القياس الطبي و اللّه تعالى أعلم بحال الجميع، و إليه المصير و عند اللّه تجتمع الخصوم. و رأيت في كتاب يعرف بكتاب النديم لم يحضرني عند جمع هذا الكتاب أنّ جماعة من بني العباس كتبوا إلى المأمون يسفّهون رأيه في تولية الرضا (عليه السلام) العهد بعده، و إخراجه عنهم إلى بني علي (عليه السلام)، و يبالغون في تخطئته و سوء رأيه، فكتب إليهم جوابا غليظا سبّهم فيه، و نال من أعراضهم و قال فيهم القبائح، و قال من جملة ما قال و بقي على خاطري: أنتم نطف السكارى في أرحام القيان إلى غير ذلك، و ذكر الرضا (عليه السلام) و نبّه على فضله و شرفه، و شرف نفسه و بيته، و هذا و أمثاله ممّا ينفي عن المأمون الإقدام على إزهاق تلك النفس الطاهرة و السعي فيما يوجب خسران الدنيا و الآخرة و اللّه أعلم. قال ابن الخشّاب رحمه اللّه: ذكر أبي الحسن الرضا علي بن موسى الأمين بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب صلوات اللّه عليهم أجمعين. و بهذا الإسناد عن محمّد بن سنان: توفي و له تسع و أربعون سنة و أشهر في سنة مأتي سنة و ستّة من الهجرة، و كان مولده سنة مائة و ثلاث و خمسين من الهجرة بعد مضي أبي عبد اللّه بخمس سنين، و أقام مع أبيه خمسا و عشرين سنة إلّا شهرين، فكان عمره تسعا و أربعين سنة و أشهرا، و قبره بطوس بمدينة خراسان، أمّه الخيزران
كشف الغمة في معرفة الأئمة - ج ٢ - الصفحة ٨٠٦. — الإمام الرضا عليه السلام
كشف اليقين فى فضائل أمير المؤمنينعليهم السلام - الصفحة ٤٢٨. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
قَالَ الرِّضَا
ع لَقَدِ اجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ص فَسَأَلُوهُ أَنْ يُحْيِيَ لَهُمْ مَوْتَاهُمْ فَوَجَّهَ مَعَهُمْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ع فَقَالَ اذْهَبْ إِلَى الْجَبَّانَةِ فَنَادِ بِاسْمِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ الَّذِينَ يَسْأَلُونَ عَنْهُمْ بِأَعْلَى صَوْتِكَ يَا فُلَانُ وَ يَا فُلَانُ وَ يَا فُلَانُ يَقُولُ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ قُومُوا بِإِذْنِ اللَّهِ فَقَامُوا يَنْفُضُونَ التُّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ فَأَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ تَسْأَلُهُمْ عَنْ أُمُورِهِمْ ثُمَّ أَخْبَرُوهُمْ أَنَّ مُحَمَّداً ص قَدْ بُعِثَ نَبِيّاً فَقَالُوا وَدِدْنَا أَنَّا أَدْرَكْنَاهُ فَنُؤْمِنَ بِهِ وَ أَحْيَا ع النَّفَرَ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ فَخَاطَبَهُمْ وَ كَلَّمَهُمْ وَ عَيَّرَهُمْ بِكُفْرِهِمْ- قوله وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ و محمد كان ينبئ بأشياء كثيرة منها قصة خاطب بن أبي بلتعة و إنفاذ كتابه إلى مكة و منها قصة عباس و سبب إسلامه ابن جريح في قوله وَ يُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَ الْحِكْمَةَ إن الله تعالى أعطى عيسى تسعة أشياء من الحظ و لسائر الناس جزءا و رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أُوتِيتُ الْقُرْآنَ وَ مِثْلَيْهِ أنشد و إن كان من مات يحيى لكم * * * يناديه عيسى برب العلى فإن الذراع لقد سمها * * * يهود لأحمد يوم القرى فنادته أني لمسمومة * * * فلا تقربني وقيت الأذى اختير من أسمائه اثنا عشر اسما اسمان عبارة المزمل و المدثر و اسمان إشارة المذكر و المنذر و اسمان بشارة البشير و النذير و اسمان كرامة النبي و الرسول و اسمان كناية طه و يس و اسمان علامة محمد و أحمد. و اختير أيضا أربع الأول الشمس لأن من أيام عيسى إلى أيامه كان العالم ظلمانيا من الكفر فبلغ شريعته شرقا و غربا أشرق من الشمس و الثاني النجم و هو هداية على البلاد و النبي هداية إلى الرشاد و الثالث السراج فالبيت الظلماني يضيء بنوره فكذلك محبته تنور القلب و توقد من سراج ألف سراج و لا تنتقص و كذلك استنار العالم من نوره و لم تنقص منه و الضال في الظلمة يهدي به و يأمن من أهل الدار و الرابع طه قيل الطاء طوله و الهاء هدايته.
مناقب آل أبي طالب - ج ١ - الصفحة ٢٢٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
خزيمة بن ثابت فديت عليا إمام الورى * * * سراج البرية مأوى التقى وصي الرسول و زوج البتول * * * إمام البرية شمس الضحى تصدق خاتمه راكعا * * * فأحسن بفعل إمام الورى ففضله الله رب العباد * * * و أنزل في شأنه هل أتى و له أبا حسن تفديك نفسي و أسرتي * * * و كل بطيء في الهدى و مسارع أ يذهب مدح من محبك ضائعا * * * و ما المدح في جنب الإله بضائع فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا * * * علي فدتك النفس يا خير راكع فأنزل فيك الله خير ولاية * * * و بينها في محكمات الشرائع. و أنشأ حسان بن ثابت و هو في ديوان الحميري علي أمير المؤمنين أخو الهدى * * * و أفضل ذي نعل و من كان حافيا و أول من أدى الزكاة بكفه * * * و أول من صلى و من صام طاويا فلما أتاه سائل مد كفه * * * إليه و لم يبخل و لم يك جافيا فدس إليه خاتما و هو راكع * * * و ما زال أواها إلى الخير داعيا فبشر جبريل النبي محمدا * * * بذاك و جاء الوحي في ذاك ضاحيا. الحميري من كان أول من تصدق راكعا * * * يوما بخاتمه و كان مشيرا من ذاك قول الله
إن وليكم * * * بعد الرسول ليعلم الجمهورا وله و أول مؤمن صلى و زكى * * * بخاتمه على رغم الكفور و قد وجب الولاء له علينا * * * بذلك في الجهار و في الضمير و له نفسي الفداء لراكع متصدق * * * يوما بخاتمه فآب سعيدا
مناقب آل أبي طالب - ج ٣ - الصفحة ٦. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بَيْنَكَ وَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى الْخَبَرَ وَ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كُنِّيَ ع بِأَبِي تُرَابٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ يَا عَلِيُّ أَوَّلُ مَنْ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ أَنْتَ وَ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّا كُنَّا نَمْدَحُ عَلِيّاً إِذَا قُلْنَا لَهُ أَبَا تُرَابٍ السوسي أنا و جميع من فوق التراب * * * فدا لتراب نعل أبي تراب إمام مدحه ذكري و دأبي * * * و قلبي نحوه ما عشت صاب و له خدي فداء لنعل كان يلبسها * * * أبو تراب و من حذا على الترب لو كنت أحسن أن أجذى بمحجنة * * * لخاصف النعل لم أعدل و لم أغب- و سموه أصلع قريش من كثرة لبس الخوذ على الرأس قال ابن عباس كان عليا أنزع من الشرك بطين من العلم و ذلك مدح له عِلَلِ الشَّرَائِعِ عَنِ الْقُمِّيِّ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
(عليه السلام) إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً رَمَاهُ بِالصَّلَعِ فَتَحَاتُّ الشَّعْرُ مِنْ رَأْسِهِ وَ هَا أَنَا ذَا البختري ذكرتهم سيماه سيما علي * * * إذ غدا أصلعا عليهم بطينا- أبو نواس و مدامة من خمر حانة قرقف * * * صفراء ذات تلهب و تشعشع رقت كدين الناصبي و قد صفت * * * كصفا الولي الخاشع المتشيع باكرتها و جعلت أنشق ريحها * * * و أمص درتها كدرة مرضع في فتية رفضوا العتيق و نعثلا * * * و عنوا بأروع في العلوم مشفع و تيقنوا أن ليس ينفع في غد * * * غير البطين الهاشمي الأنزع
مناقب آل أبي طالب - ج ٣ - الصفحة ١١٢. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
واحدة فإذا احتاج إلى نصرتهم و اضطر إلى مرافدتهم قعدوا عن نصره و تثاقلوا عن صوته فمنع ترافد الأيدي الكثيرة و تناهض الأقدام الجمة وَ لَعَمْرِي مَا عَلَيَّ مِنْ قِتَالِ مَنْ خَالَفَ الْحَقَّ وَ خَابَطَ الْغَيَّ مِنْ إِدْهَانٍ وَ لَا إِيهَانٍ فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ وَ فِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنَ اللَّهِ وَ امْضُوا فِي الَّذِي نَهَجَهُ لَكُمْ وَ قُومُوا بِمَا عَصَبَهُ بِكُمْ فَعَلِيٌّ ضَامِنٌ لِفَلْجِكُمْ آجِلًا إِنْ لَمْ تُمْنَحُوهُ عَاجِلًا و قد تواترت عليه الأخبار باستيلاء أصحاب معاوية على البلاد و قدم عليه عاملاه على اليمن و هما عبيد الله بن عباس و سعيد بن نمران لما غلب عليها بسر بن أبي أرطاة فقام عليه السلام على المنبر ضجرا بتثاقل أصحابه عن الجهاد و مخالفتهم له في الرأي فقال مَا هِيَ إِلَّا الْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلَّا أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقَبَّحَكِ اللَّهُ (وَ تَمَثَّلَ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ) لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّنِي * * *عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا الْإِنَاءِ قَلِيلِ (ثُمَّ قَالَ عليه السلام
مَا عُبِدَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِثْلِ الْبَدَاءِ باب البداء الحديث الأول: صحيح. قوله: ما عبد الله بشيء مثل البداء، أي الإيمان بالبداء من أعظم العبادات أو أنه ادعى إلى العبادة من كل شيء، و اعلم أن البداء مما ظن أن الإمامية قد تفردت به و قد شنع عليهم بذلك كثير من المخالفين، و الأخبار في ثبوتها كثيرة مستفيضة من الجانبين و لنشر إلى بعض ما قيل في تحقيق ذلك ثم إلى ما ظهر لي من الأخبار مما هو الحق في المقام: اعلم أنه لما كان البداء ممدودا في اللغة بمعنى ظهور رأي لم يكن، يقال: بدا الأمر بدوا: ظهر، و بدا له في هذا الأمر بداء أي نشأ له فيه رأي كما ذكره الجوهري و غيره، فلذلك يشكل القول بذلك في جناب الحق تعالى لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله، و هذا محال، و لذا شنع كثير من المخالفين على الإمامية في ذلك نظرا إلى ظاهر اللفظ من غير تحقيق لمرامهم، حتى أن الناصبي المتعصب الفخر الرازي ذكر في خاتمة كتاب المحصل حاكيا عن سليمان بن جرير إن أئمة الرافضة وصفوا القول بالبداء لشيعتهم، فإذا قالوا إنه سيكون لهم أمر و شوكة ثم لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا: بد الله تعالى فيه. و أعجب منه أنه أجاب المحقق الطوسي ره في نقد المحصل عن ذلك لعدم .......... إحاطته قدس سره كثيرا بالأخبار بأنهم لا يقولون بالبداء، و إنما القول به ما كان إلا في رواية رووها عن جعفر الصادق عليه السلام أنه جعل إسماعيل القائم مقام بعده فظهر من إسماعيل ما لم يرتضه منه، فجعل القائم مقامه موسى عليه السلام، فسئل عن ذلك فقال: بدا لله في إسماعيل، و هذه رواية، و عندهم أن خبر الواحد لا يوجب علما و لا عملا" انتهى". فانظر إلى هذا المعاند كيف أعمت العصبية عينه حيث نسب إلى أئمة الدين الذين لم يختلف مخالف و لا مؤالف في فضلهم و علمهم و ورعهم و كونهم أتقى الناس و أعلاهم شأنا و رفعة، الكذب و الحيلة و الخديعة، و لم يعلم أن مثل هذه الألفاظ المجازية الموهمة لبعض المعاني الباطلة قد وردت في القرآن الكريم و أخبار الطرفين، كقوله تعالى:" اللّٰهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ"" و مَكَرَ اللّٰهُ*"" و لِيَبْلُوَكُمْ*"" و لِنَعْلَمَ*"" و يُرِيدُ اللّٰهُ*"" و وَجْهُ اللّٰهِ*"" و جَنْبِ اللّٰهِ" إلى غير ذلك مما لا يحصي، و قد ورد في أخبارهم ما يدل على البداء بالمعنى الذي قالت به الشيعة أكثر مما ورد في أخبارنا، كخبر دعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم على اليهودي، و إخبار عيسى عليه السلام و أن الصدقة و الدعاء يغيران القضاء و غير ذلك. و قال ابن الأثير في النهاية في حديث الأقرع و الأبرص و الأعمى: بدا لله عز و جل أن يبتليهم، أي قضى بذلك، و هو معنى البداء ههنا، لأن القضاء سابق، و البداء .......... استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم، و ذلك على الله غير جائز" انتهى". و قد قال سبحانه:" هُوَ الَّذِي. قَضىٰ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ" و قال المحقق الطوسي ره في التجريد: أجل الحيوان الوقت الذي علم الله بطلان حياته فيه، و المقتول يجوز فيه الأمران لولاه، و يجوز أن يكون الأجل لطفا للغير لا للمكلف، و قال العلامة ره في شرحه: اختلف الناس في المقتول لو لم يقتل، فقالت المجبرة: إنه كان يموت قطعا و هو قول العلاف، و قال بعض البغداديين: إنه كان يعيش قطعا، و قال أكثر المحققين: إنه كان يجوز أن يعيش و يجوز أن يموت ثم اختلفوا فقال قوم منهم: لو كان المعلوم منه البقاء لو لم يقتل له أجلان، و قال الجبائيان و أصحابهما و أبو الحسين: إن أجله هو الوقت الذي قتل فيه ليس له أجل آخر لو لم يقتل، فما كان يعيش إليه ليس بأجل له الآن حقيقي بل تقديري" انتهى" و قال تعالى:" يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتٰابِ". و قال الناصبي الرازي في تفسيره في هذه الآية قولان: الأول: أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، قالوا: إن الله يمحو من الرزق و يزيد فيه، و كذا القول في الأجل و السعادة و الشقاوة و الإيمان و الكفر، و هو مذهب عمرو بن مسعود، و رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. و الثاني: أنها خاصة في بعض الأشياء دون البعض، ففيها وجوه: " الأول": أن المراد من المحو و الإثبات نسخ الحكم المتقدم و إثبات حكم آخر بدلا عن الأول" الثاني" أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة و لا سيئة، لأنهم مأمورون بكتبة كل قول و فعل و يثبت غيره" الثالث" أنه تعالى .......... أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه، فإذا تاب عنه محي عن ديوانه" الرابع" يمحو الله ما يشاء، و هو من جاء أجله و يدع من لم يجيء أجله و يثبته" الخامس" أنه تعالى يثبت في أول السنة، فإذا مضت السنة محيت و أثبت كتاب آخر للمستقبل" السادس" يمحو نور القمر و يثبت نور الشمس" السابع" يمحو الدنيا و يثبت الآخرة" الثامن" أنه في الأرزاق و المحن و المصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء و الصدقة، و فيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى" التاسع" تغير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو، و ما حصل و حضر فهو الإثبات" العاشر" يزيل ما يشاء من حكمه، لا يطلع على غيبة أحد، فهو المتفرد بالحكم كما يشاء، و هو المستقبل بالإيجاد و الإعدام و الإحياء و الإماتة و الإغناء و الإفقار، بحيث لا يطلع على تلك الغيوب أحد من خلقه، و اعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم. فإن قال قائل: أ لستم تزعمون أن المقادير سابقه قد جفت بها القلم، فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو و الإثبات؟ قلنا: ذلك المحو و الإثبات أيضا مما قد جفت به القلم، فلا يمحو إلا ما قد سبق في علمه و قضائه محوه، ثم قال: قالت الرافضة: البداء جائز على الله تعالى، و هو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده، و تمسكوا فيه بقوله" يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ" انتهى كلامه لعنه الله. و لا أدري من أين أخذ هذا القول الذي افترى به عليهم، مع أن الكتب الإمامية المتقدمين عليه كالصدوق و المفيد و الشيخ و المرتضى و غيرهم رضوان الله عليهم مشحونة بالتبري عن ذلك، و لا يقولون إلا ببعض ما ذكره سابقا أو بما هو أصوب منها كما ستعرف، و العجب أنهم في أكثر الموارد ينسبون إلى الرب تعالى ما لا يليق به، و الإمامية قدس الله أسرارهم يبالغون في تنزيهه تعالى و يفحمونهم بالحجج البالغة، و لما لم يظفروا في عقائدهم بما يوجب نقصا يباهتونهم و يفترون عليهم بأمثال تلك .......... الأقاويل الفاسدة، و هل البهتان و الافتراء إلا دأب العاجزين، و لو فرض أن بعضا من الجهلة المنتحلين للتشيع قال بذلك، فالإمامية يتبرءون منه و من قوله كما يتبرءون من هذا الناصبي و أمثاله و أقاويلهم الفاسدة. فأما ما قيل في توجيه البداء فقال الصدوق ره في كتاب التوحيد: ليس البداء كما تقوله جهال الناس بأنه بداء ندامة، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، و لكن يجب علينا أن نقر لله عز و جل بأن له البداء، معناه أن له أن يبدأ بشيء من خلقه فيخلقه قبل شيء، ثم يعدم ذلك الشيء و يبدأ بخلق غيره، أو يأمر بأمر ثم ينهى عن مثله أو ينهى عن شيء ثم يأمر بمثل ما نهى عنه، و ذلك مثل نسخ الشرائع و تحويل القبلة و عدة المتوفى عنها زوجها، و لا يأمر الله عباده بأمر في وقت ما إلا و يعلم أن الصلاح لهم في ذلك الوقت في أن يأمرهم بذلك، و يعلم أن في وقت آخر الصلاح لهم في أن ينهاهم عن مثل ما أمرهم به، فإذا كان ذلك الوقت أمرهم بما يصلحهم، فمن أقر لله عز و جل بأن له أن يفعل ما يشاء و يؤخر ما يشاء، و يخلق مكانه ما يشاء، و يقدر ما يشاء، و يؤخر ما يشاء، و يأمر بما يشاء كيف يشاء، فقد أقر بالبداء، و ما عظم الله بشيء أفضل من الإقرار بأن له الخلق و الأمر و التقديم و التأخير و إثبات ما لم يكن و محو ما قد كان، و البداء هو رد على اليهود لأنهم قالوا إن الله قد فرغ من الأمر، فقلنا إن الله كل يوم في شأن يحيى و يميت و يرزق و يفعل ما يشاء، و البداء ليس من ندامة، و إنما هو ظهور أمر، تقول العرب: بدا لي شخص في طريقي أي ظهر، و قال الله عز و جل:" وَ بَدٰا لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ مٰا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ" أي ظهر لهم و متى ظهر لله تعالى ذكره من عبد صلة لرحمه زاد في عمره، و متى ظهر له قطيعة رحم نقص من عمره، و متى ظهر له من عبد إتيان الزنا نقص من رزقه و عمره، و متى ظهر له التعفف عن الزنا زاد في رزقه و عمره. .......... و من ذلك قول الصادق عليه السلام: ما بدا لله كما بدا له في إسماعيل ابني، يقول: ما ظهر له أمر كما ظهر له في إسماعيل إذ اخترمه قبلي، ليعلم بذلك أنه ليس بإمام بعدي. و قال شيخ الطائفة عظم الله أجره في كتاب الغيبة بعد إيراد الأخبار المشتملة على البداء في قيام القائم عليه السلام: الوجه في هذه الأخبار- إن صحت- أنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد وقت هذا الأمر في الأوقات التي ذكرت، فلما تجدد ما تجدد تغيرت المصلحة و اقتضت تأخيره إلى وقت آخر، و كذلك فيما بعد، و يكون الوقت الأول و كل وقت يجوز أن يؤخر مشروطا بأن لا يتجدد ما تقتضي المصلحة تأخيره إلى أن يجيء الوقت الذي لا يغيره شيء، فيكون محتوما. و على هذا يتأول ما روي في تأخير الأعمار عن أوقاتها و الزيادة فيها عند الدعاء و صلة الأرحام، و ما روي في تنقيص الأعمار عن أوقاتها إلى ما قبله عند فعل الظلم و قطع الرحم و غير ذلك، و هو تعالى و إن كان عالما بالأمرين فلا يمتنع أن يكون أحدهما معلوما بشرط، و الآخر بلا شرط، و هذه الجملة لا خلاف فيها بين أهل العدل، و على هذا يتأول أيضا ما روي من أخبارنا المتضمنة للفظ البداء، و يبين أن معناها النسخ على ما يريده جميع أهل العدل، فيما يجوز فيه النسخ، أو تغير شروطها إن كان طريقها الخبر عن الكائنات، لأن البداء في اللغة هو الظهور، فلا يمتنع أن يظهر لنا من أفعال الله تعالى ما كنا نظن خلافه أو نعلم و لا نعلم شرطه. فمن ذلك ما رواه سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن أحمد بن محمد ابن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: علي بن الحسين و علي بن أبي طالب قبله، و محمد بن علي، و جعفر بن محمد عليهم السلام: كيف لنا بالحديث مع هذه الآية:" يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتٰابِ" فأما من قال بأن الله تعالى لا يعلم الشيء إلا بعد كونه فقد كفر" انتهى". .......... و قد قيل فيه وجوه أخر: الأول: ما ذكره السيد الداماد قدس الله روحه في نبراس الضياء حيث قال: البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع، فما في الأمر التشريعي و الأحكام التكليفية نسخ فهو في الأمر التكويني و المكونات الزمانية بداء، فالنسخ كأنه بداء تشريعي، و البداء كأنه نسخ تكويني، و لا بداء في القضاء، و لا بالنسبة إلى جناب القدس الحق و المفارقات المحضة من ملائكته القدسية، و في متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القار و الثبات البات و وعاء عالم الوجود كله، و إنما البداء في القدر و في امتداد الزمان الذي هو أفق التقضي و التجدد، و ظرف التدريج و التعاقب، و بالنسبة إلى الكائنات الزمانية، و من في عالم الزمان و المكان و إقليم المادة و الطبيعة و كما أن حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي و انقطاع استمراره لا رفعه و ارتفاعه عن وعاء الواقع، فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الأمر التكويني و انتهاء اتصال الإفاضة، و مرجعه إلى تحديد زمان الكون و تخصيص وقت الإفاضة، لا أنه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه و بطلانه في حد حصوله" انتهى". الثاني: ما ذكره بعض الأفاضل في شرحه على الكافي و تبعه غيره من معاصرينا: و هو أن القوي المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة، لعدم تناهي تلك الأمور، بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا و جملة فجملة مع أسبابها و عللها على نهج مستمر و نظام مستقر، فإن ما يحدث في عالم الكون و الفساد فإنما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة لله تعالى، و نتائج بركاتها فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا، فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم، و ربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لو لا ذلك السبب، و لم يحصل لها .......... العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت، لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب، ثم لما جاء أو أنه و اطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول فيمحي عنها نقش الحكم السابق، و يثبت الحكم الآخر، مثلا لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا في ليلة كذا، الأسباب تقتضي ذلك و لم يحصل لها العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت، لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد، ثم علمت به و كان موته بتلك الأسباب مشروطا بأن لا يتصدق، فتحكم أولا بالموت و ثانيا بالبرء، و إذا كانت الأسباب لوقوع أمر و لا وقوعه متكافئة، و لم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد، لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد، كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر و لا وقوعه فينتقش فيها الوقوع تارة و اللاوقوع أخرى، فهذا هو السبب في البداء و المحو و الإثبات و التردد و أمثال ذلك في أمور العالم، فإذا اتصلت بتلك القوي نفس النبي أو الإمام عليهم السلام و قرأ فيها بعض تلك الأمور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه، أو شاهده بنور بصيرته، أو سمع بإذن قلبه، و أما نسبة ذلك كله إلى الله تعالى فلان كلما يجري في العالم الملكوتي إنما يجري بإرادة الله تعالى بل فعلهم بعينه فعل الله سبحانه، حيث إنهم لا يعصون الله ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون، إذ لا داعي لهم على الفعل إلا إرادة الله جل و عز لاستهلاك إرادتهم في إرادته تعالى، و مثلهم كمثل الحواس للإنسان، كلما هم بأمر محسوس امتثلت الحواس لما هم به، فكل كتابة تكون في هذه الألواح و الصحف فهو أيضا مكتوب لله عز و جل بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول، فيصح أن يوصف الله عز و جل نفسه بأمثال ذلك بهذا الاعتبار، و إن كان مثل هذه الأمور يشعر بالتغير و النسوخ، و هو سبحانه منزه عنه، فإن كلما وجد أو سيوجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيته. الثالث: ما ذكره بعض المحققين حيث قال: تحقيق القول في البداء أن الأمور كلها عامها و خاصها و مطلقها و مقيدها و منسوخها و ناسخها و مفرداتها و مركباتها .......... و إخباراتها و إنشاءاتها، بحيث لا يشذ عنها شيء منتقشة في اللوح، و الفائض منه على الملائكة و النفوس العلوية و النفوس السفلية قد يكون الأمر العام المطلق أو المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة الكاملة من الفيضان في ذلك الوقت، و يتأخر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه، و هذه النفوس العلوية و ما يشبهها يعبر عنها بكتاب المحو و الإثبات، و البداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب. الرابع: ما ذكره السيد المرتضى رضي الله عنه في جواب مسائل أهل الري، و هو أنه قال: المراد بالبداء النسخ، و ادعى أنه ليس بخارج عن معناه اللغوي.
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢ - الصفحة ١٢٣. — غير محدد
اجْعَلُوا أَمْرَكُمْ لِلَّهِ وَ لَا تَجْعَلُوهُ لِلنَّاسِ فَإِنَّهُ مَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ لِلَّهِ وَ مَا كَانَ لِلنَّاسِ فَلَا يَصْعَدُ إِلَى اللَّهِ وَ لَا تُخَاصِمُوا النَّاسَ لِدِينِكُمْ فَإِنَّ الْمُخَاصَمَةَ مَمْرَضَةٌ لِلْقَلْبِ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ ص إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً" فقال: قد يكون ضيقا و له منفذ يسمع منه و يبصر و الحرج هو الملتئم الذي لا منفذ يسمع به و لا يبصر منه. الحديث الثالث: حسن. قوله عليه السلام: اجعلوا أمركم، أي دينكم قولا و فعلا خالصا" لله" طالبين لمرضاته" و لا تجعلوه للناس" رياء و سمعة، و للغلبة عليهم و إظهارا للفضل و الكمال" فإنه ما كان لله فهو لله" أي يصل إليه و يقبله، و قيل: ما كان لله في الدنيا فهو في الآخرة أيضا لله يطلب الثواب منه" و ما كان للناس فلا يصعد إلى الله" أي لا يقبله، أو لا يصعد به ليكتب في ديوان المقربين كما قال سبحانه:" إِنَّ كِتٰابَ الْأَبْرٰارِ لَفِي عِلِّيِّينَ" و قال: " إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَ الْعَمَلُ الصّٰالِحُ" فإن صعودهما إليه مجاز عن قبوله إياهما، أو صعود الكتبة بصحيفتهما" فإن المخاصمة ممرضة" بفتح الميم و الراء، اسم مكان أو بضم الميم و كسر الراء اسم فاعل، أي موجبة لحدوث أمراض الشك و الشبهة و الأخلاق الذميمة من الحقد و الحسد و غيرهما في القلب، و القلب المستعد لقبول الحق يكفيه أدنى تنبيه، و القلب المطبوع على الباطل لا تنجع فيه أعلى مدارج الخصومات من العالم النبيه بل يضره و يصير سببا لمزيد رسوخه فيما هو فيه، ثم أيد عليه السلام ما ذكره بقوله تعالى لنبيه صلوات الله عليه في عدم ترتب الهداية على مبالغته و مجادلته:" إِنَّكَ لٰا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ" قال الطبرسي رحمه الله أي أحببت هدايته أو وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ وَ قَالَ أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ أحببته لقرابته، و المراد بالهداية هنا اللطف الذي يختار عنده الإيمان، فإنه لا يقدر عليه إلا الله لأنه إما أن يكون من فعله خاصة أو بإعلامه، و لا يعلم ما يصلح المرء في دينه إلا الله تعالى، فإن الهداية التي هي الدعوة و البيان قد أضافه سبحانه إليه في قوله:" وَ إِنَّكَ لَتَهْدِي إِلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ". و قيل: إن المراد بالهداية في الآية الإجبار على الاهتداء أي أنت لا تقدر على ذلك، و قيل: معناه ليس عليك اهتداؤهم و قبولهم الحق" وَ لٰكِنَّ اللّٰهَ يَهْدِي مَنْ يَشٰاءُ*" بلطفه، و قيل: على وجه الإجبار. و قال رحمه الله في قوله تعالى" وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً" معناه الأخبار عن قدرة الله تعالى على أن يكره الخلق على الإيمان، كما قال:" إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمٰاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنٰاقُهُمْ لَهٰا خٰاضِعِينَ" و لذا قال بعد ذلك" أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ" و معناه أنه لا ينبغي أن تريد إكراههم على الإيمان، مع أنك لا تقدر عليه، لأن الله تعالى يقدر عليه و لا يريده لأنه ينافي التكليف، و أراد بذلك تسلية النبي صلى الله عليه وآله وسلم و تخفيف ما يلحقه من التحسر و الحرص على إيمانهم عنه" انتهى". و روى الصدوق رحمه الله في كتاب العيون بإسناده عن الرضا عليه السلام أنه قال له المأمون: ما معنى قول الله جل ثناؤه:" وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَ فَأَنْتَ تُكْرِهُ النّٰاسَ حَتّٰى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ، وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ" فقال الرضا عليه السلام: حدثني أبي عن آبائه عن علي بن أبي طالب عليه السلام قال: إن المسلمين ذَرُوا النَّاسَ فَإِنَّ النَّاسَ أَخَذُوا عَنِ النَّاسِ وَ إِنَّكُمْ أَخَذْتُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي عليه السلام يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ إِذَا كَتَبَ عَلَى عَبْدٍ أَنْ يَدْخُلَ فِي هَذَا الْأَمْرِ كَانَ أَسْرَعَ قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا، و قوينا على عدونا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ما كنت لألقى الله ببدعة لم يحدث إلى فيها شيئا و ما أنا من المتكلفين، فأنزل الله تبارك و تعالى يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم " وَ لَوْ شٰاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً" على سبيل الإلجاء و الاضطرار في الدنيا كما يؤمن عند المعاينة و رؤية البأس في الآخرة، و لو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا مني ثوابا و لا مدحا و لكني أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا مني الزلفى و الكرامة، و دوام الخلود في جنة الخلد أ فأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، و أما قوله عز و جل:" وَ مٰا كٰانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلّٰا بِإِذْنِ اللّٰهِ" فليس على تحريم الإيمان عليها، و لكن على أنها ما كانت لتؤمن إلا بإذن الله، و إذنه أمره لها بالإيمان، ما كانت مكلفة متعبدة و إلجاؤه إياها إلى الإيمان عند زوال التكليف و التعبد عنها، فقال المأمون: فرجت عني يا أبا الحسن فرج الله عنك. " ذروا الناس" أي اتركوا المخالفين و لا تتعرضوا لمعارضتهم و مجادلتهم، أو لدعوتهم أيضا تقية فإنهم أخذوا دينهم من الناس و اتبعوهم و ظنوا أن فعلهم و قولهم حجة، فلا يتركون دينهم بقولكم، و أنتم أخذتم دينكم عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بواسطة المعصومين من أهل بيته عليه السلام، و الغرض إما بيان المباينة بين المسلكين و البعد بين الطريقتين لبيان أن حجة الشيعة لا يؤثر فيهم فلا ينبغي لهم التعرض للمهالك لذلك أو هو تسلية للشيعة بأنكم لما كنتم على الحق فلا تبالوا بمخالفة من خالفكم، أو الغرض أنه إن كان غرضكم هدايتهم فقد سبق أنه من الله، و إن كان لتبين حجية مذهبكم فحجتكم واضحة لا نحتاج إلى ذلك. و قيل: المعنى ذروا مخالطة الناس و موافقتهم، فإنكم على الحق و إنهم على الباطل، و لا يخفى بعده. إِلَيْهِ مِنَ الطَّيْرِ إِلَى وَكْرِهِ
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢ - الصفحة ٢٥٢. — الإمام الصادق عليه السلام
تَعَالَى- فَآمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنٰا فَقَالَ يَا أَبَا خَالِدٍ النُّورُ وَ اللَّهِ الْأَئِمَّةُ عليهم السلام يَا أَبَا تعالى" وَ إِذٰا يُتْلىٰ عَلَيْهِمْ قٰالُوا آمَنّٰا بِهِ" أي بأنه كلام الله" إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنٰا" استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به" إِنّٰا كُنّٰا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ" استئناف آخر للدلالة علي أن إيمانهم به ليس مما أحدثوا حينئذ بل تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة" أُولٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ" مرة على إيمانهم بكتابهم، و مرة على إيمانهم بالقرآن" بِمٰا صَبَرُوا" بصبرهم و ثباتهم على الإيمانين، أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول و بعده، أو على أذى المشركين و أذى من هاجرهم من أهل دينهم. " يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" قال الطبرسي ره: أي اعترفوا بتوحيد الله و صدقوا بموسى و عيسى" اتَّقُوا اللّٰهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ" محمد صلى الله عليه وآله وسلم عن ابن عباس، و قيل: معناه يا أيها الذين آمنوا ظاهرا آمنوا باطنا" يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ" أي يعطكم نصيبين" مِنْ رَحْمَتِهِ" نصيبا لأيمانكم من تقدم من الأنبياء، و نصيبا لأيمانكم بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم " وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ" أي هدى تهتدون به، و قيل: النور القرآن، انتهى. و أقول: علي تأويله عليه السلام لعل المراد آمنوا برسوله فيما أتى به من ولاية الأئمة عليهم السلام، و سيأتي تأويل الكفلين بالحسنين عليهما السلام. الحديث الرابع: ضعيف. خَالِدٍ لَنُورُ الْإِمَامِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْوَرُ مِنَ الشَّمْسِ الْمُضِيئَةِ بِالنَّهَارِ وَ هُمُ الَّذِينَ يُنَوِّرُونَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ وَ يَحْجُبُ اللَّهُ نُورَهُمْ عَمَّنْ يَشَاءُ فَتُظْلِمُ قُلُوبُهُمْ وَ يَغْشَاهُمْ بِهَا
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢ - الصفحة ٣٥٧. — الإمام الباقر عليه السلام
مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ صَفْوَانَ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِذَا حَدَثَ عَلَى الْإِمَامِ حَدَثٌ كَيْفَ يَصْنَعُ النَّاسُ يطع الله و رسوله" وَ تَعْمَلْ صٰالِحاً" فيما بينها و بين ربها" نُؤْتِهٰا أَجْرَهٰا مَرَّتَيْنِ" أي نعطها ثوابها مثلي ثواب غيرها. و روى أبو حمزة الثمالي عن زيد بن علي عليه السلام أنه قال
إني لأرجو للمحسن منا أجرين و أخاف للمسيء منا أن يضاعف له العذاب ضعفين، كما وعد أزواج النبي صلى الله عليه و آله و سلم. - و روى محمد بن أبي عمير عن إبراهيم بن عبد الحميد عن علي بن عبد الله بن الحسين عن أبيه عن علي بن الحسين زين العابدين عليه السلام، أنه قال له رجل: إنكم أهل بيت مغفور لكم؟ قال: فغضب و قال: نحن أحرى أن يجري فينا ما جرى الله في أزواج النبي صلى الله عليه و آله و سلم من أن يكون كما تقول، إنا نرى لمحسننا ضعفين من الأجر و لمسيئنا ضعفين من العذاب، ثم قرأ الآيتين. الحديث الرابع: صحيح. باب ما يجب على الناس عند مضي الإمام الحديث الأول: صحيح. و الحدث بالتحريك المصيبة و المراد هنا الموت، و يدل على الوجوب كفاية على النائين عن بلد الإمام أن ينفر جماعة منهم للعلم بتعيين الإمام بعد الإمام و أنه لا بد من قَالَ أَيْنَ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ- فَلَوْ لٰا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طٰائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ قَالَ هُمْ فِي عُذْرٍ مَا دَامُوا فِي الطَّلَبِ العلم بالتعيين، و أن لا يكفي العلم بوجود إمام بعده مجملا، هذا مع القدرة و أما مع عدمها فيكفي ذلك كما فعل زرارة رضي الله عنه، و كذا لو مات في الطلب أو الانتظار، و بذلك يخرجون عن كون موتهم ميتة جاهلية، ثم هذا مع العلم بعدم خلو العصر من الإمام ظاهر، و أما مع عدم العلم بذلك و وجوب الطلب و عدم تمام الحجة عليه في ذلك فمشكل. و أما قوله سبحانه:" فَلَوْ لٰا نَفَرَ" فقال الطبرسي قدس سره: اختلف في معناه على وجوه: أحدها: أن معناه فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة و يبقى مع النبي جماعة ليتفقهوا في الدين، يعني الفرقة القاعدين يتعلمون القرآن و السنن و الفرائض و الأحكام، فإذا رجعت السرايا و قد نزل بعدهم قرآن و تعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا إليهم إن الله قد أنزل بعدكم على نبيكم قرآنا و قد تعلمناه فيتعلمه السرايا، فذلك قوله:" وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذٰا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ" أي و ليعلموهم القرآن" لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" فلا يعملون بخلافه عن ابن عباس و غيره، و قال الباقر عليه السلام: كان هذا حين كثر الناس فأمرهم الله أن تنفر منهم طائفة للتفقه، و يكون الغزو نوبا. و ثانيها: أن التفقه و الإنذار يرجعان إلى الفرقة النافرة، و حثها الله على التفقه لترجع إلى المتخلفة فتحذرها، فمعنى ليتفقهوا في الدين ليتبصروا و يتيقنوا بما يريهم الله عز و جل من الظهور على المشركين و نصرة الدين، و لينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد، فيخبرونهم بنصر الله النبي و المؤمنين، و يخبرونهم أنهم لا يدان لهم بقتال النبي صلى الله عليه و آله و سلم و المؤمنين" لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ" أن يقاتلوا النبي صلى الله عليه و آله و سلم فينزل بهم ما نزل بأصحابهم من الكفار. وَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَنْتَظِرُونَهُمْ فِي عُذْرٍ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ أَصْحَابُهُمْ
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٤ - الصفحة ٢٢٧. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ مِسْكِينٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَالَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ اذْهَبْ بِنَا إِلَى جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ فَذَهَبْتُ مَعَهُ إِلَيْهِ فَوَجَدْنَاهُ قَدْ رَكِبَ دَابَّتَهُ فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ حَدِّثْنَا بِحَدِيثِ خُطْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ قَالَ دَعْنِي حَتَّى أَذْهَبَ فِي حَاجَتِي فَإِنِّي قَدْ رَكِبْتُ فَإِذَا جِئْتُ حَدَّثْتُكَ فَقَالَ أَسْأَلُكَ بِقَرَابَتِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم لَمَّا حَدَّثْتَنِي قَالَ فَنَزَلَ فَقَالَ لَهُ سُفْيَانُ مُرْ لِي بِدَوَاةٍ وَ قِرْطَاسٍ حَتَّى أُثْبِتَهُ فَدَعَا بِهِ ثُمَّ قَالَ اكْتُبْ بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي مَسْجِدِ الْخَيْفِ نَضَّرَ اللَّهُ عَبْداً سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا وَ بَلَّغَهَا مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ وَ رُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ وَ النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَ اللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ مُحِيطَةٌ مِنْ وَرَائِهِمْ الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَ هُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ فَكَتَبَهُ سُفْيَانُ ثُمَّ عَرَضَهُ عَلَيْهِ على أفضلهم الوفاء به، و قال في النهاية: هم يد على من سواهم، أي هم مجتمعون على أعدائهم لا يسعهم التخاذل، بل يعاون بعضهم بعضا على جميع الأديان و الملل، كأنه جعل أيديهم يدا واحدا، و فعلهم فعلا واحدا. الحديث الثاني: مرسل. " لما حدثتني" لما بالتشديد حرف الاستثناء بمعنى إلا دخلت على الماضي لفظا لا معنى، يقال: أنشدك الله لما فعلت، أي لا أسألك إلا فعلك قاله ابن هشام، أو المعنى أسألك في جميع الأحوال إلا في وقت فعلك. " من لي" بالفتح و التخفيف سؤال في صورة الاستفهام، أو بالضم و التشديد صيغة أمر أي تفضل، و في بعض النسخ بالراء، و يدل الخبر على استحباب الابتداء بالبسملة في كتابة الحديث بل مطلقا. " خطبة رسول الله" خبر مبتدإ محذوف أي هذه. وَ رَكِبَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام وَ جِئْتُ أَنَا وَ سُفْيَانُ فَلَمَّا كُنَّا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ قَالَ لِي كَمَا أَنْتَ حَتَّى أَنْظُرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقُلْتُ لَهُ قَدْ وَ اللَّهِ أَلْزَمَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ رَقَبَتَكَ شَيْئاً لَا يَذْهَبُ مِنْ رَقَبَتِكَ أَبَداً فَقَالَ وَ أَيُّ شَيْءٍ ذَلِكَ فَقُلْتُ لَهُ ثَلَاثٌ لَا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ- مُسْلِمٍ إِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ قَدْ عَرَفْنَاهُ وَ النَّصِيحَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ مَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ الَّذِينَ يَجِبُ عَلَيْنَا نَصِيحَتُهُمْ- مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ وَ كُلُّ مَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ عِنْدَنَا وَ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُمْ وَ قَوْلُهُ وَ اللُّزُومُ لِجَمَاعَتِهِمْ فَأَيُّ الْجَمَاعَةِ- مُرْجِئٌ يَقُولُ مَنْ لَمْ يُصَلِّ وَ لَمْ يَصُمْ وَ لَمْ يَغْتَسِلْ " كما أنت" أي توقف و أصله ألزم ما أنت فيه، فالكاف زائدة و ما موصولة منصوبة المحل بالإغراء" شيئا" أي غلا كما قيل، و سفيان لما كان من صوفية العامة قائلا بإمامة الثلاثة باعتبار أن أكثر الناس المدعين للإسلام اجتمعوا عليهم أبطل السائل مذهبه بأنهم لو كانوا أئمة المسلمين لكان هذه الثلاثة أيضا منهم، مع أنه معلوم بطلان ذلك. " معاوية بن أبي سفيان" بتقدير حرف الاستفهام" و كل من لا تجوز" أي لا تقبل شهادته" عندنا" أي عند الشيعة القائلين بكفرهم و فسقهم و جورهم. و المرجئة قوم يكتفون بالإيمان و يقولون لا مدخل للأعمال في الإيمان، و لا تتفاوت مراتب الإيمان و لا يضر معه معصية. قال في الملل و النحل: الارتجاء على معنيين: أحدهما التأخير، قوله تعالى: " أَرْجِهْ وَ أَخٰاهُ*" أي أخره و أمهله، و الثاني: إعطاء الرجاء، و أما إطلاق اسم المرجئة على الجماعة بالمعنى الأول فصحيح، لأنهم كانوا يؤخرون العمل عن النية و العقد و أما بالمعنى الثاني فظاهر، فإنهم كانوا يقولون لا يضر مع الأيمان معصية و لا ينفع مع الكفر طاعة، و قيل: الإرجاء تأخير حكم صاحب الكبيرة إلى القيامة فلا يقضي عليه بحكم ما في الدنيا من كونه من أهل الجنة أو من أهل النار، و على هذا المرجئة مِنْ جَنَابَةٍ وَ هَدَمَ الْكَعْبَةَ وَ نَكَحَ أُمَّهُ فَهُوَ عَلَى إِيمَانِ جَبْرَئِيلَ وَ مِيكَائِيلَ أَوْ قَدَرِيٌّ يَقُولُ لَا يَكُونُ مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ يَكُونُ مَا شَاءَ إِبْلِيسُ أَوْ حَرُورِيٌّ يَتَبَرَّأُ مِنْ و الوعيدية فرقتان متقابلتان، و قيل: الإرجاء تأخير علي عليه السلام عن الدرجة الأولى إلى الرابعة، فعلى هذا المرجئة و الشيعة فرقتان متقابلتان. و المرجئة أصناف أربعة: مرجئة الخوارج، و مرجئة القدرية، و مرجئة الجبرية و المرجئة الخالصة و نحن هيهنا إنما نعد المقالات المرجئة الخالصة. منهم اليونسية أصحاب يونس النميري، زعم أن الإيمان هو المعرفة بالله و الخضوع له و ترك الاستكبار عليه و المحبة بالقلب، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، و ما سوى المعرفة من الطاعة فليس من الإيمان و لا يضر تركها حقيقة الإيمان و لا يعذب على ذلك إذا كان الإيمان خالصا و اليقين صادقا، و المؤمن إنما يدخل الجنة بإخلاصه و محبته لا بعمله و طاعته. و منهم العبيدية أصحاب عبيد المكتب حكي عنه أنه قال: ما دون الشرك مغفور لا محالة، و إن العبد إذا مات على توحيده لم يضره ما اقترف من الآثام، و زعم أن الله على صورة إنسان. و منهم الغسانية أصحاب غسان الكوفي، زعم أن الإيمان معرفة الله و رسوله و الإقرار بما جاء به الرسول في الجملة دون التفصيل، و الإيمان يزيد و لا ينقص، و زعم أن قائلا لو قال: أعلم أن الله عز و جل قد حرم الخنزير و لا أدري هل الخنزير الذي حرمه هذه الشاة أم غيرها؟ كان مؤمنا، و لو قال: أعلم أن الله قد فرض الحج إلى الكعبة غير أني لا أدري أين الكعبة و لعلها بالهند كان مؤمنا، و مقصوده أن هذه الاعتقادات أمور وراء الإيمان. و منهم الثوبانية أصحاب أبي ثوبان المرجئ الذين زعموا أن الإيمان هو المعرفة و الإقرار بالله و رسله عليهم السلام، و بكل ما لا يجوز في العقل أن يفعله، و ما جاز في العقل تركه فليس من الإيمان. عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ أَوْ جَهْمِيٌّ يَقُولُ إِنَّمَا هِيَ مَعْرِفَةُ اللَّهِ وَحْدَهُ و منهم الصالحية أصحاب صالح بن عمرو قال: الإيمان هو المعرفة بالله على الإطلاق، و زعم أن معرفة الله هي المحبة و الخضوع له، و يصح ذلك مع جحد الرسول و زعم أن الصلاة ليست بعبادة الله تعالى، و أنه لا عبادة له إلا الإيمان به و هو معرفته و هو خصلة واحدة لا يزيد و لا ينقص، و كذلك الكفر خصلة واحدة لا يزيد و لا ينقص، انتهى ملخص كلامه. و أما القدري فقد عرفت أنه يطلق على الجبرية و على التفويضية الذين قالوا إنه ليس لله تعالى و قضاؤه و قدره مدخل في أعمال العباد، بل قال بعضهم: أنه لا يقدر الله تعالى على التصرف في أعمالهم و هذا الأخير هو مراد القائل، فإنهم عزلوا الرب تعالى عن ملكه، و قالوا: لا يكون ما شاء الله، فنفوا أن يكون لله سبحانه مشية و إرادة و تدبير و تصرف في أفعال العباد، و أثبتوا ذلك لإبليس. و الحرورية الخوارج أو فرقة منهم، منسوبة إلى حروراء بالمد و القصر و فتح الحاء فيهما، و هي قرية قريبة من الكوفة، كان أول اجتماعهم و تحكيمهم فيها، و إنما سموا بذلك لأنهم لما رجعوا عن صفين و أنكروا التحكيم نزلوا بحروراء و تؤامروا فيها على قتال علي عليه السلام فسموا حرورية. قال المطرزي رجل جهم الوجه عبوس، و به سمي جهم بن صفوان المنسوب إليه الجهمية و هي فرقة شايعة على مذهبه، و هو صاحب القول بأن الجنة و النار تفنيان، و أن الإيمان هو المعرفة فقط دون الإقرار و دون سائر الطاعات، و أنه لا فعل لأحد على الحقيقة إلا لله و أن العباد فيما ينسب إليهم من الأفعال كالشجر تحركها الريح، فالإنسان لا يقدر على شيء إنما هو مجبور في أفعاله لا قدرة له و لا إرادة و لا اختيار، انتهى. و قال صاحب الملل: الجهمية أصحاب جهم بن صفوان و هو من الجبرية الخالصة، وافق المعتزلة في نفي الصفات الأزلية و زاد عليهم بأشياء، منها قوله: لا يجوز لَيْسَ الْإِيمَانُ شَيْءٌ غَيْرُهَا قَالَ وَيْحَكَ وَ أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُونَ فَقُلْتُ يَقُولُونَ إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عليه السلام وَ اللَّهِ الْإِمَامُ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْنَا نَصِيحَتُهُ وَ لُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ أَهْلُ بَيْتِهِ قَالَ فَأَخَذَ الْكِتَابَ فَخَرَقَهُ ثُمَّ قَالَ لَا تُخْبِرْ بِهَا أَحَداً
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٤ - الصفحة ٣٢٧. — الإمام الصادق عليه السلام
- وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ الخلق و فظاظته و مظظته لمته. و ماظظته مماظة و مماظا شاردته و نازعته، و الخصم لازمته و قال: جامله لم يصفه الإخاء بل ماسحة بالجميل له و أحسن عشرته، قوله: يسمن ذلك عندهم، كذا في أكثر النسخ من قولهم سمن فلان يسمن من باب تعب، و في لغة من باب قرب إذا كثر لحمه و شحمه كناية عن العظمة و النمو و يمكن أن يقرأ على بناء المفعول من الأفعال أو التفعيل، أي يفعل الله ذلك مرضيا محبوبا عندهم، و في بعض النسخ يسمى على بناء المفعول من التسمية أي يذكر عندهم و يحمدونكم بذلك، فيكون مرفوعا بالاستيناف البياني و الحمل على الرقاب كناية عن التسلط و الاستيلاء. الحديث الخامس: مجهول. " و قد قال الله" بيان لعز الآخرة لأنه تعالى قال في سورة آل عمران:" وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ" قال البيضاوي: الممسكين عليه، الكافين عن إمضائه مع القدرة، من كظمت القربة إذا ملأتها و شددت رأسها، و عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم: من كظم غيظا و هو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا و إيمانا" وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ" التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته" وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" يحتمل الجنس و يدخل تحته هؤلاء، و العهد فيكون إشارة إليهم، انتهى. وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ وَ أَثَابَهُ اللَّهُ مَكَانَ غَيْظِهِ ذَلِكَ
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٨ - الصفحة ٢٠٠. — الإمام الصادق عليه السلام
إِنَّ فِي كِتَابِ عَلِيٍّ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَثَلِ الْحَيَّةِ مَا أَلْيَنَ مَسَّهَا وَ فِي جَوْفِهَا السَّمُّ النَّاقِعُ يَحْذَرُهَا الرَّجُلُ الْعَاقِلُ وَ يَهْوِي إِلَيْهَا الصَّبِيُّ الْجَاهِلُ في الآراء. و أقول: يناسب هنا أكثر المعاني" و لا تغبط أحدا" بأن تتمنى حاله" تكثر الذنوب" بصيغة المضارع من باب حسن أو مصدر باب التفعل" لواجب الحقوق" أي للتقصير في أداء الحقوق الواجبة غالبا" بطاعة الناس له" أي في الباطل. الحديث الثاني و العشرون: حسن موثق. و في النهاية: السم الناقع أي القاتل، و قد نقعت فلانا إذا قتلته، و قيل: الناقع الثابت المجتمع، من نقع الماء، انتهى. و ما أحسن هذا التشبيه و أتمه و أكمله، و في النهج عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: مثل الدنيا مثل الحية لين مسها و السم الناقع في جوفها، يهوي إليها الغر الجاهل، و يحذرها ذو اللب العاقل. و في خبر المتن ظاهره أن الجملتين الأخيرتين لبيان المشبه به، و في النهج لبيان المشبه، و يحتمل العكس في كل منهما، و كون المشبه به أقوى لا ينافي كون ضرر الدنيا على طالبها واقعا أشد من ضرر الحية على لامسها لأن الأشدية و الأظهرية إنما تعتبران بالنسبة إلى المخاطب، و المخاطبون هنا هم أهل الدنيا
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٨ - الصفحة ٣٠٩. — الإمام الصادق عليه السلام
سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنَانِ مُؤْمِنٌ وَفَى لِلَّهِ بِشُرُوطِهِ الَّتِي شَرَطَهَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ الصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً وَ ذَلِكَ مَنْ يَشْفَعُ وَ لَا يُشْفَعُ لَهُ وَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ لَا أَهْوَالُ الْآخِرَةِ وَ مُؤْمِنٌ زَلَّتْ بِهِ قَدَمٌ فَذَلِكَ كَخَامَةِ الزَّرْعِ و بقيامه استقامته على طريق الحق و مخالفته للأهواء و الوساوس الشيطانية، و قد مر الكلام في أهوال الدنيا" و لا يشفع" أي لا يؤذن له في الشفاعة. الحديث الثاني: كالأول. و خضر بكسر الخاء و سكون الضاد أو بفتح الخاء و كسر الضاد صحح بهما في القاموس و غيره" و في لله بشروطه" العهود داخلة تحت الشروط هنا" فذلك مع النبيين" إشارة إلى قوله تعالى:" وَ مَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ الصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً" و هذا مبني على ما ورد في الأخبار الكثيرة أن الصديقين و الشهداء و الصالحين هم الأئمة عليهم السلام، و المراد بالمؤمن في المقسم هنا غيرهم من المؤمنين و قد مر عن أبي- جعفر عليه السلام أنه قال بعد قراءة هذه الآية فمنا النبي و منا الصديق و الشهداء و الصالحون، و في تفسير علي بن إبراهيم قال: النبيين رسول الله و الصديقين علي، و الشهداء الحسن و الحسين، و الصالحين الأئمة" وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً" القائم من آل محمد صلى الله عليه و آله و سلم، فلا يحتاج إلى ما قيل: أن الظاهر أنه كان من النبيين لأن الصنف الأول إما نبي أو صديق أو شهيد أو صالح، و الصنف الثاني يكون مع هؤلاء بشفاعتهم" زلت به قدم" كان الباء للتعدية، أي أزلته قدم و أقدام على المعصية، و قيل: الباء للسببية أي زلت بسببه قدمه أي فعله عمدا من غير نسيان كَيْفَمَا كَفَأَتْهُ الرِّيحُ انْكَفَأَ وَ ذَلِكَ مِمَّنْ تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ وَ يُشْفَعُ لَهُ وَ هُوَ عَلَى خَيْرٍ
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٩ - الصفحة ٣٠٦. — الإمام الصادق عليه السلام
عَزَّ وَ جَلَّ- فَقٰالُوا رَبَّنٰا بٰاعِدْ بَيْنَ الحديث الثاني و العشرون: مجهول. " لا ينعم" استئناف بياني أو منصوب بتقدير أن، و قوله: فيسلبها معطوف على المنفي لا على النفي، و حتى للاستثناء و المشار إليه في قوله: بذلك إما مصدر يحدث أو الذنب و المال واحد، و في القاموس: النقمة بالكسر و الفتح و كفرحة المكافاة بالعقوبة، و فيه تلميح إلى قوله سبحانه:" إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ". الحديث الثالث و العشرون: حسن. و الآيات في سورة سبأ هكذا" لَقَدْ كٰانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ" و قرأ أكثر القراء في مساكنهم قال الطبرسي ره: ثم أخبر سبحانه عن قصة سبأ بما دل على حسن عاقبة الشكور و سوء عاقبة الكفور، فقال:" لَقَدْ كٰانَ لِسَبَإٍ" و هو أبو عرب اليمن كلها و قد تسمى بها القبيلة و في الحديث عن فروة بن مسيك أنه قال: سألت رسول الله صلى الله عليه و آله و سلم عن سبأ أ رجل هو أم امرأة؟ فقال: هو رجل من العرب، ولد له عشر تيامن منهم ستة و تشاءم منهم أربعة، فأما الذين تيامنوا فالأزد و كندة و مذحج و الأشعرون و أنمار و حمير، فقال رجل من القوم: ما أنمار؟ قال: الذين منهم خثعم أَسْفٰارِنٰا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الْآيَةَ فَقَالَ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَانَتْ لَهُمْ قُرًى مُتَّصِلَةٌ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ أَنْهَارٌ جَارِيَةٌ وَ أَمْوَالٌ ظَاهِرَةٌ فَكَفَرُوا نِعَمَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ غَيَّرُوا و بجيلة، و أما الذين تشاءموا فعاملة و جذام و لخم و غسان، فالمراد بسبإ هنا القبيلة الذين هم أولاد سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان. " فِي مَسْكَنِهِمْ" أي في بلدهم" آيَةٌ" أي حجة على وحدانية الله عز اسمه و كمال قدرته و علامة على سبوغ نعمه، ثم فسر سبحانه الآية فقال" جَنَّتٰانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمٰالٍ" أي بستانان عن يمين من أتاهما و شماله، و قيل: عن يمين البلد و شماله، و قيل: أنه لم يرد جنتين اثنتين، و المراد كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذ كانت البساتين عن يمينهم و شمالهم متصلة بعضها ببعض، و كان من كثرة النعم أن المرأة كانت تمشي و المكتل على رأسها فيمتلي بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا. و قيل: الآية المذكورة هي أنه لم تكن في قريتهم بعوضة و لا ذباب و لا برغوث و لا عقرب و لا حية، و كان الغريب إذا دخل بلدهم و في ثيابه قمل و دواب ماتت عن ابن زيد، و قيل: إن المراد بالآية خروج الأزهار و الثمار من الأشجار على اختلاف ألوانها و طعومها، و قيل: إنها كانت ثلاث عشرة قرية في كل قرية نبي يدعوهم إلى الله سبحانه، يقولون لهم" كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ" أي كلوا مما رزقكم الله في هذه الجنات و اشكروا له يزدكم من نعمه و استغفروه يغفر لكم" بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ" أي هذه بلدة طيبة مخصبة نزهة أرضها عذبة تخرج النبات و ليست بسبخة، و ليس فيها شيء من الهوام المؤذية و قيل: أراد به صحة هوائها و عذوبة مائها و سلامة تربتها، و أنه ليس فيها حر يؤذى في القيظ، و لا برد يؤذي في الشتاء" وَ رَبٌّ غَفُورٌ" أي كثير المغفرة للذنوب، و تقديره هذه بلدة طيبة و الله رب غفور. مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ عَافِيَةِ اللَّهِ فَغَيَّرَ اللَّهُ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ- وَ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يُغَيِّرُ مٰا بِقَوْمٍ حَتّٰى يُغَيِّرُوا مٰا بِأَنْفُسِهِمْ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ فَغَرَّقَ قُرَاهُمْ وَ خَرَّبَ دِيَارَهُمْ وَ أَذْهَبَ " فَأَعْرَضُوا" عن الحق و لم يشكروا الله سبحانه و لم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه" فَأَرْسَلْنٰا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ" و ذلك أن الماء كان يأتي أرض سبأ من أودية اليمن و كان هناك جبلان يجتمع ماء المطر و السيول بينهما، فسدوا ما بين الجبلين فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة فكانوا يسقون زروعهم و بساتينهم، فلما كذبوا رسلهم و تركوا أمر الله بعث الله جرذا نقبت ذلك الردم و فاض الماء عليهم فأغرقهم. و العرم المسناة التي تحبس الماء واحدها عرمة أخذ من عرامة الماء و هي ذهابه كل مذهب و قيل: العرم اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى، و قيل: العرم هنا اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم، و هو الذي يقال له: الخلد، و قيل: العرم المطر الشديد، و قال ابن الأعرابي: العرم السيل الذي لا يطاق" وَ بَدَّلْنٰاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ" اللتين فيهما أنواع الفواكه و الخيرات" جَنَّتَيْنِ" أخراوين سماها جنتين لازدواج الكلام كما قال:" وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللّٰهُ". " ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ" أي صاحبتي أكل و هو اسم لثمر كل شجرة، و ثمر الخمط البرير، قال ابن عباس: الخمط هو الأراك و قيل: هو شجرة الغضا، و قيل: هو كل شجر له شوك، و الأثل الطرفاء عن ابن عباس، و قيل: ضرب من الخشب، و قيل: هو السمر" وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ" يعني أن الخمط و الأثل كانا أكثر فيهما من السدر و هو النبق، قال قتادة: كان شجرهم خير شجر فصيره الله شر شجر بسوء أعمالهم" ذٰلِكَ" أي ما فعلنا بهم" جَزَيْنٰاهُمْ بِمٰا كَفَرُوا" أي بكفرهم بهذا أَمْوَالَهُمْ وَ أَبْدَلَهُمْ مَكَانَ جَنَّاتِهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوٰاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ الجزاء" وَ هَلْ نُجٰازِي" هذا الجزاء" إِلَّا الْكَفُورَ" الذي يكفر نعم الله، و قيل: معناه هل نجازي بجميع سيئاته إلا الكافر، لأن المؤمن قد يكفر عنه بعض سيئاته، و قيل: إن المجازاة من التجازي و هو التقاضي أي لا يقتضي و لا يرتجع ما أعطي إلا الكافر و إنهم لما كفروا النعمة اقتضوا ما أعطوا أي ارتجع منهم عن أبي مسلم. " وَ جَعَلْنٰا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بٰارَكْنٰا فِيهٰا قُرىً ظٰاهِرَةً" أي و قد كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم و بين قرى الشام التي باركنا فيها بالماء و الشجر قرى متواصلة، و كان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام، و كانوا يبيتون بقرية و يقيلون بأخرى حتى يرجعوا، و كانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبأ إلى الشام، و معنى الظاهرة أن الثانية كانت ترى من الأولى لقربها منها" وَ قَدَّرْنٰا فِيهَا السَّيْرَ" أي جعلنا السير من القرية إلى القرية نصف يوم و قلنا لهم" سِيرُوا فِيهٰا" أي في تلك القرى" لَيٰالِيَ وَ أَيّٰاماً" أي ليلا شئتم المسير أو نهارا" آمِنِينَ" من الجوع و العطش و التعب و من السباع و كل المخاوف، و في هذا إشارة إلى تكامل نعمه عليهم في السفر كما أنه كذلك في الحضر. ثم أخبر سبحانه أنهم بطروا و بغوا" فَقٰالُوا رَبَّنٰا بٰاعِدْ بَيْنَ أَسْفٰارِنٰا" أي اجعل بيننا و بين الشام فلوات و مفاوز لتركب إليها الرواحل، و نقطع المنازل، و هذا كما قالت بنو إسرائيل لما ملوا النعمة" يُخْرِجْ لَنٰا مِمّٰا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهٰا وَ قِثّٰائِهٰا" بدلا من المن و السلوى" وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ" بارتكاب الكفر و المعاصي" فَجَعَلْنٰاهُمْ أَحٰادِيثَ" لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم و شأنهم و يضربون بهم المثل فيقولون: تفرقوا أيادي سبأ إذا تشتتوا أعظم التشتت" وَ مَزَّقْنٰاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ" أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل تفريق" إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ" أي دلالات قَلِيلٍ ثُمَّ قَالَ ذٰلِكَ جَزَيْنٰاهُمْ بِمٰا كَفَرُوا وَ هَلْ نُجٰازِي إِلَّا الْكَفُورَ
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٩ - الصفحة ٤٢٠. — الإمام الصادق عليه السلام
احْذَرُوا أَهْوَاءَكُمْ كَمَا تَحْذَرُونَ أَعْدَاءَكُمْ " و ليس يحصد أحد من المر حلوا" هذا تمثيل لبيان أن جزاء الشر لا يكون نفعا و خيرا، و جزاء الخير و ثمرته لا يكون شرا و وبالا في الدارين. الحديث الثالث و العشرون: ضعيف على المشهور. باب اتباع الهوى الحديث الأول: مجهول. " احذروا أهواءكم" الأهواء جمع الهوى و هو مصدر هويه كرضيه إذا أحبه و اشتهاه، ثم سمي به المهوي المشتهى، محمودا كان أو مذموما ثم غلب على المذموم. قال الجوهري: كل حال هواء، و قوله تعالى:" وَ أَفْئِدَتُهُمْ هَوٰاءٌ" يقال: إنه لا عقول فيها، و الهوى مقصورا هوى النفس، و الجمع الأهواء، و هوى بالكسر يهوي هوى أي أحب، الأصمعي: هوى بالفتح يهوي هويا أي سقط إلى أسفل. و قال الراغب: الهوى ميل النفس إلى الشهوة، و يقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، و قيل: سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية و في الآخرة فَلَيْسَ شَيْءٌ أَعْدَى لِلرِّجَالِ مِنِ اتِّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ وَ حَصَائِدِ أَلْسِنَتِهِمْ إلى الهاوية، و قد عظم الله ذم اتباع الهوى فقال:" أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ" و قال:" وَ لٰا تَتَّبِعِ الْهَوىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ"" وَ اتَّبَعَ هَوٰاهُ وَ كٰانَ أَمْرُهُ فُرُطاً" و قوله:" وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوٰاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جٰاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ" فإنما قاله بلفظ الجمع تنبيها على أن لكل هوى غير هوى الآخر، ثم هوى كل واحد لا يتناهى فإذا اتباع أهوائهم نهاية الضلال و الحيرة، و قال:" وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ" و قال:" كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيٰاطِينُ فِي الْأَرْضِ"" وَ لٰا تَتَّبِعُوا أَهْوٰاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ" و قال:" قُلْ لٰا أَتَّبِعُ أَهْوٰاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً"" وَ لٰا تَتَّبِعْ أَهْوٰاءَهُمْ وَ قُلْ آمَنْتُ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ مِنْ كِتٰابٍ و مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوٰاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللّٰهِ" انتهى. و أقول: ينبغي أن يعلم أن ما تهواه النفس ليس كله مذموما و ما لا تهواه النفس ليس كله ممدوحا، بل المعيار ما مر في باب ذم الدنيا و هو أن كل ما يرتكبه الإنسان لمحض الشهوة النفسانية و اللذة الجسمانية و المقاصد الفانية الدنيوية و لم يكن الله مقصودا له في ذلك فهو من الهوى المذموم و يتبع فيه النفس الأمارة بالسوء، و إن كان مشتملا على زجر النفس عن بعض المشتهيات أيضا كمن يترك لذيذ المأكل و المطعم و الملبس و يقاسي الجوع و الصوم و السهر للاشتهار بالعبادة و جلب قلوب الجهال، و ما يرتكبه الإنسان لإطاعة أمره سبحانه و تحصيل رضاه و إن كان مما تشتهيه نفسه و تهواه، فليس هو من الهوى المذموم كمن يأكل و يشرب لأمره تعالى بهما، أو لتحصيل القوة على العبادة، و كمن يجامع الحلال لكونه مأمورا به .......... أو لتحصيل الأولاد الصالحين، أو لعدم ابتلائه بالحرام فهؤلاء و إن حصل لهم الالتذاذ بهذه الأمور لكن ليس مقصودهم محض اللذة، بل لهم في ذلك أغراض صحيحة إن صدقتهم أنفسهم، و لم تكن تلك من التسويلات النفسانية و التخييلات الشيطانية، و لو لم يكن غرضهم من ارتكاب تلك اللذات هذه الأمور فليسوا بمعاقبين في ذلك إذا كان حلالا لكن إطاعة النفس في أكثر ما تشتهيه قد ينجر إلى ارتكاب الشبهات و المكروهات ثم إلى المحرمات و من حام حول الحمى أو شك أن يقع فيه. فظهر أن كل ما تهواه النفس ليس مما يلزم اجتنابه فإن كثيرا من العلماء قد يلتذون بعلمهم أكثر مما يلتذ الفساق بفسقهم، و كثيرا من العباد يأنسون بالعبادة بحيث يحصل لهم الهم العظيم بتركها، و ليس كل ما لا تشتهيه النفس يحسن ارتكابه كأكل القاذورات و الزنا بالجارية القبيحة، و يطلق أيضا الهوى على اختيار ملة أو طريقة أو رأي لم يستند إلى برهان قطعي، أو دليل من الكتاب و السنة، كمذاهب المخالفين و آرائهم و بدعهم فإنها من شهوات أنفسهم، و من أوهامهم المعارضة للحق الصريح كما دلت عليه أكثر الآيات المتقدمة. فذم الهوى مطلقا إما مبني على أن الغالب فيما تشتهيه الأنفس أنها مخالفة لما ترتضيه العقل، أو على أن المراد بالنفس النفس المعتادة بالشر الداعية إلى السوء و الفساد، و يعبر عنها بالنفس الأمارة كما قال تعالى:" إِنَّ النَّفْسَ لَأَمّٰارَةٌ بِالسُّوءِ إِلّٰا مٰا رَحِمَ رَبِّي". أو صار الهوى حقيقة شرعية في المعاصي و الأمور القبيحة التي تدعو النفس إليها، و الآراء و الملل و المذاهب الباطلة التي تدعو إليها الشهوات الباطلة و الأوهام الفاسدة، لا البراهين الحقة فليس شيء أعدى للرجال لأن ضرر العدو على فرض وقوعه راجع إلى الدنيا الزائلة و منافعها الفانية، و ضرر الهوى راجع إلى الآخرة الباقية.
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ١٠ - الصفحة ٣١٠. — الإمام الصادق عليه السلام
صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ و تطبيقه على ما يناسب المقام لا يخلو من تكلف، في القاموس: صد عنه صدودا أعرض و فلانا عن كذا صدا منعه و صرفه، و صد يصد و يصد صديدا ضج، و التصدد التعرض و في النهاية: الصد الصرف و المنع، يقال: صده و أصده و صد عنه و الصد الهجران و منه الحديث: فيصد هذا و يصد هذا، أي يعرض بوجهه عنه و في المصباح: صد من كذا من باب ضرب ضحك. و أقول: أكثر المعاني مناسبة لكن بتضمين معنى التعرض و نحوه للتعدية باللام، فالصدود بالضم جمع صاد و في بعض النسخ المؤذون لأوليائي فلا يحتاج إلى تكلف. و قال الجوهري: نصبت لفلات نصبا إذا عاديته، و ناصبته الحرب مناصبة. و قال: التعنيف و التعيير اللوم و قيل: لعل خلو وجوههم من اللحم لأجل أنه ذاب من الغم و خوف العقوبة، أو من خدشه بأيديهم تحسرا و تأسفا، و يؤيده ما رواه العامة عن النبي صلى الله عليه و آله و سلم قال: مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظفار من نحاس يخدشون وجوههم و صدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هم الذين يأكلون لحوم الناس و يقعون في أعراضهم، و قيل: إنما سقط لحم وجوههم لأنهم كاشفوهم بوجوههم الشديدة من غير استحياء من الله و منهم. و أقول: أو لأنهم لما أرادوا أن يقبحوهم عند الناس في الدنيا قبحهم الله في الآخرة عند الناس في أظهر أعضائهم و أحسنها. الحديث الثالث: مجهول. اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيّاً فَقَدْ أَرْصَدَ لِمُحَارَبَتِي
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ١٠ - الصفحة ٣٧٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ قَالَ تَرْكُ الْعَمَلِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ " إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ" قال البيضاوي: أي بنصف الدلائل و إنزال الآيات" إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً" حالان من الهاء، و إما للتفصيل أو التقسيم، أي هديناه في حالية جميعا أو مقسوما إليهما، بعضهم شاكر بالاهتداء و الأخذ فيه، و بعضهم كفور بالإعراض عنه أو من السبيل، و وصفه بالشكر و الكفر مجاز، و لعله لم يقل كافرا ليطابق قسيمه محافظة على الفواصل و إشعارا بأن الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا و إنما المأخوذ به المتوغل فيه، انتهى. و الخبر يدل على أن المراد بالكفور الكافر، فيدل على أن من لم يأخذ السبيل هداه الله إليه من الإقرار به و برسوله، و بما جاء الرسول به من المعاد و ولاية أئمة الدين فهو كافر، و يحتمل شموله لترك العمل أيضا فيأول الكفر بما مر مرارا و سيأتي، و فيها دلالة على كمال لطفه تعالى بأن الإقرار و العمل و إن كانا شكرين لنعمة الهداية و الخلق و إعطاء العقل و سائر الآلات و الألطاف و الهدايات يجازيهم عليها نعيم الأبد. الحديث الخامس: ضعيف على المشهور. " وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ" قيل الياء للعوض كقوله تعالى:" اشْتَرَوُا الضَّلٰالَةَ بِالْهُدىٰ*" أو للمصاحبة نحو" اهْبِطْ بِسَلٰامٍ" فعلى الأول المعنى الكفر بعد الصَّلَاةَ مِنْ غَيْرِ سُقْمٍ وَ لَا شُغُلٍ
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ١١ - الصفحة ١١٣. — الإمام الصادق عليه السلام
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادٍ عَنْ حَرِيزٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ قَالَ الحديث السادس عشر: مرسل. الحديث السابع عشر: موثق. قوله عليه السلام " فلم تهرق الماء" أي لم تبل قوله عليه السلام " لأن البول ليس مثل البراز" أقول، ليس في بعض النسخ- ليس- فقوله عليه السلام " فعليك الإعادة" المراد به إعادة الوضوء و الصلاة، و على النسخة الأخرى المراد إعادة الصلاة حسب، و إعادة الوضوء في الموضعين، أو في الثاني محمولة على الاستحباب أو التقية، و في الصحاح البراز حكاية عن ثفل الغذاء، و هو الغائط. باب الاستبراء من البول و غسله و من لم يجد الماء الحديث الأول: حسن. قوله عليه السلام،" إلى طرفه" أي ذكره لأنه يطلق الطرف على الذكر و اللسان، كما ورد في الخبر نفي الطرفين و فسر بهما. و قال في الصحاح قال ابن الأعرابي: قولهم لا يدري أي طرفيه أطول طرفاه لسانه و ذكره فيكون المراد عصر ما بين المقعدة إلى الأنثيين، و يكون المراد من نتر الطرف عصر أصل القضيب، و قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام رَجُلٌ بَالَ وَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مَاءٌ فَقَالَ
يَعْصِرُ أَصْلَ ذَكَرِهِ إِلَى طَرَفِهِ ثَلَاثَ عَصَرَاتٍ وَ يَنْتُرُ طَرَفَهُ فَإِنْ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ فَلَيْسَ مِنَ الْبَوْلِ وَ لَكِنَّهُ مِنَ الْحَبَائِلِ يحتمل أن يكون المراد من الأول عصر أصل الذكر إلى طرف الذكر أي ما بين المقعدة إلى رأس الذكر، و يكون المراد به العصرين جميعا، و المراد من نتر الطرف نتر رأس الذكر فيوافق المشهور. و في التهذيب نقلا عن هذا الكتاب يعصر أصل ذكره إلى ذكره، و ينقل عن بعض الأفاضل أنه قرأ ذكره بضم الذال و سكون الكاف و فسره بطرف الذكر لينطبق على ما ذكره الأصحاب من تثليث العصرات إذ الأول يدل حينئذ على عصر ما بين المقعدة إلى رأس الذكر، و الثاني على عصر رأس الحشفة بإرجاع ضمير طرفه إلى الذكر لا إلى الإنسان. و يخدشه ما يظهر من كلام أهل اللغة من أن ذكرة السيف حدته و صرامته بالمعنى المصدري لا الناتئ من طرفه كما فهمه، و لا يستقيم إلا بارتكاب تجوز لا ينفع في الاستدلال. نعم ما في الكتاب يمكن حمله عليه كما أومأنا إليه، إلا أن قوله عليه السلام ينتر طرفه ظاهره جواز الاكتفاء بالواحد و تقدير الثلاثة بقرينة السابق تكلف بعيد، لكنه مشترك بين الوجهين و يخصه وجه آخر من البعد، و هو أن النتر جذب فيه جفوة و قوة كما سيظهر مما سننقله من النهاية فحمله على عصر رأس الذكر بعيد، فالأولى حمله على الوجه الأول و تقدير الثلاثة في الأخير أيضا، أو القول بجواز الاكتفاء في العصرة الثانية بالمرة كما يظهر من بعض الأخبار جواز الاكتفاء بإحدى العصرتين أيضا. ثم فائدة الاستبراء هنا أنه إن خرج بعده شيء أو توهم خروجه كما هو المجرب من حال من لم يغسل مخرج البول لا يضره ذلك، أما من حيث النجاسة
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ١٣ - الصفحة ٦٠. — الإمام الباقر عليه السلام
نَعَمْ وَ أُمَّهُ الأجانب تلك الأعضاء. الحديث الثامن: صحيح. و يظهر من بعض الأصحاب المنع من تغسيل الرجل محارمه في حال الاختيار، و جوزه في المنتهى من فوق الثياب، و ذهب بعض المتأخرين إلى الجواز مطلقا. و قال في الحبل المتين: بعد إيراد هذا الخبر يدل على جواز تغسيل الرجل زوجته و جميع محارمه إن جعلنا قوله عليه السلام:" و نحو هذا" منصوبا بالعطف على أمه و أخته بمعنى أنه يغسل أمه و أخته و من هو مثل كل من هذين الشخصين في المحرمية، و حينئذ يكون قوله عليه السلام:" يلقي على عورتها خرقة" جملة مستأنفة، لكن الأظهر أنه مرفوع بالابتداء و جملة- يلقي- خبره و الإشارة بهذا إلى الرجل، و المعنى أن مثل هذا الرجل المغتسل كلا من هؤلاء يلقي على عورتها خرقة و على هذا فتعدية الحكم إلى بقية المحارم لعدم القائل بالفرق، و ربما يوجد في بعض نسخ الكافي" و نحوهما" بدل" و نحو هذا". ثم لا يخفى أن هذا الحديث كالصريح في أن تغسيل الرجل زوجته و محارمه لا يجب أن يكون من وراء الثياب، و إن ستر العورة كاف، و شيخنا الشهيد في الذكرى و قبله العلامة في المنتهى و جعلاه دليلا على كونه من وراء الثياب، و هو كما ترى، نعم صحيحة محمد بن مسلم و حسنة [و صحيحة] الحلبي يدلان على أن تغسيل الرجل زوجته يكون من وراء الثياب و هو المشهور بين الأصحاب، و أما تغسيل المحارم فقد قطعوا بكونه من وراء الثياب، و المراد بالمحارم من حرم نكاحه وَ أُخْتَهُ وَ نَحْوَ هَذَا يُلْقِي عَلَى عَوْرَتِهَا خِرْقَةً
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ١٣ - الصفحة ٣٣٧. — الإمام الصادق عليه السلام
عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ عُتْبَةَ الْهَاشِمِيِّ قَالَ كُنْتُ قَاعِداً عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام بِمَكَّةَ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهِ أُنَاسٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وَ وَاصِلُ بْنُ عَطَاءٍ وَ حَفْصُ بْنُ سَالِمٍ مَوْلَى ابْنِ هُبَيْرَةَ وَ نَاسٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ وَ ذَلِكَ حِدْثَانُ قَتْلِ الْوَلِيدِ وَ اخْتِلَافِ أَهْلِ الشَّامِ بَيْنَهُمْ فَتَكَلَّمُوا وَ أَكْثَرُوا وَ خَطَبُوا فَأَطَالُوا فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام إِنَّكُمْ قَدْ أَكْثَرْتُمْ عَلَيَّ فَأَسْنِدُوا أَمْرَكُمْ إِلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ وَ لْيَتَكَلَّمْ بِحُجَجِكُمْ وَ يُوجِزُ فَأَسْنَدُوا أَمْرَهُمْ إِلَى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَتَكَلَّمَ فَأَبْلَغَ وَ أَطَالَ فَكَانَ فِيمَا قَالَ أَنْ قَالَ قَدْ قَتَلَ أَهْلُ الشَّامِ خَلِيفَتَهُمْ وَ ضَرَبَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ وَ شَتَّتَ اللَّهُ أَمْرَهُمْ فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا رَجُلًا لَهُ دِينٌ وَ عَقْلٌ وَ مُرُوَّةٌ وَ مَوْضِعٌ وَ مَعْدِنٌ لِلْخِلَافَةِ وَ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ فَأَرَدْنَا أَنْ نَجْتَمِعَ عَلَيْهِ فَنُبَايِعَهُ ثُمَّ نَظْهَرَ مَعَهُ فَمَنْ كَانَ بَايَعَنَا فَهُوَ الحديث الثالث: مجهول مرسل. باب دخول عمرو بن عبيد و المعتزلة على أبي عبد الله عليه السلام الحديث الأول: حسن. مِنَّا وَ كُنَّا مِنْهُ وَ مَنِ اعْتَزَلَنَا كَفَفْنَا عَنْهُ وَ مَنْ نَصَبَ لَنَا جَاهَدْنَاهُ وَ نَصَبْنَا لَهُ عَلَى بَغْيِهِ وَ رَدِّهِ إِلَى الْحَقِّ وَ أَهْلِهِ وَ قَدْ أَحْبَبْنَا أَنْ نَعْرِضَ ذَلِكَ عَلَيْكَ فَتَدْخُلَ مَعَنَا فَإِنَّهُ لَا غِنَى بِنَا عَنْ مِثْلِكَ لِمَوْضِعِكَ وَ كَثْرَةِ شِيعَتِكَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام أَ كُلُّكُمْ عَلَى مِثْلِ مَا قَالَ عَمْرٌو قَالُوا نَعَمْ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا نَسْخَطُ إِذَا عُصِيَ اللَّهُ فَأَمَّا إِذَا أُطِيعَ رَضِينَا أَخْبِرْنِي يَا عَمْرُو لَوْ أَنَّ الْأُمَّةَ قَلَّدَتْكَ أَمْرَهَا وَ وَلَّتْكَ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَ لَا مَئُونَةٍ وَ قِيلَ لَكَ وَ لِّهَا مَنْ شِئْتَ مَنْ كُنْتَ تُوَلِّيهَا قَالَ كُنْتُ أَجْعَلُهَا شُورَى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ قَالَ نَعَمْ قَالَ بَيْنَ فُقَهَائِهِمْ وَ خِيَارِهِمْ قَالَ نَعَمْ قَالَ قُرَيْشٍ وَ غَيْرِهِمْ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَ الْعَرَبِ وَ الْعَجَمِ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَخْبِرْنِي يَا عَمْرُو أَ تَتَوَلَّى أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ أَوْ تَتَبَرَّأُ مِنْهُمَا قَالَ أَتَوَلَّاهُمَا فَقَالَ فَقَدْ خَالَفْتَهُمَا مَا تَقُولُونَ أَنْتُمْ تَتَوَلَّوْنَهُمَا أَوْ تَتَبَرَّءُونَ مِنْهُمَا قَالُوا نَتَوَلَّاهُمَا قَالَ يَا عَمْرُو إِنْ كُنْتَ رَجُلًا تَتَبَرَّأُ مِنْهُمَا فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَكَ الْخِلَافُ عَلَيْهِمَا وَ إِنْ كُنْتَ تَتَوَلَّاهُمَا فَقَدْ خَالَفْتَهُمَا قَدْ عَهِدَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَبَايَعَهُ وَ لَمْ يُشَاوِرْ فِيهِ أَحَداً ثُمَّ رَدَّهَا أَبُو بَكْرٍ عَلَيْهِ وَ لَمْ يُشَاوِرْ فِيهِ أَحَداً ثُمَّ جَعَلَهَا عُمَرُ شُورَى بَيْنَ سِتَّةٍ وَ أَخْرَجَ مِنْهَا جَمِيعَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ غَيْرَ أُولَئِكَ السِّتَّةِ مِنْ قُرَيْشٍ وَ أَوْصَى فِيهِمْ شَيْئاً لَا أَرَاكَ تَرْضَى بِهِ أَنْتَ وَ لَا أَصْحَابُكَ- إِذْ جَعَلْتَهَا شُورَى بَيْنَ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ وَ مَا صَنَعَ قَالَ أَمَرَ صُهَيْباً أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَ أَنْ يُشَاوِرَ أُولَئِكَ السِّتَّةَ لَيْسَ مَعَهُمْ أَحَدٌ إِلَّا ابْنُ عُمَرَ يُشَاوِرُونَهُ وَ لَيْسَ لَهُ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ وَ أَوْصَى مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ إِنْ مَضَتْ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغُوا أَوْ يُبَايِعُوا رَجُلًا أَنْ يَضْرِبُوا أَعْنَاقَ أُولَئِكَ السِّتَّةِ جَمِيعاً فَإِنِ اجْتَمَعَ أَرْبَعَةٌ قَبْلَ أَنْ تَمْضِيَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ وَ خَالَفَ اثْنَانِ أَنْ يَضْرِبُوا أَعْنَاقَ الِاثْنَيْنِ أَ فَتَرْضَوْنَ بِهَذَا أَنْتُمْ فِيمَا تَجْعَلُونَ مِنَ الشُّورَى فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا لَا ثُمَّ قَالَ يَا عَمْرُو دَعْ ذَا أَ رَأَيْتَ لَوْ بَايَعْتُ صَاحِبَكَ الَّذِي تَدْعُونِي إِلَى بَيْعَتِهِ ثُمَّ اجْتَمَعَتْ قوله عليه السلام:" من نصب لنا" أي الحرب و العداوة. لَكُمُ الْأُمَّةُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْكُمْ رَجُلَانِ فِيهَا فَأَفَضْتُمْ إِلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُسْلِمُونَ وَ لَا يُؤَدُّونَ الْجِزْيَةَ أَ كَانَ عِنْدَكُمْ وَ عِنْدَ صَاحِبِكُمْ مِنَ الْعِلْمِ مَا تَسِيرُونَ بِسِيرَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي الْمُشْرِكِينَ فِي حُرُوبِهِ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَتَصْنَعُ مَا ذَا قَالَ نَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَإِنْ أَبَوْا دَعَوْنَاهُمْ إِلَى الْجِزْيَةِ قَالَ وَ إِنْ كَانُوا مَجُوساً لَيْسُوا بِأَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ سَوَاءٌ قَالَ وَ إِنْ كَانُوا مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَ عَبَدَةَ الْأَوْثَانِ قَالَ سَوَاءٌ- قَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْقُرْآنِ تَقْرَؤُهُ قَالَ نَعَمْ قَالَ اقْرَأْ- قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ لٰا يُحَرِّمُونَ مٰا حَرَّمَ اللّٰهُ وَ رَسُولُهُ وَ لٰا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صٰاغِرُونَ فَاسْتِثْنَاءُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ اشْتِرَاطُهُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فَهُمْ وَ الَّذِينَ لَمْ يُؤْتَوُا الْكِتَابَ سَوَاءٌ قَالَ نَعَمْ قَالَ عَمَّنْ أَخَذْتَ ذَا قَالَ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ قَالَ فَدَعْ ذَا فَإِنْ هُمْ أَبَوُا الْجِزْيَةَ فَقَاتَلْتَهُمْ فَظَهَرْتَ عَلَيْهِمْ كَيْفَ تَصْنَعُ بِالْغَنِيمَةِ قَالَ أُخْرِجُ الْخُمُسَ وَ أَقْسِمُ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ بَيْنَ مَنْ قَاتَلَ عَلَيْهِ قَالَ أَخْبِرْنِي عَنِ الْخُمُسِ مَنْ تُعْطِيهِ قَالَ حَيْثُمَا سَمَّى اللَّهُ قَالَ فَقَرَأَ وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ قَالَ الَّذِي لِلرَّسُولِ مَنْ تُعْطِيهِ وَ مَنْ ذُو الْقُرْبَى قَالَ قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ فَقَالَ بَعْضُهُمْ قَرَابَةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ أَهْلُ بَيْتِهِ وَ قَالَ بَعْضُهُمُ الْخَلِيفَةُ وَ قَالَ بَعْضُهُمْ قَرَابَةُ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ فَأَيَّ ذَلِكَ تَقُولُ أَنْتَ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ فَأَرَاكَ لَا تَدْرِي فَدَعْ ذَا ثُمَّ قَالَ أَ رَأَيْتَ الْأَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ تَقْسِمُهَا بَيْنَ جَمِيعِ مَنْ قَاتَلَ عَلَيْهَا قَالَ نَعَمْ قَالَ قوله عليه السلام:" و إن كانوا مجوسا" يمكن أن يكون ذكر المجوس لإظهار عدم علمهم لأن العامة مختلفون فيهم و كان غرضه عليه السلام أن يسأل منهم الدليل و كان يعرف أنهم لا يعلمونه. قوله عليه السلام:" فهم و الذين" قال الوالد العلامة: يدل على حجية مفهوم الوصف و إن أمكن أن يكون إلزاما عليهم، أو لأن هذا المفهوم معتبر ببيان النبي فَقَدْ خَالَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي سِيرَتِهِ بَيْنِي وَ بَيْنَكَ فُقَهَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَشِيخَتُهُمْ فَاسْأَلْهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ وَ لَا يَتَنَازَعُونَ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم إِنَّمَا صَالَحَ الْأَعْرَابَ عَلَى أَنْ يَدَعَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ وَ لَا يُهَاجِرُوا عَلَى إِنْ دَهِمَهُ مِنْ عَدُوِّهِ دَهْمٌ أَنْ يَسْتَنْفِرَهُمْ فَيُقَاتِلَ بِهِمْ وَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ نَصِيبٌ وَ أَنْتَ تَقُولُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ فَقَدْ خَالَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي كُلِّ مَا قُلْتَ فِي سِيرَتِهِ فِي الْمُشْرِكِينَ وَ مَعَ هَذَا مَا تَقُولُ فِي الصَّدَقَةِ فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْآيَةَ- إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا إِلَى آخِرِ الْآيَةِ قَالَ نَعَمْ فَكَيْفَ تَقْسِمُهَا قَالَ أَقْسِمُهَا عَلَى ثَمَانِيَةِ أَجْزَاءٍ فَأُعْطِي كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الثَّمَانِيَةِ جُزْءاً قَالَ وَ إِنْ كَانَ صِنْفٌ مِنْهُمْ عَشَرَةَ آلَافٍ وَ صِنْفٌ مِنْهُمْ رَجُلًا وَاحِداً أَوْ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً جَعَلْتَ لِهَذَا الْوَاحِدِ مِثْلَ مَا جَعَلْتَ لِلْعَشَرَةِ آلَافٍ قَالَ نَعَمْ قَالَ وَ تَجْمَعُ صَدَقَاتِ أَهْلِ الْحَضَرِ وَ أَهْلِ الْبَوَادِي فَتَجْعَلُهُمْ فِيهَا سَوَاءً قَالَ نَعَمْ قَالَ فَقَدْ خَالَفْتَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فِي كُلِّ مَا قُلْتَ فِي سِيرَتِهِ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَقْسِمُ صَدَقَةَ أَهْلِ الْبَوَادِي فِي أَهْلِ الْبَوَادِي وَ صَدَقَةَ أَهْلِ الْحَضَرِ فِي أَهْلِ الْحَضَرِ وَ لَا يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ بِالسَّوِيَّةِ وَ إِنَّمَا يَقْسِمُهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَحْضُرُهُ مِنْهُمْ وَ مَا يَرَى وَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ مُوَقَّتٌ مُوَظَّفٌ وَ إِنَّمَا يَصْنَعُ ذَلِكَ بِمَا يَرَى عَلَى قَدْرِ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْهُمْ فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ مِمَّا قُلْتُ شَيْءٌ فَالْقَ فُقَهَاءَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَذَا كَانَ يَصْنَعُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى عَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ فَقَالَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ وَ أَنْتُمْ أَيُّهَا الرَّهْطُ فَاتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّ أَبِي حَدَّثَنِي وَ كَانَ خَيْرَ أَهْلِ الْأَرْضِ وَ أَعْلَمَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّ رَسُولَ صلى الله عليه وآله وسلم مع عموم آيات جهاد الكفار و خرج أهل الكتاب بالآية و الأخبار فبقي الباقي. قوله عليه السلام:" على أن دهمه" يقال دهمه كسمع و منع غشيه و" الدهماء" العدد الكثير و جماعة الناس ذكره الفيروزآبادي. و قال الجزري: الدهم: العدد الكثير، و في الحديث" قبل أن يدهمك الناس" أي يكثروا عليك و يفجأوك و" الاستنفار" طلب النفور و في بعض النسخ [يستفزه]. اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ مَنْ ضَرَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ وَ دَعَاهُمْ إِلَى نَفْسِهِ وَ فِي الْمُسْلِمِينَ مَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فَهُوَ ضَالٌّ مُتَكَلِّفٌ
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ١٨ - الصفحة ٣٤٨. — الإمام الصادق عليه السلام
سَأَلَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَسْمَعُ قَوْماً يَقُولُونَ إِنَّ الزِّرَاعَةَ قوله عليه السلام:" و ما بقي فللميت" قال الوالد العلامة ( قدس سره ): أي إذا لم يكن الصلح بطيب أنفسهم، و يدل على أن مثل هذا الصلح ينفع في الدنيا و لا ينفع لبراءة الذمة، و أما كونه للميت فالظاهر أنه إذا لم يذكر لهم أنه أكثر كما هو الشائع و إن كان هنا أيضا إشكال لأنه بالموت صار ملكا لهم و بعدهم لورثتهم و الأجر للميت في كل مرتبة، لأنه ضيع حقه و يمكن أن يكون ظاهر الخبر مرادا. باب فضل الزراعة الحديث الأول: ضعيف على المشهور. قوله عليه السلام:" كيلا يكرهوا" أي طبعا مع قطع النظر عن علمهم بالمصالح العامة. الحديث الثاني: ضعيف. الحديث الثالث: مجهول. مَكْرُوهَةٌ فَقَالَ لَهُ ازْرَعُوا وَ اغْرِسُوا فَلَا وَ اللَّهِ مَا عَمِلَ النَّاسُ عَمَلًا أَحَلَّ وَ لَا أَطْيَبَ مِنْهُ وَ اللَّهِ لَيَزْرَعُنَّ الزَّرْعَ وَ لَيَغْرِسُنَّ النَّخْلَ بَعْدَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ١٩ - الصفحة ٣٣١. — الإمام الصادق عليه السلام
إِنَّ ثَلَاثَ نِسْوَةٍ أَتَيْنَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَقَالَتْ إِحْدَاهُنَّ إِنَّ زَوْجِي لَا يَأْكُلُ اللَّحْمَ وَ قَالَتِ الْأُخْرَى إِنَّ زَوْجِي لَا يَشَمُّ الطِّيبَ وَ قَالَتِ الْأُخْرَى إِنَّ زَوْجِي لَا يَقْرَبُ النِّسَاءَ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَجُرُّ رِدَاءَهُ حَتَّى صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ مِنْ أَصْحَابِي لَا يَأْكُلُونَ اللَّحْمَ وَ لَا يَشَمُّونَ الطِّيبَ وَ لَا يَأْتُونَ النِّسَاءَ أَمَا إِنِّي آكُلُ اللَّحْمَ وَ أَشَمُّ الطِّيبَ وَ آتِي النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي و كذلك آجره الله إيجارا و أجر فلان خمسة من ولده أي ماتوا فصاروا أجره. الحديث الرابع: ضعيف. قوله صلى الله عليه وآله وسلم:" أتتكم الحولاء" أي زينب العطارة. قوله صلى الله عليه وآله وسلم:" أما لو يدري" كلمة لو للتمني أو للجزاء محذوف أي لأقبل عليك، أو بادرت بالسؤال قبل إتمام الجواب. الحديث الخامس: ضعيف على المشهور.
