوا مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ يَدْخُلُ الدَّاخِلُ لِمَا يَسْمَعُ مِنْ حِكَمِ الْقُرْآنِ فَلَا يَطْمَئِنُّ جَالِساً حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدِّينِ قوله (عليه السلام): " و أهل الكتاب" أي الأئمة (عليهم السلام). قوله (عليه السلام): " لا يؤويهما مؤو" كناية عن عدم الرجوع إليهما و الأخذ بما يأمران به. قوله (عليه السلام): " واها لهما" قال الجزري: فيه" من ابتلي فصبر فواها واها" قيل: معنى هذه الكلمة التلهف، و قد توضع موضع الإعجاب بالشيء يقال: واها له. قوله (عليه السلام): " و لما يعمدان" أي يقصدان، و في بعض النسخ [يعملان]. قوله (عليه السلام): " عن الجماعة" أهل الحق و هم أهل البيت (عليهم السلام) كما وردت به الأخبار الكثيرة، و قد أوردناها في البحار. قوله (عليه السلام): " و زبره" بسكون الباء أي كتابته. قوله (عليه السلام): " يدخل الداخل" أي في الدين، و خروجه لما يرى من عدم عمل أهله به، و بدعهم و جورهم. يَنْتَقِلُ مِنْ دِينِ مَلِكٍ إِلَى دِينِ مَلِكٍ وَ مِنْ وَلَايَةِ مَلِكٍ إِلَى وَلَايَةِ مَلِكٍ وَ مِنْ طَاعَةِ مَلِكٍ إِلَى طَاعَةِ مَلِكٍ وَ مِنْ عُهُودِ مَلِكٍ إِلَى عُهُودِ مَلِكٍ فَاسْتَدْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ لٰا يَعْلَمُونَ* وَ إِنَّ كَيْدَهُ مَتِينٌ بِالْأَمَلِ وَ الرَّجَاءِ حَتَّى تَوَالَدُوا فِي الْمَعْصِيَةِ وَ دَانُوا بِالْجَوْرِ وَ الْكِتَابُ لَمْ يَضْرِبْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ صَفْحاً ضُلَّالًا تَائِهِينَ قَدْ دَانُوا بِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَدَانُوا لِغَيْرِ اللَّهِ مَسَاجِدُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَامِرَةٌ مِنَ الضَّلَالَةِ خَرِبَةٌ مِنَ الْهُدَى قَدْ بُدِّلَ فِيهَا مِنَ الْهُدَى فَقُرَّاؤُهَا وَ عُمَّارُهَا أَخَائِبُ خَلْقِ اللَّهِ وَ خَلِيقَتِهِ مِنْ عِنْدِهِمْ جَرَتِ الضَّلَالَةُ وَ إِلَيْهِمْ تَعُودُ فَحُضُورُ مَسَاجِدِهِمْ وَ الْمَشْيُ إِلَيْهَا كُفْرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ إِلَّا مَنْ مَشَى إِلَيْهَا وَ هُوَ عَارِفٌ بِضَلَالِهِمْ فَصَارَتْ مَسَاجِدُهُمْ مِنْ فِعَالِهِمْ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ خَرِبَةً مِنَ الْهُدَى قوله (عليه السلام): " بالأمل و الرجاء" متعلق بقوله فاستدرجهم، أي استدرجهم بأن أعطاهم ما يأملون و يرجون، إذ وكلهم إلى أملهم و رجائهم، و لم يعذبهم و لم يبتلهم لينصرفوا عنهما، و يحتمل أن يكون حالا عن ضمير المفعول أو خبرا لمبتدء محذوف أي هم مشغولون بهما، قوله (عليه السلام): " و الكتاب لم يضرب عن شيء منه" أي من الجور و الواو للحال أي لم يعرض الكتاب عن بيان شيء من الجور، و قوله" صفحا" مفعول مطلق من غير اللفظ أو مفعول له أو حال يقال صفحت عن الأمر أي أعرضت منه و تركته، و يمكن أن يقرأ يضرب على بناء المجرد أي لم يدفع البيان عن شيء منه كما قال تعالى: " أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً " و أن يقرأ على بناء الأفعال قال الجوهري أضرب عنه أعرض. قوله (عليه السلام): " و دانوا لغير الله" أي أمروا بطاعة غيره تعالى، و لم يرد هذا البناء فيما عندنا من كتب اللغة، و في النسخة القديمة [و كانوا لغير الله]. قوله" على ذلك" أي على تلك العقائد الباطلة، و الأعمال القبيحة من عدم قسمة الفيء و عدم الوفاء بالذمة و غيرها عَامِرَةً مِنَ الضَّلَالَةِ قَدْ بُدِّلَتْ سُنَّةُ اللَّهِ وَ تُعُدِّيَتْ حُدُودُهُ وَ لَا يَدْعُونَ إِلَى الْهُدَى وَ لَا يَقْسِمُونَ الْفَيْءَ وَ لَا يُوفُونَ بِذِمَّةٍ يَدْعُونَ الْقَتِيلَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ شَهِيداً قَدْ أَتَوُا اللَّهَ بِالافْتِرَاءِ وَ الْجُحُودِ وَ اسْتَغْنَوْا بِالْجَهْلِ عَنِ الْعِلْمِ وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةً- وَ جَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ الْعُقُوبَةَ السَّيِّئَةَ وَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْكُمْ قوله (عليه السلام): " و من قبل ما مثلوا" هذا من قبيل قوله تعالى" وَ مِنْ قَبْلُ مٰا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ " و يحتمل وجهين. الأول: أن تكون ما زائدة، أي، من قبل ذلك مثلوا بالصالحين. و الثاني: أن تكون مصدرية على أن محل المصدر الرفع بالابتداء و خبره الظرف، أي وقع من قبيل تمثيلهم بالصالحين. قال الجزري: مثلت بالحيوان أمثل به مثلا إذا قطعت أطرافه و شوهت به، و مثلت بالقتيل، إذا جدعت أنفه أو أذنه و مذاكيره، أو شيئا من أطرافه، و الاسم المثلة، فأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة انتهى. و الحاصل: أن المراد أن هؤلاء الأشقياء الذين يفعلون بعدي تلك الأفعال الشنيعة قد فعل آباؤهم و أسلافهم مثل ذلك بالصالحين في زمن الرسول، كمحاربة أبي سفيان و أضرابه لعنهم الله، و تمثيلهم بحمزة و غيره، و إنما نسب إليهم لرضاهم بفعال هؤلاء و كونهم على دينهم و على طريقتهم كما نسب الله إلى اليهود فعال آبائهم في مواضع من القرآن. و يحتمل أن يكون المراد فعال هؤلاء في بدو أمرهم حتى غلبوا بذلك على الناس و استقر أمرهم. و قال ابن ميثم و قوله: " و من قبل ما مثل" إشارة إلى زمن بني أمية الكائن قبل زمن من يخبر عنهم و لا يخفى أن ما ذكرنا من الوجهين أظهر. قوله (عليه السلام): " و سموا صدقهم" أي الصالحين قال ابن أبي الحديد قوله رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ صلى الله عليه وآله وسلم وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً عَزِيزاً لٰا يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لٰا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ- لِيُنْذِرَ مَنْ كٰانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكٰافِرِينَ فَلَا يُلْهِيَنَّكُمُ " على الله" متعلق بفرية، و لا بصدقهم، أي سموا صدقهم فرية على الله، فإن امتنع أن يتعلق حرف الجر به لتقدمه عليه، و هو مصدر فليتعلق بفعل مقدر دل عليه هذا المصدر انتهى. أقول: لعل الذي دعاه إلى هذا التكلف عدم تعدي الصدق بعلى، و سبيل التضمين واسع كما لا يخفى. قوله: " مِنْ أَنْفُسِكُمْ " أي من جنسه [جنسكم] و نسبكم و قرئ من أنفسكم بفتح الفاء أي من أشرفكم و أفضلكم" عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ " أي شديد عليه، شاق عنتكم و لقاؤكم المكروه فهو يخاف عليكم سوء العاقبة، و الوقوع في العذاب" حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ " حتى لا يخرج أحد منكم عن أتباعه" بِالْمُؤْمِنِينَ " منكم و من غيركم. قوله (عليه السلام): " كتابا عزيزا" أي كثير النفع، عديم النظير أو منيع لا يتأتى إبطاله و تحريفه" لٰا يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لٰا مِنْ خَلْفِهِ " أي لا يتطرق إليه الباطل من جهة من الجهات، أو مما فيه من الأمور الماضية و الأمور الآتية" تَنْزِيلٌ " رفع على المدح" مِنْ حَكِيمٍ " ذي حكمة" حَمِيدٍ " يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمه. قوله (عليه السلام): " غَيْرَ ذِي عِوَجٍ " أي لا اختلال فيه بوجه. و قيل: بالشك" لِيُنْذِرَ " أي القرآن و يحتمل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) " مَنْ كٰانَ حَيًّا " أي عاقلا فهما، فإن الغافل الْأَمَلُ وَ لَا يَطُولَنَّ عَلَيْكُمُ الْأَجَلُ فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَمَدُ أَمَلِهِمْ وَ تَغْطِيَةُ الْآجَالِ عَنْهُمْ حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ وَ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ وَ تَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَ النَّقِمَةُ وَ قَدْ أَبْلَغَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْكُمْ بِالْوَعْدِ وَ فَصَّلَ لَكُمُ الْقَوْلَ وَ عَلَّمَكُمُ السُّنَّةَ وَ شَرَحَ لَكُمُ الْمَنَاهِجَ لِيُزِيحَ الْعِلَّةَ وَ حَثَّ عَلَى الذِّكْرِ وَ دَلَّ عَلَى النَّجَاةِ كالميت أو مؤمنا في علم الله، فإن الحياة الأبدية بالإيمان، و تخصيص الإنذار به لأنه المنتفع." وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ " أي و تجب كلمة العذاب" عَلَى الْكٰافِرِينَ " المصرين على الكفر، و جعلهم في مقابلة من كان حيا إشعار بأنهم لكفرهم و سقوط حجتهم و عدم تأملهم أموات في الحقيقة. قوله (عليه السلام): " أمد أملهم" الأمد: الغاية، و المنتهى، أي إنما أهلك من كان قبلكم غايات آمالهم، حيث جعلوها بعيدة لتغطية الآجال عنهم، أي أملوا أمورا طويلة المدى تقصر عنها آجالهم. قوله (عليه السلام): " ترد عنه المعذرة" أي لا تقبل فيه معذرة معتذر. قوله: " و ترفع عنه التوبة" أي تنسد بابها عند نزوله كما قال تعالى: " وَ لَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئٰاتِ حَتّٰى إِذٰا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قٰالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَ لَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَ هُمْ كُفّٰارٌ ". قوله (عليه السلام): " و تحل معه القارعة" أي المصيبة التي تقرع أي تلقى بشدة و قوة. قوله (عليه السلام): " ليزيح العلة" أي ليزيل الغدر. قوله (عليه السلام): " و حث على الذكر" أي على ذكر الله كثيرا عند الطاعة و وَ إِنَّهُ مَنِ انْتَصَحَ لِلَّهِ وَ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلًا هَدَاهُ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ وَفَّقَهُ لِلرَّشَادِ وَ سَدَّدَهُ وَ يَسَّرَهُ لِلْحُسْنَى فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ مَحْفُوظٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ مَغْرُورٌفَاحْتَرِسُوا مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِكَثْرَةِ الذِّكْرِ وَ اخْشَوْا مِنْهُ بِالتُّقَى وَ تَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ فَإِنَّهُ قَرِيبٌ مُجِيبٌ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ- وَ إِذٰا سَأَلَكَ عِبٰادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّٰاعِ إِذٰا دَعٰانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَ لْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ فَاسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَ آمِنُوا بِهِ وَ عَظِّمُوا اللَّهَ الَّذِي لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَةُ اللَّهِ المعصية و النعمة و البلية: و بالقلب و اللسان بقوله اذكروا الله ذكرا كثيرا. قوله (عليه السلام): " و إنه من انتصح الله" أي قبل نصحه تعالى له فيما أمره و نهاه عنه و اتخذه ناصحا، و علم أنه تعالى لا يأمره إلا بما ينجيه و لا ينهاه إلا عما يرديه. قال الفيروزآبادي: انتصح: قبل النصح. قوله (عليه السلام): " هي أقوم" أي للحالة و الطريقة التي اتباعها و سلوكها أقوم. قوله (عليه السلام): " للحسنى" أي للطريقة أو العاقبة الحسنى. قوله (عليه السلام): " فإن جار الله" أي القريب إلى الله بالطاعة أو من آجره الله من عذابه، أو من الشدائد مطلقا. قال الفيروزآبادي الجار و المجاور: الذي أجرته من أن يظلم. قوله (عليه السلام): " فليستجيبوا الله" أي فيما أمركم به من الدعاء أو مطلقا و آمنوا به أي بوعده الاستجابة أو مطلقا. قوله (عليه السلام): " أن يتعظم" أي يدعي العظمة، و الحاصل أن من عرف عظمة أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ وَ عِزَّ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا جَلَالُ اللَّهِ أَنْ يَذِلُّوا لَهُ وَ سَلَامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَةُ اللَّهِ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ فَلَا يُنْكِرُونَ أَنْفُسَهُمْ بَعْدَ حَدِّ الْمَعْرِفَةِ وَ لَا يَضِلُّونَ بَعْدَ الْهُدَى فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ وَ الْبَارِئِ مِنْ ذِي السُّقْمِ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ وَ لَمْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ وَ لَنْ تَتْلُوا الْكِتَابَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي حَرَّفَهُ وَ لَنْ تَعْرِفُوا الضَّلَالَةَ حَتَّى تَعْرِفُوا الْهُدَى الله و جلاله فينبغي له أن يعد نفسه حقيرا فيما ظهر له من عظمته تعالى أو يعلم أن العظمة مختصة به تعالى و أما غيره فإنما يعد عظيما بما أعاره الله من العظمة فلا يجوز تعظيم أحد عليه، أو يقال: إن غيره إنما يكتسب العظمة بالتذلل له، و التواضع عنده، و التقرب إليه، فغاية العظمة و العزة في المخلوقين منوطة بنهاية التواضع و التذلل منهم، و من عرف قدرة الله علم أنه لا تكون السلامة في الدنيا و الآخرة إلا بالاستسلام و الانقياد، له في جميع الأمور. قوله (عليه السلام): " فلا ينكرون أنفسهم" الإنكار ضد المعرفة، أي لا يجهلون أنفسهم و معائبها و عجزها بعد ما عرفوها أو بعد ما عرفوا الله تعالى بالجلال و العظمة و القدرة. قوله (عليه السلام): " الذي نقضه" ميثاق الكتاب. قوله (عليه السلام): " و لن تمسكوا به" أي بالكتاب. قوله (عليه السلام): " و التكلف" هو التعرض لما لا يعني، و ادعاء ما لا ينبغي، و الحاصل أنه لا يعرف الكتاب و لا يمكن العمل به و حفظه إلا بمعرفة حملته، و أعدائهم المضيعين له و لا تعرف الهداية إلا بمعرفة أهلها و الضلالة و أهلها، فإن وَ لَنْ تَعْرِفُوا التَّقْوَى حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَعَدَّى فَإِذَا عَرَفْتُمْ ذَلِكَ عَرَفْتُمُ الْبِدَعَ وَ التَّكَلُّفَ وَ رَأَيْتُمُ الْفِرْيَةَ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ وَ التَّحْرِيفَ لِكِتَابِهِ وَ رَأَيْتُمْ كَيْفَ هَدَى اللَّهُ مَنْ هَدَى فَلَا يُجْهِلَنَّكُمُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّ عِلْمَ الْقُرْآنِ لَيْسَ يَعْلَمُ مَا هُوَ إِلَّا مَنْ ذَاقَ طَعْمَهُ فَعُلِّمَ بِالْعِلْمِ جَهْلَهُ وَ بُصِّرَ بِهِ عَمَاهُ وَ سُمِّعَ بِهِ صَمَمَهُ وَ أَدْرَكَ بِهِ عِلْمَ مَا فَاتَ وَ حَيِيَ بِهِ بَعْدَ إِذْ مَاتَ- وَ أَثْبَتَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْحَسَنَاتِ وَ مَحَا بِهِ السَّيِّئَاتِ وَ أَدْرَكَ بِهِ رِضْوَاناً مِنَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الأشياء إنما تعرف بأضدادها، و علامة معرفتها التميز بينها و بين معارضتها و مخالفاتها. قوله (عليه السلام): " فلا يجهلنكم الذين لا يعلمون" على بناء الأفعال أي لا يوقعنكم في الجهل و الضلالة بادعاء علم الكتاب و السنة، لأن علم القرآن ليس يعلم ما هو إلا من عمل به، و اتصف بصفاته و ذاق طعمه. قوله (عليه السلام): " فعلم بالعلم جهله" أي ما جهله مما يحتاج إليه في جميع الأمور، أو كونه جاهلا قبل ذلك، أو كمل علمه حتى أقر بأنه جاهل، فإن غاية كل كمال في المخلوق الإقرار بالعجز عن استكماله، و الاعتراف بثبوته كما ينبغي للرب تعالى، أو يقال: إن الجاهل لتساوي نسبة الأشياء إليه لجهله بجميعها يدعي علم كل شيء، و أما العالم فهو يميز بين ما يعلمه و ما لا يعلمه، فبالعلم عرف جهله، و لا يخفى جريان الاحتمالات في الفقرتين التاليتين، و أن الأول أظهر في الجميع، بأن يكون المراد. ب قوله (عليه السلام): " و بصر به عماه" أبصر به ما عمي عنه، أو تبدلت عماه بصيرة. قوله (عليه السلام): " و سمع به" يمكن أن يقرأ بالتخفيف أي سمع ما كان صم عنه أو بالتشديد أي بدل بالعلم صممه بكونه سميعا. قوله (عليه السلام): " و أثبت" أي بعلم القرآن قوله" نور" إنما لم يجمع (عليه السلام) فَاطْلُبُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ خَاصَّةً فَإِنَّهُمْ خَاصَّةً نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ وَ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ وَ هُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ هُمُ الَّذِينَ يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ لَا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَهُوَ بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ فَهُمْ مِنْ شَأْنِهِمْ شُهَدَاءُ بِالْحَقِّ وَ مُخْبِرٌ صَادِقٌ لَا يُخَالِفُونَ الْحَقَّ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ قَدْ خَلَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ السَّابِقَةُ وَ مَضَى فِيهِمْ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ حُكْمٌ صَادِقٌ وَ فِي ذَلِكَ ذِكْرىٰ لِلذّٰاكِرِينَ فَاعْقِلُوا الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتُمُوهُ عَقْلَ رِعَايَةٍ وَ لَا تَعْقِلُوهُ عَقْلَ رِوَايَةٍ فَإِنَّ رُوَاةَ الْكِتَابِ للإشعار بأنهم نور واحد، كما وردت به الأخبار و المراد به الجنس. قوله (عليه السلام): " و صممتم عن منطقهم" فإن لصمتهم وقتا و هيئة و حاله تكون قرائن دالة على حسن منطقهم لو نطقوا، و على أن سكوتهم ليس إلا لحكمة و مصلحة دعتهم إليه. قوله (عليه السلام): " فهو بينهم" أي القرآن أو الدين. قوله (عليه السلام): " فهم من شأنهم شهداء بالحق" أي إنهم شهداء أو هم بسبب أطوارهم الحسنة و أخلاقهم الجميلة شهداء بالحق، أي على الحق أو على الدين الذي يدعون إليه. و الحاصل إن شؤونهم و أعمالهم و أخلاقهم تشهد بحقية أقوالهم. قوله (عليه السلام): " و يخبر عطف على قوله بالحق" كقوله مخبر كما في بعض النسخ و المراد به حينئذ الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). قوله (عليه السلام): " قد خلت" أي مضت" لهم من الله سابقه" أي نعمة سابقه من عصمتهم و جعلهم خلفاء الرسول و إخباره و إخبار رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) بشرفهم و فضلهم و وجوب اتباعهم. قوله (عليه السلام): " حكم صادق" أي من ظفرهم و نصرهم و حفظهم و رد الأمر كَثِيرٌ وَ رُعَاتَهُ قَلِيلٌ وَ اللّٰهُ الْمُسْتَعٰانُ

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول - ج ٢٦ - الصفحة ٥٨٩. — غير محدد
الصدوق حدثنا محمّد بن موسى بن المتوكل (رحمه الله) قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميرى عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم عن أبى بصير، قال: قلت لأبى جعفر (عليه السلام): كان رسول اللّه يتعوذ من البخل، فقال

نعم يا با محمّد فى كلّ صباح و مساء و نحن نتعوذ باللّه من البخل، يقول اللّه «وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» * و سأخبرك عن عاقبة البخل ان قوم لوط كانوا أهل قرية اشحاء على الطعام فاعقبهم البخل داء لا دواء له فى فروجهم فقلت و ما أعقبهم. فقال إنّ قريه قوم لوط كانت على طريق السيارة الى الشام و مصر فكانت السيارة تنزل بهم فيضيفونهم فلمّا كثر ذلك عليهم ضاقوا بذلك ذرعا و بخلا و لو ما فدعاهم البخل الى أن كانوا اذا نزل بهم الضيف فضحوه من غير شهوة بهم الى ذلك و انما كانوا يفعلون ذلك بالضيف حتى ينكل النازل عنهم فشاع أمرهم فى القرية و حذرهم النازلة، فأورثهم البخل بلاء لا يستطيعون رفعه عن أنفسهم من غير شهوة لهم الى ذلك حتى صاروا يطلبونه من الرجال فى البلاد و يعطونهم عليه الجعل. ثمّ قال: فأى داء أدأى من البخل و لا اضرّ عاقبة و لا أفحش عند اللّه عزّ و جلّ قال أبو بصير فقلت له: جعلت فداك فهل كان أهل قرية لوط كلهم هكذا يعملون فقال: نعم إلّا أهل بيت منهم من المسلمين أ ما تسمع لقوله تعالى «فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام) ان لوطا لبث فى قومه ثلثين سنة يدعوهم الى اللّه عزّ و جلّ و يحذّرهم عذابه و كانوا قوما لا يتنظفون من الغائط و لا يتطهرون من الجنابة. كان لوط ابن خالة ابراهيم و كانت امرأة ابراهيم سارة اخت لوط و كان لوط و ابراهيم نبيّين مرسلين منذرين و كان لوط رجلا سخيا كريما يقرى الضيف اذا نزل به و يحذّرهم قومه قال: فلمّا رأى قوم لوط ذلك منه قالوا له إنا ننهاك عن العالمين لا تقرى ضيفا ينزل بك ان فعلت ذلك فضحنا ضيفك الذي ينزل بك و أخذناك فكان لوط اذا نزل الضيف كتم أمره مخافة أن يفضحه قومه و ذلك انه لم يكن للوط عشيرة. قال و لم يزل لوط و ابراهيم يتوقعان نزول العذاب على قومهم، فكانت لإبراهيم و للوط منزلة من اللّه عز و جل شريفة و أن اللّه عز و جل كان اذا أراد عذاب قوم لوط أدركته مودّة ابراهيم و خلّته و محبة لوط فيراقبهم فيؤخر. عذابهم قال ابو جعفر (عليه السلام) فلما اشتدّ أسف اللّه على قوم لوط و قدر عذابهم و قضى أن يعوض ابراهيم من عذاب قوم لوط بغلام عليم فيسلى به مصابه بهلاك قوم لوط. فبعث اللّه رسلا الى ابراهيم يبشرونه بإسماعيل فدخلوا عليه ليلا ففزع منهم، و خاف أن يكونوا سرّاقا فلما رأته الرسل فزعا مذعورا قالوا: سلاما قال سلام انا منكم و جلون قالوا لا توجل أنّا رسل ربك نبشرك بغلام عليم» قال أبو جعفر (عليه السلام) و الغلام هو إسماعيل بن هاجر فقال ابراهيم للرسل «ا بشرتمونى على أن الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين» فقال ابراهيم فما خطبكم بعد البشارة «قالوا انا أرسلنا الى قوم مجرمين قوم لوط انّهم كانوا قوما فاسقين لننذرهم عذاب رب العالمين». قال أبو جعفر (عليه السلام) فقال ابراهيم للرسل: «ان فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه و أهله اجمعين الا امرأته قدرنا انّها لمن الغابرين» قال «فلمّا جاء آل لوط المرسلون قال انّكم قوم منكرون» قالوا بل جئناك بما كانوا فيه قومك من عذاب اللّه يمترون، و اتيناك بالحقّ لتنذر قومك العذاب و انا لصادقون فاسر باهلك يا لوط إذا مضى لك من يومك هذا سبعة أيام و لياليها بقطع من الليل إذا مضى نصف من الليل و لا يلتفت منكم أحد الّا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم و امضوا من تلك الليلة حيث تؤمرون. قال أبو جعفر (عليه السلام): فقضوا ذلك الأمر الى لوط إنّ دابر هؤلاء مقطوع مصبحين قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) فلمّا كان يوم الثامن مع طلوع الفجر قدم اللّه عز و جلّ رسلا الى ابراهيم يبشرونه بإسحاق و يعزونه بهلاك قوم لوط، و ذلك قوله «وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ» يعنى ذكيا مشويا نضيجا «فلما رأى ابراهيم أيديهم لا تصل إليه نكرهم و أوجس فى نفسه منهم خيفة قالوا لا تخف انا أرسلنا الى قوم لوط و امرأته قائمة فبشروها بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب». فضحكت يعنى فتعجبت من قولهم «قالت يا ويلتى أ ألد و أنا عجوز و هذا بعلى شيخا انّ هذا الشيء عجيب» قالوا أ تعجبين من أمر اللّه رحمة اللّه و بركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد» قال أبو جعفر (عليه السلام) فلما جاءت ابراهيم البشارة بإسحاق و ذهب عنه الروع أقبل يناجى ربّه فى قوم لوط و يسأله كشف البلاء عنهم، فقال اللّه عزّ و جلّ: «يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ» و أنهم آتيهم عذابى بعد طلوع الشمس من يوم محتوم و غير مردود [1].

مسند الإمام الباقر أبي جعفر محمد بن عليعليهم السلام - ج ١ - الصفحة ٢٨٠. — الإمام الباقر عليه السلام
الراوندى عن ابن بابويه حدثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل، حدثنا عبد اللّه بن جعفر الحميرى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن معروف بن خرّبوذ، عن أبى جعفر ( عليه السلام قال

أخبرنا أبى على بن الحسين (عليهما السلام) حدثني جابر بن عبد اللّه قال: سمعت سلمان الفارسى رضى اللّه عنه يحدّث أنّه كان فى ملوك فارس ملك يقال له: روذين جبّار عنيد، عات فلمّا اشتدّ فى ملكه فساده فى الأرض ابتلاه اللّه بالصّداع فى شقّ رأسه الأيمن حتّى منعه من المطعم و المشرب فاستغاث و ذلّ و دعا وزراءه، فشكى إليهم ذلك فاستقوه الأدوية و آيس من سكوته فعند ذلك بعث اللّه نبيا. فقال له: اذهب الى روذين عبدى الجبار فى هيئة الأطباء و ابتدئه بالتعظيم له و الرّفق به و منّه سرعة الشّفاء بلا دواء تسقيه و لا كىّ تكويه و إذا رأيته قد أقبل وجهه إليك فقل: إنّ شفاء دائك فى دم صبّى رضيع بين أبويه يذبحانه لك طائعين غير مكرهين، فتأخذ من دمة ثلاث قطرات فتسعط به فى منخرك الأيمن تبرأ من ساعتك ففعل النّبي ذلك، فقال الملك: ما أعرف فى النّاس هذا فقال إن بذلت العطيّة وجدت البغية. قال: فبعث الملك بالرّسل فى ذلك فوجدوا جنينا بين أبويه محتاجين فأرغبهما فى العطيّة فانطلقا بالصّبيّ إلى الملك فدعا بطاس فضّة و شفرة و قال لأمه: امسكى ابنك فى حجرك. فأنطق اللّه الصّبيّ و قال: أيّها الملك كفّهما عن ذبحى فبئس الوالدان هما أيّها الملك إنّ الصّبى الضّعيف إذا ضيم كان أبواه يدفعان عنه و أنّ أبوىّ ظلمانى فايّاك أن تعينهما على ظلمى. ففزع الملك فزعا شديدا أذهب عنه الدّاء و نام روذين فى تلك الحالة فرأى فى النّوم من يقول له: الا له الأعظم أنطق الصّبيّ و منعك و منع أبويه من ذبحه و هو ابتلاك الشّقيقة لنزعك من سوء السيرة فى البلاد و هو الّذي ردّك الى الصّحة و قد وعظك بما أسمعك. فانتبه و لم يجد وجعا و علم أنّ كلّه من اللّه تعالى فسار فى البلاد بالعدل [1].

مسند الإمام الباقر أبي جعفر محمد بن عليعليهم السلام - ج ١ - الصفحة ٢٩٥. — الإمام الباقر عليه السلام
عنه عن أبى بصير، عن أبى جعفر ( عليه السلام قال

قلت له: أصلحك اللّه أ كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتعوّذ من البخل، قال: نعم يا با محمّد، فى كلّ صباح و مساء، و نحن نعوذ باللّه من البخل إنّ اللّه يقول فى كتابه: «وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» * و سأنبّئك عن عاقبة البخل، إنّ قوم لوط كانوا أهل قرية بخلاء أشحاء على الطعام، فأعقبهم اللّه داء لا دواء له فى فروجهم قلت و ما أعقبهم قال إن قوم لوط كانت على طريق السيارة إلى الشام، و مصر فكانت المارة تنزل بهم فيضيفونه. فلما أن كثر ذلك عليهم ضاقوا به ذرعا و بخلا و لؤما فدعاهم البخل إلى أن كان إذا نزل بهم الضيف فضحوه من غير شهوة بهم إلى ذلك و انما كانوا يفعلون ذلك بالضيف حتى تنكل النازلة عليهم فشاع أمرهم فى القرى و حذرتهم المارة فأورثهم البخل بلاء لا يدفعونه عن أنفسهم فى شهوة بهم إليه حتى ساروا يطلبونه من الرجال فى البلاد و يعطونهم عليه الجعل فأىّ داه أعدى من البخل و لا أضرّ عاقبة و لا أفحش عند اللّه. قال أبو بصير فقلت له: أصلحك اللّه هل كان أهل قرية لوط كلهم هكذا، مبتلين؟ قال: نعم إلّا أهل بيت من المسلمين أ ما تسمع لقوله: «فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) إنّ لوطا لبث مع قومه ثلثين سنة، يدعوهم إلى اللّه و يحذّرهم عقابه. قال و كانوا قوما لا يتنظفون من الغائط و لا يتطهّرون من الجنابة و كان لوط و آله يتنظفون من الغائط و يتطهّرون من الجنابة، و كان لوط ابن خالة إبراهيم و ابراهيم ابن خالة لوط، و كانت امرأة ابراهيم سارة أخت لوط، و كان ابراهيم و لوط نبيين (عليهما السلام) مرسلين منذرين، و كان لوط رجلا سخيا كريما يقرى الضيف إذا نزل به، و يحذره قومه. قال فلمّا أن رأى قوم لوط ذلك قالوا انا ننهيك عن العالمين لا تقرى ضيفا، نزل بك فانّك ان فعلت فضحنا ضيفك و أخزيناك فيه و كان لوط إذا نزل به الضيف كتم أمره مخافة أن يفضحه قومه، و ذلك أنّ لوطا كان فيهم لا عشيرة له، قال و إن لوطا و ابراهيم لا يتوقّعان نزول العذاب على قوم لوط، و كانت لإبراهيم و لوط منزلة من اللّه شريفة، و أنّ اللّه تبارك و تعالى كان اذا همّ بعذاب قوم لوط أدركته فيهم مودة ابراهيم و خلته و محبة لوط فيراقبهم فيه فيؤخر عذابهم. قال أبو جعفر: فلمّا اشتدّ أسف اللّه على قوم لوط، و قدّر عذابهم، و قضاه أحبّ أن يعوّض إبراهيم من عذاب قوم لوط بغلام حليم، فيسلّى به مصابه، بهلاك قوم لوط، فبعث اللّه رسلا إلى إبراهيم، يبشّرونه بإسماعيل فدخلوا عليه ليلا ففزع منهم، خاف أن يكونوا سراقا، قال: فلما أن رأته الرسل فزعا و جلا «قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ*... قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ... بِغُلامٍ حَلِيمٍ». قال أبو جعفر (عليه السلام): و الغلام الحليم هو إسماعيل من هاجر، فقال إبراهيم للرّسل: «أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ» فقال إبراهيم للرّسل فما خطبكم بعد البشارة: «قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ قوم لوط إنّهم كانوا قوما فاسقين» لننذرهم عذاب رب العالمين. قال أبو جعفر (عليه السلام): فقال ابراهيم للرّسل: «إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ» قال: «فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ» يقول من عذاب اللّه لننذر قومك العذاب «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ» يا لوط اذا مضى من يومك هذا سبعة أيام بلياليها «بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ». قال أبو جعفر فقضوا إلى لوط «ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ» قال أبو جعفر فلما كان يوم الثامن مع طلوع الفجر قدم اللّه رسلا إلى ابراهيم يبشّرونه بإسحاق و يعزّونه بهلاك قوم لوط و ذلك قول اللّه فى سورة هود «وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ» يعنى ذكيا شويا نضيجا «فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ» قال أبو جعفر (عليه السلام) انما عنى امرأة إبراهيم سارة قائمة «فبشروها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ» الى قوله: «إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». قال أبو جعفر (عليه السلام) فلمّا أن جاءت البشارة بإسحاق ذهب عنه الروع، و أقبل يناجى ربّه فى قوم لوط، و يسأله كشف العذاب عنهم، قال اللّه: «يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ» بعد طلوع الشمس من يومى هذا محتوم غير مردود [1].

مسند الإمام الباقر أبي جعفر محمد بن عليعليهم السلام - ج ٣ - الصفحة ١٦٦. — الإمام الباقر عليه السلام
عنه حدثني أبى عن ابن أبى عمير عن منصور بن يونس، عن عمرو بن أبى شيبة عن أبى جعفر ( عليه السلام قال

سمعته يقول ابتداء منه: إنّ اللّه إذا بدا له أن يبين خلقه و يجمعهم لما لا بدّ منه أمر مناديا ينادى فاجتمع الإنس و الجنّ فى أسرع من طرفة العين، ثم أذن لسماء الدنيا فتنزل فكان من وراء النّاس و أذن للسماء الثانية، فتنزل و هى ضعف الّتي تليها، فاذا رآها أهل السماء الدنيا قالوا جاء ربنا قالوا لا و هو آت يعنى أمره حتى تنزل كل سماء تكون كل واحدة منها من وراء الاخرى و هى ضعف الّتي تليها. ثم ينزل أمر اللّه فى ظلل من الغمام و الملائكة و قضى الأمر و إلى ربك ترجع الأمور، ثم يأمر اللّه مناديا ينادى «يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطانٍ» قال و بكى (عليه السلام) حتى إذا سكت، قال قلت جعلنى اللّه فداك يا أبا جعفر اين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) و شيعته؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و على (عليه السلام) و شيعته على كثبان من المسك الأذفر على منابر من نور يحزن الناس و لا يحزنون و يفزع الناس و لا يفزعون ثم تلا هذه الآية «مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْها وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ» فالحسنة و اللّه ولاية على (عليه السلام) ثم قال: «لا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ هذا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ» [1].

مسند الإمام الباقر أبي جعفر محمد بن عليعليهم السلام - ج ٣ - الصفحة ٢١٢. — الإمام الباقر عليه السلام
1 الحميرى باسناده، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه (عليهما السلام) انّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قال

لأصحابه يوما: ملعون كلّ مال لا يزكّى ملعون كلّ جسد لا يزكّى و لو فى كلّ أربعين يوما مرّة، فقيل يا رسول اللّه: أمّا زكاة المال فقد عرفناها فما زكاة الأجساد قال لهم أن تصاب بآفة قال فتغيّرت وجوه القوم الّذين سمعوا ذلك منه فلمّا رأى بهم قد تغيّرت ألوانهم قال لهم هل تدرون ما عنيت بقولى قالوا: لا يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: بلى الرجل يخدش الخدشة و ينكب النكبة و يعثر العثرة و يمرض المرضة، و يشاك الشوكة و ما أشبه هذا حتّى ذكر فى آخر الحديث اختلاج العين [1]. 2- محمّد بن يعقوب، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن اسماعيل بن مرار، عن يونس، عن ابن مسكان، يرفعه، عن رجل، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: بينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): فى المسجد، إذ قال: قم يا فلان قم يا فلان حتّى أخرج خمسة نفر فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلّوا فيه و أنتم لا تزكّون [2]. 3- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن مهران، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» قال: ما من عبد منع من زكاة ماله شيئا إلّا جعل اللّه له ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار يطوق فى عنقه ينهش من لحمه، حتّى يفرغ من الحساب و هو قول اللّه عزّ و جلّ: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» قال: ما بخلوا به من الزكاة [3]. 4- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبى حمزة، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: وجدنا فى كتاب علىّ (عليه السلام) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): اذا منعت الزكاة منعت الارض بركاتها [1]. 5- عنه، عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن أيّوب بن نوح، عن ابن سنان، عن أبى الجارود، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى يبعث يوم القيامة ناسا من قبورهم مشدودة أيديهم إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يتناولوا بها قيس أنملة معهم ملائكة يعيّرونهم تعييرا شديدا يقولون: هؤلاء الّذين منعوا خيرا قليلا من خير كثير هؤلاء الّذين أعطاهم اللّه فمنعوا حقّ اللّه فى أموالهم [2]. 6- عنه، عن علىّ بن محمّد، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن علىّ بن حديد، عن عثمان بن رشيد، عن معروف بن خرّبوذ، عن أبى جعفر (عليه السلام) قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ قرن الزكاة بالصلاة فقال: أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة فمن أقام الصلاة و لم يؤت الزكاة لم يقم الصلاة [3]. 7- الصدوق باسناده، عن أيّوب بن راشد، عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: مانع الزكاة يطوّق بحيّة قرعاء تأكل من دماغه و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» [4]. 8- عنه باسناده، عن محمّد بن مسلم، عن أبى جعفر (عليه السلام) أنّه قال: ما من عبد منع من زكاة ماله شيئا الّا جعل اللّه ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوّقا فى عنقه، ينهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب، و هو يقول اللّه عزّ و جلّ: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» يعنى ما بخلوا به من الزكاة [5]. 9- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه عن النوفليّ، عن السكونى، عن أبى عبد اللّه، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): ما حبس عبد الزكاة فزاد فى ماله [1]

مسند الإمام الباقر أبي جعفر محمد بن عليعليهم السلام - ج ٤ - الصفحة ٣٠٥. — الإمام الصادق عليه السلام
أخبرني عن حجة الوداع؟فذكر حديثا طويلا، ثم قال قال رسول الله

(صلى الله عليه و آله): إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي؛ كتاب الله عز و جل، و عترتي أهل بيتي. ثم قال: اللهم اشهد ثلاثا». 99-75/ - و عنه، قال: حدثنا الحسن بن عبدالله بن سعيد، قال: أخبرنا محمد بن أحمد بن حمدان القشيري، قال: حدثنا أبو حاتم المغيرة بن محمد بن المهلب، قال: حدثنا عبد الغفار بن محمد بن كثير الكلابي الكوفي، عن جرير بن عبد الحميد، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحى، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا؛ كتاب الله، و عترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». 99-76/ - و عنه، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبدالله بن يزيد أبو محمد البجلي، قال: حدثني محمد بن طريف، قال: حدثنا ابن فضيل، عن الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، عن حبيب بن أبي ثابت، عن زيد بن أرقم، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «كأني قد دعيت و أجبت، و إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله عز و جل حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، فإنهما لن يزالا جميعا حتى يردا علي الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما». 99-77/ - و عنه، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن الحسين بن حفص، عن عباد بن يعقوب، عن أبي مالك عمرو بن هاشم الجنبي، عن عبد الملك، عن عطية أنه سمع أبا سعيد يرفع ذلك إلى النبي (صلى الله عليه و آله)، قال: «أيها الناس، إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله عز و جل، حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، ألا و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». 99-78/ - و عنه، قال: حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثني الحسن بن عبدالله بن محمد بن علي التميمي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني سيدي علي بن موسى بن جعفر بن محمد (عليه السلام)، قال: حدثني أبي، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي، عن أبيه الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب (صلوات الله عليهم)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي، و لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». 99-79/ - و عنه، قال: حدثنا أبو محمد جعفر بن نعيم بن شاذان النيسابوري، قال: حدثني عمي أبو عبدالله محمد بن شاذان، عن الفضل بن شاذان، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حنش بن المعتمر، قال: رأيت أبا ذر الغفاري (رحمه الله) آخذا بحلقة باب الكعبة، و هو يقول: ألا من عرفني فقد عرفني، و من لم يعرفني فأنا أبو ذر جندب بن السكن، سمعت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقول: «إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي أهل بيتي، و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ألا و إن مثلهما كسفينة نوح من ركب فيها نجا، و من تخلف عنها غرق». 99-80/ - و عنه، قال: حدثنا الشريف الدين الصدوق أبو علي محمد بن أحمد بن محمد زيارة بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (صلوات الله و سلامه عليهم)، قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة، قال: حدثنا الفضل بن شاذان النيسابوري، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى، قال: حدثنا شريك، عن ركين بن الربيع، عن القاسم بن حسان، عن زيد بن ثابت، قال، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «إني تارك فيكم خليفتين: كتاب الله، و عترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». 99-81/ - و عنه، قال: حدثنا عبد الواحد بن محمد بن عبدوس العطار النيسابوري (رضي الله عنه)، قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة، عن الفضل بن شاذان، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: حدثنا عيسى بن يونس، قال: حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «إني تارك فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». 99-82/ - و عنه، قال: حدثني أبي (رضي الله عنه)، قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة، قال: حدثنا الفضل بن شاذان، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن جرير، عن الحسن بن عبيد الله، عن أبي الضحي، عن زيد بن أرقم، عن النبي (صلى الله عليه و آله)، قال: «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي أهل بيتي، فإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض». 99-83/ - و عنه، قال: حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني (رضي الله عنه)، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن محمد بن أبي عمير، عن غياث بن إبراهيم، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علي، عن أبيه علي بن الحسين، عن أبيه الحسين بن علي (عليهم السلام)، قال: «سئل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى قول رسول الله (صلى الله عليه و آله): إني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، و عترتي، من العترة؟فقال: أنا و الحسن و الحسين و التسعة من ولد الحسين تاسعهم مهديهم و قائمهم، لا يفارقون كتاب الله و لا يفارقهم حتى يردوا على رسول الله (صلى الله عليه و آله) حوضه». 99-84/ - و عنه، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رضي الله عنه)، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن عمر اليماني، عن سليم بن قيس الهلالي، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «إن الله تبارك و تعالى طهرنا و عصمنا، و جعلنا شهداء على خلقه، و حججا في أرضه، و جعلنا مع القرآن، و جعل القرآن معنا، لا نفارقه و لا يفارقنا». 99-85/ - الديلمي، و أبو الحسن محمد بن شاذان، عن زيد بن ثابت، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله، و علي بن أبي طالب، و علي أفضل لكم من كتاب الله، لأنه مترجم لكم عن كتاب الله». 99-86/ - ابن الفارسي في (روضة الواعظين): عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام)، عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) في خطبة خطبها رسول الله (صلى الله عليه و آله) في مسجد الخيف، يذكر فيها النص على الخلافة و الولاية لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال فيها (صلى الله عليه و آله): «معاشر الناس، إن عليا و الطيبين من ولدي هم الثقل الأصغر، و القرآن الثقل الأكبر، و كل واحد منهما مبين عن صاحبه، موافق له، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض بأمر الله في خلقه و بحكمه على أرضه، ألا و إن الله عز و جل قاله، و أنا قلته عن الله، ألا و قد أديت، ألا و قد بلغت، ألا و قد أسمعت، ألا و قد أوضحت، ألا و إنه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا، و لا تحل إمرة المؤمنين بعدي لأحد غيره». ثم ضرب بيده على عضد علي (عليه السلام) فرفعه، فكان أمير المؤمنين (عليه السلام) أول من صعد رسول الله (صلى الله عليه و آله)، قد شال عليا حتى صارت رجلاه مع ركبة رسول الله (صلوات الله عليهما). و الخطبة طويلة و سيأتي-إن شاء الله تعالى-باب آخر في معنى الثقلين من طريق المخالفين. 412». 99-87/ - عن محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن حديد، عن مرازم، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال: «إن الله تبارك و تعالى أنزل في القرآن تبيان كل شيء، حتى-و الله-ما ترك شيئا يحتاج إليه العباد، لا يستطيع عبد يقول لو كان هذا أنزل في القرآن، إلا و قد أنزله الله فيه». 99-88/ - و عنه: عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن حسين بن المنذر، عن عمر بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «إن الله تبارك و تعالى لم يدع شيئا تحتاج إليه الأمة إلا أنزله في كتابه، و بينه لرسوله (صلى الله عليه و آله)، و جعل لكل شيء حدا، و جعل عليه دليلا يدل عليه، و جعل على من تعدى ذلك الحد حدا».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ١ - الصفحة ٢٦. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
354/ (_2) - قال علي بن الحسين

(عليه السلام): «و ذلك قوله عز و جل: وَ إِنْ كُنْتُمْ أيها المشركون و اليهود، و سائر النواصب من المكذبين بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في القرآن، و في تفضيله أخاه عليا (عليه السلام) المبرز على الفاضلين، الفاضل على المجاهدين، الذي لا نظير له في نصرة المتقين، و قمع الفاسقين، و إهلاك الكافرين، و بث دين الله في العالمين. وَ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمََّا نَزَّلْنََا عَلىََ عَبْدِنََا في إبطال عبادة الأوثان من دون الله، و في النهي عن موالاة أعداء الله، و معاداة أولياء الله، و في الحث على الانقياد لأخي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، و اتخاذه إماما، و اعتقاده فاضلا راجحا، لا يقبل الله عز و جل أمانا إلا به، و لا طاعة إلا بموالاته، و تظنون أن محمدا تقوله من عنده، و ينسبه إلى ربه[فإن كان كما تظنون] فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ أي مثل محمد، أمي لم يختلف إلى أصحاب كتب قط، و لا تتلمذ لأحد، و لا تعلم منه، و هو من قد عرفتموه في حضره و سفره، و لم يفارقكم قط إلى بلد و ليس معه جماعة منكم يراعون أحواله، و يعرفون أخباره. ثم جاءكم بهذا الكتاب، المشتمل على هذه العجائب، فإن كان متقولا-كما تزعمون-فأنتم الفصحاء، و البلغاء، و الشعراء، و الأدباء الذين لا نظير لكم في سائر الأديان، و من سائر الأمم، و إن كان كاذبا فاللغة لغتكم، و جنسه جنسكم، و طبعه طبعكم، و سيتفق لجماعتكم-أو لبعضكم-معارضة كلامه هذا بأفضل منه أو مثله. لأن ما كان من قبل البشر، لا عن الله عز و جل، فلا يجوز إلا أن يكون في البشر من يتمكن من مثله، فأتوا بذلك لتعرفوه-و سائر النظائر إليكم في أحوالكم-أنه مبطل كاذب على الله تعالى وَ اُدْعُوا شُهَدََاءَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ الذين يشهدون بزعمكم أنكم محقون، و أنما تجيئون به نظير لما جاء به محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، و شهداؤكم الذين تزعمون أنهم شهداؤكم عند رب العالمين لعبادتكم لها، و تشفع لكم إليه إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ في قولكم: إن محمدا (صلى الله عليه وآله وسلم) تقوله. ثم قال الله عز و جل: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا هذا الذي تحديتكم به وَ لَنْ تَفْعَلُوا أي و لا يكون ذلك منكم، و لا تقدرون عليه، فاعلموا أنكم مبطلون، و أن محمدا الصادق الأمين المخصوص برسالة رب العالمين، المؤيد بالروح الأمين، و بأخيه أمير المؤمنين و سيد الوصيين، فصدقوه فيما يخبر به عن الله تعالى من أوامره و نواهيه، و فيما يذكره من فضل علي وصيه و أخيه، فَاتَّقُوا بذلك عذاب اَلنََّارَ اَلَّتِي وَقُودُهَا -حطبها- اَلنََّاسُ وَ اَلْحِجََارَةُ حجارة الكبريت، أشد الأشياء حرا أُعِدَّتْ تلك النار لِلْكََافِرِينَ بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، و الشاكين في نبوته، و الدافعين لحق أخيه علي (عليه السلام)، و الجاحدين لإمامته. ثم قال: وَ بَشِّرِ اَلَّذِينَ آمَنُوا بالله، و صدقوك في نبوتك فاتخذوك إماما، و صدقوك في أقوالك، و صوبوك في أفعالك، و اتخذوا أخاك عليا بعدك إماما، و لك وصيا مرضيا، و انقادوا لما يأمرهم به، و صاروا إلى ما أصارهم إليه، و رأوا له ما يرون لك إلا النبوة التي أفردت بها، و أن الجنان لا تصير لهم إلا بموالاته، و بموالاة من ينص لهم عليه من ذريته، و بموالاة سائر أهل ولايته، و معاداة أهل مخالفته و عداوته، و أن النيران لا تهدأ عنهم، و لا تعدل بهم عن عذابها إلا بتنكبهم عن موالاة مخالفيهم، و مؤازرة شانئيهم. وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ من أداء الفرائض و اجتناب المحارم، و لم يكونوا كهؤلاء الكافرين بك، بشرهم أَنَّ لَهُمْ جَنََّاتٍ بساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا اَلْأَنْهََارُ من تحت شجرها و مساكنها كُلَّمََا رُزِقُوا مِنْهََا من تلك الجنان مِنْ ثَمَرَةٍ من ثمارها رِزْقاً طعاما يؤتون به قََالُوا هََذَا اَلَّذِي رُزِقْنََا مِنْ قَبْلُ في الدنيا فاسماؤه كأسماء ما في الدنيا من تفاح، و سفرجل، و رمان، و كذا و كذا، و إن كان ما هناك مخالفا لما في الدنيا فإنه في غاية الطيب، و إنه لا يستحيل إلى ما تستحيل إليه ثمار الدنيا من عذرة و سائر المكروهات، من صفراء و سوداء و دم، بل ما يتولد من مأكولهم، إلا العرق، الذي يجري من أعراضهم، أطيب من رائحة المسك. وَ أُتُوا بِهِ بذلك الرزق من الثمار من تلك البساتين مُتَشََابِهاً يشبه بعضه بعضا، بأنها كلها خيار لا رذل فيها، و بأن كل صنف منها في غاية الطيب و اللذة، ليس كثمار الدنيا التي بعضها نيء، و بعضها متجاوز لحد النضج و الإدراك إلى الفساد من حموضة و مرارة و سائر ضروب المكاره، و متشابها أيضا متفقات الألوان مختلفات الطعوم. وَ لَهُمْ فِيهََا في تلك الجنان أَزْوََاجٌ مُطَهَّرَةٌ من أنواع الأقذار و المكاره، مطهرات من الحيض و النفاس، لا ولاجات، و لا خراجات، و لا دخالات، و لا ختالات، و لا متغايرات، و لا لأزواجهن فاركات و لا صخابات، و لا غيابات، و لا فحاشات، و من كل العيوب و المكاره بريات. وَ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ مقيمون في تلك البساتين و الجنان».

البرهان في تفسير القرآن - ج ١ - الصفحة ١٥٥. — الإمام السجاد عليه السلام
- علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن بعض رجاله، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، قال

«إن رجلا من خيار بني إسرائيل و علمائهم خطب امرأة منهم فأنعمت له، و خطبها ابن عم لذلك الرجل، و كان فاسقا رديئا، فلم ينعموا له، فحسد ابن عمه الذي أنعموا له، فقعد له فقتله غيلة، ثم حمله إلى موسى. فقال: يا نبي الله، هذا ابن عمي قد قتل. قال موسى: من قتله؟قال: لا أدري. و كان القتل في بني إسرائيل عظيما جدا، فعظم ذلك على موسى، فاجتمع إليه بنو إسرائيل، فقالوا: ما ترى، يا نبي الله؟و كان في بني إسرائيل رجل له بقرة، و كان له ابن بار، و كان عند ابنه سلعة، فجاء قوم يطلبون سلعته، و كان مفتاح بيته تحت رأس أبيه، و كان نائما، فكره ابنه أن ينبهه و ينغص عليه نومه، فانصرف القوم و لم يشتروا سلعته. فلما انتبه أبوه، قال له: يا بني، ماذا صنعت في سلعتك؟قال: هي قائمة لم أبعها، لأن المفتاح كان تحت رأسك، فكرهت أن أنبهك، و أنغص عليك نومك. قال له أبوه: قد جعلت هذه البقرة لك، عوضا عما فاتك من ربح سلعتك؛ و شكر الله لابنه ما فعل بأبيه. فأمر موسى بني إسرائيل، أن يذبحوا تلك البقرة بعينها، فلما اجتمعوا إلى موسى، و بكوا و ضجوا، قال لهم موسى: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فتعجبوا قََالُوا أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً نأتيك بقتيل، فتقول: اذبحوا بقرة! فقال لهم موسى: أَعُوذُ بِاللََّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ فعلموا أنهم قد أخطؤوا. قََالُوا اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ قََالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ وَ لاََ بِكْرٌ الفارض: التي قد ضربها الفحل، و لم تحمل؛ و البكر: التي لم يضربها الفحل. قََالُوا اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا لَوْنُهََا قََالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ صَفْرََاءُ فََاقِعٌ لَوْنُهََا أي شديدة الصفرة تَسُرُّ اَلنََّاظِرِينَ إليها. قََالُوا اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشََابَهَ عَلَيْنََا وَ إِنََّا إِنْ شََاءَ اَللََّهُ لَمُهْتَدُونَ* `قََالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ ذَلُولٌ تُثِيرُ اَلْأَرْضَ أي لم تذلل وَ لاََ تَسْقِي اَلْحَرْثَ أي و لا تسقي الزرع مُسَلَّمَةٌ لاََ شِيَةَ فِيهََا أي لا بقع فيها إلا الصفرة. قََالُوا اَلْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ هي بقرة فلان، فذهبوا ليشتروها، فقال: لا أبيعها إلا بملء جلدها ذهبا. فرجعوا إلى موسى فأخبروه، فقال لهم موسى: لا بد لكم من ذبحها بعينها؛ فاشتروها بملء جلدها ذهبا، فذبحوها، ثم قالوا: ما تأمرنا، يا نبي الله. فأوحى الله تعالى إليه: قل لهم: اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهََا و قولوا: من قتلك؟ فأخذوا الذنب فضربوه به، و قالوا: من قتلك يا فلان؟فقال: فلان بن فلان، ابن عمي-الذي جاء به-و هو قوله: فَقُلْنََا اِضْرِبُوهُ بِبَعْضِهََا كَذََلِكَ يُحْيِ اَللََّهُ اَلْمَوْتىََ وَ يُرِيكُمْ آيََاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ». 99-510/ - العياشي: عن الحسن بن علي بن فضال، قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: «إن الله أمر بني إسرائيل أن يذبحوا بقرة، و إنما كانوا يحتاجون إلى ذنبها، فشددوا، فشدد الله عليهم». 99-511/ - عن الفضل بن شاذان، عن بعض أصحابنا، رفعه إلى أبي عبدالله (عليه السلام)، أنه قال: «من لبس نعلا صفراء لم يزل مسرورا حتى يبليها، كما قال الله: صَفْرََاءُ فََاقِعٌ لَوْنُهََا تَسُرُّ اَلنََّاظِرِينَ ». و قال: «من لبس نعلا صفراء لم يبلها حتى يستفيد علما أو مالا». 99-512/ - عن يونس بن يعقوب، قال: قلت لأبي عبدالله (عليه السلام): إن أهل مكة يذبحون البقرة في اللبب، فما ترى في أكل لحومها؟قال: فسكت هنيئة، ثم قال: «قال الله فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ لا تأكل إلا ما ذبح من مذبحه». قوله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ فَهِيَ كَالْحِجََارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجََارَةِ لَمََا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهََارُ وَ إِنَّ مِنْهََا لَمََا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اَلْمََاءُ وَ إِنَّ مِنْهََا لَمََا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ[74] 99-513/ - قال الإمام العسكري (عليه السلام): «قال الله تعالى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ عست و جفت و يبست من الخير و الرحمة قلوبكم، معاشر اليهود مِنْ بَعْدِ ذََلِكَ من بعد ما بينت من الآيات الباهرات في زمان موسى (عليه السلام)، و من الآيات المعجزات التي شاهدتموها من محمد (صلى الله عليه و آله). فَهِيَ كَالْحِجََارَةِ اليابسة لا ترشح برطوبة، و لا ينتفض منها ما ينتفع به، أي أنكم لا حق لله تردون، و لا من أموالكم، و لا من حواشيها تتصدقون، و لا بالمعروف تتكرمون و تجودون، و لا الضيف تقرون و لا مكروبا تغيثون، و لا بشيء من الإنسانية تعاشرون، و تعاملون. أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً إنما هي في قساوة الأحجار، أو أشد قسوة، أبهم على السامعين، و لم يبين لهم، كما قال القائل: أكلت خبزا أو لحما، و هو لا يريد به: أني لا أدري ما أكلت، بل يريد أن يبهم على السامع حتى لا يعلم ما أكل، و إن كان يعلم أنه قد أكل. و ليس معناه بل أشد قسوة، لأن هذا استدراك غلط، و هو عز و جل يرتفع عن أن يغلط في خبر، ثم يستدرك على نفسه الغلط، لأنه العالم بما كان و ما يكون و ما لا يكون أن لو كان كيف كان يكون، و إنما يستدرك الغلط على نفسه المخلوق المنقوص. و لا يريد به أيضا فهي كالحجارة أو أشد، أي و أشد قسوة، لأن هذا تكذيب الأول بالثاني، لأنه قال: فَهِيَ كَالْحِجََارَةِ في الشدة لا أشد منها و لا ألين، فإذا قال بعد ذلك: أَوْ أَشَدُّ فقد رجع عن قوله الأول: إنها ليست بأشد. و هو مثل أن يقول: لا يجيء من قلوبكم خير، لا قليل و لا كثير، فأبهم عز و جل في الأول حيث قال: أَوْ أَشَدُّ و بين في الثاني أن قلوبهم أشد قسوة من الحجارة، لا بقوله: أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً و لكن بقوله: وَ إِنَّ مِنَ اَلْحِجََارَةِ لَمََا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ اَلْأَنْهََارُ أي فهي في القساوة بحيث لا يجيء منها الخير، يا يهود، و في الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، فيجيء بالخير و الغياث لبني آدم. وَ إِنَّ مِنْهََا من الحجارة لَمََا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ اَلْمََاءُ و هو ما يقطر منه الماء، فهو خير منها، دون الأنهار التي تتفجر من بعضها، و قلوبهم لا يتفجر منها الخيرات، و لا تشقق فيخرج منها قليل من الخيرات، و إن لم يكن كثيرا. ثم قال الله عز و جل: وَ إِنَّ مِنْهََا يعني من الحجارة لَمََا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ إذا أقسم عليها باسم الله و بأسماء أوليائه محمد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين و الطيبين من آلهم (صلى الله عليهم)، و ليس في قلوبكم شيء من هذه الخيرات وَ مَا اَللََّهُ بِغََافِلٍ عَمََّا تَعْمَلُونَ بل عالم به، يجازيكم عنه بما هو به عادل عليكم، و ليس بظالم لكم، يشدد حسابكم، و يؤلم عقابكم. و هذا الذي وصف الله تعالى به قلوبهم هاهنا نحو ما قال في سورة النساء: أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ اَلْمُلْكِ فَإِذاً لاََ يُؤْتُونَ اَلنََّاسَ نَقِيراً و ما وصف به الأحجار هاهنا نحو ما وصف في قوله: لَوْ أَنْزَلْنََا هََذَا اَلْقُرْآنَ عَلىََ جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خََاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اَللََّهِ و هذا التقريع من الله تعالى لليهود و النواصب، و اليهود جمعوا الأمرين و اقترفوا الخطيئتين، فعظم على اليهود ما وبخهم به رسول الله (صلى الله عليه و آله). فقال جماعة من رؤسائهم و ذوي اللسن و البيان منهم: يا محمد، إنك تهجونا و تدعي على قلوبنا ما الله يعلم منها خلافه، إن فيها خيرا كثيرا، نصوم و نتصدق و نواسي الفقراء. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إنما الخير ما أريد به وجه الله تعالى، و عمل على ما أمر الله تعالى، فأما ما أريد به الرياء و السمعة و معاندة رسول الله، و إظهار الغنى له، و التمالك و التشرف عليه، فليس بخير، بل هو الشر الخالص، و وبال على صاحبه، يعذبه الله به أشد العذاب. فقالوا له: يا محمد، أنت تقول هذا، و نحن نقول: بل ما ننفقه إلا لإبطال أمرك، و دفع رسالتك، و لتفريق أصحابك عنك، و هو الجهاد الأعظم، نأمل به من الله تعالى الثواب الأجل الأجسم، فأقل أحوالنا أنا تساوينا في الدعاوى، فأي فضل لك علينا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا إخوة اليهود، إن الدعاوى يتساوى فيها المحقون و المبطلون، و لكن حجج الله و دلائله تفرق بينهم فتكشف عن تمويه المبطلين، و تبين عن حقائق المحقين، و رسول الله محمد لا يغتنم جهلكم، و لا يكلفكم التسليم له بغير حجة، و لكن يقيم عليكم حجة الله تعالى التي لا يمكنكم دفعها، و لا تطيقون الامتناع من موجبها، و لو ذهب محمد يريكم آية من عنده لشككتم، و قلتم: إنه متكلف مصنوع محتال فيه، معمول أو متواطأ عليه، فإذا اقترحتم أنتم فأراكم ما تقترحون، لم يكن لكم أن تقولوا: معمول أو متواطأ عليه أو متأت بحيلة و مقدمات، فما الذي تقترحون؟فهذا رب العالمين قد وعدني أن يظهر لكم ما تقترحون ليقطع معاذير الكافرين منكم، و يزيد في بصائر المؤمنين. قالوا: قد أنصفتنا-يا محمد-فإن وفيت بما وعدت من نفسك من الإنصاف، و إلا فأنت أول راجع عن دعواك للنبوة، و داخل في غمار الأمة، و مسلم لحكم التوراة لعجزك عما نقترحه عليك، و ظهور الباطل في دعواك فيما ترومه من جهتك. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الصدق ينبئ عنكم لا الوعيد، اقترحوا ما تقترحون ليقطع معاذيركم فيما تسألون. فقالوا له: يا محمد، زعمت أنه ما في قلوبنا شيء من مواساة الفقراء، و معاونة الضعفاء، و النفقة في إبطال الباطل، و إظهار الحق، و أن الأحجار ألين من قلوبنا، و أطوع لله منا، و هذه الجبال بحضرتنا، فهلم بنا إلى بعضها، فاستشهدها على تصديقك و تكذيبنا، فإن نطق بتصديقك فأنت المحق، يلزمنا اتباعك، و إن نطق بتكذيبك أو صمت فلم يرد جوابك، فاعلم بأنك المبطل في دعواك، المعاند لهواك. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): نعم، هلموا بنا إلى أيها شئتم أستشهده ليشهد لي عليكم؛ فخرجوا إلى أوعر جبل رأوه، فقالوا: يا محمد، هذا الجبل فاستشهده. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) للجبل: إني أسألك بجاه محمد و آله الطيبين الذين بذكر أسمائهم خفف الله العرش على كواهل ثمانية من الملائكة، بعد أن لم يقدروا على تحريكه و هم خلق كثير، لا يعرف عددهم غير الله عز و جل، و بحق محمد و آله الطيبين الذين بذكر أسمائهم تاب الله على آدم، و غفر خطيئته، و أعاده إلى مرتبته، و بحق محمد و آله الطيبين الذين بذكر أسمائهم و سؤال الله بهم رفع إدريس في الجنة مكانا عليا، لما شهدت لمحمد بما أودعك الله بتصديقه على هؤلاء اليهود في ذكر قساوة قلوبهم و تكذيبهم، و في جحدهم لقول محمد رسول الله. فتحرك الجبل و تزلزل، و فاض منه الماء، و نادى: يا محمد، أشهد أنك رسول الله رب العالمين، و سيد الخلق أجمعين، و أشهد أن قلوب هؤلاء اليهود كما وصفت: أقسى من الحجارة، لا يخرج منها خير، كما قد يخرج من الحجارة الماء سيلا أو تفجرا، و أشهد أن هؤلاء كاذبون عليك فيما به يقذفونك من الفرية على رب العالمين. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): و أسألك-أيها الجبل-أمرك الله بطاعتي فيما ألتمسه منك بجاه محمد و آله الطيبين الذين بهم نجى الله نوحا من الكرب العظيم، و برد النار على إبراهيم (عليه السلام) و جعلها عليه بردا و سلاما، و مكنه في جوف النار على سرير و فراش وثير، لم ير ذلك الطاغية مثله لأحد من ملوك الأرض أجمعين، و أنبت حواليه من الأشجار الخضرة النضرة النزهة، و غمر ما حوله من أنواع المنثور، بما لا يوجد إلا في فصول أربعة من جميع السنة؟ قال الجبل: بلى، أشهد لك-يا محمد-بذلك، و أشهد أنك لو اقترحت على ربك أن يجعل رجال الدنيا قرودا و خنازير لفعل، أو يجعلهم ملائكة لفعل، و أن يقلب النيران جليدا، و الجليد نيرانا لفعل، أو يهبط السماء إلى الأرض، أو يرفع الأرض إلى السماء لفعل، أو يصير أطراف المشارق و المغارب و الوهاد كلها صرة كصرة الكيس لفعل، و أنه قد جعل الأرض و السماء طوعك، و الجبال و البحار تنصرف بأمرك، و سائر ما خلق الله من الرياح و الصواعق، و جوارح الإنسان و أعضاء الحيوان لك مطيعة، و ما أمرتها به من شيء ائتمرت. فقال اليهود: يا محمد: علينا تلبس و تشبه؟قد أجلست مردة من أصحابك خلف صخور على هذا الجبل، فهم ينطقون بهذا الكلام، و نحن لا ندري أ نسمع من الرجل أم من الجبل؟لا يغتر بمثل هذا إلا ضعفاؤك الذين تبحبح في عقولهم، فإن كنت صادقا فتنح عن موضعك هذا إلى ذلك القرار، و مر هذا الجبل أن ينقلع من أصله، فيسير إليك إلى هناك، فإذا حضرك-و نحن نشاهده-فمره أن ينقطع نصفين من ارتفاع سمكه، ثم ترتفع السفلى من قطعتيه فوق العليا، و تنخفض العليا تحت السفلى، فإذا أصل الجبل قلته، و قلته أصله، لنعلم أنه من الله، لا يتفق بمواطأة و لا بمعاونة مموهين متمردين. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) -و أشار إلى حجر فيه قدر خمسة أرطال-: يا أيها الحجر، تدحرج؛ فتدحرج. ثم قال لمخاطبه: خذه و قربه من أذنك، فسيعيد عليك ما سمعته، فإنه جزء من ذلك الجبل؛ فأخذه الرجل، فأدناه إلى أذنه، فنطق الحجر بمثل ما نطق به الجبل أولا من تصديق رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيما ذكر عن قلوب اليهود، و فيما أخبر به من أن نفاقهم في دفع أمر محمد (صلى الله عليه و آله) باطل، و وبال عليهم. فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): أسمعت هذا؟أخلف هذا الحجر أحد يكلمك، و يوهمك أنه يكلمك، قال: لا، فآتني بما اقترحت في الجبل. فتباعد رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى فضاء واسع، ثم نادى الجبل: يا أيها الجبل، بحق محمد و آله الطيبين، الذين بجاههم و مسألة عباد الله بهم أرسل الله على قوم عاد ريحا صرصرا عاتية، تنزع الناس كأنهم أعجاز نخل خاوية، و أمر جبرئيل أن يصيح صيحة هائلة في قوم صالح حتى صاروا كهشيم المحتظر، لما انقلعت من مكانك بإذن الله، و جئت إلى حضرتي هذه؛ و وضع يده على الأرض بين يديه، فتزلزل الجبل، و سار كالقارح الهملاج حتى صار بين يديه، و دنا من إصبعه أصله فلزق بها، و وقف و ناداها: أنا لك سامع طائع-يا رسول رب العالمين-و إن رغمت أنوف هؤلاء المعاندين، مرني بأمرك. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن هؤلاء المعاندين اقترحوا علي أن آمرك أن تنقلع من أصلك، فتصير نصفين، ثم ينحط أعلاك، و يرتفع أسفلك، فتصير ذروتك أصلك، و أصلك ذروتك. فقال الجبل: أ تأمرني بذلك، يا رسول الله؟قال: بلى؛ فانقطع الجبل نصفين، و انحط أعلاه إلى الأرض، و ارتفع أصله فوق أعلاه، فصار فرعه أصله، و أصله فرعه. ثم نادى الجبل: معاشر اليهود، هذا الذي ترون دون معجزات موسى (عليه السلام) الذي تزعمون أنكم به مؤمنون. فنظر اليهود بعضهم إلى بعض، فقال بعضهم: ما عن هذا محيص؛ و قال آخرون منهم: هذا رجل مبخوت يؤتى له، و المبخوت تتأتى له العجائب، فلا يغرنكم ما تشاهدون. فناداهم الجبل: يا أعداء الله، قد أبطلتم بما تقولون نبوة موسى، هلا قلتم لموسى: إن قلب العصا ثعبانا، و انفلاق البحر طرقا، و وقوف الجبل كالظلة فوقكم؛ إنك يؤتى لك، يأتيك جدك بالعجائب، فلا يغرنا ما نشاهده؛ فألقمتهم الجبال-بمقالتها-الصخور، و لزمتهم حجة رب العالمين». قوله تعالى: أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كََانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاََمَ اَللََّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مََا عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ[75] وَ إِذََا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََالُوا آمَنََّا وَ إِذََا خَلاََ بَعْضُهُمْ إِلىََ بَعْضٍ قََالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِمََا فَتَحَ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ[76] أَ وَ لاََ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا يُسِرُّونَ وَ مََا يُعْلِنُونَ[77] 99-414/ - قال الإمام العسكري (عليه السلام): «فلما بهر رسول الله (صلى الله عليه و آله)، هؤلاء اليهود بمعجزته، و قطع معاذيرهم بواضح دلالته، لم يمكنهم مراجعته في حجته، و لا إدخال التلبيس عليه في معجزته، قالوا: يا محمد، قد آمنا بأنك الرسول الهادي المهدي، و أن عليا أخاك هو الوصي و الولي. و كانوا إذا خلوا باليهود الآخرين يقولون لهم: إن إظهارنا له الإيمان به أمكن لنا على دفع مكروهه، و أعون لنا على اصطلامه و اصطلام أصحابه، لأنهم عند اعتقادهم أننا معهم يقفوننا على أسرارهم، و لا يكتموننا شيئا، فنطلع عليهم أعداءهم، فيقصدون أذاهم بمعاونتنا و مظاهرتنا، في أوقات اشتغالهم و اضطرابهم، و في أحوال تعذر المدافعة و الامتناع من الأعداء عليهم. و كانوا مع ذلك ينكرون على سائر اليهود إخبار الناس عما كانوا يشاهدونه من آياته، و يعاينونه من معجزاته، فأظهر الله تعالى محمدا رسوله (صلى الله عليه و آله) على سوء اعتقادهم، و قبح دخائلهم، و على إنكارهم على من اعترف بما شاهده من آيات محمد (صلى الله عليه و آله) و واضح بيناته، و باهر معجزاته. فقال عز و جل: يا محمد أَ فَتَطْمَعُونَ أنت و أصحابك من علي و آله الطيبين أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ هؤلاء اليهود الذي هم بحجج الله قد بهرتموهم، و بآيات الله و دلائله الواضحة قد قهرتموهم أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ و يصدقوكم بقلوبهم، و يبدوا في الخلوات لشياطينهم شريف أحوالكم. وَ قَدْ كََانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يعني من هؤلاء اليهود من بني إسرائيل يَسْمَعُونَ كَلاََمَ اَللََّهِ في أصل جبل طور سيناء، و أوامره و نواهيه ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ عما سمعوه، إذا أدوه إلى من ورائهم من سائر بني إسرائيل مِنْ بَعْدِ مََا عَقَلُوهُ و علموا أنهم فيما يقولونه كاذبون وَ هُمْ يَعْلَمُونَ أنهم في قيلهم كاذبون. و ذلك أنهم لما صاروا مع موسى إلى الجبل، فسمعوا كلام الله، و وقفوا على أوامره و نواهيه، رجعوا فأدوه إلى من بعدهم فشق عليهم؛ فأما المؤمنون منهم فثبتوا على إيمانهم، و صدقوا في نياتهم، و أما أسلاف هؤلاء اليهود الذين نافقوا رسول الله (صلى الله عليه و آله) في هذه القصة، فإنهم قالوا لبني إسرائيل: إن الله تعالى قال لنا هذا، و أمرنا بما ذكرناه لكم و نهانا، و أتبع ذلك بأنكم إن صعب عليكم ما أمرتكم به فلا عليكم أن لا تفعلوه، و إن صعب عليكم ما عنه نهيتكم فلا عليكم أن ترتكبوه و تواقعوه، و هم يعلمون أنهم بقولهم هذا كاذبون. }ثم أظهر الله على نفاقهم الآخر مع جهلهم، فقال الله عز و جل: وَ إِذََا لَقُوا اَلَّذِينَ آمَنُوا قََالُوا آمَنََّا كانوا إذا لقوا سلمان و المقداد و أبا ذرّ و عمارا، قالوا: آمنا كإيمانكم، آمنا بنبوة محمد (صلى الله عليه و آله) مقرونة بالإيمان بإمامة أخيه علي بن أبي طالب، و بأنه أخوه الهادي، و وزيره الموالي، و خليفته على أمته، و منجز عدته، و الوافي بذمته، و الناهض بأعباء سياسته، و قيم الخلق، الذائد لهم عن سخط الرحمن، الموجب لهم-إن أطاعوه-رضا الرحمن، و أن خلفاءه من بعده هم النجوم الزاهرة، و الأقمار المنيرة، و الشمس المضيئة الباهرة، و أن أولياءهم أولياء الله، و أن أعداءهم أعداء الله. و يقول بعضهم: نشهد أن محمدا (صلى الله عليه و آله) صاحب المعجزات، و مقيم الدلالات الواضحات، هو الذي لما تواطأت قريش على قتله، و طلبوه فقدا لروحه، يبس الله أيديهم فلم تعمل، و أرجلهم فلن تنهض، حتى رجعوا عنه خائبين مغلوبين، و لو شاء محمد وحده قتلهم أجمعين، و هو الذي لما جاءته قريش، و أشخصته إلى هبل ليحكم عليه بصدقهم و كذبه خر هبل لوجهه، و شهد له بنبوته، و لعلي أخيه بإمامته، و لأوليائه من بعده بوراثته، و القيام بسياسته و إمامته. و هو الذي لما ألجأته قريش إلى الشعب، و وكلوا ببابه من يمنع من إيصال قوت، و من خروج أحد عنه، خوفا أن يطلب لهم قوتا، غذا هناك كافرهم و مؤمنهم أفضل من المن و السلوى، و كل ما اشتهى كل واحد منهم من أنواع الأطعمات الطيبات، و من أصناف الحلاوات، و كساهم أحسن الكسوات. و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) بين أظهرهم إذ يراهم و قد ضاقت لضيق فجهم صدورهم، قال بيده هكذا بيمناه إلى الجبال، و هكذا بيسراه إلى الجبال، و قال لها: اندفعي؛ فتندفع و تتأخر حتى يصيروا بذلك في صحراء لا ترى أطرافها، ثم يقول بيده هكذا، و يقول: أطلعي-يا أيتها المودعات لمحمد و أنصاره-ما أودعكها الله من الأشجار و الأثمار و الأنهار و أنواع الزهر و النبات، فتطلع الأشجار الباسقة، و الرياحين المونقة و الخضروات النزهة ما تتمتع به القلوب و الأبصار، و تنجلي به الهموم و الغموم و الأفكار، و هم يعلمون أنه ليس لأحد من ملوك الأرض مثل صحرائهم، على ما تشتمل عليه من عجائب أشجارها، و تهدل ثمارها، و اطراد أنهارها، و غضارة رياحينها، و حسن نباتها. و محمد هو الذي لما جاءه رسول أبي جهل يتهدده و يقول: يا محمد، إن الخيوط التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكة، و رمت بك إلى يثرب، و إنها لا تزال بك حتى تنفرك و تحثك على ما يفسدك و يتلفك، إلى أن تفسدها على أهلها، و تصليهم حر نار تعديك طورك، و ما أرى ذلك إلا و سيؤول إلى أن تثور عليك قريش ثورة رجل واحد بقصد آثارك، و دفع ضررك و بلائك، فتلقاهم بسفهائك المغترين بك، و يساعدك على ذلك من هو كافر بك و مبغض لك، فيلجئه إلى مساعدتك و مضافرتك خوفه لأن يهلك بهلاكك، و تعطب عياله بعطبك، و يفتقر هو و من يليه بفقرك، و بفقر شيعتك، أو يعتقدون أن أعداءك إذا قهروك و دخلوا ديارهم عنوة لم يفرقوا بين من والاك و عاداك، و اصطلموهم باصطلامهم لك، و أتوا على عيالاتهم و أموالهم بالسبي و النهب، كما يأتون على أموالك و عيالك، و قد أعذر من أنذر، و بالغ من أوضح. أديت هذه الرسالة إلى محمد (صلى الله عليه و آله) و هو بظاهر المدينة، بحضرة كافة أصحابه، و عامة الكفار من يهود بني إسرائيل، و هكذا أمر الرسول، ليجنبوا المؤمنين، و يغروا بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) للرسول: قد أطريت مقالتك، و استكملت رسالتك؟قال: بلى. قال: فاسمع الجواب: إن أبا جهل بالمكاره و العطب يهددني، و رب العالمين بالنصر و الظفر يعدني، و خبر الله أصدق، و القبول من الله أحق، لن يضر محمدا من خذله، أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله، و يتفضل بجوده و كرمه عليه، قل له: يا أبا جهل، إنك راسلتني بما ألقاه في خلدك الشيطان، و أنا أجيبك بما ألقاه في خاطري الرحمن، إن الحرب بيننا و بينك كائنة إلى تسعة و عشرين يوما، و إن الله سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، و ستلقى أنت و عتبة و شيبة و الوليد و فلان و فلان-و ذكر عددا من قريش-في قليب بدر مقتلين، أقتل منكم سبعين، و آسر منكم سبعين، أحملهم على الفداء الثقيل. ثم نادى جماعة من بحضرته من المؤمنين و اليهود و النصارى و سائر الأخلاط: ألا تحبون أن أريكم مصرع كل واحد من هؤلاء؟هلموا إلى بدر، فإن هناك الملتقى و المحشر، و هناك البلاء الأكبر، لأضع قدمي على مواضع مصارعهم، ثم ستجدونها لا تزيد و لا تنقص، و لا تتغير و لا تتقدم، و لا تتأخر لحظة، و لا قليلا و لا كثيرا؛ فلم يخف ذلك على أحد منهم و لم يجبه إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحده، و قال: نعم، بسم الله؛ فقال الباقون: نحن نحتاج إلى مركوب و آلات و نفقات، فلا يمكننا الخروج إلى هناك و هو مسيرة أيام. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لسائر اليهود: فأنتم، ماذا تقولون؟قالوا: نحن نريد أن نستقر في بيوتنا، و لا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في ادعائه محيل. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لا نصب عليكم في المسير إلى هناك، اخطوا خطوة واحدة فإن الله يطوي الأرض لكم، و يوصلكم في الخطوة الثانية إلى هناك؛ فقال المؤمنون: صدق رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلنتشرف بهذه الآية، و قال الكافرون و المنافقون: سوف نمتحن هذا الكذب لينقطع عذر محمد، و تصير دعواه حجة عليه، و فاضحة له في كذبه». قال: «فخطا القوم خطوة، ثم الثانية، فإذا هم عند بئر بدر فعجبوا من ذلك، فجاء رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فقال: اجعلوا البئر العلامة، و اذرعوا من عندها كذا ذراعا؛ فذرعوا، فلما انتهوا إلى آخرها، قال: هذا مصرع أبي جهل، يجرحه فلان الأنصاري، و يجهز عليه عبدالله بن مسعود أضعف أصحابي. ثم قال: اذرعوا من البئر من جانب آخر، ثم جانب آخر، كذا و كذا ذراعا، و ذكر أعداد الأذرع مختلفة، فلما انتهى كل عدد إلى آخره قال محمد (صلى الله عليه و آله): هذا مصرع عتبة، و ذاك مصرع شيبة، و ذاك مصرع الوليد، و سيقتل فلان و فلان-إلى أن سمى تمام سبعين منهم بأسمائهم-و سيؤسر فلان و فلان؛ إلى أن ذكر سبعين منهم بأسمائهم و أسماء آبائهم و صفاتهم، و نسب المنسوبين إلى الآباء منهم، و نسب الموالي منهم إلى مواليهم. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أوقفتم على ما أخبرتكم به قالوا: بلى؛ قال: و إن ذلك لحق كائن بعد ثمانية و عشرين يوما، في اليوم التاسع و العشرين، وعدا من الله مفعولا، و قضاء حتما لازما. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا معشر المسلمين و اليهود، اكتبوا ما سمعتم؛ فقالوا: يا رسول الله، قد سمعنا و وعينا و لا ننسى. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): الكتابة أفضل و أذكر لكم؛ فقالوا: يا رسول الله، و أين الدواة و الكتف؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) ذلك للملائكة، ثم قال: يا ملائكة ربي، اكتبوا ما سمعتم من هذه القصة في أكتاف، و اجعلوا في كم كل واحد منهم كتفا من ذلك. ثم قال: معاشر المسلمين، فأملوا أكمامكم و ما فيها، و أخرجوه و أقرءوه؛ فتأملوها فإذا في كم كل واحد منهم صحيفة، قرأها، و إذا فيها ذكر ما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) في ذلك سواء، لا يزيد و لا ينقص، و لا يتقدم و لا يتأخر. فقال: أعيدوها في أكمامكم تكن حجة عليكم، و شرفا للمؤمنين منكم، و حجة على أعدائكم؛ فكانت معهم، فلما كان يوم بدر جرت الأمور كلها ببدر، و وجدوها كما قال لا تزيد و لا تنقص، و لا تتقدم و لا تتأخر، قابلوا بها ما في كتبهم فوجدوها كما كتبته الملائكة فيها، لا تزيد و لا تنقص، و لا تتقدم و لا تتأخر، فقبل المسلمون ظاهرهم، و وكلوا باطنهم إلى خالقهم. فلما أفضى بعض هؤلاء اليهود إلى بعض، قال: أي شيء صنعتم؟أخبرتموهم بِمََا فَتَحَ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ من الدلالات على صدق نبوة محمد، و إمامة أخيه علي لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ بأنكم كنتم قد علمتم هذا و شاهدتموه، فلم تؤمنوا به و لم تطيعوه، و قدروا بجهلهم أنهم إن لم يخبروهم بتلك الآيات لم يكن له عليهم حجة في غيرها. ثم قال عز و جل: أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ أن هذا الذي تخبرونهم به مما فتح الله عليكم من دلائل نبوة محمد (صلى الله عليه و آله) حجة عليكم عند ربكم؟! قال الله تعالى: أَ وَ لاََ يَعْلَمُونَ -يعني أولا يعلم هؤلاء القائلون لإخوانهم: أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِمََا فَتَحَ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ - أَنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا يُسِرُّونَ من عداوة محمد و يضمرونه من أن إظهارهم الإيمان به أمكن لهم من اصطلامه، و إبادة أصحابه وَ مََا يُعْلِنُونَ من الإيمان ظاهرا ليؤنسوهم، و يقفوا به على أسرارهم فيذيعوها بحضرة من يضرهم، و إن الله لما علم ذلك دبر لمحمد (صلى الله عليه و آله) تمام أمره، و بلوغ غاية ما أراده ببعثه، و إنه يتم أمره، و إن نفاقهم و كيدهم لا يضره». 99-515/ - قال أبو علي الطبرسي في (مجمع البيان): روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال: «كان قوم من اليهود ليسوا من المعاندين المتواطئين، إذا لقوا المسلمين حدثوهم بما في التوراة من صفة محمد (صلى الله عليه و آله)، فنهاهم كبراؤهم عن ذلك، و قالوا: لا تخبروهم بما في التوراة من صفة محمد فيحاجوكم به عند ربكم، فنزلت الآية». 516/ -و قال علي بن إبراهيم: إنها نزلت في اليهود، و قد كانوا أظهروا الإسلام و كانوا منافقين، و كانوا إذا رأوا رسول الله قالوا: إنا معكم، و إذا رأوا اليهود، قالوا: إنا معكم، و كانوا يخبرون المسلمين بما في التوراة من صفة رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أصحابه، فقال لهم كبراؤهم و علماؤهم: أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِمََا فَتَحَ اَللََّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَ فَلاََ تَعْقِلُونَ فرد الله عليهم، فقال: أَ وَ لاََ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللََّهَ يَعْلَمُ مََا يُسِرُّونَ وَ مََا يُعْلِنُونَ. قوله تعالى: وَ مِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاََ يَعْلَمُونَ اَلْكِتََابَ إِلاََّ أَمََانِيَّ وَ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَظُنُّونَ[78] فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتََابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هََذََا مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمََّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَ وَيْلٌ لَهُمْ مِمََّا يَكْسِبُونَ[79] 99-517/ - قال الإمام العسكري (عليه السلام): «قال الله عز و جل: يا محمد، و من هؤلاء اليهود أُمِّيُّونَ لا يقرءون الكتاب و لا يكتبون، فالأمي منسوب إلى أمه، أي هو كما خرج من بطن أمه لا يقرأ و لا يكتب لاََ يَعْلَمُونَ اَلْكِتََابَ المنزل من السماء و لا المكذب به، و لا يميزون بينهما إِلاََّ أَمََانِيَّ أي إلا أن يقرأ عليهم، و يقال لهم: إن هذا كتاب الله و كلامه، و لا يعرفون إن قرئ من الكتاب خلاف ما فيه وَ إِنْ هُمْ إِلاََّ يَظُنُّونَ أي ما يقول لهم رؤساؤهم من تكذيب محمد في نبوته، و إمامة علي سيد عترته، و هم يقلدونهم مع أنه محرم عليهم تقليدهم». قال: «فقال رجل للصادق (عليه السلام): فإذا كان هؤلاء القوم لا يعرفون الكتاب إلا بما يسمعونه من علمائهم لا سبيل لهم إلى غيره، فكيف ذمهم بتقليدهم و القبول من علمائهم؟و هل عوام اليهود إلا كعوامنا يقلدون علماءهم، فإن لم يجز لأولئك القبول من علمائهم، لم يجز لعوامنا القبول من علمائهم؟ فقال (عليه السلام): بين عوامنا و علمائنا و بين عوام اليهود و علمائهم فرق من جهة، و تسوية من جهة، أما من حيث إنهم استووا، فإن الله قد ذم عوامنا بتقليدهم علماءهم، كما قد ذم عوامهم، و أما من حيث أنهم افترقوا فلا. قال: بين لي ذلك، يا ابن رسول الله. قال (عليه السلام): إن عوام اليهود كانوا قد عرفوا علماءهم بالكذب الصراح، و بأكل الحرام و الرشا، و بتغيير الأحكام عن واجبها بالشفاعات و العنايات و المصانعات، و عرفوهم بالتعصب الشديد الذي يفارقون به أديانهم، و أنهم إذا تعصبوا أزالوا حقوق من تعصبوا عليه، و أعطوا ما لا يستحقه من تعصبوا له من أموال غيرهم، و ظلموهم من أجلهم، و عرفوهم بأنهم يقارفون المحرمات، و اضطروا بمعارف قلوبهم إلى أن من فعل ما يفعلونه فهو فاسق، لا يجوز أن يصدق على الله تعالى، و لا على الوسائط بين الخلق و بين الله، فلذلك ذمهم لما قلدوا من قد عرفوا، و من قد علموا أنه لا يجوز قبول خبره، و لا تصديقه في حكايته، و لا العمل بما يؤديه إليهم عمن لم يشاهدوه، و وجب عليهم النظر بأنفسهم في أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذ كانت دلائله أوضح من أن تخفى، و أشهر من أن لا تظهر لهم. و كذلك عوام أمتنا، إذا عرفوا من فقهائهم الفسق الظاهر، و العصبية الشديدة، و التكالب على حطام الدنيا و حرامها، و إهلاك من يتعصبون عليه، و إن كان لإصلاح أمره مستحقا، و بالترفرف بالبر و الإحسان على من تعصبوا له، و إن كان للإذلال و الإهانة مستحقا، فمن قلد من عوامنا مثل هؤلاء الفقهاء فهم مثل اليهود الذين ذمهم الله تعالى بالتقليد لفسقة فقهائهم. فأما من كان من الفقهاء صائنا لنفسه، حافظا لدينه، مخالفا لهواه، مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه، و ذلك لا يكون إلا في بعض فقهاء الشيعة لا جميعهم، فإنه من ركب من القبائح و الفواحش مراكب فسقة فقهاء العامة فلا تقبلوا منهم عنا شيئا، و لا كرامة لهم، و إنما كثر التخليط فيما يتحمل عنا أهل البيت لذلك، لأن الفسقة يتحملون عنا فيحرفونه بأسره لجهلهم، و يضعون الأشياء على غير وجهها لقلة معرفتهم، و آخرين يتعمدون الكذب علينا ليجروا من عرض الدنيا ما هو زادهم إلى نار جهنم. و منهم قوم نصاب لا يقدرون على القدح فينا، يتعلمون بعض علومنا الصحيحة فيتوجهون به عند شيعتنا، و ينتقصون بنا عند نصابنا، ثم يضيفون إليه أضعافه و أضعاف أضعافه من الأكاذيب علينا التي نحن براء منها، فيتقبله المسلمون المستسلمون من شيعتنا على أنه من علومنا فضلوا و أضلوا، و هم أضر على ضعفاء شيعتنا من جيش يزيد-عليه اللعنة و العذاب-على الحسين بن علي (عليه السلام) و أصحابه، فإنهم يسلبونهم الأرواح و الأموال، و للمسلوبين عند الله أفضل الأحوال لما لحقهم من أعدائهم. و هؤلاء علماء السوء الناصبون المشبهون بأنهم لنا موالون، و لأعدائنا معادون، يدخلون الشك و الشبهة على ضعفاء شيعتنا، فيضلونهم و يمنعونهم عن قصد الحق المصيب، لا جرم أن من علم الله من قلبه من هؤلاء العوام أنه لا يريد إلا صيانة دينه و تعظيمه وليه، لم يتركه في يد هذا الملبس الكافر، و لكنه يقيض له مؤمنا يقف به على الصواب، ثم يوفقه الله للقبول منه، فيجمع له بذلك خير الدنيا و الآخرة، و يجمع على من أضله لعن الدنيا و عذاب الآخرة». ثم قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): شرار علماء أمتنا المضلون عنا، القاطعون للطرق إلينا، المسمون أضدادنا بأسمائنا، الملقبون بألقابنا، يصلون عليهم و هم للعن مستحقون، و يلعنوننا و نحن بكرامات الله مغمورون، و بصلوات الله و صلوات ملائكته المقربين علينا، عن صلواتهم علينا مستغنون». ثم قال: «قيل لأمير المؤمنين (عليه السلام): من خير الخلق بعد أئمة الهدى و مصابيح الدجى؟قال: العلماء إذا صلحوا. قيل: فمن شرار خلق الله بعد إبليس و فرعون و نمرود، و بعد المتسمين بأسمائكم، و المتلقبين بألقابكم، و الآخذين لأمكنتكم، و المتأمرين في ممالككم؟قال: العلماء إذا فسدوا، و إنهم المظهرون للأباطيل، الكاتمون للحقائق، و فيهم قال الله عز و جل: أُولََئِكَ يَلْعَنُهُمُ اَللََّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اَللاََّعِنُونَ* `إِلاَّ اَلَّذِينَ تََابُوا الآية». ثم قال الله عز و جل: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتََابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هََذََا مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً. قال الإمام (عليه السلام): «قال الله عز و جل[هذا]لقوم من هؤلاء اليهود كتبوا صفة زعموا أنها صفة النبي (صلى الله عليه و آله)، و هي خلاف صفته، و قالوا للمستضعفين منهم: هذه صفة النبي المبعوث في آخر الزمان: أنه طويل، عظيم البدن و البطن، أصهب الشعر، و محمد خلافه، و هو يجيء بعد هذا الزمان بخمسمائة سنة. و إنما أرادوا بذلك لتبقى لهم على ضعفائهم رئاستهم، و تدوم لهم منهم إصابتهم، و يكفوا أنفسهم مؤنة خدمة محمد (صلى الله عليه و آله) و خدمة علي (عليه السلام) و أهل خاصته. فقال الله عز و جل: فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمََّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ من هذه الصفات المحرفات المخالفات لصفة محمد و علي (عليهما السلام)، الشدة لهم من العذاب في أشق بقاع جهنم وَ وَيْلٌ لَهُمْ من الشدة في العذاب ثانية، مضافة إلى الأولى مِمََّا يَكْسِبُونَ من الأموال التي يأخذونها إذا أثبتوا عوامهم على الكفر بمحمد رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و الجحد بوصية أخيه علي ولي الله». 99-518/ - العياشي: عن محمد بن سالم، عن أبي بصير، قال: قال جعفر بن محمد (عليه السلام): «خرج عبدالله ابن عمرو بن العاص من عند عثمان، فلقي أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال له: يا علي، بيتنا الليلة في أمر، نرجو أن يثبت الله هذه الأمة. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): لن يخفى علي ما بيتم فيه، حرفتم و غيرتم و بدلتم تسعمائة حرف: ثلاثمائة حرفتم، و ثلاثمائة غيرتم، و ثلاثمائة بدلتم فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتََابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هََذََا مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ » إلى آخر الآية. قوله تعالى: وَ قََالُوا لَنْ تَمَسَّنَا اَلنََّارُ إِلاََّ أَيََّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اَللََّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اَللََّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ[80] `بَلىََ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحََاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ[81] 99-519/ - قال الإمام العسكري (عليه السلام): «قال الله عز و جل: وَ قََالُوا يعني اليهود المصرون للشقاوة، المظهرون للإيمان، المسرون للنفاق، المدبرون على رسول الله (صلى الله عليه و آله) و ذويه بما يظنون أن فيه عطبهم: لَنْ تَمَسَّنَا اَلنََّارُ إِلاََّ أَيََّاماً مَعْدُودَةً و ذلك أنه كان لهم أصهار و إخوة رضاع من المسلمين، يسترون كفرهم عن محمد (صلى الله عليه و آله) و صحبه، و إن كانوا به عارفين، صيانة لهم لأرحامهم و أصهارهم. قال لهم هؤلاء: لم تفعلون هذا النفاق الذي تعلمون أنكم به عند الله مسخوط عليكم معذبون؟ أجابهم هؤلاء اليهود: بأن مدة ذلك العقاب الذي نعذب به لهذه الذنوب أَيََّاماً مَعْدُودَةً تنقضي، ثم نصير بعد في النعمة في الجنان، فلا نتعجل المكروه في الدنيا للعذاب الذي هو بقدر أيام ذنوبنا، فإنها تفنى و تنقضي، و نكون قد حصلنا لذات الحرية من الخدمة، و لذات نعم الدنيا، ثم لا نبالي بما يصيبنا بعد، فإنه إذا لم يكن دائما فكأنه قد فنى. فقال الله عز و جل: قُلْ يا محمد: أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اَللََّهِ عَهْداً أن عذابكم على كفركم بمحمد و دفعكم لآياته في نفسه، و في علي و سائر خلفائه و أوليائه، منقطع غير دائم؟بل ما هو إلا عذاب دائم لا نفاد له، فلا تجترئوا على الآثام و القبائح من الكفر بالله و برسوله و بوليه المنصوب بعده على أمته، ليسوسهم و يرعاهم بسياسة الوالد الشفيق الرحيم الكريم لولده، و رعاية الحدب المشفق على خاصته. فَلَنْ يُخْلِفَ اَللََّهُ عَهْدَهُ فكذلك أنتم بما تدعون من فناء عذاب ذنوبكم هذه في حرز أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ مََا لاََ تَعْلَمُونَ أتخذتم عهدا، أم تقولون؟بل أنتم-في أيهما ادعيتم-كاذبون». ثم قال الله عز و جل: بَلىََ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحََاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ ». قال الإمام (عليه السلام): «السيئة المحيطة به هي التي تخرجه عن جملة دين الله، و تنزعه عن ولاية الله، و ترميه في سخط الله، و هي الشرك بالله، و الكفر به، و الكفر بنبوة محمد رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و الكفر بولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كل واحدة من هذه سيئة تحيط به، أي تحيط بأعماله فتبطلها و تمحقها فَأُولََئِكَ عاملو هذه السيئة المحيطة أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ. ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن ولاية علي حسنة لا يضر معها شيء من السيئات و إن جلت، إلا ما يصيب أهلها من التطهير منها بمحن الدنيا، و ببعض العذاب في الآخرة إلى أن ينجو منها بشفاعة مواليه الطيبين الطاهرين، و إن ولاية أضداد علي و مخالفة علي (عليه السلام) سيئة لا ينفع معها شيء إلا ما ينفعهم لطاعتهم في الدنيا بالنعم و الصحة و السعة، فيردون الآخرة و لا يكون لهم إلا دائم العذاب. ثم قال: إن من جحد ولاية علي لا يرى الجنة بعينه أبدا إلا ما يراه بما يعرف به أنه لو كان يواليه لكان ذلك محله و مأواه و منزله، فيزداد حسرات و ندامات، و إن من توالى عليا، و برىء من أعدائه، و سلم لأوليائه، لا يرى النار بعينه أبدا إلا ما يراه، فيقال له: لو كنت على غير هذا لكان ذلك مأواك؛ و إلا ما يباشره منها إن كان مسرفا على نفسه بما دون الكفر إلا أن ينظف بجهنم، كما ينظف درنه بالحمام الحامي، ثم ينقل عنها بشفاعة مواليه». 99-520/ - محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن حمدان بن سليمان، عن عبدالله بن محمد اليماني، عن منيع بن الحجاج، عن يونس، عن صباح المزني، عن أبي حمزة، عن أحدهما (عليهما السلام) في قول الله عز و جل: بَلىََ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَ أَحََاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ قال: «إذا جحدوا إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) فَأُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ ».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ١ - الصفحة ٢٤٤. — غير محدد
538/ (_17) - و قال الإمام

العسكري (عليه السلام): «و أما قوله عز و جل: وَ اَلْمَسََاكِينِ فهو من سكن الضر و الفقر حركته؛ ألا فمن واساهم بحواشي ماله، وسع الله عليه جنانه، و أناله غفرانه و رضوانه». و قال الإمام (عليه السلام): «و إن من محبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) و علي (عليه السلام) مساكين، مواساتهم أفضل من مواساة مساكين الفقراء، و هم الذين سكنت جوارحهم، و ضعفت قواهم عن مقاتلة أعداء الله الذين يعيرونهم بدينهم، و يسفهون أحلامهم. ألا فمن قواهم بفقهه، و علمهم حتى أزال مسكنتهم، ثم سلطهم على الأعداء الظاهرين من النواصب، و على الأعداء الباطنين، إبليس و مردته، حتى يهزموهم عن دين الله، و يذودوهم عن أولياء الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حول الله تلك المسكنة إلى شياطينهم، فأعجزهم عن إضلالهم، قضى الله تعالى بذلك قضاء حقا على لسان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). و قال علي بن أبي طالب (عليه السلام): من قوى مسكينا في دينه، ضعيفا في معرفته، على ناصب مخالف، فأفحمه لقنه الله يوم يدلى في قبره أن يقول: الله ربي، و محمد نبيي، و علي وليي، و الكعبة قبلتي، و القرآن بهجتي و عدتي، و المؤمنون إخواني؛ فيقول الله: أدليت بالحجة، فوجبت لك أعالي درجات الجنة؛ فعند ذلك يتحول عليه قبره أنزه رياض الجنة».