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢٠ - الصفحة ٣٠٤. — الإمام الصادق عليه السلام
عليه السلام إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ الطَّلَاقَ طَلَّقَهَا فِي قُبُلِ عِدَّتِهَا بِغَيْرِ جِمَاعٍ فَإِنَّهُ إِذَا طَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى يَخْلُوَ أَجَلُهَا إِنْ شَاءَ أَنْ يَخْطُبَ مَعَ الْخُطَّابِ فَعَلَ فَإِنْ رَاجَعَهَا قَبْلَ أَنْ يَخْلُوَ أَجَلُهَا أَوْ بَعْدَهُ كَانَتْ عِنْدَهُ عَلَى تَطْلِيقَةٍ فَإِنْ طَلَّقَهَا الثَّانِيَةَ أَيْضاً فَشَاءَ أَنْ يَخْطُبَهَا مَعَ الْخُطَّابِ إِنْ كَانَ تَرَكَهَا حَتَّى يَخْلُوَ أَجَلُهَا كما هو ظاهر الآية" وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ" و الخطاب مع المؤمنين، فإنهم مسلمون و مولودون على الفطرة، فما كان ينبغي السؤال عنه من أمثالكم، و الظاهر أن مراده بالناصب من كان على خلاف الحق كما هو الشائع في الأخبار. الحديث السابع: حسن أو موثق. و الظاهر أن" ابن" من زيادة النساخ، بل" هو بكير" إذ ابنه لا يروي عن أبي جعفر عليه السلام، و سيأتي نظير هذا السند و فيه عن بكير. الحديث الثامن: ضعيف على المشهور. الحديث التاسع: مجهول و سقط شرحه عن المصنف. قوله عليه السلام:" إن كان تركها" قيد للمشيئة، أي مشيئة الخطبة إنما يكون إذا تركها حتى يخلو أجلها، و جزاء الشرط محذوف، أي فعل، و يحتمل أن يكون فَإِنْ شَاءَ رَاجَعَهَا قَبْلَ أَنْ يَنْقَضِيَ أَجَلُهَا فَإِنْ فَعَلَ فَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى تَطْلِيقَتَيْنِ فَإِنْ طَلَّقَهَا الثَّالِثَةَ فَلَا تَحِلُّ لَهُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ وَ هِيَ تَرِثُ وَ تُورَثُ مَا كَانَتْ فِي الدَّمِ مِنَ التَّطْلِيقَتَيْنِ الْأَوَّلَتَيْنِ
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢١ - الصفحة ١١٥. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
أُتِيَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ صلى الله عليه وآله وسلم بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ قَدْ تَنَصَّرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام مَا يَقُولُ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ قَالَ صَدَقُوا وَ أَنَا أَرْجِعُ إِلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ أَمَا إِنَّكَ لَوْ كَذَّبْتَ الشُّهُودَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ وَ قَدْ قَبِلْتُ مِنْكَ وَ لَا تَعُدْ فَإِنَّكَ إِنْ رَجَعْتَ لَمْ أَقْبَلْ مِنْكَ رُجُوعاً بَعْدَهُ و قال في التحرير: الزنديق و هو الذي يظهر الإيمان و يبطن الكفر يقتل بالإجماع، و قال في الصحاح: العلاوة: رأس الإنسان ما دام في عنقه، يقال: ضرب علاوته أي رأسه. الحديث السابع: مرسل. و ظاهره عدم قتل الفطري ابتداء، و يمكن حمله على المراهق للبلوغ. الحديث الثامن: ضعيف. الحديث التاسع: صحيح. لعل القتل على تقدير التكذيب بناء على عدم توبته مع ثبوت ارتداده بالشهود و فيه إشكال. و كذا في قوله عليه السلام:" لم أقبل منك رجوعا" و يمكن تأويله بأن عدم قبول
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢٣ - الصفحة ٣٩٩. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام بِالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ وَ لَمْ يَجْبُرْ كَسْرَ عَظْمٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ أَيُّهَا النَّاسُ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَطَبٍ وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ الحديث الثاني و العشرون: ضعيف قوله:" لم يقصم" أي لم يكسر" جباري دهر إلا من بعد تمهيل" أي تأخير" و رخاء" أي نعمة و سعة عيش،" و لم يجبر كسر عظم من الأمم" أي يدفع الجبابرة، و استيلاء أهل الحق عليهم، و في نهج البلاغة" و لم يجبر عظم أحد من الأمم إلا بعد أزل و بلاء" الأزل: الضيق و الشدة،" أيها الناس في دون ما استقبلتم من خطب و استدبرتم من خطب، معتبر" الخطب: الشأن و الأمر. و يحتمل أن يكون المراد بما استدبروه ما وقع في زمن الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من استيلاء الكفرة، أولا و غلبة الحق و أهله ثانيا، و انقضاء دولة الظالمين و نصرة الله رسوله على الكافرين، و المراد بما استقبلوه ما ورد عليهم بعد الرسول صلى الله عليه و آله و سلم من الفتن، و استبداد أهل الجهالة و الضلالة بأمور المسلمين بلا نصر من رسول رب العالمين، و كثرة خطائهم في أحكام الدين، ثم انقضاء دولتهم، و ما وقع بعد ذلك من الحروب، و الفتن كل ذلك محل للاعتبار لمن عقل و فهم، و ميز الحق عن الباطل فإن زمان الرسول صلى الله عليه و آله و سلم و غزواته و مصالحته و مهادنته مع المشركين كانت منطبقة على أحوال أمير المؤمنين عليه السلام من وفاة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم إلى شهادته عليه السلام. و يحتمل أن يكون المراد بما يستقبل و ما يستدبر شيئا واحدا، فإن ما يستقبل قبل وروده يستدبر بعد مضيه، و المراد التفكر في انقلاب أحوال الدنيا. و سرعة وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرِ عَيْنٍ بِبَصِيرٍ عِبَادَ اللَّهِ أَحْسِنُوا فِيمَا يَعْنِيكُمُ النَّظَرُ فِيهِ ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَرَصَاتِ مَنْ قَدْ أَقَادَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَانُوا عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَهْلَ جَنّٰاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقٰامٍ كَرِيمٍ ثُمَّ انْظُرُوا بِمَا خَتَمَ اللَّهُ لَهُمْ بَعْدَ النَّضْرَةِ وَ السُّرُورِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ لِمَنْ صَبَرَ مِنْكُمُ الْعَاقِبَةُ فِي الْجِنَانِ وَ اللَّهِ زوالها و كثرة الفتن فيها فيحث هذا التفكر العاقل اللبيب على ترك الأغراض الدنيوية و السعي لما يوجب حصول السعادات الأخروية. و يحتمل على بعد أن يكون المراد بما يستقبلونه ما أمامهم من أحوال البرزخ و أهوال القيامة، و عذاب الآخرة و مثوباتها، و بما استدبروه ما مضى من أيام عمرهم و ما ظهر لهم من آثار فناء الدنيا و حقارتها، و قلة بقائها،" و ما كل ذي قلب بلبيب" أي عاقل،" و لا كل ذي سمع بسميع" أي يفهم الحق و يؤثر فيه و يعمل به،" و لا كل ذي ناظر عين ببصير" أي يبصر الحق و يعتبر بما يرى، و ينتفع بما يشاهد، و ليس لفظ" عين" في نسخ النهج، و في بعض نسخ الكتاب" عباد الله أحسنوا فيما يعنيكم" أي يهمكم و ينفعكم، و في بعض النسخ" يعينكم النظر فيه" الظاهر أنه بدل اشتمال لقوله:" فيما يعينكم" و يحتمل أن يكون فاعلا لقوله يعينكم، بتقدير النظر قبل الظرف أيضا" ثم انظروا إلى عرصات" قال الفيروزآبادي: العرصة كل بقعة بين الدور واسعة ليس فيها بناء، و الجمع عراص و عرصات" من قد أقاده الله بعلمه" يقال: أقاده خيلا أي أعطاه ليقودها، و لعل المراد من مكنه الله من الملك بأن خلى بينه و بين اختياره، و لم يمسك يده عما أراده بعلمه و حكمته أي بما يقتضيه علمه من عدم إجبارهم على الطاعات و ترك المنهيات. و يحتمل أن يكون من القود و القصاص، و يؤيده أن في بعض النسخ بعمله بتقديم الميم على اللام، فالضمير راجع إلى الموصول" كانوا على سنة" أي طريقة و حالة مشبهة، و مأخوذة من آل فرعون من الظلم و الكفر و الطغيان، أو من الرفاهية و النعمة كما قال:" مِنْ جَنّٰاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقٰامٍ كَرِيمٍ" فعلى الأول: حال، و على مُخَلَّدُونَ وَ لِلّٰهِ عٰاقِبَةُ الْأُمُورِ فَيَا عَجَباً وَ مَا لِي لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا لَا يَقْتَصُّونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَ لَا يَعْفُونَ عَنْ عَيْبٍ الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا- وَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ آخِذٌ مِنْهَا فِيمَا الثاني: بدل، من قوله على سنة، أو عطف بيان له" ثم انظروا بما ختم الله لهم" الباء بمعنى في أو إلى أو زائدة، أو صلة للختم قدم عليه، أي انظروا بأي شيء ختم لهم بعد النضرة. و السرور و الأمر و النهي، النضرة: الحسن و الرونق" و لمن صبر منكم العاقبة في الجنان و الله مخلدون" قوله:" مخلدون" خبر لمبتدء محذوف، و الجملة مبينة، و مؤكدة للجملة السابقة، يسأل عن عاقبتهم فيقال: هم و الله مخلدون في الجنان،" وَ لِلّٰهِ عٰاقِبَةُ الْأُمُورِ" أي مرجعها إلى حكمه كما قيل أو عاقبة الدولة، و الملك و العز لله و لمن طلب رضاه كما هو الأنسب بالمقام" فيا عجبا" بغير تنوين و أصله فيا عجبا ثم قلبوا الياء ألفا، فإن وقفت قلت يا عجباه، أي يا عجبي أقبل فهذا أوانك، أو بالتنوين أي يا قوم أعجبوا عجبا أو أعجب عجبا، و الأول أشهر و أظهر" و ما لي لا أعجب من خطإ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها" الظرف الأخير إما متعلق بالاختلاف أو بالخطإ أو بهما على التنازع، و قوله:" على اختلاف حججها" أي مذاهبها أو طرقها أو دلائلها على مذاهبهم الباطلة أو على الحق، مع عدولهم عنها" لا يعتقون أثر نبي" و في بعض النسخ" لا يقتصون" من قولهم اقتص أثره أي تتبعه" و لا يقتدون بعمل وصي" يعني نفسه عليه السلام و لا يؤمنون بغيب، أي بأمر غائب عن الحس، مما أخبر به النبي صلى الله عليه و آله و سلم من الجنة و النار و غيرهما" و لا يعفون عن عيب" بكسر العين و تشديد الفاء من العفة، و بسكون العين و تخفيف الفاء من العفو، أي عن عيوب الناس" المعروف فيهم ما عرفوا، و المنكر عندهم ما أنكروا" أي المعروف و الخبر عندهم يعرفونه، و يعدونه معروفا، و يستحسنونه بعقولهم الناقصة، و إن كان منكرا في نفس الأمر، و المراد أن المعروف و المنكر تابعان لإراداتهم و ميولهم يَرَى بِعُرًى وَثِيقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ فَلَا يَزَالُونَ بِجَوْرٍ وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا خَطَأً لَا يَنَالُونَ تَقَرُّباً وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْداً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أُنْسُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَ تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كُلُّ ذَلِكَ وَحْشَةً مِمَّا وَرَّثَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ صلى الله عليه وآله وسلم وَ نُفُوراً مِمَّا أَدَّى إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أَهْلُ حَسَرَاتٍ وَ كُهُوفُ شُبُهَاتٍ وَ أَهْلُ عَشَوَاتٍ وَ ضَلَالَةٍ وَ رِيبَةٍ مَنْ الطبيعية، فما أنكرته طباعهم كان هو المنكر بينهم، و إن كان معروفا في الشريعة، و ما اقتضته طباعهم و مالت إليه شهواتهم كان هو المعروف بينهم، و إن علموا أنه منكر في الذين" و كل امرء منهم إمام نفسه" و في نهج البلاغة هكذا:" مفزعهم في المعضلات إلى أنفسهم، و تعويلهم في المبهمات على آرائهم، كان كل امرئ منهم إمام نفسه"" أخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات" أي يظنون أنهم تمسكوا بدلائل و براهين فيما يدعون من الأمور الباطلة" و أسباب محكمات" أي زعموا أنهم تعلقوا بوسائل محكمة فيمن يتوسلون بهم من أئمة الجور" فلا يزالون بجور، و لم يزدادوا إلا خطأ لا ينالون تقربا" أي إلى ربهم" و لن يزدادوا إلا بعدا من الله" لخطائهم في أديانهم و أعمالهم آنس بعضهم ببعض" على صيغة المصدر و يحتمل الفعل و الفقرة التالية يؤيد الأول" و تصديق بعضهم لبعض" و في بعض النسخ" و تصدق" أي يعطي بعضهم صدقاتهم بعضا و لعله تصحيف" كل ذلك، وحشة مما ورث النبي الأمي صلى الله عليه و آله و سلم " أي يفعلون كل ذلك لوحشتهم و نفرتهم عن العلوم التي ورثها النبي لأهل بيته و الأمي: نسبة إلى أم القرى، أو لأنه صلى الله عليه و آله و سلم لم يتعلم الخط و القراءة، و إن كان عالما بهما بإلهامه تعالى" و نفورا مما أدى إليهم من إخبار فاطر السماوات و الأرض" أي خالقهما، و مبدعهما" أهل حسرات" بعد الموت و في القيامة" و كهوف شبهات" أي تأدى إليهم الشبهات لأنهم يقبلون إليها و يقتلون بها، و في بعض النسخ" و كفر و شبهات" فيكونان معطوفين على حسرات" و أهل عشوات" قال الجوهري: العشوة أن يركب أمرا على غير بيات، و يقال أخذت عليهم بالعشوة، أي بالسواد من الليل" و ضلالة و ريبة" أي شك" من وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ رَأْيِهِ فَهُوَ مَأْمُونٌ عِنْدَ مَنْ يَجْهَلُهُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ بِأَنْعَامٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا وَ وَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِي مِنْ بَعْدِ قُرْبِ مَوَدَّتِهَا الْيَوْمَ كَيْفَ يَسْتَذِلُّ بَعْدِي بَعْضُهَا بَعْضاً وَ كَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً الْمُتَشَتِّتَةِ غَداً عَنِ الْأَصْلِ النَّازِلَةِ بِالْفَرْعِ الْمُؤَمِّلَةِ الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ آخِذٌ مِنْهُ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ الْغُصْنُ مَالَ مَعَهُ مَعَ أَنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ سَيَجْمَعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا يَجْمَعُ وكله الله إلى نفسه و رأيه" أي بسبب إعراضه عن الحق، و تركه لأهله" فهو مأمون عند من يجهله" و" غير المتهم عند من لا يعرفه" خبر للموصول، و الغرض بيان أن حسن ظن الناس و العوام بهم إنما هو لجهلهم بضلالتهم و جهالتهم، و يحتمل أن يكون المراد بالموصول أئمة من قد ذمهم سابقا، لا أنفسهم" فما أشبه هؤلاء" أي هذه الفرق الضالة المختلفة" بإنعام قد غاب عنها رعاؤها" هي جمع الراعي" و وا أسفا من فعلات شيعتي" أي من تتبعني اليوم ظاهرا" من بعد قرب مودتها اليوم" ظرف للقرب" كيف يستذل بعدي بعضها بعضا" كما تفرقوا عن أئمة الحق، و توسلوا بأئمة الجور" و كيف يقتل بعضها بعضا المتشتتة غدا عن الأصل" أي هم الذين يتفرقون عن أئمة الحق و لا ينصرونهم" النازلة بالفرع" أي يتعلقون بالأغصان، و الفروع التي لا ينفع التعلق بها بدون التشبث بالأصل كما أنهم بعد تفرقهم عن الأئمة عليهم السلام تبعوا كل من ادعى حقا، و إن لم يكن محقا، كمختار و أبي مسلم، و زيد و يحيى، و محمد، و إبراهيم، و غيرهم" المؤملة الفتح من غير جهته" أي من غير الجهة التي يرجى منها الفتح، إذ صاروا بعد خروجهم مغلوبين مقتولين، أو من غير الجهة التي أمروا بالاستفتاح منها، فإنه كان خروجهم بغير إذن الأئمة عليهم السلام معصية" كل حزب منهم آخذ بغصن، أين ما مال الغصن مال معه" أي لتفرقهم عن أئمة الحق صاروا شعبا شتى كل منهم آخذ بغصن من أغصان شجرة الحق بزعمهم، ممن يدعي الانتساب إلى أهل البيت عليهم السلام مع تركهم الأصل" مع أن الله و له الحمد سيجمع هؤلاء" أي هؤلاء الأحزاب المتشتتة" لشر يوم لبني أمية" قَزَعَ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ سَيْلَ الْعَرِمِ حَيْثُ بَعَثَ عَلَيْهِ قَارَةً فَلَمْ يَثْبُتْ إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم الخراساني لدفع بني أمية، و قد ظفروا بذلك، لكن دفعوا لفاسد بالأفسد و سلطوا أولاد العباس على أئمة الحق" كما يجمع قزع الخريف، يؤلف الله بينهم ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب" في نهج البلاغة" كما تجتمع" قال الجزري في حديث الاستسقاء" و ما في السماء قرعة" أي قطعة من الغيم و جمعها قزع، و منه حد على" فتجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف" أي قطع السحاب المتفرقة، و إنما خص الخريف لأنه أول الشتاء، و السحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم و لا مطبق، ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك، و قال: الركام: السحاب المتراكب بعضه فوق بعض.
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢٥ - الصفحة ١٣٨. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
انْهَزَمَ النَّاسُ يَوْمَ قال في النهاية: فيه" أتاه جبرئيل فقال: بسم الله أرقيك من كل داء يعنيك" أي يقصدك يقال: عنيت فلانا عنيا إذا قصدته، و قيل: معناه من كل داء يشغلك، يقال: هذا أمر لا يعنيني، أي لا يشغلني و يهمني انتهى. و في بعض النسخ يعييك من الإعياء. قوله عليه السلام:" بِمَوٰاقِعِ النُّجُومِ" أي بمساقطها و تخصيص المغارب لما في غروبها من زوال أثرها، و الدلالة على وجود مؤثر لا يزول تأثيره، أو بمنازلها و مجاريها، و قيل النجوم القرآن، و مواقعها أوقات نزولها. قوله:" عن رقية الحمى" قال الجزري: الرقية: العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة، كالحمى و الصرع و غير ذلك من الآفات. الحديث التاسع و الثمانون: ضعيف. قوله صلى الله عليه و آله و سلم:" أيسرهن الخنق" أي الموت بالخناق. الحديث التسعون: مجهول. أُحُدٍ- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَغَضِبَ غَضَباً شَدِيداً قَالَ وَ كَانَ إِذَا غَضِبَ انْحَدَرَ عَنْ جَبِينِهِ مِثْلُ اللُّؤْلُؤِ مِنَ الْعَرَقِ قَالَ فَنَظَرَ فَإِذَا عَلِيٌّ عليه السلام إِلَى جَنْبِهِ فَقَالَ لَهُ الْحَقْ بِبَنِي أَبِيكَ مَعَ مَنِ انْهَزَمَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِي بِكَ أُسْوَةٌ قَالَ فَاكْفِنِي هَؤُلَاءِ فَحَمَلَ فَضَرَبَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيَ مِنْهُمْ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام إِنَّ هَذِهِ لَهِيَ الْمُوَاسَاةُ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ إِنَّهُ مِنِّي وَ أَنَا مِنْهُ فَقَالَ جَبْرَئِيلُ عليه السلام وَ أَنَا مِنْكُمَا يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ع قوله عليه السلام:" لي بك أسوة" قال في المصباح: الأسوة بكسر الهمزة و ضمها: القدوة، و تأسيت به اقتديت، و آسيته بنفسي بالمد سويته، و يجوز إبدال الهمزة واوا في لغة اليمن، فيقال: واسيته.
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢٥ - الصفحة ٢٦٦. — الإمام الصادق عليه السلام
يَحْيَى الْحَلَبِيُّ عَنْ بَشِيرٍ الْكُنَاسِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام يَقُولُ
وَصَلْتُمْ وَ قَطَعَ النَّاسُ وَ أَحْبَبْتُمْ وَ أَبْغَضَ النَّاسُ وَ عَرَفْتُمْ وَ أَنْكَرَ النَّاسُ وَ هُوَ الْحَقُّ إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم عَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ نَبِيّاً وَ إِنَّ عَلِيّاً عليه السلام كَانَ عَبْداً نَاصِحاً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَنَصَحَهُ وَ أَحَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَأَحَبَّهُ إِنَّ حَقَّنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ بَيِّنٌ لَنَا صَفْوُ الْأَمْوَالِ وَ لَنَا الْأَنْفَالُ وَ إِنَّا قَوْمٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ طَاعَتَنَا وَ إِنَّكُمْ تَأْتَمُّونَ بِمَنْ لَا يُعْذَرُ النَّاسُ بِجَهَالَتِهِ وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم مَنْ مَاتَ وَ لَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ فَقَدْ رَأَيْتُمْ أَصْحَابَ عَلِيٍّ عليه السلام ثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ادْعُوا لِي خَلِيلِي فَأَرْسَلَتَا إِلَى أَبَوَيْهِمَا فَلَمَّا جَاءَا أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ الحديث الثالث و العشرون و المائة: مجهول. و يمكن أن يعد حسنا لأن هذا الخبر يدل على مدح بشير. قوله عليه السلام:" إن الله اتخذ محمدا صلى الله عليه و آله و سلم عبدا" أي عبدا كاملا في العبودية مطيعا لله في جميع أموره، و لذا لم ينسب الله تعالى بالعبودية أحدا إلى نفسه إلا مقربي جنابه من الأنبياء و الأوصياء كما قال:" سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ" و قال:" عَبْداً مِنْ عِبٰادِنٰا" و قال: إلى" عَبْدَنٰا دٰاوُدَ" و مثله كثير، و الغرض أن هذا الكمال الذي كان حاصلا لنبينا قبل بعثته و نبوته، قد كان لعلي عليه السلام و كان في جميع الكمالات مشاركا مع الرسول صلى الله عليه و آله و سلم سوى النبوة فقد أخذتم بولاية من هو هكذا. قوله عليه السلام:" لنا صفو المال" أي صفايا الغنيمة. قوله عليه السلام:" فقد رأيتم أصحاب علي عليه السلام " أي المطيعين له أو المخالفين له ادْعُوا لِي خَلِيلِي فَقَالا قَدْ رَآنَا لَوْ أَرَادَنَا لَكَلَّمَنَا فَأَرْسَلَتَا إِلَى عَلِيٍّ عليه السلام فَلَمَّا جَاءَ أَكَبَّ عَلَيْهِ يُحَدِّثُهُ وَ يُحَدِّثُهُ حَتَّى إِذَا فَرَغَ لَقِيَاهُ فَقَالا مَا حَدَّثَكَ فَقَالَ حَدَّثَنِي بِأَلْفِ بَابٍ مِنَ الْعِلْمِ يُفْتَحُ كُلُّ بَابٍ إِلَى أَلْفِ بَابٍ
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢٥ - الصفحة ٣٥٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الْخَافِضِ الرَّافِعِ- المعصوم. الحديث الثاني و التسعون و المائة: ضعيف. و يدل على جواز ذكر الحاجة و النازلة للإخوان في الله بل رجحانه. خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام الحديث الثالث و التسعون و المائة: مجهول. قوله عليه السلام:" الخافض الرافع" الخفض: ضد الرفع، أي يخفض الجبارين و الفراعنة، و يضعهم و يهينهم، و يخفض كل شيء يريد خفضه، و هو الرافع يرفع أنبياءه و حججه على درجات القرب و الكمال، و كذا المؤمنين في مراتب الدين و يلحقهم بالمقربين، و يرفع من أراد رفعته في الدنيا بالعز و التمكين، و رفع الضَّارِّ النَّافِعِ الْجَوَادِ الْوَاسِعِ السماء بغير عمد، فكل رفعة و عزة و غلبة منه تعالى. قوله عليه السلام:" الضار النافع" أي يضر من يشاء بتعذيبه إذا استحق العقاب، و بالبلايا و المحن في الدنيا، إما لغضبه عليهم أو لتكفير سيئاتهم أو لرفع درجاتهم، و هذان الأخيران و إن كانا عائدين إلى النفع، لكن يمكن إطلاق الضرر عليهما بحسب ظاهر الحال، و نفعه تعالى لا يحتاج إلى البيان، إذ هو منشأ كل جود و رحمة و نعمة و إحسان. قوله عليه السلام:" الجواد" روى الصدوق ره عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن إبراهيم بن هاشم، عن أحمد بن سليمان قال: سأل رجل أبا الحسن عليه السلام و هو في الطواف، فقال له: أخبرني عن الجواد؟ فقال: إن لكلامك وجهين، فإن كنت تسأل عن المخلوق فإن الجواد الذي يؤدي ما افترض الله تعالى عليه، و البخيل من بخل بما افترض الله عليه، و إن كنت تعني الخالق فهو الجواد إن أعطى، و هو الجواد إن منع، لأنه إن أعطى عبدا أعطاه ما ليس له، و إن منع منع ما ليس له. قوله عليه السلام:" الواسع" هو مشتق من السعة، و هي تستعمل حقيقة باعتبار المكان، و هي لا يمكن إطلاقها على الله تعالى بهذا المعنى، و مجازا في العلم و الإنعام و المكنة و الغنى، قال تعالى:" وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَ عِلْماً" و قال:" لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ" و لذا فسر الواسع بالعالم المحيط بجميع المعلومات كليها و جزئيها موجودها و معدومها، و بالجواد الذي عمت نعمته، و شملت رحمته كل بر و فاجر، و مؤمن و كافر، و بالغني التام الغني المتمكن فيما يشاء، و قيل: الواسع الذي لا نهاية لبرهانه و لا غاية لسلطانه و لا حد لإحسانه. الْجَلِيلِ ثَنَاؤُهُ الصَّادِقَةِ أَسْمَاؤُهُ الْمُحِيطِ بِالْغُيُوبِ وَ مَا يَخْطُرُ عَلَى الْقُلُوبِ الَّذِي جَعَلَ الْمَوْتَ بَيْنَ خَلْقِهِ عَدْلًا وَ أَنْعَمَ بِالْحَيَاةِ عَلَيْهِمْ فَضْلًا فَأَحْيَا وَ أَمَاتَ وَ قَدَّرَ الْأَقْوَاتَ أَحْكَمَهَا بِعِلْمِهِ تَقْدِيراً وَ أَتْقَنَهَا بِحِكْمَتِهِ تَدْبِيراً إِنَّهُ كَانَ خَبِيراً بَصِيراً هُوَ الدَّائِمُ بِلَا فَنَاءٍ وَ الْبَاقِي إِلَى غَيْرِ مُنْتَهًى يَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْضِ وَ مَا فِي السَّمَاءِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ - أَحْمَدُهُ بِخَالِصِ حَمْدِهِ الْمَخْزُونِ بِمَا حَمِدَهُ بِهِ الْمَلَائِكَةُ وَ النَّبِيُّونَ حَمْداً لَا يُحْصَى لَهُ عَدَدٌ وَ لَا يَتَقَدَّمُهُ أَمَدٌ وَ لَا يَأْتِي بِمِثْلِهِ أَحَدٌ أُومِنُ بِهِ وَ أَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وَ أَسْتَهْدِيهِ وَ أَسْتَكْفِيهِ وَ أَسْتَقْضِيهِ بِخَيْرٍ وَ أَسْتَرْضِيهِ قوله عليه السلام:" الجليل ثناؤه" أي ثناؤه و مدحه أجل من أن يحيط به الواصفون. قوله عليه السلام:" أحكمها بعلمه تقديرا" أي كانت الأقوات مقدرة مجددة في علمه، أو قدر الأقوات قبل خلق الخلائق و أحكمها لعلمه بمصالحهم قبل إيجادهم و قوله عليه السلام:" تقديرا" تميز. قوله عليه السلام:" و أتقنها بحكمته تدبيرا" أي أتقن تدبير الأقوات بعد خلق الأشياء المحتاجة إليها على وفق حكمته، أو لعلمه بالحكم و المصالح. قوله عليه السلام:" إنه كان خبيرا بصيرا" الخبير: العليم ببواطن الأشياء، من الخبرة و هي العلم بالخفايا الباطنة، و البصير: فيه تعالى معناه العالم بالمبصرات. قوله عليه السلام:" بخالص حمده" أي بحمده الخالص عن النقص و الشوائب الذي هو مخزون عن أكثر الخلق، لا يأتي به إلا المقربون. قوله عليه السلام:" و لا يتقدمه أحد" أي بالتقدم المعنوي بأن يحمد أفضل منه أو بالتقدم الزماني بأن يكون حمده أحد قبل ذلك. قوله عليه السلام:" أستقصيه" بالصاد المهملة من قولهم: استقصى في المسألة و تقصى وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِالْهُدىٰ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ* صلى الله عليه وآله وسلم أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَكُمْ بِدَارٍ وَ لَا قَرَارٍ إِنَّمَا أَنْتُمْ فِيهَا كَرَكْبٍ عَرَّسُوا فَأَنَاخُوا ثُمَّ اسْتَقَلُّوا فَغَدَوْا وَ رَاحُوا دَخَلُوا خِفَافاً وَ رَاحُوا خِفَافاً لَمْ يَجِدُوا عَنْ مُضِيٍّ نُزُوعاً وَ لَا إِلَى مَا تَرَكُوا رُجُوعاً جُدَّ بِهِمْ فَجَدُّوا وَ رَكَنُوا إِلَى الدُّنْيَا فَمَا اسْتَعَدُّوا إذا بلغ الغاية أو بالضاد المعجمة كما في بعض النسخ من قولهم: استقضى فلان أي طلب إليه أن يقضيه. قوله عليه السلام:" بخير" أي بسبب طلب الخير. قوله عليه السلام:" و لا قرار" أي محل قرار. قوله عليه السلام:" كركب عرسوا" الركب جمع راكب و التعريس: نزول القوم في السفر من آخر الليل نزلة للنوم و الاستراحة. قوله عليه السلام:" ثم استقلوا" قال الجوهري: استقل القوم: مضوا و ارتحلوا. قوله عليه السلام:" دخلوا خفافا" هو جمع خفيف أي دخلوا في الدنيا عند ولادتهم خفاقا، بلا زاد و لا مال، و راحوا عند الموت كذلك، و يحتمل أن يكون كناية عن الإسراع. قوله عليه السلام:" نزوعا" قال الفيروزآبادي: نزع عن الشيء نزوعا: كف و أقلع حَتَّى إِذَا أُخِذَ بِكَظَمِهِمْ وَ خَلَصُوا إِلَى دَارِ قَوْمٍ جَفَّتْ أَقْلَامُهُمْ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَكْثَرِهِمْ خَبَرٌ وَ لَا أَثَرٌ قَلَّ فِي الدُّنْيَا لَبْثُهُمْ وَ عُجِّلَ إِلَى الْآخِرَةِ بَعْثُهُمْ فَأَصْبَحْتُمْ حُلُولًا فِي دِيَارِهِمْ ظَاعِنِينَ عَلَى آثَارِهِمْ وَ الْمَطَايَا بِكُمْ تَسِيرُ سَيْراً مَا فِيهِ أَيْنٌ وَ لَا تَفْتِيرٌ نَهَارُكُمْ بِأَنْفُسِكُمْ دَءُوبٌ عنه أي لم يقدروا على الكف عن المضي، و الظرفان متعلقان بالنزوع و الرجوع. قوله عليه السلام:" جد بهم فجدوا" أي حثوهم على الإسراع في السير، فأسرعوا و فيه استعارة تمثيلية شبه سرعة زوال القوي و تسبب أسباب الموت، و كثرة ورود ما يوجب الزوال من الأسباب الخارجة و الداخلة برجال يحثون المراكب و الأجساد بتلك المراكب، و العمر بالمسافة التي يقطعها المسافر، و الأجل بالمنزل الذي يحل فيه. قوله عليه السلام:" بكظمهم" قال الفيروزآبادي: الكظم محركة: الحلق أو الفم، أو مخرج النفس من الحلق. قوله عليه السلام:" و خلصوا إلى دار قوم جفت أقلامهم" يقال: خلص فلان إلى فلان، أي وصل إليه، و قوله عليه السلام:" جفت أقلامهم" أي سكنت قواهم عن الحركات كالكتابة حتى جفت أقلامهم التي كانوا يكتبون بها، أو جفت أقلام الناس عن كتابة آثارهم، لبعد عهدهم، و محو ذكرهم، أو جفت أقلام أهل السماوات عن تقدير أمورهم المتعلقة بحياتهم و الأوسط أظهر. قوله عليه السلام:" فأصبحتم حلولا" جمع حال. قوله عليه السلام:" ظاعنين" أي سائرين. قوله عليه السلام:" ما فيه أين" قال الجوهري: الأين: الإعياء. قوله عليه السلام:" و لا تفتير" أي ليست تلك الحركة موجبة لفتور تلك المطايا فتسكن وَ لَيْلُكُمْ بِأَرْوَاحِكُمْ ذَهُوبٌ فَأَصْبَحْتُمْ تَحْكُونَ مِنْ حَالِهِمْ حَالًا وَ تَحْتَذُونَ مِنْ مَسْلَكِهِمْ مِثَالًا فَلٰا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيٰاةُ الدُّنْيٰا* فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِيهَا سَفْرٌ حُلُولٌ الْمَوْتُ بِكُمْ نُزُولٌ تَنْتَضِلُ فِيكُمْ مَنَايَاهُ وَ تَمْضِي بِأَخْبَارِكُمْ مَطَايَاهُ إِلَى دَارِ الثَّوَابِ وَ الْعِقَابِ وَ الْجَزَاءِ وَ عن السير زمانا. قال الفيروزآبادي: فتر يفتر و يفتر فتورا أو فتارا: سكن بعد حدة و لأن بعد شدة و فترة تفتيرا. قوله عليه السلام:" نهاركم بأنفسكم دؤوب" قال الفيروزآبادي: يقال فلان دؤب في العمل إذا جد و تعب، أي نهاركم يسرع و يجد و يتعب بسبب أنفسكم ليذهبها، و يحتمل أن يكون الباء للتعدية أي نهاركم يتعبكم في أعمالكم و حركاتكم و ذلك سبب لفناء أجسادكم. قوله عليه السلام:" تحكون من حالهم حالا" أي أحوالكم تحكي و تخبر عن أحوالهم لموافقتها لها. قوله عليه السلام:" و تحتذون من سلكهم مثالا" يقال: احتذى مثاله أي اقتدى به، و السلك بالفتح مصدر بمعنى السلوك، أي تقتدون بهم في سلوكهم، و في بعض النسخ [مسلكهم]. قوله عليه السلام:" سفر حلول" هما جمعان أي مسافرون، حللتم بالدنيا. قوله عليه السلام:" نزول" بفتح النون أي نازل. قوله عليه السلام:" تنتضل فيكم مناياه" الانتضال. رمي السهام للسبق، و المنايا جمع المنية و هو الموت، و لعل الضمير راجع إلى الدنيا بتأويل الدهر أو بتشبيهها بالرجل الرامي، أي ترمي إليكم المنايا في الدنيا سهامها، فتهلككم، و السهام الأمراض الْحِسَابِ فَرَحِمَ اللَّهُ امْرَأً رَاقَبَ رَبَّهُ وَ تَنَكَّبَ ذَنْبَهُ و البلايا الموجبة للموت، و يحتمل أن يكون فاعل تنتضل الضمير الراجع إلى الدنيا، و يكون المرمي المنايا، و الأول أظهر، و يمكن إرجاع ضمير مناياه إلى الموت، بأن يكون المراد بالمنايا البلايا التي هي أسباب الموت، أطلق عليها مجازا تسمية للسبب باسم المسبب و في نهج البلاغة في كلام له عليه السلام:" إنما أنتم في هذه الدنيا غرض تنتضل فيه المنايا". قوله عليه السلام:" و تمضي بأخباركم مطاياه" و الأخبار الأعمال يمكن توجيهه بوجوه. الأول: أن يكون المراد بالمطايا: الأشخاص التي ماتوا قبلهم، و مضيهم بأخبار هؤلاء، لأنهم إن أحسنوا إليهم أو أساءوا إليهم يذكرون عند محاسبة هؤلاء الموتى و مجازاتهم، إما بالخير أو بالشر. و الثاني: أن يكون المراد بالمطايا: عين تلك الأشخاص، أي أنتم مطايا الدنيا قد حملت عليكم أعمالكم و تسيركم إلى دار الثواب. و الثالث: أن يكون المراد بالمطايا حفظة الأعمال، و نسبتهم إلى الدنيا لكون أعمالهم فيها و حفظهم لإعمال أهلها. الرابع: أن يكون المراد بالمطايا: الأعمار، أي تمضي بكم مطاياه مع أعمالكم، قوله عليه السلام:" راقب ربه" مراقبة الشيء محافظته و انتظاره و حراسته، أي يكون دائما في ذكره منتظرا لرحمته، محترزا عن عذابه، متذكرا لأنه يطلع عليه دائما. قوله عليه السلام:" و تنكب ذنبه" أي تجنبه. وَ كَابَرَ هَوَاهُ وَ كَذَّبَ مُنَاهُ امْرَأً زَمَّ نَفْسَهُ مِنَ التَّقْوَى بِزِمَامٍ وَ أَلْجَمَهَا مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهَا بِلِجَامٍ فَقَادَهَا إِلَى الطَّاعَةِ بِزِمَامِهَا وَ قَدَعَهَا عَنِ الْمَعْصِيَةِ بِلِجَامِهَا رَافِعاً إِلَى الْمَعَادِ طَرْفَهُ مُتَوَقِّعاً فِي كُلِّ أَوَانٍ حَتْفَهُ دَائِمَ الْفِكْرِ طَوِيلَ السَّهَرِ عَزُوفاً عَنِ الدُّنْيَا سَأَماً كَدُوحاً لآِخِرَتِهِ مُتَحَافِظاً قوله عليه السلام " و كابر هواه" أي غالبها و خالفها، و في بعض النسخ [كابد] بالدال المهملة، يقال: كابدت الأمر إذا قاسيت شدته، أي يقاسي الشدائد في ترك هواه. قوله عليه السلام:" و كذب مناه" أي لم يعتمد على ما يمنية نفسه، و الشيطان من طول الأمل و درك الآمال البعيدة و رجاء الأمور الدنيوية الباطلة و منافعها. قوله عليه السلام:" امرءا" بدل من قوله: امرءا أولا. قوله عليه السلام:" و قدعها" قال الجوهري: قدعت فرسي أقدعه قدعا: كبحته و كففته. قوله عليه السلام:" طرفه" أي عينه. قوله عليه السلام:" حتفه" أي موته. قوله عليه السلام " عزوفا عن الدنيا" قال الجزري: عزفت نفسي عنه: زهدت فيه، و انصرفت عنه. قوله عليه السلام:" ساما" أي عن الدنيا، و هو من تتمة الفقرة السابقة. قوله عليه السلام:" كدوحا" الكدح: السعي و الاهتمام في العمل. قوله عليه السلام:" متحافظا" أي عن المحارم. امْرَأً جَعَلَ الصَّبْرَ مَطِيَّةَ نَجَاتِهِ وَ التَّقْوَى عُدَّةَ وَفَاتِهِ وَ دَوَاءَ أَجْوَائِهِ فَاعْتَبَرَ وَ قَاسَ وَ تَرَكَ الدُّنْيَا وَ النَّاسَ يَتَعَلَّمُ لِلتَّفَقُّهِ وَ السَّدَادِ وَ قَدْ وَقَّرَ قَلْبَهُ ذِكْرُ الْمَعَادِ وَ طَوَى مِهَادَهُ وَ هَجَرَ وِسَادَهُ مُنْتَصِباً عَلَى أَطْرَافِهِ دَاخِلًا فِي أَعْطَافِهِ خَاشِعاً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُرَاوِحُ بَيْنَ الْوَجْهِ وَ الْكَفَّيْنِ خَشُوعٌ فِي السِّرِّ لِرَبِّهِ لَدَمْعُهُ صَبِيبٌ وَ لَقَلْبُهُ وَجِيبٌ شَدِيدَةٌ أَسْبَالُهُ قوله عليه السلام:" و دواء أجوائه" قال الجوهري: الجوى: الحرقة من شدة الوجد من عشق أو حزن. قوله عليه السلام:" فاعتبر" أي بمن مضى" و قاس" أحواله بأحوالهم. قوله عليه السلام:" و قد وقر قلبه ذكر المعاد" أي حمل على قلبه ذكر المعاد فأكثر، من قولهم: أوقر على الدابة، أي حمل عليه حملا ثقيلا، و يحتمل بعيدا أن يكون من الوقار، و يكون ذكر المعاد فاعلا للتوقير أي جعل ذكر المعاد قلبه ذا وقار لا يتبع الشهوات و الأهواء. قوله عليه السلام:" على أطرافه" أي أقدامه. قوله عليه السلام:" و طوى مهاده" المهاد: الفراش، و طيه كناية عن مجانبة النوم و كذا هجر الوساد. قوله عليه السلام:" في أعطافه" جمع عطاف و هو الرداء. قوله عليه السلام:" يراوح بين الوجه و الكفين" أي يضع جبهته تارة للسجود، و يرفع يديه تارة في الدعاء، ففي إعمال كل منهما راحة للأخرى. قوله عليه السلام:" لدمعه صبيب" أي هو صاب كثير الصب لدمعه، و يحتمل المصدر فيكون أوفق بما بعده إن ورد بهذا الوزن في هذا الباب. قوله عليه السلام:" و لقلبه و جيب" أي اضطراب. قوله عليه السلام:" شديدة أسباله" قال الجوهري: السبل بالتحريك: المطر تَرْتَعِدُ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أَوْصَالُهُ قَدْ عَظُمَتْ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ رَغْبَتُهُ وَ اشْتَدَّتْ مِنْهُ رَهْبَتُهُ رَاضِياً بِالْكَفَافِ مِنْ أَمْرِهِ يُظْهِرُ دُونَ مَا يَكْتُمُ وَ يَكْتَفِي بِأَقَلَّ مِمَّا يَعْلَمُ أُولَئِكَ وَدَائِعُ اللَّهِ فِي بِلَادِهِ الْمَدْفُوعُ بِهِمْ عَنْ عِبَادِهِ لَوْ أَقْسَمَ أَحَدُهُمْ عَلَى اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ لَأَبَرَّهُ أَوْ دَعَا عَلَى أَحَدٍ نَصَرَهُ اللَّهُ يَسْمَعُ إِذَا نَاجَاهُ وَ يَسْتَجِيبُ لَهُ إِذَا دَعَاهُ جَعَلَ اللَّهُ الْعَاقِبَةَ لِلتَّقْوَى وَ الْجَنَّةَ لِأَهْلِهَا مَأْوًى دُعَاؤُهُمْ فِيهَا أَحْسَنُ الدُّعَاءِ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ دَعَاهُمُ الْمَوْلَى عَلَى مَا و أسبل المطر و الدمع إذا هطل انتهى، فيحتمل فتح الهمزة ليكون جمعا، و كسرها ليكون مصدرا، و تأنيث الخبر يؤيد الأول. قوله عليه السلام:" أوصاله" أي مفاصله. قوله عليه السلام:" من أمره" أي أمر معاشه. قوله عليه السلام:" يظهر دون ما يكتم" أي يظهر للناس من كمالاته و عباداته و نياته أقل مما يكتم، و يحتمل أن يكون المراد ما يطلع عليه من عيوب الناس. قوله عليه السلام:" و يكتفي بأقل مما يعلم" أي يكتفي من إظهار أعماله و أحواله بأقل مما يعلم، أو يكتفي في النية بأمور المبدأ و المعاد و ما يحثه على العمل بأقل مما يعلم منها، و الغرض أنه يتعظ بكل واعظ، و ينزجر بكل زاجر أو يكتفي من أمور الدنيا بأقل شيء لما يعلم من مفاسدها، و فوت نعيم الآخرة بها. قوله عليه السلام:" ودائع الله" أي أودعهم الله خلقه ليحفظوهم، و يكرموهم و لا يضيعوهم. قوله عليه السلام:" لأهلها" أي لأهل التقوى. قوله عليه السلام:" دعاؤهم فيها أحسن الدعاء" أي إذا أرادوا طلب شيء طلبوه بأحسن طلب بأن يقولوا" سبحانك اللهم". آتَاهُمْ وَ آخِرُ دَعْوٰاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢٦ - الصفحة ٤٤. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
أَبَانٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ الطَّائِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه السلام قَالَ
وَ اللَّهِ لَوْ نَشَرَتْ شَعْرَهَا مَاتُوا طُرّاً الحديث العشرون و الثلاثمائة: ضعيف. قولها عليها السلام:" أن توتم ابني" المشهور في كتب اللغة أن الأيتام تنسب إلى المرأة، يقال أيتمت المرأة أي صار أولادها يتامى، و اليتيم جعله يتيما قولها عليها السلام " و ترملني" الأرملة: المرأة التي لا زوج لها، قولها سلام الله عليها " أن تكون سيئة" أي مكافأة السيئة بالسيئة، و ليست من دأب الكرام، فيكون إطلاق السيئة عليها مجازا أو المراد مطلق الإضرار و يحتمل أن يكون المراد المعصية أي فنهيت عن ذلك، و لا يجوز لي فعله. قوله:" ما تريد إلى هذا" لعل فيه تضمين معنى القصد أي قال مخاطبا لأبي بكر أو عمر ما تريد بقصدك إلى هذا الفعل، أ تريد أن تنزل عذاب الله على هذه الأمة. الحديث الحادي و العشرون و الثلاثمائة: ضعيف. قوله عليه السلام:" ماتوا طرا" أي جميعا و هو منصوب على المصدر أو على الحال، أقول: هذه القصة من المشهورات روته الخاصة و العامة مبسوطة و إن أنكر بعض أجزائها بعض متعصبي أهل الخلاف لتقليل الفضيحة، و لن يصلح العطار ما أفسد .......... الدهر، و ليس هذا مقام ذكر تفاصيل تلك الواقعة الشنيعة، و القصة الغريبة، و لعل الله يوفقنا أن نذكرها مفصلا في شرح كتاب الحجة و لنذكر بعض ما يناسب المقام هيهنا. فأما ما رواه الخاصة فمنها ما رواه سليم بن قيس الهلالي فيما عندنا من كتابه و رواه الطبرسي أيضا في كتاب الاحتجاج عنه، عن سلمان في خبر طويل أخذنا منه موضع الحاجة، أنه قال: لما بايع القوم أبا بكر و كان الليل حمل علي عليه السلام فاطمة عليها السلام على حمار و أخذ بيد ابنيه حسن و حسين فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين و لا من الأنصار إلا أتاه في منزله، و ذكره حقه و دعاه إلى نصرته فما استجاب له من جميعهم إلا أربعة و عشرون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم قد بايعوه على الموت، فأصبح و لم يوافه منهم أحد غير أربعة، فقلت لسلمان و من الأربعة؟ قال: أنا و أبو ذر و المقداد و الزبير بن العوام ثم أتاهم من الليل فناشدهم فقالوا: نصبحك بكرة فما منهم أحد و في غيرنا، ثم الليلة الثالثة فما و في غيرنا. فلما رأى علي عليه السلام غدرهم و قلة وفائهم لزم بيته، و أقبل على القرآن يؤلفه و يجمعه، فلم يخرج حتى جمعه كله، فكتبه على تنزيله و الناسخ و المنسوخ فبعث إليهم أبو بكر أن أخرج فبايع، فبعث إليه أني مشغول فقد آليت بيمين أن لا أرتدي برداء إلا للصلاة حتى أؤلف القرآن و أجمعه فجمعه في ثوب و ختمه، ثم خرج إلى الناس و هم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله فنادى علي عليه السلام بأعلى صوته أيها الناس إني لم أزل منذ قبض النبي صلى الله عليه وآله وسلم مشغول بغسله .......... ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب، فلم ينزل الله على نبيه آية من القرآن إلا و قد جمعتها، و ليست منه آية إلا و قد أقرأنيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم و أعلمني تأويلها ثم دخل بيته. فقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى علي عليه السلام فليبايع فإنا لسنا في شيء حتى يبايع، و لو قد بايع آمنا فأرسل أبو بكر رسولا أن أجب خليفة رسول الله فأتاه الرسول فأخبره بذلك فقال علي عليه السلام ما أسرع ما كذبتم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، إنه ليعلم و يعلم الذين حوله، أن الله و رسوله لم يستخلفا غيري، فذهب الرسول فأخبره بما قاله، فقال: اذهب فقل أجب أمير المؤمنين أبا بكر فأتاه فأخبره بذلك، فقال علي عليه السلام: سبحان الله ما طال العهد فينسى و أنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، و لقد أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين، فاستفهمه هو و صاحبه عمر من بين السبعة، فقالا أ من الله أو من رسوله؟ فقال لهما رسول الله نعم حقا من الله و من رسوله أنه أمير المؤمنين، و سيد المسلمين، و صاحب لواء الغر المحجلين يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة، و أعداءه النار، فانطلق الرسول إلى أبي بكر و أخبره بما قال فكفوا عنه يومئذ. فلما كان الليل حمل فاطمة سلام الله عليها على حمار ثم دعاهم إلى نصرته فما استجاب له رجل غيرنا أربعة فإنا حلقنا رؤوسنا و بذلنا له نصرتنا، و كان علي عليه السلام لما رأى خذلان الناس له و تركهم نصرته و اجتماع كلمة الناس مع أبي بكر و طاعتهم له، و تعظيمهم له، جلس في بيته. و قال عمر لأبي بكر: ما منعك أن تبعث إليه فيبايع فإنه لم يبق أحد إلا و قد بايع غيره و غير هؤلاء الأربعة معه، و كان أبو بكر أرأف الرجلين و أرفقهما و أدهاهما .......... و أبعدهما غورا، و الآخر أفظهما و أغلظهما و أجفاهما، فقال: من ترسل إليه؟ قال: أرسل إليه قنفذا و كان رجلا فظا غليظا جافيا من الطلقاء أحد بني تميم [تيم] فأرسله و أرسل معه أعوانا فانطلق فاستأذن فأبى علي عليه السلام أن يأذن له فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر و عمر و هما في المسجد، و الناس حولهما، فقالوا: لم يأذن لنا، فقال عمر: إن هو أذن لكم و إلا فادخلوا عليه بغير إذنه، فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة عليها السلام أحرج عليكم أن تدخلوا بيتي بغير إذن، فرجعوا و ثبت قنفذ، فقالوا إن فاطمة قالت كذا كذا فحرجتنا أن ندخل عليها بغير إذن، فغضب عمر فقال: ما لنا و للنساء، ثم أمر أناسا حوله فحملوا حطبا، و حمل معهم عمر فجعلوه حول منزله، و فيه علي و فاطمة و ابناهما عليهم السلام، ثم نادى عمر حتى أسمع عليا عليه السلام و الله لتخرجن و لتبايعن خليفة رسول الله أو لأضرمن عليك بيتك نارا، ثم رجع فقعد إلى أبي- بكر و هو يخاف أن يخرج إليه علي عليه السلام بسيفه لما يعرف من بأسه و شدته ثم قال لقنفذ إن خرج و إلا فاقتحم عليه، فإن امتنع فأضرم عليهم بيتهم نارا، فانطلق قنفذ فاقتحم هو و أصحابه بغير إذن، و ثار علي إلى سيفه فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا فضبطوه، و ألقوا في عنقه حبلا، و حالت فاطمة عليها السلام بين زوجها و بينهم عند باب البيت، فضربها قنفذ بالسوط على عضدها، و إن بعضدها مثل الدملوج من ضرب قنفذ إياها، فأرسل أبو بكر إلى قنفذ اضربها فألجأها إلى عضادة باب بيتها فدفعتها فكسر ضلعا من جنبها، و ألقت جنينا من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة صلوات الله عليها. ثم انطلقوا بعلي عليه السلام يعتل حتى انتهوا به إلى أبي بكر و عمر قائم بالسيف على رأسه، و خالد بن الوليد و أبو عبيدة بن الجراح، و سالم، و المغيرة بن شعبة، و أسيد بن حصين، و بشير بن سعد، و سائر الناس قعود حول أبي بكر و هو عليه السلام يقول .......... أما و الله لو وقع سيفي بيدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلى هذا مني و بالله ما ألوم نفسي في جهد و لو كنت في أربعين رجلا لفرقت جماعتكم فلعن الله قوما بايعوني ثم خذلوني، فانتهره عمر، فقال: بايع، فقال: فإن لم أفعل قال إذا نقتلك ذلا و صغارا، فقال: إذا تقتلون عبد الله و أخا رسول الله، فقال أبو بكر: أما عبد الله فنعم، و أما أخا رسول الله فلا نقر لك بها، قال: أ تجحدون أن رسول الله آخى بين نفسه و بيني، فأعادوا عليه بذلك ثلاث مرات، ثم أقبل علي عليه السلام فقال: يا معاشر المهاجرين و الأنصار أنشدكم بالله أ سمعتم رسول الله يقول يوم غدير خم كذا و كذا، و في غزوة تبوك كذا و كذا فلم يدع شيئا قال فيه عليه السلام علانية للعامة إلا ذكر، فقالوا اللهم نعم. فلما أن خاف أبو بكر أن ينصروه و يمنعوه بادرهم، فقال: كلما قلت قد سمعناه بآذاننا و دعته قلوبنا، و لكن سمعت رسول الله يقول: بعد هذا إنا أهل بيت اصطفانا الله و أكرمنا و اختار لنا الآخرة على الدنيا و إن الله لم يكن ليجمع لنا أهل البيت النبوة و الخلافة. فقال علي عليه السلام: أما أحد من أصحاب رسول الله شهد هذا معك؟ قال عمر: صدق خليفة رسول الله و قد سمعنا هذا منه كما قال و قال أبو عبيدة و سالم مولى أبي حذيفة و معاذ بن جبل صدق قد سمعنا ذلك من رسول الله، فقال لهم: لتسد ما وقيتم بصحيفتكم الملعونة، التي تعاقدتم عليها في الكعبة، إن قتل الله محمدا و أماته أن تزووا هذا الأمر منا أهل البيت، فقال أبو بكر: و ما علمك بذلك، ما أطلعناك عليها، فقال علي عليه السلام: يا زبير و يا سلمان و أنت يا مقداد أذكركم الله و بالإسلام أ سمعتم رسول الله يقول ذلك لي إن فلانا و فلانا حتى عد هؤلاء الخمس قد كتبوا بينهم كتابا و تعاهدوا و تعاقدوا على ما صنعوا؟ قالوا: اللهم نعم قد سمعنا، يقول ذلك لك، فقلت بأبي أنت يا رسول الله فما تأمرني أفعل إذا كان ذلك فقال لك إن وجدت .......... عليهم أعوانا فجاهدهم، و نابذهم، و إن لم تجد أعوانا فبايعهم و احقن دمك. فقال علي عليه السلام: أما و الله لو أن أولئك الأربعين رجلا الذين بايعوني وفوا لي لجاهدتك و الله، أما و الله لا ينالها أحد من عقبكم إلى يوم القيامة ثم نادى قبل أن يبايع" يا بن أم إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كٰادُوا يَقْتُلُونَنِي" ثم تناول يد أبي بكر فبايعه كرها، فقال للزبير بايع فأبى فوثب إليه عمر، و خالد بن الوليد و ابن شعبة في أناس فانتزعوا سيفه فضربوا به الأرض حتى كسر فقال الزبير و عمر على صدره يا بن صهاك أما و الله لو أن سيفي في يدي لحدث عني، ثم بايع قال سلمان: ثم أخذوني فوجؤوا عنقي حتى تركوها مثل السلعة، ثم فتلوا يدي فبايعت مكرها ثم بايع أبو ذر و المقداد مكرهين و ما من الأمة أحد بايع مكرها غير علي و أربعتنا و لم يكن أحد منا أشد قولا من الزبير، أقول: ثم ذكر احتجاج أمير المؤمنين عليه السلام و هؤلاء الأربعة عليهم. و روي عن الصادق عليه السلام أنه قال:" لما استخرج أمير المؤمنين من منزله خرجت فاطمة عليها السلام فما بقيت امرأة هاشمية إلا خرجت معها حق انتهت قريبا من القبر فقالت خلوا عن ابن عمي فو الذي بعث محمدا بالحق إن لم تخلوا عنه لأنشرن شعري و لأضعن قميص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على رأسي، و لأصرخن إلى الله تبارك و تعالى فما ناقة صالح بأكرم على الله مني و لا الفصيل بأكرم على الله من ولدي، قال سلمان: كنت قريبا منها فرأيت و الله أساس حيطان مسجد رسول الله تقلعت من أسفلها، حتى لو أراد رجل أن ينفذ من تحتها نفذ فدنوت منها و قلت يا سيدتي و مولاتي إن الله تعالى بعث أباك رحمة، فلا تكوني نقمة فرجعت و رجعت الحيطان إلى .......... الأرض حتى سطعت الغبرة من أسفلها قد خلت في خياشيمنا انتهى. و قد روى أصحابنا في ذلك أخبارا كثيرة ليس هذا مقام ذكرها. و أما روايات العامة فقد روى البلاذري في تاريخه أكثر ما نقلناه من طرقنا مبسوطا، و قد اعترف ابن أبي الحديد مجملا أن جماعة من أصحاب الحديث رووا أمثال ذلك، و روى ابن أبي الحديد عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري بإسناد ذكره عن سلمة بن عبد الرحمن، قال لما جلس أبو بكر على المنبر كان علي عليه السلام و الزبير و أناس من بني هاشم في بيت فاطمة فجاء عمر إليهم، فقال و الذي نفسي بيده لتخرجن إلى البيعة أو لأحرقن البيت عليكم فخرج إليه الزبير مصلتا سيفه فاعتنقه رجل من الأنصار و زياد بن لبيد فدق به السيف من يده فصاح به أبو بكر و هو على المنبر أضرب به على الحجر، قال أبو عمرو بن حماس فلقد رأيت الحجر فيه تلك الضربة، و يقال هذه ضربة سيف الزبير ثم قال أبو بكر: دعوهم فسيأتي الله بهم، قال: فخرجوا إليه بعد ذلك فبايعوه. قال أبو بكر و قد روي في رواية أخرى أن سعد بن أبي وقاص كان معهم في بيت فاطمة عليها السلام، و المقداد بن الأسود أيضا، و إنهم اجتمعوا على أن يبايعوا عليا عليه السلام فأتاهم عمر ليحرق عليهم البيت، فخرج إليه الزبير بالسيف، و خرجت فاطمة سلام الله عليها تبكي و تصيح إلى ما ذكره. و روى أيضا عن أحمد بن إسحاق عن أحمد بن سيار، عن سعيد بن كثير الأنصاري- في أثناء ذكر خبر السقيفة بطوله- و ذهب عمر و معه عصابة إلى بيت فاطمة منهم أسيد بن حضير و سلمة بن أسلم، فقال لهم: انطلقوا فبايعوا فأبوا عليه، و خرج .......... إليه الزبير بسيفه، فقال عمر عليكم الكلب فوثب عليه سلمة بن أسلم فأخذ السيف من يده، فضرب به الجدار، ثم انطلقوا به و بعلي و معهما بنو هاشم، و علي يقول: أنا عبد الله و أخو رسوله حتى انتهوا به إلى أبي بكر، فقيل له: بايع، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم لا أبايعكم و أنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار و احتججتم عليهم بالقرابة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأعطوكم و سلموا إليكم الإمارة، و أنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار فأنصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم و أعرفوا للناس الأمر مثل ما عرفت الأنصار لكم، و إلا فبوءوا بالظلم و أنتم تعلمون. فقال عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: أحلب يا عمر حلبا لك شطره أشدت له اليوم أمره ليرد عليك غدا لا و الله لا أقبل قولك و لا أبايعه. فقال له أبو بكر: فإن لم تبايعني فلم أكرهك. فقال له أبو عبيدة: يا أبا الحسن إنك حديث السن و هؤلاء مشيخة قريش قومك ليس لك تجربتهم و معرفتهم بالأمور و لا أرى أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك، و أشد احتمالا له و اضطلاعا به فسلم له هذا الأمر و أرض به فإنك إن تعش و يطل عمرك فأنت لهذا الأمر خليق، و به حقيق في فضلك و قرابتك و سابقتك و جهادك. فقال علي: يا معشر المهاجرين الله الله لا تخرجوا سلطان محمد عن داره و بيته إلى بيوتكم و دوركم و لا تدفعوا أهله عن مقامه في الناس و حقه، فو الله يا معشر المهاجرين لنحن أهل البيت أحق بهذا الأمر منكم، أما كان منا القاري لكتاب الله، الفقيه في دين الله العالم بالسنة المصطلع بأمر الرعية، و الله إنه لفينا فلا .......... تتبعوا الهوى فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشر بن سعد: لو كان هذا الكلام سمعته منك الأنصار قبل بيعتهم لأبي- بكر ما اختلف عليك اثنان، و لكنهم قد بايعوا و انصرف علي إلى منزله و لم يبايع و لزم بيته حتى ماتت فاطمة فبايع. و روي أيضا عن أحمد بن عبد العزيز قال أخبرني أبو بكر الباهلي، عن إسماعيل بن مجالد، عن الشعبي قال: قال أبو بكر: يا عمر أين خالد بن الوليد؟ قال: هو هذا فقال: انطلقا إليهما يعني عليا و الزبير فأتياني بهما، فدخل عمر و وقف خالد على الباب، من خارج فقال عمر للزبير: ما هذا السيف؟ قال: أعددته لأبايع عليا قال: و كان في البيت ناس كثير منهم المقداد بن الأسود و جمهور الهاشميين فاخترط عمر السيف فضرب به صخرة في البيت فكسره ثم أخذ بيد الزبير فأقامه ثم دفعه فأخرجه، و قال: يا خالد دونك هذا، فأمسكه خالد و كان خارج الباب مع خالد جمع كثير من الناس بعثهم أبو بكر ردأ لهما، ثم دخل عمر، فقال لعلي: قم فبايع فتلكأ و احتبس فأخذه بيده فقال قم، فأبى أن يقوم فحمله و دفعه كما دفع الزبير ثم أمسكهما خالد و ساقهما عمر و من معه سوقا عنيفا و اجتمع الناس ينظرون و امتلأت شوارع المدينة بالرجال، و رأت فاطمة ما صنع عمر فصرخت و ولولت، و اجتمع معها نساء كثير من الهاشميات و غيرهن فخرجت إلى باب حجرتها و نادت يا أبا بكر ما أسرع ما أغرتم على أهل بيت رسول الله، و الله لا أكلمه حتى ألقى الله قال: فلما بايع علي و الزبير و هدأت تلك الفورة أمسى إليها أبو بكر بعد ذلك فشفع لعمر و طلبه إليها فرضيت عنه، .......... ثم قال ابن أبي الحديد- بعد ذكر بعض الأخبار في ذلك-: و الصحيح عندي أنها ماتت و هي واجدة على أبي بكر و عمر و أنها أوصت أن لا يصليا عليها، و ذلك عند أصحابنا من الأمور المغفورة لهما، و كان الأولى بهما إكرامها و احترام منزلها ثم روي بإسناده عن ابن عباس أن عمر قال له أما و الله إن صاحبك هذا لأولى الناس بالأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا أنا خفناه على اثنين، على حداثة سنة و حبه بني عبد المطلب و قد أورد ابن قتيبة أكثر هذه الواقعة الشنيعة و ذكر أنه هدد أبو بكر عليا بالقتل إن لم يبايع، فأتى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم باكيا و قال: (يا بن أم إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَ كٰادُوا يَقْتُلُونَنِي).
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢٦ - الصفحة ١٨٣. — الإمام الباقر عليه السلام
أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام رَوَاهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ وَ ذَكَرَ أَنَّهُ خَطَبَ بِذِي قَارٍ] فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ عِبَادِهِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَ مِنْ عُهُودِ عِبَادِهِ إِلَى عُهُودِهِ وَ مِنْ طَاعَةِ عِبَادِهِ إِلَى طَاعَتِهِ وَ مِنْ وَلَايَةِ عِبَادِهِ إِلَى وَلَايَتِهِ بَشِيراً وَ نَذِيراً* وَ دٰاعِياً إِلَى اللّٰهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرٰاجاً مُنِيراً عَوْداً خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام الحديث السادس و الثمانون و الخمسمائة: مجهول. قوله:" بذي قار" موضع بين الكوفة و واسط. قوله عليه السلام:" من عبادة عباده" كعيسى و عزير و الملائكة أو الأصنام أيضا تغليبا أو إطاعة الشياطين، و الطواغيت كما قال تعالى
" أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ" و قد أورد في النهج بعض تلك الخطبة مختصرا و فيه" من عبادة الأوثان إلى عبادته و من طاعة الشيطان إلى طاعته". قوله عليه السلام:" و من عهود عباده" كالأمراء و السلاطين و الشياطين و المضلين أيضا. قوله عليه السلام:" و من ولاية عباده" أي محبتهم أو نصرتهم أو طاعتهم. قوله عليه السلام:" عودا و بدءا" منصوبان بالظرفية أو بالحالية أو بالتميز، و على وَ بَدْءاً وَ عُذْراً وَ نُذْراً- بِحُكْمٍ قَدْ فَصَّلَهُ وَ تَفْصِيلٍ قَدْ أَحْكَمَهُ وَ فُرْقَانٍ قَدْ فَرَقَهُ وَ قُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ وَ لِيُقِرُّوا بِهِ إِذْ جَحَدُوهُ وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ فَتَجَلَّى لَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ فَأَرَاهُمْ حِلْمَهُ كَيْفَ حَلُمَ وَ أَرَاهُمْ عَفْوَهُ كَيْفَ عَفَا وَ أَرَاهُمْ قُدْرَتَهُ كَيْفَ قَدَرَ وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطْوَتِهِ وَ كَيْفَ خَلَقَ مَا خَلَقَ مِنَ الْآيَاتِ وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ مِنَ الْعُصَاةِ بِالْمَثُلَاتِ وَ احْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ بِالنَّقِمَاتِ التقادير يحتمل تعلقهما ب قوله عليه السلام:" سِرٰاجاً مُنِيراً" و بقوله عليه السلام:" دٰاعِياً" أي كان سراجا منيرا أو داعيا أولا و آخرا و قيل: الهجرة عن مكة و بعد الرجوع إليها، أو في جميع الأحوال، أو باديا و عاديا. قوله عليه السلام:" عُذْراً أَوْ نُذْراً" كل منهما مفعول له لقوله- بعث- أي عذرا للمحقين و نذرا للمبطلين، أو حال أي عاذرا و منذرا. قوله عليه السلام:" بحكم" المراد به الجنس، أي بعثه مع أحكام مفصلة مبنية و تفصيل في الأحكام قد أحكمه و أتقنه. قوله عليه السلام:" و فرقان" هو بالضم القرآن، و كل ما فرق بين الحق و الباطل و المراد بتفريقه إنزاله متفرقا أو تعلقه بالأحكام المتفرقة. قوله عليه السلام:" فتجلى سبحانه" قال ابن ميثم: أشار بتجليه سبحانه في كتابه إلى ظهوره لهم في تذكيرهم فيه ما أراهم من عجائب مصنوعاته، و بما خوفهم به من وعيده، و بتذكيرهم أنه كيف محق من القرون الماضية بالعقوبات، و احتصد من احتصد منهم بالنقمات، كل ذلك الظهور و الجلاء من غير رؤية له تعالى عن إدراك الحواس. و قال بعض الفضلاء: يحتمل أن يريد بتجليه في كتابه ظهوره في عجائب مصنوعاته و مكوناته، و يكون لفظ الكتاب استعارة في العالم انتهى. قوله عليه السلام:" بالمثلات" بفتح الميم و ضم الثاء أي العقوبات. قوله عليه السلام:" و احتصد" الاحتصاد قطع الزرع و النبات بالمنجد أي أهلكهم. وَ كَيْفَ رَزَقَ وَ هَدَى وَ أَعْطَى وَ أَرَاهُمْ حُكْمَهُ كَيْفَ حَكَمَ وَ صَبَرَ حَتَّى يَسْمَعَ مَا يَسْمَعُ وَ يَرَى فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مُحَمَّداً صلى الله عليه وآله وسلم بِذَلِكَ ثُمَّ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ لَيْسَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ وَ لَا أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ وَ لَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَ رَسُولِهِ صلى الله عليه وآله وسلم وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ وَ لَا سِلْعَةٌ أَنْفَقَ بَيْعاً وَ لَا أَغْلَى ثَمَناً مِنَ الْكِتَابِ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَ لَيْسَ فِي الْعِبَادِ وَ لَا فِي الْبِلَادِ شَيْءٌ هُوَ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَ لَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ وَ لَيْسَ فِيهَا فَاحِشَةٌ أَنْكَرَ وَ لَا عُقُوبَةٌ أَنْكَى مِنَ الْهُدَى عِنْدَ الضَّلَالِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ حَتَّى تَمَالَتْ بِهِمُ الْأَهْوَاءُ وَ تَوَارَثُوا ذَلِكَ مِنَ الْآبَاءِ وَ عَمِلُوا بِتَحْرِيفِ الْكِتَابِ كَذِباً قوله عليه السلام:" حكمه كيف حكم" و في النسخة القديمة [حلمه كيف حلم] و في الأول حكمه كيف حكم و هو أظهر. قوله عليه السلام:" من بعدي زمان" أي زمن بني أمية و بني العباس لعنهم الله. قوله عليه السلام:" أبور" البوار الكساد. قوله عليه السلام:" أنكى" قال الجزري: يقال نكيت في العدو، أنكى نكاية إذا كثرت فيهم الجراح و القتل فوهنوا لذلك. قوله:" و تناساه" قال الجوهري تناساه آوى من نفسه أنه نسيه. قوله عليه السلام:" حتى تمالت بهم الأهواء" كذا في أكثر النسخ فيحتمل أن يكون بتشديد اللام تفاعلا من الملال، أي بالغوا في متابعة الأهواء حتى كأنها ملت بهم أو بتخفيف اللام من قولهم تمالؤوا عليه أي تعاونوا أو اجتمعوا فخفف الهمزة و يكون الباء بمعنى على، و الأظهر ما في النسخة المصححة القديمة و هو [تمايلت] أي أمالتهم الأهواء و الشهوات عن الحق إلى الباطل، و في بعض النسخ [غالت] بالغين المعجمة من قولهم غاله أي أهلكه. وَ تَكْذِيباً فَبَاعُوهُ بِالْبَخْسِ وَ كٰانُوا فِيهِ مِنَ الزّٰاهِدِينَ - فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ طَرِيدَانِ مَنْفِيَّانِ وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ لَا يَأْوِيهِمَا مُؤْوٍ فَحَبَّذَا ذَانِكَ الصَّاحِبَانِ وَاهاً لَهُمَا وَ لِمَا يَعْمَلَانِ لَهُ- فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَ لَيْسُوا فِيهِمْ وَ مَعَهُمْ وَ لَيْسُوا مَعَهُمْ وَ ذَلِكَ لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى وَ إِنِ اجْتَمَعَا وَ قَدِ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ وَ افْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ قَدْ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ وَ أَمْرَ دِينِهِمْ مَنْ يَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْمَكْرِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الرِّشَا وَ الْقَتْلِ كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَ لَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ لَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنَ الْحَقِّ إِلَّا اسْمُهُ وَ لَمْ يَعْرِفُوا مِنَ الْكِتَابِ إِلَّا خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ يَدْخُلُ الدَّاخِلُ لِمَا يَسْمَعُ مِنْ حِكَمِ الْقُرْآنِ فَلَا يَطْمَئِنُّ جَالِساً حَتَّى يَخْرُجَ مِنَ الدِّينِ قوله عليه السلام:" و أهل الكتاب" أي الأئمة عليهم السلام. قوله عليه السلام:" لا يؤويهما مؤو" كناية عن عدم الرجوع إليهما و الأخذ بما يأمران به. قوله عليه السلام:" واها لهما" قال الجزري: فيه" من ابتلي فصبر فواها واها" قيل: معنى هذه الكلمة التلهف، و قد توضع موضع الإعجاب بالشيء يقال: واها له. قوله عليه السلام:" و لما يعمدان" أي يقصدان، و في بعض النسخ [يعملان]. قوله عليه السلام:" عن الجماعة" أهل الحق و هم أهل البيت عليهم السلام كما وردت به الأخبار الكثيرة، و قد أوردناها في البحار. قوله عليه السلام:" و زبره" بسكون الباء أي كتابته. قوله عليه السلام:" يدخل الداخل" أي في الدين، و خروجه لما يرى من عدم عمل أهله به، و بدعهم و جورهم. يَنْتَقِلُ مِنْ دِينِ مَلِكٍ إِلَى دِينِ مَلِكٍ وَ مِنْ وَلَايَةِ مَلِكٍ إِلَى وَلَايَةِ مَلِكٍ وَ مِنْ طَاعَةِ مَلِكٍ إِلَى طَاعَةِ مَلِكٍ وَ مِنْ عُهُودِ مَلِكٍ إِلَى عُهُودِ مَلِكٍ فَاسْتَدْرَجَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ لٰا يَعْلَمُونَ* وَ إِنَّ كَيْدَهُ مَتِينٌ بِالْأَمَلِ وَ الرَّجَاءِ حَتَّى تَوَالَدُوا فِي الْمَعْصِيَةِ وَ دَانُوا بِالْجَوْرِ وَ الْكِتَابُ لَمْ يَضْرِبْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ صَفْحاً ضُلَّالًا تَائِهِينَ قَدْ دَانُوا بِغَيْرِ دِينِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ أَدَانُوا لِغَيْرِ اللَّهِ مَسَاجِدُهُمْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ عَامِرَةٌ مِنَ الضَّلَالَةِ خَرِبَةٌ مِنَ الْهُدَى قَدْ بُدِّلَ فِيهَا مِنَ الْهُدَى فَقُرَّاؤُهَا وَ عُمَّارُهَا أَخَائِبُ خَلْقِ اللَّهِ وَ خَلِيقَتِهِ مِنْ عِنْدِهِمْ جَرَتِ الضَّلَالَةُ وَ إِلَيْهِمْ تَعُودُ فَحُضُورُ مَسَاجِدِهِمْ وَ الْمَشْيُ إِلَيْهَا كُفْرٌ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ إِلَّا مَنْ مَشَى إِلَيْهَا وَ هُوَ عَارِفٌ بِضَلَالِهِمْ فَصَارَتْ مَسَاجِدُهُمْ مِنْ فِعَالِهِمْ عَلَى ذَلِكَ النَّحْوِ خَرِبَةً مِنَ الْهُدَى قوله عليه السلام:" بالأمل و الرجاء" متعلق بقوله فاستدرجهم، أي استدرجهم بأن أعطاهم ما يأملون و يرجون، إذ وكلهم إلى أملهم و رجائهم، و لم يعذبهم و لم يبتلهم لينصرفوا عنهما، و يحتمل أن يكون حالا عن ضمير المفعول أو خبرا لمبتدء محذوف أي هم مشغولون بهما، قوله عليه السلام:" و الكتاب لم يضرب عن شيء منه" أي من الجور و الواو للحال أي لم يعرض الكتاب عن بيان شيء من الجور، و قوله" صفحا" مفعول مطلق من غير اللفظ أو مفعول له أو حال يقال صفحت عن الأمر أي أعرضت منه و تركته، و يمكن أن يقرأ يضرب على بناء المجرد أي لم يدفع البيان عن شيء منه كما قال تعالى:" أَ فَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحاً" و أن يقرأ على بناء الأفعال قال الجوهري أضرب عنه أعرض. قوله عليه السلام:" و دانوا لغير الله" أي أمروا بطاعة غيره تعالى، و لم يرد هذا البناء فيما عندنا من كتب اللغة، و في النسخة القديمة [و كانوا لغير الله]. قوله" على ذلك" أي على تلك العقائد الباطلة، و الأعمال القبيحة من عدم قسمة الفيء و عدم الوفاء بالذمة و غيرها عَامِرَةً مِنَ الضَّلَالَةِ قَدْ بُدِّلَتْ سُنَّةُ اللَّهِ وَ تُعُدِّيَتْ حُدُودُهُ وَ لَا يَدْعُونَ إِلَى الْهُدَى وَ لَا يَقْسِمُونَ الْفَيْءَ وَ لَا يُوفُونَ بِذِمَّةٍ يَدْعُونَ الْقَتِيلَ مِنْهُمْ عَلَى ذَلِكَ شَهِيداً قَدْ أَتَوُا اللَّهَ بِالافْتِرَاءِ وَ الْجُحُودِ وَ اسْتَغْنَوْا بِالْجَهْلِ عَنِ الْعِلْمِ وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةً- وَ جَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ الْعُقُوبَةَ السَّيِّئَةَ وَ قَدْ بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ إِلَيْكُمْ قوله عليه السلام:" و من قبل ما مثلوا" هذا من قبيل قوله تعالى" وَ مِنْ قَبْلُ مٰا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ" و يحتمل وجهين. الأول: أن تكون ما زائدة، أي، من قبل ذلك مثلوا بالصالحين. و الثاني: أن تكون مصدرية على أن محل المصدر الرفع بالابتداء و خبره الظرف، أي وقع من قبيل تمثيلهم بالصالحين. قال الجزري: مثلت بالحيوان أمثل به مثلا إذا قطعت أطرافه و شوهت به، و مثلت بالقتيل، إذا جدعت أنفه أو أذنه و مذاكيره، أو شيئا من أطرافه، و الاسم المثلة، فأما مثل بالتشديد فهو للمبالغة انتهى. و الحاصل: أن المراد أن هؤلاء الأشقياء الذين يفعلون بعدي تلك الأفعال الشنيعة قد فعل آباؤهم و أسلافهم مثل ذلك بالصالحين في زمن الرسول، كمحاربة أبي سفيان و أضرابه لعنهم الله، و تمثيلهم بحمزة و غيره، و إنما نسب إليهم لرضاهم بفعال هؤلاء و كونهم على دينهم و على طريقتهم كما نسب الله إلى اليهود فعال آبائهم في مواضع من القرآن. و يحتمل أن يكون المراد فعال هؤلاء في بدو أمرهم حتى غلبوا بذلك على الناس و استقر أمرهم. و قال ابن ميثم و قوله:" و من قبل ما مثل" إشارة إلى زمن بني أمية الكائن قبل زمن من يخبر عنهم و لا يخفى أن ما ذكرنا من الوجهين أظهر. قوله عليه السلام:" و سموا صدقهم" أي الصالحين قال ابن أبي الحديد قوله رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مٰا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ صلى الله عليه وآله وسلم وَ أَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَاباً عَزِيزاً لٰا يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لٰا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ- لِيُنْذِرَ مَنْ كٰانَ حَيًّا وَ يَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكٰافِرِينَ فَلَا يُلْهِيَنَّكُمُ " على الله" متعلق بفرية، و لا بصدقهم، أي سموا صدقهم فرية على الله، فإن امتنع أن يتعلق حرف الجر به لتقدمه عليه، و هو مصدر فليتعلق بفعل مقدر دل عليه هذا المصدر انتهى.
مرآة العقول - العلامة المجلسي - ج ٢٦ - الصفحة ٥٨٩. — غير محدد
قال عليّ بن الحسين
- عليهما السلام -: و لأمير المؤمنين- عليه السلام - نظيرها، كان قاعدا ذات يوم فأقبل إليه رجل من اليونانيّين المدّعين للفلسفة و الطبّ، فقال له: يا أبا الحسن بلغني خبر صاحبك و أنّه به جنون، فجئت لاعالجه! فلحقته قد مضى لسبيله، و فاتني ما أردت من ذلك، و قد قيل (لي): إنّك ابن عمّه و صهره، و أرى اصفرارا قد علاك، و ساقين دقيقين ما أراهما تقلّانك. فأمّا الاصفرار فعندي دواؤه، و [أمّا] الساقان الدقيقان فلا حيلة لي لتغليظهما، و الوجه أن ترفق (بهما و) بنفسك في المشي، تقلّله و لا تكثره، و فيما تحمله على ظهرك، و تحتضنه بصدرك أن تقلّلهما و لا تكثرهما، فإنّ ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل الثقيل انقصافهما. و أمّا الصفار فدواؤه عندي و هو هذا- و أخرج دواء- و قال: هذا مرّا يؤذيك و لا يحبسك و لكنّه يلزمك حميّة من اللحم أربعين صباحا، ثم يزيل صفارك. فقال [له] عليّ بن أبي طالب- عليه السلام -: قد ذكرت نفع هذا الدواء لصفاري، فهل تعرف شيئا يزيد فيه و يضرّه؟ فقال الرجل: بلى حبّة من هذا- و أشار [بيده] إلى دواء معه- و قال: إن تناوله الإنسان و به صفار أماته من ساعته، و إن كان لا صفار فيه صار به صفرة حتى يموت في يومه. فقال عليّ بن أبي طالب: فأرني هذا الضارّ. فأعطاه [إيّاه]. فقال [له]: كم قدر هذا؟ فقال: قدره مثقالان سمّ ناقع، [قدر] كلّ حبّة منه يقتل رجلا. فتناوله عليّ- عليه السلام - فقمحه و عرق عرقا خفيفا، و جعل الرجل يرتعد و يقول في نفسه: الآن اؤخذ بابن أبي طالب و يقال: قتلته و لا يقبل منّي قولي إنّه لهو الجاني على نفسه. فتبسّم عليّ- عليه السلام - و قال: يا عبد اللّه أصحّ ما كنت بدنا الآن لم يضرّني ما زعمت أنّه سمّ، فغمّض عينيك. فغمّض، ثمّ قال: افتح عينيك. ففتح، و نظر إلى وجه عليّ- عليه السلام - فإذا هو أبيض أحمر مشوب بحمرة، فارتعد الرجل ممّا رآه. و تبسّم عليّ- عليه السلام - و قال: أين الصفار الذي زعمت أنّه بي؟ فقال [الرجل]: و اللّه لكنّك لست من رأيت [قبل]، كنت مصفارا فأنت الآن مورّد. قال عليّ بن أبي طالب- عليه السلام -: فزال عنّي الصفار بسمّك الذي زعمت أنّه قاتلي، و أمّا ساقاي هاتان- و مدّ رجليه و كشف عن ساقيه- فإنّك زعمت أنّي أحتاج إلى أن أرفق ببدني في حمل ما أحمل عليه لئلّا ينقصف الساقان، و أنا ادلّك على طبّ اللّه عزّ و جلّ خلاف طبّك، و ضرب بيده على اسطوانة خشب عظيمة، على رأسها سطح مجلسه الذي هو فيه، و فوقه حجرتان إحداهما فوق الاخرى، و حرّكها و احتملهما فارتفع السطح و الحيطان و فوقهما الغرفتان، فغشي على اليونانيّ. فقال عليّ- عليه السلام -: صبّوا عليه الماء [فصبّوا عليه ماء]، فأفاق و هو يقول: و اللّه ما رأيت كاليوم عجبا. فقال له عليّ- عليه السلام -: هذه قوّة الساقين الدقيقين و احتمالهما، أنّى طبّك هذا يا يونانيّ فقال اليونانيّ: أمثلك كان محمّد- صلى الله عليه وآله وسلم -؟ فقال عليّ- عليه السلام -: و هل علمي إلّا من علمه، و عقلي إلّا من عقله، و قوّتي إلّا من قوّته؟ لقد أتاه ثقفي كان أطبّ العرب، فقال له: إن كان بك جنون داويتك! فقال له محمّد- صلى الله عليه وآله وسلم -: أ تحبّ أن اريك آية تعلم بها غناي عن طبّك، و حاجتك إلى طبّي؟ قال: نعم. فقال: أيّ آية تريد؟ قال: تدعو ذلك العذق- و أشار إلى نخلة سحوق- فدعاها، فانقلع أصلها من الأرض و هي تخدّ في الأرض خدّا، حتى وقفت بين يديه، فقال له: أكفاك [ذا]؟ قال: لا. قال: فتريد ما ذا؟ قال: تأمرها [أن] ترجع إلى حيث جاءت [منه] و تستقرّ في مستقرّها الذي انقلعت منه، فأمرها فرجعت و استقرّت في مقرّها. فقال اليونانيّ لأمير المؤمنين- عليه السلام -: هذا الذي تذكره عن محمد غائب عنّي، و أنا أقتصر منك على أقلّ من ذلك، أنا أتباعد عنك فادعني، و أنا لا أختار الإجابة، فإن جئت بي إليك فهي آية. قال أمير المؤمنين- عليه السلام -: هذا إنّما يكون لك آية وحدك لأنّك تعلم من نفسك أنّك لم ترد، و أنّي أزلت اختيارك من غير أن باشرت منّي شيئا، أو ممّن أمرته بأن يباشرك، أو ممّن قصد إلى ذلك و إن لم آمره إلّا ما يكون من قدرة اللّه القاهرة، و أنت (تعلم) يا يونانيّ يمكنك أن تدّعي و يمكن غيرك أن يقول: [إنّي قد] واطأتك على ذلك، فاقترح إن كنت مقترحا ما هو آية لجميع العالمين. فقال له اليونانيّ: إن جعلت الاقتراح إلي، فأنا أقترح أن تفصل أجزاء تلك النخلة و تفرّقها، و تباعد ما بينها، ثمّ تجمعها و تعيدها كما كانت. فقال عليّ- عليه السلام -: هذه آية و أنت رسولي إليها- يعني [إلى] النخلة- فقل لها: إنّ وصيّ محمد رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - يأمر أجزاءك أن تتفرّق و تتباعد. فذهب فقال لها، فتفاصلت و تهافتت و تنثّرت و تصاغرت أجزاؤها، حتى لم ير لها عين و لا أثر، حتى كأن لم يكن هناك [أثر] نخلة [قطّ]، فارتعدت فرائص اليونانيّ، و قال: يا وصيّ محمّد أعطيتني اقتراحي الأوّل، فاعطني الآخر. فأمرها أن تجتمع و تعود كما كانت. فقال: أنت رسولي إليها فعد فقل لها: يا أجزاء النخلة إنّ وصيّ رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - يأمرك أن تجتمعي (و تكوني) كما كنت تعودي. فنادى اليونانيّ فقال ذلك، فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور، ثمّ جعلت تجتمع جزءا جزءا منها حتى تصوّر لها القضبان و الأوراق و الاصول و السعف و شماريخ الأعذاق، ثمّ تألّفت، و تجمّعت و استطالت و عرضت و استقرّ أصلها في مستقرّها و تمكّن عليها ساقها، و تمكّن على الساق قضبانها، و على القضبان أوراقها، و في أماكنها أعذاقها، و قد كانت في الابتداء شماريخها متجرّدة لبعدها من أوان الرطب و البسر و الخلال. فقال اليونانيّ: و اخرى احبّها أن تخرج شماريخها خلالها، و تقلبها من خضرة إلى صفرة و حمرة و ترطيب و بلوغ أوانه ليؤكل و تطعمني و من حضرك منها. فقال عليّ- عليه السلام -: أنت رسولي إليها بذلك، فمرها به. فقال لها اليونانيّ بأمر أمير المؤمنين- عليه السلام - فأخلّت و أبسرت، و اصفرّت، و احمرّت و أرطبت و ثقلت أعذاقها برطبها. فقال اليونانيّ: و اخرى احبّ أن تقرّب من يدي أعذاقها، أو تطوّل يدي لتناولها، [و] احبّ شيئا إليّ أن تنزل إليّ إحداهما، و تطوّل يدي (إلى) الاخرى التي هي اختها. فقال أمير المؤمنين- عليه السلام - مدّ إليها اليد التي تريد أن تنالها و قل: يا مقرّب البعيد قرّب يدي منها، و اقبض الاخرى التي تريد أن تنزل إليك العذق منها و قل: يا مسهّل العسير سهّل لي تناول ما يبعد عنّي منها ففعل ذلك، و قاله فطالت يمناه فوصلت إلى العذق، و انحطّت الأعذاق الأخر، فسقطت على الأرض قد طالت عراجينها. ثمّ قال أمير المؤمنين- عليه السلام -: إنّك إن أكلت منها ثم لم تؤمن بمن أظهر لك عجائبها عجّل اللّه عزّ و جلّ [لك] من العقوبة التي يبتليك بها ما يعتبر به عقلاء خلقه و جهّالهم. فقال اليونانيّ: إنّي إن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في العناد، و تناهيت في التعرّض للهلاك، أشهد أنّك من خاصّة اللّه، صادق في جميع أقاويلك عن اللّه عزّ و جلّ، فأمرني بما تشاء اطعك. قال عليّ- عليه السلام -: آمرك أن تقرّ له بالوحدانيّة، و تشهد له بالجود و الحكمة، و تنزّهه عن العبث و الفساد و عن ظلم الإماء و العباد، و تشهد أنّ محمدا- صلى الله عليه وآله وسلم - الذي أنا وصيّه سيّد الأنام، و أفضل رتبة [أهل] دار السلام، و تشهد أنّ عليّا الذي أراك ما أراك، و أولاك من النعم ما أولاك، خير خلق اللّه من بعد محمد رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - و أحقّ خلق اللّه بمقام محمد بعده، و للقيام بشرائعه و أحكامه، و تشهد أنّ أولياءه أولياء اللّه، و [أنّ] أعداءه أعداء اللّه، و أنّ المؤمنين المشاركين لك فيما كلّفتك، المساعدين لك على ما به أمرتك خير أمّة محمّد- صلى الله عليه وآله وسلم - و صفوة شيعة عليّ- عليه السلام -. و آمرك أن تواسي إخوانك [المؤمنين] المطابقين لك على تصديق محمد- صلى الله عليه وآله وسلم - و تصديقي، و الانقياد له ولي ممّا رزقك اللّه، و فضّلك على من فضّلك [به منهم]، تسدّ فاقتهم، و تجبر كسرهم و خلّتهم، و من كان منهم في درجتك في الإيمان ساويته في مالك بنفسك، و من كان منهم فاضلا عليك في دينك آثرته بمالك على نفسك، حتى يعلم اللّه منك أنّ دينه آثر عندك من مالك، و أنّ أولياءه أكرم عليك من أهلك و عيالك. و آمرك أن تصون دينك، و علمنا الذي أودعناك، و أسرارنا التي حمّلناك، فلا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، و يقابلك من أجلها بالشتم و اللعن و التناول من العرض و البدن، و لا تفش سرّنا إلى من يشنّع علينا عند الجاهلين بأحوالنا، و يعرّض أولياءنا لبوادر الجهّال. و آمرك أن تستعمل التقيّة في دينك فإنّ اللّه يقول لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً. و قد أذنت لك في تفضيل أعدائنا علينا إن ألجأك الخوف إليه، و في إظهارك البراءة [منّا] إن حملك الوجل عليه، و في (شيء من) ترك الصلوات المكتوبات إذا خشيت على حشاشتك الآفات و العاهات، فإنّ تفضيلك أعداءنا علينا عند خوفك لا ينفعهم و لا يضرّنا، و إنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيّتك لا يقدح فينا و لا ينقصنا، و لئن تتبرّأ منّا ساعة بلسانك و أنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، و مالها الذي به قيامها، و جاهها الذي به تماسكها، و تصون من عرفت بذلك و عرفك به من أوليائنا و إخواننا [و أخواتنا] من بعد ذلك بشهور و سنين إلى أن تنفرج تلك الكربة، و تزول به تلك الغمّة، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرّض للهلاك، و تنقطع به عن عمل في الدين و صلاح إخوانك المؤمنين. و إيّاك ثمّ إيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك و دماء إخوانك معرّض لنعمتك و نعمتهم للزوال، مذلّ لهم في أيدي أعداء دين اللّه، فقد أمرك اللّه [بإعزازهم] فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على نفسك و إخوانك أشدّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر - السيد هاشم البحراني - ج ١ - الصفحة ٣٥٢. — الإمام السجاد عليه السلام
الإمام أبو محمد العسكري- عليه السلام -: إنّ اللّه تعالى [قد] أوحى إليه: يا محمد إنّ العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام، و يقول لك: إنّ أبا جهل و الملأ من قريش قد دبّروا يريدون قتلك، و آمرك أن تبيت عليّا في موضعك، و قال لك: إنّ منزلته منزلة إسماعيل الذبيح من إبراهيم الخليل، يجعل نفسه لنفسك فداء، و روحه لروحك وقاء، و آمرك أن تستصحب أبا بكر، فإنّه إن آنسك و ساعدك و وازرك و ثبت على ما يعاهدك و يعاقدك كان في الجنّة من رفقائك، و في غرفاتها من خلصائك. فقال رسول اللّه
- صلى الله عليه وآله وسلم - لعليّ: أرضيت أن اطلب فلا اوجد و توجد، فلعلّه أن يبادر إليك الجهّال فيقتلوك؟ قال: بلى يا رسول اللّه رضيت أن تكون روحي لروحك وقاء، و نفسي لنفسك فداء، بل [قد] رضيت أن تكون روحي و نفسي فداء لأخ لك أو قريب أو لبعض الحيوانات تمتهنها، و هل احبّ الحياة إلّا لخدمتك، و التصرّف بين أمرك و نهيك، و لمحبّة أوليائك، و نصرة أصفيائك، و مجاهدة أعدائك؟ لو لا ذلك لما أحببت أن أعيش في هذه الدنيا ساعة واحدة. فأقبل رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - على عليّ- عليه السلام - و قال له: يا أبا حسن قد قرأ عليّ كلامك هذا الموكّلون باللوح المحفوظ، و قرءوا عليّ ما أعدّ اللّه [به] لك من ثوابه في دار القرار ما لم يسمع بمثله السامعون، و لا رأى مثله الراءون، و لا خطر مثله ببال المتفكّرين. ثمّ قال رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - لأبي بكر: أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر تطلب كما اطلب، و تعرف بأنّك أنت الذي تحملني على ما أدّعيه، فتحمل عنّي أنواع العذاب؟ قال أبو بكر: يا رسول اللّه أما أنا لو عشت عمر الدنيا اعذّب في جميعها أشدّ عذاب لا ينزل عليّ موت مريح، و لا فرج متيح، و كان ذلك في محبّتك لكان ذلك أحبّ إليّ من أن أتنعّم فيها و أنا مالك لجميع مماليك ملوكها في مخالفتك، ما أهلي و مالي و ولدي إلّا فداؤك. فقال رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم -: لا جرم إن اطّلع اللّه على قلبك و وجد ما فيه موافقا لما جرى على لسانك، جعلك منّي بمنزلة السمع و البصر، و الرأس من الجسد، و بمنزلة الروح من البدن، كعليّ الذي هو منّي كذلك، و عليّ فوق ذلك لزيادة فضائله و شريف خصاله. يا أبا بكر إنّ من عاهد اللّه ثمّ لم ينكث، و لم يغيّر، و لم يبدّل، و لم يحسد من قد أبانه اللّه بالتفضيل فهو معنا في الرفيق الأعلى، و إذا أنت مضيت على طريقة يحبّها منك ربّك، و لم تتبعها بما يسخطه، و وافيته بها إذا بعثك بين يديه، كنت لولاية اللّه مستحقّا، و لمرافقتنا في تلك الجنان مستوجبا. انظر أبا بكر. فنظر في آفاق السماء، فرأى أملاكا من نار على أفراس من نار، بأيديهم رماح من نار، كلّ ينادي: يا محمد مرنا بأمرك في [أعدائك و] مخالفيك نطحطحهم. ثمّ قال: تسمّع إلى الأرض. فتسمّع فإذا هي تنادي: يا محمد مرني بأمرك في أعدائك أمتثل أمرك. ثمّ قال: تسمّع إلى الجبال. فتسمّعها تنادي: يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نهلكهم. ثمّ قال: تسمّع على البحار فاحضرت البحار بحضرته، و صاحت أمواجها تنادي: يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نمتثله. ثمّ سمع السماء و الأرض و الجبال و البحار كلّ يقول: [يا محمد] ما أمرك ربّك بدخول الغار لعجزك عن الكفّار، و لكن امتحانا و ابتلاء ليتخلّص الخبيث من الطيّب من عباده و إيمائه بأناتك و صبرك و حلمك عنهم، يا محمد من و فى بعهدك فهو من رفقائك في الجنان، و من نكث فإنّما ينكث على نفسه، و هو من قرناء إبليس اللعين في طبقات النيران. ثمّ قال رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - لعليّ: يا عليّ أنت منّي بمنزلة السمع و البصر، و الرأس من الجسد، و الروح من البدن، حيث أنّك إليّ كالماء البارد إلى ذي الغلّة الصادي، ثمّ قال [له]: يا أبا الحسن تغشّ ببردتي، فإذا أتاك الكافرون يخاطبونك، فإنّ اللّه يقرن بك توفيقه، و به تجيبهم. فلمّا جاء أبو جهل و القوم شاهرون سيوفهم، قال لهم أبو جهل: لا تقعوا به و هو نائم لا يشعر، و لكن ارموه بالأحجار لينتبه بها، ثمّ اقتلوه. فرموه بأحجار ثقال صائبة، فكشف عن رأسه، و قال: ما ذا شأنكم؟ فعرفوه فإذا هو عليّ- عليه السلام -. فقال [لهم] أبو جهل: أ ما ترون محمدا كيف أبات هذا و نجا بنفسه لتشتغلوا به فينجو محمد، لا تشتغلوا بعليّ المخدوع لينجو بهلاكه محمد، و إلّا فما منعه أن يبيت في موضعه إن كان ربّه يمنع عنه كما يزعم؟ فقال عليّ- عليه السلام -: ألي تقول هذا يا أبا جهل؟ بل اللّه قد أعطاني من العقل ما لو قسّم على جميع حمقاء الدنيا و مجانينها لصاروا به عقلاء، و من القوّة ما لو قسّم على جميع ضعفاء الدنيا لصاروا به أقوياء، و من الشجاعة ما لو قسّم على جميع جبناء الدنيا لصاروا [به] شجعانا، و من الحلم ما لو قسّم على جميع سفهاء الدنيا لصاروا به حلماء. و لو لا أنّ رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - أمرني أن لا احدث حدثا حتى ألقاه لكان لي و لكم شأن و لأقتلنّكم قتلا. ويلك يا أبا جهل- عليك اللعنة- إنّ محمدا قد استأذنه في طريقه السماء و الأرض و البحار و الجبال في إهلاككم فأبى إلّا أن يرفق بكم، و يداريكم ليؤمن من في علم اللّه أنّه يؤمن منكم، و يخرج مؤمنون من أصلاب و أرحام كافرين و كافرات أحبّ اللّه تعالى أن لا يقطعهم عن كرامته باصطلامهم. و لو لا ذلك لأهلككم ربّكم، إنّ اللّه هو الغنيّ و أنتم الفقراء، لا يدعوكم إلى طاعته و أنتم مضطرّون، بل مكّنكم ممّا كلّفكم، فقطع معاذيركم. فغضب أبو البختري بن هشام (أخو أبي جهل) فقصده بسيفه، فرأى الجبال قد أقبلت لتقع عليه، و الأرض قد انشقّت لتخسف به، و رأى أمواج البحار نحوه مقبلة لتغرقه في البحر، و رأى السماء (قد) انحطّت لتقع عليه، فسقط سيفه و خرّ مغشيّا عليه و احتمل، و يقول أبو جهل: دير به الصفراء و هاجت به، يريد أن يلبّس على من معه أمره. فلمّا التقى رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - مع عليّ قال: يا عليّ إنّ اللّه تعالى رفع صوتك في مخاطبتك أبا جهل إلى العلوّ، و بلّغه إلى الجنان، فقال من فيها من الخزّان و الحور الحسان: من هذا المتعصّب لمحمّد إذ قد كذّبوه و هجروه؟ قيل لهم: هذا النائب عنه، و البائت على فراشه، يجعل نفسه لنفسه وقاء، و روحه لروحه فداء. فقال الخزّان و الحور الحسان: يا ربّنا فاجعلنا خزّانه. و قالت الحور (الحسان): فاجعلنا نساءه. فقال اللّه تعالى لهم: أنتم له، و لمن اختاره [هو] من أوليائه و محبّيه يقسّمكم عليهم- بأمر اللّه- على من هو أعلم به من الصلاح، أرضيتم؟ قالوا: بلى ربّنا و سيّدنا.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر - السيد هاشم البحراني - ج ١ - الصفحة ٤٥٦. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الديلمي الحسن بن أبي الحسن- رحمه الله - و الحضيني: (بإسناده، عن أحمد بن الخطيب، عن أبي المطّلب جعفر بن محمد بن الفضيل، عن محمد ابن سنان الزهري، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ، عن مدلج، عن) هارون بن سعيد، قال: سمعت أمير المؤمنين يقول
لعمر (بن الخطّاب): من علمك الجهالة يا مغرور، أما و اللّه لو كنت بصيرا، أو كنت بما أمرك به رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - خبيرا، أو كنت في دينك تاجرا نحريرا لركبت العقر، و لفرشت القصب، و لما أحببت أن تتمثّل لك الرجال قياما، و لما ظلمت عترة النبيّ- صلى الله عليه وآله وسلم - بقبيح الفعل، غير انّي أراك في الدنيا قتيلا [بجراحة] من عبد أمّ معمر، تحكم عليه بالجور فيقتلك توفيقا يدخل به و اللّه الجنان على الرغم منك. (و اللّه) لو كنت من رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - سامعا و مطيعا لما وضعت سيفك على عاتقك، و لما خطبت على المنبر، و لكأنّي بك و قد دعيت فأجبت، و نودي باسمك فأحجمت، و إنّ لك [بعد القتل] لهتك ستر، و صلبا و لصاحبك الذي اختارك، و قمت مقامه من بعده. فقال له عمر: يا أبا الحسن، أ ما تستحي لنفسك من هذا التهكّن؟ فقال له أمير المؤمنين- عليه السلام -: [و اللّه] ما قلت (لك) إلّا ما سمعت (من رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم -)، و ما نطقت إلّا بما علمت. قال: فمتى هذا، يا أمير المؤمنين؟ قال: إذا خرجت جيفتكما عن رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - من قبريكما الذين لم ترقدا فيهما نهارا [و لا ليلا] لئلّا يشكّ [أحد فيكما إذ نبشتما و لو دفنتما بين المسلمين لشكّ] شاكّ، و ارتاب مرتاب، و صلبتما على أغصان دوحات شجرة يابسة فتورق تلك الدوحات بكما، و تفرّع و تخضرّ فيكون علامة لمن أحبّكما و رضي بفعالكما، ليميّز اللّه الخبيث من الطيّب، و لكأنّي أنظر إليكما و الناس يسألون (ربّهم) العافية ممّا قد بليتما به. قال: فمن يفعل ذلك يا أبا الحسن؟ قال: عصابة [قد] فرّقت بين السيوف و أغمادها، و ارتضاهم اللّه لنصرة دينه، فما تأخذهم في اللّه لومة لائم، و لكأنّي أنظر إليكما و قد اخرجتما من قبريكما غضّين طريّين حتى تصلبا على الدوحات، فيكون ذلك فتنة لمن أحبّكما. ثمّ يؤتى بالنار التي [اضرمت] لإبراهيم- عليه السلام - و يحيى و جرجيس و دانيال و كلّ نبيّ و صدّيق و مؤمن، ثمّ يؤمر بالنار و هي النار التي أضرمتموها على باب داري لتحرقوني و فاطمة بنت رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم -، و ابنيّ الحسن و الحسين، و ابنتيّ زينب و أمّ كلثوم حتى تحرقا بها، و يرسل (اللّه) عليكم ريحا مرّة فتنسفكما في اليمّ نسفا، [بعد أن] يأخذ السيف منكما ما أخذ، و يصير مصير كما جميعا إلى النار، و تخرجان إلى البيداء إلى موضع الخسف الذي قال اللّه عزّ و جلّ: وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ - يعني من تحت أقدامهم-. قال: يا أبا الحسن، يفرّق بيننا و بين رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم -؟ قال: نعم. قال: يا أبا الحسن، إنّك سمعت هذا و إنّه حقّ؟ قال: فحلف أمير المؤمنين- عليه السلام - (أنّه سمعه من النبيّ- صلى الله عليه وآله وسلم -) فبكى عمر و قال: إنّي أعوذ باللّه ممّا تقول، فهل لك علامة؟ قال: نعم، قتل فظيع، و موت رضيع، و طاعون شنيع، و لا يبقى من الناس في ذلك الزمان إلّا ثلثهم، و ينادي مناد من السماء باسم رجل من ولدي، و تكثر الآيات حتى يتمنّى الأحياء الموت ممّا يرون من الأهوال، فمن هلك استراح، و من كان له خير عند اللّه نجا، ثمّ يظهر رجل من ولدي فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا و ظلما، يأتيه اللّه ببقايا قوم موسى، و يحيي له أصحاب الكهف، و يؤيّده اللّه بالملائكة و الجنّ و شيعتنا المخلصين، و ينزل من السماء قطرها، و تخرج الأرض نباتها. فقال له (عمر): [يا أبا الحسن، أما إنّي أعلم] إنّك لا تحلف إلّا على حقّ، [فو اللّه] لا تذوق أنت و لا أحد من ولدك حلو الخلافة [أبدا]. فقال له أمير المؤمنين- عليه السلام -: (ثمّ) إنّكم لا تزدادون لي و لولدي إلّا عداوة. (قال:) فلمّا حضرت عمر الوفاة أرسل إلى أمير المؤمنين- عليه السلام -، فقال له: يا أمير المؤمنين، يا أبا الحسن، اعلم أنّ أصحابي هؤلاء حلّلوني ممّا ولّيت من امورهم، فإن رأيت أن تحلّلني. فقال أمير المؤمنين- عليه السلام -: أ رأيتك إن حللتك أنا فهل لك في تحليل من مضى من رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - و ابنته، ثمّ ولّى و هو يقول: وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ [فكان هذا من دلائله].
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر - السيد هاشم البحراني - ج ٢ - الصفحة ٢٤٣. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
/ 66- أبو جعفر محمد بن جرير الطبريّ: قال: روى الحسن ابن معاذ الرضوي قال: حدّثنا لوط بن يحيى الأزدي، عن عمارة بن زيد الواقدي قال: حج هشام بن عبد الملك بن مروان سنة من السنين، و كان قد حج في تلك السنة محمد بن علي الباقر و ابنه جعفر بن محمد- عليهما السلام - قال
جعفر بن محمد: [في بعض كلامه] الحمد للّه الذي بعث محمّدا بالحقّ نبيا و أكرمنا به، فنحن صفوة اللّه على خلقه و خيرته من عباده [و خلفاؤه] فالسعيد من اتبعنا و الشقيّ من عادانا و خالفنا، و من الناس من يقول: إنه يتولّانا و يوالي اعدائنا، و من يليهم من جلسائهم و أصحابهم أعداء ديننا فهو لم يسمع كلام ربّنا و لم يعمل به. قال أبو عبد اللّه جعفر بن محمد- عليه السلام - فأخبر مسلمة أخاه بما سمع، فلم يعرض لنا حتى انصرف الى دمشق و انصرفنا الى المدينة، فأنفذ بريدا الى عامل المدينة بإشخاص أبي و إشخاصي معه، فاشخصنا إليه، فلمّا وردنا دمشق حجبنا ثلاثة أيّام، ثمّ أذن لنا في اليوم الرابع، فدخلنا و إذا هو قد قعد على سرير الملك، و جنده و خاصته وقوف على أرجلهم سماطين مستحلّين، و قد نصب البرجاس حذاءه و أشياخ قومه يرمون. فلمّا دخل أبي و أنا خلفه، ما زال يستدنينا منه حتى حاذيناه و جلسنا قليلا، فقال لابي: يا أبا جعفر إرم مع أشياخ قومك الغرض، فانّما أراد أن يهتك بأبي، و ظن أنه يقصر و يخطئ و لا يصيب إذا رمى، فيشفي منه بذلك، فقال له أبي: قد كبرت عن الرمي، فان رأيت أن تعفيني، فقال: و حقّ من أعزّنا بدينه و نبيّه محمد- صلى الله عليه وآله وسلم - لا أعفيك. ثمّ أومأ الى شيخ من بني اميّة أن أعطه قوسك، فتناول أبي عند ذلك قوس الشيخ، ثم تناول منه سهما فوضعه في كبد القوس، ثم انتزع و رمى وسط الغرض فنصبه فيه، ثمّ رمى فيه الثانية، فشق فواق سهمه الى نصله، ثم تابع الرمي حتى شقّ تسعة أسهم بعضها في جوف بعض، و هشام يضطرب في مجلسه، فلم يتمالك أن قال: أجدت يا أبا جعفر! و أنت أرمى العرب و العجم، هلّا زعمت أنّك كبرت عن الرمي؟ ثم أدركته الندامة على ما قال، و كان هشام لم يكنّ أحدا قبل أبي و لا بعده في خلافته، فهمّ به، و أطرق إلى الارض إطراقة يرتوي فيه رأيا، و أبي واقف بحذائه مواجها له، و أنا وراء أبي. فلمّا طال وقوفنا بين يديه غضب أبي و همّ به، و كان أبي إذا غضب نظر الى السماء نظر غضبان، يتبيّن الناظر الغضب في وجهه؛ فلمّا نظر هشام الى ذلك من أبي قال له: يا محمّد اصعد فصعد أبي الى السرير و أنا أتبعه، فلمّا دنا من هشام قام إليه فاعتنقه و أقعده عن يمينه، ثمّ اعتنقني و أقعدني عن يمين أبي، ثمّ أقبل على أبي بوجهه فقال له: يا محمد لا تزال العرب و العجم يسودها قريش ما دام فيهم مثلك، و للّه درّك! من علّمك هذا الرمي؟ و في كم تعلّمته؟ فقال أبي: قد علمت أنّ أهل المدينة يتعاطونه، فتعاطيته أيّام حداثتي، ثم تركته، فلمّا أراد أمير المؤمنين منّي ذلك عدت فيه، فقال له: ما رأيت مثل هذا الرمي قطّ مذ عقلت، و ما ظننت أنّ في الأرض أحدا يرمي مثل هذا الرمي، أين رمي جعفر من رميك. فقال: إنّا نحن نتوارث الكمال و التمام الذين أنزلهما اللّه على نبيّه- صلى الله عليه وآله وسلم - في قوله: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً و الأرض لا تخلو ممّن يكمّل هذه الامور التي يقصر عنها غيرنا. قال: فلمّا سمع ذلك من أبي انقلبت عينه اليمنى، فاحولّت و احمرّ وجهه، و كان ذلك علامة غضبه إذا غضب، ثمّ أطرق هنيئة ثم رفع رأسه، فقال لأبي: ألسنا بنو عبد مناف نسبنا و نسبكم واحد؟ فقال أبي: و نحن كذلك، و لكنّ اللّه عزّ و جلّ اختصّنا من مكنون سرّه و خالص علمه بما لم يخصّ أحدا به غيرنا. فقال: أ ليس اللّه تعالى بعث محمدا- صلى الله عليه وآله وسلم - من شجرة بني عبد مناف الى الناس كافّة أبيضها و أسودها و أحمرها؟ من أين ورثتم ما ليس لغيركم؟ و رسول اللّه مبعوث الى الناس كافّة، و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ الى آخر الآية، فمن أين ورّثتم هذا العلم و ليس بعد محمد نبي و لا أنتم أنبياء؟ فقال أبي- عليه السلام -: من قوله تبارك و تعالى لنبيّه لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ فالذي أبداه فهو للناس كافّة، و الذي لم يحرّك به لسانه لغيرنا أمره اللّه أن يخصّنا به دون غيرنا، فلذلك كان يناجي به أخاه عليّا من دون أصحابه، و أنزل اللّه بذلك قرآنا في قوله: وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ فقال له رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - بين أصحابه: «سألت اللّه أن يجعلها اذنك يا عليّ. فلذلك قال عليّ- عليه السلام - بالكوفة: «علّمني رسول اللّه- صلّى اللّه عليه و آله- ألف باب من العلم، يفتح من كلّ باب ألف باب» خصّه رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - من مكنون سرّه بما يخصّ أمير المؤمنين- عليه السلام - أكرم الخلق عليه، فكما خصّ اللّه نبيّه خصّ نبيّه أخاه عليّا من مكنون سرّه و علمه بما لم يخصّ به أحدا من قومه، حتى صار إلينا، فتوارثناه من دون أهلنا. فقال له هشام بن عبد الملك: إنّ عليّا- عليه السلام - كان يدّعي علم الغيب، و اللّه لم يطّلع على غيبه أحدا فكيف ادّعى ذلك؟ و من أين؟ فقال أبي: إنّ اللّه جلّ ذكره أنزل على نبيّه كتابا بيّن فيه ما كان و ما يكون الى يوم القيامة في قوله: وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ و في قوله تعالى: وَ كُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ فِي إِمامٍ مُبِينٍ و في قوله: ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ و في قوله وَ ما مِنْ غائِبَةٍ فِي السَّماءِ وَ الْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ. و أوحى اللّه إلى نبيّه- صلى الله عليه وآله وسلم - ان لا يبقى في غيبه و سرّه و مكنون علمه شيئا إلّا يناجي به عليّا، فأمره أن يؤلّف القرآن من بعده، و يتولّى غسله و تكفينه و تحنيطه من دون قومه، قال: لأصحابه: «حرام على أصحابي و أهلي أن ينظروا الى عورتي غير أخي عليّ، فإنه منّي و أنا منه، له ما لي و عليه ما عليّ، و هو قاضي ديني و منجز و عدي» ثمّ قال لأصحابه: «عليّ بن أبي طالب يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلت على تنزيله» و لم يكن عند أحد تأويل القرآن بكماله و تمامه إلّا عند عليّ- عليه السلام -، و لذلك قال رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - لأصحابه: «أقضاكم عليّ» أي هو قاضيكم؛ و قال عمر بن الخطاب: لو لا عليّ لهلك عمر. يشهد له عمر، و يجحده غيره؟! فأطرق هشام طويلا ثمّ رفع رأسه فقال: سل حاجتك. فقال: خلّفت أهلي و عيالي مستوحشين لخروجي، فقال: قد آنس اللّه وحشتهم برجوعك إليهم، و لا تقم أكثر من يومك، فاعتنقه أبي و دعا له و ودّعه و فعلت أنا كفعل أبي؛ ثم نهض و نهضت معه، و خرجنا الى بابه و اذا ميدان ببابه، و في آخر الميدان اناس قعود، عدد كثير، قال أبي من هؤلاء؟ فقال الحجّاب: هؤلاء القسيسون و الاحبار و الرهبان، و هذا عالم لهم يقعد إليهم في كلّ سنة يوما واحدا ليستفتونه فيفتيهم، فلفّ أبي عند ذلك رأسه بفاضل ردائه، و فعلت انا فعل أبي، فاقبل نحوهم حتى قعد نحوهم و قعدت وراء أبي، و رفع ذلك الخبر الى هشام، فأمر بعض غلمانه أن يحضر الموضع فينظر ما يصنع أبي، فاقبل و أقبل عدد من المسلمين، فأحاطوا بنا، و أقبل عالم النصارى، و قد شدّ حاجبيه بحريرة صفراء حتى توسطنا، فقام إليه جميع القسّيسين و الرهبان مسلّمين عليه، فجاء الى صدر المجلس فقعد فيه، و أحاط به أصحابه، و أبي و أنا بينهم، فأدار نظره ثمّ قال لأبي: أمنّا أم من هذه الامّة المرحومة، فقال أبي: بل من هذه الامّة المرحومة، فقال من أين أنت؟ من علمائها أم من جهّالها؟ فقال له أبي: لست من جهّالها فاضطرب اضطرابا شديدا ثم قال له: أسألك؟ فقال له أبي: سل. فقال: من أين ادّعيتم أنّ أهل الجنّة يطعمون و يشربون و لا يحدثون و لا يبولون، و ما الدليل فيما تدّعونه من شاهد لا يجهل؟ فقال له أبي: دليل ما تدّعي من شاهد لا يجهل، الجنين في بطن امّه يطعم و لا يحدث. قال: فاضطرب النصرانيّ اضطرابا شديدا ثمّ قال: هلا زعمت أنّك لست من علمائها؟ فقال له أبي: قلت لست من جهّالها. و أصحاب هشام يسمعون ذلك، فقال لأبي: أسألك عن مسألة أخرى. فقال له أبي: سل فقال: من أين ادّعيتم أنّ فاكهة الجنة أبدا غضّة طريّة؟ موجودة غير معدومة عند جميع أهل الجنة لا تنقطع؟ و ما الدليل فيما ما تدّعونه من شاهد لا يجهل؟ فقال له أبي: دليل ما ندّعي أنّ قرآننا أبدا غضّ طريّ موجود غير معدوم عند جميع أهل الدنيا، لا ينقطع. فاضطرب اضطرابا شديدا. ثمّ قال: هلا زعمت أنّك لست من علمائها؟ فقال له أبي: و لا من جهّالها، فقال: أسألك عن مسألة اخرى؟ فقال له: سل، قال: أخبرني عن ساعة من ساعات الدنيا ليست من ساعات الليل و لا من ساعات النهار؟ فقال له أبي: هي الساعة التي بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس، يهدأ فيها المبتلي، و يرقد فيها الساهر، و يفيق فيها المغمى عليه، جعلها اللّه في الدنيا رغبة للراغبين، و في الآخرة للعاملين لها، و جعلها دليلا واضحا و حجّة بالغة على الجاحدين المتكبرين التاركين لها. قال: فصاح النصرانيّ صيحة ثمّ قال: بقيت مسألة واحدة، و اللّه لأسألنّك عن مسألة لا تهتدي الى الجواب عنها، فقال له أبي سل، فانّك حانث في يمينك، فقال: أخبرني عن مولودين ولدا في يوم واحد و ماتا في يوم واحد، عمر أحدهما خمسون و مائة سنة و الآخر خمسون سنة في دار الدنيا؟ فقال له أبي: ذلك عزيز و عزرة ولدا في يوم واحد، فلمّا بلغا مبلغ الرجال خمسة و عشرين عاما مرّ عزير على حماره راكبا على قرية بانطاكية، و هي خاوية على عروشها، فقال: «أنّى يحيي هذه اللّه بعد موتها» و قد كان اصطفاه و هداه، فلمّا قال ذلك القول غضب اللّه عليه و أماته مائة عام سخطا عليه بما قال. ثمّ بعثه على حماره بعينه و طعامه و شرابه، فعاد الى داره، و عزرة أخوه لا يعرفه فاستضافه، فاضافه، و بعث الى ولد عزرة و ولد ولده و قد شاخوا، و عزير شابّ في سنّ ابن خمس و عشرين سنة فلم يزل عزير يذكّر أخاه و ولده و قد شاخوا، و هم يذكرون ما يذكّرهم و يقولون: ما أعلمك بأمر قد مضت عليه السنون و الشهور! و يقول له عزرة- و هو شيخ كبير ابن مائة و خمسة و عشرين سنة-: ما رأيت شابّا في سنّ خمس و عشرين سنة أعلم بما كان بيني و بين أخي عزير أيّام شبابي منك! فمن أهل السماء أنت أم من أهل الأرض؟! فقال عزير لاخيه: أنا عزير، سخط اللّه عليّ بقول قلته- بعد أن اصطفاني و هداني- فأماتني مائة سنة، ثمّ بعثني ليزدادوا بذلك يقينا إنّ اللّه على كلّ شيء قدير، و ها هو حماري و طعامي و شرابي الذي خرجت به من عندكم أعاده اللّه تعالى لي كما كان فعند ذلك أيقنوا بقدرته. فأعاشه اللّه بينهم خمس و عشرين سنة، ثمّ قبضه اللّه و أخاه في يوم واحد، فنهض عالم النصارى عند ذلك قائما، و قام النصارى على أرجلهم، فقال لهم عالمهم: جئتموني بأعلم منّي و أقعدتموه معكم حتى يهتكني و يفضحني، و اعلم المسلمين بأنّ لهم من أحاط بعلومنا و عنده ما ليس عندنا، لا و اللّه و لا كلّمتكم من رأسي كلمة واحدة و لا قعدت لكم إن عشت سنة. فتفرّقوا، و أبي قاعد مكانه و أنا معه، و رفع ذلك الخبر الى هشام بن عبد الملك، فلمّا تفرّق الناس نهض أبي و انصرف الى المنزل الذي كنّا فيه، فوافانا رسول هشام بالجائزة، و أمرنا أن ننصرف الى المدينة من ساعتنا و لا نبقى، لانّ الناس ماجوا و خاضوا فيما جرى بين أبي و عالم النصارى. فركبنا دوابّنا منصرفين، و قد سبقنا بريد من عند هشام الى عامله بمدين على طريقنا الى المدينة: يذكر له إنّ ابني أبي تراب الساحرين محمد بن عليّ و ابنه جعفر بن محمد الكذابين- بل هو الكذاب لعنه اللّه- فيما يظهران من الاسلام! قد وردا عليّ، فلمّا صرفتهما إلى المدينة ما لا الى القسّيسين و الرهبان من كفّار النصارى، و أظهر لهما دينهما، و مرقا من الإسلام إلى الكفر دين النصارى، و تقرّبا إليهم بالنصرانيّة، فكرهت أن أنكل بهما لقرابتهما، فاذا قرأت كتابي هذا فليناد في الناس برئت الذمّة ممّن يشاريهما أو يبايعهما أو يصافحهما أو يسلّم عليهما، فانّهما قد ارتدّا عن الاسلام، و رأى أمير المؤمنين أن يقتلهما و دوابّهما و غلمانهما و من معهما أشرّ قتلة. قال: فورد البريد الى مدينة «مدين» فلمّا شارفنا مدينة «مدين» قدّم أبي غلمانه ليرتادوا منزلا و يشترون لدوابّنا علفا و لنا طعاما، فلما قرب غلماننا من باب المدينة أغلقوا الباب في وجوهنا و شتمونا، و ذكروا بالشتم عليّا أمير المؤمنين- عليه السلام - و قالوا لهم: لا نزول لكم عندنا و لا شرى و لا بيع يا كفّار يا مشركين يا مرتدّين يا كذّابين يا شرّ الخلائق أجمعين. فوقف غلماننا على الباب حتى انتهينا إليهم، فكلّمهم أبي و ليّن لهم القول و قال لهم: اتّقوا اللّه و لا تغلطوا، فلسنا كما بلغكم و لا نحن كما تقولون، فاسمعونا، فقال لهم أبي فهبنا كما تقولون، افتحوا لنا الباب و شارونا و بايعونا كما تشارون و تبايعون اليهود و النصارى و المجوس، فقالوا: أنتم أشرّ من اليهود و النصارى و المجوس! لأنّ هؤلاء يؤدّون الجزية و أنت لا تؤدّون. فقال لهم أبي: افتحوا لنا الباب و أنزلونا و خذوا منّا الجزية كما تأخذون منهم، فقالوا: لا نفتح و لا كرامة لكم حتى تموتوا على ظهور دوابكم جياعا نياعا أو تموت دوابّكم تحتكم. فوعظهم أبي: فازدادوا عتوا و نشوزا. قال: فثنى أبي رجله عن سرجه، ثمّ قال لي: مكانك يا جعفر لا تبرح، ثم صعد الجبل المطلّ على مدينة «مدين» و أهل مدين ينظرون إليه ما يصنع، فلمّا صار في أعلاه استقبل بوجهه المدينة وحده، ثمّ وضع إصبعيه في أذنيه، ثم نادى بأعلى صوته وَ إِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً- الى قوله- بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ نحن و اللّه بقية اللّه في أرضه. فأمر اللّه تعالى ريحا سوداء مظلمة، فهبّت و احتملت صوت أبي، فطرحته في أسماع الرجال و النساء و الصبيان، فما بقي أحد من الرجال و النساء و الصبيان إلّا صعد السطوح، و أبي مشرف عليهم؛ و صعد فيمن صعد شيخ من أهل «مدين» كبير السنّ، فنظر الى أبي على الجبل، فنادى بأعلى صوته: اتّقوا اللّه يا أهل «مدين» فانّه قد وقف الموقف الذي وقف فيه شعيب- عليه السلام - حين دعا على قومه، فان أنتم لم تفتحوا له الباب و لم تنزلوهم جاءكم من اللّه العذاب، و إني أخاف عليكم، و قد أعذر من أنذر. ففزعوا و فتحوا لنا الباب و أنزلونا، و كتب العامل بجميع ذلك إلى هشام، فارتحلنا من مدين إلى المدينة في اليوم الثاني. فكتب هشام الى عامل «مدين» يأمره بأن يأخذ الشيخ فيطمره، فتطمره- رحمة اللّه عليه- و كتب الى عامل مدينة الرسول أن يحتال في سمّ أبي في طعام أو شراب، فمضى هشام و لم يتهيّأ له في شيء من ذلك.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر - السيد هاشم البحراني - ج ٥ - الصفحة ٦٦. — الإمام الصادق عليه السلام
/ 107- ثاقب المناقب: عن أبي حمزة الثمالي قال كنت مع أبي جعفر- عليه السلام - و معنا سليمان بن خالد الى حائط من حيطان المدينة، فما سرنا إلّا قليلا حتى قال: «الساعة يستقبل رجلان قد سرقا سرقة و صرا عليها» فما سرنا إلّا قليلا حتى استقبلنا الرجلان، فقال أبو جعفر- عليه السلام - لغلمانه: «عليكم بالسارقين» فاخذا حتى أتي بهما الى بين يديه فقال [لهما:] «أ سرقتما؟» فحلفا باللّه ما سرقنا. فقال أبو جعفر- عليه السلام -: «و اللّه لئن لم تخرجا ما سرقتما [لأبعثنّ الى الموضع الذي وضعتما فيه سرقتكما] و لأبعثنّ به الى صاحبكما الذي سرقتما منه» فأبيا أن يريا الذي سرقاه. فقال أبو جعفر- عليه السلام - لغلمانه: «أوثقوهما، و انطلق أنت يا سليمان الى ذلك الجبل- و أشار بيده الى ناحية منه- فاصعد أنت و هؤلاء الغلمان معك، فانّ في قلّة الجبل كهفا فاستخرجوا ما فيه و ائتني به». قال سليمان: فانطلقت الى الجبل و صعدت الى الكهف فاستخرجنا منه عيبتين محشوتين حتى دخلت بهما على أبي جعفر- عليه السلام -، فقال
«يا سليمان، لترى غدا العجب». فلمّا أصبحنا أخذ أبو جعفر- عليه السلام - بأيدينا و دخلنا معه الى و الى المدينة، و قد جاء المسروق منه برجال براء، فقال: هؤلاء سرقوا. فأراد الوالي أن يعاقب القوم، فقال أبو جعفر- عليه السلام - ابتداء منه: «إنّ هؤلاء ليسوا سرّاقة إنّ السارقين عندي. فقال للرجل: ما ذهب منك؟» قال: عيبة فيها كذا و كذا. فادّعى ما لم يذهب [له] قال أبو جعفر- عليه السلام -: «لم تكذب؟ فما أنت أعلم بما ذهب لك منّي» فهمّ الوالى أن يبطش به، فكفّه أبو جعفر- عليه السلام -. ثم قال: «يا غلام ائتني بعيبة كذا و كذا» فأتى بها، ثمّ قال للوالي: «إن ادّعى فوق هذا فهو كاذب مبطل، و عندي عيبة اخرى لرجل آخر، و هو يأتيك الى أيّام، و هو من أهل بربر، فاذا أتاك فارشده إليّ، و أما هذان السارقان فانّي لست ببارح حتى تقطعهما». فأتي بهما، فقال أحدهما: تقطعنا و لم نقر على أنفسنا؟ فقال الوالي: ويلكما، يشهد عليكما من لو شهد على أهل المدينة لأجزت شهادته. فلمّا قطعهما قال أحدهما: يا أبا جعفر، لقد شهدت بحقّ، و ما يسرّني، أنّ [اللّه] أجرى توبتي على يد غيرك، و أنّ لي بناء خارج المدينة، و إنّي لأعلم أنّكم أهل بيت النبوّة و معدن العلم. فرقّ له أبو جعفر- عليه السلام - [و قال: «أنت على خير و الى خير». ثم التفت الى الوالي و الى جماعة من الناس] فقال: «و اللّه، لقد سبق يده بدنه الى الجنّة بعشرين سنة». فقال سليمان بن خالد لأبي حمزة الثمالي: يا أبا حمزة، و رأيت دلالة أعجب من هذه؟ فقال أبو جعفر- عليه السلام - «يا سليمان، العجب في العيبة الاخرى» فو اللّه ما لبثنا إلّا ثلاثة حتى أتى البربريّ الى الوالي، فأخبره بقصّة عيبته، فأرشده الى أبي جعفر- عليه السلام -، فأتاه، فقال له أبو جعفر: «أ لا أخبرك بما في عيبتك قبل أن تخبرني [بما فيها] فقال له البربري: إن أنت أخبرتني بما فيها علمت أنّك إمام (مفترض الطاعة) فرض اللّه طاعتك. فقال- عليه السلام -: «فيها ألف دينار [لك و ألف دينار] لغيرك، و من الثياب كذا و كذا». قال: فما اسم الرجل الذي له ألف دينار؟ قال: «محمد ابن عبد الرحمن، و هو على الباب ينتظر يراني أخبر بالحقّ». فقال البربري: آمنت باللّه وحده لا شريك له، و بمحمد- صلّى اللّه عليه و آله- رسوله، و أشهد أنّكم أهل بيت الرحمة الذين أذهب اللّه عنكم الرجس و طهّركم تطهيرا. فقال: أبو جعفر- عليه السلام -: «لقد هديت فخذ و اشكر». [قال سليمان:] حججت بعد ذلك بعشر سنين، فكنت أرى الأقطع من اصحاب أبي جعفر.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر - السيد هاشم البحراني - ج ٥ - الصفحة ١٤١. — الإمام الباقر عليه السلام
/ 18- أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: قال: روى الحسين بن محمد بن عامر، عن المعلّى بن محمد، عن الوشّاء، عن محمد ابن علي، عن خالد الخزّاز، قال دخلت على أبي الحسن- عليه السلام - و هو في عرصة داره و هو يومئذ بالرميلة، فلمّا نظرت إليه قلت في نفسي: بأبي و امّي و سيّدي مظلوم مغصوب مضطهد، ثمّ دنوت منه فقبّلت ما بين عينيه، ثمّ جلست بين يديه، فالتفت إليّ، ثمّ قال: خالد، نحن أعلم بهذا الأمر، فلا يضيقنّ هذا في نفسك. قلت: جعلت فداك، و اللّه ما أردت بهذا شيئا. فقال: نحن أعلم بهذا الأمر من غيرنا، و إنّ لهؤلاء [القوم] مدّة و غاية لا بدّ من الانتهاء إليها. قلت: لا أعود و لا اضمر في نفسي شيئا.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر - السيد هاشم البحراني - ج ٦ - الصفحة ٢٠٧. — الإمام الباقر عليه السلام
حدّثني عن أعداء أمير المؤمنين- عليه السلام - و أهل بيت النبوّة- صلوات الله عليهم -، فقال
الحديث أحبّ إليك أم المعاينة؟ قلت: المعاينة. فقال لأبي إبراهيم موسى- عليه السلام -: ائتيني بالقضيب، فمضى و أحضره إيّاه، فقال له: يا موسى، اضرب به الأرض و أرهم أعداء أمير المؤمنين- عليه السلام - و أعداءنا، فضرب به الأرض ضربة، فانشقّت الأرض عن بحر أسود، ثمّ ضرب البحر بالقضيب فانفلق عن صخرة سوداء، فضرب الصخرة فانفتح منها باب، فإذا بالقوم جميعا لا يحصون لكثرتهم و وجوههم مسودّة و أعينهم زرق، كلّ واحد منهم مصفّد مشدود في جانب من الصخرة، و هم ينادون: يا محمد، و الزبانية تضرب وجوههم و يقولون لهم: كذبتم ليس محمد لكم و لا أنتم له. فقلت: له: جعلت فداك، من هؤلاء؟ فقال: الجبت و الطاغوت و الرجس و اللعين بن اللعين، و لم يزل يعدّدهم كلّهم من أوّلهم إلى آخرهم حتى أتى على أصحاب السقيفة، و أصحاب الفتنة، و بني الأرزق، و الأوزاع، و بني اميّة جدّد اللّه عليهم العذاب بكرة و أصيلا. ثمّ قال- عليه السلام - للصخرة: انطبقي عليهم [إلى الوقت المعلوم].
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر - السيد هاشم البحراني - ج ٦ - الصفحة ٣٤٢. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
/ 149- محمد بن يعقوب: عن عليّ بن إبراهيم، عن ياسر الخادم و الرّيان بن الصلت جميعا قال: لمّا انقضى أمر المخلوع و استوى الأمر للمأمون كتب إلى الرضا- عليه السلام - يستقدمه إلى خراسان، فاعتلّ [عليه] أبو الحسن- عليه السلام - بعلل، فلم يزل المأمون يكاتبه في ذلك حتى علم أنّه لا محيص له، و أنّه لا يكفّ عنه، فخرج- عليه السلام - و لأبي جعفر- عليه السلام - سبع سنين. فكتب إليه المأمون لا تأخذ على طريق الجبل و قم و خذ على طريق البصرة و الأهواز و فارس، حتى وافي مرو فعرض عليه المأمون أن يتقلّد الأمر و الخلافة، فأبي أبو الحسن- عليه السلام - قال
فولاية العهد. فقال: على شروط أسألكها، قال المأمون [له]: سل ما شئت. فكتب الرضا- عليه السلام -: إنّي داخل في ولاية العهد على أن لا أمر و لا أنهى و لا أفتي و لا أقضي و لا أولّي و لا أعزل و لا اغيّر شيئا ممّا هو قائم، و تعفيني من ذلك كلّه فأجاب المأمون إلى ذلك كلّه. قال: فحدّثني ياسر قال: فلمّا حضر العيد بعث المأمون إلى الرضا- عليه السلام - يسأله أن يركب و يحضر العيد و يصلّي و يخطب، فبعث إليه الرضا- عليه السلام - قال: علمت ما كان بيني و بينك من الشروط في دخول هذا الأمر، فبعث إليه المأمون إنّما اريد بذلك أن تطمئنّ قلوب الناس و يعرفوا فضلك، فلم يزل- عليه السلام - يرادّه الكلام في ذلك فألحّ عليه. فقال: يا أمير المؤمنين إن أعفيتني من ذلك فهو أحبّ إليّ و إن لم تعفني خرجت كما خرج رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم - و أمير المؤمنين- عليه السلام -. فقال المأمون: اخرج كيف شئت، و أمر المأمون القوّاد و الناس أن يبكّروا إلى باب أبي الحسن- عليه السلام -. قال: فحدّثني ياسر الخادم إنّه قعد الناس لأبي الحسن- عليه السلام - في الطرقات و السطوح الرجال و النساء و الصبيان، و اجتمع القوّاد و الجند على باب أبي الحسن- عليه السلام -. فلمّا طلعت الشمس قام- عليه السلام - فاغتسل و تعمّم بعمامة بيضاء من قطن ألقى طرفا منها على صدره و طرفا بين كتفيه و تشمّر، ثمّ قال لجميع مواليه: افعلوا مثل ما فعلت، ثمّ أخذ بيده عكّازا ثمّ خرج و نحن بين يديه و هو حاف قد شمّر سراويله إلى نصف الساق، و عليه ثياب مشمّرة. فلمّا مشى و مشينا بين يديه رفع رأسه إلى السماء و كبّر أربع تكبيرات فخيّل [إلينا] أنّ السماء و الحيطان تجاوبه، و القوّاد و الناس على الباب قد تهيّئوا و لبسوا السلاح و تزيّنوا بأحسن الزينة، فلمّا طلعنا عليهم بهذه الصورة و طلع الرضا- عليه السلام - وقف على الباب وقفة ثمّ قال: «اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أكبر على ما هدانا اللّه أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، و الحمد للّه على ما أبلانا»، نرفع به أصواتنا. قال ياسر: فتزعزعت مرو بالبكاء و الضجيج و الصياح لمّا نظروا إلى أبي الحسن- عليه السلام -، و سقط القوّاد عن دوابهم و رموا بخفافهم لمّا رأوا أبا الحسن- عليه السلام - حافيا، و كان يمشي و يقف في كلّ عشر خطوات و يكبّر ثلاث مرات. قال ياسر: فتخيّل إلينا انّ السماء و الأرض و الجبال تجاوبه، و صارت مرو ضجّة واحدة من البكاء و بلغ المأمون ذلك. فقال له الفضل بن سهل ذو الرئاستين: يا أمير المؤمنين إن بلغ الرضا- عليه السلام - المصلّى على هذا السبيل افتتن به الناس، و الرأي أن تسأله أن يرجع. فبعث إليه المأمون فسأله الرجوع، فدعا أبو الحسن- عليه السلام - بخفّه فلبسه و ركب و رجع (و اختلف أمر الناس في ذلك اليوم و لم ينتظم في صلواتهم).
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر - السيد هاشم البحراني - ج ٧ - الصفحة ١٧٦. — الإمام الرضا عليه السلام
/ 131- ابن بابويه: قال: حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكل- رضي الله عنه - قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميري، عن إبراهيم بن مهزيار قال: قدمت مدينة رسول اللّه- صلى الله عليه وآله وسلم -، فبحثت عن أخبار آل أبي محمّد الحسن بن عليّ الأخير- عليهما السلام -، فلم أقع على شيء منها، فرحلت منها إلى مكّة مستبحثا عن ذلك، فبينما أنا في الطواف إذ تراءى لي فتى أسمر اللّون، رائع الحسن، جميل المخيلة، يطيل التوسّم فيّ، فعدلت إليه مؤمّلا منه عرفان ما قصدت له. فلمّا قربت منه سلّمت (عليه) فأحسن الإجابة، ثمّ قال (لي): «من أيّ البلاد أنت؟» قلت: رجل من أهل العراق، قال: «من أيّ العراق؟» قلت: من الأهواز، قال: «مرحبا بلقائك هل تعرف بها جعفر بن حمدان الحصيني؟» قلت: دعي فأجاب، قال: «رحمة اللّه عليه ما كان أطول ليله و أجزل نيله، فهل تعرف إبراهيم بن مهزيار؟» قلت: أنا إبراهيم ابن مهزيار، فعانقني مليّا ثمّ قال: «مرحبا بك يا أبا إسحاق ما فعلت بالعلامة التي وشّجت بينك و بين أبي محمّد- عليه السلام -؟» فقلت: لعلّك تريد الخاتم الذي آثرني اللّه عزّ و جلّ به من الطيّب أبي محمّد الحسن بن علي- عليهما السلام -؟ قال: «ما أردت سواه»، فأخرجته إليه، فلمّا نظر (إليه) استعبر و قبّله ثمّ قرأ كتابته فكانت: «يا اللّه يا محمّد يا عليّ» ثمّ قال: «بأبي يدا طال ما جلت فيها، و تراخى بنا فنون الأحاديث»- إلى أن قال لي-: «يا أبا إسحاق أخبرني عن عظيم ما توخّيت بعد الحجّ». قلت: و أبيك ما توخّيت إلّا ما سأستعلمك مكنونه، قال: «سل عمّا شئت فإنّي شارح لك إن شاء اللّه تعالى». قلت: هل تعرف من أخبار آل أبي محمّد الحسن بن عليّ- عليهما السلام - [شيئا؟] قال: ( «أيّ خبر التمسته؟» قلت: هل تعرف من نسله أحدا؟ فقال:) «و أيم اللّه إنّي لأعرف الضوء في جبين محمّد و موسى- رضي الله عنهما - ابني الحسن بن عليّ- عليهما السلام - و إنّي رسولهما إليك قاصدا لإنبائك أمرهما، فإن أحببت لقائهما و الاكتحال بالتبرّك بهما فارتحل معي إلى الطائف، و ليكن ذلك في خفية من رجالك و اكتتام (من أمرك) ». قال إبراهيم: فشخصت معه إلى الطائف أتخلّل رملة فرملة حتّى أخذ في بعض مخارج الفلاة، فبدت لنا خيمة شعر قد أشرفت على أكمة رمل تتلألأ تلك البقاع منها تلألؤا، فبدرني إلى الاذن، و دخل مسلّما عليهما و أعلمهما بمكاني، فخرج عليّ أحدهما و هو الأكبر سنّا «م ح م د» ابن الحسن- رضي الله عنهما - و هو غلام أمرد ناصع اللون، واضح الجبين، أبلج الحاجب، مسنون الخدّين، [أقنى الأنف]، اشمّ أروع كأنّه غصن بان، و كأنّ صفحة غرّته كوكب دريّ، بخدّه الأيمن خال، كأنّه فتاتة مسك على بياض الفضّة، و إذا برأسه و فرة سحماء سبطة تطالع شحمة اذنه، له سمت ما رأت العيون أقصد منه و لا أعرف حسنا و سكينة و حياء. فلمّا مثّل لي أسرعت إلى تلقّيه فأكببت عليه ألثم كلّ جارحة منه، فقال [لي]: «مرحبا بك يا ابا اسحاق لقد كانت الأيّام تعدني و شك لقائك، و المعاتب بيني و بينك على تشاحط الدار و تراخي المزار، تتخيّل لي صورتك حتّى كانّا لم نخل طرفة عين من طيب المحادثة و خيال المشاهدة، و أنا أحمد اللّه ربّي وليّ الحمد على ما قيّض من التلاقي و رفّه من كربة التنازع و الاستشراف»، (ثمّ سألني) عن إخواني متقدّمها و متأخّرها، فقلت: بأبي أنت و أمّي ما زلت أتفحّص عن أثرك بلدا فبلدا منذ استأثر اللّه تعالى بسيّدي أبي محمّد- عليه السلام -، فاستغلق عليّ ذلك حتّى منّ اللّه عزّ و جلّ [عليّ] بمن أرشدني إليك و دلّني عليك، و الشكر للّه عزّ و جلّ على ما أوزعني [فيك] من كريم اليد و الطول، ثمّ نسب نفسه و أخاه موسى و اعتزلني ناحية. ثمّ قال لي: «إنّ أبي- عليه السلام - عهد إليّ أن لا أوطّن من الأرض إلّا أخفاها و أقصاها إسرارا لأمري و تحصينا لمحلّي من مكائد أهل الضلال و المردة من أحداث الامم الضّوالّ، فنبذني إلى عالية الرّمال و خبت صرائم الأرض ينظرني الغاية التي عندها يحلّ الأمر و ينجلي الهلع، و كان- صلوات الله عليه - أنبط لي من خزائن الحكم، و كوامن العلوم ما إن أشعت إليك من ذلك جزء أغناك عن الجملة». و اعلم يا أبا إسحاق إنّه قال- عليه السلام -: «يا بنيّ إنّ اللّه عزّ و جلّ لم يكن ليخلي أطباق أرضه و أهل الجدّ في طاعته و عبادته بلا حجّة يستعالى بها، و امام يؤتمّ به، و يقتدى بسبيل سنّته و منهاج قصده، و أرجو يا بنيّ أن تكون أحد من أعدّه اللّه عزّ و جلّ لنشر الحقّ و طيّ الباطل و اعلاء الدين و اطفاء الضلال، فعليك يا بنيّ بلزوم خوافي الأرض، و تتبّع أقاصيها، فإنّ لكلّ وليّ من أولياء اللّه تعالى عدوّا مقارعا و ضدّا منازعا، افتراضا لمجاهدة أهل نفاقه و خلافه اولي الالحاد و العناد، فلا يوحشنّك ذلك. [و اعلم] إنّ قلوب أهل الطاعة و الإخلاص نزّع إليك من الطير إلى و كرها، و هم معشر يطلعون بمخائل الذلّة، و الاستكانة و هم عند اللّه بررة أعزّاء يبرزون بأنفس مختلّة محتاجة، و هم أهل القناعة و الاعتصام، استنبطوا الدّين فوازروه على مجاهدة الأضداد، خصّهم اللّه باحتمال الضيم (في الدنيا) ليشملهم باتّساع العزّ في دار القرار، و جبلهم على خلائق الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى و كرامة حسن العقبى. فاقتبس يا بنيّ نور الصبر على موارد امورك تفز بدرك الصّنع في مصادرها، و استشعر العزّ فيما ينوبك تحظ بما تحمد عليه إن شاء اللّه تعالى. فكأنّك يا بنيّ بتأييد نصر اللّه قد آن، و تيسير الفلج و علوّ الكعب قد حان، و كأنّك بالرايات الصفر و الأعلام البيض تخفق على أثناء أعطافك ما بين الحطيم و زمزم، و كأنّك بترادف البيعة و تصافي الولاء يتناظم عليك تناظم الدّرّ في مثاني العقود، و تصافق الأكفّ على جنبات الحجر الأسود. تلوذ بفنائك من ملأ برأهم اللّه بطهارة الولادة و نفاسة التربة، مقدّسة قلوبهم من دنس النفاق، مهذّبة أفئدتهم من رجس الشقاق، ليّنة عرائكهم للدين، خشنة ضرائبهم عن العدوان، واضحة بالقبول أوجههم، نضرة بالفضل عيدانهم، يدينون بدين الحقّ و أهله. فإذا اشتدّت أركانهم، و تقوّمت أعمادهم، قدّت بمكاثفتهم طبقات الأمم (إلى إمام)، إذ تبعتك في ظلال شجرة دوحة (قد) تشعّبت أفنان غصونها على حافّات بحيرة الطبريّة، فعندها يتلألأ صبح الحقّ و ينجلي ظلام الباطل، و يقصم اللّه بك (ميل) الطغيان، و يعيد (بك) معالم الإيمان و يظهر بك أسقام الآفاق و سلام الرّفاق، يودّ الطفل في المهد لو استطاع إليك نهوضا، و نواشط الوحش لو تجد نحوك مجازا. تهتزّ بك أطراف الدّنيا بهجة، و تنشر عليك أغصان العزّ نضرة، و تستقرّ بواني الحقّ في قرارها، و تؤوب شوارد الدّين إلى أوكارها، يتهاطل عليك سحائب الظفر، فتخنق كلّ عدوّ و تنصر كلّ وليّ، فلا يبقى على [وجه] الأرض جبّار قاسط و لا جاحد غامط، و لا شانئ مبغض و لا معاند كاشح، و من يتوكّل على اللّه فهو حسبه، إنّ اللّه بالغ أمره [قد جعل اللّه لكلّ شيء قدرا»]. ثمّ قال: «يا أبا اسحاق ليكن مجلسي هذا عندك (محفوظا) مكتوما إلّا عند أهل التصديق و الأخوّة الصادقة في الدين، إذا بدت لك أمارات الظهور و التمكين، فلا تبطئ بإخوانك عنّا، و باهل المسارعة إلى منار اليقين و ضياء مصابيح الدين، تلق رشدا إن شاء اللّه تعالى». قال إبراهيم بن مهزيار: فمكثت عنده حينا أقتبس ما أؤدّي إليهم من موضحات الأعلام و نيّرات الأحكام، و أروي نبات الصدور من نضارة ما ادّخر اللّه تعالى في طبائعه من لطائف الحكمة و طرائف فواضل القسم، حتّى خفت إضاعة مخلّفي بالأهواز لتراخي اللّقاء عنهم، فاستأذنته في القفول، و أعلمته عظيم ما أصدر به عنه من التوحّش لفرقته و التجرّع للظعن عن محالّه، فأذن و اردفني من صالح دعائه ما يكون ذخرا عند اللّه تعالى لي و لعقبي و قرابتي إن شاء اللّه تعالى. فلمّا آن ارتحالي و تهيّأ اعتزام نفسي غدوت عليه مودّعا و مجدّدا للعهد، و عرضت عليه مالا كان معي يزيد على خمسين ألف درهم، و سألته أن يتفضّل بالأمر بقبوله منّي، فابتسم و قال: «يا أبا اسحاق استعن به على منصرفك، فإنّ الشقّة قذفة و فلوات الأرض أمامك جمّة، و لا تحزن لإعراضنا عنه، فإنّا قد أحدثنا لك شكره و نشره، و أربضناه عندنا بالتذكرة و قبول المنّة، فبارك اللّه (لك) فيما خوّلك و أدام لك ما نولّك، و كتب لك أحسن ثواب المحسنين و أكرم آثار الطائعين، فإنّ الفضل له و منه. و أسأل اللّه [أن يردّك إلى] أصحابك بأوفر الحظّ من سلامة الأوبة و أكناف الغبطة، بلين المنصرف، و لا أوعث اللّه لك سبيلا، و لا حيّر لك دليلا، و استودعه نفسك وديعة لا تضيع و لا تزول بمنّه و لطفه إن شاء اللّه تعالى. يا ابا اسحاق: (إنّ اللّه) قنّعنا بعوائد إحسانه و فوائد امتنانه، و صان أنفسنا عن معاونة الأولياء إلّا عن الإخلاص في النيّة و امحاض النصيحة و المحافظة على ما هو أبقى و أتقى و أرفع ذكرا». قال: فانفصلت عنه حامدا للّه عزّ و جلّ على ما هداني [و أرشدني]، عالما بانّ اللّه تعالى لم يكن ليعطّل أرضه و لا يخلّيها من حجّة واضحة، و امام قائم، و [ألقيت] هذا الخبر المأثور و النسب المشهور توخّيا للزيادة في بصائر أهل اليقين، و تعريفا لهم ما منّ اللّه عزّ و جلّ [به] من إنشاء الذرّية الطيّبة و التربة الزكيّة، و قصدت أداء الأمانة و التسليم لما استبان ليضاعف اللّه تعالى الملّة الهادية، و الطريقة [المستقيمة] المرضيّة، قوّة عزم و تأييد نيّة، و شدّة أزر، و اعتقاد عصمة، و اللّه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ثمّ قال الراوندي بعد نقله الحديث عن ابن بابويه- عقيب الحديث-: و هذا مثل حكاية أخيه عليّ بن مهزيار فإنّه قال: (إنّي) حججت عشرين حجّة لذلك، فلمّا كان بعد هذا كلّة أتاني آت في منامي و قال: «قد أذن اللّه [لك] في مشاهدته- عليه السلام -»، الخبر.
مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر - السيد هاشم البحراني - ج ٨ - الصفحة ١٩٢. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الشيخ الصدوق رحمه الله: حدّثنا محمّد بن موسى بن المتوكّل رضى اللّه عنه، قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميريّ، عن إبراهيم بن مهزيار، قال: قدمت مدينة الرسول صلى الله عليه و آله و سلم فبحثت عن أخبار آل أبي محمّد الحسن بن عليّ الأخير عليه السلام، فلم أقع على شيء منها، فرحلت منها إلى مكّة مستبحثا عن ذلك، فبينما أنا في الطواف إذ تراءى لي فتى أسمر اللون، رائع الحسن، جميل المخيلة، يطيل التوسّم فيّ، فعدت إليه مؤمّلا منه عرفان ما قصدت له. فلمّا قربت منه سلّمت، فأحسن الإجابة، ثمّ قال: من أيّ البلاد أنت؟ قلت: رجل من أهل العراق. قال: من أيّ العراق؟ قلت: من الأهواز. فقال: مرحبا بلقائك، هل تعرف بها جعفر بن حمدان الحصينيّ؟ قلت: دعي، فأجاب. قال: رحمة اللّه عليه! ما كان أطول ليله، و أجزل نيله، فهل تعرف إبراهيم بن مهزيار؟ قلت: أنا إبراهيم بن مهزيار. فعانقني مليّا، ثمّ قال: مرحبا بك يا أبا إسحاق! ما فعلت بالعلامة التي وشّجت بينك و بين أبي محمّد عليه السلام؟ فقلت: لعلّك تريد الخاتم الذي آثرني اللّه به من الطيّب أبي محمّد الحسن بن عليّ عليهما السلام؟ فقال: ما أردت سواه، فأخرجته إليه، فلمّا نظر إليه استعبر، و قبّله. ثمّ قرأ كتابته، فكانت: يا اللّه، يا محمّد، يا عليّ. ثمّ قال: بأبي يدا طال ما جلت فيها، و تراخى بنا فنون الأحاديث- إلى أن قال لي-: يا أبا إسحاق! أخبرني عن عظيم ما توخّيت بعد الحجّ؟ قلت: و أبيك، ما توخّيت إلّا ما سأستعلمك مكنونه. قال: سل، عمّا شئت! فإنّي شارح لك إن شاء اللّه. قلت: هل تعرف من أخبار آل أبي محمّد الحسن عليه السلام شيئا؟ قال لي: و أيم اللّه! إنّي لأعرف الضوء بجبين محمّد و موسى ابني الحسن بن عليّ عليهم السلام، ثمّ إنّي لرسولهما إليك، قاصدا لإنبائك أمرهما، فإن أحببت لقاءهما، و الاكتحال بالتبرّك بهما، فارتحل معي إلى الطائف، و ليكن ذلك في خفية من رجالك و اكتتام. قال إبراهيم: فشخصت معه إلى الطائف أتخلّل رملة فرملة حتّى أخذ في بعض مخارج الفلاة، فبدت لنا خيمة شعر، قد أشرفت على أكمة رمل، تتلألأ تلك البقاع منها تلألؤا، فبدرني إلى الإذن، و دخل مسلّما عليهما، و أعلمهما بمكاني. فخرج عليّ أحدهما، و هو الأكبر سنّا «م ح م د» ابن الحسن عليهما السلام، و هو غلام أمرد، ناصع اللون، واضح الجبين، أبلج الحاجب، مسنون الخدّين، أقنى الأنف، أشمّ أروع، كأنّه غصن بان، و كأنّ صفحة غرّته كوكب درّيّ، بخدّه الأيمن خال كأنّه فتاة مسك على بياض الفضّة، و إذا برأسه و فرة سحماء سبطة، تطالع شحمة أذنه، له سمت ما رأت العيون أقصد منه، و لا أعرف حسنا و سكينة و حياء. فلمّا مثل لي أسرعت إلى تلقّيه، فأكببت عليه، ألثم كلّ جارحة منه. فقال لي: مرحبا بك يا أبا إسحاق! لقد كانت الأيّام تعدني و شك لقائك، و المعاتب بيني و بينك على تشاحط الدار و تراخى المزار، تتخيّل لي صورتك حتّى كأنّا لم نخل طرفة عين من طيب المحادثة، و خيال المشاهدة، و أنا أحمد اللّه ربّي، وليّ الحمد على ما قيّض من التلاقي، و رفّه من كربة التنازع، و الاستشراف عن أحوالها متقدّمها و متأخّرها. فقلت: بأبي أنت و أمّي! ما زلت أفحص عن أمرك بلدا فبلدا منذ استأثر اللّه بسيّدي أبي محمّد عليه السلام فاستغلق عليّ ذلك حتّى منّ اللّه عليّ بمن أرشدني إليك و دلّني عليك، و الشكر للّه على ما أوزعني فيك من كريم اليد و الطول. ثمّ نسب نفسه و أخاه موسى و اعتزل بي ناحية. ثمّ قال: إنّ أبي عليه السلام عهد إليّ أن لا أوطّن من الأرض إلّا أخفاها و أقصاها إسرارا لأمري، و تحصينا لمحلّي لمكايد أهل الضلال و المردة من أحداث الأمم الضوالّ، فنبذني إلى عالية الرمال وجبت صرائم الأرض ينظرني الغاية التي عندها يحلّ الأمر، و ينجلي الهلع، و كان عليه السلام أنبط لي من خزائن الحكم و كوامن العلوم ما إن أشعت إليك منه جزء أغناك عن الجملة. و اعلم يا أبا إسحاق! إنّه قال عليه السلام: يا بنيّ! إنّ اللّه جلّ ثناؤه لم يكن ليخلّي أطباق أرضه و أهل الجدّ في طاعته و عبادته بلا حجّة يستعلي بها و إمام يؤتمّ به، و يقتدى بسبيل سنّته و منهاج قصده. و أرجو يا بنيّ! أن تكون أحد من أعدّه اللّه لنشر الحقّ، و وطىء الباطل، و إعلاء الدين، و إطفاء الضلال، فعليك يا بنيّ! بلزوم خوافي الأرض، و تتبّع أقاصيها، فإنّ لكلّ وليّ لأولياء اللّه عزّ و جلّ عدوّا مقارعا و ضدّا منازعا افتراضا لمجاهدة أهل النفاق، و خلاعة أولي الإلحاد و العناد، فلا يوحشنّك ذلك. و اعلم! أنّ قلوب أهل الطاعة و الإخلاص نزّع إليك مثل الطير إلى أوكارها، و هم معشر يطلعون بمخائل الذلّة و الاستكانة، و هم عند اللّه بررة أعزّاء يبرزون بأنفس مختلّة محتاجة، و هم أهل القناعة و الاعتصام، استنبطوا الدين فوازروه على مجاهدة الأضداد، خصّهم اللّه باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم باتّساع العزّ في دار القرار، و جبلهم على خلائق الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى، و كرامة حسن العقبى، فاقتبس يا بنيّ! نور الصبر على موارد أمورك تفز بدرك الصنع في مصادرها، و استشعر العزّ فيما ينوبك تحظ بما تحمد غبّه إن شاء اللّه. و كأنّك يا بنيّ! بتأييد نصر اللّه و قد آن، و تيسير الفلج و علوّ الكعب و قد حان، و كأنّك بالرايات الصفر، و الأعلام البيض تخفق على أثناء أعطافك ما بين الحطيم و زمزم، و كأنّك بترادف البيعة، و تصافي الولاء يتناظم عليك تناظم الدرّ في مثاني العقود و تصافق الأكفّ على جنبات الحجر الأسود، تلوذ بفنائك من ملإ برأهم اللّه من طهارة الولاة و نفاسة التربة، مقدّسة قلوبهم من دنس النفاق، مهذّبة أفئدتهم من رجس الشقاق، لينة عرائكهم للدين، خشنة ضرائبهم عن العدوان، واضحة بالقبول أوجههم، نضرة بالفضل عيدانهم، يدينون بدين الحقّ و أهله، فإذا اشتدّت أركانهم، و تقوّمت أعمادهم فدت بمكانفتهم طبقات الأمم إلى إمام إذ تبعتك في ظلال شجرة دوحة تشعّبت أفنان غصونها على حافاة بحيرة الطبريّة، فعندها يتلألأ صبح الحقّ، و ينجلي ظلام الباطل، و يقصم اللّه بك الطغيان، و يعيد معالم الإيمان، يظهر بك استقامة الآفاق، و سلام الرفاق. يودّ الطفل في المهد لو استطاع إليك نهوضا، و نواشط الوحش لو تجد نحوك مجازا تهتزّ بك أطراف الدنيا بهجة، و تنشر عليك أغصان العزّ نضرة، و تستقرّ بواني الحقّ في قرارها، و تؤوب شوارد الدين إلى أوكارها تتهاطل عليك سحائب الظفر فتخنق كلّ عدوّ، و تنصر كلّ وليّ، فلا يبقى على وجه الأرض جبّار قاسط، و لا جاحد غامط، و لا شانئ مبغض، و لا معاند كاشح. وَ مَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْراً.... و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة. 11- الشيخ الصدوق رحمه الله: و حدّث أبو الأديان، قال: كنت أخدم الحسن ابن عليّ بن محمّد عليهم السلام... فلمّا صرنا في الدار إذا نحن بالحسن بن عليّ صلوات الله عليه...، [و] خرج صبيّ بوجهه سمرة، بشعره قطط، بأسنانه تفليج....
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ١ - الصفحة ٨٠. — الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
1- الشيخ الطوسيّ رحمه الله: و روى جابر الجعفيّ قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن تأويل قول اللّه
عزّ و جلّ: إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً.... قال: فتنفّس الصعداء، ثمّ قال: يا جابر! أمّا السنة، فهي جدّي رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم. و شهورها اثنا عشر شهرا، فهو أمير المؤمنين...، و عليّ [الهادي]، و إلى ابنه الحسن [العسكريّ]... اثنا عشر إماما حجج اللّه في خلقه، و أمناؤه على وحيه و علمه...، فالإقرار بهؤلاء هو الدين القيّم فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ، أي قولوا بهم جميعا تهتدوا. و الحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة.
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ١ - الصفحة ٢٠٨. — الإمام الباقر عليه السلام
الراونديّ رحمه الله:... كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمّد عليه السلام - من أهل الجبل- يسأله عمّن وقف على أبي الحسن موسى عليه السلام، أتولّاهم أم أتبرّأ منهم؟ فكتب عليه السلام إليه
لا تترحّم على عمّك، لا رحم اللّه عمّك، و تبرّأ منه، أنا إلى اللّه منهم بريء، فلا تتولّهم، و لا تعد مرضاهم، و لا تشهد جنائزهم، و لا تصلّ على أحد منهم مات أبدا... فكان هذا- أي السائل- لم يعلم أنّ عمّه كان منهم فأعلمه ذلك.
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ١ - الصفحة ٢٧١. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
حسين بن عبد الوهّاب رحمه الله: عن جعفر بن محمّد القلانسيّ، قال: كتب محمّد أخي إلى أبي محمّد عليه السلام و امرأته حامل يسأله الدعاء بخلاصها و أن يرزقه اللّه ذكرا، و سأله أن يسمّيه؟ فكتب إليه
و نعم الاسم محمّد و عبد الرحمن. فولدت له اثنتين توأمين، فسمّى أحدهما محمّدا و الآخر عبد الرحمن. 8- أبو منصور الطبرسيّ رحمه الله:... لمّا اجتمع إليه قوم من الموالي...، و قالوا: يا ابن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم إنّ لنا جارا من النصّاب يؤذينا.... فقال الحسن عليه السلام: أنا أبعث إليكم من يفحمه عنكم، و يصغّر شأنه لديكم. فدعا برجل من تلامذته، قال: مرّ بهؤلاء إذا كانوا مجتمعين يتكلّمون، فتسمّع عليهم، فسيستدعون منك الكلام... فذهب الرجل، و حضر الموضع، و حضروا، و كلّم الرجل، فأفحمه و صيّره لا يدري في السماء هو أو في الأرض. قالوا: و وقع علينا من الفرح و السرور ما لا يعلمه إلّا اللّه تعالى، و على الرجل و المتعصّبين له من الغمّ و الحزن مثل ما لحقنا من السرور. فلمّا رجعنا إلى الإمام، قال لنا: إنّ الذين في السماوات لحقهم من الفرح و الطرب بكسر هذا العدوّ للّه، كان أكثر ممّا كان بحضرتكم. و الذي كان بحضرة إبليس و عتاة مردته من الشياطين من الحزن و الغمّ أشدّ ممّا كان بحضرتهم، و لقد صلّى على هذا العبد الكاسر له ملائكة السماء و الحجب و العرش و الكرسيّ، و قابلها اللّه تعالى بالإجابة، فأكرم إيابه، و عظّم ثوابه، و لقد لعنت تلك الأملاك عدوّ اللّه المكسور، و قابلها اللّه بالإجابة، فشدّد حسابه، و أطال عذابه.
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ١ - الصفحة ٣٤٩. — الإمام الصادق عليه السلام
الراونديّ رحمه الله:... أحمد بن محمّد بن مطهّر [قال:] كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمّد عليه السلام - من أهل الجبل- يسأله عمّن وقف على أبي الحسن موسى عليه السلام، أتولّاهم، أم أتبرّأ منهم؟ فكتب عليه السلام إليه
لا تترحّم على عمّك، لا رحم اللّه عمّك، و تبرّأ منه، أنا إلى اللّه منهم بريء، فلا تتولّهم، و لا تعد مرضاهم، و لا تشهد جنائزهم، و لا تصلّ على أحد منهم مات أبدا...، سواء من جحد إماما من اللّه، أو زاد إماما ليست إمامته من اللّه، أو جحد أو قال: ثالث ثلاثة... فكان هذا- أي السائل- لم يعلم أنّ عمّه كان منهم، فأعلمه ذلك.
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ٣ - الصفحة ٢٥٦. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
الراونديّ رحمه الله:... أحمد بن محمّد بن مطهّر، [قال:] كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمّد عليه السلام - من أهل الجبل- يسأله عمّن وقف على أبي الحسن موسى عليه السلام أتولّاهم أم أتبرّأ منهم؟ فكتب عليه السلام إليه
لا تترحّم على عمّك، لا رحم اللّه عمّك، و تبرّأ منه، أنا إلى اللّه منهم بريء، فلا تتولّهم، و لا تعد مرضاهم، و لا تشهد جنائزهم، و لا تصلّ على أحد منهم مات أبدا. سواء من جحد إماما من اللّه، أو زاد إماما ليست إمامته من اللّه.... 1- ابن شهرآشوب رحمه الله:... إنّ إسحاق الكنديّ كان... أخذ في تأليف تناقض القرآن... فقال له أبو محمّد عليه السلام: أ ما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكنديّ...؟ فقال التلميذ: نحن من تلامذته، كيف يجوز منّا الاعتراض عليه...؟! فقال له أبو محمّد:... فصر إليه و تلطّف في مؤانسته و معونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت الأنسة في ذلك، فقل: قد حضرتني مسألة أسألك عنها....
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ٣ - الصفحة ٣٠٧. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
1- الراونديّ رحمه الله: روي عن أحمد بن محمّد بن مطهّر [قال:] كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمّد عليه السلام - من أهل الجبل- يسأله عمّن وقف على أبي الحسن موسى عليه السلام أتولّاهم، أم أتبرّأ منهم؟ فكتب عليه السلام إليه
لا تترحّم على عمّك، لا رحم اللّه عمّك، و تبرّأ منه، أنا إلى اللّه منهم بريء، فلا تتولّهم، و لا تعد مرضاهم، و لا تشهد جنائزهم، و لا تصلّ على أحد منهم مات أبدا، سواء من جحد إماما من اللّه، أو زاد إماما ليست إمامته من اللّه، أو جحد أو قال: ثالث ثلاثة. إنّ جاحد أمر آخرنا جاحد أمر أوّلنا، و الزائد فينا كالناقص الجاحد أمرنا، فكان هذا- أي السائل- لم يعلم أنّ عمّه كان منهم، فاعلمه ذلك.
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ٣ - الصفحة ٤٤٦. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ عليه السلام: و قال
[رسول اللّه] صلى الله عليه و آله و سلم، عن جبرئيل عليه السلام، عن اللّه تعالى، قال: قال اللّه عزّ و جلّ: يا عبادي! كلّكم ضالّ إلّا من هديته، فاسألوني الهدى أهدكم. و كلّكم فقير إلّا من أغنيته، فاسألوني الغنى أرزقكم، و كلّكم مذنب إلّا من غفرت، فاسألوني المغفرة أغفر لكم. و من علم أنّي ذو قدرة على المغفرة فاستغفرني بقدرتي غفرت له، و لا أبالي. و لو أنّ أوّلكم، و آخركم، و حيّكم، و ميّتكم، و رطبكم، و يابسكم اجتمعوا على إنقاء قلب عبد من عبادي لم يزيدوا في ملكي جناح بعوضة. و لو أنّ أوّلكم، و آخركم، و حيّكم، و ميّتكم، و رطبكم، و يابسكم اجتمعوا على إشقاء قلب عبد من عبادي لم ينقصوا من ملكي جناح بعوضة. و لو أنّ أوّلكم، و آخركم، و حيّكم، و ميّتكم، و رطبكم، و يابسكم اجتمعوا فتمنّى كلّ واحد منهم ما بلغت من أمنيّته، فأعطيته لم يتبيّن ذلك في ملكي، كما لو أنّ أحدكم مرّ على شفير البحر فغمس فيه إبرة ثمّ انتزعها، و ذلك بأنّي جواد ماجد واجد، عطائي كلام، و عذابي كلام، فإذا أردت شيئا، فإنّما أقول له: كن، فيكون. يا عبادي! اعملوا أفضل الطاعات و أعظمها، لأسامحكم و ان قصّرتم فيما سواها، و اتركوا أعظم المعاصي و أقبحها، لئلّا أناقشكم في ركوب ما عداها. إنّ أعظم الطاعات توحيدي، و تصديق نبيّي، و التسليم لمن نصبه بعده- و هو عليّ بن أبي طالب عليه السلام - و الأئمّة الطاهرين من نسله صلوات الله عليهم، و إنّ أعظم المعاصي و أقبحها عندي الكفر بي، و بنبيّي، و منابذة وليّ محمّد بعده عليّ بن أبي طالب، و أوليائه بعده. فإن أردتم أن تكونوا عندي في المنظر الأعلى، و الشرف الأشرف فلا يكوننّ أحد من عبادي آثر عندكم من محمّد صلى الله عليه و آله و سلم، و بعده من أخيه عليّ عليه السلام، و بعدهما من أبنائهما القائمين بأمور عبادي بعدهما، فإنّ من كانت تلك عقيدته جعلته من أشراف ملوك جناني. و اعلموا! أنّ أبغض الخلق إليّ من تمثّل بي، و ادّعى ربوبيّتي، و أبغضهم إليّ بعده من تمثّل بمحمّد و نازعه نبوّته و ادّعاها، و أبغضهم إليّ بعده من تمثّل بوصيّ محمّد و نازعه محلّه و شرفه و ادّعاهما، و أبغضهم إليّ بعد هؤلاء المدّعين- لما هم به لسخطي متعرّضون- من كان لهم على ذلك من المعاونين، و أبغض الخلق إليّ بعد هؤلاء من كان بفعلهم من الراضين، و ان لم يكن لهم من المعاونين. و كذلك أحبّ الخلق إليّ القوّامون بحقّي، و أفضلهم لديّ و أكرمهم عليّ محمّد سيّد الورى، و أكرمهم و أفضلهم بعده أخو المصطفى عليّ المرتضى، ثمّ من بعده من القوّامين بالقسط من أئمّة الحقّ. و أفضل الناس بعدهم من أعانهم على حقّهم، و أحبّ الخلق إليّ بعدهم من أحبّهم، و أبغض أعداءهم و إن لم يمكنه معونتهم.