البرهان في تفسير القرآن - ج ١ - الصفحة ٢٦٥. — الإمام العسكري عليه السلام
572/ - قال الإمام

العسكري (عليه السلام): «قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما قدم المدينة كثر حوله المهاجرون و الأنصار، و كثرت عليه المسائل، و كانوا يخاطبونه بالخطاب الشريف العظيم الذي يليق به، و ذلك أن الله تعالى كان قال لهم: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَرْفَعُوا أَصْوََاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاََ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمََالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ. و كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) بهم رحيما، و عليهم عطوفا، و في إزالة الآثام عنهم مجتهدا، حتى أنه كان ينظر إلى كل من كان يخاطبه فيعمد على أن يكون صوته (صلى الله عليه و آله) مرتفعا على صوته، ليزيل عنه ما توعده الله به من إحباط أعماله، حتى أن رجلا أعرابيا ناداه يوما و هو خلف حائط بصوت له جهوري: يا محمد، فأجابه بأرفع من صوته، يريد أن لا يأثم الأعرابي بارتفاع صوته. فقال له الأعرابي: أخبرني عن التوبة إلى متى تقبل؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا أخا العرب، إن بابها مفتوح لابن آدم، لا ينسد حتى تطلع الشمس من مغربها؛ و ذلك قوله عز و جل: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ و هو طلوع الشمس من مغربها لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمََانِهََا خَيْراً. و قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): و كانت هذه اللفظة رََاعِنََا من ألفاظ المسلمين الذين يخاطبون بها رسول الله (صلى الله عليه و آله)، يقولون: راعنا، أي ارع أحوالنا، و اسمع منا كما نسمع منك، و كان في لغة اليهود معناها: اسمع، لا سمعت. فلما سمع اليهود المسلمين يخاطبون بها رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقولون: راعنا، و يخاطبون بها، قالوا: كنا نشتم محمدا إلى الآن سرا، فتعالوا الآن نشتمه جهرا، و كانوا يخاطبون رسول الله (صلى الله عليه و آله) و يقولون: راعنا، يريدون شتمه. ففطن لهم سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، أراكم تريدون سب رسول الله (صلى الله عليه و آله)، توهمونا أنكم تجرون في مخاطبته مجرانا، و الله، لا أسمعها من أحد منكم إلا ضربت عنقه، و لولا أني أكره أن أقدم عليكم قبل التقدم و الاستئذان له و لأخيه و وصيه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، القيم بأمور الأمة نائبا عنه فيها، لضربت عنق من قد سمعته منكم يقول هذا. فأنزل الله: يا محمد مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوََاضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنََا وَ عَصَيْنََا وَ اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ رََاعِنََا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي اَلدِّينِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ قََالُوا سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا وَ اِسْمَعْ وَ اُنْظُرْنََا لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَقْوَمَ وَ لََكِنْ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً. و أنزل: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَقُولُوا رََاعِنََا فإنها لفظة يتوصل بها أعداؤكم من اليهود إلى سب رسول الله (صلى الله عليه و آله) و سبكم وَ قُولُوا اُنْظُرْنََا أي قولوا بهذه اللفظة، لا بلفظة راعنا، فإنه ليس فيها ما في قولكم: راعنا، و لا يمكنهم أن يتوصلوا بها إلى الشتم، كما يمكنهم بقولكم: راعنا. وَ اِسْمَعُوا إذا قال لكم رسول الله (صلى الله عليه و آله) قولا، و أطيعوا. وَ لِلْكََافِرِينَ يعني اليهود الشاتمين لرسول الله (صلى الله عليه و آله) عَذََابٌ أَلِيمٌ وجيع في الدنيا إن عادوا لشتمهم، و في الآخرة بالخلود في النار». قوله تعالى: مََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ لاَ اَلْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ اَللََّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ[105] 99-573/ - قال الإمام العسكري (عليه السلام): «قال علي بن موسى الرضا (عليه السلام): إن الله تعالى ذم اليهود [و النصارى]و المشركين و النواصب فقال: مََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ اليهود و النصارى وَ لاَ اَلْمُشْرِكِينَ و لا من المشركين الذين هم نواصب، يغتاظون لذكر الله و ذكر محمد و فضائل علي (عليهما السلام)، و إبانته عن شريف فضله و محله أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ لا يودون أن ينزل عليكم مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ من الآيات الزائدات في شرف محمد و علي و آلهما الطيبين (عليهم السلام)، و لا يودون أن ينزل دليل معجز من السماء يبين عن محمد و علي و آلهما. فهم لأجل ذلك يمنعون أهل دينهم من أن يحاجوك، مخافة أن تبهرهم حجتك، و تفحمهم معجزتك، فيؤمن بك عوامهم، أو يضطربون على رؤسائهم، فلذلك يصدون من يريد لقاءك-يا محمد-ليعرف أمرك، بأنه لطيف خلاق ساحر اللسان، لا تراه و لا يراك خير لك، و أسلم لدينك و دنياك، فهم بمثل هذا يصدون العوام عنك. ثم قال الله عز و جل: وَ اَللََّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ و توفيقه لدين الإسلام، و موالاة محمد و علي (عليهما السلام) مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ على من يوفقه لدينه، و يهديه لموالاتك و موالاة علي بن أبي طالب (عليه السلام) ». قال: «فلما قرعهم بهذا رسول الله (صلى الله عليه و آله)، حضره منهم جماعة فعاندوه، و قالوا: يا محمد، إنك تدعي على قلوبنا خلاف ما فيها، ما نكره أن تنزل عليك حجة تلزم الانقياد لها فننقاد. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): لئن عاندتم ها هنا محمدا، فستعاندون رب العالمين إذا أنطق صحائفكم بأعمالكم، و تقولون: ظلمتنا الحفظة، فكتبوا علينا ما لم نفعل، فعند ذلك يستشهد جوارحكم، فتشهد عليكم. فقالوا: لا تبعد شاهدك، فإنه فعل الكذابين، بيننا و بين القيامة بعد، أرنا في أنفسنا ما تدعي لنعلم صدقك، و لن تفعله لأنك من الكذابين. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام): استشهد جوارحهم. فاستشهدها علي (عليه السلام) فشهدت كلها عليهم أنهم لا يودون أن ينزل على أمة محمد، على لسان محمد خير من عند ربكم آية بينة، و حجة معجزة لنبوته، و إمامة أخيه علي (عليه السلام)، مخافة أن تبهرهم حجته، و يؤمن به عوامهم، و يضطرب عليهم كثير منهم. فقالوا: يا محمد، لسنا نسمع هذه الشهادة التي تدعي أن جوارحنا تشهد بها. فقال: يا علي، هؤلاء من الذين قال الله: إِنَّ اَلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ* `وَ لَوْ جََاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ ادع عليهم بالهلاك، فدعا عليهم علي (عليه السلام) بالهلاك، فكل جارحة نطقت بالشهادة على صاحبها انفتقت حتى مات مكانه. فقال قوم آخرون حضروا من اليهود: ما أقساك-يا محمد-قتلتهم أجمعين! فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ما كنت لألين على من اشتد عليه غضب الله تعالى، أما إنهم لو سألوا الله تعالى بمحمد و علي و آلهما الطيبين أن يمهلهم و يقيلهم لفعل بهم، كما كان فعل بمن كان من قبل من عبدة العجل لما سألوا الله بمحمد و علي و آلهما الطيبين، و قال الله لهم على لسان موسى: لو كان دعا بذلك على من قد قتل لأعفاه الله من القتل كرامة لمحمد و علي و آلهما الطيبين». 99-574/ - الحسن بن أبي الحسن الديلمي: عمن رواه، بإسناده عن أبي صالح، عن حماد بن عثمان، عن أبي الحسن الرضا، عن أبيه موسى، عن أبيه جعفر (صلوات الله عليهم أجمعين)، في قوله تعالى: يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشََاءُ. قال: «المختصون بالرحمة نبي الله و وصيه و عترتهما، إن الله تعالى خلق مائة رحمة، فتسع و تسعون رحمة عنده مذخورة لمحمد و علي و عترتهما، و رحمة واحدة مبسوطة على سائر الموجودين». قوله تعالى: مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهََا أَوْ مِثْلِهََا أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[106] أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَ لاََ نَصِيرٍ[107] 99-575/ - قال الإمام العسكري (عليه السلام): «قال محمد بن علي بن موسى الرضا (عليه السلام): مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أي نرفع حكمها أَوْ نُنْسِهََا بأن نرفع رسمها، و نزيل عن القلوب حفظها، و عن قلبك-يا محمد-كما قال الله تعالى: سَنُقْرِئُكَ فَلاََ تَنْسىََ* `إِلاََّ مََا شََاءَ اَللََّهُ أن ينسيك، فرفع ذكره عن قلبك نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهََا يعني بخير لكم، فهذه الثانية أعظم لثوابكم، و أجل لصلاحكم من الآية الأولى المنسوخة أَوْ مِثْلِهََا من مثلها في الصلاح لكم، أي إنا لا ننسخ و لا نبدل إلا و غرضنا في ذلك مصالحكم. ثم قال: يا محمد أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فإنه قدير يقدر على النسخ و غيره أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ و هو العالم بتدبيرها و مصالحها، و هو يدبركم بعلمه وَ مََا لَكُمْ مِنْ دُونِ اَللََّهِ مِنْ وَلِيٍّ يلي صلاحكم إذ كان العالم بالمصالح هو الله عز و جل دون غيره وَ لاََ نَصِيرٍ و ما لكم من ناصر ينصركم من مكروه إن أراد الله إنزاله بكم، أو عقاب إن أراد إحلاله بكم. و قال محمد بن علي الباقر (عليهما السلام): و ربما قدر الله عليه النسخ و التنزيل لمصالحكم و منافعكم، لتؤمنوا بها، و يتوفر عليكم الثواب بالتصديق بها، فهو يفعل من ذلك ما فيه صلاحكم و الخيرة لكم. ثم قال: أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اَللََّهَ لَهُ مُلْكُ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فهو يملكهما بقدرته، و يصلحهما بحسب مشيئته، لا مقدم لما أخر، و لا مؤخر لما قدم. ثم قال الله تعالى: وَ مََا لَكُمْ يا معشر اليهود، و المكذبين بمحمد (صلى الله عليه و آله)، و الجاحدين لنسخ الشرائع مِنْ دُونِ اَللََّهِ سوى الله تعالى مِنْ وَلِيٍّ يلي مصالحكم، إن لم يدلكم ربكم للمصالح وَ لاََ نَصِيرٍ ينصركم من دون الله، فيدفع عنكم عذابه». 99-576/ - العياشي: عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قوله: مََا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهََا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهََا أَوْ مِثْلِهََا. قال: «الناسخ ما حول، و ما ينساها مثل الغيب الذي لم يكن بعد، كقوله: يَمْحُوا اَللََّهُ مََا يَشََاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ اَلْكِتََابِ ». قال: «فيفعل الله ما يشاء و يحول ما يشاء، مثل قوم يونس إذ بدا له فرحمهم، و مثل قوله: فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمََا أَنْتَ بِمَلُومٍ -قال-: أدركهم برحمته ».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ١ - الصفحة ٢٩٧. — الإمام الكاظم عليه السلام
572/ (_1) - قال الإمام

العسكري (عليه السلام): «قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لما قدم المدينة كثر حوله المهاجرون و الأنصار، و كثرت عليه المسائل، و كانوا يخاطبونه بالخطاب الشريف العظيم الذي يليق به، و ذلك أن الله تعالى كان قال لهم: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَرْفَعُوا أَصْوََاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ وَ لاََ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمََالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لاََ تَشْعُرُونَ. و كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بهم رحيما، و عليهم عطوفا، و في إزالة الآثام عنهم مجتهدا، حتى أنه كان ينظر إلى كل من كان يخاطبه فيعمد على أن يكون صوته (صلى الله عليه وآله وسلم) مرتفعا على صوته، ليزيل عنه ما توعده الله به من إحباط أعماله، حتى أن رجلا أعرابيا ناداه يوما و هو خلف حائط بصوت له جهوري: يا محمد، فأجابه بأرفع من صوته، يريد أن لا يأثم الأعرابي بارتفاع صوته. فقال له الأعرابي: أخبرني عن التوبة إلى متى تقبل؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا أخا العرب، إن بابها مفتوح لابن آدم، لا ينسد حتى تطلع الشمس من مغربها؛ و ذلك قوله عز و جل: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ و هو طلوع الشمس من مغربها لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمََانِهََا خَيْراً. و قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): و كانت هذه اللفظة رََاعِنََا من ألفاظ المسلمين الذين يخاطبون بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، يقولون: راعنا، أي ارع أحوالنا، و اسمع منا كما نسمع منك، و كان في لغة اليهود معناها: اسمع، لا سمعت. فلما سمع اليهود المسلمين يخاطبون بها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقولون: راعنا، و يخاطبون بها، قالوا: كنا نشتم محمدا إلى الآن سرا، فتعالوا الآن نشتمه جهرا، و كانوا يخاطبون رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و يقولون: راعنا، يريدون شتمه. ففطن لهم سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، أراكم تريدون سب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، توهمونا أنكم تجرون في مخاطبته مجرانا، و الله، لا أسمعها من أحد منكم إلا ضربت عنقه، و لولا أني أكره أن أقدم عليكم قبل التقدم و الاستئذان له و لأخيه و وصيه علي بن أبي طالب (عليه السلام)، القيم بأمور الأمة نائبا عنه فيها، لضربت عنق من قد سمعته منكم يقول هذا. فأنزل الله: يا محمد مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوََاضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنََا وَ عَصَيْنََا وَ اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ رََاعِنََا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي اَلدِّينِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ قََالُوا سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا وَ اِسْمَعْ وَ اُنْظُرْنََا لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَقْوَمَ وَ لََكِنْ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً. و أنزل: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَقُولُوا رََاعِنََا فإنها لفظة يتوصل بها أعداؤكم من اليهود إلى سب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و سبكم وَ قُولُوا اُنْظُرْنََا أي قولوا بهذه اللفظة، لا بلفظة راعنا، فإنه ليس فيها ما في قولكم: راعنا، و لا يمكنهم أن يتوصلوا بها إلى الشتم، كما يمكنهم بقولكم: راعنا. وَ اِسْمَعُوا إذا قال لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قولا، و أطيعوا. وَ لِلْكََافِرِينَ يعني اليهود الشاتمين لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عَذََابٌ أَلِيمٌ وجيع في الدنيا إن عادوا لشتمهم، و في الآخرة بالخلود في النار». قوله تعالى: مََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ وَ لاَ اَلْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ اَللََّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ[105] 99-573/ (_1) - قال الإمام العسكري (عليه السلام): «قال علي بن موسى الرضا (عليه السلام): إن الله تعالى ذم اليهود [و النصارى]و المشركين و النواصب فقال: مََا يَوَدُّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ اَلْكِتََابِ اليهود و النصارى وَ لاَ اَلْمُشْرِكِينَ و لا من المشركين الذين هم نواصب، يغتاظون لذكر الله و ذكر محمد و فضائل علي (عليهما السلام)، و إبانته عن شريف فضله و محله أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ لا يودون أن ينزل عليكم مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ من الآيات الزائدات في شرف محمد و علي و آلهما الطيبين (عليهم السلام)، و لا يودون أن ينزل دليل معجز من السماء يبين عن محمد و علي و آلهما. فهم لأجل ذلك يمنعون أهل دينهم من أن يحاجوك، مخافة أن تبهرهم حجتك، و تفحمهم معجزتك، فيؤمن بك عوامهم، أو يضطربون على رؤسائهم، فلذلك يصدون من يريد لقاءك-يا محمد-ليعرف أمرك، بأنه لطيف خلاق ساحر اللسان، لا تراه و لا يراك خير لك، و أسلم لدينك و دنياك، فهم بمثل هذا يصدون العوام عنك. ثم قال الله عز و جل: وَ اَللََّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ و توفيقه لدين الإسلام، و موالاة محمد و علي (عليهما السلام) مَنْ يَشََاءُ وَ اَللََّهُ ذُو اَلْفَضْلِ اَلْعَظِيمِ على من يوفقه لدينه، و يهديه لموالاتك و موالاة علي بن أبي طالب (عليه السلام)». قال: «فلما قرعهم بهذا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حضره منهم جماعة فعاندوه، و قالوا: يا محمد، إنك تدعي على قلوبنا خلاف ما فيها، ما نكره أن تنزل عليك حجة تلزم الانقياد لها فننقاد. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): لئن عاندتم ها هنا محمدا، فستعاندون رب العالمين إذا أنطق صحائفكم بأعمالكم، و تقولون: ظلمتنا الحفظة، فكتبوا علينا ما لم نفعل، فعند ذلك يستشهد جوارحكم، فتشهد عليكم. فقالوا: لا تبعد شاهدك، فإنه فعل الكذابين، بيننا و بين القيامة بعد، أرنا في أنفسنا ما تدعي لنعلم صدقك، و لن تفعله لأنك من الكذابين. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام): استشهد جوارحهم. فاستشهدها علي (عليه السلام) فشهدت كلها عليهم أنهم لا يودون أن ينزل على أمة محمد، على لسان محمد خير من عند ربكم آية بينة، و حجة معجزة لنبوته، و إمامة أخيه علي (عليه السلام)، مخافة أن تبهرهم حجته، و يؤمن به عوامهم، و يضطرب عليهم كثير منهم. فقالوا: يا محمد، لسنا نسمع هذه الشهادة التي تدعي أن جوارحنا تشهد بها. فقال: يا علي، هؤلاء من الذين قال الله: إِنَّ اَلَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ* `وَ لَوْ جََاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ ادع عليهم بالهلاك، فدعا عليهم علي (عليه السلام) بالهلاك، فكل جارحة نطقت بالشهادة على صاحبها انفتقت حتى مات مكانه. فقال قوم آخرون حضروا من اليهود: ما أقساك-يا محمد-قتلتهم أجمعين! فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما كنت لألين على من اشتد عليه غضب الله تعالى، أما إنهم لو سألوا الله تعالى بمحمد و علي و آلهما الطيبين أن يمهلهم و يقيلهم لفعل بهم، كما كان فعل بمن كان من قبل من عبدة العجل لما سألوا الله بمحمد و علي و آلهما الطيبين، و قال الله لهم على لسان موسى: لو كان دعا بذلك على من قد قتل لأعفاه الله من القتل كرامة لمحمد و علي و آلهما الطيبين».

البرهان في تفسير القرآن - ج ١ - الصفحة ٢٩٧. — الإمام الكاظم عليه السلام
- علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمرو بن أبي شيبة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال

سمعته يقول ابتداء منه: «إن الله إذا بدا له أن يبين خلقه و يجمعهم لما لا بد منه، أمر مناديا ينادي فتجتمع الإنس و الجن في أسرع من طرفة عين، ثم أذن للسماء الدنيا فتنزل، و كانت من وراء الناس، و أذن للسماء الثانية فتنزل، و هي ضعف التي تليها، فإذا رآها أهل السماء الدنيا، قالوا: جاء ربنا، و هو آت، يعني أمره، حتى تنزل كل سماء، تكون كل واحدة منها من وراء الاخرى، و هي ضعف التي تليها، ثم ينزل أمر الله: فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمََامِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ قُضِيَ اَلْأَمْرُ وَ إِلَى اَللََّهِ تُرْجَعُ اَلْأُمُورُ ». و للحديث تتمة، تأتي-إنشاء الله تعالى-في قوله: لاََ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ من سورة الأنبياء. 99-1100/ - العياشي: عن جابر، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام)، في قوله تعالى: فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمََامِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ وَ قُضِيَ اَلْأَمْرُ. قال: «ينزل في سبع قباب من نور، لا يعلم في أيها هو، حين ينزل في ظهر الكوفة، فهذا حين ينزل». 99-1101/ - عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «يا أبا حمزة، كأني بقائم أهل بيتي قد علا نجفكم، فإذا علا فوق نجفكم، نشر راية رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فإذا نشرها انحطت عليه ملائكة بدر». و قال أبو جعفر (عليه السلام): «إنه نازل في قباب من نور، حين ينزل بظهر الكوفة على الفاروق، فهذا حين ينزل، و أما قُضِيَ اَلْأَمْرُ: فهو الوسم على الخرطوم يوم يوسم الكافر». قوله تعالى: سَلْ بَنِي إِسْرََائِيلَ كَمْ آتَيْنََاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اَللََّهِ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُ فَإِنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ[211] 99-1102/ - محمد بن يعقوب: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن أسباط، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): وَ اِتَّبَعُوا مََا تَتْلُوا اَلشَّيََاطِينُ بولاية الشياطين عَلىََ مُلْكِ سُلَيْمََانَ. و يقرأ أيضا: سَلْ بَنِي إِسْرََائِيلَ كَمْ آتَيْنََاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ فمنهم من آمن، و منهم من جحد، و منهم من أقر، و منهم من بدل وَ مَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اَللََّهِ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَتْهُ فَإِنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ. 99-1103/ - العياشي: عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قوله: سَلْ بَنِي إِسْرََائِيلَ كَمْ آتَيْنََاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ: «فمنهم من آمن، و منهم من جحد، و منهم من أقر، و منهم من أنكر، و منهم من يبدل نعمة الله». قوله تعالى: كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً فَبَعَثَ اَللََّهُ اَلنَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ[213] 99-1104/ - محمد بن يعقوب: عن حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد الكندي، عن أحمد بن عديس، عن أبان بن عثمان، عن يعقوب بن شعيب، أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: كََانَ اَلنََّاسُ أُمَّةً وََاحِدَةً. فقال: «كان[الناس]قبل نوح (عليه السلام) امة ضلال، فبدا لله فبعث المرسلين، و ليس كما يقولون: لم يزل. و كذبوا، يفرق الله في كل ليلة قدر ما كان من شدة أو رخاء أو مطر بقدر ما يشاء الله عز و جل أن يقدر إلى مثلها من قابل».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ١ - الصفحة ٤٤٩. — الإمام الباقر عليه السلام

(_6) - الشيخ المفيد في كتاب (الاختصاص) قال: حدثني أبو بكر محمد بن إبراهيم العلاف الهمداني بهمدان، قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر بن شاذان البزاز، قال: حدثنا أبو عبد الله الحسين بن محمد بن سعيد البزاز-المعروف بابن المطبقي-و جعفر الدقاق، قالا: حدثنا أبو الحسن محمد بن الفيض بن فياض الدمشقي بدمشق، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن أخي عبد الرزاق، قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام الصنعاني، قال: حدثنا معمر بن راشد، قال: حدثنا محمد بن المنكدر، عن أبيه، عن جده، قال: لما قدم السيد و العاقب أسقفا نجران في سبعين راكبا و فدا على النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) كنت معهم، فبينا كزز يسير-و كزز صاحب نفقاتهم-إذ عثرت بغلته، فقال: تعس من تأتيه-يعني النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) -فقال له صاحبه، و هو العاقب: [بل تعست و انتكست]، فقال: و لم ذلك؟ قال: لأنك أتعست النبي الأمي أحمد. قال: و ما علمك بذلك؟ قال: أما تقرأ من المفتاح الرابع من الوحي إلى المسيح: أن قل لبني إسرائيل: ما أجهلكم، تتطيبون بالطيب لتطيبوا به في الدنيا عند أهلها و أهلكم، و أجوافكم عندي كجيفة الميتة؟! يا بني إسرائيل، آمنوا برسولي النبي الأمي الذي يكون في آخر الزمان، صاحب الوجه الأقمر، و الجمل و الأحمر، المشرب بالنور، ذي الجناب الحسن، و الثياب الخشن، سيد الماضين عندي و أكرم الباقين علي، المستن بسنتي، و الصائر في دار جنتي، و المجاهد بيده المشركين من أجلي، فبشر به بني إسرائيل، و مر بني إسرائيل أن يعزروه، و أن ينصروه. قال عيسى (صلى الله عليه وآله وسلم): قدوس قدوس، من هذا العبد الصالح الذي قد أحبه قلبي و لم تره عيني؟ قال: هو منك و أنت منه، و هو صهرك على أمك، قليل الأولاد كثير الأزواج، يسكن مكة من موضع أساس وطئ إبراهيم، نسله من مباركة، و هي ضرة أمك في الجنة، له شأن من الشأن، تنام عيناه و لا ينام قلبه، يأكل الهدية و لا يقبل الصدقة، له حوض من شفير زمزم إلى مغيب الشمس، يدفق فيه ميزابان من الرحيق و التسنيم؛ فيه أكاويب عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، و ذلك بتفضيلي إياه على سائر المرسلين، يوافق قوله فعله، و سريرته علانيته، فطوبى له و طوبى لامته الذين على ملته يحيون، و على سنته يموتون، و مع أهل بيته يميلون، آمنين مؤمنين، مطمئنين مباركين، يظهر في زمن قحط و جدب، فيدعوني فترخي السماء عزاليها حتى يرى أثر بركاتها في أكنافها، و أبارك فيما يضع فيه يده. قال: إلهي سمه؟ قال: نعم، هو أحمد، و هو محمد، رسولي إلى الخلق كافة، و أقربهم مني منزلة، و أخصصهم عندي شفاعة، لا يأمر إلا بما أحب و ينهى لما أكره. قال له صاحبه: فأنى تقدم بنا على من هذه صفته؟ قال: نشهد أحواله و ننظر آياته، فإن يكن هو ساعدناه بالمسألة، و نكفه بأموالنا عن أهل ديننا من حيث لا يشعر بنا، و إن يك كاذبا كفيناه بكذبه على الله عز و جل. قال: و لم-إذا رأيت العلامة-لا تتبعه؟ قال: أما رأيت ما فعل بنا هؤلاء القوم؟ أكرمونا و مولونا، و نصبوا لنا الكنائس و أعلوا فيها ذكرنا، فكيف تطيب النفس بالدخول في دين يستوي فيه الشريف و الوضيع؟ فلما قدموا المدينة، قال من رآهم من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): ما رأينا و فدا من وفود العرب كانوا أجمل منهم، لهم شعور و عليهم ثياب الحبر، و كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) متناء عن المسجد، و حضرت صلاتهم، فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تلقاء المشرق، فهم بهم رجال من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تمنعهم، فأقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: «دعوهم» فلما قضوا صلاتهم جلسوا إليه و ناظروه، فقالوا: يا أبا القاسم، حاجنا في عيسى؟ قال: «هو عبد الله، و رسوله، و كلمته ألقاها إلى مريم، و روح منه». فقال أحدهم: بل هو ولده و ثاني اثنين. و قال آخر: بل هو ثالث ثلاثة، أب و ابن و روح القدس، و قد سمعناه في قرآن نزل عليك يقول: فعلنا و جعلنا و خلقنا، و لو كان واحدا لقال: خلقت و جعلت و فعلت. فتغشى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الوحي فنزل عليه صدر سورة آل عمران إلى قوله رأس الستين منها: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مََا جََاءَكَ مِنَ اَلْعِلْمِ فَقُلْ تَعََالَوْا نَدْعُ أَبْنََاءَنََا وَ أَبْنََاءَكُمْ وَ نِسََاءَنََا وَ نِسََاءَكُمْ وَ أَنْفُسَنََا وَ أَنْفُسَكُمْ إلى آخر الآية. فقص عليهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) [القصة و تلا]القرآن، فقال بعضهم لبعض: قد-و الله-أتاكم بالفصل من خبر صاحبكم. فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «إن الله عز و جل قد أمرني بمباهلتكم». فقالوا: إذا كان غدا باهلناك، فقال القوم بعضهم لبعض: حتى ننظر بما يباهلنا غدا بكثرة أتباعه من أوباش الناس، أم بالقلة من أهل الصفوة و الطهارة، فإنهم وشيج الأنبياء، و موضع نهلهم. فلما كان من الغد غدا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بيمينه علي، و بيساره الحسن و الحسين، و من ورائهم فاطمة (صلى الله عليهم)، عليهم النمار النجرانية، و على كتف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كساء قطواني رقيق خشن ليس بكثيف و لا لين، فأمر بشجرتين فكسح ما بينهما، و نشر الكساء عليهما، و أدخلهم تحت الكساء، و أدخل منكبه الأيسر معهم تحت الكساء معتمدا على قوسه النبع، و رفع يده اليمنى إلى السماء للمباهلة، و أشرف الناس ينظرون و اصفر لون السيد و العاقب و زلزلا حتى كادا أن تطيش عقولهما. فقال أحدهما لصاحبه: أ نباهله؟ قال: أو ما علمت أنه ما باهل قوم قط نبيا فنشأ صغيرهم أو بقي كبيرهم؟ و لكن أره أنك غير مكترث، و أعطه من المال و السلاح ما أراد، فإن الرجل محارب، و قل له: أ بهؤلاء تباهلنا؟ لئلا يرى أنه قد تقدمت معرفتنا بفضله و فضل أهل بيته. فلما رفع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يده إلى السماء للمباهلة، قال أحدهما لصاحبه: و أي رهبانية؟ دارك الرجل، فإنه إن فاه ببهلة لم نرجع إلى أهل و لا مال. فقالا: يا أبا القاسم، أ فبهؤلاء تباهلنا؟ قال: «نعم، هؤلاء أوجه من على وجه الأرض بعدي إلى الله عز و جل وجيهة، و أقربهم إليه وسيلة». قال: فبصبصا-يعني ارتعدا و كرا-و قالا له: يا أبا القاسم، نعطيك ألف سيف، و ألف درع، و ألف حجفة و ألف دينار كل عام، على أن الدرع و السيف و الحجفة عندك إعارة حتى يأتي من ورائنا من قومنا فنعلمهم بالذي رأينا و شاهدنا، فيكون الأمر على ملأ منهم، فإما الإسلام، و إما الجزية، و إما المقاطعة في كل عام. فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): «قد قبلت ذلك منكما، أما و الذي بعثني بالكرامة، لو باهلتموني بمن تحت الكساء لأضرم الله عز و جل عليكم الوادي نارا تأجج تأججا، حتى يساقها إلى من ورائكم في أسرع من طرفة عين فأحرقتهم تأججا». فهبط عليه جبرئيل الروح الأمين (عليه السلام)، فقال: يا محمد، إن الله يقرئك السلام، و يقول لك: و عزتي و جلالي و ارتفاع مكاني لو باهلت بمن تحت الكساء أهل السماوات و أهل الأرض لتساقطت السماء كسفا متهافتة، و لتقطعت الأرضون زبرا سابحة، فلم يستقر عليها بعد ذلك، فرفع النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يديه حتى رؤي بياض إبطيه. ثم قال: «و على من ظلمكم حقكم، و بخسني الأجر الذي افترضه الله فيكم عليهم، بهلة الله تتابع إلى يوم القيامة».

البرهان في تفسير القرآن - ج ١ - الصفحة ٦٣٢. — الإمام الصادق عليه السلام
- العياشي: عن الحسين بن خالد، قال: قال أبو الحسن الأول (عليه السلام): «كيف تقرأ هذه الآية يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ وَ لاََ تَمُوتُنَّ إِلاََّ وَ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ماذا؟» قلت: مسلمون. فقال: «سبحان الله! يوقع عليهم الإيمان فيسميهم مؤمنين، ثم يسألهم الإسلام، و الإيمان فوق الإسلام!». قلت: هكذا تقرأ في قراءة زيد. قال: «إنما هي في قراءة علي (عليه السلام)، و هي التنزيل الذي نزل به جبرئيل على محمد (صلى الله عليه و آله) (إلا و أنتم مسلمون) لرسول الله (صلى الله عليه و آله) ثم للإمام من بعده». 99-1858/ - عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله

اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ. قال: «يطاع فلا يعصى، و يذكر فلا ينسى و يشكر فلا يكفر». 99-1859/ - عن أبي بصير، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله: اِتَّقُوا اَللََّهَ حَقَّ تُقََاتِهِ قال: «منسوخة». قلت: و ما نسخها؟قال: «قول الله فَاتَّقُوا اَللََّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ ». 99-1860/ - أبو علي الطبرسي، في الآية: اختلف فيها على قولين: أحدهما أنها منسوخة بقوله تعالى: فَاتَّقُوا اَللََّهَ مَا اِسْتَطَعْتُمْ. قال: و هو المروي عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام). و الآخر أنها غير منسوخة، عن ابن عباس و طاوس. قوله تعالى: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا وَ اُذْكُرُوا نِعْمَتَ اَللََّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدََاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوََاناً وَ كُنْتُمْ عَلىََ شَفََا حُفْرَةٍ مِنَ اَلنََّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهََا كَذََلِكَ يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمْ آيََاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ[103] 1861/ -علي بن إبراهيم، في قوله تعالى: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً، قال: التوحيد و الولاية. 99-1862/ - محمد بن إبراهيم النعماني-المعروف بابن زينب-قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن معمر الطبراني بطبرية سنة ثلاث و ثلاثين و ثلاثمائة-و كان هذا الرجل يوالي يزيد بن معاوية و من النصاب-قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا علي بن هاشم، و الحسن بن السكن، قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام، قال: أخبرني أبي، عن ميناء مولى عبد الرحمن بن عوف، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: و قد على رسول الله (صلى الله عليه و آله) أهل اليمن، فقال النبي (صلى الله عليه و آله): «جاءكم أهل اليمن يبسون بسيسا» فلما دخلوا على رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: «قوم رقيقة قلوبهم، راسخ إيمانهم، منهم المنصور يخرج في سبعين ألفا ينصر خلفي و خلف وصيي، حمائل سيوفهم المسك». فقالوا: يا رسول الله، و من وصيك؟فقال: «هو الذي أمركم الله بالاعتصام به، فقال عز و جل: وَ اِعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اَللََّهِ جَمِيعاً وَ لاََ تَفَرَّقُوا ». فقالوا: يا رسول الله، بين لنا ما هذا الحبل؟فقال: «هو قول الله: إِلاََّ بِحَبْلٍ مِنَ اَللََّهِ وَ حَبْلٍ مِنَ اَلنََّاسِ فالحبل من الله كتابه، و الحبل من الناس وصيي». فقالوا: يا رسول الله، و من وصيك؟فقال: «هو الذي أنزل الله فيه: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يََا حَسْرَتىََ عَلىََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ ». فقالوا: يا رسول الله، و ما جنب الله هذا؟فقال: «هو الذي يقول الله فيه: وَ يَوْمَ يَعَضُّ اَلظََّالِمُ عَلىََ يَدَيْهِ يَقُولُ يََا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ اَلرَّسُولِ سَبِيلاً هو وصيي و السبيل إلي من بعدي». فقالوا: يا رسول الله، بالذي بعثك بالحق نبيا، أرناه فقد اشتقنا إليه. فقال: «هو الذي جعله الله آية للمتوسمين، فإن نظرتم إليه نظر من كان له قلب، أو ألقى السمع و هو شهيد، عرفتم أنه وصيي كما عرفتم أني نبيكم، فتخللوا الصفوف و تصفحوا الوجوه، فمن أهوت إليه قلوبكم فإنه هو، لأن الله عز و جل يقول في كتابه: فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ اَلنََّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ إليه و إلى ذريته». ثم قال: فقام أبو عامر الأشعري في الأشعريين، و أبو غرة الخولاني في الخولانيين، و ظبيان و عثمان بن قيس في بني قيس، و عرفة الدوسي في الدوسيين، و لا حق به علاقة، فتخللوا الصفوف، و تصفحوا الوجوه، و أخذوا بيد الأصلع البطين، و قالوا: إلى هذا أهوت أفئدتنا يا رسول الله. فقال النبي (صلى الله عليه و آله): «أنتم نخبة الله حين عرفتم وصي رسول الله قبل أن تعرفوه، فبم عرفتم أنه هو»؟ فرفعوا أصواتهم يبكون، و قالوا: يا رسول الله، نظرنا إلى القوم فلم تحن لهم[قلوبنا]، و لما رأيناه رجفت قلوبنا ثم اطمأنت نفوسنا، فانجاشت أكبادنا، و هملت أعيننا، و تبلجت صدورنا حتى كأنه لنا أب و نحن عنده بنون. فقال النبي (صلى الله عليه و آله): « وَ مََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللََّهُ وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ أنتم منه بالمنزلة التي سبقت لكم بها الحسنى، و أنتم عن النار مبعدون». قال: فبقي هؤلاء القوم المسمون حتى شهدوا مع أمير المؤمنين الجمل و صفين فقتلوا بصفين (رحمهم الله)، و كان النبي (صلى الله عليه و آله) بشرهم بالجنة و أخبرهم أنهم يستشهدون مع علي بن أبي طالب (عليه السلام).

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ١ - الصفحة ٦٦٨. — الإمام الصادق عليه السلام
/ -و قال علي بن إبراهيم: قوله تعالى: أَ لَمْ تَرَ إِلَى اَلَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ اَلْكِتََابِ يَشْتَرُونَ اَلضَّلاََلَةَ يعني ضلوا في أمير المؤمنين (عليه السلام) وَ يُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا اَلسَّبِيلَ يعني أخرجوا الناس من ولاية أمير المؤمنين، و هو الصراط المستقيم. قوله تعالى: وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدََائِكُمْ وَ كَفىََ بِاللََّهِ وَلِيًّا -إلى قوله تعالى- فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً[45-46] 2409/ -علي بن إبراهيم، في قوله تعالى: وَ اَللََّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدََائِكُمْ -إلى قوله- وَ اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ قال: نزلت في اليهود. 99-2410/ - الإمام العسكري (عليه السلام)، قال

«قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): كانت هذه اللفظة: (راعنا) من ألفاظ المسلمين الذين يخاطبون بها رسول الله (صلى الله عليه و آله)، يقولون: (راعنا) أي ارع أحوالنا، و اسمع منا كما نسمع منك، و كان في لغة اليهود معناه: اسمع لا سمعت. فلما سمع اليهود المسلمين يخاطبون بها رسول الله (صلى الله عليه و آله) يقولون: (راعنا)، و يخاطبون بها، قالوا: كنا نشتم محمدا إلى الآن سرا، فتعالوا الآن نشتمه جهرا، و كانوا يخاطبون رسول الله (صلى الله عليه و آله) و يقولون: (راعنا) يريدون شتمه، ففطن لهم سعد بن معاذ الأنصاري، فقال: يا أعداء الله، عليكم لعنة الله، أراكم تريدون سب رسول الله (صلى الله عليه و آله) جهرا توهمونا أنكم تجرون في مخاطبته مجرانا، و الله لا أسمعها من أحد منكم إلا ضربت عنقه، و لولا أني أكره أن أقدم عليكم قبل التقدم و الاستئذان له و لأخيه و وصيه علي بن أبي طالب (عليه السلام) القيم بأمور الامة نائبا عنه فيها، لضربت عنق من قد سمعته منكم يقول هذا. فأنزل الله: يا محمد مِنَ اَلَّذِينَ هََادُوا يُحَرِّفُونَ اَلْكَلِمَ عَنْ مَوََاضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنََا وَ عَصَيْنََا وَ اِسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ رََاعِنََا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي اَلدِّينِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ قََالُوا سَمِعْنََا وَ أَطَعْنََا وَ اِسْمَعْ وَ اُنْظُرْنََا لَكََانَ خَيْراً لَهُمْ وَ أَقْوَمَ وَ لََكِنْ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاََ يُؤْمِنُونَ إِلاََّ قَلِيلاً و أنزل: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَقُولُوا رََاعِنََا فإنها لفظة يتوصل بها أعداؤكم من اليهود إلى سب رسول الله (صلى الله عليه و آله) و سبكم و شتمكم وَ قُولُوا اُنْظُرْنََا أي سمعنا و أطعنا، قولوا بهذه اللفظة، لا بلفظة راعنا، فإنه ليس فيها ما في قولكم: راعنا، و لا يمكنهم أن يتوصلوا إلى الشتم كما يمكنهم بقولهم راعنا وَ اِسْمَعُوا ما قال لكم رسول الله (صلى الله عليه و آله) قولا و أطيعوه وَ لِلْكََافِرِينَ يعني اليهود الشاتمين لرسول الله (صلى الله عليه و آله) عَذََابٌ أَلِيمٌ وجيع في الدنيا إن عادوا لشتمهم، و في الآخرة بالخلود في النار». قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ آمِنُوا بِمََا نَزَّلْنََا مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهََا عَلىََ أَدْبََارِهََا[47] 99-2411/ - محمد بن يعقوب: عن علي بن إبراهيم، عن أحمد بن محمد البرقي، عن أبيه، عن محمد بن سنان، عن عمار بن مروان، عن المنخل، عن جابر، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «نزل جبرئيل (عليه السلام) على محمد (صلى الله عليه و آله) بهذه الآية هكذا: يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا في علي نورا مبينا». 99-2412/ - محمد بن إبراهيم النعماني-المعروف بابن زينب-قال: [أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد، عن هؤلاء الرجال الأربعة، عن ابن محبوب و]أخبرنا محمد بن يعقوب الكليني أبو جعفر، قال: حدثني علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، و حدثني محمد بن يحيى بن عمران، عن أحمد بن محمد بن عيسى، و حدثني علي ابن محمد و غيره، عن سهل بن زياد، جميعا، عن الحسن بن محبوب، و حدثنا عبد الواحد بن عبد الله الموصلي، عن أبي علي أحمد بن محمد بن أبي ناشر، عن أحمد بن هلال، عن الحسن بن محبوب، قال: حدثنا عمرو بن أبي المقدام، عن جابر بن يزيد الجعفي، قال: قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام): «يا جابر، الزم الأرض، و لا تحرك يدا و لا رجلا حتى ترى علامات أذكرها لك إن أدركتها: أولها اختلاف ولد فلان و ما أراك تدرك ذلك، و لكن حدث به من بعدي عني، و مناد ينادي من السماء، و يجيئكم الصوت من ناحية دمشق بالفتح، و تخسف قرية من قرى الشام تسمى الجابية، و تسقط طائفة من مسجد دمشق الأيمن، و مارقة تمرق من ناحية الترك، و يعقبها هرج الروم، و يستقبل إخوان الترك حتى ينزلوا الجزيرة، و سيقبل مارقة الروم حتى ينزلوا الرملة. فتلك السنة-يا جابر-فيها اختلاف كثير في كل أرض من ناحية المغرب، فأول أرض تخرب أرض الشام، ثم يختلفون عند ذلك على ثلاث رايات: راية الأصهب، و راية الأبقع، و راية السفياني، فيلتقي السفياني بالأبقع، فيقتتلون فيقتله السفياني، و من معه، ثم يقتل الأصهب، ثم لا يكون له همة إلا الإقبال نحو العراق، و يمر جيشه بقرقيسياء فيقتتلون بها، فيقتل بها من الجبارين مائة ألف. و يبعث السفياني جيشا إلى الكوفة، و عدتهم سبعون ألفا، فيصيبون من أهل الكوفة قتلا و صلبا و سبيا، فبينما هم كذلك إذ أقبلت رايات من نحو خراسان تطوي المنازل طيا حثيثا، و معهم نفر من أصحاب القائم، ثم يخرج رجل من موالي أهل الكوفة في ضعفاء فيقتله أمير جيش السفياني بين الحيرة و الكوفة، و يبعث السفياني بعثا إلى المدينة، فينفر المهدي (صلوات الله عليه) منها إلى مكة، فيبلغ أمير جيش السفياني بأن المهدي قد خرج إلى مكة، فيبعث جيشا على أثره فلا يدركه حتى يدخل مكة خائفا يترقب على سنة موسى بن عمران (عليه السلام) ». قال: «و ينزل أمير جيش السفياني البيداء، فينادي مناد من السماء: يا بيداء، أبيدي القوم، فيخسف بهم، فلا يفلت منهم إلا ثلاثة نفر، يحول الله وجوههم إلى أقفيتهم و هم من كلب، و فيهم نزلت هذه الآية: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ أُوتُوا اَلْكِتََابَ آمِنُوا بِمََا نَزَّلْنََا مُصَدِّقاً لِمََا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهََا عَلىََ أَدْبََارِهََا ». الآية. قال: «و القائم يومئذ بمكة قد أسند ظهره إلى البيت الحرام مستجيرا به، فينادي: يا أيها الناس، إنا نستنصر الله، فمن أجابنا من الناس فإنا أهل بيت نبيكم محمد، و نحن أولى الناس بالله و بمحمد (صلى الله عليه و آله)، فمن حاجني في آدم فأنا أولى الناس بآدم، و من حاجني في نوح فأنا أولى الناس بنوح، و من حاجني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم، و من حاجني في محمد (صلى الله عليه و آله) فأنا أولى الناس بمحمد (صلى الله عليه و آله)، و من حاجني في النبيين فأنا أولى الناس بالنبيين، أليس الله يقول في محكم كتابه: إِنَّ اَللََّهَ اِصْطَفىََ آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْرََاهِيمَ وَ آلَ عِمْرََانَ عَلَى اَلْعََالَمِينَ* `ذُرِّيَّةً بَعْضُهََا مِنْ بَعْضٍ وَ اَللََّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ، فأنا بقية من آدم و ذخيرة من نوح، و مصطفى من إبراهيم، و صفوة من محمد (صلى الله عليهم أجمعين). ألا و من حاجني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله، ألا و من حاجني في سنة رسول الله (صلى الله عليه و آله) فأنا أولى الناس بسنة رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فأنشد الله من سمع كلامي لما بلغ الشاهد منكم الغائب، و أسألكم بحق الله و حق رسوله (صلى الله عليه و آله) و حقي، فإن لي عليكم حق القربى من رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما أعنتمونا و منعتمونا ممن يظلمنا، فقد أخفنا و ظلمنا و طردنا من ديارنا و أبنائنا، و بغي علينا، و دفعنا عن حقنا، و افترى أهل الباطل علينا، فالله الله فينا، لا تخذلونا، و انصرونا ينصركم الله تعالى». قال: «فيجمع الله له أصحابه ثلاث مائة و ثلاثة عشر رجلا، و يجمعهم الله له على غير ميعاد قزعا كقزع الخريف، و هي-يا جابر-الآية التي ذكرها الله في كتابه: أَيْنَ مََا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اَللََّهُ جَمِيعاً إِنَّ اَللََّهَ عَلىََ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فيبايعونه بين الركن و المقام، و معه عهد من رسول الله (صلى الله عليه و آله) و قد توارثه الأبناء عن الآباء، و القائم-يا جابر-رجل من ولد الحسين، يصلح الله له أمره في ليلة، فما أشكل على الناس من ذلك-يا جابر-فلا يشكل عليهم ولادته من رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و وارثته العلماء عالما بعد عالم، فإن أشكل هذا كله عليهم، فإن الصوت من السماء لا يشكل عليهم إذا نودي باسمه و اسم أمه و أبيه».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٢ - الصفحة ٨٥. — الإمام الكاظم عليه السلام
- العياشي: عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال

«إن الحكم حكمان: حكم الله، و حكم الجاهلية». ثم قال: وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللََّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ، قال: «فاشهد أن زيدا قد حكم بحكم الجاهلية» يعني في الفرائض. قوله تعالى: فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ -إلى قوله تعالى- نََادِمِينَ[52] 3151/ -قال علي بن إبراهيم: قال الله لنبيه (صلى الله عليه و آله): فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسََارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشىََ أَنْ تُصِيبَنََا دََائِرَةٌ و هو قول عبد الله بن أبي لرسول الله (صلى الله عليه و آله): لا تنقض حكم بني النضير، فإنا نخاف الدوائر، فقال الله: فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلىََ مََا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نََادِمِينَ. 99-3152/ - و قال: عن داود الرقي، قال: سأل أبا عبد الله (عليه السلام) رجل و أنا حاضر عن قول الله: فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلىََ مََا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نََادِمِينَ، فقال: «أذن في هلاك بني امية بعد إحراق زيد بسبعة أيام». قوله تعالى: وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَ هََؤُلاََءِ اَلَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خََاسِرِينَ[53] 99-3153/ - العياشي: عن أبي بصير، قال: سمعت أبو جعفر (عليه السلام) يقول: «إن الحكم بن عيينة، و سلمة، و كثير النواء، و أبا المقدام، و التمار-يعني سالما-أضلوا كثيرا ممن ضل من هؤلاء الناس، و إنهم ممن قال الله: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنََّا بِاللََّهِ وَ بِالْيَوْمِ اَلْآخِرِ وَ مََا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ، و إنهم ممن قال الله: أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ يحلفون بالله إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خََاسِرِينَ ». قوله تعالى: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ[54] 99-3154/ - محمد بن إبراهيم النعماني، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن سعيد بن عقدة، قال: حدثنا علي بن الحسن بن فضال، قال: حدثنا محمد بن عمر و محمد بن الوليد، قالا: حدثنا حماد بن عثمان، عن سليمان بن هارون العجلي، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «إن صاحب هذا الأمر محفوظ له[أصحابه]، لو ذهب الناس جميعا أتى الله[له]بأصحابه، و هم الذين قال الله عز و جل: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهََا هََؤُلاََءِ فَقَدْ وَكَّلْنََا بِهََا قَوْماً لَيْسُوا بِهََا بِكََافِرِينَ، و هم الذين قال الله عز و جل فيهم: فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ ». 99-3155/ - العياشي: عن سليمان بن هارون، قال: قلت له: إن بعض هؤلاء العجلية يزعمون أن سيف رسول الله (صلى الله عليه و آله) عند عبد الله بن الحسن. فقال: «و الله ما رآه و لا أبوه بواحدة من عينيه، إلا أن يكون رآه أبوه عند الحسين (عليه السلام). و إن صاحب هذا الأمر محفوظ له، فلا تذهبن يمينا و لا شمالا، فإن الأمر-و الله-واضح، و الله لو أن أهل السماء و الأرض اجتمعوا على أن يحولوا هذا[الأمر]عن موضعه الذي وضعه الله فيه، ما استطاعوا، و لو أن الناس كفروا جميعا حتى لا يبقى أحد لجاء الله لهذا الأمر بأهل يكونون من أهله. -ثم قال-أما تسمع الله يقول: يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اَللََّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى اَلْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى اَلْكََافِرِينَ؟-حتى فرغ من الآية- و قال في آية أخرى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِهََا هََؤُلاََءِ فَقَدْ وَكَّلْنََا بِهََا قَوْماً لَيْسُوا بِهََا بِكََافِرِينَ -ثم قال-إن أهل هذه الآية هم أهل تلك الآية».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٢ - الصفحة ٣١٣. — الإمام الباقر عليه السلام
- ابن بابويه، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن إبراهيم بن إسحاق الطالقاني (رحمه الله)، قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى بالبصرة، قال: حدثني المغيرة بن محمد، قال: حدثنا رجاء بن سلمة، عن عمرو بن شمر، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام)، قال

«خطب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (صلوات الله عليه) بالكوفة منصرفة من النهروان، و بلغه أن معاوية يسبه و يعيبه و يقتل أصحابه، فقام خطيبا-و ذكر الخطبة إلى أن قال (عليه السلام) فيها: -و أنا المؤذن في الدنيا و الآخرة، قال الله عز و جل: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اَللََّهِ عَلَى اَلظََّالِمِينَ أنا ذلك المؤذن، و قال: وَ أَذََانٌ مِنَ اَللََّهِ وَ رَسُولِهِ و أنا ذلك الأذان». 99-3890/ - العياشي: عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اَللََّهِ عَلَى اَلظََّالِمِينَ، قال: «المؤذن أمير المؤمنين (عليه السلام) ». 99-3891/ - الطبرسي: قال: روى الحاكم أبو القاسم الحسكاني، بإسناده عن محمد بن الحنيفة، عن علي (عليه السلام)، أنه قال: «أنا ذلك المؤذن». 99-3892/ - عنه: بإسناده عن أبي صالح، عن ابن عباس، أنه قال: لعلي (عليه السلام) في كتاب الله أسماء لا يعرفها الناس، قوله: فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ فهو المؤذن بينهم]يقول: «ألا لعنة الله على الذين كذبوا بولايتي و استخفوا بحقي». 99-3893/ - ابن الفارسي في (الروضة): قال الباقر (عليه السلام): وَ نََادىََ أَصْحََابُ اَلْجَنَّةِ أَصْحََابَ اَلنََّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنََا مََا وَعَدَنََا رَبُّنََا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مََا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قََالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اَللََّهِ عَلَى اَلظََّالِمِينَ قال: «المؤذن علي (عليه السلام) ». }قوله تعالى: وَ بَيْنَهُمََا حِجََابٌ وَ عَلَى اَلْأَعْرََافِ رِجََالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمََاهُمْ -إلى قوله تعالى: - حَرَّمَهُمََا عَلَى اَلْكََافِرِينَ[46-50] 99-3894/ - محمد بن يعقوب: عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن محمد بن جمهور، عن عبد الله بن عبد الرحمن الأصم، عن الهيثم بن واقد، عن مقرن، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «جاء ابن الكواء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، وَ عَلَى اَلْأَعْرََافِ رِجََالٌ يَعْرِفُونَ كُلاًّ بِسِيمََاهُمْ؟ فقال: نحن على الأعراف، و نحن نعرف أنصارنا بسيماهم، و نحن الأعراف الذين لا يعرف الله عز و جل إلا بسبيل معرفتنا، و نحن الأعراف يوقفنا الله عز و جل يوم القيامة على الصراط، فلا يدخل الجنة إلا من عرفنا و عرفناه، و لا يدخل النار إلا من أنكرنا و أنكرناه. إن الله تبارك و تعالى لو شاء لعرف الناس نفسه حتى يعرفوا حده، و يأتوه من بابه و لكن جعلنا أبوابه و صراطه و سبيله، و بابه الذي يؤتى منه، فمن عدل عن ولايتنا أو فضل علينا غيرنا، فهم عن الصراط لناكبون، فلا سواء من اعتصم الناس به، و لا سواء حيث ذهب الناس إلى عيون كدرة، يفرغ بعضها في بعض، و ذهب من ذهب إلينا إلى عيون صافية تجري بأمر ربها، لا نفاد لها، و لا انقطاع». 99-3895/ - و عنه: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن سليم مولى طربال، قال:

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٢ - الصفحة ٥٤٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
5901/ (_4) - عن أبي بصير، عن أبي جعفر ( عليه السلام قال

قلت له: أصلحك الله، أ كان رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يتعوذ من البخل؟ قال: «نعم-يا أبا محمد-في كل صباح و مساء، و نحن نعوذ بالله من البخل، إن الله يقول في كتابه: وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ و سأنبئك عن عاقبة البخل، إن قوم لوط كانوا أهل قرية بخلاء أشحاء على الطعام، فأعقبهم الله داء لا دواء له في فروجهم». قلت: و ما أعقبهم؟ قال: «إن قرية قوم لوط كانت على طريق السيارة إلى الشام و مصر، فكانت المارة تنزل بهم فيضيفونهم، فلما أن كثر ذلك عليهم، ضاقوا بهم ذرعا و بخلا و لؤما، فدعاهم البخل إلى أن كان إذا نزل بهم الضيف فضحوه من غير شهوة بهم إلى ذلك، و إنما كانوا يفعلون ذلك بالضيف حتى تنكل النازعة عنهم، فشاع أمرهم في القرى، و حذرتهم المارة، فأورثهم البخل بلاء لا يدفعونه عن أنفسهم، من غير شهوة لهم إلى ذلك، حتى صاروا يطلبونه من الرجال في البلاد، و يعطونهم عليه الجعل، فأي داء أعدى من البخل، و لا أضر عاقبة، و لا أفحش عند الله». قال أبو بصير، فقلت له: أصلحك الله، هل كان أهل قرية لوط كلهم هكذا مبتلين؟ قال: «نعم، إلا أهل بيت من المسلمين، أما تسمع لقوله: فَأَخْرَجْنََا مَنْ كََانَ فِيهََا مِنَ اَلْمُؤْمِنِينَ* `فَمََا وَجَدْنََا فِيهََا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ». ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): «إن لوطا لبث مع قومه ثلاثين سنة، يدعوهم إلى الله و يحذرهم عقابه-قال- و كانوا قوما لا يتنظفون من الغائط، و لا يتطهرون من الجنابة، و كان لوط و آله يتنظفون من الغائط، و يتطهرون من الجنابة، و كان لوط ابن خالة إبراهيم، و إبراهيم ابن خالة لوط (عليهما السلام)، و كانت امرأة إبراهيم (عليه السلام) سارة اخت لوط (عليه السلام)، و كان إبراهيم و لوط (عليهما السلام) نبيين مرسلين منذرين، و كان لوط (عليه السلام) رجلا سخيا كريما يقري الضيف إذا نزل به و يحذره قومه-قال-فلما رأى قوم لوط ذلك، قالوا: إنا ننهاك عن العالمين، لا تقر ضيفا نزل بك، فإنك إن فعلت فضحنا ضيفك، و أخزيناك فيه. و كان لوط (عليه السلام) إذا نزل به الضيف كتم أمره، مخافة أن يفضحه قومه، و ذلك أن لوطا (عليه السلام) كان فيهم لا عشيرة له-قال-و إن لوطا و إبراهيم (عليهما السلام) يتوقعان نزول العذاب على قوم لوط، و كانت لإبراهيم و لوط (عليهما السلام) منزلة من الله شريفة، و إن الله تبارك و تعالى كان إذا هم بعذاب قوم لوط، أدركته فيهم مودة إبراهيم (عليه السلام) و خلته، و محبة لوط (عليه السلام)، فيراقبهم فيه فيؤخر عذابهم». قال أبو جعفر (عليه السلام): «فلما اشتد أسف الله تعالى على قوم لوط و قدر عذابهم و قضاه، أحب أن يعوض إبراهيم (عليه السلام) من عذاب قوم لوط بغلام حليم، فيسلي به مصابه بهلاك قوم لوط، فبعث الله رسلا إلى إبراهيم (عليه السلام) يبشرونه بإسماعيل، فدخلوا عليه ليلا، ففزع منهم، و خاف أن يكونوا سراقا، فلما أن رأته الرسل فزعا وجلا قََالُوا سَلاََماً قََالَ سَلاََمٌ، قََالَ إِنََّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ* `قََالُوا لاََ تَوْجَلْ إِنََّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاََمٍ عَلِيمٍ» قال أبو جعفر (عليه السلام): «و الغلام العليم هو إسماعيل من هاجر، فقال إبراهيم للرسل: أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلىََ أَنْ مَسَّنِيَ اَلْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ* `قََالُوا بَشَّرْنََاكَ بِالْحَقِّ فَلاََ تَكُنْ مِنَ اَلْقََانِطِينَ فقال إبراهيم (عليه السلام) للرسل: فَمََا خَطْبُكُمْ؟ بعد البشارة قََالُوا إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلىََ قَوْمٍ مُجْرِمِينَ قوم لوط، إنهم كانوا قوما فاسقين، لننذرهم عذاب رب العالمين، قال أبو جعفر (عليه السلام): «فقال إبراهيم (عليه السلام) للرسل: إِنَّ فِيهََا لُوطاً قََالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهََا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلاَّ اِمْرَأَتَهُ كََانَتْ مِنَ اَلْغََابِرِينَ قال: فَلَمََّا جََاءَ آلَ لُوطٍ اَلْمُرْسَلُونَ* `قََالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * `قََالُوا بَلْ جِئْنََاكَ بِمََا كََانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ يقول: من عذاب الله، لتنذر قومك العذاب فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ -يا لوط- إذا مضى من يومك هذا سبعة أيام بلياليها بِقِطْعٍ مِنَ اَللَّيْلِ [إذا مضى نصف الليل] وَ لاََ يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ اِمْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهََا مََا أَصََابَهُمْ. قال أبو جعفر (عليه السلام): «فقضوا إلى لوط ذََلِكَ اَلْأَمْرَ أَنَّ دََابِرَ هََؤُلاََءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ -قال أبو جعفر (عليه السلام) -فلما كان اليوم الثامن مع طلوع الفجر، قدم الله رسلا إلى إبراهيم (عليه السلام) يبشرونه بإسحاق، و يعزونه بهلاك قوم لوط، و ذلك قول الله في سورة هود: وَ لَقَدْ جََاءَتْ رُسُلُنََا إِبْرََاهِيمَ بِالْبُشْرىََ قََالُوا سَلاََماً قََالَ سَلاََمٌ فَمََا لَبِثَ أَنْ جََاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ يعني ذكيا مشويا نضيجا فَلَمََّا رَأىََ أَيْدِيَهُمْ لاََ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قََالُوا لاََ تَخَفْ إِنََّا أُرْسِلْنََا إِلىََ قَوْمِ لُوطٍ* `وَ اِمْرَأَتُهُ قََائِمَةٌ -قال أبو جعفر (عليه السلام) -إنما عنى امرأة إبراهيم (عليه السلام) سارة قائمة فبشروها بِإِسْحََاقَ وَ مِنْ وَرََاءِ إِسْحََاقَ يَعْقُوبَ* `قََالَتْ يََا وَيْلَتىََ أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هََذََا بَعْلِي شَيْخاً إلى قوله: إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». قال أبو جعفر (عليه السلام): «فلما أن جاءت البشارة بإسحاق ذهب عنه الروع، و أقبل يناجي ربه في قوم لوط، و يسأله كشف العذاب عنهم، قال الله: يََا إِبْرََاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هََذََا إِنَّهُ قَدْ جََاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذََابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ بعد طلوع الشمس من يومك هذا، محتوم غير مردود». قلت: سيأتي هذا الحديث-إنشاء الله تعالى-مسندا من طريق ابن بابويه، في سورة الذاريات.

البرهان في تفسير القرآن - ج ٣ - الصفحة ٣٧٦. — الإمام الباقر عليه السلام
- الشيخ في (التهذيب): عن محمد بن أحمد بن داود، عن محمد بن همام، قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مالك، قال: حدثنا سعد بن عمرو الزهري، قال: حدثنا بكر بن سالم، عن أبيه، عن أبي حمزة الثمالي، عن علي بن الحسين (عليهما السلام)، في قوله: فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكََاناً قَصِيًّا. قال: «خرجت من دمشق حتى أتت كربلاء، فوضعته في موضع قبر الحسين (عليه السلام)، ثم رجعت من ليلتها». 99-6865/ - محمد بن يعقوب: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه و علي بن محمد جميعا، عن القاسم بن محمد عن سليمان بن داود المنقري، عن حفص بن غياث، قال: رأيت أبا عبد الله (عليه السلام) يتخلل بساتين الكوفة، فانتهى إلى نخلة، فتوضأ عندها، ثم ركع و سجد، فأحصيت في سجوده خمسمائة تسبيحة، ثم استند إلى النخلة، فدعا بدعوات، ثم قال: «يا حفص، إنها-و الله-النخلة التي قال الله عز و جل

لمريم: وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُسََاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا ». 99-6866/ - و عنه: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عدة من أصحابنا، عن علي بن أسباط، عن عمه يعقوب بن سالم، رفعه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ليكن أول ما تأكل النفساء الرطب، فإن الله عز و جل قال لمريم (عليها السلام) وَ هُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ اَلنَّخْلَةِ تُسََاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا. قيل: يا رسول الله، فإن لم يكن أوان الرطب؟قال: سبع تمرات من تمر المدينة، فإن لم يكن فسبع تمرات من تمور أمصاركم، فإن الله عز و جل يقول: و عزتي و جلالي و عظمتي و ارتفاع مكاني، لا تأكل النفساء يوم تلد الرطب، فيكون غلاما إلا كان حليما، فإن كانت جارية كانت حليمة». 99-6867/ - و عنه: بإسناده، عن أبان، عن رجل عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إن مريم (عليها السلام) حملت بعيسى (عليه السلام) تسع ساعات، كل ساعة شهر». 99-6868/ - و عنه: عن محمد بن يحيى، عن علي بن إسماعيل، عن محمد بن عمرو الزيات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لم يولد لستة أشهر إلا عيسى بن مريم و الحسين بن علي (عليهم السلام) ». 99-6869/ - و عنه: عن أحمد بن مهران، و علي بن إبراهيم جميعا، عن محمد بن علي، عن الحسن بن راشد، عن يعقوب بن جعفر بن إبراهيم، قال: كنت عند أبى الحسن موسى (عليه السلام)، إذ أتاه رجل نصراني و نحن معه بالعريض -و ذكر الحديث بطوله-إلى أن قال أبو الحسن (عليه السلام) للنصراني: «أعجلك أيضا خبرا لا يعرفه إلا قليل ممن قرأ الكتب أخبرني ما اسم ام مريم، و أي يوم نفخت فيه مريم، و لكم ساعة من النهار، و أي يوم وضعت فيه مريم عيسى (عليه السلام)، و لكم ساعة من النهار؟». فقال النصراني: لا أدري. فقال أبو إبراهيم (عليه السلام): «أما ام مريم، فاسمها مرثى، و هي وهيبة بالعربية، و أما اليوم الذي حملت فيه مريم، فهو يوم الجمعة عند الزوال، و هو اليوم الذي هبط فيه الروح الأمين، و ليس للمسلمين عيد كان أولى منه عند الله، عظمه الله تبارك و تعالى، و عظمه محمد (صلى الله عليه و آله)، فأمره أن يجعله عيدا، فهو يوم الجمعة، و أما اليوم الذي ولدت فيه مريم، فهو يوم الثلاثاء لأربع-ساعات و نصف من النهار. و النهر الذي ولدت عليه مريم عيسى (عليه السلام) هل تعرفه»؟قال: لا. قال: «هو الفرات، و عليه شجر النخل و الكرم، و ليس يساوى بالفرات شيء للكروم و النخيل، فأما اليوم الذي حجبت فيه لسانها، و نادى قيدوس ولده و أشياعه، فأعانوه و أخرجوا آل عمران لينظروا إلى مريم، فقالوا لها ما قص الله عليك في كتابه، و علينا في كتابه؟» الحديث، و يأتي بتمامه في سورة الدخان قوله تعالى حم* `وَ اَلْكِتََابِ اَلْمُبِينِ* `إِنََّا أَنْزَلْنََاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبََارَكَةٍ إِنََّا كُنََّا مُنْذِرِينَ* `فِيهََا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ. 99-6870/ - محمد بن يعقوب: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر ابن سويد، عن القاسم بن سليمان، عن جراح المدائني، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن الصيام ليس من الطعام و الشراب وحده-ثم قال-قالت مريم: إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمََنِ صَوْماً أي صمتا». 99-6871/ - الطبرسي في (الاحتجاج): عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) -في حديث-قال: فأخبرني عن صلاة مفروضة تصلى بغير وضوء، و عن صوم لا يحجز عن أكل و لا شرب؟ قال: «أما الصلاة بغير وضوء، فالصلاة على النبي و آله، و أما الصوم، فقول الله عز و جل إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمََنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اَلْيَوْمَ إِنْسِيًّا* `فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهََا تَحْمِلُهُ قََالُوا يََا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا* `يََا أُخْتَ هََارُونَ مََا كََانَ أَبُوكِ اِمْرَأَ سَوْءٍ وَ مََا كََانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا ». 99-6872/ - ابن بابويه: عن أبيه، قال: حدثنا علي بن محمد بن قتيبة، عن همدان بن سليمان، عن نوح بن شعيب، عن محمد بن إسماعيل، عن صالح بن عقبة عن علقمة، عن الصادق (عليه السلام) -في حديث-قال فيه: «ألم ينسبوا مريم بنت عمران (عليها السلام) إلى أنها حملت بعيسى من رجل نجار اسمه يوسف؟!». 6873/ -السيد المرتضى في كتاب (الغرر و الدرر)، قال: و على قول من قال: أنه كان أخاها-يعني هارون-يكون معنى قولهم: إنك من أهل بيت الصلاح و السداد، لأن أباك لم يكن امرأ سوء، و لا كانت أمك بغيا، و أنت مع ذلك اخت هارون المعروف بالصلاح و العفة، فكيف أتيت بما لا يشبه نسبك، و لا يعرف من مثلك؟! ثم قال: و يقوي هذا القول ما رواه المغيرة بن شعبة، قال: لما أرسلني رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى أهل نجران، قال لي أهلها: أليس نبيكم يزعم أن هارون أخو موسى، و قد علم الله تعالى ما كان بين موسى و عيسى من السنين؟ فلم أدر ما أرد عليهم، حتى رجعت إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فذكرت له ذلك، فقال لي: «فهلا قلت: إنهم كانوا يدعون بأنبيائهم و الصالحين قبلهم». و منها أن يكون معنى قوله يََا أُخْتَ هََارُونَ: يا من هي من نسل هارون أخي موسى (عليه السلام)، كما يقال للرجل: يا أخا بني تميم، و يا أخا بني فلان. ثم قال: و ذكر مقاتل بن سليمان في قوله تعالى يََا أُخْتَ هََارُونَ قال: روي عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: «هارون هذا الذي ذكروه هو هارون أخو موسى (عليه السلام) ». ثم قال مقاتل: و تأويل يََا أُخْتَ هََارُونَ يا من هي من نسل هارون، كما قال تعالى: وَ إِلىََ عََادٍ أَخََاهُمْ هُوداً، وَ إِلىََ ثَمُودَ أَخََاهُمْ صََالِحاً يعني بأخيهم أنه من نسلهم و جنسهم. قلت: قد تقدمت عن قريب رواية علي بن إبراهيم في هارون هذا. قوله تعالى: فَأَشََارَتْ إِلَيْهِ قََالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كََانَ فِي اَلْمَهْدِ صَبِيًّا* `قََالَ إِنِّي عَبْدُ اَللََّهِ آتََانِيَ اَلْكِتََابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا* `وَ جَعَلَنِي مُبََارَكاً أَيْنَ مََا كُنْتُ وَ أَوْصََانِي بِالصَّلاََةِ وَ اَلزَّكََاةِ مََا دُمْتُ حَيًّا. 99-6874/ - محمد بن يعقوب: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن يزيد الكناسي، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام): أ كان عيسى بن مريم (عليه السلام) حين تكلم في المهد حجة لله على أهل زمانه؟فقال: «كان يومئذ نبيا حجة لله غير مرسل، أما تسمع لقوله حين قال: إِنِّي عَبْدُ اَللََّهِ آتََانِيَ اَلْكِتََابَ وَ جَعَلَنِي نَبِيًّا* `وَ جَعَلَنِي مُبََارَكاً أَيْنَ مََا كُنْتُ وَ أَوْصََانِي بِالصَّلاََةِ وَ اَلزَّكََاةِ مََا دُمْتُ حَيًّا »؟ قلت: فكان يومئذ حجة لله على زكريا في تلك الحال و هو في المهد؟فقال: «كان عيسى (عليه السلام) في تلك الحال آية للناس، و رحمة من الله لمريم حين تكلم فعبر عنها، و كان نبيا حجة على من سمع كلامه في تلك الحال، ثم صمت فلم يتكلم حتى مضت له سنتان، و كان زكريا الحجة لله عز و جل على الناس بعد ما صمت عيسى (عليه السلام) سنتين، ثم مات زكريا (عليه السلام) فورثه ابنه يحيى الكتاب و الحكمة و هو صبي صغير، أما تسمع لقوله عز و جل يََا يَحْيىََ خُذِ اَلْكِتََابَ بِقُوَّةٍ وَ آتَيْنََاهُ اَلْحُكْمَ صَبِيًّا، فلما بلغ عيسى (عليه السلام) سبع سنين تكلم بالنبوة و الرسالة، حين أوحى الله تعالى إليه، فكان عيسى (عليه السلام) الحجة على يحيى و على الناس أجمعين، و ليس تبقى الأرض-يا أبا خالد-يوما واحدا بغير حجة لله على الناس منذ يوم خلق الله آدم (عليه السلام)، و أسكنه الأرض». فقلت: جعلت فداك، أ كان علي (عليه السلام) حجة من الله و رسوله على هذه الامة في حياة رسول الله (صلى الله عليه و آله)؟فقال: «نعم، يوم أقامه للناس، و نصبه علما، و دعاهم إلى ولايته، و أمرهم بطاعته». قلت: و كانت طاعة علي (عليه السلام) واجبة على الناس في حياة رسول الله (صلى الله عليه و آله) و بعد وفاته؟فقال: «نعم»، و لكنه صمت فلم يتكلم مع رسول الله (صلى الله عليه و آله) و كانت الطاعة لرسول الله (صلى الله عليه و آله) على أمته و على علي (عليه السلام) في حياة رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و كانت الطاعة من الله و من رسوله على الناس كلهم لعلي (عليه السلام) بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و كان علي (عليه السلام) حكيما عالما». 99-6875/ - و عنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن صفوان بن يحيى، قال: قلت للرضا (عليه السلام): قد كنا نسألك قبل أن يهب الله لك أبا جعفر (عليه السلام)، فكنت تقول: يهب الله لي غلاما، فقد وهب الله لك، فقر عيوننا، فلا أرانا الله يومك، فإن كان كون فإلى من؟فأشار بيده إلى أبي جعفر (عليه السلام) و هو قائم بين يديه. فقلت: جعلت فداك، هذا ابن ثلاث سنين؟قال: «و ما يضر من ذلك، قد قام عيسى (عليه السلام)، بالحجة و هو ابن ثلاث سنين». 99-6876/ - و عنه: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام): في قول الله عز و جل وَ جَعَلَنِي مُبََارَكاً أَيْنَ مََا كُنْتُ. قال: «نفاعا». 99-6877/ - و عنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن معاوية بن وهب، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن أفضل ما يتقرب به العباد إلى ربهم، و أحب ذلك إلى الله عز و جل، ما هو؟ فقال: «ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة، ألا ترى أن العبد الصالح عيسى بن مريم (عليه السلام)، قال: وَ أَوْصََانِي بِالصَّلاََةِ وَ اَلزَّكََاةِ مََا دُمْتُ حَيًّا ». 99-6878/ - و عنه: عن عدة عن أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن شريف بن سابق، عن الفضل ابن أبي قرة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): مر عيسى بن مريم (عليه السلام) بقبر يعذب صاحبه، ثم مر به من قابل، فإذا هو لا يعذب، فقال: يا رب، مررت بهذا القبر عام أول و كان يعذب، و مررت به العام فإذا هو ليس يعذب؛ فأوحى الله إليه: أنه أدرك له ولد صالح فأصلح طريقا و آوى يتيما، فلهذا غفرت له بما فعل ابنه، ثم قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): ميراث الله عز و جل من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده». ثم تلا أبو عبد الله (عليه السلام) آية زكريا (عليه السلام): رب فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا* `يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا ». 99-6879/ - علي بن إبراهيم: عن محمد بن جعفر، قال: حدثني محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قوله: وَ جَعَلَنِي مُبََارَكاً أَيْنَ مََا كُنْتُ. قال: «نفاعا». 99-6880/ - ابن بابويه: قال: حدثنا أبي عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن يحيى بن المبارك، عن عبد الله بن جبلة، عن رجل، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عز و جل: وَ جَعَلَنِي مُبََارَكاً أَيْنَ مََا كُنْتُ، قال: «نفاعا». 99-6881/ - و عنه: بإسناده، عن وهب بن منبه اليماني، قال: إن يهوديا سأل النبي (صلى الله عليه و آله)، فقال: يا محمد، أ كنت في ام الكتاب نبيا قبل أن تخلق؟قال: «نعم». قال: و هؤلاء أصحابك المؤمنون مثبتون معك قبل أن يخلقوا؟قال: «نعم». قال: فما شأنك لم تتكلم بالحكمة حين خرجت من بطن أمك، كما تكلم عيسى بن مريم على زعمك، و قد كنت قبل ذلك نبيا؟فقال النبي (صلى الله عليه و آله): «إنه ليس أمري كأمر عيسى بن مريم، إن عيسى بن مريم خلقه الله عز و جل من ام ليس له أب، كما خلق الله آدم من غير أب و لا أم، و لو أن عيسى حين خرج من بطن امه لم ينطق بالحكمة، لم يكن لامه عذر عند الناس، و قد أتت به من غير أب و كانوا يأخذونها كما يؤخذ به مثلها من المحصنات، فجعل الله عز و جل منطقه عذرا لامه». 99-6882/ - و عنه: عن محمد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن محمد الهمداني مولى بني هاشم، قال: حدثنا جعفر بن عبد الله بن جعفر بن عبد الله بن جعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال:

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٣ - الصفحة ٧٠٦. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
7209/ (_8) - علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن محمد بن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمرو بن أبي شيبة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال

سمعته يقول ابتداء منه: «إن الله إذا بدا له أن يبين خلقه و يجمعهم لما لا بد منه، أمر مناديا ينادي فيجتمع الإنس و الجن في أسرع من طرفة عين، ثم أذن لسماء الدنيا فتنزل و كانت من وراء الناس، و أذن للسماء الثانية فتنزل و هي ضعف التي تليها، فإذا رآها أهل السماء الدنيا قالوا: جاء ربنا. قالوا: و هو آت-يعني أمره-حتى تنزل كل سماء، تكون كل واحدة منها من وراء الاخرى، و هي ضعف التي تليها. ثم ينزل أمر الله في ظلل من الغمام و الملائكة و قضي الأمر و إلى الله ترجع الأمور، ثم يأمر الله مناديا ينادي: يََا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطََارِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاََ تَنْفُذُونَ إِلاََّ بِسُلْطََانٍ». قال: و بكى (عليه السلام) حتى إذا سكت، قال: قلت: جعلني الله فداك يا أبا جعفر، و أين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أمير المؤمنين (عليه السلام). و شيعته؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): «رسول الله و علي (عليهما السلام) و شيعته على كثبان من المسك الأذفر، على منابر من نور، يحزن الناس و لا يحزنون، و يفزع الناس و لا يفزعون». ثم تلا هذه الآية: مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهََا وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ فالحسنة-و الله-ولاية علي (عليه السلام). ثم قال: لاََ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ هََذََا يَوْمُكُمُ اَلَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ.

البرهان في تفسير القرآن - ج ٣ - الصفحة ٨٤٥. — الإمام الباقر عليه السلام
7253/ (_8) - الشيخ المفيد في (أماليه) قال: أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد (رحمه الله)، عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال

«مر سلمان (رضي الله عنه) على الحدادين بالكوفة فرأى شابا قد صعق، و الناس قد اجتمعوا حوله، فقالوا: يا أبا عبد الله، هذا الشاب قد صرع، فإن قرأت في آذانه -قال-فدنا منه سلمان، فلما رآه الشاب أفاق، و قال: يا أبا عبد الله، ليس بي ما يقول هؤلاء القوم، و لكني مررت بهؤلاء الحدادين، و هم يضربون بالمرزبات، فذكرت قوله تعالى: وَ لَهُمْ مَقََامِعُ مِنْ حَدِيدٍ فذهب عقلي خوفا من عقاب الله تعالى، فاتخذه سلمان أخا، و دخل قلبه حلاوة محبته في الله تعالى، فلم يزل معه حتى مرض الشاب، فجاءه سلمان فجلس عند رأسه و هو يجود بنفسه، فقال: يا ملك الموت، أرفق بأخي؛ فقال ملك الموت: يا أبا عبد الله، إني بكل مؤمن رفيق».

البرهان في تفسير القرآن - ج ٣ - الصفحة ٨٦٣. — الإمام الصادق عليه السلام
8023/ (_12) - السيد الرضي في (الخصائص) قال: روي أن أمير المؤمنين عليا (عليه السلام) كان جالسا في المسجد، إذ دخل عليه رجلان، فاختصما إليه، و كان أحدهما من الخوارج، فتوجه الحكم على الخارجي، فحكم عليه أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال

له الخارجي: و الله، ما حكمت بالسوية، و لا عدلت في القضية، و ما قضيتك عند الله تعالى بمرضية. فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام)، و أومأ بيده إليه: «اخسأ، عدو الله» فاستحال كلبا أسودا. فقال من حضره: فوالله لقد رأينا ثيابه تطاير عنه في الهواء، فجعل يبصبص لأمير المؤمنين (عليه السلام)، و دمعت عيناه في وجهه، و رأينا أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد رق له، فلحظ السماء، و حرك شفتيه بكلام لم نسمعه، فوالله لقد رأيناه و قد عاد إلى حال الإنسانية، و تراجعت ثيابه من الهواء، حتى سقطت على كتفيه، فرأيناه و قد خرج من المسجد، و إن رجليه لتضطربان، فبهتنا ننظر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال لنا: «ما لكم تنظرون و تعجبون؟». فقلنا: يا أمير المؤمنين، كيف لا نتعجب، و قد صنعت ما صنعت؟ فقال: «أما تعلمون أن آصف بن برخيا وصي سليمان بن داود (عليهما السلام) قد صنع ما هو قريب من هذا الأمر، فقص الله جل اسمه قصته، حيث يقول: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهََا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ* `قََالَ عِفْرِيتٌ مِنَ اَلْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقََامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ* `قََالَ اَلَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ اَلْكِتََابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمََّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قََالَ هََذََا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ الآية، فأيما أكرم على الله، نبيكم، أم سليمان (عليهما السلام)؟» فقالوا: بل نبينا (صلى الله عليه وآله وسلم) أكرم، يا أمير المؤمنين. قال: «فوصي نبيكم أكرم من وصي سليمان، و إنما كان عند وصي سليمان من اسم الله الأعظم حرف واحد، فسأل الله جل اسمه، فخسف له الأرض ما بينه و بين سرير بلقيس، فتناوله في أقل من طرف العين، و عندنا من اسم الله الأعظم اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند الله تعالى، استأثر به دون خلقه». فقالوا: يا أمير المؤمنين، فإذا كان هذا عندك، فما حاجتك إلى الأنصار في قتال معاوية و غيره، و استنفارك الناس إلى حربه ثانية؟ فقال: بَلْ عِبََادٌ مُكْرَمُونَ* `لاََ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ إنما أدعو هؤلاء القوم إلى قتاله لثبوت الحجة، و كمال المحنة، و لو اذن لي في إهلاكه لما تأخر، لكن الله تعالى يمتحن خلقه بما شاء». قالوا: فنهضنا من حوله، و نحن نعظم ما أتى به (عليه السلام).

البرهان في تفسير القرآن - ج ٤ - الصفحة ٢١٩. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
8075/ (_14) - علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن محمد بن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمر بن أبي شيبة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال

سمعته يقول ابتداء منه: «إن الله إذا بدا له أن يبين خلقه، و يجمعهم لما لا بد منه، أمر مناديا ينادي، فتجمع الإنس و الجن في أسرع من طرفة عين، ثم أذن لسماء الدنيا فتنزل، فكانت من وراء الناس، و أذن للسماء الثانية فتنزل، و هي ضعف التي تليها، فإذا رآها أهل السماء الدنيا، قالوا: جاء ربنا؟ قالوا: لا، و هو آت-يعني أمره-حتى تنزل كل سماء، تكون كل واحدة منها من وراء الاخرى، و هي ضعف التي تليها، ثم ينزل أمر الله في ظلل من الغمام، و الملائكة، و قضي الأمر، و إلى الله ترجع الأمور، ثم يأمر الله مناديا ينادي: يََا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطََارِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاََ تَنْفُذُونَ إِلاََّ بِسُلْطََانٍ». قال: و بكى (عليه السلام)، حتى إذا سكت، قال: قلت: جعلني الله فداك-يا أبا جعفر-و أين رسول الله، و أمير المؤمنين (عليهما السلام)، و شيعته؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام): «رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، و علي (عليه السلام)، و شيعته على كثبان من المسك الأذفر، على منابر من نور، يحزن الناس و لا يحزنون، و يفزع الناس و لا يفزعون»، ثم تلا هذه الآية: مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهََا وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ. «فالحسنة ولاية علي (عليه السلام)». ثم قال: لاََ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ هََذََا يَوْمُكُمُ اَلَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. 8076/ (_15) -علي بن إبراهيم: في معنى الحسنة، قال: الحسنة-و الله-ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام).

البرهان في تفسير القرآن - ج ٤ - الصفحة ٢٣٥. — الإمام الباقر عليه السلام
- الإمام أبو محمد العسكري (عليه السلام)، قال

«أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعث جيشا ذات يوم لغزاة، و أمر عليهم عليا (عليه السلام) -و ما بعث جيشا قط و فيهم علي (عليه السلام) إلا جعله أميرهم-فلما غنموا رغب علي (عليه السلام) في أن يشتري من جملة الغنائم جارية، و يجعل ثمنها في جملة الغنائم، فكايده فيها حاطب بن أبي بلتعة، و بريدة الأسلمي، و زايداه، فلما نظر إليهما يكايدانه و يزايدانه انتظر إلى أن بلغت قيمتها قيمة عدل في يومها فأخذها بذلك، فلما رجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) تواطئا على أن يقولا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه و آله)، فوقف بريدة قدام رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و قال: يا رسول الله، أ لم تر إلى علي بن أبي طالب أخذ جارية من المغنم دون المسلمين؟فأعرض عنه، فجاء عن يمينه، فقالها، فأعرض عنه، فجاء عن يساره، فقالها، فأعرض عنه، و جاء من خلفه، فقالها، فأعرض عنه، ثم عاد إلى بين يديه، فقالها، فغضب رسول الله (صلى الله عليه و آله) غضبا لم يغضب قبله و لا بعده غضبا مثله، و تغير لونه، و تربد و انتفخت أوداجه، و ارتعدت أعضاؤه، فقال: ما لك-يا بريدة-آذيت رسول الله منذ اليوم، أما سمعت قول الله عز و جل: إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذََاباً مُهِيناً* وَ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتََاناً وَ إِثْماً مُبِيناً؟ فقال بريدة: يا رسول الله ما علمت أني قد قصدتك بأذى. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أو تظن-يا بريدة-أنه لا يؤذيني إلا من قصد ذات نفسي، أما علمت أن عليا مني و أنا منه، و أن من آذى عليا فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى الله، و من آذى الله فحق على الله أن يؤذيه بأليم عذابه في نار جهنم؟يا بريدة، أنت أعلم، أم الله عز و جل؟أنت أعلم، أم قراء اللوح المحفوظ؟أنت أعلم، أم ملك الأرحام؟فقال بريدة: بل الله أعلم، و قراء اللوح المحفوظ، و ملك الأرحام أعلم. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا بريدة، أنت أعلم أم حفظة علي بن أبي طالب؟قال: بل حفظة علي بن أبي طالب. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فكيف تخطئه، و تلومه، و توبخه، و تشنع عليه في فعله، و هذا جبرئيل (عليه السلام) أخبرني عن حفظة علي أنهم ما كتبوا عليه قط خطيئة منذ ولد؟و هذا ملك الأرحام حدثني أنه كتب قبل أن يولد، حين استحكم في بطن امه: أنه لا يكون منه خطيئة أبدا، و هؤلاء قراء اللوح المحفوظ أخبروني ليلة أسري بي إلى السماء أنهم وجدوا في اللوح المحفوظ مكتوبا: علي معصوم من كل خطأ و زلل. فكيف تخطئه أنت-يا بريدة-و قد صوبه رب العالمين، و الملائكة المقربون؟!يا بريدة، لا تتعرض لعلي بخلاف الحسن الجميل، فإنه أمير المؤمنين، و سيد الوصيين، و سيد الصالحين، و فارس المسلمين، و قائد الغر المحجلين، و قسيم الجنة و النار، يقول يوم القيامة للنار: هذا لي، و هذا لك. ثم قال: يا بريدة، أ ترى ليس لعلي من الحق عليكم-معاشر المسلمين-ألا تكايدوه، و لا تعاندوه، و لا تزايدوه؟هيهات هيهات، إن قدر علي عند الله تعالى أعظم من قدره عندكم، ألا أخبركم؟قالوا: بلى، يا رسول الله. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن الله سبحانه و تعالى يبعث يوم القيامة أقواما تمتلئ من جهة السيئات موازينهم، فيقال لهم: هذه السيئات، فأين الحسنات، و إلا فقد عطبتم؟فيقولون: يا ربنا، ما نعرف لنا حسنات!. فإذا النداء من قبل الله عز و جل: إن لم تعرفوا لأنفسكم حسنات، فإني أعرفها لكم، و أوفرها عليكم. ثم تأتي الريح برقعة صغيرة و تطرحها في كفة حسناتهم فترجح بسيئاتهم بأكثر مما بين السماء و الأرض، فيقال لأحدهم: خذ بيد أبيك، و أمك، و إخوانك، و أخواتك، و خاصتك، و قراباتك، و أخدانك و معارفك فأدخلهم الجنة. فيقول أهل المحشر: يا ربنا، أما الذنوب فقد عرفناها، فما كانت حسناتهم؟فيقول الله عز و جل: يا عبادي، إن أحدهم مشى ببقية دين عليه لأخيه إلى أخيه، فقال له: خذها، فإني أحبك بحبك لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال له الآخر: قد تركتها لك بحبك لعلي بن أبي طالب، و لك من مالي ما شئت. فشكر الله تعالى ذلك لهما، فحط به خطاياهما، و جعل ذلك في حشو صحائفهما و موازينهما، و أوجب لهما و لوالديهما و لذريتهما الجنة. ثم قال: يا بريدة، إن من يدخل النار ببغض علي أكثر من حصى الخذف الذي يرمى بها عند الجمرات فإياك أن تكون منهم».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٤ - الصفحة ٤٩٣. — الإمام العسكري عليه السلام
8719/ - الإمام أبو محمد العسكري (عليه السلام)، قال

«أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بعث جيشا ذات يوم لغزاة، و أمر عليهم عليا (عليه السلام) -و ما بعث جيشا قط و فيهم علي (عليه السلام) إلا جعله أميرهم-فلما غنموا رغب علي (عليه السلام) في أن يشتري من جملة الغنائم جارية، و يجعل ثمنها في جملة الغنائم، فكايده فيها حاطب بن أبي بلتعة، و بريدة الأسلمي، و زايداه، فلما نظر إليهما يكايدانه و يزايدانه انتظر إلى أن بلغت قيمتها قيمة عدل في يومها فأخذها بذلك، فلما رجعوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تواطئا على أن يقولا ذلك لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فوقف بريدة قدام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، و قال: يا رسول الله، أ لم تر إلى علي بن أبي طالب أخذ جارية من المغنم دون المسلمين؟ فأعرض عنه، فجاء عن يمينه، فقالها، فأعرض عنه، فجاء عن يساره، فقالها، فأعرض عنه، و جاء من خلفه، فقالها، فأعرض عنه، ثم عاد إلى بين يديه، فقالها، فغضب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) غضبا لم يغضب قبله و لا بعده غضبا مثله، و تغير لونه، و تربد و انتفخت أوداجه، و ارتعدت أعضاؤه، فقال: ما لك-يا بريدة-آذيت رسول الله منذ اليوم، أما سمعت قول الله عز و جل: إِنَّ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اَللََّهُ فِي اَلدُّنْيََا وَ اَلْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذََاباً مُهِيناً* وَ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا فَقَدِ اِحْتَمَلُوا بُهْتََاناً وَ إِثْماً مُبِيناً؟ فقال بريدة: يا رسول الله ما علمت أني قد قصدتك بأذى. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): أو تظن-يا بريدة-أنه لا يؤذيني إلا من قصد ذات نفسي، أما علمت أن عليا مني و أنا منه، و أن من آذى عليا فقد آذاني، و من آذاني فقد آذى الله، و من آذى الله فحق على الله أن يؤذيه بأليم عذابه في نار جهنم؟ يا بريدة، أنت أعلم، أم الله عز و جل؟ أنت أعلم، أم قراء اللوح المحفوظ؟ أنت أعلم، أم ملك الأرحام؟ فقال بريدة: بل الله أعلم، و قراء اللوح المحفوظ، و ملك الأرحام أعلم. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): يا بريدة، أنت أعلم أم حفظة علي بن أبي طالب؟ قال: بل حفظة علي بن أبي طالب. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): فكيف تخطئه، و تلومه، و توبخه، و تشنع عليه في فعله، و هذا جبرئيل (عليه السلام) أخبرني عن حفظة علي أنهم ما كتبوا عليه قط خطيئة منذ ولد؟ و هذا ملك الأرحام حدثني أنه كتب قبل أن يولد، حين استحكم في بطن امه: أنه لا يكون منه خطيئة أبدا، و هؤلاء قراء اللوح المحفوظ أخبروني ليلة أسري بي إلى السماء أنهم وجدوا في اللوح المحفوظ مكتوبا: علي معصوم من كل خطأ و زلل. فكيف تخطئه أنت-يا بريدة-و قد صوبه رب العالمين، و الملائكة المقربون؟! يا بريدة، لا تتعرض لعلي بخلاف الحسن الجميل، فإنه أمير المؤمنين، و سيد الوصيين، و سيد الصالحين، و فارس المسلمين، و قائد الغر المحجلين، و قسيم الجنة و النار، يقول يوم القيامة للنار: هذا لي، و هذا لك. ثم قال: يا بريدة، أ ترى ليس لعلي من الحق عليكم-معاشر المسلمين-ألا تكايدوه، و لا تعاندوه، و لا تزايدوه؟ هيهات هيهات، إن قدر علي عند الله تعالى أعظم من قدره عندكم، ألا أخبركم؟ قالوا: بلى، يا رسول الله. فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن الله سبحانه و تعالى يبعث يوم القيامة أقواما تمتلئ من جهة السيئات موازينهم، فيقال لهم: هذه السيئات، فأين الحسنات، و إلا فقد عطبتم؟ فيقولون: يا ربنا، ما نعرف لنا حسنات!. فإذا النداء من قبل الله عز و جل: إن لم تعرفوا لأنفسكم حسنات، فإني أعرفها لكم، و أوفرها عليكم. ثم تأتي الريح برقعة صغيرة و تطرحها في كفة حسناتهم فترجح بسيئاتهم بأكثر مما بين السماء و الأرض، فيقال لأحدهم: خذ بيد أبيك، و أمك، و إخوانك، و أخواتك، و خاصتك، و قراباتك، و أخدانك و معارفك فأدخلهم الجنة. فيقول أهل المحشر: يا ربنا، أما الذنوب فقد عرفناها، فما كانت حسناتهم؟ فيقول الله عز و جل: يا عبادي، إن أحدهم مشى ببقية دين عليه لأخيه إلى أخيه، فقال له: خذها، فإني أحبك بحبك لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال له الآخر: قد تركتها لك بحبك لعلي بن أبي طالب، و لك من مالي ما شئت. فشكر الله تعالى ذلك لهما، فحط به خطاياهما، و جعل ذلك في حشو صحائفهما و موازينهما، و أوجب لهما و لوالديهما و لذريتهما الجنة. ثم قال: يا بريدة، إن من يدخل النار ببغض علي أكثر من حصى الخذف الذي يرمى بها عند الجمرات فإياك أن تكون منهم». 8720/ (_4) -ابن شهر آشوب: عن الواحدي في (أسباب النزول)، و مقاتل بن سليمان، و أبي القاسم القشيري في تفسيريهما: أنه نزل قوله تعالى: وَ اَلَّذِينَ يُؤْذُونَ اَلْمُؤْمِنِينَ وَ اَلْمُؤْمِنََاتِ بِغَيْرِ مَا اِكْتَسَبُوا الآية، في علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و ذلك أن نفرا من المنافقين كانوا يؤذونه، و يسمعونه، و يكذبون عليه.