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ٤ - الصفحة ٧. — الإمام العسكري عليه السلام
8- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ عليه السلام: قال
الإمام عليه السلام: قال الحسن بن عليّ عليهما السلام: إنّ اللّه تعالى ذمّ اليهود في بغضهم لجبرئيل الذي كان ينفذ قضاء اللّه فيهم بما يكرهون، و ذمّهم أيضا و ذمّ النواصب في بغضهم لجبرئيل و ميكائيل و ملائكة اللّه النازلين لتأييد عليّ بن أبي طالب عليه السلام على الكافرين حتّى أذلّهم بسيفه الصارم. فقال: قل: يا محمّد! مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ من اليهود لدفعه عن بختنصّر أن يقتله دانيال من غير ذنب كان جناه بختنصّر حتّى بلغ كتاب اللّه في اليهود أجله، و حلّ بهم ما جرى في سابق علمه، و من كان أيضا عدوّا لجبرئيل من سائر الكافرين و من أعداء محمّد و عليّ المناصبين، لأنّ اللّه تعالى بعث جبرئيل لعليّ عليه السلام مؤيّدا، و له على أعدائه ناصرا. و من كان عدوّا لجبرئيل لمظاهرته محمّدا و عليّا عليهما السلام و معاونته لهما و إنفاذه لقضاء ربّه عزّ و جلّ في إهلاك أعدائه على يد من يشاء من عباده. فَإِنَّهُ يعني جبرئيل نَزَّلَهُ يعني نزّل هذا القرآن عَلى قَلْبِكَ يا محمّد! بِإِذْنِ اللَّهِ بأمر اللّه، و هو كقوله: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ مُصَدِّقاً- موافقا- لِما بَيْنَ يَدَيْهِ. [نزّل هذا القرآن جبرئيل على قلبك يا محمّد! مصدّقا موافقا لما بين يديه] من التوراة و الإنجيل و الزبور و صحف إبراهيم و كتب شيث و غيرهم من الأنبياء. قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّ هذا القرآن هو النور المبين، و الحبل المتين، و العروة الوثقى، و الدرجة العليا، و الشفاء الأشفى، و الفضيلة الكبرى، و السعادة العظمى. من استضاء به نوّره اللّه، و من اعتقد به في أموره عصمه اللّه، و من تمسّك به أنقذه اللّه، و من لم يفارق أحكامه رفعه اللّه، و من استشفى به شفاه اللّه، و من آثره على ما سواه هداه اللّه، و من طلب الهدى في غيره أضلّه اللّه، و من جعله شعاره و دثاره أسعده اللّه، و من جعله إمامه الذي يقتدي به، و معوّله الذي ينتهي إليه أدّاه اللّه إلى جنّات النعيم، و العيش السليم. فلذلك قال: وَ هُدىً يعني هذا القرآن هدى وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ يعني بشارة لهم في الآخرة. و ذلك أنّ القرآن يأتي يوم القيامة بالرجل الشاحب، يقول لربّه عزّ و جلّ: [يا ربّ!] هذا اظمأت نهاره، و أسهرت ليله، و قوّيت في رحمتك طمعه، و فسحت في مغفرتك أمله، فكن عند ظنّي [فيك] و ظنّه. يقول اللّه تعالى: اعطوه الملك بيمينه، و الخلد بشماله، و أقرنوه بأزواجه من الحور العين، و اكسوا والديه حلّة لا تقوم لها الدنيا بما فيها. فينظر إليهما الخلائق فيعظّمونهما، و ينظران إلى أنفسهما فيعجبان منها، و يقولان: يا ربّنا! أنّى لنا هذه؟! و لم تبلغها أعمالنا؟ فيقول اللّه تعالى: و مع هذا تاج الكرامة لم ير مثله الراءون، و لا يسمع بمثله السامعون، و لا يتفكّر في مثله المتفكّرون. فيقال: هذا بتعليمكما ولدكما القرآن، و تبصير كما إيّاه بدين الإسلام، و رياضتكما إيّاه على حبّ محمّد رسول اللّه، و عليّ وليّ اللّه، و تفقيهكما إيّاه بفقههما، لأنّهما اللذان لا يقبل اللّه لأحد إلّا بولايتهما، و معاداة أعدائهما عملا، و إن كان ملء ما بين الثرى إلى العرش ذهبا تصدّق به في سبيل اللّه، فتلك من البشارات التي يبشّرون بها. و ذلك قوله عزّ و جلّ: وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ شيعة محمّد و عليّ و من تبعهم من أخلافهم و ذراريهم. ثمّ قال: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ لإنعامه على محمّد و عليّ و على آلهما الطيّبين، و هؤلاء الذين بلغ من جهلهم أن قالوا: نحن نبغض اللّه الذي أكرم محمّدا و عليّا بما يدّعيان. وَ جِبْرِيلَ و من كان عدوّا لجبريل لأنّ اللّه جعله ظهيرا لمحمّد و عليّ عليهما السلام على أعداء اللّه، و ظهيرا لسائر الأنبياء و المرسلين كذلك. وَ مَلائِكَتِهِ يعني و من كان عدوّا لملائكة اللّه المبعوثين لنصرة دين اللّه و تأييد أولياء اللّه، و ذلك قول بعض النصّاب المعاندين: برئت من جبرئيل الناصر لعليّ. و قوله تعالى: وَ رُسُلِهِ و من كان عدوّا لرسل اللّه موسى و عيسى و سائر الأنبياء، الذين دعوا إلى نبوّة محمّد و إمامة عليّ، و ذلك قول النواصب: برئنا من هؤلاء الرسل الذين دعوا إلى إمامة عليّ. ثمّ قال: وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ أي من كان عدّوا لجبرئيل و ميكائيل، و ذلك كقول من قال من النواصب لمّا قال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم في عليّ عليه السلام: جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، و إسرافيل من خلفه، و ملك الموت أمامه، و اللّه تعالى من فوق عرشه ناظر بالرضوان إليه ناصره. قال بعض النواصب: فأنا أبرأ من اللّه و [من] جبرئيل و ميكائيل و الملائكة الذين حالهم مع عليّ ما قاله محمّد. فقال: من كان عدّوا لهؤلاء تعصّبا على عليّ بن أبي طالب عليه السلام فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ فاعل بهم ما يفعل العدوّ بالعدوّ من إحلال النقمات، و تشديد العقوبات، و كان سبب نزول هاتين الآيتين ما كان من اليهود أعداء اللّه من قول سيّئ في جبرئيل و ميكائيل [و سائر ملائكة اللّه]، و ما كان من أعداء اللّه النصّاب من قول أسوأ منه في اللّه و في جبرئيل و ميكائيل و سائر ملائكة اللّه. أمّا ما كان من النصّاب فهو أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم لمّا كان لا يزال يقول في عليّ عليه السلام الفضائل التي خصّه اللّه عزّ و جلّ بها، و الشرف الذي أهلّه اللّه تعالى له، و كان في كلّ ذلك يقول: أخبرني به جبرئيل عن اللّه، و يقول في بعض ذلك: جبرئيل عن يمينه، و ميكائيل عن يساره، و يفتخر جبرئيل على ميكائيل في أنّه عن يمين عليّ عليه السلام الذي هو أفضل من اليسار كما يفتخر نديم ملك عظيم في الدنيا يجلسه [الملك] عن يمينه على النديم الآخر الذي يجلسه على يساره، و يفتخران على إسرافيل الذي خلفه بالخدمة، و ملك الموت الذي أمامه بالخدمة! و إنّ اليمين و الشمال أشرف من ذلك كافتخار حاشية الملك على زيادة قرب محلّهم من ملكهم. و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يقول في بعض أحاديثه: إنّ الملائكة أشرفها عند اللّه أشدّها لعليّ بن أبي طالب عليه السلام حبّا، و إنّ قسم الملائكة فيما بينهم و الذي شرّف عليّا عليه السلام على جميع الورى بعد محمّد المصطفى. و يقول مرّة [أخرى]: إنّ ملائكة السماوات و الحجب ليشتاقون إلى رؤية عليّ بن أبي طالب عليه السلام كما تشتاق الوالدة الشفيقة إلى ولدها البارّ الشفيق آخر من بقي عليها بعد عشرة دفنتهم. فكان هؤلاء النصّاب يقولون: إلى متى يقول محمّد جبرئيل و ميكائيل و الملائكة كلّ ذلك تفخيم لعليّ و تعظيم لشأنه، و يقول اللّه تعالى لعليّ خاصّ من دون سائر الخلق، برئنا من ربّ و من ملائكة و من جبرئيل و ميكائيل هم لعليّ بعد محمّد مفضّلون، و برئنا من رسل اللّه الذين هم لعليّ بن أبي طالب بعد محمّد مفضّلون. و أمّا ما قاله اليهود فهو أنّ اليهود- أعداء اللّه- لمّا قدم رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم المدينة أتوه بعبد اللّه بن صوريا، فقال: يا محمّد! كيف نومك؟ فإنّا قد أخبرنا عن نوم النبيّ الذي يأتي في آخر الزمان. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: تنام عيني، و قلبي يقظان. قال: صدقت، يا محمّد! قال: و أخبرني يا محمّد! الولد يكون من الرجل، أو من المرأة؟ فقال النبيّ صلى الله عليه و آله و سلم: أمّا العظام و العصب و العروق فمن الرجل، و أمّا اللحم و الدم و الشعر فمن المرأة. قال: صدقت، يا محمّد! ثمّ قال: فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شيء، و يشبه أخواله ليس فيه من شبه أعمامه شيء؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: أيّهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له. قال: صدقت، يا محمّد! فأخبرني عمّن لا يولد له [و من يولد له]؟ فقال: إذا مغرت النطفة لم يولد له- أي إذا احمرّت و كدرت- فإذا كانت صافية ولد له. فقال: أخبرني عن ربّك ما هو؟ فنزلت قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ إلى آخرها. فقال ابن صوريا: صدقت، [يا محمّد!] خصلة بقيت إن قلتها آمنت بك و اتّبعتك، أيّ ملك يأتيك بما تقوله عن اللّه؟ قال: جبرئيل. قال ابن صوريا: ذلك عدوّنا من بين الملائكة، ينزل بالقتال و الشدّة و الحرب، و رسولنا ميكائيل يأتي بالسرور و الرخاء، فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنّا بك، لأنّه كان يشدّد ملكنا و جبرئيل كان يهلك ملكنا فهو عدوّنا لذلك. فقال له سلمان الفارسيّ ( رضي الله عنه ): و ما بدء عداوته لكم؟ قال: نعم، يا سلمان! عادانا مرارا كثيرة، و كان من أشدّ ذلك علينا أنّ اللّه أنزل على أنبيائه أنّ بيت المقدس يخرب على يد رجل يقال له: بختنصّر، و في زمانه أخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، و اللّه يحدث الأمر بعد الأمر، فيمحو ما يشاء و يثبت. فلمّا بلغ ذلك الحين الذي يكون فيه هلاك بيت المقدس بعث أوائلنا رجلا من أقوياء بني إسرائيل و أفاضلهم- كان يعدّ من أنبيائهم- يقال له: دانيال في طلب بختنصّر ليقتله فحمل معه وقر مال، لينفقه في ذلك. فلمّا انطلق في طلبه لقيه ببابل غلاما ضعيفا مسكينا ليس له قوّة و لا منعة، فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبرئيل، و قال لصاحبنا: إن كان ربّكم هو الذي أمره بهلاككم فإنّ اللّه لا يسلّطك عليه، و إن لم يكن هذا فعلى أيّ شيء تقتله، فصدّقه صاحبنا و تركه و رجع إلينا، فأخبرنا بذلك، و قوي بختنصّر، و ملك و غزانا، و خرّب بيت المقدس، فلهذا نتّخذه عدّوا و ميكائيل عدوّ لجبرئيل. فقال سلمان: يا ابن صوريا! بهذا العقل المسلوك به غير سبيله ضللتم، أ رأيتم أوائلكم كيف بعثوا من يقتل بختنصّر، و قد أخبر اللّه تعالى في كتبه على ألسنة رسله أنّه يملك و يخرّب بيت المقدس، و أرادوا تكذيب أنبياء اللّه في أخبارهم، و اتّهموهم في [أخبارهم] أو صدّقوهم في الخبر عن اللّه. و مع ذلك أرادوا مغالبة اللّه، هل كان هؤلاء و من وجّهوه إلّا كفّارا باللّه، و أيّ عداوة يجوز أن يعتقد لجبرئيل، و هو يصدّ عن مغالبة اللّه عزّ و جلّ و ينهى عن تكذيب خبر اللّه تعالى. فقال ابن صوريا: قد كان اللّه تعالى أخبر بذلك على ألسن أنبيائه، و لكنّه يمحو ما يشاء و يثبت. قال سلمان: فإذا لا تثقوا بشيء ممّا في التوراة من الأخبار عمّا مضى و ما يستأنف، فإنّ اللّه يمحو ما يشاء و يثبت، و إذا لعلّ اللّه قد كان عزل موسى و هارون عن النبوّة، و أبطلا في دعواهما، لأنّ اللّه يمحو ما يشاء و يثبت، و لعلّ كلّ ما أخبراكم أنّه يكون لا يكون، و ما أخبراكم أنّه لا يكون يكون، و كذلك ما أخبراكم عمّا كان لعلّه لم يكن، و ما أخبراكم أنّه لم يكن لعلّه كان، و لعلّ ما وعده من الثواب يمحوه، و لعلّ ما توعّده من العقاب يمحوه، فإنّه يمحو ما يشاء و يثبت، إنّكم جهلتم معنى يمحو اللّه ما يشاء و يثبت، فلذلك أنتم باللّه كافرون، و لأخباره عن الغيوب مكذّبون، و عن دين اللّه منسلخون. ثمّ قال سلمان: فإنّي أشهد أنّ من كان عدّوا لجبرئيل فإنّه عدوّ لميكائيل، و إنّهما جميعا عدوّان لمن عاداهما، سلمان لمن سالمهما. فأنزل اللّه عزّ و جلّ [عند ذلك] موافقا لقول سلمان (ره): قُلْ مَنْ كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ في مظاهرته لأولياء اللّه على أعداء اللّه، و نزوله بفضائل عليّ وليّ اللّه من عند اللّه فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ فإنّ جبرئيل نزّل هذا القرآن عَلى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ بأمر اللّه مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ من سائر كتب اللّه وَ هُدىً من الضلالة وَ بُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ بنبوّة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و ولاية عليّ عليه السلام و من بعده من الأئمّة بأنّهم أولياء اللّه حقّا إذا ماتوا على موالاتهم لمحمّد و عليّ و آلهما الطيّبين. ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: يا سلمان! إنّ اللّه صدّق قيلك و وثّق رأيك، و إنّ جبرئيل عن اللّه تعالى يقول: يا محمّد! سلمان و المقداد أخوان متصافيان في ودادك و وداد عليّ أخيك و وصيّك و صفيّك، و هما في أصحابك كجبرئيل و ميكائيل في الملائكة [عدوّان لمن أبغض أحدهما، و وليّان لمن والاهما و و الى محمّدا و عليّا، و] عدوّان لمن عادى محمّدا و عليّا و أولياءهما. و لو أحبّ أهل الأرض سلمان و المقداد كما يحبّهما ملائكة السماوات و الحجب و الكرسيّ و العرش لمحض و دادهما لمحمّد و عليّ و موالاتهما لأوليائهما و معاداتهما لأعدائهما، لما عذّب اللّه تعالى أحدا منهم بعذاب البتّة. قال الحسن بن عليّ عليهما السلام: فلمّا قال ذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم في سلمان و المقداد، سرّ به المؤمنون و انقادوا، و ساء ذلك المنافقين فعاندوا و عابوا و قالوا: يمدح محمّد الأباعد و يترك الأدنين من أهله لا يمدحهم و لا يذكرهم. فاتّصل ذلك برسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فقال: ما لهم- لحاهم اللّه- يبغون للمسلمين السوء، و هل نال أصحابي ما نالوه من درجات الفضل إلّا بحبّهم لي و لأهل بيتي، و الذي بعثني بالحقّ نبيّا إنّكم لن تؤمنوا حتّى يكون محمّد و آله أحبّ إليكم من أنفسكم و أهليكم و أموالكم و من في الأرض جميعا. ثمّ دعا بعليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام فغمّتهم بعباءته القطوانيّة. ثمّ قال: هؤلاء خمسة لا سادس لهم من البشر. ثمّ قال: أنا حرب لمن حاربهم، و سلم لمن سالمهم. فقامت أمّ سلمة و رفعت جانب العباء لتدخل، فكفّها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و قال: لست هناك، و إن كنت في خير و إلى خير، فانقطع عنها طمع البشر، و كان جبرئيل معهم، فقال: يا رسول اللّه! و أنا سادسكم؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: نعم! أنت سادسنا، فارتقى السماوات، و قد كساه اللّه من زيادة الأنوار ما كادت الملائكة لا تبيّنه حتّى قال: بخّ بخّ من مثلي، أنا جبرئيل سادس محمّد و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين عليهم السلام. و ذلك ما فضّل اللّه به جبرئيل على سائر الملائكة في الأرضين و السماوات. قال: ثمّ تناول رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم الحسن بيمينه و الحسين بشماله، فوضع هذا على كاهله الأيمن، و هذا على كاهله الأيسر، ثمّ وضعهما على الأرض. فمشى بعضهما إلى بعض يتجاذبان ثمّ اصطرعا، فجعل رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يقول للحسن: إيها [يا] أبا محمّد! فيقوى الحسن و يكاد يغلب الحسين، [ثمّ يقوى الحسين عليه السلام فيقاومه]. فقالت فاطمة عليها السلام: يا رسول اللّه! أ تشجّع الكبير على الصغير؟ فقال لها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: يا فاطمة! أما إنّ جبرئيل و ميكائيل كما قلت للحسن: إيها [يا] أبا محمّد، قالا للحسين: إيها [يا] أبا عبد اللّه! فلذلك تقاوما و تساويا. أما إنّ الحسن و الحسين حين كان يقول رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم للحسن: إيها أبا محمّد! و يقول جبرئيل: إيها أبا عبد اللّه! لو رام كلّ واحد منهما حمل الأرض بما عليها من جبالها و بحارها و تلالها، و سائر ما على ظهرها لكان أخفّ عليهما من شعرة على أبدانهما. و إنّما تقاوما لأنّ كلّ واحد منهما نظير الآخر، هذان قرّتا عيني، هذان ثمرتا فؤادي، هذان سندا ظهري، هذان سيّدا شباب أهل الجنّة من الأوّلين و الآخرين، و أبوهما خير منهما، و جدّهما رسول اللّه خيرهم أجمعين. فلمّا قال ذلك رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، قالت اليهود و النواصب: إلى الآن كنّا نبغض جبرئيل وحده، و الآن قد صرنا نبغض ميكائيل أيضا لادّعائهما لمحمّد و عليّ إيّاهما و لولديه. فقال اللّه عزّ و جلّ: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَ مَلائِكَتِهِ وَ رُسُلِهِ وَ جِبْرِيلَ وَ مِيكالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ.
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ٤ - الصفحة ٢٨٤. — الإمام العسكري عليه السلام
30- أبو منصور الطبرسيّ رحمه الله: و بالإسناد المقدّم ذكره عن أبي محمّد العسكريّ، عن عليّ بن الحسين زين العابدين عليهم السلام أنّه قال
كان أمير المؤمنين عليه السلام قاعدا ذات يوم فأقبل إليه رجل من اليونانيّين المدّعين للفلسفة و الطبّ، فقال له: يا أبا الحسن! بلغني خبر صاحبك، و أنّ به جنونا و جئت لأعالجه فلحقته قد مضى لسبيله و فاتنى ما أردت من ذلك، و قد قيل لي: إنّك ابن عمّه و صهره، و أرى بك صفارا قد علاك، و ساقين دقيقين، و لما أراهما تقلّانك، فأمّا الصفار فعندي دواؤه، و أمّا الساقان الدقيقان فلا حيلة لي لتغليظهما. و الوجه أن ترفق بنفسك في المشي تقلّله و لا تكثره، و فيما تحمله على ظهرك، و تحتضنه بصدرك أن تقلّلهما و لا تكثرهما فإنّ ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل ثقيل انقصافهما. و أمّا الصفار فدواؤه عندي و هو هذا- و أخرج دوائا- و قال: هذا لا يؤذيك و لا يخيسك، و لكنّه يلزمك حميّة من اللحم أربعين صباحا، ثمّ يزيل صفارك. فقال له عليّ بن أبي طالب عليه السلام: قد ذكرت نفع هذا الدواء لصفاري، فهل تعرف شيئا يزيد فيه، و يضرّه؟ فقال الرجل: بلى! حبّة من هذا- و أشار إلى دواء معه- و قال: إن تناوله إنسان، و به صفار أماته من ساعته، و إن كان لا صفار به صار به صفار حتّى يموت في يومه. فقال عليّ عليه السلام: فأرني هذا الضارّ، فأعطاه إيّاه. فقال له: كم قدر هذا؟ قال: قدر مثقالين سمّ ناقع، قدر كلّ حبّة منه يقتل رجلا. فتناوله عليّ عليه السلام فقمحه و عرق عرقا خفيفا، و جعل الرجل يرتعد، و يقول في نفسه: الآن أؤخذ بابن أبي طالب، و يقال لي: قتلته، و لا يقبل منّي قولي: إنّه هو الجاني على نفسه. فتبسّم عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و قال: يا عبد اللّه! أصحّ ما كنت بدنا الآن لم يضرّني ما زعمت أنّه سمّ. ثمّ قال: فغمّض عينيك، فغمّض، ثمّ قال: افتح عينيك! ففتح، و نظر إلى وجه عليّ بن أبي طالب عليه السلام فإذا هو أبيض أحمر مشرب حمرة، فارتعد الرجل لما رآه، و تبسّم عليّ عليه السلام، و قال: أين الصفار الذي زعمت أنّه بي؟ فقال: و اللّه! لكأنّك لست من رأيت، قبل كنت مصفرّا، فأنت الآن مورّد. فقال عليّ عليه السلام: فزال عنّي الصفار الذي تزعم أنّه قاتلي. و أمّا ساقاي هاتان، و مدّ رجليه و كشف عن ساقيه، فإنّك زعمت أنّي أحتاج إلى أن أرفق ببدني في حمل ما أحمل عليه لئلّا ينقصف الساقان، و أنا أريك أنّ طبّ اللّه عزّ و جلّ على خلاف طبّك، و ضرب بيده إلى أسطوانة خشب عظيمة على رأسها سطح مجلسه الذي هو فيه، و فوقه حجرتان إحداهما فوق الأخرى و حرّكها فاحتملها، فارتفع السطح و الحيطان و فوقهما الغرفتان، فغشي على اليونانيّ. فقال عليّ عليه السلام: صبّوا عليه ماء، فصبّوا عليه ماء فأفاق، و هو يقول: و اللّه، ما رأيت كاليوم عجبا. فقال له عليّ عليه السلام: هذه قوّة الساقين الدقيقين و احتمالهما، أ في طبّك هذا يا يونانيّ!؟ فقال اليوناني: أمثلك كان محمّدا؟ فقال عليّ عليه السلام: و هل علمي إلّا من علمه، و عقلي إلّا من عقله، و قوّتي إلّا من قوّته، و لقد أتاه ثقفيّ و كان أطبّ العرب. فقال له: إن كان بك جنون داويتك؟ فقال له محمّد صلى الله عليه و آله و سلم: أ تحبّ أن أريك آية تعلم بها غناي من طبّك و حاجتك إلى طبّي؟ قال: نعم، قال: أيّ آية تريد؟ قال: تدعو ذلك العذق- و أشار إلى نخلة سحوق- فدعاه، فانقلع أصلها من الأرض، و هي تخدّ الأرض خدّا حتّى وقفت بين يديه. فقال له: أكفاك؟ قال: لا، قال: فتريد ما ذا؟ قال: تأمرها أن ترجع إلى حيث جاءت منه، و تستقرّ في مقرّها الذي انقلعت منه، فأمرها، فرجعت، و استقرّت في مقرّها. فقال اليونانيّ لأمير المؤمنين عليه السلام: هذا الذي تذكره عن محمّد صلى الله عليه و آله و سلم غائب عنّي، و أنا أقتصر منك على أقلّ من ذلك أنا أتباعد عنك فادعني، و أنا لا أختار الإجابة، فإن جئت بي إليك فهي آية. قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّما يكون آية لك وحدك لأنّك تعلم من نفسك أنّك لم تردّه، و أنّي أزلت اختيارك من غير أن باشرت منّي شيئا، أو ممّن أمرته بأن يباشرك، أو ممّن قصد إلى اختيارك، و إن لم آمره إلّا ما يكون من قدرة اللّه القاهرة، و أنت يا يونانيّ! يمكنك أن تدّعي و يمكن غيرك أن يقول: إنّي واطأتك على ذلك، فاقترح إن كنت مقترحا ما هو آية لجميع العالمين. قال له اليونانيّ: إن جعلت الاقتراح إليّ فأنا أقترح أن تفصل أجزاء تلك النخلة و تفرّقها و تباعد ما بينها تجمعها، و تعيدها كما كانت؟ فقال عليّ عليه السلام: هذه آية و أنت رسولي إليها- يعني إلى النخلة- فقل لها: إنّ وصيّ محمّد رسول اللّه يأمر أجزائك أن تتفرّق و تتباعد. فذهب فقال لها ذلك، فتفاصلت و تهافتت و تنثّرت و تصاغرت أجزائها حتّى لم ير لها عين و لا أثر، حتّى كأن لم تكن هناك نخلة قطّ. فارتعدت فرائص اليونانيّ، و قال: يا وصيّ محمّد رسول اللّه! قد أعطيتني اقتراحي الأوّل، فأعطني الآخر، فأمرها أن تجتمع و تعود كما كانت. فقال: أنت رسولي إليها! فعد و قل لها: يا أجزاء النخلة! إنّ وصيّ محمّد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يأمرك أن تجتمعي كما كنت و أن تعودي. فنادى اليونانيّ، فقال ذلك، فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور، ثمّ جعلت تجتمع جزء جزء منها حتّى تصوّر لها القضبان و الأوراق و أصول السعف و شماريخ الأعذاق. ثمّ تألّفت و تجمّعت و استطالت و عرضت و استقرّ أصلها في مقرّها، و تمكّن عليها ساقها، و تركّب على الساق قضبانها، و على القضبان أوراقها، و في أمكنتها أعذاقها، و كانت في الابتداء شماريخها متجرّدة لبعدها من أوان الرطب و البسر و الخلال. فقال اليونانيّ: و أخرى أحبّها أن تخرج شماريخها أخلالها، و تقلّبها من خضرة إلى صفرة و حمرة و ترطيب و بلوغ إناه لتأكل و تطعمني و من حضرك منها؟ فقال عليّ عليه السلام: أنت رسولي إليها بذلك، فمرها به. فقال لها اليونانيّ: ما أمره أمير المؤمنين عليه السلام، فأخلّت و أبسرت و اصفرّت و احمرّت و ترطّبت، و ثقلت أعذاقها برطبها. فقال اليونانيّ: و أخرى أحبّها تقرّب بين يدي أعذاقها، أو تطول يدي لتنالها و أحبّ شيء إليّ أن تنزل إليّ إحداهما، و تطول يدي إلى الأخرى التي هي أختها. فقال أمير المؤمنين عليه السلام: مدّ اليد التي تريد أن تنالها و قل: «يا مقرّب البعيد! قرّب يدي منها». و اقبض الأخرى التي تريد أن ينزل العذق إليها، و قل: «يا مسهّل العسير! سهّل لي تناول ما يبعد عنّي منها». ففعل ذلك، و قاله، فطالت يمناه، فوصلت إلى العذق و انحطّت الأعذاق الآخر، فسقطت على الأرض، و قد طالت عراجينها. ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السلام: إنّك إن أكلت منها، و لم تؤمن بمن أظهر لك من عجائبها عجّل اللّه عزّ و جلّ إليك من العقوبة التي يبتليك بها ما يعتبر به عقلاء خلقه و جهّالهم. فقال اليونانيّ: إنّي إن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في العناد، و تناهيت في التعرّض للهلاك، أشهد أنّك من خاصّة اللّه، صادق في جميع أقاويلك عن اللّه، فأمرني بما تشاء أطعك. قال عليّ عليه السلام: آمرك أن تقرّ للّه بالوحدانيّة، و تشهد له بالجود و الحكمة، و تنزّهه عن العبث و الفساد، و عن ظلم الإماء و العباد. و تشهد أنّ محمّدا الذي أنا وصيّه سيّد الأنام، و أفضل رتبة في دار السلام، و تشهد أنّ عليّا الذي أراك ما أراك و أولاك من النعم ما أولاك خير خلق اللّه بعد محمّد رسول اللّه، و أحقّ خلق اللّه بمقام محمّد صلى الله عليه و آله و سلم بعده، و بالقيام بشرائعه و أحكامه، و تشهد أنّ أوليائه أولياء اللّه، و أعدائه أعداء اللّه، و أنّ المؤمنين المشاركين لك فيما كلّفتك المساعدين لك على ما به أمرتك خير أمّة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم، و صفوة شيعة عليّ. و آمرك أن تواسي إخوانك المطابقين لك على تصديق محمّد صلى الله عليه و آله و سلم، و تصديقي و الانقياد له ولي ممّا رزقك اللّه و فضّلك على من فضّلك به منهم تسدّ فاقتهم، و تجبر كسرهم و خلّتهم، و من كان منهم في درجتك في الإيمان ساويته من مالك بنفسك، و من كان منهم فاضلا عليك في دينك آثرته بما لك على نفسك حتّى يعلم اللّه منك أنّ دينه آثر عنك من مالك، و أنّ أوليائه أكرم عليك من أهلك و عيالك. و آمرك أن تصون دينك و علمنا الذي أودعناك، و أسرارنا التي حمّلناك، و لا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، و يقابلك من أهلها بالشتم و اللعن و التناول من العرض و البدن، و لا تفش سرّنا إلى من يشنع علينا عند الجاهلين بأحوالنا و لا تعرض أوليائنا لبوادر الجهّال. و آمرك أن تستعمل التقيّة في دينك، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً. و قد أذنت لك في تفضيل أعدائنا [علينا] إن ألجاك الخوف إليه، و في إظهار البراءة منّا إن حملك الوجل عليه، و في ترك الصلوات المكتوبات إن خشيت على حشاشتك الآفات و العاهات. فإنّ تفضيلك أعدائنا علينا عند خوفك لا ينفعهم و لا يضرّنا، و إنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيّتك لا يقدح فينا و لا ينقصنا. و لأن تبرّأت منّا ساعة بلسانك و أنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها و ما لها الذي به قيامها و جاهها الذي به تماسكها، و تصون من عرف بذلك، و عرفت به من أوليائنا و إخواننا و أخواتنا من بعد ذلك بشهور و سنين إلى أن يفرّج اللّه تلك الكربة، و تزول به تلك الغمّة، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرّض للهلاك، و تنقطع به عن عمل في الدين، و صلاح إخوانك المؤمنين. و إيّاك ثمّ إيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك و دماء إخوانك معرض لنعمك و نعمهم للزوال، مذلّ لهم في أيدي أعداء دين اللّه، و قد أمرك اللّه بإعزازهم، فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على نفسك و إخوانك أشدّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا.
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ٤ - الصفحة ٣٧٠. — الإمام السجاد عليه السلام
3- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ عليه السلام: قال
محمّد بن عليّ الباقر عليهما السلام: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم لمّا قدم المدينة و ظهرت آثار صدقه و آيات حقّه و بيّنات نبوّته، كادته اليهود أشدّ كيد، و قصدوه أقبح قصد، يقصدون أنواره ليطمسوها، و حججه ليبطلوها، فكان ممّن قصده للردّ عليه و تكذيبه مالك بن الصيف، و كعب بن الأشرف، و حييّ بن أخطب، و جديّ بن أخطب، [و أبو ياسر بن أخطب]، و أبو لبابة بن عبد المنذر، و شعبة. فقال مالك لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: يا محمّد! تزعم أنّك رسول اللّه؟ قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: كذلك قال اللّه خالق الخلق أجمعين. قال: يا محمّد! لن نؤمن لك أنّك رسول اللّه حتّى يؤمن لك هذا البساط الذي تحتنا، و لن نشهد أنّك عن اللّه جئتنا حتّى يشهد لك هذا البساط. و قال أبو لبابة بن عبد المنذر: لن نؤمن لك يا محمّد أنّك رسول اللّه، و لا نشهد لك به حتّى يؤمن و يشهد لك هذا السوط الذي في يدي. و قال كعب بن الأشرف: لن نؤمن لك أنّك رسول اللّه، و لن نصدّقك به حتّى يؤمن لك هذا الحمار (الذي أركبه). فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّه ليس للعباد الاقتراح على اللّه تعالى، بل عليهم التسليم للّه، و الانقياد لأمره و الاكتفاء بما جعله كافيا، أ ما كفاكم أن أنطق التوراة و الإنجيل و الزبور و صحف إبراهيم بنبوّتي، و دلّ على صدقي، و بيّن [لكم] فيها ذكر أخي و وصيّي و خليفتي، و خير من أتركه على الخلائق من بعدي عليّ بن أبي طالب، و أنزل عليّ هذا القرآن الباهر للخلق أجمعين، المعجز لهم عن أن يأتوا بمثله، و أن يتكلّفوا شبهه. و أمّا هذا الذي اقترحتموه، فلست أقترحه على ربّي عزّ و جلّ، بل أقول إنّما أعطاني ربّي تعالى من (دلالة هو) حسبي و حسبكم، فإن فعل عزّ و جلّ ما اقترحتموه، فذاك زائد في تطوّله علينا و عليكم، و إن منعنا ذلك فلعلمه بأنّ الذي فعله كاف فيما أراده منّا. قال: فلمّا فرغ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم من كلامه هذا، أنطق اللّه البساط، فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، إلها واحدا أحدا صمدا [حيّا] قيّوما أبدا، لم يتّخذ صاحبة و لا ولدا، و لم يشرك في حكمه أحدا. و أشهد أنّك- يا محمّد- عبده و رسوله، أرسلك بالهدى و دين الحقّ، ليظهرك على الدين كلّه، و لو كره المشركون. و أشهد أنّ عليّ بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف أخوك و وصيّك، و خليفتك في أمّتك، و خير من تتركه على الخلائق بعدك، و أنّ من والاه فقد والاك، و من عاداه فقد عاداك، و من أطاعه فقد أطاعك، و من عصاه فقد عصاك، و أنّ من أطاعك فقد أطاع اللّه، و استحقّ السعادة برضوانه، و أنّ من عصاك فقد عصى اللّه، و استحقّ أليم العذاب بنيرانه. قال: فعجب القوم، و قال بعضهم لبعض: ما هذا إلّا سحر مبين، فاضطرب البساط و ارتفع، و نكّس مالك بن الصيف و أصحابه عنه حتّى وقعوا على رءوسهم و وجوههم. ثمّ أنطق اللّه تعالى البساط ثانيا، فقال: أنا بساط أنطقني اللّه، و أكرمني بالنطق بتوحيده و تمجيده، و الشهادة لمحمّد صلى الله عليه و آله و سلم نبيّه، بأنّه سيّد أنبيائه و رسوله إلى خلقه، و القائم بين عباد اللّه بحقّه، و [ب] إمامة أخيه و وصيّه و وزيره و شقيقه و خليله، و قاضي ديونه، و منجز عداته، و ناصر أوليائه، و قامع أعدائه، و الانقياد لمن نصبه إماما و وليّا، و البراءة ممّن اتّخذه منابذا أو عدوّا، فما ينبغي لكافر أن يطأني و لا [أن] يجلس عليّ، إنّما يجلس عليّ المؤمنون. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم لسلمان و المقداد و أبي ذرّ و عمّار: قوموا فاجلسوا عليه، فإنّكم بجميع ما شهد به هذا البساط مؤمنون، فجلسوا عليه. ثمّ أنطق اللّه عزّ و جلّ سوط أبي لبابة بن عبد المنذر، فقال: أشهد أن لا إله إلّا اللّه خالق الخلق، و باسط الرزق، و مدبّر الأمور، و القادر على كلّ شيء. و أشهد أنّك يا محمّد! عبده و رسوله و صفيّه و خليله و حبيبه و وليّه و نجيّه، جعلك السفير بينه و بين عباده لينجي بك السعداء، و يهلك بك الأشقياء. و أشهد أنّ عليّ بن أبي طالب المذكور في الملأ الأعلى بأنّه سيّد الخلق بعدك، و أنّه المقاتل على تنزيل كتابك ليسوق مخالفيه إلى قبوله طائعين و كارهين، ثمّ المقاتل بعد على تأويله المحرّفين الذين غلبت أهواءهم عقولهم، فحرّفوا تأويل كتاب اللّه تعالى و غيّروه، و السابق إلى رضوان اللّه أولياء اللّه بفضل عطيّته، و القاذف في نيران اللّه أعداء اللّه بسيف نقمته، و المؤثرين لمعصيته و مخالفته. قال: ثمّ انجذب السوط من يد أبي لبابة، و جذب أبا لبابة، فخرّ لوجهه، ثمّ قام بعد فجذبه السوط، فخرّ لوجهه. ثمّ لم يزل كذلك مرارا حتّى قال أبو لبابة: ويلي، مالي؟ [قال:] فأنطق اللّه عزّ و جلّ السوط، فقال: يا أبا لبابة! إنّي سوط قد أنطقني اللّه بتوحيده، و أكرمني بتمجيده و شرّفني بتصديق نبوّة محمّد سيّد عبيده، و جعلني ممّن يوالي خير خلق اللّه بعده، و أفضل أولياء اللّه من الخلق حاشاه، و المخصوص بابنته سيّدة النسوان، و المشرّف ببيتوتته على فراشه أفضل الجهاد، و المذلّ لأعدائه بسيف الانتقام، و البيان (في أمّته بعلوم) الحلال و الحرام و الشرائع و الأحكام، ما ينبغي لكافر مجاهر بالخلاف على محمّد أن يبتذلني و يستعملني، و لا أزال أجذبك حتّى أثخنك ثمّ أقتلك و أزول عن يدك، أو تظهر الإيمان بمحمّد صلى الله عليه و آله و سلم، فقال أبو لبابة: فأشهد بجميع ما شهدت به أيّها السوط و أعتقده و أومن به، فنطق السوط: ها أنا ذا قد تقرّرت في يدك لإظهارك الإيمان، و اللّه أولى بسريرتك، و هو الحاكم لك أو عليك في يوم الوقت المعلوم. قال عليه السلام: و لم يحسن إسلامه، و كانت منه هنات و هنات. فلمّا قام القوم من عند رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم جعلت اليهود يسرّ بعضها إلى بعض بأنّ محمّدا لمؤتى له، و مبخوت في أمره، و ليس بنبيّ صادق. و جاء كعب بن الأشرف يركب حماره، فشبّ به الحمار، و صرعه على رأسه، فأوجعه، ثمّ عاد يركبه فعاد عليه الحمار بمثل صنيعه، ثمّ عاد يركبه فعاد عليه الحمار بمثل صنيعه. فلمّا كان في السابعة [أ] و الثامنة أنطق اللّه تعالى الحمار، فقال: يا عبد اللّه! بئس العبد أنت، شاهدت آيات اللّه و كفرت بها، و أنا حمار قد أكرمني اللّه عزّ و جلّ بتوحيده، فأنا أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، خالق الأنام، ذو الجلال و الإكرام. و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، سيّد أهل دار السلام، مبعوث لإسعاد من سبق في علم اللّه سعادته، و إشقاء من سبق الكتاب عليه بالشقاء له. و أشهد أنّ بعليّ بن أبي طالب [وليّه و وصيّ رسوله] يسعد اللّه من يسعده إذا وفّقه لقبول موعظته، و التأدّب بآدابه، و الائتمار لأوامره، و الانزجار بزواجره، و أنّ اللّه تعالى بسيوف سطوته و صولات نقمته يكبّ و يخزي أعداء محمّد حتّى يسوقهم بسيفه الباتر، و دليله الواضح القاهر إلى الإيمان به أو يقذفه [اللّه] في الهاوية إذا أبى إلّا تماديا في غيّه، و امتدادا في طغيانه و عمهه ما ينبغي لكافر أن يركبني، بل لا يركبني إلّا مؤمن باللّه، مصدّق بمحمّد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم في جميع أقواله، مصوّب له في جميع أفعاله، فاعل أشرف الطاعات في نصبه أخاه عليّا وصيّا و وليّا، و لعلمه وارثا، و بدينه قيّما، و على أمته مهيمنا، و لديونه قاضيا، و لعداته منجزا، و لأوليائه مواليا، و لأعدائه معاديا. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: يا كعب بن الأشرف! حمارك خير منك، و قد أبى أن تركبه [فلن تركبه أبدا]، فبعه من بعض إخواننا المؤمنين. [ف] قال كعب: لا حاجة لي فيه بعد أن ضرب بسحرك. فناداه حماره: يا عدوّ اللّه! كفّ عن تهجّم محمّد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، [و اللّه] لو لا كراهة مخالفة رسول اللّه لقتلتك، و وطيتك بحوافري، و لقطعت رأسك بأسناني، فخزي و سكت، و اشتدّ جزعه ممّا سمع من الحمار، و مع ذلك غلب عليه الشقاء، و اشترى الحمار منه ثابت بن قيس بمائة دينار،- و كان يركبه و يجيء عليه إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و هو تحته هيّن ليّن ذليل كريم، يقيه المتالف، و يرفق به في المسالك-. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: يا ثابت! هذا لك، و أنت مؤمن يرتفق بمرتفقين. قال: فلمّا انصرف القوم من عند رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و لم يؤمنوا أنزل اللّه: يا محمّد! إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ [في العظة] أَ أَنْذَرْتَهُمْ- وعظتهم و خوّفتهم- أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لا يصدّقون بنبوّتك، و هم قد شاهدوا هذه الآيات و كفروا، فكيف يؤمنون بك عند قولك و فعالك.
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ٤ - الصفحة ٣٨٣. — الإمام العسكري عليه السلام
17- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ عليه السلام: قال
الإمام عليه السلام: قال موسى بن جعفر عليهما السلام: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم لمّا قدم المدينة كثر حوله المهاجرون و الأنصار و كثرت عليه المسائل، و كانوا يخاطبونه بالخطاب الشريف العظيم الذي يليق به صلى الله عليه و آله و سلم، و ذلك أنّ اللّه تعالى كان قال لهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَ لا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَ أَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ. و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم بهم رحيما، و عليهم عطوفا، و في إزالة الآثام عنهم مجتهدا حتّى إنّه كان ينظر إلى كلّ من يخاطبه، فيعمل على أن يكون صوته صلى الله عليه و آله و سلم مرتفعا على صوته ليزيل عنه ما توعّده اللّه [به] من إحباط أعماله حتّى إنّ رجلا أعرابيّا ناداه يوما و هو خلف حائط بصوت له جهوريّ: يا محمّد! فأجابه بأرفع من صوته، يريد أن لا يأثم الأعرابيّ بارتفاع صوته. فقال له الأعرابيّ: أخبرني عن التوبة إلى متى تقبل؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: يا أخا العرب! إنّ بابها مفتوح لابن آدم لا يسدّ حتّى تطلع الشمس من مغربها، و ذلك قوله تعالى: هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ- و هو طلوع الشمس من مغربها- لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمانُها لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. و قال موسى بن جعفر عليهما السلام: و كانت هذه اللفظة راعِنا من ألفاظ المسلمين الذين يخاطبون بها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يقولون: راعنا، أي ارع أحوالنا، و اسمع منّا كما نسمع منك، و كان في لغة اليهود معناها اسمع. لا سمعت. فلمّا سمع اليهود المسلمين يخاطبون بها رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يقولون: راعنا، و يخاطبون بها، قالوا: إنّا كنّا نشتم محمّدا إلى الآن سرّا، فتعالوا الآن نشتمه جهرا، و كانوا يخاطبون رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و يقولون: راعنا، و يريدون شتمه. ففطن لهم سعد بن معاذ الأنصاريّ فقال: يا أعداء اللّه! عليكم لعنة اللّه، أراكم تريدون سبّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، و توهمونا أنّكم تجرون في مخاطبته مجرانا، و اللّه! لا سمعتها من أحد منكم إلّا ضربت عنقه، و لو لا أنّي أكره أن أقدم عليكم قبل التقدّم و الاستيذان له و لأخيه و وصيّه عليّ بن أبي طالب عليهما السلام القيّم بأمور الأمّة نائبا عنه فيها، لضربت عنق من قد سمعته منكم يقول هذا، فأنزل اللّه يا محمّد! مِنَ الَّذِينَ هادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَ يَقُولُونَ سَمِعْنا وَ عَصَيْنا وَ اسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَ راعِنا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَ طَعْناً فِي الدِّينِ- إلى قوله- فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا. و أنزل: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا يعني فإنّها لفظة يتوصّل بها أعداؤكم من اليهود إلى شتم رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و شتمكم. وَ قُولُوا انْظُرْنا أي قولوا بهذه اللفظة لا بلفظة راعنا، فإنّه ليس فيها ما في قولكم راعنا، و لا يمكنهم أن يتوصّلوا بها إلى الشتم كما يمكنهم بقولهم راعنا، وَ اسْمَعُوا إذا قال لكم رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قولا، و أطيعوا. وَ لِلْكافِرِينَ يعني اليهود الشاتمين لرسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم عَذابٌ أَلِيمٌ و جميع في الدنيا إن عادوا بشتمهم، و في الآخرة بالخلود في النار. ثمّ قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: يا عباد اللّه! هذا سعد بن معاذ من خيار عباد اللّه آثر رضي اللّه على سخط قراباته و أصهاره من اليهود، و أمر بالمعروف و نهى عن المنكر، و غضب لمحمّد رسول اللّه و لعليّ وليّ اللّه و وصيّ رسول اللّه أن يخاطبا بما لا يليق بجلالتهما. فشكر اللّه له تعصّبه لمحمّد و عليّ و بوّأه في الجنّة منازل كريمة، و هيّأ له فيها خيرات واسعة، لا تأتي الألسن على وصفها، و لا القلوب على توهّمها و الفكر فيها، و لسلكة من مناديل موائده في الجنّة خير من الدنيا بما فيها من زينتها و لجينها و جواهرها و سائر أموالها و نعيمها. فمن أراد أن يكون فيها رفيقه و خليطه فليتحمّل غضب الأصدقاء و القرابات، و ليؤثر عليهم رضى اللّه في الغضب لرسول اللّه [محمّد]، و ليغضب إذا رأى الحقّ متروكا و رأى الباطل معمولا به. و إيّاكم و التهوّن فيه مع التمكّن و القدرة و زوال التقيّة، فإنّ اللّه تعالى لا يقبل لكم عذرا عند ذلك. و لقد أوحى اللّه فيما مضى قبلكم إلى جبرئيل، و أمره أن يخسف ببلد يشتمل على الكفّار و الفجّار. فقال جبرئيل: يا ربّ! أخسف بهم إلّا بفلان الزاهد ليعرف ما ذا يأمر اللّه به؟ فقال اللّه عزّ و جلّ: بل اخسف بفلان قبلهم. فسأل ربّه، فقال: يا ربّ! عرّفني لم ذلك؟ و هو زاهد عابد. قال: مكّنت له و أقدرته، فهو لا يأمر بالمعروف، و لا ينهى عن المنكر، و كان يتوفّر على حبّهم في غضبي لهم، فقالوا: يا رسول اللّه! و كيف بنا و نحن لا نقدر على إنكار ما نشاهده من منكر؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: لتأمرنّ بالمعروف و لتنهنّ عن المنكر، أو ليعمّنّكم عقاب اللّه، ثمّ قال: من رأى منكم منكرا فلينكره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فحسبه أن يعلم اللّه من قلبه أنّه لذلك كاره. فلمّا مات سعد بن معاذ بعد أن شفى من بني قريظة بأن قتلوا أجمعين. قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: يرحمك اللّه، يا سعد! فلقد كنت شجّا في حلوق الكافرين، لو بقيت لكففت العجل الذي يراد نصبه في بيضة المسلمين، كعجل قوم موسى. قالوا: يا رسول اللّه! أو عجل يراد أن يتّخذ في مدينتك هذه؟ قال: بلى، و اللّه! يراد، و لو كان سعد فيهم حيّا، لما استمرّ تدبيرهم، و يستمرّون ببعض تدبيرهم، ثمّ اللّه تعالى يبطله. قالوا: أخبرنا، كيف يكون ذلك؟ قال: دعوا ذلك لما يريد اللّه أن يدبّره. و قال موسى بن جعفر عليهما السلام: و لقد اتّخذ المنافقون من أمّة محمّد صلى الله عليه و آله و سلم بعد موت سعد بن معاذ، و بعد انطلاق محمّد صلى الله عليه و آله و سلم إلى تبوك أبا عامر الراهب اتّخذوه أميرا و رئيسا، و بايعوا له و تواطئوا على إنهاب المدينة و سبي ذراري رسول اللّه و سائر أهله و صحابته، و دبّروا التبييت على محمّد صلى الله عليه و آله و سلم ليقتلوه في طريقه إلى تبوك فأحسن اللّه الدفاع عن محمّد صلى الله عليه و آله و سلم، و فضح المنافقين و أخزاهم. و ذلك أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قال: لتسلكنّ سبيل من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، و القذّة بالقذّة حتّى إنّ أحدهم لو دخل جحر ضبّ لدخلتموه. قالوا: يا ابن رسول اللّه و ما كان هذا العجل و ما كان هذا التدبير؟ فقال: اعلموا أنّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم كان تأتيه الأخبار عن صاحب دومة الجندل- و كانت تلك النواحي [له] مملكة عظيمة ممّا يلي الشام- و كان يهدّد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم بأن يقصده و يقتل أصحابه و يبيد خضراءهم. و كان أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم خائفين وجلين من قبله، حتّى كانوا يتناوبون على رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم كلّ يوم عشرون منهم، و كلّما صاح صائح ظنّوا أن قد طلع أوائل رجاله و أصحابه و أكثر المنافقون الأراجيف و الأكاذيب، و جعلوا يتخلّلون أصحاب محمّد صلى الله عليه و آله و سلم، و يقولون: إنّ أكيدر قد أعدّ [لكم] من الرجال كذا، و من الكراع كذا، و من المال كذا، و قد نادى- فيما يليه من ولايته-: ألا قد أبحتكم النهب و الغارة في المدينة. ثمّ يوسوسون إلى ضعفاء المسلمين، يقولون لهم: و أين يقع أصحاب محمّد من أصحاب أكيدر؟ يوشك أن يقصد المدينة فيقتل رجالها و يسبي ذراريها و نساءها، حتّى آذى ذلك قلوب المؤمنين، فشكوا إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ما هم عليه من الجزع. ثمّ إنّ المنافقين اتّفقوا و بايعوا لأبي عامر الراهب الذي سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم الفاسق، و جعلوه أميرا عليهم، و بخعوا له بالطاعة، فقال لهم: الرأي أن أغيب عن المدينة لئلّا أتّهم إلى أن يتمّ تدبيركم، و كاتبوا أكيدر في دومة الجندل ليقصد المدينة، ليكونوا هم عليه و هو يقصدهم فيصطلموه، فأوحى اللّه تعالى إلى محمّد صلى الله عليه و آله و سلم و عرّفه ما أجمعوا عليه من أمره، و أمره بالمسير إلى تبوك. و كان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم كلّما أراد غزوا ورّى بغيره إلّا غزاة تبوك فإنّه أظهر ما كان يريده، و أمرهم أن يتزوّدوا لها و هي الغزاة التي افتضح فيها المنافقون، و ذمّهم اللّه في تثبيطهم عنها، و أظهر رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ما أوحى اللّه تعالى إليه، إنّ اللّه سيظهره بأكيدر حتّى يأخذه و يصالحه على ألف أوقيّة ذهب في صفر، و ألف أوقيّة ذهب في رجب، و مائتي حلّة في رجب و مائتي حلّة في صفر، و ينصرف سالما إلى ثمانين يوما، فقال لهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّ موسى وعد قومه أربعين ليلة، و إنّي أعدكم ثمانين ليلة أرجع سالما غانما ظافرا بلا حرب تكون، و لا أحد يستأسر من المؤمنين. فقال المنافقون: لا و اللّه، و لكنّها آخر كرّاته التي لا ينجبر بعدها، إنّ أصحابه ليموت بعضهم في هذا الحرّ و رياح البوادي و مياه المواضع الموذية الفاسدة، و من سلم من ذلك فبين أسير في يد أكيدر و قتيل و جريح، و استأذنه المنافقون بعلل ذكروها، بعضهم يعتلّ بالحرّ، و بعضهم بمرض جسده، و بعضهم بمرض عياله. فكان رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم يأذن لهم. فلمّا صحّ عزم رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم على الرحلة إلى تبوك، عمد هؤلاء المنافقون فبنوا خارج المدينة مسجدا، و هو مسجد ضرار، يريدون الاجتماع فيه، و يوهمون أنّه للصلاة، و إنّما كان ليجتمعوا فيه لعلّة الصلاة فيتمّ تدبيرهم، و يقع هناك ما يسهل لهم به ما يريدون. ثمّ جاء جماعة منهم إلى رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و قالوا: يا رسول اللّه إنّ بيوتنا قاصية عن مسجدك، و إنّا نكره الصلاة في غير جماعة، و يصعب علينا الحضور، و قد بنينا مسجدا، فإن رأيت أن تقصده و تصلّي فيه لنتيمّن، و نتبرّك بالصلاة في موضع مصلّاك. فلم يعرّفهم رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم ما عرّفه اللّه تعالى من أمرهم و نفاقهم. فقال صلى الله عليه و آله و سلم: ائتوني بحماري فأتي باليعفور، فركبه يريد نحو مسجدهم، فكلّما بعثه- هو و أصحابه- لم ينبعث و لم يمش، و إذا صرف رأسه عنه إلى غيره سار أحسن سير و أطيبه. قالوا: لعلّ هذا الحمار قد رأى في هذا الطريق شيئا كرهه، و لذلك لا ينبعث نحوه، فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: ائتوني بفرس! فأتي بفرس، فركبه فكلّما بعثه نحو مسجدهم لم ينبعث، و كلّما حرّكوه نحوه لم يتحرّك، حتّى إذا ولّوا رأسه إلى غيره سار أحسن سير. فقالوا: و لعلّ هذا الفرس قد كره شيئا في هذا الطريق. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: تعالوا نمشي إليه فلمّا تعاطى هو صلى الله عليه و آله و سلم و من معه المشي نحو المسجد جفوا في مواضعهم، و لم يقدروا على الحركة، و إذا همّوا بغيره من المواضع خفّت حركاتهم، و خفّت أبدانهم، و نشطت قلوبهم. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: إن هذا أمر قد كرهه اللّه فليس يريده الآن، و أنا على جناح سفر، فأمهلوا حتّى أرجع- إن شاء اللّه- ثمّ أنظر في هذا نظرا يرضاه اللّه تعالى، و جدّ في العزم على الخروج إلى تبوك، و عزم المنافقون على اصطلام مخلّفيهم إذا خرجوا. فأوحى اللّه تعالى إليه: يا محمّد! إنّ العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام، و يقول: إمّا أن تخرج أنت و يقيم عليّ، و إمّا أن يخرج عليّ و تقيم أنت. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: ذاك لعليّ. فقال عليّ عليه السلام: السمع و الطاعة لأمر اللّه تعالى و أمر رسوله، و إن كنت أحبّ ألّا أتخلّف عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم في حال من الأحوال. فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟ قال عليه السلام: رضيت، يا رسول اللّه! فقال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: يا أبا الحسن! إنّ لك أجر خروجك معي في مقامك بالمدينة، و إنّ اللّه قد جعلك أمّة وحدك، كما جعل إبراهيم عليه السلام أمّة، تمنع جماعة المنافقين و الكفّار هيبتك عن الحركة على المسلمين. فلمّا خرج رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و شيّعه عليّ عليه السلام خاض المنافقون فقالوا: إنّما خلّفه محمّد بالمدينة لبغضه له و لملالته منه، و ما أراد بذلك إلّا أن يلقيه المنافقون فيقتلوه و يحاربوه فيهلكوه، فاتّصل ذلك برسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم. فقال عليّ عليه السلام: تسمع ما يقولون يا رسول اللّه!؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: أ ما يكفيك أنّك جلدة ما بين عيني و نور بصري، و كالروح في بدني. ثمّ سار رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم بأصحابه، و أقام عليّ عليه السلام بالمدينة، فكان كلّما دبّر المنافقون أن يوقعوا بالمسلمين، فزعوا من عليّ، و خافوا أن يقوم معه عليهم من يدفعهم عن ذلك، و جعلوا يقولون فيما بينهم: هي كرّة محمّد التي لا يؤوب منها. فلمّا صار بين رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم و بين أكيدر مرحلة، قال تلك العشيّة: يا زبير ابن العوامّ، يا سمّاك بن خرشة! امضيا في عشرين من المسلمين إلى باب قصر أكيدر، فخذاه، و اتياني به. فقال الزبير: يا رسول اللّه! و كيف نأتيك به و معه من الجيوش الذي قد علمت، و معه في قصره سوى حشمه ألف و مائتان عبد و أمة و خادم؟ فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: تحتالان عليه، فتأخذانه. قال: يا رسول اللّه! و كيف [نأخذه]، و هذه ليلة قمراء، و طريقنا أرض ملساء، و نحن في الصحراء لا نخفى؟! فقال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: أ تحبّان أن يستركما اللّه عن عيونهم، و لا يجعل لكما ظلّا إذا سرتما، و يجعل لكما نورا كنور القمر لا تتبيّنان منه؟ قالا: بلى، قال: عليكما بالصلاة على محمّد و آله الطيّبين معتقدين، إنّ أفضل آله عليّ بن أبي طالب عليه السلام، و تعتقد أنت يا زبير! خاصّة أنّه لا يكون عليّ في قوم إلّا كان هو أحقّ بالولاية عليهم، ليس لأحد أن يتقدّمه. فإذا أنتما فعلتما ذلك و بلغتما الظلّ الذي بين يدي قصره من حائط قصره، فأنّ اللّه تعالى سيبعث الغزلان و الأوعال إلى بابه، فتحتك قرونها به، فيقول: من لمحمّد في مثل هذا، و يركب فرسه لينزل فيصطاد. فتقول امرأته: إيّاك و الخروج، فإنّ محمّدا قد أناخ بفنائك، و لست تأمن أن يكون قد احتال، و دسّ عليك من يقع بك. فيقول لها: إليك عنّي، فلو كان أحد انفصل عنه في هذه الليلة ليلقاه- في هذا القمر- عيون أصحابنا في الطريق، و هذه الدنيا بيضاء لا أحد فيها، و لو كان في ظلّ قصرنا هذا إنسيّ لنفرت منه الوحوش. فينزل ليصطاد الغزلان و الأوعال [فتهرب] من بين يديه و يتبعها، فتحيطان به و أصحابكما فتأخذانه. فكان كما قال رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، فأخذوه فقال: لي إليكم حاجة؟ قالوا: و ما هي؟ فإنّا نقضيها إلّا أن تسألنا أن نخلّيك. فقال: تنزعون عنّي ثوبي هذا، و سيفي [هذا] و منطقتي، و تحملونها إليه، و تحملونني إليه في قميصي، لئلّا يراني في هذا الزيّ، بل يراني في زيّ التواضع، فلعلّه يرحمني، ففعلوا ذلك، فجعل المسلمون و الأعراب يلبسون ذلك الثوب- و هو في القمر- فيقولون: هذا من حلل الجنّة، و هذا من حليّ الجنّة يا رسول اللّه! قال: لا! و لكنّه ثوب أكيدر و سيفه و منطقته، و لمنديل ابن عمّتي الزبير و سمّاك في الجنّة أفضل من هذا إن استقاما على ما أمضيا من عهدي إلى أن يلقياني عند حوضي في المحشر. قالوا: و ذلك أفضل من هذا؟ قال صلى الله عليه و آله و سلم: بل خيط من منديل مائدتهما في الجنّة أفضل من ملء الأرض إلى السماء مثل هذا الذهب. فلمّا أتي به رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم قال له: يا محمّد! أقلني و خلّني على أن أدفع عنك من ورائي من أعدائك. فقال له رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: فإن لم تف بذلك؟ قال: يا محمّد! إن لم أف بذلك، فإن كنت رسول اللّه فسيظفرك بي من منع ظلال أصحابك أن تقع على الأرض حتّى أخذوني، و من ساق الغزلان إلى بابي حتّى استخرجني من قصري، و أوقعني في أيدي أصحابك. و إن كنت غير نبيّ فإنّ دولتك التي أوقعتني في يدك بهذه الخصلة العجيبة و السبب اللطيف، ستوقعني في يدك بمثلها. قال: فصالحه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم على ألف أوقيّة [من] ذهب في رجب، و مائتي حلّة، و ألف أوقيّة في صفر، و مائتي حلّة، و على أنّهم يضيّفون من مرّ بهم من المسلمين ثلاثة أيّام و يزوّدونه إلى المرحلة التي تليها، على أنّهم إن نقضوا شيئا من ذلك فقد برأت منهم ذمّة اللّه، و ذمّة محمّد رسول اللّه، ثمّ كرّ رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم راجعا. و قال موسى بن جعفر عليهما السلام: فهذا العجل في زمان النبيّ هو أبو عامر الراهب الذي سمّاه رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم الفاسق. و عاد رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم غانما ظافرا، و أبطل [اللّه تعالى] كيد المنافقين، و أمر رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم بإحراق مسجد الضرار، و أنزل اللّه تعالى وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَ كُفْراً الآيات. و قال موسى بن جعفر عليهما السلام: فهذا العجل- في حياته صلى الله عليه و آله و سلم - دمّر اللّه عليه و أصابه بقولنج [و برص] و جذام و فالج و لقوة، و بقي أربعين صباحا في أشدّ عذاب، ثمّ صار إلى عذاب اللّه تعالى.
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ٥ - الصفحة ٣١. — الإمام الكاظم عليه السلام
1- التفسير المنسوب إلى الإمام العسكريّ عليه السلام: قال
الإمام عليه السلام: قال أمير المؤمنين عليه السلام: أمر اللّه عزّ و جلّ عباده أن يسألوه طريق المنعم عليهم، و هم النبيّون و الصدّيقون و الشهداء و الصالحون. و أن يستعيذوا [به] من طريق المغضوب عليهم، و هم اليهود الذين قال اللّه تعالى فيهم: قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَ غَضِبَ عَلَيْهِ. و أن يستعيذوا به من طريق الضالّين، و هم الذين قال اللّه تعالى فيهم: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ أَضَلُّوا كَثِيراً وَ ضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ و هم النصارى. ثمّ قال أمير المؤمنين عليه السلام: كلّ من كفر باللّه فهو مغضوب عليه، و ضالّ عن سبيل اللّه عزّ و جلّ. و قال الرضا عليه السلام كذلك و زاد فيه فقال: و من تجاوز بأمير المؤمنين عليه السلام العبوديّة، فهو من المغضوب عليهم و من الضالّين. و قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا تتجاوزوا بنا العبوديّة، ثمّ قولوا ما شئتم و لن تبلغوا، و إيّاكم و الغلوّ كغلوّ النصارى، فإنّي بريء من الغالين. قال: فقام إليه رجل فقال له: يا ابن رسول اللّه! صف لنا ربّك، فإنّ من قبلنا قد اختلفوا علينا. فقال الرضا عليه السلام: إنّه من يصف ربّه بالقياس، لا يزال في الدهر في الالتباس، مائلا عن المنهاج، طاغيا في الاعوجاج، ضالّا عن السبيل، قائلا غير الجميل. ثمّ قال عليه السلام: أعرّفه بما عرّف به نفسه، أعرّفه من غير رؤية، و أصفه بما وصف به [نفسه] من غير صورة. لا يدرك بالحواسّ، و لا يقاس بالناس، معروف بالآيات، بعيد بغير تشبيه، و متدان في بعده بلا نظير، لا يتوهّم ديموميّته، و لا يمثّل بخليقته، و لا يجور في قضيّته. الخلق إلى ما علم منهم منقادون، و على ما سطره في المكنون من كتابه ماضون، لا يعملون بخلاف ما علم منهم و لا غيره يريدون، فهو قريب غير ملتزق، و بعيد غير متقصّ، يحقّق و لا يمثّل، [و] يوحّد و لا يبعّض، يعرف بالآيات، و يثبت بالعلامات، فلا إله غيره، الكبير المتعال. فقال الرجل: بأبي أنت و أمّي يا ابن رسول اللّه! فإنّ معي من ينتحل موالاتكم، [و] يزعم أنّ هذه كلّها صفات عليّ عليه السلام، و أنّه هو اللّه ربّ العالمين. قال: فلمّا سمعها الرضا عليه السلام، ارتعدت فرائصه و تصبّب عرقا، و قال: سبحان اللّه! [سبحان اللّه] عمّا يقول الظالمون و الكافرون، أ و ليس عليّا عليه السلام كان آكلا في الآكلين، [و] شاربا في الشاربين، و ناكحا في الناكحين، و محدثا في المحدثين، و كان مع ذلك مصلّيا خاشعا [خاضعا] بين يدي اللّه عزّ و جلّ ذليلا، و إليه أوّاها منيبا، أ فمن [كان] هذه صفته يكون إلها!؟ [فإن كان هذا إلها] فليس منكم أحد إلّا و هو إله، لمشاركته له في هذه الصفات الدالّات على حدوث كلّ موصوف بها. ثمّ قال عليه السلام: حدّثني أبي عن جدّي، عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، أنّه قال: ما عرف اللّه تعالى من شبّهه بخلقه، و لا عدله من نسب إليه ذنوب عباده. فقال الرجل: يا ابن رسول اللّه! إنّهم يزعمون أنّ عليّا عليه السلام لمّا أظهر من نفسه المعجزات التي لا يقدر عليها غير اللّه تعالى دلّ ذلك على أنّه إله، و لمّا ظهر لهم بصفات المحدثين العاجزين لبّس بذلك عليهم و امتحنهم ليعرفوه، و ليكون إيمانهم به اختيارا من أنفسهم. فقال الرضا عليه السلام: أوّل ما هاهنا إنّهم لا ينفصلون ممّن قلّب هذا عليهم، فقال: لمّا ظهر منه الفقر و الفاقة، دلّ على أنّ من هذه صفاته و شاركه فيها الضعفاء المحتاجون لا تكون المعجزات فعله، فعلم بهذا أنّ الذي ظهر منه [من] المعجزات إنّما كانت فعل القادر الذي لا يشبه المخلوقين، لا فعل المحدث المحتاج المشارك للضعفاء في صفات الضعف. ثمّ قال الرضا عليه السلام: لقد ذكرتني بما حكيته [عن] قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم، و قول أمير المؤمنين عليه السلام، و قول زين العابدين عليه السلام. أمّا قول رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم فما حدّثنيه أبي، عن جدّي، عن أبيه، [عن جدّه]، عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله و سلم: إنّ اللّه لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس، و لكن [يقبضه] بقبض العلماء. فإذا لم ينزل عالم إلى عالم يصرف عنه طلّاب حطام الدنيا و حرامها، و يمنعون الحقّ أهله، و يجعلونه لغير أهله، اتّخذ الناس رؤساء جهّالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلّوا و أضلّوا. و أمّا قول أمير المؤمنين عليه السلام فهو قوله: يا معشر شيعتنا، و المنتحلين [مودّتنا!] إيّاكم و أصحاب الرأي، فإنّهم أعداء السنن تفلّتت منهم الأحاديث أن يحفظوها، و أعيتهم السنّة أن يعوها. فاتّخذوا عباد اللّه خولا، و ماله دولا، فذلّت لهم الرقاب، و أطاعهم الخلق أشباه الكلاب، و نازعوا الحقّ أهله، و تمثّلوا بالأئمّة الصادقين، و هم من الجهّال و الكفّار و الملاعين، فسئلوا عمّا لا يعلمون، فأنفوا أن يعترفوا بأنّهم لا يعلمون، فعارضوا الدين [بآرائهم، فضلّوا و أضلّوا، أمّا لو كان الدين] بالقياس، لكان باطن الرجلين أولى بالمسح من ظاهرهما. و أمّا قول عليّ بن الحسين عليهما السلام، فإنّه قال: إذا رأيتم الرجل قد حسن سمته و هديه، و تماوت في منطقه، و تخاضع في حركاته، فرويدا لا يغرّنّكم، فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا، و ركوب المحارم منها، لضعف بنيته و مهانته و جبن قلبه، فنصب الدين فخّا لها، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره، فإن تمكّن من حرام اقتحمه. فإذا وجدتموه يعفّ من المال الحرام (فرويدا لا يغرّنّكم، فإنّ شهوات الخلق مختلفة، فما أكثر من ينبو عن المال الحرام) و إن كثر و يحمل نفسه على شوهاء قبيحة، فيأتي منها محرّما. فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك فرويدا لا يغرّنّكم حتّى تنظروا ما عقدة عقله، فما أكثر من يترك ذلك أجمع ثمّ لا يرجع إلى عقل متين، فيكون ما يفسده بجهله أكثر ممّا يصلحه بعقله. فإذا وجدتم عقله متينا، فرويدا لا يغرّنّكم حتّى تنظروا مع هواه يكون على عقله، أو يكون مع عقله على هواه، و كيف محبّته للرئاسات الباطلة و زهده فيها، فإنّ في الناس من خسر الدنيا و الآخرة بترك الدنيا للدنيا، و يرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال و النعم المباحة المحلّلة، فيترك ذلك أجمع طلبا للرئاسة حتّى: وَ إِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَ لَبِئْسَ الْمِهادُ. فهو يخبط [خبط] عشواء يقوده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة، و يمدّ يده بعد طلبه لما لا يقدر [عليه] في طغيانه فهو يحلّ ما حرّم اللّه، و يحرّم ما أحلّ اللّه، لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد شقى من أجلها، فأولئك [مع] الذين غضب اللّه عليهم و لعنهم، و أعدّ لهم عذابا مهينا. و لكن الرجل كلّ الرجل، نعم الرجل، هو الذي جعل هواه تبعا لأمر اللّه، و قواه مبذولة في رضاء اللّه تعالى، يرى الذلّ مع الحقّ أقرب إلى عزّ الأبد من العزّ في الباطل، و يعلم أنّ قليل ما يحتمله من ضرّائها يؤدّيه إلى دوام النعم في دار لا تبيد و لا تنفد، و أنّ كثير ما يلحقه من سرّائها إن اتّبع هواه يؤدّيه إلى عذاب لا انقطاع له و لا زوال. فذلكم الرجل نعم الرجل، فبه فتمسّكوا، و بسنّته فاقتدوا، و إلى ربّكم فبه فتوسّلوا، فإنّه لا تردّ له دعوة، و لا تخيب له طلبة. ثمّ قال الرضا عليه السلام: إنّ هؤلاء الضّلال الكفرة ما أتوا إلّا من جهلهم بمقادير أنفسهم حتّى اشتدّ إعجابهم بها، و كثر تعظيمهم لما يكون منها، فاستبدّوا بآرائهم الفاسدة، و اقتصروا على عقولهم المسلوك بها غير السبيل الواجب، حتّى استصغروا قدر اللّه، و احتقروا أمره، و تهاونوا بعظيم شأنه. إذ لم يعلموا أنّه القادر بنفسه، الغنيّ بذاته، الذي ليست قدرته مستعارة، و لا غناه مستفادا، و الذي من شاء أفقره، و من شاء أغناه، و من شاء أعجزه بعد القدرة، و أفقره بعد الغنى. فنظروا إلى عبد قد اختصّه [اللّه] بقدرته، ليبيّن بها فضله عنده، و آثره بكرامته، ليوجب بها حجّته على خلقه، و ليجعل ما آتاه من ذلك ثوابا على طاعته، و باعثا على اتّباع أمره، و مؤمنا عباده المكلّفين من غلط من نصبه عليهم حجّة، و لهم قدوة، فكانوا كطلّاب ملك من ملوك الدنيا، ينتجعون فضله، و يؤمّلون نائله، و يرجون التفيّؤ بظلّه، و الانتعاش بمعروفه، و الانقلاب إلى أهليهم بجزيل عطائه، الذي يغنيهم عن كلب الدنيا، و ينقذهم من التعرّض لدنيّ المكاسب، و خسيس المطالب. فبيناهم يسألون عن طريق الملك ليترصّدوه و قد وجّهوا الرغبة نحوه، و تعلّقت قلوبهم برؤيته، إذ قيل: إنّه سيطّلع عليكم في جيوشه و مواكبه و خيله و رجله. فإذا رأيتموه فأعطوه من التعظيم حقّه، و من الإقرار بالمملكة واجبه، و إيّاكم أن تسمّوا باسمه غيره، أو تعظّموا سواه كتعظيمه، فتكونوا قد بخستم الملك حقّه، و أزريتم عليه، و استحققتم بذلك منه عظيم عقوبته. فقالوا: نحن كذلك فاعلون جاهدنا و طاقتنا، فما لبثوا أن طلع عليهم بعض عبيد الملك في خيل قد ضمّها إليه سيّده، و رجل قد جعلهم في جملته، و أموال قد حباه بها. فنظر هؤلاء، و هم للملك طالبون، فاستكثروا ما رأوا بهذا العبد من نعم سيّده، و رفعوه عن أن يكون هو المنعم عليه بما وجدوا معه، فأقبلوا إليه يحيّونه تحيّة الملك و يسمّونه باسمه، و يجحدون أن يكون فوقه ملك، أو له مالك، فأقبل عليهم العبد المنعم عليه، و سائر جنوده بالزجر و النهي عن ذلك و البراءة ممّا يسمّونه به، و يخبرونهم بأنّ الملك هو الذي أنعم بهذا عليه و اختصّه به. و إنّ قولكم [ب] ما تقولون يوجب عليكم سخط الملك و عذابه، و يفيتكم كلّما أمّلتموه من جهته، و أقبل هؤلاء القوم يكذّبونهم، و يردّون عليهم قولهم، فما زال كذلك حتّى غضب [عليهم] الملك لمّا وجد هؤلاء، قد سمّوا به عبده و أزروا عليه في مملكته، و بخسوه حقّ تعظيمه، فحشرهم أجمعين إلى حبسه، و و كلّ بهم من يسومهم سوء العذاب. فكذلك هؤلاء وجدوا أمير المؤمنين عليه السلام عبدا أكرمه اللّه ليبيّن فضله، و يقيم حجّته، فصغر عندهم خالقهم أن يكون جعل عليّا [له] عبدا، و أكبروا عليّا أن يكون اللّه عزّ و جلّ له ربّا، فسمّوه بغير اسمه، فنهاهم هو و أتباعه من أهل ملّته و شيعته، و قالوا لهم: يا هؤلاء! إنّ عليّا و ولده عباد مكرمون مخلوقون مدبّرون، لا يقدرون إلّا على ما أقدرهم اللّه عليه ربّ العالمين، و لا يملكون إلّا ما ملّكهم [اللّه]، لا يملكون موتا و لا حياة و لا نشورا و لا قبضا و لا بسطا و لا حركة و لا سكونا إلّا ما أقدرهم اللّه عليه و طوّقهم. و إنّ ربّهم و خالقهم يجلّ عن صفات المحدثين، و يتعالى عن نعوت المحدودين، و انّ من اتّخذهم- أو واحدا منهم- أربابا من دون اللّه فهو من الكافرين، و قد ضلّ سواء السبيل. فأبى القوم إلّا جماحا و امتدّوا في طغيانهم يعمهون، فبطلت أمانيّهم و خابت مطالبهم، و بقوا في العذاب الأليم.
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ٥ - الصفحة ٥٦. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
الراونديّ رحمه الله:... كتب بعض أصحابنا إلى أبي محمّد عليه السلام - من أهل الجبل- يسأله عمّن وقف على أبي الحسن موسى عليه السلام أتولّاهم، أم أتبرّأ منهم؟ فكتب عليه السلام إليه
لا تترحّم على عمّك، لا رحم اللّه عمّك، و تبرّأ منه، أنا إلى اللّه منهم بريء، فلا تتولّهم، و لا تعد مرضاهم، و لا تشهد جنائزهم، و لا تصلّ على أحد منهم مات أبدا....
موسوعة الإمام العسكري - لجنة الحديث - معهد باقر العلوم - ج ٥ - الصفحة ٢٣٩. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
الأوّل: ما رواه رئيس المحدِّثين أبو جعفر ابن بابويه في كتاب « عيون الأخبار » ـ في باب ذكر مجلس الرضا عليه السلام مع أهل الأديان ـ بالسند السابق، في الحديث الثاني من الباب الخامس: عن الرضا عليه السلام أنّه قال
« لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه أن يُحيي لهم موتاهم، فوجّه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال له: يا علي، إذهب إلى الجبّانة فناد هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك: يا فلان ويا فلان يقول لكم محمّد: قوموا بإذن الله. فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم، فأقبلت قريش تسألهم عن اُمورهم » الحديث. ورواه الطبرسي مرسلاً في « الاحتجاج ». الثاني: ما رواه ابن بابويه أيضاً في « عيون الأخبار » ـ في باب استسقاء المأمون بالرضا عليه السلام ـ: عن محمّد بن القاسم المفسّر، عن يوسف بن محمّد بن زياد وعلي بن محمّد بن سيّار، عن أبويهما، عن الحسن بن علي العسكري، عن آبائه، عن الرضا عليهم السلام أنّه استسقى للناس وظهر للناس من إعجازه وإجابة دعائه وإخباره بما يكون وغير ذلك ممّا حمل بعض أعدائه على أن أخذ رخصته من المأمون لمجادلته، فكلّمه كلاماً طويلاً في مجلس عام من جملته أن قال: يابن موسى لقد عدوت طورك وتجاوزت قدرك أن بعث الله مطراً قدّره لوقته كأنّك قد جئت بمثل آية الخليل لمّا أخذ رؤوس الطير بيده ودعا أعضاءها التي كان فرّقها على الجبال فأتينه سعياً، وتركّبن على الرؤوس، وخفقن وطرن بإذن الله، فإن كنت صادقاً فيما توهم فأحيي هذين وسلّطهما عليّ ـ وأشار إلى أسدين مصوّرين على مسند المأمون ـ. فغضب علي بن موسى الرضا عليه السلام وقال: « دونكما الفاجر فافترساه ولا تبقيا له عيناً ولا أثراً، فوثبت الصورتان وصارتا أسدين فتناولا الرجل ورضّضاه وهشّماه وأكلاه ولحسا دمه، والقوم ينظرون إليه متحيِّرين، فلمّا فرغا منه أقبلا على الرضا عليه السلام وقالا: يا وليّ الله في أرضه فما تأمرنا أن نفعل بهذا، أنفعل به ما فعلنا بهذا؟ ـ يشيران إلى المأمون ـ فغشي على المأمون ممّا سمع منهما ـ إلى أن قال ـ: فقال: عودا إلى مقرّكما، فعادا إلى المسند، وصارتا صورتين كما كانتا » الحديث. الثالث: ما رواه الكليني ـ في باب المسألة في القبر ـ: عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمّد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام، قال: « إنّ الميّت إذا خرج من بيته شيّعته الملائكة إلى القبر، ويدخل عليه في قبره منكر ونكير، فيلقيان فيه الروح إلى حقويه فيقعدانه فيسألانه » ثمّ ذكر المسألة والسؤال والجواب. وذكر في الكافر نحو ذلك.
الإيقاظ من الهجعة - الحر العاملي - الصفحة ٢٠٣. — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
تضلوا بعدي، ولن تختلفوا بعدي...)، فقال رجل: إن رسول الله يهجر(!)، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (إنّي أراكم تخالفوني وأنا حي فكيف بعد موتي)؟ فترك الكتف. قال سليم: ثمّ أقبل عليَّ ابن عباس فقال: يا سليم لولا ما قال ذلك الرجل لكتب لنا كتاباً لا يضل أحد ولا يختلف. فقال رجل: يابن عباس، ومن ذلك الرجل، فقال: ليس إلى ذلك سبيل، فخلوت بابن عباس بعد ما قام القوم فقال: هو عمر، فقلت: صدقت، قد سمعت عليّاً وسلمان وأبا ذر والمقداد يقول
ون: أنّه عمر، فقال: ياسليم اكتم إلاّ من تثق به من اخوانك، فإنّ قلوب هذه الأمة أشربت حبّ هذين الرجلين كما أشربت قلوب بني إسرائيل حبّ العجل والسامري». فهذا الخبر يدلّ بتكرار المحاولة مرة أخرى يوم الاثنين، يوم وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتكرّر الموقف من عمر، وليس ذلك ببعيد، لأن الموقف دقيق والظرف حسّاس ولولا كلمة عمر لما أصاب الأمة ما أصابها. فهلمّ وأقرأ ما قاله أحمد أمين في كتابه: «وقد أراد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في مرضه الّذي مات فيه أن يعيّن من يلي الأمر من بعده، ففي الصحيحين أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لمّا احتضر قال: (هلمّ أكتب لكم كتاباً لاتضلوا بعده) وكان في البيت رجال منهم عمر بن الخطاب فقال عمر: انّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف القوم وأختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا إليه يكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده، ومنهم من يقول: ما قاله عمر، فلمّا أكثروا اللغو والإختلاف عنده عليه السلام قال لهم: (قوموا) فقاموا. وتركُ الأمر مفتوحاً لمن شاء، جَعَل المسلمين طوال عصرهم يختلفون على الخلافة حتى إلى عصرنا هذا بين السعوديين والهاشميين». فهذا هو السبب الّذي جعلنا نطيل البحث، ونجترّ المرارة، ونكرّر ذكر حديث الرزية.{ وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ}. أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن أنس قال: «ما نفضنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الأيدي - من دفنه - حتى أنكرنا قلوبنا». وأخرج ابن حجر في تهذيب التهذيب عن الآجري: «قال عمرو بن ثابت لمّا مات النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كفر الناس إلاّ خمسة». وقد يستفز هذا الكثير الكثير من القرآء ويطعنون في صحته. ولكن نطمئنهم بأنّ ذلك صحيح وهو ليس بدعاً ممّا أخرجه البخاري في عشرة مواضع من صحيحه من أحاديث الحوض. وإلى القارئ واحداً منها: «أخرج في صحيحه كتاب التفسير باب {وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} بسـنده عن ابن عباس (رضي الله عنه) قال خطب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (أيها الناس إنّكم محشورون إلى الله حفاة عراة غُرلا ثمّ قال:{كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ...} إلى آخر الآية، ثمّ قال: (ألا وإنّ أوّل الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم، ألا وإنّه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول يا ربّ أصحابي فيقال إنّك لاتدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح:{وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ}، فيقال: إنّ هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) ». لقد مرّ بنا ما كان من الرزية الّتي حاقت بالمسلمين في يوم الخميس وهو اليوم الّذي أعلن فيه التمرّد على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فردّ أمره الناطقُ عن المعارضة، وصدمه بكلمة أغمي عليه منها لشدة وقعها، وكانت بداية النهاية المحزنة، أمّا نهاية تلك البداية فكانت وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في يوم الاثنين. وما حدث من الصحابة فيما بين اليومين - الخميس والاثنين - من أحداث تتابعت بعنفها على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتى تبرّم بأصحابه وسأم منهم وتمنى أن يريحه الله منهم. وإلى القارئ بعض الشواهد على ذلك:
ثواب الأعمال - الشيخ الصدوق - الصفحة ٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
لماذا أراد عليّاً عليه السلام دون غيره؟ الجواب: لأن الله تعالى أمره بذلك. إذا رجعنا نستقريء صور الحديث نجد تعتيماً متعمداً على أسماء المعارضة سوى اسم عمر بطلها المقدام صاحب الكلمة النافذة، كالسهم في قلب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم حتى (غمّ) أغمي عليه. وباختصار نجد: في الصورتين: (1، 2) المرويتين عن عليّ عليه السلام وابن عباس، فقام بعضهم ليأتي به فمنعه رجل من قريش(؟) وقال: «انّ رسول الله يهجر». وفي الصورتين (3، 4) المرويتين عن عمر: «فكرهنا ذلك أشد الكراهية»(؟). وفي الصورة (5) المروية عن جابر: فكان في البيت لغط وكلام وتكلم عمر... وفي الصورة (6) فأختلف من في البيت وأختصموا فمن قائل يقول: القول ما قال رسول الله
صلى الله عليه وآله وسلم ومن قائل يقول: القول ما قال عمر. وفي الصورة (7) فقال بعض أصحابه: «انّه يهجر»، قال: - وأبى أن يسمي الرجل - فجئنا بعد ذلك، فأبى رسول الله أن يكتبه لنا. وفي الصورة (8) فقال بعض من كان عنده: «إنّ نبيّ الله ليهجر». وفي الصورة (9) برواية البخاري: فتنازعوا... فقالوا: «هجر رسول الله». وبروايته الأخرى عن سفيان... فقالوا: «ما له أهجر» استفهموه. وبرواية الطبري فقالوا: «ما شأنه أهجر» استفهموه. وفي الصورة (10) برواية البلاذري، فقال: «أتراه يهجر»، وتكلموا ولغطوا. وبرواية ابن سعد، فقالوا: «إنّما يهجر رسول الله». وفي الصورة (11) فقال بعض من كان عنده: «انّ نبيّ الله ليهجر». وفي الصورة (12) فقال عمر: «قد غلبه الوجع» فاختلف أهل البيت فأختصموا فمنهم من يقول يكتب لكم... ومنهم من يقول ما قال عمر... فلمّا كثر اللغط والاختلاف، وغمّوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (قوموا عني). وفي الصورة (14) فأقبل القوم في لغطهم. وفي الصورة (15) فأخذ من عنده من الناس في لغط. وفي الصورة (17) فلغطوا فقال: قوموا. وفي الصورة (18) فتنازعوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال رجل من القوم: انّ الرجل ليهجر، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأمر بإخراجه وإخراج صاحبه. وفي الصورة (19) فقال المعذول: انّ النبيّ يهجر كما يهجر المريض، فغضب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: فأخرجوه فأخرجناه. وفي الصورة (20) فمنعه رجل... وفي الصورة (21) فدعا العباس بصحيفة ودواة، وقال بعض من حضر: «انّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يهجر». وفي الصورة (22) فقالوا: «ما شأنه أهجر». وفي الصورة (24) إنّ قوما قالوا عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك اليوم: «ما شأنه هجر». رواه ابن حزم. وفي الصورة (25) فتنازعوا فقال بعضهم: ما له أهجر استعيدوه، فقال عمر قد غلبه الوجع. كما في رواية المقريزي. هذه حصيلة ما ورد في صور الحديث الّذي تكثـّرت وتكسّرت، حتى يصعب على الرائي فيها تجميع أجزائها بصورة واحدة. وهذا ما يدل على مدى التضبيب الّذي لفّ الهالة لتمييع الحالة، وتضييع القالة. ولكن لم يخف وجه الكراهية الّتي أبدتها المعارضة بشدة، فهم الّذين نابذوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم منذ بدء دعوته وحتى ساعة وفاته وما بينهما من مواقف، وما بالهم نسوا أنّ الخير كان ويكون فيما كانوا يكرهون. {وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى}. وبعد هذا هل يصح أن يقول علماء التبرير أخيرهم العقاد وليس آخرهم، إنّ النبيّ كان يحبّ أن يحبّ الناس عليّاً، فهو يحبّه ويمهدّ له وينظر إلى غده... ثمّ يقول: وليس من الممكن... وليس من الممكن... ولابدّ لنا الآن من النظر في حال عمر وماذا أراد بقوله؟ ليس من شك فيما قال عمر، إذ نسب قول النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إلى الهجر: إنّ النبيّ يهجر، إنّما يهجر رسول الله. وليس من شك في أنّ علماء التبرير أضفوا على جفاء هذه الكلمة، نسيجاً أوهى من نسيج العنكبوت، وألقوا ظلالاً - وضَلالاً - من التشكيك في تحوير ما قال لسماجته، وقد مرّ في صور الحديث ما طرأ على الكلمة من تحريف شائن، كما مرّ في أقوال علماء التبرير مقالة متهالك مائن، في تصريف الكلمة على وجوهها غير الصرفية، فقالوا يهجر إلى ليهجر، إلى أهجر إلى هَجر هَجَر وأستنبطوا لكلٍ وجهاً في القراءة، حتى جعلوها من الإنشاء إلى الاخبار ثمّ عادوا إلى الإستفهام في مقام الإنكار وهو تشريق وتغريب، وتصعيد بلا تصويب، وإذ لم يجدوا مناصاً في إنكارها، جعلوها فضيلة لعمر بعد أن كانت وصمة عليه. فقالوا إنّما قال ذلك إنكاراً على من تخلف عن أمتثال أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهذا التفسير يأباه عليهم حتى عمر. ومهما يكن فإنّ الصحيح عندي أنّه قال: «انّ الرجل ليهجر» كما رواها الغزالي، وإن ورد أيضاً: «انّه يهجر» كما في الصورة الحادية عشرة من صور الحديث، وقد مرّت نقلاً عن ابن سعد في الطبقات، ونقلها البيهقي مسنداً، وذكرناها عن المستخرج للإسماعيلي، نقلاً عن الملا عليّ القارئ في شرح الشفاء، وفي طبقات ابن سعد أيضاً، ومسند أحمد، وكتاب السنّة للخلال المتوفى سنة 311، ومعجم الطبراني الكبير، وغيرها: «فقالوا: إنّما يهجر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم »، وفي لفظ الطبري: «انّ رسول الله يهجر»، وفي تاريخ ابن خلدون: «فتنازعوا وقال بعضهم: انّه يهجر، وقال بعضهم: أهجر؟ يستفهم». وجاء في حديث سليم بن قيس الهلالي عن ابن عباس: «فقال رجل منهم: انّ رسول الله يهجر»، وغير هؤلاء. ويدلنا على نسبة عمر الهجر إليه صلى الله عليه وآله وسلم، تلجلج بعضهم عند ذكر كلمته فيقول: «قال كلمة معناها إنّ الوجع غلب عليه»، وهذا ما صنعه ابن أبي الحديد وسائر من استهجن الكلمة من علماء التبرير لما فيها من مساس بقداسة الرسول وقدسية رسالته. فحذفوها وأثبتوا البديل عنها: «قد غلب عليه الوجع». والآن ليفكر القارئ في أمر عمر أيّ شيء كان يدعوه لتلك المقالة النابية والكلمة القارصة؟ وماذا عليه لو كان النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كتب ذلك الكتاب ليعصم عمر وغير عمر من الأمة من الضلالة إلى الأبد؟ وهل كان عمر يحب أن يبقى الناس في طخياء الضلالة يعمهون؟ فليقل علماء التبرير ما عندهم؟ وهل كان عمر يعتقد في نفسه «إنّ النبيّ يهجر»؟ وكذلك فليقولوا ما شاؤا في ذلك، وقد مرّ بعض ما عندهم من تخليط. أم كان عمر يريد أمراً آخر من وراء كلمته، فلم يرَ لديه أبلغ ممّا قاله ليبلغ مراده؟ وهذا ما نراه ولا نتجنّى عليه، فقد كان هو أيضاً يراه، وقد صرّح بذلك، ومرّت بعض تصريحاته في التعقيب على ما قاله علماء التبرير (عمريون أكثر من عمر) فراجع حيث علم أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يريد أن يكتب الكتاب باسم عليّ فمنع من ذلك. فمنها قوله: «ولقد أراد - رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم - أن يصرّح بأسمه - يعني عليّاً - فمنعت من ذلك اشفاقاً وحيطة على الإسلام»؟! ومنها قوله: «لقد كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذرواً من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عذراً». ومنها قوله: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أراد ذلك وأراد الله غيره، فنفذ مراد الله ولم ينفذ مراد رسوله، أو كلّ ما أراد رسول الله كان»؟! ومنها قوله: «فكرهنا ذلك أشد الكراهية» (؟) ولماذا يا أبا حفص؟ ولا نحتاج إلى الجواب، ما دمت أنت القائل لابن عباس: «إنّ قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة». ولماذا أيضاً؟ وأنت تعلم أنّ عليّاً كان أحق بها من غيره، وأنت الّذي أعترفت بذلك وقلت لابن عباس: «أما والله يا بني عبد المطلب لقد كان عليّ فيكم أولى بهذا الأمر مني ومن أبي بكر». وهذه الأقوال جميعها قد مرّت مسندة إلى مصادر موثوقة فراجع (عمريون أكثر من عمر). والآن لنبحث من أين علم عمر أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أراد أن يكتب الكتاب باسم عليّ عليه السلام، وهو لم يذكره باسمه كما في الحديث، ولم يكتب بعد كتابه ليعلم بذلك عمر، فمن أين علم بذلك فقال «انّه ليهجر»؟ لقد علم ذلك من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لن تضلوا بعده - بعدي - أبداً). وهذه الكلمة لم ترد في شيء من الأحاديث النبوية إلاّ في بضعة أحاديث كلّها توحي بفضل عليّ منفرداً أو مجتمعاً مع أهل بيته خاصة، وهم فاطمة والحسن والحسين الّذين هم قرناء الكتاب، كما في حديث الثقلين والتمسك بهما عاصم من الضلالة. وإلى القارئ تلكم الأحاديث الّتي وردت فيها جملة: (لن تضلوا)، وهي دالة على انّ التمسك بعليّ وأهل بيته أمان من الضلالة، ولم ترد في حقّ أيّ إنسان سواهم: أوّلاً: حديث الثقلين وهو من الأحاديث المتواترة رواه أكثر من أربعين صحابياً في ستة مواطن، وأخرجت أحاديثهم المصادر الكثيرة وقد نافت على المائة. ولفظه كما في أكثر من موطن قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيه ذلك: (أيّها الناس إنّي تركت فيكم الثقلين لن تضلوا ما تمسكتم بهما - الأكبر كتاب الله، والأصغر عترتي أهل بيتي - وإنّ اللطيف الخبير عهد إليَّ أنّهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض كهاتين - أشار بالسبابتين - ولا أنّ أحدهما أقدم من الآخر، فتمسكوا بهما، لن تضلوا ولا تقدّموا منهما ولا تخلفوا عنهما، ولا تعلمّوهم فإنّهم أعلم منكم). وهذا ما قاله في حجة الوداع في يوم عرفة وفي مسجد الخيف بمنى وفي غدير خم، سوى ما قاله قبل ذلك في يوم فتح الطائف عام ثمان من الهجرة، وسوى ما قاله بعد حجة الوداع وآخر مرة في هجرته وعلى منبره يوم قبض صلى الله عليه وآله وسلم. وقد كان أبو بكر يقول: «عليّ عترة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم » كما أخرج ذلك عنه السيوطي في جمع الجوامع وعنه المتقي الهندي في كنز العمال. ثانياً: ما رواه الحسن بن عليّ وعائشة وأنس وجابر مرفوعاً قال: «ادعوا إليَّ سيّد العرب - يعني عليّ بن أبي طالب - فقالت عائشة: ألستَ سيّد العرب؟ فقال: (أنا سيّد ولد آدم وعليّ سيّد العرب)، فلمّا جاء أرسل إلى الأنصار فأتوه فقال لهم: (يا معشر الأنصار ألا أدلكم على ما إن تمسكتم به (لن تضلوا) بعده أبداً)؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: {هذا عليّ فأحبوه بحبي وأكرموه بكرامتي، فان جبرئيل أمرني بالذي قلت لكم من الله (عزّ وجل) } ». ثالثاً: ما روته أم سلمة قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى صرحة هذا المسجد فنادى بأعلى صوته فقال: (ألا لا يحلّ هذا المسجد لجنب ولا لحائض إلاّ لرسول الله وعليّ وفاطمة والحسن والحسين، ألا قد بيّنت لكم الأسماء أن لا تضلوا) ». رابعاً: ما رواه زيد بن أرقم قال: «كنا جلوساً عند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: (ألا أدلكم على من لو أسترشدتموه (لن تضلوا) ولن تهلكوا)؟ قالوا: بلى يا رسول الله قال: (هو هذا وأشار إلى عليّ بن أبي طالب) ثمّ قال: (وآخوه ووازروه وصدّقوه وانصحوه فإنّ جبرئيل أخبرني بما قلت لكم) ». خامساً: وثمة حديث - رواه ابن حجر في الصواعق - جاء فيه التصريح باسم عليّ عقب ذكر حديث الثقلين فاقرأ ذلك: «إنّه صلى الله عليه وآله وسلم قال - في مرض موته - (أيّها الناس يوشك أن أقبض قبضاً سريعاً فينطلق بي وقد قدّمت إليكم القول معذرة إليكم، ألا وإني مخلّف فيكم كتاب ربي (عزّ وجل) وعترتي أهل بيتي ثمّ أخذ بيد عليّ فرفعها فقال: هذا عليّ مع القرآن، والقرآن مع عليّ، لا يفترقان حتى يردا عليَّ الحوض، فاسألوهما ما خلّفت فيهما) ». سادساً: ما رواه ابن عباس (رضي الله عنه) قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لن تضلوا ولن تهلكوا وأنتم في موالاة عليّ، وإن خالفتموه فقد ضلّت بكم الطرق والأهواء في الغيّ فاتقوا الله، فإنّ ذمة الله عليّ بن أبي طالب) ». وأحسب انّ هذا هو تتمة ما مرّ قبله، ومهما يكن فهذه جملة أحاديث وردت فيها صيغة (لن تضلوا) (أن لا تضلوا) وكلها في أهل البيت عليهم السلام منها ما يخصّ عليّاً بمفرده، ومنها ما يعمّه وبقية أهل بيته، فهل من المعقول والمقبول دعوى انّ عمر لم يسمعها؟ ليس من الممكن أن لا يكون عمر سمعها من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أو ممّن سمعها منه كلّها أو بعضها، وحيث لم يرد في مورد جملة (لن تضلوا) إلاّ وهي توحي بذكر عليّ وأهل بيته عليهم السلام، فلذلك لمّا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ائتوني بدواة وكتف لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا)، أستشعر عمر من ذلك ما هو إلاّ التصريح باسم عليّ في ذلك الكتاب، فتلك حجة مكتوبة ليس من السهل عليه ولا على غيره إنكارها. وذلك هو ما اعترف به لابن عباس بعد ذلك، فلم يجد سلاحاً أقوى عنده يشهره في وجه الشرعية في ذلك الوقت غير كلمة «انّ النبيّ ليهجر» وبذلك نسفٌ للمحاولة الفعلية ولجميع المحاولات اللاحقة الّتي ربّما يفاجأ بها. وهذا معنى كلماته الّتي مرّت على القارئ في تعترافاته الخطيرة، فراجع. فنسبة الهجر إلى النبيّ المعصوم إقدامٌ جريء، مع إساءة أدب مع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومساس بشخصه الكريم، وأجرأ من ذلك دعواه في كلمته الأخرى «وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله»، ولنستذكر ما مرّ من أقوال علماء التبرير الّذين رأوا في هذه الكلمة دليلاً على فقاهة عمر بل وأفقهيته على ابن عباس، حيث اكتفى بالقرآن ولم يكتف ابن عباس به (؟!) وهذا ما مرّ عن ابن بطال والنووي وغيرهما فراجع. فقد بيّنا هناك من هو الأفقه منهما بحجج لا يقوى زوامل الأسفار على حملها فضلاً عن ردّها. والآن فلنعد إلى تفسير كلمته «حسبنا كتاب الله» وما تعنيه من دلالة ظاهرة وما تخفي من معنى أشتملت عليه، وماذا أراد عمر بقوله: «وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله»: ليس في قوله: «حسبنا» أيّ غموض لغوي، ولا أشتراك لفظي، ومعناه كفانا، و(حَسبَ) اسم معنى لا اسم فعل، بدليل زيادة الباء عليه في قولهم بحسبك درهم، وهكذا قول الداعي حسبي الله، أي كفاني دون غيره، كما يصح أن يقول (بحسبي) أي كفاني، هذا من ناحية المعنى في اللغة العربية. إذن ماذا أراد عمر غير ذلك؟ وهل وراء ذلك مراد لعمر؟ نعم إنّه الكناية عن الاستغناء بالقرآن دون عديله، وما عسى ذلك الرفض إلاّ لمن عيّنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث الثقلين، وهم العترة، الّذين هم الثقل الأصغر، وهو الآخر الّذي يأباه عمر فاستبعده جاهداً، وفرض الاستغناء بالقرآن وحده فقال: «وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله». وذلك ما دلّ عليه معنى (حسبنا) أي كفانا، وإن قيل ما الدليل على انّ ذلك مراد عمر؟ فإنّا نقول: دليلنا على ذلك اعترافاته السابقة بأنّه فهم ذلك فقال: «حسبنا... الخ». ولولا أن يكون ذلك مراد عمر لما كان معنى لقوله: «حسبنا كتاب الله» ولا معنى لقوله: «وعندكم القرآن»، واحتمال أنّه أراد الاستغناء بالقرآن وحده لأنّه فيه تبيان كلّ شيء، لقوله تعالى:{مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} كما قاله علماء التبرير فليس ذلك بصحيح ولا يمكن أن يُصحَح له، لأن القرآن وحده لا يغني ما لم يكن معه مَن يعلم تأويله قال تعالى:{وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاّ الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ}، والله سبحانه يقول:{فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}، وقد ورد عن الإمام عليّ عليه السلام قوله في تفسير هذه الآية فقال: (نحن أهل الذكر) ولا شك أنّ عليّاً عليه السلام كان منهم بل ومن أفاضلهم، كيف لا وهو الّذي دعا له الرسول بأن يكون الأذن الواعية، وفيه نزل قوله تعالى:{وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ}، وهذا هو الّذي أدركه عمر وفهمه، لذلك استبعد الضميمة عن القرآن، فرفضها ومنع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من كتابة الكتاب الّذي لن تضل أمته من بعده ما إن تمسكوا به. وفي حديث الثقلين دلالة واضحة أنّ التمسك بهما معاً - القرآن والعترة - هو السبيل العاصم من الضلالة. وليس التمسك بأحدهما دون الآخر بعاصم وحده. ونحن إذا استذكرنا ما مرّ آنفاً من انّ عمر كان جاداً في دفع عليّ عما أراده الله تعالى له على لسان نبيّه، ولمّا كان عليّ عليه السلام هو واحد من العترة بل هو سيدهم، أدركنا المعنى الحقيقي لكلمة عمر: «حسبنا كتاب الله» وهي تعني التفكيك بين القرآن والعترة عند التمسك بهما. والرد الحاسم على استبعاد العترة من أهلية التمسك بها، لذلك ارتكب ما ارتكب ممّا لا يجوز لمثله أن يفعله، وقال ما قال ممّا ليس من حقّه أن يقوله. ولكنه اليقظ الحذر والمتمرّس على الخلاف على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وشواهد ذلك يكفي منها يوم صلح الحديبية، ويوم الصلاة على ابن أبيّ. وغير ذلك. فأي مانع له الآن أن يعلن الخلاف، ويقول ما لا يحل له ولأي مسلم أن يقوله فينسب الهجر إلى النبيّ المعصوم. ما دام هو بذلك يرفض قرناء الكتاب، وكان من الطبيعي لمثله، وهو يريد ذلك أن يقول للحاضرين: «وعندكم القرآن»- يعني لا حاجة لنا بالعترة الّتي يدعونا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم إلى التمسك بالكتاب وبها كما في حديث الثقلين -. ولندع هذا الجانب التفسيري لكلمته، ولنعد إلى الجانب اللفظي لها. ولنستغفل عقولنا ثانية، وكأننا نبحث عن حاقّ المعنى لقوله. فماذا كان يعني بكلمته: «حسبنا كتاب الله»؟ أو ليس معنى ذلك هو رفض السنّة؟ الّتي هي تلو الكتاب؟ أفهل كان يرى حقاً عدم حجية السنّة؟ نعم كان وكان، ولسنا نحمّله إلاّ تبعة أفعاله، لأنّه ممّن أمر في أيامه بتحريقها ومحوها. وما دام ليس من حقنا أن نحمّله خشية الإتهام بأنا لسنا معه على رأي فلنترك الحديث لأئمّة عمريّين لا يشك في ولائهم لعمر، مثل الإمام الشافعي وابن حزم، والبيهقي، والسيوطي. فلنقرأ ما يقول كلّ واحد في عدم الإستغناء بالكتاب وحده ولابدّ من السنّة معه، وهم غير متهمين فيما يقولونه في إدانة من قال بالإستغناء بالكتاب وحده حتى ولو كان عمر: قال الإمام الشافعي في الرسالة ونقله عنه البيهقي في المدخل: «قد وضع الله رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من دينه وفرضه وكتابه الموضع الّذي أبان جلّ ثناؤه أنّه جعله علماً لدينه بما أفترض من طاعته، وحرّم من معصيته وأبان من فضيلته، بما قرن بين الإيمان به مع الإيمان به فقال تبارك وتعالى:{فَآمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ} وقال:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ} فجعل كمال ابتداء الإيمان الّذي ما سواه تبع له الإيمان بالله ثمّ برسوله معه. قال الشافعي: وفرض الله على الناس إتباع وحيه وسنن رسوله فقال في كتابه:{لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ}. قال الشافعي: فذكر الله الكتاب والقرآن، وذكر الحكمة فسمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يقول: الحكمة سنّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى الله وَالرَّسُولِ} ـ ثمّ ساق الكلام إلى أن قال: فأعلمهم أنّ طاعة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طاعته فقال:{فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. واحتج أيضاً في فرض اتباع أمره بقوله:{لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ الله الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقوله:{وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} وغيرها من الآيات الّتي دلت على اتباع أمره ولزوم طاعته فلا يسع أحد رد أمره لفرض الله طاعة نبيه». قال ابن حزم في الإحكام في أصول الأحكام: «لاتعارض بين شيء من نصوص القرآن ونصوص كلام النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وما نقل من أفعاله فقال سبحانه خبراً عن رسوله:{وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى}، وقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}، وقوله:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا}. فأخبر (عزّ وجل) انّ كلام نبيّه وحي من عنده كالقرآن في أنّه وحي...اهـ». وقال البيهقي بعد احكامه هذا الفصل: «ولولا ثبوت الحجة بالسنّة لما قال صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته بعد تعليم من شهده أمر دينهم (ألا فليبلغ الشاهد منكم الغائب فربّ حامل مبلّغ أوعى من سامع) ثمّ أورد حديث: (نضّر الله امرؤاً سمع منا حديثاً فأدّاه كما سمعه، فربّ مبلّغ أوعى من سامع) ». وهذا الحديث متواتر كما سأبينه. قال الشافعي: «فلمّا ندب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى استماع مقالته وحفظها وأدائها، دلّ على أنّه لا يأمر أن يؤدّى عنه إلاّ ما تقوم به الحجة على من أدي إليه، لأنّه إنّما يؤديَ عنه حلال يؤتى، وحرام يجتنب، وحدّ يقام، ومال يؤخذ ويعطى، ونصيحة في دين ودنيا». ثمّ أورد البيهقي من حديث أبي رافع قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ألفين أحدكم متكئاً على أريكته يأتي الأمر من أمري ممّا أمرتُ به أو نَهيتُ عنه فيقول: لا أدري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) ». وأخرج البيهقي بسنده عن شبيب بن أبى فضالة المكي: «انّ عمران بن حصين (رضي الله عنه) ذكر الشفاعة فقال رجل من القوم: يا أبا نجيد إنكم تحدثونا بأحاديث لم نجد لها أصلاً فى القرآن؟ فغضب عمران وقال لرجل قرأت القرآن؟ قال: نعم، فهل وجدت فيه صلاة العشاء أربعاً ووجدت المغرب ثلاثاً، والغداة ركعتين، والظهر أربعاً، والعصر أربعاً؟ قال: لا، قال: فعن من أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم!؟ أوجدتم فيه من كلّ أربعين شاة شاة، وفى كلّ كذا بعير كذا، وفى كلّ كذا درهماً كذا؟ قال: لا، قال فعن من أخذتم ذلك؟ ألستم عنا أخذتموه وأخذناه عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وقال: أوجدتم في القرأن:{وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}، أو وجدتم فيه فطوفوا سبعاً، واركعوا خلف المقام؟ أو وجدتم في القرآن: لاجلب ولاجنب ولا شغار في الإسلام؟ أما سمعتم الله يقول في كتابه:{وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا}؟ قال عمران: فقد أخذنا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أشياء ليس لكم بها علم». وأخرج البيهقي والحاكم عن الحسن قال: «بينما عمران بن الحصين يحدث عن سنّة رسول الله إذ قال له رجل يا أبا نجيد حدّثنا بالقرآن، فقال له عمران أنت وأصحابك تقرؤن القرأن!؟ اكنت تحدّثني عن الصلاة وما فيها وحدودها؟ أكنت تحدّثني عن الزكاة في الذهب والإبل والبقر وأصناف المال؟ ولكن قد شهدتُ وغبتَ أنتَ، ثمّ قال: فرضَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الزكاة كذا وكذا، فقال الرجل: أحييني أحياك الله. قال الحسن فما ماتَ ذلك الرجل حتى صار من فقهاء المسلمين». قال في ديباجة كتابه: «اعلموا يرحمكم الله انّ من العلم كهيئة الدواء، ومن الآراء كهيئة الخلاء، لاتذكر إلاّ عند داعية الضرورة، وان ممّا فاح ريحه في هذا الزمان. وكان دارساً بحمد الله تعالى منذ أزمان، وهو انّ قائلاً رافضياً (؟) زنديقاً أكثر في كلامه: انّ السنّة النبوية والأحاديث المروية - زادها الله علواً وشرفاً - لايحتج بها، وأنّ الحجة في القرآن خاصة، وأورد على ذلك حديث: ماجاءكم عني من حديث فاعرضوه على القرآن، فإن وجدتم له أصلاً فخذوا به وإلاّ فردّوه. هكذا سمعت هذا الكلام بجملة منه وسمعه منه خلائق غيري... فاعلموا رحمكم الله من أنكر كون حديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقولاً كان أو فعلاً بشرطه المعروف في الأصول حجة، كفر وخرج عن دائرة الإسلام وحشر مع اليهود والنصارى أو مع من شاء الله من فرق الكفرة... وأصل هذا الرأي الفاسد أنّ الزنادقة وطائفة من غلاة الرافضة ذهبوا إلى إنكار الاحتجاج بالسنّة والاقتصار على القرآن...» إلى آخر كلامه. ونحن لانريد مناقشته في حكمه الكلي على الكبرى فهو عين الصواب، ولكن هلّم الخطب في تطبيق الحكم على الصغرى في المقام. ويجب أن لايُستغفَل القارئ بما قاله السيوطي الّذي شنّها حرباً شعواء على ذلك الرافضي المجهول الهوية. كما يجب أن لانظلمه مادامت حجته صحيحة كما حكاها عنه السيوطي نفسه. فإنّ الّذي زعمه السيوطي في حكاية قوله: «هو إهمال السنّة بالمرة فلا يحتج بها». بينما الّذي حكاه من فحوى دليله هو وجوب عرض السنّة على الكتاب، والأخذ بها ما دامت غير مخالفة له. وأين هذا من عدم حجيتها والاكتفاء بالقرآن؟. وإذا صحّ ماذكره السيوطي عنه من الدليل يكون الرافضي المجهول الهوية على حق في كلامه، لأنّ الحديث الّذي يخالف القرآن زخرف وباطل ويضرب به عرض الجدار. وهذا هو المنطق الصحيح والسليم الّذي يقطع جهيزة كلّ الوضاعين والمدلـّسين الّذين كذبوا في الحديث ونسبوه زوراً إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم، وهو منه ومنهم بريء. وأين هذا ماشهّر به السيوطي بقوله: «إنكار الاحتجاج بالسنّة والاقتصار على القرآن...»؟ وهل من الإنصاف أن يرمي بالزندقة لأنّه يقول إنّ السنّة ليست ناسخة للقرآن ولا قاضية عليه، ولأنّ السنّة الصحيحة هي الّتي لاتخالف القرآن! ثمّ ما رأي السيوطي في قول عمر: «حسبنا كتاب الله وعندكم القرآن» أليس ذلك نبذه للسنّة نبذ الحصاة وراء ظهره؟ ثمّ ما رأي السيوطي في قول عمر في خطبته: «لا يبقين أحد عنده كتاباً إلاّ أتاني به فأرى فيه رأيي»، فظنوا أنّه يريد النظر فيها ليقوّمها على أمر لا يكون فيه اختلاف، فأتوه بكتبهم فأحرقها بالنار. كما بعث إلى الامصار يأمرهم: من كان عنده شيء فليمحه؟. فيا هل ترى من هو الّذي أنكر الاحتجاج بالسنّة؟ ذلك الرافضي المنكود حظه؟ أم هو عمر بن الخطاب المشهود رفضه؟ ثمّ هل من حقّنا ان نسأل السيوطي عن حكمه هل هو مخصوص بذلك الرافضي؟ أم هو عام لكل من أنكر الاحتجاج بالسنّة؟ وهل يرضى أن يحكم به على عمر؟ وهل يرضى بذلك علماء التبرير وهو منهم؟ ثمّ ماباله وهو من أهل السنّة، ومادام غيوراً على السنّة، يستنكر ما قاله الرافضي الّذي حامى عن حريم السنّة بأن لا تشوبها شوائب الكذابين، بل كان الأولى أن يدعو له ويستغفر له، فهو يريد حماية السنّة لاعدم الاحتجاج بها ونبذها كمن قال: «حسبنا كتاب الله وعندكم القرآن»، بالله لقد صحّ المثل السائر: (رمتني بدائها وانسلّت)، وما علينا الآن إلاّ أن نقول للسيوطي رضينا بك حَكَماً بيننا وبينك ورضينا بحكمك على كلّ من قال بعدم الاحتجاج بالسنّة من الأولين والآخرين من أيّ فرق المسلمين. ويكفينا في إدانة السيوطي كتابه: (اللاليء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة) لماذا كتبه؟ أليس لتخليص السنّة من الشوائب. إذن فقول الرافضي بعرض السنّة على الكتاب خير ميزان وليس فيه عين، وكتابه المذكور لم يخلّص السنّة من كلّ شين. {أَفَمَنْ يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلاّ أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ}. وأخيراً فقد تبين لنا أنّ عمر إنّما قال: «حسبنا كتاب الله، عليكم بالقرآن» ليستفرد بالكتاب وهو الثقل الأكبر ويستبعد الثقل الأصغر وهم العترة، وسيّد العترة عليّ كما هو معلوم عند المسلمين، وكان أبو بكر يقول ذلك أيضاً. وليس معنى ذلك الاستبعاد لأهل البيت عن ساحة الخلافة، يعني بالضرورة أن لانجد عمر يتحدّث بفضائلهم كما كان أبو بكر يفعل كذلك، حتى لقد عقد المحب الطبري في الرياض النضرة باباً في ذكر ما رواه أبو بكر في فضائل أمير المؤمنين عليه السلام وباباً (في ذكر مارواه عمر في عليّ)، ووردت عنهما أحاديث كثيرة في فضائل أهل البيت، يقف عليها الطالب في كتب المناقب للخوارزمي الحنفي وابن المغازلي المالكي والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي سوى ما أورده الحاكم في المستدرك وابن عساكر الشافعي في تاريخ دمشق وغيرهم وغيرهم. فالحديث بفضائل أهل البيت ليس بضارّ لهما بل ربّما أصابا منه نفعاً من تطييب النفوس بإظهار المودة بعد ما تمّ استبعادهم عن الخلافة، ثمّ تجريدهم حتى من بعض اختصاصهم. ألم يروي الطبراني في الأوسط وعنه الهيثمي في مجمع الزوائد عن عمر قال: «لمّا قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جئت أنا وأبو بكر إلى عليّ فقلنا ما تقول فيما ترك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: نحن أحقّ الناس برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: فقلت والّذي بخيبر؟ قال: والّذي بخيبر، قلت: والّذي بفدك؟ قال: والّذي بفدك. فقلت أما والله حتى تحزّوا رقابنا بالمناشير فلا». قال: إنّ الأمر الصادر يفيد أنّه أمن من الضلال، فالكتاب الّذي يريد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتبه سبب للأمن من الضلال ودوام الهداية. فكيف يخطر على بال إنسان أنّه سيترتب عليه عقوبة أو فتنة أو عجز. أمّا قوله: «حسبنا كتاب الله» لأنّه تعالى قال:{ما فرّطنا في الكتاب من شئ}، ويقول:{اليوم أكملت لكم دينكم}، فكلّ من الآيتين لا يفيد الأمن من الضلال ودوام الهداية للناس، ولو كان كذلك لما وقع الضلال، ولكن الضلال والتفريق في الأمة قد وقع بحيث لا يرجى رفعه، كما أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل لهم أنّ مراده أن يكتب لهم الأحكام حتى يقال على ذلك: إنّه يكفي فهمها من كتاب الله، ولو فرض أنّ مراد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان كتابة بعض الأحكام، فلعل النص على تلك الأحكام منه صلى الله عليه وآله وسلم سبب للأمن من الضلالة. وعلى هذا لا وجه لقولهم: «حسبنا كتاب الله»، بل لو لم يكن فائدة النص إلاّ الأمن من الضلالة لكان مطلوباًَ جداً، ولا يصح تركه للإعتماد على أنّ الكتاب جامع لكلّ شي، كيف والناس محتاجون إلى السنّة أشد احتياج مع كون الكتاب جامعاًَ، وذلك لأنّ الكتاب وإن كان جامعاًَ إلاّ أنّه لا يقدر كلّ أحد على الإستخراج منه. وما يمكن لهم استخراجه منه لا يقدر كلّ أحد استخراجه منه على وجه الصواب. ولهذا فوّض الله لرسوله البيان مع كون الكتاب جامعاً فقال تعالى لنبيّه:{لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِم}، ولاشك أنّ إستخراجه صلى الله عليه وآله وسلم من الكتاب على وجه الصواب يكفي ويغني في كونه نصاً مطلوباً لنا، لاسيما إذا أمرنا به، ولاسيما إذا وعد على ذلك الأمن من الضلال، فما معنى قول «حسبنا كتاب الله» بعد ذلك؟ ليس من جديد عند ابن خلدون سوى التفافه على حديث الدواة والكتف، بقفزة غير بارعة فطواه وطمس معالم الإدانة فيه في موضع مقدمته فقال: - وهو يذكر أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم باحضار الدواة والقرطاس ليكتب صلى الله عليه وآله وسلم الوصية -: «وان عمر منع من ذلك»(!). ثمّ قال: «وما تدعيه الشيعة من وصيته لعليّ (رضي الله عنه) وهو أمر لم يصح ولا نقله أحد من أئمة النقل. والّذي وقع في الصحيح من طلب الدواة والقرطاس ليكتب الوصية وان عمر منع من ذلك، فدليل واضح على أنّه لم يقع». ثمّ عاد في تاريخه فقال: «في مرضه صلى الله عليه وآله وسلم: ثمّ جمع أصحابه فرحّب بهم وعيناه تدمعان ودعا لهم كثيرأ وقال: (أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم واستخلفه عليكم، وأودّعكم إليه إني لكم نذير وبشير ألاّ تعلوا على الله في بلاده وعباده فإنه قال لي ولكم:{تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}، وقال:{أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِين َ} ). ثمّ سألوه عن مغسِّله؟ فقال: (الأدنون من أهلي). وسألوه عن الكفن؟ فقال: (في ثيابي هذه أو بياض مصر أوحلّة يمانية). وسألوه عن الصلاة عليه؟ فقال: (دعوني على سريري في بيتي على شفير قبري، ثمّ اخرجوا عني ساعة، حتى تصلي عليّ الملائكة، ثمّ ادخلوا فوجاً بعد فوج فصلّوا وليبدأ رجال من أهل بيتي ثمّ نساؤهم). وسألوه عمّن يدخله القبر؟ فقال: (أهلي). ثمّ قال: (إئتوني بدواة وقرطاس، اكتب لكم كتاباً لاتضلّون بعده) فتنازعوا وقال بعضهم: إنه يهجر، وقال بعضهم: أهجر؟ يستفهم، ثمّ ذهبوا يعيدون عليه، ثمّ قال: (دعوني فما أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه). وأوصى بثلاث: أن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأن يجيزوا الوفد كما كان يجيزهم. وسكت عن الثالثة أو نسيها الراوي، وأوصى بالأنصار فقال: (إنّهم كرشي وعيلتي الّتي أويت إليها، فأكرموا كريمهم، وتجاوزوا عن مسيئهم، فقد اصبحتم يامعشر المهاجرين تزيدون والأنصار لا يزيدون). ثمّ قال: (سدّوا هذه الأبواب في المسجد إلاّ باب أبي بكر فإنّي لا أعلم أمرءاً أفضل يداً عندي في الصحبة من أبي بكر ولو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صحبة إخاء وإيمان حتى يجمعنا الله عنده). ثمّ ثقل به الوجع واغمي عليه، فاجتمع إليه نساؤه وبنوه، وأهل بيته والعباس وعليّ. ثمّ حضر وقت الصلاه فقال: (مروا أبا بكر فليصل بالناس) فقالت عائشة: «إنّه رجل أسيف لايستطيع أن يقوم مقامك فمر عمر». فامتنع عمر وصلّى أبو بكر، ووجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خفّة فخرج، فلمّا اُحس به أبو بكر تأخر فجذبه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأقامه مكانه، وقرأ من حيث انتهى أبو بكر ثمّ كان أبو بكر يصلي بصلاته والناس بصلاة أبي بكر. قيل صلوا كذلك سبع عشرة صلاة. وكان يدخل يده في القدح وهو في النزع فيمسح وجهه في الماء ويقول: (اللّهم أعنّي على سكرات الموت). فلمّا كان يوم الاثنين وهو يوم وفاته خرج إلى صلاة الصبح عاصباً رأسه، وأبو بكر يصلي فنكص عن صلاته ورده رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بيده صلّى قاعداً على يمينه ثمّ أقبل على الناس بعد الصلاة فوعظهم وذكرهم. ولمّا فرغ من كلامه قال له أبو بكر: «إنّي أراك قد أصبحت بنعمة الله وفضله كما تحب»، وخرج إلى أهله في السنح، ودخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيته فاضطجع في حجرة عائشة. ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر عليه وفي يده سواك أخضر فنظر إليه وعرفت عائشة أنّه يريده قالت: «فمضغته حتى لانَ واعطيته إياه فاستنّ به ثمّ وضعه»، ثمّ ثقل في حجري فذهبت أنظر في وجهه، فإذا بصره قد شخص وهو يقول: (الرفيق الأعلى من الجنة)، فعلمت أنّه خُيّر فأختار. وكانت تقول: قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين سحري ونحري وذلك نصف نهار يوم الاثنين لليلتين من شهر ربيع الأوّل...». هذا ما أردنا نقله من قراءة ابن خلدون في مقدمته وتاريخه، لنوقف القارئ على تخبطه في عرض ماجرى في فترة مرض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وحتى وفاته صلى الله عليه وآله وسلم. وكأنّه قد جنّد نفسه لتكثيف حضور أبي بكر وآل أبي بكر. فأبو بكر فهم نعي النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم نفسه حين قال: (انّ عبداً من عباد الله خيّره الله بين الدنيا وبين ماعنده)، وفهمها أبو بكر فبكى فقال: «بل نفديك بأنفسنا وأبنائنا» فقال: (على رسلك يا أبا بكر)؟ وأبو بكر يحظى ببقاء بابه شارعاً إلى المسجد وتغلق سائر الأبواب غير بابه؟ وأبو بكر يؤمر بالصلاة دون غيره؟ وأخيراً أضطجع النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في حجرة ابنة أبي بكر، وعبد الرحمن بن أبي بكر يدخل وفي يده سواك أخضر فينظر إليه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وتعلم عائشة ابنة أبي بكر أنّه يريده فتأخذه وتمضغه حتى لان وتعطيه فيستنّ به. وأخيراً توفي وهو في حجرها وبين سحرها ونحرها. فهذا الحضور المكثـّف لأبي بكر وآل أبي بكر يثير التساؤل عن عمل أهل بيت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وبقية نسائه أين كانوا وماذا كان في حضورهم؟ في قراءة أبن خلدون؟ <= ألم يقرأ ابن خلدون حديث سلمان الفارسي قال: «دخلت عليه - أي على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم - صبيحة يوم قبل اليوم الّذي مات فيه فقال لي: (ياسلمان ألا تسأل عما كابدته الليلة من الألم والسهر أنا وعليّ) فقلت يا رسول الله: ألا أسهر الليلة معك بدله؟ فقال: (لا هو أحق بذلك منك) ». ألم يقرأ ابن خلدون حديث حذيفة قال: «كان عليّ أسند رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ظهره فقلت لعليّ هلمّ أراوحك؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (هو أحق به) ». وإذا كان ابن خلدون لم يقرأ ذلك، فهل هو لم يقرأ. حضور العباس وحديث اللدود؟ قال ابن أبي الحديد: «وقد وقع اتفاق المحدثين كلّهم على انّ العباس كان ملازماً للرسول صلى الله عليه وآله وسلم أيام مرضه في بيت عائشة وهذا لاينكره أحد». وهو لم يقرأ حديث مسارّة النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لابنته فاطمة؟ مرتين بكت في الاُولى وضحكت في الثانية وهذا ما رواه الشيخان وغيرهما ممّا جل عن البيان. وهو لم يقرأ حديث ابن عباس: «إنه خرج في مرضه الّذي مات فيه عاصباً رأسه بعصابة دسماء ملتحفاً بملحفة على منكبيه فجلس على المنبر وأوصى بالأنصار فكان آخر مجلس جلسه». وهو لم يقرأ حديث الفضل بن العباس: «وقال له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: يا فضل شدّ هذه العصابة على رأسي فشدّها... الخ». وهو لم يقرأ حديث أم الفضل قالت: «خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو عاصب رأسه في مرضه وصلّى بنا المغرب فقرأ بالمرسلات، فما صلّى بعدها حتى لقي الله تعالى». وهو لم يقرأ حديث أم ألمؤمنين زينب: «ــ وهي تقول لأصحاب النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الّذين لغطوا عندما أمر بأحضار الدواة وصحيفة ليكتب لهم كتاباً لن يضلوا بعده أبداًـ. فقال عمر بن الخطاب من لفلانة وفلانة - مدائن الروم - إنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس بميّت حتى نفتتحها ولو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو إسرائيل موسى فقالت زينب زوج النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ألا تسمعون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يعهد اليكم فلغطوا فقال: (قوموا)، فلمّا قاموا قـُبض النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم مكانه». وهو لم يقرأ حديث أم المؤمنين أم سلمة قالت: «والّذي أحلف به إن كان عليّ لأقرب الناس عهداً برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قالت عدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم غداة بعد غداة يقول: جاء عليّ - مراراً - قالت: وأظنه كان بعثه في حاجة قالت: فجاء بعد وظننت إنّ له عليه حاجة، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب فكنت من أدناهم إلى الباب، فأكبّ عليه عليّ فجعل يسارّه ويناجيه، ثمّ قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يومه ذلك فكان أقرب الناس به عهداً». وإذا كان ابن خلدون لم يقرأ كلّ ذلك، فهل يعقل أنّه لم يقرأ ما روته عائشة وأخرجه البخاري عنها مكرراً وكلاهما عنده في المقام الأسمى من خروجه صلى الله عليه وآله وسلم متوكئاً على العباس ورجل - هو عليّ - ولكن عائشة لا تطيق لها نفس أن تذكره بخير وهي تستطيع كما قال ابن عباس فيما رواه الطبري. ألم يقرأ ابن خلدون هذا الحضور لعليّ والعباس عند النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم وقد خرج متوكئاً عليهما حين صلّى أبو بكر فنحّاه وصلّى هو صلى الله عليه وآله وسلم بالناس؟ أوليس هذا في صحيح البخاري وتاريخ الطبري وطبقات ابن سعد، وابن خلدون قد رأى تلك الكتب جميعها وأخذ عنها خصوصاً عن كتاب الطبري الّذي قال عنه - في ذكره أمر الجمل - اعتمدناه للوثوق به لسلامته من الأهواء الموجودة في كتب ابن قتيبة. ثمّ ما بال الناس الّذين سألوه عن مغسّله وكفنه والصلاة عليه وحتى عمّن يدخله القبر، ما بالهم لم يسألوه عمّن يتولى أمرهم من بعده؟ ثمّ ما باله صلى الله عليه وآله وسلم لم يقدم أبا بكر للصلاة عليه أولاً مادام قد أمر بتقديمه للصلاة بالمسلمين مكانه كما يروي ابن خلدون وغيره؟ ولندع ذكر ما في قراءة ابن خلدون من مثار التساؤل، ونعود إلى إنكاره الوصية للإمام كما مرّ عن مقدمته. وإلى إقراره بأن الّذي منع من كتابة ذلك هو عمر، وما صرّح به ثانياً بأنّ الّذي منع قال: «أنّه يهجر» فتكون النتيجة ماسبق أن ذكرناه في (ماذا قال عمر؟) وأنّه الّذي قال: «انّ الرجل ليهجر». وأمّا كون النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لم يكتب الكتاب لمنع عمر ليس يعني أنّه لم يكن قد أوصى عليّاً، فما نعى به على الشيعة في ذلك، وزعم أنّه أمر لم يصح ولا نقله أحد من أئمة النقل. فنقول له إنه أمر صحيح ونقله جماعة من أئمة النقل. ونحن لا نطيل الوقوف معه في سرد ما يستدل به الشيعة على وصاية عليّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم إذ لم يكن دليلهم منحصراً بذلك الكتاب الّذي أراد صلى الله عليه وآله وسلم أن يكتبه ومنع عمر منه فلم يقع. فإن لديهم من الأدلة الأخرى والّتي رووها عن مصادرهم ومصادر غيرهم وفي هذا القسم الثاني ما يرغم ابن خلدون على قبول أحاديثهم ففيها من صحاح قومه وسننهم ومسانيدهم وتواريخهم، وفيها أحاديث دلت على أنّ عليّاً كان وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قبل يوم الخميس يوم حديث الرزية، بل كان هو وصيّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من يوم بدء الدعوة كما في حديث الإنذار. وإليك بعض ما جاء في ذلك صريحاً بالوصية:
ثواب الأعمال - الشيخ الصدوق - الصفحة ٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وأخيراً من أين للمازري اثبات فهم عمر دون غيره بأن أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان عن غير قصد جازم، وهذا لا يعلم إلاّ من قبل عمر نفسه، ولم يرد عنه في ذلك شيء. ثمّ إنّ ما ذهب إليه المازري لم يتابعه عليه أحد يعتد به - فيما أعلم - إلاّ رجل واحد من المتأخرين هو السيد عبد الرحيم الطهطاوي. أمّا باقي أعلام قومه كالقاضي عياض والقرطبي وابن حجر وغيرهم فقد ذهبوا إلى عكس ما قاله المازري وقالوا بان عمر فهم الوجوب، وإنّما قال الّذي قاله إنكاراً على من تخلف عن الإمتثال، وستأتي مقالاتهم التافهة وما أسسوه من مقدمات لنتائجهم المردودة وقياساتهم الباطلة.. قال: في كتاب الشفاء: فصل: فإن قلت قد تقررت عصمته صلى الله عليه وآله وسلم في أقواله في جميع أحواله وأنّه لا يصح منه فيها خُلفٌ ولا اضطراب في عمد ولا سهو ولا صحة ولا مرض ولا جدّ ولا مزح ولا رضىً ولا غضب، ولكن ما معنى الحديث في وصيته صلى الله عليه وآله وسلم... ثمّ ذكر حديث الكتف والدواة بسنده إلى قوله: فقال بعضهم: انّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد غلبه الوجع... الحديث. ثمّ قال: وفي رواية: (إئتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً) فتنازعوا فقالوا: ماله أهجر استفهموه فقال: (دعوني فإنّ الّذي أنا فيه خير). وفي بعض طرقه: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: يَهجَر. وفي رواية هجر، ويُروى: أهُجراً. وفيه فقال عمر: إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قد اشتد به الوجع، وعندنا كتاب الله حسبنا، وكثر اللغط فقال: (قوموا عني). وفي رواية: واختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتاباً، ومنهم من يقول ما قال عمر. قال أئمّتنا: في هذا الحديث النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم غير معصوم من الأمراض وما يكون من عوارضها من شدة الوجع وغشي ونحوه ممّا يطرأ على جسمه، معصوم أن يكون منه من القول أثناء ذلك ما يطعن في معجزته، ويؤدي إلى فساد في شريعته من هذيان واختلال كلام. وعلى هذا لا يصح ظاهر رواية من روى في الحديث هَجَرَ إذ معناه هذي يقال هَجَرَ هجراً إذا هذى وأهجر هجراً إذا أفحش وأهجر تعدية هَجَرَ، وانما الأصح والأولى أهَجَرَ على طريق الأنكار على من قال لا يكتب، وهكذا روايتنا فيه في صحيح البخاري من رواية جميع الرّوات في حديث الزهري المتقدم، وفي حديث محمّد بن سلام عن ابن عيينة، وكذا ضبطه الأصيلي بخطه في كتابه وغيره من هذا الطريق، وكذا روينا عن مسلم في حديث سفيان وعن غيره، وقد تحمل عليه رواية من رواه هَجَرَ على حذف ألف الأستفهام، والتقدير أهجر، أو أن يحمل قول القائل هجراً أو أهَجَرَ دهشةً من قائل ذلك وحيرة لعظيم ما شاهدا من حال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وشدة وجعه وهو المقام الّذي أختلف فيه عليه، والأمر الّذي همّ بالكتاب فيه حتى لم يضبط هذا القائل لفظه وأجرى الهُجر مجرى شدة الوجع، لا أنّه أعتقد أنّه يجوز عليه الهجر، كما حملهم الاشفاق على حراسته والله يقول:{وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنْ النَّاسِ} ونحو هذا، وأمّا على رواية أهجُراً وهي رواية أبي إسحاق المستملي في الصحيح في حديث ابن جبير عن ابن عباس من رواية قتيبة فقد يكون هذا راجعاً إلى المختلفين عنده صلى الله عليه وآله وسلم ومخاطبةً لهم من بعضهم أي جئتم باختلافكم على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين يديه هجراً ومنكراً من القول، والهُجر بضم الهاء الفَحش في المنطق. وقد اختلف العلماء في معنى هذا الحديث وكيف أختلفوا بعد أمره لهم صلى الله عليه وآله وسلم أن يأتوه بالكتاب فقال بعضهم: أوامر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم يفهم أيجابها من ندبها من اباحتها بقرائن فلعل قد ظهر من قرائن قوله صلى الله عليه وآله وسلم لبعضهم ما فهموا أنّه لم تكن منه عزمة، بل أمر ردّه إلى اختيارهم، وبعضهم لم يفهم ذلك فقال: أستفهموه، فلمّا أختلفوا كفّ عنه إذ لم يكن عزمة ولمّا رأوه من صواب رأي عمر. ثمّ هؤلاء قالوا ويكون أمتناع عمر إمّا أشفاقاً على النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم من تكليفه في تلك الحال إملاء الكتاب وأن تدخل عليه مشقة من ذلك كما قال إنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أشتد به الوجع. وقيل: خشي عمر أن يكتب أموراً يعجزون عنها فيحصلون في الحرج بالمخالفة ورأى أنّ الأرفق بالأمة في تلك الأمور سعة الاجتهاد وحكم النظر وطلب الصواب، فيكون المصيب والمخطيء مأجوراً. وقد علم عمر تقرّر الشرع وتأسيس الملة وان الله تعالى قال:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أوصيكم بكتاب الله وعترتي). وقول عمر: حسبنا كتاب الله، ردٌ على من نازعه لا على أمر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم. وقد قيل: إنّ عمر خشي تطرّق المنافقين ومَن في قلبه مرض ما كتب في ذلك الكتاب في الخلوة وأن يتقولوا في ذلك الأقاويل، كادعاء الرافضة الوصية وغير ذلك. وقيل: إنّه كان من النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم لهم على طريق المشورة والإختبار هل يتفقون على ذلك أم يختلفون فلمّا أختلفوا تركه. وقالت طائفة أخرى: إن معنى الحديث انّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم كان مجيباً في هذا الكتاب لما طـُلب منه، لا أنّه ابتداء بالأمر، بل اقتضاه منه بعض أصحابه فأجاب رغبتهم وكره ذلك غيرهم للعلل الّتي ذكرناها. واستدل في هذه القصة بقول العباس لعليّ: انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإن كان الأمر فينا علمناه، وكراهة عليّ هذا، وقوله: والله لا أفعل... الحديث. واستدل بقوله: (دعوني فإنّ الّذي أنا فيه). أي الّذي أنا فيه خير من ارسال الأمر وترككم وكتاب الله وأن تدعوني ممّا طلبتم، وذكر أنّ الّذي طلب كتابة أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك.
ثواب الأعمال - الشيخ الصدوق - الصفحة ٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الصدوق حدثنا محمّد بن موسى بن المتوكل رحمه الله عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستانى عن ابى جعفر عليه السلام قال قال رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم قال اللّه عزّ و جلّ: لأعذبنّ كل رعية فى الإسلام دانت بولاية امام جائر ظالم ليس من اللّه، و ان كانت الرعية فى أعمالها بارة تقية و لأعفونّ عن كل رعية فى الاسلام دانت بولاية امام عادل من اللّه و ان كانت الرعية فى أعمالها ظالمة سيئة [1] 1- الصفار حدثنا محمّد بن الحسين عن إبراهيم بن أبى البلاد عن سدير الصّيرفى قال أوصانى أبو جعفر عليه السلام بحوائج له بالمدينة قال فبينا أنا فى فجّ الروحاء على راحلتى اذا انسان يلوى بثوبه، قال فملت إليه و ظننت أنّه عطشان فناولته الإداوة قال فقال لا حاجة لى بها، ثمّ ناولنى كتابا طينه رطب قال فلمّا نظرت إلى ختمه اذا هو خاتم ابى جعفر، فقلت له متى عهدك بصاحب الكتاب قال السّاعة قال فاذا فيه أشياء يأمرنى بها، ثم قال التفتّ فاذا ليس عندى أحد قال فقدم أبو جعفر عليه السلام فلقيته فقلت له جعلت فداك رجل أتانى بكتاب و طينه رطب قال: اذا عجّل لنا أمر أرسلت بعضهم يعنى الجنّ و زاد فيه محمّد بن الحسين بهذا الاسناد يا سدير انّ لنا خدما من الجنّ فاذا أردنا السّرعة بعثناهم [2]. 2- عنه حدثنا أحمد بن محمّد، عن على بن الحكم، عن مالك بن عطيّة عن أبى حمزة الثماليّ، قال كنت استأذن على أبى جعفر عليه السلام فقيل عنده قوم اثبت قليلا حتّى يخرجوا فخرج قوم انكرتهم و لم أعرفهم ثم أذن لى فدخلت عليه فقلت جعلت فداك هذا زمان بنى أميّة و سيفهم يقطر دما، فقال لى يا أبا حمزة هؤلاء وفد شيعتنا من الجنّ جاءوا يسألوننا عن معالم دينهم [1]. 3- عنه حدثنا محمّد بن على بن حديد، عن منصور بن حازم، عن سعد الإسكاف قال اتيت باب أبى جعفر عليه السلام مع أصحاب لنا لندخل عليه، فاذا ثمانية نفر كأنّهم من أب و أمّ عليهم ثياب زرابي و اقبية طاق طاق و عمائم صفر دخلوا فما احتسبوا حتّى خرجوا قال لى يا ابا سعد رأيتهم قلت نعم جعلت فداك قال اولئك اخوانكم من الجنّ أتونا يستفتوننا فى حلالهم و حرامهم كما تأتونا و تستفتوننا فى حلالكم و حرامكم [2]. 4- عنه عن ابن سنان عن ابن مسكان، عن سعد الإسكاف قال طلبت الأذن عن أبى جعفر عليه السلام فبعث الىّ لا تعجل، فانّ عندى قوما من إخوانكم فلم ألبث أن خرج علىّ اثنا عشر رجلا يشتبهون الزطّ، عليهم أقبية طبقين و خفاف فسلّموا و مرّوا و دخلت على ابى جعفر عليه السلام قلت جعلت فداك من هؤلاء الّذين خرجوا من عندك قال هؤلاء قوم من إخوانكم من الجنّ قلت له و يظهرون لكم قال نعم [3]. 5- عنه حدثنا إبراهيم بن هاشم، عن عمرو بن عثمان، عن إبراهيم بن أيّوب، عن عمرو بن شمر، عن جابر عن أبى جعفر عليه السلام قال بينا أمير المؤمنين عليه السلام على المنبر إذ أقبل ثعبان من ناحية باب من أبواب المسجد فهمّ الناس أن يقتلوه فأرسل أمير المؤمنين عليه السلام إليهم ان كفّوا، فكفّوا و أقبل الثعبان ينساب حتّى انتهى الى المنبر فتطاول و سلّم على أمير المؤمنين عليه السلام فاشار أمير المؤمنين بيده، فنظر الناس و الثعبان فى أصل المنبر حتّى فرغ على أمير المؤمنين عليه السلام من خطبته. ثم أقبل عليه، فقال له من أنت قال: أنا عمرو بن عثمان خليفتك على الجنّ و إنّ أبى مات و أوصانى أن آتيك فاستطلع رأيك، فقد أتيتك يا أمير المؤمنين فما تأمرنى به، و ما ترى، فقال له أمير المؤمنين عليه السلام اوصيك بتقوى اللّه و أن تنصرف فتقوم مقام أبيك فى الجنّ فانّك خليفتى عليهم، قال فودّع امير المؤمنين و انصرف فهو خليفته على الجنّ فقلت له جعلت فداك فيأتيك عمرو و ذلك الواجب عليه قال نعم [1]. 6- محمّد بن يعقوب بعض أصحابنا، عن محمّد بن على، عن يحيى بن مساور، عن سعد الإسكاف قال: أتيت أبا جعفر عليه السلام فى بعض ما أتيته فجعل يقول: لا تعجل حتّى حميت الشمس علىّ و جعلت أتتبع الأفياء فما لبث أن خرج علىّ قوم كأنّهم الجراد الصفر عليهم البتوت قد انتهكتهم العبادة قال: فو اللّه لأنسانى ما كنت فيه من حسن هيئة القوم فلمّا دخلت عليه قال لى: أرانى قد شققت عليك. قلت: أجل و اللّه لقد أنسانى ما كنت فيه قوم مرّوا بى لم أر قوما أحسن هيئة منهم فى زىّ رجل واحد، كأنّ ألوانهم الجراد الصفر قد انتهكتهم العبادة فقال: يا سعد رأيتهم؟ قلت: نعم قال اولئك إخوانك من الجنّ قال: فقلت: يأتونك؟ قال: نعم يأتونا يسألونا عن معالم دينهم و حلالهم و حرامهم [2]. 7- عنه أحمد بن ادريس و محمّد بن يحيى عن الحسن بن على الكوفى عن ابن فضّال عن بعض أصحابنا عن سعد الاسكاف قال: أتيت أبا جعفر عليه السلام أريد الاذن عليه فإذا رحال على الباب مصفوفة و إذا الأصوات قد ارتفعت ثمّ خرج قوم معتمين بالعمائم يشبهون الزّط قال: فدخلت على أبى جعفر عليه السلام فقلت: جعلت فداك أبطأ إذنك علىّ اليوم و رأيت قوما خرجوا علىّ معتمين بالعمائم، فانكرتهم فقال: أو تدرى من أولئك يا سعد؟ قال: قلت: لا قال: فقال: اولئك إخوانكم من الجن يأتونا فيسألونا عن حلالهم و حرامهم و معالم دينهم [1] 1- محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن احمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب عن ضريس الكناسى، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال له حمران: جعلت فداك أ رأيت ما كان من أمر علىّ و الحسن و الحسين عليهم السلام و خروجهم و قيامهم بدين اللّه عزّ و جلّ و ما أصيبوا من قتل الطواغيت إيّاهم و الظفر بهم حتّى قتلوا و غلبوا؟ فقال أبو جعفر عليه السلام يا حمران إنّ اللّه تبارك و تعالى قد كان قدّر ذلك عليهم و قضاه و أمضاه حتمه ثمّ أجراه فبتقدّم علم ذلك إليهم من رسول اللّه قام علىّ و الحسن و الحسين و بعلم صمت من صمت منّا [2].
مسند الإمام الباقر - عزيز الله العطاردي - ج ١ - الصفحة ٣٤٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
عنه حدّثنا أبى: و محمّد بن الحسن بن أحمد بن الوليد و أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار رضى اللّه عنهم قالوا: حدّثنا سعد بن عبد اللّه عن محمّد بن الحسين بن أبى الخطّاب عن جعفر بن بشير البجلى و الحسن بن علىّ بن فضّال عن المثنى بن الوليد الحنّاط عن منصور بن حازم، عن بكر بن حبيب، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه
عليه السلام فى مرضه الّذي قبض فيه ادعوا لى خليلى فأرسلت عائشة و حفصة إلى أبويهما فلمّا جاء اغطّى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وجهه و رأسه فانصرفا فكشف رأسه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم. ثمّ قال: ادعوا لى خليلى فأرسلت حفصة إلى أبيها و عائشه الى أبيها فلمّا جاءا غطّى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم وجهه فانطلقا و قالا: ما نرى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أرادنا قالتا أجل إنّما قال: ادعوا لى خليلى- أو قال حبيبى- فرجونا أن تكونا أنتما هما فجاءه أمير المؤمنين عليه السلام و ألزق رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم صدره بصدره و أومأ الى اذنه فحدّثه بألف حديث كلّ حديث ألف باب. [1] 71- النعماني حدّثنا محمّد بن همام و محمّد بن الحسن بن محمّد بن جمهور، جميعا عن الحسن بن محمّد بن جمهور، عن أبيه عن سماعة عن أبى الجارود قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام إذا مضى الامام القائم من أهل البيت فبأىّ شيء يعرف من يجىء بعده؟ قال بالهدى و الاطراق و إقرار آل محمّد له بالفضل و لا يسأل عن شيء بين صدفيها إلّا أجاب. [2] 72- المفيد باسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن على بن الحكم عن عبد اللّه بن بكير الهجرى، عن أبى جعفر عليه السلام قال: إنّ على بن أبى طالب كان هبة اللّه لمحمّد صلى الله عليه وآله وسلم ورث علم الأوصياء و علم من كان قبله من الأنبياء و المرسلين. [3] 73- عنه باسناده عن محمّد بن عبد الحميد العطّار، عن منصور بن يونس عن عمر بن اذينة عن محمّد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: نزل جبرئيل على محمّد صلى الله عليه وآله وسلم برمّانتين من الجنّة فلقيه علىّ عليه السلام فقال: ما هاتان الرمّانتان اللّتان فى يدك؟ فقال: أمّا هذه فالنبوّة ليس لك فيها نصيب و أمّا هذه فالعلم ثمّ فلقها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فأعطاه نصفها فأخذ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم نصفها ثمّ قال: أنت شريكى و أنا شريكك فيه فلم يعلم و اللّه رسول اللّه حرفا ممّا علّمه اللّه إلّا علمه عليا ثمّ انتهى العلم إلينا و وضع يده على صدره. [1] 74- عنه عن حمزة بن يعلى عن أحمد بن النضر عن عمرو بن شمر عن جابر بن يزيد عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال: يا جابر إنّا لو كنّا نحدّثكم برأينا و هوانا لكنّا من الهالكين و لكنّا نحدّثكم بأحاديث نكنزها عن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كما يكنز هؤلاء ذهبهم و ورقهم. [2] 75- عنه باسناده عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيّوب عن جميل بن درّاج عن الفضيل بن يسار عن أبى جعفر عليه السلام أنّه قال: إنّا على بيّنة من ربّنا بيّنها لنبيّه فبينها نبيّه صلى الله عليه وآله وسلم لنا و لو لا ذلك لكنّا كهؤلاء الناس. [3] 76- عنه باسناده عن موسى بن عمر بن يزيد الصيقل عن علىّ بن إسماعيل الميثمى عن سماعة بن مهران عن شيخ من أصحابنا عن أبى جعفر عليه السلام قال: جئنا نريد الدخول عليه فلمّا صرنا فى الدهليز سمعنا قراءة سريانيّة بصوت حسن يقرأ و يبكى حتّى أبكى بعضنا [4]. 77- عنه باسناده عن محمّد بن الحسين بن أبى الخطّاب عن أحمد بن الحسن الميثمىّ عن أبان بن عثمان الفزارى عن موسى بن أكيل النميرى قال: جئنا إلى باب أبى جعفر عليه السلام نستأذن عليه فسمعنا صوتا يقرأ بالعبرانيّة فبكينا حيث سمعنا الصوت فظننا أنّه بعث الى رجل من أهل الكتاب ليقرأ عليه فدخلنا فلم نر عنده أحدا فقلنا: أصلحك اللّه سمعنا صوتا بالعبرانيّة فظننا أنّك بعثت إلى رجل من أهل الكتاب استقرأته فقال: لا و لكنّى ذكرت مناجاة ايليا فبكيت من ذلك قلنا: و ما كانت مناجاته؟ فقال: جعل يقول: يا ربّ أتراك معذّبى بعد طول قيامى لك و عبادتى إيّاك و معذّبى بعد صلاتى لك و جعل يعدّد أعماله فأوحى اللّه إليه أنّى لست اعذّبك فقال: يا ربّ و ما يمنعك أن تقول: لا، بعد نعم و أنا عبدك و فى قبضتك فأوحى اللّه إليه أنّى إذا قلت قولا وفيت به. [1] 78- عنه باسناده عن محمّد بن الحسين بن أبى الخطّاب عن النضر بن شعيب عن عمر بن خليفة عن شيبة عن الفيض عن محمّد بن مسلم قال: أبا جعفر عليه السلام يقول: يا أيّها النّاس علّمنا منطق الطير و اوتينا من كلّ شيء إنّ هذا لهو الفضل المبين. [2] 79- عنه عن محمّد بن عيسى بن عبيد عن أبى عبد اللّه زكريّا بن محمّد المؤمن، عن عبد اللّه بن مسكان و أبى خالد القمّاط و أبى أيوب الخزاز عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إنّ رسول اللّه أنال فى الناس و أنال و عندنا عرى العلم و أبواب الحكم و معاقل العلم و ضياء الأمر و أواخيه فمن عرفنا نفعته معرفته و قبل منه عمله و من لم يعرفنا لم ينفعه اللّه بمعرفته ما علم و لم يقبل منه عمله [3]
مسند الإمام الباقر - عزيز الله العطاردي - ج ١ - الصفحة ٤٢٦. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
عنه حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدّثنى على بن الحسن، عن أخيه محمّد بن الحسن، عن أبيه عن أحمد بن عمر الحلبىّ، عن الحسين بن موسى، عن معمر بن يحيى بن سام، عن أبى خالد الكابلىّ، عن أبى جعفر عليه السلام أنّه قال
كأنّى يقوم قد خرجوا بالمشرق يطلبون الحقّ، فلا يعطونه ثمّ يطلبونه فلا يعطونه فإذا رأوا ذلك وضعوا سيوفهم على عواتقهم، فيعطون ما سألوه، فلا يقبلونه حتّى يقوموا و لا يدفعونها الّا إلى صاحبكم، قتلاهم شهداء أما أنّى لو أدركت ذلك لاستبقيت نفسى لصاحب هذا الأمر [1]. 13- عنه حدّثنا أحمد بن محمّد بن سعيد، قال: حدّثنا على بن الحسن عن يعقوب بن يزيد، عن زياد القندىّ عن ابن اذينة عن معروف بن خربوز قال: ما دخلنا على أبى جعفر الباقر عليه السلام قطّ الّا قال: «خراسان خراسان سجستان سجستان» كأنّه يبشّرنا بذلك [2]. 14- عنه أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد قال: حدّثنا محمّد بن المفضل و سعدان بن اسحاق بن سعيد، و أحمد بن الحسين بن عبد الملك، و محمّد بن أحمد بن الحسن، جميعا عن الحسن بن محبوب، عن يعقوب السّراج، عن جابر، عن أبى جعفر عليه السلام أنّه قال: يا جابر لا يظهر القائم حتّى يشمل الناس- الشام فتنة يطلبون المخرج منها فلا يجدونه و يكون قتل بين الكوفة و الحيرة قتلاهم على سواء و ينادى مناد من السماء [3]. 15- عنه أخبرنا أحمد بن محمّد بن سعيد، عن هؤلاء الرّجال الأربعة عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم، عن أبى جعفر عليه السلام أنّه قال: توقّعوا الصوت يأتيكم بغتة من قبل دمشق فيه لكم فرج عظيم [4].
مسند الإمام الباقر - عزيز الله العطاردي - ج ١ - الصفحة ٥٠٢. — الإمام الباقر عليه السلام
فرات قال حدثني جعفر بن محمّد الفزارى معنعنا، عن أبى جعفر عليه السلام فى قوله: «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» قال فضل اللّه النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم و برحمته على بن أبى طالب عليه السلام [1]. 13- فرات، قال حدّثنى جعفر بن محمّد الفزارى، معنعنا عن أبى حمزة الثماليّ، قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول اللّه
«ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ» فقال أبو جعفر عليه السلام ذلك قول أعداء اللّه لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من خلقه، و هم يرون أنّ اللّه يسمع قولهم لو أنه جعل إماما غير علىّ و بدله مكانه، فقال اللّه ردّا عليهم: قولهم «قُلْ: ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي» يعنى عليّا «إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ من ربى» فى على عليه السلام، فذلك قوله «ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ» 14- فرات قال حدثني جعفر بن محمّد الفزارى، معنعنا عن أبى جعفر محمّد ابن على عليه السلام قال : خرج رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم و هو راكب، و خرج علىّ عليه السلام و هو يمشى فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: يا أبا الحسن أما أن تركب و إمّا أن تنصرف فان اللّه أمرنى ان تركب إذا ركبت، و تمشى إذا مشيت و تجلس إذا جلست، إلّا أن يكون حدّا من حدود اللّه لا بدّ لك من القيام و القعود فيه، و ما أكرمنى اللّه بكرامة إلّا و قد أكرمك بمثلها. خصّنى بالنبوة و الرّسالة، و جعلك ولىّ ذلك تقوم في صعب أموره، و الذي بعثنى بالحقّ نبيا ما آمن بى من كفر بك، و لا أقرّ بى من جحدك و لا آمن باللّه من أنكرك و إنّ فضلك من فضلى، و فضلى لك فضل و هو قوله تعالى: «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ. فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» و اللّه يا علىّ ما خلقت إلّا ليعرف بك معالم الدين و دراس السبيل. لقد ضلّ من ضلّ عنك و لم يهتد إلى اللّه من لم يهتد إليك و هو قول ربى: «وَ إِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صالِحاً ثُمَّ اهْتَدى الى ولايتك و لقد أمرنى أن افترض من حقك ما أمرنى أن أفترضه من حقّى، فحقك مفروض على من آمن بى، كافتراض حقّى عليه، و لولاك لم يعرف حزب اللّه و بك يعرف عدوّ اللّه و لو لم يلقوه بولايتك ما لقوه شيء، و إنّ مكانى لأعظم من مكان من اتّبعنى، و لقد أنزل اللّه فيك: «يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ» . فلو لم أبلغ ما أمرت به لحبط عملى بتوعد ما أقول لك إلّا ما يقول ربى، و إنّ الّذي أقول لك لمن اللّه نزل فيك فالى اللّه أشكو تظاهر أمتى عليك و إلى اللّه أشكو ما يرتكبونه منك بعدى، أما أنه يا علىّ ما ترك قتالى من قاتلك، و لا سلم لى من نصبك، و أنك لصاحب الأكواب و صاحب المواقف المحمودة، فى ظل العرش. أينما أوقف فتدعى إذا دعيت، و تحيى إذا حييت، و تكسى اذا كسيت و حقّت كلمة العذاب على من لم يصدّق قولى فيك، و حقت كلمة الرحمة لمن صدقنى و ما ركبت بأمر إلّا و قد ركبت به، و لا اغتابك مغتاب، و لا أعان عليك إلّا و هو فى حيز إبليس و من والاك و و الى من هو منك من بعدك، كان من حزب اللّه و حزب اللّه هم المفلحون [1]. 15- محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن فضّال عن أبى جميلة، عن جابر، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رجل لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : فى قول اللّه عزّ و جلّ: «لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا» قال: هى الرؤيا الحسنة، يرى المؤمن فيبشرها بها فى دنياه [2]. 16- الصدوق، حدثنا على بن عبد اللّه الوراق، قال حدّثنا سعد بن عبد اللّه، قال: حدّثنا العباس بن سعيد الأزرق، و كان من العامة قال: حدّثنا عبد الرحمن بن صالح، قال: حدثنا شريك بن عبد اللّه، عن العلاء بن عبد الكريم، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قول اللّه عزّ و جلّ «وَ اللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ» فقال: إنّ السلام هو اللّه عزّ و جلّ و داره الّتي خلقها لأوليائه الجنّة [1]. 17- العياشى باسناده عن أبان بن عثمان، عن محمّد، قال: قال أبو جعفر عليه السلام اقرأ قلت: من أىّ شيء اقرأ قال اقرأ من السورة السابعة، قال: فجعلت ألتمسها، فقال: اقرأ سورة يونس، فقرأت حتّى انتهيت الى «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَ زِيادَةٌ وَ لا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَ لا ذِلَّةٌ» ثم قال: حسبك، قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: «إنى لأعجب كيف لا أشيب إذا قرأت القرآن» [2]. 18- عنه باسناده عن الصباح بن سيابة، عن أبى جعفر عليه السلام، قال : إنّ اللّه خلق الشهور، اثنا عشر شهرا، و هى ثلاثمائة و ستون يوما، فخرج منها ستة أيام، خلق فيها السموات و الأرض، فمن ثم تقاصرت الشهور [3]. 19- عنه باسناده عن الثماليّ عن أبى جعفر عليه السلام ، فى قول اللّه: «وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ ما يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ» قالوا: بدل مكان علىّ أبو بكر أو عمر اتّبعناه [4]. 20- عنه باسناده عن الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام: جعلت فداك إنّا نتحدث أن لآل جعفر راية و لآل فلان راية فهل فى ذلك شيء؟ فقال: أما لآل جعفر فلا، و أما راية بنى فلان، فانّ لهم ملكا مبطئا يقرّبون فيه البعيد، و يبعدون فيه القريب، و سلطانهم عسر ليس فيه يسر، لا يعرفون فى سلطانهم من أعلام الخير شيئا، يصيبهم فيه فزعات كلّ ذلك يتجلّى عنهم حتى إذا أمنوا مكر اللّه و أمنوا عذابه و ظنوا انهم قدر الكافر. صيح فيهم صيحة لم يكن لهم فيها مناد يسمعهم و لا يجمعهم و ذلك قول اللّه «حَتَّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها» إلى قوله «لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» إلّا أنه ليس أحد من الظلمة إلّا و لهم بقيا إلّا آل فلان، فانهم لا بقيا لهم، قال: جعلت فداك أ ليس لهم بقيا؟ قال: لا و لكنّهم يصيبون منادما فيظلمهم نحن و شيعتنا و من يظلمه نحن و شيعتنا فلا بقيا له [1]. 21- عنه باسناده عن الفضيل بن يسار، قال سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : ما من عبد اغر و رقت عيناه بمائها إلّا حرّم اللّه ذلك الجسد على النار و ما فاضت عين من خشية اللّه إلّا لم يرهق ذلك الوجه قتر و لا ذلة [2]. 22- عنه باسناده عن محمّد بن مروان، عن رجل عن أبى جعفر عليه السلام قال : ما من شيء إلّا و له وزن أو ثواب الا الدموع فان القطرة يطفى البحار من النّار، فاذا اغر و رقت عيناه بمائها حرّم اللّه عزّ و جلّ ساير جسده على النّار و إن سالت الدموع على خدّيه لم يرهق وجهه قتر و لا ذلة و لو أنّ عبدا بكى فى امة لرحمها اللّه [3]. 23- عنه باسناده عن حمران قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الأمور العظام من الرجعة و غيرها؟ فقال: إنّ هذا الّذي تسألونى عنه لم يأت أوانه، قال اللّه «بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ» 24- عنه باسناده عن جابر عن أبى جعفر عليه السلام قال : سألته عن تفسير هذه الآية «لِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ، وَ هُمْ لا يُظْلَمُونَ» قال: تفسيرها بالباطن إنّ لكلّ قرن من هذه الأمة رسولا من آل محمّد يخرج الى القرآن الّذي هو إليهم رسول، و هم الأولياء و هم الرّسل و أما قوله: «فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ» قال: معناء إنّ الرسل يقضون بالقسط و هم لا يظلمون كما قال اللّه [1]. 25- عنه باسناده عن أبى حمزة عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت: «قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَ بِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ» فقال: الإقرار بنبوة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم و الائتمام بأمير المؤمنين عليه السلام هو خير ممّا يجمع هؤلاء فى دنياهم [2]. 26- عنه باسناده عن بريد العجلى، عن أبى جعفر عليه السلام قال : وجدنا فى كتاب علىّ بن الحسين عليهما السلام «أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ» قال: إذا أدّوا فرائض اللّه و أخذوا بسنن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، تورعوا عن محارم اللّه، و زهدوا فى عاجل زهرة الدنيا، و رغبوا فيما عند اللّه و اكتسبوا الطيب من رزق اللّه لا يريدون به التفاخر و التكاثر، ثم انفقوا فيما يلزمهم من حقوق واجبة، فاولئك الّذين بارك اللّه لهم فيما اكتسبوا و يثابون على ما قدموا لآخرتهم [3]. 27- عنه باسناده عن عبد الرحيم قال: قال أبو جعفر عليه السلام: إنّما احدكم حين يبلغ نفسه، هاهنا، فينزل عليه ملك الموت، فيقول له: أما ما كنت ترجو فقد أعطيته و أما ما كنت تخافه فقد أمنت منه، و يفتح له باب إلى منزله من الجنّة و يقال له: انظر إلى مسكنك من الجنة و انظر هذا رسول اللّه و علىّ و الحسن و الحسين عليهم السلام رفقاؤك و هو قول اللّه «الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ» 28- عنه باسناده عن أبى حمزة الثماليّ، قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام: ما يصنع بأحد عند الموت، قال: أما و اللّه يا أبا حمزة ما بين أحدكم و بين أن يرى مكانه من اللّه و مكانه منا يقرّبه عينه إلّا أن يبلغ نفسه هاهنا، ثم أهوى بيده إلى نحره أ لا أبشرك يا با حمزة فقلت: بلى جعلت فداك، فقال: إذا كان ذلك أتاه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم و علىّ عليه السلام معه قعد عند رأسه. فقال له إذا كان ذلك رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: أ ما تعرفنى؟ أنا رسول اللّه هلمّ إلينا فما امامك خير لك مما خلفت إماما كنت تخاف فقد أمنته و أماما كنت ترجو فقد هجمت عليه أيتها الروح أخرجى إلى روح اللّه و رضوانه، و يقول له علىّ عليه السلام مثل قول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم، ثم قال: يا با حمزة أ لا أخبرك بذلك من كتاب اللّه؟ قوله: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ الآية» [2]. 29- عنه باسناده عن زرارة و حمران، عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه عليهما السلام، قالا: إنّ اللّه خلق الخلق و هى أظلّة فأرسل رسوله محمّدا صلى الله عليه وآله وسلم، فمنهم من آمن به و منهم من كذّبه، ثم بعثه فى الخلق الآخر، فآمن به من كان آمن به فى الأظلّة و جحده من جحد به يومئذ، فقال: «فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ» 30- عنه باسناده عن زرارة و حمران، و محمّد بن مسلم عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه عليهما السلام عن قوله: «رَبَّنا لا تَجْعَلْنا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ» قال: لا تسلّطهم علينا فتفتنهم بنا [4]. 31- عنه عن أبى عبيدة الحذاء عن أبى جعفر عليه السلام، قال: سمعته يقول: وجدنا فى بعض كتب أمير المؤمنين عليه السلام قال: حدّثنى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أنّ جبرئيل عليه السلام، حدثه أنّ يونس بن متى عليه السلام، بعثه اللّه الى قومه و هو ابن ثلثين سنة، و كان رجلا يعتريه الحدّة و كان قليل الصبر على قومه و المداراة لهم عاجزا عما حمل من ثقل حمل أو قار النبوة و أعلامها و أنه يفسخ تحتها كما ينفسخ الجذع تحت حمله و أنه أقام فيهم يدعوهم الى الايمان باللّه و التصديق به، و اتّباعه ثلثا و ثلثين سنة فلم يؤمن به و لم يتبعه من قومه إلّا رجلان اسم أحدهما روبيل و اسم الآخر تنوخا. كان روبيل من أهل بيت العلم و النبوة و الحكمة و كان قديم الصحبة ليونس ابن متى، من قبل أن يبعثه اللّه بالنبوة، و كان تنوخا رجلا مستضعفا عابدا زاهدا منهمكا فى العبادة، و ليس له علم و لا حكم و كان روبيل صاحب غنم يرعاها و يتقوت منها، و كان تنوخا رجلا حطابا يحتطب على رأسه و يأكل من كسبه و كان لروبيل منزلة من يونس غير منزلة تنوخا لعلم روبيل و حكمته و قديم صحبته. فلمّا رأى يونس أنّ قومه لا يجيبونه، و لا يؤمنون أضجر و عرف من نفسه قلة الصبر فشكى بذلك إلى ربه و كان فيما يشكى أن قال: يا ربّ إنك بعثتنى إلى قومى و لى ثلثون سنة فلبثت فيهم أدعوهم إلى الايمان بك، و التصديق برسالاتى و أخوفهم عذابك و نقمتك ثلثا و ثلثين سنة فكذّبونى و لم يؤمنوا بى و جحدوا نبوتى و استخفّوا برسالاتى و قد تواعدوني و خفت أن يقتلونى فأنزل عليهم بذلك فانهم قوم لا يؤمنون. قال: فأوحى اللّه إلى يونس أنّ فيهم الحمل و الجنين و الطفل و الشيخ الكبير، و المرأة الضعيفة، و المستضعف المهين و أنا الحكم العدل، سبقت رحمتى غضبى، لا أعذّب الصغار بذنوب الكبار، من قومك، و هم يا يونس عبادى و خلقى و بريتى فى بلادى، و فى عيلتى أحبّ أن أتأنّاهم و أرفق بهم و أنتظر توبتهم و إنما بعثتك إلى قومك، لتكون حيطا عليهم تعطف عليهم لسخاء الرحمة الماسة منهم و تأنأهم برأفة النبوة. فاصبر معهم بأحلام الرسالة، و تكون لهم كهيئة الطبيب المداوى العالم بمداواة الدواء فخرقت بهم و لم تستعمل قلوبهم بالرّفق و لم تسسهم بسياسة المرسلين، ثمّ سألتنى عن سوء نظرك العذاب لهم عند قلة الصبر منك، و عبدى نوح كان أصبر منك على قومه و أحسن صحبة و أشدّ تأنّيا فى الصبر عندى و أبلغ فى العذر فغضبت له حين غضب لى و أجبته حين دعانى. فقال يونس: يا ربّ إنّما غضبت عليهم فيك، و إنما دعوت عليهم حين عصوك، فوعزتك لا اتعطف عليهم برأفة أبدا و لا أنظر إليهم بنصيحة شفيق بعد كفرهم، و تكذيبهم إيّاى و جحدهم نبوتى فأنزل عليهم عذابك فانهم لا يؤمنون أبدا. فقال اللّه: يا يونس إنهم مائة ألف أو يزيدون من خلقى يعمرون بلادى و يلدون عبادى، و محبّتى أن أتأنّأهم للذى سبق من علمى فيهم و فيك و تقديرى و تدبيرى غير علمك، و تقديرك و أنت المرسل و أنا الربّ الحكيم، و علمى فيهم يا يونس باطن فى الغيب عندى لا يعلم ما منتهاه، و علمك فيهم ظاهر لا باطن له يا يونس قد أجبتك إلى ما سئلت من انزال العذاب عليهم، و ما ذلك يا يونس بأوفر لحظك عندى و لا أجمل لشأنك و سيأتيهم العذاب فى شوال يوم الاربعاء وسط الشهر بعد طلوع الشمس فأعلمهم ذلك. قال فسرّ ذلك يونس و لم يسوئه و لم يدر ما عاقبته و انطلق يونس إلى تنوخا العابد، فأخبره بما أوحى اللّه إليه من نزول العذاب على قومه فى ذلك اليوم، و قال له: انطلق حتى أعلمهم بما أوحى اللّه إلىّ من نزول العذاب، فقال تنوخا: فدعهم فى غمرتهم و معصيتهم حتى يعذّبهم اللّه، فقال له يونس: بل نلقى روبيل فنشاوره فانه رجل عالم حكيم من أهل بيت النبوة، فانطلقا الى روبيل، فأخبره يونس بما أوحى اللّه إليه من نزول العذاب على قومه فى شوال يوم الاربعاء فى وسط الشهر بعد طلوع الشمس. فقال له: ما ترى انطلق بنا حتى أعلمهم ذلك، فقال له روبيل: ارجع الى ربك رجعة نبى حكيم و رسول كريم و اسأله أن يصرف عنهم العذاب، فانه غنى عن عذابهم و هو يحبّ الرفق بعباده و ما ذلك بأضر لك عنده و لا أسوأ لمنزلتك لديه، و لعلّ قومك بعد ما سمعت و رأيت من كفرهم و جحودهم يؤمنون يوما فصابرهم و تأتّاهم فقال له تنوخا: ويحك يا روبيل على ما أشرت على يونس و أمرته به بعد كفرهم باللّه و جحدهم لنبيّه و تكذبيهم إياه و إخراجهم إياه من مساكنه و ما همّوا به من رجمه فقال روبيل لتنوخا: اسكت فانك رجل عابد لا علم لك. ثم أقبل على يونس فقال: أ رأيت يا يونس اذا أنزل اللّه العذاب على قومك انزله فيهلكهم جميعا أو يهلك بعضا و يبقى بعضا؟ فقال له يونس: بل يهلكهم اللّه جميعا و كذلك سألته ما دخلتنى لهم رحمة تعطف فارجع اللّه فيهم و أسأله أن يصرف عنهم، فقال له روبيل: أ تدري يا يونس لعلّ اللّه إذا أنزل عليهم العذاب فأحسّوا به إن يتوبوا إليه و يستغفروه فيرحمهم، فانه أرحم الراحمين و يكشف عنهم العذاب من بعد ما أخبرتهم عن اللّه أنه ينزل عليهم العذاب يوم الأربعاء فتكون بذلك عندهم كذّابا. فقال له تنوخا: ويحك يا روبيل لقد قلت عظيما يخبرك النبيّ المرسل أنّ اللّه أوحى إليه بانّ العذاب ينزل عليهم، فتردّ قول اللّه و تشك فيه، و فى قول رسوله؟! اذهب فقد حبط عملك، فقال روبيل لتنوخا: لقد فشل رأيك ثم اقبل على يونس، فقال: انزل الوحى و الأمر من اللّه فيهم على ما أنزل عليك فيهم من انزال العذاب عليهم و قوله الحق أ رأيت اذا كان ذلك فهلك قومك كلهم و خربت قريتهم أ ليس يمحو اللّه اسمك من النّبوة و تبطل رسالتك و تكون كبعض ضعفاء الناس، و يهلك على يديك مائة ألف او يزيدون من النّاس. فأبى يونس أن يقبل وصيته فانطلق و معه تنوخا من القرية و تنحيا عنهم غير بعيد، و رجع يونس الى قومه فأخبرهم أنّ اللّه أوحى إليه أنه منزل العذاب عليكم يوم الأربعاء فى شوال فى وسط الشهر، بعد طلوع الشمس، فردّوا عليه قوله، فكذبوه و أخرجوه من قريتهم إخراجا عنيفا فخرج يونس و معه تنوخا من القرية و تنحيا عنهم غير بعيد و أقاما ينتظران العذاب و أقام روبيل مع قومه فى قريتهم حتى اذا دخل عليهم شوال. صرخ روبيل بأعلى صوته فى رأس الجبل الى القوم انا روبيل شفيق عليكم الرحيم بكم الى ربه قد أنكرتم عذاب اللّه هذا شوال قد دخل عليكم و قد أخبركم يونس نبيّكم و رسول ربكم أنّ اللّه أوحى إليه أنّ العذاب ينزل عليكم فى شوال فى وسط الشهر، يوم الأربعاء بعد طلوع الشمس و لن يخلف اللّه وعده رسله، فانظروا ما انتم صانعون، فافزعهم كلامه و وقع فى قلوبهم تحقيق نزول العذاب فاجفلوا نحو روبيل و قالوا له: ما ذا أنت مبشر به علينا يا روبيل؟ فانك رجل عالم حكيم لم نزل نعرفك بالرقة علينا و الرحمة لنا، و قد بلغنا ما أشرت به على يونس فينا: فمرنا بأمرك و أشر علينا برأيك، فقال لهم روبيل: فانى أرى لكم و أشير عليكم أن تنظروا و تعمدوا إذا طلع الفجر يوم الأربعاء فى وسط الشهر أن تعزلوا الاطفال عن الأمهات فى أسفل الجبل فى طريق الأودية و تقفوا النساء فى سفح الجبل و كل المواشى جميعا عن أطفالها و يكون هذا كله قبل طلوع الشمس. فاذا رأيتم ريحا صفراء أقبلت من المشرق فعجوا عجيج الكبير منكم و الصغير بالصراخ و البكاء و التضرع إلى اللّه و التوبة إليه و الاستغفار له و ارفعوا رءوسكم إلى السماء و قولوا: ربّنا ظلمنا أنفسنا و كذبنا نبيّك، و تبنا إليك من ذنوبنا و إن لم تغفر لنا و ترحمنا لنكوننّ من الخاسرين المعذبين، فاقبل توبتنا و ارحمنا يا أرحم الراحمين، ثم لا تملّوا من البكاء و الصراخ و التضرّع الى اللّه و التوبة إليه حتّى توارى الشمس بالحجاب، أو يكشف اللّه عنكم العذاب قبل ذلك. فأجمع رأى القوم جميعا على أن يفعلوا ما أشار به عليهم روبيل، فلمّا كان يوم الأربعاء الذي توقعوا فيه العذاب تنحى روبيل عن القرية حيث يسمع صراخهم و يرى العذاب اذا نزل فلمّا طلع الفجر يوم الأربعاء فعل قوم يونس ما أمرهم روبيل به فلما بزغت الشمس أقبلت ريح صفراء مظلمة مسرعة لها صرير و حفيف و هدير، فلما رأوها عجّوا جميعا بالصراخ و البكاء و التضرع الى اللّه و تابوا إليه و استغفروه. صرخت الأطفال بأصواتها تطلب أمهاتها و عجت سخال البهائم تطلب الثدى و عجّت الأنعام تطلب الرعى فلم يزالوا بذلك و يونس و تنوخا يسمعان ضجيجهم و صراخهم و يدعوان اللّه عليهم بتغليظ العذاب عليهم و روبيل فى موضعه يسمع صراخهم و عجيجهم و يرى ما نزل و هو يدعوا اللّه بكشف العذاب عنهم. فلمّا أن زالت الشمس و فتحت أبواب السماء و سكن غضب الربّ تعالى رحمهم الرحمن فاستجاب دعائهم و قبل توبتهم و أقالهم عثرتهم و أوحى اللّه إلى إسرافيل عليه السلام أن اهبط إلى قوم يونس فإنّهم قد عجّوا الى البكاء و التضرّع و تابوا إلىّ و استغفرونى فرحمتهم و تبت عليهم، و أنا اللّه التواب الرحيم أسرع إلى قبول توبة عبدى التائب من الذنوب و قد كان عبدى يونس و رسولى سألنى نزول العذاب على قومه و قد أنزلته عليهم، و أنا اللّه أحق من وفى بعهده و قد أنزلته عليهم و لم يكن اشترط يونس حين سألنى ان أنزل عليهم العذاب أن أهلكهم فأهبط إليهم فأصرف عنهم ما قد نزل بهم من عذابى. فقال اسرافيل: يا ربّ ان عذابك قد بلغ أكتافهم و كاد أن يهلكهم، و ما أراه إلّا و قد نزل بساحتهم فالى أين أصرفه؟ فقال اللّه: كلّا إنى قد أمرت ملائكتى أن يصرفوه فلا ينزلوه عليهم حتى يأتيهم أمرى فيهم و عزيمتى فاهبط يا اسرافيل عليهم و اصرفه عنهم و اصرف به الى الجبال بناحية مفاوض العيون و مجارى السيول فى الجبال العاتية العادية المستطيلة على الجبال، فاذلها به و ليّنها حتى تصير ملينة حديدا جامدا، فهبط إسرافيل عليهم فنشر أجنحته فاستاق بها ذلك العذاب حتى ضرب بها الجبال التي أوحى اللّه إليه أن يصرفه إليها. قال أبو جعفر عليه السلام: و هى الجبال التي بناحية الموصل اليوم، فصارت حديدا إلى يوم القيمة فلمّا رأى قوم يونس أنّ العذاب قد صرف عنهم هبطوا الى منازلهم من رءوس الجبال و ضمّوا إليهم نساءهم و أولادهم، و أموالهم و حمدوا اللّه على ما صرف عنهم و أصبح يونس و تنوخا يوم الخميس فى موضعهما التي كانا فيه لا يشكان أنّ العذاب قد نزل بهم و أهلكهم جميعا لما خفيت أصواتهم عنهما فأقبلا ناحية القرية يوم الخميس مع طلوع الشمس ينظر ان الى ما صار إليه القوم، فلمّا دنوا من القوم و استقبلتهم الحطابون و الحمارة الرعاة بأغنامهم و نظروا الى أهل القرية مطمئنين. قال يونس لتنوخا: يا تنوخا كذّبنى الوحى و كذبت و عدى لقومى لا و عزة ربى لا يرون لى وجها أبدا بعد ما كذبنى الوحى فانطلق يونس هاربا على وجهه لربه ناحية بحر ايلة متنكرا فرارا من أن يراه أحد من قومه فيقول له: يا كذاب فلذلك قال اللّه: «وَ ذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ ، الآية» و رجع تنوخا إلى القرية فلقى روبيل، فقال له يا تنوخا أىّ الرأيين كان أصوب و أحقّ ان يتبع رأيى أو رأيك؟! فقال له تنوخا: بل رأيك كان أصوب و لقد كنت أشرت برأى الحكماء و العلماء و قال له تنوخا: أما أنى لم أزل أرى انى أفضل منك لزهدى و فضل عبادتى حتى استبان فضلك بفضل علمك و ما أعطاك اللّه ربك من الحكمة مع أنّ التقوى أفضل من الزهد و العبادة بلا علم فاصطحبا فلم يزالا مقيمين مع قومهما و مضى يونس على وجهه مغاضبا لربّه فكان من قصته ما أخبر اللّه به فى كتابه إلى قوله «فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ» . قال أبو عبيده قلت لابي جعفر عليه السلام: كم كان غاب يونس عن قومه، حتّى رجع إليهم بالنبوة و الرسالة فآمنوا به و صدّقوه؟ قال: أربعة أسابيع سبعا منها فى ذهابه الى البحر و سبعا منها فى رجوعه إلى قومه فقلت له: و ما هذه الأسابيع شهور أو أيام أو ساعات؟ فقال: يا با عبيدة أنّ العذاب أتاهم يوم الأربعاء فى النصف من شوال و صرف عنهم من يومهم ذلك. فانطلق يونس مغاضبا فمضى يوم الخميس سبعة أيام فى مسيره الى البحر و سبعة أيام فى بطن الحوت و سبعة أيام تحت الشجرة بالعراء و سبعة أيام فى رجوعه إلى قومه فكان ذهابه و رجوعه مسير ثمانية و عشرين يوما، ثم أتاهم به فآمنوا به و صدقوه و اتّبعوه، فلذلك قال اللّه «فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ» 32- عنه باسناده عن الثماليّ عن أبى جعفر عليه السلام قال : إنّ يونس لمّا أذاه قومه دعا اللّه عليهم فاصبحوا أوّل يوم و وجوههم صفرة و اصبحوا اليوم الثانى و وجوههم سود، قال و كان اللّه واعدهم أن يأتيهم العذاب فأتاهم العذاب حتّى نالوه برماحهم ففرقوا بين النساء و أولادهنّ، و البقر و أولادها، و لبسوا المسوح و الصوف و وضعوا الحبال فى أعناقهم و الرماد على رءوسهم و ضجّوا ضجّة واحدة الى ربهم و قالوا آمنا باله يونس قال: فصرف اللّه عنهم العذاب الى جبال آمد قال: و أصبح يونس و هو يظنّ أنهم هلكوا فوجدهم فى عافية فغضب و خرج كما قال اللّه: «مغاضبا» حتى ركب سفينة فيها رجلان فاضطربت السفينة فقال الملاح: يا قوم فى سفينتى مطلوب. فقال يونس: أنا هو و قام ليلقى نفسه فابصر السمكة و قد فتحت فاها فهابها و تعلّق به الرجلان و قالا له: أنت وحدك و نحن رجلان فساهمهم فوقعت السهام عليه فجرت السنة بأنّ السهام إذا كانت ثلث مرّات أنها لا يخطى فألقى نفسه فالتقمه الحوت فطاف به البحار سبعة حتّى صار إلى البحر المسجور و به يعذّب قارون فسمع قارون دويا فسأل الملك عن ذلك فاخبره أنّه يونس و أن اللّه قد حبسه فى بطن الحوت فقال له قارون: أ تأذن لى أن أكلّمه فأذن له فسأله عن موسى فأخبره أنه مات و بكا، ثم سأله عن هارون فاخبره انه مات فبكا و جزع جزعا شديدا و سأله عن أخته كلثم و كانت مسماة له فاخبره أنها ماتت فقال: وا أسفا على آل عمران قال: فأوحى اللّه الى الملك الموكل به: أن ارفع عنه العذاب بقية الدنيا لرقته على قرابته [1]. 33- ابن شهرآشوب عن الباقر عليه السلام فى قوله «وَ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ و هو الحقّ» على بن أبى طالب [2]. 34- روى المجلسى عن مشارق الانوار باسناده عن عبد الرحيم قال: قال لى أبو جعفر عليه السلام: إنّما يغتبط أحدكم حين تبلغ نفسه هاهنا، فينزل عليه ملك فيقول: أمّا ما كنت ترجو فقد أعطيته و أمّا ما كنت تخافه، فقد أمنت منه، فيفتح له باب إلى منزله من الجنّة، فيقال له: انظر إلى مسكنك من الجنّة، و انظر هذا رسول اللّه و فلان و فلان و فلان هم رفقاؤك و هو قوله تعالى: «الَّذِينَ آمَنُوا وَ كانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ» 1- على بن ابراهيم حدثني أبى عن يحيى بن أبى عمران عن يونس، عن أبى بصير و الفضيل عن أبى جعفر عليه السلام قال : انما نزلت «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ» يعنى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم «و يتلوه شاهد منه اماما و رحمة و من قبله كتاب موسى اولئك يؤمنون به» فقدموا و أخروا فى التأليف و قوله: «وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أُولئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ وَ يَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ» يعنى بالأشهاد الائمة عليهم السلام «أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ» لآل محمّد صلى الله عليه وآله وسلم حقّهم [2]. 2- عنه حدثني أبى، عن أبى ابن عمير، عن عبد اللّه بن سنان، عن معروف ابن خرّبوذ، عن أبى جعفر عليه السلام قال : «الرِّيحَ الْعَقِيمَ» تخرج من تحت الأرضين السبع، و ما يخرج منها شيء قطّ إلّا على قوم عاد حين غضب اللّه عليهم، فأمر الخزان أن يخرجوا منها مثل سعة الخاتم فعصت على الخزنة فخرج منها مثل مقدار منخر الثور، تغيظا منها على قوم عاد، فضجّ الخزنة إلى اللّه من ذلك، و قالوا: يا ربّنا إنّها قد عتت علينا و نحن نخاف أن يهلك من لم يعصك من خلقك، و عمار بلادك، فبعث اللّه جبرئيل فردها بجناحه، و قال لها أخرجى على ما أمرت به، فرجعت و خرجت على ما أمرت به فاهلكت قوم عاد و من كان بحضرتهم [3]. 3- عنه و فى رواية أبى الجارود عن أبى جعفر عليه السلام، قال فى قوله: «لا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ (فى الدين) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ» يعنى آل محمّد و أتباعهم، يقول اللّه «وَ لِذلِكَ خَلَقَهُمْ» يعنى أهل رحمة لا يختلفون فى الدّين [1].