البرهان في تفسير القرآن - ج ٤ - الصفحة ٤٩٣. — الإمام العسكري عليه السلام
9119/ (_11) - (تحفة الإخوان): بحذف الإسناد، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال

سألته عن بلية أيوب (عليه السلام) التي ابتليها في الدنيا، لأي شيء علته؟ قال: «لنعمة أنعم الله عليه بها في الدنيا، و أدى شكرها، و ذلك أنه لم يكن بعد يوسف بن يعقوب بن إسحاق ابن إبراهيم (عليه السلام) إلا أيوب بن موص بن رعويل بن العيص بن إسحاق بن إبراهيم خليل الله، و كان أيوب رجلا عاقلا، حليما، نظيفا، حكيما، و كان أبوه رجلا مثريا كثير المال، يملك الماشية من الإبل، و البقر، و الغنم، و الحمير، و البغال، و الخيل، و لم يكن في أرض الشام من كان في غنائه، فلما مات ورث ذلك أيوب، و كان أيوب يومئذ عمره ثلاثين سنة، فأحب أن يتزوج، فوصفت له رحمة بنت إفرائيم بن يوسف (عليه السلام)، و كانت رحمة عند أبيها بأرض مصر، و كان أبوها شديد الفرح بها، و كان يحبها حبا عظيما، لأنه رأى في المنام أن جدها يوسف (عليه السلام) نزع قميصا كان عليه فألبسها إياه، و قال: يا رحمة، هذا حسني و جمالي و بهائي قد وهبته لك. و كانت رحمة أشبه الخلق بيوسف (عليه السلام)، و كانت زاهدة عابده، فلما سمع بها أيوب رغب فيها، فخرج إلى بلدها و معه مال جزيل و هدايا، و سار حتى وصل إلى أبيها، فخطب منه ابنته رحمة، فزوجه إياها لزهده و ماله، و جهزها إليه، فحملها أيوب إلى بلاده، فرزقه الله منها اثني عشر بطنا، في كل بطن ذكر و أنثى. ثم بعثه الله إلى قومه رسولا، و هم أهل حوران و البثنة، و أعطاه الله من حسن الخلق و الرفق ما لم يعطه أحد، و لم يخالفه أحد، و لا يكذبه أحد لشرفه و شرف أبيه، فشرع لهم الشرائع، و بنى لهم المساجد، و كانت له موائد يضعها للفقراء و المساكين و الأضياف يضيفهم و يكرمهم، و كان لليتيم كالأب الرحيم، و للأرملة كالزوج العطوف، و للضعيف كالأب الودود، و كان قد أمر وكلاءه و أمناءه أن لا يمنعوا أحدا من زرعه و أثماره، و كان الطير و الوحوش و جميع الأنعام ترعى في كسبه، و بركة الله تعالى تزداد لأيوب (عليه السلام) صباحا و مساء، و كانت جميع مواشيه تحمل في كل سنة توأمين، و لم يكن أيوب (عليه السلام) يفرح بشيء من ذلك، لكنه يقول: إلهي و سيدي و مولاي و سندي، هذه الدنيا على هذه الحالة، فكيف بالآخرة و الجنة التي خلقتها لأهل كرامتك؟ و كان إذا جاء الليل يجمع من يلوذ به في مسجده، يصلون بصلاته، و يسبحون بتسبيحه، حتى إذا أصبح أمر باتخاذ الطعام لهم، و لجميع الضعفاء، و كان يذهب له في ذلك مال لا يحصى، و كان له من الخيل ألف فرس، و ألف رمكة، و ألف بغل و بغلة، و ثلاثة آلاف بعير، و ألف و خمس مائة ناقة، و ألف ثور، و ألف بقرة، و عشرة آلاف شاة، و خمس مائة فدان، و ثلاث مائة أتان، و خلف كل رمكة مهران أو ثلاثة، و كل ناقة فصيل، و كذلك جميع مواشيه، و على كل خمسين رأسا من هذه راع مملوك لأيوب، و لكل عبد منهم أهل و ولد. و كان إبليس اللعين لا يمر على شيء من مال أيوب إلا رآه مختوما بخاتم الشكر، مطهرا بالزكاة، فحسده، و لم يقدر له على ضرر، و كان إبليس في ذلك الزمان يصعد إلى السماوات السبع، و يحجب من دون العرش، و يقف في أي مكان منها شاء، حتى رفع عيسى بن مريم (عليه السلام)، فحجب عن أربع سماوات، و يصعد إلى ثلاثة منها، حتى بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فحجب إبليس عن جميعها، و كان يسترق السمع بعد ذلك، و منه تعجبت الإنس و الجن، و ذلك معنى قوله تعالى: وَ أَنََّا لَمَسْنَا اَلسَّمََاءَ فَوَجَدْنََاهََا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَ شُهُباً* وَ أَنََّا كُنََّا نَقْعُدُ مِنْهََا مَقََاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ اَلْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهََاباً رَصَداً. فصعد إبليس اللعين في زمان أيوب (عليه السلام) إلى ما دون العرش كما كان يصعد، و وقف في الموضع الذي كان يقف فيه، و في قلبه من النبي أيوب ما فيه، و الله مطلع على السر و العلانية، فنودي: يا ملعون، من أين أقبلت؟ فقال: إلهي، طفت الأرض لأفتن من أطاعني، ففتنتهم إلا عبادك منهم المخلصين. فنودي: يا لعين، ما في قلبك من نعمة أيوب؟ فقال إبليس: يا رب، إنك ذكرته فصلت عليه ملائكتك. فنودي: يا لعين، هل نلت منه شيئا مع طول عبادته، فهل تستطيع أن تغويه عن عبادتي؟ فقال: إلهي و مولاي، إن أيوب لم يؤد شكر هذه النعمة، و نظرت في أمره و إذا هو عبد عافيته فقبل عافيتك، و رزقته فشكرك، و لم تجربه في البلاء و المصائب، فلو ابتليته لوجدته بخلاف ما هو عليه، و لو سلطنتي-يا رب-على ماله لرأيته كيف ينساك. فنودي: يا ملعون، قد سلطتك على ماله لتعلم أنك كاذب فيما تعتقده فيه». قال: «فانقض من السماوات حتى وقف على الصخرة التي رضخ عليها قابيل رأس أخيه هابيل (عليه السلام)، و هي صخرة سوداء ينبع منها صديد اللعنة، فوقف إبليس عليها، و رن رنة حتى اجتمع عليه العفاريت المتمردون من المشرق و المغرب، فقالوا: يا أبانا، و ما وراءك، و ما دهاك؟ فقال: إني مكنت من فرصة ما تمكنت من مثلها منذ أخرجت آدم من الجنة، و ذلك أني سلطت على مال أيوب لافقره، و اعطب ماله. فقال بعضهم: سلطني على أشجاره، فإني أتحول نارا، و لا أمر على شيء إلا أحرقته، و صيرته رمادا. فقال إبليس: أنت لذلك. و قال آخر: سلطني على مواشيه حتى أصيح صيحة تخرج أرواحها. فقال أنت لذلك. فأقبل الأول، و تحول نارا، حتى أحرق تلك الأشجار و الآجام. و أقبل الآخر على المواشي، فصاح بها صيحة خرجت كلها ميتة مع رعاتها. فرأى أهل القرية دخانا عظيما، و صيحة عظيمة، ففزعوا فزعا شديدا، فأقبل اللعين إلى أيوب و هو في صلاته، و خيل إلى أيوب أنه أصابه وهج ذلك الحريق، و قد اسود وجهه، و تمعط شعره، و هو لعنه الله ينادي: يا أيوب، أدركني، فأنا الناجي من دون غيري، فما رأيت نارا أقبلت من السماء فيها دخان فأحرقت ما لك-يا أيوب- و أصابتني نفحة من نفحاتها، و سمعت مناديا من السماء يقول: هذا جزاء من كان مرائيا في عبادته، يريد بها الناس دون الله تعالى. و قال إبليس: و سمعت النار تقول: أنا نار الغضب، أنا نار السخط. قال: فلما سمع أيوب ذلك أقبل على صلاته، و لم يلتفت إليه حتى فرغ من صلاته تامة كاملة، فقال: يا هذا، ليست هي أموالي، و إنما هي أموال الله تعالى يفعل بها ما شاء. فقال إبليس لعنه الله: صدقت. و ماج الناس، فقال بعضهم: هذا ما قبضه قبض العجب. و قال آخرون: ما كان أيوب صادقا في توبته، فلهذا جازاه بهذا الجزاء. فشق ذلك على أيوب من قولهم، و لم يجبهم، غير أنه قال: الحمد لله على قضائه و قدره. فأقبل النبي أيوب على اللعين إبليس، و قال له: من أنت أيها العبد؟ كأنك ممن أخرجه الله من رحمته، و سلب عنه نعمته، و لو علم فيك خيرا لأخبرني بك، و لقبض روحك مع أرواح الرعاة، و لكنه علم فيك شرا فخلصك منها كما يخلص الزوان من القمح، فسر عني-أيها العبد-مذموما مدحورا. فقال إبليس: صدق من قال: لا تخدموا المتكبرين. يا أيوب، الآن علمت أنك كنت مرائيا في صلاتك، ألم أكن لك عبدا شفيقا من عبيدك، ألم أكن حريصا على أموالك، فما جزائي منك إلا أن تعيرني بما نالني من وهج الحريق، دون أن تقول ما تقوله؟ فلم يكلم إبليس، و أقبل أيوب على صلاته. و انصرف عنه إبليس خائبا ذليلا، و صعد إلى السماء كما كان يصعد، و وقف كما كان يقف، فنودي: يا ملعون، كيف وجدت عبدي أيوب، كيف صبر على ذهاب أمواله جميعا، من المواشي، و العبيد، و غيرها، و كيف حمدني على البلية؟ فقال اللعين: إلهي و سيدي، إنك متعته بعافية أولاده، و زخارف دوره، و لو سلطتني على دنياه حتى تعلم أنه لا يؤدي إليك شكر نعمة أبدا. فنودي: يا ملعون، اذهب، فقد سلطتك على أولاده». قال: فانقض عدو الله إلى قصر أيوب الذي فيه أولاده، فأما البنون: فحزقل، و هو أكبرهم، و مقبل، و رشد، و رشيد، و بهارون، و بشير، و أقرون، و الباقي من الذكور، لم نجد لهم أسماء في الكتب و القصص. و أما البنات: فمرجانة، و عبيدة، و صالحة، و عافية، و تقية، و مؤمنة. قال: «فزلزل عليهم القصر بنفسه حتى سقط بعضه على بعض، و جعل يشد أفواههم بالخشب، و الخرق، و يقذفهم بالجندل، حتى مثل بهم أقبح مثلة، و أوحى الله تعالى إلى الأرض: أن احفظي أولاد النبي أيوب، فإني بالغ مشيئتي فيهم، و لأجزينهم بذلك الثواب. فأقبل إبليس إلى أيوب، و قال: يا أيوب، لو رأيت قصورك و أولادك كيف صاروا، و لقد صارت قصورهم لهم قبورا، و طينها صار لهم حنوطا، و ثيابهم و فرشهم صارت لهم أكفانا، و لو أبصرت كيف تغيرت تلك الوجوه الحسان بالدماء و التراب، و العظام كيف تهشمت، و اللحوم كيف رصعت، و الجلود كيف تمزقت. و لم يزل إبليس اللعين يعد عليه مثل هذا بافتجاع و انكسار و انتحاب حتى بكى أيوب (عليه السلام)، و ساعده إبليس على البكاء، فندم أيوب على بكائه، و أخذ قبضة من التراب، و وضعها على رأسه، و استغفر الله تعالى، و خر ساجدا، ثم أقبل على إبليس، و قال له: يا ملعون، انصرف عني خائبا ذليلا مدحورا، فإن أولادي كانوا عارية لله تعالى عندي، و لا بد من اللحاق بهم». قال: «فانصرف إبليس و لم ينل منه، و صعد إلى السماء كما كان يصعد، و وقف كما كان يقف، فأتاه النداء: يا ملعون، كيف رأيت عبدي أيوب و توبته و استغفاره بعد بكائه؟ فقال إبليس: إلهي و سيدي، إنك متعته بعافية نفسه، و فيها عوض عن المال و الولد، فلو سلطنتي على بدنه لرأيته كيف ينسى ذكرك، و يترك شكرك. فنودي: يا لعين، اذهب، فقد سلطتك على بدنه، ما خلا: عينيه، و عقله، و لسانه الذي لا يفتر عن ذكري، و أذنيه». قال: «فانقض إليه اللعين، فوجد أيوب في مسجده متضرعا إلى الله تعالى بأنواع الثناء، داعيا إليه بأعظم الدعاء، و يشكره على جميع النعماء، و يحمده على جميع البلاء، و هو يقول: و عزتك و جلالك، لا ازددت على بلائك إلا شكرا، و لو ألبستني ثوب البلاء سرمدا لا ازددت على بلائك إلا صبرا. قال: فلما سمع إبليس اغتاظ من قوله، و عجل، و لم يتركه حتى يرفع رأسه من السجود، فانحدر في الأرض حتى صار تحت أنفه، ثم نفخ في فيه و منخريه نار اللهب، فاسود وجه أيوب (عليه السلام) في الحال، فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدميه، فتمعط منها شعره، فلما كان اليوم الثاني ورم، و عظم، و في الثالث اسود، و في الرابع امتلأ ماء أصفر، و في الخامس صار قيحا، و في السادس وقع فيه الدود، و سال صديده، و وقع فيه الحكاك، فحك جسده شهرين حتى سقطت أظافيره، ثم حك بالمسوح و الخرق، و بالحجارة الخشنة، و كان إذا رأى دودة سقطت من بدنه ردها بيده إلى موضعها، و يقول لها: كلي من لحمي و دمي حتى يأتي الله بالفرج. فقالت رحمة: يا أيوب، ذهب المال و الولد، و قد بدأ الضر في الجسد. فقال أيوب: يا رحمة، إن الله تعالى ابتلى النبيين من قبلي فصبروا، و إن الله تعالى وعد الصابرين خيرا. ثم خر أيوب ساجدا، و جعل يقول: إلهي و سيدي، لو جعلت علي ثوب البلاء سرمدا، و حرمتني العافية، و مزقتني الديدان، ما ازددت إلا شكرا، إلهي لا تشمت بي عدوي إبليس اللعين». قال: «و كانت رحمة تبكي مرة، و تصرخ أخرى لما ترى من بلاء أيوب، و هو (عليه السلام) ينهاها عن ذلك، و يقول لها: أ لست أنت من بنات الأنبياء، و تعلمين أني نبي الله، و أن لي أسوة بالنبيين و المرسلين، و آبائك: إبراهيم، و إسماعيل، و إسحاق، و يعقوب، و يوسف؟ ثم سأل الله تعالى لها الصبر على ما تشاهد منه، ثم قال لها أيوب: انطلقي التمسي لي موضعا غير مسجدي فاحمليني إليه. فمضت رحمة، و نظرت له موضعا، ثم عادت إليه فاحتملته إلى فضاء من الأرض، و كان قد قال لها: إني لا أحب أن يتلوث المسجد. ثم انطلقت إلى قوم كان أيوب (عليه السلام) يبرهم و يحسن إليهم كثيرا، فلما التمست له موضعا، طلبتهم أن يعينوها على إخراج أيوب من المسجد. فقالوا لها: إن أيوب قد غضب عليه ربه و هتك ستره لما كان فعله من الرياء، فيا ليت كان بيننا و بينه بعد المشرقين، فإنه لو كان فيه خير في عبادة ربه، ما ابتلاه. فرجعت رحمة إلى أيوب، و قالت له: يا أيوب، جلت المصيبة، خاب أملنا من أهل المعارف و أهل الاصطناع. فقال لها: يا رحمة، هكذا يكونون أهل البلاء، و لكن تقدمي إلي، و قولي: لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم، و أدخلي يدك اليمنى تحت رأسي، و يدك اليسرى تحت رجلي، و احمليني. ففعلت ذلك، و احتملته بقوة الله تعالى حتى أخرجته إلى الفضاء، و هو الموضع الذي يوضع فيه الموائد من أيوب للضعفاء و المساكين. ثم قال: يا رحمة، إن الصدقة حرام علينا، و لا تحل لنا، فاحتالي في الخدمة. فأسبل دمعته. فقالت رحمة: ما يبكيك، يا نبي الله؟ فقال لها: يا رحمة، أنت من بنات النبيين، و من نسل المرسلين، و أنت امرأة عظيمة الحسن و الجمال، و ما اعطي الحسن و الجمال في زمانك إلا جدك يوسف (عليه السلام)، و إن في القرية فساق كثيرة، و أنت تخدمين، و أخشى عليك من مكائد إبليس اللعين. فبكت رحمة، و قالت: يا نبي الله، ما جزائي منك إلا أن تتهمني و تنسبني إلى ذلك، و أنا من بنات النبيين و الصديقين الطاهرين؟! و حق آبائي و أجدادي ما ملت بعيني إلى آدمي بعدك. فعند ذلك أذن لها أيوب (عليه السلام) بالخدمة. و كانت تخدم أهل البثنة في سقي الماء، و كنس البيوت، و إخراج المزابل، و غسل الثياب و الخرق، و يعطونها الاجرة و تنفقها على أيوب (عليه السلام) في طعامه و شرابه، فأقبل إبليس في صورة شيخ كبير حتى وقف على أهل القرية، فقال لهم: كيف تطيب أنفسكم بامرأة تعالج من زوجها القيح، و الصديد، و نتن الرائحة، ثم تدخل بيوتكم و تدخل يديها في أوعيتكم، و طعامكم، و شرابكم؟ قال: فوقع ذلك في قلوبهم، و لم يتركوا رحمة أن تدخل بيوتهم من ذلك اليوم. فكرهت رحمة أن تخبر أيوب (عليه السلام) بذلك حتى لا يزداد حزنا على حزنه، و كان القوم لا يستخدمونها، و كانوا يعطونها الشيء فتطعمه ذلك، و لا تخبره بشيء من أمرها». قال: «فاشتد بأيوب البلاء و نتن رائحته، حتى لا يقدر أحد من أهل القرية أن يستقر في بيته لشدة نتن الرائحة، و لم يدروا ما يصنعون، فاجتمع رأيهم على أن يرسلوا عليه كلابا لتأكله، فبلغ ذلك رحمة، فجاءت إلى أيوب فأخبرته بذلك، فقال لها: يا رحمة، لم يكن الله تعالى بالذي يسلط علي الكلاب و أنا نبيه و ابن أنبيائه. قال: فجمع أهل القرية كلاب الرعاة، فأرسلوها على أيوب (عليه السلام)، فجاءت إليه تعدو، فلما تقاربت منه رجعت إلى خلفها، فهربت الكلاب عن البلاد حتى لم يكن في تلك القرية كلب واحد. و كان القوم يأتون أيوب، و يقولون له: لا صبر لنا على بليتك، إما أن تخرج عنا و إلا رجمناك بالحجارة حتى تموت فنستريح منك. فقال لهم أيوب: لا ترجموني بالحجارة، و لكن أخرجوني من قريتكم إلى بعض مزابلكم، فإني أرجو من الله تعالى أن لا يضيعني. فقالوا له: إنا نستقذرك و أنت بعيد عنا، فكيف ندنو منك و نحملك؟ ثم انصرفوا عنه. فقال أيوب لرحمة: أيتها الصديقة الطاهرة البارة، قد عرفت أن هؤلاء القوم قد بغضوني و ملوني، فقفي على مفرق الطريق، فلعلك أن تقفي على أحد من الناس فتخبرينه بقصتي، و تسأليه أن يعينك على حملي من هذه القرية. فقالت رحمة: لا تعجل علي حتى أخرج إلى بلد كذا و كذا و أتخذ لك هناك عريشا. ثم وقفت على الطريق تنظر من يمر بها، و إذا هي برجلين كأنهما قمرين، تفوح منهما رائحة طيبة، فتوسمت فيهما الخير، و استحيت أن تسألهما عن حاجتها، فلما دنوا منها قالا لها: و أين أيوب خليلنا و صديقنا، و كيف هو على بلائه؟ فأخبرتهما بحاله، و ضجر أهل القرية منه، و كيف سوت له العريش على المزبلة، ثم قالت لهما: إن لي إليكما حاجة، و هي دعوة منكما له بالعافية. فقالا لها: نعم، فإذا رجعت إليه فأقرئيه منا السلام. ثم أنهما مضيا، فانصرفت رحمة إلى أيوب، و أخبرته بحديث الرجلين و ما كان منهما، فصاح أيوب صيحة، و قال: وا شوقاه إليك يا جبرئيل، وا شوقاه إليك يا ميكائيل، ثم قال: يا رحمة، و من مثلك الآن و قد كلمتك الملائكة. فقالت له رحمة: قد هيأت لك العريش، و لكن اصبر حتى أقف على قارعة الطريق لعل أحدا يمر بي فيساعدني على حملك. ثم مضت و وقفت على قارعة الطريق، و إذا هي بأربعة نفر من الملائكة، فسألوها، و قالوا لها: أيتها المرأة، أ لك حاجة؟ قالت: نعم، و هي أن تعينوني على حمل نبي الله أيوب إلى مزبلة كذا و كذا. فأقبلوا حتى وقفوا على أيوب (عليه السلام)، و صبروه على بلائه، و دعوا له بالعافية، و احتملوه بأطراف النطع، و وضعوه على باب العريش، فانصرفوا عنه. و كانت رحمة قد جمعت في العريش ترابا كثيرا، و اتخذت منصة منه، ثم قالت له: قم-يا أيوب-إلى فراشك التراب من بعد الفرش الممهدة، و وسادك الحجارة من بعد الوسائد المنضدة. فقال لها أيوب: أ لم أنهك عن ذكر شيء من نعيم الدنيا؟ فزحف أيوب، و ألقى بنفسه على ذلك الرماد، و هو يسبح الله العلي الأعلى، و يقول: سبحان العزيز الأدنى، سبحان الرفيع الأعلى، سبحانه و تعالى. ثم عمدت رحمة إلى كساء كان عندها فجعلته غطاء، و سترت باب العريش، و كانت تصدع بخدمته، و تأتيه بما تجده. و مضت تطلب له شيئا من الطعام لتأتيه به، فأقبلت إلى باب دار فسألتهم، فقالت لها امرأة من داخل الدار: إليك عنا، فإن رب أيوب قد سخط عليه. و سارت إلى باب آخر، و قالوا لها مثل ذلك، حتى دارت القرية و لم يعطوها شيئا، فرجعت باكية إلى أيوب، و قالت له: إن القوم طردوني، و أغلقوا الأبواب من دوني. فقال لها أيوب: لا بأس عليك-يا رحمة-إن أغلقوا أبوابهم دوننا، فإن الله لا يغلق أبواب رحمته دوننا، و لكن-يا رحمة-لعلك مللتني، و لعلك تريدين فراقي؟ فقالت رحمة: أعوذ بالله من ذلك، و أي عذر يكون لي عند الله على فراق نبيه؟ حاشا، و كلا، و لكن أحملك من هذه القرية إلى قرية اخرى لعلهم يكونون أرحم من هؤلاء». قال: «فأخذته رحمة على النطع، فغشي عليه من الوجع، فجاءته بماء، فرشته عليه حتى أفاق، فغطته بذلك الكساء، و جسد أيوب كأنما انسلخ سلخا، ثم حملته إلى قرية اخرى من حوران، ثم وضعته إلى جانب القرية، فرفعت يدها إلى الله تعالى و دعت الله أن يحفظه من السباع و غيرها، فدخلت القرية، و قالت: ألا من أراد غسل ثياب، أو خرق، أو كنس دار، أو حمل تراب إلى مزبلة، أو استسقاء ماء بشيء من الطعام أحمله إلى نبي الله أيوب. فخرجن إليها نساء القرية، و قالت واحدة منهن: هذه غولة قد دخلت قريتنا. فقالت لها رحمة: لم تقولين هذا الكلام، و أنا رحمة بنت أفرائيم نبي الله بن يوسف صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق صفي الله بن إبراهيم خليل الله، زوجة أيوب المبتلى نبي الله! فقلن لها: و أين أيوب؟ قالت: ها هو على باب القرية، إلى جنب كنائسكم و مزابلكم. فأقبلن إلى أيوب، فلما رأين ما عليه من البلاء بكين أشد البكاء، ثم قلن: هذا أيوب النبي صاحب الإماء و العبيد و المواشي؟ فبكى أيوب و رحمة بكاء شديدا، ثم قال: أنا أيوب عبد ربي و رسوله، أنا الجائع الذي لا أشبع إلا من ذكره، و أنا العطشان الذي لا أروى إلا من تسبيحه. قال: فبكين، و بكت رحمة معهن، و قالت لهن: لي إليكن حاجة، و هي أن تعطوني فأسا أقطع بها أشجارا لأتخذ لأيوب عريشا يكنه من الحر و البرد، فأعمل له طعاما. فأتوها بجميع ذلك، فعمدت إلى مطهرة معها من خزف، و بلت ذلك الخبز في تلك المطهرة، ثم مرسته بيدها فأطعمته ذلك، لأن أسنانه قد تساقطت، ثم قطعت أعوادا و ظللت بها على رأس أيوب مثل العريش، ثم دخلت القرية، فقربوها، و أكرموها، فعملت ذلك في خمسة بيوت، و اتخذت عشرة أقراص. فلما رجعت أخبرت أيوب بذلك، و قالت: أصبت اليوم طعاما كثيرا، من رزق ربي، فأقعد عندك، فإني لا أفارقك حتى يفرغ هذا الطعام: فقال لها أيوب: جزاك الله خيرا-يا رحمة-فأنت من بنات النبيين، فقال: الحمد لله الذي لا ينسى من ذكره، و لا يخيب عبدا شكره، و لا يضيع من توكل عليه، له الحكم، و إليه يرجع الأمر كله و هو على كل شيء قدير. فأقبل نساء أهل القرية، فقعدن ذات يوم بقرب عريش أيوب، -فشممن رائحته، فانصرفن مسرعات إلى بيوتهن، و أغلقن الأبواب عن رحمة، و قلن لرحمة: لا تدخلي بيوتنا، و لكن نواسيك في طعامنا. فرضيت رحمة بذلك. فبينما رحمة ذات يوم راجعة من القرية إلى أيوب، و إذا هي بإبليس اللعين قد عرض لها في صورة طبيب، و معه آلة الطب، و قال لرحمة: إني أقبلت من فلسطين حين سمعت بخبر زوجك أيوب، جئت لاداويه، و أنا سائر إليه غدا، فأخبريه بقصتي، و قولي له يأخذ عصفورا فيذبحه، و لا يذكر اسم الله عليه، و يأكله، و يشرب عليه قدحا من خمر، و يطلي نفسه بالدم، فإن فرجه من ذلك. قال: فجاءت رحمة إلى أيوب فرحانة، فأعلمته بذلك، فبان الغضب في وجهه، فقال لها: متى رأيت أني[أشرب الخمر و]آكل مما لم يذكر اسم الله تعالى عليه، و أطلي نفسي بشيء من الدم. يا رحمة، بالأمس كنت رسولة من جبرئيل و ميكائيل، و أنت اليوم رسولة من إبليس اللعين؟! فعلمت أنها أخطأت، فأعتذرت إليه و لم تزل تتلطف به حتى رضي عنها، و حذرها أن لا تعود إلى مثلها». قال: «فبينما هي ذات يوم راجعة من القرية إلى أيوب، و معها شيء من الطعام، فاعترض لها إبليس اللعين في صورة رجل بهي الصورة، حسن الوجه، على حمار أحمر، فقال اللعين لها: كأني أعرفك، أ لست رحمة بنت أفرائيم نبي الله، و زوجة المبتلى أيوب نبي الله؟ قالت: بلى. قال اللعين لها: إني أعرفكم و أنتم أهل غناء و ثروة، فما الذي غير حالكم؟ فقالت له: إنا بلينا بذهاب المال جميعه، و الولد، ثم البلاء الأعظم ما نزل بصاحبي أيوب، فقال لها الملعون: لأي شيء أصابتكم هذه المصائب؟ قالت: لأن الله تعالى أراد أن يجرب صبرنا على بلائه. قال اللعين: بئسما قلت، و لكن إله السماء هو الله، و إله الأرض أنا، فأردتكم لنفسي، فعبدتم إليه السماء و لم تعبدوني، ففعلت بكم ما فعلت، و سلبتكم أموالكم، و أمت أولادكم و عبيدكم و مواشيكم، فها هي كلها عندي. فإن أردت ذلك فاتبعيني حتى أريك أولادك، و عبيدك، و مواشيك، فإنهم عندي في وادي كذا و كذا. قال: فلما سمعت بذلك بقيت متعجبة و هي متحيرة، و اتبعته غير بعيد حتى أوقفها على ذلك الوادي، و سحر عينيها حتى رأت جميع ما فقدته هناك. فقال لها: أنا صادق عندك الآن، أم كاذب؟ فقالت رحمة: لا أدري ما أقول لك حتى أرجع إلى أيوب». قال: «فرجعت إلى أيوب، فأخبرته بما رأته جميعه. فقال أيوب: إنا لله و إنا إليه راجعون، ويحك-يا رحمة- أما تعلمين أن ليس مع الله إله آخر، و أن الذي أماته الله فلا يقدر أحد أن يحييه! قالت: نعم. قال أيوب (عليه السلام): فلو كنت عاقلة ما أصغيت إلى كلامه، [و لا اتبعتيه]حتى سحر عينيك. فقالت رحمة: يا نبي الله، اغفر لي هذه الخطيئة، فإني لا أعود إلى مثلها أبدا. فقال لها أيوب: قد نهيتك عن هذا اللعين مرة، و هذه ثانية، فلله علي نذر لئن عافاني الله مما أنا فيه لأجلدنك مائة جلدة على ما كان من مكالمتك لإبليس لعنه الله. و كانت رحمة تقول: ليته قام من بلائه و جلدني مائة و مائة». 9120/ (_1) -قال ابن عباس: لبث أيوب (عليه السلام) في بلائه ثماني عشرة سنة حتى لم يبق منه إلا عيناه تدوران في رأسه، و لسانه ينطلق به، و قلبه على حالته، و أذناه فإنه كان يسمع بهما، و كانت تحت لسانه دودة عظيمة سوداء تؤلمه في خروجها من تحت لسانه، فإذا رجعت إلى موضعها يتأوه لذلك، فأوحى الله تعالى إليه: أن-يا أيوب قد صبرت على رخائي، فاصبر الآن على بلائي. قال: و خرجت رحمة ذات يوم في طلب الطعام فلم تقدر على شيء، فرفعت رأسها إلى السماء، و قالت: إلهنا و سيدنا، ارحم غربتنا و ضعفنا. قال: فسمع ذلك بعض أهل القرية، فقال لها: ادخلي على نساء أهل القرية، فإنهن أرق قلوبا. فأقبلت رحمة، و قرعت باب عجوز، و قالت: أنا رحمة امرأة أيوب، و لقد طفت يومي هذا فلم أجد طعاما، و لقد بلغني جوع شديد. فقالت العجوز: لي إليك حاجة يا رحمة، إني قد زوجت ابنة لي، فهل لك أن تعطيني ظفيرتين من ظفائرك أزين بهما ابنتي، و أعطيك رغيفين؟ فقالت لها رحمة: و لا يرضيك مني إلا ذلك؟ قالت: نعم. قالت رحمة: احضري لي الرغيفين، فو الله لو أردت شعري كله لأعطيتك لطعام أيوب. قال: فجاءت العجوز بالرغيفين و المقص، فقصت ظفيرتين. و جاءت رحمة بالرغيفين إلى أيوب، فأنكرهما، و قال لها: من أين لك هذا؟ فأخبرته بالقصة لما اشتد عليها طلب الطعام، فصاح أيوب صيحة، فقال: إلهي أي ذنب عملته حتى صرفت وجهك الكريم عني، إلهي الموت أجمل لي مما أنا فيه، رب إني مسني الضر و أنت أرحم الراحمين فأوحى الله تعالى إليه: يا أيوب، لقد سمعت كلامك، و تمنيك الموت في ضرك، و لو مت بغير هذا البلاء لم يكن لك من الأجر و الثواب ما يكون لك مع البلاء، و لأجزينك على صبرك. و أما رحمة، فو عزتي و جلالي لارضينها في الجنة فعند ذلك فرح أيوب، و تسلى. فلما طال على أيوب البلاء، و رأى إبليس اللعين صبره أتى إليه أصحاب له، و كانوا رهبانا في الجبال: أحدهم اسمه نفير و هو من اليمن، و الآخر اسمه صوتى و هو من فلسطين، و الثالث ملهم و هو من حمص، و كانوا من تلامذته، و هم حكماء، و كان أيوب هو الذي اصطنعهم، و رفع أقدارهم، و كانوا يأتونه و يسألونه عن حاله، فركبوا بغالا شهبا، و جاءوا حتى إذا دنوا منه نفرت بغالهم من نتن رائحته (عليه السلام)، فقربوا بعضها إلى بعض، ثم مشوا إليه، و قعدوا عنده، و قالوا: يا أيوب، لو أخبرتنا بذنبك، لعل الله تعالى يهبه لنا إذا سألناه، و دعونا إليه، و ما نراه ابتلاك بهذا البلاء الذي لم يبتل به أحد إلا من أمر كنت تسره، و لو كنت صادق النية في عبادته لما وقع بك البلاء العظيم. فوقع في قلوبهم أن يجتمعوا عليه و يذبحوه. فقال أيوب: و عزة ربي إنه ليعلم أني ما أكلت طعاما إلا و يتيما أو ضعيفا يأكل معي، و ما عرض لي أمران كلاهما طاعة لله تعالى، إلا أخذت بأشدهما على بدني. أيها القوم، أراكم تغيظوني و توبخوني من غير معرفة، و ما كان هذا جزائي منكم، فإن الله تعالى يبتلي من يشاء زيادة في أجره، كما ابتلى سائر النبيين و الصالحين. ثم رفع طرفه إلى السماء، و قال: إلهي و سيدي، أذقني طعم العافية و لو ساعة من النهار، و لا تشمت بي الأعداء، و لا تصرف وجهك الكريم عني، فإني قد أجهدني البلاء، و قد تقطعت أوصالي، و ورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي، و السفلى ذقني، و قد سقط لحم رأسي، و ما تبين أذني من نفاخ وجهي، و لقد غص من القيح و الصديد جوفي، و نخرت من الدود عظامي، و لقد ملني و جفاني من كان يكرمني فبكى بكاء شديدا. فلما فرغوا من توبيخه، و هموا أن يقوموا، التفت إليهم شاب حدث السن، كان قد سمع كلامهم، و كان الله قد قيضه لهم، فقال الشاب: شوه لكم، عبرتم إلى نبي الله فعيرتموه، و لقد تركتم الرأي الصائب بتوبيخكم لأيوب (عليه السلام)، و لقد كان له عليكم من الحقوق ما كان الواجب عليكم أن تقصروا عما قلتموه. ويلكم، أ تدرون من الذي و بختم، أ لم تعلموا أنه نبي الله، اختاره لرسالته، و ائتمنه على وحيه؟! فإن الله تعالى لم يطلعكم على أنه سخط عليه، و أن هذا البلاء الذي نزل به قد صغره عندكم، و لقد علمتم أن الله تعالى يبتلي النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين، و لا يكون ذلك سخطا و لا هوانا، و لو كان لم يكن نبيا لكان لا يجمل للأخ أن يعير أخاه عند البلاء، و لا يعاتبه عند المصيبة، و لا يزيده غما إلى غمه، الله الله في أنفسكم، و لو نظرتم فيها لوجدتم لها عيوبا كثيرة. ثم أقبل على أيوب، و عزاه، و سكن ما به، و أقبل أيوب على الثلاثة، و قال لهم: «إنكم أعجبتكم أنفسكم، فلو نظرتم فيها لوجدتم لها عيوبا كثيرة، و لكن أصبحت اليوم و ليس لي رأي معكم، لأن أهلي قد ملوني و تنكرت معارفي، و هربوا عني أصدقائي، و قطعوني أصحابي، و كفر بي أهل ملتي، و إلا لم تكونوا تقولون ما تقولون. سبحان من لو يشاء لفرج عني ما أنا فيه من هذا البلاء الذي لم تقم به الجبال الرواسي. فقال أيوب: يا رب، لو جلست مجلس الحكم منك لأدليت بحجتي. فبعث إليه غمامة سوداء مظلمة فيها رعد، و برق، و صواعق متداركات، ثم نودي منها بأكثر من عشرة آلاف صوت: يا أيوب، إن الله تعالى يقول لك: أدلني بحجتك، فقد أقعدتك مقعد الحكم، و ها أنا قريب منك، و لم أزل قريبا دائما. فقال: يا رب، إنك تعلم أنه لم يعرض لي أمران قط كلاهما لك طاعة إلا أخذت بأشدهما على نفسي، ألم أحمدك، ألم أشكرك، أ لم أسبحك، و أذكرك، و اكبرك؟ فنودي من الغمامة بعشرة آلاف لسان: يا أيوب، من صيرك تعبد الله و الناس عنه غافلون، و تحمده و تشكره و الناس عنه لاهون؟ تمن على الله فيه؟ بل المن لله تعالى عليك. فأخذ التراب، و وضعه في فيه، ثم قال: لك العتبى. يا رب أنت فعلت ذلك. قال: فانصرفوا أولئك الذين وبخوه، و انصرف الفتى الذي كان عن يمينه. فلما كان في الغد، و هو يوم الجمعة، عند الزوال. هبط الأمين جبرئيل (عليه السلام)، فقال: «السلام عليك، يا أيوب فقال: و عليك السلام و رحمة الله و بركاته، فمن أنت يا عبد الله، فإني أسمع منك نغمة حسنة، و أجد منك رائحة طيبة، و أرى صورة جميلة؟ فقال له: أنا جبرئيل، رسول رب العالمين، أبشرك-يا أيوب-بروح الله، و برحمته، منها شفاؤك، و أن الله تعالى قد وهب لك أهلك و مثلهم معهم، و ما لك و مثله معه، ليكون آية لمن مضى، و عبرة لأهل البلاء. قال: و كان أيوب (عليه السلام) من شدة البلاء حصل له فرح عظيم بعد ذلك، فقال: الحمد لله الذي لا إله إلا هو ذو العزة و السلطان و المنة و الطول، ذو الجلال و الإكرام الذي لم يشمت بي إبليس اللعين و أعوانه ثم قال جبرئيل (عليه السلام): يا أيوب، قم بإذن الله تعالى». فنهض أيوب قائما على قدميه. فقال له جبرئيل: اركض برجلك الأرض. ففعل أيوب (عليه السلام) ذلك، فإذا بالعين من الماء قد نبعت من تحت قدميه أشد بياضا من الثلج، و أحلى من العسل، و أذكى رائحة من الكافور، فشرب منه شربة فلم يبق في بدنه دودة إلا سقطت، فتعجب أيوب (عليه السلام) من كثرة الدود. فأمره جبرئيل بالغسل، فاغتسل في تلك العين، فخرج منها و وجهه كالقمر في ليلة البدر، و عاد إليه حسنه و جماله، و صار أحسن مما كان و أطرأ. ثم ناوله جبرئيل الأمين حلتين. فاتزر بواحدة، و ارتدى بالأخرى، و ناوله نعلين من ذهب، شراكهما من ياقوت، و أعطاه سفرجلة من الجنة، فأكل بعضها و ترك منها لزوجته رحمة، فقال له جبرئيل: كلها-يا أيوب-فإن معي ثانية لها. فأكل أيوب باقي السفرجلة ثم وثب، و صف قدميه، و قام يصلي. فأقبلت رحمة و هي مهمومة، مطرودة من جميع أبواب أهل القرية، باكية العين، فلما وصلت إلى الموضع رأت نظافة المكان، و أن الله تعالى أنبت روضة خضراء، و رأت نظافة الرجل الذي يصلي، فظنت أنها قد ضلت عن الطريق، ثم قالت: أيها المصلي، أقبل علي حتى أكلمك. فلم يكلمها أيوب، و هو ساكت، فصاحت، و قالت: يا أيوب، ما دهاك؟ فلما أتم صلاته قال له جبرئيل (عليه السلام): كلمها، يا أيوب فقال لها أيوب: ما حاجتك، أيتها المرأة؟. قالت رحمة: أ لك علم بأيوب المبتلى، فإني أرى الموضع متغيرا علي، فلقد خلفته هاهنا و لست أراه؟ فتبسم أيوب، و قال لها: إن رأيته تعرفينه؟. فقالت رحمة: إنك لأشبه الناس به قبل أن يصيبه البلاء. فضحك أيوب (عليه السلام)، و قال: أنا أيوب فبادرت إليه، فاعتنقته، و اعتنقها، فما فرغا من معانقتهما حتى بشرهما بأولادهما، و أولاد أولادهما، و إمائهما، و عبيدهما، و مواشيهما، و مثلهم معهم، و أمطر الله تعالى عليه جرادا من الذهب، و كان يلقطه بثوبه، فإذا ذهب الريح بشيء ركض خلفه فرده، فقال له جبرئيل (عليه السلام): أما تشبع، يا أيوب؟ فقال: يا جبرئيل، و من يشبع من رزق الله تعالى؟ و كان له بئران عظيمان فأفرغ في أحدهما الفضة، و في الآخر الذهب، حتى فاض أحدهما على الآخر. و أعطاه الله من الإبل أربعين ألفا، و من النوق عشرين ألفا، و من البقر الإناث أربعين ألفا، و من البقر الذكور أربعين ألفا، و من الضأن أربعة آلاف، و من المعز كذلك، و من العبيد خمسة آلاف، و مثلهم من الإماء. و كان له في ضياعه أربعة آلاف وكيل، و اجرة كل واحد منهم في كل شهر مائة مثقال من الذهب، و بين يديه اثنا عشر من البنين، و اثنا عشر من البنات، فلما رأت رحمة جميع ذلك سجدت لله تعالى شكرا، و ملكه جميع الشام و أولاده، و أعطاه مثل عمره الماضي. و ذكر مكالمة رحمة لإبليس زمان بلائه، و ذكر نذره، فاغتم أيوب من ذلك، فأوحى الله إليه: وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً أي شمراخا مشتملا عدده على مائة فَاضْرِبْ بِهِ زوجتك رحمة وَ لاََ تَحْنَثْ في النذر، فأخذ شمراخا، فضربها ضربة واحدة عن يمينه، و روي أن ضربه لها بالشماريخ لما رأى ذؤابتها مقطوعة غضب، و حلف عليها أن يضربها مائة جلدة، فأخبرته أنه كان سبب قطعها كذا و كذا، فاغتم أيوب (عليه السلام) من ذلك، فأمره الله بالضغث حذرا من الحنث، و روي أن الله تعالى رد على رحمة ذؤابتيها كما كانتا. و سئل أيوب بعد ما عافاه الله: أي شيء كان أشد عليك مما مر عليك من البلاء؟ قال: شماتة الأعداء. ثم إنه عمر عمرا طويلا، فلما أدركته الوفاة أحضر أولاده، و أوصاهم أن يصنعوا في ماله كما كان يصنع للفقراء و المساكين، ثم مات (عليه السلام)، و توفيت امرأته قبله، أو بعده بقليل، و دفن إلى جانب العين التي أذهب الله بلاءه بها، و سار أولاده سيرة أبيهم أيوب (عليه السلام) حتى ظهر عليهم ملك يقال له لام بن عاد، فتغلب على بلاد الشام، و على أولاد أيوب، و جعل يؤذي أولاد أيوب، و بعث إلى حزقل بن أيوب-و كان أكبرهم-و قال: إنكم ضيقتم علينا بلاد الشام بكثرة مواشيكم، فأريد أن تعطوني نصف أموالكم، مع العقار و العبيد و الإماء، و إلا ما تركتكم على ما أنتم عليه، و أن تزوجوني باختكم التي يقال لها نقية، و قيل: اسمها مؤمنة، و قيل: صالحة، و كانت امرأة حسناء ذات حسن و جمال، إذا مشت كأنها تنحدر من جبل في حذاء مسيل، كأن غرتها البدر المشرق، و جبهة واسعة، و عينان كالنيل، و حاجبان كالقسي المنحنية، و خداها كاللؤلؤ الأحمر يكاد ان يدميهما الهواء، و جيد كأنه جيد ريم، و روي أنه كان في بيتهم غلام صغير، و كان إذا نامت على جنب فيقعد الصبي و معه اترنجة، فيدحرجها فتعبر من بين خصرها و الأرض، و كانت ذات منطق، أديبة، لبيبة، عجيبة، رحيمة للفقراء و المساكين، فجعل يبعث إليهم بذلك، فيقول: اختاروا أحدها، و إلا جئتكم بخيلي و رجلي، و جعلت أولادكم غنيمة لي. فأجابه حزقل بن أيوب (عليه السلام)، و أرسل إليه رسولا: أما الأموال التي في أيدينا، فليس لأحد فيها حق إلا الفقراء و المساكين و الأيتام و الضعفاء و أبناء السبيل، و لست منهم، و إنما ورثتها من أبينا أيوب، و أما أختنا فلست على ديننا حتى نزوجكها، و أما تخويفك لنا بخيلك و رجلك فإنا نتوكل على الله، فهو حسبنا و نعم الوكيل. قال: فلما سمع هذه الرسالة جمع جنوده لحربهم، فعلم بذلك حزقل بن أيوب، فاستشار إخوته بحربه، فقال أخوه بشير: لا أشور عليك بالحرب، فإني أخاف أن يظفر بنا لأنه قوي، فيأسرنا، و لكن الرأي أن تبعثوا له من المال ما طلبه، و أما خطبته أختنا فإنك تداريه بالمواعيد الحسنة و الهدايا لعله يقنع بها. فأبى حزقل، و أحب المحاربة، فجمع جيشه، و مضى حتى التقى الجيشان، فاقتتلا قتالا شديدا، فوقعت الهزيمة على حزقل بن أيوب، و احتوى لام بن عاد على جميع أموالهم و أملاكهم، و غنمهم، و أسر من قومه جيشا كثيرا، و أسر بشير بن أيوب، و هم بقتله، فأمر بحبسه. و أفلت حزقل بنفسه، فاغتم لما ناله غما شديدا، ثم إنه جمع مالا عظيما ليحمله إلى الملك لام بن عاد، ليخلص أخاه منه، فسار إليه، فبينما هو في طريقه إذ أتاه آت في منامه، و قال له: لا تحمل هذا المال، و لا تخف على أخيك، فإنه يخلص، و الملك يؤمن، و تكون عاقبته خيرا. فأصبح حزقل، و قص رؤياه على إخوته، فأقاموا معه في موضعه، فبلغ ذلك لام بن عاد، فبعث إليه: أن ادفع إلي ما حملت، و إلا أحرقت أخاك في النار. فبعث إليه: إني لا أدفع إليك من أموالي شيئا، فاصنع ما أنت صانع. فغضب لام بن عدا من ذلك، فقال لبشير بن أيوب: إنك قد تكفلت بإخوتك أن يدفعوا إلي هذا المال، فقد امتنعوا، فإن هم وفوا بكفالتك و إلا أحرقتك بالنار. فلما سمع ذلك منه خشي من القتل إن لم يوف بما تكفل له. قال: فأرسل حزقل إلى أخيه بشير، و أخبره بما رأى في منامه، ففرح به بشير. ثم إن الملك أمر أن يخدوا له أخدودا واسعا، و طرح فيه النار و النفط و الزيت و القطران، و أمر بإلقاء بشير بن أيوب فيه، فلما القي فيه لم تحرقه النار، فتعجب الملك لام بن عاد من ذلك، ثم قال: يا بني أيوب، إنكم سحرة. فقال بشير: أيها الملك، لسنا بسحرة، و لكن كان لنا جد يقال له إبراهيم الخليل بن تارخ، ألقاه النمرود بن كنعان في النار، فجعلها الله له بردا و سلاما، و كذلك أرجو أن يفعل الله بي كذلك. قال: فوقع في قلب الملك ما قاله بشير، فأسلم، و حسن إسلامه، و اختلط بعضهم في بعض، و زوجوه أختهم، فسمى الله تعالى بشير بن أيوب ذا الكفل، لما كان من كفالته، و جعله رسولا إلى جميع أهل الشام، و كان بين يديه لام بن عاد يقاتل الكفار، فلم يزل كذلك حتى مات ذو الكفل، ثم مات من بعده لام بن عاد، فغلب على أهل الشام العمالقة، إلى أن بعث الله شعيبا، و اسمه: فترون بن صهون بن عنقاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم الخليل (عليه السلام).

البرهان في تفسير القرآن - ج ٤ - الصفحة ٦٦٤. — الإمام الصادق عليه السلام

/ -قال ابن عباس: لبث أيوب (عليه السلام) في بلائه ثماني عشرة سنة حتى لم يبق منه إلا عيناه تدوران في رأسه، و لسانه ينطلق به، و قلبه على حالته، و أذناه فإنه كان يسمع بهما، و كانت تحت لسانه دودة عظيمة سوداء تؤلمه في خروجها من تحت لسانه، فإذا رجعت إلى موضعها يتأوه لذلك، فأوحى الله تعالى إليه: أن-يا أيوب قد صبرت على رخائي، فاصبر الآن على بلائي. قال: و خرجت رحمة ذات يوم في طلب الطعام فلم تقدر على شيء، فرفعت رأسها إلى السماء، و قالت: إلهنا و سيدنا، ارحم غربتنا و ضعفنا. قال: فسمع ذلك بعض أهل القرية، فقال لها: ادخلي على نساء أهل القرية، فإنهن أرق قلوبا. فأقبلت رحمة، و قرعت باب عجوز، و قالت: أنا رحمة امرأة أيوب، و لقد طفت يومي هذا فلم أجد طعاما، و لقد بلغني جوع شديد. فقالت العجوز: لي إليك حاجة يا رحمة، إني قد زوجت ابنة لي، فهل لك أن تعطيني ظفيرتين من ظفائرك أزين بهما ابنتي، و أعطيك رغيفين؟فقالت لها رحمة: و لا يرضيك مني إلا ذلك؟ قالت: نعم. قالت رحمة: احضري لي الرغيفين، فو الله لو أردت شعري كله لأعطيتك لطعام أيوب. قال: فجاءت العجوز بالرغيفين و المقص، فقصت ظفيرتين. و جاءت رحمة بالرغيفين إلى أيوب، فأنكرهما، و قال لها: من أين لك هذا؟فأخبرته بالقصة لما اشتد عليها طلب الطعام، فصاح أيوب صيحة، فقال: إلهي أي ذنب عملته حتى صرفت وجهك الكريم عني، إلهي الموت أجمل لي مما أنا فيه، رب إني مسني الضر و أنت أرحم الراحمين فأوحى الله تعالى إليه: يا أيوب، لقد سمعت كلامك، و تمنيك الموت في ضرك، و لو مت بغير هذا البلاء لم يكن لك من الأجر و الثواب ما يكون لك مع البلاء، و لأجزينك على صبرك. و أما رحمة، فو عزتي و جلالي لارضينها في الجنة فعند ذلك فرح أيوب، و تسلى. فلما طال على أيوب البلاء، و رأى إبليس اللعين صبره أتى إليه أصحاب له، و كانوا رهبانا في الجبال: أحدهم اسمه نفير و هو من اليمن، و الآخر اسمه صوتى و هو من فلسطين، و الثالث ملهم و هو من حمص، و كانوا من تلامذته، و هم حكماء، و كان أيوب هو الذي اصطنعهم، و رفع أقدارهم، و كانوا يأتونه و يسألونه عن حاله، فركبوا بغالا شهبا، و جاءوا حتى إذا دنوا منه نفرت بغالهم من نتن رائحته (عليه السلام)، فقربوا بعضها إلى بعض، ثم مشوا إليه، و قعدوا عنده، و قالوا: يا أيوب، لو أخبرتنا بذنبك، لعل الله تعالى يهبه لنا إذا سألناه، و دعونا إليه، و ما نراه ابتلاك بهذا البلاء الذي لم يبتل به أحد إلا من أمر كنت تسره، و لو كنت صادق النية في عبادته لما وقع بك البلاء العظيم. فوقع في قلوبهم أن يجتمعوا عليه و يذبحوه. فقال أيوب: و عزة ربي إنه ليعلم أني ما أكلت طعاما إلا و يتيما أو ضعيفا يأكل معي، و ما عرض لي أمران كلاهما طاعة لله تعالى، إلا أخذت بأشدهما على بدني. أيها القوم، أراكم تغيظوني و توبخوني من غير معرفة، و ما كان هذا جزائي منكم، فإن الله تعالى يبتلي من يشاء زيادة في أجره، كما ابتلى سائر النبيين و الصالحين. ثم رفع طرفه إلى السماء، و قال: إلهي و سيدي، أذقني طعم العافية و لو ساعة من النهار، و لا تشمت بي الأعداء، و لا تصرف وجهك الكريم عني، فإني قد أجهدني البلاء، و قد تقطعت أوصالي، و ورمت شفتاي حتى غطت العليا أنفي، و السفلى ذقني، و قد سقط لحم رأسي، و ما تبين أذني من نفاخ وجهي، و لقد غص من القيح و الصديد جوفي، و نخرت من الدود عظامي، و لقد ملني و جفاني من كان يكرمني فبكى بكاء شديدا. فلما فرغوا من توبيخه، و هموا أن يقوموا، التفت إليهم شاب حدث السن، كان قد سمع كلامهم، و كان الله قد قيضه لهم، فقال الشاب: شوه لكم، عبرتم إلى نبي الله فعيرتموه، و لقد تركتم الرأي الصائب بتوبيخكم لأيوب (عليه السلام)، و لقد كان له عليكم من الحقوق ما كان الواجب عليكم أن تقصروا عما قلتموه. ويلكم، أ تدرون من الذي و بختم، أ لم تعلموا أنه نبي الله، اختاره لرسالته، و ائتمنه على وحيه؟!فإن الله تعالى لم يطلعكم على أنه سخط عليه، و أن هذا البلاء الذي نزل به قد صغره عندكم، و لقد علمتم أن الله تعالى يبتلي النبيين و الصديقين و الشهداء و الصالحين، و لا يكون ذلك سخطا و لا هوانا، و لو كان لم يكن نبيا لكان لا يجمل للأخ أن يعير أخاه عند البلاء، و لا يعاتبه عند المصيبة، و لا يزيده غما إلى غمه، الله الله في أنفسكم، و لو نظرتم فيها لوجدتم لها عيوبا كثيرة. ثم أقبل على أيوب، و عزاه، و سكن ما به، و أقبل أيوب على الثلاثة، و قال لهم: «إنكم أعجبتكم أنفسكم، فلو نظرتم فيها لوجدتم لها عيوبا كثيرة، و لكن أصبحت اليوم و ليس لي رأي معكم، لأن أهلي قد ملوني و تنكرت معارفي، و هربوا عني أصدقائي، و قطعوني أصحابي، و كفر بي أهل ملتي، و إلا لم تكونوا تقولون ما تقولون. سبحان من لو يشاء لفرج عني ما أنا فيه من هذا البلاء الذي لم تقم به الجبال الرواسي. فقال أيوب: يا رب، لو جلست مجلس الحكم منك لأدليت بحجتي. فبعث إليه غمامة سوداء مظلمة فيها رعد، و برق، و صواعق متداركات، ثم نودي منها بأكثر من عشرة آلاف صوت: يا أيوب، إن الله تعالى يقول لك: أدلني بحجتك، فقد أقعدتك مقعد الحكم، و ها أنا قريب منك، و لم أزل قريبا دائما. فقال: يا رب، إنك تعلم أنه لم يعرض لي أمران قط كلاهما لك طاعة إلا أخذت بأشدهما على نفسي، ألم أحمدك، ألم أشكرك، أ لم أسبحك، و أذكرك، و اكبرك؟فنودي من الغمامة بعشرة آلاف لسان: يا أيوب، من صيرك تعبد الله و الناس عنه غافلون، و تحمده و تشكره و الناس عنه لاهون؟تمن على الله فيه؟بل المن لله تعالى عليك. فأخذ التراب، و وضعه في فيه، ثم قال: لك العتبى. يا رب أنت فعلت ذلك. قال: فانصرفوا أولئك الذين وبخوه، و انصرف الفتى الذي كان عن يمينه. فلما كان في الغد، و هو يوم الجمعة، عند الزوال. هبط الأمين جبرئيل (عليه السلام)، فقال: «السلام عليك، يا أيوب فقال: و عليك السلام و رحمة الله و بركاته، فمن أنت يا عبد الله، فإني أسمع منك نغمة حسنة، و أجد منك رائحة طيبة، و أرى صورة جميلة؟فقال له: أنا جبرئيل، رسول رب العالمين، أبشرك-يا أيوب-بروح الله، و برحمته، منها شفاؤك، و أن الله تعالى قد وهب لك أهلك و مثلهم معهم، و ما لك و مثله معه، ليكون آية لمن مضى، و عبرة لأهل البلاء. قال: و كان أيوب (عليه السلام) من شدة البلاء حصل له فرح عظيم بعد ذلك، فقال: الحمد لله الذي لا إله إلا هو ذو العزة و السلطان و المنة و الطول، ذو الجلال و الإكرام الذي لم يشمت بي إبليس اللعين و أعوانه ثم قال جبرئيل (عليه السلام): يا أيوب، قم بإذن الله تعالى». فنهض أيوب قائما على قدميه. فقال له جبرئيل: اركض برجلك الأرض. ففعل أيوب (عليه السلام) ذلك، فإذا بالعين من الماء قد نبعت من تحت قدميه أشد بياضا من الثلج، و أحلى من العسل، و أذكى رائحة من الكافور، فشرب منه شربة فلم يبق في بدنه دودة إلا سقطت، فتعجب أيوب (عليه السلام) من كثرة الدود. فأمره جبرئيل بالغسل، فاغتسل في تلك العين، فخرج منها و وجهه كالقمر في ليلة البدر، و عاد إليه حسنه و جماله، و صار أحسن مما كان و أطرأ. ثم ناوله جبرئيل الأمين حلتين. فاتزر بواحدة، و ارتدى بالأخرى، و ناوله نعلين من ذهب، شراكهما من ياقوت، و أعطاه سفرجلة من الجنة، فأكل بعضها و ترك منها لزوجته رحمة، فقال له جبرئيل: كلها-يا أيوب-فإن معي ثانية لها. فأكل أيوب باقي السفرجلة ثم وثب، و صف قدميه، و قام يصلي. فأقبلت رحمة و هي مهمومة، مطرودة من جميع أبواب أهل القرية، باكية العين، فلما وصلت إلى الموضع رأت نظافة المكان، و أن الله تعالى أنبت روضة خضراء، و رأت نظافة الرجل الذي يصلي، فظنت أنها قد ضلت عن الطريق، ثم قالت: أيها المصلي، أقبل علي حتى أكلمك. فلم يكلمها أيوب، و هو ساكت، فصاحت، و قالت: يا أيوب، ما دهاك؟فلما أتم صلاته قال له جبرئيل (عليه السلام): كلمها، يا أيوب فقال لها أيوب: ما حاجتك، أيتها المرأة؟. قالت رحمة: أ لك علم بأيوب المبتلى، فإني أرى الموضع متغيرا علي، فلقد خلفته هاهنا و لست أراه؟ فتبسم أيوب، و قال لها: إن رأيته تعرفينه؟. فقالت رحمة: إنك لأشبه الناس به قبل أن يصيبه البلاء. فضحك أيوب (عليه السلام)، و قال: أنا أيوب فبادرت إليه، فاعتنقته، و اعتنقها، فما فرغا من معانقتهما حتى بشرهما بأولادهما، و أولاد أولادهما، و إمائهما، و عبيدهما، و مواشيهما، و مثلهم معهم، و أمطر الله تعالى عليه جرادا من الذهب، و كان يلقطه بثوبه، فإذا ذهب الريح بشيء ركض خلفه فرده، فقال له جبرئيل (عليه السلام): أما تشبع، يا أيوب؟فقال: يا جبرئيل، و من يشبع من رزق الله تعالى؟ و كان له بئران عظيمان فأفرغ في أحدهما الفضة، و في الآخر الذهب، حتى فاض أحدهما على الآخر. و أعطاه الله من الإبل أربعين ألفا، و من النوق عشرين ألفا، و من البقر الإناث أربعين ألفا، و من البقر الذكور أربعين ألفا، و من الضأن أربعة آلاف، و من المعز كذلك، و من العبيد خمسة آلاف، و مثلهم من الإماء. و كان له في ضياعه أربعة آلاف وكيل، و اجرة كل واحد منهم في كل شهر مائة مثقال من الذهب، و بين يديه اثنا عشر من البنين، و اثنا عشر من البنات، فلما رأت رحمة جميع ذلك سجدت لله تعالى شكرا، و ملكه جميع الشام و أولاده، و أعطاه مثل عمره الماضي. و ذكر مكالمة رحمة لإبليس زمان بلائه، و ذكر نذره، فاغتم أيوب من ذلك، فأوحى الله إليه: وَ خُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً أي شمراخا مشتملا عدده على مائة فَاضْرِبْ بِهِ زوجتك رحمة وَ لاََ تَحْنَثْ في النذر، فأخذ شمراخا، فضربها ضربة واحدة عن يمينه، و روي أن ضربه لها بالشماريخ لما رأى ذؤابتها مقطوعة غضب، و حلف عليها أن يضربها مائة جلدة، فأخبرته أنه كان سبب قطعها كذا و كذا، فاغتم أيوب (عليه السلام) من ذلك، فأمره الله بالضغث حذرا من الحنث، و روي أن الله تعالى رد على رحمة ذؤابتيها كما كانتا. و سئل أيوب بعد ما عافاه الله: أي شيء كان أشد عليك مما مر عليك من البلاء؟قال: شماتة الأعداء. ثم إنه عمر عمرا طويلا، فلما أدركته الوفاة أحضر أولاده، و أوصاهم أن يصنعوا في ماله كما كان يصنع للفقراء و المساكين، ثم مات (عليه السلام)، و توفيت امرأته قبله، أو بعده بقليل، و دفن إلى جانب العين التي أذهب الله بلاءه بها، و سار أولاده سيرة أبيهم أيوب (عليه السلام) حتى ظهر عليهم ملك يقال له لام بن عاد، فتغلب على بلاد الشام، و على أولاد أيوب، و جعل يؤذي أولاد أيوب، و بعث إلى حزقل بن أيوب-و كان أكبرهم-و قال: إنكم ضيقتم علينا بلاد الشام بكثرة مواشيكم، فأريد أن تعطوني نصف أموالكم، مع العقار و العبيد و الإماء، و إلا ما تركتكم على ما أنتم عليه، و أن تزوجوني باختكم التي يقال لها نقية، و قيل: اسمها مؤمنة، و قيل: صالحة، و كانت امرأة حسناء ذات حسن و جمال، إذا مشت كأنها تنحدر من جبل في حذاء مسيل، كأن غرتها البدر المشرق، و جبهة واسعة، و عينان كالنيل، و حاجبان كالقسي المنحنية، و خداها كاللؤلؤ الأحمر يكاد ان يدميهما الهواء، و جيد كأنه جيد ريم، و روي أنه كان في بيتهم غلام صغير، و كان إذا نامت على جنب فيقعد الصبي و معه اترنجة، فيدحرجها فتعبر من بين خصرها و الأرض، و كانت ذات منطق، أديبة، لبيبة، عجيبة، رحيمة للفقراء و المساكين، فجعل يبعث إليهم بذلك، فيقول: اختاروا أحدها، و إلا جئتكم بخيلي و رجلي، و جعلت أولادكم غنيمة لي. فأجابه حزقل بن أيوب (عليه السلام)، و أرسل إليه رسولا: أما الأموال التي في أيدينا، فليس لأحد فيها حق إلا الفقراء و المساكين و الأيتام و الضعفاء و أبناء السبيل، و لست منهم، و إنما ورثتها من أبينا أيوب، و أما أختنا فلست على ديننا حتى نزوجكها، و أما تخويفك لنا بخيلك و رجلك فإنا نتوكل على الله، فهو حسبنا و نعم الوكيل. قال: فلما سمع هذه الرسالة جمع جنوده لحربهم، فعلم بذلك حزقل بن أيوب، فاستشار إخوته بحربه، فقال أخوه بشير: لا أشور عليك بالحرب، فإني أخاف أن يظفر بنا لأنه قوي، فيأسرنا، و لكن الرأي أن تبعثوا له من المال ما طلبه، و أما خطبته أختنا فإنك تداريه بالمواعيد الحسنة و الهدايا لعله يقنع بها. فأبى حزقل، و أحب المحاربة، فجمع جيشه، و مضى حتى التقى الجيشان، فاقتتلا قتالا شديدا، فوقعت الهزيمة على حزقل بن أيوب، و احتوى لام بن عاد على جميع أموالهم و أملاكهم، و غنمهم، و أسر من قومه جيشا كثيرا، و أسر بشير بن أيوب، و هم بقتله، فأمر بحبسه. و أفلت حزقل بنفسه، فاغتم لما ناله غما شديدا، ثم إنه جمع مالا عظيما ليحمله إلى الملك لام بن عاد، ليخلص أخاه منه، فسار إليه، فبينما هو في طريقه إذ أتاه آت في منامه، و قال له: لا تحمل هذا المال، و لا تخف على أخيك، فإنه يخلص، و الملك يؤمن، و تكون عاقبته خيرا. فأصبح حزقل، و قص رؤياه على إخوته، فأقاموا معه في موضعه، فبلغ ذلك لام بن عاد، فبعث إليه: أن ادفع إلي ما حملت، و إلا أحرقت أخاك في النار. فبعث إليه: إني لا أدفع إليك من أموالي شيئا، فاصنع ما أنت صانع. فغضب لام بن عدا من ذلك، فقال لبشير بن أيوب: إنك قد تكفلت بإخوتك أن يدفعوا إلي هذا المال، فقد امتنعوا، فإن هم وفوا بكفالتك و إلا أحرقتك بالنار. فلما سمع ذلك منه خشي من القتل إن لم يوف بما تكفل له. قال: فأرسل حزقل إلى أخيه بشير، و أخبره بما رأى في منامه، ففرح به بشير. ثم إن الملك أمر أن يخدوا له أخدودا واسعا، و طرح فيه النار و النفط و الزيت و القطران، و أمر بإلقاء بشير بن أيوب فيه، فلما القي فيه لم تحرقه النار، فتعجب الملك لام بن عاد من ذلك، ثم قال: يا بني أيوب، إنكم سحرة. فقال بشير: أيها الملك، لسنا بسحرة، و لكن كان لنا جد يقال له إبراهيم الخليل بن تارخ، ألقاه النمرود بن كنعان في النار، فجعلها الله له بردا و سلاما، و كذلك أرجو أن يفعل الله بي كذلك. قال: فوقع في قلب الملك ما قاله بشير، فأسلم، و حسن إسلامه، و اختلط بعضهم في بعض، و زوجوه أختهم، فسمى الله تعالى بشير بن أيوب ذا الكفل، لما كان من كفالته، و جعله رسولا إلى جميع أهل الشام، و كان بين يديه لام بن عاد يقاتل الكفار، فلم يزل كذلك حتى مات ذو الكفل، ثم مات من بعده لام بن عاد، فغلب على أهل الشام العمالقة، إلى أن بعث الله شعيبا، و اسمه: فترون بن صهون بن عنقاء بن ثابت بن مدين بن إبراهيم الخليل (عليه السلام). 99-9121/ - شرف الدين النجفي: مما نقل من خط الشيخ أبي جعفر الطوسي (رحمه الله) من كتاب (مسائل البلدان)، رواه بإسناده عن أبي محمد الفضل بن شاذان، يرفعه إلى جابر بن يزيد الجعفي، عن رجل من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال: دخل سلمان الفارسي (رضي الله عنه) على أمير المؤمنين (عليه السلام) فسأله عن نفسه، فقال: «يا سلمان، أنا الذي دعيت الأمم كلها إلى طاعتي فكفرت، فعذبت بالنار، و أنا خازنها عليهم، حقا أقول-يا سلمان-أنه لا يعرفني أحد حق معرفتي إلا كان معي في الملأ الأعلى». قال: ثم دخل الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فقال: «يا سلمان، هذان شنفا عرش رب العالمين، بهما تشرق الجنان، و أمهما خيرة النسوان، أخذ الله على الناس الميثاق بي، فصدق من صدق، و كذب من كذب، أما من صدق فهو في الجنة، و أما من كذب، فهو في النار، و أنا الحجة البالغة، و الكلمة الباقية، و أنا سفير السفراء». قال سلمان: يا أمير المؤمنين، لقد وجدتك في التوراة كذلك، و في الإنجيل كذلك، بأبي أنت و أمي يا قتيل كوفان، و الله لو لا أن يقول الناس: وا شوقاه، رحم الله قاتل سلمان، لقلت فيك مقالا تشمئز منه النفوس، لأنك حجة الله الذي به تاب على آدم، و به نجى يوسف من الجب، و أنت قصة أيوب، و سبب تغير نعمة الله تعالى عليه. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أ تدري ما قصة أيوب، و سبب تغير نعمة الله عليه؟». قال: الله أعلم، و أنت يا أمير المؤمنين. قال: «لما كان عند الانبعاث للمنطق شك أيوب في ملكي و بكى، فقال: هذا خطب جليل، و أمر جسيم. قال الله عز و جل: يا أيوب، أ تشك في صورة أقمته أنا، إني قد ابتليت آدم بالبلاء، فوهبته له و صفحت عنه بالتسليم له بإمرة المؤمنين، و أنت تقول: خطب جليل و أمر جسيم!فو عزتي و جلالي لأذيقنك من عذابي، أو تتوب إلي بالطاعة لأمير المؤمنين. ثم أدركته السعادة بي» يعني أنه تاب إلى الله، و أذعن بالطاعة لأمير المؤمنين. 99-9122/ - صاحب الأربعين، عن (الأربعين)، قال: أخبرنا أبو محمد الحسين بن أحمد بن الحسين بقراءتي عليه، قال: حدثنا أبو علي الحسين بن محمد بن الحسن الأهوازي، قال: حدثنا أبو القاسم الحسن بن محمد بن سهل الفارسي، قال: حدثنا أبو زرعة أحمد بن محمد بن موسى الفارسي، قال: حدثنا أبو الحسن أحمد بن يعقوب البلخي، قال: حدثنا محمد بن جرير، قال: حدثنا الهيثم بن الحسين، عن محمد بن عمر، عن محمد بن مروان، عن عمارة، عن أبيه، عن أنس بن مالك، قال: خرجت مع رسول الله (صلى الله عليه و آله) نتماشى حتى انتهينا إلى بقيع الغرقد، فإذا نحن بسدرة عالية لانبات عليها، فجلس رسول الله (صلى الله عليه و آله) تحتها، فأورقت الشجرة، و أثمرت، و ظللت على رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فتبسم (صلى الله عليه و آله) و قال: «يا أنس، ادع لي عليا» فغدوت، حتى انتهيت إلى منزل فاطمة (عليها السلام)، فإذا أنا بعلي (عليه السلام) يتناول شيئا من الطعام، فقلت له: أجب رسول الله (صلى الله عليه و آله). فقال: «لخير ادعى؟» فقلت: الله و رسوله أعلم. قال: فجعل علي يمشي و يهرول على أطراف أنامله حتى تمثل بين يدي رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فجذبه رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أجلسه إلى جنبه، فرأيتهما يتحدثان و يضحكان، و رأيت وجه علي قد استنار، فإذا بجام من ذهب مرصع باليواقيت و الجواهر، و للجام أربعة أركان، كل ركن منه مكتوب عليه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، و على الركن الثاني: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي بن أبي طالب ولي الله، و سيفه على الناكثين و القاسطين و المارقين، و على الركن الثالث: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، أيده الله بعلي بن أبي طالب، و على الركن الرابع: نجا المعتقدون لدين الله، المؤالفون لأهل بيت رسول الله. و إذا في الجام رطب و عنب، و لم يكن في أوان العنب، و لا أوان الرطب، فجعل رسول الله يأكل و يطعم عليا، حتى إذا شبعا ارتفع الجام. فقال لي رسول الله (صلى الله عليه و آله): «يا أنس، ترى هذه السدرة» قلت: نعم. قال: «قد قعد تحتها ثلاث مائة و ثلاثة عشر نبيا، و ثلاث مائة و ثلاثة عشر وصيا، ما في النبيين أوجه مني، و لا في الوصيين وصي أوجه من علي بن أبي طالب (عليه السلام). يا أنس، من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، و إلى إبراهيم في وقاره، و إلى سليمان في قضائه، و إلى يحيى في زهده، و إلى أيوب في صبره، و إلى إسماعيل في صدقه-و هو إسماعيل بن حزقيل، و هو الذي ذكره الله في القرآن وَ اُذْكُرْ فِي اَلْكِتََابِ إِسْمََاعِيلَ -فلينظر إلى علي بن أبي طالب. يا أنس، ما من نبي إلا و قد خصه الله بوزير، و قد خصني الله عز و جل بأربعة: اثنين في السماء، و اثنين في الأرض، فأما اللذان في السماء: فجبرئيل، و ميكائيل. و أما اللذان في الأرض: فعلي بن أبي طالب، و عمي حمزة بن عبد المطلب». 99-9123/ - محمد بن يعقوب: بإسناده عن عبد الأعلى مولى آل سام، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: «يؤتى بالمرأة الحسناء يوم القيامة، التي قد افتتنت في حسنها، فتقول: يا رب، حسنت خلقي حتى لقيت ما لقيت، فيجاء بمريم (عليها السلام)، فيقال: أنت أحسن أم هذه، قد حسناها فلم تفتتن؟و يجاء بالرجل الحسن الذي قد افتتن في حسنه، فيقول: يا رب، حسنت خلقي حتى لقيت من النساء ما لقيت. فيجاء بيوسف (عليه السلام)، فيقال: أنت أحسن أم هذا؟قد حسناه فلم يفتتن في حسنه. و يجاء بصاحب البلاء الذي قد أصابته الفتنة في بلائه، فيقول: يا رب، قد شددت علي البلاء حتى افتتنت. فيؤتى بأيوب (عليه السلام)، فيقال: بليتك أشد أم بلية هذا، فقد ابتلي فلم يفتتن؟». قوله تعالى: وَ اُذْكُرْ عِبََادَنََا إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ -إلى قوله تعالى- إِنَّ ذََلِكَ لَحَقٌّ تَخََاصُمُ أَهْلِ اَلنََّارِ [45-64] 9124/ -علي بن إبراهيم: ثم قال: وَ اُذْكُرْ يا محمد عِبََادَنََا إِبْرََاهِيمَ وَ إِسْحََاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي اَلْأَيْدِي وَ اَلْأَبْصََارِ يعني: أولي القوة إِنََّا أَخْلَصْنََاهُمْ بِخََالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدََّارِ* `وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنََا لَمِنَ اَلْمُصْطَفَيْنَ اَلْأَخْيََارِ* `وَ اُذْكُرْ إِسْمََاعِيلَ الآية. 99-9125/ - قال: و في رواية أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قوله: أُولِي اَلْأَيْدِي وَ اَلْأَبْصََارِ: «يعني أولي القوة في العبادة، و البصر فيها، و قوله: إِنََّا أَخْلَصْنََاهُمْ بِخََالِصَةٍ ذِكْرَى اَلدََّارِ يقول: إن الله اصطفاهم بذكر الآخرة، و اختصهم بها». 9126/ -و قال علي بن إبراهيم: ثم ذكر الله المتقين، و ما لهم عند الله تعالى، فقال: هََذََا ذِكْرٌ وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ إلى قوله تعالى: قََاصِرََاتُ اَلطَّرْفِ أَتْرََابٌ يعني الحور العين، يقصر الطرف عنها و النظر من صفائها، مع ما حكى الله من قول أهل الجنة: إِنَّ هََذََا لَرِزْقُنََا مََا لَهُ مِنْ نَفََادٍ أي لا ينفد أبدا، و لا يفنى}}} هََذََا وَ إِنَّ لِلطََّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ* `جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهََا فَبِئْسَ اَلْمِهََادُ* `هََذََا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَ غَسََّاقٌ، قال: الغسال، واد في جهنم، فيه ثلاث مائة و ثلاثون قصرا، و في كل قصر ثلاث مائة بيت، في كل بيت أربعون زاوية، في كل زاوية شجاع، في كل شجاع ثلاث مائة و ثلاثون عقربا، في جمجمة كل عقرب ثلاث مائة و ثلاثون قلة من سم، لو أن عقربا منها نفحت سمها على أهل جهنم لو سعتهم بسمها هََذََا وَ إِنَّ لِلطََّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ و هم الأولون، و بنو امية. }ثم ذكر من كان من بعدهم ممن غصب آل محمد حقهم، فقال: وَ آخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوََاجٌ* `هََذََا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ و هم بنو العباس، فيقول بنو امية: لاََ مَرْحَباً بِهِمْ إِنَّهُمْ صََالُوا اَلنََّارِ فيقول بنو فلان: بَلْ أَنْتُمْ لاََ مَرْحَباً بِكُمْ أَنْتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنََا، و بدأتم بظلم آل محمد فَبِئْسَ اَلْقَرََارُ، ثم يقول بنو امية: رَبَّنََا مَنْ قَدَّمَ لَنََا هََذََا فَزِدْهُ عَذََاباً ضِعْفاً فِي اَلنََّارِ يعنون الأولين. ثم يقول أعداء آل محمد في النار: مََا لَنََا لاََ نَرىََ رِجََالاً كُنََّا نَعُدُّهُمْ مِنَ اَلْأَشْرََارِ في الدنيا، و هم شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، أَتَّخَذْنََاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زََاغَتْ عَنْهُمُ اَلْأَبْصََارُ؟ثم قال: إِنَّ ذََلِكَ لَحَقٌّ تَخََاصُمُ أَهْلِ اَلنََّارِ فيما بينهم، و ذلك قول الصادق (عليه السلام): «و الله إنكم لفي الجنة تحبرون، و في النار تطلبون». 99-9127/ - محمد بن يعقوب: عن علي بن محمد، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن عثمان بن عيسى، عن ميسر، قال: دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال: «كيف أصحابك؟» فقلت: جعلت فداك، نحن عندهم شر من اليهود و النصارى و المجوس و الذين أشركوا. قال: و كان متكئا فاستوى جالسا، ثم قال: «كيف قلت؟». قلت: و الله لنحن عندهم شر من اليهود و النصارى و المجوس و الذين أشركوا. فقال: «أما و الله، لا يدخل النار منكم اثنان، لا و الله و لا واحد، و الله إنكم الذين قال الله عز و جل: وَ قََالُوا مََا لَنََا لاََ نَرىََ رِجََالاً كُنََّا نَعُدُّهُمْ مِنَ اَلْأَشْرََارِ* `أَتَّخَذْنََاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زََاغَتْ عَنْهُمُ اَلْأَبْصََارُ* `إِنَّ ذََلِكَ لَحَقٌّ تَخََاصُمُ أَهْلِ اَلنََّارِ -ثم قال-طلبوكم و الله في النار، و الله فما وجدوا منكم واحدا». 9128/ -و عنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن منصور بن يونس، عن عنبسة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا استقر أهل النار في النار يفقدونكم فلا يرون منكم أحدا، فيقول بعضهم لبعض: مََا لَنََا لاََ نَرىََ رِجََالاً كُنََّا نَعُدُّهُمْ مِنَ اَلْأَشْرََارِ* `أَتَّخَذْنََاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زََاغَتْ عَنْهُمُ اَلْأَبْصََارُ؟ -قال-قال: و ذلك قول الله عز و جل: إِنَّ ذََلِكَ لَحَقٌّ تَخََاصُمُ أَهْلِ اَلنََّارِ يتخاصمون فيكم فيما كانوا يقولون في الدنيا». 9129/ -و عنه: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه أبو بصير-و ذكر الحديث إلى أن قال (عليه السلام) فيه-: «يا أبا محمد، لقد ذكركم الله إذ حكى عن عدوكم في النار، بقوله: وَ قََالُوا مََا لَنََا لاََ نَرىََ رِجََالاً كُنََّا نَعُدُّهُمْ مِنَ اَلْأَشْرََارِ* `أَتَّخَذْنََاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زََاغَتْ عَنْهُمُ اَلْأَبْصََارُ، و الله ما عنى و لا أراد بهذا غيركم، صرتم عند أهل هذا العالم شرار الناس، و أنتم و الله في الجنة تحبرون، و في النار تطلبون». و رواه الشيخ المفيد في (الاختصاص): بإسناده عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام). و رواه ابن بابويه في (بشارات الشيعة): بإسناده عن سليمان الديلمي، عن أبي عبد الله (عليه السلام) و ذكر رواية أبي بصير. 99-9130/ - الشيخ في (أماليه): عن ابن الفحام، بإسناده، قال: دخل سماعة بن مهران على الصادق (عليه السلام)، فقال له: «يا سماعة من شر الناس؟» قال: نحن يا ابن رسول الله. قال: فغضب حتى احمرت وجنتاه ثم استوى جالسا، و كان متكئا، فقال: «يا سماعة من شر الناس عند الناس؟» فقلت: و الله ما كذبتك يا ابن رسول الله، نحن شر الناس عند الناس، لأنهم سمونا كفارا، و رافضة. فنظر إلي، ثم قال: «كيف بكم إذا سيق بكم إلى الجنة، و سيق بهم إلى النار، فينظرون إليكم، فيقولون: مََا لَنََا لاََ نَرىََ رِجََالاً كُنََّا نَعُدُّهُمْ مِنَ اَلْأَشْرََارِ. يا سماعة بن مهران، إن من أساء منكم إساءة مشينا إلى الله تعالى يوم القيامة بأقدامنا فنشفع فيه فنشفع، و الله لا يدخل النار منكم عشرة رجال، و الله لا يدخل النار منكم خمسة رجال، و الله لا يدخل النار منكم ثلاثة رجال، و الله لا يدخل النار منكم رجل واحد، فتنافسوا في الدرجات، و أكمدوا عدوكم بالورع، و الله ما عنى و لا أراد غيركم، صرتم عند أهل هذا العالم شرار الناس، و أنتم و الله في الجنة تحبرون، و في النار تطلبون». 99-9131/ - الطبرسي، قال: روى العياشي، بإسناده إلى جابر الجعفي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنه قال: «إن أهل النار يقولون: مََا لَنََا لاََ نَرىََ رِجََالاً كُنََّا نَعُدُّهُمْ مِنَ اَلْأَشْرََارِ. يعنونكم، و يطلبونكم فلا يرونكم في النار، و الله لا يرون أحدا منكم في النار». قوله تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ* `أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ -إلى قوله تعالى- أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْعََالِينَ [67-75] 99-9132/ - محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن أبي عمير، أو غيره، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: قلت له: جعلت فداك، إن الشيعة يسألونك عن تفسير هذه الآية عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ* `عَنِ اَلنَّبَإِ اَلْعَظِيمِ. قال: «ذلك إلي، إن شئت أخبرتهم، و إن شئت لم أخبرهم. لكني أخبرك بتفسيرها؟» قلت: عَمَّ يَتَسََاءَلُونَ؟قال: فقال: «هي في أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)، كان أمير المؤمنين (صلوات الله عليه) يقول: ما لله عز و جل آية هي أكبر مني، و لا لله نبأ أعظم مني». 99-9133/ - محمد بن الحسن الصفار: عن عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان، عن أبيه سليمان، عن سدير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) [قال: ] قلت له: قول الله تبارك و تعالى: قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ* `أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ؟قال: «الذين أوتوا العلم: الأئمة، و النبأ: الإمامة». 9134/ -علي بن إبراهيم: قال الله عز و جل: يا محمد قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ* `مََا كََانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ اَلْأَعْلىََ. 9135/ -ثم قال علي بن إبراهيم: حدثني خالد، عن الحسن بن محبوب، عن محمد بن سنان، عن أبي مالك الأسدي، عن إسماعيل الجعفي، قال: كنت في المسجد الحرام قاعدا، و أبو جعفر (عليه السلام) في ناحية، فرفع رأسه فنظر إلى السماء مرة، و إلى الكعبة مرة، ثم قال: سُبْحََانَ اَلَّذِي أَسْرىََ بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِنَ اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرََامِ إِلَى اَلْمَسْجِدِ اَلْأَقْصَى اَلَّذِي بََارَكْنََا حَوْلَهُ، و كرر ذلك ثلاث مرات، ثم التفت إلي، فقال: «أي شيء يقول أهل العراق في هذه الآية، يا عراقي؟» قلت: يقولون أسرى به من المسجد الحرام إلى البيت المقدس. فقال: «ليس كما يقولون، و لكنه أسرى به من هذه إلى هذه» -و أشار بيده إلى السماء-و قال: «ما بينهما حرم» قال: «فلما انتهى به إلى سدرة المنتهى تخلف عنه جبرئيل، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا جبرئيل في هذا الموضع تخذلني؟فقال: تقدم أمامك، فو الله لقد بلغت مبلغا لم يبلغه أحد من خلق الله قبلك، قال: فرأيت من نور ربي و حال بيني و بينه السبحة». قال: قلت: و ما السبحة، جعلت فداك؟فأومأ بوجهه إلى الأرض، و أومأ بيده إلى السماء، و هو يقول: «جلال ربي جلال ربي» ثلاث مرات. [قال]: «قال: يا محمد، قلت: لبيك يا رب، قال: فيم اختصم الملأ الأعلى؟قلت: سبحانك لا علم لي إلا ما علمتني، قال: فوضع يده-أي يد القدرة-بين ثديي، فوجدت بردها بين كتفي، [قال: ]فلم يسألني عما مضى، و لا عما بقي إلا أعلمته، قال: يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى؟قال: قلت: يا رب، في الدرجات، و الكفارات، و الحسنات، فقال: يا محمد، قد انقضت نبوتك، و انقطع أجلك، فمن وصيك؟[فقلت: يا رب، قد بلوت خلقك، فلم أر من خلقك أحدا أطوع لي من علي. فقال: ولي يا محمد]. و قلت: يا رب، إني قد بلوت خلقك، فلم أر في خلقك أحدا أشد حبا لي من علي، قال: و لي يا محمد، فبشره بأنه راية الهدى، و إمام أوليائي، و نور لمن أطاعني، و الكلمة التي ألزمتها المتقين، من أحبه أحبني، و من أبغضه أبغضني، مع ما أني أخصه بما لم أخص به أحدا، فقلت: يا رب، أخي و صاحبي و وزيري و وارثي. فقال: إنه أمر قد سبق. إنه مبتلى و مبتلى به، مع ما أني قد نحلته و نحلته و نحلته، و نحلته أربعة أشياء عقدها بيده و لا يفصح بها عقدها». ثم حكى خبر إبليس، فقال الله عز و جل: إِذْ قََالَ رَبُّكَ لِلْمَلاََئِكَةِ إِنِّي خََالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ. و قد كتبنا خبر آدم و إبليس في موضعه. 99-9136/ - قال علي بن إبراهيم: حدثنا محمد بن أحمد بن ثابت، قال: حدثنا القاسم بن إسماعيل الهاشمي، عن محمد بن يسار، عن الحسين بن المختار، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لو أن الله خلق الخلق كلهم بيده، لم يحتج في آدم أنه خلقه بيده، فيقول: مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ، أفترى الله يبعث الأشياء بيده؟». 99-9137/ - محمد بن يعقوب: عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن الأحول، قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام)، عن الروح التي في آدم (عليه السلام) قوله: فَإِذََا سَوَّيْتُهُ وَ نَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سََاجِدِينَ، قال: «هذه روح مخلوقة، و الروح التي في عيسى (عليه السلام) مخلوقة». و قد تقدمت روايات كثيرة في معنى الآية في سورة الحجر. 99-9138/ - ابن بابويه، قال: حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق (رحمه الله)، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل البرمكي، قال: حدثنا الحسين بن الحسن، قال: حدثنا بكر، عن أبي عبد الله البرقي، عن عبد الله بن بحر، عن أبي أيوب الخزاز، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) فقلت: قوله عز و جل: يََا إِبْلِيسُ مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ؟قال: «اليد في كلام العرب: القوة و النعمة، قال الله تعالى: وَ اُذْكُرْ عَبْدَنََا دََاوُدَ ذَا اَلْأَيْدِ، و قال: وَ اَلسَّمََاءَ بَنَيْنََاهََا بِأَيْدٍ أي بقوة، و قال: وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ أي قواهم، و يقال: لفلان عندي[أياد كثيرة، أي فواضل و إحسان، و له عندي]يد بيضاء، أي نعمة». 9139/ -و عنه، قال: حدثنا محمد بن محمد بن عصام الكليني، قال: حدثنا محمد بن يعقوب الكليني، قال: حدثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن سيف، عن محمد بن عبيد، قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن قول الله عز و جل لإبليس: مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ؟قال: «يعني بقدرتي [و قوتي]». 99-9140/ - ابن بابويه: عن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، عن أبي الحسن محمد بن أحمد القواريري، عن أبي الحسن محمد بن عمار، عن إسماعيل بن توبة، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن سليمان الأعمش، عن أبي سعيد الخدري، قال: كنا جلوسا عند رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذ أقبل إليه رجل، فقال: يا رسول الله، أخبرني عن قول الله عز و جل لإبليس: أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْعََالِينَ من هم يا رسول الله الذين هم أعلى من الملائكة المقربين؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «أنا و علي و فاطمة و الحسن و الحسين، كنا في سرادق العرش نسبح الله، فسبحت الملائكة بتسبيحنا قبل أن يخلق الله آدم (عليه السلام) بألفي عام. فلما خلق الله عز و جل آدم (عليه السلام)، أمر الملائكة أن يسجدوا له، و لو يؤمروا بالسجود إلا لأجلنا، فسجدت الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس فإنه أبى أن يسجد. فقال الله تبارك و تعالى: يََا إِبْلِيسُ مََا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ اَلْعََالِينَ قال: من هؤلاء الخمسة المكتوبة أسماؤهم في سرادق العرش، فنحن باب الله الذي يؤتى منه، بنا يهتدي المهتدون، فمن أحبنا أحبه الله، و أسكنه جنته، و من أبغضنا أبغضه الله، و أسكنه ناره، و لا يحبنا إلا من طاب مولده». روى هذا الحديث ابن بابويه في كتاب (بشارات الشيعة): بإسناده، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله (صلى الله عليه و آله)، الحديث بعينه. 9141/ -و عنه، قال: حدثنا علي بن الحسن، قال: حدثنا أبو محمد هارون بن موسى، قال: حدثني محمد بن همام، قال: حدثني عبد الله بن جعفر الحميري، قال: حدثني عمر بن علي العبدي، عن داود بن كثير الرقي، عن يونس بن ظبيان، قال: دخلت على الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام)، فقلت: يا ابن رسول الله، إني دخلت على مالك و أصحابه، فسمعت بعضهم يقول: إن لله وجها كالوجوه، و بعضهم يقول: له يدان، و احتجوا في ذلك بقوله تعالى: بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ، و بعضهم يقول: هو كالشاب من أبناء ثلاثين سنة، فما عندك في هذا، يا ابن رسول الله؟! قال: و كان متكئا، فاستوى جالسا، و قال: «اللهم عفوك عفوك». ثم قال: «يا يونس من زعم أن لله وجها كالوجوه فقد أشرك، و من زعم أن لله جوارحا كجوارح المخلوقين فهو كافر بالله، فلا تقبلوا شهادته، و لا تأكلوا ذبيحته، تعالى الله عما يصفه المشبهون بصفة المخلوقين، فوجه الله أنبياؤه و أولياؤه، و قوله تعالى: خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ فاليد القدرة، كقوله تعالى: وَ أَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ فمن زعم أن الله في شيء، أو على شيء، أو تحول من شيء إلى شيء، أو يخلو من شيء، أو يشغل به شيء، فقد وصفه بصفة المخلوقين، و الله خالق كل شيء، لا يقاس بالمقياس، و لا يشبه بالناس، و لا يخلو منه مكان، و لا يشغل به مكان، قريب في بعده، بعيد في قربه، ذلك الله ربنا لا إله غيره، فمن أراد الله و أحبه بهذه الصفة، فهو من الموحدين، و من أحبه بغير هذه الصفة فالله منه بريء، و نحن منه برآء». ثم قال (عليه السلام): «إن أولى الألباب الذين عملوا بالفكرة حتى ورثوا منه حب الله، فإن حب الله إذا ورثه القلب استضاء به، و أسرع إليه اللطف، فإذا نزل منزلة اللطف صار من أهل الفوائد، فإذا صار من أهل الفوائد تكلم بالحكمة، فإذا تكلم بالحكمة صار صاحب فطنة، فإذا نزل منزلة الفطنة، عمل بها في القدرة، فإذا عمل بها في القدرة، عمل في الأطباق السبعة، فإذا بلغ هذه المنزلة، صار يتقلب في لطف و حكمة و بيان، فإذا بلغ هذه المنزلة، جعل شهوته و محبته في خالقه، فإذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبرى، فعاين ربه في قلبه، و ورث الحكمة بغير ما ورثته الحكماء، و ورث العلم بغير ما ورثته العلماء، و ورث الصدق بغير ما ورثه الصديقون. إن الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت، و إن العلماء ورثوا العلم بالطلب، و إن الصديقين ورثوا الصدق بالخشوع و طول العبادة، فمن أخذه بهذه السيرة، إما أن يسفل، و إما أن يرفع، و أكثرهم الذي يسفل و لا يرفع إذا لم يرع حق الله، و لم يعمل بما أمر به، فهذه صفة من لم يعرف الله حق معرفته، و لم يحبه حق محبته، فلا يغرنك صلاتهم و صيامهم و رواياتهم و علومهم، فإنهم حمر مستنفرة». ثم قال: «يا يونس، إذا أردت العلم الصحيح فعندنا أهل البيت، فإنا ورثناه، و أوتينا شرح الحكمة، و فصل الخطاب». فقلت: يا ابن رسول الله، و كل من كان من أهل البيت، ورث كما ورثتم من علي و فاطمة (عليهما السلام)؟فقال: ما ورثه إلا الأئمة الإثنا عشر». فقلت: سمهم يا ابن رسول الله؟فقال: «أولهم علي بن أبي طالب و بعده الحسن، و بعده الحسين، و بعده علي ابن الحسين، و بعده محمد بن علي، ثم أنا، و بعدي موسى ولدي، و بعد موسى علي ابنه، و بعد علي محمد، و بعد محمد علي، و بعد علي الحسن، و بعد الحسن الحجة، اصطفانا الله و طهرنا و آتانا ما لم يؤت أحدا من العالمين». ثم قلت: يا ابن رسول الله، إن عبد الله بن سعد دخل عليك بالأمس، فسألك عما سألتك، فأجبته بخلاف هذا؟!فقال: «يا يونس، كل امرى و ما يحتمله، و لكل وقت حديثه، و إنك لأهل لما سألت، فاكتمه إلا عن أهله، و السلام». قوله تعالى: أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ* `قََالَ فَاخْرُجْ مِنْهََا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ [76-77] 99-9142/ - محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن علي بن يقطين، عن الحسين بن مياح، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إن إبليس قاس نفسه بآدم، فقال: خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، فلو قاس الجوهر الذي خلق الله منه آدم (عليه السلام) بالنار، كان ذلك أكثر نورا و سنا من النار». 9143/ -و عنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن أحمد بن عبد الله العقيلي، عن عيسى بن عبد الله القرشي، قال: دخل أبو حنيفة على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال له: «يا أبا حنيفة، بلغني أنك تقيس»؟قال: نعم. قال: «لا تقس، فإن أول من قاس إبليس حين قال: خَلَقْتَنِي مِنْ نََارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ، فقاس ما بين النار و الطين، و لو قاس نورية آدم بنورية النار، عرف فضل ما بين النورين، و صفاء أحدهما على الآخر».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٤ - الصفحة ٦٧٢. — الله تعالى (حديث قدسي)
- سعد بن عبد الله: عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن العباس بن معروف، عن عبد الله بن محمد الحجال، عن حبيب بن المعلى الخثعمي، قال: ذكرت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما يقول أبو الخطاب؟فقال: «احك لي ما يقول». قلت: يقول في قوله عز و جل: وَ إِذََا ذُكِرَ اَللََّهُ وَحْدَهُ أنه أمير المؤمنين (عليه السلام) وَ إِذََا ذُكِرَ اَلَّذِينَ مِنْ دُونِهِ فلان و فلان!فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «من قال

هذا فهو مشرك بالله عز و جل-ثلاثا-أنا إلى الله منه بريء -ثلاثا-بل عنى الله بذلك نفسه». قال: [و أخبرته]بالآية الاخرى التي في «حم» قول الله عز و جل: ذََلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذََا دُعِيَ اَللََّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ؟ثم قلت: زعم أنه يعني بذلك أمير المؤمنين (عليه السلام)!فقال أبو عبد الله (عليه السلام): «من قال هذا فهو مشرك بالله-ثلاثا-أنا إلى الله منه بريء-ثلاثا-بل عنى الله بذلك نفسه، بل عنى الله بذلك نفسه-ثلاثا-». 99-9237/ - محمد بن العباس، قال: حدثني محمد بن الحسين، عن إدريس بن زياد، عن حنان بن سدير، عن أبيه، قال: سمعت صامتا بياع الهروي، و قد سأل أبا جعفر (عليه السلام) عن المرجئة، فقال: «صل معهم، و اشهد جنائزهم، و عد مرضاهم، و لا تستغفر لهم، فإنا إذا ذكرنا عندهم اشمأزت قلوبهم، و إذا ذكر الذين من دوننا إذا هم يستبشرون». قلت: أبو الخطاب غلا في آخر عمره، و لهذا قال ما قال، و الصحيح روايته الاولى التي رواها زرارة. قوله تعالى: عََالِمَ اَلْغَيْبِ وَ اَلشَّهََادَةِ [46] مر الحديث فيها في سورة الأنعام، و الم السجدة. قوله تعالى: قُلْ يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ [53] 99-9238/ - محمد بن يعقوب: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) -في حديث أبي بصير-قال: «قد ذكركم الله في كتابه إذ يقول: يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ، و الله ما أراد بهذا غيركم». 99-9239/ - ابن بابويه، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا محمد بن يحيى العطار، عن الحسين بن إسحاق التاجر، عن علي بن مهزيار، عن الحسين بن سعيد، عن محمد بن الفضيل، عن الثمالي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «لا يعذر أحد يوم القيامة بأن يقول: يا رب، لم أعلم أن ولد فاطمة هم الولاة، و في ولد فاطمة أنزل الله هذه الآية خاصة يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ ». 9240/ -علي بن إبراهيم، قال: نزلت في شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) خاصة. 99-9241/ - علي بن إبراهيم: حدثنا جعفر بن محمد، قال: حدثنا عبد الكريم، عن محمد بن علي، عن محمد ابن الفضيل، عن أبي حمزة، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «لا يعذر الله يوم القيامة أحدا يقول: يا رب، لم أعلم أن ولد فاطمة هم الولاة على الناس كافة، و في شيعة ولد فاطمة (عليها السلام) أنزل الله هذه الآية خاصة يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ الآية». 99-9242/ - محمد بن العباس، قال: حدثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن ابن فضال، عن محمد بن الفضيل، عن أبي حمزة الثمالي، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «لا يعذر الله أحدا يوم القيامة بأن يقول: يا رب، لم أعلم أن ولد فاطمة هم الولاة، و في ولد فاطمة (عليهم السلام) أنزل الله هذه الآية خاصة: يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ ». 99-9243/ - ابن بابويه: في حديث، عن محمد بن الحسن الصفار، عن عباد بن سليمان، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن أبيه، قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) إذ دخل عليه أبو بصير فقال له الإمام: «يا أبا بصير، لقد ذكركم الله عز و جل في كتابه، إذ يقول: يََا عِبََادِيَ اَلَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلىََ أَنْفُسِهِمْ لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ و الله ما أراد بذلك غيركم. يا أبا محمد، فهل سررتك؟» قال: نعم. 99-9244/ - محمد بن علي، عن عمرو بن عثمان، عن عمران بن سليمان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عز و جل: لاََ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اَللََّهِ إِنَّ اَللََّهَ يَغْفِرُ اَلذُّنُوبَ جَمِيعاً، فقال: «إن الله يغفر لكم جميعا الذنوب». قال: فقلت: ليس هكذا نقرأ، فقال: «يا أبا محمد، فإذا غفر الله الذنوب جميعا فلمن يعذب؟و الله ما عنى من عباده غيرنا و غير شيعتنا، و ما نزلت إلا هكذا: إن الله يغفر لكم جميعا الذنوب». قوله تعالى: وَ أَنِيبُوا إِلىََ رَبِّكُمْ وَ أَسْلِمُوا لَهُ -إلى قوله تعالى- وَ إِنْ كُنْتُ لَمِنَ اَلسََّاخِرِينَ [54-56] 9245/ -علي بن إبراهيم: في قوله تعالى: وَ أَنِيبُوا إِلىََ رَبِّكُمْ، أي توبوا وَ أَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ اَلْعَذََابُ ثُمَّ لاََ تُنْصَرُونَ* `وَ اِتَّبِعُوا أَحْسَنَ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ من القرآن و ولاية أمير المؤمنين و الأئمة (عليهم السلام)، و الدليل على ذلك قول الله عز و جل: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يََا حَسْرَتىََ عَلىََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ الآية، قال: في الإمام، لقول الصادق (عليه السلام): «نحن جنب الله». 99-9246/ - محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، عن علي بن سويد، عن أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام)، في قول الله عز و جل: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يََا حَسْرَتىََ عَلىََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ، قال: «جنب الله أمير المؤمنين (عليه السلام)، و كذلك ما كان بعده من الأوصياء بالمكان الرفيع إلى أن ينتهي الأمر إلى آخرهم». 9247/ -و عنه: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن حسان الجمال، قال: حدثني هاشم بن أبي عمار الجنبي، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: «أنا عين الله[و أنا يد الله]، و أنا جنب الله و أنا باب الله». 99-9248/ - ابن بابويه، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (رحمه الله)، قال: حدثنا الحسين بن الحسن بن أبان، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن ابن سنان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام)، في خطبته: «أنا الهادي، و أنا المهدي، و أنا أبو اليتامى و المساكين، و زوج الأرامل، و أنا ملجأ كل ضعيف، و مأمن كل خائف، و أنا قائد المؤمنين إلى الجنة، و أنا حبل الله المتين، و أنا عروة الله الوثقى، و كلمة التقوى، و أنا عين الله و لسانه الصادق و يده، و أنا جنب الله الذي يقول: أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يََا حَسْرَتىََ عَلىََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ، و أنا يد الله المبسوطة على عباده بالرحمة و المغفرة، و أنا باب حطة، من عرفني و عرف حقي فقد عرف ربه، لأني وصي نبيه في أرضه و حجته على خلقه، لا ينكر هذا إلا راد على الله و رسوله». و رواه المفيد، في (الاختصاص)، عن الحسين بن الحسن، عن بكر بن صالح، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن محمد بن سنان، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنا الهادي و أنا المهتدي» و ذكر الحديث. 9249/ -و عنه، قال: حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق (رحمه الله)، قال: حدثنا محمد بن جعفر الكوفي، قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي الكوفي، عن عمه الحسين بن يزيد، عن علي بن الحسين عمن حدثه، عن عبد الرحمن بن كثير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: أنا علم الله، و أنا قلب الله الواعي، و لسانه الناطق، و عين الله، و أنا جنب الله، و أنا يد الله». 99-9250/ - محمد بن إبراهيم المعروف بابن زينب النعماني، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن المعمر الطبراني بطبرية سنة ثلاثة و ثلاثين و ثلاث مائة و كان هذا الرجل من موالي يزيد بن معاوية و من النصاب، قال:

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٤ - الصفحة ٧١٤. — الإمام الصادق عليه السلام
9643/ (_1) - شرف الدين النجفي، قال: و مما ورد في أن أمير المؤمنين (عليه السلام) أفضل من النبيين (صلوات الله عليهم)، روي مسندا مرفوعا، عن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) أنه قال: قال لي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «يا جابر، أي الإخوة أفضل؟» قال: قلت: البنون من الأب و الام. فقال: «إنا معاشر الأنبياء إخوة، و أنا أفضلهم، و أحب الإخوة إلي علي بن أبي طالب، فهو عندي أفضل من الأنبياء، فمن زعم أن الأنبياء أفضل منه، فقد جعلني أقلهم، و من جعلني أقلهم فقد كفر، لأني لم أتخذ عليا أخا إلا لما علمت من فضله». 9644/ (_2) -ثم قال: و بيان ذلك أن معنى الاخوة بينهما: المماثلة في الفضل إلا النبوة، لما روى المفضل بن عمر المهلبي، عن رجاله مسندا، عن محمد بن ثابت، قال: حدثني أبو الحسن موسى (عليه السلام)، قال: قال رسول الله

(صلى الله عليه وآله وسلم) لعلي (عليه السلام): «أنا رسول الله المبلغ عنه، و أنت وجه الله المؤتم به، فلا نظير لي إلا أنت، و لا مثل لك إلا أنا». قوله تعالى: وَ مََا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاََّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهََا [48] 99-9645/ - أبو القاسم جعفر بن محمد بن قولويه، في (كامل الزيارات)، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن علي بن محمد بن سالم، عن محمد بن خالد، عن عبد الله بن حماد، عن عبد الله بن عبد الرحمان الأصم، عن عبد الله بن بكر الأرجاني، قال: صحبت أبا عبد الله (عليه السلام) في طريق مكة من المدينة، فنزلنا منزلا يقال له: عسفان، ثم مررنا بجبل أسود عن يسار الطريق وحش، فقلت له: يا ابن رسول، ما أوحش هذا الجبل! ما رأيت في الطريق مثل هذا. فقال لي: «يا ابن بكر، أ تدري أي جبل هذا؟» قلت: لا. قال: «هذا جبل يقال له الكمد، و هو على واد من أودية جهنم، و فيه قتلة أبي الحسين (عليه السلام)، استودعهم الله فيه، تجري من تحتهم مياه جهنم من الغسلين و الصديد و الحميم و ما يخرج من جب الخزي، و ما يخرج من الفلق، و ما يخرج من أثام، و ما يخرج من طينة خبال، و ما يخرج من جهنم، و ما يخرج من لظى، و ما يخرج من الحطمة، و ما يخرج من سقر، و ما يخرج من الجحيم، و ما يخرج من الهاوية، و ما يخرج من السعير، و ما مررت بهذا الجبل في سفري فوقفت به إلا رأيتهما يستغيثان و إني لأنظر إلى قتلة أبي، و أقول لهما: إنما هؤلاء فعلوا ما أسستما، لم ترحمونا إذ وليتم، و قتلتمونا و حرمتمونا، و وثبتم على حقنا، و استبددتم بالأمر دوننا، فلا رحم الله من يرحمكما، ذوقا وبال ما قدمتما، و ما الله بظلام للعبيد. و أشدهما تضرعا و استكانة الثاني، فربما وقفت عليهما ليتسلى عني بعض ما في قلبي، و ربما طويت الجبل الذي هما فيه و هو جبل الكمد». قال: قلت له: جعلت فداك، فإذا طويت الجبل، فما تسمع؟ قال: «أسمع أصواتهما يناديان: عرج علينا نكلمك، فإنا نتوب؛ و اسمع من الجبل صارخا يصرخ بي: أجبهما و قل لهما: اخسؤوا فيها و لا تكلمون». قال: قلت له: جعلت فداك، و من معهم؟ قال: «كل فرعون عتا على الله و حكى الله عنه فعاله، و كل من علم العباد الكفر». قلت: من هم؟ قال: «نحو بولس الذي علم اليهود أن يد الله مغلولة، و نحو نسطور الذي علم النصارى أن عيسى المسيح ابن الله، و قال: إنه ثالث ثلاثة؛ و نحو فرعون موسى الذي قال: أنا ربكم الأعلى؛ و نمرود الذي قال: قهرت أهل الأرض، و قتلت من في السماء؛ و قاتل أمير المؤمنين و قاتل فاطمة و محسن، و قاتل الحسن و الحسين (عليهم السلام)، و أما معاوية و عمرو بن العاص فهما يطمعان في الخلاص؛ و معهم كل من نصب لنا العداوة، و أعان علينا بلسانه و يده و ماله». و قلت له: جعلت فداك، فأنت تسمع هذا كله و لا تفزع؟ قال: «يا ابن بكر، إن قلوبنا غير قلوب الناس، [إنا مطيعون مصفون مصطفون، نرى ما لا يرى الناس، و نسمع ما لا يسمع الناس]، و إن الملائكة تنزل علينا في رحالنا، و تتقلب على فرشنا، و تشهد طعامنا، و تحضر موتنا، و تأتينا بأخبار ما يحدث قبل أن يكون، و تصلي معنا، و تدعو لنا، و تلقي علينا أجنحتها، و تتقلب على أجنحتها صبياننا، و تمنع الدواب أن تصل إلينا، و تأتينا مما في الأرضين من كل نبات في زمانه، و تسقينا من ماء كل أرض، نجد ذلك في آنيتنا، و ما من يوم و لا ساعة و لا وقت صلاة إلا و هي تنبهنا لها، و ما من ليلة تأتي علينا إلا و أخبار كل أرض عندنا، و ما يحدث فيها، و أخبار الجن و أخبار [أهل]الهواء من الملائكة، و ما من ملك يموت في الأرض و يقوم غيره مقامه إلا أتتنا بخبره و كيف سيرته في الذين قبله، و ما من أرض من ستة أرضين إلى أرض السابعة إلا و نحن نؤتى بخبرها». فقلت له: جعلت فداك أين ينتهي هذا الجبل؟ قال: «إلى الأرض السادسة، و فيها جهنم على واد من أوديتها، عليه حفظة أكثر من نجوم السماء و قطر المطر، و عدد ما في البحار، و عدد الثرى، و قد وكل كل ملك منهم بشيء، و هو مقيم عليه لا يفارقه». قلت: جعلت فداك، إليكم جميعا يلقون الأخبار؟ قال: «لا، إنما يلقى ذلك إلى صاحب الأمر، و إنا لنحمل ما لا يقدر العباد على حمله، و لا على الحكومة فيه، فمن لم يقبل حكومتنا أجبرته الملائكة على قولنا، و أمرت الذين يحفظون ناحيته أن يقسروه على قولنا، فإن كان من الجن أهل الخلاف و الكفر أوثقته و عذبته حتى يصير إلى ما حكمنا به». قلت له: جعلت فداك، فهل يرى الإمام ما بين المشرق و المغرب؟ قال: «يا ابن بكر، فكيف يكون حجة على ما بين قطريها، و هو لا يراهم و لا يحكم فيهم! و كيف يكون حجة على قوم غيب لا يقدر عليهم و لا يقدرون عليه! و كيف يكون مؤديا عن الله و شاهدا على الخلق و هو لا يراهم؟! و كيف يكون حجة عليهم و هو محجوب عنهم، و قد حيل بينهم و بينه أن يقوم بأمر الله فيهم! و الله يقول: وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ كَافَّةً لِلنََّاسِ يعني به من على الأرض، و الحجة من بعد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يقوم مقام النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، و هو الدليل على ما تشاجرت فيه الامة، و الآخذ بحقوق الناس، و القائم بأمر الله، و المنصف لبعضهم من بعض، فإذا لم يكن معهم من ينفذ قوله تعالى، و هو يقول: سَنُرِيهِمْ آيََاتِنََا فِي اَلْآفََاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ، فأي آية في الآفاق غيرنا أراها الله أهل الآفاق؟ و قال تعالى: وَ مََا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلاََّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهََا فأي آية أكبر منا». قوله تعالى: وَ قََالُوا يََا أَيُّهَا اَلسََّاحِرُ -إلى قوله تعالى- إِنَّهُمْ كََانُوا قَوْماً فََاسِقِينَ [49-54] 9646/ (_1) -قال علي بن إبراهيم: ثم حكى قول فرعون و أصحابه[لموسى (عليه السلام) ]، فقال: وَ قََالُوا يََا أَيُّهَا اَلسََّاحِرُ أي يا أيها العالم اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ بِمََا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنََا لَمُهْتَدُونَ ثم قال فرعون: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هََذَا اَلَّذِي هُوَ مَهِينٌ يعني موسى وَ لاََ يَكََادُ يُبِينُ، قال: لم يبن الكلام، ثم قال: فَلَوْ لاََ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ أي هلا القي عليه أسورة مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جََاءَ مَعَهُ اَلْمَلاََئِكَةُ مُقْتَرِنِينَ؟ يعني مقارنين فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ لما دعاهم فَأَطََاعُوهُ إِنَّهُمْ كََانُوا قَوْماً فََاسِقِينَ. قوله تعالى: فَلَمََّا آسَفُونََا اِنْتَقَمْنََا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنََاهُمْ أَجْمَعِينَ [55] 99-9647/ (_1) - محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن عمه حمزة بن بزيع، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله عز و جل: فَلَمََّا آسَفُونََا اِنْتَقَمْنََا مِنْهُمْ فقال: «إن الله عز و جل لا يأسف كأسفنا، و لكنه خلق أولياء لنفسه، يأسفون و يرضون، و هم مخلوقون مربوبون، فجعل رضاهم رضا نفسه، و سخطهم سخط نفسه، لأنه جعلهم الدعاة إليه، و الأدلاء عليه، فلذلك صاروا كذلك، و ليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه، لكن هذا معنى ما قال من ذلك، و قد قال: من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة و دعاني إليها. و قال: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اَللََّهَ، و قال: إِنَّ اَلَّذِينَ يُبََايِعُونَكَ إِنَّمََا يُبََايِعُونَ اَللََّهَ يَدُ اَللََّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ. فكل هذا و شبهه على ما ذكرت لك، و هكذا الرضا و الغضب و غيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك، و لو كان يصل إلى الله الأسف و الضجر، و هو الذي خلقهما و أنشأهما، لجاز لقائل هذا أن يقول: إن الخالق يبيد يوما، لأنه إذا دخله الغضب و الضجر، دخله التغيير، و إذا دخله التغيير لم يؤمن عليه الإبادة، ثم لم يعرف المكون من المكون، و لا القادر من المقدور عليه، و لا الخالق من المخلوق، تعالى الله عن هذا[القول]علوا كبيرا، بل هو الخالق للأشياء لا لحاجة، فإذا كان لا لحاجة استحال الحد و الكيف فيه، فافهم إن شاء الله تعالى». و رواه ابن بابويه، عن أبيه، قال: حدثنا أحمد بن إدريس، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه، يرفعه إلى أبي عبد الله (عليه السلام)، و ذكر مثله، و التغيير في يسير من الألفاظ لا يضر المعنى. 9648/ (_2) -علي بن إبراهيم: فَلَمََّا آسَفُونََا أي عصونا اِنْتَقَمْنََا مِنْهُمْ، لأنه لا يأسف عز و جل كأسف الناس. قوله تعالى: وَ لَمََّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذََا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ* `وَ قََالُوا أَ آلِهَتُنََا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مََا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاََّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ -إلى قوله تعالى- يَخْلُفُونَ [57-60] 99-9649/ (_1) - محمد بن يعقوب: عن عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام): «قال بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) ذات يوم جالسا، إذ أقبل أمير المؤمنين (عليه السلام)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إن فيك شبها من عيسى بن مريم، لو لا أن تقول فيك طوائف من امتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم، لقلت فيك قولا لا تمر بملإ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك، يلتمسون بذلك البركة. قال: فغضب الأعرابيان و المغيرة بن شعبة و عدة من قريش، فقالوا: ما رضي أن يضرب لابن عمه مثلا إلى عيسى بن مريم! فأنزل الله على نبيه (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقال: وَ لَمََّا ضُرِبَ اِبْنُ مَرْيَمَ مَثَلاً إِذََا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ* `وَ قََالُوا أَ آلِهَتُنََا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مََا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاََّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ* `إِنْ هُوَ إِلاََّ عَبْدٌ أَنْعَمْنََا عَلَيْهِ وَ جَعَلْنََاهُ مَثَلاً لِبَنِي إِسْرََائِيلَ* `وَ لَوْ نَشََاءُ لَجَعَلْنََا مِنْكُمْ يعني من بني هاشم مَلاََئِكَةً فِي اَلْأَرْضِ يَخْلُفُونَ. قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهري، فقال: اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك أن بني هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل؛ فأمطر علينا حجارة من السماء، أو ائتنا بعذاب أليم؛ فأنزل الله عليه مقالة الحارث، و نزلت عليه هذه الآية: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ وَ مََا كََانَ اَللََّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ، ثم قال له: يا ابن عمرو، إما تبت، و إما رحلت. فقال: يا محمد بل تجعل لسائر قريش شيئا مما في يدك، فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب و العجم، فقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): ليس ذلك إلي، ذلك إلى الله تبارك و تعالى، فقال: يا محمد، قلبي ما يتابعني على التوبة، و لكن أرحل عنك؛ فدعا براحلته فركبها، فلما صار بظهر المدينة، أتته جندلة فرضت هامته، ثم أتى الوحي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فقال: سَأَلَ سََائِلٌ بِعَذََابٍ وََاقِعٍ* `لِلْكََافِرينَ بولاية علي لَيْسَ لَهُ دََافِعٌ* `مِنَ اَللََّهِ ذِي اَلْمَعََارِجِ». قال: قلت له: جعلت فداك إنا لا نقرؤها هكذا، فقال: «هكذا و الله نزل بها جبرئيل على محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)، و هكذا و الله مثبت في مصحف فاطمة (عليها السلام). فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم، فقد أتاه ما استفتح به؛ قال الله عز و جل: وَ اِسْتَفْتَحُوا وَ خََابَ كُلُّ جَبََّارٍ عَنِيدٍ».