مسند الإمام الباقر - عزيز الله العطاردي - ج ٣ - الصفحة ١٠١. — الإمام الباقر عليه السلام
الحميرى باسناده، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام انّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال
لأصحابه يوما: ملعون كلّ مال لا يزكّى ملعون كلّ جسد لا يزكّى و لو فى كلّ أربعين يوما مرّة، فقيل يا رسول اللّه: أمّا زكاة المال فقد عرفناها فما زكاة الأجساد قال لهم أن تصاب بآفة قال فتغيّرت وجوه القوم الّذين سمعوا ذلك منه فلمّا رأى بهم قد تغيّرت ألوانهم قال لهم هل تدرون ما عنيت بقولى قالوا: لا يا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: بلى الرجل يخدش الخدشة و ينكب النكبة و يعثر العثرة و يمرض المرضة، و يشاك الشوكة و ما أشبه هذا حتّى ذكر فى آخر الحديث اختلاج العين [1] . 2- محمّد بن يعقوب، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن اسماعيل بن مرار، عن يونس، عن ابن مسكان، يرفعه، عن رجل، عن أبى جعفر عليه السلام قال: بينا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: فى المسجد، إذ قال: قم يا فلان قم يا فلان حتّى أخرج خمسة نفر فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلّوا فيه و أنتم لا تزكّون [2] . 3- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن مهران، عن ابن مسكان، عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول اللّه عزّ و جلّ: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» قال: ما من عبد منع من زكاة ماله شيئا إلّا جعل اللّه له ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار يطوق فى عنقه ينهش من لحمه، حتّى يفرغ من الحساب و هو قول اللّه عزّ و جلّ: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» قال: ما بخلوا به من الزكاة [3] . 4- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبى حمزة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: وجدنا فى كتاب علىّ عليه السلام قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: اذا منعت الزكاة منعت الارض بركاتها [1] . 5- عنه، عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد، عن أيّوب بن نوح، عن ابن سنان، عن أبى الجارود، عن أبى جعفر عليه السلام قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى يبعث يوم القيامة ناسا من قبورهم مشدودة أيديهم إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يتناولوا بها قيس أنملة معهم ملائكة يعيّرونهم تعييرا شديدا يقولون: هؤلاء الّذين منعوا خيرا قليلا من خير كثير هؤلاء الّذين أعطاهم اللّه فمنعوا حقّ اللّه فى أموالهم [2] . 6- عنه، عن علىّ بن محمّد، عن ابن جمهور، عن أبيه، عن علىّ بن حديد، عن عثمان بن رشيد، عن معروف بن خرّبوذ، عن أبى جعفر عليه السلام قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ قرن الزكاة بالصلاة فقال: أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة فمن أقام الصلاة و لم يؤت الزكاة لم يقم الصلاة [3] . 7- الصدوق باسناده، عن أيّوب بن راشد، عن أبى عبد اللّه عليه السلام أنّه قال: مانع الزكاة يطوّق بحيّة قرعاء تأكل من دماغه و ذلك قول اللّه عزّ و جلّ: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» . 8- عنه باسناده، عن محمّد بن مسلم، عن أبى جعفر عليه السلام أنّه قال: ما من عبد منع من زكاة ماله شيئا الّا جعل اللّه ذلك يوم القيامة ثعبانا من نار مطوّقا فى عنقه، ينهش من لحمه حتّى يفرغ من الحساب، و هو يقول اللّه عزّ و جلّ: «سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ» يعنى ما بخلوا به من الزكاة [5] . 9- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه عن النوفليّ، عن السكونى، عن أبى عبد اللّه، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ما حبس عبد الزكاة فزاد فى ماله [1] 1 الحميرى باسناده، عن مسعدة بن زياد، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: أمر بالنزول على أهل الذمّة ثلاثة أيّام و قال اذا قام قائمنا اضمحلّت القطائع فلا قطائع [2] . 2- الصدوق باسناده، عن محمّد بن مسلم، عن أبى جعفر عليه السلام فى أهل الجزية يؤخذ من أموالهم و مواشيهم شيء سوى الجزية؟ قال: لا [3] . 3- عنه باسناده سأل محمّد بن مسلم أبا جعفر عليه السلام عن سيرة الامام فى الارض التي فتحت بعد رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: فقال: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام قد سار فى أهل العراق بسيرة فهى امام لسائر الأرضين و قال: إنّ أرض الجزية لا ترفع عنها الجزية إنّما الجزية عطاء المجاهدين، و الصدقات لأهلها الذين سمّى اللّه عزّ و جلّ فى كتابه ليس لهم من الجزية شيء، ثمّ قال عليه السلام: ما أوسع العدل انّ الناس يستغنون اذا عدل فيهم و تنزل السماء رزقها و تخرج الأرض بركتها باذن اللّه عزّ و جلّ [4] . 4- عنه باسناده سأل أبو الورد أبا جعفر عليه السلام عن مملوك نصرانىّ لرجل مسلم عليه جزية؟ قال: نعم قال: فيؤدّى عنه مولاه المسلم الجزية؟ قال: نعم إنمّا هو ماله يفتديه اذا أخذ يؤدّى عنه [1] 5- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن محمّد بن يعقوب، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن أبى بصير و محمّد بن مسلم، عن أبى جعفر عليه السلام انّهما قالا له: هذه الارض الّتي نزارع أهلها ما ترى فيها؟ فقال: كلّ أرض دفعها إليك سلطان فما حرثته فيها فعليك فيما أخرج اللّه منها الذي قاطعك عليه، و ليس على جميع ما أخرج اللّه منه العشر إنمّا العشر عليك فيما يحصل فى يدك بعد مقاسمته لك [2] 1 محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن سدير الصيرفى، قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام : ما تقول فى رجل كان له مال فانطلق به، فدفنه فى موضع فلمّا حال عليه الحول، ذهب ليخرجه من موضعه، فاحتفر الموضع الذي ظنّ انّ المال فيه مدفون فلم يصبه فمكث بعد ذلك ثلاث سنين ثمّ انّه احتفر الموضع الذي من جوانبه كلّه فوقع على المال بعينه كيف يزكّيه؟ قال: يزكّيه لسنة واحدة لأنّه كان غائبا عنه و ان كان احتبسه [3] . 2- عنه، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، عن أحمد بن النضر، عن عمرو بن شمر ، عن جابر، عن أبى جعفر عليه السلام قال: من أقرض رجلا قرضا الى ميسرة كان ماله فى زكاة و كان هو فى الصلاة مع الملائكة حتّى يقضيه [1] . 3- عنه باسناده، عن محمّد بن يعقوب، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام رجل دفع الى رجل مالا قرضا، على من زكاته على المقرض أو على المقترض؟ قال: لا بل زكاتها إن كانت موضوعة عنده حولا على المقترض، قال: قلت فليس على المقرض زكاتها؟ قال: لا لا يزكّى المال من وجهين فى عام واحد و ليس على الدافع شيء لأنّه ليس فى يده شيء لأنّ المال فى يد الآخر، فمن كان المال فى يده زكّاه قال: قلت أ فيزكّي مال غيره من ماله؟ فقال: إنّه ماله ما دام فى يده و ليس ذلك المال لأحد غيره، ثمّ قال يا زرارة أ رأيت وضيعة ذلك المال و ربحه لمن هو؟ و على من؟ قلت: للمقترض قال: فله الفضل و عليه النقصان و له ان يلبس و ينكح و يأكل منه و لا ينبغى له أن لا يزكّيه بل يزكيه فانّه عليه [2] 1 ابن الاشعث أخبرنا محمّد، حدّثنى موسى، حدّثنا أبى، عن أبيه عن جدّه جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام قال ليس على مال اليتيم زكاة [3] . 2- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن أحمد بن محمّد، عن أبيه، و الحسين بن سعيد، عن محمّد بن أبى عمير، عن عمر بن اذينة عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: ليس فى مال اليتيم زكاة [1] 1 محمّد بن يعقوب باسناده، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام : أ يزكّي الرجل ماله، اذا مضى ثلث السنة؟ قال: لا أ يصلّى الاولى قبل الزوال، و قد روى أيضا أنّه يجوز اذا أتاه من يصلح له الزكاة أن يعجل له قبل وقت الزكاة إلّا أنّه يضمنها اذا جاء وقت الزكاة و قد أيسر المعطى أو ارتدّ أعاد الزكاة [2] . 2- عنه، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن حمّاد بن عيسى، عن حريز بن عبد اللّه، عن زرارة، قال قلت لأبى جعفر عليه السلام : رجل كان عنده مائتا درهم غير درهم أحد عشر شهرا ثمّ أصاب درهما بعد ذلك فى الشهر الثانى عشر فكملت عنده مائتا درهم أ عليه زكاتها قال: لا حتّى يحول عليه الحول و هى مائتا درهم، فان كانت مائة و خمسين درهما فأصاب خمسين بعد أن يمضى شهر فلا زكاة عليه حتّى على المائتين الحول قلت: فان كانت عنده ما بعد أن يمضى شهر فلا زكاة عليه حتّى يحول قبل أن ينقضى الشهر ثمّ أصاب درهما فأتى على الدراهم مع الدرهم، حول أ عليه زكاة؟ قال: نعم و إن لم يمض عليها جميعا الحول فلا شيء عليه فيها [1] . 3- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن الحسين بن سعيد، عن محمّد بن أبى عمير عن جميل بن دراج، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام أنّه قال: الزكاة على المال الصامت الذي يحول عليه الحول و لم يحرّكه [2] . 4- عنه باسناده، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام رجل كان عنده مائتا درهم غير درهم أحد عشر شهرا ثمّ أصاب درهما بعد ذلك فى الشهر الثانى عشر فكملت عنده مائتا درهم أ عليه زكاتها؟ قال: لا حتى يحول عليه الحول و هى مائتا درهم، فان كانت مائة و خمسين درهما فأصاب خمسين بعد أن يمضى شهر فلا زكاة عليه، حتّى يحول على المائتين الحول، قلت له: فان كانت عنده مائتا درهم، غير درهم، فمضى عليها ايّام قبل أن ينقضى الشهر ثمّ أصاب درهما فأتى على الدراهم مع الدرهم حول أ عليه زكاة؟ فقال: نعم فان لم يمض عليها جميعا الحول فلا شيء عليه، فيها قال: قال زرارة و محمّد بن مسلم، قال أبو عبد اللّه عليه السلام: أيّما رجل كان له مال و حال عليه الحول فانّه يزكيه، قلت له: فان وهبه قبل حله بشهر أو بيومين قال: ليس عليه شيء أبدا قال: و قال زرارة عنه أنّه قال: إنمّا هذا بمنزلة رجل أفطر فى شهر رمضان يوما فى إقامته ثمّ يخرج فى آخر، النهار فى سفر فأراد بسفره ذلك إبطال الكفّارة الّتي وجبت عليه و قال: انّه حين رأى الهلال الثانى عشر وجبت عليه الزكاة و لكنّه لو كان وهبها قبل ذلك لجاز و لم يكن عليه شيء بمنزلة من خرج ثمّ أفطر إنمّا لا يمنع ما حال عليه. فأمّا ما لم يحلّ عليه فله منعه و لا يحلّ له منع مال غيرهما فيما قد حلّ عليه قال زرارة: فقلت له رجل كانت له مائتا درهم فوهبها لبعض اخوانه أو ولده أو أهله فرارا بها من الزكاة فعل ذلك قبل حلّها بشهر، فقال: إذا دخل الشهر الثانى عشر فقد حال عليه الحول و وجبت عليه فيها الزكاة، فقلت له: فان أحدث فيها قبل الحول قال: جاز لك له، قلت: انّه فربّها عن الزكاة قال: ما أدخل على نفسه أعظم ممّا منع من زكاتها فقلت له: انّه يقدر عليها قال: فقال و ما على انّه يقدر عليها و قد خرجت من ملكه. قلت: فانّه دفعها إليه على شرط فقال: انّه اذا سماها هبة جازت الهبة و سقط الشرط و ضمن الزكاة، قلت له: و كيف يسقط الشرط و تمضى الهبة و يضمن الزكاة فقال: هذا شرط فاسد، و الهبة المضمونة ماضية، و الزكاة له لازمة عقوبة له ثمّ قال: إنمّا ذلك له اذا اشترى بها دارا أو أرضا أو ضياعا. ثمّ قال زرارة قلت له: ان أباك قال لى من قرّبها من الزكاة فعليه أن يؤدّيها فقال: صدق أبى عليه السلام عليه أن يؤدّيها ما أوجب عليه و ما لم يجب عليه، فلا شيء عليه فيه، ثمّ قال: أ رأيت لو أن رجلا أغمى عليه يوما ثمّ مات فذهبت صلاته أ كان عليه و قد مات أن يؤدّيها قلت: لا الّا أن يكون قد أفاق من يومه، ثمّ قال: لو أن رجلا مرض فى شهر رمضان ثمّ مات فيه أ كان يصام عنه قلت: لا قال: فكذلك للرجل لا يؤدّى عن ماله الّا ما حال عليه الحول [1] . 1 محمّد بن يعقوب، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن عمر بن اذينة، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: ليس فى صغار الابل شيء حتّى يحول عليها الحول من يوم تنتج [1] . 2- عنه، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، و محمّد بن مسلم، و أبى بصير، و بريد العجلى، و الفضيل عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه عليهما السلام قالا: فى البقر فى كلّ ثلاثين بقرة تبيع، حولىّ و ليس فى أقل من ذلك شيء و فى أربعين بقرة بقرة مسنّة و ليس فيما بين الثلاثين إلى الاربعين شيء حتّى تبلغ أربعين فاذا بلغت أربعين ففيها مسنّة، و ليس فيما بين الاربعين الى الستّين شيء فاذا بلغت الستّين ففيها تبيعان الى سبعين. فاذا بلغت سبعين ففيها تبيع و مسنّة الى ثمانين فاذا بلغت ثمانين ففى كلّ أربعين مسنّة الى تسعين، فاذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبايع حوليات فاذا بلغت عشرين و مائة ففى كلّ أربعين مسنّة ثمّ ترجع البقر على أسنانها و ليس على النيف شيء و لا على الكسور شيء و لا على العوامل شيء إنمّا الصدقة على السائمة الراعية و كلّ ما لم يحلّ عليه الحول عند ربّه فلا شيء عليه، حتّى يحول عليه الحول فاذا حال عليه الحول وجب عليه [2] . 3- عنه باسناده، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت له: فى الجواميس شيء قال: مثل ما فى البقر [1] . 4- عنه، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن زرارة، و محمّد بن مسلم و أبى بصير و بريد، و الفضيل عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه عليهما السلام فى الشاة فى كلّ أربعين شاة شاة و ليس فيما دون الأربعين شيء ثمّ ليس فيها شيء حتّى تبلغ عشرين و مائة فاذا بلغت عشرين و مائة ففيها مثل ذلك شاة واحدة فاذا زادت على مائة و عشرين ففيها شاتان و ليس فيها أكثر من شاتين حتّى تبلغ مائتين فاذا بلغت المائتين ففيها مثل ذلك فاذا زادت على المائتين شاة واحدة ففيها ثلاث شياه. ثمّ ليس فيها شيء أكثر من ذلك حتّى تبلغ ثلاثمائة، فاذا بلغت ثلاثمائة ففيها مثل ذلك ثلاث شياه، فاذا زادت واحدة ففيها أربع شياه حتّى تبلغ أربعمائة فاذا تمت أربعمائة كان على كلّ مائة شاة و سقط الأمر الاوّل و ليس على ما دون المائة بعد ذلك شيء و ليس فى النيف شيء و قالا: كلّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شيء عليه فاذا حال عليه الحول وجب عليه [2] . 5- الصدوق باسناده، عن عمر بن اذينة، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: ليس فيما دون الخمس من الابل شيء فاذا كانت خمسا ففيها شاة الى عشر فاذا كانت عشرا ففيها شاتان فاذا بلغت خمس عشرة ففيها ثلاث من الغنم فاذا بلغت عشرين ففيها أربع من الغنم فاذا بلغت خمسا و عشرين ففيها خمس من الغنم فاذا زادت واحدة ففيها ابنة مخاض الى خمس و ثلاثين فان لم يكن عنده ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فاذا زادت على خمس و ثلاثين بواحدة ففيها ابنة لبون الى خمس و أربعين. فاذا زادت واحدة ففيها حقّة و إنمّا سمّيت حقّة لأنّها استحقت أن يركب ظهرها الى ستّين، فان زادت واحدة ففيها ابنتا لبون الى تسعين فان زادت واحدة فحقّتان الى عشرين و مائة، فان زادت على العشرين و المائة واحدة ففى كلّ خمس حقّة و فى كلّ أربعين بنت لبون و كلّ من وجبت عليه جذعة و لم تكن عنده و كانت عنده حقّة دفعها و دفع معها شاتين أو عشرين درهما و من وجبت عليه حقة و لم تكن عنده، و كانت عنده جذعة دفعها و أخذ من المصدّق شاتين أو عشرين درهما. من وجبت عليه حقة و لم تكن عنده و كانت عنده ابنة لبون دفعها و دفع معها شاتين أو عشرين درهما و من وجبت عليه ابنة لبون، و لم تكن عنده و كانت عنده حقّه دفعها و أعطاه المصدق شاتين أو عشرين درهما، و من وجبت عليه ابنة. لبون و لم تكن عنده و كانت عنده ابنة مخاض دفعها و اعطى معها شاتين أو عشرين درهما و من وجبت عليه ابنة مخاض و لم تكن عنده و كانت عنده ابنة لبون دفعها و أعطاه المصدق شاتين أو عشرين درهما، و من وجبت عليه ابنة مخاض و لم تكن عنده و كان عنده ابن لبون ذكر فإنه يقبل منه ابن لبون و ليس يدفع معه شيئا [1] . 6- عنه باسناده، عن حريز، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت له: فى الجواميس شيء؟ قال: مثل ما فى البقرة [2] . 7- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن محمّد بن أبى الصهبان، عن ابن أبى نجران، عن محمّد بن سماعة، عن رجل، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: لا يزكّى من الابل و البقر و الغنم الّا ما حال عليه الحول و ما لم يحل عليه الحول فكأنّه لم يكن [3] . 8- روى المجلسى، عن كتاب عاصم بن حميد، عن أبى بصير قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول : ليس فيما دون الأربعين من الغنم شيء فاذا كانت أربعين ففيها شاة على عشرين و مائة فاذا زادت على عشرين و مائة واحدة ففيها شاتان الى مأتين فاذا زادت واحدة على المائتين ففيها ثلاث شياه الى ثلاثمائة فاذا كثرت الغنم ففى كلّ مائة شاة و لا تؤخذ هرمة و لا ذات عوار الّا أن يشاء المصدّق و يعدّ صغيرها و كبيرها و لا يفرّق بين مجتمع و لا يجمع بين متفرّق [1] 1 محمّد بن يعقوب، عن علىّ بن ابراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر، عن آبائه عليهما السلام أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم قال: السخىّ محبّب فى السماوات محبّب فى الأرض خلق من طينة عذبة و خلق ماء عينيه من ماء الكوثر و البخيل مبغّض فى السماوات مبغّض فى الأرض خلق من طينة سبخة و خلق ماء عينيه من ماء العوسج [2] . 2- عنه، عن علىّ بن ابراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن أبى الحسن علىّ بن يحيى عن أيّوب بن أعين، عن أبى حمزة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: يؤتى يوم القيامة برجل فيقال احتجّ فيقول: يا ربّ خلقتنى و هديتنى فأوسعت علىّ فلم أزل أوسّع على خلقك و أيسّر عليهم لكى تنشر علىّ هذا اليوم رحمتك و تيسّره فيقول الربّ جلّ ثناؤه و تعالى ذكره: صدق عبدى أدخلوه الجنّة [1] 1 محمّد بن يعقوب، عن علىّ بن ابراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة ابن صدقة عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ما محق الاسلام محقّ الشحّ شيء ثمّ قال: انّ لهذا الشحّ دبيبا كدبيب النمل و شعبا كشعب الشرك- و فى نسخة اخرى الشوك [2] . 2- عنه، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن المفضل بن صالح عن جابر، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ليس البخيل من أدّى الزكاة المفروضة من ماله و أعطى البائنة فى قومه إنّما البخيل من لم يؤدّ الزكاة المفروضة من ماله و لم يعط البائنة فى قومه و هو يبذر فيما سوى ذلك [3] . 3- عنه، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن مهران بن محمّد، عن سعد بن طريف، عن أبى جعفر عليه السلام فى قول اللّه عزّ و جلّ: «فَأَمَّا مَنْ أَعْطى وَ اتَّقى وَ صَدَّقَ بِالْحُسْنى» بأنّ اللّه تعالى يعطى بالواحدة عشرة إلى مائة ألف فما زاد «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى» قال: يريد شيئا من الخير الّا يسّره اللّه له، و أمّا من بخل و استغنى، قال: بخل بما آتاه اللّه عزّ و جلّ: «وَ كَذَّبَ بِالْحُسْنى» بانّ اللّه يعطى بالواحدة عشرة إلى مائة ألف فما زاد «فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى» قال: لا يريد شيئا من الشرّ إلّا يسّره له «وَ ما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى» قال: أما و اللّه ما هو تردّى فى بئر و لا من جبل، و لا من حائط، و لكن تردّى فى نار جهنّم [1] . 4- الصدوق حدثنا محمّد بن على ما جيلويه، عن عمّه محمّد بن أبى القاسم، عن محمّد بن على الكوفى، عن أبى جميلة، عن جابر، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: ليس البخيل من يؤدّى- أو الذي يؤدّى- الزكاة المفروضة من ماله و يعطى البائنة فى قومه، و إنمّا البخيل حقّ البخيل الذي يمنع الزكاة المفروضة من ماله و يمنع البائنة فى قومه و هو فى ما سوى ذلك يبذر [2] . 5- عنه حدّثنا محمّد بن الحسن رضى اللّه عنه، قال: حدثنا عبد اللّه بن جعفر الحميرى قال: حدثنا هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : ما محق الايمان محق الشحّ شيء، ثم قال: ان لهذا الشح دبيبا كدبيب النمل و شعبا كشعب الشرك [3] 1 الكلينى عدة من أصحابنا عن أحمد بن أبى عبد اللّه، عن الحسن بن على ابن يقطين، عن محمّد بن سنان، عن داود الرقى، عن أبى حمزة الثماليّ، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: إن من أحبّ عباد اللّه الى اللّه لمن حبب إليه المعروف و حبب إليه فعاله [4] 2- عنه عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعرى، عن ابن القداح، عن أبى عبد اللّه عليه السلام عن آبائه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: كلّ معروف صدقة و الدال على الخير كفاعله و اللّه عزّ و جلّ يحبّ اغاثة اللّهفان [1] . 3- عنه، عن على بن ابراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبى بصير، عن أبى جعفر عليه السلام قال: ان أعرابيا من بنى تميم أتى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال: اوصنى فكان فيما أوصاه به أن قال: يا فلان لا تزهدنّ فى المعروف عند أهله [2] . 4- عنه أبو على الأشعري، عن محمّد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد اللّه بن الوليد، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: أوّل من يدخل الجنّة المعروف و اهله و أول من يرد علىّ الحوض [3] . 5- عنه عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن جعفر بن محمّد الأشعرى، عن عبد اللّه بن ميمون القداح، عن أبى عبد اللّه عن آبائه عليهم السلام قال: صنائع المعروف تقى مصارع السوء [4] . 6- عنه، عن أحمد بن ادريس، عن محمّد بن عبد الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عبد اللّه بن الوليد الوصافي، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: اهل المعروف فى الدنيا هم أهل المعروف فى الآخرة و أهل المنكر فى الدنيا هم أهل المنكر فى الآخرة [5] . 7- عنه عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن، عن محمّد بن خالد، عن خلف بن حماد، عن موسى بن بكر، عن زرارة عن حمران، عن أبى جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: لكل شيء ثمرة، و ثمرة المعروف تعجيل السراح [1] . 8- الصدوق باسناده قال أبو جعفر عليه السلام : صنائع المعروف تقى مصارع السوء [2] . 9- عنه باسناده، قال أبو جعفر عليه السلام : لكلّ شيء ثمرة و ثمرة المعروف تعجيله [3] 1 محمّد بن يعقوب، عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبى عبد اللّه، عن محمّد ابن على، عن الحسن بن على، عن سيف بن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر عن أبى جعفر عليه السلام قال: كان على عليه السلام يقول: انا أهل بيت أمرنا أن نطعم و نؤدّى فى الناس البائنة و نصلى اذا نام الناس [4] . 2- عنه عن محمّد بن يحيى، عن عبد اللّه بن محمّد، عن على بن الحكم، عن على بن أبى حمزة، عن أبى بصير، عن أبى جعفر عليه السلام قال: إن اللّه تبارك و تعالى يحب إهراق الدما و إطعام الطعام [5] . 3- عنه، عن على بن ابراهيم، عن محمّد بن عيسى بن عبيد، عن أحمد بن محمّد، و ابن فضال عن ثعلبة بن ميمون، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: انّ اللّه عزّ و جلّ يحبّ إطعام الطعام و اراقة الدّماء [1] . 4- عنه، عن علىّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن ابن فضّال، عن عبد اللّه بن ميمون، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: الرزق أسرع الى من يطعم الطعام من السكّين فى السنام [2] . 5- روى المجلسى عن مكارم الاخلاق، عن الباقر عليه السلام أنّ اللّه تبارك و تعالى يحبّ ابراد الكبد الحرّاء و من سقى كبدا حرّاء من بهيمة و غيرها أظلّه اللّه فى عرشه يوم لا ظلّ الّا ظلّه [3] . 6- عنه عن كتاب التمحيص، عن أبى جرير، عن أبى جعفر عليه السلام قال: الفقير هدية اللّه الى الغنىّ فان قضى حاجته فقد قبل هديّة اللّه و إن لم يقض حاجته فقد ردّ هدية اللّه عزّ و جلّ عليه [4] . 7- عنه، عن دعوات الراوندى، عن حنان بن سدير، عن أبيه، قال: قال أبو جعفر عليه السلام: أ ما تستطيع أن تعتق كلّ يوم رقبة قال: لا يبلغ مالى ذلك قال: تشبع كلّ يوم مؤمنا فان اطعام المؤمن أفضل من عتق رقبة [5]
مسند الإمام الباقر - عزيز الله العطاردي - ج ٤ - الصفحة ٣٠٥. — الإمام الصادق عليه السلام
أبو جعفر الطوسى باسناده، عن الحسن بن محبوب، عن عمرو بن أبى المقدام، عن أبيه، قال: مررت مع أبى جعفر عليه السلام بالبقيع، فمررنا بقبر رجل من أهل الكوفة من الشيعة، فقلت لأبى جعفر عليه السلام: جعلت فداك هذا قبر رجل من الشيعة قال
فوقف عليه السلام ثم قال: «اللّهم ارحم غربته وصل وحدته و آنس وحشته، و اسكن إليه من رحمتك رحمة يستغنى بها عن رحمة من سواك و ألحقه بمن كان يتولّاه» ثم قرأ إنّا أنزلناه فى ليلة القدر سبع مرّات. [1] 1 الحميرى باسناده، عن هرون مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام انّ النّبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: كيف بكم إذا فسق نساؤكم و نشق شبابكم و لم تأمروا بالمعروف و لم تنهوا عن المنكر، فقيل له: و يكون ذلك يا رسول اللّه قال: نعم و شرّ من ذلك كيف بكم اذا رأيتم المعروف منكر او المنكر معروفا. [1] 2- محمد بن يعقوب، عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن بعض أصحابنا، عن بشر بن عبد اللّه، عن أبى عصمة قاضى مرو، عن جابر عن أبى جعفر عليه السلام ، قال: يكون فى آخر الزّمان قوم يتبع فيهم قوم مراءون يتقرّءون و يتنسكون حدثاء سفهاء لا يوجبون أمرا بمعروف و لا نهيا عن منكر، إلّا إذا أمنوا لأنفسهم الرّخص و المعاذير يتبعون زلّاة العلماء و فساد عملهم يقبلون على الصلاة و الصيام و ما لا يكلمهم فى نفس و لا مال و لو أضرّت الصلاة بسائر ما يعملون بأموالهم و أبدانهم لرفضوها كما رفضوا أسمى الفرائض و أشرفها. إنّ الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر فريضة عظيمة بها تقام الفرائض هنالك، يتمّ غضب اللّه عزّ و جلّ عليهم فيعمّهم بعقابه، فيهلك الأبرار فى دار الفجّار و الصغار فى دار الكبار، إنّ الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر سبيل الأنبياء و منهاج الصلحاء فريضة عظيمة بها تقام الفرائض و تأمن المذاهب و تحلّ المكاسب و تردّ المظالم و تعمر الأرض و ينتصف من الأعداء و يستقيم الأمر فأنكروا بقلوبكم و ألفظوا بألسنتكم و صكّوا بها جباههم و لا تخافوا فى اللّه لومة لائم. فإن اتّعظوا إلى الحقّ رجعوا فلا سبيل عليهم «إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ» هنالك فجاهدوهم بأبدانكم، و أبغضوهم بقلوبكم غير طالبين سلطانا و لا باغين مالا، و لا مريدين بظلم ظفرا حتّى يفيئوا إلى أمر اللّه و يمضوا على طاعته، قال: و أوحى اللّه عزّ و جلّ إلى شعيب النّبي عليه السلام: أنّى معذّب من قومك مائة ألف و أربعين ألفا من شرارهم، و ستّين ألفا من خيارهم، فقال عليه السلام: يا ربّ هؤلاء الأشرار فما بال الأخيار؟ فأوحى اللّه عزّ و جلّ إليه: داهنوا أهل المعاصى و لم يغضبوا لغضبى. [1] 3- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن على بن النعمان، عن عبد اللّه بن مسكان، عن داود بن فرقد، عن أبى سعيد الزّهرىّ، عن أبى جعفر و أبى عبد اللّه عليهما السلام قال: ويل لقوم لا يدينون اللّه بالأمر بالمعروف و النهى عن المنكر. [2] 4- عنه باسناده، قال: قال أبو جعفر عليه السلام : بئس القوم قوم يعيبون الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر. [3]
مسند الإمام الباقر - عزيز الله العطاردي - ج ٤ - الصفحة ٤٤٨. — الإمام الباقر عليه السلام
محمد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبى حمزة الثّمالى قال كنت عند أبى جعفر عليه السلام إذا استأذن عليه رجل فأذن له فدخل عليه فسلّم فرحّب به أبو جعفر عليه السلام و أدناه و سأله فقال
الرّجل: جعلت فداك إنّى خطبت إلى مولاك فلان بن أبى رافع ابنته فلانة فردّني و رغب عنّى و ازدرأنى لد ما متى و حاجتى و غربتى، و قد دخلنى من ذلك غضاضة هجمة غضّ لها قلبى تمنيت عندها الموت. فقال أبو جعفر عليه السلام : اذهب فأنت رسولى إليه، قل له: يقول لك محمد بن على ابن الحسين بن على بن أبى طالب عليهما السلام: زوّج منجح بن رباح مولاى ابنتك فلانة و لا تردّه قال أبو حمزة: فوثب الرّجل فرحا مسرعا برسالة أبى جعفر عليه السلام. فلمّا أن توارى الرجل قال أبو جعفر عليه السلام: إنّ رجلا كان من أهل اليمامة يقال له: جويبر أتى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم منتجعا للإسلام فأسلم و حسن إسلامه و كان رجلا قصيرا دميما محتاجا عاريا و كان من قباح السودان. فضمّه رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لحال غربته و عراه و كان يجرى عليه طعامه صاعا من تمر بالصّاع الأوّل و كساه شملتين و أمره أن يلزم المسجد و يرقد فيه باللّيل، فمكث بذلك ما شاء اللّه حتّى كثر الغرباء ممّن يدخل فى الإسلام من أهل الحاجة بالمدينة، و ضاق بهم المسجد فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى نبيّه: أن طهّر مسجدك و أخرج من المسجد من يرقد فيه باللّيل و مر بسدّ أبواب من كان له فى مسجدك باب الّا باب علىّ عليه السلام و مسكن فاطمة عليها السلام و لا يمرنّ فيه جنب و لا يرقد فيه غريب. قال: فأمر رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بسدّ أبوابهم إلّا باب علىّ عليه السلام و أقرّ مسكن فاطمة عليها السلام على حاله، قال: ثمّ إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أمر أن يتّخذ المسلمين سقيفة فعملت لهم و هى الصفّة ثمّ أمر الغرباء و المساكين أن يظلّوا فيها نهارهم و ليلهم فنزلوها و اجتمعوا فيها فكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يتعاهدهم بالبرّ و التمر و الشعير و الزّبيب إذا كان عنده، و كان المسلمون يتعاهدونهم و يرقّون عليهم لرقّة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم و يصرفون صدقاتهم إليهم، فإنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم نظر إلى جويبر ذات يوم برحمة منه له و رقّة عليه. فقال له: يا جويبر لو تزوّجت امرأة فعففت بها فرجك و أعانتك على دنياك و آخرتك، فقال له جويبر: يا رسول اللّه بأبى أنت و أمّى من يرغب فى فو اللّه ما من حسب و لا نسب، و لا مال و لا جمال، فأيّة امرأة ترغب فىّ؟ فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: يا جويبر إنّ اللّه قد وضع بالإسلام من كان فى الجاهليّة شريفا و شرف بالاسلام من كان فى الجاهلية وضيعا و أعزّ بالإسلام من كان فى الجاهليّة ذليلا و أذهب بالاسلام ما كان من نخوة الجاهليّة و تفاخرها بعشائرها و باسق أنسابها. فالناس اليوم كلّهم أبيضهم و أسودهم و قرشيهم و عربيّهم و عجميّهم من آدم و إنّ آدم خلقه اللّه من طين و إنّ أحبّ الناس إلى الناس إلى اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة أطوعهم له و أتقاهم و ما أعلم يا جويبر لأحد من المسلمين عليك اليوم فضلا إلا لمن كان أتقى اللّه منك و أطوع ثمّ قال: انطلق يا جويبر إلى زياد بن لبيد فإنّه من أشرف بنى بياضة حسبا فيهم فقل له: إنّى رسول رسول اللّه إليك و هو يقول لك: زوّج جويبرا ابنتك الزّلفاء قال: فانطلق جويبر برسالة رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم الى زياد بن لبيد و هو فى منزله و جماعة من قومه عنده فاستأذن فأعلم فأذن له، فدخل و سلّم عليه ثمّ قال: يا زياد بن لبيد، إنّى رسول رسول اللّه إليك فى حاجة لى فأبوح بها أم اسرّها إليك؟ فقال له زياد بل بح بها، فإنّ ذلك شرف لى و فخر فقال له جويبر إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول لك: زوّج جويبرا ابنتك الذلفاء فقال له زياد: أ رسول اللّه أرسلك إلىّ بهذا؟ فقال له: نعم ما كنت لأكذب على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال له زياد: إنّا لا نزوّج فتياتنا إلّا أكفائنا من الأنصار. فانصرف يا جويبر حتّى ألقى رسول اللّه فأخبره بعذرى فانصرف جويبر و هو يقول: و اللّه ما بهذا نزل القرآن و لا بهذا ظهرت نبوّة محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فسمعت مقالته الذّلفاء بنت زياد و هى فى خدرها فأرسلت إلى أبيها أدخل الىّ فدخل إليها، فقالت له: ما هذا الكلام الّذي سمعته منك تحاوريه جويبر؟ فقال لها: ذكر لى أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أرسله و قال: يقول لك رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: زوّج جويبرا ابنتك الذّلفاء. فقالت له: و اللّه ما كان جويبر ليكذب على رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بحضرته فابعث الآن رسولا يردّ عليك جويبرا، فبعث زياد رسولا فلحق جويبرا فقال له زياد: يا جويبر مرحبا بك اطمئن حتّى أعود إليك، ثمّ انطلق زياد إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: بأبى أنت و أمّى إنّ جويبرا أتانى برسالتك و قال: إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يقول لك: زوّج جويبرا ابنتك الذّلفاء فلم ألن له بالقول و رأيت لقاءك و نحن لا نتزوّج إلّا أكفاءنا من الأنصار. فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: يا زياد جويبر مؤمن و المؤمن كفو للمؤمنة و المسلم كفو للمسلمة فزوّجه يا زياد و لا ترغب، عنه قال: فرجع زياد إلى منزله و دخل على ابنته فقال لها ما سمعه من رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقالت له: إنّك إن عصيت رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كفرت فزوّج جويبرا فخرج زياد فأخذ بيد جويبر ثم أخرجه إلى قومه فزوّجه على سنّة اللّه و سنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم و ضمّن صداقه قال: فجهّزها زياد و هيّئوها ثمّ أرسلوا إلى جويبر فقالوا له: أ لك منزل فنسوقها إليك فقال و اللّه ما لى منزل. قال: فهيئوها و هيّئوا لها منزلا و هيّئوا فيه فراشا و متاعا و كسوا جويبرا ثوبين و أدخلت الذّلفاء فى بيتها و أدخل جويبر عليها معتمّا فلمّا رآها نظر إلى بيت و متاع و ريح طيّبة، قام إلى زاوية البيت فلم يزل تاليا للقرآن راكعا و ساجدا حتّى طلع الفجر، فلمّا سمع النّداء خرج و خرجت زوجته إلى الصّلاة فتوضّأت و صلّت الصبح فسئلت هل مسّك؟ فقالت: ما زال تاليا للقرآن و راكعا و ساجدا حتّى سمع النّداء فخرج فلمّا كانت اللّيلة الثانية فعل مثل ذلك و أخفوا ذلك من زياد. فلمّا كان اليوم الثالث فعل مثل ذلك فأخبر بذلك أبوها فانطلق إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال له: بأبى أنت و أمّى يا رسول اللّه أمرتنى بتزويج جويبر و لا و اللّه ما كان من مناكحنا و لكن طاعتك أوجبت علىّ تزويجه، فقال النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: فما الّذي أنكرتم منه؟ قال: إنّا هيّئنا له بيتا و متاعا و أدخلت ابنتى البيت و أدخل معها معتما فما كلّمها و لا نظر إليها و لا دنا منها بل قام إلى زاوية البيت فلم يزل تاليا للقرآن راكعا و ساجدا حتّى سمع النّداء فخرج. ثمّ فعل مثل ذلك فى اللّيلة الثانية و مثل ذلك فى الثالثة و لم يدن منها و لم يكلّمها إلى أن جئتك و ما نراه يريد النساء، فانظر فى أمرنا، فانصرف زياد و بعث رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إلى جويبر، فقال له: أ ما تقرب النساء؟ فقال له جويبر: أو ما أنا بفحل بلى يا رسول اللّه إنّى لشبق نهم إلى النساء فقال له رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: قد خبّرت بخلاف ما وصفت به نفسك قد ذكر لى أنّهم هيّئوا لك بيتا و فراشا و متاعا و أدخلت عليك فتاة حسناء عطرة و أتيت معتما فلم تنظر إليها و لم تكلّمها و لم تدن منها فما دهاك إذن. فقال له جويبر: يا رسول اللّه دخلت بيتا واسعا و رأيت فراشا و متاعا و فتاة حسناء عطرة و ذكرت حالى الّتي كنت عليها و غربتى و حاجتى و و ضيعتي و كسوتى مع الغرباء و المساكين فأحببت إذ أولانى اللّه ذلك أن أشكره على ما أعطانى و أتقرّب إليه بحقيقة الشكر فنهضت إلى جانب البيت فلم أزل فى صلاتى تاليا للقرآن راكعا و ساجدا أشكر اللّه حتّى سمعت النّداء فخرجت. فلمّا أصبحت رأيت أن أصوم ذلك اليوم ففعلت ذلك ثلاثة أيّام و لياليها و رأيت ذلك فى جنب ما أعطانى اللّه يسيرا و لكنّى سأرضيها و أرضيهم اللّيلة إن شاء اللّه فأرسل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم الى زياد فأتاه فأعلمه ما قال جويبر، فطابت أنفسهم، قال: و وفى لها جويبر بما قال: ثم إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم خرج فى غزوة له و معه جويبر فاستشهد رحمه الله تعالى فما كان فى الأنصار أيّم أنفق منها بعد جويبر. [1] 2- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، و على بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا عن الحسن بن على بن فضّال، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة بن أعين، عن أبى جعفر عليه السلام قال: مرّ رجل من أهل البصرة شيبانى يقال له: عبد الملك بن حرملة على علىّ بن الحسين عليهما السلام فقال له على بن الحسين عليهما السلام: أ لك أخت؟ قال: نعم قال: فتزوجنيها؟ قال: نعم قال: فمضى الرّجل و تبعه رجل من أصحاب على بن الحسين عليهما السلام حتّى انتهى إلى منزله فسأل عنه. فقيل له فلان بن فلان و هو سيّد قومه ثم رجع إلى علىّ بن الحسين عليهما السلام: فقال له: يا أبا الحسن سألت عن صهرك هذا الشيبانى فزعموا أنّه سيّد قومه، فقال له على بن الحسين عليهما السلام: انّى لأبديك يا فلان عمّا أرى و عمّا أسمع، أ ما علمت أنّ اللّه عزّ و جلّ رفع بالاسلام الخسيسة و أتمّ النّاقصة و أكرم به اللّوم فلا لؤم على المسلم إنّما اللؤم لؤم الجاهلية. [1] 3- روى المجلسى، عن أمالي الطوسى باسناده، عن أبى عمرو، عن ابن عقدة، عن محمد بن أحمد بن الحسن، عن موسى بن إبراهيم المروزى، عن موسى بن جعفر عن أبيه عن جدّه عليهما السلام عن جابر بن عبد اللّه، قال: لمّا زوّج رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فاطمة من علىّ أتاه أناس من قريش فقالوا: إنّك زوّجت عليّا بمهر خسيس. فقال: ما أنا زوّجت عليّا و لكن اللّه عزّ و جلّ زوجه ليلة أسرى بى عند سدرة المنتهى أوحى اللّه إلى السدرة أن انثرى ما عليك فنثرت الدّر و الجوهر و المرجان، فابتدرت الحور العين فالتقطن فهنّ يتهادينه و يتفاخرون و تقلن هذا من نثار فاطمة بنت محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. فلمّا كانت ليلة الزفاف أتى النّبي صلى الله عليه وآله وسلم ببغلته الشهباء و ثنّى عليها قطيفة و قال لفاطمة: اركبى و أمر سلمان أن يقودها و النّبي صلى الله عليه وآله وسلم يسوقها فبينما هو فى بعض الطريق إذ سمع النّبي صلى الله عليه وآله وسلم: وجبة فاذا هو جبرئيل فى سبعين ألفا و ميكائيل فى سبعين ألفا فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ما أهبطكم إلى الأرض؟ قالوا: جئنا نزفّ فاطمة إلى علىّ بن أبى طالب فكبّر جبرئيل و كبّر ميكائيل، و كبّرت الملائكة و كبّر محمّد صلى الله عليه وآله وسلم. فوقع التكبير على العرائس من تلك اللّيلة. [2] 1 محمد بن يعقوب، عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر، عن عبد الكريم بن عمر، عن أبى بصير، عن أبى جعفر عليه السلام قال: لا يدخل بالجارية حتّى يأتى لها تسع سنين أو عشر. [1] 1 محمد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبى عبد اللّه، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح عن أبى بصير، قال: سمعت رجلا و هو يقول لأبى جعفر عليه السلام: جعلت فداك إنّى رجل قد أسننت و قد تزوّجت امرأة بكرا صغيرة و لم أدخل بها و أنا أخاف أنّها إذا دخلت علىّ ترانى أن تكرهنى لخضابى و كبرى، فقال أبو جعفر عليه السلام : إذا دخلت فمرها قبل أن تصل إليك أن تكون متوضّئة. ثمّ أنت لا تصل إليها حتّى توضّأ و صلّ ركعتين ثمّ مجّد اللّه و صلّ على محمّد و آل محمد ثمّ أدع و مر من معها أن يؤمنوا على دعائك و قل: «اللّهم رزقنى إلفها و ودّها و رضاها و أرضنى بها و اجمع بيننا بأحسن اجتماع و آنس ائتلاف، فانّك تحبّ الحلال و تكره الحرام» ثمّ قال: و اعلم أنّ الإلف من اللّه و الفرك من الشيطان ليكره ما أحلّ اللّه عزّ و جلّ. [1] 2- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، و عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن أبى عبد اللّه، عن القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد، عن أبى بصير قال: قال لى أبو جعفر عليه السلام : إذا تزوّج أحدكم كيف يصنع؟ قلت: لا أدرى قال: إذا همّ بذلك فليصلّ ركعتين و ليحمد اللّه عزّ و جلّ، ثمّ يقول. «اللّهم إنّى اريد أن أتزوّج فقدّر لى من النساء أعفهنّ فرجا و أحفظهنّ لى فى نفسها و ما لى و أوسعهنّ رزقا و أعظمهنّ بركة و قدّر لى ولدا طيبا تجعله خلفا صالحا فى حياتى و بعد موتى» قال: فإذا دخلت إليه فليضع يده على ناصيتها و ليقل: «اللّهم على كتابك تزوّجتها و فى أمانتك أخذتها و بكلماتك استحللت فرجها فإن قضيت لى فى رحمها شيئا فاجعله مسلما سويّا و لا تجعله شرك شيطان» قال: قلت: و كيف يكون شرك شيطان؟ قال: إن ذكر اسم اللّه تنحى الشيطان و إن فعل و لم يسم أدخل ذكره و كان العمل منهما جميعا و النطفة واحدة. [2] 3- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن محمّد بن عيسى، عن ابان، عن حريز، عن محمّد بن مسلم، عن أبى جعفر عليه السلام قال: إذا أردت الجماع، فقل: «اللّهمّ ارزقنى ولدا و اجعله تقيا زكيا ليس فى خلقه زيادة و لا نقصان و اجعل عاقبته إلى خير. [3] 1 أبو جعفر الطوسى باسناده، عن على بن الحسن بن فضال، عن محمد بن عبد اللّه بن زرارة، عن الحسن بن على، عن على بن عقبة، عن بريد العجلى، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: من تزوج امرأة لا يتزوّجها إلا لجمالها لم ير فيها ما يحبّ و من تزوّجها لما لها لا يتزوّجها إلا له وكله اللّه إليه فعليكم بذات الدّين. [1] 2- عنه باسناده، عن الحسن بن على بن يوسف، و محمد بن على عن سعدان ابن مسلم، عن بهلول، عن رجل عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال أبو جعفر عليه السلام : خير النّساء من التي إذا دخلت مع زوجها فخلعت الدرع خلعت معه الحياء و إذا لبست الدرع لبست معه الحياء. [2] 3- عنه باسناده عن محمّد و أحمد، عن على بن يعقوب، عن مروان بن مسلم، عن بريد، عن أبى جعفر عليه السلام، قال: حدّثنى جابر بن عبد اللّه أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: من تزوج امرأة لما لها وكله اللّه إليه و من تزوّجها لجمالها رأى فيها ما يكره و من تزوجها لدينها جمع اللّه له ذلك. [3] 4- عنه باسناده، عن الحسن بن محبوب، عن على بن رئاب، عن أبى حمزة، قال: سمعت جابر الأنصاري يحدث قال: كنّا جلوسا مع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فذكرنا النساء و فضل بعضهن على بعض، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: أ لا أخبركم؟ فقلنا: بلى يا رسول اللّه فاخبرنا فقال: ان من خير نساءكم الولود الودود الستيرة العزيزة فى أهلها الذليلة مع بعلها المتبرجة مع زوجها الحصان عن غيره الّتي تسمع قوله فتطيع أمره و إذا خلا بها بذلت له ما أراد منها و لم تبذل له تبذل الرجل. ثم قال: أ لا اخبركم بشرّ نساءكم؟ قالوا: بلى قال: ان من شرّ نساءكم الذليلة فى أهلها العزيزة مع بعلها العقيم الحقود التي لا تتورع من قبيح، المتبرجة إذا غاب عنها بعلها الحصان معه إذا حضر التي لا تسمع قوله و لا تطيع أمره و إذا خلا بها بعلها تمنّعت منه تمنّع الصعبة عند ركوبها و لا تقبل له عذرا و لا تغفر له ذنبا، ثم قال: أ فلا اخبركم بخير رجالكم فقلنا بلى. قال: إنّ من خير رجالكم التقىّ النقىّ السمح الكفين السليم الطرفين البرّ بوالديه و لا يلجئ عياله إلى غيره، ثم قال: أ فلا أخبركم بشر رجالكم؟ فقلنا: بلى قال: إنّ من شر رجالكم البهات الفاحش الآكل وحده المانع رفده الضارب أهله و عبده البخيل الملجئ عياله إلى غيره العاقّ بوالديه. [1] 5- عنه باسناده، عن على بن الحسن بن فضال، عن علىّ بن أسباط، عن عمّه يعقوب الأحمر، عن محمد بن مسلم، عن ابى جعفر عليه السلام قال: أتى رجل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يستأمره فى النكاح فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: نعم انكح و عليك بذوات الدين تربت يداك و قال: انما مثل المرأة الصالحة مثل الغراب الأعصم الّذي لا يكاد يقدر عليه قال: و ما الغراب الأعصم؟ قال: الأبيض إحدى رجليه. [2] 6- عنه باسناده، عن عمرو بن عثمان، عن عبد اللّه بن المغيرة، عن إسماعيل بن أبى زياد الشعيرى، عن أبى عبد اللّه عليه السلام عن أبيه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: اختاروا لنطفكم فان الخال أحد الضجيعين. [3] 7- عنه باسناده عن الحسن بن على بن يوسف، عن معاذ بن ثابت الجوهرى، عن عمرو بن جميع، عن أبى عبد اللّه، عن أبيه عليهما السلام قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: خير نسائكم الطيبة الريح، الطيبة الطعام التي إذا أنفقت انفقت بمعروف، و إذا أمسكت أمسكت بمعروف فتلك من عمال اللّه و عامل اللّه لا يخيب. [1] 8- الطبرسى مرسلا عن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال: النّساء أربعة أصناف: فمنهنّ ربيع مربع و منهنّ جامع مجمع، و منهنّ كرب مقمع، و منهنّ غلّ قمل، فأمّا الربيع المربع: فالّتى فى حجرها ولد و فى بطنها آخر و الجامع المجمع، فالكثيرة الخير المحصنة، و الكرب المقمع: السّيئة الخلق مع زوجها، و غلّ قمل: هى الّتي عند زوجها كالغلّ القمل و هو غلّ من جلد يقع فيه القمل فيأكله فلا يتهيّأ أن يحلّ منه شيئا و هو مثل للعرب. [2] 1 البرقي عن أبيه، عن حمّاد، عن حريز، عن محمّد بن إسحاق، قال: قال أبو جعفر عليه السلام مرّة: أ تدري من أين صارت مهور النّساء أربعة آلاف؟ قلت: لا قال: إنّ ابنة أبى سفيان كانت بالحبشة فخطبها النّبي صلى الله عليه وآله وسلم، فساق عنه النّجاشى أربعة آلاف درهم، فمن ثمة ترى هؤلاء يأخذون به فأمّا المهر فاثنا عشرة أو قية و نشّ. [3]
مسند الإمام الباقر - عزيز الله العطاردي - ج ٤ - الصفحة ٤٧١. — الإمام الباقر عليه السلام
محمّد بن الاشعث أخبرنا عبد اللّه، أخبرنا محمّد حدّثنى موسى قال: حدّثنا أبى، عن أبيه، عن جدّه جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن آبائه عليهم السلام، قال: قال رسول اللّه
صلى الله عليه وآله وسلم: ان أبغض الناس إلى اللّه رجل جرّد ظهر مؤمن بغير حقّ [1] 1- الصفّار، حدّثنا أحمد بن محمّد، عن أحمد بن محمّد بن أبى نصر، عن حماد ابن عثمان، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: وضع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم دية العين و دية النفس و دية الأنف و حرّم النبيذ و كلّ مسكر فقال له: رجل فوضع هذا رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم من غير أن يكون جاء فيه شيء قال نعم ليعلن من يطع الرسول و من يعصيه [2] . 2- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن يوسف بن الحرث، عن عبد الرحمن العزرمى، عن أبيه، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام انّه جعل فى السنّ السوداء ثلث ديتها و فى اليد الشلاء ثلث ديتها و فى العين القائمة إذا طمست ثلث ديتها و فى شحمة الأذن ثلث ديتها و فى الرجل العرجاء ثلث ديتها و فى خشاش الأنف فى كلّ واحد ثلث الدية [1] 1- محمّد بن يعقوب باسناده، عن ابن محبوب، عن علىّ بن رئاب، عن أبى عبيدة، عن أبى جعفر عليه السلام ، فى امرأة شربت دواء و هى حامل لتطرح ولدها فألقت ولدها، فقال: ان كان عظما قد نبت عليه اللّحم و شقّ له السمع و البصر فان عليها ديته و تسلمها إلى أبيه قال: و إن كان جنينا علقة أو مضغة فإنّ عليها أربعين دينارا أو غرّة تسلّمها إلى أبيه، قلت: فهى لا ترث من ولدها من ديته؟ قال: لا لأنّها قتلته [2] . 2- عنه، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن عبد اللّه بن سنان، عن رجل، عن أبى جعفر عليه السلام قال له: الرجل يضرب المرأة فتطرح النطفة؟ قال: عليه عشرون دينارا فان كانت علقة فعليه أربعون دينارا و إن كانت مضغة فعليه ستّون دينارا و إن كان عظما فعليه الدية [3] . 3- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن ابن محبوب، عن أبى ايّوب الخزّاز، عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام ، عن الرجل يضرب المرأة فتطرح النطفة؟ فقال: عليه عشرون دينارا فقلت: يضربها فتطرح العلقة؟ فقال: عليه أربعون دينارا، فقلت: يضربها فتطرح العلقة؟ فقال: عليه أربعون دينارا قلت: فيضربها فتطرح المضغة؟ قال: عليه ستّون دينارا قلت: فيضربها فتطرحه و قد صار له عظم؟ فقال: عليه الدية كاملة و بهذا قضى أمير المؤمنين عليه السلام قلت: فما صفة خلقة النطفة الّتي تعرف بها؟ فقال: النطفة تكون بيضاء مثل النخامة الغليظة و تمكث فى الرحم إذا صارت فيه أربعين يوما ثمّ تصير إلى علقة قلت: فما صفة خلقة العلقة الّتي تعرف بها؟ فقال: هى علقة كعلقة الدم المحجمة الجامدة تمكث فى الرحم بعد تحويلها، عن النطفة أربعين يوما، ثمّ تصير مضغة قلت: فما صفة المضغة و خلقتها الّتي تعرف بها؟ قال: هى مضغة لحم حمراء فيها عروق خضر مشتبكة ثمّ تصير إلى عظم قلت: فما صفة خلقته إذا كان عظما شقّ له السمع و البصر و رتّبت جوارحه فإذا كان كذلك فانّ فيه الدية كاملة [1] . 4- الصدوق باسناده، عن طلحة بن زيد، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام فى امرأة حبلى شربت دواء فأسقطت قال: تكفّر عنه [2] . 5- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن الحسن بن محبوب، عن علىّ بن رئاب، عن أبى عبيدة، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام ، عن امرأة شربت دواء عمدا و هى حامل و لم يعلم بذلك زوجها فألقت ولدها، فقال: إن كان له عظم قد نبت عليه اللّحم فعليها ديته تسلّمها إلى أبيه، و إن كان جنينا علقة أو مضغة فان عليها أربعين دينارا او غرّة تؤديها إلى أبيه قلت له: فهى لا ترث ولدها من ديته، مع أبيه؟ قال: لا لأنّها قتلته فلا ترثه [1] 1- محمّد بن يعقوب، عدّة من أصحابنا، عن أحمد بن محمّد بن خالد، عن أبى الخزرج، عن مصعب بن سلام التميمى، عن أبى عبد اللّه، عن أبيه عليهما السلام أنّ ثورا قتل حمارا على عهد النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فرفع ذلك إليه و هو فى اناس من أصحابه، فيهم أبو بكر و عمر فقال: يا أبا بكر اقض بينهم فقال: يا رسول اللّه بهيمة ما عليها شيء، فقال: يا عمر اقض بينهما فقال: مثل قول أبى بكر، فقال يا على اقض بينهم فقال: نعم يا رسول اللّه إن كان الثور دخل على الحمار فى مستراحه ضمن أصحاب الثور و إن كان الحمار دخل على الثور فى مستراحه فلا ضمان عليها قال: فرفع رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم يده إلى السماء فقال: الحمد للّه الّذي جعل منّى من يقضى بقضاء النبيّين [2] . 2- عنه باسناده، عن عبد الرحمن بن أبى نجران، عن صباح الحذّاء، عن رجل، عن سعد بن طريف الإسكاف، عن أبى جعفر عليه السلام ، قال: أتى رجل رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إنّ ثور فلان قتل حمارى؟ فقال: له النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: ائت أبا بكر فسأله فأتاه فسأله فقال: ليس على البهائم قود فرجع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره بمقالة أبى بكر فقال له: النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ائت عمر فسله فأتاه فسأله فقال: مثل مقالة أبى بكر. فرجع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره فقال له: النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم ائت عليّا عليه السلام فسله فأتاه فسأله فقال علىّ عليه السلام: إن كان الثور الداخل على حمارك فى منامه حتّى قتله فصاحبه ضامن و ان كان الحمار هو الداخل على الثور فى منامه فليس على صاحبه ضمان، قال: فرجع إلى النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فأخبره، فقال النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم: الحمد للّه الّذي جعل من أهل بيتى من يحكم بحكم الأنبياء [1] . 3- عنه، عن علىّ بن إبراهيم، عن محمّد بن عيسى، عن يونس، عن عبيد اللّه الحلبي، عن رجل، عن أبى جعفر عليه السلام ، قال: بعث رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم عليّا إلى اليمن فأفلت فرس لرجل من أهل اليمن و مرّ يعدو فمرّ برجل فنفخه برجله، فقتله فجاء أولياء المقتول إلى الرجل فأخذوه و رفعوه إلى علىّ عليه السلام، فأقام صاحب الفرس البيّنة عند علىّ عليه السلام أن فرسه أفلت من داره و نفح الرجل فأبطل علىّ عليه السلام دم صاحبهم فجاء أولياء المقتول من اليمن إلى رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: فقالوا: يا رسول اللّه إنّ عليّا عليه السلام ظلمنا و أبطل صاحبنا فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إنّ عليّا عليه السلام ليس بظلام و لم يخلق للظلم إنّ الولاية لعلىّ عليه السلام من بعدى و الحكم حكمه و القول قوله و لا يردّ ولايته و قوله و حكمه إلّا كافر و لا يرضى ولايته و قوله و حكمه إلّا مؤمن فلمّا سمع اليمانيون قول رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فى علىّ عليه السلام قالوا: يا رسول اللّه رضينا بحكم علىّ عليه السلام و قوله فقال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: هو توبتكم ممّا قلتم [2] . 4- عنه، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن أبى مريم، عن أبى جعفر عليه السلام ، قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام فى صاحب الدابّة أنّه يضمن فى ما وطئت بيدها و رجلها و ما نفحت برجلها فلا ضمان عليه إلّا أن يضربها إنسان [3] . 5- عنه، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، عن أبى جعفر عليه السلام ، قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام فى عين فرس فقئت عينها بربع ثمنها يوم فقئت عينها [1] 1- محمّد بن يعقوب، عن علىّ بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبى أيّوب، عن محمّد بن مسلم، عن أبى جعفر عليه السلام ، قال: ازدحم الناس يوم الجمعة فى إمرة علىّ عليه السلام بالكوفة فقتلوا رجلا فودى ديته إلى أهله من بيت مال المسلمين [2] . 2- عنه، عن على، عن أبيه، عن بعض أصحابه، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: لو أنّ رجلا قتل فى قرية أو قريب من قرية و لم توجد بيّنة على أهل تلك القرية أنّه قتل عندهم فليس عليهم شيء [3] . 3- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن بنان بن محمّد، عن أبيه، عن ابن المغيرة، عن السكونى، عن جعفر، عن أبيه، عن على عليه السلام قال: من مات فى زحام جمعة أو عرفة أو على جسر لا يعلمون من قتله فديته على بيت المال [4] . 4- عنه باسناده، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن زياد، عن أبى جعفر عليه السلام ، قال: كان أبى رضى اللّه عنه إذا لم يقم القوم المدعون البيّنة على قتل قتيلهم و لم يقيموا بان المتهمين قتلوه حلّف المتّهمين بالقتل خمسين يمينا باللّه ما قتلناه و لا علمنا له قاتلا ثمّ تؤدّى الدية إلى أولياء القتيل، و ذلك إذا قتل فى حىّ واحد فاما اذا قتل فى عسكر أو سوق مدينة فديته تدفع إلى أوليائه من بيت المال [1] . 5- عنه باسناده، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن العبّاس بن معروف، عن محمّد بن سنان، عن طلحة بن زيد أبى الخزرج، عن فضل بن عثمان الأعور، عن أبى عبد اللّه عليه السلام، عن أبيه عليه السلام فى الرجل يقتل فيوجد رأسه فى قبيلة و وسطه و صدره فى قبيلة و الباقى فى قبيلة قال: ديته على من وجد فى قبيلة صدره و بدنه و الصلاة عليه [2] . 6- عنه باسناده، عن الحسين بن سعيد، عن عبد الرحمن بن أبى نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس، قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: قضى أمير المؤمنين عليه السلام فى رجل قتل فى قرية أو قريبا من قرية أن يغرم أهل تلك القرية إن لم توجد بيّنة على أهل تلك القرية أنّهم ما قتلوه [3] 1- محمّد بن يعقوب باسناده، عن ابن محبوب، عن علىّ بن رئاب، عن زرارة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام ، عن رجل قتل و له أخ فى دار الهجرة و له أخ فى دار البد و لم يهاجر أ رأيت إن عفا المهاجرى و أراد البدوى أن يقتل أله ذلك؟ قال: ليس للبدوى أن يقتل مهاجريا حتّى يهاجر، قال: و إذا عفا المهاجرىّ فانّ عفوه جائز قلت فللبدوى من الميراث شيء؟ قال: أمّا الميراث فله حظّه من دية أخيه إن أخذت [1] . 2- عنه، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضّال، عن يونس بن يعقوب، عن أبى مريم، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام فيمن عفا من ذى سهم، فانّ عفوه جائز و قضى فى أربعة إخوة عفا أحدهم قال: يعطى بقيّتهم الدية و يرفع عنهم بحصّته الّذي عفا [2] . 3- عنه، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن على، بن حديد، عن جميل بن درّاج، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام فى رجلين قتلا رجلا عمدا و له وليّان فعفا أحد الوليّين، فقال: إذا عفا عنهما بعض الأولياء درء عنهما القتل و طرح عنهما من الدية بقدر حصة من عفا و أديّا الباقى من أموالهما إلى الّذي لم يعف و قال: عفو كلّ ذى سهم جائز [3] . 4- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن الصفّار، عن الحسن بن موسى، عن غياث بن كلوب، عن اسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام انّ عليّا عليه السلام قال: انتظروا بالصغار الّذين قتل أبوهم أن يكبروا فاذا بلغوا خيّروا فان أحبّوا قتلوا أو عفوا أو صالحوا [4] . 1- محمّد بن يعقوب، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن علىّ بن أبى حمزة، عن أبى بصير، عن أبى جعفر عليه السلام قال: لا تضمن العاقلة عمدا و لا إقرارا و لا صلحا [1] 1- محمّد بن يعقوب باسناده، عن محمّد بن أسلم، عن هارون بن الجهم، عن محمّد بن مسلم قال: قال أبو جعفر عليه السلام : أيّما ظئر قوم قتلت صبيّا لهم و هى نائمة فانقلبت عليه، فقتلته، فإن عليها الدية من ما لها خاصة إن كانت إنّما ظائرت طلب العزّ و الفخر و ان كانت ظائرت من الفقر فانّ الدية على عاقلتها [2] 1- محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب عن أبى أيّوب، عن بريد العجلى، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام ، عن مؤمن قتل رجلا ناصبيا معروفا بالنصب على دينه غضبا للّه تبارك و تعالى أ يقتل به؟ فقال: أما هؤلاء فيقتلونه به، و لو رفع الى امام عادل ظاهر لم يقتله به، قلت: فيبطل دمه؟ قال: لا و لكن إن كان له ورثة فعلى الإمام أن يعطيهم الدية من بيت المال لأنّ قاتله إنّما قتله غضبا للّه عزّ و جلّ للامام ولدين المسلمين [1] 1- محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب عن أبى أيّوب، عن حمران، عن أبى جعفر عليه السلام فى الرجل يقتل مملوكا له، قال: يعتق رقبة و يصوم شهرين متتابعين و يتوب إلى اللّه عزّ و جلّ [2] . 2- عنه، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبى بصير، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام فى امرأة قطعت ثدى وليدتها، أنّها حرّة لا سبيل لمولاتها عليها و قضى فيمن نكل بمملوكه فهو حرّ لا سبيل له عليه سائبة يذهب فيتولّى إلى من أحبّ فاذا ضمن جريرته فهو يرثه [3] 3- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن هشام ابن سالم، عن أبى بصير، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن مدبر قتل رجلا عمدا، فقال: يقتل به قال: قلت: فان قتله خطأ قال: فقال: يدفع أولياء المقتول فيكون لهم رقّا إن شاءوا باعوه و إن شاءوا استرقّوه و ليس لهم أن يقتلوه، قال: ثمّ قال: يا أبا محمّد إنّ المدبّر مملوك [1] . 4- عنه، باسناده، عن ابن محبوب، عن أبى أيّوب، عن محمّد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن مكاتب قتل رجلا خطأ قال: فقال إن كان مولاه حين كاتبه اشترط عليه إن عجز فهو ردّ فى الرقّ فهو بمنزلة المملوك يدفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوا و إن شاءوا باعوا و إن كان مولاه حين كاتبه لم يشترط عليه و قد كان أدّى من مكاتبة شيئا. فانّ عليّا عليه السلام كان يقول: يعتق من المكاتب بقدر ما أدّى من مكاتبته، فانّ على الامام أن يؤدّى إلى أولياء المقتول من الدية بقدر ما أعتق من المكاتب و لا يبطل دم امرئ مسلم و أرى أن يكون ما بقى على المكاتب ممّا لم يؤدّه رقّا لأولياء المقتول يستخدمونه حياته بقدر ما بقى عليه و ليس لهم أن يبيعوه [2] 5- الصدوق باسناده، عن حمران أنه سأل أبا جعفر عليه السلام عن رجل ضرب. مملوكا له فمات من ضربه قال: يعتق رقبة [3] . 6- عنه باسناده، عن ابن محبوب، عن على بن رئاب، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام ، فى عبد جرح رجلين قال: هو بينهما إن كانت جنايته تحيط بقيمته قيل له فان جرح رجلا فى أوّل النهار و جرح آخر فى آخر النهار؟ قال: هو بينهما ما لم يحكم الوالى فى المجروح الأوّل، فان كان الوالى قد حكم فى المجروح الأوّل فدفعه إليه بجنايته فجنى بعد ذلك جناية فان جنايته على الأخير [4] . 7- عنه باسناده، عن وهب بن وهب، عن جعفر بن محمّد، عن أبيه عليهما السلام، أنّه كان يقول إذا قتلت أم الولد سيّدها خطا فهى حرّة و لا تبعة عليها و إن قتلته عمدا قتلت به [1] . 8- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن ابن محبوب، عن علىّ بن رئاب، عن أبى الورد، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قتل عبدا خطأ قال: عليه قيمته و لا يتجاوز بقيمته عشرة آلاف درهم، قلت: و من يقومه و هو ميّت؟ قال: إن كان لمولاه شهود أن قيمته كان يوم قتل كذا و كذا أخذ بها قاتله و إن لم يكن له شهود على ذلك كانت القيمة على من قتله مع يمينه يشهد باللّه ما له قيمة أكثر ممّا قوّمته فان أبى أن يحلف و ردّ اليمين على المولى فان حلف المولى أعطى ما حلف عليه و لا يجاوز بقيمته عشرة آلاف درهم، قال: و ان كان العبد مؤمنا فقتله عمدا اغرم قيمته و اعتق رقبة و صام شهرين متتابعين و تاب إلى اللّه عزّ و جلّ [2] . 9- عنه باسناده، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفليّ، عن السكونى، عن جعفر، عن أبيه، عن علىّ عليه السلام قال: جراحات العبيد على نحو جراحات الأحرار فى الثمن [3] . 10- عنه باسناده، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن يحيى، عن طلحة بن زيد عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام، قال: قال على عليه السلام : إذا قتلت أمّ الولد سيّدها خطأ فهى حرّة و ليس عليها سعاية [4] . 11- عنه باسناده، عن وهب بن وهب، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام أنه كان يقول: إذا قتلت أمّ الولد سيّدها خطأ فهى حرّة و لا تبعة عليها و إن قتلته عمدا قتلت به [5] . 1- محمّد بن يعقوب، عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، و علىّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن ضريس الكناسى، عن أبى جعفر عليه السلام ، فى نصرانى قتل مسلما فلمّا أخذ أسلم، قال: أقتله به قيل: و إن لم يسلم قال: يدفع إلى أولياء المقتول فان شاءوا قتلوا و إن شاءوا عفوا و إن شاءوا استرقّوا و إن كان معه مال وقع إلى أولياء المقتول، هو و ماله [1] . 2- عنه، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن محمّد بن قيس، عن أبى جعفر عليه السلام قال: لا يقاد مسلم بذمّى فى القتل و لا فى الجراحات و لكن يؤخذ من المسلم جنايته للذّمي على قدر دية الذّمي ثمانمائة درهم [2] 1- الكلينى باسناده، عن ابن محبوب، عن أبى أيّوب، عن بريد العجلىّ، عن أبى جعفر عليه السلام قال: فى ذكر الغلام الدية كاملة [3] . 2- عنه باسناده، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبى بصير عن أبى جعفر عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام فى رجل قطع ثدى امرأته، قال: إذن أغرمه لها نصف الدية [1] . 3- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن الحسين بن سعيد، عن أحمد بن عبد اللّه، عن أبان، عن أبى مريم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام ، عن جراحة المرأة قال: فقال: على النصف من جراحة الرّجل من الدية فما دونها قلت: فامرأة قتلت رجلا قال: يقتلونها قلت: فرجل قتل امرأة قال: إن شاءوا قتلوا و أعطوا نصف الدية [2] 4- عنه باسناده، عن فضالة، عن أبان، عن أبى مريم، عن أبى جعفر عليه السلام قال: جراحات النساء على النصف من جراحات الرجال فى كلّ شيء [3] . 5- عنه باسناده، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن يحيى الخزاز، عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه عليه السلام إن عليّا عليه السلام قضى فى رجل ضرب حتّى سلس بوله بالدية كاملة [4] . 6- عنه باسناده، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبى بصير، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قضى أمير المؤمنين عليه السلام فى رجل قطع ثدى امرأته قال: إذا أغرمه لها نصف الدية [5] . 7- عنه باسناده، عن الصفّار، عن السندى، عن محمّد بن الربيع، عن يحيى ابن المبارك، عن عبد اللّه بن جبلة، عن عاصم الحنّاط، عن أبى حمزة الثماليّ، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قلت له: جعلت فداك ما تقول فى رجل ضرب رأس رجل بعمود فسطاط فأمّه- يعنى ذهب عقله- قال: عليه الدية قلت: فانّه عاش عشرة أيّام أو أقل أو أكثر فرجع إليه عقله، أله أن يأخذ الدية قال: لا قد مضت الدية بما فيها قلت: فانّه مات بعد شهرين أو ثلاثة قال: أصحابه نريد، أن نقتل الرجل الضارب قال: إن أرادوا أن يقتلوه يردّوا الدية ما بينهم و بين سنة فاذا مضت السنة فليس لهم أن يقتلوه و مضت الدية بما فيها [1] . 9- عنه باسناده، عن الحسن بن محبوب، عن جميل بن صالح، عن أبى عبيدة الحذاء، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام ، عن رجل ضرب رجلا بعمود فسطاط على رأسه ضربة واحدة فأجافه حتّى وصلت الضربة إلى الدماغ فذهب عقله، فقال: إن كان المضروب لا يعقل منها أوقات الصلاة و لا يعقل ما قال و لا ما قيل له فانّه ينتظر به سنة فان مات فيما بينه و بين سنة أقيد به ضاربه و إن لم يمت فيما بينه و بين سنة و لم يرجع إليه عقله أغرم ضاربه الدية فى ماله لذهاب عقله قلت: فما ترى عليه فى الشجّة شيئا؟ قال: لأنّه إنّما ضربه ضربة واحدة فجنت الضربة جنايتين فألزمته أغلظ الجنايتين، و هى الدية و لو كان ضربه ضربتين فجنت الضربتان جنايتين لألزمته جناية ما جنتا كائنة ما كانت إلّا أن يكون فيهما الموت فيقاد ضاربه بواحدة، و تطرح الاخرى قال: و ان ضربه ثلاث ضربات واحدة بعد واحدة فجنين ثلاث جنايات الزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت، ما لم يكن فيها الموت فيقاد به ضاربه، قال: و قال: و ان ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة الزمته تلك الجناية الّتي جنتها تلك العشر ضربات كائنة ما كانت ما لم يكن فيها الموت [1] . 10- محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، و علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن ابن محبوب، عن الحارث بن محمّد بن النعمان، جنايات الزمته جناية ما جنت الثلاث ضربات كائنات ما كانت، ما لم يكن فيها الموت فيقاد به ضاربه، قال: و قال: و ان ضربه عشر ضربات فجنين جناية واحدة الزمته تلك الجناية الّتي جنتها تلك العشر ضربات كائنة ما كانت ما لم يكن فيها الموت [2] 1- محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، و علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن ابن محبوب، عن الحارث بن محمّد بن النعمان، صاحب الطاق، عن بريد بن معاوية، عن أبى جعفر عليه السلام فى رجل افتضّ جارية يعنى امرأته فأفضاها قال: عليه الدية إن كان دخل بها قبل أن تبلغ تسع سنين قال: فان كان أمسكها و لم يطلّقها فلا شيء عليه و إن كان دخل بها و لها، تسع سنين فلا شيء عليه شاء أمسك و إن شاء طلّق [3] . 1- محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبى مريم الأنصاري، عن أبى جعفر عليه السلام فى رجلين اجتمعا على قطع يد رجل قال: إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليها دية فاقتسمهما ثمّ يقطعهما و إن أحبّ أخذ منهما دية يد قال: و إن قطع يد أحدهما ردّ الّذي لم يقطع يده على الّذي قطعت يده ربع الدية [1] . 2- عنه، عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن العبّاس بن الحريش، عن أبى جعفر الثانى عليه السلام قال: قال أبو جعفر الأوّل عليه السلام لعبد اللّه بن عباس: يا أبا عبّاس أنشدك اللّه هل فى حكم اللّه تعالى اختلاف؟ قال: فقال: لا قال: فما ترى فى رجل ضرب رجلا أصابعه بالسيف، حتّى سقطت فذهبت و أتى رجل آخر فأطار كفّ يده فأتى به إليك و أنت قاض كيف أنت صانع؟ قال: أقول لهذا القاطع: أعطه دية كفّ، و أقول لهذا المقطوع: صالحه على ما شئت أو ابعث إليهما ذوى عدل فقال له: جاء الاختلاف فى حكم اللّه و نقضت القول الأوّل أبى اللّه أن يحدث فى خلقه شيء من الحدود و ليس تفسيره فى الأرض اقطع يد قاطع الكفّ أصلا ثمّ أعطه دية الأصابع هذا حكم اللّه تعالى [2] . 3- عنه باسناده، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زياد بن سوقة، عن الحكم بن عتيبة قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أصابع اليدين و أصابع الرجلين، أ رأيت ما زاد فيها على عشر أصابع أو نقص من عشرة فيها دية؟ قال: فقال لى: يا حكم الخلقة الّتي قسمت عليها الدية عشرة أصابع فى اليدين، فما زاد أو نقص فلا دية له و عشرة أصابع فى الرجلين فما زاد أو نقص فلا دية له و فى كلّ أصبع من أصابع اليدين ألف درهم و فى كلّ أصبح من أصابع الرجلين ألف درهم و كلّ ما كان من شلل فهو على الثلث من دية الصحاح [1] . 4- الصدوق باسناده، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن حبيب السجستانى، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن رجل قطع يدين لرجلين اليمينين، فقال: يا حبيب تقطع يمينه للرّجل الّذي قطع يمينه أوّلا و يقطع يساره للّذى قطع يمينه آخرا لأنّه إنّما قطع يد الرجل الأخير، و يمينه قصاص للرّجل الأوّل فقلت: إنّ أمير المؤمنين عليه السلام إنمّا كان يقطع اليد اليمنى و الرجل اليسرى، فقال: إنّما كان يفعل ذلك فيما يجب من حقوق اللّه عزّ و جلّ، فأمّا حقوق المسلمين يا حبيب فإنّه يؤخذ لهم حقوقهم فى قصاص اليد باليد إذا كانت للقاطع يد و الرجل باليد إذا لم يكن للقاطع يدان فقلت له: أ ما توجب عليه الدية و تترك له رجله؟ فقال: إنّما توجب عليه الدية إذا قطع يد رجل و ليس للقاطع يدان و لا رجلان فثمّ توجب عليه الدّية لأنّه ليست له جارحة يقاص منها [2] . 5- عنه باسناده، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبى مريم الأنصاري، عن أبى جعفر عليه السلام فى رجلين اجتمعا على قطع يد رجل فقال: إن أحبّ أن يقطعهما أدّى إليها دية يد فاقتسماها ثمّ و إن أحبّ أخذ منهما دية يده فإن قطع يد أحدهما ردّ الّذي لم تقطع يده على الّذي قطعت يده ربع الدية [3] . 1- محمّد بن يعقوب، عن على بن ابراهيم، عن أبيه، عن ابن محبوب، عن أبى أيّوب الخزاز، عن بريد بن معاوية، عن أبى جعفر عليه السلام قال: فى لسان الأخرس و عين الاعمى و ذكر الخصى و أنثييه ثلث الدية [1] . 2- عنه، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه و محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد جميعا، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبى بصير، عن أبى جعفر عليه السلام قال: سأله بعض آل زرارة، عن رجل قطع لسان رجل أخرس قال: فقال: إن كان ولدته أمّه و هو أخرس فعليه ثلث الدية، و إن كان لسانه ذهب به وجع أو آفة بعد ما كان يتكلّم، فان على الّذي قطع لسانه ثلث دية لسانه قال: و كذلك القضاء فى العينين و الجوارح قال: هكذا وجدناه فى كتاب علىّ عليه السلام [2] . 3- الصدوق باسناده، عن ابن محبوب، عن أبى أيّوب، عن بريد العجلى، عن أبى جعفر عليه السلام قال: انّ فى لسان الأخرس و عين الأعمى و ذكر الخصىّ الحرّ و أنثييه ثلث الدية و فى ذكر الغلام الدية كاملة [3] . 4- عنه باسناده، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن أبى بصير، عن أبى جعفر عليه السلام قال: سأله بعض آل زرارة، عن رجل قطع لسان رجل أخرس، فقال: إن كان ولدته أمّه و هو أخرس فعليه الدية و إن كان لسانه ذهب بوجع أو آفة بعد ما كان يتكلّم فان على الذي قطع ثلث دية لسانه [1] 1- محمّد بن يعقوب باسناده، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن عمّار الساباطى، عن أبى عبيدة، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن أعمى فقأ عين صحيح متعمّدا، قال: فقال: يا أبا عبيدة إنّ عمد الأعمى مثل الخطأ هذا فيه الدية من ماله فان لم يكن له مال فانّ ديته على الامام و لا يبطل حقّ مسلم [2] 1- محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، و علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، جميعا، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زياد بن سوقة، عن الحكم بن عتيبة، قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام أصلحك اللّه إنّ بعض الناس فى فيه اثنان و ثلاثون سنّا، و بعضهم لهم ثمانية و عشرون سنّا، فعلى كم تقسم دية الأسنان فقال: الخلقة إنّما هى ثمانية و عشرون سنا اثنتا عشر فى مقاديم الفم و ستة عشر سنا فى مئاخيره فعلى هذا قسمت دية الأسنان، فدية كلّ سنّ من المقاديم، إذا كسرت حتّى يذهب خمسمائة درهم. فديتها كلّها ستّة آلاف درهم و فى كلّ سنّ من المؤاخير إذا كسرت حتّى يذهب فانّ ديتها مائتان و خمسون درهما و هى ستّة عشر سنّا فديتها كلّها أربعة آلاف درهم، فجميع دية المقاديم و المؤاخير من الأسنان عشرة آلاف درهم، و إنّما وضعت الدية على هذا فما زاد على ثمانية و عشرين سنّا فلا دية له، و ما نقص فلا دية له هكذا وجدناه فى كتاب علىّ عليه السلام، قال: فقال الحكم: فقلت: إنّ الديات إنّما كانت تؤخذ قبل اليوم من الإبل و البقر و الغنم؟ قال: فقال: إنّما كان ذلك فى البوادى قبل الاسلام فلمّا ظهر الاسلام و كثرت الورق فى الناس قسمها أمير المؤمنين عليه السلام على الورق قال الحكم: فقلت له: أ رأيت من كان اليوم من أهل البوادى ما الّذي يؤخذ منهم فى الدية اليوم إبل أو ورق؟ قال: فقال: الابل اليوم مثل الورق بل هى أفضل من الورق فى الدية انّهم كانوا يأخذون منهم فى الدية الخطأ مائة من الإبل يحسب بكلّ بعير مائة درهم فذلك عشرة آلاف درهم، قلت له: فما أسنان المائة بعير قال: فقال: ما حال عليه الحول ذكران كلّها [1] . 2- الشيخ المفيد باسناده، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زياد بن سوقة، عن الحكم بن عتيبة قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام : أصلحك اللّه إنّ بعض الناس له فى فمه اثنان و ثلاثون سنّا و بعضهم له ثمانية و عشرون فعلى كم تقسم دية الأسنان؟ فقال: الخلقة إنّما هى ثمانية و عشرون سنّا فى مئاخيره فعلى هذا قسمت دية الأسنان فدية كلّ سن من المقاديم إذا كسرت حتّى يذهب فانّ ديتها خمسمائة درهم، و هى اثنا عشر سنّا فديتها كلّها ستّة آلاف درهم و دية كلّ سنّ من الأضراس حتّى يذهب على النصف من دية المقاديم ففى كلّ سنّ كسر حتّى يذهب فانّ ديته مائتان و خمسون درهما و هى ستّة عشر ضرسا. فديتها كلّها أربعة آلاف درهم، فجميع دية المقاديم و المؤاخير من الأسنان عشرة آلاف درهم و إنّما وضعت الدية على هذا فما زاد على ثمانية و عشرين سنّا فلا دية له و ما نقص فلا دية له و هكذا وجدناه فى كتاب علىّ، قال الحكم فقلت: إنّ الديات إنّما كان تؤخذ قبل اليوم من الإبل و الغنم قال: فقال: إنّما كان ذلك فى البوادى قبل الاسلام فلمّا ظهر الاسلام و كثر الورق فى الناس قسّمها أمير المؤمنين علىّ بن أبى طالب عليه السلام على الورق، قال الحكم: فقلت له: أ رأيت من كان من أهل البوادى ما الّذي يؤخذ منه فى الدية الإبل أو ورق؟ قال: فقال: الابل اليوم مثل الورق بل هى أفضل من الورق فى الدية إنّهم إنّما كان يؤخذ منهم فى دية الخطإ مائة من الابل يحسب لكلّ بعير مائة درهم فذلك عشرة آلاف درهم قلت له: فما أسنان المائة البعير؟ قال: فقال: ما حال عليه الحول ذكران كلّها، قال الحكم: فسألته ما تقول فى العمد و الخطأ فى القتل و الجراحات؟ قال: فقال: ليس الخطأ مثل العمد، العمد فى القتل و الجراحات فيها القصاص و الخطأ فى القتل و الجراحات فيها الديات، قال: ثمّ قال: يا حكم إذا كان الخطأ من القاتل أو الجارح و كان بدويّا فدية ما جنى البدوى من الخطأ على أوليائه من البدويين، قال: و إذا كان القاتل او الجارح قرويّا فانّ دية ما جنى من الخطأ على أوليائه القرويّين [1] . 1- محمّد بن يعقوب، عن علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى نجران، عن عاصم بن حميد، عن محمّد بن قيس قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام أعور فقأ عين صحيح فقال: تفقأ عينه قال: قلت: يبقى أعمى؟ قال: الحقّ أعماه [1] . 2- عنه حدثني علىّ بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبى عمير، عن علىّ بن عقبة، عن أبى خالد القمّاط، عن حمران قال: قلت لأبى جعفر عليه السلام ما معنى قول اللّه عزّ و جلّ: «مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ، أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً» قال: قلت: و كيف فكأنّما قتل الناس جميعا فانّما قتل واحدا، فقال: يوضع فى موضع من جهنّم إليه ينتهى شدة عذاب أهلها لو قتل الناس جميعا إنمّا كان يدخل ذلك المكان، قلت: فانّه قتل آخر؟ قال: يضاعف عليه [2] . 3- عنه، عن على، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن المفضل بن صالح، عن جابر بن يزيد، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال: رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: أوّل ما يحكم اللّه فيه يوم القيامة الدماء، فيوقف ابنى آدم فيفصل بينهما، ثمّ الذين يلونهما من أصحاب الدماء، حتّى لا يبقى منهم أحد، ثمّ الناس بعد ذلك حتّى يأتى المقتول بقاتله، فيتشخب فى دمه وجهه، فيقول: هذا قتلنى فيقول: أنت قتلته، فلا يستطيع أن يكتم اللّه حديثا [1] . 4- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن محمّد بن سنان، عن أبى الجارود، عن أبى جعفر عليه السلام قال: ما من نفس تقتل برة و لا فاجرة إلّا و هى تحشر يوم القيامة متعلّقة بقاتله بيده اليمنى و رأسه بيده اليسرى و أوداجه تشخب دما يقول يا ربّ سل هذا فيما قتلنى، فان كان قتله فى طاعة اللّه أثيب القاتل الجنّة و أذهب المقتول الى النار، و ان قال: فى طاعة فلان فقيل له: اقتله لما قتلك، ثمّ يفعل اللّه عزّ و جلّ فيهما بعد مشيئته [2] . 4- عنه، عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن عبد الرحمن بن أبى نجران عن عاصم بن حميد، عن أبى عبيدة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال: رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم : لا يعجبك رحب الذارعين بالدم، فان له عند اللّه قاتلا لا يموت [3] . 5- عنه، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن على بن الحكم، عن العلاء بن رزين، عن محمّد بن مسلم، عن أبى جعفر عليه السلام قال: انّ الرجل ليأتى يوم القيامة و معه قدر محجمة من دم، فيقول: و اللّه ما قتلت و لا شركت فى دم، قال: بلى ذكرت عبدى فلانا فترقى ذلك حتّى قتل، فأصابك من دمه [4] . 6- الصدوق باسناده، عن جابر، عن أبى جعفر عليه السلام قال: قال: رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: أوّل ما يحكم اللّه عزّ و جلّ فيه يوم القيامة الدّماء فيوقف ابنا آدم عليه السلام فيفصل بينهما ثمّ الذين يلونهما من أصحاب الدماء حتّى لا يبقى منهم أحد من الناس بعد ذلك حتّى يأتى المقتول بقاتله فيشخب دمه فى وجهه فيقول: أنت قتلته فلا يستطيع أن يكتم اللّه حديثا [5] . 7- عنه باسناده، عن علىّ بن الحكم، عن أبان الأحمرى، عن أبى بصير، يحيى بن القاسم الأسدي، عن أبى جعفر عليه السلام قال: لمّا حضرت النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم الوفاة نزل جبرئيل عليه السلام فقال: يا رسول اللّه هل لك فى الرجوع إلى الدنيا؟ فقال: لا قد بلغت رسالات ربّى فأعادها عليه، فقال: لا بل الرفيق الأعلى ثمّ قال النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و المسلمون حوله مجتمعون: أيّها الناس إنّه لا نبىّ بعدى و لا سنّة بعد سنّتى فمن ادّعى بعد ذلك فدعواه و بدعته فى النار فاقتلوه و من اتّبعه فانّه فى النار، أيّها الناس أحيوا القصاص و أحيوا الحقّ لصاحب الحقّ و لا تفرّقوا أسلموا و سلّموا «كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» . 8- أبو جعفر الطوسى باسناده، عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن الحسين، عن محمّد بن عبد اللّه بن هلال، عن العلاء بن رزين عن محمّد بن مسلم، عن أبى جعفر عليه السلام قال: من قتله القصاص بأمر الإمام، فلا دية له فى قتل و لا جراحة [2] . 9- عنه باسناده، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن الحسن بن موسى الخشاب، عن غياث بن كلوب، عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام ان رجلا قطع من بعض أذن رجل شيئا فرفع ذلك الى على عليه السلام فأقاده فأخذ الآخر ما قطع من اذنه فردّه على اذنه بدمه، فالتحمت و برئت فعاد الآخر الى على عليه السلام فاستقاده فأمر بها فقطعت ثانية فأمر بها فدفنت و قال عليه السلام: إنمّا يكون القصاص من أجل الشين [3] . 10- عنه باسناده، عن محمّد بن الحسن الصفّار، عن إبراهيم بن هاشم، عن النوفليّ، عن السكونى، عن جعفر، عن أبيه، عن على عليهم السلام قال: ليس بين العبيد و الاحرار قصاص فيما دون النفس، و ليس بين اليهودى و النصرانى و المجوسى قصاص فيما دون النفس [1] . 11- عنه باسناده، عن الصفّار، عن الحسن بن موسى، عن غياث بن كلوب عن إسحاق بن عمّار، عن أبى جعفر عليه السلام : إنّ عليا عليه السلام كان يقول: ليس فى عظم قصاص و قال جعفر عليه السلام إنّ رجلا قتل امرأة فلم يجعل على عليه السلام بينهما قصاصا و ألزمه الدية [2] 1- محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، و عدّة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، جميعا، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام فى رجل أمر رجلا بقتل رجل، فقتله؟ فقال: يقتل به الّذي قتله و يحبس الآمر بقتله فى السجن حتّى يموت [3] . 1- محمّد بن يعقوب، عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد و علىّ بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن ابن محبوب، عن هشام بن سالم، عن زرارة، عن أبى جعفر عليه السلام قال: سألته عن رجل قتل فحمل إلى الوالى و جاءه قوم فشهدوا عليه الشهود أنّه قتله عمدا فدفع الوالى القاتل إلى أولياء المقتول ليقاد به فلم يرتموا حتّى أتاهم رجلا فأقرّ عند الوالى أنّه قتل صاحبهم عمدا و أنّ هذا الرّجل الّذي شهد عليه الشهود برىء من قتل صاحبكم فلان فلا تقتلوه به و خذونى بدمه. قال: فقال أبو جعفر عليه السلام: ان أراد أولياء المقتول أن يقتلوا الّذي أقرّ، على نفسه فليقتلوه و لا سبيل لهم على الآخر، ثمّ لا سبيل لورثة الّذي أقرّ، على نفسه على ورثة الّذي شهد عليه، و إن أرادوا أن يقتلوا الّذي شهد عليه فليقتلوه و لا سبيل لهم على الّذي أقر ثمّ ليؤدّ الدية الّذي أقرّ على نفسه إلى أولياء الّذي شهد عليه نصف الدية قلت: أ رأيت إن أرادوا أن يقتلوهما جميعا؟ قال: ذاك لهم و عليهم أن يدفعوا إلى أولياء الّذي شهد عليه نصف الدية خاصّة دون صاحبه، ثمّ يقتلونهما قلت: إن أرادوا أن يأخذوا الدية؟ قال: فقال: الدية بينهما نصفان لأنّ أحدهما أقرّ و الآخر شهد عليه قلت: كيف جعلت لأولياء الّذي شهد عليه على الّذي أقرّ على نفسه نصف الدية حين قتل، و لم تجعل لأولياء الّذي أقرّ على أولياء الّذي شهد عليه و لم يقتل؟ قال: فقال: لأنّ الّذي شهد عليه ليس مثل الّذي أقرّ، الّذي شهد عليه لم يقرّ و لم يبرأ صاحبه و الآخر أقرّ و أبرأ صاحبه ما لم يلزم الّذي شهد عليه و لم يقرّ و لم يبرأ صاحبه [1]
مسند الإمام الباقر - عزيز الله العطاردي - ج ٥ - الصفحة ٢٨٩. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وصف حالة الإحتضار والإنتقال من هذا العالم إلى حيث العالم الاُخروي والتي تعتبر من مقدّمات يوم القيامة. 8 ـ وأخيراً نظرة إجمالية كليّة حول جزاء المؤمنين وعقاب الكافرين. وأخيراً تنهي السورة آياتها باسم الله العظيم. حول فضيلة تلاوة هذه السورة ذكرت روايات كثيرة في المصادر الإسلامية نقرأ منها حديثاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «من قرأ سورة الواقعة لم يكتب من الغافلين» وذلك لأنّ آيات هذه السورة تتّصف بالتحريك والإيقاظ بصورة لا تسمح للإنسان أن يبقى في جوّ الغفلة. وحول هذا المعنى نقرأ حديثاً آخر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول: «شيّبتني هود والواقعة والمرسلات وعمّ يتساءلون» وذلك لأنّ الأخبار التي وردت في هذه السورة أخبار مثيرة عن القيامة والحشر والحوادث المرعبة وعقاب المشركين، وذكر حالة الأقوام السابقة وما حلّ بهم من البلاء. ونقرأ أيضاً في حديث للإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال
«من قرأ في كلّ ليلة جمعة الواقعة أحبّه الله وحبّبه إلى الناس أجمعين، ولم يرَ في الدنيا بؤساً أبداً ولا فقراً ولا فاقة، ولا آفة من آفات الدنيا، وكان في رفقاء أمير المؤمنين». وجاء في حديث آخر أنّ عثمان بن عفّان عاد عبدالله بن مسعود في مرضه الذي توفّي فيه فقال له: ماذا تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فيم ترغب؟ قال: في رحمة ربّي، قال: ألا ألتمس لك طبيباً؟ قال: أمرضني الطبيب؟ قال: ألا آمر لك بعطيّة؟ قال: لم تأمر لي بها إذ كنت أحوج إليها، وتأمر لي الآن وأنا مستغن عنها، قال: فلتكن هي لبناتك، قال: لا حاجة لهنّ بها فإنّي قد أمرتهنّ بقراءة سورة الواقعة، وإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاقة يقول: «من قرأ سورة الواقعة كلّ ليلة لم تصبه أبداً». ولهذا السبب سمّيت سورة الواقعة حسب ما ورد في رواية اُخرى بسورة الغنى. ومن الواضح أنّنا لا نستطيع الحصول على جميع البركات التي وردت لهذه السورة بالقراءة السطحية، بل ينبغي بعد تلاوتها التفكّر والتدبّر، ومن ثمّ الحركة والعمل. إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الاَْرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً وَكُنتُمْ أَزْوَجاً ثَلَـثَةً فَأَصْحَـبُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـبُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَـبُ الْمَشْئَمَةِ مَآ أَصْحَـبُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّـبِقُونَ السَّـبِقُونَ أُوْلَـئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِى جَنَّـتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الاَْوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الاَْخِرِينَ الواقعة العظيمة: إنّ الأحداث المرتبطة بالقيامة تذكر غالباً في القرآن الكريم مقترنة بحوادث أساسيّة عظيمة قاصمة ومدمّرة، وهذا ما يلاحظ في الكثير من السور القرآنية التي تتحدّث عن القيامة. وفي سورة الواقعة حيث يدور البحث حول محور المعاد، نجد هذا واضحاً في الآيات الاُولى منها، حيث يبدأ سبحانه بقوله: (إذا وقعت الواقعة). (ليس لوقعتها كاذبة) وذلك لأنّ الحوادث التي تسبقها عظيمة وشديدة بحيث تكون آثارها واضحة في كلّ ذرّات الوجود. «الواقعة» تشير إشارة مختصرة إلى مسألة الحشر، ولأنّ وقوعها حتمي فقد عبّر عنها بـ (الواقعة) واعتبر البعض أنّها إحدى أسماء القيامة. كلمة (كاذبة) هنا أخذت بمعناها المصدري، وهي إشارة إلى أنّ وقوع القيامة ظاهر وواضح إلى حدّ لا يوجد أي مجال لتكذيبه أو بحثه والنقاش فيه. كما أنّ البعض فسّرها بمعناها الظاهري الذي هو اسم الفاعل، حيث قالوا بعدم وجود من يكذّب هذا الأمر. وعلى كلّ حال فإنّ الحشر لا يقترن بتغيير الكائنات فحسب، بل إنّ البشر يتغيّر كذلك كما يقول سبحانه في الآية اللاحقة (خافضة رافعة). أجل، انّها تذلّ المستكبرين المتطاولين، وتعزّ المحرومين المؤمنين وترفع المستضعفين الصادقين بعض يسقط إلى قاع جهنّم، وبعض آخر إلى أعلى عليين في الجنّة. وهذه هي خاصية المبادىء الإلهيّة العظيمة. ولذلك نقرأ في رواية الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) في تفسير هذه الآية أنّه قال: «خافضة خفضت والله أعداء الله في النار، رافعة رفعت والله أولياء الله إلى الجنّة». ثمّ يستعرض القرآن الكريم وصفاً أوسع في هذا الجانب حيث يقول: (إذا رجّت الأرض رجّاً). يا له من زلزال عظيم وشديد إلى حدّ أنّ الجبال فيه تندكّ وتتلاشى، قال تعالى: (وبسّت الجبال بسّاً فكانت هباءً منبثّاً). (رُجّت) من مادّة (رجّ) على وزن (حجّ) بمعنى التحرّك الشديد للشيء وتقال رجرجة للإضطراب. «بُسّت» من مادّة (بسّ) على وزن (حجّ). والأصل بمعنى تليّين الطحين وتعجنه بواسطة الماء. «هباءً» بمعنى غبار، و «منبث» بمعنى منتشر. قال البعض: إنّ «هباءً» هو ذرّات الغبار الصغيرة المعلّقة بالفضاء ولا ترى في الحالة الإعتيادية، إلاّ إذا دخل نور الشمس من نافذة إلى مكان مظلم. والآن يجب التفكير بهذه الزلزلة والإنفجار، كم هو عظيم بحيث تتلاشى الجبال مع ما لها من القوّة والصلابة بحيث تتحوّل إلى غبار منتشر، والأعظم هو شدّة الصوت الذي ينتج من هذا الإنفجار الرهيب. وعلى كلّ حال فقد نلاحظ في الآيات القرآنية تعبيرات مختلفة حول وضع الجبال قبل يوم القيامة، وتكشف لنا المراحل المتعدّدة للإنفجار العظيم الذي يطرأ على الجبال، حيث يقول عزّوجلّ في هذا الصدد: (وتسير الجبال سيراً) الطور / 10. (وإذا الجبال نسفت) المرسلات / 10. (فدكّتا دكّة واحدة) الحاقّة / 14. (وكانت الجبال كثيباً مهيلا) المزمل / 14 أي كالرمل المتراكم. (فكانت هباءً منثوراً) الواقعة / 6 الآية محلّ البحث. وأخيراً (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) القارعة / 2 أي كالصوف المنفوش حيث لا يرى منها إلاّ لونها. ومن الواضح أن لا أحد يعلم إلاّ الله بحقيقة حصول هذه التغيّرات التي لا تحملها الألفاظ، ولا تجسّدها العبارات، اللهمّ إلاّ إشارات معبّرة تحكي عظمة وهول هذا الإنفجار العظيم. وبعد بيان وقوع هذه الظاهرة العظيمة والحشر الكبير يستعرض القرآن المجيد ذكر حالة الناس في ذلك اليوم، حيث قسّم الناس إلى ثلاثة أقسام بقول سبحانه: (وكنتم أزواجاً ثلاثة). لفظ (الزوج) لا يقال دائماً لجنس المؤنث والمذكّر، بل تطلق هذه اللفظة على الاُمور المتقارنة مع بعض، ولكون أصناف الناس في القيامة والحشر والنشر تكون متقارنة مع بعضها، لذا يطلق عليها لفظ أزواج. وحول القسم الأوّل يحدّثنا القرآن الكريم بقوله: (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة). المقصود من أصحاب الميمنة هم الأشخاص الذين يعطون صحيفة أعمالهم بأيديهم اليمنى، وهذا الأمر رمز لأهل النجاة، ودليل الأمان للمؤمنين والصالحين في يوم القيامة، كما ذكر هذا مراراً في الآيات القرآنية. أو أنّ كلمة (ميمنة) من مادّة (يمن) التي أخذت من معنى السعادة، وعلى هذا التّفسير فإنّ القسم الأوّل هم طائفة السعداء وأهل الحبور والسرور. وبالنظر إلى أنّ الآية اللاحقة تعرّف المجموعة الثانية بـ (أصحاب المشئمة)والتي هي مأخوذة من مادّة (شؤم) فإنّ التّفسير الأخير هو الأنسب. عبارة «ما أصحاب الميمنة» هو بيان حقيقة السعادة التي ليس لها حدّ ولا يمكن تصوّرها لهؤلاء المؤمنين، وهذه قمّة الروعة في الوصف لمثل هذه الحالات، ويمكن تشبيه ذلك بقولنا: فلان إنسان يا له من إنسان! ثمّ يستعرض الله تعالى المجموعة الثانية بقوله: (وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة) حيث الشؤم والتعاسة، وإستلام صحائف أعمالهم بأيديهم اليسرى التي هي رمز سوء عاقبتهم وعظيم جرمهم وجنايتهم، نتيجة عمى البصيرة والسقوط في وحل الضلال. والتعبير بـ «ما أصحاب المشئمة» هو الآخر يعكس نهاية سوء حظّهم وشقاوتهم. وأخيراً يصف المجموعة الثالثة أيضاً بقوله سبحانه: (والسابقون السابقون اُولئك المقرّبون). (السابقون) ليسوا الذين سبقوا غيرهم بالإيمان فحسب، بل في أعمال الخير والأخلاق والإخلاص، فهم اُسوة وقدوة وقادة للناس، ولهذا السبب فهم من المقرّبين إلى الحضرة الإلهيّة. وبناءً على هذا، فما نرى من تفسير أسبقية السابقين بالسبق في طاعة الله، أو أداء الصلوات الخمس، أو الجهاد والهجرة والتوبة فإنّ كلّ واحد من هذه التفاسير تمثّل جانباً من هذا المفهوم الواسع، وإلاّ فإنّ هذه الكلمة (السابقون) تشمل جميع هذه الأعمال، والطاعات وغيرها. وإذا فسّرت (السابقون) كما في بعض الرّوايات الإسلامية بأنّها تعني الأشخاص الأربعة وهم «هابيل»، و «مؤمن آل فرعون»، و «حبيب النجّار» الذين تميّز كلّ منهم بأسبقيته في قومه، وكذلك «أمير المؤمنين» (عليه السلام) الذي هو أوّل من دخل في الإسلام من الرجال، فإنّ هذا التّفسير في الحقيقة هو بيان للمصاديق الواضحة، وليس تحديداً لمفهوم الآية. وجاء في حديث آخر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أتدرون من السابقون إلى ظلّ الله في يوم القيامة؟ فقال أصحابه: الله ورسوله أعلم، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الذين إذا أعطوا الحقّ قبلوه، وإذا سألوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم». وجاء في بعض الرّوايات أيضاً أنّ المقصود بـ (السابقون) هم الأنبياء المرسلون وغير المرسلين. «ونقرأ في حديث لابن عبّاس أنّه قال: «سألت رسول الله حول هذه الآية فقال: «هكذا أخبرني جبرائيل، ذلك علي وشيعته هم السابقون إلى الجنّة، المقرّبون من الله لكرامته لهم». وكما تقدّم إنّه بيان للمصاديق الواضحة من المفهوم الذي ذكر أعلاه، الذي يشمل جميع (السابقين) في كلّ الاُمم والشعوب. ثمّ يوضّح ـ في جملة قصيرة ـ المقام العالي للمقرّبين حيث يقول سبحانه: (في جنّات النعيم). التعبير بـ (جنّات النعيم) يشمل أنواع النعم المادية والمعنوية، ويمكن إعتبار هذا التعبير إشارة إلى أنّ بساتين الجنّة هي وحدها مركز النعمة والراحة في مقابل بساتين الدنيا التي تحتاج إلى الجهد والتعب، كما أنّ حالة المقربين في الدنيا تختلف عن حالة المقرّبين في الآخرة، حيث أنّ مقامهم العالي في الدنيا كان توأماً مع المسؤوليات والطاعات في حين أنّ مقامهم في الآخرة سبب للنعمة فقط. ومن البديهي أنّ المقصود من «القرب» ليس «القرب المكاني» لأنّ الله ليس له مكان، وهو أقرب إلينا من أنفسنا، والمقصود هنا هو «القرب المقامي». ويشير في الآية اللاحقة إلى الحالة العددية في الاُمم السابقة وفي هذه الاُمّة أيضاً حيث يقول سبحانه: (ثلّة من الأوّلين) أي أنّهم جماعة كثيرة في الاُمم السالفة والأقوام الاُولى. (وقليل من الآخرين). (ثلّة) كما يقول الراغب في المفردات تعني في الأصل قطعة مجتمعة من الصوف، ثمّ تحوّلت إلى معنى مجموعة من الأشخاص. وأخذها البعض أيضاً من (ثلّ عرشه) بمعنى سقط وإنهار، يقال (سقط عرشه وإنقلعت حكومته) وإعتبرها البعض (قطعة)، وذلك بقرينة المقابلة بـ (قليل من الآخرين) يكون المعنى القطعة العظيمة. وطبقاً لهاتين الآيتين فإنّ قسماً كبيراً من المقرّبين هم من الاُمم السابقة، وقسم قليل منهم فقط هم من اُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). ويثار سؤال هنا وهو: كيف يتناسب العدد القليل من مقرّبي اُمّة محمّد مع الأهميّة البالغة لهذه الاُمّة التي وصفها القرآن الكريم بأنّها من أفضل الاُمم؟ قال تعالى: (كنتم خير اُمّة اُخرجت للناس..). وللجواب على هذا السؤال يجدر الإلتفات إلى نقطتين: الاُولى: إنّ المقصود من المقرّبين هم السابقون في الإيمان، ومن المسلّم أنّ السابقين لقبول الإسلام في الصدر الأوّل منه كانوا قلّة، أوّلهم من الرجال الإمام علي (عليه السلام)، ومن النساء خديجة رضي الله عنه، في الوقت الذي نعلم أنّ كثرة الأنبياء السابقين وتعدّد اُممهم، ووجود السابقين في كلّ اُمّة يؤدّي إلى زيادتهم من الناحية العددية. والنقطة الثانية: أنّ الكثرة العددية ليست دليلا على الكثرة النوعية; حيث يمكن أن يكون عدد السابقين في هذه الاُمّة قليلا، إلاّ أنّ مقامهم أفضل كثيراً، كما هو المعروف بين الأنبياء أنفسهم، إذ يختلفون بإختلاف درجاتهم: (تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض). وممّا يلزم ذكره أنّ قسماً من المؤمنين لم يندرجوا في زمرة السابقين في الإيمان، مع توفّر الصفات والخصوصيات فيهم والتي تجعلهم بنفس درجة السابقين من حيث الأجر والجزاء، لذلك فقد نقل في بعض الرّوايات عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «نحن السابقون السابقون ونحن الآخرون». وجاء في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه خاطب مجموعة من أصحابه فقال لهم: «أنتم السابقون الأوّلون والسابقون الآخرون، والسابقون في الدنيا إلى ولايتنا، وفي الآخرة إلى الجنّة». ومن الجدير بالملاحظة أنّ بعض المفسّرين فسّر «الأوّلين والآخرين» بـ (الأوّلين في الاُمّة الإسلامية والآخرين فيها) وإنسجاماً مع هذا الرأي فإنّ جميع المقرّبين هم من الاُمّة الإسلامية. إلاّ أنّ هذا التّفسير لا يتناسب مع ظاهر الآيات والرّوايات التي وردت في ذيل هذه الآيات، حيث أنّها عرّفت أشخاصاً من الاُمم السابقة بالخصوص بعنوان أنّهم من السابقين الأوّلين. عَلَى سُرُر مَّوْضُونَة مُّتَكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَـبِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَنٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَاب وَأَبَارِيقَ وَكَأْس مِّن مَّعِين لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ وَفَـكِهَة مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْر مِّمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَـلِ اللَّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إلاَّ قِيلا سَلَـماً سَلَـماً الجنّة بإنتظار المقرّبين: هذه الآيات تتحدّث عن أنواع نعم الجنّة التي أعدّها الله سبحانه للقسم الثالث من عباده المقرّبين، والتي كلّ واحدة منها أعظم من اُختها وأكرم.. وقد لخّصت هذه النعم بسبعة أقسام: يقول تعالى في البداية: (على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين). «سرر» جمع سرير من مادّة (سرور) بمعنى التخت الذي يجلس عليه المنعّمين في مجالس الاُنس والسرور. (موضون) من مادّة (وضن) على وزن (وزن) وهي في الأصل بمعنى نسج الدرع، ثمّ اُطلقت على كلّ منسوج محكم الخيوط والنسيج. والمقصود هنا هي الأسرة الموضوعة جنباً إلى جنب بصورة متراصّة. أو أنّ لهذه الأسرة حياكة مخصوصة من اللؤلؤ والياقوت وما إلى ذلك، كما قال بعض المفسّرين. وعلى كلّ حال، فإنّ بناء هذه الأسرة وكيفية وضعها، ومجلس الاُنس الذي يتشكّل عليها، وأجواء السرور والفرح التي تغمرها، لا نستطيع وصفه بأي بيان. ونلاحظ إستمرار الأوصاف الرائعة في القرآن الكريم لسرر الجنّة، ومجالس أهلها، ومنتديات أحبّتها ممّا يدلّ على أنّ من أهم نعم وملذّات هؤلاء هي جلسات الاُنس هذه.. أمّا أحاديثهم وما يدور في حفلاتهم فليس هنالك أحد يعلم حقيقتها، فهل هي عن أسرار الخلق وعجائب الكون؟ أو عن اُصول المعرفة وأسماء الله وصفاته الحسنى؟ أو عن الحوادث التي حدثت في هذا العالم؟ أو عن الراحة التي هم عليها بعد التعب والعناء؟ أو عن اُمور اُخرى لا نستطيع إدراكها...؟ هذا هو سرّ لا يعلمه إلاّ الله. ثمّ يتحدث سبحانه عن نعمة اُخرى لهم حيث يقول: (يطوف عليهم ولدان مخلّدون). التعبير بـ «يطوف» من مادّة (طواف) إشارة إلى إستمرار خدمة هؤلاء (الطوافين) لضيوفهم. والتعبير بـ «مخلّدون» إشارة إلى خلود شبابهم ونشاطهم وجمالهم وطراوتهم، والأصل أنّ جميع أهل الجنّة مخلّدون وباقون. أمّا من هم هؤلاء الولدان؟ قال البعض: إنّهم أبناء البشر من هذه الدنيا الذين توفّوا قبل البلوغ، وصحيفة أعمالهم بيضاء لم تدنّس بعد، فقد بلغوا هذه المرتبة بلطف الله سبحانه، وخدمتهم للمقرّبين تقترن بإرتياح عظيم ورغبة عميقة ولذّة من أفضل اللذّات، لأنّهم في خدمة المقرّبين من الحضرة الإلهيّة. وقد ورد في هذا المعنى حديث للإمام علي (عليه السلام). إلاّ أنّنا نقرأ في تفسير آخر أنّهم أطفال المشركين ولأنّهم لم يرتكبوا ذنباً فقد حصلوا على هذه المرتبة; وأطفال المؤمنين يلتحقون بآبائهم واُمّهاتهم. ونقرأ في تفسير ثالث أنّهم خدّام الجنّة، حيث إنّ الله سبحانه قد أعدّهم لهذه المهمّة بشكل خاصّ. ويضيف القرآن أنّ هؤلاء الولدان يقدّمون لأصحاب الجنّة أقداح الخمر وكؤوس الشراب المأخوذ من أنهار الجنّة (بأكواب وأباريق وكأس من معين) وشرابهم هذا ليس من النوع الذي يأخذ لباب العقل والفكر، حيث يقول تعالى: (لا يصدّعون عنها ولا ينزفون). إنّ الحالة التي تنتابهم من النشوة الروحية حين تناولهم لهذا الشراب لا يمكن أن توصف، إذ تغمر كلّ وجودهم بلذّة ليس لها مثيل. ثمّ يشير سبحانه إلى رابع وخامس قسم من النعم المادية التي وهبها الله للمقرّبين في الجنّة، حيث يقول سبحانه: (وفاكهة ممّا يتخيّرون) (ولحم طير ممّا يشتهون). إنّ تقديم الفاكهة على اللحم بلحاظ كون الفاكهة أفضل من الناحية الغذائية بالإضافة إلى نكهتها الخاصّة عند أكلها قبل الطعام. والذي يستفاد من بعض الرّوايات أنّ غصون أشجار الجنّة تكون في متناول أيدي أهل الجنّة، بحيث يستطيعون بكلّ سهولة أن يتناولوا أي نوع من الفاكهة مباشرة، وهكذا الحال بالنسبة لبقيّة الأغذية الموجودة في الجنّة. إلاّ أنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ تقديم الغذاء من قبل (الولدان المخلّدين) له صفاء خاصّ ولطف متميّز حيث أنّ تقديم الطعام يعبّر عن مزيد الإحترام والإكرام لأهل الجنّة، وتضفي رونقاً وبهاءً أكثر على مجالس أُنسهم. ومن المتعارف عليه إجتماعياً بيننا أنّ تقديم الفاكهة وتقريبها من الضيوف من قبل المضيف نفسه يعبّر عن التقدير والمحبّة والإحترام. وخصّت لحوم الطيور بالذكر هنا لفضلها على بقيّة أنواع اللحوم، لذا فقد تكرّر ذكرها. إنّ إستعمال تعبير «يتخيّرون» بالنسبة لـ (الفاكهة) ويشتهون بالنسبة لـ (اللحوم) لا يدلّل على وجود إختلاف بين التعبيرين كما ذهب إليه بعض المفسّرين، بل هما بمعنى واحد بعبارتين مختلفتين، والمقصود بهما أنّ أي غذاء يشتهيه أهل الجنّة يوضع بإختيارهم من قبل (الولدان المخلّدين). ثمّ يشير سبحانه إلى سادس نعمة وهي الزوجات الطاهرات الجميلات حيث يقول سبحانه: (حور عين) (كأمثال اللؤلؤ المكنون). «حور» كما قلنا سابقاً جمع حوراء و أحور، ويقال للشخص الذي يكون سواد عينه شديداً وبياضها شفافاً، و (عين) جمع (عيناء) و أعين، بمعنى العين الواسعة، لأنّ أكثر جمال الإنسان في عيونه، فقد ذكر هذا الوصف خصوصاً. وقال البعض: إنّ «حور» أُخذت من مادّة (حيرة) يعني أنّهنّ جميلات إلى حدّ تصاب العيون بالحيرة عند رؤيتهنّ. «مكنون» بمعنى مستور، والمقصود هنا الإستتار في الصدف، لأنّ اللؤلؤ عندما يكون مختفياً في الصدف وبعيداً عن لمس الأيدي يكون شفّافاً وناصعاً أكثر من أي وقت. وبالإضافة إلى ذلك قد يكون المقصود أنهنّ مستورات عن أعين الآخرين بصورة تامّة، لا يد تصل إليهنّ ولا عين تقع عليهنّ. وبعد الحديث عن هذه المنح، والعطايا المادية الستّة، يضيف سبحانه: (جزاءً بما كانوا يعملون) كي لا يتصوّر أحد أنّ هذه النعم تعطى جزافاً، بل إنّ الإيمان والعمل الصالح هو السبيل لنيلها والحصول عليها، حيث يلزم للإنسان العمل المستمرّ الخالص حتّى تكون هذه الألطاف الإلهيّة من نصيبه. «ويلاحظ بأنّ (يعملون) فعل مضارع يعطي معنى الإستمرار». ويتحدّث القرآن الكريم عن سابع نعمة من نعم أهل الجنّة، وهي التي تتسّم بالطابع الروحي المعنوي حيث يقول تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً). فالجوّ هناك جوّ نزيه خالص بعيد عن الدنس، فلا كذب، ولا تهم، ولا إفتراءات، ولا إستهزاء ولا غيبة ولا ألفاظ نابية وعبارات لاذعة.. وليس هنالك لغو ولا كلام فارغ.. بل الموجود هناك هو اللطف والصفاء والجمال والمتعة والأدب والطهارة، وكم هو طاهر ذلك المحيط البعيد عن الأحاديث المدنّسة التي هي السبب في أكثر إنزعاجنا وعدم إرتياحنا في هذه الدنيا، حيث اللغو والثرثرة والكلام اللا مسؤول والتعبيرات الجارحة! ثمّ يضيف سبحانه: (إلاّ قيلا سلاماً سلاماً). ويسأل هنا: هل أنّ هذا السلام من قبل الله تعالى؟ أو أنّه من قبل الملائكة؟ أو هو سلام متبادل بين أهل الجنّة، أو كلّ هذه الاُمور؟ الظاهر أنّ الرأي الأخير هو الأنسب، كما أشارت الآيات القرآنية الاُخرى إلى ذلك. نعم إنّهم لا يسمعون شيئاً إلاّ السلام، سلام وتحيّة من الله، ومن الملائكة المقرّبين، وسلامهم وتحيّتهم لبعضهم البعض في تلك المجالس العامرة المملوءة بالصفاء والتي تفيض بالودّ والاُخوّة والصدق. إنّ محيطهم وأجواءهم المغمورة بالسلام والسلامة تسيطر على وجودهم، وإنّ أحاديثهم وحواراتهم المختلفة تنتهي إلى السلام والاُخوّة والصفاء، وأساساً فإنّ الجنّة هي دار السلام وبيت السلامة والأمن والأمان، كما نقرأ في قوله تعالى: (لهم دار السلام عند ربّهم). الآيات وَأَصْحَـبُ الَْيمِينِ مَا أَصْحَـبُ الَْيمِينِ فِى سِدْر مَّخْضُود وَطَلْح مَّنضُود وَظِلٍّ مَّمْدُود وَمَآء مَّسْكُوب وَفَـكِهَة كَثِيرَة لاَّ مَقْطُوعَة وَلاَ مَمْنُوعَة وَفُرُش مَّرْفُوعَة إِنَّآ أَنشَأْنَـهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَـهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً لاَِّصْحَـبِ الَْيمِينِ ثُلَّةٌ مِّنَ الاَْوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الاَْخِرِينَ أصحاب اليمين وهباتهم: بعد بيان الهبات والنعم الماديّة والمعنوية (للمقرّبين) يأتي الدور في الحديث عن (أصحاب اليمين) تلك الجماعة السعيدة التي تستلم صفحة أعمالها في (اليد اليمنى) إشارة لنيل الفوز والنجاح في الإمتحان الربّاني. ويشير سبحانه إلى نعم ستّ، ممّا أنعم به عليهم تمثّل مرحلة أدنى في مقابل سبع نِعم منحها سبحانه إلى المقرّبين من عباده. تبدأ الآيات في الحديث عنهم أوّلا من حيث مقامهم العالي، حيث يقول عزّوجلّ: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين). إنّ هذا الوصف هو أروع وصف هؤلاء، لأنّ هذا التعبير يستعمل في موارد لا تستطيع الألفاظ التعبير عنه، وهو تعبير عن المقام العالي لأصحاب اليمين. وتشير الآية اللاحقة إلى أوّل نعمة منحت لهذه الجماعة حيث تقول: (في سدر مخضود). وفي الحقيقة أنّ هذا أنسب وأليق وصف توصف به أشجار الجنّة في دائرة ألفاظنا الدنيوية، لأنّ (السدر) كما يقول أئمّة اللغة: شجر قوي معمّر يصل طوله إلى أربعين متراً أحياناً وعمره يقرب من ألفي سنة، ولها ظلّ ظليل ولطيف، والسلبية الموجودة في هذا الشجر أنّه ذو شوك إلاّ أنّ وصفه بـ (مخضود) من مادّة (خضد) ـ على وزن (مجد) ـ بمعنى (إزالة الشوك) تنهي آثار هذه السلبية في شجر سدر الجنّة. وجاء في حديث: كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقولون: إنّ الله ينفعنا بالأعراب ومسائلهم، أقبل أعرابي يوماً، فقال: يارسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية وما كنت أرى أنّ في الجنّة شجرة تؤذي صاحبها؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وما هي» قال: السدر، فإنّ لها شوكاً. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أليس يقول الله: في سدر مخضود، يخضده الله من شوكه فيجعل مكان كلّ شوكة ثمرة، إنّها تنبت ثمراً يفتق الثمر منها عن إثنين وسبعين لوناً من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر». ثمّ يأتي الحديث عن ثاني هبة لهم حيث يقول سبحانه: (وطلح منضود). «الطلح»: شجرة خضراء لطيفة اللون والرائحة، وذكر البعض أنّها شجرة الموز التي تتميّز بأوراق عريضة جدّاً وخضراء وجميلة، وفاكهتها حلوة ولذيذة. و «منضود»: من مادّة (نضد) بمعنى متراكم. وممكن أن يشير هذا التعبير إلى تراكم الأوراق أو تراكم الفاكهة أو كليهما، حتّى أنّ البعض قال: إنّ هذه الأشجار مليئة بالفاكهة إلى حدّ أنّها تغطّي سيقان وأوراق الأشجار. وقال بعض المفسّرين: بالنظر إلى أنّ أوراق شجر السدر صغيرة جدّاً، وأوراق شجر الموز كبيرة جدّاً، فإنّ ذكر هاتين الشجرتين إشارة جميلة إلى جميع أشجار الجنّة التي تكون صفاتها بين صفات هاتين الشجرتين. ثمّ يستعرض سبحانه ذكر النعمة الثالثة من نعم أهل اليمين بقوله: (وظلّ ممدود). فسّر البعض هذا (الظلّ الواسع) بحالة شبيهة للظلّ الذي يكون بين الطلوعين من حيث إنتشاره في كلّ مكان، وقد نقل حديث للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا المعنى في روضة الكافي. والمقصود هنا أن لا حَرَّ في الجنّة، وأنّ أهلها في ظلال لطيفة واسعة تلطّف الروح. وينتقل الحديث إلى مياه الجنّة حيث يقول سبحانه: (وماء مسكوب). «مسكوب» من مادّة (سكب) على وزن «حرب» وتعني في الأصل الصبّ، ولأنّ صبّ الماء يكون من الأعلى إلى الأسفل بصورة تيّار أو شلاّل فإنّه بذلك يصوّر لنا مشهداً رائعاً حيث إنّ خرير المياه ينعش الروح. ويبهر العيون، وهذه هي إحدى الهبات التي منحها الله لأهل الجنّة، ومن الطبيعي أنّ هذه الجنّة المليئة بالأشجار العظيمة، والمياه الجارية، لابدّ أن تكون فيها فواكه كثيرة، وهذا ما ذكرته الآية الكريمة، حيث يقول سبحانه في ذكر خامس نعمة: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة). نعم، ليست كفواكه الدنيا من حيث محدوديتها في فصول معيّنة من أسابيع أو شهور، أو يصعب قطفها بلحاظ الأشواك، أو العلو مثل النخيل، أو مانع ذاتي في نفس الإنسان، أو أنّ المضيف الأصلي الذي هو الله والملائكة الموكّلين بخدمة أهل الجنّة يبخلون عليهم.. كلاّ، لا يوجد شيء من هذا القبيل، فالمتقضي موجود بشكل كامل، والمانع بكلّ أشكاله مفقود. ثمّ يشير سبحانه إلى نعمة اُخرى حيث يقول: (وفرش مرفوعة) أي الزوجات الرفيعات القدر والشأن. «فرش»: جمع فراش وتعني في الأصل كلّ فراش يفرش ولهذا التناسب فإنّها تستعمل في بعض الأحيان كناية عن الزوج (سواء كان رجلا أو امرأة) لذا جاء في الحديث عن الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر). وفسّر البعض الفرش بمعناها الحقيقي وليس كناية، وإعتبرها إشارة إلى الفرش الثمينة والتي لها قيمة عظيمة في الجنّة. ولكن إذا فسّرت بهذه الصورة، فسيقطع إرتباط هذه الآية مع الآيات اللاحقة التي تتحدّث عن حوريات وزوجات الجنّة. ويصف القرآن الكريم زوجات الجنّة بقوله تعالى: (إنّا أنشأناهنّ إنشاءً). وهذه الآية لعلّها تشير إلى الزوجات المؤمنات في هذه الدنيا حيث يمنحهنّ الله سبحانه خلقاً جديداً في يوم القيامة، ويدخلن الجنّة وهنّ في قمّة الحيوية والشباب والجمال والكمال الظاهر والباطن، وبشكل يتناسب مع كمال الجنّة وخلوّها من كلّ نقص وعيب. وإذا كان المقصود بذلك (الحوريات) فإنّ الله تعالى خلقهنّ بصورة لا يعتريهنّ فيها غبار العجز والضعف، ويمكن أن يكون التعبير بالإنشاء إشارة إلى المعنيين أيضاً. ثمّ يضيف تعالى: (فجعلناهنّ أبكاراً). وإحتمال أن يكون الوصف مستمرّاً، كما صرّح كثير من المفسّرين بذلك، واُشير له في الرّوايات الإسلامية أيضاً، حيث الزواج لا يغيّر وضعهنّ ويبقين أبكار. ويضيف في وصفهنّ بوصف آخر فيقول تعالى: (عُرُباً). (عُرُباً) جمع (عروبة) على وزن (ضرورة) بمعنى المرأة التي يحكي وضع حالها عن مقام عفّتها وطهارتها، وعمّا تكنّه من المحبّة لزوجها، (إعراب): على وزن (إظهار) معناه هو نفس مدلول الإظهار، ويأتي هذا المصطلح أيضاً بمعنى الفصاحة ولطافة الكلام، ويمكن جمع المعنيين في هذه الآية. والوصف الآخر لهن (أتراباً) أي أنّها متماثلات في الجمال وأتراب في الظاهر والباطن، ومتماثلات في العمر مع أزواجهنّ. (أتراب) جمع (ترب) على وزن (ذهن) بمعنى المثل والشبيه، وقال البعض: إنّ هذا المعنى أخذ من الترائب وهي عظام قفص الصدر، لأنّها تتشابه الواحدة مع الاُخرى. إنّ هذا الشبه والتماثل يمكن أن يكون في أعمار الزوجات بالنسبة لأزواجهنّ، كي يدركن إحساسات ومشاعر أزواجهنّ كاملة، وبذلك تصبح الحياة أكثر سعادة وإنسجاماً، بالرغم من أنّ السعادة تحصل مع إختلاف العمر أحياناً، إلاّ أنّ الغالب ليس كذلك. كما يمكن أن يكون المقصود بالتشابه والتساوي في الصفات الجمالية والنفسية وحسن الظاهر والباطن. ثمّ يضيف تعالى: (لأصحاب اليمين). وهذا تأكيد جديد على إختصاص هذه الصفات والنعم الإلهيّة بهم. ويحتمل أيضاً أن تكون هذه الجملة مكمّلة لجملة (إنّا أنشأناهنّ إنشاءً). وفي نهاية هذا العرض يقول سبحانه: (ثلّة من الأوّلين وثلّة من الآخرين). «ثلّة»: في الأصل بمعنى قطعة مجتمعة من الصوف، ثمّ اُطلقت على كلّ مجموعة من الناس عظيمة ومتماسكة، وبهذا الترتيب فإنّ مجموعة عظيمة من أصحاب اليمين هم من الاُمم السابقة، ومجموعة عظيمة من الاُمّة الإسلامية، لأنّ بين المجموعتين كثير من الصالحين والمؤمنين. بالرغم من أنّ السابقين للإيمان في الاُمّة الإسلامية أقلّ من السابقين للإيمان في الاُمم السابقة، وذلك لكثرة تلك الاُمم وكثرة أنبيائها. وقال البعض: إنّ هاتين المجموعتين كلاهما من الاُمّة الإسلامية، قسم من أوّلهم وقسم من آخرهم، إلاّ أنّ التّفسير الأوّل أصحّ. وَأَصْحَـبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَـبُ الشِّمَالِ فِى سَمُوم وَحَمِيم وَظِلٍّ مِّن يَحْمُوم لاَّ بَارِد وَلاَ كَرِيم إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُراباً وَعِظَماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ ءَابَاؤُنَا الاَْوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الاَْوَّلِينَ وَالاَْخِرِينَ لََمجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَـتِ يَوْم مَّعْلُوم العقوبات المؤلمة لأصحاب الشمال: بعد الإستعراض الذي مرّ بنا حول النعم والهبات العظيمة التي منحها الله سبحانه للمقرّبين من عباده ولأصحاب اليمين من أوليائه، يتطرّق الآن إلى ذكر المجموعة الثالثة (أصحاب الشمال) والعذاب المؤلم والعاقبة السيّئة التي حلّت بهم، في عملية مقارنة لوضع المجموعات الثلاثة حيث يقول الباريء: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال). أصحاب الشمال هم الذين يستلمون صحائف أعمالهم بأيديهم اليسرى إشارة إلى سوء عاقبتهم، وأنّهم من أهل المعاصي والذنوب، وممّن تكون النار مصيراً لهم، ويستعمل هذا التعبير عادةً لبيان (حسن) أو (سوء) نهاية الإنسان كما في قولنا: السعادة أقبلت علينا يا لها من سعادة!. أو المصيبة داهمتنا يا لها من مصيبة. وكذلك في قوله تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال). ثمّ يشير سبحانه إلى ثلاثة أنواع من العقوبات التي يواجهونها، الهواء الحارق القاتل من جهة (سموم) والماء المغلي المهلك من جهة اُخرى (وحميم)، وظلّ الدخان الخانق الحارّ من جهة ثالثة (وظلّ من يحموم) هذه الألوان من العذاب تحاصرهم وتطوقهم وتسلب منهم الصبر والقدرة... إنّها آلام وعذاب لا يطاق، ولو لم يكن غيره من جزاء لكفاهم. «سموم»: من مادّة (سمّ) بمعنى الهواء الحارق الذي يدخل في مسام الجلد فتهلكهم، (ويقال للسمّ سمّاً لأنّه ينفذ في جميع خلايا الجسم). و «حميم»: بمعنى الشيء الحارّ، وهنا جاء بمعنى الماء الحارق والذي اُشير له في آيات قرآنية سابقة كما في قوله تعالى (يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم). «يحموم»: من نفس المادّة أيضاً، وهنا بمناسبة الظلّ فسّرت الكلمة بمعنى الظلّ الغليظ الأسود والحارّ. ثمّ يضيف الباريء مؤكّداً فيقول: (لا بارد ولا كريم). المظلّة عادةً تحمي الإنسان من الشمس والمطر والهواء ولها منافع اُخرى، والظلّ المشار إليه في الآية الكريمة ليس له من هذه الفوائد شيء يذكر. والتعبير بـ (كريم) من مادّة (كرامة) بمعنى مفيد فائدة، ولذلك فإنّ المتعارف بين العرب إذا أرادوا أن يعرفوا شيئاً أو شخصاً بانّه غير مفيد يقولون (لا كرامة فيه). ومن الطبيعي أنّ مظلّة من الدخان الأسود الخانق لا ينتظر منها إلاّ الشرّ والضرر (لا كرامة). وبالرغم من أنّ أجزاء أهل النار له أنواع مختلفة مرعبة من العذاب، إلاّ أنّ ذكر الأقسام الثلاثة يكفي لإعطاء فكرة عن بقيّة الأهوال. وفي الآيات اللاحقة يذكر الأسباب التي أدّت بأصحاب الشمال إلى هذا المصير المخيف والمشؤوم، وذلك بثلاث جمل، يقول في البداية: (إنّهم كانوا قبل ذلك مترفين). «مترف»: كما ورد في لسان العرب من مادّة ترف ـ على وزن (سبب) ـ بمعنى التنعّم، وتطلق على الشخص الذي ملكته الغفلة وجعلته مغروراً سكران، وجرّته إلى الطغيان. صحيح أنّ أصحاب الشمال ليسوا جميعاً من زمرة المترفين، إلاّ أنّ المقصودين في القرآن الكريم هم أربابهم وأكابرهم. والملاحظ في عصرنا الحاضر أنّ فساد المجتمعات وعوامل الإنحراف ورأس الحروب والدمار ونزيف الدم وأنواع الظلم ومركز الشهوات والفساد في العالم أجمع بيد «الزمرة» المترفة المغرورة، ولهذا فالقرآن الكريم قد شخصّهم وحدّد موقفه منهم إبتداءً. وهنالك رأي ثان وهو: إنّ نعم الله سبحانه واسعة وعديدة ولا تنحصر بالأموال فقط، بل تشمل الصحّة والشباب والعمر.. فإذا كانت هذه النعم أو بعضها مبعثاً للغرور والغفلة، فإنّها ستكون مصدراً أساسياً للذنوب، وهذا المفهوم يسري على أصحاب الشمال. ثمّ يشير سبحانه إلى العامل الثاني الذي كان مصدراً وسبباً لعذاب أصحاب الشمال، فيقول سبحانه: (وكانوا يصرّون على الحنث العظيم). «الحنث» في الأصل يعني كلّ نوع من الذنوب، وقد إستعمل هذا المصطلح في كثير من الموارد بمعنى نقض العهد ومخالفة القسم، لكونه مصداقاً واضحاً للذنب، وبناءً على هذا فإنّ خصوصية أصحاب الشمال ليس فقط في إرتكاب الذنوب ولكن في الإصرار عليها، لأنّ الذنب يمكن صدوره من أصحاب اليمين أيضاً، إلاّ أنّهم لا يصرّون عليه أبداً، ويستغفرون ربّهم ويعلنون التوبة إليه عند تذكّره. وفسّر البعض «الحنث العظيم» بمعنى الشرك، لأنّه لا ذنب أعظم من الشرك. قال تعالى: (إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). وفسّر (الحنث) بالكذب، لأنّه أعظم الذنوب، ومفتاح المعاصي، خصوصاً حينما يكون الكذب توأماً لتكذيب للأنبياء (عليهم السلام) والمعاد. والظاهر أنّ هذه جميعاً تعتبر مصاديق للحنث العظيم. وثالث عمل سبب لهم هذا الويل والعذاب، هو أنّهم قالوا: (وكانوا يقولون أإذا متنا وكنّا تراباً وعظاماً أإنّا لمبعوثون). وعلى هذا فإنّ إنكار القيامة والذي هو بحدّ ذاته مصدر للكثير من الذنوب، هو وصف آخر لأصحاب الشمال، ومصدر لشقائهم. وتعبير (كانوا يقولون)يوضّح لنا أنّهم كانوا يصرّون ويعاندون في إنكار يوم القيامة أيضاً. وهنا مطلبان جديران بالملاحظة وهما: الأوّل: أنّ القرآن الكريم في معرض حديثه عن (المقرّبين) و (أصحاب اليمين) لم يعط توضيحاً عن أعمالهم التي سبّبت لهم تلك النعم وذلك الجزاء، إلاّ ضمن إشارة عابرة. أمّا عندما جاء دور الحديث عن أصحاب الشمال فقد وضّحت أفعالهم بصورة كافية، وذلك ليكون إتماماً للحجّة عليهم من جهة، وإظهار أنّ جزاءهم هذا كان إنسجاماً مع مبادىء العدالة تماماً من جهة اُخرى. والمسألة الاُخرى: أنّ الذنوب الثلاثة التي اُشير إليها في الآيات الثلاثة السابقة كانت بمثابة نفي اُصول الدين الثلاثة من قبل أصحاب الشمال. ففي آخر آية تحدّث القرآن الكريم عن تكذيبهم ليوم القيامة، وفي الآية الثانية عن إنكار التوحيد، وفي الآية الاُولى كان الحديث عن المترفين وهي إشارة إلى تكذيب الأنبياء كما جاء في قوله تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نبي إلاّ قال مترفوها إنّا وجدنا آباءنا على اُمّة وإنّا على آثارهم مقتدون). والتعبير بـ (تراباً وعظاماً) لعلّه إشارة إلى أنّ لحومنا تتحوّل إلى تراب، وعظامنا إلى رميم، ومع ذلك فكيف نكون خلقاً جديد؟ ولمّا كانت عودة الحياة إلى التراب أبعد من عودتها إلى العظام لذا ذكر في البداية حيث يقول تعالى: (تراباً وعظاماً). والعجيب أنّ هؤلاء يرون مشاهد المعاد بأعينهم في هذه الدنيا ومع ذلك فإنّهم ينكرونه. ألم يروا إلى الكثير من الموجودات الحيّة كالنباتات تموت وتجفّ وتصبح تراباً ثمّ تلبس لباس الحياة مرّة اُخرى، وأساساً فإنّ الذي خلق الخلق أوّل مرّة لن يعييه إعادة الخلق ثانية، ولن يكون عليه ذلك صعباً وعسيراً ولكنّهم مع ذلك يصرّون على إنكار المعاد. إنّهم لم يكتفوا بما ذكروا وذهبوا إلى أكثر من ذلك حيث قالوا بتعجّب: (أو آباؤنا الأوّلون) الذين لم يبق منهم أثر وتناثرت كلّ ذرّة من تراب أجسادهم في جهة، أو أصبحت جزءاً من بدن كائن آخر؟ ولكن، كما قيل مفصّلا في نهاية سورة ياسين، فإنّ هذه التساؤلات وغيرها ليست سوى حجج واهية أمام الدلائل القويّة المتوفّرة حول مسألة المعاد. ثمّ إنّ القرآن الكريم يأمر الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيبهم: (قل إنّ الأوّلين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم). «ميقات» من مادّة (وقت) بمعنى الزمان الذي يحدّد لعمل ما أو موعد. والمقصود من الميقات هنا هو نفس الوقت المقرّر للقيامة، حيث يجتمع كلّ البشر للحساب، ويأتي أحياناً كناية عن المكان الذي عين لإنجاز عمل معيّن، مثل مواقيت الحجّ، التي هي أسماء أماكن خاصّة للشروع بالإحرام. ويستفاد من التعابير المختلفة التي وردت في الآية السابقة والتأكيدات العديدة حول مسألة الحشر، مثل: (إنّ، اللام، «مجموعون» التي جاءت بصيغة إسم مفعول، ووصف «يوم» بأنّه معلوم) ممّا يكون واضحاً ومؤكّداً أنّ حشر جميع الناس ينجز في يوم واحد، وجاء هذا المعنى في آيات قرآنية اُخرى أيض. ومن هنا يتّضح جيّداً أنّ الذين كانوا يتصوّرون أنّ القيامة تقع في أزمنة متعدّدة حيث إنّ لكلّ اُمّة قيامة، هم غرباء عن آيات الله تماماً. ولابدّ من الإشارة هنا إلى أنّ معلومية يوم القيامة هي عند الله فقط، وإلاّ فإنّ جميع البشر بما فيهم الأنبياء والمرسلون والمقرّبون والملائكة ليس لهم علم بتوقيتها. ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّآلُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لاََكِلُونَ مِن شَجَر مِّن زَقُّوم فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَـرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَـرِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَـذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ عقوبات جديدة للمجرمين: هذه الآيات إستمرار للأبحاث المرتبطة بعقوبات أصحاب الشمال، حيث يخاطبهم بقوله: (ثمّ إنّكم أيّها الضالّون المكذّبون لآكلون من شجر من زقّوم). كان الحديث في الآيات السابقة حول الأجواء التي تحيط بـ (أصحاب الشمال) وينتقل الحديث في الآيات أعلاه إلى مشربهم ومأكلهم مقارناً بمأكل ومشرب المقرّبين وأصحاب اليمين. والجدير بالذكر أنّ المخاطبين في هذه الآيات هم «الضالّون المكذّبون» الذين يتّسمون مضافاً إلى الضلال والإنحراف بأنّ لديهم روح العناد والإصرار على الباطل في مقابل الحقّ. (زقّوم) كما ذكرنا سابقاً: نبات مرّ نتن الرائحة وطعمه غير مستساغ، وفيه عصارة إذا دخلت جسم الإنسان يصاب بالتورّم، وتقال أحياناً لكلّ نوع من الغذاء المنفّر لأهل النار. وللمزيد حول (الزقّوم) يراجع نهاية الآية سورة الصافات، وكذلك نهاية الآية سورة الدخان. والتعبير بـ (فمالئون منها البطون) إشارة إلى الجوع الشديد الذي يصيبهم بحيث إنّهم يأكلون بنهم وشره من هذا الغذاء النتن وغير المستساغ جدّاً فيملؤون بطونهم. وعند تناولهم لهذا الغذاء السيء يعطشون. ولكن ما هو شرابهم؟! يتبيّن ذلك في قوله تعالى: (فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم). إنّ البعير الذي يبتلى بداء العطش فإنّ شدّة عطشه تجعله يشرب الماء باستمرار حتّى يهلك، وهذا هو نفس مصير (الضالّون المكذّبون) في يوم القيامة. «حميم»: بمعنى الماء الحارّ جدّاً والحارق، وتطلق عبارة (وليّ حميم) على طبيعة العلاقة الصادقة الوديّة الحارّة، و «حمّام» مشتقّ من نفس المادّة أيضاً. (هيم) على وزن (ميم) جمع هائم، وإعتبرها البعض جمع أهيم وهيماء، وهي في الأصل من (هيام) على وزن (فرات) بمعنى مرض العطش الذي يصيب البعير، ويستعمل هذا التعبير للعشق الحادّ أو للعشّاق الذين لا يقرّ لهم قرار. ويعتبر بعض المفسّرين أنّ معنى (هيم) هي الأراضي الرملية والتي كلّما سقيت بماء تسرّب منها فتظهر الظمأ دائماً. وفي آخر آية ـ مورد البحث ـ يشير سبحانه إلى طبيعة مأكلهم ومشربهم في ذلك اليوم حيث يقول: (هذا نزلهم يوم الدين). فأين نزلهم ونزل أصحاب اليمين الذين ينعمون بالإستقرار في ظلال الأشجار الوارفة، ويتناولون ألذّ الفواكه وأطيب الأطعمة، وأعذب الشراب الطهور، ويطوف حولهم الولدان المخلّدون وحور العين، وهم سكارى من عشق الباريء عزّوجلّ؟ أين اُولئك؟ وأين هؤلاء؟ مصطلح (نزل) كما قلنا سابقاً بمعنى الوسيلة التي يكرمون بها الضيف العزيز، وتطلق أحياناً على أوّل طعام أو شراب يؤتى به للضيوف، ومن الطبيعي أنّ أهل النار ليسوا ضيوفاً، وأنّ الزقّوم والحميم ليس وسيلة لضيافتهم. بل هو نوع من الطعن فيهم، وأنّه إذا كان كلّ هذا العذاب هو مجرّد إستقبال لهم، فكيف بعد ذلك سيكون حالهم؟ نَحْنُ خَلَقْنَـكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَـلِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الاُْولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ سبعة أدلّة على المعاد: بما أنّ الآيات السابقة تحدّثت عن تكذيب الضالّين ليوم المعاد، فإنّ الآيات اللاحقة إستعرضت سبعة أدلّة على هذه المسألة المهمّة، كي يتركّز الإيمان وتطمئن القلوب بالوعود الإلهيّة التي وردت في الآيات السابقة حول «المقرّبين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال»، وأساساً فانّ أبحاث هذه السورة تتركّز على بحث المعاد بشكل عامّ. يقول سبحانه في المرحلة الاُولى: (نحن خلقناكم فلولا تصدّقون) أي لِمَ لا تصدّقون بالمعاد؟! لماذا تتعجّبون من الحشر والمعاد الجسمي بعد أن تصبح أجسامكم تراباً؟ ألم نخلقكم من التراب أوّل مرّة؟ أليس حكم الأمثال واحداً؟ هذه الإستدلالات في الحقيقة شبيهة بما جاء في قوله تعالى: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة وهو بكلّ خلق عليم). وفي الآية اللاحقة يشير البارىء إلى دليل ثان حول هذه المسألة فيقول: (أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون). من الذي يجعل من هذه النطفة الحقيرة التي لا قيمة لها في كلّ يوم بخلق جديد وشكل جديد، وخلق بعد خلق؟! هذه التطورات العجيبة التي بهرت العقول واُولي الألباب من المفكّرين، هل كانت من خلقكم أم من خلق الله تعالى؟ وهل أنّ القادر على الخلق المتكرّر يعجز عن إحياء الموتى في يوم القيامة؟ إنّ المفاهيم التي وردت في هذه الآية تحكي نفس المفاهيم التي جاءت في قوله تعالى: (ياأيّها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تراب ثمّ من نطفة ثمّ من علقة ثمّ مضغة مخلّقة وغير مخلّقة لنبيّن لكم ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى ثمّ نخرجكم طفلا). وإذا تجاوزنا ذلك وأخذنا بنظر الإعتبار ما يقوله علماء اليوم حول قطرة الماء هذه (النطفة) التي في ظاهر الأمر لا قيمة لها، سوف يتّضح لنا الحال أكثر، حيث يقولون: إنّ الحيمن (الأسبر) هو حيوان مجهري صغير جدّاً وإنّ منيّ الرجل يحتوي على عدد هائل من الحيامن في كلّ إنزال تقدّر بين (2 ـ 5) مليون حيمن وهذا يمثّل مقدار مجموع سكّان عدّة (بلدان في العالم) هذا الحيوان المنوي يتّحد مع بويضة المرأة (أوول)، فتتكوّن البيضة المخصّبة التي تنمو بسرعة وتتكاثر بصورة عجيبة، حيث تصنع خلايا جسم الإنسان، ومع أنّ الخلايا متشابهة في الظاهر، إلاّ أنّها تتوزّع بسرعة إلى مجاميع عديدة، فقسم منها يختص بالقلب، والآخر بالأطراف، والثالث بالاذن والحنجرة، وكلّ مجموعة مستقرّة في مكانها المحدّد له، فلا خلايا الكلية تنتقل إلى خلايا القلب، ولا خلايا القلب تتحوّل إلى خلايا العين، ولا العكس. والخلاصة أنّ «النطفة المخصّبة» في المرحلة الجنينيّة تمرّ بعوالم عديدة مختلفة حتّى تصبح جنيناً، وكلّ هذا في ظلّ خالقية إلهيّة مستمرّة، في حين أنّ دور الإنسان في هذه العملية بسيط جدّاً، ويقتصر على وضع النطفة في الرحم، والذي ينجز بلحظة واحدة. أليست هذه المسألة دليلا حيّاً على مسألة المعاد؟ أو ليست هذه القدرة العظيمة تدلّل على قدرة إحياء الموتى أيض. ثمّ يستعرض ذكر الدليل الثالث حيث يقول سبحانه: (نحن قدّرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين). نعم، إنّنا لن نغلب أبداً، وإذا قدّرنا الموت فلا يعني ذلك أنّنا لا نستطيع أن نمنح العمر السرمدي، بل أنّ الهدف هو أن نذهب بقسم من الناس ونأتي بآخرين محلّهم. وأخيراً نعيدكم خلقاً جديداً في عالم لا تعلمون عنه شيئاً (على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون). وفي تفسير هاتين الآيتين هناك وجهة نظر اُخرى وهي: أنّ الآية الثانية لم تأت لبيان هدف الآية الاُولى ولكن تكملة لها، حيث يريد سبحانه أن يبيّن المعنى التالي وهو: أنّنا لسنا بعاجزين ومغلوبين على أن نذهب بقسم ونأتي بآخرين مكانهم. ويوجد تفسيران لجملة (على أن نبدّل أمثالكم). الأوّل: هو نفس التّفسير المذكور أعلاه، والذي هو المشهور بين المفسّرين، وطبقاً لهذا الرأي تكون عملية تبديل الأقوام في هذه الدنيا. والثاني هو: أنّ المقصود من (أمثال) هم نفس البشر الذين يبعثون في يوم القيامة، والتعبير بـ (مثل) لأنّ الإنسان لا يبعث مرّة اُخرى بكلّ خصوصياته التي كان عليها، إذ أنّه سيكون في وقت جديد وكيفيات جديدة من حيث الروح والجسم. إلاّ أنّ التّفسير الأوّل هو الأنسب حسب الظاهر. وعلى كلّ حال، فإنّ الهدف هو الإستدلال على المعاد من خلال مسألة الموت، ويمكن توضيح الدليل بالصورة التالية: إنّ الله الحكيم الذي خلق الإنسان وقدّر له الموت فطائفة يموتون وآخرين يولدون بإستمرار، من البديهي أنّ له هدف. فإذا كانت الحياة الدنيا هي الهدف فالمناسب أن يكون عمر الإنسان خالداً وليس بهذا المقدار القصير المقترن مع ألوان الآلام والمشاكل. وسنّة الموت تشهد أنّ الدنيا معبّراً وليست منزلا وأنّها جسر وليست مقصداً، لأنّها لو كانت مستقرّاً ومقصداً للزم أن تدوم الحياة فيها. جملة (وننشئكم فيما لا تعلمون) ظاهراً إشارة إلى خلق الإنسان يوم القيامة، والتي هي الهدف لحياة وفناء هذه الدنيا، ومن البديهي لأي شخص لم يرَ الدار الآخرة أنّه لن يستطيع إدراكها ومعرفة قوانينها والأنظمة المسيطرة عليها من خلال الألفاظ والصور التي تنقل لنا عنها، نعم إنّنا نستطيع أن نرى شبحها وظلالها فقط من التصوير اللفظي لها، ولذا فإنّ الآية أعلاه تعكس هذه الحقيقة، حيث تذكر أنّ الله سيخلقنا في عالم جديد وبأشكال وظروف جديدة لا ندرك أسراره. وفي آخر آية ـ مورد البحث ـ يتحدّث سبحانه عن رابع دليل للمعاد حيث يقول: (ولقد علمتم النشأة الاُولى أفلا تذكّرون). هذا الدليل نستطيع بيانه بصورتين: الاُولى: في المثال التالي: إذا كنا نسير في صحراء وشاهدنا قصراً مهيباً عظيماً مثيراً للإعجاب في محتوياته ومواد بنائه وهندسته، وقيل لنا: إنّ الهدف من هذا القصر هو إستعماله كمحطّة للراحة والهدوء لعدّة ساعات فقط لقافلة صغيرة.. فإنّنا سنحكم في أنفسنا بصورة قاطعة على عدم الحكمة في هذا العمل، إذ من المناسب لمثل الهدف المتقدّم ذكره أن تُعد خيمة صغيرة فقط. وعلى هذا فإنّ خلق هذه الدنيا العظيمة وما فيها من أجرام سماوية وشمس وقمر وأنواع المخلوقات الأرضية الاُخرى، هل يمكن أن يكون لهدف صغير محدود، كأن يعيش الإنسان فيها بضعة أيّام؟ كلاّ ليس كذلك، وإلاّ فانّه يعني أنّ خلق العالم سيكون بدون هدف، ولكن ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه المخلوقات العظيمة قد خلقت لموجود شريف ـ مثل الإنسان ـ ليعرف الله سبحانه من خلالها، معرفة تكون رأسماله الوحيد في الدار الآخرة، فالهدف إذن هو الدار الآخرة، وهذا دليل آخر على المعاد. وهذا البيان هو ما نجده في الآية الشريفة: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظنّ الذين كفروا). الثانية: هو أنّنا نلاحظ مشاهد المعاد في هذا العالم تتكرّر أمامنا في كلّ سنة وفي كلّ زاوية وكلّ مكان، حيث مشهد القيامة والحشر في عالم النبات، فتحيى الأرض الميتة بهطول الأمطار الباعثة للحياة قال تعالى: (إنّ الذي أحياها لمحيّ الموتى)، وقد اُشير إلى هذا المعنى كذلك في الآية 6 من سورة الحجّ. حجيّة القياس: إنّ هذه المسألة تطرح عادةً في اُصول الفقه، وهي أنّنا لا نستطيع إثبات الحكم الشرعي عن طريق القياس كقولنا مثلا: (إنّ المرأة الحائض التي يجب أن تقضي صومها يجب أن تقضي صلاتها كذلك) ـ أي يجب أن تكون إستنتاجاتنا من الكلّي إلى الجزئي، وليس العكس ـ وبالرغم من أنّ علماء أهل السنّة قد قبلوا القياس في الغالب كأحد مصادر التشريع في الفقه الإسلامي، فإنّ قسماً منهم يوافقوننا في مسألة (نفي حجيّة القياس). والظريف هنا أنّ بعض مؤيّدي القياس أرادوا أن يستدلّوا بمقصودهم بالآية التالية: (ولقد علمتم النشأة الاُولى) أي قيسوا النشأة الاُخرى (القيامة) على النشأة الاُولى (الدنيا). إلاّ أنّ هذا الإستدلال عجيب، لأنّه أوّلا: إنّ المذكور في الآية هو إستدلال عقلي وقياس منطقي، ذلك أنّ منكري المعاد كانوا يقولون: كيف تكون لله القدرة على إحياء العظام النخرة؟ فيجيبهم القرآن الكريم بالمفهوم التالي: إنّ القوّة التي كانت لها القدرة على خلقكم في البداية هي نفسها ستكون لها القدرة لخلقكم مرّة ثانية، في الوقت الذي لا يكون القياس الظنّي بالأحكام الشرعية بهذه الصورة أبداً، لأنّنا لا نحيط بمصالح ومفاسد كلّ الأحكام الشرعية. وثانياً: إنّ من يقول ببطلان القياس يستثني قياس الأولوية، فمثلا يقول تعالى: (ولا تقل لهما اُف ولا تنهرهما) ونفهم بطريق أولى ألاّ نؤذيهما من الناحية البدنية. والآية مورد البحث من قبيل قياس الأولوية وليس لها ربط بالقياس الظنّي مورد الخلاف والنزاع، لأنّه لم يكن شيء من المخلوقات في البداية، والله عزّوجلّ خلق الوجود من العدم وخلق الإنسان من التراب، ولذا فإنّ إعادة الإنسان إلى الوجود مرّة اُخرى أيسر من خلقه إبتداءاً، وتعكس الآية الكريمة التالية هذا المفهوم حيث يقول تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثمّ يعيده وهو أهون عليه). وننهي حديثنا هذا بالحديث التالي: «عجباً كلّ العجب للمكذّب بالنشأة الاُخرى وهو يرى النشأة الاُولى، وعجباً للمصدّق بالنشأة الاُخرى وهو يسعى لدار الغرور». أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّرِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَـهُ حُطَـماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ هل أنتم الزارعون أم الله؟ إستعرضنا لحدّ الآن أربعة أدلّة من الأدلّة السبعة التي جاء ذكرها في هذه السورة حول المعاد، والآيات ـ مورد البحث واللاحقة لها ـ تستعرض الأدلّة الاُخرى المتبقّية والتي كلّ منها مصداق لقدرة الله اللا متناهية. فالدليل الأوّل يرتبط بخلق الحبوب الغذائية، والثاني يرتبط بخلق الماء، والثالث يتعلّق بالنار. وهذه المحاور تشكّل الأركان الأساسيّة في الحياة الإنسانية، فالحبوب النباتية أهمّ مادّة غذائية للإنسان، والماء أهمّ عنصر للحياة، والنار أهمّ وسيلة لإصلاح المواد الغذائية وسائر اُمور الحياة الاُخرى. يقول سبحانه في البداية: (أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون). الملفت للنظر هنا أنّ الآية إستعملت تعبير (تحرثون) من مادّة (حرث) على وزن (درس) وهو يعني الزراعة ونشر الحبوب وتهيئتها للإنبات، وفي الآية الثانية كان التعبير بـ (تزرعونه) من مادّة «زراعة» بمعنى النمو والنضج. ومن البديهي أنّ عمل الإنسان هو الحرث فقط، أمّا النمو فهو من عمل الله سبحانه فقط، ولذا نقل في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا يقولنّ أحدكم زرعت وليقل حرثت، فإنّ الزارع هو الله». شرح هذا الدليل هو أنّ عمل الإنسان في الزرع كعمله في الإنجاب حيث ينثر البذرة ويتركها، والله سبحانه هو الذي يخلق في وسط هذه البذرة الحياة، فعندما توضع البذرة في محيط مهيّأ من حيث التربة والضوء والماء، فإنّها تستفيد إبتداءاً من المواد الغذائية المخزونة فيها إلى أن تصبح برعماً وتولّد جذراً، ثمّ تنمو بسرعة عجيبة مستفيدة من المواد الغذائية الموجودة في الأرض حيث تعمل أجهزة عظيمة وتحدث تغييرات عميقة في داخل النبات، تتمخّض عن أغصان وسيقان وأوراق وثمار.. وأحياناً تنتج البذرة الواحدة عدّة آلاف من البذور. يقول العلماء: إنّ التركيبات الموجودة في بناء نبات واحد أعجب وأعقد بمراتب من التشكيلات الموجودة في مدينة صناعية عظيمة مع معاملها المتعدّدة. هل أنّ القوّة التي لها مثل هذه القدرة تعجز عن إحياء الموتى مرّة اُخرى؟ وفي الآية اللاحقة يؤكّد الدور الهامشي للإنسان في نمو ورشد النباتات فيقول: (لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون). نعم، يستطيع الباريء أن يرسل رياحاً سامّة تقتل البذور قبل الإنبات وتحطّمها، أو يسلّط عليها آفة تتلفها بعد الإنبات كالجراد، أو تنزل عليها صاعقة كبيرة بحيث لا تبقي ولا تذر إلاّ شيئاً من التبن اليابس، وعند ذلك تضطربون وتندمون عند مشاهدتكم لمنظرها. هل كان بالإمكان حدوث مثل هذه الاُمور إذا كنتم أنتم الزارعون الحقيقيون؟ إذاً فاعلموا أنّ كلّ هذه البركات من مصدر آخر. «حطام»: من مادّة (حطم) على وزن (حتم) تعني في الأصل كسر الشيء، وغالباً ما تطلق على كسر الأشياء اليابسة كالعظام النخرة وسيقان النباتات الجافّة، والمقصود هنا هو التبن. ويحتمل أيضاً أنّ المقصود بالحطام هنا هو فساد البذور في التربة وعدم نموّه. «تفكّهون»: من مادّة (فاكهة) بمعناها المتعارف، كما تطلق فكاهة على المزاح وذكر الطرائف التي هي فاكهة جلسات الاُنس، ويأتي هذا المصطلح أحياناً للتعجّب والحيرة، والآية مورد البحث من هذا القبيل. في بعض الأحيان يضحك الإنسان في الحالة العصبية وتسمّى هذه الضحكة بـ (ضحكة الغضب) كما في المزاح الذي يكون عند الظروف الصعبة والمصائب الثقيلة، وبناءً على هذا فالمقصود: بالفكاهة ـ أحياناً ـ هو المزاح المقترن بالألم. نعم تتعجّبون وتغمركم الحيرة وتقولون (إنّا لمغرمون بل نحن محرمون). وإذا كنتم أنتم الزارعين الحقيقيين، فهل بإمكانكم أن تمنعوا وتدفعوا عن زرعكم الأضرار والمصير المدمّر والنتيجة البائسة؟ وهذا التحدّي يؤكّد لنا أنّ جميع اُمور الخلق من الله سبحانه، وكذلك فإنّه هو الذي ينبت من بذرة لا قيمة لها نباتات طريّة وأحياناً مئات أو آلاف البذور منها، تلك النباتات التي يتغذّى عليها الإنسان بشكل أساسي ويستفيد من أغصانها وأوراقها وأحياناً جذورها وبقيّة أجزائها غذاء للحيوان ودواء للأمراض والأسقام. أَفَرَءَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ ءَأَنتُمْ أَنزَلُْتمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَـهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـعاً لِّلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ من الذي خلق الماء والنار؟ يشير سبحانه في هذه الآيات إلى سادس وسابع دليل للمعاد في هذا القسم من آيات سورة الواقعة، التي تبيّن قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، بل في كلّ شيء. (أفرأيتم الماء الذي تشربون). (أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون). «مزن»: على وزن (حزن) كما يقول الراغب في المفردات تعني (الغيوم البيضاء) وفسّرها البعض بأنّها (الغيوم الممطرة). إنّ هذه الآيات تجعل الوجدان الإنساني أمام إستفسارات عدّة كي تأخذ إقراراً منه، حيث يسأل الله سبحانه: هل فكّرتم بالماء الذي تشربونه بإستمرار والذي هو سرّ حياتكم؟ وهل تدبّرتم من الذي يأمر الشمس بالشروق على صفحات المحيط حيث تفصل جزئيات الماء الخالص الحلو والطاهر من بين المياه المالحة؟ وهل علمتم من الذي يحمل هذا البخار نحو السماء؟ ومن الذي يأمر البخار بالتجمّع وتشكيل غيوم الأمطار؟ ومن الذي يأمر الرياح بالتحرّك وحمل الغيوم إلى الأراضي القاحلة والميتة؟ ومن الذي يمنح للطبقات العليا في الجوّ هذه الخاصيّة من البرودة بحيث تمنح إستمرار صعود البخار نحو الأعلى، كي يتحوّل البخار إلى قطرات صغيرة وملائمة تسقط على الأرض بهدوء وتعاقب؟ وهل نعلم ماذا سيحدث لو إنقطعت الشمس عن الشروق لمدّة سنة واحدة؟ أو توقّفت الرياح عن التحرّك؟ أو رفضت الطبقات العليا حفظ البخار من الصعود إلى الأعلى؟ أو حبسته من النّزول إلى الأرض؟ لا شكّ أنّ الذي سيحدث يمثّل كارثة، حيث يموت الزرع والنخيل وتهلك مزارعكم وحدائقكم وحيواناتكم، بل ستهلكون أنتم من الظمأ أيضاً. إنّ القوّة التي أعطت هذه القدرة ومنحت كلّ هذه النعم والبركات العظيمة، بما أودعته من قوانين ونظم في عالم الخلق، أتظنّون أنّها غير قادرة على إحياء الموتى؟ وهل أنّ إحياء الموتى غير هذا؟ أليس إحياء الأراضي الميتة نوعاً من أنواع إحياء الموتى؟ نعم، إنّه دليل على ذلك، وهو دليل على التوحيد وعظمة القدرة الإلهيّة، ودليل أيضاً على الحشر والمعاد. وإذا لاحظنا في الآيات أعلاه عملية إستعراض لماء الشرب ـ فقط ـ وعدم التحدّث عن تأثيره في حياة الحيوانات أو النباتات فإنّ السبب هو الأهميّة البالغة للماء في حياة الإنسان نفسه، بالإضافة إلى أنّه قد اُشير له في الآيات السابقة في الحديث الزرع، لذا لا حاجة لتكرار ذلك. والطريف هنا أنّ أهميّة الماء وتأثيره في حياة الإنسان تزداد مع مرور الزمن وتقدّم الصناعة والعلم والمعرفة الإنسانية، فالإنسان الصناعي يحتاج إلى الماء بصورة متزايدة، لذلك فإنّ كثيراً من المؤسسات الصناعية العظيمة لا تكون لها القدرة على الفاعلية إلاّ حينما تكون على ضفاف الأنهار العظيمة. وأخيراً ـ ولإكمال البحث في الآية اللاحقة ـ يقول سبحانه: (لو نشاء جعلناه اُجاجاً فلولا تشكرون). نعم، لو أراد الله تعالى، للأملاح المذابة في مياه البحار أن تتبخّر مع ذرّات الماء، وتصعد إلى السماء معها وتشكّل غيوماً مالحة ومرّة، وتنزل قطرات المطر مالحة مرّة أيضاً كمياه البحر، فهل هنالك من قوّة تمنعه؟ ولكنّه بقدرته الكاملة لم يسمح للأملاح بذلك، ولا للمكروبات ـ أيضاً ـ أن تصعد إلى السماء مع بخار الماء، ولهذا فإنّ قطرات المطر عندما يكون الجوّ غير ملوّث تعتبر أنقى وأطهر وأعذب المياه. «اُجاج»: من مادّة (أجّ) على وزن (حجّ) وقد أخذت في الأصل من «أجيج النار» يعني إشتعالها وإحتراقها، ويقال «اُجاج» للمياه التي تحرق الفمّ عند شربها لشدّة ملوحتها ومرارتها وحرارتها. نختتم حديثنا هذا بحديث لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث ذكر الرواة أنّ النّبي كان إذا شرب الماء قال: «الحمد لله الذي سقانا عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً اُجاجاً بذنوبنا». وأخيراً نصل إلى سابع ـ وآخر ـ دليل للمعاد في هذه السلسلة من الآيات الكريمة، وهو خلق النار التي هي أهمّ وسيلة لحياة الإنسان وأكثرها أهميّة له في المجالات الصناعية المختلفة، حيث يقول سبحانه: (أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن). «تورون»: من مادّة (ورى) على وزن (نفى) بمعنى الستر، ويقال للنار التي تكون مخفية في الوسائل التي لها القابلية على الإشتعال والتي تظهر بشرارة «ورى» و «ايراء»، وخروجها يكون عن. وتوضيح ذلك: إنّ لإشعال النار وإيجاد الشرارة الاُولى، والتي تستحصل اليوم بواسطة الكبريت والقداحات وما إلى ذلك، فإنّهم كانوا يحصلون عليها من الحديد والحجر المخصّص للقدح، حيث تظهر الشرارة بضرب الواحد بالآخر، أمّا أعراب الحجاز فكانوا يستفيدون من نوعين من الشجر الخاصّ الذي ينمو في الصحراء وهما (المرخ) و (العفار) حيث يأخذون قطعتي خشب ويضعون الاُولى أسفل والعفار فوقه فتتولّد الشرارة منها كما تتولّد من الحجر المستعمل للقدح. وفسّر أغلب المفسّرين الآية بأنّها دليل آخر على قدرة الله البالغة في النار المخفية في خشب الأشجار الخضراء كمولّد للشرر والنار، في الوقت الذي تكون فيه الأشجار الخضراء مشبّعة بالماء، فأين الماء؟ وأين النار؟ هذا الخالق العظيم الذي يتميّز بهذه القدرة، الذي وضع الماء والنار جنباً إلى جنب الواحد داخل الآخر، كيف لا يستطيع أن يلبس الموتى لباس الحياة، ويحييهم في الحشر. وقد ورد دليل شبيه بهذا حول المعاد في آخر آيات سورة «يس» أيضاً يقول تعالى: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون). ولكن كما ذكرنا في تفسير الآية أعلاه فإنّ تعبير القرآن يمكن أن يكون إشارة إلى دليل أظرف، وهو حشر وتحرّر الطاقات وإنطلاقها. وبتعبير آخر: فإنّ الحديث هنا ليس فقط عن (القادحات) بل عن المواد التي لديها قابلية الإشتعال ـ كالخشب والحطب ـ حيث تولّد عند إحتراقها كلّ هذه الحرارة والطاقة. وتوضيح ذلك: أنّه ثبت من الناحية العلمية أنّ النار التي نشاهدها اليوم عند إحتراق الأخشاب هي نفس الحرارة التي أخذتها الأشجار من الشمس على مرّ السنين وادّخرتها في داخلها، فنحن نتصوّر أنّ أشعّة الشمس طيلة إشراقها على الشجر خلال خمسين سنة قد ذهبت آثارها غافلين عن أنّ حرارتها قد ادّخرت في الشجرة، وعندما تصل شرارة النار إلى الأخشاب اليابسة تبدأ بالإحتراق وتطلق الحرارة الكامنة فيها. وبذلك يكون هنا أيضاً معاد ومحشر وتحيا الطاقات من جديد مرّة اُخرى، ولسان حال الأشجار يقول: إنّ الخالق الذي هيّأ لنا الحشر قادر أن يهيّأ لكم حشراً يابني البشر. (ولمزيد من الإطلاع في هذا المجال راجعوا البحث المفصّل الذي بيّناه في الآية من سورة يس). جملة (يورون) ـ بمعنى إشعال النار ـ بالرغم من أنّها فسّرت هنا بما يستفاد منه توليد النار، إلاّ أنّه لا مانع من أن تشمل الأشياء المشتعلة أيضاً كالحطب بإعتباره ناراً خفيّة تظهر وقت توفّر الشروط المناسبة لها. ولا تنافي بين المعنيين، حيث المعنى الأوّل يفهمه العامّة من الناس، والثاني أدقّ، يتوضّح مع مرور الزمن وتقدّم العلم والمعرفة. وفي الآية اللاحقة يضيف مؤكّداً الأبحاث أعلاه بقوله سبحانه: (نحن جعلناها تذكرةً ومتاعاً للمقوين). إنّ عودة النار من داخل الأشجار الخضراء تذكّرنا برجوع الأرواح إلى الأبدان في الحشر من جهة، ومن جهة اُخرى تذكّرنا هذه النار بنار جهنّم. يقول الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) «ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنّم». أمّا تعبير (متاعاً للمقوين) فإنّه إشارة قصيرة ومعبّرة للفوائد الدنيوية لهذه النار، وقد ورد تفسيران لمعنى المقوين: الأوّل: أنّ (مقوين) من مادّة (قواء) على وزن (كتاب) بمعنى الصحراء اليابسة المقفرة، ولهذا اُطلقت كلمة (المقوين) على الأشخاص الذين يسيرون في الصحاري، ولأنّ أفراد البادية فقراء، لذا فقد جاء هذا التعبير بمعنى «الفقير» أيضاً. والتّفسير الثاني: أنّ (مقوين) من مادّة (قوّة) بمعنى أصحاب القوّة، وبناءً على هذا فإنّ المصطلح المذكور هو من الكلمات التي تستعمل بمعنيين متضادّين. صحيح أنّ النار هي مورد إستفادة الجميع ـ ولكن المسافرين يستفيدون منها ويعتمدون عليها في الدفء والطهي وخاصّة في أسفارهم في الأزمنة القديمة أكثر من الآخرين. وإستفادة «الأقوياء» من النار واضحة أيضاً، وذلك لإتّساع المجالات التي يستعملون النار فيها في اُمور حياتهم المختلفة، خصوصاً مع اتّساع دائرة البحث العلمي كما في عالمنا المعاصر، حيث إنّ الحرارة الناشئة من أنواع النار تحرّك عجلة المصانع العظيمة، وإذا ما تعطّلت هذه الوسيلة المهمّة وإنطفأت شعلتها العظيمة ـ والتي جميعها من الشجر ـ بما في ذلك النار المأخوذة من الفحم الحجري أو المواد النفطية حيث ترجع إلى النباتات بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ فإنّها ستتعطّل الحياة المدنية، بل وستنطفيء حياة الإنسان أيضاً. وبدون شكّ فإنّ النار من أهمّ إكتشافات البشر، في حين أنّ الله تعالى هو الذي أوجدها ودور الإنسان فيها بسيط وعادي جدّاً. لقد قفز إكتشاف النار بالإنسانية مرحلة مهمّة حيث بدأت تسير من ذلك الوقت في مراحل جديدة من التمدّن والرقي. نعم هذه الحقائق جميعاً عبّر عنها القرآن الكريم بجملة قصيرة: (نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين). وممّا يجدر ذكره أنّ الآية أعلاه إستعرضت في البداية الفوائد المعنوية للنار، والتي تذكّرنا بيوم القيامة، والتي هي محور الحديث في هذا البحث، ثمّ إنتقلت إلى ذكر تفاصيل الفوائد الدنيوية لها، لأنّ للناحية الاُولى أهميّة أكثر، بل تمثّل الأصل والأساس في البحث. بعد ذكر النعم الثلاث (الحبوب الغذائية، والماء، والنار) والتي روعي ترتيب أهميّتها وفق تسلسل طبيعي ـ لأنّ إهتمام الإنسان يبدأ أوّلا بالحبوب الغذائية ثمّ يمزجها بالماء ومن ثمّ يطهوها ويهيّؤها للغذاء بواسطة النار ـ يستنتج سبحانه نتيجة مهمّة بعد ما ركّز على أهميّة هذه النعم للإنسان وذلك بتسبيحه والشكر له تعالى بإعتباره المصدر الوحيد لهذه النعم.. فيقول سبحانه في آخر آية مورد البحث: (فسبّح باسم ربّك العظيم). نعم، إنّ الله الذي خلق كلّ هذه النعم، والتي كلّ منها تذكّرنا بقدرته وتوحيده وعظمته ومعاده، لائق للتسبيح والتنزيه من كلّ عيب ونقص. إنّه ربّ، وكذلك فإنّه «عظيم» وقادر ومقتدر، وبالرغم من أنّ المخاطب في هذه الآية هو الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّ من الواضح أنّ جميع البشر هم المقصودون. من المناسب هنا الإشارة إلى بعض الأحاديث الشريفة ـ حول الآيات أعلاه ـ عن الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذلك عن الإمام علي (عليه السلام). أوّلا: نقرأ في تفسير روح المعاني حديثاً للإمام علي (عليه السلام) أنّه في إحدى الليالي كان الإمام يصلّي ويقرأ سورة الواقعة ـ ولمّا وصل إلى الآية: (أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) قال ثلاث مرّات: ـ بعد إنتهاء صلاته «بل أنت ياربّ» وعندما وصل إلى الآية: (أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) قال ثلاث مرّات «بل أنت ياربّ» وعندما وصل إلى قوله تعالى: (أأنتم أنزلتموه من المُزن أم نحن المنزلون)قال ثلاث مرّات أيضاً «بل أنت ياربّ» ثمّ تلا قوله تعالى: (أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون) قل ثلاث مرّات «بل أنت ياربّ». وموضع العبرة في هذا الحديث هي ضرورة ملاحظة هذه الآيات التي وردت في القرآن الكريم بعنوان إستفهام تقريري وأن يعطي الإنسان جواباً إيجابياً لله سبحانه الذي يتحدّث معه لتركيز هذه الحقائق في روحه ونفسه، وعليه أن يتعمّق في ذلك من خلال القراءة المتدبّرة الواعية، ولا يقتنع بالتلاوة الفارغة. ثانياً: جاء في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا تمنعوا عباد الله فضل ماء ولا كلأ ولا نار فإنّ الله تعالى جعلها متاعاً للمقوين، وقوّة للمستضعفين». ثالثاً: ونقرأ في حديث آخر أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال حينما نزلت الآية الكريمة: (فسبّح باسم ربّك العظيم): «اجعلوها في ركوعكم».