البرهان في تفسير القرآن - ج ٤ - الصفحة ٨٧٢. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
- و قال رسول الله

(صلى الله عليه و آله): «من كتبها و علقها على طفل، أو كتبها و سقاه ماءها، كان قويا في جسمه، سالما مسلما صحيحا مما يصيب الأطفال كلها، قرير العين في مهده». 99-9757/ - و قال الصادق (عليه السلام): «من كتبها في صحيفة و غسلها بماء زمزم، و شربها كان عند الناس محبوبا، و كلمته مسموعة، و لا يسمع شيئا إلا وعاه، و تصلح لجميع الأغراض، تكتب و تمحى و تغسل بها الأمراض، يسكن بها المرض بإذن الله تعالى». }قوله تعالى: بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ حم* `تَنْزِيلُ اَلْكِتََابِ مِنَ اَللََّهِ اَلْعَزِيزِ اَلْحَكِيمِ* `مََا خَلَقْنَا اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ وَ مََا بَيْنَهُمََا إِلاََّ بِالْحَقِّ وَ أَجَلٍ مُسَمًّى وَ اَلَّذِينَ كَفَرُوا عَمََّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ [1-3] 9758/ -علي بن إبراهيم: يعني قريشا عما دعاهم إليه رسول الله (صلى الله عليه و آله) و هو معطوف على قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ، إلى قوله تعالى: عََادٍ وَ ثَمُودَ، ثم احتج الله عليهم، فقال: قُلْ لهم يا محمد: أَ رَأَيْتُمْ مََا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اَللََّهِ، يعني الأصنام التي كانوا يعبدونها أَرُونِي مََا ذََا خَلَقُوا مِنَ اَلْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي اَلسَّمََاوََاتِ، إلى قوله تعالى: إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ. 99-9759/ - محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبي عبيدة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام)، عن قوله تعالى: اِئْتُونِي بِكِتََابٍ مِنْ قَبْلِ هََذََا أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ، قال: «عني بالكتاب التوراة و الإنجيل، و أثارة من علم، فإنما عني بذلك علم أوصياء الأنبياء (عليهم السلام) ». 99-9760/ - سعد بن عبد الله: عن علي بن محمد بن عبد الرحمن الحجازي، عن صالح بن السندي، عن الحسن بن محبوب، عمن رواه، عن أبي عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز و جل: اِئْتُونِي بِكِتََابٍ مِنْ قَبْلِ هََذََا أَوْ أَثََارَةٍ مِنْ عِلْمٍ، قال: يعني بذلك علم الأنبياء و الأوصياء: إِنْ كُنْتُمْ صََادِقِينَ ». قوله تعالى: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ -إلى قوله تعالى- وَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ [5-8] 9761/ -علي بن إبراهيم، في قوله تعالى: وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُوا مِنْ دُونِ اَللََّهِ مَنْ لاََ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلىََ يَوْمِ اَلْقِيََامَةِ إلى قوله تعالى: بِعِبََادَتِهِمْ كََافِرِينَ، قال: من عبد الشمس و القمر و الكواكب و البهائم و الشجر و الحجر، إذا حشر الناس كانت هذه الأشياء له أعداء، و كانوا بعبادتهم كافرين. قال: قوله تعالى: أَمْ يَقُولُونَ يا محمد اِفْتَرََاهُ يعني القرآن، وضعه من عنده فقل لهم: إِنِ اِفْتَرَيْتُهُ فَلاََ تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اَللََّهِ شَيْئاً، إن أثابني أو عاقبني على ذلك هُوَ أَعْلَمُ بِمََا تُفِيضُونَ فِيهِ، أي تكذبون كَفىََ بِهِ شَهِيداً بَيْنِي وَ بَيْنَكُمْ وَ هُوَ اَلْغَفُورُ اَلرَّحِيمُ. قوله تعالى: قُلْ مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ -إلى قوله تعالى- وَ مََا أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ مُبِينٌ [9] 99-9762/ - أحمد بن محمد بن خالد البرقي: عن أبيه محمد بن خالد البرقي، عن خلف بن حماد، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي جعفر (عليه السلام) -في حديث-قال: «قد كان الشيء ينزل على رسول الله (صلى الله عليه و آله) فيعمل به زمانا، ثم يؤمر بغيره فيأمر به أصحابه و أمته، قال أناس: يا رسول الله، إنك تأمرنا بالشيء حتى إذا اعتدناه و جرينا عليه، أمرتنا بغيره؟ فسكت النبي (صلى الله عليه و آله) عنهم، فأنزل الله عليه: قُلْ مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحىََ إِلَيَّ وَ مََا أَنَا إِلاََّ نَذِيرٌ مُبِينٌ ». 99-9763/ - شرف الدين النجفي، قال: روي مرفوعا، عن محمد بن خالد البرقي، عن أحمد بن النضر، عن أبي مريم عن بعض أصحابنا، رفعه إلى أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام)، قالا: «[لما]نزلت على رسول الله (صلى الله عليه و آله): قُلْ مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ، يعني في حروبه، قالت قريش: فعلى ما نتبعه، و هو لا يدري ما يفعل به و لا بنا؟ فأنزل الله تعالى: إِنََّا فَتَحْنََا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً ». و قالا: «قوله تعالى: إِنْ أَتَّبِعُ إِلاََّ مََا يُوحىََ إِلَيَّ في علي، هكذا نزلت». 9764/ -علي بن إبراهيم، قال: قوله تعالى: قُلْ لهم يا محمد: مََا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ اَلرُّسُلِ، أي لم أكن واحدا من الرسل، فقد كان قبلي أنبياء كثيرة. قوله تعالى: قُلْ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كََانَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ كَفَرْتُمْ بِهِ -إلى قوله تعالى- عَلىََ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اِسْتَكْبَرْتُمْ [10] 9765/ -علي بن إبراهيم، قال: قل إن كان القرآن من عند الله وَ شَهِدَ شََاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرََائِيلَ عَلىََ مِثْلِهِ فَآمَنَ وَ اِسْتَكْبَرْتُمْ، قال: الشاهد: أمير المؤمنين (عليه السلام)، و الدليل عليه في سورة هود: أَ فَمَنْ كََانَ عَلىََ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَ يَتْلُوهُ شََاهِدٌ مِنْهُ، يعني أمير المؤمنين (عليه السلام). قوله تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ قََالُوا رَبُّنَا اَللََّهُ ثُمَّ اِسْتَقََامُوا فَلاََ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لاََ هُمْ يَحْزَنُونَ [13] 9766/ -علي بن إبراهيم، قال: استقاموا على ولاية علي أمير المؤمنين (عليه السلام). قوله تعالى: وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ إِحْسََاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً -إلى قوله تعالى- مِنَ اَلْمُسْلِمِينَ [15] 99-9767/ - محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الوشاء و الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «لما حملت فاطمة بالحسين (عليهما السلام)، جاء جبرئيل إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فقال: إن فاطمة ستلد غلاما تقتله أمتك من بعدك، فلما حملت فاطمة بالحسين (عليهما السلام) كرهت حمله، و حين وضعته كرهت وضعه». ثم قال أبو عبد الله (عليه السلام): «لم تر في الدنيا أم تلد غلاما تكرهه، لكنها كرهته لما علمت بأنه سيقتل، و فيه نزلت هذه الآية: وَ وَصَّيْنَا اَلْإِنْسََانَ بِوََالِدَيْهِ إِحْسََاناً حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً ». 99-9768/ - و عنه: عن محمد بن يحيى، عن علي بن إسماعيل، عن محمد بن عمرو الزيات، عن رجل من أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إن جبرئيل (عليه السلام) نزل على محمد (صلى الله عليه و آله)، فقال له: يا محمد، إن الله يبشرك بمولود يولد من فاطمة تقتله أمتك من بعدك. فقال: يا جبرئيل، و على ربي السلام، لا حاجة لي في مولود يولد من فاطمة تقتله أمتي من بعدي، فعرج جبرئيل (عليه السلام) إلى السماء، ثم هبط و قال له مثل ذلك، فقال: يا جبرئيل، و على ربي السلام، لا حاجة لي في مولود تقتله أمتي من بعدي، فعرج جبرئيل (عليه السلام) إلى السماء، ثم هبط و قال: يا محمد إن ربك يقرئك السلام، و يبشرك بأنه جاعل في ذريته الإمامة و الوصية، فقال: قد رضيت. ثم أرسل إلى فاطمة: أن الله يبشرني بمولود يولد لك تقتله أمتي من بعدي. فأرسلت إليه: لا حاجة لي في مولود تقتله أمتك من بعدك. فأرسل إليها: أن الله قد جعل في ذريته الإمامة و الولاية و الوصية، فأرسلت إليه: اني قد رضيت، فحملته: كُرْهاً وَ وَضَعَتْهُ كُرْهاً وَ حَمْلُهُ وَ فِصََالُهُ ثَلاََثُونَ شَهْراً حَتََّى إِذََا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَ بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قََالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَ عَلىََ وََالِدَيَّ وَ أَنْ أَعْمَلَ صََالِحاً تَرْضََاهُ وَ أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي، فلو أنه قال: أصلح لي ذريتي، لكان ذريته كلهم أئمة. و لم يرضع الحسين (عليه السلام) من فاطمة (عليها السلام)، و لا من أنثى، كان يؤتى به النبي (صلى الله عليه و آله)، فيضع إبهامه في فيه، فيمص منها ما يكفيه اليومين و الثلاثة، فنبت لحم الحسين (عليه السلام) من لحم رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و دمه من دمه، و لم يولد لستة أشهر إلا عيسي بن مريم (عليه السلام)، و الحسين بن علي (عليهما السلام) ».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٥ - الصفحة ٣٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
10328/ (_4) - علي بن إبراهيم، قوله تعالى: سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ اَلثَّقَلاََنِ، قال: قال: «نحن و كتاب الله، و الدليل على ذلك قول رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): إني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله و عترتي أهل بيتي». قوله تعالى: يََا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطََارِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاََ تَنْفُذُونَ إِلاََّ بِسُلْطََانٍ [33] 99-10329/ (_1) - علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن محمد بن أبي عمير، عن منصور بن يونس، عن عمرو ابن أبي شيبة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال

سمعته يقول ابتداء منه: «إن لله إذا بدا له أن يبين خلقه و يجمعهم لما لا بد منه، أمر مناديا ينادي، فيجتمع الإنس و الجن في أسرع من طرفة عين، ثم أذن لسماء الدنيا فتنزل، و كان من وراء الناس، و أذن للسماء الثانية فتنزل، و هي ضعف التي تليها، فإذا رآها أهل السماء الدنيا، قالوا: جاء ربنا. قالوا: [لا]و هو آت، -يعني أمره-حتى تنزل كل سماء، [تكون]واحدة[منها]من وراء الاخرى، و هي ضعف التي تليها، ثم يأتي أمر الله في ظلل من الغمام و الملائكة و قضي الأمر و إلى الله ترجع الأمور، ثم يأمر الله مناديا ينادي: يََا مَعْشَرَ اَلْجِنِّ وَ اَلْإِنْسِ إِنِ اِسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطََارِ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ فَانْفُذُوا لاََ تَنْفُذُونَ إِلاََّ بِسُلْطََانٍ». قال: و بكى (عليه السلام) حتى إذا سكت، قلت: جعلني الله فداك، يا أبا جعفر، و أين رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و أمير المؤمنين (عليه السلام) و شيعته؟. فقال أبو جعفر (عليه السلام): «رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) و علي (عليه السلام) و شيعته، على كثبان من المسك الأذفر، على منابر من نور، يحزن الناس و لا يحزنون، و يفزع الناس و لا يفزعون» ثم تلا هذه الآية مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهََا وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ. «فالحسنة: ولاية علي (عليه السلام)» ثم قال: لاََ يَحْزُنُهُمُ اَلْفَزَعُ اَلْأَكْبَرُ وَ تَتَلَقََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ هََذََا يَوْمُكُمُ اَلَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. قوله تعالى: بِسُلْطََانٍ أي بحجة. قوله تعالى: فَإِذَا اِنْشَقَّتِ اَلسَّمََاءُ فَكََانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهََانِ [37] 99-10330/ (_1) - أحمد بن محمد بن خالد البرقي: عن أبيه، عن سعدان بن مسلم، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «إذا كان يوم القيامة يدعى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فيكسى حلة وردية». فقلت: جعلت فداك، و ردية؟ قال: «نعم، أما سمعت قول الله عز و جل: فَإِذَا اِنْشَقَّتِ اَلسَّمََاءُ فَكََانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهََانِ، ثم يدعى[علي فيقوم على يمين رسول الله، ثم يدعى]من شاء الله فيقومون على يمين علي، ثم يدعى شيعتنا فيقومون على يمين من شاء الله». ثم قال: «يا أبا محمد، أين ترى ينطلق بنا»؟ قال: قلت إلى الجنة. قال: «ما شاء الله». قوله تعالى: فَيَوْمَئِذٍ لاََ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَ لاََ جَانٌّ [39] 10331/ (_2) -علي بن إبراهيم: قوله فَيَوْمَئِذٍ لاََ يُسْئَلُ عَنْ ذَنْبِهِ، قال: منكم، يعني من الشيعة إِنْسٌ وَ لاََ جَانٌّ، قال: معناه أن من تولى أمير المؤمنين (عليه السلام)، و تبرأ من أعدائه، و أحل حلاله و حرم حرامه، ثم دخل فى الذنوب و لم يتب في الدنيا، عذب عليها في البرزخ، و يخرج يوم القيامة، و ليس له ذنب يسئل عنه يوم القيامة.

البرهان في تفسير القرآن - ج ٥ - الصفحة ٢٣٨. — الإمام الباقر عليه السلام
- و قال رسول الله

(صلى الله عليه و آله): «من قرأ هذه السورة برىء من الشرك و النفاق في الدين، و إن قرئت على عليل أو على وجيع شفاه الله تعالى». 99-10749/ - و قال الصادق (عليه السلام): «من قرأها على الأرمد خفف الله عنه و أزاله، و من قرأها على الأوجاع الباطنة سكنتها، و تزول بقدرة الله تعالى». قوله تعالى: بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ -إلى قوله تعالى- فَطُبِعَ عَلىََ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاََ يَفْقَهُونَ [1-3] 99-10750/ - محمد بن يعقوب: عن علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) -في حديث-قال: قلت: ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا؟قال: «إن الله تبارك و تعالى سمى من لم يتبع رسوله في ولاية وصيه منافقين، و جعل من جحد وصيه و إمامته كمن جحد محمدا و أنزل بذلك قرآنا، فقال: يا محمد إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ بولاية وصيك قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ بولاية علي لَكََاذِبُونَ* `اِتَّخَذُوا أَيْمََانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ و السبيل هو الوصي إِنَّهُمْ سََاءَ مََا كََانُوا يَعْمَلُونَ* `ذََلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا برسالتك و كَفَرُوا بولاية وصيك فَطُبِعَ الله عَلىََ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لاََ يَفْقَهُونَ ». قلت: ما معنى لا يفقهون؟قال: «يقول: لا يعقلون بنبوتك». [قلت]: وَ إِذََا قِيلَ لَهُمْ تَعََالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اَللََّهِ؟قال: «و إذا قيل لهم ارجعوا إلى ولاية علي، يستغفر لكم النبي من ذنوبكم لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ قال الله وَ رَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ عن ولاية علي وَ هُمْ مُسْتَكْبِرُونَ عليه، ثم عطف القول من الله بمعرفته بهم فقال: سَوََاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اَللََّهُ لَهُمْ إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَهْدِي اَلْقَوْمَ اَلْفََاسِقِينَ يقول: الظالمين لوصيك». 99-10751/ - الطبرسي في (الاحتجاج): عن أبي بصير، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليه السلام)، قال له طاوس اليماني: أخبرني عن قوم شهدوا شهادة الحق و كانوا كاذبين؟قال: «المنافقون حين قالوا لرسول الله (صلى الله عليه و آله) نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ فأنزل الله عز و جل إِذََا جََاءَكَ اَلْمُنََافِقُونَ قََالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اَللََّهِ وَ اَللََّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اَللََّهُ يَشْهَدُ إِنَّ اَلْمُنََافِقِينَ لَكََاذِبُونَ ».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٥ - الصفحة ٣٨٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
- و عنه: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن القاسم بن محمد، عن المنقري، عن سفيان بن عيينة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في قول الله

عز و جل: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، قال: «ليس يعني أكثركم عملا، و لكن أصوبكم عملا، و إنما الإصابة خشية الله و النية الصادقة و الحسنة -ثم قال-الإبقاء على العمل حتى يخلص أشد من العمل، ألا و العمل الخالص: الذي لا تريد أن يحمدك عليه أحد إلا الله عز و جل، و النية أفضل من العمل، إلا و إن النية هي العمل-ثم تلا قوله عز و جل- قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىََ شََاكِلَتِهِ يعني على نيته». 99-10911/ - الطبرسي، في (الاحتجاج): عن أبي الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام) -في رسالته إلى أهل الأهواز حين سألوه عن الجبر و التفويض-أن قال: «اجتمعت الأمة قاطبة لا اختلاف بينهم في ذلك، أن القرآن حق لا ريب فيه عند جميع فرقها، فهم في حالة الاجتماع عليه مصيبون، و على تصديق ما أنزل الله مهتدون لقول النبي (صلى الله عليه و آله): لا تجتمع أمتي على ضلالة؛ فأخبر (صلى الله عليه و آله) أن ما اجتمعت عليه الأمة و لم يخالف بعضها بعضا هو الحق، فهذا معنى الحديث، لا ما تأوله الجاهلون و لا ما قاله المعاندون من إبطال حكم الكتاب، و اتباع حكم الأحاديث المزورة و الروايات المزخرفة، و اتباع الأهواء المردية المهلكة التي تخالف نص الكتاب و تحقيق الآيات الواضحات النيرات، و نحن نسأل الله أن يوفقنا للصواب و يهدينا إلى الرشاد». ثم قال (عليه السلام): «فإذا شهد الكتاب بتصديق خبر و تحقيقه فأنكرته طائفة من الأمة و عارضته بحديث من هذه الأحاديث المزورة، فصارت بإنكارها و دفعها الكتاب كفارا ضلالا، و أصح خبر ما عرف تحقيقه من الكتاب، مثل الخبر المجمع عليه من رسول الله (صلى الله عليه و آله) حيث قال: إني مستخلف فيكم كتاب الله و عترتي، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض؛ و اللفظة الأخرى عنه في هذا المعنى بعينه قوله (صلى الله عليه و آله): إني تارك فيكم الثقلين: كتاب الله و عترتي أهل بيتي، و إنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا. فلما وجدنا شواهد الحديث نصا في كتاب الله مثل قوله تعالى: إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ ثم اتفقت روايات العلماء في ذلك لأمير المؤمنين (عليه السلام) أنه تصدق بخاتمه و هو راكع، فشكر الله ذلك له، و أنزل الآية فيه، ثم وجدنا رسول الله (صلى الله عليه و آله) قد أبانه من أصحابه بهذه اللفظة: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، و عاد من عاداه. و قوله (صلى الله عليه و آله): علي يقضي ديني و ينجز موعدي، و هو خليفتي عليكم بعدي. و قوله (عليه السلام) حين استخلفه على المدينة، فقال: يا رسول الله، أ تخلفني على النساء و الصبيان!فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. فعلمنا أن الكتاب شهد بتصديق هذه الأخبار و تحقيق هذه الشواهد، فيلزم الأمة الإقرار بها إذ كانت هذه الأخبار وافقت القرآن، و وافق القرآن هذه الأخبار، فلما وجدنا ذلك موافقا لكتاب الله، و وجدنا كتاب الله لهذه الأخبار موافقا و عليها دليلا، كان الاقتداء بهذه الأخبار فرضا لا يتعداه إلا أهل العناد و الفساد». ثم قال (عليه السلام): «و مرادنا و قصدنا الكلام في الجبر و التفويض و شرحهما و بيانهما، و إنما قدمنا ما قدمنا ليكون اتفاق الكتاب و الخبر إذا اتفاقا دليلا لما أردناه و قوة لما نحن مبينوه من ذلك إن شاء الله تعالى، فقال: الجبر و التفويض بقول الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) عند ما سئل عن ذلك، فقال: لا جبر و لا تفويض، بل أمر بين أمرين. قيل: فما ذا، يا بن رسول الله؟فقال: صحة العقل، و تخلية السرب، و المهلة في الوقت، و الزاد قبل الراحلة، و السبب المهيج للفاعل على فعله، فهذه خمسة أشياء، فإذا نقص العبد منها خلة كان العمل منه مطرحا بحسبه، و أنا أضرب لك لكل باب من هذه الأبواب الثلاثة، و هي الجبر و التفويض و المنزلة بين المنزلتين مثلا يقرب المعنى للطالب، و يسهل له البحث من شرحه، و يشهد به القرآن بمحكم آياته، و يحقق تصديقه عند ذوي الألباب و بالله العصمة و التوفيق». ثم قال (عليه السلام): «فأما الجبر فهو[قول]من زعم أن الله عز و جل جبر العباد على المعاصي، و عاقبهم عليها، و من قال بهذا القول فقد ظلم الله و كذبه و رد عليه قوله: وَ لاََ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً و قوله جل ذكره: ذََلِكَ بِمََا قَدَّمَتْ يَدََاكَ وَ أَنَّ اَللََّهَ لَيْسَ بِظَلاََّمٍ لِلْعَبِيدِ مع آي كثيرة في مثل هذا، فمن زعم أنه مجبور على المعاصي فقد أحال بذنبه على الله عز و جل و ظلمه في عقوبته، و من ظلم ربه فقد كذب كتابه، و من كذب كتابه لزمه الكفر بإجماع الأمة، فالمثل المضروب في ذلك مثل رجل ملك عبدا مملوكا لا يملك إلا نفسه، و لا يملك عرضا من عروض الدنيا، و يعلم مولاه ذلك منه، فأمره على علم منه بالمصير إلى السوق بحاجة يأتيه بها، و لا يملكه ثمن ما يأتيه به، و علم المالك أن على الحاجة رقيبا، لا يطمع أحد في أخذها منه إلا بما يرضى به من الثمن، و قد وصف مالك هذا العبد نفسه بالعدل و النصفة و إظهار الحكمة و نفي الجور، فأوعد عبده إن لم يأته بالحاجة أن يعاقبه، فلما صار العبد إلى السوق و حاول أخذ الحاجة التي بعثه المولى للإتيان بها، وجد عليها مانعا يمنعه منها إلا بالثمن[و لا يملك العبد ثمنها]، فانصرف إلى مولاه خائبا بغير قضاء حاجته، فاغتاظ مولاه لذلك و عاقبه على ذلك، فإنه كان ظالما متعديا، مبطلا لما وصف من عدله و حكمته و نصفته، و إن لم يعاقبه كذب نفسه، أليس يجب أن لا يعاقبه؟و الكذب و الظلم ينفيان العدل و الحكمة، تعالى الله عما يقول المجبرة علوا كبيرا». ثم قال العالم (عليه السلام) بعد كلام طويل: «فأما التفويض الذي أبطله الصادق (عليه السلام)، و خطأ من دان به، فهو قول القائل: إن الله تعالى فوض إلى العباد اختيار أمره و نهيه و أهملهم، و هذا الكلام دقيق لم يذهب إلى غوره و دقته إلا الأئمة المهدية (عليهم السلام) من عترة الرسول (صلوات الله عليهم)، فإنهم قالوا: لو فوض الله إليهم على جهة الإهمال لكان لازما رضا ما اختاروه و استوجبوا به الثواب، و لم يكن عليهم فيما اجترموا العقاب، إذا كان الإهمال واقعا، و تنصرف هذه المقالة على نوعين، إما أن يكون العباد تظاهروا عليه فألزموه قبول اختيارهم بآرائهم ضرورة، كره ذلك أم أحب فقد لزمه الوهن، أو يكون جل و تقدس عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي عن إرادته، ففوض أمره و نهيه إليهم، و أجراهما على محبتهم، إذ عجز عن تعبدهم بالأمر و النهي عن إرادته، فجعل الاختيار إليهم في الكفر و الايمان، و مثل ذلك مثل رجل ملك عبدا ابتاعه ليخدمه، و يعرف له فضل ولايته، و يقف عند أمره و نهيه، و ادعى مالك العبد أنه قادر قاهر عزيز حكيم، فأمر عبده و نهاه، و وعده على اتباع أمره عظيم الثواب، و أوعده على معصيته أليم العقاب، فخالف العبد إرادة مالكه، و لم يقف عند أمره و نهيه، فأي أمر أمره به أو نهي نهاه عنه لم يأتمر على إرادة المولى، بل كان العبد يتبع إرادة نفسه، و بعثه في بعض حوائجه، و فيما الحاجة له و صدر العبد بغير تلك الحاجة خلافا على مولاه، و قصد إرادة نفسه، و اتبع هواه، فلما رجع إلى مولاه نظر إلى ما أتاه، فإذا هو خلاف ما أمره، فقال العبد: اتكلت على تفويضك الأمر إلي، فاتبعت هواي و إرادتي، لأن المفوض إليه غير محظور عليه، لاستحالة اجتماع التفويض و التحظير». ثم قال (عليه السلام): «فمن زعم أن الله فوض قبول أمره و نهيه إلى عباده، فقد أثبت عليه العجز، و أوجب عليه قبول كل ما عملوا من خير أو شر، و أبطل أمر الله تعالى و نهيه». ثم قال: «إن الله خلق الخلق بقدرته، و ملكهم استطاعة ما تعبدهم به من الأمر و النهي، و قبل منهم اتباع أمره [و نهيه]، و رضي بذلك لهم، و نهاهم عن معصيته، و ذم من عصاه و عاقبه عليها، و لله الخيرة في الأمر و النهي، يختار ما يريد، و يأمر به، و ينهى عما يكره، و يثيب و يعاقب بالاستطاعة التي ملكها عباده لاتباع أمره و اجتناب معاصيه، لأنه العدل، و منه النصفة و الحكومة بالغ الحجة بالإعذار و الإنذار، و إليه الصفوة يصطفي من يشاء من عباده، اصطفى محمدا (صلى الله عليه و آله) و بعثه بالرسالة إلى خلقه، و لو فوض اختيار أموره إلى عباده لأجاز لقريش اختيار أمية بن أبي الصلت و مسعود الثقفي، إذ كانا عندهم أفضل من محمد (صلى الله عليه و آله) لما قالوا: لَوْ لاََ نُزِّلَ هََذَا اَلْقُرْآنُ عَلىََ رَجُلٍ مِنَ اَلْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ يعنونهما بذلك، فهذا[هو]القول بين القولين ليس بجبر و لا تفويض، بذلك أخبر أمير المؤمنين (عليه السلام) حين سأله عباية بن ربعي الأسدي عن الاستطاعة، فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): تملكها من دون الله، أو مع الله؟فسكت عباية بن ربعي، فقال له: قل يا عباية. قال: و ما أقول؟قال: إن قلت تملكها مع الله قتلتك، و إن قلت تملكها من دون الله قتلتك. قال: و ما أقول، يا أمير المؤمنين؟قال: تقول تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن ملككها كان ذلك من عطائه، و إن سلبكها كان ذلك من بلائه، و هو المالك لما ملكك، و المالك لما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول و القوة حيث يقولون: لا حول و لا قوة إلا بالله؟فقال: الرجل: ما تأويلها، يا أمير المؤمنين؟قال: لا حول بنا عن معاصي الله إلا بعصمة الله، و لا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله. ثم قال: فوثب الرجل و قبل يديه و رجليه. ثم قال (عليه السلام) في قوله تعالى: وَ لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتََّى نَعْلَمَ اَلْمُجََاهِدِينَ مِنْكُمْ وَ اَلصََّابِرِينَ وَ نَبْلُوَا أَخْبََارَكُمْ، و في قوله: سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لاََ يَعْلَمُونَ، و في قوله: أَنْ يَقُولُوا آمَنََّا وَ هُمْ لاََ يُفْتَنُونَ، و في قوله: وَ لَقَدْ فَتَنََّا سُلَيْمََانَ، و في قوله: فَإِنََّا قَدْ فَتَنََّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَ أَضَلَّهُمُ اَلسََّامِرِيُّ، و قول موسى (عليه السلام): إِنْ هِيَ إِلاََّ فِتْنَتُكَ، و قوله: لِيَبْلُوَكُمْ فِي مََا آتََاكُمْ، و قوله: ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، و قوله: إِنََّا بَلَوْنََاهُمْ كَمََا بَلَوْنََا أَصْحََابَ اَلْجَنَّةِ، و قوله: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً، و قوله: وَ إِذِ اِبْتَلىََ إِبْرََاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمََاتٍ و قوله: وَ لَوْ يَشََاءُ اَللََّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ وَ لََكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ، أن جميعها جاءت في القرآن بمعنى الاختبار». ثم قال (عليه السلام): «فإن قالوا: ما الحجة في قول الله تعالى: يُضِلُّ مَنْ يَشََاءُ وَ يَهْدِي مَنْ يَشََاءُ، و ما أشبه ذلك؟قلنا: فعلى مجاز هذه الآية تقتضي معنيين: أحدهما أنه إخبار عن كونه تعالى قادرا على هداية من يشاء و ضلالة من يشاء، و لو أجبرهم على أحدهما لم يجب لهم ثواب و لا عليهم عقاب على ما شرحناه و المعنى الآخر أن الهداية منه التعريف، كقوله تعالى: وَ أَمََّا ثَمُودُ فَهَدَيْنََاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا اَلْعَمىََ عَلَى اَلْهُدىََ و ليس كل آية مشتبهة في القرآن كانت الآية حجة على حكم الآيات اللاتي أمر بالأخذ بها و تقليدها، و هي قوله: هُوَ اَلَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ مِنْهُ آيََاتٌ مُحْكَمََاتٌ هُنَّ أُمُّ اَلْكِتََابِ وَ أُخَرُ مُتَشََابِهََاتٌ فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مََا تَشََابَهَ مِنْهُ اِبْتِغََاءَ اَلْفِتْنَةِ وَ اِبْتِغََاءَ تَأْوِيلِهِ الآية، و قال: فَبَشِّرْ عِبََادِ* `اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ هَدََاهُمُ اَللََّهُ وَ أُولََئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ، وفقنا الله و إياكم لما يحب و يرضى، و يعرف لنا و لكم الكرامة و الزلفى، و هدانا لما هو لنا و لكم خير و أبقى، إنه الفعال لما يريد، الحكيم الجواد المجيد». قوله تعالى: اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ طِبََاقاً -إلى قوله تعالى- إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ فِي ضَلاََلٍ كَبِيرٍ [3-9] 10912/ -علي بن إبراهيم: اَلَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمََاوََاتٍ طِبََاقاً، قال: بعضها طبق لبعض مََا تَرىََ فِي خَلْقِ اَلرَّحْمََنِ مِنْ تَفََاوُتٍ قال: من فساد فَارْجِعِ اَلْبَصَرَ هَلْ تَرىََ مِنْ فُطُورٍ أي من عيب} ثُمَّ اِرْجِعِ اَلْبَصَرَ قال: انظر في ملكوت السماوات و الأرض يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ اَلْبَصَرُ خََاسِئاً وَ هُوَ حَسِيرٌ أي يقصر و هو حسير، أي منقطع. قوله: وَ لَقَدْ زَيَّنَّا اَلسَّمََاءَ اَلدُّنْيََا بِمَصََابِيحَ قال: بالنجوم وَ جَعَلْنََاهََا رُجُوماً لِلشَّيََاطِينِ وَ أَعْتَدْنََا لَهُمْ عَذََابَ اَلسَّعِيرِ }}}قوله: إِذََا أُلْقُوا فِيهََا سَمِعُوا لَهََا شَهِيقاً قال: وقعا وَ هِيَ تَفُورُ اي ترتفع تَكََادُ تَمَيَّزُ مِنَ اَلْغَيْظِ قال: على أعداء الله كُلَّمََا أُلْقِيَ فِيهََا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهََا أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ و هم الملائكة الذين يعذبونهم بالنار قََالُوا بَلىََ قَدْ جََاءَنََا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنََا وَ قُلْنََا مََا نَزَّلَ اَللََّهُ مِنْ شَيْءٍ فيقولون لهم: إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ فِي ضَلاََلٍ كَبِيرٍ أي في عذاب شديد. 99-10913/ - ابن بابويه، قال: حدثنا علي بن أحمد (رحمه الله)، قال: حدثنا محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن يزيد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، أنه سأله رجل فقال: لأي شيء بعث الله الأنبياء و الرسل إلى الناس؟فقال: «لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، و لئلا يقولوا: ما جاءنا من بشير و لا نذير، و لتكون حجة الله عليهم، ألا تسمع قول الله عز و جل، يقول حكاية عن خزنة جهنم و احتجاجهم على أهل النار بالأنبياء و الرسل: أَ لَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ* `قََالُوا بَلىََ قَدْ جََاءَنََا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنََا وَ قُلْنََا مََا نَزَّلَ اَللََّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاََّ فِي ضَلاََلٍ كَبِيرٍ؟». }قوله تعالى: وَ قََالُوا لَوْ كُنََّا نَسْمَعُ -إلى قوله تعالى- فَسُحْقاً لِأَصْحََابِ اَلسَّعِيرِ [10-11] 10914/ -علي بن إبراهيم: وَ قََالُوا لَوْ كُنََّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مََا كُنََّا فِي أَصْحََابِ اَلسَّعِيرِ، قال: قد سمعوا و عقلوا، و لكنهم لم يطيعوا و لم يفعلوا، و الدليل على أنهم قد سمعوا و عقلوا و لم يقبلوا، قوله: فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحََابِ اَلسَّعِيرِ. 99-10915/ - (كتاب صفة الجنة و النار): عن سعيد بن جناح، قال: حدثني عوف بن عبد الله الأزدي، عن جابر ابن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في حديث يذكر فيه أهل النار: «فيقولون: إن عذبنا ربنا، لم يكن ظلمنا شيئا-قال-فيقول مالك: فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحََابِ اَلسَّعِيرِ أي بعدا لأصحاب السعير». قوله تعالى: وَ أَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اِجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ [13] 10916/ -علي بن إبراهيم، قال: بالضمائر. قوله تعالى: أَ لاََ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ [14] 99-10917/ - ابن بابويه، قال: حدثنا علي بن أحمد بن محمد بن عمران الدقاق (رحمه الله)، قال: حدثنا محمد ابن يعقوب الكليني، قال: حدثنا علي بن محمد، عن محمد بن عيسى، عن الحسين بن خالد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، قال: «إنما سمي الله بالعلم لغير علم حادث علم به الأشياء، و استعان به على حفظ ما يستقبل من أمره، و الرواية فيما يخلق[من خلقه]و بعينه ما مضى مما أفنى من خلقه مما لو لم يحضره ذلك العلم و يعنه كان جاهلا ضعيفا، كما أنا رأينا علماء الخلق إنما سموا بالعلم لعلم حادث إذ كانوا قبله جهلة، و ربما فارقهم العلم بالأشياء، فصاروا إلى الجهل، و إنما سمي الله عالما لأنه لا يجهل شيئا، و قد جمع الخالق و المخلوق[اسم العلم] و اختلف المعنى على ما رأيت. و أما اللطيف فليس على قلة و قضافة و صغر، و لكن ذلك على النفاذ في الأشياء، و الامتناع من أن يدرك، كقولك: لطف عن هذا الأمر، و لطف فلان في مذهبه، و قوله يخبرك أنه غمض فبهر العقل، و فات الطلب، و عاد متعمقا متلطفا لا يدركه الوهم، فهكذا لطف ربنا، تبارك و تعالى عن أن يدرك بحد أو يحد بوصف، و اللطافة منا الصغر و القلة، فقد جمعنا الاسم و اختلف المعنى. و أما الخبير فالذي لا يعزب عنه شيء، و لا يفوته شيء، ليس للتجربة و لا للاعتبار للأشياء فتفيده التجربة و الاعتبار علما لو لا هما ما علم، لأن من كان كذلك كان جاهلا، و الله لم يزل خبيرا بما يخلق، و الخبير من الناس المستخبر عن جهل المتعلم، و قد جمعنا الاسم و اختلف المعنى». 99-10918/ - و عنه، قال: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه (رحمه الله)، قال: حدثنا علي بن إبراهيم بن هاشم، عن المختار بن محمد بن المختار الهمداني، عن الفتح بن يزيد الجرجاني، عن أبي الحسن (عليه السلام) -في حديث-قال: فقولك: اللطيف الخبير فسره[لي]كما فسرت الواحد، فإني أعلم أن لطفه على خلاف لطف خلقه للفصل، غير أني أحب أن تشرح لي ذلك؟فقال: «يا فتح، إنما قلنا اللطيف، للخلق اللطيف، و لعلمه بالشيء اللطيف، أو لا ترى- وفقك الله و ثبتك-إلى أثر صنعه في النبات اللطيف و غير اللطيف و في[الخلق اللطيف]من الحيوان الصغار من البعوض و الجرجس و ما[هو]أصغر منهما مما لا تكاد تستبينه العيون، بل لا يكاد يستبان-لصغره-الذكر من الأنثى، و الحدث المولود من القديم، فلما رأينا صغر ذلك و لطفه، و اهتدائه للسفاد و الهرب من الموت، و الجمع لما يصلحه مما في لجج البحار و ما في لحاء الأشجار و المفاوز و القفار، و فهم بعضها عن بعض منطقها، و ما تفهم به أولادها عنها، و نقلها الغذاء إليها، ثم تأليف ألوانها حمرة مع صفرة و بياض مع حمرة، و ما لا تكاد عيوننا تستبينه بتمام خلقها، و لا تراه عيوننا، و لا تمسه أيدينا، علمنا أن خالق هذا الخلق لطيف، لطف في خلق ما سميناه بلا علاج و لا أداة و لا آلة، و أن كل صانع شيء فمن شيء صنع، و الله الخالق اللطيف خلق و صنع لا من شيء». قوله تعالى: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَنََاكِبِهََا [15] 10919/ -علي بن إبراهيم، قوله: هُوَ اَلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اَلْأَرْضَ ذَلُولاً أي فراشا فَامْشُوا فِي مَنََاكِبِهََا أي في أطرافها. قوله تعالى: أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلىََ وَجْهِهِ أَهْدىََ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلىََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ [22] 99-10920/ - محمد بن يعقوب: عن علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، قال: قلت: أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلىََ وَجْهِهِ أَهْدىََ أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلىََ صِرََاطٍ مُسْتَقِيمٍ؟قال: «إن الله ضرب مثلا من حاد عن ولاية علي (عليه السلام) كمن يمشي على وجهه، لا يهتدي لأمره، و جعل من تبعه سويا على صراط مستقيم، و الصراط المستقيم أمير المؤمنين (عليه السلام) ».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٥ - الصفحة ٤٣٥. — الإمام الصادق عليه السلام
حدثنا الحسن بن مهران، قال: حدثنا سلمة بن خالد، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه (عليهما السلام)، في قوله عز و جل: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قال

«مرض الحسن و الحسين (عليهما السلام) و هما صبيان صغيران، فعادهما رسول الله (صلى الله عليه و آله) و معه رجلان، فقال أحدهما: [يا أبا الحسن]لو نذرت في ابنيك نذرا لله، إن عافاهما؟فقال: أصوم ثلاثة أيام شكرا لله عز و جل، و كذلك قالت فاطمة (عليها السلام)، و قال الصبيان: و نحن أيضا نصوم ثلاثة أيام، و كذلك قالت جاريتهم فضة، فألبسهما الله العافية، فأصبحوا صائمين و ليس عندهم طعام. فانطلق علي (عليه السلام) إلى جار له من اليهود، يقال له شمعون، يعالج الصوف، فقال: هل لك أن تعطيني جزة من صوف تغزلها ابنة محمد بثلاثة أصوع من شعير؟قال: نعم، فأعطاه، فجاء بالصوف و الشعير، و أخبر فاطمة (عليها السلام) فقبلت و أطاعت، ثم عمدت فغزلت ثلث الصوف، ثم أخذت صاعا من الشعير فطحنته و عجنته، و خبزت من خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص. و صلى علي (عليه السلام) مع النبي (صلى الله عليه و آله) المغرب، ثم أتى منزله، فوضع الخوان و جلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي (عليه السلام) إذا مسكين واقف[بالباب]، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة، فوضع اللقمة من يده، ثم قال: فاطم ذات المجد و اليقين # يا بنت خير الناس أجمعين أما ترين البائس المسكين # جاء إلى الباب له حنين يشكو إلى الله و يستكين # يشكو إلينا جائعا حزين كل امرئ بكسبه رهين # من يفعل الخير يقف سمين موعده في جنة رهين # حرمها الله على الضنين و صاحب البخل يقف حزين # تهوي به النار إلى سجين شرابه الحميم و الغسلين # يمكث فيه الدهر و السنين فأقبلت فاطمة (عليها السلام) تقول: أمرك سمع يا بن عم و طاعة # ما بي من لؤم و لا وضاعه غذيت باللب و بالبراعة # أرجو إذا أشبعت في مجاعه أن ألحق الأخيار و الجماعه # و أدخل الجنة في شفاعة و عمدت إلى ما كان على الخوان فدفعته إلى المسكين، و باتوا جياعا، فأصبحوا صياما لم يذوقوا إلا الماء القراح ثم عمدت إلى الثلث الثاني من الصوف فغزلته، ثم أخذت صاعا من الشعير فطحنته و عجنته، و خبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد قرص، و صلى علي (عليه السلام) المغرب مع النبي (صلى الله عليه و آله)، ثم أتى إلى منزله، فلما وضع الخوان بين يديه و جلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي (عليه السلام) إذا يتيم من يتامى المسلمين قد وقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، أنا يتيم من يتامى المسلمين، أطعموني مما تأكلون أطعمكم الله على موائد الجنة، فوضع علي (عليه السلام) اللقمة من يده، ثم قال: فاطم بنت السيد الكريم # بنت نبي ليس بالزنيم قد جاءنا الله بذا اليتيم # من يرحم اليوم هو الرحيم موعده في جنة النعيم # حرمها الله على اللئيم و صاحب البخل يقف ذميم # تهوي به النار إلى الجحيم شرابه الصديد و الحميم فأقبلت فاطمة (عليها السلام) و هي تقول: فسوف أعطيه و لا ابالي # و أؤثر الله على عيالي أمسوا جياعا و هم أشبالي # أصغرهما يقتل في القتال في كربلا يقتل باغتيال # للقاتل الويل مع الوبال تهوي به النار إلى سفال # كبوله زادت على الأكبال ثم عمدت فأعطته جميع ما على الخوان، و باتوا جياعا لم يذوقوا إلا الماء القراح، فأصبحوا صياما، و عمدت فاطمة (عليها السلام) فغزلت الثلث الباقي من الصوف، و طحنت الصاع الباقي و عجنته، و خبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص، و صلى علي (عليه السلام) [المغرب]مع النبي (صلى الله عليه و آله)، ثم أتى منزله، فقرب إليه الخوان، فجلسوا خمستهم، فأول لقمة كسرها علي (عليه السلام) إذا أسير من أسراء المشركين قد وقف بالباب، فقال: السلام عليكم يا أهل بيت محمد، تأسروننا و تشدوننا و لا تطعموننا فوضع علي (عليه السلام) اللقمة من يده، ثم قال: فاطم يا بنت النبي أحمد # بنت نبي سيد مسود قد جاءك الأسير ليس يهتد # مكبلا في غله مقيد يشكو إلينا الجوع قد تقدد # من يطعم اليوم يجده في غد عند العلي الواحد الموحد # ما يزرع الزارع سوف يحصد فأطعمي من غير من أنكد فأقبلت فاطمة (عليها السلام) و هي تقول: لم يبق مما كان غير صاع # قد دبرت كفي مع الذراع شبلاي و الله هما جياع # يا رب لا تتركهما ضياع أبوهما للخير ذو اصطناع # عبل الذراعين طويل الباع و ما على رأسي من قناع # إلا عبا نسجتها بصاع و عمدوا إلى ما كان على الخوان فأعطوه، و باتوا جياعا، و أصبحوا مفطرين و ليس عندهم شيء». قال شعيب في حديثه: و أقبل علي (عليه السلام) بالحسن و الحسين (عليهما السلام) نحو رسول الله (صلى الله عليه و آله)، و هما يرتعشان كالفراخ من شدة الجوع، فلما بصر رسول الله (صلى الله عليه و آله) بهما قال: «يا أبا الحسن، شد ما يسؤني ما أرى بكم، انطلق إلى ابنتي فاطمة» فانطلقوا[إليها]و هي في محرابها، قد لصق بطنها بظهرها من شدة الجوع و غارت عيناها، فلما رآها رسول الله (صلى الله عليه و آله) ضمها إليه، و قال: وا غوثاه، أنتم منذ ثلاث فيما أرى!فهبط جبرئيل (عليه السلام)، فقال: يا محمد، خذها هنأ لك في أهل بيتك. فقال: و ما آخذ يا جبرئيل؟قال: هَلْ أَتىََ عَلَى اَلْإِنْسََانِ حِينٌ مِنَ اَلدَّهْرِ حتى بلغ إِنَّ هََذََا كََانَ لَكُمْ جَزََاءً وَ كََانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً. و قال الحسن بن مهران في حديثه: فوثب النبي (صلى الله عليه و آله) حتى دخل منزل فاطمة (عليها السلام)، فرأى ما بهم فجمعهم، ثم انكب عليهم يبكي، و يقول: «أنتم منذ ثلاث فيما أرى و أنا غافل عنكم». فهبط عليه جبرئيل (عليه السلام) بهذه الآيات إِنَّ اَلْأَبْرََارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كََانَ مِزََاجُهََا كََافُوراً* `عَيْناً يَشْرَبُ بِهََا عِبََادُ اَللََّهِ يُفَجِّرُونَهََا تَفْجِيراً قال: هي عين في دار النبي (صلى الله عليه و آله) تتفجر إلى دور الأنبياء و المؤمنين يُوفُونَ بِالنَّذْرِ يعني عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و جاريتهم فضة وَ يَخََافُونَ يَوْماً كََانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً يقول عابسا كلوحا وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلىََ حُبِّهِ يقول: على حب شهوتهم للطعام و إيثارهم له مِسْكِيناً من مساكين المسلمين وَ يَتِيماً من يتامى المسلمين وَ أَسِيراً من أسارى المشركين، و يقولون إذا أطعموهم: إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ لاََ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزََاءً وَ لاََ شُكُوراً، قال: و الله ما قالوا هذا، [لهم]و لكنهم أضمروه في أنفسهم، فأخبر الله بإضمارهم. يقول: لاََ نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزََاءً تكافؤننا به وَ لاََ شُكُوراً تثنون علينا به، و لكنا إِنَّمََا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اَللََّهِ و طلب ثوابه، }قال الله تعالى ذكره: فَوَقََاهُمُ اَللََّهُ شَرَّ ذََلِكَ اَلْيَوْمِ وَ لَقََّاهُمْ نَضْرَةً وَ سُرُوراً في القلوب وَ جَزََاهُمْ بِمََا صَبَرُوا جَنَّةً جنة يسكنونها وَ حَرِيراً يفرشونه و يلبسونه} مُتَّكِئِينَ فِيهََا عَلَى اَلْأَرََائِكِ و الأريكة: السرير عليه الحجلة لاََ يَرَوْنَ فِيهََا شَمْساً وَ لاََ زَمْهَرِيراً، قال ابن عباس: فبينا أهل الجنة في الجنة إذا رأوا مثل الشمس[قد]أشرقت لها الجنان، فيقول أهل الجنة: يا رب، إنك قلت في كتابك: لاََ يَرَوْنَ فِيهََا شَمْساً وَ لاََ زَمْهَرِيراً فيرسل الله جل اسمه إليهم جبرئيل (عليه السلام) فيقول: ليس هذه بشمس، و لكن عليا و فاطمة ضحكا، فأشرقت الجنان من نور ضحكهما، و نزلت هَلْ أَتىََ فيهم، إلى قوله تعالى: وَ كََانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً. قلت: القصة رواها الخاص و العام معلومة عندهم بأنها نزلت في علي و أهل بيته (عليهم السلام) فالتشاغل بذكرها بأسانيد المخالفين يطول بها الكتاب. 99-11276/ - محمد بن العباس، قال: حدثنا أحمد بن محمد الكاتب، عن الحسن بن بهرام، عن عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن المسعودي، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن الحارث المكتب، عن أبي كثير الزبيدي، عن عبد الله بن العباس (رضي الله عنه)، قال: مرض الحسن و الحسين (عليهما السلام)، فنذر علي و فاطمة (عليهما السلام) و الجارية نذرا إن برئا صاموا ثلاثة أيام شكرا، فبرئا، فوفوا بالنذر و صاموا، فلما كان أول يوم قامت الجارية و جرشت شعيرا، فخبزت منه خمسة أقراص، لكل واحد منهم قرص، فلما كان وقت الفطر جائت الجارية بالمائدة فوضعتها بين أيديهم، فلما مدوا أيديهم ليأكلوا و إذا مسكين بالباب يقول: يا أهل بيت محمد، مسكين آل فلان بالباب، فقال علي (عليه السلام): «لا تأكلوا و آثروا المسكين». فلما كان اليوم الثاني فعلت الجارية كما فعلت في اليوم الأول، فلما وضعت المائدة بين أيديهم ليأكلوا، فإذا يتيم بالباب و هو يقول: يا أهل بيت النبوة و معدن الرسالة، يتيم آل فلان بالباب، فقال علي (عليه السلام): «لا تأكلوا شيئا و أطعموا اليتيم». قال: ففعلوا. فلما كان في اليوم الثالث و فعلت الجارية كما فعلت في اليومين، فلما جاءت الجارية بالمائدة فوضعتها، فمدوا أيديهم ليأكلوا، و إذا شيخ كبير يصيح بالباب: يا أهل بيت محمد، تأسروننا و لا تطعموننا. قال: فبكى علي (عليه السلام) بكاء شديدا، و قال: «يا بنت محمد، إني أحب أن يراك الله و قد آثرت هذا الأسير على نفسك و أشبالك». فقالت: «سبحان الله، ما أعجب ما نحن فيه معك، ألا ترجع إلى الله في هؤلاء الصبية الذين صنعت بهم ما صنعت، و هؤلاء إلى متى يصبرون صبرنا». فقال لها علي (عليه السلام): «فالله يصبرك و يصبرهم، و يأجرنا إن شاء الله تعالى، و به نستعين، و عليه نتوكل، و هو حسبنا و نعم الوكيل، اللهم بدلنا بما فاتنا من طعامنا هذا ما هو خير منه، و اشكر لنا صبرنا و لا تنسه لنا، إنك رحيم كريم». فأعطوه الطعام. و بكر إليهم النبي (صلى الله عليه و آله) في اليوم الرابع، فقال: «ما كان من خبركم في أيامكم هذه؟» فأخبرته فاطمة (عليها السلام) بما كان، فحمد الله و شكره و أثنى عليه، و ضحك إليهم، و قال: «خذوا هنأكم الله و بارك عليكم و بارك لكم قد هبط علي جبرئيل من عند ربي و هو يقرأ عليكم السلام، و قد شكر ما كان منكم، و أعطى فاطمة سؤلها، و أجاب دعوتها، و تلا عليهم إِنَّ اَلْأَبْرََارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كََانَ مِزََاجُهََا كََافُوراً إلى قوله: إِنَّ هََذََا كََانَ لَكُمْ جَزََاءً وَ كََانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُوراً ». قال: و ضحك النبي (صلى الله عليه و آله) و قال: «إن الله قد أعطاكم نعيما لا ينفد و قرة عين أبد الآبدين، هنيئا لكم يا بيت النبي بالقرب من الرحمن، مسكنكم معه في دار الجلال و الجمال، و يكسوكم من السندس و الإستبرق و الأرجوان، و يسقيكم الرحيق المختوم من الولدان، فأنتم أقرب الخلق من الرحمن، تأمنون إذا فزع الناس، و تفرحون إذا حزن الناس، و تسعدون إذا شقي الناس، فأنتم في روح و ريحان، و في جوار الرب العزيز الجبار و هو راض عنكم غير غضبان، قد أمنتم العقاب و رضيتم الثواب، تسألون فتعطون، و تتحفون فترضون، و تشفعون فتشفعون، طوبى لمن كان معكم، و طوبى لمن أعزكم إذا خذلكم الناس، و أعانكم إذا جفاكم الناس، و آواكم إذا طردكم الناس، و نصركم إذا قتلكم الناس، الويل لكم من أمتي، و الويل لأمتي من الله». ثم قبل فاطمة و بكى، و قبل جبهة علي (عليها السلام) و بكى، و ضم الحسن و الحسين إلى صدره و بكى، و قال: «الله خليفتي عليكم في المحيا و الممات، و أستودعكم الله و هو خير مستودع، حفظ الله من حفظكم، و وصل الله من وصلكم، و أعان الله من أعانكم، و خذل الله من خذلكم و أخافكم، أنا لكم سلف و أنتم عن قليل[بي]لاحقون، و المصير إلى الله، و الوقوف بين يدي الله عز و جل، و الحساب على الله لِيَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَسََاؤُا بِمََا عَمِلُوا وَ يَجْزِيَ اَلَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ». 99-11277/ - محمد بن يعقوب: عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن أحمد، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن (عليه السلام)، في قول الله عز و جل: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ قال: «يوفون بالنذر الذي أخذ عليهم من ولايتنا». 99-11278/ - و عنه: عن علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، قال: قلت: قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخََافُونَ يَوْماً كََانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً؟قال: «يوفون[لله]بالنذر الذي أخذ عليهم[في الميثاق]من ولايتنا». 99-11279/ - و رواه الصفار في (بصائر الدرجات): بهذا الاسناد، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، قلت: قوله تعالى: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ؟قال: «يوفون لله بالنذر الذي أخذ عليهم في الميثاق من ولايتنا». 99-11280/ - محمد بن يعقوب: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن أبي المغرا، عن أبي بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت له: وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلىََ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً؟قال: «ليس من الزكاة». 99-11281/ - و عنه: عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: «ينبغي للرجل أن يوسع على عياله لئلا يتمنوا موته، و تلا هذه الآية وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلىََ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً الأسير عيال الرجل، ينبغي للرجل إذا زيد في النعمة أن يزيد أسراءه في السعة عليهم». ثم قال: «إن فلانا أنعم الله عليه بنعمة فمنعها أسراءه و جعلها عند فلان، فذهب الله بها». قال معمر: و كان فلان حاضرا. 99-11282/ - أحمد بن محمد بن خالد البرقي: عن أبيه، عن معمر بن خلاد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، في قوله تعالى: وَ يُطْعِمُونَ اَلطَّعََامَ عَلىََ حُبِّهِ مِسْكِيناً، قال: قلت: حب الله أو حب الطعام؟ قال: «حب الطعام». قوله تعالى: وَ دََانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاََلُهََا وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُهََا تَذْلِيلاً -إلى قوله تعالى- وَ سَقََاهُمْ رَبُّهُمْ شَرََاباً طَهُوراً [14-21] 99-11283/ - محمد بن يعقوب: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن محمد بن إسحاق المدني، عن أبي جعفر (عليه السلام)، في قوله عز و جل: وَ إِذََا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً: «يعني بذلك ولي الله و ما[هو]فيه من الكرامة و النعيم و الملك العظيم الكبير، إن الملائكة من رسل الله عز ذكره يستأذنون عليه فلا يدخلون عليه إلا باذنه، فذلك الملك العظيم الكبير، و قال: على باب الجنة شجرة، إن الورقة منها ليستظل تحتها ألف رجل من الناس، و عن يمين الشجرة عين مطهرة مزكية، قال: فيسقون منها شربة فيطهر الله بها قلوبهم من الحسد، و تسقط من أبشارهم الشعر، و ذلك قول الله عز و جل: وَ سَقََاهُمْ رَبُّهُمْ شَرََاباً طَهُوراً. قال: و الثمار دانية منهم، و هو قوله عز و جل: وَ دََانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلاََلُهََا وَ ذُلِّلَتْ قُطُوفُهََا تَذْلِيلاً من قربها منهم يتناول المؤمن من النوع الذي يشتهيه من الثمار بفيه و هو متكئ». 99-11284/ - ابن بابويه: عن أبيه، قال: حدثنا سعد بن عبد الله، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن يزيد بن إسحاق، عن عباس بن يزيد، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) و كنت عنده غداة ذات يوم: أخبرني عن قول الله عز و جل: وَ إِذََا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً، ما هذا الملك الذي كبره الله حتى سماه كبيرا؟قال: فقال لي: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، أرسل الله رسولا إلى ولي من أوليائه، فيجد الحجبة على بابه، فتقول له: قف حتى نستأذن لك، فما يصل[إليه]رسول ربه إلا باذنه، فهو قوله عز و جل: وَ إِذََا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَ مُلْكاً كَبِيراً ». قوله تعالى: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ تَنْزِيلاً [23] 99-11285/ - محمد بن يعقوب: عن علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، قلت: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ تَنْزِيلاً؟قال: «بولاية علي تنزيلا» قلت: هذا تنزيل؟قال: «لا، ذا تأويل». قوله تعالى: إِنَّ هََذِهِ تَذْكِرَةٌ -إلى قوله تعالى- وَ اَلظََّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذََاباً أَلِيماً [29-31] 99-11286/ - محمد بن يعقوب: عن علي بن محمد، عن بعض أصحابنا، عن ابن محبوب، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام)، قلت: إِنَّ هََذِهِ تَذْكِرَةٌ؟قال: «الولاية» قلت: يُدْخِلُ مَنْ يَشََاءُ فِي رَحْمَتِهِ؟قال: «في ولايتنا». 99-11287/ - سعد بن عبد الله: عن أحمد بن محمد السياري، قال: حدثني غير واحد من أصحابنا، عن أبي الحسن الثالث (عليه السلام)، قال: «إن الله تبارك و تعالى جعل قلوب الأئمة (عليهم السلام) موارد لإرادته، و إذا شاء شيئا شاءوه، و هو قوله تعالى: وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ ».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٥ - الصفحة ٥٤٩. — فاطمة الزهراء عليها السلام
- و عنه: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن ابن أبي نجران عن صفوان الجمال، قال: صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) المغرب، فقرأ بالمعوذتين في الركعتين. 99-12077/ - علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن بكر بن محمد، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال

«كان سبب نزول المعوذتين أنه وعك رسول الله (صلى الله عليه و آله) فنزل عليه جبرئيل (عليه السلام) بهاتين السورتين فعوذه بهما». 99-12078/ - و عنه: عن علي بن الحسين، عن أحمد بن أبي عبد الله، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إن ابن مسعود كان يمحو المعوذتين من المصحف، فقال (عليه السلام): «كان أبي يقول: إنما فعل ذلك ابن مسعود برأيه، و هما من القرآن». 99-12079/ - الطبرسي، قال: في حديث أبي: من قرأ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلْفَلَقِ و قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنََّاسِ فكأنما قرأ جميع الكتب التي أنزلها الله على الأنبياء. 99-12080/ - و عن عقبة بن عامر، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «أنزلت علي آيات لم ينزل مثلهن: المعوذتان». أورده مسلم في (الصحيح). 99-12081/ - و عنه: عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «يا عقبة، ألا أعلمك سورتين هما أفضل القرآن؟». قلت: بلى يا رسول الله، فعلمني المعوذتين، ثم قرأ بهما في صلاة الغداة، و قال: «اقرأهما كلما قمت و نمت». 99-12082/ - و عن أبي عبيدة الحذاء، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «من أوتر بالمعوذتين و قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ قيل له: يا عبد الله، أبشر، فقد قبل الله و ترك». 99-12083/ - و عن الفضيل بن يسار، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: «إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) اشتكى شكوة شديدة، و وجع وجعا شديدا، فأتاه جبرئيل و ميكائيل (عليهما السلام)، فقعد جبرئيل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه، فعوذة جبرئيل ب قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلْفَلَقِ و عوذة ميكائيل بـ قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنََّاسِ ». 99-12084/ - و عن أبي خديجة، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: «جاء جبرئيل إلى النبي (صلى الله عليه و آله) و هو شاك، فرقاه بالمعوذتين و قُلْ هُوَ اَللََّهُ أَحَدٌ و قال: بسم الله أرقيك، و الله يشفيك من كل داء يؤذيك، خذها فلتهنئك». 99-12085/ - و عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا قرأت قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلْفَلَقِ فقل في نفسك: أعوذ برب الفلق، و إذا قرأت قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ اَلنََّاسِ قل في نفسك: أعوذ برب الناس». 99-12086/ - الشيخ أحمد بن علي بن أبي طالب الطبرسي، في كتاب (الاحتجاج)، قال: جاء بعض الزنادقة إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) و قال له: لو لا ما في القرآن من الاختلاف و التناقض لدخلت في دينكم. فقال له علي (عليه السلام): «و ما هو؟». قال: قوله تعالى: نَسُوا اَللََّهَ فَنَسِيَهُمْ، و قوله تعالى: فَالْيَوْمَ نَنْسََاهُمْ كَمََا نَسُوا لِقََاءَ يَوْمِهِمْ هََذََا، و قوله تعالى: وَ مََا كََانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، و قوله تعالى: يَوْمَ يَقُومُ اَلرُّوحُ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ صَفًّا لاََ يَتَكَلَّمُونَ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ قََالَ صَوََاباً، و قوله تعالى: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ، و قوله تعالى: يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، و قوله تعالى: إِنَّ ذََلِكَ لَحَقٌّ تَخََاصُمُ أَهْلِ اَلنََّارِ، و قوله تعالى: لاََ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ، و قوله تعالى: اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىََ أَفْوََاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنََا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ، و قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ* `إِلىََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ، و قوله تعالى: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ، و قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىََ* `عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهىََ، و قوله تعالى: لاََ تَنْفَعُ اَلشَّفََاعَةُ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ الآيتين، و قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً، و قوله تعالى: كَلاََّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، و قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، و قوله تعالى: بَلْ هُمْ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ كََافِرُونَ، و قوله تعالى: فَأَعْقَبَهُمْ نِفََاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلىََ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ، و قوله تعالى: فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ، و قوله تعالى: وَ رَأَى اَلْمُجْرِمُونَ اَلنََّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوََاقِعُوهََا، و قوله تعالى: وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ، و قوله تعالى: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ، وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ. قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): «فأما قوله تعالى: نَسُوا اَللََّهَ فَنَسِيَهُمْ إنما يعني نسوا الله في دار الدنيا، لم يعملوا بطاعته فنسيهم في الآخرة، أي لم يجعل لهم من ثوابه شيئا، فصاروا منسيين من الخير، و كذلك تفسير قوله عز و جل: فَالْيَوْمَ نَنْسََاهُمْ كَمََا نَسُوا لِقََاءَ يَوْمِهِمْ هََذََا يعني بالنسيان أنه لم يثبهم كما يثيب أولياءه الذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين حين آمنوا به و برسوله، و خافوه بالغيب. و أما قوله تعالى: وَ مََا كََانَ رَبُّكَ نَسِيًّا، فإن ربنا تبارك و تعالى علوا كبيرا، ليس بالذي ينسى، و لا يغفل، بل هو الحفيظ العليم، و قد تقول العرب: نسينا فلان فلا يذكرنا، أي إنه لا يأمر لهم بخير و لا يذكرهم به». قال (عليه السلام): «و أما قوله عز و جل: يَوْمَ يَقُومُ اَلرُّوحُ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ صَفًّا لاََ يَتَكَلَّمُونَ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ قََالَ صَوََاباً، و قوله عز و جل: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ، و قوله عز و جل: يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، و قوله عز و جل يوم القيامة: إِنَّ ذََلِكَ لَحَقٌّ تَخََاصُمُ أَهْلِ اَلنََّارِ، و قوله عز و جل: لاََ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، و قوله عز و جل: اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىََ أَفْوََاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنََا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ فإن ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، المراد يكفر أهل المعاصي بعضهم ببعض، و يلعن بعضهم بعضا. و الكفر في هذه الآية البراءة، يقول: فيبرأ بعضهم من بعض، و نظيرها في سورة إبراهيم، قول الشيطان: إِنِّي كَفَرْتُ بِمََا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ، و قول إبراهيم خليل الرحمن: كَفَرْنََا بِكُمْ، يعني تبرأنا منكم، ثم يجتمعون في مواطن أخر يبكون فيها، فلو أن تلك الأصوات فيها بدت لأهل الدنيا لأزالت جميع الخلق عن معايشهم و انصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله، و لا يزالون يبكون حتى يستنفدوا الدموع و يفضوا إلى الدماء، ثم يجتمعون في مواطن أخر فيستنطقون فيه، فيقولون: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ، و هؤلاء خاصة هم المقرون في دار الدنيا بالتوحيد، فلا ينفعهم إيمانهم بالله تعالى مع مخالفتهم رسله، و شكهم فيما أتوا به عن ربهم، و نقضهم عهودهم في أوصيائهم، و استبدالهم الذي هو أدنى بالذي هو خير، فكذبهم الله فيما انتحلوه من الإيمان، بقوله عز و جل: اُنْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلىََ أَنْفُسِهِمْ، فيختم الله على أفواههم، و يستنطق الأيدي و الأرجل و الجلود، فتشهد بكل معصية كانت منهم، ثم يرفع عن ألسنتهم الختم، فيقولون لجلودهم: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنََا قََالُوا أَنْطَقَنَا اَللََّهُ اَلَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ. ثم يجتمعون في موطن آخر، فيفر بعضهم من بعض لهول ما يشاهدونه من صعوبة الأمر و عظم البلاء، فذلك قوله عز و جل: يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* `وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ* `وَ صََاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ الآية، ثم يجتمعون في موطن آخر يستنطق فيه أولياء الله و أصفياؤه، فلا يتكلم أحد إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا، فيقام الرسل فيسألون عن تأدية الرسالات التي حملوها إلى أممهم، فأخبروا أنهم قد أدوا ذلك إلى أممهم، و تسأل الأمم فتجحد، كما قال الله تعالى: فَلَنَسْئَلَنَّ اَلَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَ لَنَسْئَلَنَّ اَلْمُرْسَلِينَ، فيقولون: ما جاءنا من بشير و لا نذير، فتشهد الرسل رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فيشهد بصدق الرسل و تكذيب من جحدها من الأمم، فيقول لكل امة منهم: بلى قد جاءكم بشير و نذير و الله على كل شيء قدير، أي مقتدر على شهادة جوارحكم عليكم بتبليغ الرسل إليكم رسالاتهم، و لذلك قال الله تعالى لنبيه: فَكَيْفَ إِذََا جِئْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنََا بِكَ عَلىََ هََؤُلاََءِ شَهِيداً، فلا يستطيعون رد شهادته خوفا من أن يختم على أفواههم، و أن تشهد عليهم جوارحهم بما كانوا يعملون، و يشهد على منافقي قومه و أمته و كفارهم بإلحادهم و عنادهم، و نقضهم عهوده، و تغييرهم سنته، و اعتدائهم على أهل بيته، و انقلابهم على أعقابهم، و ارتدادهم على أدبارهم، و احتذائهم في ذلك سنة من تقدمهم من الأمم الظالمة الخائنة لأنبيائها، فيقولون بأجمعهم: رَبَّنََا غَلَبَتْ عَلَيْنََا شِقْوَتُنََا وَ كُنََّا قَوْماً ضََالِّينَ. ثم يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمد (صلى الله عليه و آله)، و هو المقام المحمود، فيثني على الله عز و جل بما لم يثن عليه أحد قبله، ثم يثني على الملائكة كلهم، فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه محمد (صلى الله عليه و آله)، ثم يثني على الأنبياء بما لم يثن عليهم أحد مثله، ثم يثني على كل مؤمن و مؤمنة، يبدأ بالصديقين و الشهداء ثم الصالحين، فيحمده أهل السماوات و أهل الأرضين، فذلك قوله تعالى: عَسىََ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقََاماً مَحْمُوداً، فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حظ و نصيب، و ويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ و لا نصيب. ثم يجتمعون في موطن آخر و يزال بعضهم عن بعض، و هذا كله قبل الحساب، فإذا أخذ في الحساب، شغل كل إنسان بما لديه، نسأل الله بركة ذلك اليوم». قال (عليه السلام): «و أما قوله تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ* `إِلىََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء الله عز و جل بعد ما يفرغ من الحساب إلى نهر يسمى الحيوان، فيغتسلون فيه، و يشربون من آخر، فتبيض وجوههم، فيذهب عنهم كل أذى و قذى و وعث، ثم يؤمرون بدخول الجنة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم كيف يثيبهم، و منه يدخلون الجنة، فذلك قول الله عز و جل في تسليم الملائكة عليهم: سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ، فعند ذلك أثيبوا بدخول الجنة، و النظر إلى ما وعدهم الله عز و جل، و ذلك قوله تعالى: إِلىََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ، و الناظرة في بعض اللغة هي المنتظرة، ألم تسمع إلى قوله تعالى: فَنََاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ اَلْمُرْسَلُونَ، أي منتظرة بم يرجع المرسلون. و أما قوله تعالى: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىََ* `عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهىََ، يعني محمدا (صلى الله عليه و آله) حين كان عند سدرة المنتهى حيث لا يجاوزها خلق من خلق الله عز و جل، قوله في آخر الآية: مََا زََاغَ اَلْبَصَرُ وَ مََا طَغىََ * `لَقَدْ رَأىََ مِنْ آيََاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرىََ، رأى جبرئيل في صورته مرتين، هذه المرة، و مرة أخرى و ذلك أن خلق جبرئيل خلق عظيم، فهو من الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم و لا صفتهم إلا الله رب العالمين». قال (عليه السلام): «و أما قوله تعالى: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ كذلك قال الله تعالى، قد كان الرسول يوحي إليه رسل السماء، فتبلغ رسل السماء إلى رسل الأرض، و قد كان الكلام بين رسل أهل الأرض و بينه، من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السماء، و قد قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا جبرئيل، هل رأيت ربك؟فقال جبرئيل: إن ربي لا يرى. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من أين تأخذ الوحي؟قال: آخذه من إسرافيل. قال: و من أين يأخذه إسرافيل؟قال: يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين. قال: و من أين يأخذه ذلك الملك؟قال: يقذف في قلبه قذفا. فهذا وحي، و هو كلام الله عز و جل، و كلام الله عز و جل ليس بنحو واحد، منه ما كلم الله به الرسل، و منه ما قذف في قلوبهم، و منه رؤيا يريها الرسل، و منه وحي و تنزيل يتلى و يقرأ، فهو كلام الله عز و جل». قال (عليه السلام): «و أما قوله تعالى: كَلاََّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، فإنما يعني[به]يوم القيامة عن ثواب ربهم لمحجوبون، و قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ يخبر محمدا (صلى الله عليه و آله) عن المشركين و المنافقين الذين لم يستجيبوا لله و لرسوله، فقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ حيث لم يستجيبوا لله و لرسوله، أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ، يعني بذلك العذاب يأتيهم في دار الدنيا كما عذبت القرون الأولى، فهذا خبر يخبر به النبي (صلى الله عليه و آله) عنهم، ثم قال: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ الآية، يعني لم تكن آمنت من قبل أن تأتي هذه الآية، و هذه الآية هي طلوع الشمس من مغربها، و قال في آية أخرى: فَأَتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا يعني أرسل عليهم عذابا، و كذلك إتيانه بنيانهم، حيث قال: فَأَتَى اَللََّهُ بُنْيََانَهُمْ مِنَ اَلْقَوََاعِدِ يعني أرسل عليهم العذاب». و قال (عليه السلام): «و أما قوله عز و جل: بَلْ هُمْ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ كََافِرُونَ، و قوله تعالى: اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ، و قوله تعالى: إِلىََ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ، و قوله تعالى: فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صََالِحاً، يعني البعث، سماه الله تعالى لقاء، و كذلك قوله تعالى: مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ، يعني من كان يؤمن أنه مبعوث فإن وعد الله لآت من الثواب و العقاب، فاللقاء ها هنا ليس بالرؤية، و اللقاء هو البعث، و كذلك تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاََمٌ يعني أنه لا يزول الإيمان عن قلوبهم يوم يبعثون». قال (عليه السلام): «و أما قوله عز و جل: وَ رَأَى اَلْمُجْرِمُونَ اَلنََّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوََاقِعُوهََا يعني تيقنوا أنهم يدخلونها، و كذلك قوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاََقٍ حِسََابِيَهْ، و أما قوله عز و جل للمنافقين: وَ تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا فهو ظن شك و ليس ظن يقين، و الظن ظنان: ظن شك و ظن يقين، فما كان من أمر المعاد من الظن فهو ظن يقين، و ما كان من أمر الدنيا من الظن فهو ظن شك». قال (عليه السلام): «و أما قوله عز و جل: وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ فَلاََ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً فهو ميزان العدل، يؤخذ به الخلائق يوم القيامة، يديل الله تبارك و تعالى الخلائق بعضهم من بعض، و يجزيهم بأعمالهم، و يقتص للمظلوم من الظالم. و معنى قوله عز و جل: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ فهو قلة الحساب و كثرته، و الناس يومئذ على طبقات و منازل، فمنهم من يحاسب حسابا يسيرا و ينقلب إلى أهله مسرورا، و منهم الذين يدخلون الجنة بغير حساب لأنهم لم يتلبسوا من أمر الدنيا بشيء، و إنما الحساب هناك على من تلبس بها ها هنا، و منهم من يحاسب على النقير و القطمير و يصير إلى عذاب السعير، و منهم أئمة الكفر و قادة الضلالة، فأولئك لا يقيم لهم وزنا، و لا يعبأ بهم، لأنهم لم يعبأوا بأمره و نهيه، يوم القيامة هم في جهنم خالدون، تلفح وجوههم النار، و هم فيها كالحون». و من سؤال هذا الزنديق أن قال: أجد الله يقول: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ و اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا و اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ طَيِّبِينَ و ما أشبه ذلك، فمرة يجعل الفعل لنفسه، و مرة لملك الموت، و مرة للملائكة، و أجده يقول: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصََّالِحََاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلاََ كُفْرََانَ لِسَعْيِهِ، و يقول: وَ إِنِّي لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً ثُمَّ اِهْتَدىََ و أعلم في الآية الاولى أن الأعمال الصالحة لا تكفر، و أعلم في الثانية أن الإيمان و الأعمال الصالحة لا تنفع إلا بعد الاهتداء. و أجده يقول: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنََا فكيف يسأل الحي الأموات قبل البعث و النشور؟ و أجده يقول: إِنََّا عَرَضْنَا اَلْأَمََانَةَ عَلَى اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ وَ اَلْجِبََالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهََا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهََا وَ حَمَلَهَا اَلْإِنْسََانُ إِنَّهُ كََانَ ظَلُوماً جَهُولاً فما هذه الأمانة، و من هذا الإنسان، و ليس من صفة العزيز الحكيم التلبيس على عباده؟ و أجده قد شهر هفوات أنبيائه بقوله: وَ عَصىََ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىََ، و بتكذيبه نوحا لما قال: إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي، بقوله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ، و بوصفه إبراهيم بأنه عبد كوكبا مرة، و مرة قمرا، و مرة شمسا، و بقوله في يوسف: وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِهََا لَوْ لاََ أَنْ رَأىََ بُرْهََانَ رَبِّهِ و بتهجينه موسى حيث قال: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قََالَ لَنْ تَرََانِي الآية، و ببعثه على داود جبرئيل و ميكائيل حيث تسوروا المحراب إلى آخر القصة، و بحبسه يونس في بطن الحوت حيث ذهب مغاضبا مذنبا، و أظهر خطأ الأنبياء و زللهم، و وارى اسم من اغتر و فتن خلقه و ضل و أضل، و كنى عن أسمائهم في قوله: وَ يَوْمَ يَعَضُّ اَلظََّالِمُ عَلىََ يَدَيْهِ يَقُولُ يََا لَيْتَنِي اِتَّخَذْتُ مَعَ اَلرَّسُولِ سَبِيلاً* `يََا وَيْلَتىََ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاََناً خَلِيلاً* `لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ اَلذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جََاءَنِي فمن هذا الظالم الذي لم يذكر من اسمه ما ذكر من أسماء الأنبياء؟ و أجده يقول: وَ جََاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا و هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ، وَ لَقَدْ جِئْتُمُونََا فُرََادىََ فمرة يجيئهم، و مرة يجيئونه. و أجده يخبر أنه يتلو نبيه شاهد منه، كأن الذي تلاه عبد الأصنام برهة من دهره. و أجده يقول: ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ اَلنَّعِيمِ، فما هذا النعيم الذي يسأل العباد عنه؟و أجده يقول: بَقِيَّتُ اَللََّهِ خَيْرٌ لَكُمْ ما هذه البقية؟ و أجده يقول: يََا حَسْرَتىََ عَلىََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ و فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ و كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ و وَ أَصْحََابُ اَلْيَمِينِ مََا أَصْحََابُ اَلْيَمِينِ و وَ أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ مََا أَصْحََابُ اَلشِّمََالِ ما معنى الجنب و الوجه و اليمين و الشمال؟فإن الأمر في ذلك ملتبس جدا. و أجده يقول: اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىََ و يقول: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ و وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمََاءِ إِلََهٌ وَ فِي اَلْأَرْضِ إِلََهٌ و وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ و وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ و مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوىََ ثَلاََثَةٍ إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ الآية. و أجده يقول: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتََامىََ فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ، و ليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، و لا كل النساء أيتام، فما معنى ذلك؟ و أجده يقول: وَ مََا ظَلَمُونََا وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، فكيف يظلم الله، و من هؤلاء الظلمة؟ و أجده يقول: قُلْ إِنَّمََا أَعِظُكُمْ بِوََاحِدَةٍ فما هذه الواحدة؟ و أجده يقول: وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ، و قد أرى مخالفي الإسلام معتكفين على باطلهم غير مقلعين عنه، و أرى غيرهم من أهل الفساد مختلفين في مذاهبهم يلعن بعضهم بعضا، فأي موضع للرحمة العامة لهم، المشتملة عليهم؟ و أجده قد بين فضل نبيه على سائر الأنبياء، ثم خاطبه في أضعاف ما أثنى عليه في الكتاب من الإزراء عليه و انخفاض محله، و غير ذلك من تهجينه و تأنيبه ما لم يخاطب به أحدا من الأنبياء، مثل قوله: وَ لَوْ شََاءَ اَللََّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى اَلْهُدىََ فَلاََ تَكُونَنَّ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ و قوله: وَ لَوْ لاََ أَنْ ثَبَّتْنََاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً* إِذاً لَأَذَقْنََاكَ ضِعْفَ اَلْحَيََاةِ وَ ضِعْفَ اَلْمَمََاتِ ثُمَّ لاََ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنََا نَصِيراً، و قوله تعالى: وَ تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اَللََّهُ مُبْدِيهِ وَ تَخْشَى اَلنََّاسَ وَ اَللََّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشََاهُ، و قوله: وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ، و قال: مََا فَرَّطْنََا فِي اَلْكِتََابِ مِنْ شَيْءٍ، وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنََاهُ فِي إِمََامٍ مُبِينٍ فإذا كانت الأشياء تحصى في الإمام المبين و هو وصي النبي، فالنبي أولى أن يكون بعيدا من الصفة التي قال فيها: وَ مََا أَدْرِي مََا يُفْعَلُ بِي وَ لاََ بِكُمْ و هذه كلها صفات مختلفة، و أحوال متناقضة، و أمور مشكلة، فإن يكن الرسول و الكتاب حقا، فقد هلكت لشكي في ذلك، و إن كانا باطلين فما علي من بأس! فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): «سبوح قدوس رب الملائكة و الروح، تبارك و تعالى هو الحي الدائم القائم على كل نفس بما كسبت، هات أيضا ما شككت فيه؟». قال: حسبي ما ذكرت، يا أمير المؤمنين. قال علي (عليه السلام): «سأنبئك بتأويل ما سألت عنه، و ما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت و إليه أنيب، و عليه فليتوكل المتوكلون. فأما قوله تعالى: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا، و قوله عز و جل: يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ و تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا و اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ طَيِّبِينَ و اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ فهو تبارك و تعالى أجل و أعظم من أن يتولى ذلك بنفسه، و فعل رسله و ملائكته فعله، لأنهم بأمره يعملون، فاصطفى جل ذكره من الملائكة رسلا و سفرة بينه و بين خلقه، و هم الذين قال الله فيهم: اَللََّهُ يَصْطَفِي مِنَ اَلْمَلاََئِكَةِ رُسُلاً وَ مِنَ اَلنََّاسِ، فمن كان من أهل الطاعة، تولت قبض روحه ملائكة الرحمة، و من كان من أهل المعصية تولت قبض روحه ملائكة النقمة، و لملك الموت أعوان من ملائكة الرحمة و النقمة، يصدرون عن أمره، و فعلهم فعله، و كل ما يأتون به منسوب إليه، و إذا كان فعلهم فعل ملك الموت، ففعل ملك الموت فعل الله، لأنه يتوفى الأنفس على يد من يشاء، و يعطي و يمنع، و يثيب و يعاقب على يد من يشاء، و إن فعل أمنائه فعله كما قال: وَ مََا تَشََاؤُنَ إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ اَللََّهُ. و أما قوله: فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ اَلصََّالِحََاتِ وَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلاََ كُفْرََانَ لِسَعْيِهِ، و قوله تعالى: وَ إِنِّي لَغَفََّارٌ لِمَنْ تََابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صََالِحاً ثُمَّ اِهْتَدىََ، فإن ذلك كله لا يغني إلا مع الاهتداء، و ليس كل من وقع عليه اسم الايمان كان حقيقا بالنجاة مما هلك به الغواة، و لو كان ذلك كذلك لنجت اليهود مع اعترافها بالتوحيد و إقرارها بالله، و نجا سائر المقرين بالوحدانية، من إبليس فمن دونه في الكفر، و قد بين الله ذلك بقوله: اَلَّذِينَ آمَنُوا وَ لَمْ يَلْبِسُوا إِيمََانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولََئِكَ لَهُمُ اَلْأَمْنُ وَ هُمْ مُهْتَدُونَ، و بقوله: اَلَّذِينَ قََالُوا آمَنََّا بِأَفْوََاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ. و للإيمان حالات و منازل يطول شرحها، و من ذلك أن الايمان قد يكون على وجهين: إيمان بالقلب، و إيمان باللسان، كما كان إيمان المنافقين على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) لما قهرهم بالسيف و شملهم الخوف، فإنهم آمنوا بألسنتهم و لم تؤمن قلوبهم، فالإيمان بالقلب هو التسليم للرب، و من سلم الأمور لمالكها لم يستكبر عن أمره، كما استكبر إبليس عن السجود لآدم، و استكبر أكثر الأمم عن طاعة أنبيائهم، فلم ينفعهم التوحيد كما لم ينفع إبليس ذلك السجود الطويل، فإنه سجد سجدة واحدة أربعة آلاف عام، لم يرد بها غير زخرف الدنيا و التمكين من النظرة، فلذلك لا تنفع الصلاة و الصدقة إلا مع الاهتداء إلى سبيل النجاة و طريق الحق، و قد قطع الله عذر عباده بتبيين آياته و إرسال رسله، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل، و لم يخل أرضه من عالم بما يحتاج الخليقة إليه، و متعلم على سبيل نجاة، أولئك هم الأقلون عددا. و قد بين الله ذلك في امم الأنبياء، و جعلهم مثلا لمن تأخر، مثل قوله في قوم نوح: وَ مََا آمَنَ مَعَهُ إِلاََّ قَلِيلٌ، و قوله فيمن آمن من امة موسى: وَ مِنْ قَوْمِ مُوسىََ أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَ بِهِ يَعْدِلُونَ، و قوله في حواري عيسى، حيث قال لسائر بني إسرائيل: مَنْ أَنْصََارِي إِلَى اَللََّهِ قََالَ اَلْحَوََارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصََارُ اَللََّهِ آمَنََّا بِاللََّهِ وَ اِشْهَدْ بِأَنََّا مُسْلِمُونَ يعني بأنهم مسلمون لأهل الفضل فضلهم، و لا يستكبرون عن أمر ربهم، فما أجابه منهم إلا الحواريون، و قد جعل الله للعلم أهلا و فرض على العباد طاعتهم بقوله: أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ و بقوله: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلىََ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ، و بقوله: اِتَّقُوا اَللََّهَ وَ كُونُوا مَعَ اَلصََّادِقِينَ، و بقوله: وَ مََا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اَللََّهُ وَ اَلرََّاسِخُونَ فِي اَلْعِلْمِ، و بقوله: وَ أْتُوا اَلْبُيُوتَ مِنْ أَبْوََابِهََا، و البيوت هي بيوت العلم الذي استودعته الأنبياء، و أبوابها أوصياؤهم. فكل من عمل من أعمال الخير فجرى على غير أيدي أهل الاصطفاء و عهودهم و حدودهم و شرائعهم و سننهم و معالم دينهم، مردود و غير مقبول، و أهله بمحل كفر و إن شملتهم صفة الايمان، ألم تسمع إلى قوله تعالى: وَ مََا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقََاتُهُمْ إِلاََّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللََّهِ وَ بِرَسُولِهِ وَ لاََ يَأْتُونَ اَلصَّلاََةَ إِلاََّ وَ هُمْ كُسََالىََ وَ لاََ يُنْفِقُونَ إِلاََّ وَ هُمْ كََارِهُونَ؟و ماتوا و هم كافرون، فمن لم يهتد من أهل الايمان إلى سبيل النجاة لم يغن عنه إيمانه بالله مع دفعه حق أوليائه، و حبط عمله و هو في الآخرة من الخاسرين، و كذلك قال الله سبحانه: فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمََانُهُمْ لَمََّا رَأَوْا بَأْسَنََا و هذا كثير في كتاب الله عز و جل و الهداية هي الولاية، كما قال الله عز و جل: وَ مَنْ يَتَوَلَّ اَللََّهَ وَ رَسُولَهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اَللََّهِ هُمُ اَلْغََالِبُونَ، و الذين آمنوا في هذا الموضع، هم المؤتمنون على الخلائق من الحجج و الأوصياء في عصر بعد عصر، و ليس كل من أقر أيضا من أهل القبلة بالشهادتين كان مؤمنا، إن المنافقين كانوا يشهدون أن لا إله إلا الله، و أن محمدا رسول الله، و يدفعون عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) بما عهد به من دين الله و عزائمه و براهين نبوته إلى وصيه، و يضمرون من الكراهة له، و النقض لما أبرمه منه، عند إمكان الأمر لهم، فيما قد بينه الله لنبيه بقوله: فَلاََ وَ رَبِّكَ لاََ يُؤْمِنُونَ حَتََّى يُحَكِّمُوكَ فِيمََا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاََ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمََّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً، و بقوله: وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ أَ فَإِنْ مََاتَ أَوْ قُتِلَ اِنْقَلَبْتُمْ عَلىََ أَعْقََابِكُمْ، و مثل قوله تعالى: لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ، أي لتسلكن سبيل من كان قبلكم من الأمم في الغدر بالأوصياء بعد الأنبياء، و هذا كثير في كتاب الله عز و جل، و قد شق على النبي (صلى الله عليه و آله) ما يؤول إليه عاقبة أمرهم، و اطلاع الله إياه على بوارهم، فأوحى الله عز و جل إليه: فَلاََ تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرََاتٍ و فَلاََ تَأْسَ عَلَى اَلْقَوْمِ اَلْكََافِرِينَ. و أما قوله: وَ سْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنََا فهذا من براهين نبينا (صلى الله عليه و آله) التي آتاه الله إياها و أوجب به الحجة على سائر خلقه، لأنه لما ختم به الأنبياء و جعله الله رسولا إلى جميع الأمم و سائر الملل، خصه الله بالارتقاء إلى السماء عند المعراج، و جمع له يومئذ الأنبياء، فعلم منهم ما أرسلوا به و حملوه من عزائم الله و آياته و براهينه، و أقروا أجمعون بفضله و فضل الأوصياء و الحجج في الأرض من بعده، و فضل شيعة وصيه من المؤمنين و المؤمنات الذين سلموا لأهل الفضل فضلهم و لم يستكبروا عن أمرهم، و عرف من أطاعهم و عصاهم من أممهم و سائر من مضى و من غبر أو تقدم أو تأخر. و أما هفوات الأنبياء عليهم السلام و ما بينه الله في كتابه، و وقوع الكناية عن أسماء من اجترم أعظم مما اجترمته الأنبياء ممن شهد الكتاب بظلمهم، فإن ذلك من أدل الدلائل على حكمة الله عز و جل الباهرة و قدرته القاهرة و عزته الظاهرة، لأنه علم أن براهين الأنبياء تكبر في صدور أممهم، و أن منهم من يتخذ بعضهم إلها، كالذي كان من النصارى في ابن مريم، فذكرها دلالة على تخلفهم عن الكمال الذي تفرد به عز و جل، ألم تسمع إلى قوله في صفة عيسى حيث قال فيه و في امه: كََانََا يَأْكُلاََنِ اَلطَّعََامَ؟يعني إن من أكل الطعام كان له ثفل، و من كان له ثقل فهو بعيد مما ادعته النصارى لابن مريم. و لم يكن عن أسماء الأنبياء تجبرا و تعززا، بل تعريفا لأهل الاستبصار، أن الكناية عن أسماء أصحاب الجرائر العظيمة من المنافقين في القرآن ليست من فعله تعالى، و أنها من فعل المغيرين و المبدلين الذين جعلوا القرآن عضين، و اعتاضوا الدنيا من الدين. و قد بين الله تعالى قصص المغيرين بقوله: فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ اَلْكِتََابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هََذََا مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً، و بقوله: وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتََابِ، و بقوله: إِذْ يُبَيِّتُونَ مََا لاََ يَرْضىََ مِنَ اَلْقَوْلِ بعد فقد الرسول ما يقيمون به أود باطلهم حسب ما فعلته اليهود و النصارى بعد فقد موسى و عيسى من تعيير التوراة و الإنجيل، و تحريف الكلم عن مواضعه، و بقوله: يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اَللََّهِ بِأَفْوََاهِهِمْ وَ يَأْبَى اَللََّهُ إِلاََّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ، يعني أنهم أثبتوا في الكتاب ما لم يقله الله ليلبسوا على الخليفة، فأعمى الله قلوبهم حتى تركوا فيه ما دل على ما أحدثوا فيه و حرفوا منه، و بين عن إفكهم و تلبيسهم و كتمان ما علموه منه، و لذلك قال لهم: لِمَ تَلْبِسُونَ اَلْحَقَّ بِالْبََاطِلِ، و ضرب مثلهم بقوله: فَأَمَّا اَلزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفََاءً وَ أَمََّا مََا يَنْفَعُ اَلنََّاسَ فَيَمْكُثُ فِي اَلْأَرْضِ، فالزبد في هذا الموضع كلام الملحدين الذين أثبتوه في القرآن، فهو يضمحل و يبطل و يتلاشى عند التحصيل، و الذي ينفع الناس فالتنزيل الحقيقي الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و القلوب تقبله، و الأرض في هذا الموضع هي محل العلم و قراره. و ليس يسوغ مع عموم التقية التصريح بأسماء المبدلين، و لا الزيادة في آياته على ما أثبتوه من تلقائهم في الكتاب، لما في ذلك من تقوية حجج أهل التعطيل و الكفر و الملل المنحرفة عن قبلتنا و إبطال هذا العلم الظاهر الذي قد استكان له الموافق و المخالف بوقوع الاصطلاح على الائتمار لهم و الرضا بهم، و لأن أهل الباطل في القديم و الحديث أكثر عددا من أهل الحق، و لأن الصبر على ولاة الأمر مفروض لقول الله عز و جل لنبيه (صلى الله عليه و آله): فَاصْبِرْ كَمََا صَبَرَ أُولُوا اَلْعَزْمِ مِنَ اَلرُّسُلِ، و إيجابه مثل ذلك على أوليائه و أهل طاعته بقوله: لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فحسبك من الجواب عن هذا الموضع ما سمعت، فإن شريعة التقية تحظر التصريح بأكثر منه. و أما قوله تعالى: وَ جََاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، و قوله: وَ لَقَدْ جِئْتُمُونََا فُرََادىََ، و قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ فذلك كله حق، و ليس مجيئه جل ذكره كمجيء خلقه، فإنه رب[كل]شيء، و من كتاب الله عز و جل ما يكون تأويله على غير تنزيله، و لا يشبه تأويله كلام البشر و لا فعل البشر، و سأنبئك بمثال لذلك تكتفي به إن شاء الله تعالى، و هو حكاية الله عز و جل عن إبراهيم (عليه السلام) حيث قال: إِنِّي ذََاهِبٌ إِلىََ رَبِّي سَيَهْدِينِ، فذهابه إلى ربه توجهه إليه في عبادته و اجتهاده، ألا ترى أن تأويله غير تنزيله!و قال: وَ أَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ اَلْأَنْعََامِ ثَمََانِيَةَ أَزْوََاجٍ، و قال: وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، فإنزاله ذلك خلقه إياه، و كذلك قوله: قُلْ إِنْ كََانَ لِلرَّحْمََنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ اَلْعََابِدِينَ، أي الجاحدين. فالتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره. و معنى قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ، فإنما خاطب نبينا (صلى الله عليه و آله): هل ينتظر المنافقون و المشركون إلا أن تأتيهم الملائكة فيعاينوهم أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ يعني بذلك أمر ربك، و الآيات هي العذاب في دار الدنيا كما عذب الأمم السالفة و القرون الخالية، و قال: أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنََّا نَأْتِي اَلْأَرْضَ نَنْقُصُهََا مِنْ أَطْرََافِهََا، يعني بذلك ما يهلك من القرون، فسماه إتيانا، و قال: قََاتَلَهُمُ اَللََّهُ أَنََّى يُؤْفَكُونَ، أي لعنهم الله أنى يؤفكون، فسمى اللعنة قتالا، و كذلك قال: قُتِلَ اَلْإِنْسََانُ مََا أَكْفَرَهُ، أي لعن الإنسان، و قال: فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ قَتَلَهُمْ وَ مََا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لََكِنَّ اَللََّهَ رَمىََ، فسمى فعل النبي (صلى الله عليه و آله) فعلا له، ألا ترى تأويله على غير تنزيله!و مثله قوله: بَلْ هُمْ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ كََافِرُونَ، فسمى البعث لقاء و كذلك قوله: اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ، أي يوقنون أنهم مبعوثون، و مثله قوله: أَ لاََ يَظُنُّ أُولََئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ* `لِيَوْمٍ عَظِيمٍ، يعني أليس يوقنون أنهم مبعوثون؟و اللقاء عند المؤمن البعث و عند الكافر المعاينة و النظر، و قد يكون بعض ظن الكافر يقينا، و ذلك قوله: وَ رَأَى اَلْمُجْرِمُونَ اَلنََّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوََاقِعُوهََا. و أما قوله في المنافقين: وَ تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا، فليس ذلك بيقين و لكنه شك، فاللفظ واحد في الظاهر و مخالف في الباطن، و كذلك قوله: اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىََ، يعني استوى تدبيره و علا أمره. و قوله: وَ هُوَ اَلَّذِي فِي اَلسَّمََاءِ إِلََهٌ وَ فِي اَلْأَرْضِ إِلََهٌ، و قوله: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ، و قوله: مََا يَكُونُ مِنْ نَجْوىََ ثَلاََثَةٍ إِلاََّ هُوَ رََابِعُهُمْ، فإنما أراد بذلك استيلاء امنائه بالقدرة التي ركبها فيهم على جميع خلقه، و أن فعلهم فعله، فافهم عني ما أقول لك، فإني إنما أزيدك في الشرح لا ثلج صدرك و صدر من لعله بعد اليوم يشك في مثل ما شككت فيه، فلا يجد مجيبا عما يسأل عنه لعموم الطغيان و الافتتان و اضطرار أهل العلم بتأويل الكتاب إلى الاكتتام و الاحتجاب خيفة أهل الظلم و البغي. أما إنه سيأتي على الناس زمان يكون الحق فيه مستورا، و الباطل ظاهرا مشهورا، و ذلك إذا كان أولى الناس بهم أعداهم له، و اقترب الوعد الحق، و عظم الإلحاد، و ظهر الفساد، هنالك ابتلي المؤمنون و زلزلوا زلزالا شديدا، و نحلهم الكفار أسماء الأشرار، فيكون جهد المؤمن أن يحفظ مهجته من أقرب الناس إليه، ثم يتيح الله الفرج لأوليائه، و يظهر صاحب الأمر على أعدائه. و أما قوله تعالى: وَ يَتْلُوهُ شََاهِدٌ مِنْهُ، فذلك حجة الله أقامها على خلقه، و عرفهم أنه لا يستحق مجلس النبي (صلى الله عليه و آله) إلا من يقوم مقامه، و[لا]يتلوه إلا من يكون في الطهارة مثله منزلة، لئلا يتسع لمن ماسه رجس الكفر في وقت من الأوقات انتحال الاستحقاق لمقام الرسول (صلى الله عليه و آله)، و ليضيق العذر على من يعينه على إثمه و ظلمه، إذ كان الله قد حظر على من ماسه الكفر تقلد ما فوضه إلى أنبيائه و أوليائه بقوله لإبراهيم: لاََ يَنََالُ عَهْدِي اَلظََّالِمِينَ أي المشركين، لأنه سمى الظلم شركا بقوله: إِنَّ اَلشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ، فلما علم إبراهيم (عليه السلام) أن عهد الله تبارك و تعالى اسمه بالإمامة لا ينال عبدة الأصنام، قال: وَ اُجْنُبْنِي وَ بَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ اَلْأَصْنََامَ. و اعلم أن من آثر المنافقين على الصادقين، و الكافر على الأبرار، فقد افترى إثما عظيما، إذ كان قد بين في كتابه الفرق بين المحق و المبطل، و الطاهر و النجس، و المؤمن و الكافر، و أنه لا يتلو النبي عند فقده إلا من حل محله صدقا و عدلا و طهارة و فضلا. أما الأمانة التي ذكرتها فهي الأمانة التي لا تجب و لا يجوز أن تكون إلا في الأنبياء و أوصيائهم، لأن الله تبارك و تعالى ائتمنهم على خلقه و جعلهم حججا في أرضه، فبالسامري و من اجتمع معه و أعانه من الكفار على عبادة العجل عند غيبة موسى (عليه السلام) ما تم انتحال محل موسى (عليه السلام) من الطغام، و الاحتمال لتلك الأمانة التي لا تنبغي إلا لطاهر من الرجس، فاحتمل وزرها و وزر من سلك سبيله من الظالمين و أعوانهم، و لذلك قال النبي (صلى الله عليه و آله): من استن سنة حق كان له أجرها و أجر من عمل بها إلى يوم القيامة، و من استن سنة باطل كان عليه وزرها و وزر من عمل بها إلى يوم القيامة، و لهذا القول من النبي (صلى الله عليه و آله) شاهد من كتاب الله[و هو قول الله]عز و جل في قصة قابيل قاتل أخيه مِنْ أَجْلِ ذََلِكَ كَتَبْنََا عَلىََ بَنِي إِسْرََائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسََادٍ فِي اَلْأَرْضِ فَكَأَنَّمََا قَتَلَ اَلنََّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْيََاهََا فَكَأَنَّمََا أَحْيَا اَلنََّاسَ جَمِيعاً، و الإحياء في هذا الموضع تأويل في الباطن ليس كظاهره، و هو من هداها، لأن الهداية هي حياة الأبد، و من سماه الله حيا لم يمت أبدا، إنما ينقله من دار محنة إلى دار راحة و منحة. و أما ما كان من الخطاب بالانفراد مرة و بالجمع مرة من صفة الباري جل ذكره، فإن الله تبارك و تعالى اسمه على ما وصف به نفسه بالانفراد و الوحدانية، هو النور الأزلي القديم، الذي ليس كمثله شيء، لا يتغير، و يحكم ما يشاء، و يختار، و لا معقب لحكمه، و لا راد لقضائه، و لا ما خلق زاد في ملكه و عزه، و لا نقص منه ما لم يخلقه، و إنما أراد بالخلق إظهار قدرته، و إبداء سلطانه، و تبيين براهين حكمته، فخلق ما شاء كما شاء، و أجرى فعل بعض الأشياء على أيدي من اصطفى من امنائه، فكان فعلهم فعله، و أمرهم أمره، كما قال: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اَللََّهَ. و جعل السماء و الأرض و وعاء لمن يشاء من خلقه، ليميز الخبيث من الطيب، مع سابق علمه بالفريقين من أهلها، و ليجعل ذلك مثالا لأوليائه و أمنائه، و عرف الخليقة فضل منزلة أوليائه، و فرض عليهم من طاعتهم مثل الذي فرض منه لنفسه، و ألزمهم الحجة بأن خاطبهم خطابا يدل على انفراده و توحده، و بأن له أولياء تجري أفعالهم و أحكامهم مجرى فعله، فهم العباد المكرمون، الذين لا يسبقونه بالقول و هم بأمره يعملون، هم الذين أيدهم بروح منه، و عرف الخلق اقتدارهم على علم الغيب بقوله: عََالِمُ اَلْغَيْبِ فَلاََ يُظْهِرُ عَلىََ غَيْبِهِ أَحَداً* `إِلاََّ مَنِ اِرْتَضىََ مِنْ رَسُولٍ، و هم النعيم الذي يسأل العباد عنه، لأن الله تبارك و تعالى أنعم بهم على من أتبعهم من أوليائهم». قال السائل: من هؤلاء الحجج؟قال: «هم رسول الله، و من أحله محله من أصفياء الله الذين قرنهم الله بنفسه و برسوله، و فرض على العباد من طاعتهم مثل الذي فرض عليهم منها لنفسه، و هم ولاة الأمر الذين قال الله فيهم أَطِيعُوا اَللََّهَ وَ أَطِيعُوا اَلرَّسُولَ وَ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْكُمْ، و قال فيهم: وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى اَلرَّسُولِ وَ إِلىََ أُولِي اَلْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ اَلَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ». قال السائل: ما ذاك الأمر؟قال علي (عليه السلام): «الذي به تنزل الملائكة في الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، من خلق و رزق، و أجل و عمل، و حياة و موت، و علم غيب السماوات و الأرض، و المعجزات التي لا تنبغي إلا لله و أصفيائه، و السفرة بينه و بين خلقه، و هم وجه الله الذي قال: فَأَيْنَمََا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اَللََّهِ، هم بقية الله، يعني المهدي يأتي عند انقضاء هذه النظرة، فيملأ الأرض قسطا و عدلا كما ملئت ظلما و جورا و من آياته: الغيبة و الاكتتام عند عموم الطغيان، و حلول الانتقام، و لو كان هذا الأمر الذي عرفتك نبأه للنبي (صلى الله عليه و آله) دون غيره، لكان الخطاب يدل على فعل ماض غير دائم و لا مستقبل، و لقال: نزلت الملائكة، و فرق كل أمر حكيم، و لم يقل تَنَزَّلُ اَلْمَلاََئِكَةُ و يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ، و قد زاد جل ذكره في التبيان و إثبات الحجة بقوله في أصفيائه و أوليائه (عليهم السلام): أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يََا حَسْرَتىََ عَلىََ مََا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اَللََّهِ، تعريفا للخليقة قربهم، ألا ترى أنك تقول: فلان إلى جنب فلان، إذا أردت أن تصف قربه منه؟ و إنما جعل الله تبارك و تعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره و غير أنبيائه و حججه في أرضه، لعلمه بما يحدثه في كتابه المبدلون من إسقاط أسماء حججه منه، و تلبيسهم ذلك على الأمة، ليعينوهم على باطلهم، فأثبت فيه الرموز، و أعمى قلوبهم و أبصارهم، لما عليهم في تركها و ترك غيرها من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه، و جعل أهل الكتاب القائمين به و العالمين بظاهره و باطنه، من شجرة أصلها ثابت و فرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، أي يظهر مثل هذا العلم لمحتمليه في الوقت بعد الوقت، و جعل أعداءها أهل الشجرة الملعونة الذين حاولوا إطفاء نور الله بأفواههم فأبى الله إلا أن يتم نوره. و لو علم المنافقون لعنهم الله ما عليهم من ترك هذه الآيات التي بينت لك تأويلها، لأسقطوها مع ما أسقطوا منه، و لكن الله تبارك اسمه ماض حكمه بإيجاب الحجة على خلقه كما قال: فَلِلََّهِ اَلْحُجَّةُ اَلْبََالِغَةُ، أغشى أبصارهم، و جعل على قلوبهم أكنة عن تأمل ذلك، فتركوه بحاله، و حجبوا عن تأكيده الملتبس بإبطاله، فالسعداء يتثبتون عليه، و الأشقياء يعمون عنه وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ. ثم إن الله جل ذكره لسعة رحمته، و رأفته بخلقه و علمه بما يحدثه المبدلون من تغيير كتابه، قسم كلامه ثلاثة أقسام: فجعل قسما يعرفه العالم و الجاهل، و قسما لا يعرفه إلا من صفا ذهنه و لطف حسه، و صح تمييزه ممن شرح الله صدره للإسلام، و قسما لا يعرفه إلا الله و أمناؤه و الراسخون في العلم، و إنما فعل الله ذلك لئلا يدعي أهل الباطل من المستولين على ميراث رسول الله (صلى الله عليه و آله) من علم الكتاب ما لم يجعله الله لهم، و ليقودهم الاضطرار إلى الائتمار بمن ولاه أمرهم، فاستكبروا عن طاعته تعززا و افتراء على الله عز و جل، و اغترارا بكثرة من ظاهرهم و عاونهم و عاند الله عز اسمه و رسوله (صلى الله عليه و آله). فأما ما علمه الجاهل و العالم من فضل رسول الله (صلى الله عليه و آله) من كتاب الله، فهو قول الله سبحانه: مَنْ يُطِعِ اَلرَّسُولَ فَقَدْ أَطََاعَ اَللََّهَ، و قوله: إِنَّ اَللََّهَ وَ مَلاََئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى اَلنَّبِيِّ يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً، و لهذه الآية ظاهر و باطن، فالظاهر: قوله: صَلُّوا عَلَيْهِ، و الباطن: قوله: وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً أي سلموا لمن وصاه و استخلفه و فضله عليكم، و ما عهد به إليه تسليما، و هذا مما أخبرتك أنه لا يعلم تأويله إلا من لطف حسه، و صفا ذهنه، و صح تمييزه، و كذلك قوله تعالى: سَلاََمٌ عَلىََ إِلْيََاسِينَ لأن الله سمى النبي (صلى الله عليه و آله) بهذا الاسم حيث قال: يس* `وَ اَلْقُرْآنِ اَلْحَكِيمِ* `إِنَّكَ لَمِنَ اَلْمُرْسَلِينَ، لعلمه بأنهم يسقطون قوله: سلام على آل محمد، كما أسقطوا غيره، و ما زال رسول الله (صلى الله عليه و آله) يتألفهم و يقربهم و يجلسهم عن يمينه و شماله حتى أذن الله عز و جل في إبعادهم بقوله: وَ اُهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً، و بقوله: فَمََا لِ اَلَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ* `عَنِ اَلْيَمِينِ وَ عَنِ اَلشِّمََالِ عِزِينَ* `أَ يَطْمَعُ كُلُّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ* كَلاََّ إِنََّا خَلَقْنََاهُمْ مِمََّا يَعْلَمُونَ، و كذلك قول الله عز و جل: يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنََاسٍ بِإِمََامِهِمْ، و لم يسمهم بأسمائهم و أسماء آبائهم و أمهاتهم. و أما قوله: كُلُّ شَيْءٍ هََالِكٌ إِلاََّ وَجْهَهُ، فالمراد كل شيء هالك إلا دينه، لأن من المحال أن يهلك منه كل شيء و يبقى الوجه، و هو أجل و أكرم و أعظم من ذلك، و إنما يهلك من ليس منه، ألا ترى أنه قال: كُلُّ مَنْ عَلَيْهََا فََانٍ* `وَ يَبْقىََ وَجْهُ رَبِّكَ؟ففصل بين خلقه و وجهه. و أما ظهورك على تناكر قوله: وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلاََّ تُقْسِطُوا فِي اَلْيَتََامىََ فَانْكِحُوا مََا طََابَ لَكُمْ مِنَ اَلنِّسََاءِ، و ليس يشبه القسط في اليتامى نكاح النساء، و لا كل النساء أيتام، فهو مما قدمت ذكره من إسقاط المنافقين من القرآن، و بين القول في اليتامى و بين نكاح النساء من الخطاب و القصص أكثر من ثلث القرآن، و هذا و ما أشبهه مما ظهرت حوادث المنافقين فيه لأهل النظر و التأمل، و وجد المعطلون و أهل الملل المخالفة للإسلام مساغا إلى القدح في القرآن، و لو شرحت لك كل ما أسقط و حرف و بدل مما يجري هذا المجرى لطال، فظهر ما تحظر التقية إظهاره من مناقب الأولياء و مثالب الأعداء. و أما قوله: وَ مََا ظَلَمُونََا وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ، فهو تبارك اسمه أجل و أعظم من أن يظلم، و لكنه قرن أمناءه على خلقه بنفسه، و عرف الخليقة جلالة قدرهم عنده، و أن ظلمهم ظلمه، بقوله: وَ مََا ظَلَمُونََا ببغضهم أولياءنا، و معونة أعدائهم عليهم، وَ لََكِنْ كََانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ إذ حرموها الجنة، و أوجبوا عليها خلود النار. و أما قوله: إِنَّمََا أَعِظُكُمْ بِوََاحِدَةٍ، فإن الله جل ذكره أنزل عزائم الشرايع و آيات الفرائض في أوقات مختلفة، كما خلق السماوات و الأرض في ستة أيام، و لو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق، و لكنه جعل الأناة و المداراة مثالا، لامنائه، و إيجابا للحجة على خلقه، فكان أول ما قيدهم به الإقرار بالوحدانية و الربوبية و الشهادة بأن لا إله إلا الله، فلما أقروا بذلك تلاه بالإقرار لنبيه (صلى الله عليه و آله) بالنبوة و الشهادة له بالرسالة، فلما انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثم الحج ثم الجهاد ثم الزكاة ثم الصدقات، و ما يجري مجراها من مال الفيء، فقال المنافقون: هل بقي لربك علينا بعد الذي فرضه شيء آخر يفترضه، فتذكره لتسكن أنفسنا أنه لم يبق غيره؟فأنزل الله في ذلك قُلْ إِنَّمََا أَعِظُكُمْ بِوََاحِدَةٍ يعني الولاية، و أنزل إِنَّمََا وَلِيُّكُمُ اَللََّهُ وَ رَسُولُهُ وَ اَلَّذِينَ آمَنُوا اَلَّذِينَ يُقِيمُونَ اَلصَّلاََةَ وَ يُؤْتُونَ اَلزَّكََاةَ وَ هُمْ رََاكِعُونَ، و ليس بين الأمة خلاف أنه لم يؤت الزكاة يومئذ أحد و هو راكع غير رجل واحد، لو ذكر اسمه في الكتاب لأسقط مع ما أسقط من ذكره، و هذا و ما أشبهه من الرموز التي ذكرت لك ثبوتها في الكتاب ليجهل معناها المحرفون فيبلغ إليك و إلى أمثالك، و عند ذلك قال الله عز و جل: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ اَلْإِسْلاََمَ دِيناً. و أما قوله لنبيه (صلى الله عليه و آله): وَ مََا أَرْسَلْنََاكَ إِلاََّ رَحْمَةً لِلْعََالَمِينَ، فإنك ترى أهل الملل المخالفة للايمان، و من يجري مجراهم من الكفار، مقيمين على كفرهم إلى هذه الغاية، و أنه لو كان رحمة عليهم لاهتدوا جميعا و نجوا من عذاب السعير، فإن الله تبارك و تعالى إنما عنى بذلك أنه جعله سبيلا لإنظار أهل هذه الدار، لأن الأنبياء قبله بعثوا بالتصريح لا بالتعريض، و كان النبي (صلى الله عليه و آله) منهم إذا صدع بأمر الله و أجابه قومه، و سلموا و سلم أهل دارهم من سائر الخليقة، و إن خالفوه هلكوا و هلك أهل دارهم بالآفة التي كان نبيهم يتوعدهم بها و يخوفهم حلولها و نزولها بساحتهم من خسف أو قذف أو رجف أو ريح أو زلزلة و غير ذلك من أصناف العذاب الذي هلكت به الأمم الخالية، و إن الله علم من نبينا (صلى الله عليه و آله) و من الحجج في الأرض الصبر على ما لم يطق من تقدمهم من الأنبياء الصبر على مثله، فبعثه الله بالتعريض لا بالتصريح، و أثبت حجة الله تعريضا لا تصريحا بقوله في وصيه: من كنت مولاه فعلي مولاه، و هو مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. و ليس من خليقة النبي و لا من شيمته أن يقول قولا لا معنى له، فلزم الأمة أن تعلم أنه لما كانت النبوة و الخلافة موجودتين في خلافة هارون، و معدومتين فيمن جعله النبي (صلى الله عليه و آله) بمنزلته أنه قد استخلفه على أمته كما استخلف موسى هارون حيث قال له: اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي، و لو قال لهم: لا تقلدوا الإمامة إلا فلانا بعينه و إلا نزل بكم العذاب، لأتاهم العذاب، و زال باب الإنظار و الإمهال. و بما أمر بسد باب الجميع و ترك بابه، ثم قال: ما سددت و لا تركت، و لكني أمرت فأطعت. فقالوا: سددت بابنا و تركت لأحدثنا سنا بابه!فأما ما ذكروه من حداثة سنه، فإن الله لم يستصغر يوشع بن نون حيث أمر موسى (عليه السلام) أن يعهد بالوصية إليه و هو في سن ابن سبع سنين، و لا استصغر يحيى و عيسى لما استودعهما عزائمه و براهين حكمته، و إنما فعل ذلك جل ذكره لعلمه بعاقبة الأمور، و أن وصيه لا يرجع بعده ضالا و لا كافرا. و بأن عمد النبي (صلى الله عليه و آله) إلى سورة براءة فدفعها إلى من علم أن الامة تؤثره على وصيه، و أمره بقراءتها على أهل مكة، فلما ولى من بين يديه أتبعه بوصيه، و أمره بارتجاعها منه و النفوذ إلى مكة ليقرأها على أهلها، و قال: إن الله جل جلاله أوحى إلي أن لا يؤدي عني إلا رجل مني، دلالة منه على خيانة من علم أن الأمة اختارته على وصيه، ثم شفع ذلك بضم الرجل الذي ارتجع سورة براءة منه و من يؤازره في تقدم المحل عند الأمة إلى علم النفاق عمرو بن العاص في غزاة ذات السلاسل و ولاهما عمرو حرس عسكره، و ختم أمرهما بأن ضمهما عند وفاته إلى مولاه أسامة بن زيد، و أمرهما بطاعته و التصريف بين أمره و نهيه، و كان آخر ما عهد به في أمر أمته، قوله: أنفذوا جيش أسامة، يكرر ذلك على أسماعهم إيجابا للحجة عليهم في إيثار المنافقين على الصادقين. و لو عددت كل ما كان من رسول الله (صلى الله عليه و آله) في إظهار معايب المستولين على تراثه لطال، و إن السابق منهم إلى تقلد ما ليس له بأهل قام هاتفا على المنبر لعجزه عن القيام بأمر الأمة و مستقيلا مما تقلده لقصور معرفته عن تأويل ما كان يسأل عنه، و جهله بما يأتي و يذر، ثم أقام على ظلمة و لم يرض باحتقاب عظيم الوزر في ذلك حتى عقد الأمر من بعده لغيره، فأتى التالي بتسفيه رأيه، و القدح و الطعن على أحكامه، و رفع السيف عمن كان صاحبه وضعه عليه، و رد النساء اللاتي كان سباهن إلى أزواجهن و بعضهن حوامل، و قوله: قد نهيته عن قتال أهل القبلة فقال لي: إنك لحدب على أهل الكفر، و كان هو في ظلمه لهم أولى باسم الكفر منهم، و لم يزل يخطئه و يظهر الإزراء عليه و يقول على المنبر: كانت بيعة أبي بكر فلتة وقى الله شرها، فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه، و كان يقول قبل ذلك قولا ظاهرا: ليته حسنة من حسناته، و يود أنه كان شعرة في صدره، و غير ذلك من القول المتناقض المؤكد لحجج الدافعين لدين الإسلام. و أتى من أمر الشورى و تأكيده بها عقد الظلم و الإلحاد و البغي و الفساد حتى تقرر على إرادته ما لم يخف على ذي لب موضع ضرره، و لم تطق الامة الصبر على ما أظهره الثالث من سوء الفعل، فعاجلته بالقتل، فاتسع بما جنوه من ذلك لمن وافقهم على ظلمهم و كفرهم و نفاقهم محاولة مثل ما أتوه من الاستيلاء على أمر الأمة. كل ذلك لتتم النظرة التي أوجبها الله تبارك و تعالى لعدوه إبليس إلى أن يبلغ الكتاب أجله، و يحق القول على الكافرين، و يقترب الوعد الحق الذي بينه الله تعالى في كتابه بقوله: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، و ذلك إذا لم يبق من الإسلام إلا اسمه و من القرآن إلا رسمه، و غاب صاحب الأمر بإيضاح العذر له في ذلك، لاشتمال الفتنة على القلوب، حتى يكون أقرب الناس إليه أشدهم عداوة له، و عند ذلك يؤيده الله بجنود لم تروها و يظهر دين نبيه (صلى الله عليه و آله) على يديه على الدين كله و لو كره المشركون. و أما ما ذكرته من الخطاب الدال على تهجين النبي (صلى الله عليه و آله) و الإزراء به، و التأنيب له، مع ما أظهره الله تبارك و تعالى في كتابه من تفضيله إياه على سائر أنبيائه، فإن الله عز و جل جعل لكل نبي، عدوا من المجرمين، كما قال في كتابه. و بحسب جلالة منزلة نبينا (صلى الله عليه و آله) عند ربه كذلك، عظم محنته لعدوه الذي عاد منه في شقاقه و نفاقه كل أذى و مشقة لدفع نبوته و تكذيبه إياه، و سعيه في مكارهه، و قصده لنقض كل ما أبرمه، و اجتهاده و من مالأه على كفره و عناده و نفاقه و إلحاده في إبطال دعواه، و تغيير ملته، و مخالفة سنته، و لم ير شيئا أبلغ في تمام كيده من تنفيرهم عن موالاة وصيه، و إيحاشهم منه، و صدهم عنه، و إغرائهم بعداوته، و القصد لتغيير الكتاب الذي جاء به، و إسقاط ما فيه من فضل ذوي الفضل، و كفر ذوي الكفر منه، و ممن وافقه على ظلمه و بغيه و شركه، و لقد علم الله ذلك منهم، فقال: إِنَّ اَلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيََاتِنََا لاََ يَخْفَوْنَ عَلَيْنََا، و قال: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ و لقد أحضروا الكتاب كملا مشتملا على التأويل و التنزيل، و المحكم و المتشابه، و الناسخ و المنسوخ، لم يسقط منه حرف ألف و لا لام. فلما وقفوا على ما بينه الله من أسماء أهل الحق و الباطل، و أن ذلك إن ظهر نقض ما عقدوه، قالوا: لا حاجة لنا فيه، نحن مستغنون عنه بما عندنا، و كذلك قال: فَنَبَذُوهُ وَرََاءَ ظُهُورِهِمْ وَ اِشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مََا يَشْتَرُونَ. ثم دفعهم الاضطرار بورود المسائل عليهم عما لا يعلمون تأويله إلى جمعه و تأليفه و تضمينه من تلقائهم ما يقيمون به دعائم كفرهم، فصرخ مناديهم: من كان عنده شيء من القرآن فليأتنا به، و وكلوا تأليفه و نظمه إلى بعض من وافقهم على معاداة أولياء الله، فألفه على اختيارهم، و ما يدل للمتأمل له على اختلال تمييزهم و افترائهم، و تركوا منه ما قدروا أنه لهم و هو عليهم، و زادوا فيه ما ظهر تناكره و تنافره، و علم الله أن ذلك يظهر و يبين، فقال: ذََلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ اَلْعِلْمِ، و انكشف لأهل الاستبصار عوارهم و افتراؤهم، و الذي بدأ في الكتاب من الإزراء على النبي (صلى الله عليه و آله) من فرية الملحدين، و لذلك قال: لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ اَلْقَوْلِ وَ زُوراً. و يذكر جل ذكره لنبيه (صلى الله عليه و آله) ما يحدثه عدوه في كتابه من بعده بقوله: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَ لاََ نَبِيٍّ إِلاََّ إِذََا تَمَنََّى أَلْقَى اَلشَّيْطََانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اَللََّهُ مََا يُلْقِي اَلشَّيْطََانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اَللََّهُ آيََاتِهِ، يعني أنه ما من نبي تمنى مفارقة ما يعاينه من نفاق قومه و عقوقهم و الانتقال عنهم إلى دار الإقامة، إلا ألقى الشيطان المعرض لعداوته عند فقده؛ في الكتاب الذي أنزل عليه ذمه و القدح فيه و الطعن عليه، فينسخ الله ذلك من قلوب المؤمنين فلا تقبله، و لا تصغي إليه غير قلوب المنافقين و الجاهلين، و يحكم الله آياته بأن يحمي أولياءه من الضلال و العدوان و مشايعة أهل الكفر و الطغيان الذين لم يرض الله أن يجعلهم كالأنعام حتى قال: بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً. فافهم هذا، و اعمل به، و اعلم أنك ما قد تركت مما يجب عليك السؤال عنه أكثر مما سألت، و أني قد اقتصرت على تفسير يسير من كثير لعدم حملة العلم، و قلة الراغبين في التماسه، و في دون ما بينت لك بلاغ لذوي الألباب». قال السائل: حسبي ما سمعت يا أمير المؤمنين!شكر الله لك على استنقاذي من عماية الشك و طخية الإفك، و أجزل على ذلك مثوبتك، إنه على كل شيء قدير. و صلى الله أولا و آخرا على أنوار الهدايات و أعلام البريات محمد و آله أصحاب الدلالات الواضحات و سلم تسليما كثيرا. 99-12087/ - ابن بابويه، قال: حدثنا أحمد بن الحسن القطان (رحمه الله)، قال: حدثنا أحمد بن يحيى، عن بكر ابن عبد الله بن حبيب، قال: حدثني أحمد بن يعقوب بن مطر، قال: حدثني محمد بن الحسن بن العبد العزيز الأحدب الجنديسابوري، قال: وجدت في كتاب أبي بخطه: حدثنا طلحة بن زيد، عن عبيد الله بن عبيد، عن أبي معمر السعداني، أن رجلا أتى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين، إني قد شككت في كتاب الله المنزل، قال له علي (عليه السلام): «ثكلتك أمك، و كيف شككت في كتاب الله المنزل!». قال: لأني وجدت الكتاب يكذب بعضه بعضا، فكيف لا أشك فيه؟ فقال علي بن أبي طالب (عليه السلام): «إن كتاب الله ليصدق بعضه بعضا، و لا يكذب بعضه بعضا، و لكنك لم ترزق عقلا تنتفع به، فهات ما شككت فيه من كتاب الله عز و جل». قال: قال الرجل: إني وجدت الله يقول: فَالْيَوْمَ نَنْسََاهُمْ كَمََا نَسُوا لِقََاءَ يَوْمِهِمْ هََذََا، و قال أيضا: نَسُوا اَللََّهَ فَنَسِيَهُمْ، و قال: وَ مََا كََانَ رَبُّكَ نَسِيًّا فمرة يخبر أنه ينسى، و مرة يخبر أنه لا ينسى، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: «هات ما شككت فيه أيضا». قال: و أجد الله يقول: يَوْمَ يَقُومُ اَلرُّوحُ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ صَفًّا لاََ يَتَكَلَّمُونَ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ قََالَ صَوََاباً. و قال: و استنطقوا فقالوا: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ، و قال: يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، و قال: إِنَّ ذََلِكَ لَحَقٌّ تَخََاصُمُ أَهْلِ اَلنََّارِ، و قال: لاََ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، و قال: اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىََ أَفْوََاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنََا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ فمرة يخبر أنهم يتكلمون، و مرة يخبر أنهم لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا، و مرة يخبر أن الخلق لا ينطقون، و يقول عن مقالتهم: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ و مرة يخبر أنهم يختصمون، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين و كيف لا أشك فيما تسمع؟ قال: «هات-ويحك-ما شككت فيه»، قال: و أجد الله عز و جل يقول: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ* `إِلىََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ، و يقول: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ، و يقول: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىََ* `عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهىََ، و يقول: يَوْمَئِذٍ لاََ تَنْفَعُ اَلشَّفََاعَةُ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً * `يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً، و من أدركته الأبصار فقد أحاط به العلم، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين، و كيف لا أشك فيما تسمع؟ قال: «هات-ويحك-ما شككت فيه». قال: و أجد الله تبارك و تعالى يقول: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ، و قال: وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسىََ تَكْلِيماً، و قال: وَ نََادََاهُمََا رَبُّهُمََا، و قال: يََا أَيُّهَا اَلنَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوََاجِكَ وَ بَنََاتِكَ، و قال: يََا أَيُّهَا اَلرَّسُولُ بَلِّغْ مََا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين، و كيف لا أشك فيما تسمع؟ قال: «ويحك، هات ما شككت فيه». قال: و أجد الله جل ثناؤه يقول: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا و قد يسمى الإنسان سميعا بصيرا، و ملكا و ربا، فمرة يخبر بأن له أسامي كثيرة مشتركة، و مرة يقول: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا فأنى ذلك يا أمير المؤمنين، و كيف لا أشك فيما تسمع؟ قال: «هات-ويحك-ما شككت فيه». قال: وجدت الله تبارك و تعالى يقول: وَ مََا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقََالِ ذَرَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ، و يقول: وَ لاََ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَ لاََ يُزَكِّيهِمْ، و يقول: كَلاََّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ كيف ينظر إليهم من يحجب عنهم، و أنى ذلك يا أمير المؤمنين، و كيف لا أشك فيما تسمع؟ قال: «هات-ويحك أيضا-ما شككت فيه»؟قال: و أجد الله عز ذكره يقول: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ فَإِذََا هِيَ تَمُورُ، و قال: اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىََ، و قال: وَ هُوَ اَللََّهُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ فِي اَلْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَ جَهْرَكُمْ، و قال: وَ اَلظََّاهِرُ وَ اَلْبََاطِنُ، و قال: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ، و قال: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ فأنى ذلك يا أمير المؤمنين، و كيف لا أشك فيما تسمع؟ قال: «هات-ويحك-ما شككت فيه»؟قال: و أجد الله عز و جل يقول: وَ جََاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، و قال: وَ لَقَدْ جِئْتُمُونََا فُرََادىََ كَمََا خَلَقْنََاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، و قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمََامِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ، و قال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمََانِهََا خَيْراً فمرة يقول: يَأْتِيَ رَبُّكَ و مرة يقول: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ فأنى ذلك يا أمير المؤمنين، و كيف لا أشك فيما تسمع؟ قال: «هات-ويحك-ما شككت فيه». قال و أجد الله تبارك و تعالى يقول: بَلْ هُمْ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ كََافِرُونَ، و ذكر المؤمنين فقال: اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ رََاجِعُونَ، [و قال: ] تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاََمٌ، و قال: مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ، و قال: فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صََالِحاً فمرة يخبر أنهم يلقونه، و مرة يقول إنه لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ و مرة يقول: وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً فأنى ذلك يا أمير المؤمنين، و كيف لا أشك فيما تسمع؟ قال: «هات ويحك، ما شككت فيه»؟قال: و أجد الله تبارك و تعالى يقول: وَ رَأَى اَلْمُجْرِمُونَ اَلنََّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوََاقِعُوهََا، و قال: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اَللََّهُ دِينَهُمُ اَلْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ، و قال: تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا فمرة يخبر أنهم يظنون، و مرة يخبر أنهم يعلمون، و الظن شك، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين، و كيف لا أشك فيما تسمع». [قال: هات ما شككت فيه. قال: و أجد الله تعالى يقول: وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ فَلاََ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، و قال: فَلاََ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَزْناً، و قال: فَأُولََئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهََا بِغَيْرِ حِسََابٍ، و قال: وَ اَلْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ اَلْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلْمُفْلِحُونَ* `وَ مَنْ خَفَّتْ مَوََازِينُهُ فَأُولََئِكَ اَلَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمََا كََانُوا بِآيََاتِنََا يَظْلِمُونَ، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين، و كيف لا أشك فيما تسمع]. قال: «هات-ويحك-ما شككت فيه». قال: و أجد الله تبارك و تعالى يقول: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلىََ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ، و قال: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا، و قال: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا وَ هُمْ لاََ يُفَرِّطُونَ، و قال: اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ طَيِّبِينَ، و قال: اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ، فأنى ذلك يا أمير المؤمنين، و كيف لا أشك فيما تسمع؟و قد هلكت إن لم ترحمني، و تشرح لي صدري فيما عسى أن يجري ذلك على يديك، فإن كان الرب تبارك و تعالى حقا، و الكتاب حقا، و الرسل حقا، فقد هلكت و خسرت، و إن تكن الرسل باطلا فما علي بأس و قد نجوت. فقال علي (عليه السلام): «قدوس ربنا، تبارك و تعالى علوا كبيرا، نشهد أنه هو الدائم الذي لا يزول، و لا نشك فيه، و ليس كمثله شيء، و هو السميع البصير، و أن الكتاب حق، و الرسل حق، و أن الثواب و العقاب حق، فإن رزقت زيادة إيمان أو حرمته فإن ذلك بيد الله، إن شاء رزقك، و إن شاء حرمك ذلك. و لكن سأعلمك ما شككت فيه، و لا قوة إلا بالله، فإن أراد الله بك خيرا أعلمك بعلمه و ثبتك، و إن يكن شرا ضللت و هلكت. أما قوله: نَسُوا اَللََّهَ فَنَسِيَهُمْ إنما يعني نسوا الله في دار الدنيا، لم يعملوا بطاعته فنسيهم في الآخرة أي لم يجعل لهم في ثوابه شيئا فصاروا منسيين من الخير، و كذلك تفسير قوله عز و جل: فَالْيَوْمَ نَنْسََاهُمْ كَمََا نَسُوا لِقََاءَ يَوْمِهِمْ هََذََا يعني بالنسيان أنه لم يثبهم كما يثيب أولياءه الذين كانوا في دار الدنيا مطيعين ذاكرين حين آمنوا به و برسله و خافوه بالغيب. و أما قوله: وَ مََا كََانَ رَبُّكَ نَسِيًّا فإن ربنا تبارك و تعالى علوا كبيرا ليس بالذي ينسى، و لا يغفل، بل هو الحفيظ العليم، و قد يقول العرب في باب النسيان: قد نسينا فلان فلا يذكرنا، أي أنه لا يأمر لهم بخير و لا يذكرهم به، فهل فهمت ما ذكره الله عز و جل؟». قال: نعم، فرجت عني فرج الله عنك، و حللت عني عقدة فعظم الله أجرك. فقال (عليه السلام): «و أما قوله: يَوْمَ يَقُومُ اَلرُّوحُ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ صَفًّا لاََ يَتَكَلَّمُونَ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ قََالَ صَوََاباً، و قوله: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ، و قوله: يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَ يَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، و قوله: إِنَّ ذََلِكَ لَحَقٌّ تَخََاصُمُ أَهْلِ اَلنََّارِ، و قوله: لاََ تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَ قَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ، و قوله: اَلْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلىََ أَفْوََاهِهِمْ وَ تُكَلِّمُنََا أَيْدِيهِمْ وَ تَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمََا كََانُوا يَكْسِبُونَ، فإن ذلك في مواطن غير واحد من مواطن ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة، يجمع الله عز و جل الخلائق يومئذ في موطن يتفرقون، و يكلم بعضهم بعضا، و يستغفر بعضهم لبعض، أولئك الذين كان منهم الطاعة في دار الدنيا للرؤساء و الأتباع: و يلعن أهل المعاصي الذين بدت منهم البغضاء و تعاونوا على الظلم و العدوان في دار الدنيا المستكبرين، و المستضعفين يكفر بعضهم ببعض، و يلعن بعضهم بعضا، و الكفر في هذه الآية البراءة، يقول: فيبرأ بعضهم من بعض، و نظيرها في سورة إبراهيم، قول الشيطان: إِنِّي كَفَرْتُ بِمََا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ، و قول إبراهيم خليل الرحمن: كَفَرْنََا بِكُمْ يعني تبرأنا منكم. ثم يجتمعون في موطن آخر يبكون فيه، فلو أن تلك الأصوات بدت لأهل الدنيا لأذهلت جميع الخلق عن معايشهم، و لتصدعت قلوبهم إلا ما شاء الله، فلا يزالون يبكون الدم. ثم يجتمعون في موطن آخر، فيستنطقون فيه، فيقولون: وَ اَللََّهِ رَبِّنََا مََا كُنََّا مُشْرِكِينَ فيختم الله تبارك و تعالى على أفواههم و يستنطق الأيدي و الأرجل و الجلود، فتشهد بكل معصية كانت منهم، ثم يرفع عن ألسنتهم الختم فيقولون لجلودهم: لم شهدتم علينا؟قالوا: أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء. ثم يجتمعون في موطن آخر فيستنطقون فيفر بعضهم من بعض، فذلك قوله عز و جل: يَوْمَ يَفِرُّ اَلْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ* `وَ أُمِّهِ وَ أَبِيهِ* `وَ صََاحِبَتِهِ وَ بَنِيهِ، فيستنطقون فلا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن و قال صوابا. فيقوم الرسل (صلى الله عليهم) فيشهدون في هذا الموطن، فذلك قوله: فَكَيْفَ إِذََا جِئْنََا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَ جِئْنََا بِكَ عَلىََ هََؤُلاََءِ شَهِيداً. ثم يجتمعون في موطن آخر يكون فيه مقام محمد (صلى الله عليه و آله) و هو المقام المحمود، فيثني على الله تبارك و تعالى بما لم يثن عليه أحد قبله، ثم يثني على الملائكة كلهم، فلا يبقى ملك إلا أثنى عليه (صلى الله عليه و آله)، ثم يثني على الرسل بما لم يثن عليهم أحد قبله، ثم يثني على كل مؤمن و مؤمنة، يبدأ بالصديقين و الشهداء ثم بالصالحين، فيحمده أهل السماوات و أهل الأرض، و ذلك قوله: عَسىََ أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقََاماً مَحْمُوداً فطوبى لمن كان له في ذلك المقام حظ و نصيب، و ويل لمن لم يكن له في ذلك المقام حظ و لا نصيب. ثم يجتمعون في موطن آخر، و يدال بعضهم من بعض، و هذا كله قبيل الحساب، فإذا أخذ في الحساب، شغل كل إنسان بما لديه، نسأل الله بركة ذلك اليوم». قال: فرجت عني يا أمير المؤمنين، و حللت عني عقدة، فعظم الله أجرك. فقال (عليه السلام): «و أما قوله عز و جل: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ* `إِلىََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ، و قوله: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ، و قوله: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىََ* `عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهىََ، و قوله: يَوْمَئِذٍ لاََ تَنْفَعُ اَلشَّفََاعَةُ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً* `يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً، فأما قوله: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ* `إِلىََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ، فإن ذلك في موضع ينتهي فيه أولياء الله عز و جل بعد ما يفرغ من الحساب إلى نهر يسمى الحيوان، فيغتسلون فيه و يشربون منه، فتضيء وجوههم إشراقا، فيذهب عنهم كل قذى و وعث، ثم يؤمرون بدخول الجنة، فمن هذا المقام ينظرون إلى ربهم كيف يثيبهم، و منه يدخلون الجنة، فذلك قول الله عز و جل في تسليم الملائكة عليهم: سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهََا خََالِدِينَ فعند ذلك أيقنوا بدخول الجنة و النظر إلى ما وعدهم ربهم، فذلك قوله: إِلىََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ و إنما يعني بالنظر إليه، النظر إلى ثوابه تبارك و تعالى. و أما قوله: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ هو كما قال، لا تدركه الأبصار يعني لا تحيط به الأوهام وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ يعني يحيط بها وَ هُوَ اَللَّطِيفُ اَلْخَبِيرُ و ذلك مدح امتدح به ربنا نفسه تبارك و تعالى و تقدس علوا كبيرا، و قد سأل موسى (عليه السلام) و جرى على لسانه من حمد الله عز و جل: رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ، فكانت مسألته تلك أمرا عظيما، و سأل أمرا جسيما، فعوقب، فقال الله تبارك و تعالى: لن تراني في الدنيا حتى تموت فتراني في الآخرة، و لكن إن أردت أن تراني في الدنيا فانظر إلى الجبل، فإن استقر مكانه فسوف تراني، فأبدى الله سبحانه بعض آياته، و تجلى ربنا[للجبل]فتقطع الجبل فصار رميما، و خر موسى صعقا، يعني ميتا، فكانت عقوبته الموت، ثم أحياه الله و بعثه و تاب عليه، فقال: سبحانك تبت إليك و أنا أول المؤمنين، يعني أول مؤمن آمن بك منهم، أنه لن يراك. و أما قوله: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرىََ* `عِنْدَ سِدْرَةِ اَلْمُنْتَهىََ يعني محمدا (صلى الله عليه و آله) [كان عند سدرة المنتهى]حيث لا يتجاوزها خلق من خلق الله، و قوله في آخر الآية: مََا زََاغَ اَلْبَصَرُ وَ مََا طَغىََ* `لَقَدْ رَأىََ مِنْ آيََاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرىََ رأى جبرئيل (عليه السلام) في صورته مرتين: هذه المرة، و مرة أخرى، و ذلك أن خلق جبرئيل عظيم، فهو من الروحانيين الذين لا يدرك خلقهم و صفتهم إلا الله رب العالمين. و أما قوله: يَوْمَئِذٍ لاََ تَنْفَعُ اَلشَّفََاعَةُ إِلاََّ مَنْ أَذِنَ لَهُ اَلرَّحْمََنُ وَ رَضِيَ لَهُ قَوْلاً* `يَعْلَمُ مََا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ مََا خَلْفَهُمْ وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً لا يحيط الخلائق بالله عز و جل علما، إذ هو تبارك و تعالى جعل على أبصار القلوب الغطاء، فلا فهم يناله بالكيف، و لا قلب يثبته بالحدود، فلا يصفه إلا كما وصف نفسه، ليس كمثله شيء و هو السميع البصير، الأول و الآخر و الظاهر و الباطن، الخالق البارئ المصور، خلق الأشياء، فليس من الأشياء شيء مثله تبارك و تعالى». فقال: فرجت عني، فرج الله عنك، و حللت عني عقدة، فأعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين. [فقال]: (عليه السلام) «و أما قوله: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مََا يَشََاءُ، و قوله: وَ كَلَّمَ اَللََّهُ مُوسىََ تَكْلِيماً، و قوله: وَ نََادََاهُمََا رَبُّهُمََا، و قوله: يََا آدَمُ اُسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ اَلْجَنَّةَ، فأما قوله: وَ مََا كََانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اَللََّهُ إِلاََّ وَحْياً أَوْ مِنْ وَرََاءِ حِجََابٍ، فإنه ما ينبغي لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا و ليس بكائن إلا من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء، كذلك قال الله تبارك و تعالى علوا كبيرا، قد كان الرسول يوحى إليه من رسل السماء، فتبلغ رسل السماء رسل الأرض، و قد كان الكلام بين رسل أهل الأرض و بينه من غير أن يرسل بالكلام مع رسل أهل السماء. و قد قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا جبرئيل، هل رأيت ربك؟فقال جبرئيل: إن ربي لا يرى. فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): فمن أين تأخذ الوحي؟قال: آخذه من إسرافيل. فقال: و من أين يأخذه إسرافيل؟قال: يأخذه من ملك فوقه من الروحانيين. فقال: من أين يأخذه ذلك الملك؟قال: يقذف في قلبه قذفا. فهذا وحي و هو كلام الله عز و جل، و كلام الله ليس بنحو واحد، منه ما كلم الله به الرسل، و منه ما قذفه في قلوبهم، و منه رؤيا يريها الرسل، و منه وحي و تنزيل يتلى و يقرأ فهو كلام الله، فاكتف بما وصفت لك من كلام الله، فإن معنى كلام الله ليس بنحو واحد، فإن منه ما يبلغ به رسل السماء رسل الأرض». قال: فرجت عني فرج الله عنك، و حللت عني عقدة فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين. [فقال] (عليه السلام): «و أما قوله: هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا، فإن تأويله: هل تعلم أحدا اسمه الله، غير الله تبارك و تعالى؟فإياك أن تفسر القرآن برأيك حتى تفقهه عن العلماء، فإنه رب تنزيل يشبه كلام البشر، و هو كلام الله، و تأويله لا يشبه كلام البشر، كما ليس شيء من خلقه يشبهه، كذلك لا يشبه فعله تبارك و تعالى شيئا من أفعال البشر، و لا يشبه شيء من كلامه كلام البشر، فكلام الله تبارك و تعالى صفته، و كلام البشر أفعالهم، فلا تشبه كلام الله بكلام البشر فتهلك و تضل». قال: فرجت عني، فرج الله عنك، و حللت عني عقدة فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين. فقال (عليه السلام): «و أما قوله: وَ مََا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقََالِ ذَرَّةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي اَلسَّمََاءِ كذلك ربنا لا يعزب عنه شيء، و كيف يكون من خلق الأشياء لا يعلم ما خلق و هو الخلاق العليم! و أما قوله: لاََ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ، يخبر أنه لا يصيبهم بخير، و قد تقول العرب: و الله ما ينظر إلينا فلان. و إنما يعنون بذلك أنه لا يصيبنا منه بخير، فذلك النظر ها هنا من الله تبارك و تعالى إلى خلقه، فنظره إليهم رحمته لهم». قال: فرجت عني فرج الله عنك، و حللت عني عقدة فعظم الله أجرك يا أمير المؤمنين. قال: «و أما قوله: كَلاََّ إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ، فإنما يعني بذلك يوم القيامة أنهم عن ثواب ربهم محجوبون. [قال: فرجت عني، فرج الله عنك، و حللت عني عقدة فعظم الله أجرك. فقال: (عليه السلام) ]قوله: أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي اَلسَّمََاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ اَلْأَرْضَ فَإِذََا هِيَ تَمُورُ، و قوله: وَ هُوَ اَللََّهُ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ فِي اَلْأَرْضِ، و قوله: اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوىََ، و قوله: وَ هُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مََا كُنْتُمْ، و قوله: وَ نَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ اَلْوَرِيدِ، فكذلك الله تبارك و تعالى سبوحا قدوسا تعالى أن يجري منه ما يجري من المخلوقين، و هو اللطيف الخبير، و أجل و أكبر أن ينزل به شيء مما ينزل بخلقه، و هو على العرش استوى، علمه شاهد لكل نجوى، و هو الوكيل على كل شيء، و الميسر لكل شيء و المدبر للأشياء كلها، تعالى الله عن أن يكون على عرشه علوا كبيرا. و أما قوله: وَ جََاءَ رَبُّكَ وَ اَلْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا، و قوله: وَ لَقَدْ جِئْتُمُونََا فُرََادىََ كَمََا خَلَقْنََاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ، و قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اَللََّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ اَلْغَمََامِ وَ اَلْمَلاََئِكَةُ، و قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ فإن ذلك حق كما قال الله عز و جل، و ليس له جيئة كجيئة الخلق، و قد أعلمتك أن رب شيء من كتاب الله تأويله على غير تنزيله، و لا يشبه كلام البشر، و سأنبئك بطرف منه، فتكتفي إن شاء الله تعالى، من ذلك قول إبراهيم (عليه السلام): إِنِّي ذََاهِبٌ إِلىََ رَبِّي سَيَهْدِينِ فذهابه إلى ربه توجهه إليه عبادة و اجتهادا و قربة إلى الله عز و جل، ألا ترى أن تأويله غير تنزيله؟و قال: وَ أَنْزَلْنَا اَلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ، يعني السلاح و غير ذلك، و قوله: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ يخبر محمدا (صلى الله عليه و آله) عن المشركين و المنافقين الذين لم يستجيبوا لله و للرسول فقال: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاََّ أَنْ تَأْتِيَهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ حيث لم يستجيبوا لله و لرسوله أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ يعني بذلك العذاب في دار الدنيا كما عذب القرون الأولى، فهذا خبر يخبر به النبي (صلى الله عليه و آله) عنهم. ثم قال: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيََاتِ رَبِّكَ لاََ يَنْفَعُ نَفْساً إِيمََانُهََا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمََانِهََا خَيْراً يعني من قبل أن تجيء هذه الآية، و هذه الآية طلوع الشمس من مغربها، و إنما يكتفي أولو الألباب و الحجا و أولو النهى أن يعلموا أنه إذا انكشف الغطاء رأوا ما يوعدون، و قال في آية أخرى: فَأَتََاهُمُ اَللََّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا يعني أرسل عليهم عذابا، و كذلك إتيانه بنيانهم، و قال الله عز و جل: فَأَتَى اَللََّهُ بُنْيََانَهُمْ مِنَ اَلْقَوََاعِدِ فإتيانه بنيانهم من القواعد إرسال العذاب عليهم، و كذلك ما وصف الله من أمر الآخرة تبارك اسمه و تعالى علوا كبيرا، و تجري أموره في ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة كما تجري أموره في الدنيا، لا يغيب و لا يأفل مع الآفلين، فاكتف بما وصفت لك من ذلك مما جال في صدرك مما وصف الله عز و جل في كتابه، و لا تجعل كلامه ككلام البشر، هو أعظم و أجل و أكرم و أعز، تبارك و تعالى من أن يصفه الواصفون إلا بما وصف به نفسه في قوله عز و جل: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ اَلسَّمِيعُ اَلْبَصِيرُ ». قال: فرجت عني يا أمير المؤمنين، فرج الله عنك، و حللت عني عقدة. [فقال (عليه السلام) ]: «و أما قوله: بَلْ هُمْ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ كََافِرُونَ، و ذكره المؤمنين الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم، و قوله لغيرهم: إِلىََ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بما أخلفوا الله ما وعدوه، و قوله: فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صََالِحاً، فأما قوله: بَلْ هُمْ بِلِقََاءِ رَبِّهِمْ كََافِرُونَ يعني البعث فسماه الله عز و جل لقاءه، و كذلك ذكر المؤمنين: اَلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاََقُوا رَبِّهِمْ، يعني يوقنون أنهم يبعثون و يحشرون و يحاسبون و يجزون بالثواب و العقاب، و الظن ها هنا اليقين خاصة، و كذلك قوله: فَمَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صََالِحاً، و قوله: مَنْ كََانَ يَرْجُوا لِقََاءَ اَللََّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اَللََّهِ لَآتٍ يعني من كان يؤمن بأنه مبعوث، فإن وعد الله لآت من الثواب و العقاب، فاللقاء ها هنا ليس بالرؤية، و اللقاء هو البعث، فافهم جميع ما في كتاب الله من لقائه، فإنه يعني بذلك البعث، و كذلك قوله: تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاََمٌ يعني أنه لا يزول الإيمان عن قلوبهم يوم يبعثون». قال: فرجت عني يا أمير المؤمنين، فرج الله عنك، فقد حللت عني عقدة. فقال (عليه السلام): «و أما قوله: وَ رَأَى اَلْمُجْرِمُونَ اَلنََّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوََاقِعُوهََا يعني أيقنوا أنهم داخلوها. و أما قوله: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاََقٍ حِسََابِيَهْ، و قوله: يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اَللََّهُ دِينَهُمُ اَلْحَقَّ وَ يَعْلَمُونَ أَنَّ اَللََّهَ هُوَ اَلْحَقُّ اَلْمُبِينُ، و قوله للمنافقين: وَ تَظُنُّونَ بِاللََّهِ اَلظُّنُونَا، فهذا الظن ظن شك و ليس ظن يقين، و الظن ظنان: ظن شك، و ظن يقين، فما كان من أمر معاد من الظن فهو ظن يقين، و ما كان من أمر الدنيا فهو ظن شك، فافهم ما فسرت لك». قال: فرجت عني يا أمير المؤمنين، فرج الله عنك. [فقال (عليه السلام) ]: «و أما قوله تبارك و تعالى: وَ نَضَعُ اَلْمَوََازِينَ اَلْقِسْطَ لِيَوْمِ اَلْقِيََامَةِ فَلاََ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً، فهو ميزان العدل، يؤخذ به الخلائق يوم القيامة، يديل الله تبارك و تعالى الخلق بعضهم من بعض بالموازين». و في غير هذا الحديث، الموازين هم الأنبياء و الأوصياء (عليهم السلام). «و أما قوله عز و جل: فَلاََ نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ اَلْقِيََامَةِ وَزْناً فإن ذلك خاص. و أما قوله: فَأُولََئِكَ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهََا بِغَيْرِ حِسََابٍ فإن رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: قال الله عز و جل: لقد حقت كرامتي-أو قال: مودتي-لمن يراقبني و يتحاب بجلالي أن وجوههم يوم القيامة من نور على منابر من نور، عليهم ثياب خضر، قيل: من هم يا رسول الله؟قال: قوم ليسوا بأنبياء و لا شهداء، و لكنهم تحابوا بجلال الله، و يدخلون الجنة بغير حساب، فنسأل الله عز و جل أن يجعلنا منهم برحمته. و أما قوله: فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوََازِينُهُ، و خَفَّتْ مَوََازِينُهُ فإنما يعني الحساب، توزن الحسنات و السيئات، و الحسنات ثقل الميزان، و السيئات خفة الميزان. و أما قوله: قُلْ يَتَوَفََّاكُمْ مَلَكُ اَلْمَوْتِ اَلَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلىََ رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ، و قوله: اَللََّهُ يَتَوَفَّى اَلْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهََا، و قوله: تَوَفَّتْهُ رُسُلُنََا وَ هُمْ لاََ يُفَرِّطُونَ، و قوله: اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ ظََالِمِي أَنْفُسِهِمْ، و قوله: اَلَّذِينَ تَتَوَفََّاهُمُ اَلْمَلاََئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلاََمٌ عَلَيْكُمْ، فإن الله تبارك و تعالى يدبر الأمور كيف يشاء، و يوكل من خلقه من يشاء بما يشاء، أما ملك الموت فإن الله يوكله بخاصة من يشاء من خلقه، و يوكل رسله من الملائكة خاصة بمن يشاء من خلقه، و الملائكة الذين سماهم الله عز ذكره وكلهم بخاصة من يشاء من خلقه، [إنه تبارك و تعالى]يدبر الأمور كيف يشاء، و ليس كل العلم يستطيع صاحب العلم أن يفسره لكل الناس، لأن منهم القوي و الضعيف، و لأن منه ما يطاق حمله، و منه ما لا يطاق حمله، إلا أن يسهل الله له حمله، و أعانه عليه من خاصة أوليائه، و إنما يكفيك أن تعلم أن الله هو المحيي المميت و أنه يتوفى الأنفس على يدي من يشاء من خلقه من ملائكته و غيرهم». قال: فرجت عني يا أمير المؤمنين، فرج الله عنك يا أمير المؤمنين، و نفع الله المسلمين بك. فقال علي (عليه السلام): «إن كنت قد شرح الله صدرك بما قد بينت لك، فأنت و الذي فلق الحبة و برأ النسمة من المؤمنين حقا». فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، كيف لي أن أعلم بأني من المؤمنين حقا؟قال (عليه السلام): «لا يعلم ذلك إلا من أعلمه الله على لسان نبيه (صلى الله عليه و آله)، و شهد له رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالجنة و شرح الله صدره، ليعلم ما في الكتب التي أنزلها الله عز و جل على رسله و أنبيائه». قال: يا أمير المؤمنين، و من يطيق ذلك؟قال: «من شرح الله صدره و وفقه له، فعليك بالعمل لله في سرائرك و علانيتك، فلا شيء يعدل العمل». 99-12088/ - محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن جعفر، عن السياري، عن محمد بن بكر، عن أبي الجارود، عن الأصبغ بن نباتة، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه قال: «و الذي بعث محمدا (صلى الله عليه و آله) بالحق، و أكرم أهل بيته، ما من شيء تطلبونه من حرق، أو غرق، أو سرق، أو إفلات دابة من صاحبها، أو ضالة، أو آبق، إلا و هو في القرآن، فمن أراد ذلك فليسألني عنه». قال: فقام إليه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عما يؤمن من الحرق و الغرق؟فقال: «اقرأ هذه الآيات: اَللََّهُ اَلَّذِي نَزَّلَ اَلْكِتََابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى اَلصََّالِحِينَ، وَ مََا قَدَرُوا اَللََّهَ حَقَّ قَدْرِهِ -إلى قوله سبحانه و تعالى- عَمََّا يُشْرِكُونَ فمن قرأها فقد أمن من الحرق و الغرق». قال: فقرأها رجل، و اضطرمت النار في بيوت جيرانه، و بيته وسطها فلم يصبه شيء. ثم قام إليه رجل آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن دابتي استصعبت علي، و أنا منها على وجل؟فقال: «اقرأ في اذنها اليمنى: وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً وَ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ فقرأها فذلت له دابته. و قام إليه رجل آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أرضي أرض مسبعة، و إن السباع تغشى منزلي و لا تجوز حتى تأخذ فريستها؟فقال: «اقرأ لَقَدْ جََاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مََا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ* `فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اَللََّهُ لاََ إِلََهَ إِلاََّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَ هُوَ رَبُّ اَلْعَرْشِ اَلْعَظِيمِ ». فقرأهما الرجل فاجتنبته السباع. ثم قام إليه آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، إن في بطني ماء أصفر، فهل من شفاء؟ فقال: «نعم، بلا درهم و لا دينار، و لكن اكتب على بطنك آية الكرسي، و تغسلها و تشربها و تجعلها ذخيرة في بطنك، فتبرأ بإذن الله عز و جل». ففعل الرجل فبرىء بإذن الله. ثم قام إليه آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الضالة؟قال: «اقرأ يس في ركعتين، و قل: يا هادي الضالة، رد علي ضالتي». ففعل فرد الله عز و جل عليه ضالته. ثم قام إليه آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن الآبق؟فقال: «اقرأ: أَوْ كَظُلُمََاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشََاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحََابٌ إلى قوله: وَ مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اَللََّهُ لَهُ نُوراً فَمََا لَهُ مِنْ نُورٍ ». فقالها الرجل فرجع إليه الآبق. ثم قام إليه آخر، فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن السرق، فإنه لا يزال يسرق لي الشيء بعد الشيء ليلا. فقال له: «اقرأ إذا أويت إلى فراشك: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ إلى قوله: وَ كَبِّرْهُ تَكْبِيراً ». ثم قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «من بات بأرض قفر فقرأ هذه الآية: إِنَّ رَبَّكُمُ اَللََّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيََّامٍ ثُمَّ اِسْتَوىََ عَلَى اَلْعَرْشِ إلى قوله: تَبََارَكَ اَللََّهُ رَبُّ اَلْعََالَمِينَ حرسته الملائكة، و تباعدت عنه الشياطين». قال: فمضى الرجل فإذا هو بقرية خراب، فبات فيها و لم يذكر هذه الآية، فتغشاه الشيطان، و إذا هو آخذ بلحيته، فقال له صاحبه: أنظره، و استيقظ فقرأ الآية، فقال الشيطان لصاحبه: أرغم الله أنفك، احرسه الآن حتى يصبح، فلما أصبح الرجل رجع إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) فأخبره، و قال له: رأيت في كلامك الشفاء و الصدق، و مضى بعد طلوع الشمس، فإذا هو بأثر شعر الشيطان منجرا في الأرض. 99-12089/ - محمد بن يعقوب: عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن سنان، عن عمار ابن مروان، عن جابر، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): إن حديث آل محمد صعب مستصعب، لا يؤمن به إلا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو عبد امتحن الله قلبه للايمان، فما ورد عليكم من حديث آل محمد فلانت له قلوبكم و عرفتموه فاقبلوه، و ما اشمأزت منه قلوبكم و أنكرتموه فردوه إلى الله و إلى الرسول و إلى العالم من آل محمد، إنما الهالك أن يحدث أحدكم بشيء لا يحتمله، فيقول: و الله ما كان هذا، و الله ما كان هذا، و الإنكار هو الكفر». 99-12090/ - و عنه: عن أحمد بن إدريس، عن عمران بن موسى، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ذكرت التقية يوما عند علي بن الحسين (عليهما السلام) فقال: و الله لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، و لقد آخى رسول الله (صلى الله عليه و آله) بينهما، فما ظنكم بسائر الخلق، إن علم العلماء صعب مستصعب، لا يحتمله إلا نبي مرسل، أو ملك مقرب، أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للايمان، فقال: و إنما صار سلمان من العلماء، لأنه امرؤ منا أهل البيت، و لذلك نسبته إلى العلماء».

البرهان في تفسير القرآن - السيد هاشم البحراني - ج ٥ - الصفحة ٨١٩. — الإمام الصادق عليه السلام

عن الحسن البصري قال خطبنا علي بن أبي طالب ص على هذا المنبر و ذلك بعد ما فرغ من أمر طلحة و الزبير و عائشة، صعد المنبر فحمد الله و أثنى عليه و صلى على رسوله ص، ثم قال: أيها الناس و الله ما قاتلت هؤلاء بالأمس- إلا بآية تركتها في كتاب الله إن الله يقول «وَ إِنْ نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَ طَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ- إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ» أما و الله لقد عهد إلي رسول الله عليه و آله السلام و قال لي يا علي لتقاتلن الفئة الباغية- و الفئة الناكثة، و الفئة المارقة.

تفسير العيّاشي - ج ٢ - الصفحة ٧٨. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال

قلت له: أصلحك الله أ كان رسول الله ص يتعوذ من البخل قال: نعم يا با محمد في كل صباح و مساء، و نحن نعوذ بالله من البخل، إن الله يقول في كتابه «وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ» و سأنبئك عن عاقبة البخل، إن قوم لوط كانوا أهل قرية بخلاء أشحاء على الطعام- فأعقبهم الله داء لا دواء له في فروجهم، قلت. و ما أعقبهم قال: إن قوم [قرية] لوط كانت على طريق السيارة إلى الشام و مصر، فكانت المارة تنزل بهم فيضيفونه، فلما أن كثر ذلك عليهم ضاقوا به ذرعا و بخلا و لوما، فدعاهم البخل إلى أن كان إذا نزل بهم الضيف- فضحوه من غير شهوة بهم إلى ذلك، و إنما كانوا يفعلون ذلك بالضيف- حتى تنكل النازلة عليهم- فشاع أمرهم في القرى و حذرتهم المارة- فأورثهم البخل بلاء- لا يدفعونه عن أنفسهم في شهوة بهم إليه، حتى صاروا يطلبونه من الرجال في البلاد، و يعطونهم عليه الجعل، فأي داء أعدى [أدأى] من البخل، و لا أضر عاقبة و لا أفحش عند الله. قال أبو بصير: فقلت له: أصلحك الله- هل كان أهل قرية لوط كلهم هكذا مبتلين قال: نعم إلا أهل بيت من المسلمين، أ ما تسمع لقوله: «فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ- فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ثم قال أبو جعفر عليه السلام إن لوطا لبث مع قومه ثلاثين سنة- يدعوهم إلى الله و يحذرهم عقابه، قال: و كانوا قوما لا يتنظفون من الغائط- و لا يتطهرون من الجنابة، و كان لوط و آله يتنظفون من الغائط- و يتطهرون من الجنابة، و كان لوط ابن خالة إبراهيم، و إبراهيم ابن خالة لوط، و كانت امرأة إبراهيم سارة أخت لوط، و كان إبراهيم و لوط نبيين عليه السلام مرسلين منذرين، و كان لوط رجلا سخيا كريما- يقري الضيف إذا نزل به و يحذره قومه، قال: فلما أن رأى قوم لوط ذلك قالوا: إنا ننهاك عن العالمين لا تقري ضيفا نزل بك، فإنك إن فعلت فضحنا ضيفك و أخزيناك فيه- و كان لوط إذا نزل به الضيف- كتم أمره مخافة أن يفضحه قومه، و ذلك أن لوطا كان فيهم لا عشيرة له. قال: و إن لوطا و إبراهيم لا يتوقعان نزول العذاب على قوم لوط، و كانت لإبراهيم و لوط منزلة من الله شريفة، و إن الله تبارك و تعالى كان إذا هم بعذاب قوم لوط أدركته فيهم مودة إبراهيم و خلته و محبة لوط فيراقبهم فيه فيؤخر عذابهم. قال أبو جعفر: فلما اشتد أسف الله على قوم لوط و قدر عذابهم و قضاه- أحب أن يعوض إبراهيم من عذاب قوم لوط بغلام حليم- فيسلي به مصابه بهلاك قوم لوط، فبعث الله رسلا إلى إبراهيم يبشرونه بإسماعيل فدخلوا عليه ليلا ففزع منهم- و خاف أن يكونوا سراقا- قال: فلما أن رأته الرسل فزعا وجلا فَقالُوا سَلاماً، قالَ سَلامٌ قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ- قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، قال أبو جعفر ع: و الغلام الحليم هو إسماعيل من هاجر، فقال إبراهيم للرسل: «أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ- قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ» فقال إبراهيم للرسل فما خطبكم بعد البشارة «قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ» قوم لوط إنهم كانوا قوما فاسقين، لننذرهم عذاب رب العالمين- قال أبو جعفر ع: فقال إبراهيم للرسل: «إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها- لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ» قال: «فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ- قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ- قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ» يقول: من عذاب الله لننذر قومك العذاب، «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ» يا لوط إذا مضى من يومك هذا سبعة أيام بلياليها «بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ». قال أبو جعفر فقضوا إلى لوط ذلك الأمر- أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين- قال أبو جعفر: فلما كان يوم الثامن مع طلوع الفجر- قدم الله رسلا إلى إبراهيم يبشرونه بإسحاق و يعزونه بهلاك قوم لوط و ذلك قول الله في سورة هود «وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ- فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ» يعني ذكيا مشويا نضيجا «فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ- وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً- قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ» قال أبو جعفر ع: إنما عنى امرأة إبراهيم سارة قائمة «فبشروها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ» إلى قوله: «إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ» قال أبو جعفر ع: فلما أن جاءت البشارة بإسحاق ذهب عنه الروع و أقبل يناجي ربه في قوم لوط و يسأله كشف العذاب عنهم، قال الله: «يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ- وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ» بعد طلوع الشمس من يومي هذا محتوم غير مردود.

تفسير العيّاشي - ج ٢ - الصفحة ٢٤٤. — الإمام الباقر عليه السلام
يا محمد ان الخيوط التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكة و رمت بك الى يثرب، و انها لا تزال بك تنفرك و تحثك على ما يفسدك و يتلفك الى ان تفسدها على اهلها و تصليهم حر نار جهنم و تعديك طورك، و ما ارى ذلك الا و سيؤول الى ان تثور عليك قريش ثورة رجل واحد لقصد اثارك و دفع ضرك و بلائك. فتلقاهم بسفهائك المغترين بك و يساعدك على ذلك من هو كافر بك مبغض لك، فيلجئه الى مساعدتك و مظافرتك خوفه لأن لا يهلك بهلاكك و يعطب عياله بعطبك، و يفتقر هو و من يليه بفقرك و بفقر شيعتك، اذ يعتقدون ان اعداءك اذا قهروك و دخلوا ديارهم عنوة لم يفرقوا بين من والاك و عاداك، و اصطلموهم باصطلامهم لك و اتوا على عيالاتهم و أموالهم بالسبي و النهب، كما يأتون على اموالك و عيالك، و قد اعذر من انذر و بالغ من أوضح. و ادّيت هذه الرسالة الى محمّد و هو بظاهر المدينة بحضرة كافة أصحابه و عامة الكفار من يهود بني اسرائيل، و هكذا، أمر الرسول: ليجبن المؤمنين و يغري بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين. فقال رسول اللّه

(صلى اللّه عليه و آله) - للرسول-: قد اطريت مقالتك و استكملت رسالتك؟ قال: بلى. قال: فاسمع الجواب، ان ابا جهل بالمكاره و العطب يتهددني، و رب العالمين بالنصر و الظفر يعدني، و خبر اللّه أصدق، و القبول من اللّه احق، لن يضر محمّدا من خذله او يغضب عليه، بعد ان ينصره اللّه و يتفضل بجوده و كرمه عليه. قل له: يا أبا جهل إنّك واصلتني بما ألقاه في خلدك الشيطان، و انا اجيبك بما ألقاه في خاطري الرحمن، ان الحرب بيننا و بينك كائنة الى تسع و عشرين يوما، و ان اللّه سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، و ستلقى أنت و شيبة و عتبة و الوليد و فلان و فلان- و ذكر عددا من قريش- في قليب بدر مقتولين، اقتل منكم سبعين و آسر منكم سبعين، و احمّلهم على الفداء الثقيل. ثم نادى جماعة من بحضرته من المؤمنين و اليهود و سائر الأخلاط: أ لا تحبون ان اريكم [مصارع هؤلاء المذكورين و] مصرع كل واحد منهم؟ [قالوا: بلى. قال: ] هلموا الى بدر! فان هناك الملتقى و المحشر، و هناك البلاء الأكبر، لأضع قدمي على مواضع مصارعهم. ثم ستجدونها لا تزيد و لا تنقص و لا تتغير و لا تتقدم و لا تتأخر لحظة و لا قليلا و لا كثيرا، فلم يخف ذلك على احد منهم و لم يجبه الا علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحده، قال: نعم بسم اللّه. فقال الباقون: نحن نحتاج الى مركوب و آلات و نفقات، و لا يمكننا الخروج الى هناك و هو مسيرة أيام. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لسائر اليهود: فأنتم ما ذا تقولون؟ فقالوا: نحن نريد ان نستقر في بيوتنا و لا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في ادعائه محيل. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لأنصب لكم في المسير الى هناك اخطوا خطوة واحدة! فان اللّه يطوي الأرض لكم و يوصلكم في الخطوة الثانية الى هناك. قال المسلمون: صدق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فلنشرّف بهذه الآية و قال الكافرون و المنافقون: سوف نمتحن هذا الكذاب لينقطع عذر محمّد و يصير دعواه حجة عليه و فاضحة له في كذبه. قال: فخطا القوم خطوة ثم الثانية، فاذا هم عند بئر بدر، فتعجبوا فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: اجعلوا البئر العلامة و اذرعوا من عندها كذا ذراع، فذرعوا فلما انتهوا الى آخرها قال: هذا مصرع أبي جهل يجرحه فلان الانصاري، و يجهز عليه عبد اللّه بن مسعود أضعف اصحابي. ثم قال: اذرعوا من البئر من جانب آخر ثم من جانب آخر ثم من جانب آخر كذا و كذا ذراعا و ذراعا، و ذكر اعداد الأذرع المختلفة، فلما انتهى كل عدد الى آخره، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): هذا مصرع عتبة، و هذا مصرع شيبة، و ذاك مصرع الوليد، و سيقتل فلان و فلان إلى أن سمى سبعين منهم بأسمائهم [و أسماء آبائهم]، و سيؤسر فلان و فلان الى ان ذكر سبعين منهم بأسمائهم و اسماء آبائهم و صفاتهم، و نسب المنسوبين الى امّهاتهم و آبائهم، و نسب الموالي منهم الى مواليهم. ثم قال (صلى اللّه عليه و آله): أوقفتم على ما أخبرتكم به؟ قالوا: بلى، قال: ان ذلك [من اللّه] لحق كائن بعد ثمانية و عشرين يوما في اليوم التاسع و العشرين وعدا من اللّه مفعولا و قضاء حتما لازما... تمام الخبر. ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا معشر المسلمين و اليهود اكتبوا بما سمعتم. فقالوا: يا رسول اللّه قد سمعنا و وعينا و لا ننسى. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): الكتابة اذكر لم. فقالوا: يا رسول اللّه فأين الدواة و الكتف؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ذلك للملائكة. ثم قال: يا ملائكة ربي اكتبوا ما سمعتم من هذه القصة في الكتاب و اجعلوا في كمّ كل واحد منهم كتفا من ذلك. ثم قال: يا معشر المسلمين تأملوا أكمامكم و ما فيها و اخرجوها و اقرءوها، فتأملوها، و اذا في كلّ كل واحد منهم صحيفة، قرءوها و اذا فيها ذكر ما قاله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في ذلك سواء لا يزيد و لا ينقص و لا يتقدم و لا يتأخر فقال: اغيضوها في أكمامكم تكن حجة عليكم و شرفا للمؤمنين منكم و حجة على اعدائكم فكانت معهم. فلما كانت يوم بدر جرت الأمور كلها ببدر كما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لا يزيد و لا ينقص، قابلوها في كتبهم فوجدوها كما كتبها الملائكة لا تزيد و لا تنقص و لا تتقدم و لا تتأخر، فقبل المسلمون ظاهرهم و وكلوا باطنهم الى خالقهم. [1]

مسند الإمام العسكري أبي محمد الحسن بن عليعليهم السلام - الصفحة ٢٠٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
السيّد الرضي في الخصائص أيضا: روي أنّ أمير المؤمنين عليّا- (عليه السلام) - كان جالسا في المسجد، إذ دخل عليه رجلان فاختصما إليه، و كان أحدهما من الخوارج، فتوجّه الحكم على الخارجيّ، فحكم عليه أمير المؤمنين- (عليه السلام) -، فقال

له الخارجيّ: و اللّه ما حكمت بالسويّة، و لا عدلت في القضيّة، و ما قضيّتك عند اللّه بمرضيّة، فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام) - و أومأ (بيده) إليه: اخسأ عدوّ اللّه، فاستحال كلبا أسود. فقال من حضر: فو اللّه لقد رأينا ثيابه تطاير عنه في الهواء، و جعل يبصبص لأمير المؤمنين، و دمعت عيناه في وجهه، و رأينا أمير المؤمنين- (عليه السلام) - و قد رقّ له فلحظ السماء، و حرّك شفتيه بكلام لم نسمعه، فو اللّه لقد رأيناه و قد عاد إلى حال الإنسانيّة، و تراجعت ثيابه من الهواء حتى سقطت على كتفيه، فرأيناه و قد خرج من المسجد و إنّ رجليه لتضطربان. فبهتنا ننظر إلى أمير المؤمنين، فقال لنا: ما لكم تنظرون و تعجبون؟ فقلنا: يا أمير المؤمنين كيف لا نتعجّب و قد صنعت ما صنعت. فقال: أ ما تعلمون أنّ آصف بن برخيا وصيّ سليمان بن داود- (عليه السلام) - قد صنع ما هو قريب من هذا الأمر، فقصّ اللّه جلّ اسمه قصّته حيث يقول: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ الآية. فأيّما أكرم على اللّه نبيّكم أم سليمان؟ فقالوا: بل نبيّنا أكرم يا أمير المؤمنين. قال: فوصيّ نبيّكم أكرم من وصيّ سليمان، و إنّما كان عند وصيّ سليمان- (عليه السلام) - من اسم اللّه الأعظم حرف واحد، فسأل اللّه جلّ اسمه، فخسف له الأرض ما بينه و بين سرير بلقيس فتناوله في أقلّ من طرف العين، و عندنا من اسم اللّه الأعظم اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه تعالى استأثر به دون خلقه. فقالوا [له]: يا أمير المؤمنين فإذا كان هذا عندك فما حاجتك إلى الأنصار في قتال معاوية و غيره، و استنفارك الناس إلى حربه ثانية فقال: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ إنّما أدعو هؤلاء القوم إلى قتاله ليثبت المحجّة، و كمال الحجّة، و لو أذن لي في إهلاكه لما تأخّر، لكنّ اللّه تعالى يمتحن خلقه بما شاء، قالوا: فنهضنا من حوله و نحن نعظّم ما أتى به- (عليه السلام) -.

مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج ١ - الصفحة ٣٠٨. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
قال عليّ بن الحسين

- (عليهما السلام) -: و لأمير المؤمنين- (عليه السلام) - نظيرها، كان قاعدا ذات يوم فأقبل إليه رجل من اليونانيّين المدّعين للفلسفة و الطبّ، فقال له: يا أبا الحسن بلغني خبر صاحبك و أنّه به جنون، فجئت لاعالجه! فلحقته قد مضى لسبيله، و فاتني ما أردت من ذلك، و قد قيل (لي): إنّك ابن عمّه و صهره، و أرى اصفرارا قد علاك، و ساقين دقيقين ما أراهما تقلّانك. فأمّا الاصفرار فعندي دواؤه، و [أمّا] الساقان الدقيقان فلا حيلة لي لتغليظهما، و الوجه أن ترفق (بهما و) بنفسك في المشي، تقلّله و لا تكثره، و فيما تحمله على ظهرك، و تحتضنه بصدرك أن تقلّلهما و لا تكثرهما، فإنّ ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل الثقيل انقصافهما. و أمّا الصفار فدواؤه عندي و هو هذا- و أخرج دواء- و قال: هذا مرّا يؤذيك و لا يحبسك و لكنّه يلزمك حميّة من اللحم أربعين صباحا، ثم يزيل صفارك. فقال [له] عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام) -: قد ذكرت نفع هذا الدواء لصفاري، فهل تعرف شيئا يزيد فيه و يضرّه؟ فقال الرجل: بلى حبّة من هذا- و أشار [بيده] إلى دواء معه- و قال: إن تناوله الإنسان و به صفار أماته من ساعته، و إن كان لا صفار فيه صار به صفرة حتى يموت في يومه. فقال عليّ بن أبي طالب: فأرني هذا الضارّ. فأعطاه [إيّاه]. فقال [له]: كم قدر هذا؟ فقال: قدره مثقالان سمّ ناقع، [قدر] كلّ حبّة منه يقتل رجلا. فتناوله عليّ- (عليه السلام) - فقمحه و عرق عرقا خفيفا، و جعل الرجل يرتعد و يقول في نفسه: الآن اؤخذ بابن أبي طالب و يقال: قتلته و لا يقبل منّي قولي إنّه لهو الجاني على نفسه. فتبسّم عليّ- (عليه السلام) - و قال: يا عبد اللّه أصحّ ما كنت بدنا الآن لم يضرّني ما زعمت أنّه سمّ، فغمّض عينيك. فغمّض، ثمّ قال: افتح عينيك. ففتح، و نظر إلى وجه عليّ- (عليه السلام) - فإذا هو أبيض أحمر مشوب بحمرة، فارتعد الرجل ممّا رآه. و تبسّم عليّ- (عليه السلام) - و قال: أين الصفار الذي زعمت أنّه بي؟ فقال [الرجل]: و اللّه لكنّك لست من رأيت [قبل]، كنت مصفارا فأنت الآن مورّد. قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام) -: فزال عنّي الصفار بسمّك الذي زعمت أنّه قاتلي، و أمّا ساقاي هاتان- و مدّ رجليه و كشف عن ساقيه- فإنّك زعمت أنّي أحتاج إلى أن أرفق ببدني في حمل ما أحمل عليه لئلّا ينقصف الساقان، و أنا ادلّك على طبّ اللّه عزّ و جلّ خلاف طبّك، و ضرب بيده على اسطوانة خشب عظيمة، على رأسها سطح مجلسه الذي هو فيه، و فوقه حجرتان إحداهما فوق الاخرى، و حرّكها و احتملهما فارتفع السطح و الحيطان و فوقهما الغرفتان، فغشي على اليونانيّ. فقال عليّ- (عليه السلام) -: صبّوا عليه الماء [فصبّوا عليه ماء]، فأفاق و هو يقول: و اللّه ما رأيت كاليوم عجبا. فقال له عليّ- (عليه السلام) -: هذه قوّة الساقين الدقيقين و احتمالهما، أنّى طبّك هذا يا يونانيّ فقال اليونانيّ: أمثلك كان محمّد- (صلى اللّه عليه و آله) -؟ فقال عليّ- (عليه السلام) -: و هل علمي إلّا من علمه، و عقلي إلّا من عقله، و قوّتي إلّا من قوّته؟ لقد أتاه ثقفي كان أطبّ العرب، فقال له: إن كان بك جنون داويتك! فقال له محمّد- (صلى اللّه عليه و آله) -: أ تحبّ أن اريك آية تعلم بها غناي عن طبّك، و حاجتك إلى طبّي؟ قال: نعم. فقال: أيّ آية تريد؟ قال: تدعو ذلك العذق- و أشار إلى نخلة سحوق- فدعاها، فانقلع أصلها من الأرض و هي تخدّ في الأرض خدّا، حتى وقفت بين يديه، فقال له: أكفاك [ذا]؟ قال: لا. قال: فتريد ما ذا؟ قال: تأمرها [أن] ترجع إلى حيث جاءت [منه] و تستقرّ في مستقرّها الذي انقلعت منه، فأمرها فرجعت و استقرّت في مقرّها. فقال اليونانيّ لأمير المؤمنين- (عليه السلام) -: هذا الذي تذكره عن محمد غائب عنّي، و أنا أقتصر منك على أقلّ من ذلك، أنا أتباعد عنك فادعني، و أنا لا أختار الإجابة، فإن جئت بي إليك فهي آية. قال أمير المؤمنين- (عليه السلام) -: هذا إنّما يكون لك آية وحدك لأنّك تعلم من نفسك أنّك لم ترد، و أنّي أزلت اختيارك من غير أن باشرت منّي شيئا، أو ممّن أمرته بأن يباشرك، أو ممّن قصد إلى ذلك و إن لم آمره إلّا ما يكون من قدرة اللّه القاهرة، و أنت (تعلم) يا يونانيّ يمكنك أن تدّعي و يمكن غيرك أن يقول: [إنّي قد] واطأتك على ذلك، فاقترح إن كنت مقترحا ما هو آية لجميع العالمين. فقال له اليونانيّ: إن جعلت الاقتراح إلي، فأنا أقترح أن تفصل أجزاء تلك النخلة و تفرّقها، و تباعد ما بينها، ثمّ تجمعها و تعيدها كما كانت. فقال عليّ- (عليه السلام) -: هذه آية و أنت رسولي إليها- يعني [إلى] النخلة- فقل لها: إنّ وصيّ محمد رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - يأمر أجزاءك أن تتفرّق و تتباعد. فذهب فقال لها، فتفاصلت و تهافتت و تنثّرت و تصاغرت أجزاؤها، حتى لم ير لها عين و لا أثر، حتى كأن لم يكن هناك [أثر] نخلة [قطّ]، فارتعدت فرائص اليونانيّ، و قال: يا وصيّ محمّد أعطيتني اقتراحي الأوّل، فاعطني الآخر. فأمرها أن تجتمع و تعود كما كانت. فقال: أنت رسولي إليها فعد فقل لها: يا أجزاء النخلة إنّ وصيّ رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - يأمرك أن تجتمعي (و تكوني) كما كنت تعودي. فنادى اليونانيّ فقال ذلك، فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور، ثمّ جعلت تجتمع جزءا جزءا منها حتى تصوّر لها القضبان و الأوراق و الاصول و السعف و شماريخ الأعذاق، ثمّ تألّفت، و تجمّعت و استطالت و عرضت و استقرّ أصلها في مستقرّها و تمكّن عليها ساقها، و تمكّن على الساق قضبانها، و على القضبان أوراقها، و في أماكنها أعذاقها، و قد كانت في الابتداء شماريخها متجرّدة لبعدها من أوان الرطب و البسر و الخلال. فقال اليونانيّ: و اخرى احبّها أن تخرج شماريخها خلالها، و تقلبها من خضرة إلى صفرة و حمرة و ترطيب و بلوغ أوانه ليؤكل و تطعمني و من حضرك منها. فقال عليّ- (عليه السلام) -: أنت رسولي إليها بذلك، فمرها به. فقال لها اليونانيّ بأمر أمير المؤمنين- (عليه السلام) - فأخلّت و أبسرت، و اصفرّت، و احمرّت و أرطبت و ثقلت أعذاقها برطبها. فقال اليونانيّ: و اخرى احبّ أن تقرّب من يدي أعذاقها، أو تطوّل يدي لتناولها، [و] احبّ شيئا إليّ أن تنزل إليّ إحداهما، و تطوّل يدي (إلى) الاخرى التي هي اختها. فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام) - مدّ إليها اليد التي تريد أن تنالها و قل: يا مقرّب البعيد قرّب يدي منها، و اقبض الاخرى التي تريد أن تنزل إليك العذق منها و قل: يا مسهّل العسير سهّل لي تناول ما يبعد عنّي منها ففعل ذلك، و قاله فطالت يمناه فوصلت إلى العذق، و انحطّت الأعذاق الأخر، فسقطت على الأرض قد طالت عراجينها. ثمّ قال أمير المؤمنين- (عليه السلام) -: إنّك إن أكلت منها ثم لم تؤمن بمن أظهر لك عجائبها عجّل اللّه عزّ و جلّ [لك] من العقوبة التي يبتليك بها ما يعتبر به عقلاء خلقه و جهّالهم. فقال اليونانيّ: إنّي إن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في العناد، و تناهيت في التعرّض للهلاك، أشهد أنّك من خاصّة اللّه، صادق في جميع أقاويلك عن اللّه عزّ و جلّ، فأمرني بما تشاء اطعك. قال عليّ- (عليه السلام) -: آمرك أن تقرّ له بالوحدانيّة، و تشهد له بالجود و الحكمة، و تنزّهه عن العبث و الفساد و عن ظلم الإماء و العباد، و تشهد أنّ محمدا- (صلى اللّه عليه و آله) - الذي أنا وصيّه سيّد الأنام، و أفضل رتبة [أهل] دار السلام، و تشهد أنّ عليّا الذي أراك ما أراك، و أولاك من النعم ما أولاك، خير خلق اللّه من بعد محمد رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - و أحقّ خلق اللّه بمقام محمد بعده، و للقيام بشرائعه و أحكامه، و تشهد أنّ أولياءه أولياء اللّه، و [أنّ] أعداءه أعداء اللّه، و أنّ المؤمنين المشاركين لك فيما كلّفتك، المساعدين لك على ما به أمرتك خير أمّة محمّد- (صلى اللّه عليه و آله) - و صفوة شيعة عليّ- (عليه السلام) -. و آمرك أن تواسي إخوانك [المؤمنين] المطابقين لك على تصديق محمد- (صلى اللّه عليه و آله) - و تصديقي، و الانقياد له ولي ممّا رزقك اللّه، و فضّلك على من فضّلك [به منهم]، تسدّ فاقتهم، و تجبر كسرهم و خلّتهم، و من كان منهم في درجتك في الإيمان ساويته في مالك بنفسك، و من كان منهم فاضلا عليك في دينك آثرته بمالك على نفسك، حتى يعلم اللّه منك أنّ دينه آثر عندك من مالك، و أنّ أولياءه أكرم عليك من أهلك و عيالك. و آمرك أن تصون دينك، و علمنا الذي أودعناك، و أسرارنا التي حمّلناك، فلا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، و يقابلك من أجلها بالشتم و اللعن و التناول من العرض و البدن، و لا تفش سرّنا إلى من يشنّع علينا عند الجاهلين بأحوالنا، و يعرّض أولياءنا لبوادر الجهّال. و آمرك أن تستعمل التقيّة في دينك فإنّ اللّه يقول لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً. و قد أذنت لك في تفضيل أعدائنا علينا إن ألجأك الخوف إليه، و في إظهارك البراءة [منّا] إن حملك الوجل عليه، و في (شيء من) ترك الصلوات المكتوبات إذا خشيت على حشاشتك الآفات و العاهات، فإنّ تفضيلك أعداءنا علينا عند خوفك لا ينفعهم و لا يضرّنا، و إنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيّتك لا يقدح فينا و لا ينقصنا، و لئن تتبرّأ منّا ساعة بلسانك و أنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، و مالها الذي به قيامها، و جاهها الذي به تماسكها، و تصون من عرفت بذلك و عرفك به من أوليائنا و إخواننا [و أخواتنا] من بعد ذلك بشهور و سنين إلى أن تنفرج تلك الكربة، و تزول به تلك الغمّة، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرّض للهلاك، و تنقطع به عن عمل في الدين و صلاح إخوانك المؤمنين. و إيّاك ثمّ إيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك و دماء إخوانك معرّض لنعمتك و نعمتهم للزوال، مذلّ لهم في أيدي أعداء دين اللّه، فقد أمرك اللّه [بإعزازهم] فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على نفسك و إخوانك أشدّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا.

مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج ١ - الصفحة ٣٥٢. — الإمام السجاد عليه السلام
الإمام أبو محمد العسكري- (عليه السلام) -: إنّ اللّه تعالى [قد] أوحى إليه: يا محمد إنّ العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام، و يقول لك: إنّ أبا جهل و الملأ من قريش قد دبّروا يريدون قتلك، و آمرك أن تبيت عليّا في موضعك، و قال لك: إنّ منزلته منزلة إسماعيل الذبيح من إبراهيم الخليل، يجعل نفسه لنفسك فداء، و روحه لروحك وقاء، و آمرك أن تستصحب أبا بكر، فإنّه إن آنسك و ساعدك و وازرك و ثبت على ما يعاهدك و يعاقدك كان في الجنّة من رفقائك، و في غرفاتها من خلصائك. فقال رسول اللّه

- (صلى اللّه عليه و آله) - لعليّ: أرضيت أن اطلب فلا اوجد و توجد، فلعلّه أن يبادر إليك الجهّال فيقتلوك؟ قال: بلى يا رسول اللّه رضيت أن تكون روحي لروحك وقاء، و نفسي لنفسك فداء، بل [قد] رضيت أن تكون روحي و نفسي فداء لأخ لك أو قريب أو لبعض الحيوانات تمتهنها، و هل احبّ الحياة إلّا لخدمتك، و التصرّف بين أمرك و نهيك، و لمحبّة أوليائك، و نصرة أصفيائك، و مجاهدة أعدائك؟ لو لا ذلك لما أحببت أن أعيش في هذه الدنيا ساعة واحدة. فأقبل رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - على عليّ- (عليه السلام) - و قال له: يا أبا حسن قد قرأ عليّ كلامك هذا الموكّلون باللوح المحفوظ، و قرءوا عليّ ما أعدّ اللّه [به] لك من ثوابه في دار القرار ما لم يسمع بمثله السامعون، و لا رأى مثله الراءون، و لا خطر مثله ببال المتفكّرين. ثمّ قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - لأبي بكر: أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر تطلب كما اطلب، و تعرف بأنّك أنت الذي تحملني على ما أدّعيه، فتحمل عنّي أنواع العذاب؟ قال أبو بكر: يا رسول اللّه أما أنا لو عشت عمر الدنيا اعذّب في جميعها أشدّ عذاب لا ينزل عليّ موت مريح، و لا فرج متيح، و كان ذلك في محبّتك لكان ذلك أحبّ إليّ من أن أتنعّم فيها و أنا مالك لجميع مماليك ملوكها في مخالفتك، ما أهلي و مالي و ولدي إلّا فداؤك. فقال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) -: لا جرم إن اطّلع اللّه على قلبك و وجد ما فيه موافقا لما جرى على لسانك، جعلك منّي بمنزلة السمع و البصر، و الرأس من الجسد، و بمنزلة الروح من البدن، كعليّ الذي هو منّي كذلك، و عليّ فوق ذلك لزيادة فضائله و شريف خصاله. يا أبا بكر إنّ من عاهد اللّه ثمّ لم ينكث، و لم يغيّر، و لم يبدّل، و لم يحسد من قد أبانه اللّه بالتفضيل فهو معنا في الرفيق الأعلى، و إذا أنت مضيت على طريقة يحبّها منك ربّك، و لم تتبعها بما يسخطه، و وافيته بها إذا بعثك بين يديه، كنت لولاية اللّه مستحقّا، و لمرافقتنا في تلك الجنان مستوجبا. انظر أبا بكر. فنظر في آفاق السماء، فرأى أملاكا من نار على أفراس من نار، بأيديهم رماح من نار، كلّ ينادي: يا محمد مرنا بأمرك في [أعدائك و] مخالفيك نطحطحهم. ثمّ قال: تسمّع إلى الأرض. فتسمّع فإذا هي تنادي: يا محمد مرني بأمرك في أعدائك أمتثل أمرك. ثمّ قال: تسمّع إلى الجبال. فتسمّعها تنادي: يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نهلكهم. ثمّ قال: تسمّع على البحار فاحضرت البحار بحضرته، و صاحت أمواجها تنادي: يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نمتثله. ثمّ سمع السماء و الأرض و الجبال و البحار كلّ يقول: [يا محمد] ما أمرك ربّك بدخول الغار لعجزك عن الكفّار، و لكن امتحانا و ابتلاء ليتخلّص الخبيث من الطيّب من عباده و إيمائه بأناتك و صبرك و حلمك عنهم، يا محمد من و فى بعهدك فهو من رفقائك في الجنان، و من نكث فإنّما ينكث على نفسه، و هو من قرناء إبليس اللعين في طبقات النيران. ثمّ قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - لعليّ: يا عليّ أنت منّي بمنزلة السمع و البصر، و الرأس من الجسد، و الروح من البدن، حيث أنّك إليّ كالماء البارد إلى ذي الغلّة الصادي، ثمّ قال [له]: يا أبا الحسن تغشّ ببردتي، فإذا أتاك الكافرون يخاطبونك، فإنّ اللّه يقرن بك توفيقه، و به تجيبهم. فلمّا جاء أبو جهل و القوم شاهرون سيوفهم، قال لهم أبو جهل: لا تقعوا به و هو نائم لا يشعر، و لكن ارموه بالأحجار لينتبه بها، ثمّ اقتلوه. فرموه بأحجار ثقال صائبة، فكشف عن رأسه، و قال: ما ذا شأنكم؟ فعرفوه فإذا هو عليّ- (عليه السلام) -. فقال [لهم] أبو جهل: أ ما ترون محمدا كيف أبات هذا و نجا بنفسه لتشتغلوا به فينجو محمد، لا تشتغلوا بعليّ المخدوع لينجو بهلاكه محمد، و إلّا فما منعه أن يبيت في موضعه إن كان ربّه يمنع عنه كما يزعم؟ فقال عليّ- (عليه السلام) -: ألي تقول هذا يا أبا جهل؟ بل اللّه قد أعطاني من العقل ما لو قسّم على جميع حمقاء الدنيا و مجانينها لصاروا به عقلاء، و من القوّة ما لو قسّم على جميع ضعفاء الدنيا لصاروا به أقوياء، و من الشجاعة ما لو قسّم على جميع جبناء الدنيا لصاروا [به] شجعانا، و من الحلم ما لو قسّم على جميع سفهاء الدنيا لصاروا به حلماء. و لو لا أنّ رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - أمرني أن لا احدث حدثا حتى ألقاه لكان لي و لكم شأن و لأقتلنّكم قتلا. ويلك يا أبا جهل- عليك اللعنة- إنّ محمدا قد استأذنه في طريقه السماء و الأرض و البحار و الجبال في إهلاككم فأبى إلّا أن يرفق بكم، و يداريكم ليؤمن من في علم اللّه أنّه يؤمن منكم، و يخرج مؤمنون من أصلاب و أرحام كافرين و كافرات أحبّ اللّه تعالى أن لا يقطعهم عن كرامته باصطلامهم. و لو لا ذلك لأهلككم ربّكم، إنّ اللّه هو الغنيّ و أنتم الفقراء، لا يدعوكم إلى طاعته و أنتم مضطرّون، بل مكّنكم ممّا كلّفكم، فقطع معاذيركم. فغضب أبو البختري بن هشام (أخو أبي جهل) فقصده بسيفه، فرأى الجبال قد أقبلت لتقع عليه، و الأرض قد انشقّت لتخسف به، و رأى أمواج البحار نحوه مقبلة لتغرقه في البحر، و رأى السماء (قد) انحطّت لتقع عليه، فسقط سيفه و خرّ مغشيّا عليه و احتمل، و يقول أبو جهل: دير به الصفراء و هاجت به، يريد أن يلبّس على من معه أمره. فلمّا التقى رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - مع عليّ قال: يا عليّ إنّ اللّه تعالى رفع صوتك في مخاطبتك أبا جهل إلى العلوّ، و بلّغه إلى الجنان، فقال من فيها من الخزّان و الحور الحسان: من هذا المتعصّب لمحمّد إذ قد كذّبوه و هجروه؟ قيل لهم: هذا النائب عنه، و البائت على فراشه، يجعل نفسه لنفسه وقاء، و روحه لروحه فداء. فقال الخزّان و الحور الحسان: يا ربّنا فاجعلنا خزّانه. و قالت الحور (الحسان): فاجعلنا نساءه. فقال اللّه تعالى لهم: أنتم له، و لمن اختاره [هو] من أوليائه و محبّيه يقسّمكم عليهم- بأمر اللّه- على من هو أعلم به من الصلاح، أرضيتم؟ قالوا: بلى ربّنا و سيّدنا.

مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج ١ - الصفحة ٤٥٦. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الديلمي الحسن بن أبي الحسن- (رحمه الله) - و الحضيني: (بإسناده، عن أحمد بن الخطيب، عن أبي المطّلب جعفر بن محمد بن الفضيل، عن محمد ابن سنان الزهري، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ، عن مدلج، عن) هارون بن سعيد قال: سمعت أمير المؤمنين يقول

لعمر (بن الخطّاب): من علمك الجهالة يا مغرور، أما و اللّه لو كنت بصيرا، أو كنت بما أمرك به رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - خبيرا، أو كنت في دينك تاجرا نحريرا لركبت العقر، و لفرشت القصب، و لما أحببت أن تتمثّل لك الرجال قياما، و لما ظلمت عترة النبيّ- (صلى اللّه عليه و آله) - بقبيح الفعل، غير انّي أراك في الدنيا قتيلا [بجراحة] من عبد أمّ معمر، تحكم عليه بالجور فيقتلك توفيقا يدخل به و اللّه الجنان على الرغم منك. (و اللّه) لو كنت من رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - سامعا و مطيعا لما وضعت سيفك على عاتقك، و لما خطبت على المنبر، و لكأنّي بك و قد دعيت فأجبت، و نودي باسمك فأحجمت، و إنّ لك [بعد القتل] لهتك ستر، و صلبا و لصاحبك الذي اختارك، و قمت مقامه من بعده. فقال له عمر: يا أبا الحسن، أ ما تستحي لنفسك من هذا التهكّن؟ فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام) -: [و اللّه] ما قلت (لك) إلّا ما سمعت (من رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) -)، و ما نطقت إلّا بما علمت. قال: فمتى هذا، يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا خرجت جيفتكما عن رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - من قبريكما الذين لم ترقدا فيهما نهارا [و لا ليلا] لئلّا يشكّ [أحد فيكما إذ نبشتما و لو دفنتما بين المسلمين لشكّ] شاكّ، و ارتاب مرتاب، و صلبتما على أغصان دوحات شجرة يابسة فتورق تلك الدوحات بكما، و تفرّع و تخضرّ فيكون علامة لمن أحبّكما و رضي بفعالكما، ليميّز اللّه الخبيث من الطيّب، و لكأنّي أنظر إليكما و الناس يسألون (ربّهم) العافية ممّا قد بليتما به. قال: فمن يفعل ذلك يا أبا الحسن؟ قال: عصابة [قد] فرّقت بين السيوف و أغمادها، و ارتضاهم اللّه لنصرة دينه، فما تأخذهم في اللّه لومة لائم، و لكأنّي أنظر إليكما و قد اخرجتما من قبريكما غضّين طريّين حتى تصلبا على الدوحات، فيكون ذلك فتنة لمن أحبّكما. ثمّ يؤتى بالنار التي [اضرمت] لإبراهيم- (عليه السلام) - و يحيى و جرجيس و دانيال و كلّ نبيّ و صدّيق و مؤمن، ثمّ يؤمر بالنار و هي النار التي أضرمتموها على باب داري لتحرقوني و فاطمة بنت رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) -، و ابنيّ الحسن و الحسين، و ابنتيّ زينب و أمّ كلثوم حتى تحرقا بها، و يرسل (اللّه) عليكم ريحا مرّة فتنسفكما في اليمّ نسفا، [بعد أن] يأخذ السيف منكما ما أخذ، و يصير مصير كما جميعا إلى النار، و تخرجان إلى البيداء إلى موضع الخسف الذي قال اللّه عزّ و جلّ: وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ - يعني من تحت أقدامهم-. قال: يا أبا الحسن، يفرّق بيننا و بين رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) -؟ قال: نعم. قال: يا أبا الحسن، إنّك سمعت هذا و إنّه حقّ؟ قال: فحلف أمير المؤمنين- (عليه السلام) - (أنّه سمعه من النبيّ- (صلى اللّه عليه و آله) -) فبكى عمر و قال: إنّي أعوذ باللّه ممّا تقول، فهل لك علامة؟ قال: نعم، قتل فظيع، و موت رضيع، و طاعون شنيع، و لا يبقى من الناس في ذلك الزمان إلّا ثلثهم، و ينادي مناد من السماء باسم رجل من ولدي، و تكثر الآيات حتى يتمنّى الأحياء الموت ممّا يرون من الأهوال، فمن هلك استراح، و من كان له خير عند اللّه نجا، ثمّ يظهر رجل من ولدي فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا و ظلما، يأتيه اللّه ببقايا قوم موسى، و يحيي له أصحاب الكهف، و يؤيّده اللّه بالملائكة و الجنّ و شيعتنا المخلصين، و ينزل من السماء قطرها، و تخرج الأرض نباتها. فقال له (عمر): [يا أبا الحسن، أما إنّي أعلم] إنّك لا تحلف إلّا على حقّ، [فو اللّه] لا تذوق أنت و لا أحد من ولدك حلو الخلافة [أبدا]. فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام) -: (ثمّ) إنّكم لا تزدادون لي و لولدي إلّا عداوة. (قال: ) فلمّا حضرت عمر الوفاة أرسل إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام) -، فقال له: يا أمير المؤمنين، يا أبا الحسن، اعلم أنّ أصحابي هؤلاء حلّلوني ممّا ولّيت من امورهم، فإن رأيت أن تحلّلني. فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام) -: أ رأيتك إن حللتك أنا فهل لك في تحليل من مضى من رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) - و ابنته، ثمّ ولّى و هو يقول: وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ [فكان هذا من دلائله].

مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج ٢ - الصفحة ٢٤٣. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
قال جابر- (رضي الله عنه) -: فبقيت متحيّرا أنظر إلى النّاس حيارى يبكون، فأبكاني بكائهم، و هم لا يدرون من أين اتوا. فانصرفت إلى الباقر- (عليه السلام) - و قد حفّ به النّاس في مسجد رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله) -، و هم يقولون: يا بن رسول اللّه أ ما ترى الى ما نزل بنا؟ فادعوا اللّه لنا. فقال- (عليه السلام) - لهم افرغوا الى الصلاة و الدعاء و الصدقة، ثم أخذ- (عليه السلام) - بيدي و سار بي، فقال

لي: ما حال الناس؟ فقلت لا تسأل يا بن رسول اللّه خرّبت [الدور] المساكن، و هلك النّاس، و رايتهم بحال رحمتهم. فقال- (عليه السلام) -: لا رحمهم اللّه، أما إنّه قد بقيت عليك بقية، و لو لا ذلك لم ترحم أعداءنا و أعداء أوليائنا، ثمّ قال: سحقا سحقا بعدا بعدا للقوم الظالمين. و اللّه لو لا مخافة [مخالفة] والدي لزدت في التحريك، و أهلكتهم أجمعين فما أنزلونا و اوليائنا هذه المنزلة غيرهم و جعلت أعلاها أسفلها فكان لا يبقى فيها دار و لا جدار، و لكني أمرني مولاي أن احرّك، تحريكا ساكنا، ثم صعد- (عليه السلام) - المنارة و انا أراه، و الناس لا يرونه، فمدّ يده و أدارها حول المنارة، فزلزلت المدينة زلزلة خفيفة

مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج ٤ - الصفحة ٤٢٨. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
فقال أبو جعفر- (عليه السلام) - لغلمانه: «أوثقوهما، و انطلق أنت يا سليمان الى ذلك الجبل- و أشار بيده الى ناحية منه- فاصعد أنت و هؤلاء الغلمان معك، فانّ في قلّة الجبل كهفا فاستخرجوا ما فيه و ائتني به». قال سليمان: فانطلقت الى الجبل و صعدت الى الكهف فاستخرجنا منه عيبتين محشوتين حتى دخلت بهما على أبي جعفر- (عليه السلام) -، فقال

«يا سليمان، لترى غدا العجب». فلمّا أصبحنا أخذ أبو جعفر- (عليه السلام) - بأيدينا و دخلنا معه الى و الى المدينة، و قد جاء المسروق منه برجال براء، فقال: هؤلاء سرقوا. فأراد الوالي أن يعاقب القوم، فقال أبو جعفر- (عليه السلام) - ابتداء منه: «إنّ هؤلاء ليسوا سرّاقة إنّ السارقين عندي. فقال للرجل: ما ذهب منك؟» قال: عيبة فيها كذا و كذا. فادّعى ما لم يذهب [له] قال أبو جعفر- (عليه السلام) -: «لم تكذب؟ فما أنت أعلم بما ذهب لك منّي» فهمّ الوالى أن يبطش به، فكفّه أبو جعفر- (عليه السلام) -. ثم قال: «يا غلام ائتني بعيبة كذا و كذا» فأتى بها، ثمّ قال للوالي: «إن ادّعى فوق هذا فهو كاذب مبطل، و عندي عيبة اخرى لرجل آخر، و هو يأتيك الى أيّام، و هو من أهل بربر، فاذا أتاك فارشده إليّ، و أما هذان السارقان فانّي لست ببارح حتى تقطعهما». فأتي بهما، فقال أحدهما: تقطعنا و لم نقر على أنفسنا؟ فقال الوالي: ويلكما، يشهد عليكما من لو

مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج ٥ - الصفحة ١٤٢. — الإمام الباقر عليه السلام
(عليه السلام) -، قال

ففرقة أطاعت و أجابت و فرقة جحدت و أنكرت و فرقة و رعت و وقفت، قال: فخرج من كلّ فرقة رجل، فدخلوا على أبي عبد اللّه- (عليه السلام) -. [قال: ] فكان المتكلّم منهم الذي ورع و وقف، و قد كان مع بعض القوم جارية فخلا بها الرجل و وقع عليها، فلمّا دخل على أبي عبد اللّه- (عليه السلام) - كان هو المتكلّم فقال له: أصلحك اللّه قدم علينا رجل من [أهل] الكوفة، فدعا الناس إلى طاعتك و ولايتك فأجاب قوم و أنكر قوم و ورع قوم فوقفوا. قال- (عليه السلام) -: فمن أيّ الثلاث أنت؟ قال: أنا من الفرقة التي و رعت و وقفت، قال: فأين كان ورعك ليلة (نهر بلخ يوم) كذا و كذا؟ قال: فارتاب الرجل. 1646/ 76- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: قال: روى أحمد ابن عبد اللّه- و كان من أصحاب أبي الجارود- (قال: ) قدم من الكوفة إلى خراسان يدعو الناس إلى ولاية جعفر بن محمد الصادق- (عليه السلام) -، ففرقة صالحت و أجابت و فرقة جحدت و أنكرت و فرقة و رعت

مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج ٥ - الصفحة ٣١٦. — الإمام الصادق عليه السلام
- و هو في مسجد رسول اللّه- (صلّى اللّه عليه و آله) - [بذلك]، فخرّ للّه ساجدا و قال: الحمد للّه الذي صدقنا وعده. 1760/ 190- ابن شهرآشوب: قال: بلغ الصادق- (عليه السلام) - قول الحكيم بن العبّاس الكلبي: صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * * * و لم أر مهديّا على الجذع يصلب و قستم بعثمان عليّا سفاهة * * * و عثمان خير من عليّ و أطيب فرفع الصادق- (عليه السلام) - يديه الى السماء و هما يرعشان فقال

اللّهم إن كان عبدك كاذبا فسلّط عليه كلبك، فبعثه بنو اميّة الى الكوفة، فبينما هو يدور في سككها إذ افترسه الأسد و اتّصل خبره بجعفر- (عليه السلام) - فخرّ للّه ساجدا ثمّ قال: الحمد للّه الذي أنجزنا (من) وعدنا. 1761/ 191- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: عن الحسين قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن علي، عن عليّ، عن إسماعيل بن زيد، عن شعيب بن ميثم قال: قال: أبو عبد اللّه- (عليه السلام) -: يا شعيب ما أحسن بالرجل يموت و هو لنا وليّ و يوالي و ليّنا و يعادي عدوّنا، قلت: و اللّه إنّي

مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج ٥ - الصفحة ٤٢٤. — الإمام الصادق عليه السلام
يزيده كثرة الدعاء إلّا جودا و كرما، حتّى ينقطع النفس، ثمّ قل: يا ربّ الأرباب أنت أنت أنت الذي انقطع الرجاء إلّا منك، يا عليّ يا عظيم. قال زياد: فدعوت به ففرّج اللّه عنّي و خلّى سبيلي. 2039/ 109- السيّد المرتضى في عيون المعجزات: قال: روى محمد بن الفضل، عن داود الرقّي، قال: قلت لأبي عبد اللّه- (عليه السلام) -: حدّثني عن أعداء أمير المؤمنين- (عليه السلام) - و أهل بيت النبوّة- (صلوات الله عليهم) -، فقال

الحديث أحبّ إليك أم المعاينة؟ قلت: المعاينة. فقال لأبي إبراهيم موسى- (عليه السلام) -: ائتيني بالقضيب، فمضى و أحضره إيّاه، فقال له: يا موسى، اضرب به الأرض و أرهم أعداء أمير المؤمنين- (عليه السلام) - و أعداءنا، فضرب به الأرض ضربة، فانشقّت الأرض عن بحر أسود، ثمّ ضرب البحر بالقضيب فانفلق عن صخرة سوداء، فضرب الصخرة فانفتح منها باب، فإذا بالقوم جميعا لا يحصون لكثرتهم و وجوههم مسودّة و أعينهم زرق، كلّ واحد منهم مصفّد مشدود في جانب من الصخرة، و هم ينادون: يا محمد، و الزبانية تضرب وجوههم و يقولون لهم: كذبتم ليس محمد لكم و لا أنتم له.

مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج ٦ - الصفحة ٣٤٢. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
حجرته و قد ناداني و قال [لي]: كيت و كيت. قال: فشدّ أزراره و أمر بردّ أثوابه، و قال: قولوا إنّه كان غشي عليه و إنّه قد أفاق. قال هرثمة: فأكثرت للّه تعالى شكرا و حمدا، ثمّ دخلت على سيّدي الرضا- (عليه السلام) -، فلمّا رآني قال

يا هرثمة لا تحدّث أحدا بما حدّثك به صبيح إلّا من امتحن اللّه قلبه للإيمان بمحبّتنا و ولايتنا، فقلت: نعم يا سيّدي ثم قال- (عليه السلام) - [لي]: يا هرثمة و اللّه لا يضرّنا كيدهم شيئا حتى يبلغ الكتاب أجله. و روى هذا الحديث أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: قال: حدّثني أبو علي محمد بن زيد القمّي قال: حدّثني [محمد] بن منير قال: حدّثني محمد بن خلف الطوسيّ قال: حدّثني هرثمة بن أعين قال: دخلت على سيّدي الرضا، و قد ذكر أنّه قد مات و لم يصحّ، فدخلت اريد الإذن عليه، و كان في بعض أسباب خدم المأمون غلام يقال له: صبيح الديلمي و كان يتولّى بسيّدي الرضا- (عليه السلام) - [حقّ الولاء]. قال: و إذا انا بصبيح قد خرج، فلمّا رآني قال لي: يا هرثمة أ لست تعلم أنني ثقة المأمون على سرّه و علانيته؟ قلت: بلى، قال: اعلم

مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج ٧ - الصفحة ٧٥. — الإمام الرضا عليه السلام

أ تخاطب ابن أخيك بما لا يخاطبك بمثله؟ فقال: إنّه حاكمني ابن أخيك بما لا يخاطبك بمثله؟... 1314 اتّخذوا الحمام الراعبيّة في بيوتكم، فإنّها تلعن قتلة الحسين- (عليه السلام) - 1203 أ تخوّفوني بهذا- يعني الرشيد-؟! لو شئت لطعنته بهذه الحربة... 1945 أ تدرون لمن أتأهّب للقيام بين يديه؟ 1282 أ تدرون ما تقول الظبية؟ قالوا: لا. قال: تزعم الظبية أنّ فلان بن فلان... 1304 أ تدرون ما تقول هذه الظبية؟ قلنا: ما ندري. فقال: تزعم أنّ رجلا اصطاد... 1305 أ تدرون ما قالت النخلة؟ قال: فقلنا: اللّه و رسوله أعلم... 263 أ تدرون ما كان أبو عبد اللّه- (عليه السلام) - يقول... 2733 أ تدري ما تقول هذه؟ فقلنا: جعلنا اللّه فداك لا ندري و اللّه... 1750 أ تدري ما رأوا؟ رأوا- و اللّه- عليّا مع رسول اللّه... 24 أ تدري ما هؤلاء؟ قلت: لا. قال: أخبرني أبي، عن أبيه، قال: مرّ بالحسين... 1226 أ تدري ما يقلن هؤلاء؟ فقلت: لا أدري... 1299 أ تدري ما يقول: قال: لا، قال: يقول: يا سكني و عرسي... 1746 أ تدري ما يقول؟ قلت لا، قال: يقول: لتكفّنّ عن ذكر عثمان... 1435 أ تدري ما يقول؟ قلت: لا. قال: يقول: يا سكني و عرسي... 1747 أ تدري ما يقول هذا العصفور؟ قلت: اللّه و رسوله و وليّه أعلم... 2002 أ تدري ما يقول؟ يقول: يا سكني و عرسي... 1746 أ تدري من أنا؟ فقلت: لا و اللّه، فقال: أنا القائم... 2781 أ تدرى يا أبا حمزة ما يقلن؟ قلت: لا. قال: يسبّحن اللّه ربّهنّ... 1432 أ ترى إنّا نريد الدنيا فلا نعطاها؟... 292 أ ترى في البيت كوّة قريبة من السقف؟ قلت: نعم... 1715 أ ترى نحتاج إلى ما في أيديكم؟ إنّما نأخذ منكم ما نأخذ لنطهّركم به... 1833

مدينة معاجز الأئمة الإثني عشر و دلائل الحجج على البشر - ج ٨ - الصفحة ٢٤١. — الإمام الصادق عليه السلام
ابن البرّاج انّه منع من ذبيحة غير أهل الحقّ، و عن ابن إدريس انّه قصر الحكم على المؤمن و المستضعف و استثنى أبو الصلاح من المخالف جاحداً النص فمنع من ذبيحته و أجاز العلّامة ذباحة المخالف غير الناصبي مطلقاً بشرط اعتقاده وجوب التسمية هذا ما اطّلعت عليه من أقوالهم على ما نقله في الكفاية و الواجب أوّلًا نقل الأخبار المتعلّقة بهذه المسألة و بيان ما يظهر منها فإنّها هي التي عليها المدار في الإيراد و الإصدار و لا يلتفت بعد ذلك إلى خلاف من خالف و لا وفاق من وافق فمنها: ما رواه الشيخ عن أبي بصير في الموثّق قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول

ذبيحة الناصب لا تحلّ. و عن أبي بصير في الموثّق عن أبي جعفر (عليه السلام) انّه قال: لا تحلّ ذبائح الحرورية. و عن أبي بصير في الموثّق قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يشتري اللحم من السوق و عنده من يذبح و يبيع من إخوانه فيتعمّد الشراء من النصّاب؟ فقال: أي شيء تسألني أن أقول ما يأكل إلّا مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير، قلت: سبحان الله مثل الدم و الميتة و لحم الخنزير؟ فقال: نعم و أعظم عند الله من ذلك، ثمّ قال: إنّ هذا في قلبه على المؤمنين مرض. و عن الفضيل بن يسار في الموثّق عن أبي عبد الله (عليه السلام) فقال ذكر النصاب فقال: لا تناكحهم و لا تأكل ذبيحتهم و لا تسكن معهم. و روى الشيخ عن محمد بن قيس في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ذبيحة من دان بكلمة الإسلام و صام و صلّى لكم حلال إذا ذكر اسم الله عليه. و عن حمران في الصحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول: لا تأكل ذبيحة الناصب إلّا أن تسمعه يسمّي. و عن زكريا بن آدم قال: قال أبو الحسن (عليه السلام): انّي أنهاك عن ذبيحة كلّ من كان على خلاف الذي أنت عليه و أصحابك إلّا في وقت الضرورة إليه. و ما رواه المشايخ الثلاثة عن الحلبي في الصحيح قال: سألته عن ذبيحة المرجئي و الحروري فقال: كله و أقر و استقر حتّى يكون ما يكون.

الأنوار الحيرية و الأقمار البدرية الأحمدية - الصفحة ٢٠٠. — الإمام الصادق عليه السلام
و ما رواه فيه أيضاً عن الجواد ( عليه السلام قال

إنّ الزيدية و الواقفة و النصاب بمنزلة واحدة. و روى القطب الراوندي في كتاب الخرائج و الجرائح عن أحمد بن محمد بن مطهر قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمّد (عليه السلام) من أهل الجبل يسأله عمّن وقف على أبي الحسن موسى (عليه السلام) أتولّاهم أم أبرأ منهم؟ فكتب أ تترحّم على عمّك لا رحم الله عمّك و تبرأ منه أنا إلى الله بريء منهم فلا تتولّاهم و لا تعدّ مرضاهم و لا تشهد جنائزهم و لا تصلِّ على أحد منهم مات أبداً سواء من جحد إماماً من الله أو زاد إماماً ليست إمامته من الله و جحداً و قال: المسألة انّ الجاحد أمر آخرنا جاحد أمر أوّلنا و الزائد فينا كالناقص الجاحد أمرنا. و من ثمّ كان المشهور بين متقدّمي أصحابنا كما ذكره شيخنا البهائي في كتاب مشرق الشمسين تسمية الواقفة و الفطحية بالممطورة يعني الكلاب التي أصابها المطر فصارت نجاستها أشدّ و البعد عنها أعظم و أزيد. وفي بعض الأخبار التي لم يحضرني الآن موضعها ما يدلّ عليه أيضاً و الله العالم بحقائق أحكامه. [المسألة الثالثة و الستّون ما قول شيخنا فيمن يفرّق بين يديه حالة القنوت] الجواب و الله سبحانه الموفّق لإصابة الصواب انّه لا يخفى انّ الذي صرّح به الأصحاب في هذا المقام من غير خلاف يعرف هو انّه يستحبّ النظر في حال القيام إلى موضع السجود و عليه يدلّ جملة من الأخبار و صرّحوا أيضاً من غير خلاف ينقل بأنّه في حال القنوت يستحبّ النظر إلى باطن كفّيه حيث انّ المشهور بينهم انّه يستحبّ رفع كفّيه حال القنوت حيال وجهه مستقبلًا بباطنهما السماء و قيل حيال صدره و قيل تجعل باطنهما إلى الأرض و ظاهرهما إلى السماء وهما شاذّان إلّا انّا لم نقف على مستند فيما صرّحوا به من وظيفة الكفّين حال القنوت و إنّه يستحبّ رفعهما حيال الوجه مستقبلًا بباطنهما السماء فضلًا عن استحباب النظر إليهما حال القنوت و الذي وصل إلينا ممّا يوهم التعلّق به لما ذكروه روايتان

الأنوار الحيرية و الأقمار البدرية الأحمدية - الصفحة ٢٠٣. — الإمام الجواد عليه السلام

احتجاج مؤمن الطَّاق على ابن أبي حذرة _الاحتجاج /ج ٢ وإِن كان [تركها] صدقة فالبلية أطمّ وأعظم فانّه لم يصب له من البيت إِلَّا ما لأدنى رجل من المسلمين، فدخول بيت النّبي صلّى اللّٰه عليه وآله وسلم بغير إذنه في حياته وبعد وفاته معصية إِلَّا لعليِّ بن أبي طالب عليه التلام وولده، فانَّ اللّٰه عزّ وجلّ أحل لهم ما أحل للنّبي صلى اللّٰه عليه وآله وستلم. ثمّ قال لهم: إِنّكم تعلمون أنَّ النّبي صلى اللّٰه عليه وآله وستم أمر بسدّ أبواب جميع النّاس التي كانت مشرعة إِلى المسجد ما خلا باب عليَّ علبه التلام فسأله أبو بكر أن يترك له كوة لينظر منها إلى رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه وآله وسلم فأبى عليه، وغضب عمّه العباس من ذلك فخطب النّبي صلّى اللّٰه عليه وآله وسلم خطبة وقال: انَّ اللّٰه تبارك وتعالى أمر لموسى وهارون أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتاً، وأمرهما أن لا يبيت في مسجدهما جنب، ولا يقرب فيه النّساء إلَّا موسى وهارون وذريتهما، وإِنَّ عليّاً منّي هو بمنزلة هارون من موسى، وذريته كذرية هارون، ولا يحل لأحد أن يقرب النّساء في مسجد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه وآله وسلم، ولا يبيت فيه جنب إلَّا على وذريّته عليهم التلام. فقالوا بأجمعهم: كذلك كان. قال أبو جعفر: ذهب ربع دينك يا بن أبي حذرة، وهذه منقبة لصاحبي ليس لأحد مثلها، ومثلبة لصاحبك. وأمَا قولك: ثاني اثنين إِذهما في الغار، أخبرني هل أنزل اللّٰه سكينته على [١] ما بين المعقوفتين موجود في (ج)). الاحتجاج /ج ٢ - احتجاج مؤمن الطّاق على ابن أبي حذرة -٣١١ رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وآله وسلم وعلى المؤمنين في غير الغار؟ قال ابن أبي حذرة: نعم. قال أبو جعفر: فقد أخرج صاحبك في الغار من السكينة، وخصّه بالحزن ومكان عليّ في هذه اللّيلة على فراش النّبي صلّى اللّٰه عليه وآله وسلّم، وبذل مهجته دونه أفضل من مكان صاحبك في الغار. فقال النّاس: صدقت. فقال أبو جعفر: يا بن أبي حذرة! ذهب نصف دينك. وأمّا قولك ثاني اثنين الصّديق من الأُمّة، فقد أوجب اللّٰه على صاحبك الاستغفار، لعليِّ بن أبي طالب عليه التلام في قوله عزّ وجل: «وَالَّدِينَ جاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِزْ لَنا وَلاخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ)) إلى آخر الآية والذي ادّعيت إِنّما هو شيء سمّاه النّاس ومن سمّاه القرآن وشهد له بالصدق والتصديق أولى به ممّن سمّاه النّاس، وقد قال عليّ عله التلام على منبر البصرة: أنا الصّديق الاكبر، آمنت قبل أن آمن أبو بكر وصدّقت قبله. قال النّاس: صدقت. قال أبو جعفر مؤمن الطاق: يا ابن أبي حذرة! ذهب ثلاثة أرباع دينك. وأما قولك في الصّلاة بالنّاس، كنت ادّعيت لصاحبك فضيلة لم تتم له، وإِنّها إِلى التهمة أقرب منها إِلى الفضيلة، فلو كان ذلك بأمر رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وآله وسلم لما عزله عن تلك الصّلاة بعينها، أما علمت أنّه لمّا تقدّم [١] الحشر ٠١٠/٥٩ ٣١٢ احتجاج مؤمن الطّاق على ابن أبي حذرة -الاحتجاج /ج ٢ أبو بكر ليصلّي بالنّاس خرج رسول اللّٰه صلى اللّٰه علبه وآله وسلم فتقدّم وصلّى بالنّاس وعزله عنها، ولا تخلو هذه الصّلاة من أحد وجهين: إِمَا أن تكون حيلة وقعت منه، فلمَا أحس النّبي صلّى اللّٰه عليه وآله وسلم بذلك خرج مبادراً مع علّته فنحّاه عنها لكيلا يحتج بها بعده على أُمّته فيكونوا في ذلك معذورين. وإما أن يكون هو الذي أمره بذلك، وكان ذلك مفوّضاً إِليه كما في صة تبليغ براءة، فنزل جبرئيل عليه السلام وقال: لا يؤديها إِلا أنت أو رجل منك، فبعث عليّاً في طلبه وأخذها منه وعزله عنها وعن تبليغها، فكذلك كانت قصة الصّلاة، وفي الحالتين هو مذموم لأنّه كشف عنه ما كان مستوراً عليه، وفي ذلك دليل واضح أنّه لا يصلح للاستخلاف بعده، ولا هو مأمون على شيء من أمر الدِّين. فقال النّاس: صدقت. قال أبو جعفر مؤمن الطّاق: يا ابن أبي حذرة! ذهب دينك كلّه، وفضحت حيث مدحت. فقال النّاس لأبي جعفر: هات حجّتك فيما ادّعيت من طاعة عليّ عليه التلام، فقال أبو جعفر مؤمن الطاق: أمّا من القرآن وصفاً فقوله عزّ وجلّ: ((يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)) فوجدنا عليّاً عيه التلام بهذه الصفة في القرآن في قوله عزّ وجلَ: ((وَالصّابرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرّاءِ وَحِينَ البَأْسِ - يعني في [١] التّوبة ٠١١٩/٩ احتجاج مؤمن الطَّاق على ابن أبي حذرة الاحتجاج / ج ٢ - ٣١٣ الحرب والشغب - أُولئِكَ الَدِينَ صَدَقُوا وَأُولِئِكَ هُمُ المُتَقُونَ))، فوقع الإجماع من الأُمّة بأنّ عليّاً عبه التلام أولى بهذا الأمر من غيره، لأنّه لم يفرّ من زحف قط كما فرّ غيره في غير موضع. فقال النّاس: صدقت. قال: وأما الخبر عن رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه وآله وسلم نصّاً، فقال: (إِنّي تارك فيكم الثقلين، ما إِن تمسّكتم بهما لن تضلّوا بعدي: كتاب اللّٰه وعترتي أهل بيتي، فانّهما لن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض)، قوله صلى اللّٰه عله وآله وستم: (إِنّما مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلّف عنها غرق، ومن تقدّمها مرق، ومن لزمها لحق) فالمتمسك بأهل بيت رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه وآله وسلّم هادٍ مهتد بشهادة من الرسول والمتمسك بغيرها ضال مضل. قال النّاس: صدقت يا أبا جعفر! وأما حجّة العقل فإنّ النّاس كلّهم يستعبدون بطاعة العالم، ووجدنا الإجماع قد وقع على عليّ عليه السلام بأنّه كان أعلم أصحاب رسول اللّٰه صلّى اللّه عليه وآله وسلم، وكان النّاس يسألونه ويحتاجون إِليه، وكان عليَ علبه السلام مستِغنياً عنهم، وهذا من الشّاهد والدليل عليه من القرآن قوله عزّ وجلّ: ((أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَىٰ الحَقِّ أَحَقُ أن يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدَّى إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ). فما اتمق يوم أحسن منه، ودخل في هذا الأمر عالم كثير. وقد كانت لأبي جعفر مؤمن الطّاق مقامات مع أبي حنيفة. فمن [١) البَقرَة ٠١٧٧/٢ (٢] يُونس ٣٥/١٠. ٣١٤ احتجاج مؤمن الطّاق على أبي حنيفة _ الاحتجاج /ج ٢ ذلك: ما روي أنّه قال يوماً من الأيام لمؤمن الطّاق: إِنّكم تقولون بالرجعة؟ قال: نعم. قال أبو حنيفة: فأعطني الآن ألف درهم حتّى أعطيك ألف دينار إذا رجعنا. قال الطّاقي لأبي حنيفة: فأعطني كفيلًا بأنّك ترجع إنساناً ولا ترجع خنزيراً. وقال له يوماً آخر: لِمَ لم يطالب عليّ بن أبي طالب بحقّه بعد وفاة رسول اللّٰه صلى اللّٰه علبه وآله وسله إن كان له حقّ؟ فأجابه مؤمن الطّاق فقال: خاف أن يقتله الجنّ كما قتلوا سعد بن عبادة بسهم المغيرة بن شعبة، وفي رواية بسهم خالد بن الوليد. وكان أبو حنيفة يوماً آخر يتماشى مع مؤمن الطّاق في سكّة من سكك الكوفة، إذا بمنادٍ ينادي: من يدلّني على صبيّ ضال؟ فقال مؤمن الطّاق: امّا الصبي الضال فلم نره. وإِن أردت شيخاً ضالاً فخذ هذا - عنى به أبا حنيفه -. ولمَا مات الصّادق عليه السلام رأى أبو حنيفة مؤمن الطّاق فقال له: مات إمامك؟ فقال مؤمن الطّاق: نعم. وامّا إِمامك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. [١] انظر اختيار معرفة الرِّجال المعروف برجال الكشيّ ٤٢٦/٢. ونقله العلامة المجلسي قدّس سرّه فى بحار الأنوار ٣٩٦/٤٧. الاحتجاج /ج ٢ احتجاج فضال بن الحسن بن فضال على أبي حنيفة ٣١٥ ٢٥٩١] وروي انّه مرّ فضال بن الحسن بن فضال الكوفي بأبي حنيفة وهو في جمع كثير، يملي عليهم شيئاً من فقهه وحديثه، فقال - لصاحب كان معه -: والله لا أبرح حتّى أخجل أبا حنيفة. فقال صاحبه الذي كان معه: إِنّ أبا حنيفة ممّن قد علمت حاله، وظهرت حجّته. قال: مه! هل رأيت حجّة ضال علت على حجَة مؤمن؟! ثمّ دنا منه فسلّم عليه، فردها، وردّ القوم السلام بأجمعهم. فقال: يا أبا حنيفة! إنّ أخاً لي يقول: إِنَّ خير النّاس بعد رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه وآله وسلم عليّ بن أبي طالب عله التلام، وأنا أقول: أبو بكر خير النّاس وبعده عمر. فما تقول أنت رحمك الله؟ فأطرق مليّاً ثمّ رفع رأسه فقال: كفى بمكانهما من رسول اللّٰه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كرماً وفخراً، أما علمت أنّهما ضجيعاه في قبره، فأيّ حجّة تريد أوضح من هذا؟ فقال له فضال: إِنّي قد قلت ذلك لأخي فقال: والله لئن كان الموضع لرسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه وآله وسلم دونهما فقد ظلما بدفنهما في موضع ليس [١] في (ط)): (صه) بدل (مه). ٣١٦ احتجاج فضال بن الحسن بن فضال على أبي حنيفة _الاحتجاج /ج ٢ لهما فيه حقّ، وإن كان الموضع لهما فوهباه لرسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه وآله وسلّم لقد أساءاوما أحسنا، إذ رجعا في هبتهما ونسيا عهدهما. فأطرق أبو حنيفة ساعة ثمّ قال له: لم يكن له ولا لهما خاصة، ولكنّهما نظرا في حقّ عائشة وحفصة فاستحقا الدفن في ذلك الموضع بحقوق ابنتيهما. فقال له فضال: قد قلت له ذلك فقال: أنت تعلم أنَّ النّبي مات عن تسع نساء، ونظرنا فإذا لكلَّ واحدة منهنَّ تسع الثمن، ثمّ نظرنا في تسع الثمن، فإذا هو شبر في شبر، فكيف يستحق الرجلان أكثر من ذلك، وبعد فما بال عائشة وحفصة ترثان رسول اللّٰه صلى اللّٰه عليه وآله وسلم وفاطمة بنته تمنع الميراث؟ فقال أبو حنيفة: يا قوم! نحُّوه عني فانّه رافضي خبيث. ٢٦٠١] حكي عن أبي الهذيل العلاف أنّه قال: [١] رواه الكراجكي في كنز الفوائد ٢٩٤/١، ونقله العلامة المجلسي رحمه اللّٰه في بحار الأنوار ٠٤٠٠/٤٧ (٢] هو محمّد بن الهذيل بن عبدالله بن مكحول العبدي، مولى عبد القيس، أبو الهذيل العلاف من أئمة المعتزلة، ولد في البصرة، واشتهر بعلم الكلام، له مقالات في الاعتزال ومجالس ومناظرات، وكان حسن الجدل، قويّ الحجّة، سريع الخاطر، كفّ بصره في الاحتجاج /ج ٢ - احتجاج رجل على أبي الهذيل العلاف ٣١٧ دخلت الرّقة فذكر لي أنّ (بديرزكيّ) رجلًا مجنوناً حسن الكلام، فأتيته فإذا أنا بشيخ حسن الهيئة جالس على وسادة يسرّح رأسه ولحيته، فسلّمت عليه فردّ عليَّ السّلام وقال: ممّن يكون الرجل؟ قال: قلت: من أهل العراق، قال: نعم، أهل الظرف والأدب. قال: من أيّها أنت؟ قلت: من أهل البصرة. قال: أهل التّجارب والعلم. قال: فمن أيّهم أنت؟ قلت: أبو الهذيل العلاف. قال: المتكلّم؟ قلت: بلى. فوثب عن وسادته وأجلسني عليها ثمّ قال - بعد كلام جرى بيننا-: ما تقولون في الإمامة؟ قلت: أيّ الإمامة تريد؟ قال: من تقدّمون بعد النّبي صلّى اللّٰه عليه وآله وسلّم؟ قلت: من قدّم رسول آخر عمره، وتوفي بسامراء، له كتب كثيرة منها كتاب سمّاه «ميلاس)) على اسم مجوسي أسلم على يده - الأعلام للزر كلي ١٣١/٧، وانظر لسان الميزان ٤١٣/٥، ومروج الذهب ٢٩٨/٢، وتاريخ بغداد ٣٦٦/٣، وأمالي المرتضى ١٧٨/١، ودائرة المعارف الإسلامية ٤١٦/١ [١) الْرَقَةُ، بفتح أوّله وثانيه وتشديده: مدينة مشهورة على الفرات، بينها وبين حرّان ثلاثة أيّام، معدودة في بلاد الجزيرة، لأنها من جانب الفرات الشرقي - معجم البلدان ٥٨/٣. [٢] زكيّة، بفتح أوّله وكسر ثانيه وتشديد ياء النسبة: قرية جامعة من أعمال البصرة، بينها وبين واسط - نفس المصدر ص ١٤٦. وفي ((أ)» و((ط)): بدير زكن... [٣) الظرف: الكياسة - القاموس ٠١٧٠/٣ ٣١٨ احتجاج رجل على أبي الهذيل العلاف - الاحتجاج /ج ٢ اللّٰه صلّى اللّٰه عليه وآله وسلّم. قال: ومن هو؟ قلت: أبا بكر. قال لي: يا أبا الهذيل! ولمّ قدّمتم أبا بكر؟ قال: قلت: لأنَّ النّبي صلّى اللّٰه عليه وآله وسلم قال: «قدّموا خيركم وولّوا أفضلكم)»، وتراضى التّاس به جميعاً. فقال: يا أبا الهذيل! ها هنا وقعت. أمّا قولك إِنَّ النّبي صلى اللّٰه عليه وآله وسلم قال: «قدّموا خيركم وولّوا أفضلكم» فانّي أوجدك أنَّ أبا بكر صعد المنبر وقال: «وليتكم ولست بخيركم وعليّ فيكم) فان كانوا كذبوا عليه فقد خالفوا أمر النّبي صلّى اللّٰه عليه وآله وسلّم، وإن كان هو الكاذب على نفسه فمنبر رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه وآله وسلّم لا يصعده الكاذبون. وأمّا قولك إِنَّ النّاس تراضوا به، فان أكثر الأنصار قالوا: منّا أمير ومنكم أمير، وأمّا المهاجرون فإنّ الزّبير بن العوام قال: لا أبايع إِلَّا عليّاً، مربه فكسر سيفه، وجاء أبو سفيان بن حرب وقال: يا ابا الحسن! لو شئت لأملأنّها خيلًا ورجالًا - يعني المدينة - وخرج سلمان فقال بالفارسي: «كرديد ونكرديد، وندانيد كه جه كرديد) والمقداد وأبو ذر، فهؤلاء المهاجرون والأنصار. أخبرني يا أبا الهذيل عن قيام أبي بكر على المنبر وقوله: إِنَّ لي [١] في (أ) وبحار الأنوار: إن شئت... [٢] ومعناه: فعلتم وما فعلتم ولا تعلمون ما فعلتم. الاحتجاج /ج ٢ - احتجاج رجل على أبي الهذيل الملاف ٣١٩ شيطاناً يعتريني، فإذا رأيتموني مغضباً فاحذروني، لا أقع في أشعاركم وأبشاركم ١). فهو يخبركم على المنبر أنّه مجنون، فكيف يحل لكم أن تولّوا مجنوناً؟! وأخبرني يا أبا الهذيل عن قيام عمر على المنبر وقوله: وددت أتّي شعرة في صدر أبي بكر، ثمّ قام بعدها بجمعة فقال: «إِنَّ بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى اللّٰه شرّها فمن دعاكم إِلى مثلها فاقتلوه» فبينما هو يود أن يكون شعرة في صدره، وبينما هو يامر بقتل من بايع مثله. فأخبرني يا أبا الهذيل بالذي زعم أنّ النّبي صلّى اللّٰه عليه وآله وسلم لم يستخلف، وأن أبا بكر استخلف عمر، وأنّ عمر لم يستخلف، فأرى أمركم بينكم متناقضاً. فأخبرني يا أبا الهذيل عن عمر حين صيّرها شورى بين ستّة، وزعم أنّهم من أهل الجنّة فقال: «إِن خالف اثنان لأربعة فاقتلوا الاثنين، وإِن خالف ثلاثة لثلاثة، فاقتلوا الثلاثة الذين ليس فيهم عبدالرّحمن بن عوف) فهذه ديانة أن يأمر بقتل أهل الجنّة؟! وأخبرني يا أبا الهذيل عن عمر لمّا طعن دخل عليه عبدالله بن عبّاس [١) انظر شرح النهج لابن أبي الحديد ٢٠/٦. والإمامة والسياسة ١٦/١. [٢] في (أ)) و «ط» وبحار الأنوار: أنّي مجنون. [٣] انظر شرح النهج لابن أبي الحديد ٢٣/٢ و٢٦. وفي (أ)): فمن عاد لمثلها... وفي (ج)) وبحار الأنوار: فمن عاد إلى مثلها... [٤) في «أ» وبحار الأنوار: في صدر أبي بكر.

الاحتجاج كامل. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
ليزول بها استبعاد الرجعة الموعود بها في آخر الزمان ويدلّ على ذلك أحاديث: الأوّل: ما رواه رئيس المحدِّثين أبو جعفر ابن بابويه في كتاب «عيون الأخبار» قال: «لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه أن يُحيي لهم موتاهم، فوجّه معهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال

له: يا علي، إذهب إلى الجبّانة فناد هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان ويا فلان يقول لكم محمّد: قوموا بإذن الله. فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن اُمورهم» الحديث. ورواه الطبرسي مرسلاً في «الاحتجاج». الثاني: ما رواه ابن بابويه أيضاً في «عيون الأخبار» ـ في باب استسقاء المأمون بالرضا (عليه السلام) ـ: عن محمّد بن القاسم المفسّر، عن يوسف بن محمّد بن زياد

الايقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة - الصفحة ٢٠٣. — الإمام الباقر عليه السلام
8 وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام قَالَ

قِيلَ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى صلى الله عليه وآله وسلم مَا بَالُ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَكْرَهُونَ الْمَوْتَ قَالَ لِأَنَّهُمْ جَهِلُوهُ فَكَرِهُوهُ وَ لَوْ عَرَفُوهُ وَ كَانُوا مِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ لَأَحَبُّوهُ وَ لَعَلِمُوا أَنَّ الْآخِرَةَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنَ الدُّنْيَا ثُمَّ قَالَ عليه السلام يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا بَالُ الصَّبِيِّ وَ الْمَجْنُونِ يَمْتَنِعُ مِنَ الدَّوَاءِ الْمُنَقِّي لِبَدَنِهِ وَ النَّافِي لِلْأَلَمِ عَنْهُ قَالَ لِجَهْلِهِمْ بِنَفْعِ الدَّوَاءِ قَالَ وَ الَّذِي بَعَثَ مُحَمَّداً بِالْحَقِّ نَبِيّاً إِنَّ مَنِ اسْتَعَدَّ لِلْمَوْتِ حَقَّ الِاسْتِعْدَادِ فَهُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ هَذَا الدَّوَاءِ لِهَذَا الْمُتَعَالِجِ أَمَا إِنَّهُمْ لَوْ عَرَفُوا مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ الْمَوْتُ مِنَ النَّعِيمِ لَاسْتَدْعَوْهُ وَ أَحَبُّوهُ أَشَدَّ مَا يَسْتَدْعِي الْعَاقِلُ الْحَازِمُ الدَّوَاءَ لِدَفْعِ الْآفَاتِ وَ اجْتِلَابِ السَّلَامَاتِ

معاني الأخبار - الصفحة ٢٩٠. — الإمام الرضا عليه السلام
2 حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْعَلَوِيُّ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أَخِيهِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عليه السلام قَالَ

الْمُسُوخُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ الْفِيلُ وَ الدُّبُّ وَ الْأَرْنَبُ وَ الْعَقْرَبُ وَ الضَّبُّ وَ الْعَنْكَبُوتُ وَ الدُّعْمُوصُ وَ الْجِرِّيُّ وَ الْوَطْوَاطُ وَ الْقِرْدُ وَ الْخِنْزِيرُ وَ الزُّهَرَةُ وَ سُهَيْلٌ قِيلَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ مَا كَانَ سَبَبُ مَسْخِ هَؤُلَاءِ قَالَ أَمَّا الْفِيلُ فَكَانَ رَجُلًا جَبَّاراً لُوطِيّاً لَا يَدَعُ رَطْباً وَ لَا يَابِساً وَ أَمَّا الدُّبُّ فَكَانَ رَجُلًا مُخَنَّثاً يَدْعُو الرِّجَالَ إِلَى نَفْسِهِ وَ أَمَّا الْأَرْنَبُ فَكَانَتِ امْرَأَةً قَذِرَةً لَا تَغْتَسِلُ مِنْ حَيْضٍ وَ لَا جَنَابَةٍ وَ لَا غَيْرِ ذَلِكَ وَ أَمَّا الْعَقْرَبُ فَكَانَ رَجُلًا هَمَّازاً لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ وَ أَمَّا الضَّبُّ فَكَانَ رَجُلًا أَعْرَابِيّاً يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ وَ أَمَّا الْعَنْكَبُوتُ فَكَانَتِ امْرَأَةً سَحَرَتْ زَوْجَهَا وَ أَمَّا الدُّعْمُوصُ فَكَانَ رَجُلًا نَمَّاماً يَقْطَعُ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ وَ أَمَّا الْجِرِّيُّ فَكَانَ رَجُلًا دَيُّوثاً يَجْلِبُ الرِّجَالَ عَلَى حَلَائِلِهِ وَ أَمَّا الْوَطْوَاطُ فَكَانَ رَجُلًا سَارِقاً يَسْرِقُ الرُّطَبَ مِنْ رُءُوسِ النَّخْلِ وَ أَمَّا الْقِرَدَةُ فَالْيَهُودُ اعْتَدَوْا فِي السَّبْتِ وَ أَمَّا الْخَنَازِيرُ فَالنَّصَارَى حِينَ سَأَلُوا الْمَائِدَةَ فَكَانُوا بَعْدَ نُزُولِهَا أَشَدَّ مَا كَانُوا تَكْذِيباً وَ أَمَّا سُهَيْلٌ فَكَانَ رَجُلًا عَشَّاراً بِالْيَمَنِ وَ أَمَّا الزُّهَرَةُ فَإِنَّهَا كَانَتِ امْرَأَةً تُسَمَّى نَاهِيدَ وَ هِيَ الَّتِي تَقُولُ النَّاسُ إِنَّهُ افْتُتِنَ بِهَا هَارُوتُ وَ مَارُوتُ

علل الشرائع - ج ٢ - الصفحة ٤٨٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
4 حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ الْمُتَوَكِّلِ (رحمه الله) قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَتَعَوَّذُ مِنَ الْبُخْلِ فَقَالَ نَعَمْ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ فِي كُلِّ صَبَاحٍ وَ مَسَاءٍ وَ نَحْنُ نَتَعَوَّذُ بِاللَّهِ مِنَ الْبُخْلِ يَقُولُ اللَّهُ

وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ سَأُخْبِرُكَ عَنْ عَاقِبَةِ الْبُخْلِ إِنَّ قَوْمَ لُوطٍ كَانُوا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَشِحَّاءَ عَلَى الطَّعَامِ فَأَعْقَبَهُمُ الْبُخْلُ دَاءً لَا دَوَاءَ لَهُ فِي فُرُوجِهِمْ فَقُلْتُ وَ مَا أَعْقَبَهُمْ فَقَالَ إِنَّ قَرْيَةَ قَوْمِ لُوطٍ كَانَتْ عَلَى طَرِيقِ السَّيَّارَةِ إِلَى الشَّامِ وَ مِصْرَ فَكَانَتِ السَّيَّارَةُ تَنْزِلُ بِهِمْ فَيُضِيفُونَهُمْ فَلَمَّا كَثُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ضَاقُوا بِذَلِكَ ذَرْعاً بُخْلًا وَ لُؤْماً فَدَعَاهُمُ الْبُخْلُ إِلَى أَنْ كَانُوا إِذَا نَزَلَ بِهِمُ الضَّيْفُ فَضَحُوهُ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ بِهِمْ إِلَى ذَلِكَ وَ إِنَّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ بِالضَّيْفِ حَتَّى يَنْكُلَ النَّازِلُ عَنْهُمْ فَشَاعَ أَمْرُهُمْ فِي الْقَرْيَةِ وَ حَذِرَهُمُ النَّازِلَةُ فَأَوْرَثَهُمُ الْبُخْلُ بَلَاءً لَا يَسْتَطِيعُونَ دَفْعَهُ عَنْ أَنْفُسِهِمْ مِنْ غَيْرِ شَهْوَةٍ لَهُمْ إِلَى ذَلِكَ حَتَّى صَارُوا يَطْلُبُونَهُ مِنَ الرِّجَالِ فِي الْبِلَادِ وَ يُعطُونَهُمْ عَلَيْهِ الْجُعْلَ ثُمَّ قَالَ فَأَيُّ دَاءٍ أَدْأَى مِنَ الْبُخْلِ وَ لَا أَضَرُّ عَاقِبَةً وَ لَا أَفْحَشُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ أَبُو بَصِيرٍ فَقُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ فَهَلْ كَانَ أَهْلُ قَرْيَةِ لُوطٍ كُلُّهُمْ هَكَذَا يَعْمَلُونَ فَقَالَ نَعَمْ إِلَّا أَهْلُ بَيْتٍ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَ مَا تَسْمَعُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام إِنَّ لُوطاً لَبِثَ فِي قَوْمِهِ ثَلَاثِينَ سَنَةً يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ يُحَذِّرُهُمْ عَذَابَهُ وَ كَانُوا قَوْماً لَا يَتَنَظَّفُونَ مِنَ الْغَائِطِ وَ لَا يَتَطَهَّرُونَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَ كَانَ لُوطٌ ابْنَ خَالَةِ إِبْرَاهِيمَ وَ كَانَتِ امْرَأَةُ إِبْرَاهِيمَ سَارَةُ أُخْتَ لُوطٍ وَ كَانَ لُوطٌ وَ إِبْرَاهِيمُ نَبِيَّيْنِ مُرْسَلَيْنِ مُنْذِرَيْنِ وَ كَانَ لُوطٌ رَجُلًا سَخِيّاً كَرِيماً يَقْرِي الضَّيْفَ إِذَا نَزَلَ بِهِ وَ يُحَذِّرُهُمْ قَوْمَهُ قَالَ فَلَمَّا رَأَى قَوْمُ لُوطٍ ذَلِكَ مِنْهُ قَالُوا لَهُ إِنَّا نَنْهَاكَ عَنِ الْعَالَمِينَ لَا تقري [تَقْرِ ضَيْفاً يَنْزِلُ بِكَ إِنْ فَعَلْتَ فَضَحْنَا ضَيْفَكَ الَّذِي يَنْزِلُ بِكَ وَ أَخْزَيْنَاكَ فَكَانَ لُوطٌ إِذَا نَزَلَ بِهِ الضَّيْفُ كَتَمَ أَمْرَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَفْضَحَهُ قَوْمُهُ وَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِلُوطٍ عَشِيرَةٌ قَالَ وَ لَمْ يَزَلْ لُوطٌ وَ إِبْرَاهِيمُ يَتَوَقَّعَانِ نُزُولَ الْعَذَابِ عَلَى قَوْمِهِمْ فَكَانَتْ لِإِبْرَاهِيمَ وَ لِلُوطٍ مَنْزِلَةٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى شَرِيفَةٌ وَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ إِذَا أَرَادَ عَذَابَ قَوْمِ لُوطٍ أَدْرَكَتْهُ مَوَدَّةُ إِبْرَاهِيمَ وَ خُلَّتُهُ وَ مَحَبَّةُ لُوطٍ فَيُرَاقِبُهُمْ فَيُؤَخِّرُ عَذَابَهُمْ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ ع- فَلَمَّا اشْتَدَّ أَسَفُ اللَّهِ عَلَى قَوْمِ لُوطٍ وَ قَدَّرَ عَذَابَهُمْ وَ قَضَى أَنْ يُعَوِّضَ إِبْرَاهِيمَ مِنْ عَذَابِ قَوْمِ لُوطٍ بِغُلَامٍ عليهم [عَلِيمٍ فَيُسَلِّيَ بِهِ مُصَابَهُ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ فَبَعَثَ اللَّهُ رُسُلًا إِلَى إِبْرَاهِيمَ يُبَشِّرُونَهُ بِإِسْمَاعِيلَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ لَيْلًا يَفْزَعُ مِنْهُمْ وَ خَافَ أَنْ يَكُونُوا سُرَّاقاً فَلَمَّا رَأَتْهُ الرُّسُلُ فَزِعاً مَذْعُوراً فَقالُوا سَلاماً قَالَ سَلَامٌ إِنّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قالُوا لا تَوْجَلْ إِنّا رُسُلُ رَبِّكَ نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ عَلِيمٍ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام وَ الْغُلَامُ الْعَلِيمُ هُوَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ هَاجَرَ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلرُّسُلِ أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ فَما خَطْبُكُمْ بَعْدَ الْبِشَارَةِ قالُوا إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ قَوْمِ لُوطٍ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِينَ لِنُنْذِرَهُمْ عَذَابَ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلرُّسُلِ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ أَجْمَعِينَ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنا إِنَّها لَمِنَ الْغابِرِينَ قَالَ فَلَمّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ قَوْمُكَ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ يَمْتَرُونَ وَ أَتَيْناكَ بِالْحَقِّ لِتُنْذِرَ قَوْمَكَ الْعَذَابَ وَ إِنّا لَصادِقُونَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ يَا لُوطُ إِذَا مَضَى لَكَ مِنْ يَوْمِكَ هَذَا سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَ لَيَالِيهَا بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ إِذَا مَضَى نِصْفُ اللَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ وَ امْضُوا مِنْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ حَيْثُ تُؤْمَرُونَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام فَقَضَوْا ذلِكَ الْأَمْرَ إِلَى لُوطٍ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الثَّامِنِ مَعَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قَدَّمَ اللَّهُ تَعَالَى رُسُلًا إِلَى إِبْرَاهِيمَ يُبَشِّرُونَهُ بِإِسْحَاقَ وَ يُعَزُّونَهُ بِهَلَاكِ قَوْمِ لُوطٍ وَ ذَلِكَ قَوْلُهُ وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ يَعْنِي ذَكِيّاً مَشْوِيّاً نَضْجاً فَلَمّا رَأى إِبْرَاهِيمُ أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ فَبَشَّرُوهَا بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ فَضَحِكَتْ يَعْنِي فَتَعَجَّبَتْ مِنْ قَوْلِهِمْ قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ وَ هذا بَعْلِي شَيْخاً إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ قالُوا أَ تَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ رَحْمَتُ اللّهِ وَ بَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه السلام فَلَمَّا جَاءَتْ إِبْرَاهِيمَ الْبِشَارَةُ بِإِسْحَاقَ وَ ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ أَقْبَلَ يُنَاجِي رَبَّهُ فِي قَوْمِ لُوطٍ وَ يَسْأَلُهُ كَشْفَ الْبَلَاءِ عَنْهُمْ فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابِي بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمٍ مَحْتُومٍ غَيْرُ مَرْدُودٍ

علل الشرائع - ج ٢ - الصفحة ٥٤٨. — الإمام الباقر عليه السلام

3- الحضينيّ (رحمه الله): حدّثني أبو القاسم بن الصائغ البلخيّ قال: خرجت من بغداد إلى العسكر في شهر المحرّم لسبع ليال خلت منه، فلمّا كان بكرة يوم السبت، فسلّمت على الموالي (عليهم السلام)، و صرت على باب جعفر، فإذا في الدهليز دابّة مسرّجة، فجاوزت بابه، و جلست عند حائط دار موسى بن بقاء. فخرج جعفر على دابّة كميت، و عليه ثياب بيض، و رداء، و عليه عدنية سوداء طويلة، و بين يديه خادم، و في يده غاشية، و على يمينه خادم آخر ثيابه سود، و على رأسه خادم آخر، و خادم على بغلته خلفه. فلمّا رأني نظر إليّ نظرا شديدا، فمشيت خلفه حتّى بلغت باب النقيب الذي على الطالبيّين. فنزل عنده و دخل إليه، ثمّ خرج منصرفا إلى منزله. فلمّا بلغ قبر أبي الحسن، و قبر أبي محمّد (عليهما السلام) أشار بيده و سلّم عليهما، و دخل داره فانصرفت إلى حانوت بقّال، و أخذت منه أوقيتين. فكتبت إليه كتابا، و كتابا إلى امرأة تكنّى أمّ أبي سليمان امرأة محمّد بن زكريّا الرازيّ، و كانت باب جعفر. و كان صديقا لي كتب كتابا إلى بعض إخوانه ليوصله إلى جعفر. و فعلت أنا كتابا على لسان أبي محمّد بن يعقوب بن أبي نافع المدائنيّ، و كتابا إلى الامرأة، أمّ أبي سليمان، و تسمّيت في الذي ترون فيه أحمد بن محمّد المروزيّ و كتبت فيه: جعلت فداك! إنّ حامل كتابي رجل من خراسان و هو يقول بالسيّد محمّد متعلّقا إليه، و ذهبت إلى امرأة أبي سليمان. فدفعت الكتاب إليها، فأدخلتني إلى دهليز فيه درجة. فقالت لي: اصعد! فصعدت إلى حجرة، فقالت: اجلس! فجلست، و جلست معي تحدّثني، و تساءلني و قامت فذهبت إلى جعفر، فاحتسبت به. ثمّ جاءت و معها رقعة بخطّه، مكتوب فيها: بسم اللّه الرحمن الرحيم، يا أحمد، رحمك اللّه! أوصلت إليّ الامرأة الكتاب بما أحببت، أرشدك اللّه، و ثبّتك إليّ، بدواة، و كاغذ أبيض، و طين الختم. فكتبت: بسم اللّه الرحمن الرحيم، أطال اللّه بقاءك، و أعزّك و أيّدك، و أتمّ نعمته عليك، و زاد في فضله و إحسانه إليك، و صلّى اللّه على سيّدنا محمّد و آله و سلّم كثيرا. يا سيّدي! جعلت فداك! أنا رجل من مواليك و موالي آبائك (عليهم السلام) من خراسان منذ كنّا متعلّقين بحبل اللّه المتين. كما قال اللّه تعالى: وَ اعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَ لا تَفَرَّقُوا، فلمّا حدث بالماضي أبي الحسن (عليه السلام) ما حدث خرجت إلى العراق لقيت إخواننا فسألتهم، فوجدتهم كلّهم مجمعين على أبي محمّد (عليه السلام) غير أصحاب ابن ماهويه أنّهم كانوا مخالفين، و قالوا بإمامة جعفر أخو الحسن العسكريّ (عليه السلام)، فانصرفت إلى خراسان، فوجدت أصحابي الذين خلّفتهم ورائي، فأخبرتهم فقلنا بأبي محمّد (عليه السلام)، و لم نشكّ فيه طرفة عين. فلمّا توفّي أبو محمّد (عليه السلام) وجّه رسولا إلى إخواننا بالعراق ليسألهم فكتبوا بما كان عندهم من الاختلاف، فخرجت بنفسي مرّة، فقطع عليّ الطريق، فانصرفت إلى منزلي، و اضطربت خراسان من الخوارج، و لم يمكنّي أن أخرج و سيّدي عالم بما أقول، فخرجت العام مع الحاجّ فلم أترك أحدا من أصحابنا بنيسابور و الري و همدان و غيرهم إلّا سألتهم. فوجدتهم مختلفين حتّى وجدت أحمد بن يعقوب المدائنيّ صاحب الكتاب، فكتب لي كتابا إلى السيّد. فدخلت بغداد منذ ثلاثة أشهر فما تركت أحدا يقول بهذا القول إلّا لقيتهم و ناظرتهم، فوجدتهم مختلفين حتّى لقيت أبا الحسين بن ثوابة و أصحابه و أبا عبد اللّه الجمّال و أبا عليّ الصائغ و غيرهم، فقالوا: إنّ جعفر أبيه وصيّ أخيه أبي محمّد و لم يكن إماما غيره، و رأيت عليّ بن الحسين بن فضّال، فقال: كتبت إلى جعفر فسألته عن أبي محمّد من وصيّه؟ فقال: أبو محمّد كان إماما مفترض الطاعة على الخلق، و أنا وصيّه. و رأيت غيرهم، فقالوا: إنّ جعفرا وصيّ أبيه أبي الحسن. فتحيّرت، و قلت: ليس هاهنا حيلة إلّا أن أخرج إلى السيّد، و أسأله مشافهة، فخرجت إلى سيّدي. فهذه قصّتي و حالي، فإن رأى سيّدي أن يمنّ على عبده بالنظر إلى وجهه و سؤاله مشافها فعل، فإنّي خلّفت ورائي قوما حيارى، فلعلّ اللّه أن يهداهم سيّدي سبيلا فعلا مفعولا مأجورا، إن شاء تعالى. و راجعت الكتاب إليه على يد أمّ أبي سليمان. فلمّا كان بعد ساعة جاءت هذه الامرأة التي تكنّى أمّ سليمان، فقالت لي: يقول لك السيّد: إنّي كنت راكبا و انصرفت، و أنا كسلان، فكن عند هذه الامرأة حتّى أوجّه إليك و أدعوك. فقالت: أراك يا سيّدي! رجلا عاقلا، و قد حملت كتاب أخينا إليّ، و سألني: هل تعرفين هذا الرجل؟ فقلت: لا أعرفه، و كان عند السيّد عام الأوّل، و أنا أدخلك عليه، و أسألك يا أخي! لا تتحدّث. قلت: نعم! لك هذا، فإنّي رجل مرتاد إليك أريد فكاك رقبتي من النار. فقالت: إنّي أدخل عليه إن شاء اللّه بعد الظهر. ثمّ نزلت من عندي و صعدت بطبق فيه أربع أرغفة و قثّاء مفرّم و بطّيخ و صينيّة و كوز ماء، فقالت: كل. فقلت: إنّي أكلت، و جئت. فقالت: أسألك أن تأكل فإنّ هذا من الخبز الذي يجري على السيّد، فأكلت منه رغيفا من القثّاء و البطّيخ. فلمّا صدرت جاءت و قالت: قم! فقمت. فأدخلتني في دهليز جعفر وردت الباب، فجلست مع خادمه الأبيض، و دخلت الامرأة إليه ثمّ خرجت، و قالت لي: ادخل! فدخلت بدهليز طوله عشرون ذراعا ضيق، فإذا بوسطه بئر ماء، و إذا على يساره حجرة، و قدّام الدهليز باب، فدخلت فإذا بدهليز آخر، فدخلت فرأيت دارا كبيرة واسعة، فإذا فيها أسرّة عدّة، و فيها قبّة مكتسية من خشب من يسار الدار، و قدّام الدار بيت، و عن يمينه بيوت غيره عدّة. فرفع الستر من البيت الأوّل، فدخلت فإذا جعفر جالس على سرير قصير في البيت، فسلّمت فناولني يده، فقبّلتها، و جثوت بين يديه. فقال لي: كيف طريقك، كيف أنت، و كيف أصحابك؟ فقلت: في عافية و سلامة، ثمّ قلت له: جعلت فداك! إنّي رجل من مواليك و موالي آبائك (عليهم السلام)، و قد حدث هذا الحديث فاختلف أصحابنا، فخرجت قاصدا مع الحاجّ، و أنا مقيم ببغداد منذ ثلاثة أشهر، فلقيت خلقا تدّعي هذا الأمر، فوجدتهم مختلفين حتّى لقيت أبا الحسين بن ثوابة، و أبا عبد اللّه الجمّال، و أبا عليّ الصائغ. فقالوا: إنّك وصيّ أبي جعفر أعني أباك الذي مضى في أيّام الحسن أخيك (عليه السلام)، و قال غيرهم: بل هو وصيّ الحسن أخيه. جئت إليك لأسمع منك مشافها، و آخذ بقولك، و ما تأمرني به. فقال: لعن اللّه أبا الحسين بن ثوابة و أصحابه! فإنّهم يكذبون عليّ، و يقولون ما لم أقل، و يخدعون الناس، و يأكلون أموالهم، و قد قطعوا مالا كان لي من ناحية، فصار بأيديهم، و هاهنا من هو أشدّ من ابن ثوابة. فقلت: من؟ جعلت فداك! قال: القزوينيّ عليّ بن أحمد. فقلت: سمعت باسمه و أردت أن أذهب إليه. فقال: إيّاك! فإنّه كافر و أخاف أن يفتنك و يفسد عليك ما أنت عليه من دينك عليّ بن أحمد القزوينيّ، و أصحابه لعنهم اللّه و الملائكة و الناس أجمعون. فقلت: نعم! لعنهم اللّه بلغتك المنتظرة. ثمّ قال لي: هل تشبك في أبي الحسن؟ قلت: أعوذ باللّه! قال: مضى أبو محمّد أخي و لم يخلّف أحدا لا ذكرا و لا أنثى و أنا وصيّه. فقلت: وصيّ أبي الحسن، أم وصيّ أبي جعفر، أم وصيّ أبي محمّد؟ قال: بل وصيّ أبي محمّد أخي. قلت: أبو محمّد كان إماما مفروض الطاعة عليك و على الخلق أجمعين؟ قال: نعم! قلت: و أنت وصيّه، و أنت الإمام المفروض الطاعة على الخلق أجمعين؟ قال: نعم! فارتميت إلى يده أقبّلها فناولني إيّاها فقبّلتها، فقلت: يا سيّدي! روينا عن آبائك (عليهم السلام) إنّ الإمامة لا تكون في أخوين بعد الحسن و الحسين. قال: صدّقت بهذا، و لكن أ تقرّ بالبداء؟ قلت: نعم! قال: فإنّ اللّه بدا له في ذلك. فقلت له: يا سيّدي! فوقك إمام؟ قال: لا، ثمّ قال: يا أحمد! لو لا أنّي عرفت من نيّتك الصدق لما أذنت لك. فقلت: جعلت فداك! معي شيء حملت من خراسان و لم أحمله معي و هو في بغداد معدّ، فإن كان لك ثمّ وليّ تثق به حتّى أدفعه إليه بأمرك. فقال: ليس لي أحد ببغداد، و لكن احمله بنفسك أنت حتّى يكون لك الأجر و الثواب. قلت: نعم، جعلت فداك! فأسألك أن تدعوا لي بالعافية و السلامة، و أن يردّني اللّه إلى أهلي و بيتي في عافية، و يخرجني من الدنيا على ولايتك و ولاية آبائك (عليهم السلام). فقال: ثبّتك اللّه على ولايتي و ولاية آبائي، و ردّك إلى أهلك و ولدك في عافية و سلامة، فقمت و خرجت من عنده و رجعت إلى منزلي و إلى أبي سليمان. فسألت أبا سليمان عن عياله و خدمه و جواره و حاله، و كيف عيشه؟ فقال: له عشرون ولدا، و أربع عشرة بنتا، و عليه من العيال ستّين نفسا من الجوار و الخدم و البنين و البنات و غيرهم، و هو اليوم يأكل بالربا، و قد رهن ثيابه، و قدم ابن بشّار و حمل عطايا الهاشميّين و الطالبيّين، و قال: اعرضوا عليّ بنيكم و بناتكم، فقال جعفر: و اللّه! فلو صرت للصدق بابا ما كشف وجه بناتي بين يديه و ركب جعفر و معه ثمانية من شيعته إلى ابن بشّار فعرضهم عليه، و أخذ عطاه و عطاء بنيه و بناته و انصرف، فلم أر فيه شيئا من دلائل آبائه (عليهم السلام) و من آثار الإمامة. فقلت لأبي الحسين بن ثوابة، و أبي عبد اللّه الجمّال، و أبي عليّ الصائغ، و القزوينيّ كلّما قال لي و قصصت عليهم قصّتي معه، فضحكوا و قالوا: و اللّه! هو أحقّ باللعنة منّا التي لعننا بها، لأنّه يقول: إنّنا أخذنا ماله بل أخذنا مال اللّه، و ليس ماله، و قد ادّعى الوصيّة و الإمامة، و اللّه برّأه منها. فقلت لهم: تأخذون مال اللّه بغير حقّ؟ فقالوا: إنّنا محتاجون إليه، و ليس له طالب في هذا الوقت. فقلت لهم: ويحكم! أ ليس أبو عمرو عثمان بن سعيد العمريّ السمّان يأخذ بأمر أبي محمّد (عليه السلام) أموال اللّه، هو و ابنه أبو جعفر محمّد، و ينفذها حيث شاء بأمر الخلف من أبي محمّد (عليه السلام)، و هو المهديّ سميّ جدّي رسول اللّه و كنّيه؟ فضحكوا و قالوا: إنّ المهديّ إليه التسليم بدا بكلّ دين على المؤمنين، فقضاه عنهم، فكيف لا يهب لنا ماله. فقلت: أفّ عليكم أن تكونوا مؤمنين. فقالوا: و اللّه! ما عندنا شكّ في الإمام بعد أبي الحسن (عليه السلام) إلّا أبي محمّد (عليه السلام)، و ما لأبي جعفر محمّد بن عليّ و لا لجعفر هذا الكذّاب في الوصيّة حظّ و لا نصيب، و أنّ المهديّ أبو القاسم محمّد بن الحسن لا شكّ فيه، و إنّما نأخذ هذه الأموال ليرى الناس إنّا مخالفون فيها على جعفر. فانقلبت إلى أهلي بخراسان و سائر الجبل، فقصصت عليهم قصّتي من جعفر و سائر ما لقيت فقمنا على الخلف من أبي محمّد (عليه السلام)، و من قال في أبي جعفر و من قال بجعفر، و كان هذا فضل من اللّه.

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ١ - الصفحة ٩٥. — الإمام السجاد عليه السلام
(264) 1- الشيخ الطوسيّ (رحمه الله): و روى جابر الجعفيّ قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن تأويل قول اللّه

عزّ و جلّ: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً.... قال: فتنفّس الصعداء، ثمّ قال: يا جابر! أمّا السنة، فهي جدّي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم). و شهورها اثنا عشر شهرا، فهو أمير المؤمنين...، و عليّ [الهادي]، و إلى ابنه الحسن [العسكريّ]... اثنا عشر إماما حجج اللّه في خلقه، و أمناؤه على وحيه و علمه...، فالإقرار بهؤلاء هو الدين القيّم فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، أي قولوا بهم جميعا تهتدوا. و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ١ - الصفحة ٢٠٨. — الإمام الباقر عليه السلام
(564) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال

الإمام (عليه السلام): كان موسى بن عمران (عليه السلام) يقول: لبني إسرائيل إذا فرّج اللّه عنكم، و أهلك أعداءكم آتيكم بكتاب من ربّكم يشتمل على أوامره و نواهيه و مواعظه و عبره و أمثاله. فلمّا فرّج اللّه تعالى عنهم أمره اللّه عزّ و جلّ أن يأتي للميعاد، و يصوم ثلاثين يوما عند أصل الجبل، و ظنّ موسى أنّه بعد ذلك يعطيه الكتاب. فصام موسى ثلاثين يوما عند [أصل الجبل]، فلمّا كان في آخر الأيّام استاك قبل الفطر، فأوحى اللّه عزّ و جلّ [إليه]: يا موسى! أ ما علمت أنّ خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك، صم عشرا أخر، و لا تستك عند الإفطار، ففعل ذلك موسى (عليه السلام)، و كان وعد اللّه عزّ و جلّ أن يعطيه الكتاب بعد أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، فأعطاه إيّاه. فجاء السامريّ فشبّه على مستضعفي بني إسرائيل، و قال: وعدكم موسى أن يرجع إليكم بعد أربعين ليلة، و هذه عشرون ليلة و عشرون يوما تمّت أربعون، أخطأ موسى ربّه، و قد أتاكم ربّكم، أراد أن يريكم أنّه قادر على أن يدعوكم إلى نفسه بنفسه، و أنّه لم يبعث موسى لحاجة منه إليه. فأظهر لهم العجل الذي كان عمله، فقالوا له: فكيف يكون العجل إلهنا؟ قال لهم: إنّما هذا العجل يكلّمكم منه ربّكم كما كلّم موسى من الشجرة، فالإله في العجل كما كان في الشجرة، فضلّوا بذلك، و أضلّوا. [فلمّا رجع موسى إلى قومه قال: ] يا أيّها العجل! أ كان فيك ربّنا كما يزعم هؤلاء؟ فنطق العجل، و قال: عزّ ربّنا عن أن يكون العجل حاويا له أو شيء من الشجرة و الأمكنة عليه مشتملا، لا و اللّه يا موسى! و لكنّ السامريّ نصب عجلا مؤخّره إلى الحائط، و حفر في الجانب الآخر في الأرض، و أجلس فيه بعض مردته، فهو الذي وضع فاه على دبره، و تكلّم بما تكلّم لمّا قال: هذا إِلهُكُمْ وَ إِلهُ مُوسى. يا موسى بن عمران! ما خذل هؤلاء بعبادتي، و اتّخاذي إلها إلّا لتهاونهم بالصلاة على محمّد و آله الطيّبين، و جحودهم بموالاتهم، و بنبوّة النبيّ محمّد، و وصيّة الوصيّ حتّى أدّاهم إلى أن اتّخذوني إلها. قال اللّه عزّ و جلّ: فإذا كان اللّه تعالى إنّما خذل عبدة العجل لتهاونهم بالصلاة على محمّد و وصيّه عليّ، فما تخافون من الخذلان الأكبر في معاندتكم لمحمّد و عليّ، و قد شاهدتموهما و تبيّنتم آياتهما و دلائلهما. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ أي عفونا عن أوائلكم عبادتهم العجل لعلّكم يا أيّها الكائنون! في عصر محمّد من بني إسرائيل تشكرون تلك النعمة على أسلافكم و عليكم بعدهم. [ثمّ] قال (عليه السلام): و إنّما عفى اللّه عزّ و جلّ عنهم لأنّهم دعوا اللّه بمحمّد و آله الطاهرين، و جدّدوا على أنفسهم الولاية لمحمّد و عليّ و آلهما الطيّبين، فعند ذلك (رحمهم الله) و عفا عنهم. قوله تعالى: وَ إِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَ الْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ: 2/ 53.

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٣ - الصفحة ٥٦. — الإمام العسكري عليه السلام
(858) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): و قال

[رسول اللّه] (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، عن جبرئيل (عليه السلام)، عن اللّه تعالى، قال: قال اللّه عزّ و جلّ: يا عبادي! كلّكم ضالّ إلّا من هديته، فاسألوني الهدى أهدكم. و كلّكم فقير إلّا من أغنيته، فاسألوني الغنى أرزقكم، و كلّكم مذنب إلّا من غفرت، فاسألوني المغفرة أغفر لكم. و من علم أنّي ذو قدرة على المغفرة فاستغفرني بقدرتي غفرت له، و لا أبالي. و لو أنّ أوّلكم، و آخركم، و حيّكم، و ميّتكم، و رطبكم، و يابسكم اجتمعوا على إنقاء قلب عبد من عبادي لم يزيدوا في ملكي جناح بعوضة. و لو أنّ أوّلكم، و آخركم، و حيّكم، و ميّتكم، و رطبكم، و يابسكم اجتمعوا على إشقاء قلب عبد من عبادي لم ينقصوا من ملكي جناح بعوضة. و لو أنّ أوّلكم، و آخركم، و حيّكم، و ميّتكم، و رطبكم، و يابسكم اجتمعوا فتمنّى كلّ واحد منهم ما بلغت من أمنيّته، فأعطيته لم يتبيّن ذلك في ملكي، كما لو أنّ أحدكم مرّ على شفير البحر فغمس فيه إبرة ثمّ انتزعها، و ذلك بأنّي جواد ماجد واجد، عطائي كلام، و عذابي كلام، فإذا أردت شيئا، فإنّما أقول له: كن، فيكون. يا عبادي! اعملوا أفضل الطاعات و أعظمها، لأسامحكم و ان قصّرتم فيما سواها، و اتركوا أعظم المعاصي و أقبحها، لئلّا أناقشكم في ركوب ما عداها. إنّ أعظم الطاعات توحيدي، و تصديق نبيّي، و التسليم لمن نصبه بعده- و هو عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) - و الأئمّة الطاهرين من نسله (صلوات الله عليهم)، و إنّ أعظم المعاصي و أقبحها عندي الكفر بي، و بنبيّي، و منابذة وليّ محمّد بعده عليّ بن أبي طالب، و أوليائه بعده. فإن أردتم أن تكونوا عندي في المنظر الأعلى، و الشرف الأشرف فلا يكوننّ أحد من عبادي آثر عندكم من محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و بعده من أخيه عليّ (عليه السلام)، و بعدهما من أبنائهما القائمين بأمور عبادي بعدهما، فإنّ من كانت تلك عقيدته جعلته من أشراف ملوك جناني. و اعلموا! أنّ أبغض الخلق إليّ من تمثّل بي، و ادّعى ربوبيّتي، و أبغضهم إليّ بعده من تمثّل بمحمّد و نازعه نبوّته و ادّعاها، و أبغضهم إليّ بعده من تمثّل بوصيّ محمّد و نازعه محلّه و شرفه و ادّعاهما، و أبغضهم إليّ بعد هؤلاء المدّعين- لما هم به لسخطي متعرّضون- من كان لهم على ذلك من المعاونين، و أبغض الخلق إليّ بعد هؤلاء من كان بفعلهم من الراضين، و ان لم يكن لهم من المعاونين. و كذلك أحبّ الخلق إليّ القوّامون بحقّي، و أفضلهم لديّ و أكرمهم عليّ محمّد سيّد الورى، و أكرمهم و أفضلهم بعده أخو المصطفى عليّ المرتضى، ثمّ من بعده من القوّامين بالقسط من أئمّة الحقّ. و أفضل الناس بعدهم من أعانهم على حقّهم، و أحبّ الخلق إليّ بعدهم من أحبّهم، و أبغض أعداءهم و إن لم يمكنه معونتهم.

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٤ - الصفحة ٧. — الإمام العسكري عليه السلام
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال

الإمام (عليه السلام): كان موسى بن عمران (عليه السلام) يقول لبني إسرائيل: إذا فرّج اللّه عنكم، و أهلك أعداءكم آتيكم بكتاب من ربّكم يشتمل على أوامره و نواهيه و مواعظه و عبره و أمثاله. فلمّا فرّج اللّه تعالى عنهم أمره اللّه عزّ و جلّ أن يأتي للميعاد، و يصوم ثلاثين يوما عند أصل الجبل. و ظنّ موسى أنّه بعد ذلك يعطيه الكتاب، فصام موسى ثلاثين يوما عند [أصل الجبل] فلمّا كان في آخر الأيّام استاك قبل الفطر...، [فلمّا رجع موسى إلى قومه، قال: ] يا أيّها العجل! أ كان فيك ربّنا، كما يزعم هؤلاء؟ فنطق العجل و قال: عزّ ربّنا عن أن يكون العجل حاويا له، أو شيء من الشجرة، و الأمكنة عليه مشتملا، لا و اللّه! يا موسى! و لكنّ السامريّ نصب عجلا مؤخّره إلى الحائط، و حفر في الجانب الآخر في الأرض، و أجلس فيه بعض مردته، فهو الذي وضع فاه على دبره، و تكلّم بما تكلّم....

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٤ - الصفحة ٣٣. — الإمام العسكري عليه السلام
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام):... قال (عليه السلام): إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كان يمشي بمكّة، و أخوه عليّ (عليه السلام) يمشي معه، و عمّه أبو لهب خلفه- يرمي عقبه بالأحجار.... فقال بعضهم: يا عليّ! أ لست المتعصّب لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و المقاتل عنه، و الشجاع الذي لا نظير لك مع حداثة سنّك، و أنّك لم تشاهد الحروب، ما بالك لا تنصر محمّدا و لا تدفع عنه؟! فناداهم عليّ (عليه السلام): معاشر أوباش قريش! لا أطيع محمّدا بمعصيتي له، لو أمرني لرأيتم العجب، و ما زالوا يتّبعونه حتّى خرج من مكّة، فأقبلت الأحجار على حالها تتدحرج... فقال رسول اللّه

(صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا أبا الحسن! قد سمعت اقتراح الجاهلين، و هؤلاء عشرة قتلى كم جرحت بهذه الأحجار التي رمانا بها القوم، يا عليّ!؟ قال عليّ (عليه السلام): جرحت (أربع جراحات). و قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): قد جرحت أنا ستّ جراحات، فليسأل كلّ واحد منّا ربّه أن يحيى من العشرة بقدر جراحاته، فدعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لستّة منهم، فنشروا، و دعا عليّ (عليه السلام) لأربعة منهم فنشروا.... [و] إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لمّا كان بمكّة قالوا: يا محمّد! إنّ ربّنا هبل الذي يشفي مرضانا، و ينقذ هلكانا، و يعالج جرحانا.... قالوا: يا محمّد! فإن كان لك ربّ تعبده لا ربّ سواه، فاسأله أن يضربنا بهذه الآفات التي ذكرناها لك حتّى نسأل نحن هبل أن يبرأنا منها، لتعلم أنّ هبل هو شريك ربّك الذي إليه تومي و تشير، فجاءه جبرئيل (عليه السلام) فقال: ادع أنت على بعضهم، و ليدع عليّ (عليه السلام) على بعض، فدعا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) على عشرين منهم، و دعا عليّ (عليه السلام) على عشرة، فلم يريموا مواضعهم حتّى برصوا، و جذموا، و فلجوا، و لقوا، و عموا، و انفصلت عنهم الأيدي و الأرجل، و لم يبق في شيء من أبدانهم عضو صحيح إلّا ألسنتهم و آذانهم. فلمّا أصابهم ذلك صيّر بهم إلى هبل و دعوه ليشفيهم، و قالوا: دعا على هؤلاء محمّد و عليّ، ففعل بهم ما ترى فاشفهم. فناداهم هبل: يا أعداء اللّه! و أيّ قدرة لي على شيء من الأشياء، و الذي بعثه إلى الخلق أجمعين، و جعله أفضل النبيّين و المرسلين، لو دعا عليّ لتهافتت أعضائي، و تفاصلت أجزائي...، فلمّا سمعوا ذلك من هبل ضجّوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و قالوا: قد انقطع الرجاء عمّن سواك، فأغثنا، و ادع اللّه لأصحابنا، فإنّهم لا يعودون إلى أذاك. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): شفاؤهم يأتيهم من حيث أتاهم داؤهم عشرون عليّ، و عشرة على عليّ، فجاءوا بعشرين، فأقاموهم بين يديه، و بعشرة أقاموهم بين يدي عليّ (عليه السلام). فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) للعشرين: غضّوا أعينكم، و قولوا: «اللّهمّ بجاه من بجاهه ابتليتنا، فعافنا بمحمّد و عليّ و الطيّبين من آلهما». و كذلك قال عليّ (عليه السلام) للعشرة الذين بين يديه....

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٤ - الصفحة ٢٣٢. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
(964) 8- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال

الإمام (عليه السلام): قال الحسن بن عليّ (عليهما السلام): إنّ اللّه تعالى ذمّ اليهود في بغضهم لجبرئيل الذي كان ينفذ قضاء اللّه فيهم بما يكرهون، و ذمّهم أيضا و ذمّ النواصب في بغضهم لجبرئيل و ميكائيل و ملائكة اللّه النازلين لتأييد عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) على الكافرين حتّى أذلّهم بسيفه الصارم. فقال: قل: يا محمّد! مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ من اليهود لدفعه عن بختنصّر أن يقتله دانيال من غير ذنب كان جناه بختنصّر حتّى بلغ كتاب اللّه في اليهود أجله، و حلّ بهم ما جرى في سابق علمه، و من كان أيضا عدوّا لجبرئيل من سائر الكافرين و من أعداء محمّد و عليّ المناصبين، لأنّ اللّه تعالى بعث جبرئيل لعليّ (عليه السلام) مؤيّدا، و له على أعدائه ناصرا. و من كان عدوّا لجبرئيل لمظاهرته محمّدا و عليّا (عليهما السلام) و معاونته لهما و إنفاذه لقضاء ربّه عزّ و جلّ في إهلاك أعدائه على يد من يشاء من عباده. فَإِنَّهُ يعني جبرئيل نَزَّلَهُ يعني نزّل هذا القرآن عَلى قَلْبِكَ يا محمّد! بِإِذْنِ اللَّهِ بأمر اللّه، و هو كقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ مُصَدِّقاً - موافقا- لِما بَيْنَ يَدَيْهِ. [نزّل هذا القرآن جبرئيل على قلبك يا محمّد! مصدّقا موافقا لما بين يديه] من التوراة و الإنجيل و الزبور و صحف إبراهيم و كتب شيث و غيرهم من الأنبياء. قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): إنّ هذا القرآن هو النور المبين، و الحبل المتين، و العروة الوثقى، و الدرجة العليا، و الشفاء الأشفى، و الفضيلة الكبرى، و السعادة العظمى. من استضاء به نوّره اللّه، و من اعتقد به في أموره عصمه اللّه، و من تمسّك به أنقذه اللّه، و من لم يفارق أحكامه رفعه اللّه، و من استشفى به شفاه اللّه، و من آثره على ما سواه هداه اللّه، و من طلب الهدى في غيره أضلّه اللّه، و من جعله شعاره و دثاره أسعده اللّه، و من جعله إمامه الذي يقتدي به، و معوّله الذي ينتهي إليه أدّاه اللّه إلى جنّات النعيم، و العيش السليم. فلذلك قال: وَ هُدىً يعني هذا القرآن هدى وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ يعني بشارة لهم في الآخرة. و ذلك أنّ القرآن يأتي يوم القيامة بالرجل الشاحب، يقول لربّه عزّ و جلّ: [يا ربّ! ] هذا اظمأت نهاره، و أسهرت ليله، و قوّيت في رحمتك طمعه، و فسحت في مغفرتك أمله، فكن عند ظنّي [فيك] و ظنّه. يقول اللّه تعالى: اعطوه الملك بيمينه، و الخلد بشماله، و أقرنوه بأزواجه من الحور العين، و اكسوا والديه حلّة لا تقوم لها الدنيا بما فيها. فينظر إليهما الخلائق فيعظّمونهما، و ينظران إلى أنفسهما فيعجبان منها، و يقولان: يا ربّنا! أنّى لنا هذه؟! و لم تبلغها أعمالنا؟ فيقول اللّه تعالى: و مع هذا تاج الكرامة لم ير مثله الراءون، و لا يسمع بمثله السامعون، و لا يتفكّر في مثله المتفكّرون. فيقال: هذا بتعليمكما ولدكما القرآن، و تبصير كما إيّاه بدين الإسلام، و رياضتكما إيّاه على حبّ محمّد رسول اللّه، و عليّ وليّ اللّه، و تفقيهكما إيّاه بفقههما، لأنّهما اللذان لا يقبل اللّه لأحد إلّا بولايتهما، و معاداة أعدائهما عملا، و إن كان ملء ما بين الثرى إلى العرش ذهبا تصدّق به في سبيل اللّه، فتلك من البشارات التي يبشّرون بها. و ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ شيعة محمّد و عليّ و من تبعهم من أخلافهم و ذراريهم. ثمّ قال: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ لإنعامه على محمّد و عليّ و على آلهما الطيّبين، و هؤلاء الذين بلغ من جهلهم أن قالوا: نحن نبغض اللّه الذي أكرم محمّدا و عليّا بما يدّعيان. وَ جِبْرِيلَ و من كان عدوّا لجبريل لأنّ اللّه جعله ظهيرا لمحمّد و عليّ (عليهما السلام) على أعداء اللّه، و ظهيرا لسائر الأنبياء و المرسلين كذلك. وَ مَلائِكَتِهِ يعني و من كان عدوّا لملائكة اللّه المبعوثين لنصرة دين اللّه و تأييد أولياء اللّه، و ذلك قول بعض النصّاب المعاندين: برئت من جبرئيل الناصر لعليّ. و قوله تعالى: وَ رُسُلِهِ و من كان عدوّا لرسل اللّه موسى و عيسى و سائر الأنبياء، الذين دعوا إلى نبوّة محمّد و إمامة عليّ، و ذلك قول النواصب: برئنا من هؤلاء الرسل الذين دعوا إلى إمامة عليّ. ثمّ قال: وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ أي من كان عدّوا لجبرئيل و ميكائيل، و ذلك كقول من قال من النواصب لمّا قال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في عليّ (عليه السلام): جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، و إسرافيل من خلفه، و ملك الموت أمامه، و اللّه تعالى من فوق عرشه ناظر بالرضوان إليه ناصره. قال بعض النواصب: فأنا أبرأ من اللّه و [من] جبرئيل و ميكائيل و الملائكة الذين حالهم مع عليّ ما قاله محمّد. فقال: من كان عدّوا لهؤلاء تعصّبا على عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ فاعل بهم ما يفعل العدوّ بالعدوّ من إحلال النقمات، و تشديد العقوبات، و كان سبب نزول هاتين الآيتين ما كان من اليهود أعداء اللّه من قول سيّئ في جبرئيل و ميكائيل [و سائر ملائكة اللّه]، و ما كان من أعداء اللّه النصّاب من قول أسوأ منه في اللّه و في جبرئيل و ميكائيل و سائر ملائكة اللّه. أمّا ما كان من النصّاب فهو أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لمّا كان لا يزال يقول في عليّ (عليه السلام) الفضائل التي خصّه اللّه عزّ و جلّ بها، و الشرف الذي أهلّه اللّه تعالى له، و كان في كلّ ذلك يقول: أخبرني به جبرئيل عن اللّه، و يقول في بعض ذلك: جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، و يفتخر جبرئيل على ميكائيل في أنّه عن يمين عليّ (عليه السلام) الذي هو أفضل من اليسار كما يفتخر نديم ملك عظيم في الدنيا يجلسه [الملك] عن يمينه على النديم الآخر الذي يجلسه على يساره، و يفتخران على إسرافيل الذي خلفه بالخدمة، و ملك الموت الذي أمامه بالخدمة! و إنّ اليمين و الشمال أشرف من ذلك كافتخار حاشية الملك على زيادة قرب محلّهم من ملكهم. و كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) يقول في بعض أحاديثه: إنّ الملائكة أشرفها عند اللّه أشدّها لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حبّا، و إنّ قسم الملائكة فيما بينهم و الذي شرّف عليّا (عليه السلام) على جميع الورى بعد محمّد المصطفى. و يقول مرّة [أخرى]: إنّ ملائكة السماوات و الحجب ليشتاقون إلى رؤية عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) كما تشتاق الوالدة الشفيقة إلى ولدها البارّ الشفيق آخر من بقي عليها بعد عشرة دفنتهم. فكان هؤلاء النصّاب يقولون: إلى متى يقول محمّد جبرئيل و ميكائيل و الملائكة كلّ ذلك تفخيم لعليّ و تعظيم لشأنه، و يقول اللّه تعالى لعليّ خاصّ من دون سائر الخلق، برئنا من ربّ و من ملائكة و من جبرئيل و ميكائيل هم لعليّ بعد محمّد مفضّلون، و برئنا من رسل اللّه الذين هم لعليّ بن أبي طالب بعد محمّد مفضّلون. و أمّا ما قاله اليهود فهو أنّ اليهود- أعداء اللّه- لمّا قدم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) المدينة أتوه بعبد اللّه بن صوريا، فقال: يا محمّد! كيف نومك؟ فإنّا قد أخبرنا عن نوم النبيّ الذي يأتي في آخر الزمان. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): تنام عيني، و قلبي يقظان. قال: صدقت، يا محمّد! قال: و أخبرني يا محمّد! الولد يكون من الرجل، أو من المرأة؟ فقال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): أمّا العظام و العصب و العروق فمن الرجل، و أمّا اللحم و الدم و الشعر فمن المرأة. قال: صدقت، يا محمّد! ثمّ قال: فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شيء، و يشبه أخواله ليس فيه من شبه أعمامه شيء؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): أيّهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له. قال: صدقت، يا محمّد! فأخبرني عمّن لا يولد له [و من يولد له]؟ فقال: إذا مغرت النطفة لم يولد له- أي إذا احمرّت و كدرت- فإذا كانت صافية ولد له. فقال: أخبرني عن ربّك ما هو؟ فنزلت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إلى آخرها. فقال ابن صوريا: صدقت، [يا محمّد! ] خصلة بقيت إن قلتها آمنت بك و اتّبعتك، أيّ ملك يأتيك بما تقوله عن اللّه؟ قال: جبرئيل. قال ابن صوريا: ذلك عدوّنا من بين الملائكة، ينزل بالقتال و الشدّة و الحرب، و رسولنا ميكائيل يأتي بالسرور و الرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنّا بك، لأنّه كان يشدّد ملكنا و جبرئيل كان يهلك ملكنا فهو عدوّنا لذلك. فقال له سلمان الفارسيّ ( (رضي الله عنه) ): و ما بدء عداوته لكم؟ قال: نعم، يا سلمان! عادانا مرارا كثيرة، و كان من أشدّ ذلك علينا أنّ اللّه أنزل على أنبيائه أنّ بيت المقدس يخرب على يد رجل يقال له: بختنصّر، و في زمانه أخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، و اللّه يحدث الأمر بعد الأمر، فيمحو ما يشاء و يثبت. فلمّا بلغ ذلك الحين الذي يكون فيه هلاك بيت المقدس بعث أوائلنا رجلا من أقوياء بني إسرائيل و أفاضلهم- كان يعدّ من أنبيائهم- يقال له: دانيال في طلب بختنصّر ليقتله فحمل معه وقر مال، لينفقه في ذلك. فلمّا انطلق في طلبه لقيه ببابل غلاما ضعيفا مسكينا ليس له قوّة و لا منعة، فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبرئيل، و قال لصاحبنا: إن كان ربّكم هو الذي أمره بهلاككم فإنّ اللّه لا يسلّطك عليه، و إن لم يكن هذا فعلى أيّ شيء تقتله، فصدّقه صاحبنا و تركه و رجع إلينا، فأخبرنا بذلك، و قوي بختنصّر، و ملك و غزانا، و خرّب بيت المقدس، فلهذا نتّخذه عدّوا و ميكائيل عدوّ لجبرئيل. فقال سلمان: يا ابن صوريا! بهذا العقل المسلوك به غير سبيله ضللتم، أ رأيتم أوائلكم كيف بعثوا من يقتل بختنصّر، و قد أخبر اللّه تعالى في كتبه على ألسنة رسله أنّه يملك و يخرّب بيت المقدس، و أرادوا تكذيب أنبياء اللّه في أخبارهم، و اتّهموهم في [أخبارهم] أو صدّقوهم في الخبر عن اللّه. و مع ذلك أرادوا مغالبة اللّه، هل كان هؤلاء و من وجّهوه إلّا كفّارا باللّه، و أيّ عداوة يجوز أن يعتقد لجبرئيل، و هو يصدّ عن مغالبة اللّه عزّ و جلّ و ينهى عن تكذيب خبر اللّه تعالى. فقال ابن صوريا: قد كان اللّه تعالى أخبر بذلك على ألسن أنبيائه، و لكنّه يمحو ما يشاء و يثبت. قال سلمان: فإذا لا تثقوا بشيء ممّا في التوراة من الأخبار عمّا مضى و ما يستأنف، فإنّ اللّه يمحو ما يشاء و يثبت، و إذا لعلّ اللّه قد كان عزل موسى و هارون عن النبوّة، و أبطلا في دعواهما، لأنّ اللّه يمحو ما يشاء و يثبت، و لعلّ كلّ ما أخبراكم أنّه يكون لا يكون، و ما أخبراكم أنّه لا يكون يكون، و كذلك ما أخبراكم عمّا كان لعلّه لم يكن، و ما أخبراكم أنّه لم يكن لعلّه كان، و لعلّ ما وعده من الثواب يمحوه، و لعلّ ما توعّده من العقاب يمحوه، فإنّه يمحو ما يشاء و يثبت، إنّكم جهلتم معنى يمحو اللّه ما يشاء و يثبت، فلذلك أنتم باللّه كافرون، و لأخباره عن الغيوب مكذّبون، و عن دين اللّه منسلخون. ثمّ قال سلمان: فإنّي أشهد أنّ من كان عدّوا لجبرئيل فإنّه عدوّ لميكائيل، و إنّهما جميعا عدوّان لمن عاداهما، سلمان لمن سالمهما. فأنزل اللّه عزّ و جلّ [عند ذلك] موافقا لقول سلمان (ره): قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ في مظاهرته لأولياء اللّه على أعداء اللّه، و نزوله بفضائل عليّ وليّ اللّه من عند اللّه فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ فإنّ جبرئيل نزّل هذا القرآن عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ بأمر اللّه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من سائر كتب اللّه وَ هُدىً من الضلالة وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بنبوّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و ولاية عليّ (عليه السلام) و من بعده من الأئمّة بأنّهم أولياء اللّه حقّا إذا ماتوا على موالاتهم لمحمّد و عليّ و آلهما الطيّبين. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا سلمان! إنّ اللّه صدّق قيلك و وثّق رأيك، و إنّ جبرئيل عن اللّه تعالى يقول: يا محمّد! سلمان و المقداد أخوان متصافيان في ودادك و وداد عليّ أخيك و وصيّك و صفيّك، و هما في أصحابك كجبرئيل و ميكائيل في الملائكة [عدوّان لمن أبغض أحدهما، و وليّان لمن والاهما و و الى محمّدا و عليّا، و] عدوّان لمن عادى محمّدا و عليّا و أولياءهما. و لو أحبّ أهل الأرض سلمان و المقداد كما يحبّهما ملائكة السماوات و الحجب و الكرسيّ و العرش لمحض و دادهما لمحمّد و عليّ و موالاتهما لأوليائهما و معاداتهما لأعدائهما، لما عذّب اللّه تعالى أحدا منهم بعذاب البتّة. قال الحسن بن عليّ (عليهما السلام): فلمّا قال ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في سلمان و المقداد، سرّ به المؤمنون و انقادوا، و ساء ذلك المنافقين فعاندوا و عابوا و قالوا: يمدح محمّد الأباعد و يترك الأدنين من أهله لا يمدحهم و لا يذكرهم. فاتّصل ذلك برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فقال: ما لهم- لحاهم اللّه- يبغون للمسلمين السوء، و هل نال أصحابي ما نالوه من درجات الفضل إلّا بحبّهم لي و لأهل بيتي، و الذي بعثني بالحقّ نبيّا إنّكم لن تؤمنوا حتّى يكون محمّد و آله أحبّ إليكم من أنفسكم و أهليكم و أموالكم و من في الأرض جميعا. ثمّ دعا بعليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) فغمّتهم بعباءته القطوانيّة. ثمّ قال: هؤلاء خمسة لا سادس لهم من البشر. ثمّ قال: أنا حرب لمن حاربهم، و سلم لمن سالمهم. فقامت أمّ سلمة و رفعت جانب العباء لتدخل، فكفّها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و قال: لست هناك، و إن كنت في خير و إلى خير، فانقطع عنها طمع البشر، و كان جبرئيل معهم، فقال: يا رسول اللّه! و أنا سادسكم؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): نعم! أنت سادسنا، فارتقى السماوات، و قد كساه اللّه من زيادة الأنوار ما كادت الملائكة لا تبيّنه حتّى قال: بخّ بخّ من مثلي، أنا جبرئيل سادس محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام). و ذلك ما فضّل اللّه به جبرئيل على سائر الملائكة في الأرضين و السماوات. قال: ثمّ تناول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) الحسن بيمينه و الحسين بشماله، فوضع هذا على كاهله الأيمن، و هذا على كاهله الأيسر، ثمّ وضعهما على الأرض. فمشى بعضهما إلى بعض يتجاذبان ثمّ اصطرعا، فجعل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) يقول للحسن: إيها [يا] أبا محمّد! فيقوى الحسن و يكاد يغلب الحسين، [ثمّ يقوى الحسين (عليه السلام) فيقاومه]. فقالت فاطمة (عليها السلام): يا رسول اللّه! أ تشجّع الكبير على الصغير؟ فقال لها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا فاطمة! أما إنّ جبرئيل و ميكائيل كما قلت للحسن: إيها [يا] أبا محمّد، قالا للحسين: إيها [يا] أبا عبد اللّه! فلذلك تقاوما و تساويا. أما إنّ الحسن و الحسين حين كان يقول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) للحسن: إيها أبا محمّد! و يقول جبرئيل: إيها أبا عبد اللّه! لو رام كلّ واحد منهما حمل الأرض بما عليها من جبالها و بحارها و تلالها، و سائر ما على ظهرها لكان أخفّ عليهما من شعرة على أبدانهما. و إنّما تقاوما لأنّ كلّ واحد منهما نظير الآخر، هذان قرّتا عيني، هذان ثمرتا فؤادي، هذان سندا ظهري، هذان سيّدا شباب أهل الجنّة من الأوّلين و الآخرين، و أبوهما خير منهما، و جدّهما رسول اللّه خيرهم أجمعين. فلمّا قال ذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، قالت اليهود و النواصب: إلى الآن كنّا نبغض جبرئيل وحده، و الآن قد صرنا نبغض ميكائيل أيضا لادّعائهما لمحمّد و عليّ إيّاهما و لولديه. فقال اللّه عزّ و جلّ: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ.

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٤ - الصفحة ٢٨٤. — الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
(988) 5- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال

عليّ بن الحسين (عليهما السلام): قوله عزّ و جلّ: وَ إِنْ كُنْتُمْ أيّها المشركون و اليهود و سائر النواصب [من] المكذّبين لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في القرآن، [و] في تفضيله أخاه عليّا المبرّز على الفاضلين، الفاضل على المجاهدين، الذي لا نظير له في نصرة المتّقين، و قمع الفاسقين، و إهلاك الكافرين، و بثّ دين اللّه في العالمين. إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا في إبطال عبادة الأوثان من دون اللّه، و في النهي عن موالاة أعداء اللّه، و معاداة أولياء اللّه، و في الحثّ على الانقياد لأخي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و اتّخاذه إماما، و اعتقاده فاضلا راجحا لا يقبل اللّه عزّ و جلّ إيمانا، و لا طاعة إلّا بموالاته. و تظنّون أنّ محمّدا تقوّله من عنده و ينسبه إلى ربّه [فإن كان كما تظنّون] فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ مثل محمّد أمّي، لم يختلف قطّ إلى أصحاب كتب و علم، و لا تتلمذ لأحد و لا تعلّم منه، و هو من قد عرفتموه في حضره و سفره، لم يفارقكم قطّ إلى بلد ليس معه منكم جماعة يراعون أحواله، و يعرفون أخباره. ثمّ جاءكم بعد بهذا الكتاب المشتمل على هذه العجائب، فإن كان متقوّلا كما تظنّون، فأنتم الفصحاء، و البلغاء، و الشعراء، و الأدباء الذين لا نظير لكم في سائر [البلاد، و] الأديان، و من سائر الأمم. فإن كان كاذبا فاللغة لغتكم، و جنسه جنسكم، و طبعه طبعكم، و سيتّفق لجماعتكم أو لبعضكم معارضة كلامه [هذا] بأفضل منه أو مثله، لأنّ ما كان من قبل البشر لا عن اللّه فلا يجوز إلّا أن يكون في البشر من يتمكّن من مثله، فأتوا بذلك لتعرفوه- و سائر النظائر إليكم في أحوالكم- أنّه مبطل كاذب [يكذب] على اللّه تعالى. وَ ادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ الذين يشهدون بزعمكم أنّكم محقّون، و أنّ ما تجيئون به نظير لما جاء به محمّد، و شهداءكم الذين تزعمون أنّهم شهداؤكم عند ربّ العالمين لعبادتكم لها، و تشفع لكم إليه إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ في قولكم أنّ محمّدا (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) تقوّله. ثمّ قال اللّه عزّ و جلّ: فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا هذا الذي تحدّيتكم به. وَ لَنْ تَفْعَلُوا [أي] و لا يكون ذلك منكم و لا تقدرون عليه، فاعلموا أنّكم مبطلون، و أنّ محمّدا الصادق الأمين المخصوص برسالة ربّ العالمين، المؤيّد بالروح الأمين، و بأخيه أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين. فصدّقوه فيما يخبركم به عن اللّه من أوامره و نواهيه، و فيما يذكره من فضل [عليّ] وصيّه و أخيه. فَاتَّقُوا بذلك عذاب النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا - حطبها- النَّاسُ وَ الْحِجارَةُ حجارة الكبريت أشدّ الأشياء حرّا، أُعِدَّتْ تلك النار لِلْكافِرِينَ بمحمّد و الشاكّين في نبوّته، و الدافعين لحقّ أخيه عليّ، و الجاحدين لإمامته. ثمّ قال تعالى: وَ بَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا باللّه، و صدّقوك في نبوّتك فاتّخذوك نبيّا، و صدّقوك في أقوالك، و صوّبوك في أفعالك، و اتّخذوا أخاك عليّا بعدك إماما، و لك وصيّا مرضيّا، و انقادوا لما يأمرهم به، و صاروا إلى ما أصارهم إليه، و رأوا له ما يرون لك إلّا النبوّة التي أفردت بها. و أنّ الجنان لا تصير لهم إلّا بموالاته و موالاة من ينصّ لهم عليه من ذرّيّته، و موالاة سائر أهل ولايته، و معاداة أهل مخالفته و عداوته. و أنّ النيران لا تهدأ عنهم، و لا تعدل بهم عن عذابها إلّا بتنكّبهم عن موالاة مخالفيهم، و مؤازرة شانئيهم. وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ من أداء الفرائض، و اجتناب المحارم، و لم يكونوا كهؤلاء الكافرين بك، بشّرهم: أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ بساتين تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ من تحت أشجارها و مساكنها كُلَّما رُزِقُوا مِنْها من تلك الجنان مِنْ ثَمَرَةٍ من ثمارها رِزْقاً و طعاما يؤتون به. قالُوا هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ في الدنيا، فأسماؤه كاسماء ما في الدنيا من تفّاح و سفرجل و رمّان [و] كذا و كذا. و إن كان ما هناك مخالفا لما في الدنيا فإنّه في غاية الطيب، و إنّه لا يستحيل إلى ما تستحيل إليه ثمار الدنيا من عذرة، و سائر المكروهات من صفراء و سوداء و دم [و بلغم] بل لا يتولّد من مأكولهم إلّا العرق الذي يجرى من أعراضهم أطيب من رائحة المسك. وَ أُتُوا بِهِ بذلك الرزق من الثمار من تلك البساتين مُتَشابِهاً يشبه بعضه بعضا بأنّها كلّها خيار لا رذل فيها [و] بأنّ كلّ صنف منها في غاية الطيب و اللذّة ليس كثمار الدنيا [التي] بعضها نيء، و بعضها متجاوز لحدّ النضج، و الإدراك إلى حدّ الفساد من حموضة و مرارة، و سائر ضروب المكاره، و متشابها أيضا متّفقات الألوان، مختلفات الطعوم. وَ لَهُمْ فِيها في تلك الجنان أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ من أنواع الأقذار و المكاره، مطهّرات من الحيض و النفاس، لا ولّاجات، و لا (خرّاجات، و لا دخّالات، و لا ختّالات، و لا متغايرات)، و لا لأزواجهنّ فركات، و لا صخّابات، و لا عيّابات، و لا فحّاشات، و من كلّ العيوب و المكاره بريّات. وَ هُمْ فِيها خالِدُونَ مقيمون في تلك البساتين، و الجنّات.

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٤ - الصفحة ٣٢٠. — الإمام السجاد عليه السلام
(1009) 30- أبو منصور الطبرسيّ (رحمه الله): و بالإسناد المقدّم ذكره عن أبي محمّد العسكريّ، عن عليّ بن الحسين زين العابدين ( عليهم السلام قال

كان أمير المؤمنين (عليه السلام) قاعدا ذات يوم فأقبل إليه رجل من اليونانيّين المدّعين للفلسفة و الطبّ، فقال له: يا أبا الحسن! بلغني خبر صاحبك، و أنّ به جنونا و جئت لأعالجه فلحقته قد مضى لسبيله و فاتنى ما أردت من ذلك، و قد قيل لي: إنّك ابن عمّه و صهره، و أرى بك صفارا قد علاك، و ساقين دقيقين، و لما أراهما تقلّانك، فأمّا الصفار فعندي دواؤه، و أمّا الساقان الدقيقان فلا حيلة لي لتغليظهما. و الوجه أن ترفق بنفسك في المشي تقلّله و لا تكثره، و فيما تحمله على ظهرك، و تحتضنه بصدرك أن تقلّلهما و لا تكثرهما فإنّ ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل ثقيل انقصافهما. و أمّا الصفار فدواؤه عندي و هو هذا- و أخرج دوائا- و قال: هذا لا يؤذيك و لا يخيسك، و لكنّه يلزمك حميّة من اللحم أربعين صباحا، ثمّ يزيل صفارك. فقال له عليّ بن أبي طالب (عليه السلام): قد ذكرت نفع هذا الدواء لصفاري، فهل تعرف شيئا يزيد فيه، و يضرّه؟ فقال الرجل: بلى! حبّة من هذا- و أشار إلى دواء معه- و قال: إن تناوله إنسان، و به صفار أماته من ساعته، و إن كان لا صفار به صار به صفار حتّى يموت في يومه. فقال عليّ (عليه السلام): فأرني هذا الضارّ، فأعطاه إيّاه. فقال له: كم قدر هذا؟ قال: قدر مثقالين سمّ ناقع، قدر كلّ حبّة منه يقتل رجلا. فتناوله عليّ (عليه السلام) فقمحه و عرق عرقا خفيفا، و جعل الرجل يرتعد، و يقول في نفسه: الآن أؤخذ بابن أبي طالب، و يقال لي: قتلته، و لا يقبل منّي قولي: إنّه هو الجاني على نفسه. فتبسّم عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و قال: يا عبد اللّه! أصحّ ما كنت بدنا الآن لم يضرّني ما زعمت أنّه سمّ. ثمّ قال: فغمّض عينيك، فغمّض، ثمّ قال: افتح عينيك! ففتح، و نظر إلى وجه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) فإذا هو أبيض أحمر مشرب حمرة، فارتعد الرجل لما رآه، و تبسّم عليّ (عليه السلام)، و قال: أين الصفار الذي زعمت أنّه بي؟ فقال: و اللّه! لكأنّك لست من رأيت، قبل كنت مصفرّا، فأنت الآن مورّد. فقال عليّ (عليه السلام): فزال عنّي الصفار الذي تزعم أنّه قاتلي. و أمّا ساقاي هاتان، و مدّ رجليه و كشف عن ساقيه، فإنّك زعمت أنّي أحتاج إلى أن أرفق ببدني في حمل ما أحمل عليه لئلّا ينقصف الساقان، و أنا أريك أنّ طبّ اللّه عزّ و جلّ على خلاف طبّك، و ضرب بيده إلى أسطوانة خشب عظيمة على رأسها سطح مجلسه الذي هو فيه، و فوقه حجرتان إحداهما فوق الأخرى و حرّكها فاحتملها، فارتفع السطح و الحيطان و فوقهما الغرفتان، فغشي على اليونانيّ. فقال عليّ (عليه السلام): صبّوا عليه ماء، فصبّوا عليه ماء فأفاق، و هو يقول: و اللّه، ما رأيت كاليوم عجبا. فقال له عليّ (عليه السلام): هذه قوّة الساقين الدقيقين و احتمالهما، أ في طبّك هذا يا يونانيّ!؟ فقال اليوناني: أمثلك كان محمّدا؟ فقال عليّ (عليه السلام): و هل علمي إلّا من علمه، و عقلي إلّا من عقله، و قوّتي إلّا من قوّته، و لقد أتاه ثقفيّ و كان أطبّ العرب. فقال له: إن كان بك جنون داويتك؟ فقال له محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): أ تحبّ أن أريك آية تعلم بها غناي من طبّك و حاجتك إلى طبّي؟ قال: نعم، قال: أيّ آية تريد؟ قال: تدعو ذلك العذق- و أشار إلى نخلة سحوق- فدعاه، فانقلع أصلها من الأرض، و هي تخدّ الأرض خدّا حتّى وقفت بين يديه. فقال له: أكفاك؟ قال: لا، قال: فتريد ما ذا؟ قال: تأمرها أن ترجع إلى حيث جاءت منه، و تستقرّ في مقرّها الذي انقلعت منه، فأمرها، فرجعت، و استقرّت في مقرّها. فقال اليونانيّ لأمير المؤمنين (عليه السلام): هذا الذي تذكره عن محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) غائب عنّي، و أنا أقتصر منك على أقلّ من ذلك أنا أتباعد عنك فادعني، و أنا لا أختار الإجابة، فإن جئت بي إليك فهي آية. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّما يكون آية لك وحدك لأنّك تعلم من نفسك أنّك لم تردّه، و أنّي أزلت اختيارك من غير أن باشرت منّي شيئا، أو ممّن أمرته بأن يباشرك، أو ممّن قصد إلى اختيارك، و إن لم آمره إلّا ما يكون من قدرة اللّه القاهرة، و أنت يا يونانيّ! يمكنك أن تدّعي و يمكن غيرك أن يقول: إنّي واطأتك على ذلك، فاقترح إن كنت مقترحا ما هو آية لجميع العالمين. قال له اليونانيّ: إن جعلت الاقتراح إليّ فأنا أقترح أن تفصل أجزاء تلك النخلة و تفرّقها و تباعد ما بينها تجمعها، و تعيدها كما كانت؟ فقال عليّ (عليه السلام): هذه آية و أنت رسولي إليها- يعني إلى النخلة- فقل لها: إنّ وصيّ محمّد رسول اللّه يأمر أجزائك أن تتفرّق و تتباعد. فذهب فقال لها ذلك، فتفاصلت و تهافتت و تنثّرت و تصاغرت أجزائها حتّى لم ير لها عين و لا أثر، حتّى كأن لم تكن هناك نخلة قطّ. فارتعدت فرائص اليونانيّ، و قال: يا وصيّ محمّد رسول اللّه! قد أعطيتني اقتراحي الأوّل، فأعطني الآخر، فأمرها أن تجتمع و تعود كما كانت. فقال: أنت رسولي إليها! فعد و قل لها: يا أجزاء النخلة! إنّ وصيّ محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) يأمرك أن تجتمعي كما كنت و أن تعودي. فنادى اليونانيّ، فقال ذلك، فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور، ثمّ جعلت تجتمع جزء جزء منها حتّى تصوّر لها القضبان و الأوراق و أصول السعف و شماريخ الأعذاق. ثمّ تألّفت و تجمّعت و استطالت و عرضت و استقرّ أصلها في مقرّها، و تمكّن عليها ساقها، و تركّب على الساق قضبانها، و على القضبان أوراقها، و في أمكنتها أعذاقها، و كانت في الابتداء شماريخها متجرّدة لبعدها من أوان الرطب و البسر و الخلال. فقال اليونانيّ: و أخرى أحبّها أن تخرج شماريخها أخلالها، و تقلّبها من خضرة إلى صفرة و حمرة و ترطيب و بلوغ إناه لتأكل و تطعمني و من حضرك منها؟ فقال عليّ (عليه السلام): أنت رسولي إليها بذلك، فمرها به. فقال لها اليونانيّ: ما أمره أمير المؤمنين (عليه السلام)، فأخلّت و أبسرت و اصفرّت و احمرّت و ترطّبت، و ثقلت أعذاقها برطبها. فقال اليونانيّ: و أخرى أحبّها تقرّب بين يدي أعذاقها، أو تطول يدي لتنالها و أحبّ شيء إليّ أن تنزل إليّ إحداهما، و تطول يدي إلى الأخرى التي هي أختها. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): مدّ اليد التي تريد أن تنالها و قل: «يا مقرّب البعيد! قرّب يدي منها». و اقبض الأخرى التي تريد أن ينزل العذق إليها، و قل: «يا مسهّل العسير! سهّل لي تناول ما يبعد عنّي منها». ففعل ذلك، و قاله، فطالت يمناه، فوصلت إلى العذق و انحطّت الأعذاق الآخر، فسقطت على الأرض، و قد طالت عراجينها. ثمّ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إنّك إن أكلت منها، و لم تؤمن بمن أظهر لك من عجائبها عجّل اللّه عزّ و جلّ إليك من العقوبة التي يبتليك بها ما يعتبر به عقلاء خلقه و جهّالهم. فقال اليونانيّ: إنّي إن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في العناد، و تناهيت في التعرّض للهلاك، أشهد أنّك من خاصّة اللّه، صادق في جميع أقاويلك عن اللّه، فأمرني بما تشاء أطعك. قال عليّ (عليه السلام): آمرك أن تقرّ للّه بالوحدانيّة، و تشهد له بالجود و الحكمة، و تنزّهه عن العبث و الفساد، و عن ظلم الإماء و العباد. و تشهد أنّ محمّدا الذي أنا وصيّه سيّد الأنام، و أفضل رتبة في دار السلام، و تشهد أنّ عليّا الذي أراك ما أراك و أولاك من النعم ما أولاك خير خلق اللّه بعد محمّد رسول اللّه، و أحقّ خلق اللّه بمقام محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بعده، و بالقيام بشرائعه و أحكامه، و تشهد أنّ أوليائه أولياء اللّه، و أعدائه أعداء اللّه، و أنّ المؤمنين المشاركين لك فيما كلّفتك المساعدين لك على ما به أمرتك خير أمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و صفوة شيعة عليّ. و آمرك أن تواسي إخوانك المطابقين لك على تصديق محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و تصديقي و الانقياد له ولي ممّا رزقك اللّه و فضّلك على من فضّلك به منهم تسدّ فاقتهم، و تجبر كسرهم و خلّتهم، و من كان منهم في درجتك في الإيمان ساويته من مالك بنفسك، و من كان منهم فاضلا عليك في دينك آثرته بما لك على نفسك حتّى يعلم اللّه منك أنّ دينه آثر عنك من مالك، و أنّ أوليائه أكرم عليك من أهلك و عيالك. و آمرك أن تصون دينك و علمنا الذي أودعناك، و أسرارنا التي حمّلناك، و لا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، و يقابلك من أهلها بالشتم و اللعن و التناول من العرض و البدن، و لا تفش سرّنا إلى من يشنع علينا عند الجاهلين بأحوالنا و لا تعرض أوليائنا لبوادر الجهّال. و آمرك أن تستعمل التقيّة في دينك، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً. و قد أذنت لك في تفضيل أعدائنا [علينا] إن ألجاك الخوف إليه، و في إظهار البراءة منّا إن حملك الوجل عليه، و في ترك الصلوات المكتوبات إن خشيت على حشاشتك الآفات و العاهات. فإنّ تفضيلك أعدائنا علينا عند خوفك لا ينفعهم و لا يضرّنا، و إنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيّتك لا يقدح فينا و لا ينقصنا. و لأن تبرّأت منّا ساعة بلسانك و أنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها و ما لها الذي به قيامها و جاهها الذي به تماسكها، و تصون من عرف بذلك، و عرفت به من أوليائنا و إخواننا و أخواتنا من بعد ذلك بشهور و سنين إلى أن يفرّج اللّه تلك الكربة، و تزول به تلك الغمّة، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرّض للهلاك، و تنقطع به عن عمل في الدين، و صلاح إخوانك المؤمنين. و إيّاك ثمّ إيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك و دماء إخوانك معرض لنعمك و نعمهم للزوال، مذلّ لهم في أيدي أعداء دين اللّه، و قد أمرك اللّه بإعزازهم، فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على نفسك و إخوانك أشدّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا.

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٤ - الصفحة ٣٧٠. — الإمام العسكري عليه السلام
(1012) 3- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال

محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام): إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لمّا قدم المدينة و ظهرت آثار صدقه و آيات حقّه و بيّنات نبوّته، كادته اليهود أشدّ كيد، و قصدوه أقبح قصد، يقصدون أنواره ليطمسوها، و حججه ليبطلوها، فكان ممّن قصده للردّ عليه و تكذيبه مالك بن الصيف، و كعب بن الأشرف، و حييّ بن أخطب، و جديّ بن أخطب، [و أبو ياسر بن أخطب]، و أبو لبابة بن عبد المنذر، و شعبة. فقال مالك لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا محمّد! تزعم أنّك رسول اللّه؟ قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): كذلك قال اللّه خالق الخلق أجمعين. قال: يا محمّد! لن نؤمن لك أنّك رسول اللّه حتّى يؤمن لك هذا البساط الذي تحتنا، و لن نشهد أنّك عن اللّه جئتنا حتّى يشهد لك هذا البساط. و قال أبو لبابة بن عبد المنذر: لن نؤمن لك يا محمّد أنّك رسول اللّه، و لا نشهد لك به حتّى يؤمن و يشهد لك هذا السوط الذي في يدي. و قال كعب بن الأشرف: لن نؤمن لك أنّك رسول اللّه، و لن نصدّقك به حتّى يؤمن لك هذا الحمار (الذي أركبه). فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): إنّه ليس للعباد الاقتراح على اللّه تعالى، بل عليهم التسليم للّه، و الانقياد لأمره و الاكتفاء بما جعله كافيا، أ ما كفاكم أن أنطق التوراة و الإنجيل و الزبور و صحف إبراهيم بنبوّتي، و دلّ على صدقي، و بيّن [لكم] فيها ذكر أخي و وصيّي و خليفتي، و خير من أتركه على الخلائق من بعدي عليّ بن أبي طالب، و أنزل عليّ هذا القرآن الباهر للخلق أجمعين، المعجز لهم عن أن يأتوا بمثله، و أن يتكلّفوا شبهه. و أمّا هذا الذي اقترحتموه، فلست أقترحه على ربّي عزّ و جلّ، بل أقول إنّما أعطاني ربّي تعالى من (دلالة هو) حسبي و حسبكم، فإن فعل عزّ و جلّ ما اقترحتموه، فذاك زائد في تطوّله علينا و عليكم، و إن منعنا ذلك فلعلمه بأنّ الذي فعله كاف فيما أراده منّا. قال: فلمّا فرغ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) من كلامه هذا، أنطق اللّه البساط، فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا صمدا [حيّا] قيّوما أبدا، لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا، و لم يشرك في حكمه أحدا. و أشهد أنّك- يا محمّد- عبده و رسوله، أرسلك بالهدى و دين الحقّ، ليظهرك على الدين كلّه، و لو كره المشركون. و أشهد أنّ عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أخوك و وصيّك، و خليفتك في أمّتك، و خير من تتركه على الخلائق بعدك، و أنّ من والاه فقد والاك، و من عاداه فقد عاداك، و من أطاعه فقد أطاعك، و من عصاه فقد عصاك، و أنّ من أطاعك فقد أطاع اللّه، و استحقّ السعادة برضوانه، و أنّ من عصاك فقد عصى اللّه، و استحقّ أليم العذاب بنيرانه. قال: فعجب القوم، و قال بعضهم لبعض: ما هذا إلّا سحر مبين، فاضطرب البساط و ارتفع، و نكّس مالك بن الصيف و أصحابه عنه حتّى وقعوا على رءوسهم و وجوههم. ثمّ أنطق اللّه تعالى البساط ثانيا، فقال: أنا بساط أنطقني اللّه، و أكرمني بالنطق بتوحيده و تمجيده، و الشهادة لمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) نبيّه، بأنّه سيّد أنبيائه و رسوله إلى خلقه، و القائم بين عباد اللّه بحقّه، و [ب] إمامة أخيه و وصيّه و وزيره و شقيقه و خليله، و قاضي ديونه، و منجز عداته، و ناصر أوليائه، و قامع أعدائه، و الانقياد لمن نصبه إماما و وليّا، و البراءة ممّن اتّخذه منابذا أو عدوّا، فما ينبغي لكافر أن يطأني و لا [أن] يجلس عليّ، إنّما يجلس عليّ المؤمنون. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لسلمان و المقداد و أبي ذرّ و عمّار: قوموا فاجلسوا عليه، فإنّكم بجميع ما شهد به هذا البساط مؤمنون، فجلسوا عليه. ثمّ أنطق اللّه عزّ و جلّ سوط أبي لبابة بن عبد المنذر، فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه خالق الخلق، و باسط الرزق، و مدبّر الأمور، و القادر على كلّ شيء. و أشهد أنّك يا محمّد! عبده و رسوله و صفيّه و خليله و حبيبه و وليّه و نجيّه، جعلك السفير بينه و بين عباده لينجي بك السعداء، و يهلك بك الأشقياء. و أشهد أنّ عليّ بن أبي طالب المذكور في الملأ الأعلى بأنّه سيّد الخلق بعدك، و أنّه المقاتل على تنزيل كتابك ليسوق مخالفيه إلى قبوله طائعين و كارهين، ثمّ المقاتل بعد على تأويله المحرّفين الذين غلبت أهواءهم عقولهم، فحرّفوا تأويل كتاب اللّه تعالى و غيّروه، و السابق إلى رضوان اللّه أولياء اللّه بفضل عطيّته، و القاذف في نيران اللّه أعداء اللّه بسيف نقمته، و المؤثرين لمعصيته و مخالفته. قال: ثمّ انجذب السوط من يد أبي لبابة، و جذب أبا لبابة، فخرّ لوجهه، ثمّ قام بعد فجذبه السوط، فخرّ لوجهه. ثمّ لم يزل كذلك مرارا حتّى قال أبو لبابة: ويلي، مالي؟ [قال: ] فأنطق اللّه عزّ و جلّ السوط، فقال: يا أبا لبابة! إنّي سوط قد أنطقني اللّه بتوحيده، و أكرمني بتمجيده و شرّفني بتصديق نبوّة محمّد سيّد عبيده، و جعلني ممّن يوالي خير خلق اللّه بعده، و أفضل أولياء اللّه من الخلق حاشاه، و المخصوص بابنته سيّدة النسوان، و المشرّف ببيتوتته على فراشه أفضل الجهاد، و المذلّ لأعدائه بسيف الانتقام، و البيان (في أمّته بعلوم) الحلال و الحرام و الشرائع و الأحكام، ما ينبغي لكافر مجاهر بالخلاف على محمّد أن يبتذلني و يستعملني، و لا أزال أجذبك حتّى أثخنك ثمّ أقتلك و أزول عن يدك، أو تظهر الإيمان بمحمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، فقال أبو لبابة: فأشهد بجميع ما شهدت به أيّها السوط و أعتقده و أومن به، فنطق السوط: ها أنا ذا قد تقرّرت في يدك لإظهارك الإيمان، و اللّه أولى بسريرتك، و هو الحاكم لك أو عليك في يوم الوقت المعلوم. قال (عليه السلام): و لم يحسن إسلامه، و كانت منه هنات و هنات. فلمّا قام القوم من عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) جعلت اليهود يسرّ بعضها إلى بعض بأنّ محمّدا لمؤتى له، و مبخوت في أمره، و ليس بنبيّ صادق. و جاء كعب بن الأشرف يركب حماره، فشبّ به الحمار، و صرعه على رأسه، فأوجعه، ثمّ عاد يركبه فعاد عليه الحمار بمثل صنيعه، ثمّ عاد يركبه فعاد عليه الحمار بمثل صنيعه. فلمّا كان في السابعة [أ] و الثامنة أنطق اللّه تعالى الحمار، فقال: يا عبد اللّه! بئس العبد أنت، شاهدت آيات اللّه و كفرت بها، و أنا حمار قد أكرمني اللّه عزّ و جلّ بتوحيده، فأنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، خالق الأنام، ذو الجلال و الإكرام. و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، سيّد أهل دار السلام، مبعوث لإسعاد من سبق في علم اللّه سعادته، و إشقاء من سبق الكتاب عليه بالشقاء له. و أشهد أنّ بعليّ بن أبي طالب [وليّه و وصيّ رسوله] يسعد اللّه من يسعده إذا وفّقه لقبول موعظته، و التأدّب بآدابه، و الائتمار لأوامره، و الانزجار بزواجره، و أنّ اللّه تعالى بسيوف سطوته و صولات نقمته يكبّ و يخزي أعداء محمّد حتّى يسوقهم بسيفه الباتر، و دليله الواضح القاهر إلى الإيمان به أو يقذفه [اللّه] في الهاوية إذا أبى إلّا تماديا في غيّه، و امتدادا في طغيانه و عمهه ما ينبغي لكافر أن يركبني، بل لا يركبني إلّا مؤمن باللّه، مصدّق بمحمّد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في جميع أقواله، مصوّب له في جميع أفعاله، فاعل أشرف الطاعات في نصبه أخاه عليّا وصيّا و وليّا، و لعلمه وارثا، و بدينه قيّما، و على أمته مهيمنا، و لديونه قاضيا، و لعداته منجزا، و لأوليائه مواليا، و لأعدائه معاديا. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا كعب بن الأشرف! حمارك خير منك، و قد أبى أن تركبه [فلن تركبه أبدا]، فبعه من بعض إخواننا المؤمنين. [ف] قال كعب: لا حاجة لي فيه بعد أن ضرب بسحرك. فناداه حماره: يا عدوّ اللّه! كفّ عن تهجّم محمّد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، [و اللّه] لو لا كراهة مخالفة رسول اللّه لقتلتك، و وطيتك بحوافري، و لقطعت رأسك بأسناني، فخزي و سكت، و اشتدّ جزعه ممّا سمع من الحمار، و مع ذلك غلب عليه الشقاء، و اشترى الحمار منه ثابت بن قيس بمائة دينار، - و كان يركبه و يجيء عليه إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و هو تحته هيّن ليّن ذليل كريم، يقيه المتالف، و يرفق به في المسالك-. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا ثابت! هذا لك، و أنت مؤمن يرتفق بمرتفقين. قال: فلمّا انصرف القوم من عند رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و لم يؤمنوا أنزل اللّه: يا محمّد! إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ [في العظة] أَ أَنْذَرْتَهُمْ - وعظتهم و خوّفتهم- أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لا يصدّقون بنبوّتك، و هم قد شاهدوا هذه الآيات و كفروا، فكيف يؤمنون بك عند قولك و فعالك.

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٤ - الصفحة ٣٨٣. — الإمام العسكري عليه السلام
التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام):... و قال الباقر

(عليه السلام): فلمّا حدّث عليّ بن الحسين (عليهما السلام) بهذا الحديث قال له بعض من في مجلسه: يا ابن رسول اللّه! كيف يعاقب اللّه و يوبّخ هؤلاء الأخلاف على قبائح أتى بها أسلافهم، و هو يقول عزّ و جلّ: وَ لا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى؟ فقال زين العابدين (عليه السلام): إنّ القرآن [نزل] بلغة العرب فهو يخاطب فيه أهل [هذا] اللسان بلغتهم يقول الرجل التميميّ- قد أغار قومه على بلد و قتلوا من فيه- أغرتم على بلد كذا [و كذا] و قتلتم كذا، و يقول العربيّ أيضا: نحن فعلنا ببني فلان، و نحن سبينا آل فلان، و نحن خرّبنا بلد كذا لا يريد أنّهم باشروا ذلك، و لكن يريد هؤلاء بالعذل، و أولئك بالافتخار إنّ قومهم فعلوا كذا، و قول اللّه تعالى في هذه الآيات إنّما هو توبيخ لأسلافهم، و توبيخ العذل على هؤلاء الموجودين، لأنّ ذلك هو اللغة التي بها أنزل القرآن، فلأنّ هؤلاء الأخلاف أيضا راضون بما فعل أسلافهم مصوّبون ذلك لهم، فجاز أن يقال [لهم]: أنتم فعلتم، أي إذ رضيتم بقبيح فعلهم.

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٤ - الصفحة ٣٩٩. — الإمام السجاد عليه السلام
(1065) 17- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال

الإمام (عليه السلام): قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): إنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) لمّا قدم المدينة كثر حوله المهاجرون و الأنصار و كثرت عليه المسائل، و كانوا يخاطبونه بالخطاب الشريف العظيم الذي يليق به (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و ذلك أنّ اللّه تعالى كان قال لهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ. و كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بهم رحيما، و عليهم عطوفا، و في إزالة الآثام عنهم مجتهدا حتّى إنّه كان ينظر إلى كلّ من يخاطبه، فيعمل على أن يكون صوته (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) مرتفعا على صوته ليزيل عنه ما توعّده اللّه [به] من إحباط أعماله حتّى إنّ رجلا أعرابيّا ناداه يوما و هو خلف حائط بصوت له جهوريّ: يا محمّد! فأجابه بأرفع من صوته، يريد أن لا يأثم الأعرابيّ بارتفاع صوته. فقال له الأعرابيّ: أخبرني عن التوبة إلى متى تقبل؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا أخا العرب! إنّ بابها مفتوح لابن آدم لا يسدّ حتّى تطلع الشمس من مغربها، و ذلك قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ - و هو طلوع الشمس من مغربها- لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. و قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): و كانت هذه اللفظة راعِنا من ألفاظ المسلمين الذين يخاطبون بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) يقولون: راعنا، أي ارع أحوالنا، و اسمع منّا كما نسمع منك، و كان في لغة اليهود معناها اسمع. لا سمعت. فلمّا سمع اليهود المسلمين يخاطبون بها رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) يقولون: راعنا، و يخاطبون بها، قالوا: إنّا كنّا نشتم محمّدا إلى الآن سرّا، فتعالوا الآن نشتمه جهرا، و كانوا يخاطبون رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و يقولون: راعنا، و يريدون شتمه. ففطن لهم سعد بن معاذ الأنصاريّ فقال: يا أعداء اللّه! عليكم لعنة اللّه، أراكم تريدون سبّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و توهمونا أنّكم تجرون في مخاطبته مجرانا، و اللّه! لا سمعتها من أحد منكم إلّا ضربت عنقه، و لو لا أنّي أكره أن أقدم عليكم قبل التقدّم و الاستيذان له و لأخيه و وصيّه عليّ بن أبي طالب (عليهما السلام) القيّم بأمور الأمّة نائبا عنه فيها، لضربت عنق من قد سمعته منكم يقول هذا، فأنزل اللّه يا محمّد! مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ راعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي الدِّينِ - إلى قوله- فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. و أنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا يعني فإنّها لفظة يتوصّل بها أعداؤكم من اليهود إلى شتم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و شتمكم. وَ قُولُوا انْظُرْنا أي قولوا بهذه اللفظة لا بلفظة راعنا، فإنّه ليس فيها ما في قولكم راعنا، و لا يمكنهم أن يتوصّلوا بها إلى الشتم كما يمكنهم بقولهم راعنا، وَ اسْمَعُوا إذا قال لكم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قولا، و أطيعوا. وَ لِلْكافِرِينَ يعني اليهود الشاتمين لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) عَذابٌ أَلِيمٌ و جميع في الدنيا إن عادوا بشتمهم، و في الآخرة بالخلود في النار. ثمّ قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا عباد اللّه! هذا سعد بن معاذ من خيار عباد اللّه آثر رضي اللّه على سخط قراباته و أصهاره من اليهود، و أمر بالمعروف و نهى عن المنكر، و غضب لمحمّد رسول اللّه و لعليّ وليّ اللّه و وصيّ رسول اللّه أن يخاطبا بما لا يليق بجلالتهما. فشكر اللّه له تعصّبه لمحمّد و عليّ و بوّأه في الجنّة منازل كريمة، و هيّأ له فيها خيرات واسعة، لا تأتي الألسن على وصفها، و لا القلوب على توهّمها و الفكر فيها، و لسلكة من مناديل موائده في الجنّة خير من الدنيا بما فيها من زينتها و لجينها و جواهرها و سائر أموالها و نعيمها. فمن أراد أن يكون فيها رفيقه و خليطه فليتحمّل غضب الأصدقاء و القرابات، و ليؤثر عليهم رضى اللّه في الغضب لرسول اللّه [محمّد]، و ليغضب إذا رأى الحقّ متروكا و رأى الباطل معمولا به. و إيّاكم و التهوّن فيه مع التمكّن و القدرة و زوال التقيّة، فإنّ اللّه تعالى لا يقبل لكم عذرا عند ذلك. و لقد أوحى اللّه فيما مضى قبلكم إلى جبرئيل، و أمره أن يخسف ببلد يشتمل على الكفّار و الفجّار. فقال جبرئيل: يا ربّ! أخسف بهم إلّا بفلان الزاهد ليعرف ما ذا يأمر اللّه به؟ فقال اللّه عزّ و جلّ: بل اخسف بفلان قبلهم. فسأل ربّه، فقال: يا ربّ! عرّفني لم ذلك؟ و هو زاهد عابد. قال: مكّنت له و أقدرته، فهو لا يأمر بالمعروف، و لا ينهى عن المنكر، و كان يتوفّر على حبّهم في غضبي لهم، فقالوا: يا رسول اللّه! و كيف بنا و نحن لا نقدر على إنكار ما نشاهده من منكر؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر، أو ليعمّنّكم عقاب اللّه، ثمّ قال: من رأى منكم منكرا فلينكره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فحسبه أن يعلم اللّه من قلبه أنّه لذلك كاره. فلمّا مات سعد بن معاذ بعد أن شفى من بني قريظة بأن قتلوا أجمعين. قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يرحمك اللّه، يا سعد! فلقد كنت شجّا في حلوق الكافرين، لو بقيت لكففت العجل الذي يراد نصبه في بيضة المسلمين، كعجل قوم موسى. قالوا: يا رسول اللّه! أو عجل يراد أن يتّخذ في مدينتك هذه؟ قال: بلى، و اللّه! يراد، و لو كان سعد فيهم حيّا، لما استمرّ تدبيرهم، و يستمرّون ببعض تدبيرهم، ثمّ اللّه تعالى يبطله. قالوا: أخبرنا، كيف يكون ذلك؟ قال: دعوا ذلك لما يريد اللّه أن يدبّره. و قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): و لقد اتّخذ المنافقون من أمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بعد موت سعد بن معاذ، و بعد انطلاق محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) إلى تبوك أبا عامر الراهب اتّخذوه أميرا و رئيسا، و بايعوا له و تواطئوا على إنهاب المدينة و سبي ذراري رسول اللّه و سائر أهله و صحابته، و دبّروا التبييت على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) ليقتلوه في طريقه إلى تبوك فأحسن اللّه الدفاع عن محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و فضح المنافقين و أخزاهم. و ذلك أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قال: لتسلكنّ سبيل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، و القذّة بالقذّة حتّى إنّ أحدهم لو دخل جحر ضبّ لدخلتموه. قالوا: يا ابن رسول اللّه و ما كان هذا العجل و ما كان هذا التدبير؟ فقال: اعلموا أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كان تأتيه الأخبار عن صاحب دومة الجندل- و كانت تلك النواحي [له] مملكة عظيمة ممّا يلي الشام- و كان يهدّد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بأن يقصده و يقتل أصحابه و يبيد خضراءهم. و كان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) خائفين وجلين من قبله، حتّى كانوا يتناوبون على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كلّ يوم عشرون منهم، و كلّما صاح صائح ظنّوا أن قد طلع أوائل رجاله و أصحابه و أكثر المنافقون الأراجيف و الأكاذيب، و جعلوا يتخلّلون أصحاب محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و يقولون: إنّ أكيدر قد أعدّ [لكم] من الرجال كذا، و من الكراع كذا، و من المال كذا، و قد نادى- فيما يليه من ولايته-: ألا قد أبحتكم النهب و الغارة في المدينة. ثمّ يوسوسون إلى ضعفاء المسلمين، يقولون لهم: و أين يقع أصحاب محمّد من أصحاب أكيدر؟ يوشك أن يقصد المدينة فيقتل رجالها و يسبي ذراريها و نساءها، حتّى آذى ذلك قلوب المؤمنين، فشكوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) ما هم عليه من الجزع. ثمّ إنّ المنافقين اتّفقوا و بايعوا لأبي عامر الراهب الذي سمّاه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) الفاسق، و جعلوه أميرا عليهم، و بخعوا له بالطاعة، فقال لهم: الرأي أن أغيب عن المدينة لئلّا أتّهم إلى أن يتمّ تدبيركم، و كاتبوا أكيدر في دومة الجندل ليقصد المدينة، ليكونوا هم عليه و هو يقصدهم فيصطلموه، فأوحى اللّه تعالى إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و عرّفه ما أجمعوا عليه من أمره، و أمره بالمسير إلى تبوك. و كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) كلّما أراد غزوا ورّى بغيره إلّا غزاة تبوك فإنّه أظهر ما كان يريده، و أمرهم أن يتزوّدوا لها و هي الغزاة التي افتضح فيها المنافقون، و ذمّهم اللّه في تثبيطهم عنها، و أظهر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) ما أوحى اللّه تعالى إليه، إنّ اللّه سيظهره بأكيدر حتّى يأخذه و يصالحه على ألف أوقيّة ذهب في صفر، و ألف أوقيّة ذهب في رجب، و مائتي حلّة في رجب و مائتي حلّة في صفر، و ينصرف سالما إلى ثمانين يوما، فقال لهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): إنّ موسى وعد قومه أربعين ليلة، و إنّي أعدكم ثمانين ليلة أرجع سالما غانما ظافرا بلا حرب تكون، و لا أحد يستأسر من المؤمنين. فقال المنافقون: لا و اللّه، و لكنّها آخر كرّاته التي لا ينجبر بعدها، إنّ أصحابه ليموت بعضهم في هذا الحرّ و رياح البوادي و مياه المواضع الموذية الفاسدة، و من سلم من ذلك فبين أسير في يد أكيدر و قتيل و جريح، و استأذنه المنافقون بعلل ذكروها، بعضهم يعتلّ بالحرّ، و بعضهم بمرض جسده، و بعضهم بمرض عياله. فكان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) يأذن لهم. فلمّا صحّ عزم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) على الرحلة إلى تبوك، عمد هؤلاء المنافقون فبنوا خارج المدينة مسجدا، و هو مسجد ضرار، يريدون الاجتماع فيه، و يوهمون أنّه للصلاة، و إنّما كان ليجتمعوا فيه لعلّة الصلاة فيتمّ تدبيرهم، و يقع هناك ما يسهل لهم به ما يريدون. ثمّ جاء جماعة منهم إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و قالوا: يا رسول اللّه إنّ بيوتنا قاصية عن مسجدك، و إنّا نكره الصلاة في غير جماعة، و يصعب علينا الحضور، و قد بنينا مسجدا، فإن رأيت أن تقصده و تصلّي فيه لنتيمّن، و نتبرّك بالصلاة في موضع مصلّاك. فلم يعرّفهم رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) ما عرّفه اللّه تعالى من أمرهم و نفاقهم. فقال (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): ائتوني بحماري فأتي باليعفور، فركبه يريد نحو مسجدهم، فكلّما بعثه- هو و أصحابه- لم ينبعث و لم يمش، و إذا صرف رأسه عنه إلى غيره سار أحسن سير و أطيبه. قالوا: لعلّ هذا الحمار قد رأى في هذا الطريق شيئا كرهه، و لذلك لا ينبعث نحوه، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): ائتوني بفرس! فأتي بفرس، فركبه فكلّما بعثه نحو مسجدهم لم ينبعث، و كلّما حرّكوه نحوه لم يتحرّك، حتّى إذا ولّوا رأسه إلى غيره سار أحسن سير. فقالوا: و لعلّ هذا الفرس قد كره شيئا في هذا الطريق. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): تعالوا نمشي إليه فلمّا تعاطى هو (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و من معه المشي نحو المسجد جفوا في مواضعهم، و لم يقدروا على الحركة، و إذا همّوا بغيره من المواضع خفّت حركاتهم، و خفّت أبدانهم، و نشطت قلوبهم. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): إن هذا أمر قد كرهه اللّه فليس يريده الآن، و أنا على جناح سفر، فأمهلوا حتّى أرجع- إن شاء اللّه- ثمّ أنظر في هذا نظرا يرضاه اللّه تعالى، و جدّ في العزم على الخروج إلى تبوك، و عزم المنافقون على اصطلام مخلّفيهم إذا خرجوا. فأوحى اللّه تعالى إليه: يا محمّد! إنّ العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام، و يقول: إمّا أن تخرج أنت و يقيم عليّ، و إمّا أن يخرج عليّ و تقيم أنت. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): ذاك لعليّ. فقال عليّ (عليه السلام): السمع و الطاعة لأمر اللّه تعالى و أمر رسوله، و إن كنت أحبّ ألّا أتخلّف عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) في حال من الأحوال. فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟ قال (عليه السلام): رضيت، يا رسول اللّه! فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): يا أبا الحسن! إنّ لك أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة، و إنّ اللّه قد جعلك أمّة وحدك، كما جعل إبراهيم (عليه السلام) أمّة، تمنع جماعة المنافقين و الكفّار هيبتك عن الحركة على المسلمين. فلمّا خرج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و شيّعه عليّ (عليه السلام) خاض المنافقون فقالوا: إنّما خلّفه محمّد بالمدينة لبغضه له و لملالته منه، و ما أراد بذلك إلّا أن يلقيه المنافقون فيقتلوه و يحاربوه فيهلكوه، فاتّصل ذلك برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم). فقال عليّ (عليه السلام): تسمع ما يقولون يا رسول اللّه!؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): أ ما يكفيك أنّك جلدة ما بين عيني و نور بصري، و كالروح في بدني. ثمّ سار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بأصحابه، و أقام عليّ (عليه السلام) بالمدينة، فكان كلّما دبّر المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين، فزعوا من عليّ، و خافوا أن يقوم معه عليهم من يدفعهم عن ذلك، و جعلوا يقولون فيما بينهم: هي كرّة محمّد التي لا يؤوب منها. فلمّا صار بين رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) و بين أكيدر مرحلة، قال تلك العشيّة: يا زبير ابن العوامّ، يا سمّاك بن خرشة! امضيا في عشرين من المسلمين إلى باب قصر أكيدر، فخذاه، و اتياني به. فقال الزبير: يا رسول اللّه! و كيف نأتيك به و معه من الجيوش الذي قد علمت، و معه في قصره سوى حشمه ألف و مائتان عبد و أمة و خادم؟ فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): تحتالان عليه، فتأخذانه. قال: يا رسول اللّه! و كيف [نأخذه]، و هذه ليلة قمراء، و طريقنا أرض ملساء، و نحن في الصحراء لا نخفى؟! فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): أ تحبّان أن يستركما اللّه عن عيونهم، و لا يجعل لكما ظلّا إذا سرتما، و يجعل لكما نورا كنور القمر لا تتبيّنان منه؟ قالا: بلى، قال: عليكما بالصلاة على محمّد و آله الطيّبين معتقدين، إنّ أفضل آله عليّ بن أبي طالب (عليه السلام)، و تعتقد أنت يا زبير! خاصّة أنّه لا يكون عليّ في قوم إلّا كان هو أحقّ بالولاية عليهم، ليس لأحد أن يتقدّمه. فإذا أنتما فعلتما ذلك و بلغتما الظلّ الذي بين يدي قصره من حائط قصره، فأنّ اللّه تعالى سيبعث الغزلان و الأوعال إلى بابه، فتحتك قرونها به، فيقول: من لمحمّد في مثل هذا، و يركب فرسه لينزل فيصطاد. فتقول امرأته: إيّاك و الخروج، فإنّ محمّدا قد أناخ بفنائك، و لست تأمن أن يكون قد احتال، و دسّ عليك من يقع بك. فيقول لها: إليك عنّي، فلو كان أحد انفصل عنه في هذه الليلة ليلقاه- في هذا القمر- عيون أصحابنا في الطريق، و هذه الدنيا بيضاء لا أحد فيها، و لو كان في ظلّ قصرنا هذا إنسيّ لنفرت منه الوحوش. فينزل ليصطاد الغزلان و الأوعال [فتهرب] من بين يديه و يتبعها، فتحيطان به و أصحابكما فتأخذانه. فكان كما قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، فأخذوه فقال: لي إليكم حاجة؟ قالوا: و ما هي؟ فإنّا نقضيها إلّا أن تسألنا أن نخلّيك. فقال: تنزعون عنّي ثوبي هذا، و سيفي [هذا] و منطقتي، و تحملونها إليه، و تحملونني إليه في قميصي، لئلّا يراني في هذا الزيّ، بل يراني في زيّ التواضع، فلعلّه يرحمني، ففعلوا ذلك، فجعل المسلمون و الأعراب يلبسون ذلك الثوب- و هو في القمر- فيقولون: هذا من حلل الجنّة، و هذا من حليّ الجنّة يا رسول اللّه! قال: لا! و لكنّه ثوب أكيدر و سيفه و منطقته، و لمنديل ابن عمّتي الزبير و سمّاك في الجنّة أفضل من هذا إن استقاما على ما أمضيا من عهدي إلى أن يلقياني عند حوضي في المحشر. قالوا: و ذلك أفضل من هذا؟ قال (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): بل خيط من منديل مائدتهما في الجنّة أفضل من ملء الأرض إلى السماء مثل هذا الذهب. فلمّا أتي به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) قال له: يا محمّد! أقلني و خلّني على أن أدفع عنك من ورائي من أعدائك. فقال له رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): فإن لم تف بذلك؟ قال: يا محمّد! إن لم أف بذلك، فإن كنت رسول اللّه فسيظفرك بي من منع ظلال أصحابك أن تقع على الأرض حتّى أخذوني، و من ساق الغزلان إلى بابي حتّى استخرجني من قصري، و أوقعني في أيدي أصحابك. و إن كنت غير نبيّ فإنّ دولتك التي أوقعتني في يدك بهذه الخصلة العجيبة و السبب اللطيف، ستوقعني في يدك بمثلها. قال: فصالحه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) على ألف أوقيّة [من] ذهب في رجب، و مائتي حلّة، و ألف أوقيّة في صفر، و مائتي حلّة، و على أنّهم يضيّفون من مرّ بهم من المسلمين ثلاثة أيّام و يزوّدونه إلى المرحلة التي تليها، على أنّهم إن نقضوا شيئا من ذلك فقد برأت منهم ذمّة اللّه، و ذمّة محمّد رسول اللّه، ثمّ كرّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) راجعا. و قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): فهذا العجل في زمان النبيّ هو أبو عامر الراهب الذي سمّاه رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) الفاسق. و عاد رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) غانما ظافرا، و أبطل [اللّه تعالى] كيد المنافقين، و أمر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) بإحراق مسجد الضرار، و أنزل اللّه تعالى وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً الآيات. و قال موسى بن جعفر (عليهما السلام): فهذا العجل- في حياته (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) - دمّر اللّه عليه و أصابه بقولنج [و برص] و جذام و فالج و لقوة، و بقي أربعين صباحا في أشدّ عذاب، ثمّ صار إلى عذاب اللّه تعالى.

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٥ - الصفحة ٣١. — الإمام الكاظم عليه السلام
(1080) 1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ (عليه السلام): قال

الإمام (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أمر اللّه عزّ و جلّ عباده أن يسألوه طريق المنعم عليهم، و هم النبيّون و الصدّيقون و الشهداء و الصالحون. و أن يستعيذوا [به] من طريق المغضوب عليهم، و هم اليهود الذين قال اللّه تعالى فيهم: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ. و أن يستعيذوا به من طريق الضالّين، و هم الذين قال اللّه تعالى فيهم: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ و هم النصارى. ثمّ قال أمير المؤمنين (عليه السلام): كلّ من كفر باللّه فهو مغضوب عليه، و ضالّ عن سبيل اللّه عزّ و جلّ. و قال الرضا (عليه السلام) كذلك و زاد فيه فقال: و من تجاوز بأمير المؤمنين (عليه السلام) العبوديّة، فهو من المغضوب عليهم و من الضالّين. و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا تتجاوزوا بنا العبوديّة، ثمّ قولوا ما شئتم و لن تبلغوا، و إيّاكم و الغلوّ كغلوّ النصارى، فإنّي بريء من الغالين. قال: فقام إليه رجل فقال له: يا ابن رسول اللّه! صف لنا ربّك، فإنّ من قبلنا قد اختلفوا علينا. فقال الرضا (عليه السلام): إنّه من يصف ربّه بالقياس، لا يزال في الدهر في الالتباس، مائلا عن المنهاج، طاغيا في الاعوجاج، ضالّا عن السبيل، قائلا غير الجميل. ثمّ قال (عليه السلام): أعرّفه بما عرّف به نفسه، أعرّفه من غير رؤية، و أصفه بما وصف به [نفسه] من غير صورة. لا يدرك بالحواسّ، و لا يقاس بالناس، معروف بالآيات، بعيد بغير تشبيه، و متدان في بعده بلا نظير، لا يتوهّم ديموميّته، و لا يمثّل بخليقته، و لا يجور في قضيّته. الخلق إلى ما علم منهم منقادون، و على ما سطره في المكنون من كتابه ماضون، لا يعملون بخلاف ما علم منهم و لا غيره يريدون، فهو قريب غير ملتزق، و بعيد غير متقصّ، يحقّق و لا يمثّل، [و] يوحّد و لا يبعّض، يعرف بالآيات، و يثبت بالعلامات، فلا إله غيره، الكبير المتعال. فقال الرجل: بأبي أنت و أمّي يا ابن رسول اللّه! فإنّ معي من ينتحل موالاتكم، [و] يزعم أنّ هذه كلّها صفات عليّ (عليه السلام)، و أنّه هو اللّه ربّ العالمين. قال: فلمّا سمعها الرضا (عليه السلام)، ارتعدت فرائصه و تصبّب عرقا، و قال: سبحان اللّه! [سبحان اللّه] عمّا يقول الظالمون و الكافرون، أ و ليس عليّا (عليه السلام) كان آكلا في الآكلين، [و] شاربا في الشاربين، و ناكحا في الناكحين، و محدثا في المحدثين، و كان مع ذلك مصلّيا خاشعا [خاضعا] بين يدي اللّه عزّ و جلّ ذليلا، و إليه أوّاها منيبا، أ فمن [كان] هذه صفته يكون إلها!؟ [فإن كان هذا إلها] فليس منكم أحد إلّا و هو إله، لمشاركته له في هذه الصفات الدالّات على حدوث كلّ موصوف بها. ثمّ قال (عليه السلام): حدّثني أبي عن جدّي، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، أنّه قال: ما عرف اللّه تعالى من شبّهه بخلقه، و لا عدله من نسب إليه ذنوب عباده. فقال الرجل: يا ابن رسول اللّه! إنّهم يزعمون أنّ عليّا (عليه السلام) لمّا أظهر من نفسه المعجزات التي لا يقدر عليها غير اللّه تعالى دلّ ذلك على أنّه إله، و لمّا ظهر لهم بصفات المحدثين العاجزين لبّس بذلك عليهم و امتحنهم ليعرفوه، و ليكون إيمانهم به اختيارا من أنفسهم. فقال الرضا (عليه السلام): أوّل ما هاهنا إنّهم لا ينفصلون ممّن قلّب هذا عليهم، فقال: لمّا ظهر منه الفقر و الفاقة، دلّ على أنّ من هذه صفاته و شاركه فيها الضعفاء المحتاجون لا تكون المعجزات فعله، فعلم بهذا أنّ الذي ظهر منه [من] المعجزات إنّما كانت فعل القادر الذي لا يشبه المخلوقين، لا فعل المحدث المحتاج المشارك للضعفاء في صفات الضعف. ثمّ قال الرضا (عليه السلام): لقد ذكرتني بما حكيته [عن] قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم)، و قول أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قول زين العابدين (عليه السلام). أمّا قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم) فما حدّثنيه أبي، عن جدّي، عن أبيه، [عن جدّه]، عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم و سلم): إنّ اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، و لكن [يقبضه] بقبض العلماء. فإذا لم ينزل عالم إلى عالم يصرف عنه طلّاب حطام الدنيا و حرامها، و يمنعون الحقّ أهله، و يجعلونه لغير أهله، اتّخذ الناس رؤساء جهّالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا و أضلّوا. و أمّا قول أمير المؤمنين (عليه السلام) فهو قوله: يا معشر شيعتنا، و المنتحلين [مودّتنا! ] إيّاكم و أصحاب الرأي، فإنّهم أعداء السنن تفلّتت منهم الأحاديث أن يحفظوها، و أعيتهم السنّة أن يعوها. فاتّخذوا عباد اللّه خولا، و ماله دولا، فذلّت لهم الرقاب، و أطاعهم الخلق أشباه الكلاب، و نازعوا الحقّ أهله، و تمثّلوا بالأئمّة الصادقين، و هم من الجهّال و الكفّار و الملاعين، فسئلوا عمّا لا يعلمون، فأنفوا أن يعترفوا بأنّهم لا يعلمون، فعارضوا الدين [بآرائهم، فضلّوا و أضلّوا، أمّا لو كان الدين] بالقياس، لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما. و أمّا قول عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، فإنّه قال: إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته و هديه، و تماوت في منطقه، و تخاضع في حركاته، فرويدا لا يغرّنّكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا، و ركوب المحارم منها، لضعف بنيته و مهانته و جبن قلبه، فنصب الدين فخّا لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره، فإن تمكّن من حرام اقتحمه. فإذا وجدتموه يعفّ من المال الحرام (فرويدا لا يغرّنّكم، فإنّ شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبو عن المال الحرام) و إن كثر و يحمل نفسه على شوهاء قبيحة، فيأتي منها محرّما. فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك فرويدا لا يغرّنّكم حتّى تنظروا ما عقدة عقله، فما أكثر من يترك ذلك أجمع ثمّ لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسده بجهله أكثر ممّا يصلحه بعقله. فإذا وجدتم عقله متينا، فرويدا لا يغرّنّكم حتّى تنظروا مع هواه يكون على عقله، أو يكون مع عقله على هواه، و كيف محبّته للرئاسات الباطلة و زهده فيها، فإنّ في الناس من خسر الدنيا و الآخرة بترك الدنيا للدنيا، و يرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال و النعم المباحة المحلّلة، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة حتّى: وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ. فهو يخبط [خبط] عشواء يقوده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة، و يمدّ يده بعد طلبه لما لا يقدر [عليه] في طغيانه فهو يحلّ ما حرّم اللّه، و يحرّم ما أحلّ اللّه، لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد شقى من أجلها، فأولئك [مع] الذين غضب اللّه عليهم و لعنهم، و أعدّ لهم عذابا مهينا. و لكن الرجل كلّ الرجل، نعم الرجل، هو الذي جعل هواه تبعا لأمر اللّه، و قواه مبذولة في رضاء اللّه تعالى، يرى الذلّ مع الحقّ أقرب إلى عزّ الأبد من العزّ في الباطل، و يعلم أنّ قليل ما يحتمله من ضرّائها يؤدّيه إلى دوام النعم في دار لا تبيد و لا تنفد، و أنّ كثير ما يلحقه من سرّائها إن اتّبع هواه يؤدّيه إلى عذاب لا انقطاع له و لا زوال. فذلكم الرجل نعم الرجل، فبه فتمسّكوا، و بسنّته فاقتدوا، و إلى ربّكم فبه فتوسّلوا، فإنّه لا تردّ له دعوة، و لا تخيب له طلبة. ثمّ قال الرضا (عليه السلام): إنّ هؤلاء الضّلال الكفرة ما أتوا إلّا من جهلهم بمقادير أنفسهم حتّى اشتدّ إعجابهم بها، و كثر تعظيمهم لما يكون منها، فاستبدّوا بآرائهم الفاسدة، و اقتصروا على عقولهم المسلوك بها غير السبيل الواجب، حتّى استصغروا قدر اللّه، و احتقروا أمره، و تهاونوا بعظيم شأنه. إذ لم يعلموا أنّه القادر بنفسه، الغنيّ بذاته، الذي ليست قدرته مستعارة، و لا غناه مستفادا، و الذي من شاء أفقره، و من شاء أغناه، و من شاء أعجزه بعد القدرة، و أفقره بعد الغنى. فنظروا إلى عبد قد اختصّه [اللّه] بقدرته، ليبيّن بها فضله عنده، و آثره بكرامته، ليوجب بها حجّته على خلقه، و ليجعل ما آتاه من ذلك ثوابا على طاعته، و باعثا على اتّباع أمره، و مؤمنا عباده المكلّفين من غلط من نصبه عليهم حجّة، و لهم قدوة، فكانوا كطلّاب ملك من ملوك الدنيا، ينتجعون فضله، و يؤمّلون نائله، و يرجون التفيّؤ بظلّه، و الانتعاش بمعروفه، و الانقلاب إلى أهليهم بجزيل عطائه، الذي يغنيهم عن كلب الدنيا، و ينقذهم من التعرّض لدنيّ المكاسب، و خسيس المطالب. فبيناهم يسألون عن طريق الملك ليترصّدوه و قد وجّهوا الرغبة نحوه، و تعلّقت قلوبهم برؤيته، إذ قيل: إنّه سيطّلع عليكم في جيوشه و مواكبه و خيله و رجله. فإذا رأيتموه فأعطوه من التعظيم حقّه، و من الإقرار بالمملكة واجبه، و إيّاكم أن تسمّوا باسمه غيره، أو تعظّموا سواه كتعظيمه، فتكونوا قد بخستم الملك حقّه، و أزريتم عليه، و استحققتم بذلك منه عظيم عقوبته. فقالوا: نحن كذلك فاعلون جاهدنا و طاقتنا، فما لبثوا أن طلع عليهم بعض عبيد الملك في خيل قد ضمّها إليه سيّده، و رجل قد جعلهم في جملته، و أموال قد حباه بها. فنظر هؤلاء، و هم للملك طالبون، فاستكثروا ما رأوا بهذا العبد من نعم سيّده، و رفعوه عن أن يكون هو المنعم عليه بما وجدوا معه، فأقبلوا إليه يحيّونه تحيّة الملك و يسمّونه باسمه، و يجحدون أن يكون فوقه ملك، أو له مالك، فأقبل عليهم العبد المنعم عليه، و سائر جنوده بالزجر و النهي عن ذلك و البراءة ممّا يسمّونه به، و يخبرونهم بأنّ الملك هو الذي أنعم بهذا عليه و اختصّه به. و إنّ قولكم [ب] ما تقولون يوجب عليكم سخط الملك و عذابه، و يفيتكم كلّما أمّلتموه من جهته، و أقبل هؤلاء القوم يكذّبونهم، و يردّون عليهم قولهم، فما زال كذلك حتّى غضب [عليهم] الملك لمّا وجد هؤلاء، قد سمّوا به عبده و أزروا عليه في مملكته، و بخسوه حقّ تعظيمه، فحشرهم أجمعين إلى حبسه، و و كلّ بهم من يسومهم سوء العذاب. فكذلك هؤلاء وجدوا أمير المؤمنين (عليه السلام) عبدا أكرمه اللّه ليبيّن فضله، و يقيم حجّته، فصغر عندهم خالقهم أن يكون جعل عليّا [له] عبدا، و أكبروا عليّا أن يكون اللّه عزّ و جلّ له ربّا، فسمّوه بغير اسمه، فنهاهم هو و أتباعه من أهل ملّته و شيعته، و قالوا لهم: يا هؤلاء! إنّ عليّا و ولده عباد مكرمون مخلوقون مدبّرون، لا يقدرون إلّا على ما أقدرهم اللّه عليه ربّ العالمين، و لا يملكون إلّا ما ملّكهم [اللّه]، لا يملكون موتا و لا حياة و لا نشورا و لا قبضا و لا بسطا و لا حركة و لا سكونا إلّا ما أقدرهم اللّه عليه و طوّقهم. و إنّ ربّهم و خالقهم يجلّ عن صفات المحدثين، و يتعالى عن نعوت المحدودين، و انّ من اتّخذهم- أو واحدا منهم- أربابا من دون اللّه فهو من الكافرين، و قد ضلّ سواء السبيل. فأبى القوم إلّا جماحا و امتدّوا في طغيانهم يعمهون، فبطلت أمانيّهم و خابت مطالبهم، و بقوا في العذاب الأليم.

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٥ - الصفحة ٥٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
قال اللّه عزّ و جلّ

و اذكروا إذ فعلنا ذلك/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 125 قال اللّه عزّ و جلّ: و اذكروا يا بني إسرائيل/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 64 قال اللّه عزّ و جلّ: و قالوا يعني هؤلاء/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 120 قال اللّه عزّ و جلّ: و قالوا يعني اليهود/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 105 قال اللّه عزّ و جلّ: و لقد علمتم الذين اعتدوا/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 75 قال اللّه عزّ و جلّ: و مثل الذين كفروا في/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 151 قال اللّه عزّ و جلّ و هو يخاطب هؤلاء اليهود/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 112 قال اللّه عزّ و جلّ و هو يوبّخ هؤلاء اليهود/ الباقر (عليه السلام) / 4/ 395 قال اللّه عزّ و جلّ: هذا لقوم من هؤلاء اليهود/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 104 قال اللّه عزّ و جلّ: يا أيّها الذين آمنوا/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 152 قال اللّه عزّ و جلّ: يا أيّها الناس كلوا ممّا/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 150 قال اللّه عزّ و جلّ: (يا بني إسرائيل) ولد/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 41 قالت فاطمة و قد اختصم إليها امرأتان/ العسكريّ (عليه السلام) / 4/ 275 قبري بسرّمنرأى أمان لأهل الجانبين/ العسكريّ (عليه السلام) / 1/ 327 قد صعدنا ذرى الحقائق بأقدام النبوّة و/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 462 قد فعل اللّه ذلك/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 439 قد فهمت ما ذكرتم، و إن كنتم إلى/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 438 قد قرأت الكتاب الذي معكم/ العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 441 قد قرأنا كتابك، و سألنا اللّه عافيتك/ العسكريّ (عليه السلام) / 1/ 368 قد كنّا أمرنا له بمائة ألف دينار، / العسكريّ (عليه السلام) / 3/ 352 قد مضى، و لكن قد خلّف فيكم من رقبته/ العسكريّ (عليه السلام) / 2/ 284 قد وضع بنو أميّة و بنو العبّاس سيوفهم علينا/ العسكريّ (عليه السلام) / 1/ 352

موسوعة الإمام العسكريعليهم السلام - ج ٦ - الصفحة ٧٢. — الله تعالى (حديث قدسي)
وَ مِنْهَا: مَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ

بْنِ زِيَادٍ إِنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهِ تَوْقِيعُ أَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام فِيهِ فَكُنْ حِلْساً مِنْ أَحْلَاسِ بَيْتِكَ قَالَ فَنَابَتْنِي نَائِبَةٌ فَزِعْتُ مِنْهَا فَكَتَبْتُ إِلَيْهِ أَ هِيَ هَذِهِ فَكَتَبَ لَا أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ فَطُلِبْتُ بِسَبَبِ جَعْفَرِ بْنِ مَحْمُودٍ وَ نُودِيَ عَلَيَّ مَنْ أَصَابَنِي فَلَهُ مِائَةُ أَلْفِ دِرْهَمٍ وَ مِنْهَا: مَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَهَّرٍ قَالَ كَتَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عليه السلام مِنْ أَهْلِ الْجَبَلِ يَسْأَلُهُ عَمَّنْ وَقَفَ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ مُوسَى عليه السلام أَتَوَلَّاهُمْ أَمْ أَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ فَكَتَبَ إِلَيْهِ لَا تَتَرَحَّمْ عَلَى عَمِّكَ لَا رَحِمَ اللَّهُ عَمَّكَ وَ تَبَرَّأْ مِنْهُ أَنَا إِلَى اللَّهِ مِنْهُمْ بَرِيءٌ فَلَا تَتَوَلَّاهُمْ وَ لَا تَعُدْ مَرْضَاهُمْ وَ لَا تَشْهَدْ جَنَائِزَهُمْ وَ لٰا تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ مٰاتَ أَبَداً. سَوَاءٌ مَنْ جَحَدَ إِمَاماً مِنَ اللَّهِ أَوْ زَادَ إِمَاماً لَيْسَتْ إِمَامَتُهُ مِنَ اللَّهِ أَوْ جَحَدَ أَوْ

الخرائج و الجرائح - ج ١ - الصفحة ٤٥٢. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
وَ مِنْهَا: مَا رَوَى أَحْمَدُ بْنُ قَابُوسَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

دَخَلَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ فَقَالَ ابْتِدَاءً قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَ مَنْ جَمَعَ مَالًا يَحْرُسُهُ عَذَّبَهُ اللَّهُ عَلَى مِقْدَارِهِ فَقَالُوا لَهُ بِالْفَارِسِيَّةِ لَا نَفْهَمُ بِالْعَرَبِيَّةِ فَقَالَ لَهُمْ هر كه درم اندوزد جزايش دوزخ باشد وَ قَالَ إِنَّ لِلَّهِ مَدِينَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا بِالْمَشْرِقِ وَ الْأُخْرَى بِالْمَغْرِبِ عَلَى كُلِّ مَدِينَةٍ سُورٌ مِنْ حَدِيدٍ فِيهَا أَلْفُ أَلْفِ بَابٍ مِنْ ذَهَبٍ كُلُّ بَابٍ بِمِصْرَاعَيْنِ وَ فِي كُلِّ مَدِينَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ لِسَانٍ مُخْتَلِفَاتِ اللُّغَاتِ وَ أَنَا أَعْرِفُ جَمِيعَ تِلْكَ اللُّغَاتِ وَ مَا فِيهِمَا وَ مَا بَيْنَهُمَا حُجَّةٌ غَيْرِي وَ غَيْرُ آبَائِي وَ غَيْرُ أَبْنَائِي بَعْدِي وَ مِنْهَا: مَا رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْحَلَبِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ لَمَّا أُتِيَ بِعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ عليه السلام وَ مَنْ مَعَهُ إِلَى يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِمَا لَعَائِنُ اللَّهِ جَعَلُوهُمْ فِي بَيْتٍ خَرَابٍ وَاهِي الْحِيطَانِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّمَا جَعَلَنَا فِي هَذَا الْبَيْتِ لِيَقَعَ عَلَيْنَا فَقَالَ الْمُوَكَّلُونَ بِهِمْ مِنَ الْحَرَسِ بِالْقِبْطِيَّةِ انْظُرُوا إِلَى هَؤُلَاءِ يَخَافُونَ أَنْ

الخرائج و الجرائح - ج ٢ - الصفحة ٧٥٣. — الإمام الصادق عليه السلام

محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن علي بن عكاية التميمي، عن الحسين بن النضر الفهري، عن أبي عمرو الاوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد قال: دخلت على أبى جعفر عليه السلام فقلت: يا ابن رسول الله قد أرمضني اختلاف الشيعة في مذاهبها فقال: يا جابر ألم أقفك على معنى اختلافهم من أين اختلفوا ومن أي جهة تفرقوا؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال: فلا تختلف إذا اختلفوا يا جابر إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أيامه، يا جابر اسمع وع، قلت: إذا شئت، قال: إسمع وع وبلغ حيث انتهت بك راحلتك إن أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذلك حين فرغ من جمع القرآن، وتأليفه فقال: الحمد لله الذي منع الاوهام أن تنال إلا وجوده وحجب العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها من الشبة والتشاكل بل هو الذى لا يتفاوت في ذاته ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله، فارق الاشياء لا على اختلاف الاماكن ويكون فيها لا على وجه الممازجة، وعلمها لا بأداة، لا يكون العلم إلا بها وليس بينه وبين معلومه علم غيره به كان عالما بمعلومه، إن قيل: كان، فعلى تأويل أزلية الوجود وإن قيل: لم يزل، فعلى تأويل نفي العدم، فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيره علوا كبيرا. نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه وأوجب قبوله على نفسه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادتان ترفعان القول وتضاعفان العمل، خف ميزان ترفعان منه وثقل ميزان توضعان فيه وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار والجواز على الصراط وبالشهادة تدخلون الجنة وبالصلاة تنالون الرحمة، أكثروا من الصلاة على نبيكم " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (صلى الله عليه وآله) تسليما. أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام ولا كرم أعز من التقوى ولا معقل أحرز من الورع ولا شفيع أنجع من التوبة ولا لباس أجمل من العافية ولا وقاية أمنع من السلامة ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى بالقناعة ولا كنز أغنى من القنوع ومن أقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوء خفض الدعة والرغبة مفتاح التعب والاحتكار مطية النصب والحسد آفة الدين والحرص داع إلى التقحم في الذنوب وهو داعي للحرمان و البغي سائق إلى الحين والشره جامع لمساوي العيوب، رب طمع خائب وأمل كاذب ورجاء يؤدي إلى الحرمان وتجارة تؤول إلى الخسران، ألا ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن. أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم ولا عز أرفع من الحلم، ولا حسب أبلغ من الادب ولا نصب أوضع من الغضب، ولا جمال أزين من العقل، ولا سوءة أسوأ من الكذب، ولا حافظ أحفظ من الصمت ولاغائب أقرب من الموت. أيها الناس [إنه] من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لاخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته ومن نسي زلله استعظم زلل غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل ومن سفه على الناس شتم، ومن خالط الانذال حقر، ومن حمل ما لا يطيق عجز. أيها الناس إنه لا مال [هو] أعود من العقل، ولا فقر [هو] أشد من الجهل، ولا واعظ [هو] أبلغ من النصح، ولا عقل كالتدبير، ولا عبادة كالتفكر، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا وحشة أشد من العجب، ولا ورع كالكف عن المحارم، ولا حلم كالصبر والصمت. أيها الناس في الانسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير، حاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع يدرك به الحاجة، وواصف يعرف به الاشياء، وأمير يأمر بالحسن، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز تسكن به الاحزان وحاضر تجلى به الضغائن، ومونق تلتذ به الاسماع. أيها الناس إنه لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل. واعلموا أيها الناس إنه من لم يملك لسانه يندم، ومن لا يعلم يجهل، ومن لا يتحلم لا يحلم ومن لا يرتدع لا يعقل، ومن لا يعقل يهن، ومن يهن لا يوقر، ومن لايوقر يتوبخ، ومن يكتسب مالا من غير حقه يصرفه في غير أجره، ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم ومن لم يعط قاعدا منع قائما، ومن يطلب العز بغير حق يذل، ومن يغلب بالجور يغلب، ومن عاند الحق لزمه الوهن، ومن تفقه وقر، ومن تكبر حقر، ومن لا يحسن لا يحمد. أيها الناس إن المنية قبل الدينة والتجلد قبل التبلد، والحساب قبل العقاب والقبر خير من الفقر، وغض البصر خير من كثير من النظر، والدهر يوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فبكليهما تمتحن. - وفي نسخة وكلاهما سيختبر. أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن اسعد بالرضى نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الامن استلبته العزة وفي نسخة أخذته العزة، وإن جددت له نعمة أخذته العزة، وإن أفاد ما لا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء وفي نسخة جهده البكاء وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد. أيها الناس إنه من فل ذل، ومن جاد ساد، ومن كثر ماله رأس ومن كثر حلمه نبل، ومن أفكر في ذات الله تزندق، ومن أكثر من شئ عرف به ومن كثر مزاحه استخف به، ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته، فسد حسب من ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال، ليس من جالس الجاهل بذي معقول، من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال، لن ينجو من الموت غني بماله ولا فقير لاقلاله. أيها الناس لو أن الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الابلج واللئيم الملهوج. أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الانفس عن مدرجة أهل التفريط وفطنة الفهم للمواعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطر، وللقلوب خواطر للهوى، والعقول تزجر وتنهى، وفي التجارب علم مستأنف، والاعتبار يقود إلى الرشاد، وكفاك أدبا لنفسك (اجتناب) ما تكرهه لغيرك، وعليك لاخيك المؤمن مثل الذي لك عليه، لقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبر قبل العمل فإنه يؤمنك من الندم، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول، ومن حصن شهوته فقد صان قدره، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجه، وفي تقلب الاحوال علم جواهر الرجال، والايام توضح لك السرائر الكامنة، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة، وأشرف الغنى ترك المنى، والصبر جنة من الفاقة، والحرص علامة الفقر، والبخل جلباب المسكنة، والمودة قرابة مستفادة، ووصول معدم خير من جاف مكثر، والموعظة كهف لمن وعاها، ومن أطلق طرفه كثر أسفه، وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان ومن ضاق خلقه مله أهله، ومن نال استطال، وقل ما تصدقك الامنية، والتواضع يكسوك المهابة، وفي سعة الاخلاق كنوز الارزاق، كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره ومن كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه، وانح القصد من القول فإن من تحرى القصد خفت عليه المؤن وفي خلاف النفس رشدك، من عرف الايام لم يغفل عن الاستعداد، ألا وإن مع كل جرعة شرقا وإن في كل اكلة غصصا، لا تنال نعمة إلا بزوال اخرى، ولكل ذي رمق قوت، ولكل حبة آكل وأنت قوت الموت. أعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الارض فإنه يصير إلى بطنها، والليل والنهار يتنازعان وفي نسخة اخرى يتسارعان في هدم الاعمار. يا أيها الناس كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، إن من الكرم لين الكلام ومن العبادة إظهار اللسان وإفشاء السلام، إياك والخديعة فإنها من خلق اللئيم، ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب، لا ترغب فيمن زهد فيك، رب بعيد هو أقرب من قريب سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار، ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل، استر عورة أخيك كما تعلمها فيك، اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك من غضب على من لا يقدر على ضره طال حزنه وعذب نفسه، من خاف ربه كف ظلمه وفي نسخة من خاف ربه كفي عذابه ومن لم يزغ في كلامه أظهر فخره، ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة، إن من الفساد إضاعة الزاد، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا، هيهات هيهات وما تناكرتم إلا لمافيكم من المعاصي والذنوب فما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعيم وما شر بشر بعده الجنة وما خير بخير بعده النار، كل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية، وعند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر، تصفية العمل أشد من العمل وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد، هيهات لو لا التقى لكنت أدهى العرب. أيها الناس إن الله تعالى وعد نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله) الوسيلة ووعده الحق ولن يخلف الله وعده، ألا وإن الوسيلة على درج الجنة وذروة ذوائب الزلفة ونهاية غاية الامنية، لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام وهو مابين مرقاة درة إلى مرقاة جوهرة، إلى مرقاة زبرجدة إلى مرقاة لؤلؤة، إلى مرقاة ياقوته، إلى مرقاة زمردة، إلى مرقاة مرجانة، إلى مرقاة كافور، إلى مرقاة عنبر، إلى مرقاة يلنجوج، إلى مرقاة ذهب، إلى مرقاة غمام، إلى مرقاة هواء، إلى مرقاة نور قد أنافت على كل الجنان ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يومئذ قاعد عليها، مرتد بريطتين ريطة من رحمة الله وريطة من نور الله، عليه تاج النبوة وإكليل الرسالة قد أشرق بنوره الموقف وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهى دون درجته وعلي ريطتان ريطة من أرجوان النور وريطة من كافور والرسل والانبياء قد وقفوا على المراقي، وأعلام الازمنة وحجج الدهور عن أيماننا وقد تجللهم حلل النور والكرامة، لا يرانا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا وعجب من ضيائنا وجلالتنا وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول (صلى الله عليه وآله) غمامة بسطة البصر يأتى منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصى وآمن بالنبي الامي العربي ومن كفر فالنار موعده وعن يسار الوسيلة عن يسار الرسول (صلى الله عليه وآله) ظلة يأتي منها النداء: يا أهل الموفق طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الامي والذي له الملك الاعلى، لا فاز أحد ولا نال الروح والجنة إلا من لقى خالقه بالاخلاص لهما والاقتداء بنجومهما، فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم وشرف مقعدكم وكرم مآبكم وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين ويا أهل الانحراف والصدود عن الله عز ذكره ورسوله وصراطه وأعلام الازمنة أيقنوا بسواد وجوهكم وغضب ربكم جزاءا بما كنتم تعملون وما من رسول سلف ولا نبي مضى إلا وقد كان مخبرا امته بالمرسل الوارد من بعده ومبشرا برسول الله (صلى الله عليه وآله) وموصيا قومه باتباعه ومحليه عند قومه ليعرفوه بصفته وليتبعوه على شريعته ولئلا يضلوا فيه من بعده فيكون من هلك [أ] وضل بعد وقوع الاعذار والانذار عن بينة وتعيين حجة، فكانت الامم في رجاء من الرسل وورود من الانبياء ولئن اصيبت بفقد نبي بعد نبى على عظم مصائبهم وفجائعها بهم فقد كانت على سعة من الامل ولا مصيبة عظمت ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله (صلى الله عليه وآله) لان الله ختم به الانذار و الاعذار وقطع به الاحتجاج والعذر بينه وبين خلقه وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ومهيمنه الذي لا يقبل إلا به ولا قربة إليه إلا بطاعته، وقال: في محكم كتابه: " من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا " فقرن طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته فكان ذلك دليلا على ما فوض إليه وشاهدا له على من اتبعه وعصاه وبين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه والترغيب في تصديقه والقبول لدعوته: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم " فاتباعه (صلى الله عليه وآله) محبة الله ورضاه غفران الذنوب وكمال الفوز ووجوب الجنة وفى التولي عنه والاعراض محادة الله وغضبه وسخطه والبعد منه مسكن النار و ذلك قوله: " ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده " يعني الجحود به والعصيان له فإن الله تبارك اسمه امتحن بي عباده وقتل بيدي أضداده وأفنى بسيفي جحاده و جعلني زلفة للمؤمنين وحياض موت على الجبارين وسيفه على المجرمين وشد بي أزر رسوله وأكرمنى بنصره وشرفني بعلمه وحباني بأحكامه واختصني بوصيته واصطفاني بخلافته في امته فقال (صلى الله عليه وآله) وقد حشده المهاجرون والانصار وانغصت بهم المحافل: أيها الناس إن عليا مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول إذ عرفوني أني لست بأخيه لابيه وامه كما كان هارون أخا موسى لابيه وامه ولا كنت نبيا فاقتضى نبوة ولكن كان ذلك منه استخلافا لي كما استخلف موسى هارون عليه السلام حيث يقول: " اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين " وقوله (صلى الله عليه وآله) حين تكلمت طائفة فقالت: " نحن موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى حجة الوادع ثم صار إلى غدير خم فأمر فأصلح له شبه المنبر ثم علاه وأخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه رافعا صوته قائلا في محفله " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وآل من والاه و عاد من عاداه " فكانت على ولايتي ولاية الله وعلى عداوتي عداوة الله. وأنزل الله عزوجل في ذلك اليوم " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " فكانت ولايتي كمال الدين ورضا الرب جل ذكره وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصا لي وتكرما نحلنيه وإعظاما وتفضيلا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) منحنيه وهو قوله تعالى منحنيه وهو قوله تعالى: " ثم ردوا إلى الله موليهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين " في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع فطال لها الاستماع ولئن تقمصها دوني الاشقيان ونازعاني فيما ليس لهما بحق وركباها ضلالة واعتقداها جهاله فلبئس ما عليه وردا ولبئس ما لانفسهما مهدا، يتلاعنان في دورهما ويتبرأ كل واحد منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا إلتقيا: ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين، فيحيبة الاشقى على رثوثة: يا ليتني لم أتخذك خليلا، لقد اضللتني عن الذكر بعد إذ جاء ني وكان الشيطان للانسان خذولا، فأنا الذكر الذي عنه ضل والسبيل الذي عنه مال والايمان الذي به كفر والقرآن الذي إياه هجر والدين الذي به كذب والصراط الذي عنه نكب، ولئن رتعا في الحطام المنصرم والغرور المنقطع وكانا منه على شفا حفرة من النار لهما على شر ورود، في أخيب وفود وألعن مورود، يتصارخان باللعنة ويتناعقان بالحسرة، مالهما من راحة ولا عن عذابهما من مندوحة، إن القوم لم يزالوا عباد أصنام وسدنة أوثان، يقيمون لها المناسك و ينصبون لها العتائر ويتخذون لها القربان ويجعلون لها البحيرة والوصيلة والسائبة والحام ويستقسمون بالازلام عامهين عن الله عز ذكره حائرين عن الرشاد، مهطعين إلى البعاد، وقد استحوذ عليهم الشيطان، وغمرتهم سوداء الجاهلية ورضعوها جهالة وانفطموها ضلالة فأخرجنا الله إليهم رحمة وأطلعنا عليهم رأفة واسفر بنا عن الحجب نورا لمن اقتبسه وفضلا لمن اتبعه وتأييدا لمن صدقه، فتبوؤوا العز بعد الذلة والكثرة بعد القلة وهابتهم القلوب والابصار وأذعنت لهم الجبابرة وطوائفها وصاروا أهل نعمة مذكورة وكرامة ميسورة وأمن بعد خوف وجمع بعد كوف وأضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان وأولجناهم باب الهدى وأدخلناهم دار السلام وأشملناهم ثوب الايمان وفلجوا بنا في العالمين وابدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين من حام مجاهد ومصل قانت ومعتكف زاهد، يظهرون الامانة ويأتون المثابة حتى إذا دعا الله عزوجل نبيه (صلى الله عليه وآله) ورفعه إليه لم يك ذلك بعده إلا كلمحة من خفقة أو وميض من برقة إلى أن رجعوا على الاعقاب وانتكصوا على الادبار وطلبوا بالاوتار وأظهروا الكتائب وردموا الباب وفلوا الديار وغيروا آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورغبوا عن أحكامه وبعدوامن أنواره واستبدلوا بسمتخلفه بديلا اتخذوه وكانوا ظالمين وزعموا أن من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممن اختار رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمقامه وأن مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري الانصاري الرباني ناموس هاشم بن عبد مناف، ألا وإن أول شهادة زور وقعت في الاسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك وقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مضى ولم يستخلف فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) الطيب المبارك أول مشهود عليه بالزور في الاسلام وعن قليل يجدون غب ما أسسه الاولون ولئن كانوا في مندوحة من المهل وشفاء من الاجل وسعة من المنقلب واستدراج من الغرور وسكون من الحال وإدراك من الامل فقد أمهل الله عز و جل شداد بن عاد وثمود بن عبود وبلعم بن باعور وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة وأمدهم بالاموال والاعمار وأتتهم الارض ببركاتها ليذكروا آلاء الله وليعرفوا الاهابة له والانابة إليه ولينتهوا عن الاستكبار فما بلغوا المدة واستتموا الاكلة أخذهم الله عزوجل واصطلمهم فمنهم من حصب ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من أحرقته الظلة ومنهم من أودته الرجفة ومنهم من أردته الخسفة " وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " ألا وإن لكل كتابا فإذا بلغ الكتاب أجله لو كشف لك عما هوى إليه الظالمون وآل إليه الاخسرون لهربت إلى الله عزوجل مما هم عليه مقيمون وإليه صائرون، ألا وإني فيكم أيها الناس كهارون في آل فرعون وكباب حطة في بني إسرائيل وكسفينة نوح في قوم نوح، إني النبأ العظيم والصديق والاكبر وعن قليل ستعلمون ما توعدون وهل هي إلا كلعقة الآكل ومذقة الشارب وخفقة الوسنان، ثم تلزمهم المعرات خزيا في الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون فما جزاء من تنكب محجته؟ وأنكر حجته، وخالف هداته وحاد عن نوره واقتحم في ظلمه واستبدل بالماء السراب وبالنعيم العذاب وبالفوز الشقاء وبالسراء الضراء وبالسعة الضنك، إلا جزاء اقترفه وسوء خلافه فليوقنوا بالوعد على حقيقته وليستيقنوا بما يوعدون، " يوم تأتي الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج. إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير. يوم تشقق الارض عنهم سراعا إلى آخر السورة.

الروضة من الكافي - ج ٨ - الصفحة ١٨. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
أحمد بن محمد الكوفي، عن جعفر بن عبدالله المحمدي، عن أبي روح فرج بن قرة، عن جعفر بن عبدالله، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله عليه السلام قال

خطب أمير المؤمنين عليه السلام بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل ورخاء ولم يجبر كسر عظم من الامم إلا بعد أزل وبلاء، أيها الناس في دون ما استقبلتم من عطب واستدبرتم من خطب معتبر وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر عين ببصير، عباد الله! أحسنوا فيما يعنيكم النظر فيه، ثم انظرواإلى عرصات من قد أقاده الله بعلمه، كانوا على سنة من آل فرعون أهل جنات وعيون وزرع ومقام كريم، ثم انظروا بما ختم الله لهم بعد النضرة والسرور والامر والنهي ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان والله مخلدون ولله عاقبة الامور. فيا عجبا وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي ولا يؤمنون بغيب ولا يعفون عن عيب، المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا وكل امرئ منهم إمام نفسه، آخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات فلا يزالون بجور ولن يزدادوا إلا خطأ، لاينالون تقربا ولن يزدادوا إلا بعدا من الله عزوجل، انس بعضهم ببعض وتصديق بعضهم لبعض كل ذلك وحشة مما ورث النبي الامى (صلى الله عليه وآله) ونفورا مما أدى إليهم من أخبار فاطر السماوات والارض أهل حسرات وكهوف شبهات وأهل عشوات وضلالة وريبة، من وكله الله إلى نفسه ورايه فهو مأمون عند من يجهله، غير المتهم عند من لا يعرفه، فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها وواأسفا من فعلات شيعتي من بعد قرب مودتها اليوم كيف يستذل بعدي بعضها بعضا وكيف يقتل بعضها بعضا، المتشتة غدا عن الاصل النازلة بالفرع، المؤملة الفتح من غير جهته، كل حزب منهم آخذ [منه] بغصن، أينما مال الغصن مال معه، مع أن الله - وله الحمد سيجمع هؤلاء لشر يوم لبني امية كما يجمع قزع الخريف يؤلف الله بينهم، ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب، ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين سيل العرم حيث بعث عليه فارة فلم يثبت عليه أكمة ولم يرد سننه رض طود يذعذعهم الله في بطون أودية ثم يسلكهم ينابيع في الارض يأخذ بهم من قوم حقوق قوم ويمكن بهم قوما قي ديار قوم تشريدا لبني امية ولكيلا يغتصبوا ما غصبوا، يضعضع الله بهم ركنا وينقض بهم طي الجنادل من إرم ويملا منهم بطنان الزيتون فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليكونن ذلك وكأني أسمع صهيل خيلهم وطمطمة رجالهم وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو و التمكين في البلاد كما تذوب الالية على النار من مات منهم مات ضالا وإلى الله عزوجل يفضي منهم من درج ويتوب الله عزوجل على من تاب ولعل الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء وليس لاحد على الله عز ذكره الخيرة بل لله الخيرة والامر جميعا. أيها الناس إن المنتحلين للامامة من غير أهلها كثير ولو لم تتخاذلوا عن مر الحق ولم تهنوا عن توهين الباطل لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم ولم يقو من قوي عليكم وعلى هضم الطاعة وإزوائها عن أهلها لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى [بن عمران] عليه السلام ولعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو اسرائيل ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني امية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة وأحييتم الباطل وخلفتم الحق وراء ظهوركم وقطعتم الادنى من أهل بدر ووصلتم الابعد من أبناء الحرب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم لدنا التمحيص للجزاء وقرب الوعد وانقضت المدة وبدا لكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق ولاح لكم القمر المنير، فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول (صلى الله عليه وآله) فتداويتم من العمى والصم والبكم وكفيتم مؤونة الطلب والتعسف ونبذتم الثقل الفادح عن الاعناق ولا يبعد الله إلا من أبى وظلم واعتسف وأخذ ماليس له " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ".

الروضة من الكافي - ج ٨ - الصفحة ٦٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الحسين بن محمد الاشعري، عن محمد بن إسحاق الاشعري، عن بكر بن محمد الازدي قال: قال أبوعبدالله عليه السلام: حم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأتاه جبرئيل عليه السلام فعوذه فقال

بسم الله أرقيك يا محمد، وبسم الله أشفيك وبسم الله من كل داء يعييك، بسم الله والله شافيك، بسم الله خذها فلتهنيك، بسم الله الرحمن الرحيم فلا أقسم بمواقع النجوم لتبرأن بإذن الله، قال بكر: وسألته عن رقية الحمى فحدثني بهذا.

الروضة من الكافي - ج ٨ - الصفحة ١٠٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم

أحمد بن محمد، عن سعد بن المنذر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن أبيه قال: خطب أمير المؤمنين عليه السلام - ورواها غيره بغير هذا الاسناد وذكر أنه خطب بذي قار - فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالحق ليخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته، ومن عهود عباده إلى عهوده ومن طاعة عباده إلى طاعته، ومن ولاية عباده إلى ولايته، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، عودا وبدء ا وعذرا ونذرا، بحكم قد فصله وتفصيل قد أحكمه وفرقان قد فرقه وقرآن قد بينه ليعلم العباد ربهم إذ جلهوه وليقروا به إذ جحدوه وليثبتوه بعد إذ أنكروه فتجلى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه، فأراهم حلمه كيف حلم و أراهم عفوه كيف عفا وأراهم قدرته كيف قدر، وخوفهم من سطوته وكيف خلق ما خلق من الآيات وكيف محق من محق من العصاة بالمثلات واحتصد من احتصد بالنقمات وكيف رزق وهدى وأعطا، وأراهم حكمه كيف حكم وصبر حتى يسمع ما يسمع ويرى. فبعث الله عزوجل محمدا (صلى الله عليه وآله) بذلك ثم إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شئ أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ولا سلعة أنفق بيعا ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرف عن مواضعه وليس في العباد ولا في البلاد شئ هو أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر وليس فيها فاحشة أنكر ولا عقوبة أنكى من الهدى عند الضلال في ذلك الزمان فقد نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته حتى تمالت بهم الاهواء وتوارثوا ذلك من الآباء وعملوا بتحريف الكتاب كذبا وتكذيبا فباعوه بالبخس وكانوا فيه من الزاهدين، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان طريدان منفيان وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يأويهما مؤو، فحبذا ذانك الصاحبان واها لهما ولما يعملان له، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان في الناس وليسوا فيهم ومعهم وليسوا معهم وذلك لان الضلالة لا توافق الهدى وان اجتمعا، وقد اجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة، قد ولوا أمرهم وأمر دينهم من يعمل فيهم بالمكر والمنكر والرشا والقتل كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، لم يبق عندهم من الحق إلا اسمه ولم يعرفوا من الكتاب إلا خطه وزبره، يدخل الداخل لما يسمع من حكم القرآن فلا يطمئن جالسا حتى يخرج من الدين ينتقل من دين ملك إلى دين ملك، ومن ولاية ملك إلى ولاية ملك، ومن طاعة ملك إلى طاعة ملك، ومن عهود ملك إلى عهود ملك، فاستدرجهم الله تعالى من حيث لا يعلمون وإن كيده متين بالامل والرجاء حتى توالدوا في المعصية ودانوا بالجور والكتاب لم يضرب عن شئ منه صفحا ضلالا تائهين، قد دانوا بغير دين الله عزوجل وأدانوا لغير الله. مساجدهم في ذلك الزمان عامرة من الضلالة، خربة من الهدى [قد بدل فيها من الهدى] فقراؤها وعمارها أخائب خلق الله وخليقته، من عندهم جرت الضلالة وإليهم تعود، فحضور مساجدهم والمشي إليها كفر بالله العظيم إلا من مشى إليها وهو عارف بضلالهم فصارت مساجدهم من فعالهم على ذلك النحو خربة من الهدى عامرة من الضلالة قد بدلت سنة الله وتعديت حدوده ولا يدعون إلى الهدى ولا يقسمون الفئ ولا يوفون بذمة، يدعون القتيل منهم على ذلك شهيدا قد أتوا الله بالافتراء و الجحود واستغنوا بالجهل عن العلم ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة وسموا صدقهم على الله فرية وجعلوا في الحسنة العقوبة السيئة وقد بعث الله عزوجل إليكم رسولا من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم (صلى الله عليه وآله) وأنزل عليه كتابا عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قرآنا عربيا غير ذي عوج لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فلا يلهينكم الامل ولا يطولن عليكم الاجل، فإنما أهلك من كان قبلكم أمد أملهم وتغطية الآجال عنهم حتى نزل بهم الموعود الذي ترد عنه المعذرة وترفع عنه التوبة وتحل معه القارعة والنقمة وقد أبلغ الله عزوجل إليكم بالوعد وفصل لكم القول و علمكم السنة وشرح لكم المناهج ليزيح العلة وحث على الذكر ودل على النجاة وإنه من انتصح لله واتخذ قوله دليلا هداه للتي هي أقوم ووفقه للرشاد وسدده ويسره للحسنى، فإن جار الله آمن محفوظ وعدوه خائف مغرور، فاحترسوا من الله عزوجل بكثرة الذكر واخشوا منه بالتقى وتقربوا إليه بالطاعة فإنه قريب مجيب قال الله عزوجل: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون " فاستجيبوا لله وآمنوابه وعظموا الله الذي لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمة الله أن يتواضعوا له وعز الذين يعلمون ما جلال الله أن يذلوا له وسلامة الذين يعلمون ما قدره الله أن يستسلموا له، فلا ينكرون أنفسهم بعد حد المعرفة ولا يضلون بعد الهدى، فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الاجرب والبارئ من ذي السقم. واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ولم تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه، ولن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى، ولن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي تعدى، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلف ورأيتم الفرية على الله وعلى رسوله والتحريف لكتابه ورأيتم كيف هدى الله من هدى فلا يجهلنكم الذين لا يعلمون، إن علم القرآن ليس يعلم ما هو إلا من ذاق طعمه، فعلم بالعلم جهله وبصربه عماه وسمع به صممه وأدرك به علم ما فات وحيي به بعد إذ مات وأثبت عند الله عز ذكره الحسنات ومحى به السيئات وأدرك به رضوانا من الله تبارك وتعالى فاطلبوا ذلك من عند أهله خاصة فإنهم خاصة نور يستضاء به وأئمة يقتدى بهم وهو عيش العلم وموت الجهل هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم وظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون الذين ولا يختلفون فيه فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق فهم من شأنهم شهداء بالحق ومخبر صادق لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، قد خلت لهم من الله السابقة ومضى فيهم من الله عزوجل حكم صادق وفي ذلك ذكرى للذاكرين فاعقلوا الحق إذا سمعتموه عقل رعاية ولا تعقلوه عقل رواية فإن رواة الكتاب كثير ورعاته قليل والله المستعان.

الروضة من الكافي - ج ٨ - الصفحة ٣٨٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
ذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد و أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل خطب عليه السلام قال

وا ليس في إضافته انتقاص من قدره لجريان العادة به قلنا قد كان ألقاب أجمل من هذا كما جرت عادة من يراد تعظيمه. قالوا ليس في تقميصها دليل ظلمه قلنا بلى لورود ذلك في معرض ذمة و اعتضاده بقرائن أخر من كلامه و في خرائج الراوندي أتى إليه عليه السلام أعرابي يتظلم فقال أنا أعظم ظلامة منك ظلمت المدر و الوبر و لم يبق بيت من العرب إلا و قد دخلت مظلمتي عليهم و ما زلت مظلوما حتى قعدت مقعدي هذا و في خطبة أخرى لقد تقمصها دوني الأشقيان و نازعاني فيها فيما ليس لهما بحق و ركباها ضلالة و اعتقداها جهالة لبئس ما وردا و لبئس ما لأنفسهما مهدا يتلاعنان في مقيلهما إذ يتبرأ كل منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا التقيا يا [وَيْلَتى] لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا

الصراط المستقيم إلى مستحقي التقديم - ج ٣ - الصفحة ٤١. — الإمام العسكري عليه السلام

علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمربن اذينة، عن زرارة، عن عبدالكريم بن عتبة الهاشمي قال: كنت قاعدا عند أبي عبدالله (عليه السلام) بمكة إذ دخل عليه اناس من المعتزلة فيهم عمروبن عبيد وواصل بن عطاء وحفص بن سالم مولى ابن هبيرة وناس من رؤسائهم وذلك حدثان قتل الوليد واختلاف أهل الشام بينهم فتكلموا وأكثروا و خطبوا فأطالوا فقال لهم أبوعبدالله (عليه السلام): إنكم قد أكثرتم علي فأسندوا أمركم إلى رجل منكم وليتكلم بحججكم ويوجز، فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد، فتكلم فأبلغ وأطال، فكان فيما قال أن قال: قد قتل أهل الشام خليفتهم وضرب الله عزوجل بعضهم ببعض وشتت الله أمرهم فنظرنا فوجدنا رجلا له دين وعقل ومروة وموضع ومعدن للخلافة وهو محمد بن عبدالله بن الحسن فأردنا أن نجتمع عليه فنبايعه ثم نظهر معه فمن كان بايعنا فهو منا وكنا منه ومن اعتزلنا كففنا عنه ومن نصب لنا جاهدناه ونصبنا له على بغيه ورده إلى الحق وأهله وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك فتدخل معنا فانه لاغنى بنا عن مثلك لموضعك وكثرة شيعتك، فلما فرغ قال أبوعبدالله (عليه السلام): أكلكم على مثل ما قال عمرو؟ قالوا: نعم فحمدالله وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله على واله ثم قال: إنما نسخط إذا عصي الله فأما إذا اطيع رضينا، أخبرني يا عمرو لو أن الامة قلدتك أمرها وولتك بغير قتال ولا مؤونه وقيل لك: ولها من شئت من كنت توليها؟ قال: كنت أجعلها شورى بين المسلمين قال: بين المسلمين كلهم؟ قال: نعم، قال: بين فقهائهم وخيارهم؟ قال: نعم، قال: قريش وغيرهم؟ قال: نعم، قال: والعرب والعجم؟ قال: نعم، قال: أخبرني ياعمرو أتتولى أبابكر وعمر أو تتبرء منهما؟ قال: أتولاهما، فقال: فقد خالفتهما ما تقولون أنتم تتولونهما أو تتبرؤون منهما، قالوا: نتو لاهما. قال: يا عمرو إن كنت رجلا تتبرء منهما فإنه يجوز لك الخلاف عليهما وإن كنت تتولا هما فقد خالفتهما قد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه ولم يشاور فيه أحدا ثم ردها أبوبكر عليه ولم يشاور فيه أحدا ثم جعلها عمر شورى بين ستة وأخرج منها جميع المهاجرين والانصار غير اولئك الستة من قريش وأوصى فيهم شيئا لا أراك ترضى به أنت ولاأصحابك إذ جعلتها شورى بين جميع المسلمين، قال: وما صنع؟ قال: أمرصهيبا أن يصلي بالناس ثلاثة أيام وأن يشاور أولئك الستة ليس معهم أحد ابن عمر يشاورونه وليس له من الامر شئ وأوصى من بحضرته من المهاجرين والانصار إن مضت ثلاثة أيام قبل أن يفرغوا أو يبايعوا رجلا أن يضربوا أعناق اولئك الستة جميعا فإن اجتمع أربعة قبل أن تمضي ثلاثة أيام وخالف اثنان أن يضربوا أعناق الاثنين أفترضون بهذا أنتم فيما تجعلون من الشورى في جماعة من المسلمين قالوا: لا. ثم قال: يا عمرو دع ذا أرأيت لوبايعت صاحبك الذي تدعوني إلى بيعته ثم أجتمعت لكم الامة فلم يختلف عليكم رجلان فيها فأفضتم إلى المشركين الذين لايسلمون ولا يؤدون الجزية أكان عندكم وعند صاحبكم من العلم ماتسيرون بسيرة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في المشركين في حروبه؟ قال: نعم، قال: فتصنع ماذا؟ قال: ندعوهم إلى الاسلام فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية. قال: وإن كانوا مجوسا ليسوا بأهل الكتاب؟ قال: سواء، قال: وإن كانوا مشركي العرب وعبدة الاوثان؟ قال: سواء، قال: أخبرني عن القرآن تقرؤه؟ قال: نعم، قال: اقرأ " قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ماحرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " فاستثناء الله عزوجل واشتراطه من الذين اوتوا الكتاب فهم والذين لم يؤتوا الكتاب سواء؟ قال: نعم، قال عمن أخذت ذا؟ قال: سمعت الناس يقولون، قال: فدع ذا، فإن هم أبوا الجزية فقاتلتهم فظهرت عليهم كيف تصنع بالغنيمة؟ قال: اخرج الخمس واقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه. قال: أخبرني عن الخمس من تعطيه؟ قال: حيثما سمى الله، قال: فقرأ " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " قال: الذي للرسول من تعطيه؟ ومن ذوالقربى قال: قد اختلف فيه الفقهاء فقال بعضهم: قرابة النبي (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته، وقال بعضهم: الخليفة، وقال بعضهم: قرابة الذين قاتلوا عليه من المسلمين، قال: فأي ذلك تقول أنت؟ قال: لا أدري، قال: فأراك لاتدري فدع ذا. ثم قال: أرأيت الاربعة أخماس تقسمها بين جميع من قاتل عليها؟ قال: نعم، قال: فقد خالفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في سيرته بيني وبينك فقهاء أهل المدينة ومشيختهم فاسألهم فإنهم لا يختلفون ولا يتنازعون في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنما صالح الاعراب على أن يدعهم في ديارهم ولا يهاجروا على إن دهمه من عدوه دهم أن يستنفرهم فيقاتل بهم وليس لهم في الغنيمة نصيب وأنت تقول بين جميعهم فقد خالفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل ما قلت في سيرته في المشركين ومع هذا ما تقول في الصدقة؟ فقرأ عليه الآية: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها.. إلى آخر الآية " قال: نعم، فكيف تقسمها؟ قال: اقسمها على ثمانية أجزاء فاعطي كل جزء من الثمانية جزء ا، قال: وإن كان صنف منهم عشرة آلاف وصنف منهم رجلا واحدا أو رجلين أو ثلاثة جعلت لهذا الواحد مثل ما جعلت للعشرة آلاف؟ قال: نعم، قال: وتجمع صدقات أهل الحضر وأهل البوادي فتجعلهم فيها سواء؟ قال: نعم، قال: فقد خالفت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كل ماقلت في سيرته، كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر ولا يقسمه بينهم بالسوية وإنما يقسمه على قدر ما يحضره منهم وما يرى وليس عليه في ذلك شئ موقت موظف وإنما يصنع ذلك بما يرى على قدر من يحضره منهم فإن كان في نفسك مما قلت شئ فالق فقهاء أهل المدينة فإنهم لايختلفون في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كذا كان يصنع. ثم أقبل على عمروبن عبيد فقال له: اتق الله وأنتم أيها الرهط فاتقوا الله فإن أبي حدثني وكان خير أهل الارض وأعلمهم بكتاب الله عزوجل وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله): أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من ضرب الناس بسيفه ودعا هم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضال متكلف.

الفروع من الكافي - ج ٥ - الصفحة ٢٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
639، 13 - 1 - علي بن إبراهيم، عن ابيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، وصفوان بن يحيى جميعا، عن عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الحميل فقال

وأي شئ الحميل؟ قال: قلت: المراة تسبى من اهلها معها الولد الصغير فتقول: هذا ابني والرجل يسبى فيلقى أخاه فيقول: هو اخي وليس لهم بينة إلا قولهم قال: فقال: فما يقول فيهم الناس عندكم، قلت: لا يورثونهم لانه لم يكن لهم على ولادتهم بينة وإنما هي ولادة الشرك، فقال: سبحان الله إذا جاءت بابنها أو ابنتها ولم تزل مقرة به و إذا عرف أخاه وكان ذلك في صحة منهما ولم يزالا مقرين بذلك ورث بعضهم من بعض. 640، 13 - 2 ابوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن محمد بن إسماعيل، عن علي بن النعمان، عن سعيد الاعرج، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجلين حميلين جئ بهما من أرض الشرك فقال أحدهما لصاحبه: أنت أخي فعرفا بذلك ثم اعتقا ومكثا مقرين بالاخاء ثم إن أحدهما مات؟ فقال: الميراث للاخ يصدقان. 641، 13 - 3 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن عبدالرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الحميل فقال: وأي شئ الحميل؟ فقلت: المرأة تسبى من أرضها ومعها الولد الصغير فتقول: هو ابني والرجل يسبى فيلقى أخاه فيقول: [هو] أخي ويتعارفان وليس لهما على ذلك بينة إلا قولهما فقال: ما يقول من قبلكم؟ قلت: لا يورثونهم لانهم لم يكن لهم على ذلك بينة إنما كانت ولادة في الشرك، قال: سبحان الله إذا جاءت بابنها أو ابنتها معها ولم تزل به مقرة وإذا عرف أخاه وكان ذلك في صحة من عقلهما ولا يزالان مقرين بذلك ورثه بعضهم من بعض. قال الفضل بن شاذان: إن مات رجل وترك ابنتين وابنين فأقر أحدهم بأخ آخر فإنه إنما أقر على نفسه وعلى غيره وإنما يجوز إقراره على نفسه ولا يجوز إقراره على غيره ولا على إخوته وأخواته فيلزمه في حصته للاخ الذي أقر به نصف سدس جميع المال. وإن ترك ثلاث بنات فأقرت إحديهن باخت ردت على التي اقرت لها ربع ما في يديها. وإن ترك أربع بنات وأقرت واحدة منهن بأخ ردت على الذي أقرت له ثلث ما في يديها وهو نصف سدس المال. وإن ترك ابنين فادعى أحدهما أخا وأنكر الاخر فإنه يرد هذا المقر على الذي ادعاه ثلث ما في يديه وإن مات أحدهما لم يورثا لان الدعوى إنما كان على أبيه ولم يثبت نسب المدعي بدعوى هذاعلى أبيه. 642، 13 - 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن زكريا بن يحيى، عن الشعيري، عن الحكم بن عتيبة قال: كنا على باب أبي جعفر (عليه السلام) ونحن جماعة ننتظره أن يخرج إذ جاءت امرأة فقالت: أيكم أبوجعفر؟ فقال لها القوم: ما تريدين منه؟ قالت: اريد أن أسأله عن مسألة فقالوا لها: هذا فقيه أهل العراق فسليه، فقالت: إن زوجي مات وترك ألف درهم وكان لي عليه من صداقي خمسمائة درهم فأخذت صداقي وأخذت ميراثي ثم جاء رجل فادعى عليه ألف درهم فشهدت له، فقال الحكم: فبينا أنا أحسب ما يصيبها إذ خرج أبوجعفر (عليه السلام) فقال: ما هذا الذي أراك تحرك به أصابعك يا حكم؟ فأخبرته بمقالة المرأة وما سألت عنه فقال أبوجعفر (عليه السلام): أقرت بثلث ما في يديها ولا ميراث لها. قال الحكم: فوالله ما رأيت احدا أفهم من أبي جعفر (عليه السلام) قال الفضل بن شاذان: وتفسير ذلك أن الذي على الزوج صار الفا وخمسمائة درهم للرجل ألف ولها خمسمائة درهم هو ثلث الدين وإنما جاز إقرارها في حصتها فلها مما ترك الميت الثلث وللرجل الثلثان فصار لها مما في يديها الثلث ويرد الثلثان على الرجل والدين استغرق المال كله فلم يبق شئ يكون لها من ذلك الميراث ولا يجوز إقرارها على غيرها. 643، 13 - 2 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن محمد بن أبي حمزة، وحسين بن عثمان، عن إسحاق بن عمار، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في رجل مات وأقر بعض ورثته لرجل بدين، قال: يلزمه ذلك في حصته. باب 644، 13 - 1 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن مروك بن عبيد، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: دخلت عليه وسلمت وقلت: جعلت فداك ما تقول في رجل مات وليس له وارث إلا أخ له من الرضاعة يرثه قال: نعم أخبرني أبي عن جدي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من شرب من لبننا أو أرضع لنا ولدا فنحن آباؤه. 645، 13 - 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من مات وترك دينا فعلينا دينه وإلينا عياله ومن مات وترك مالا فلورثته ومن مات وليس له موالي فماله من الانفال. 646، 13 - 2 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد جميعا، عن ابن محبوب، عن العلاء، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: من مات وليس له وارث من قرابته ولا مولى عتاقه قد ضمن جريرته فماله من الانفال. 647، 13 - 3 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الاول (عليه السلام) قال: الامام وارث من لا وارث له. 648، 13 - 4 أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن صفوان بن يحيى، عن ابن مسكان، عن محمد الحلبي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في قول الله تبارك وتعالى: " يسألونك عن الانفال " قال: من مات وليس له مولى فماله من الانفال. 649، 13 - 1 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن داود، عمن ذكره، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: مات رجل على عهد أميرالمؤمنين (عليه السلام) لم يكن له وارث فدفع أميرالمؤمنين (عليه السلام) ميراثه إلى همشهريجه. 0 65، 13 - 2 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن خلاد السندي، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: كان علي (عليه السلام) يقول في الرجل يموت ويترك مالا وليس له أحد اعط الميراث همشاريجه 1 65، 13 - 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، ومحمد بن مسلم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قال النبى (صلى الله عليه وآله): الولاء لمن أعتق. 652، 13 - 2 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث بريرة أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعائشة: اعتقي فإن الولاء لمن أعتق. 653، 13 - 3 أبوعلي ألاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عيص بن القاسم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قالت عائشة لرسول الله (صلى الله عليه وآله): إن أهل بريرة اشترطوا ولاؤها؟ فقال رسول الله: الولاء لمن أعتق. 654، 13 - 4 صفوان، عن العيص بن القاسم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اشترى عبدا له أولاد من امرأة حرة فأعتقه قال: ولاء ولده لمن أعتقه. 655، 13 - 5 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبدالله (عليه السلام) في امرأة أعتقت رجلا لمن ولاؤه ولمن ميراثه؟ قال: للذي أعتقه إلا أن يكون له وارث غيرها. 6 65، 13 - 6 حميد بن زياد، عن الحسن بن محمد، عن صفوان، عن عبدالرحمن بن الحجاج، عمن حدثه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: مات مولى لحمزة بن عبدالمطلب فدفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ميراثه إلى ابنة حمزة. قال الحسن: فهذه الرواية تدل على انه لم يكن للمولى ابنة كما تروي العامة وأن المرأة أيضا ترث الولاء ليس كما تروي العامة. 657، 13 - 1 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن عمر بن يزيد قال: سألت ابا عبدالله (عليه السلام) عن رجل أراد أن يعتق مملوكا له وقد كان مولاه يأخذ منه ضريبة فرضها عليه في كل سنة ورضي بذلك منه المولى ورضي المملوك بذلك فأصاب المملوك في تجارته مالا سوى ما كان يعطي مولاه من الضريبة قال: فقال: إذا أدى إلى سيده ما كان فرض عليه فما اكتسبه بعد الفريضة فهو للمملوك، قال: ثم قال ابوعبدالله (عليه السلام): اليس قد فرض الله على العباد فرائض فإذا أدوها إليه لم يسألهم عما سواها؟ فقلت له: فللمملوك أن يتصدق مما اكتسب ويعتق بعد الفريضة التي كان يؤديها إلى سيده؟ قال: نعم وأجر ذلك له، قلت: فإذا أعتق مملوكا مما كان اكتسب سوى الفريضة لمن يكون ولاء المعتق؟ قال: يذهب فيوالي من أحب فإذا ضمن جريرته وعقله كان مولاه وورثه، قلت: أليس قد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الولاء لمن أعتق؟ قال: هذا سائبة لا يكون ولاؤه لعبد مثله قلت: فإن ضمن العبد الذي أعتقه جريرته وحدثه أيلزمه ذلك ويكون مولاه ويرثه؟ قال: لا يجوز ذلك ولا يرث عبد حرا. 658، 13 - 2 ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن عمار بن أبي الاحوص قال: سالت أبا جعفر (عليه السلام) عن السائبة فقال: انظروا في القرآن فما كان فيه " فتحرير رقبة " فتلك يا عمار السائبة التي لا ولاء لاحد عليها إلا الله فما كان ولاؤه لله فهو لرسوله وما كان ولاؤه لرسول الله (صلى الله عليه وآله) فإن ولاء ه للامام وجنايته على الامام وميراثه له. 659، 13 - 3 علي بن إبراهيم، عن ابيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: إذا والى الرجل الرجل فله ميراثه وعليه معقلته. 660، 13 - 4 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن حماد بن عيسى عن شعيب العقرقوفي، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه سئل عن المملوك يعتق سائبة قال: يتولى من شاء وعلى من يتولى جريرته وله ميراثه، قلنا له: فإن سكت حتى يموت ولم يتوال أحدا؟ قال: يجعل ماله في بيت مال المسلمين. 661، 13 - 5 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، ومحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، وعلي ابن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: من أعتق رجلا سائبة فليس عليه من جريرته شئ وليس له من ميراثه شئ وليشهد على ذلك. 2 66، 13 - 6 ابن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع قال: سئل أبو عبدالله (عليه السلام) عن السائبة فقال: هو الرجل يعتق غلامه ثم يقول له: إذهب حيث شئت ليس لي من ميراثك شي ولا علي من جريرتك شئ ويشهد على ذلك شاهدين. 2 66، 13 - 7 ابن محبوب، عن أبي أيوب، عن بريد بن معاوية العجلي قال، سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل كان عليه عتق رقبة فمات من قبل أن يعتق رقبة، فانطلق ابنه فابتاع رجلا من كسبه فأعتقه عن أبيه وأن المعتق أصاب بعد ذلك مالا ثم مات وتركه لمن يكون ميراثه؟ قال: فقال: إن كانت الرقبة التي على أبيه في ظهار أو شكر أو واجبة عليه فإن المعتق سائبة لا سبيل لاحد عليه، وإن كان توالى قبل أن يموت إلى أحد من المسلمين فضمن جنايته وحدثه كان مولاه ووارثه إن لم يكن قريب يرثه، قال: وإن لم يكن توالى إلى أحد من المسلمين حتى مات فإن ميراثه لامام المسلمين إن لم يكن له قريب يرثه، قال: وإن كانت الرقبة على أبيه تطوعا وقد كان أبوه أمره أن يعتق عنه نسمة فإن ولاء المعتق هو ميراث لجميع ولد الميت من الرجال، قال: ويكون الذي اشتراه واعتقه بأمر أبيه كواحد من الورثة إذا لم يكن للمعتق قرابة من المسلمين أحرار يرثونه، قال: وإن كان ابنه الذي اشترى الرقبة فأعتقها عن أبيه من ماله بعد موت أبيه تطوعا منه من غير أن يكون أبوه أمره بذلك فإن ولاء ه وميراثه للذي اشتراه من ماله فأعتق عن أبيه إذا لم يكن للمعتق وارث من قرابته. 4 66، 13 - 8 علي بن إبراهيم [عن أبيه]، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن مملوك اعتق سائبة قال: يتولى من شاء وعلى من تولاه جريرته وله ميراثه، قلت: فإن سكت حتى يموت؟ قال: يجعل ماله في بيت مال المسلمين. 665، 13 - 9 محمد بن يحيى، وغيره، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن عبدالحميد، عن هشام بن سالم، عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن نكل بمملوكه أنه حر لا سبيل له عليه سائبة يذهب فيتولى إلى من أحب فإذا ضمن جريرته فهو يرثه.

الفروع من الكافي - ج ٧ - الصفحة ١٦٥. — غير محدد

[ بنا ]، وتظاهر الأعداء [ علينا ]، وكثرة عدوّنا، وقلّة عددنا. اللهمّ فافرج ذلك بفتح منك تعجّله، ونصر منك تعزّه، وامام عدل تُظهره اله الحقّ [ آمين ] ربّ العالمين. اللهمّ إنّا نسألك أن تأذن لوليّك في اظهار عدلك في عبادك، وقتل أعدائك في بلادك حتّى لا تدع للجور يا ربّ دعامة الّا قصمتها ولا بنيّة الّا أفنيتها، ولا قوّة الّا أوهنتها، ولا ركناً الّا هددته، ولا حداً الّا فللته، ولا سلاحاً الّا أكللته، ولا راية الّا نكستها، ولا شجاعاً الّا قتلته، ولا جيشاً الّا خذلته، وارمهم يا ربّ بحجرك الدّامغ، واضربهم بسيفك القاطع، وببأسك الذي لا تردّه عن القوم المجرمين، وعذّب أعداءك وأعداء دينك وأعداء رسولك بيد وليّك وأيدي عبادك المؤمنين. اللهمّ اكف وليّك وحجّتك في أرضك هول عدوّه وكِد من كاده، وامكر بمن مكر به، واجعل دائرة السّوء على من أراد به سوءاً، واقطع عنه مادّتهم، وارعب له قلوبهم، وزلزل [ له ] اقدامهم، وخذهم جهرة وبغتة، وشدّد عليهم عذابك، واخزهم في عبادك، والعنهم في بلادك، وأسكنهم أسفل نارك، وأحط بهم أشدّ عذابك، وأصلهم ناراً واحش قبور موتاهم ناراً، وأصلهم حرّ نارك، فانّهم أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات وأضلّوا عبادك، [ وأخربوا بلادك ]. اللهمّ وأحي بوليّك القرآن، وأرنا نوره سرمداً لا ظلمة فيه، وأحي به

النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائبعجل الله تعالى فرجه الشريف - ج ٢ - الصفحة ٤٨٠. — غير محدد

وَقَفْتُ عَلَى كِتَابٍ فِيهِ خُطَبٌ لِمَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع وَ عَلَيْهِ خَطُّ السَّيِّدِ رَضِيِّ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاوُسٍ مَا صُورَتُهُ هَذَا الْكِتَابُ ذَكَرَ كَاتِبُهُ رَجُلَيْنِ بَعْدَ الصَّادِقِ ع فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَارِيخُ كِتَابَتِهِ بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ مِنَ الْهِجْرَةِ لِأَنَّهُ ع انْتَقَلَ بَعْدَ سَنَةِ مِائَةٍ وَ أَرْبَعِينَ مِنَ الْهِجْرَةِ. وَ قَدْ رَوَى بَعْضَ مَا فِيهِ عَنْ أَبِي رَوْحٍ فَرَجِ بْنِ فَرْوَةَ، عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع، وَ بَعْضَ مَا فِيهِ عَنْ غَيْرِهِمَا، ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ خُطْبَةً لِمَوْلَانَا أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع تُسَمَّى الْمَخْزُونَ وَ هِيَ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الْأَحَدِ الْمَحْمُودِ، الَّذِي تَوَحَّدَ بِمُلْكِهِ، وَ عَلَا بِقُدْرَتِهِ، أَحْمَدُهُ عَلَى مَا عَرَّفَ مِنْ سَبِيلِهِ، وَ أَلْهَمَ مِنْ طَاعَتِهِ، وَ عَلَّمَ مِنْ مَكْنُونِ حِكْمَتِهِ، فَإِنَّهُ مَحْمُودٌ بِكُلِّ مَا يُولِي، مَشْكُورٌ بِكُلِّ مَا يُبْلِي. وَ أَشْهَدُ أَنَّ قَوْلَهُ عَدْلٌ، وَ حُكْمَهُ فَصْلٌ، وَ لَمْ يَنْطِقْ فِيهِ نَاطِقٌ بِكَانَ إِلَّا كَانَ قَبْلَ كَانَ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم عَبْدُ اللَّهِ وَ سَيِّدُ عِبَادِهِ، خَيْرُ مَنْ أَهَّلَ أَوَّلًا، وَ خَيْرُ مَنْ أَهَّلَ آخِراً، فَكُلَّمَا نَسَجَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَرِيقَيْنِ جَعَلَهُ فِي خَيْرِ الْفَرِيقَيْنِ، لَمْ يُسْهَمْ فِيهِ عَائِرٌ وَ لَا نِكَاحُ جَاهِلِيَّةٍ. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى (قَدْ بَعَثَ إِلَيْكُمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ) فَ- اتَّبِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَ لا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ فَإِنَّ اللَّهَ جَعَلَ لِلْخَيْرِ أَهْلًا، وَ لِلْحَقِّ دَعَائِمَ، وَ لِلطَّاعَةِ عِصَماً يَعْصِمُ بِهِمْ، وَ يُقِيمُ مِنْ حَقِّهِ فِيهِمْ، عَلَى ارْتِضَاءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَ جَعَلَ لَهَا رُعَاةً وَ حَفَظَةً، يَحْفَظُونَهَا بِقُوَّةٍ وَ يُعِينُوا عَلَيْهَا أَوْلِيَاءَ ذَلِكَ بِمَا وُلُّوا مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهَا. أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ رُوحَ الْبَصَرِ رُوحُ الْحَيَاةِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ إِيمَانٌ إِلَّا بِهِ، مَعَ كَلِمَةِ اللَّهِ وَ التَّصْدِيقِ بِهَا، فَالْكَلِمَةُ مِنَ الرُّوحِ وَ الرُّوحُ مِنَ النُّورِ، وَ النُّورُ نُورُ السَّمَاوَاتِ، فَبِأَيْدِيكُمْ سَبَبٌ وَصَلَ إِلَيْكُمْ، مِنْهُ إِيثَارٌ وَ اخْتِيَارٌ، نِعْمَةُ اللَّهِ لَا تَبْلُغُوا شُكْرَهَا، خَصَّصَكُمْ بِهَا، وَ اخْتَصَّكُمْ لَهَا، وَ اخْتَصَّكُمْ لَهَا وَ تِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَ ما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ . فَأَبْشِرُوا بِنَصْرٍ مِنَ اللَّهِ عَاجِلٍ، وَ فَتْحٍ يَسِيرٍ يُقِرُّ اللَّهُ بِهِ أَعْيُنَكُمْ، وَ يَذْهَبُ بِحُزْنِكُمْ، كُفُّوا مَا تَنَاهَى النَّاسُ عَنْكُمْ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَيْكُمْ، إِنَّ لَكُمْ عِنْدَ كُلِّ طَاعَةٍ عَوْناً مِنَ اللَّهِ، يَقُولُ عَلَى الْأَلْسُنِ، وَ يَثْبُتُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ، وَ ذَلِكَ عَوْنُ اللَّهِ لِأَوْلِيَائِهِ يَظْهَرُ فِي خَفِيِّ نِعْمَتِهِ لَطِيفاً، وَ قَدْ أَثْمَرَتْ لِأَهْلِ التَّقْوَى أَغْصَانُ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، وَ إِنَّ فُرْقَاناً مِنَ اللَّهِ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَ أَعْدَائِهِ، فِيهِ شِفَاءٌ لِلصُّدُورِ، وَ ظُهُورٌ لِلنُّورِ، يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ أَهْلَ طَاعَتِهِ، وَ يُذِلُّ بِهِ أَهْلَ مَعْصِيَتِهِ، فَلْيُعِدَّ امْرُؤٌ لِذَلِكَ عُدَّتَهُ، وَ لَا عُدَّةَ لَهُ إِلَّا بِسَبَبِ بَصِيرَةٍ، وَ صِدْقِ نِيَّةٍ، وَ تَسْلِيمٍ سَلَامَةُ أَهْلِ الْخِفَّةِ فِي الطَّاعَةِ ثِقْلُ الْمِيزَانِ، وَ الْمِيزَانُ بِالْحِكْمَةِ، وَ الْحِكْمَةُ ضِيَاءٌ لِلْبَصَرِ، وَ الشَّكُّ وَ الْمَعْصِيَةُ فِي النَّارِ، وَ لَيْسَا مِنَّا وَ لَا لَنَا وَ لَا إِلَيْنَا، قُلُوبُ الْمُؤْمِنِينَ مَطْوِيَّةٌ عَلَى الْإِيمَانِ، إِذَا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ مَا فِيهَا فَتَحَهَا بِالْوَحْيِ، وَ زَرَعَ فِيهَا الْحِكْمَةَ، وَ إِنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ إِنًى يَبْلُغُهُ، لَا يُعَجِّلُ اللَّهُ بِشَيْءٍ حَتَّى يَبْلُغَ إِنَاهُ وَ مُنْتَهَاهُ. فَاسْتَبْشِرُوا بِبُشْرَى مَا بُشِّرْتُمْ بِهِ، وَ اعْتَرِفُوا بِقُرْبَانِ مَا قُرِّبَ لَكُمْ، وَ تَنَجَّزُوا مِنَ اللَّهِ مَا وَعَدَكُمْ، إِنَّ مِنَّا دَعْوَةً خَالِصَةً يُظْهِرُ اللَّهُ بِهَا حُجَّتَهُ الْبَالِغَةَ، وَ يُتِمُّ بِهَا النِّعْمَةَ السَّابِغَةَ، وَ يُعْطِي بِهَا الْكَرَامَةَ الْفَاضِلَةَ، مَنِ اسْتَمْسَكَ بِهَا أَخَذَ بِحِكْمَةٍ مِنْهَا، آتَاكُمُ اللَّهُ رَحْمَتَهُ، وَ مِنْ رَحْمَتِهِ نُورُ الْقُلُوبِ، وَ وَضَعَ عَنْكُمْ أَوْزَارَ الذُّنُوبِ، وَ عَجَّلَ شِفَاءَ صُدُورِكُمْ، وَ صَلَاحَ أُمُورِكُمْ، وَ سَلَامٌ مِنَّا لَكُمْ دَائِماً عَلَيْكُمْ، تَسْلَمُونَ بِهِ فِي دُوَلِ الْأَيَّامِ، وَ قَرَارِ الْأَرْحَامِ، أَيْنَ كُنْتُمْ وَ سَلَامُهُ لِسَلَامِهِ عَلَيْكُمْ، فِي ظَاهِرِهِ وَ بَاطِنِهِ، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ اخْتَارَ لِدِينِهِ أَقْوَاماً انْتَجَبَهُمْ لِلْقِيَامِ عَلَيْهِ، وَ النُّصْرَةِ لَهُ، بِهِمْ ظَهَرَتْ كَلِمَةُ الْإِسْلَامِ وَ أَرْجَاءُ مُفْتَرَضِ الْقُرْآنِ، وَ الْعَمَلِ بِالطَّاعَةِ فِي مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَ مَغَارِبِهَا. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّكُمْ بِالْإِسْلَامِ، وَ اسْتَخْلَصَكُمْ لَهُ، لِأَنَّهُ اسْمُ سَلَامَةٍ، وَ جِمَاعُ كَرَامَةٍ، اصْطَفَى اللَّهُ تَعَالَى مَنْهَجَهُ، وَ بَيَّنَ حُجَجَهُ، أَرَّفَ أُرَفَهُ وَ حَدَّهُ، وَ وَصَفَهُ وَ جَعَلَهُ رِضًا كَمَا وَصَفَهُ، وَ وَصَفَ أَخْلَاقَهُ، وَ بَيَّنَ أَطْبَاقَهُ، وَ وَكَّدَ مِيثَاقَهُ مِنْ ظَهْرٍ وَ بَطْنٍ، ذِي حَلَاوَةٍ وَ أَمْنٍ، فَمَنْ ظَفِرَ بِظَاهِرِهِ، رَأَى عَجَائِبَ مَنَاظِرِهِ فِي مَوَارِدِهِ وَ مَصَادِرِهِ، وَ مَنْ فَطَنَ لِمَا بَطَنَ، رَأَى مَكْنُونَ الْفِطَنِ، وَ عَجَائِبَ الْأَمْثَالِ وَ السُّنَنِ. فَظَاهِرُهُ أَنِيقٌ، وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ، لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهُ وَ لَا تَفْنَى غَرَائِبُهُ، فِيهِ يَنَابِيعُ النِّعَمِ، وَ مَصَابِيحُ الظُّلَمِ، لَا تُفْتَحُ الْخَيْرَاتُ إِلَّا بِمَفَاتِيحِهِ، وَ لَا تَنْكَشِفُ الظُّلُمَاتُ إِلَّا بِمَصَابِيحِهِ، فِيهِ تَفْصِيلٌ وَ تَوْصِيلٌ، وَ بَيَانُ الِاسْمَيْنِ الْأَعْلَيْنِ اللَّذَيْنِ جُمِعَا فَاجْتَمَعَا، لَا يَصْلُحَانِ إِلَّا مَعاً، يُسَمَّيَانِ فَيُعْرَفَانِ، وَ يُوصَفَانِ فَيَجْتَمِعَانِ، قِيَامُهُمَا فِي تَمَامِ أَحَدِهِمَا فِي مَنَازِلِهِمَا، جَرَى بِهِمَا، وَ لَهُمَا نُجُومٌ، وَ عَلَى نُجُومِهِمَا نُجُومٌ سِوَاهُمَا، تُحْمَى حِمَاهُ، وَ تُرْعَى مَرَاعِيهِ، وَ فِي الْقُرْآنِ بَيَانُهُ وَ حُدُودُهُ وَ أَرْكَانُهُ، وَ مَوَاضِعُ تَقَادِيرِ مَا خُزِنَ بِخَزَائِنِهِ، وَ وُزِنَ بِمِيزَانِهِ، مِيزَانُ الْعَدْلِ وَ حُكْمُ الْفَصْلِ. إِنَّ رُعَاةَ الدِّينِ فَرِّقُوا بَيْنَ الشَّكِّ وَ الْيَقِينِ، وَ جَاءُوا بِالْحَقِّ الْمُبِينِ، قَدْ بَيَّنُوا الْإِسْلَامَ تِبْيَاناً، وَ أَسَّسُوا لَهُ أَسَاساً وَ أَرْكَاناً، وَ جَاءُوا عَلَى ذَلِكَ شُهُوداً وَ بُرْهَاناً، مِنْ عَلَامَاتٍ وَ إِمَارَاتٍ، فِيهَا كِفَاءٌ لِمُكْتَفٍ، وَ شِفَاءٌ لِمُشْتَفٍ، يَحْمَوْنَ حِمَاهُ، وَ يَرْعَوْنَ مَرْعَاهُ، وَ يَصُونُونَ مَصُونَهُ، وَ يَهْجُرُونَ مَهْجُورَهُ، وَ يُحِبُّونَ مَحْبُوبَهُ، بِحُكْمِ اللَّهِ وَ بِرِّهِ، وَ بِعَظِيمِ أَمْرِهِ وَ ذِكْرِهِ، بِمَا يَجِبُ أَنْ يُذْكَرَ بِهِ، يَتَوَاصَلُونَ بِالْوَلَايَةِ، وَ يَتَلَاقَوْنَ بِحُسْنِ اللَّهْجَةِ ، وَ يَتَسَاقَوْنَ بِكَأْسِ الرَّوِيَّةِ، وَ يَتَرَاعَوْنَ بِحُسْنِ الرِّعَايَةِ، وَ يَصْدُرُونَ بِصُدُورٍ بَرِيَّةٍ، وَ أَخْلَاقٍ سَنِيَّةٍ لَمْ يُؤْلَمْ عَلَيْهَا، وَ بِقُلُوبٍ رَضِيَّةٍ لَا تَتَسَرَّبُ فِيهَا الدَّنِيَّةُ، وَ لَا تُشْرَعُ فِيهَا الْغِيبَةُ . فَمَنِ اسْتَبْطَنَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئاً اسْتَبْطَنَ خُلُقاً سَنِيّاً ، وَ قَطَعَ أَصْلَهُ، وَ اسْتَبْدَلَ مَنْزِلَهُ بِنَقْضِهِ مُبْرَماً، وَ اسْتِحْلَالِهِ مُحَرَّماً، مِنْ عَهْدٍ مَعْهُودٍ إِلَيْهِ، وَ عَقْدٍ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ، بِالْبِرِّ وَ التَّقْوَى، وَ إِيثَارِ سَبِيلِ الْهُدَى، عَلَى ذَلِكَ عَقَدَ خُلُقَهُمْ، وَ آخَى أُلْفَتَهُمْ، فَعَلَيْهِ يَتَحَابُّونَ، وَ بِهِ يَتَوَاصَلُونَ، فَكَانُوا كَالزَّرْعِ وَ تَفَاضُلِهِ، يَبْقَى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ، وَ يَفْنَى بِبَقِيَّةِ التَّخْصِيصِ، وَ يَبْلُغُ مِنْهُ التَّخْلِيصُ، فَلْيَنْظُرِ امْرُؤٌ فِي قِصَرِ أَيَّامِهِ، وَ قِلَّةِ مُقَامِهِ فِي مَنْزِلٍ، حَتَّى يَسْتَبْدِلَ مَنْزِلًا لِيَضَعَ مُتَحَوَّلَهُ وَ مَعَارِفَ مُنْتَقَلِهِ. فَطُوبَى لِذِي قَلْبٍ سَلِيمٍ أَطَاعَ مَنْ يَهْدِيهِ، وَ تَجَنَّبَ مَا يُرْدِيهِ، فَيَدْخُلُ مَدْخَلَ الْكَرَامَةِ، وَ أَصَابَ سَبِيلَ السَّلَامَةِ، يُبْصِرُ بِبَصَرِهِ، وَ أَطَاعَ هَادِيَ أَمْرِهِ، دَلَّ أَفْضَلَ الدَّلَالَةِ، وَ كَشَفَ غِطَاءَ الْجَهَالَةِ الْمُضِلَّةِ الْمُلْهِيَةِ، فَمَنْ أَرَادَ تَفَكُّراً أَوْ تَذَكُّراً فَلْيَذْكُرْ رَأْيَهُ، وَ لْيَبْرُزْ بِالْهُدَى، مَا لَمْ تُغْلَقْ أَبْوَابُهُ وَ تُفَتَّحْ أَسْبَابُهُ، وَ قَبِلَ نَصِيحَةَ مَنْ نَصَحَ بِخُضُوعٍ وَ حُسْنِ خُشُوعٍ، بِسَلَامَةِ الْإِسْلَامِ وَ دُعَاءِ التَّمَامِ، وَ سَلَامٍ بِسَلَامٍ، تَحِيَّةً دَائِمَةً لِخَاضِعٍ مُتَوَاضِعٍ يَتَنَافَسُ بِالْإِيمَانِ، وَ يَتَعَارَفُ عِدْلَ الْمِيزَانِ، فَلْيَقْبَلْ أَمْرَهُ وَ إِكْرَامَهُ بِقَبُولٍ، وَ لْيَحْذَرْ قَارِعَةً قَبْلَ حُلُولِهَا. إِنَّ أَمْرَنَا صَعْبٌ مُسْتَصْعَبٌ لَا يَحْتَمِلُهُ إِلَّا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، أَوْ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، أَوْ عَبْدٌ امْتَحَنَ اللَّهُ قَلْبَهُ لِلْإِيمَانِ، لَا يَعِي حَدِيثَنَا إِلَّا حُصُونٌ حَصِينَةٌ، أَوْ صُدُورٌ أَمِينَةٌ، أَوْ أَحْلَامٌ رَزِينَةٌ. يَا عَجَباً كُلَّ الْعَجَبِ بَيْنَ جُمَادَى وَ رَجَبٍ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ شُرْطَةِ الْخَمِيسِ: مَا هَذَا الْعَجَبُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: «وَ مَا لِي لَا أَعْجَبُ! وَ قَدْ سَبَقَ الْقَضَاءُ فِيكُمْ وَ مَا تَفْقَهُونَ الْحَدِيثَ، إِلَّا صَوْتَاتٍ بَيْنَهُنَّ مَوْتَاتٌ، حَصْدُ نَبَاتٍ، وَ نَشْرُ أَمْوَاتٍ. يَا عَجَباً كُلَّ الْعَجَبِ بَيْنَ جُمَادَى وَ رَجَبٍ» قَالَ الرَّجُلُ أَيْضاً: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا هَذَا الْعَجَبُ الَّذِي لَا تَزَالُ تَعْجَبُ مِنْهُ؟ قَالَ: «ثَكِلَتِ الْآخَرَ أُمُّهُ، وَ أَيُّ عَجَبٍ يَكُونُ أَعْجَبَ مِنْ أَمْوَاتٍ يَضْرِبُونَ هَامَاتِ الْأَحْيَاءِ» قَالَ أَنَّى يَكُونُ ذَلِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ قَالَ: «وَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ قَدْ تَخَلَّلُوا سِكَكَ الْكُوفَةِ وَ قَدْ شَهَرُوا سُيُوفَهُمْ عَلَى مَنَاكِبِهِمْ، يَضْرِبُونَ كُلَّ عَدُوٍّ لِلَّهِ وَ لِرَسُولِهِ ص وَ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ . أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَفْقِدُونِي، لَأَنَا بِطُرُقِ السَّمَاءِ أَعْلَمُ مِنَ الْعَالِمِ بِطُرُقِ الْأَرْضِ. أَنَا يَعْسُوبُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَ غَايَةُ السَّابِقِينَ، وَ لِسَانُ الْمُتَّقِينَ، وَ خَاتَمُ الْوَصِيِّينَ، وَ وَارِثُ النَّبِيِّينَ، وَ خَلِيفَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. أَنَا قَسِيمُ النَّارِ، وَ خَازِنُ الْجِنَانِ، وَ صَاحِبُ الْحَوْضِ، وَ صَاحِبُ الْأَعْرَافِ، فَلَيْسَ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ إِمَامٌ إِلَّا وَ هُوَ عَارِفٌ بِجَمِيعِ أَهْلِ وَلَايَتِهِ، وَ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ . أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ سَلُونِي قَبْلَ أَنْ تَشْغَرَ بِرِجْلِهَا فِتْنَةٌ شَرْقِيَّةٌ، وَ تَطَأُ فِي خِطَامِهَا بَعْدَ مَوْتٍ وَ حَيَاةٍ، أَوْ تَشُبَّ نَاراً بِالْحَطَبِ الْجَزْلِ غَرْبِيَّ الْأَرْضِ، وَ رَافِعَةً ذَيْلَهَا تَدْعُو يَا وَيْلَهَا بِذَحْلِهِ أَوْ مِثْلَهَا، فَإِذَا اسْتَدَارَ الْفَلَكُ قُلْتُ: مَاتَ أَوْ هَلَكَ بِأَيِّ وَادٍ سَلَكَ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَ أَمْدَدْناكُمْ بِأَمْوالٍ وَ بَنِينَ وَ جَعَلْناكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً . وَ لِذَلِكَ آيَاتٌ وَ عَلَامَاتٌ أَوَّلُهُنَّ: إِحْصَارُ الْكُوفَةِ بِالرَّصَدِ وَ الْخَنْدَقِ، وَ تَحْرِيقُ الزَّوَايَا فِي سِكَكِ الْكُوفَةِ، وَ تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَ تَخْفِقُ رَايَاتٌ ثَلَاثٌ حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْأَكْبَرِ، يُشْبِهْنَ بِالْهُدَى، الْقَاتِلُ وَ الْمَقْتُولُ فِي النَّارِ، وَ قَتْلٌ كَثِيرٌ وَ مَوْتٌ كَثِيرٌ ذَرِيعٌ، وَ قَتْلُ النَّفْسِ الزَّكِيَّةِ بِظَهْرِ الْكُوفَةِ فِي سَبْعِينَ، وَ الْمَذْبُوحُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَ الْمَقَامِ، وَ قَتْلُ الْأَسْبُعِ الْمُظَفَّرِ صَبْراً فِي بِيعَةِ الْأَصْنَامِ، مَعَ كَثِيرٍ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ. وَ خُرُوجُ السُّفْيَانِيِّ بِرَايَةٍ خَضْرَاءَ، وَ صَلِيبٍ مِنْ ذَهَبٍ، أَمِيرُهَا رَجُلٌ مِنْ كَلْبٍ، وَ اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ عَنَانٍ مِنْ خَيْلٍ يَحْمِلُ السُّفْيَانِيَّ مُتَوَجِّهاً إِلَى مَكَّةَ وَ الْمَدِينَةِ، أَمِيرُهَا أَحَدٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يُقَالُ لَهُ: خُزَيْمَةُ، أَطْمَسُ الْعَيْنِ الشِّمَالِ، عَلَى عَيْنِهِ طَرْفَةٌ تَمِيلُ بِالدُّنْيَا، فَلَا تُرَدُّ لَهُ رَايَةٌ حَتَّى يَنْزِلَ الْمَدِينَةَ، فَيَجْمَعَ رِجَالًا وَ نِسَاءً مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ص فَيَحْبِسَهُمْ فِي دَارٍ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهَا: دَارُ أَبِي الْحَسَنِ الْأُمَوِيِّ. وَ يَبْعَثُ خَيْلًا فِي طَلَبِ رَجُلٍ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ص، قَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ أَمِيرُهُمْ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ، حَتَّى إِذَا تَوَسَّطُوا الْصَفَائِحَ الْبِيضَ بِالْبَيْدَاءِ، يُخْسَفُ بِهِمْ، فَلَا يَنْجُو مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، يُحَوِّلُ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي قَفَاهُ لِيُنْذِرَهُمْ، وَ لِيَكُونَ آيَةً لِمَنْ خَلْفَهُ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ . وَ يَبْعَثُ السُّفْيَانِيُّ مِائَةً وَ ثَلَاثِينَ أَلْفاً إِلَى الْكُوفَةِ، فَيَنْزِلُونَ بِالرَّوْحَاءِ وَ فَارُوقَ ، وَ مَوْضِعِ مَرْيَمَ وَ عِيسَى ع بِالْقَادِسِيَّةِ، وَ يَسِيرُ مِنْهُمْ ثَمَانُونَ أَلْفاً حَتَّى يَنْزِلُوا الْكُوفَةَ مَوْضِعَ قَبْرِ هُودٍ ع بِالنُّخَيْلَةِ فَيَهْجَمُوا عَلَيْهِ يَوْمَ زِينَةٍ، وَ أَمِيرُ النَّاسِ جَبَّارٌ عَنِيدٌ يُقَالُ لَهُ: الْكَاهِنُ السَّاحِرُ، فَيَخْرُجُ مِنْ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا: الزَّوْرَاءُ فِي خَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْكَهَنَةِ، وَ يَقْتُلُ عَلَى جِسْرِهَا سَبْعِينَ أَلْفاً، حَتَّى يَحْتَمِيَ النَّاسُ مِنَ الْفُرَاتِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنَ الدِّمَاءِ وَ نَتْنِ الْأَجْسَامِ، وَ يَسْبِي مِنَ الْكُوفَةِ أَبْكَاراً ، لَا يُكْشَفُ عَنْهَا سِتْرٌ وَ لَا قِنَاعٌ، حَتَّى يُوضَعْنَ فِي الْمَحَامِلِ، يُزْلِفُ بِهِنَّ الثَّوِيَّةَ وَ هِيَ الْغَرِيَّيْنِ. ثُمَّ يَخْرُجُ مِنَ الْكُوفَةِ مِائَةُ أَلْفٍ بَيْنَ مُشْرِكٍ وَ مُنَافِقٍ، حَتَّى يَضْرِبُوا دِمَشْقَ، لَا يَصُدُّهُمْ عَنْهَا صَادٌّ، وَ هِيَ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ ، وَ تُقْبِلُ رَايَاتُ شَرْقِيِّ الْأَرْضِ لَيْسَتْ بِقُطْنٍ وَ لَا كَتَّانٍ وَ لَا حَرِيرٍ، مُخَتَّمَةً فِي رُءُوسِ الْقَنَا بِخَاتَمِ السَّيِّدِ الْأَكْبَرِ، يَسُوقُهَا رَجُلٌ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ص، يَوْمَ تَطِيرُ بِالْمَشْرِقِ يُوجَدُ رِيحُهَا بِالْمَغْرِبِ كَالْمِسْكِ الْأَذْفَرِ، يَسِيرُ الرُّعْبُ أَمَامَهَا شَهْراً. وَ يَخْلُفُ أَبْنَاءُ سَعْدٍ السَّقَّاءِ بِالْكُوفَةِ طَالِبِينَ بِدِمَاءِ آبَائِهِمْ، وَ هُمْ أَبْنَاءُ الْفَسَقَةِ، حَتَّى تَهْجُمَ عَلَيْهِمْ خَيْلُ الْحُسَيْنِ ع، يَسْتَبِقَانِ كَأَنَّهُمَا فَرَسَا رِهَانٍ، شُعْثٌ غُبْرٌ أَصْحَابُ بَوَاكِي وَ قَوَارِحَ، إِذْ يَضْرِبُ أَحَدُهُمْ بِرِجْلِهِ بَاكِيَةً، يَقُولُ: لَا خَيْرَ فِي مَجْلِسٍ بَعْدَ يَوْمِنَا هَذَا، اللَّهُمَّ فَإِنَّا التَّائِبُونَ الْخَاشِعُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ، فَهُمُ الْأَبْدَالُ الَّذِينَ وَصَفَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ وَ الْمُطَهَّرُونَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ ص. وَ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ رَاهِبٌ مُسْتَجِيبٌ لِلْإِمَامِ، فَيَكُونُ أَوَّلَ النَّصَارَى إِجَابَةً، وَ يَهْدِمُ صَوْمَعَتَهُ ، وَ يَدُقُّ صَلِيبَهَا، وَ يَخْرُجُ بِالْمَوَالِي وَ ضُعَفَاءِ النَّاسِ وَ الْخَيْلِ، فَيَسِيرُونَ إِلَى النُّخَيْلَةِ بِأَعْلَامٍ هُدًى، فَيَكُونُ مُجْتَمَعُ النَّاسِ جَمِيعاً مِنَ الْأَرْضِ كُلِّهَا بِالْفَارُوقِ- وَ هِيَ مَحَجَّةُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع وَ هِيَ مَا بَيْنَ الْبُرْسِ وَ الْفُرَاتِ- فَيُقْبِلُ يَوْمَئِذٍ فِيمَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ مِنَ الْيَهُودِ وَ النَّصَارَى، فَيَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضَهَا، فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ فَما زالَتْ تِلْكَ دَعْواهُمْ حَتَّى جَعَلْناهُمْ حَصِيداً خامِدِينَ بِالسَّيْفِ وَ تَحْتَ ظِلِّ السَّيْفِ. وَ يَخْلُفُ مِنْ بَنِي الْأَشْهَبِ الزَّاجِرُ اللَّحْظِ، فِي أُنَاسٍ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ هَرَباً حَتَّى يَأْتُونَ سِبَطْرَى عُوَّذاً بِالشَّجَرِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنا إِذا هُمْ مِنْها يَرْكُضُونَ. لا تَرْكُضُوا وَ ارْجِعُوا إِلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَ مَساكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْئَلُونَ وَ مَسَاكِنُهُمُ الْكُنُوزُ الَّتِي غَلَبُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ، وَ يَأْتِيهِمْ يَوْمَئِذٍ الْخَسْفُ وَ الْقَذْفُ وَ الْمَسْخُ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ ما هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ . وَ يُنَادِي مُنَادٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ، عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ: يَا أَهْلَ الْهُدَى اجْتَمِعُوا، وَ يُنَادِي مِنْ نَاحِيَةِ الْمَغْرِبِ بَعْدَ مَا تَغِيبُ الشَّمْسُ : يَا أَهْلَ الضَّلَالَةِ اجْتَمِعُوا، وَ مِنَ الْغَدِ عِنْدَ الظُّهْرِ تَكَوَّرُ الشَّمْسُ، فتكن [فَتَكُونُ سَوْدَاءَ مُظْلِمَةً، وَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْحَقِّ وَ الْبَاطِلِ بِخُرُوجِ دَابَّةِ الْأَرْضِ، وَ تُقْبِلُ الرُّومُ إِلَى قَرْيَةٍ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ، عِنْدَ كَهْفِ الْفِتْيَةِ، وَ يَبْعَثُ اللَّهُ الْفِتْيَةَ مِنْ كَهْفِهِمْ إِلَيْهِمْ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: مَلِيخَا وَ الْآخَرُ كمسلمينا ، وَ هُمَا الشَّاهِدَانِ الْمُسَلِّمَانِ لِلْقَائِمِ ع. فَيَبْعَثُ أَحَدَ الْفِتْيَةِ إِلَى الرُّومِ، فَيَرْجِعُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَ يَبْعَثُ الْآخَرَ، فَيَرْجِعُ بِالْفَتْحِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ طَوْعاً وَ كَرْهاً . ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً لِيُرِيَهُمْ [مَا كَانُوا يُوعَدُونَ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآياتِنا فَهُمْ يُوزَعُونَ وَ الْوَزَعُ خَفَقَانُ أَفْئِدَتِهِمْ. وَ يَسِيرُ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ بِرَايَةِ الْهُدَى، وَ السَّيْفِ ذو [ذِي الْفَقَارِ وَ الْمِخْصَرَةِ، حَتَّى يَنْزِلَ أَرْضَ الْهِجْرَةِ مَرَّتَيْنِ وَ هِيَ الْكُوفَةُ، فَيَهْدِمُ مَسْجِدَهَا وَ يَبْنِيهِ عَلَى بِنَائِهِ الْأَوَّلِ، وَ يَهْدِمُ مَا دُونَهُ مِنْ دُورِ الْجَبَابِرَةِ. وَ يَسِيرُ إِلَى الْبَصْرَةِ حَتَّى يُشْرِفَ عَلَى بَحْرِهَا، وَ مَعَهُ التَّابُوتُ، وَ عَصَا مُوسَى ع، فَيَعْزِمُ عَلَيْهِ فَيَزْفِرُ فِي الْبَصْرَةِ زَفْرَةً فَتَصِيرُ بَحْراً لُجِّيّاً، لَا يَبْقَى فِيهَا غَيْرُ مَسْجِدِهَا كَجُؤْجُؤِ السَّفِينَةِ عَلَى ظَهْرِ الْمَاءِ. ثُمَّ يَسِيرُ إِلَى حَرُورَاءَ حَتَّى يُحْرِقَهَا، وَ يَسِيرُ مِنْ بَابِ بَنِي أَسَدٍ حَتَّى يَزْفِرَ زَفْرَةً فِي ثَقِيفٍ، وَ هُمْ زَرْعُ فِرْعَوْنَ. ثُمَّ يَسِيرُ إِلَى مِصْرَ فَيَعْلُو مِنْبَرَهُ، وَ يَخْطُبُ النَّاسَ فَتَسْتَبْشِرُ الْأَرْضُ بِالْعَدْلِ، وَ تُعْطِي السَّمَاءُ قَطْرَهَا، وَ الشَّجَرُ ثَمَرَهَا، وَ الْأَرْضُ نَبَاتَهَا، وَ تَتَزَيَّنُ الْأَرْضُ لِأَهْلِهَا، وَ تَأْمَنُ الْوُحُوشُ حَتَّى تَرْتَعِيَ فِي طُرُقِ الْأَرْضِ كَأَنْعَامِهِمْ، وَ يُقْذَفُ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ الْعِلْمَ، فَلَا يَحْتَاجُ مُؤْمِنٌ إِلَى مَا عِنْدَ أَخِيهِ مِنَ الْعِلْمِ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ . وَ تُخْرِجُ لَهُمُ الْأَرْضُ كُنُوزَهَا وَ يَقُولُ الْقَائِمُ ع كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ فَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ أَهْلُ الصَّوَابِ لِلدِّينِ، أُذِنَ لَهُمْ فِي الْكَلَامِ فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ وَ جاءَ رَبُّكَ وَ الْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا فَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ إِلَّا دِينَهُ الْحَقَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخالِصُ ، فَيَوْمَئِذٍ تَأْوِيلُ هَذِهِ الْآيَةِ أَ وَ لَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْماءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعامُهُمْ وَ أَنْفُسُهُمْ أَ فَلا يُبْصِرُونَ. وَ يَقُولُونَ مَتى هذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمانُهُمْ وَ لا هُمْ يُنْظَرُونَ. فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَ انْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ . فَيَمْكُثُ فِيمَا بَيْنَ خُرُوجِهِ إِلَى يَوْمِ مَوْتِهِ ثَلَاثَمِائَةِ سَنَةٍ وَ نَيِّفاً، وَ عِدَّةُ أَصْحَابِهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ، مِنْهُمْ: تِسْعَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَ سَبْعُونَ مِنَ الْجِنِّ، وَ مِائَتَانِ وَ أَرْبَعَةٌ وَ ثَلَاثُونَ فِيهِمْ سَبْعُونَ الَّذِينَ غَضِبُوا لِلنَّبِيِّ ص إِذْ هَجَتْهُ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، فَطَلَبُوا إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ ص أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي إِجَابَتِهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ حَيْثُ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَ ذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَ انْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ . وَ عِشْرُونَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْهُمُ الْمِقْدَادُ بْنُ الْأَسْوَدِ، وَ مِائَتَانِ وَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ الَّذِينَ كَانُوا بِسَاحِلِ الْبَحْرِ مِمَّا يَلِي عَدَنَ، فَبَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِمْ نبي [نَبِيّاً بِرِسَالَةٍ فَأَتَوْا مُسْلِمِينَ، وَ تِسْعَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ أَلْفَانِ وَ ثَمَانُمِائَةٍ وَ سَبْعَةَ عَشَرَ. وَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَرْبَعُونَ أَلْفاً، مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْمُسَوِّمِينَ ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَ مِنَ الْمُرْدِفِينَ خَمْسَةُ آلَافٍ. فَجَمِيعُ أَصْحَابِهِ ع سَبْعَةٌ وَ أَرْبَعُونَ أَلْفاً وَ مِائَةٌ وَ ثَلَاثُونَ مِنْ ذَلِكَ تِسْعَةُ رُءُوسٍ، مَعَ كُلِّ رَأْسٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ مِنَ الْجِنِّ وَ الْإِنْسِ عِدَّةَ يَوْمِ بَدْرٍ، فَبِهِمْ يُقَاتِلُ، وَ إِيَّاهُمْ يَنْصُرُ اللَّهُ، وَ بِهِمْ يَنْتَصِرُ، وَ بِهِمْ يُقَدَّمُ النَّصْرُ، وَ مِنْهُمْ نَضْرَةُ الْأَرْضِ» . كَتَبْتُهَا كَمَا وَجَدْتُهَا وَ فِيهَا نَقْصُ حُرُوفٍ.

مختصر البصائر - حسن بن سليمان الحلي - الصفحة ٤٦٣. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
عز و جل موسى أن يضرب البحر بعددهم اثنتي عشرة ضربة في اثني عشر موضعا و يقول الله

م بجاه محمد و آله الطيبين بين الأرض لنا و أمط الماء عنا فصار فيه تمام اثني عشر طريقا فقال ادخلوها قالوا إن كل فريق يدخل في سكة من هذه السكك لا يدري ما يحدث على الآخرين فقال الله عز و جل فاضرب كل طود من الماء بين هذه السكك و قل اللهم بجاه محمد و آله الطيبين لما جعلت في هذه الماء طبقات واسعة يرى بعضهم بعضا منها فحدثت طبقات واسعة يرى بعضهم بعضا منها ثم دخلوها فلما بلغوا آخرها جاء فرعون و قومه فلما دخل آخرهم و هم بالخروج أولهم أمر الله عز و جل البحر فانطبق عليهم فغرقوا و أصحاب موسى ينظرون إليهم فقال الله عز و جل لبني إسرائيل الذين في عهد محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإذا كان الله فعل هذا كله بأسلافكم لكرامة محمد و آله عليهم السلام و دعا موسى بهم دعاء يقرب إلى الله أَ فَلا تَعْقِلُونَ أن عليكم الإيمان بمحمد و آله إذ قد شاهدتموه الآن. و قوله تعالى وَ إِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَنْتُمْ ظالِمُونَ. معنى تأويله أن الله عز و جل واعد موسى عليه السلام لميقاته أربعين ليلة فلما غاب عن قومه اتخذوا العجل من بعده و قصته مشهورة و لكن قال الإمام عليه السلام في تفسيره إن الله عز و جل أوحى إلى موسى يا موسى بن عمران ما خذل هؤلاء

تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة - الصفحة ٦٢. — الله تعالى (حديث قدسي)
محمد عن الحسن بن محبوب عن محمد بن النعمان عن سلام بن أبي عمرة عن أبي جعفر عليه السلام قال

إنما عنى بذلك عليا و فاطمة و الحسن و الحسين عليهما السلام و جرت بعدهم في الأئمة ثم رجع القول في الناس فَإِنْ آمَنُوا يعني الناس بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ يعني عليا و فاطمة و الحسن و الحسين و الأئمة فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ يعني الناس و معناه أن الله سبحانه أمر الأئمة عليهم السلام أن يقولوا آمنا بالله و ما بعدها لأنهم المؤمنون بما أمروا به حقا و صدقا ثم قال مخاطبا لهم يعني الناس فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا بكم و بما آمنتم به وَ إِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ و منازعة و محاربة لك يا محمد فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. ثم قال سبحانه و تعالى صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ. تأويله أن الذي آمن به الأئمة عليهم السلام و المؤمنون هو صِبْغَةَ اللَّهِ و هي العلامة التي يعرف بها المؤمنون من غيرهم و هي الإيمان أي ما تم شيء أحسن منها مبتدأ و منتهى وَ نَحْنُ لَهُ عابِدُونَ أي طائعون متبعون لأوامره و نواهيه و معناه أي قولوا إن الذي آمنا به هو صبغة الله و نحن بعد ذلك له عابدون. و اعلم أن الصبغة هي الولاية على ما رواه الشيخ محمد بن يعقوب (رحمه الله) عن محمد بن يحيى عن سلمة بن الخطاب عن علي بن حسان عن عبد الرحمن بن كثير عن أبي عبد الله عليه السلام في قوله عز و جل صِبْغَةَ اللَّهِ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً قال صبغ المؤمنون بالولاية في الميثاق.

تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة - الصفحة ٨٥. — الإمام الباقر عليه السلام
ص أنه قال لعلي يا علي إني سألت الله عز و جل ألا يحرم شيعتك التوبة حتى تبلغ نفس أحدهم حنجرته فأجابني إلى ذلك. و ليس ذلك لغيرهم لأن شيعة علي عليه السلام تمحص عنهم الذنوب بأشياء في الدنيا و لا يخرج أحدهم و عليه ذنب لما روى الشيخ أبو جعفر الطوسي (قدس الله روحه) عن رجاله عن زيد بن يونس الشحام عن أبي الحسن موسى بن جعفر عليه السلام قال

قلت لأبي الحسن عليه السلام الرجل من مواليكم عاق يشرب الخمر و يرتكب الموبق من الذنب نتبرأ منه فقال تبرءوا من فعله و لا تبرءوا من خيره و أبغضوا عمله فقلت يتسع لنا أن نقول فاسق فاجر فقال لا الفاسق الفاجر الكافر الجاحد لنا و لأوليائنا أبى الله أن يكون ولينا فاسقا فاجرا و إن عمل ما عمل و لكنكم قولوا فاسق العمل فاجر العمل مؤمن النفس خبيث الفعل طيب الروح و البدن لا و الله لا يخرج ولينا من الدنيا إلا و الله و رسوله و نحن عنه راضون يحشره الله على ما فيه من الذنوب مبيضا وجهه مستورة عورته آمنة روعته لا خوف عليه و لا حزن و ذلك أنه لا يخرج من الدنيا حتى يصفي من الذنوب إما بمصيبة في مال أو نفس أو ولد أو مرض و أدنى ما يصنع بولينا أن يريه الله رؤيا مهولة فيصبح حزينا لما رآه فيكون ذلك كفارة أو خوفا يرد عليه من أهل دولة الباطل أو يشدد عليه عند الموت فيلقى الله عز و جل طاهرا من الذنوب آمنة روعته بمحمد و أمير المؤمنين صلى الله عليه وآله وسلم ثم يكون أمامه أحد الأمرين رحمة الله الواسعة التي هي أوسع من أهل الأرض جميعا أو شفاعة محمد و أمير المؤمنين عليه السلام إن أخطأته رحمة الله أدركته شفاعة نبيه و أمير المؤمنين عليه السلام فعندها تصيبه رحمة الله الواسعة

تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة - الصفحة ٥٧٦. — الإمام الكاظم عليه السلام
سأله رجل من شيعته عن حروب أمير المؤمنين ( صلوات الله عليه قال الله عزوجل

" اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد ". " فإن تابوا - أي آمنوا - وأقاموا الصلوة وآتوا الزكوة فإخوانكم في الدين " هؤلاء لا يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الاسلام وأموالهم فيئ وذراريهم سبي على ما سن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنه سبى وعفا وقبل الفداء.

تحف العقول - الصفحة ٢٨٨. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
الآية نزلت في اليهود والنصارى بقول الله

تبارك وتعالى " الذين آتيناهم الكتاب ـ يعني التورية والانجيل ـ يعرفونه ـ يعني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ـ كما يعرفون ابناءهم " لان الله عزوجل قد انزل عليهم في التورية والزبور والانجيل صفة محمد (صلى الله عليه وآله) وصفة اصحابه ومبعثه وهجرته وهو قوله " محمد رسول الله والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله رضوانا؟ سيماهم في وجوههم من اثر السجود ذلك مثلهم في التورية ومثلهم في الانجيل " هذه صفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) واصحابه في التورية والانجيل فلما بعثه الله عرفه اهل الكتاب كما قال جل جلاله " فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " فكانت اليهود يقولون للعرب قبل مجئ النبي ايها العرب هذا اوان نبي يخرج بمكة ويكون هجرته بالمدينة وهو آخر الانبياء وافضلهم، في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يلبس الشملة ويجتزي بالكسرة والتميرات ويركت الحمار عرية وهو الضحوك القتال يضع سيفه على عاتقه ولا يبالي بمن لاقى يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر وليقتلنكم الله به يا مشعر العرب قتل عاد، فلما بعث الله نبيه بهذه الصفة حسدوه وكفروا به كما قال الله " وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به " ومنه كفر البراءة وهو قوله " ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض " اي يتبرأ بعضكم من بعض، ومنه كفر الشرك لما امر الله وهو قوله " ولله على الناس حج البيت من استطاع اليه سبيلا ومن كفر " اي ترك الحج وهو مستطيع فقد كفر، ومنه كفر النعم وهو قوله " ليبلونئ اشكر ام اكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر " ـ اي ومن لم يشكر ـ نعمة الله فقد كفر فهذه وجوه الكفر في كتاب الله.

تفسير القمي - ج ١ - الصفحة ٣٣. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم

ذكر المنافقين فقال: (والذين ينفقون اموالهم رئاه الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن بكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) ثم قال: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وانفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما) قال انفقوا في طاعة الله وقوله (ان الله لا يظلم مثقال ذرة) معطوفة على قوله " واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا " وقوله (فكيف اذا جئنا من كل امة بشهيد) يعني الائمة صلوات الله عليهم اجمعين (وجئنا بك) يامحمد (على هؤلاء شهيدا) يعني على الائمة، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) شهيد على الائمة وهم شهداء على الناس وقوله (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا) قال يتمنى الذين غصبوا امير المؤمنين (عليه السلام) أن تكون الارض ابتلعتهم في اليوم الذي اجتمعوا فيه على غصبه وأن لم يكتموا ما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه وقوله: (يا ايها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وانتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون) قال من النوم (ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا) فانه سئل الصادق (عليه السلام) عن الحائض والجنب يدخلان المسجد ام لا؟ فقال الحائض والجنب لا يدخلان المسجد إلا مجتازين فان الله تعالى يقول: " ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا " ويضعان فيه الشئ ولا يأخذان منه فقلت ما بالهما يضعان فيه ولا يأخذان منه؟ فقال لانهما يقدران على وضع الشئ فيه من غير دخول ولا يقدران على أخذ ما فيه حتى يدخلا فاوجب الغسل والوضوء من الجناية بالماء ثم رخص لمن لم يجد الماء التيمم بالتراب فقال وان كنتم جنبا فاطهروا (وان كنتم مرضى او على سفر او جاء احد منكم الغائط او لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم ان الله كان عفوا غفورا) وقوله (ألم تر إلى الذين اوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة) يعني ضلوا في امير المؤمنين (ويريدون ان تضلوا السبيل) يعني اخرجوا الناس من ولاية امير المؤمنين، وهو

تفسير القمي - ج ١ - الصفحة ١٣٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
ابن مريم ( عليها السلام قال

سمعته يقول ابتداءا منه: ان الله إذا بدا له ان يبين خلقه ويجمعهم لما لابد منه امر مناديا ينادي فاجتمع الانس والجن في اسرع من طرفة العين ثم أذن لسماء الدنيا فتنزل فكان من وراء الناس وأذن للسماء الثانية فتنزل وهي ضعف التي تليها فاذا رآها اهل السماء الدنيا قالوا جاء ربنا قالوا لا وهو آت يعنى امره حتى تنزل كل سماء تكون كل واحدة منها من وراء الاخرى وهي ضعف التي تليها ثم ينزل امر الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الامر وإلى ربك ترجع الامور ثم يأمر الله مناديا ينادي " يا معشر الجن والانس ان استطعتم ان تنفذوا من أقطار السموات والارض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان " قال وبكى (عليه السلام) حتى إذا سكت قال قلت جعلني الله فداك يا ابا جعفر واين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وامير المؤمنين (عليه السلام) وشيعته؟ فقال ابوجعفر (عليه السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) وشيعته على كثبان من المسك الاذفر على منابر من نور يحزن الناس ولا يحزنون ويفزع الناس ولا يفزعون ثم تلا هذه الآية " من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون " بالحسنة والله ولاية علي (عليه السلام) ثم قال: " لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون " واما قوله: (يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب) قال السجل اسم الملك الذي يطوي الكتب ومعنى يطويها اي يفنيها فتتحول دخانا والارض نيرانا وقوله: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر) قال الكتب كلها ذكر (وان الارض يرثها عبادي الصالحون) قال: القائم (عليه السلام) وأصحابه قال والزبور فيه ملاحم وتحميد وتمجيد ودعاء وقوله

تفسير القمي - ج ٢ - الصفحة ٧٧. — غير محدد

كتاب الله كمثل مشكاة والمشكاة في القنديل فنحن المشكاة فيها مصباح، المصباح محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) " المصباح في زجاجة " من عنصرة طاهرة " الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية " لا دعية ولا منكرة " يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار " القرآن " نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شئ عليم " فالنور علي (عليه السلام) يهدي الله لولايتنا من احب، وحق على الله ان يبعث ولينا مشرقا وجهه منيرا برهانه ظاهرة عند الله حجته حق على الله ان يجعل اولياءنا المتقين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اولئك رفيقا، فشهداؤنا لهم فضل على الشهداء بعشر درجات ولشهيد شيعتنا فضل على كل شهيد غيرنا بتسع درجات نحن النجباء ونحن افراط الانبياء ونحن اولاد الاوصياء ونحن المخصوصون في كتاب الله ونحن اولى الناس برسول الله (صلى الله عليه وآله) ونحن الذين شرع الله لنا دينه فقال في كتابه: شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي اوحينا اليك ـ يا محمد. وما وصينا به ابراهيم واسماعيل واسحاق ويعقوب، قد علمنا وبلغنا ما علمنا واستودعنا علمهم ونحن ورثة الانبياء ونحن ورثة اولي العلم واولي العزم من الرسل ان اقيموا الدين (ولا تموتن إلا وانتم مسلمون ك) كما قال الله " ولا تتفرقوا فيه وان كبر على المشركين ما تدعوهم اليه " من الشرك من اشكر بولاية علي (عليه السلام) " ما تدعوهم اليه " من ولاية علي (عليه السلام) يا محمد " فيه هدى ويهدي اليه من ينيب " من يجيبك إلي بولاية علي (عليه السلام) وقد بعثت اليك بكتاب فتدبره وافهمه فانه شفاء لما في الصدور ونور، والدليل على ان هذا مثل لهم. قوله (في بيوت أذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال ـ إلى قوله ـ بغير حساب) ثمضرب الله مثلا لاعمال من نازعهم فقال (والذين كفروا اعمالهم كسراب بقيعة) والسراب هو الآل تراه بالمفازة

تفسير القمي - ج ٢ - الصفحة ١٠٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
فُرَاتٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ مُعَنْعَناً عَنْ أَبِي الْجَارُودِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ ع يَقُولُ

قَالَ عَلِيُّ [بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع] لِلْحَسَنِ [ع] قُمِ الْيَوْمَ خَطِيباً وَ قَالَ لِأُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ قُمْنَ فَاسْمَعْنَ خُطْبَةَ ابْنِي قَالَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ص ثُمَّ قَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ قَالَ إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فِي بَابٍ وَ مَنْزِلٍ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ كَانَ كَافِراً أَقُولُ قَوْلِي وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَ لَكُمْ وَ نَزَلَ فَقَامَ عَلِيٌّ [ع] يُقَبِّلُ [فَقَبَّلَ] رَأْسَهُ وَ قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي ثُمَّ قَرَأَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. - فُرَاتٌ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو جَعْفَرٍ الْحَسَنِيُّ [الْحُسَيْنِيُ] وَ الْحَسَنُ بْنُ حُبَاشٍ مُعَنْعَناً عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ع قَالَ: قَالَ عَلِيُّ [بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع] لِلْحَسَنِ يَا بُنَيَّ قُمْ فَاخْطُبْ حَتَّى أَسْمَعَ كَلَامَكَ قَالَ يَا أَبَتَاهْ كَيْفَ أَخْطُبُ وَ أَنَا أَنْظُرُ إِلَى وَجْهِكَ أَسْتَحْيِي مِنْكَ قَالَ فَجَمَعَ عَلِيُّ [بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع] أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ ثُمَّ تَوَارَى عَنْهُ حَيْثُ يَسْمَعُ كَلَامَهُ فَقَامَ الْحَسَنُ [ع] فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْوَاحِدِ بِغَيْرِ تَشْبِيهٍ الدَّائِمِ بِغَيْرِ تَكْوِينٍ الْقَائِمِ بِغَيْرِ كُلْفَةٍ الْخَالِقِ بِغَيْرِ - زياد بن المنذر الهمداني الكوفيّ قال النجاشيّ: تغير لما خرج زيد رضي الله عنه. و قال الشيخ زيدي المذهب و إليه تنسب الزيدية الجارودية له أصل و له كتاب التفسير عن الباقر. هذا و قد وردت روايات ضعيفة في ضعفه و عدّه الشيخ المفيد من الأعلام الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام و الفتيا و الأحكام الذين لا يطعن عليهم و لا طريق إلى ذمّ واحد منهم. و ضعفه عامة من ذكره من السنة بأنّه غال أو رافضي أو كذاب.... في الدّر المنثور: أخرج ابن سعد و ابن أبي حاتم عن جعفر بن محمّد عن أبيه عن جدّه ان عليا قال للحسن قم فاخطب الناس. قال: إني أهابك أن أخطب و أنا أراك فتغيب عنه حيث يسمع كلامه و لا يراه فقام الحسن فحمد اللّه و أثنى عليه و تكلم ثمّ نزل. فقال علي رضي اللّه عنه: ذرية بعضها من بعض و اللّه سميع عليم. مَنْصَبَةٍ الْمَوْصُوفِ بِغَيْرِ غَايَةٍ الْمَعْرُوفِ بِغَيْرِ مَحْدُودِيَّةٍ الْعَزِيزِ لَمْ يَزَلْ قَدِيماً فِي الْقِدَمِ رُدِعَتِ [وُدِّعَتِ رُوِّعَتِ] الْقُلُوبُ لِهَيْبَتِهِ وَ ذَهِلَتِ الْعُقُولُ لِعِزَّتِهِ وَ خَضَعَتِ الرِّقَابُ لِقُدْرَتِهِ فَلَيْسَ يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ مَبْلَغُ جَبَرُوتِهِ وَ لَا يَبْلُغُ النَّاسُ كُنْهَ جَلَالِهِ وَ لَا يُفْصِحُ الْوَاصِفُونَ مِنْهُمْ لِكُنْهِ عَظَمَتِهِ وَ لَا يَقُومُ الْوَهْمُ مِنْهُمْ [عَلَى] التَّفَكُّرِ عَلَى مَضَا سَبِبِهِ [سَيْبِهِ] وَ لَا تَبْلُغُهُ الْعُلَمَاءُ بِأَلْبَابِهَا وَ لَا أَهْلُ التَّفَكُّرِ بِتَدْبِيرِ أُمُورِهَا أَعْلَمُ خَلْقِهِ بِهِ الَّذِي بِالْحَدِّ لَا يَصِفُهُ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَ لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ... وَ هُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ عَلِيّاً بَابٌ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [مُؤْمِناً] وَ مَنْ خَرَجَ مِنْهُ كَانَ كَافِراً أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَ لَكُمْ فَقَامَ عَلِيُّ [بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع] وَ قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ. - فُرَاتٌ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْفَزَارِيُّ مُعَنْعَناً عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْخَوْلَانِيِّ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ص عَلَى فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ ع وَ عَائِشَةَ وَ هُمَا يَفْتَخِرَانِ وَ قَدِ احْمَرَّتْ وُجُوهُهُمَا فَسَأَلَهُمَا عَنْ خَبَرِهِمَا فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ النَّبِيُّ ص يَا عَائِشَةُ أَ وَ مَا عَلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ وَ عَلِيّاً وَ الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ وَ حَمْزَةَ وَ جَعْفَرَ وَ فَاطِمَةَ وَ خَدِيجَةَ عَلَى الْعالَمِينَ. - فُرَاتٌ قَالَ حَدَّثَنِي الْحُسَيْنُ بْنُ سَعِيدٍ مُعَنْعَناً عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ص عَلِيّاً [بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع] إِلَى الْيَمَنِ وَ خَالِداً عَلَى [إِلَى] الْخَيْلِ [الخيلى] وَ قَالَ إِذَا اجْتَمَعْتُمَا فَعَلِيٌّ عَلَى النَّاسِ قَالَ فَلَمَّا قَدِمْنَا إِلَى [عَلَى] النَّبِيِّ ص [وَ] فُتِحَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَ أَصَابُوا مِنَ الْغَنَائِمِ غَنَائِمَ كَثِيرَةً وَ أَخَذَ عَلِيُّ [بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع] جَارِيَةً مِنَ الْخُمُسِ قَالَ فَقَالَ خَالِدٌ [يَا بُرَيْدَةُ]. و أورده العلّامة المجلسي في البحار ج 37 ص 63. ابو مسلم عبد اللّه بن ثوب اليماني الزاهد الشاميّ التابعي وثقه كافة من ذكره. التهذيب.. هذه القصة ممّا تواتر نقلها في الأخبار لدى الفريقين فانظر ترجمة أمير المؤمنين من تاريخ دمشق ط 2 ح 458 إلى 500. و أخرجه النسائي في الخصائص و أحمد في الفضائل و أبو جعفر الكوفيّ في المناقب في مواضع و الحاكم في المستدرك و... بأسانيد شتّى و بألفاظ مختلفة في الايجاز و التفصيل. اغْتَنِمْهَا إِلَى النَّبِيِّ ص فَأَخْبِرْهُ وَ إِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ عَيْنَيْهِ فَقَالَ بُرَيْدَةُ فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ وَ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَأَتَيْتُ مَنْزِلَ النَّبِيِّ [ص] وَ رَسُولُ اللَّهِ [ص] فِي بَيْتِهِ وَ نَفَرٌ عَلَى بَابِهِ جُلُوسٌ قَالَ وَ إِلَيْكَ الْمَفَرُّ [المقر] عِنْدَ النَّاسِ أَئِمَّةً قَالَ فَقَالُوا يَا بُرَيْدَةُ مَا الْخَبَرُ قَالَ خَبَرُ فَتْحِ اللَّهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَأَصَابُوا مِنَ الْغَنَائِمِ مَا لَمْ يُصِيبُوا مِثْلَهَا قَالُوا فَمَا أَقْدَمَكَ [قَدَّمَكَ] قَالَ بَعَثَنِي خَالِدٌ [كَيْ] أُخْبِرَ النَّبِيَّ [ص بِجَارِيَةٍ] أَخَذَهَا عَلِيُّ [بْنُ أَبِي طَالِبٍ ع] مِنَ الْخُمُسِ [قَالَ فَقَالُوا] فَأَخْبِرْهُ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ مِنْ عَيْنَيْهِ قَالَ وَ رَسُولُ اللَّهِ [ص] يَسْمَعُ الْكَلَامَ قَالَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ص مُغْضَباً كَأَنَّمَا يُقْفَأُ فِي حَبِّ الزمان [الرُّمَّانِ] فَقَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَنْتَقِصُونَ عَلِيّاً مَنْ يَنْقُصْ عَلِيّاً فَقَدْ يَنْقُصُنِي وَ مَنْ فَارَقَ عَلِيّاً فَقَدْ فَارَقَنِي إِنَّ عَلِيّاً مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ خَلَقَهُ اللَّهُ مِنْ طِينَتِي وَ خُلِقْتُ مِنْ طِينَةِ إِبْرَاهِيمَ وَ أَنَا أَفْضَلُ مِنْ إِبْرَاهِيمَ وَ فَضْلُ إِبْرَاهِيمَ لِي ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَيْحَكَ يَا بُرَيْدَةُ أَ مَا عَلِمْتَ أَنَّ لِعَلِيِّ [بْنِ أَبِي طَالِبٍ ع] فِي الْخُمُسِ أَفْضَلَ مِنَ الْجَارِيَةِ الَّتِي أَخَذَهَا وَ أَنَّهُ وَلِيُّكُمْ مِنْ بَعْدِي قَالَ فَلَمَّا رَأَيْتُ شِدَّةَ غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ص قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَسْأَلُكَ بِحَقِّ الصُّحْبَةِ إِلَّا بَسَطْتَ لِي يَدَكَ حَتَّى أُبَايِعَكَ عَلَى الْإِسْلَامِ جَدِيداً قَالَ فَمَا فَارَقْتُ [رَسُولَ اللَّهِ ص] حَتَّى بَايَعْتُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ جَدِيداً. - فُرَاتٌ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَسَنُ [الْحُسَيْنُ] بْنُ عَلِيِّ بْنِ بَزِيعٍ مُعَنْعَناً عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيِّ قَالَ: لَمَّا بَايَعَ النَّاسُ لِأَبِي بَكْرٍ دَخَلَ أَبُو ذَرٍّ [الْغِفَارِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي] الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَ نُوحاً وَ آلَ إِبْراهِيمَ وَ آلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ. ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَ اللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ فَأَهْلُ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ هُمُ الْآلُ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ وَ الصَّفْوَةُ وَ السُّلَالَةُ مِنْ إِسْمَاعِيلَ وَ الْعِتْرَةُ الْهَادِيَةُ مِنْ مُحَمَّدٍ ص فَبِمُحَمَّدٍ [فمحمد] شُرِّفَ شَرِيفُهُمْ فَاسْتَوْجَبُوا حَقَّهُمْ وَ نَالُوا الْفَضِيلَةَ مِنْ رَبِّهِمْ [فَأَهْلُ بَيْتِ مُحَمَّدٍ فِينَا] كَالسَّمَاءِ الْمَبْنِيَّةِ وَ الْأَرْضِ الْمَدْحِيَّةِ وَ الْجِبَالِ الْمَنْصُوبَةِ وَ الْكَعْبَةِ. أبو رجاء العطاردي عمران بن ملحان البصري وثقه جمع من الأعلام توفّي سنة 117. التهذيب. و في خ: و الكعبة المبنية و الشمس المشرقة و القمر الساري و النجوم. مثل الرواية التالية. و أيضا في خ: و بورك في زيتها. كما في الحديث التالي. الْمَسْتُورَةِ وَ الشَّمْسِ الضَّاحِيَةِ وَ النُّجُومِ الْهَادِيَةِ وَ الشَّجَرَةِ الزَّيْتُونَةِ [النُّبُوَّةِ الْمَنْبُوتَةِ] أَضَاءَ زَيْتُهَا وَ بُورِكَ مَا حَوْلَهَا فَمُحَمَّدٌ ص وَصِيُّ آدَمَ وَ وَارِثُ عِلْمِهِ وَ إِمَامُ الْمُتَّقِينَ وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ وَ تَأْوِيلُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ [وَ] عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [ع] الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ وَ الْفَارُوقُ الْأَعْظَمُ وَ وَصِيُّ مُحَمَّدٍ [ص] وَ وَارِثُ عِلْمِهِ وَ أَخُوهُ فَمَا بَالُكُمْ أَيَّتُهَا الْأُمَّةُ الْمُتَحَيِّرَةُ بَعْدَ نَبِيِّهَا لَوْ قَدَّمْتُمْ [قدمتموهم] مَنْ قَدَّمَ اللَّهُ وَ خَلَّفْتُمُ الْوَلَايَةَ لِمَنْ خَلَّفَهَا النَّبِيُّ [ص] وَ اللَّهِ لَمَا عَالَ وَلِيُّ اللَّهِ وَ لَمَا اخْتَلَفَ [اخْتَلَفَا اختلفتا] اثْنَانِ فِي حُكْمٍ وَ لَا سَقَطَ سَهْمٌ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ وَ لَا تَنَازَعَتْ هَذِهِ [بهذه] الْأُمَّةُ [وَ] فِي شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِهَا إِلَّا وَجَدْتُمْ عِلْمَ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ فَذُوقُوا وَبَالَ مَا فَرَّطْتُمْ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ

تفسير فرات الكوفي - الصفحة ٧٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
(112). و أخرجه العيّاشيّ في تفسيره عن حمدان بن أحمد عن محمّد بن خالد الطيالسي عن سيف بن عميرة عن إسحاق بن عمّار عن أبي بصير عنه، و أخرجه الكليني في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن محمّد بن عيسى عن يونس و بسند آخر عن عليّ بن محمّد عن سهل عن أبي سعيد بن عيسى عن يونس عن ابن مسكان عن أبي بصير عن الصادق (عليه السلام). هذا و أخرجه العيّاشيّ بسند آخر عن الصادق أيضا. و قد نقل رواية العيّاشيّ الحاكم الحسكاني في شواهد التنزيل مقتصرا على المقدار الموجود في فرات، و الحديث طويل ففي العيّاشيّ بعد هذا الحديث كلام يقرب من 12 سطرا فراجع. و في رواية الكافي عن الصادق (عليه السلام) في نهاية الحديث (لكثرة ما بلغ فيه) بدل (لكبره و لما بلغ فيه) و ذيل رواية العيّاشيّ يعضد نسخة فرات و المقصود لكبره بالنسبة إلى أهل البيت حيث ذكرهم فيما سبق و فسر (أُولِي الْأَمْرِ)* بهم. [ع] فَأَدْخَلَهُمْ تَحْتَ الْكِسَاءِ فِي بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ اللَّهُ

مَّ إِنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ ثَقَلًا وَ أَهْلًا فَهَؤُلَاءِ ثَقَلِي وَ أَهْلِي فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ أَ لَسْتُ مِنْ أَهْلِكَ فَقَالَ إِنَّكِ إِلَى [عَلَى] خَيْرٍ وَ لَكِنَّ هَؤُلَاءِ ثَقَلِي وَ أَهْلِي فَمَا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ص كَانَ عَلِيٌّ أَوْلَى النَّاسِ بِهَا لِكِبَرِهِ وَ لَمَّا بَلَغَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ [ص] وَ أَقَامَهُ وَ أَخَذَهُ بِيَدِهِ. وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً

تفسير فرات الكوفي - الصفحة ١١٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
رَجُلٌ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ

نَعَمْ حِجَّةٌ وَ عُمْرَةٌ حَتَّى عَدَّ عَشْراً أَبِي ره قَالَ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ صَالِحٍ النِّيلِيِّ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام مَنْ أَتَى قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام عَارِفاً بِحَقِّهِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ مَنْ أَعْتَقَ أَلْفَ نَسَمَةٍ وَ كَمَنْ حَمَلَ أَلْفَ فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مُسْرَجَةً مُلْجَمَةً أَبِي ره قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ الْحِمْيَرِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ صَالِحِ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَدَائِنِيِّ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام جُعِلْتُ فِدَاكَ آتِي قَبْرَ الْحُسَيْنِ عليه السلام قَالَ نَعَمْ يَا أَبَا سَعِيدٍ ائْتِ قَبْرَ ابْنِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَطْيَبِ الطَّيِّبِينَ وَ أَطْهَرِ الطَّاهِرِينَ وَ أَبَرِّ الْأَبْرَارِ وَ إِذَا زُرْتَهُ كَتَبَ اللَّهُ لَكَ عِتْقَ خَمْسٍ وَ عِشْرِينَ رَقَبَةً وَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ مُوسَى بْنِ سَعْدَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبَانٍ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ قَالَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّ أَرْبَعَةَ آلَافِ مَلَكٍ عِنْدَ قَبْرِ الْحُسَيْنِ عليه السلام شُعْثٌ غُبْرٌ يَبْكُونَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بَيْنَهُمْ مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ مَنْصُورٌ فَلَا يَزُورُهُ زَائِرٌ إِلَّا اسْتَقْبَلُوهُ وَ لَا يُوَدِّعُهُ مُوَدِّعٌ إِلَّا شَيَّعُوهُ وَ لَا يَمْرَضُ إِلَّا عَادُوهُ وَ لَا يَمُوتُ إِلَّا صَلَّوْا عَلَى جِنَازَتِهِ وَ اسْتَغْفَرُوا لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ وَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الصَّفَّارُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ قَالَ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ وَكَّلَ اللَّهُ بِقَبْرِ الْحُسَيْنِ عليه السلام سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ عَدَدَ كُلِّ يَوْمٍ شُعْثٌ غُبْرٌ وَ يَدْعُونَ لِمَنْ زَارَهُ وَ يَقُولُونَ يَا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ زُوَّارُ الْحُسَيْنِ افْعَلْ بِهِمْ افْعَلْ بِهِمْ

ثواب الأعمال و عقاب الأعمال - الصفحة ٨٧. — الإمام الصادق عليه السلام
محمد بن علي باقر العلم (عليهما السلام) جمع ولده وفيهم زيد بن علي ثم أخرج كتابا إليهم بخط علي (عليه السلام) وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكتوب فيه: " هذا كتاب من الله العزيز الحكيم ". وذكر حديث اللوح إلى الموضع الذي يقول فيه: أولئك هم المهتدون. ثم قال في آخره قال عبد العظيم: العجب كل العجب لمحمد بن جعفر وخروجه إذ سمع أباه (عليه السلام) يقول هكذا ويحكيه، ثم قال

" هذا سر الله ودينه ودين ملائكته فصنه إلا عن أهله وأوليائه ". ثم قال ابن بابويه: حدثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب، وأحمد بن هارون الفامي - رضي الله عنهما - قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي، عن مالك السلولي، عن درست عن عبد الحميد، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن جبلة، عن أبي السفاتج، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام)، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على مولاتي فاطمة ( (عليها السلام) ) وقدامها لوح يكاد ضوؤه يغشي الأبصار، فيه اثنا عشر اسما ثلاثة في ظاهره، وثلاثة في باطنه، وثلاثة أسماء في آخره وثلاثة أسماء في طرفه، فعددتها فإذا هي اثنا عشر اسما فقلت: أسماء من هؤلاء؟ قالت: " هذه أسماء الأوصياء أولهم ابن عمي وأحد عشر من ولدي، آخرهم المهدي "، قال جابر: فرأيت فيها محمدا محمدا محمدا في ثلاثة مواضع، وعليا وعليا وعليا وعليا في أربعة مواضع. ثم قال ابن بابويه: وحدثنا أحمد بن محمد العطار (رحمه الله) قال: حدثنا أبي، عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، عن جابر ابن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على فاطمة ( (عليها السلام) ) وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء، فعددت اثني عشر اسما آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد، وأربعة منهم علي صلوات الله عليهم. قلت: حديث اللوح متكرر بالأسانيد الكثيرة متأول بين العلماء مستفيض الرواية، وقد ذكره الحمويني - وهو أحد أعيان علماء العامة - وقد تقدم من طريقه في الباب الثاني عشر السابق وهو

غاية المرام وحجة الخصام - ج ١ - الصفحة ٢٢٢. — الإمام السجاد عليه السلام

حباهم رب العلى * * * ثم صفاهم من كدر قد فاز من والاهم * * * وخاب من عادى الزهر آخرهم يشفي الظنا * * * وهو الإمام المنتظر عترتك الأخيار لي * * * والتابعون ما أمر من كان عنهم معرضا * * * فسوف تصلاه سقر الثالث والثلاثون: إبراهيم بن محمد الحمويني قال: أنبأني المشايخ الكرام السيد جمال الدين رضي الإسلام أحمد بن طاووس الحسني والسيد الإمام النسابة جلال الدين عبد الحميد بن فخار ابن معد بن فخار الموسوي وعلامة زمانه نجم الدين أبو القاسم جعفر بن الحسن بن يحيى بن سعيد الحليون (رضي الله عنهم) كتابة عن السيد الإمام شمس الدين شيخ الشرف فخار بن معد بن فخار الموسوي عن شاذان بن جبرائيل القمي عن جعفر بن محمد الدورستي عن أبيه عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي (رضي الله عنه) قال: حدثني أبي ومحمد بن الحسن (رضي الله عنهما) قالا: حدثنا سعد بن عبد الله وعبد الله بن جعفر الحميري جميعا عن أبي الخير صالح بن أبي حماد والحسن بن طريف جميعا عن بكر بن صالح، وحدثنا أبي ومحمد بن موسى بن المتوكل ومحمد بن علي ماجيلويه وأحمد بن علي بن إبراهيم والحسين بن إبراهيم بن ناتانه وأحمد بن زياد الهمداني (رضي الله عنهم) قالوا: حدثنا علي بن إبراهيم عن أبيه إبراهيم بن هاشم روح الله روحيهما عن بكر بن صالح عن عبد الرحمن بن سالم عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه الصلاة والسلام قال: " قال أبي (عليه السلام) لجابر بن عبد الأنصاري: إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها؟ فقال له جابر: في أي الأوقات شئت، فخلا به أبي (عليه السلام) فقال له: يا جابر، أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يدي أمي فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وما أخبرتك به أن في ذلك اللوح مكتوبا فقال جابر: أشهد الله أني دخلت على أمك فاطمة (عليها السلام) في حياة رسول الله أهنيها بولادة الحسين فرأيت في يدها لوحا أخضر ظننت أنه زمرد ورأيت فيه كتابا أبيض شبه نور الشمس فقلت لها: بأبي أنت وأمي يا بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما هذا اللوح؟ فقالت: هذا اللوح أهداه الله إلى رسوله (صلى الله عليه وآله) فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي فأعطانيه أبي ليبشرني بذلك، قال جابر: فأعطتنيه أمك فاطمة فقرأته وانتسخته فقال

غاية المرام وحجة الخصام - ج ٢ - الصفحة ١٦٤. — فاطمة الزهراء عليها السلام
عميرة وصالح بن عقبة جميعا عن قيس بن سمعان عن علقمة بن محمد الحضرمي عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) وذكر خطبة رسول الله ( صلى الله عليه وآله قال

(صلى الله عليه وآله): " معاشر الناس إن عليا والطيبين من ولدي هم الثقل الأصغر والقرآن هو الثقل الأكبر فكل واحد منبئ عن صاحبه وموافق له لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، [ هم ] أمناء الله في خلقه وحكامه في أرضه، ألا وقد أديت ألا وقد بلغت ألا وقد أسمعت ألا وقد أوضحت ألا وإن الله عز وجل قال: وإنما قلت عن قول الله عز وجل ألا إنه ليس أمير المؤمنين غير أخي هذا ولا تحل إمرة المؤمنين [ بعدي ] لأحد غيره ". وروى ذلك أيضا ابن الفارسي في روضة الواعظين عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) وذكر الخطبة بطولها وقد تقدمت. الخامس والثلاثون: الطبرسي في الاحتجاج عن أبي المفضل محمد بن عبد الله الشيباني بإسناده الصحيح عن رجال ثقة عن ثقة أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج في مرضه الذي توفي فيه إلى الصلاة متكئا على الفضل بن العباس وغلام له يقال له ثوبان، وهي الصلاة التي أراد التخلف عنها لثقله، ثم حمل على نفسه (صلى الله عليه وآله) وخرج، فلما صلى عاد إلى منزله فقال لغلامه: " اجلس على الباب ولا تحجب أحدا من الأنصار، وتجلاه الغشي وجاءت الأنصار فأحدقوا بالباب فقالوا: ائذن لنا على رسول الله، فقال: هو مغشي عليه وعنده نساؤه، فجعلوا يبكون، فسمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) البكاء فقال: من هؤلاء؟ قالوا: الأنصار، فقال (صلى الله عليه وآله): من ههنا من أهل بيتي؟ قالوا: علي والعباس، فدعاهما وخرج متوكئا عليهما فاستند إلى جذع من أساطين مسجده وكان الجذع جريد نخل فاجتمع الناس وخطب وقال في كلامه: " إنه لم يمت نبي قط إلا خلف تركة وقد خلفت فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي [ ألا ] فمن ضيعهم ضيعه الله، ألا وإن الأنصار كرشي التي آوي إليها وإني أوصيكم بتقوى الله والإحسان إليهم فأقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم ". السادس والثلاثون: سليم بن قيس الهلالي قال: بينا أنا وحبيش بن المعتمر بمكة إذ قام أبو ذر فأخذ بحلقة الباب ثم نادى بأعلى صوته في الموسم: أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن جهلني فأنا جندب [ بن جنادة ] أنا أبو ذر، أيها الناس إني سمعت نبيكم يقول: " إن مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح في قومه من ركبها نجا ومن تركها غرق ومثل باب حطة في بني إسرائيل ". أيها الناس إني سمعت نبيكم يقول: إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما:

غاية المرام وحجة الخصام - ج ٢ - الصفحة ٣٤٥. — الإمام الباقر عليه السلام

بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضته الذي توفى فيها فدخلت فاطمة (عليها السلام) ورأيت ما بأبيها من الضعف بكت حتى جرت دمعتها على خديها فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): " وما يبكيك يا فاطمة قالت: يا رسول الله أخشى على نفسي وولدي الضيعة بعدك فاغرورقت عينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالبكاء ثم قال: يا فاطمة ما علمت إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا وإنه ختم الفناء على جميع خلقه، وإن الله تبارك وتعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة فاختارني من خلقه ثم اطلع اطلاعة ثانية واختار زوجك فأوحى الله إلي أن أزوجك إياه وأن أتخذه وليا ووزيرا وأن اجعله خليفتي في أمتي، فأبوك خير أنبياء الله ورسله وبعلك خير الأوصياء وأنت أول من يلحق بي من أهلي، ثم اطلع إلى الأرض ثالثة فاختارك وولدك فأنت خير نساء أهل الجنة وابناك حسن وحسين سيدا شباب أهل الجنة وأنا وبعلك وأوصيائي إلى يوم القيامة كلهم هاديون مهديون أول الأوصياء بعدي أخي ثم الحسن ثم الحسين ثم تسعة من ولد الحسين في درجتي وليس في الجنة درجة أقرب إلى الله من درجتي ودرجة أخي. أما تعلمين يا بني أن من كرامة الله إياك أن زوجك خير أمتي وخير أهل بيتي وأقدمهم سلما وأعظمهم حلما وأكثرهم علما، فاستبشرت فاطمة (عليها السلام) وفرحت بما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال: يا بنية إن لبعلك مناقب إيمانه بالله ورسوله قبل كل أحد لم يسبقه إلى ذلك أحد من أمتي وعلمه بكتاب الله عز وجل وسنتي فليس أحد من أمتي يعلم جميع علمي غير علي (عليه السلام) وأن الله عز وجل علمه علما لا يعلمه غيره وعلم ملائكته ورسله علما فكلما علمه ملائكته ورسله فأنا أعلمه وأمرني الله أن أعلمه إياه فقلت: فليس أحد من أمتي يعلم جميع علمي وفهمي وحكمي غيره وإنك يا بنية زوجته وابناه سبطاي حسن وحسين وهما سبطا أمتي وأمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فإن الله آتاه الحكمة وفصل الخطاب. يا بنتي إنا أهل بيت أعطانا الله ست خصال لم يعطها أحد من الأولين كان قبلكم ولا أحدا من الآخرين غيرنا: نبينا سيد الأنبياء وهو أبوك ووصينا سيد الأوصياء وهو بعلك وشهيدنا سيد الشهداء وهو حمزة عم أبيك قالت: يا رسول الله هو سيد الشهداء الذين قتلوا معك. قال: لا بل سيد الشهداء الأولين والآخرين ما خلا الأنبياء والأوصياء وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين الطيار في الجنة مع الملائكة وابناك حسن وحسين سبطا أمتي وسيدا شباب أهل الجنة منا، والذي نفسي بيده مهدي هذه الأمة الذي يملأها قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما قالت: وأي هؤلاء الذين سميتهم أفضل قال: علي بعدي أفضل أمتي وحمزة وجعفر أفضل أهل بيتي بعد

غاية المرام وحجة الخصام - ج ٥ - الصفحة ١٤. — فاطمة الزهراء عليها السلام
معه يطوفان فقلنا: يا أبا الفضل إن هذا الدين لم نكن نعرفه فيكم أو شئ حدث فقال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله والغلام علي بن أبي طالب والمرأة زوجته خديجة بنت خويلد ما على وجه الأرض أحد يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة. الخامس والعشرون: موفق بن أحمد، أخبرنا الشيخ الزاهد أبو الفرج الحسن بن علي بن أحمد العاصمي، أخبرنا القاضي زين الإسلام شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، أخبرنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة أخبرني عمرو بن مرة قال: سمعت أبا حمزة عن زيد ابن أرقم قال

أول من صلى مع النبي (صلى الله عليه وآله) علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه). السادس والعشرون: موفق بن أحمد بهذا الإسناد عن أحمد بن الحسين الحافظ هذا، أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي خشيش المقرئ بالكوفة، حدثنا أبو جعفر بن رحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا سفيان وشعبة عن سلمة بن كهيل عن حبة العرني قال: سمعت عليا (رضي الله عنه) يقول: " أنا أول من أسلم ". السابع والعشرون: موفق بن أحمد بهذا الإسناد عن أحمد بن الحسين هذا، أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا علي بن هاشم عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أبي رافع قال: صلى النبي (صلى الله عليه وآله) أول يوم الاثنين وصلت خديجة آخر يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء من الغدو صلى مستخفيا قبل أن يصلي مع النبي (صلى الله عليه وآله) أحد سبع سنين وأشهر، قال (رضي الله عنه): هذا الحديث إن صح فتأويله أنه صلى سبع سنين مع النبي قبل جماعة تأخرت في إسلامها لأنه صلى سبع سنين قبل عبد الرحمن بن عوف وعثمان وسعد بن أبي وقاص وغيرهم وطلحة والزبير فإن هذه المدة التي بين إسلام هؤلاء وإسلام علي (عليه السلام) لا تمتد إلى هذه الغاية عند أصحاب التواريخ كلهم.

غاية المرام وحجة الخصام - ج ٥ - الصفحة ١٥٨. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الأول: محمد بن يعقوب في الكافي عن أبي علي الأشعري عن الحسن بن علي الكوفي عن العباس بن عامر عن سيف بن عميرة عن عبد الرحمن العزرمي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول

" وجد رجل مع رجل في إمارة عمر فهرب أحدهما وأخذ الآخر، فجئ به إلى عمر فقال للناس ما ترون؟ قال: فقال هذا: اصنع كذا، وقال هذا: اصنع كذا قال: فما تقول يا أبا الحسن؟ قال: اضرب عنقه فضرب عنقه قال: ثم أراد أن يحمله فقال: مه إنه قد بقي من حدوده شئ، قال: أدع بحطب، فدعا عمر بحطب فأمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) فأحرق به ". الثاني: الشيخ في التهذيب قال: أخبرني الشيخ يعني المفيد أيده الله عن أحمد بن محمد عن أبيه عن الحسين بن الحسن بن أبان عن حسين بن سعيد عن حماد عن ربعي بن عبد الله عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها ولا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، وقال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فقال عمر لعلي (عليه السلام): ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال علي (عليه السلام). أتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من ماء؟ إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر: القول ما قال المهاجرون، ودعوا ما قالت الأنصار ". الثالث: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن موسى بن بكر عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: " إن الوليد بن عتبة حين شهد عليه بشرب الخمر قال عثمان لعلي (عليه السلام): اقض بينه وبين هؤلاء الذين زعموا أنه شرب الخمر، فأمر به فجلد بسوط له شعبتان أربعين جلدة ".

غاية المرام وحجة الخصام - ج ٥ - الصفحة ٢٧٠. — الإمام الصادق عليه السلام

الثامن: الشيخ في أماليه قال: أخبرنا محمد بن محمد قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد الكاتب قال: أخبرني الحسن بن علي الزعفراني عن إبراهيم بن محمد الثقفي قال: حدثنا أبو جعفر السعدي قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدثنا قيس بن الربيع قال: حدثنا سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن الحوض فقال (صلى الله عليه وآله): " أما إذا سألتموني عنه فسأخبركم أن الحوض أكرمني الله به وفضلني على من كان قبلي من الأنبياء، وهو ما بين أيلة وصنعاء فيه من الآنية عدد نجوم السماء، يسيل فيه خليجان من الماء، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، حصاه الزمرد والياقوت، بطحاؤه مسك أذفر، شرط مشروط من ربي لا يرده أحد من أمتي إلا النقية قلوبهم الصحيحة نياتهم المسلمون للوصي من بعدي الذين يعطون ما عليهم في يسر، ولا يأخذون ما عليهم في عسر، يذود عنهم يوم القيامة من ليس من شيعته كما يذود الرجل البعير الأجرب من إبله، من شرب منه لم يظمأ أبدا ". التاسع: الشيخ في أماليه قال: أخبرنا أبو عمر قال: أخبرنا أحمد قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسين قال: حدثنا خزيمة بن ماهان المروزي قال: حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يأتي على الناس يوم القيامة وقت ما فيه راكبا إلا نحن أربعة " فقال له العباس بن عبد المطلب عمه: فداك أبي وأمي من هؤلاء الأربعة؟ قال: " أنا على البراق، وأخي صالح على ناقة الله التي عقرها قومه، وعمي حمزة أسد الله وأسد رسوله على ناقتي العضباء، وأخي علي بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنة مدبجة الجنبين، عليه حلتان خضراوان من كسوة الرحمن، على رأسه تاج من نور، لذلك التاج سبعون ركنا، على كل ركن ياقوتة حمراء تضئ للراكب مسيرة ثلاثة أيام، وبيده لواء الحمد ينادي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فيقول الخلائق: من هذا؟ ملك مقرب أو نبي مرسل أو حامل عرش، فينادي مناد من بطن العرش: ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل ولا حامل عرش، هذا علي بن أبي طالب وصي رسول رب العالمين وأمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين في جنات النعيم ". العاشر: الشيخ في أماليه قال: أخبرنا أبو عمر قال: أخبرنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن حمزة عن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " أتزعمون أن رحم نبي الله لا تنفع يوم القيامة؟ بلى والله إن رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة - ثم قال - يا أيها الناس أنا فرطكم على الحوض، فإذا جئت

غاية المرام وحجة الخصام - ج ٧ - الصفحة ٤٤. — الإمام الباقر عليه السلام
و إنجاز وعده في قوله: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَ الْفَتْحُ [1] إلى آخرها، و قوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ [2] الآية، و كانت الأعين إليها ممتدّة، و الرقاب متطاولة، و كتم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أمره حين أرادها، و أخبر به عليّا (عليه السلام)، و كان شريكه في الرأي، و أمينه على السرّ، ثمّ عرف أبا بكر و جماعة من أصحابه بعد ذلك، و جرى الأمر في ذلك على حال ما زال أمير المؤمنين منفردا بالفضل فيها. فمن ذلك أنّ حاطب بن أبي بلتعة و كان من أهل مكّة و شهد بدرا، كتب إلى أهل مكة كتابا بطلعهم على سرّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و مسيرة إليهم، فجاء الوحي إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بما فعل، و كان أعطى الكتاب امرأة سوداء كانت وردت المدينة مستميحة [3] و أمرها أن تأخذ على غير الطريق، فاستدعى (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) عليّا (عليه السلام) و قال

إنّ بعض أصحابي قد كاتب أهل مكة يخبرهم بخبرنا، و قد كنت سألت اللّه أن يعمي أخبارنا عليهم، و الكتاب مع امرأة سوداء و قد أخذت على غير الطريق، فخذ سيفك و ألحقها و انتزع الكتاب منها و خلّها وعد إليّ، و أنفذ الزبير معه فمضيا و أدركا الامرأة و سبق إليها الزبير و سألها عن الكتاب فأنكرته و حلفت، فقال الزبير: ما أرى معها كتابا يا أبا الحسن فارجع بنا إلى رسول اللّه نخبره ببراءة ساحتها، فقال أمير المؤمنين: يخبرني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّ معها كتابا و يأمرني بأخذه و تقول: لا كتاب معها، ثمّ اخترط سيفه [4] و قال: و اللّه لئن لم تخرجي الكتاب لأضربنّ عنقك، فقالت: إذا كان كذلك فاعرض عنّي حتّى أخرجه، فأعرض بوجهه فكشفت وجهها و أخرجته من عقيصتها [5] فأخذه أمير المؤمنين (عليه السلام) و صار إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). فأمر أن ينادي بالصلاة جامعة، فنودي و اجتمعوا، ثمّ صعد المنبر و أخذ الكتاب فقال: أيّها الناس إني كنت سألت اللّه عزّ اسمه أن يخفي أخبارنا عن قريش، و إنّ رجلا كتب إلى أهله يخبرهم خبرنا، فليقم صاحب الكتاب و إلّا فضحه الوحي، فلم يقم

كشف الغمة في معرفة الأئمة - ج ١ - الصفحة ٢١٩. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام

الحديث، فقال: ربّ إنّك أرسلتني إلى عبد لا يحب الموت، فأوحى اللّه إليه أن ضع يدك على متن ثور، و لك بكلّ شعرة وارتها يدك سنة، فقال: ثمّ ما ذا؟ فقال: الموت، فقال: انته إلى أمر ربّك في كلام هذا معناه، فإنّ الحديث لم يحضرني وقت نقل هذا الموضع فأثبته بصورة ألفاظه. فهؤلاء الأنبياء (عليهم السلام) و هم ممّن قد عرفت شرفهم و علا شأنهم، و ارتفاع مكانهم و محلّهم في الآخرة، و قد عرفوا ذلك و أبت طباعهم البشريّة إلّا الرغبة في الحياة، و فاطمة (عليها السلام) امرأة حديثة عهد بصبى، ذات أولاد صغار و بعل كريم، لم تقض من الدنيا إربا [1] و هي في غضارة عمرها، و عنفوان شبابها، يعرّفها أبوها أنّها سريعة اللحاق به فتسلو موت أبيها (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و تضحك طيّبة نفسها بفراق الدنيا و فراق بنيها و بعلها فرحة بالموت، مائلة إليه، مستبشرة بهجومه، مسترسلة عند قدومه، و هذا أمر عظيم لا تحيط الألسن بصفته، و لا تهتدي القلوب إلى معرفته، و ما ذاك إلّا لأمر علمه اللّه من أهل هذا البيت الكريم، و سرّ أوجب لهم مزيّة التقديم، فخصّهم بباهر معجزاته، و أظهر عليهم آثار علائمه و سماته، و أيّدهم ببراهينه الصادعة و دلالاته، و اللّه أعلم حيث يجعل رسالاته، الحديث ذو شجون. و روى أحمد في مسنده يرفعه إلى أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): الحسن و الحسين سيّدا شباب أهل الجنّة، و فاطمة سيدة نسائهم صلّى اللّه عليهم إلّا ما كان لمريم ابنة عمران. فأمّا آية الطهارة: فقد أوردها أحمد بن حنبل رحمة اللّه عليه في مسنده عن أمّ سلمة و عائشة رضي اللّه عنهما بطرق كثيرة لفاطمة (عليها السلام) و لولديها (عليهما السلام) فيها من الحظ ما لعلي (عليه السلام) و قد أوردتها في أخباره (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فلم أعدها هنا. و روى ابن خالويه في كتاب الآل قال: حدّثني أبو عبد اللّه الحنبلي قال: (حدّثنا) محمّد بن أحمد بن قضاعة قال: حدّثنا أبو معاذ عبدان بن محمّد قال: حدّثني مولاي أبو محمّد الحسن بن علي، عن أبيه علي بن محمّد، عن أبيه محمّد بن علي، عن أبيه، علي بن موسى، عن أبيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمّد، عن أبيه

كشف الغمة في معرفة الأئمة - ج ١ - الصفحة ٤٣٢. — الله تعالى (حديث قدسي)