، أي قولوا في ركوعكم: سبحان ربّي العظيم وبحمده. فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ فِى كِتَـب مَّكْنُون لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَـلَمِينَ أَفَبِهَـذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ المطهّرون ومعرفة أسرار القرآن: إستمراراً للأبحاث التي جاءت في الآيات السابقة، والتي تركّز الحديث فيها حول الأدلّة السبعة الخاصّة بالمعاد، ينتقل الحديث الآن عن أهميّة القرآن الكريم بإعتباره يشكّل مع موضوع النبوّة ركنين أساسيين بعد مسألة المبدأ والمعاد والتي بمجموعها تمثّل أهمّ الأركان العقائدية، فبالإضافة إلى أنّ للقرآن الكريم أبحاثاً عميقة حول أصلي التوحيد والمعاد، فإنّه يعتبر تحكيماً لهذين الأصلين. يبدأ الحديث بقسم عظيم، حيث يقول سبحانه: (فلا اُقسم بمواقع النجوم). يعتقد الكثير من المفسّرين أن (لا) التي جاءت هنا ليست بمعنى النفي حيث إنّها زائدة وللتأكيد، كما جاء نفس هذا التعبير في الآيات القرآنية الاُخرى حول القسم بيوم القيامة والنفس اللوامة وربّ المشارق والمغارب والشفق، وما إلى ذلك. في الوقت الذي اعتبر البعض الآخر أنّ (لا) هنا جاءت للنفي، حيث قالوا: إنّ المطلب (مورد القسم) أهمّ من أن يقسم به، كما نقول في تعبيراتنا اليوميّة: نحن لا نقسم بالموضوع الفلاني، أي نفي القسم وأنّ (لا) هنا جاءت إشارة لذلك. إلاّ أنّ التّفسير الأوّل هو الأنسب حسب الظاهر، لأنّه قد ورد في القرآن الكريم القسم بالله صراحة، فهل أنّ النجوم أفضل من الذات الإلهيّة حتّى لا يقسم بها؟ وحول (مواقع النجوم) فقد ذكر المفسّرون تفسيرات عديدة لها: الأوّل: هو المعنى المتعارف عليه من حيث مداراتها وأبراجها ومسيرها. والآخر: هو أنّ المقصود بذلك مواقع طلوعها وغروبها. والثّالث: هو سقوط النجوم في الحشر والقيامة. وفسّرها آخرون: بأنّ معناه هو غروب النجوم فقط. وإعتبرها آخرون إشارة وإنسجاماً مع قسم من الرّوايات حول نزول آيات وسور القرآن الكريم في فواصل زمنية مختلفة، وذلك لأنّ «النجوم» جمع نجمة تستعمل للأعمال التي تنجز بصورة تدريجيّة. وبالرغم من أنّ المعاني لا تتنافى حيث يمكن جمعها في الآية أعلاه، إلاّ أنّ التّفسير الأوّل هو الأنسب حسب الظاهر، وذلك لأنّ أكثر الناس كانوا لا يعلمون أهميّة هذا القسم عند نزول الآيات، بعكس الحالة اليوم، والتي توضّح لنا أنّ لكلّ نجمة من النجوم مكانها المخصّص ومدارها ومسارها المحدّد لها بدقّة وحساب، وذلك طبقاً لقانون الجاذبية، وإنّ سرعة السير لكلّ منها محدّدة أيضاً وفق قانون معيّن وثابت. وهذه المسألة بالرغم من أنّها غير قابلة للحساب بصورة دقيقة في الأجرام السماوية البعيدة، إلاّ أنّ المجاميع الموجودة في المنظومة الشمسية التي تشكّل النجوم القريبة لنا، قد درست بدقّة وتبيّن أنّ نظام مداراتها دقيق إلى حدّ مدهش. وعندما يلاحظ الإنسان ـ طبقاً لتصريحات العلماء ـ أنّ في (مجرّتنا) فقط ألف مليون نجمة، وتوجد في الكون مجرّات كثيرة، وكلّ واحدة منها لها مسار خاصّ، عندئذ ستتوضّح لنا أهميّة هذا القسم القرآني. ونقرأ في كتاب (الله والعلم الحديث) ما يلي: «يعتقد العلماء الفلكيون أنّ هذه النجوم التي تتجاوز الملياردات، والتي نرى قسماً منها بالعين المجرّدة، والقسم الكثير منها لا يمكن رؤيته إلاّ بالتلسكوبات بل إنّ قسماً منها لا نستطيع مشاهدته حتّى بالتلسكوبات، اللهمّ إلاّ بوسائل خاصّة نستطيع أن نصوّرها بها. كلّ من هذه النجوم تدور في مدارها الخاصّ، ولا يوجد أي إحتمال أنّ واحدة منها تكون في حقل الجاذبية لنجمة اُخرى. أو أنّ بعضها يصطدم بالبعض الآخر، وفي الواقع أنّ حالة التصادم المفترضة مثل ما لو إفترضنا أنّ سفينة في المحيط الهاديء تصطدم مع سفينة اُخرى تجري في البحر الأبيض المتوسّط وكلّ منها سائرة بموازاة الاُخرى وبسرعة واحدة... إنّ هذا الأمر لو لم يكن محالا فهو بعيد جدّاً. كذلك الأمر بالنسبة للنجوم حيث أنّ كلا منها لها مدارها الخاصّ بها ولن تصطدم بالاُخرى رغم السرعة الهائلة لكلّ منها». وبالنظر إلى هذه الإكتشافات العلمية عن وضع النجوم، تتوضّح أهميّة القسم أعلاه، ولهذا السبب فإنّه تعالى يضيف في الآية اللاحقة: (وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم). التعبير بـ (لو تعلمون) يوضّح وبشكل جليّ أنّ معرفة البشر في ذلك الزمان لم تدرك هذه الحقيقة بصورة كاملة، وهذه بحدّ ذاتها تعتبر إعجازاً علميّاً للقرآن الكريم، حيث في الوقت الذي كانت تعتبر النجوم عبارة عن مسامير فضائية رصّعت السماء بها فانّ مثل هذا البيان القرآني الرائع في ظلّ ظروف وأوضاع يخيّم عليها الجهل، محال أن يصدر من بشر عادي. وتوضّح الآية اللاحقة ما هو المقصود من ذكر هذا القسم؟ حيث يقول سبحانه: (إنّه لقرآن كريم). وبهذه الصورة فإنّه يردّ على المشركين المعاندين الذين يصرّون بإستمرار على أنّ هذه الآيات المباركة هي نوع من التكهّن ـ والعياذ بالله ـ أو أنّه حديث جنوني أو شعر، أو أنّه من قبل الشيطان.. فيردّ عليهم سبحانه بأنّه وحي سماوي وحديث بيّن وعظمته وأصالته لا غبار عليها، ومحتواه يعبّر عن مبدأ نزوله، وأنّ هذا الموضوع واضح بحيث لا يحتاج لبيان المزيد. إنّ وصف القرآن بـ «الكريم» (بما أنّ الكرم بالنسبة لله هو: الإحسان والإنعام، ويستعمل للبشر بمعنى اتّصاف الشخص بالالاخلاق والإحسان، وبصورة عامّة فهو إشارة إلى المحاسن العظيمة) إشارة للجمال الظاهري للقرآن من حيث الفصاحة وبلاغة الألفاظ والجمل، وكذلك فإنّها إشارة لمحتواه الرائع، لأنّه نزل من قبل مبدأ ومنشأ كلّه كمال وجمال ولطف. نعم، إنّ القرآن كريم وقائله كريم ومن جاء به كذلك، وأهدافه كريمة أيضاً. ثمّ يستعرض الوصف الثاني لهذا الكتاب السماوي العظيم حيث يقول تعالى: (في كتاب مكنون). إنّه في «لوح محفوظ» في علم الله، محفوظ من كلّ خطأ وتغيير وتبديل، وطبيعي أنّ الكتاب الذي يستلهم مفاهيمه وأفكاره من المبدأ الأعلى وأصله عند الله، فإنّه مصون من كلّ تحريف وخطأ وإشتباه. وفي ثالث وصف له يقول سبحانه: (لا يمسّه إلاّ المطهّرون). ذكر الكثير من المفسّرين ـ تماشياً مع بعض الرّوايات الواردة عن الأئمّة المعصومين ـ بعدم جواز مسّ (كتابة) القرآن الكريم بدون غسل أو وضوء. في الوقت الذي إعتبر بعض آخر أنّها إشارة إلى الملائكة المطهّرين الذين لهم علم بالقرآن، ونزلت بالوحي على قلب الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقابل قول المشركين الذين كانوا يقولون: إنّ هذه الكلمات قد نزلت بها الشياطين على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). كما إعتبر بعضهم أنّها إشارة إلى أنّ الحقائق والمفاهيم العالية في القرآن الكريم لا يدركها إلاّ المطهّرون، كما في قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتّقين). وبتعبير آخر فإنّ طهارة الروح في طلب الحقيقة تمثّل حدّاً أدنى من مستلزمات إدراك الإنسان لحقائق القرآن، وكلّما كانت الطهارة والقداسة أكثر كان الإدراك لمفاهيم القرآن ومحتوياته بصورة أفضل. إنّ التفاسير الثلاثة المارّة الذكر لا تتنافى مع بعضها البعض أبداً ويمكن جمعها في مفهوم الآية مورد البحث. وفي رابع وآخر وصف للقرآن الكريم يقول تعالى: (تنزيل من ربّ العالمين) إنّ الله المالك والباريء لجميع الخلق، قد نزّل هذا القرآن لهداية البشر، وقد أنزله سبحانه على قلب النّبي الطاهر، وكما أنّ العالم التكويني صادر منه وهو تعالى ربّ العالمين فكذلك الحال في المجال التشريعي، فكلّ نعمة وهداية فمن ناحيته ومن عطائه. ثمّ يضيف سبحانه: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون) هل أنتم بهذا القرآن وبتلك الأوصاف المتقدّمة تتساهلون، بل تنكرونه وتستصغرونه في حين تشاهدون الأدلّة الصادقة والحقّة بوضوح، وينبغي لكم التسليم والقبول بكلام الله سبحانه بكلّ جديّة، والتعامل مع هذا الأمر كحقيقة لا مجال للشكّ فيها. عبارة «هذا الحديث» في الآية الكريمة إشارة للقرآن الكريم، و «مدهنون» في الأصل من مادّة (دهن) بالمعنى المتعارف عليه، ولأنّ الدهن يستعمل للبشرة واُمور اُخرى، فإنّ كلمة (أدهان) جاءت بمعنى المداراة والمرونة، وفي بعض الأحيان بمعنى الضعف وعدم التعامل بجدية... ولأنّ المنافقين والكاذبين غالباً ما يتّصفون بالمداراة والمصانعة، لذا إستعمل هذا المصطلح أحياناً بمعنى التكذيب والإنكار، ويحتمل أن يكون المعنيان مقصودان في الآية. والأصل في الإنسان أن يتعامل بجديّة مع الشيء الذي يؤمن به، وإذا لم يتعامل معه بجديّة فهذا دليل على ضعف إيمانه به أو عدم تصديقه. وفي آخر آية ـ مورد البحث ـ يقول سبحانه إنّكم بدلا من أن تشكروا الله تعالى على نعمه ورزقه وخاصّة نعمة القرآن الكبيرة، فانّكم تكذّبون به: (وتجعلون رزقكم أنّكم تكذّبون). قال البعض: إنّ المقصود أنّ إستفادتكم من القرآن هي تكذيبكم فقط، أو أن التكذيب تجعلونه وسيلة لرزقكم ومعاشكم. إلاّ أنّ التّفسير الأوّل مناسب للآيات السابقة ولسبب النّزول أكثر من التّفسيرين الأخيرين. وإنسجاماً مع هذا الرأي فقد نقل كثير من المفسّرين عن ابن عبّاس قوله: أصاب الناس عطش في بعض أسفاره (صلى الله عليه وآله وسلم) فسقوا، فسمع رجلا يقول: مطرنا بنوء كذا، فنزلت الآية (لأنّ العرب كانوا يعتقدون في الجاهلية بالأنواء وأنّ لها الأثر في نزول المطر، ويقصد بها النجوم التي تظهر بين آونة واُخرى في السماء، وأنّ ظهورها يصاحبه نزول المطر، كما يعتقدون، ولهذا يقولون: مطرنا بنوء كذا، أي ببركة طلوع النجم الفلاني، وهذا بذاته أحد مظاهر الشرك الجاهلي وعبادة النجوم). والنقطة الجديرة بالملاحظة هنا أنّه جاء في بعض الرّوايات عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قلّما كان يفسّر الآيات، وإجمالا كان يتصدّى للتفسير عندما تستلزم الضرورة، كما في هذا المورد حيث أخبر (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ المقصود من (وتجعلون رزقكم أنّكم تكذّبون) «وتجعلون شكركم أنّكم تكذّبون». أوّلا: خصوصية القرآن الكريم يستنتج من الأوصاف الأربعة ـ التي ذكرت في الآيات أعلاه ـ حول القرآن، أنّ عظمة القرآن هي في عظمة محتواه من جهة، وعمق معناه من جهة اُخرى، ومن جهة ثالثة فإنّ القداسة القرآنية لا يستوعبها إلاّ الطاهرون والمؤمنون، ومن جهة رابعة: في الجانب التربوي المتميّز فيه، لأنّه نزل من ربّ العالمين، وكلّ واحدة من هذه الصفات تحتاج إلى بحث مفصّل أوضحناه في نهاية الآيات المناسبة لكلّ موضوع. نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: (لا يمسّه إلاّ المطهّرون) وقلنا: إنّ المسّ يفسّر بالمسّ الظاهري وبالمعنوي كذلك، ولا تضادّ بينهما، وهما مجموعان في المفهوم الكلّي للآية. وفي القسم الأوّل نقلت روايات لأهل البيت (عليهم السلام) عن أبي الحسن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (المصحف لا تمسّه على غير طهر، ولا جنب، ولا تمسّ خطّه ولا تعلّقه، إنّ الله تعالى يقول: (لا يمسّه إلاّ المطهّرون). ونقل نفس المعنى في حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام) مع إختلاف مختصر. وجاء في مصادر أهل البيت (عليهم السلام) من طرق مختلفة أنّ الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا يمسّ القرآن إلاّ الطاهر». وحول اللمس المعنوي نقل عن ابن عبّاس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّه لقرآن كريم في كتاب مكنون» قال: «عند الله في صحف مطهّرة» (لا يمسّه إلاّ المطهّرون)قال: «المقرّبون». وهذا المعنى يمكن الإستدلال عليه بواسطة العقل أيضاً، لأنّه رغم أنّ القرآن الكريم هو كتاب هداية لعموم الناس، ولكنّنا نعلم أنّ الكثير ممّن سمعوا القرآن من فم النّبي الأكرم، ورأوا هذا الماء الزلال في عين الوحي الصافية، إلاّ أنّهم بسبب تلوّثهم بالعصبية والعناد والغرور لم يؤثّر فيهم أي تأثير ولم ينتفعوا به أقلّ إنتفاع، وهناك أشخاص اهتدوا به لمجرّد أنّهم سعوا ولو قليلا لتطهير أنفسهم وتهذيبها وجاءوا إلى القرآن بروح باحثة عن الحقّ والحقيقة، فعلى هذا كلّما إزدادت طهارة وتقوى الإنسان فإنّه مرشّح لإستيعاب المفاهيم القرآنية بصورة أعمق، ومن هنا فإنّ الآية تصدق في البعدين (المادّي والمعنوي) و (الجسمي والروحي). وممّا لا شكّ فيه أنّ شخص الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) والملائكة المقرّبين هم أوضح مصداق للمقرّبين الذين أدركوا حقائق القرآن الكريم بصورة متميّزة عن الجميع. فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَـدِقِينَ عندما تصل الروح إلى الحلقوم: من اللحظات الحسّاسة التي تقلق الإنسان دائماً هي لحظة الإحتضار ونهاية العمر، في تلك اللحظة يكون كلّ شيء قد إنتهى، وقد جلس أهله وأحبّاؤه ينظرون إليه بيأس كشمعة قد إنتهى أمدها وستنطفىء رويداً رويداً، حيث يودّع الحياة دون أن يستطيع أحد أن يمدّ إليه يد العون. نعم، إنّ الضعف التامّ للإنسان يتجسّد في تلك اللحظات الحسّاسة ليس في العصور القديمة فحسب بل حتّى في عالمنا المعاصر، فمع توفّر جميع الإمكانات الطبيّة والفنيّة والوسائل العلاجية فإنّ الضعف يتجلّى في ساعة الإحتضار. وتكملة لأبحاث المعاد والردّ على المنكرين والمكذّبين فإنّ القرآن الكريم يرسم لنا صورة معبّرة ومجسّدة لهذه اللحظات حيث يقول سبحانه: (فلولا إذا بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون) ولا تستطيعون عمل شيء من أجله. والمخاطبون هنا هم أقارب المحتضر الذين ينظرون إلى حالته في ساعة الإحتضار من جهة، ويلاحظون ضعفه وعجزه من جهة ثانية، وتتجلّى لهم قدرة الله تعالى على كلّ شيء، حيث أنّ الموت والحياة بيده، وأنّهم ـ أي أقاربه ـ سيلاقون نفس المصير. ثمّ يضيف سبحانه (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون). نعم، نحن الذين نعلم بصورة جيّدة ما الذي يجول في خواطر المحتضر؟ وما هي الإزعاجات التي تعتريه؟ نحن الذين أصدرنا أمرنا بقبض روحه في وقت معيّن، إنّكم تلاحظون ظاهر حاله فقط، ولا تعلمون كيفية إنتقال روحه من هذه الدار إلى الدار الآخرة، وطبيعة المخاضات الصعبة التي يعيشها في هذه اللحظة. وبناءً على هذا فالمقصود من الآية هو: قرب الله عزّوجلّ من الشخص المحتضر، بالرغم من أنّ البعض إحتمل المقصود بالقرب (ملائكة قبض الروح) إلاّ أنّ التّفسير الأوّل منسجم مع ظاهر الآية أكثر. وعلى كلّ حال فإنّ الله سبحانه ليس في هذه اللحظات أقرب إلينا من كلّ أحد، بل هو في كلّ وقت كذلك، بل هو أقرب إلينا حتّى من أنفسنا، بالرغم من أنّنا بعيدون عنه نتيجة غفلتنا وعدم وعينا، ولكن هذا المعنى في لحظة الإحتضار يتجلّى أكثر من أي وقت آخر. ثمّ للتأكيد الأشدّ في توضيح هذه الحقيقة يضيف تعالى: (فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين). إنّ ضعفكم هذا دليل أيضاً على أنّ مالك الموت والحياة واحد، وأنّ الجزاء بيده، وهو الذي يحي ويميت. «مدينين»: جمع (مدين) من مادّة (دَين) بمعنى الجزاء، وفسّرها البعض بمعنى المربوبين. والمعنى هو: ياأيّها العباد، إن كنتم تحت ربوبية موجود آخر، ومالكي نواصي اُموركم، فارجعوا أرواحكم التي قبضناها، وهيهات تقدرون! وهذا دليل آخر على أنّكم في قبضة الحكومة الإلهية. 1 ـ لحظة ضعف الجبّارين إنّ الهدف من هذه الآيات ـ في الحقيقة ـ هو بيان قدرة الله عزّوجلّ على مسألة الموت والحياة، كي ينتقل منها إلى مسألة المعاد وإختيار لحظات الإحتضار والموت هنا لظهور غاية الضعف الإنساني بالرغم من كلّ القوّة التي يتصوّرها لنفسه. ومن المفيد أن نستعرض بعض حالات الجبّارين لحظة إحتضارهم بالرغم من أنّهم كانوا في أوج القدرة حتّى يتّضح المعنى العميق لهذه الآية بصورة أفضل. حكى المسعودي في مروج الذهب في أخبار المأمون وغزاته أرض الروم ما هذا ملخّصه: وإنصرف من غزاته إلى منزل على (عين البديدون) المعروفة بالقشيرة فأقام هنالك، فوقف على العين فأعجبه برد مائها وصفاؤه وبياضه وطيب حسن الموضع، وكثرة الخضرة فأمر بقطع خشب طويل منبسط على العين كالجسر، وجعل فوقه كالأزج من الخشب وورق الشجر، وجلس تحت الكنسية التي عقدت له، والماء تحته، وطرح في الماء درهم صحيح، فقرأ كتابته وهو في قرار الماء لصفاء الماء، ولم يقدر أحد أن يدخل يده من شدّة برده. فبينما هو كذلك إذ لاحت سمكة نحو الذراع كأنّها سبيكة فضّة، فجعل لمن يخرجها سيفاً فبدر بعض الفراشين فأخذها وصعد فلمّا صارت على حرف العين أو على الخشب الذي عليه المأمون إضطربت وإنفلتت من يد الفراش فوقعت في الماء كالحجر، فنضح من الماء على صدر المأمون ونحره وترقوته فبلّت ثوبه، ثمّ إنحدر الفرّاش ثانية فأخذها ووضعها بين يدي المأمون في منديل تضطرب، فقال المأمون: تقلى الساعة ثمّ أخذته رعدة من ساعته، فلم يقدر يتحرّك من مكانه، فغطّي باللحف والدواويج وهو يرتعد كالسعفة ويصيح: البرد البرد، ثمّ حوّل إلى المغرب ودثّر واُوقدت النيران حوله وهو يصيح: البرد البرد، ثمّ اُتي بالسمكة وقد فرغ من قليها فلم يقدر على الذوق منها وشغله ما هو فيه عن تناول شيء منها. ولمّا اشتدّ به الأمر سأل المعتصم بختيشوع وابن ماسوية في ذلك الوقت عن المأمون وهو في سكرات الموت، وما الذي يدلّ عليه علم الطبّ من أمره، وهل يمكن برؤه وشفاؤه، فتقدّم ابن ماسوية وأخذ إحدى يديه وبختيشوع الاُخرى، وأخذا يجسّان كلتا يديه فوجدا نبضه خارجاً عن الإعتدال منذراً بالفناء والإنحلال، والتزقت أيديهما ببشرته لعرق كان يظهر منه من سائر جسده كالزيت أو كلعاب بعض الأفاعي، فأخبر المعتصم بذلك، فسألهما عن ذلك فأنكرا معرفته، وأنّهما لم يجداه في شيء من الكتب وأنّه دالّ على إنحلال الجسد، فأحضر المعتصم الأطباء حوله وهو يأمل خلاصه ممّا هو فيه، فلمّا ثقل قال: أخرجوني أشرف على عسكري وأنظر إلى رحالي وأتبيّن ملكي، وذلك في الليل، فاُخرج فأشرف على الخيم والجيش وإنتشاره وكثرته وما قد وقد من النيران، فقال: يامن لا يزول ملكه، إرحم من زال ملكه، ثمّ ردّ إلى مرقده وأجلس المعتصم رجلا يشهده. ولمّا ثقل رفع الرجل صوته ليقولها (أي الشهادة) فقال له ابن ماسوية: لا تصحّ فوالله ما يفرّق بين ربّه وبين ماني في هذا الوقت، ففتح عينيه من ساعته وبهما من العظمة والكبر والإحمرار ما لم ير مثله قطّ. وأقبل يحاول البطش بيديه بابن ماسويه، ورام مخاطبته فعجز عن ذلك، وقضى عن ساعته وذلك لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين وحمل إلى طرطوس فدفن به. ويحتمل أن يكون لمرضه سابقة، ويقول بعض المؤرخّين: إنّ كلّ شخص شرب من ماء تلك العين مرض، أو أنّ السمكة كانت تحتوي على رشح سامّ، وكيفما كان فإنّ الحكومة بتلك العظمة قد إنهارت في بضع لحظات، وإنحنى بطل ميادين الحرب أمام شراع الموت، ولم تكن القدرة لأي شخص أن يصنع شيئاً للمأمون، أو على الأقل ليوصله إلى مقرّه ومسكنه. وللتاريخ خواطر وقصص كثيرة فيها دروس وعبر من هذا القبيل. إنّ التعبير بوصول الروح إلى الحلقوم كما في قوله تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم) كناية عن آخر لحظات الحياة، كما أنّه من المحتمل أن يكون منشؤها هو أنّ غالبية أعضاء جسم الإنسان كالأيدي والأرجل تتعطّل عند الموت قبل بعض الأعضاء الاُخرى، والحلقوم هو العضو الأخير الذي يتوقّف عن العمل. قال تعالى: (كلاّ إذا بلغت التراقي)، (والترقوة) هي العظام التي تحيط بأطراف الحلق. فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيم وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنْ أَصْحَـبِ الَْيمِينِ فَسَلَـمٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَـبِ الَْيمِينِ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ فَنُزُلٌ مِّنْ حَمِيم وَتَصْلِيَةُ جَحِيم إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ مصير الصالحين والطالحين: هذه الآيات في الحقيقة نوع من الخلاصة للآيات الاُولى والأخيرة من هذه السورة، كما أنّها تجسّد حالة التفاوت بين البشر في حالة الإحتضار، وكيف أنّ قسماً منهم يلفظون أنفاسهم بهدوء وراحة في تلك اللحظات الصعبة، وآخرين تلوح لهم من بعيد النار الحامية، ويسيطر عليهم الخوف والإضطراب والهلع فيلفظون أنفاسهم بصعوبة بالغة. يقول سبحانه في البداية: (فأمّا إن كان من المقرّبين فروح وريحان وجنّة نعيم). «روح»: على وزن (قول) ـ كما ذكر ذلك أئمّة اللغة ـ في الأصل بمعنى التنفّس. «الريحان»: بمعنى النبات أو الشيء ذي العطر، ثمّ إصطلح على كلّ شيء باعث للحياة والراحة، كما أنّ الريحان يطلق على كلّ نعمة ورزق كريم. وبناءً على هذا فإنّ الروح والريحان الإلهيين يشملان كلّ وسائل الراحة والطمأنينة للإنسان، وكلّ نعمة وبركة إلهيّة. وبتعبير آخر: يمكن القول أنّ الروح إشارة إلى كلّ الاُمور التي تخلّص الإنسان من الصعوبات ليتنفّس براحة، وأمّا الريحان فإنّه إشارة إلى الهبات والنعم التي تعود إلى الإنسان بعد إزالة العوائق. وقد ذكر المفسّرون الإسلاميون تفاسير متعدّدة لهذين المصطلحين قد تصل إلى عشرة تفاسير: فقالوا: «الروح» بمعنى الرحمة، و «الريحان» يشمل كلّ فضيلة وشرف. وقالوا: إنّ الروح هي النجاة من نار جهنّم، والريحان دخول الجنّة. وذكروا أيضاً أنّ الروح بمعنى الهدوء في القبر، والريحان دخول الجنّة. وفسّر آخرون الروح بمعنى كشف الكروب، والريحان بمعنى غفران الذنوب. وقال آخرون: الروح بمعنى النظر إلى وجه الله سبحانه، والريحان الإستماع إلى كلام الله. وما إلى ذلك. ويمكن القول أنّ جميع هذه التفاسير مصاديق لهذا المفهوم الكلّي والجامع، والذي ذكر في تفسير الآية أعلاه. والجدير بالملاحظة أنّ الحديث عن «جنّة النعيم» جاء بعد ذكر الروح والريحان وقد يستفاد من هذا أنّ الروح والريحان يكون من نصيب المؤمنين في الإحتضار والقبر والبرزخ، وأمّا الجنّة ففي الآخرة، كما نقرأ في حديث للإمام الصادق (عليه السلام) في تفسيره لهذه الآية حيث قال: (فأمّا إن كان من المقرّبين فروح وريحان) يعني في قبره (وجنّة نعيم) يعني في الآخرة. ثمّ يضيف سبحانه: (وأمّا إن كان من أصحاب اليمين) وهم تلك الثلّة الصالحة من الرجال والنساء الذين يستلمون صحيفة أعمالهم بيدهم اليمنى كعلامة للفوز والنصر والنجاح (فسلام لك من أصحاب اليمين). وبهذا الترتيب فإنّ ملائكة الله المختصّين بقبض الروح في لحظات الإنتقال من هذه الدنيا يوصلون سلام أصحاب اليمين إلى المحتضر. كما قال تعالى في وصف أهل الجنّة وكلامهم: (إلاّ قيلا سلاماً سلاماً). ويوجد إحتمال آخر أيضاً في تفسير هذه الآية وهو أنّ السلام يكون من قبل الملائكة حين يقولون له: سلام عليك أيّها العبد الصالح، يامن هو من أصحاب اليمين، أي يكفيك من الإفتخار والوصف أن تكون في صفّ هؤلاء. وتبيّن بعض الآيات القرآنية الاُخرى أيضاً أنّ المؤمنين وهم في حالة الإحتضار يتلقّون سلاماً من الملائكة كما في قوله تعالى: (الذين تتوفّاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنّة بما كنتم تعملون). وعلى كلّ حال فإنّ تعبير (سلام) تعبير ذو معنى، سواء كان من الملائكة أو من أصحاب اليمين، فالسلام يعبّر عن الروح والريحان وكلّ أنواع الهدوء والنعمة والسلامة. وينبغي الإنتباه إلى أنّ التعبير بـ «أصحاب اليمين» سببه أنّ الإنسان في الغالب يتصدّى لإنجاز أعماله الأساسية والمهمّة بيده اليمنى، لذلك فإنّ اليد اليمنى دلالة القدرة، والمهارة والقابلية والنجاح. ونقرأ في حديث للإمام الباقر (عليه السلام) في تعقيبه على نهاية هذه الآية أنّه قال: «هم شيعتنا ومحبّونا». ثمّ تستعرض الآيات الكريمة القسم الثالث الذين مرّ ذكرهم في أوائل هذه السورة عبر التصنيف الذي ذكر وإصطلح عليهم بـ (أصحاب الشمال) حيث يقول تعالى: (وأمّا إن كان من المكذّبين الضالّين فنزل من حميم وتصلية جحيم). نعم، إنّهمن على مشارف الموت حيث يذوقون أوّل عذاب إلهي، ويتجرّعون مرارة عقاب يوم القيامة في القبر والبرزخ، ولأنّ الحديث عن حال المحتضر فإنّ جملة (فنزل من حميم) من الأنسب أن يكون المراد منها هو عذاب البرزخ، (وتصلية جحيم) إشارة إلى عذاب يوم القيامة. ونقل في هذا المعنى روايات عديدة لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام). والنقطة الجديرة بالذكر هنا أنّ كلمتي (المكذّبين الضالّين) ذكرت الواحدة تلو الاُخرى، حيث أنّ الاُولى تشير إلى تكذيب القيامة ووحدانية الله سبحانه ونبوّة الرّسول، والثانية تشير إلى الأشخاص الذين إنحرفوا عن طريق الحقّ. وهذا التعبير بالإضافة إلى أنّه يؤدّي معنى التأكيد، فإنّه يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ قسماً من الأشخاص الضالّين من فصيلة الأفراد المستضعفين أو الجهلة القاصرين الذين ليس لديهم إصرار وعناد على الباطل، يمكن أن تشملهم الألطاف الإلهيّة. أمّا المكذّبون المعاندون فإنّهم سيبتلون بالمصير البائس والعاقبة السيّئة التي تقدّم ذكرها. «حميم»: بمعنى الماء الحارق أو الرياح الحارة والسموم. و (تصلية) مأخوذة من مادّة (صلى) على وزن (سعى) بمعنى الإحتراق والدخول في النار. أمّا (تصلية) المتعدية فتأتي بمعنى الإحراق فقط. وفي نهاية هذا الحديث يضيف سبحانه: (إنّ هذا لهو حقّ اليقين فسبّح باسم ربّك العظيم). والمعروف بين المفسّرين أنّ «حقّ اليقين» من قبيل الإضافة البيانية، يعني أنّ الذي تقدّم ذكره حول الأقسام الثلاثة وهم (المقرّبون وأصحاب اليمين والمكذّبون) فهو عين الحقيقة والحقّ واليقين. وهنا يوجد إحتمال أيضاً وهو: بما أنّ لليقين درجات متعدّدة، فإنّ أعلى مرحلة له هي (حقّ اليقين) أي يقين واقعي كامل وخال من كلّ شكّ وشبهة وريب. وممّا قلنا يتّضح أنّ (هذا) في هذه الآية إشارة إلى أحوال الأقسام الثلاثة الآنفة الذكر، كما إحتمل البعض أيضاً أنّها إشارة إلى كلّ محتويات سورة الواقعة أو القرآن أجمع، إلاّ أنّ التّفسير الأوّل هو الأنسب. وهنا نقطة جديرة بالذكر أيضاً وهي أنّ التعبير بـ (فسبّح) ـ الفاء تفريعيّة ـ هو إشارة إلى أنّ ما قيل حول الأقسام الثلاثة هو عين العدالة، وبناءً على هذا إعتبر (ربّك) منزّهاً من كلّ ظلم، وإذا ما اُريد الإبتعاد عن مصير أصحاب الشمال فعلينا أن نتنزّه من كلّ شرك وظلم المتلازمان مع إنكار القيامة. ونقل كثير من المفسّرين حول نهاية آخر الآية بعد ما نزلت على الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «اجعلوها في ركوعكم» (أي قولوا: سبحان ربّي العظيم) وعندما نزلت: سبّح (اسم ربّك الأعلى) قال (صلى الله عليه وآله وسلم): «اجعلوها في سجودكم»، أي قولوا: سبحان ربّي الأعلى. وفي تفسير الآية 74 من نفس السورة نقلنا ما هو شبيه بهذه الرّواية عن بعض المفسّرين. عالم البرزخ: أشارت الآيات أعلاه إلى عالم البرزخ، وقد بيّنا عند تفسيرها أنّ الإنسان ـ في حالة إحتضاره وهو على مشارف الموت يتهيّأ للإنتقال من دار الدنيا إلى عالم الآخرة ـ سيواجه واحدة من هذه الحالات، أمّا النعم والهبات الإلهيّة والجزاء الربّاني بـ الروح والريحان، أو العقاب والجزاء المؤلم، والعاقبة البائسة. كما أنّ القرائن الموجودة في الآيات ترينا أنّ قسماً ممّا يثاب به أو يعاقب عليه مرتبط بيوم القيامة، والقسم الآخر مرتبط بالقبر والبرزخ، ويعدّ هذا دليلا على وجود عالم البرزخ. وفي حديث لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) نقرأ ما يلي: «إنّ أوّل ما يبشّر به المؤمن عند الوفاة بروح وريحان وجنّة نعيم، وإنّ أوّل ما يبشّر به المؤمن في قبره أن يقال له: أبشر برضا الله تعالى والجنّة قدمت خير مقدم، وقد غفر الله لمن يشيّعك إلى قبرك، وصدّق من شهد لك، واستجاب لمن إستغفر لك». وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين أنّه قال: «إنّ ابن آدم إذا كان في آخر يوم من أيّام الدنيا وأوّل يوم من أيّام الآخرة، مَثُلَ له ماله وولده وعمله فيلتفت إلى عمله فيقول: والله إنّي كنت فيك لزاهد، وإن كنت عليّ لثقيلا، فماذا عندك؟ فيقول: أنا قرينك في قبرك، ويوم نشرك حتّى أعرض أنا وأنت على ربّك، قال: فإن كان لله وليّاً أتاه أطيب الناس ريحاً، وأحسنهم منظراً، وأحسنهم رياشاً، فيقول: أبشر بروح وريحان، وجنّة نعيم، ومقدمك خير مقدم، فيقول له: من أنت؟ فيقول: أنا عملك الصالح، ارتحل من الدنيا إلى الجنّة». وقد سبق لنا بحث مفصّل حول عالم البرزخ في نهاية الآية من سورة (المؤمنون). اللهمّ، إجعلنا في صفّ المقرّبين وأصحاب اليمين، وخاصّة أوليائك وأحبّتك، واشملنا بروح وريحان وجنّة نعيم عند مشارف الموت. اللهمّ، إنّ عذاب الحشر عذاب أليم لا يطيقه أحد، وثوابك الاُخروي عظيم لا يستوجبه أي شخص بأعماله، وإنّ رأسمالنا في ذلك اليوم هو لطفك وكرمك ياكريم. إلهي، أيقظنا قبل وصول القيامة الكبرى والقيامة الصغرى ـ والذي هو الموت ـ لنعدّ أنفسنا للسفر العظيم الذي يواجهنا.. آمين ياربّ العالمين. نهاية سورة الواقعة
تأويل ما نزل من القرآن الكريم - محمد بن العباس بن الجحام - الصفحة ٠. — الإمام الصادق عليه السلام
محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبان بن تغلب، عن أبي عبدالله عليه السلام قال
ما من مؤمن إلا ولقلبه اذنان في جوفه: اذن ينفث فيها الوسواس الخناس، واذن ينفث فيهاالملك، فيؤيدالله المؤمن بالملك، فذلك قوله: " وأيدهم بروح منه ". قال الفيض (ره) المستفاد من هذا الحديث أن صاحب الشمال شيطان والمشهور انهما جميعا ملكان كما ياتى في باب الهم بالسيئة أو الحسنة إلا أن يقال: إن المرشد والمفتتن غير الكاتبين الرقيبين وأماما أفاده العلامة الطباطبائى مد ظله فهو أن غاية ما تدل عليه أن مع الانسان من يراقبه ويحفظ عليه أقواله، وأن هذا الرقيب قاعد عن يمين الانسان وشماله فهو أكثر من واحد وأما أنه من هو وهل هو ملك أو شيطان فلا دلالة فيها على ذلك ولذا صح أن ينطبق على ما في بعض الاخبار من أنه شيطان وملك كما في هذا الخبر وعلى ما في آخر أنهما ملكان كاتبان للحسنات والسيئات. ولآية في السورة ق آية 18. للنفس طريق إلى الخير وطريق إلى الشر وللخير مشقة حاضرة زائلة ولذة غائبة دائمة وللشر لذة حاضرة فانية ومشقة غائبة باقية والنفس يطلب اللذة ويهرب عن المشقة فهو دائما متردد بين الخير والشر فروح الايمان يامره، بالخير وينهاه عن الشر والشيطان بالعكس. البارز في بطنها يعود إلى المزنى بها كما وقع التصريح به في الاخبار الاتية (في). المجادلة: 22. وقوله: " الوسواس الخناس " قال البيضاوي: " من شر الوسواس " أى الوسوسة كالزلزال بمعنى الزلزلة واما المصدر فبالكسر كالزلزال والمراد به الوسواس، سمى به مبالغة و " الخناس ": الذى عادته ان يخنس أى يتاخر إذا ذكر الانسان ربه " الذى يوسوس في صدور الناس " إذا غفلواعن ذكرربهم وذلك كالقوة الهمية فانها تساعد العقل في المقدمات فاذا آل الامر إلى النتيجة خنست واخذت توسوسه وتشككه (آت). [*]
الكافي - الشيخ الكليني - ج ٢ - الصفحة ٠. — غير محدد
علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمربن اذينة، عن زرارة، عن عبدالكريم بن عتبة الهاشمي قال كنت قاعدا عند أبي عبدالله عليه السلام بمكة إذ دخل عليه اناس من المعتزلة فيهم عمروبن عبيد وواصل بن عطاء وحفص بن سالم مولى ابن هبيرة وناس من رؤسائهم وذلك حدثان قتل الوليد واختلاف أهل الشام بينهم فتكلموا وأكثروا و خطبوا فأطالوا فقال لهم أبوعبدالله عليه السلام: إنكم قد أكثرتم علي فأسندوا أمركم إلى رجل منكم وليتكلم بحججكم ويوجز، فأسندوا أمرهم إلى عمرو بن عبيد، فتكلم فأبلغ وأطال، فكان فيما قال أن قال: قد قتل أهل الشام خليفتهم وضرب الله عزوجل بعضهم ببعض وشتت الله أمرهم فنظرنا فوجدنا رجلا له دين وعقل ومروة وموضع ومعدن للخلافة وهو محمد بن عبدالله بن الحسن فأردنا أن نجتمع عليه فنبايعه ثم نظهر معه فمن كان بايعنا فهو منا وكنا منه ومن اعتزلنا كففنا عنه ومن نصب لنا جاهدناه ونصبنا له على بغيه ورده إلى الحق وأهله وقد أحببنا أن نعرض ذلك عليك فتدخل معنا فانه لاغنى بنا عن مثلك لموضعك وكثرة شيعتك، فلما فرغ قال أبوعبدالله عليه السلام: أكلكم على مثل ما قال عمرو؟ قالوا: نعم فحمدالله وأثنى عليه وصلى على النبى صلى الله على واله ثم قال: إنما نسخط إذا عصي الله فأما إذا اطيع رضينا، أخبرني يا عمرو لو أن الامة قلدتك أمرها وولتك بغير قتال ولا مؤونه وقيل لك: ولها من شئت من كنت توليها؟ قال: كنت أجعلها شورى بين المسلمين قال: بين المسلمين كلهم؟ قال: نعم، قال: بين فقهائهم وخيارهم؟ قال: نعم، قال: قريش وغيرهم؟ قال: نعم، قال: والعرب والعجم؟ قال: نعم، قال: أخبرني ياعمرو أتتولى أبابكر وعمر أو تتبرء منهما؟ قال: أتولاهما، فقال: فقد خالفتهما ما تقولون أنتم تتولونهما أو تتبرؤون منهما، قالوا: نتو لاهما. قال: يا عمرو إن كنت رجلا تتبرء منهما فإنه يجوز لك الخلاف عليهما وإن كنت تتولا هما فقد خالفتهما قد عهد عمر إلى أبي بكر فبايعه ولم يشاور فيه أحدا ثم ردها أبوبكر عليه ولم يشاور فيه أحدا ثم جعلها عمر شورى بين ستة وأخرج منها جميع المهاجرين والانصار غير اولئك الستة من قريش وأوصى فيهم شيئا لا أراك ترضى به أنت ولاأصحابك إذ جعلتها شورى بين جميع المسلمين، قال: وما صنع؟ قال: أمرصهيبا أن يصلي بالناس ثلاثة أيام وأن يشاور أولئك الستة ليس معهم أحد ابن عمر يشاورونه وليس له من الامر شئ وأوصى من بحضرته من المهاجرين والانصار إن مضت ثلاثة أيام قبل أن يفرغوا أو يبايعوا رجلا أن يضربوا أعناق اولئك الستة جميعا فإن اجتمع أربعة قبل أن تمضي ثلاثة أيام وخالف اثنان أن يضربوا أعناق الاثنين أفترضون بهذا أنتم فيما تجعلون من الشورى في جماعة من المسلمين قالوا: لا. ثم قال: يا عمرو دع ذا أرأيت لوبايعت صاحبك الذي تدعوني إلى بيعته ثم أجتمعت لكم الامة فلم يختلف عليكم رجلان فيها فأفضتم إلى المشركين الذين لايسلمون ولا يؤدون الجزية أكان عندكم وعند صاحبكم من العلم ماتسيرون بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله في المشركين في حروبه؟ قال: نعم، قال: فتصنع ماذا؟ قال: ندعوهم إلى الاسلام فإن أبوا دعوناهم إلى الجزية. قال: وإن كانوا مجوسا ليسوا بأهل الكتاب؟ قال: سواء، قال: وإن كانوا مشركي العرب وعبدة الاوثان؟ قال: سواء، قال: أخبرني عن القرآن تقرؤه؟ قال: نعم، قال: اقرأ " قاتلوا الذين لايؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ماحرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين اوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون " فاستثناء الله عزوجل واشتراطه من الذين اوتوا الكتاب فهم والذين لم يؤتوا الكتاب سواء؟ قال: نعم، قال عمن أخذت ذا؟ قال: سمعت الناس يقولون، قال: فدع ذا، فإن هم أبوا الجزية فقاتلتهم فظهرت عليهم كيف تصنع بالغنيمة؟ قال: اخرج الخمس واقسم أربعة أخماس بين من قاتل عليه. قال: أخبرني عن الخمس من تعطيه؟ قال: حيثما سمى الله، قال: فقرأ " واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل " قال: الذي للرسول من تعطيه؟ ومن ذوالقربى قال: قد اختلف فيه الفقهاء فقال بعضهم: قرابة النبي صلى الله عليه وآله وأهل بيته، وقال بعضهم: الخليفة، وقال بعضهم: قرابة الذين قاتلوا عليه من المسلمين، قال: فأي ذلك تقول أنت؟ قال: لا أدري، قال: فأراك لاتدري فدع ذا. ثم قال: أرأيت الاربعة أخماس تقسمها بين جميع من قاتل عليها؟ قال: نعم، قال: فقد خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله في سيرته بيني وبينك فقهاء أهل المدينة ومشيختهم فاسألهم فإنهم لا يختلفون ولا يتنازعون في أن رسول الله صلى الله عليه وآله إنما صالح الاعراب على أن يدعهم في ديارهم ولا يهاجروا على إن دهمه من عدوه دهم أن يستنفرهم فيقاتل بهم وليس لهم في الغنيمة نصيب وأنت تقول بين جميعهم فقد خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله في كل ما قلت في سيرته في المشركين ومع هذا ما تقول في الصدقة؟ فقرأ عليه الآية: " إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها.. إلى آخر الآية " قال: نعم، فكيف تقسمها؟ قال: اقسمها على ثمانية أجزاء فاعطي كل جزء من الثمانية جزء ا، قال: وإن كان صنف منهم عشرة آلاف وصنف منهم رجلا واحدا أو رجلين أو ثلاثة جعلت لهذا الواحد مثل ما جعلت للعشرة آلاف؟ قال: نعم، قال: وتجمع صدقات أهل الحضر وأهل البوادي فتجعلهم فيها سواء؟ قال: نعم، قال: فقد خالفت رسول الله صلى الله عليه وآله في كل ماقلت في سيرته، كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقسم صدقة أهل البوادي في أهل البوادي وصدقة أهل الحضر في أهل الحضر ولا يقسمه بينهم بالسوية وإنما يقسمه على قدر ما يحضره منهم وما يرى وليس عليه في ذلك شئ موقت موظف وإنما يصنع ذلك بما يرى على قدر من يحضره منهم فإن كان في نفسك مما قلت شئ فالق فقهاء أهل المدينة فإنهم لايختلفون في أن رسول الله صلى الله عليه وآله كذا كان يصنع. ثم أقبل على عمروبن عبيد فقال له: اتق الله وأنتم أيها الرهط فاتقوا الله فإن أبي حدثني وكان خير أهل الارض وأعلمهم بكتاب الله عزوجل وسنة نبيه صلى الله عليه وآله: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: من ضرب الناس بسيفه ودعا هم إلى نفسه وفي المسلمين من هو أعلم منه فهو ضال متكلف.
الكافي - الشيخ الكليني - ج ٥ - الصفحة ٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن علي بن عكاية التميمي، عن الحسين بن النضر الفهري، عن أبي عمرو الاوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد قال دخلت على أبى جعفر عليه السلام فقلت: يا ابن رسول الله قد أرمضني اختلاف الشيعة في مذاهبها فقال: يا جابر ألم أقفك على معنى اختلافهم من أين اختلفوا ومن أي جهة تفرقوا؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال: فلا تختلف إذا اختلفوا يا جابر إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله صلى الله عليه وآله في أيامه، يا جابر اسمع وع، قلت: إذا شئت، قال: إسمع وع وبلغ حيث انتهت بك راحلتك إن أمير المؤمنين عليه السلام خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله وذلك حين فرغ من جمع القرآن، وتأليفه فقال: الحمد لله الذي منع الاوهام أن تنال إلا وجوده وحجب العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها من الشبة والتشاكل بل هو الذى لا يتفاوت في ذاته ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله، فارق الاشياء لا على اختلاف الاماكن ويكون فيها لا على وجه الممازجة، وعلمها لا بأداة، لا يكون العلم إلا بها وليس بينه وبين معلومه علم غيره به كان عالما بمعلومه، إن قيل: كان، فعلى تأويل أزلية الوجود وإن قيل: لم يزل، فعلى تأويل نفي العدم، فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيره علوا كبيرا. نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه وأوجب قبوله على نفسه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادتان ترفعان القول وتضاعفان العمل، خف ميزان ترفعان منه وثقل ميزان توضعان فيه وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار والجواز على الصراط وبالشهادة تدخلون الجنة وبالصلاة تنالون الرحمة، أكثروا من الصلاة على نبيكم " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " صلى الله عليه وآله تسليما. أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام ولا كرم أعز من التقوى ولا معقل أحرز من الورع ولا شفيع أنجع من التوبة ولا لباس أجمل من العافية ولا وقاية أمنع من السلامة ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى بالقناعة ولا كنز أغنى من القنوع ومن أقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوء خفض الدعة والرغبة مفتاح التعب والاحتكار مطية النصب والحسد آفة الدين والحرص داع إلى التقحم في الذنوب وهو داعي للحرمان و البغي سائق إلى الحين والشره جامع لمساوي العيوب، رب طمع خائب وأمل كاذب ورجاء يؤدي إلى الحرمان وتجارة تؤول إلى الخسران، ألا ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن. أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم ولا عز أرفع من الحلم، ولا حسب أبلغ من الادب ولا نصب أوضع من الغضب، ولا جمال أزين من العقل، ولا سوءة أسوأ من الكذب، ولا حافظ أحفظ من الصمت ولاغائب أقرب من الموت. أيها الناس [إنه] من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لاخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته ومن نسي زلله استعظم زلل غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل ومن سفه على الناس شتم، ومن خالط الانذال حقر، ومن حمل ما لا يطيق عجز. أيها الناس إنه لا مال [هو] أعود من العقل، ولا فقر [هو] أشد من الجهل، ولا واعظ [هو] أبلغ من النصح، ولا عقل كالتدبير، ولا عبادة كالتفكر، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا وحشة أشد من العجب، ولا ورع كالكف عن المحارم، ولا حلم كالصبر والصمت. أيها الناس في الانسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير، حاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع يدرك به الحاجة، وواصف يعرف به الاشياء، وأمير يأمر بالحسن، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز تسكن به الاحزان وحاضر تجلى به الضغائن، ومونق تلتذ به الاسماع. أيها الناس إنه لا خير في الصمت عن الحكم كما أنه لا خير في القول بالجهل. واعلموا أيها الناس إنه من لم يملك لسانه يندم، ومن لا يعلم يجهل، ومن لا يتحلم لا يحلم ومن لا يرتدع لا يعقل، ومن لا يعقل يهن، ومن يهن لا يوقر، ومن لايوقر يتوبخ، ومن يكتسب مالا من غير حقه يصرفه في غير أجره، ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم ومن لم يعط قاعدا منع قائما، ومن يطلب العز بغير حق يذل، ومن يغلب بالجور يغلب، ومن عاند الحق لزمه الوهن، ومن تفقه وقر، ومن تكبر حقر، ومن لا يحسن لا يحمد. أيها الناس إن المنية قبل الدينة والتجلد قبل التبلد، والحساب قبل العقاب والقبر خير من الفقر، وغض البصر خير من كثير من النظر، والدهر يوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر وإذا كان عليك فاصبر فبكليهما تمتحن. - وفي نسخة وكلاهما سيختبر. أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن اسعد بالرضى نسي التحفظ، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الامن استلبته العزة وفي نسخة أخذته العزة، وإن جددت له نعمة أخذته العزة، وإن أفاد ما لا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء وفي نسخة جهده البكاء وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد. أيها الناس إنه من فل ذل، ومن جاد ساد، ومن كثر ماله رأس ومن كثر حلمه نبل، ومن أفكر في ذات الله تزندق، ومن أكثر من شئ عرف به ومن كثر مزاحه استخف به، ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته، فسد حسب من ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال، ليس من جالس الجاهل بذي معقول، من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال، لن ينجو من الموت غني بماله ولا فقير لاقلاله. أيها الناس لو أن الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الابلج واللئيم الملهوج. أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الانفس عن مدرجة أهل التفريط وفطنة الفهم للمواعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطر، وللقلوب خواطر للهوى، والعقول تزجر وتنهى، وفي التجارب علم مستأنف، والاعتبار يقود إلى الرشاد، وكفاك أدبا لنفسك (اجتناب) ما تكرهه لغيرك، وعليك لاخيك المؤمن مثل الذي لك عليه، لقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبر قبل العمل فإنه يؤمنك من الندم، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول، ومن حصن شهوته فقد صان قدره، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجه، وفي تقلب الاحوال علم جواهر الرجال، والايام توضح لك السرائر الكامنة، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة، وأشرف الغنى ترك المنى، والصبر جنة من الفاقة، والحرص علامة الفقر، والبخل جلباب المسكنة، والمودة قرابة مستفادة، ووصول معدم خير من جاف مكثر، والموعظة كهف لمن وعاها، ومن أطلق طرفه كثر أسفه، وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان ومن ضاق خلقه مله أهله، ومن نال استطال، وقل ما تصدقك الامنية، والتواضع يكسوك المهابة، وفي سعة الاخلاق كنوز الارزاق، كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره ومن كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه، وانح القصد من القول فإن من تحرى القصد خفت عليه المؤن وفي خلاف النفس رشدك، من عرف الايام لم يغفل عن الاستعداد، ألا وإن مع كل جرعة شرقا وإن في كل اكلة غصصا، لا تنال نعمة إلا بزوال اخرى، ولكل ذي رمق قوت، ولكل حبة آكل وأنت قوت الموت. أعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الارض فإنه يصير إلى بطنها، والليل والنهار يتنازعان وفي نسخة اخرى يتسارعان في هدم الاعمار. يا أيها الناس كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، إن من الكرم لين الكلام ومن العبادة إظهار اللسان وإفشاء السلام، إياك والخديعة فإنها من خلق اللئيم، ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب، لا ترغب فيمن زهد فيك، رب بعيد هو أقرب من قريب سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار، ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل، استر عورة أخيك كما تعلمها فيك، اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك من غضب على من لا يقدر على ضره طال حزنه وعذب نفسه، من خاف ربه كف ظلمه وفي نسخة من خاف ربه كفي عذابه ومن لم يزغ في كلامه أظهر فخره، ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة، إن من الفساد إضاعة الزاد، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا، هيهات هيهات وما تناكرتم إلا لمافيكم من المعاصي والذنوب فما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعيم وما شر بشر بعده الجنة وما خير بخير بعده النار، كل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية، وعند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر، تصفية العمل أشد من العمل وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد، هيهات لو لا التقى لكنت أدهى العرب. أيها الناس إن الله تعالى وعد نبيه محمدا صلى الله عليه وآله الوسيلة ووعده الحق ولن يخلف الله وعده، ألا وإن الوسيلة على درج الجنة وذروة ذوائب الزلفة ونهاية غاية الامنية، لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام وهو مابين مرقاة درة إلى مرقاة جوهرة، إلى مرقاة زبرجدة إلى مرقاة لؤلؤة، إلى مرقاة ياقوته، إلى مرقاة زمردة، إلى مرقاة مرجانة، إلى مرقاة كافور، إلى مرقاة عنبر، إلى مرقاة يلنجوج، إلى مرقاة ذهب، إلى مرقاة غمام، إلى مرقاة هواء، إلى مرقاة نور قد أنافت على كل الجنان ورسول الله صلى الله عليه وآله يومئذ قاعد عليها، مرتد بريطتين ريطة من رحمة الله وريطة من نور الله، عليه تاج النبوة وإكليل الرسالة قد أشرق بنوره الموقف وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهى دون درجته وعلي ريطتان ريطة من أرجوان النور وريطة من كافور والرسل والانبياء قد وقفوا على المراقي، وأعلام الازمنة وحجج الدهور عن أيماننا وقد تجللهم حلل النور والكرامة، لا يرانا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا وعجب من ضيائنا وجلالتنا وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول صلى الله عليه وآله غمامة بسطة البصر يأتى منها النداء: يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصى وآمن بالنبي الامي العربي ومن كفر فالنار موعده وعن يسار الوسيلة عن يسار الرسول صلى الله عليه وآله ظلة يأتي منها النداء: يا أهل الموفق طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الامي والذي له الملك الاعلى، لا فاز أحد ولا نال الروح والجنة إلا من لقى خالقه بالاخلاص لهما والاقتداء بنجومهما، فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم وشرف مقعدكم وكرم مآبكم وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين ويا أهل الانحراف والصدود عن الله عز ذكره ورسوله وصراطه وأعلام الازمنة أيقنوا بسواد وجوهكم وغضب ربكم جزاءا بما كنتم تعملون وما من رسول سلف ولا نبي مضى إلا وقد كان مخبرا امته بالمرسل الوارد من بعده ومبشرا برسول الله صلى الله عليه وآله وموصيا قومه باتباعه ومحليه عند قومه ليعرفوه بصفته وليتبعوه على شريعته ولئلا يضلوا فيه من بعده فيكون من هلك [أ] وضل بعد وقوع الاعذار والانذار عن بينة وتعيين حجة، فكانت الامم في رجاء من الرسل وورود من الانبياء ولئن اصيبت بفقد نبي بعد نبى على عظم مصائبهم وفجائعها بهم فقد كانت على سعة من الامل ولا مصيبة عظمت ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله صلى الله عليه وآله لان الله ختم به الانذار و الاعذار وقطع به الاحتجاج والعذر بينه وبين خلقه وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ومهيمنه الذي لا يقبل إلا به ولا قربة إليه إلا بطاعته، وقال: في محكم كتابه: " من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا " فقرن طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته فكان ذلك دليلا على ما فوض إليه وشاهدا له على من اتبعه وعصاه وبين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه والترغيب في تصديقه والقبول لدعوته: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم " فاتباعه صلى الله عليه وآله محبة الله ورضاه غفران الذنوب وكمال الفوز ووجوب الجنة وفى التولي عنه والاعراض محادة الله وغضبه وسخطه والبعد منه مسكن النار و ذلك قوله: " ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده " يعني الجحود به والعصيان له فإن الله تبارك اسمه امتحن بي عباده وقتل بيدي أضداده وأفنى بسيفي جحاده و جعلني زلفة للمؤمنين وحياض موت على الجبارين وسيفه على المجرمين وشد بي أزر رسوله وأكرمنى بنصره وشرفني بعلمه وحباني بأحكامه واختصني بوصيته واصطفاني بخلافته في امته فقال صلى الله عليه وآله وقد حشده المهاجرون والانصار وانغصت بهم المحافل: أيها الناس إن عليا مني كهارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فعقل المؤمنون عن الله نطق الرسول إذ عرفوني أني لست بأخيه لابيه وامه كما كان هارون أخا موسى لابيه وامه ولا كنت نبيا فاقتضى نبوة ولكن كان ذلك منه استخلافا لي كما استخلف موسى هارون عليه السلام حيث يقول: " اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين " وقوله صلى الله عليه وآله حين تكلمت طائفة فقالت: " نحن موالي رسول الله صلى الله عليه وآله فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله إلى حجة الوادع ثم صار إلى غدير خم فأمر فأصلح له شبه المنبر ثم علاه وأخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه رافعا صوته قائلا في محفله " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وآل من والاه و عاد من عاداه " فكانت على ولايتي ولاية الله وعلى عداوتي عداوة الله. وأنزل الله عزوجل في ذلك اليوم " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا " فكانت ولايتي كمال الدين ورضا الرب جل ذكره وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصا لي وتكرما نحلنيه وإعظاما وتفضيلا من رسول الله صلى الله عليه وآله منحنيه وهو قوله تعالى منحنيه وهو قوله تعالى: " ثم ردوا إلى الله موليهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين " في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع فطال لها الاستماع ولئن تقمصها دوني الاشقيان ونازعاني فيما ليس لهما بحق وركباها ضلالة واعتقداها جهاله فلبئس ما عليه وردا ولبئس ما لانفسهما مهدا، يتلاعنان في دورهما ويتبرأ كل واحد منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا إلتقيا: ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين، فيحيبة الاشقى على رثوثة: يا ليتني لم أتخذك خليلا، لقد اضللتني عن الذكر بعد إذ جاء ني وكان الشيطان للانسان خذولا، فأنا الذكر الذي عنه ضل والسبيل الذي عنه مال والايمان الذي به كفر والقرآن الذي إياه هجر والدين الذي به كذب والصراط الذي عنه نكب، ولئن رتعا في الحطام المنصرم والغرور المنقطع وكانا منه على شفا حفرة من النار لهما على شر ورود، في أخيب وفود وألعن مورود، يتصارخان باللعنة ويتناعقان بالحسرة، مالهما من راحة ولا عن عذابهما من مندوحة، إن القوم لم يزالوا عباد أصنام وسدنة أوثان، يقيمون لها المناسك و ينصبون لها العتائر ويتخذون لها القربان ويجعلون لها البحيرة والوصيلة والسائبة والحام ويستقسمون بالازلام عامهين عن الله عز ذكره حائرين عن الرشاد، مهطعين إلى البعاد، وقد استحوذ عليهم الشيطان، وغمرتهم سوداء الجاهلية ورضعوها جهالة وانفطموها ضلالة فأخرجنا الله إليهم رحمة وأطلعنا عليهم رأفة واسفر بنا عن الحجب نورا لمن اقتبسه وفضلا لمن اتبعه وتأييدا لمن صدقه، فتبوؤوا العز بعد الذلة والكثرة بعد القلة وهابتهم القلوب والابصار وأذعنت لهم الجبابرة وطوائفها وصاروا أهل نعمة مذكورة وكرامة ميسورة وأمن بعد خوف وجمع بعد كوف وأضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان وأولجناهم باب الهدى وأدخلناهم دار السلام وأشملناهم ثوب الايمان وفلجوا بنا في العالمين وابدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين من حام مجاهد ومصل قانت ومعتكف زاهد، يظهرون الامانة ويأتون المثابة حتى إذا دعا الله عزوجل نبيه صلى الله عليه وآله ورفعه إليه لم يك ذلك بعده إلا كلمحة من خفقة أو وميض من برقة إلى أن رجعوا على الاعقاب وانتكصوا على الادبار وطلبوا بالاوتار وأظهروا الكتائب وردموا الباب وفلوا الديار وغيروا آثار رسول الله صلى الله عليه وآله ورغبوا عن أحكامه وبعدوامن أنواره واستبدلوا بسمتخلفه بديلا اتخذوه وكانوا ظالمين وزعموا أن من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله صلى الله عليه وآله ممن اختار رسول الله صلى الله عليه وآله لمقامه وأن مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري الانصاري الرباني ناموس هاشم بن عبد مناف، ألا وإن أول شهادة زور وقعت في الاسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول الله صلى الله عليه وآله، فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك وقالوا: إن رسول الله صلى الله عليه وآله مضى ولم يستخلف فكان رسول الله صلى الله عليه وآله الطيب المبارك أول مشهود عليه بالزور في الاسلام وعن قليل يجدون غب ما أسسه الاولون ولئن كانوا في مندوحة من المهل وشفاء من الاجل وسعة من المنقلب واستدراج من الغرور وسكون من الحال وإدراك من الامل فقد أمهل الله عز و جل شداد بن عاد وثمود بن عبود وبلعم بن باعور وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة وأمدهم بالاموال والاعمار وأتتهم الارض ببركاتها ليذكروا آلاء الله وليعرفوا الاهابة له والانابة إليه ولينتهوا عن الاستكبار فما بلغوا المدة واستتموا الاكلة أخذهم الله عزوجل واصطلمهم فمنهم من حصب ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من أحرقته الظلة ومنهم من أودته الرجفة ومنهم من أردته الخسفة " وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " ألا وإن لكل كتابا فإذا بلغ الكتاب أجله لو كشف لك عما هوى إليه الظالمون وآل إليه الاخسرون لهربت إلى الله عزوجل مما هم عليه مقيمون وإليه صائرون، ألا وإني فيكم أيها الناس كهارون في آل فرعون وكباب حطة في بني إسرائيل وكسفينة نوح في قوم نوح، إني النبأ العظيم والصديق والاكبر وعن قليل ستعلمون ما توعدون وهل هي إلا كلعقة الآكل ومذقة الشارب وخفقة الوسنان، ثم تلزمهم المعرات خزيا في الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون فما جزاء من تنكب محجته؟ وأنكر حجته، وخالف هداته وحاد عن نوره واقتحم في ظلمه واستبدل بالماء السراب وبالنعيم العذاب وبالفوز الشقاء وبالسراء الضراء وبالسعة الضنك، إلا جزاء اقترفه وسوء خلافه فليوقنوا بالوعد على حقيقته وليستيقنوا بما يوعدون، " يوم تأتي الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج. إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير. يوم تشقق الارض عنهم سراعا إلى آخر السورة.
الكافي - الشيخ الكليني - ج ٨ - الصفحة ٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
روي أن رجلا من أصحابه قام إليه فقال: إنك نهيتنا عن الحكومة ثم أمرتنا بها، فما ندري أي الأمرين أرشد، فصفق (عليه السلام) إحدى يديه على الأخرى ثم قال
هذا جزاء من ترك العقدة، أما والله لو أني حين أمرتكم بما أمرتكم به حملتكم على المكروه الذي جعل الله فيه خيرا كثيرا فإن استقمتم هديتكم وإن اعوججتم قومتكم، وإن أبيتم تداركتكم لكانت الوثقى، ولكن بمن وإلى من أريد أن أداوي بكم وأنتم دائي؟! كناقش الشوكة بالشوكة، وهو يعلم أن ضلعها معها. اللهم قد ملت أطباء الداء الدوي وكلت النزعة بأشطان الركى. فقال (عليه السلام) وقد خرج إلى معسكرهم وهم مقيمون على إنكار الحكومة بعد كلام طويل: ألم تقولوا - عند رفعهم المصاحف حيلة، وغيلة، ومكرا، وخديعة -: إخواننا، وأهل دعوتنا. استقالونا، واستراحوا إلى كتاب الله سبحانه، فالرأي القبول منهم، والتنفيس عنهم، فقلت لكم: هذا أمر ظاهره إيمان، وباطنه عدوان وأوله رحمة، وآخره ندامة، فأقيموا على شأنكم، والزموا طريقتكم، وعضوا على الجهاد بنواجذكم ولا تلتفتوا إلى ناعق نعق، إن أجيب أضل وإن ترك ذل، فلقد كنا مع رسول الله وإن القتل ليدور بين الآباء والأبناء، والإخوان والقرابات، فما نزداد على كل مصيبة وشدة إلا إيمانا، ومضيا على الحق، وتسليما للأمر، وصبرا على مضض الجراح ولكنا إنما أصبحنا نقاتل إخواننا في الإسلام على ما دخل فيه من الزيغ والاعوجاج والشبهة والتأويل، فإذا طعمنا في خصلة يلم الله بها شعثنا، ونتدانى بها إلى البقية فيما بيننا، رغبنا فيها وأمسكنا عما سواها وقال (عليه السلام) - في التحكيم -: إنا لم نحكم الرجال وإنما حكمنا القرآن، وهذا القرآن إنما هو خط مسطور بين الدفتين، لا ينطق بلسان ولا بد له من ترجمان وإنما ينطق عنه الرجال ولما أن دعانا القوم إلى أن يحكم بيننا القرآن لم نكن الفريق المتولي عن كتاب الله عز وجل وقد قال الله سبحانه: " وإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " فرده إلى الله أن نحكم بكتابه، ورده إلى الرسول أن نأخذ بسنته، فإذا حكم بالصدق في كتاب الله فنحن أحق الناس به وإذا حكم بسنة رسوله فنحن أولادهم به، وأما قولكم لم جعلت بينك وبينهم أجلا في التحكيم؟ فإنما فعلت ذلك ليتبين الجاهل ويتثبت العالم ولعل الله أن يصلح في هذه الهدنة أمر هذه الأمة ولا تؤخذ بإكظامها فتعجل عن تبين الحق وتنقاد لأول الغي؟
الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج ١ - الصفحة ٠. — غير محدد
وعن عبد الله بن عبد الرحمن قال: ثم إن عمر احتزم بأزاره وجعل يطوف بالمدينة وينادي: ألا إن أبا بكر قد بويع له فهلموا إلى البيعة، فينثال الناس يبايعون، فعرف أن جماعة في بيوت مستترون، فكان يقصدهم في جمع كثير ويكبسهم ويحضرهم المسجد فيبايعون حتى إذا مضت أيام أقبل في جمع كثير إلى منزل علي (عليه السلام) فطالبه بالخروج فأبى، فدعا عمر بحطب ونار وقال: والذي نفس عمر بيده ليخرجن أو لأحرقنه على ما فيه. فقيل له: إن فاطمة بنت رسول الله وولد رسول الله وآثار رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فيه، وأنكر الناس ذلك من قوله، فلما عرف إنكارهم قال ما بالكم أتروني فعلت ذلك إنما أردت التهويل، فراسلهم على أن ليس إلى خروجي حيلة لأني في جمع كتاب الله الذي قد نبذتموه وألهتكم الدنيا عنه، وقد حلفت أن لا أخرج من بيتي ولا أدع ردائي على عاتقي حتى أجمع القرآن. قال وخرجت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) إليهم فوقفت خلف الباب ثم قالت: لا عهد لي بقوم أسوء محضرا منكم، تركتم رسول الله (صلى الله وعليه وآله) جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم فيما بينكم ولم تؤمرونا ولم تروا لنا حقا، كأنكم لم تعلموا ما قال يوم غدير خم، والله لقد عقد له يومئذ الولاء ليقطع منكم بذلك منها الرجاء، ولكنكم قطعتم الأسباب بينكم وبين نبيكم، والله حسيب بيننا وبينكم في الدنيا والآخرة. وفي رواية سليم بن قيس الهلالي عن سلمان الفارسي رضي الله عنه أنه قال: أتيت عليا (عليه السلام) وهو يغسل رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، وقد كان أوصى أن لا يغسله غير علي (عليه السلام)، وأخبر أنه لا يريد أن يقلب منه عضوا إلا قلب له، وقد قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لرسول الله (صلى الله وعليه وآله): من يعينني على غسلك يا رسول الله؟ قال جبرئيل. فلما غسله وكفنه أدخلني وأدخل أبا ذر والمقداد وفاطمة وحسنا وحسينا (عليهم السلام) فتقدم وصففنا خلفه فصلى عليه وعائشة في الحجرة لا تعلم قد أخذ جبرئيل ببصرها ثم أدخل عشرة من المهاجرين وعشرة من الأنصار فيصلون ويخرجون، حتى لم يبق من المهاجرين والأنصار إلا صلى عليه، وقلت لعلي (عليه السلام) حين يغسل رسول الله (صلى الله وعليه وآله): إن القوم فعلوا كذا وكذا وإن أبا بكر الساعة لعلى منبر رسول الله (صلى الله وعليه وآله) وما يرضى الناس أن يبايعوا له بيد واحدة إنهم ليبايعون بيديه جميعا يمينا وشمالا. فقال علي (عليه السلام): يا سلمان فهل تدري من أول من يبايعه على منبر رسول الله (صلى الله وعليه وآله)؟ فقلت: لا إلا أني قد رأيته في ظلة بني ساعدة حين خصمت الأنصار، وكان أول من بايعه بشير بن سعد ثم أبو عبيدة بن الجراح ثم عمر بن الخطاب ثم سالم مولى أبي حذيفة [ ومعاذ بن جبل ]. قال: لست أسألك عن هذا، ولكن تدري من أول من بايعه حين صعد منبر رسول الله (صلى الله وعليه وآله)؟ قلت: لا ولكني رأيت شيخا كبيرا متوكئا على عصاه بين عينيه سجادة شديد التشمير وهو يبكي ويقول: الحمد لله الذي لم يمتني ولم يخرجني من الدنيا حتى رأيتك في هذا المكان أبسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعه ثم نزل فخرج من المسجد. فقال لي علي (عليه السلام): يا سلمان وهل تدري من هو؟ قلت: لا ولكني ساءتني مقالته كأنه شامت بموت رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، قال علي إن ذلك إبليس لعنه الله، أخبرني رسول الله أن إبليس ورؤساء أصحابه شهدوا نصب رسول الله (صلى الله وعليه وآله) إياي بغدير خم بأمر الله تعالى، فأخبرهم أن يبلغ الشاهد الغائب، فأتاه أبالسة ومردة أصحابه فقالوا: إن هذه أمة مرحومة معصومة وما لنا ولا لك عليهم من سبيل، قد علموا إمامهم ومفزعهم بعد نبيهم، فانطلق إبليس كئيبا حزينا، فاخبرني رسول الله (صلى الله وعليه وآله) أن لو قد قبض إن الناس سيبايعون أبا بكر في ظلة بني ساعدة بعد أن تخاصمهم بحقك وحجتك، ثم يأتون المسجد فيكون أول من يبايعه على منبري إبليس في صورة شيخ كبير مستبشر يقول كذا وكذا، ثم تجتمع شياطينه وأبالسته فيخر ويكسع ثم يقول كذا زعمتم أن ليس لي عليهم سبيل فكيف رأيتموني صنعت بهم حين تركوا أمر من أمرهم الله بطاعته وأمرهم رسوله. فقال سلمان: فلما كان الليل حمل علي فاطمة على حمار وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين، فلم يدع أحدا من أهل بدر من المهاجرين ولا من الأنصار إلا أتى منزله وذكر حقه ودعاه إلى نصرته، فما استجاب له من جميعهم إلا أربعة وأربعون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم وقد بايعوه على الموت، فأصبح ولم يوافه منهم أحد غير أربعة. قلت لسلمان: من الأربعة؟ قال: أنا وأبو ذر والمقداد والزبير بن العوام. ثم أتاهم من الليلة الثانية فناشدهم الله فقالوا: نصحبك بكرة، فما منهم أحد وفى غيرنا، ثم الليلة الثالثة فما وفى أحد غيرنا، فلما رأى علي (عليه السلام) عذرهم وقلة وفائهم لزم بيته وأقبل على القرآن يؤلفه ويجمعه، فلم يخرج حتى جمعه كله فكتبه على تنزيله والناسخ والمنسوخ، فبعث إليه أبو بكر أن اخرج فبايع، فبعث إليه أني مشغول فقد آليت بيمين أن لا أرتدي برداء إلا للصلوات حتى أؤلف القرآن وأجمعه، فجمعه في ثوب وختمه ثم خرج إلى الناس وهم مجتمعون مع أبي بكر في مسجد رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فنادى (عليه السلام) بأعلى صوته: أيها الناس إني لم أزل منذ قبض رسول الله (صلى الله وعليه وآله) مشغولا بغسله ثم بالقرآن حتى جمعته كله في هذا الثوب، فلم ينزل الله على نبيه آية من القرآن إلا وقد جمعتها كلها في هذا الثواب، وليست منه آية إلا وقد أقرأنيها رسول الله صلى عليه وآله وعلمني تأويلها. فقالوا: لا حاجة لنا به عندنا مثله. ثم دخل بيته فقال عمر لأبي بكر: أرسل إلى علي فليبايع فإنا لسنا في شئ حتى يبايع ولو قد بايع أمناه وغائلته. فأرسل أبو بكر رسولا أن أجب خليفة رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، فأتاه الرسول فأخبره بذلك، فقال علي (عليه السلام): ما أسرع ما كذبتم على رسول الله (صلى الله وعليه وآله)، إنه ليعلم ويعلم الذين حوله أن الله ورسوله لم يستخلفا غيري، فذهب الرسول فأخبره بما قاله فقال: اذهب فقل أجب أمير المؤمنين أبا بكر، فأتاه فأخبره بذلك فقال علي (عليه السلام): سبحان الله والله ما طال العهد بالنبي مني وإنه ليعلم أن هذا الاسم لا يصلح إلا لي، وقد أمره رسول الله (صلى الله وعليه وآله) سابع سبعة فسلموا علي بإمرة المؤمنين، فاستفهمه هو وصاحبه عمر من بين السبعة فقالا: أمر من الله ورسوله؟ فقال لهما رسول الله (صلى الله وعليه وآله): نعم حقا من الله ورسوله إنه أمير المؤمنين وسيد المسلمين وصاحب لواء الغر المحجلين، يقعده الله يوم القيامة على الصراط فيدخل أولياءه الجنة وأعداءه النار. قال: فانطلق الرسول إلى أبي بكر فأخبره بما قال، فكفوا عنه يومئذ، فلما كان الليل حمل فاطمة (عليه السلام) على حمار ثم دعاها إلى نصرته فما استجاب له رجل غيرنا أربعة، فإنا حلقنا رؤسنا وبذلنا نفوسنا ونصرتنا وكان علي بن أبي طالب (عليه السلام) لما رأى خذلان الناس له وتركهم نصرته واجتماع كلمة الناس مع أبي بكر وطاعتهم له وتعظيمهم له جلس في بيته، فقال عمر لأبي بكر: ما يمنعك أن تبعث إليه فيبايع، فإنه لم يبق أحد إلا وقد بايع غيره وغير هؤلاء الأربعة معه. وكان أبو بكر أرق الرجلين وأرفقهما وأدهاهما وأبعدهما غورا، والآخر أفظهما وأغلظهما وأخشنهما وأجفاهما. فقال: من نرسل إليه؟ فقال عمر: أرسل إليه قنفذا - وكان رجلا فظا غليظا جافيا من الطلقاء أحد بني تيم - فأرسله وأرسل معه أعوانا، فانطلق فاستأذن فأبي علي (عليه السلام) أن يأذن له، فرجع أصحاب قنفذ إلى أبي بكر وعمر وهما في المسجد والناس حولهما فقالوا: لم يأذن لنا. فقال عمر: هو إن أذن لكم وإلا فادخلوا عليه بغير إذنه، فانطلقوا فاستأذنوا فقالت فاطمة (عليه السلام) أحرج عليكم أن تدخلوا بيتي بغير إذن، فرجعوا وثبت قنفذ فقالوا: إن فاطمة قالت كذا وكذا فحرجتنا أن ندخل عليها البيت بغير إذن منها، فغضب عمر وقال: ما لنا وللنساء. ثم أمر أناسا حوله فحملوا حطبا وحمل معهم فجعلوه حول منزله وفيه علي وفاطمة وابناهما (عليهم السلام)، ثم نادى عمر حتى أسمع عليا (عليه السلام): والله لتخرجن ولتبايعن خليفة رسول الله أو لأضرمن عليك بيتك نارا، ثم رجع فقعد إلى أبي بكر وهو يخاف أن يخرج علي بسيفه لما قد عرف من بأسه وشدته. ثم قال لقنفذ: أن خرج وإلا فاقتحم عليه، فإن امتنع فاضرم عليهم بيتهم نارا. فانطلق قنفذ فاقتحم هو وأصحابه بغير إذن، وبادر علي إلى سيفه ليأخذه فسبقوه إليه فتناول بعض سيوفهم فكثروا عليه فظبطوه وألقوا في عنقه حبلا أسود، وحالت فاطمة (عليه السلام) بين زوجها وبينهم عند باب البيت فضربها قنقذ بالسوط على عضدها، فبقي أثره في عضدها من ذلك مثل الدملوج من ضرب قنفذ إياها، فأرسل أبو بكر إلى قنفذ اضربها فالجأها إلى عضادة باب بيتها، فدفعها فكسر ضلعا من جنبها وألقت جنينا من بطنها، فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت من ذلك شهيدة صلوات الله عليها. ثم انطلقوا بعلي (عليه السلام) ملببا بحبل حتى انتهوا به إلى أبي بكر وعمر قائم بالسيف على رأسه وخالد بن الوليد وأبو عبيدة بن الجراح وسالم والمغيرة بن شعبة وأسيد بن حصين وبشير بن سعد وسائر الناس قعود حول أبي بكر عليهم السلاح وهو يقول: أما والله لو وقع سيفي بيدي لعلمتم أنكم لن تصلوا إلي، هذا جزاء مني وبالله لا ألوم نفسي في جهد ولو كنت في أربعين رجلا لفرقت جماعتكم، فلعن الله قوما بايعوني ثم خذلوني، فانتهره عمر فقال: بايع. فقال: وإن لم أفعل؟ قال: إذا نقتلك ذلا وضعارا. قال: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسول الله (صلى الله وعليه وآله). فقال أبو بكر: أما عبد الله فنعم [ كلنا عبيد الله ] وأما أخو رسوله فلا نقر لك به. قال (عليه السلام): أتجحدون أن رسول الله (صلى الله وعليه وآله) آخى بين نفسه وبيني، فأعادوا عليه ذلك ثلاث مرات ثم أقبل علي (عليه السلام) فقال: يا معاشر المهاجرين والأنصار أنشدكم بالله أسمعتم رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول يوم غدير خم كذا وكذا، وفي غزاة تبوك كذا وكذا، فلم يدع شيئا قاله فيه (عليه السلام) علانية للعامة إلا ذكره؟ فقالوا: اللهم نعم. فلما خاف أبو بكر أن ينصروه ويمنعوه بادرهم فقال: كل ما قتله قد سمعناه بآذاننا ووعته قلوبنا، ولكن سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول بعد هذا: إنا أهل بيت اصطفانا الله وأكرمنا واختار لنا الآخرة على الدنيا، وإن الله لم يكن لجيمع لنا أهل البيت النبوة والخلافة. فقال علي (عليه السلام): أما أحد من أصحاب رسول الله (صلى الله وعليه وآله) شهد هذا معك؟ قال عمر: صدق خليفة رسول الله (صلى الله وعليه وآله) قد سمعنا منه هذا كما قال، وقال أبو عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة ومعاذ بن جبل: صدق قد سمعنا ذلك من رسول الله (صلى الله وعليه وآله). فقال لهم: لشد ما وفيتم بصحيفتكم الملعونة التي تعاقدتم عليها في الكعبة: إن قتل الله محمدا أو أماته أن تزووا هذا الأمر عنا أهل البيت. فقال أبو بكر: وما علمك بذلك اطلعناك عليها؟ قال علي يا زبير ويا سلمان وأنت يا مقداد أذكركم بالله وبالاسلام أسمعتم رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول ذلك إن فلانا وفلانا حتى عد هؤلاء الخمسة قد كتبوا بينهم كتابا وتعاهدوا وتعاقدوا على ما صنعوا؟ قالوا: اللهم نعم قد سمعناه يقول ذلك لك، فقلت له بأبي أنت وأمي يا نبي الله فما تأمرني أن أفعل إذا كان ذلك؟ فقال لك: إن وجدت عليهم أعوانا فجاهدهم ونابذهم، وإن لم تجد أعوانا فبايعهم واحقن دمك. فقال علي (عليه السلام): أما والله لو أن أولئك الأربعين رجلا الذين بايعوني ووفوا لجاهدتكم في الله ولله، لا أما والله لا ينالها أحد من عقبكم إلى يوم القيامة. ثم نادى قبل أن يبايع: " يا ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني " ثم تناول يد أبي بكر فبايعه، فقيل للزبير بايع الآن، فأبى فوثب عليه عمر وخالد ابن الوليد والمغيرة بن شعبة في أناس فانتزعوا سيفه من يده فضربوا به الأرض حتى كسر، فقال الزبير وعمر على صدوه: يا بن صهاك أما والله لو أن سيفي في يدي لحدت عني، ثم بايع. قال: سلمان: ثم أخذوني فوجأوا عنقي حتى تركوها مثل السلعة ثم فتلوا يدي، فبايعت مكرها، ثم بايع أبو ذر والمقداد مكرهين، وما من الأمة أحد بايع مكرها غير علي وأربعتنا. ولم يكن أحد منا أشد قولا من الزبير، فلما بايع قال: يا بن صهاك أما والله لولا هؤلاء الطلقاء الذين أعانوك ما كنت لتقدم علي ومعي السيف لما قد علمت من جبنك ولؤمك، ولكنك وجدت من تقوى بهم وتصول بهم، فغضب عمر فقال، أتذكر صهاك؟ فقال الزبير: ومن صهاك وما يمنعني من ذلك، وإنما كانت صهاك أمة حبشية لجدي عبد المطلب فزنا بها نفيل فولدت أباك الخطاب فوهبها عبد المطلب له بعد ما ولدته، فإنه لعبد جدي فولد زنى، فأصلح بينهما أبو بكر وكف كل منهما عن صاحبه. فقال سليم: فقلت يا سلمان بايعت أبا بكر ولم تقل شيئا؟ قال: قد قلت بعد ما بايعت: تبا لكم سائر الدهر، أو تدرون ماذا صنعتم بأناسكم، أصبتم وأخطأتم: أصبتم سنة الأولين، وأخطأتم سنة نبيكم حتى أخرجتموها من معدنها وأهلها. فقال لي عمر: أما إذا بايع صاحبك وبايعت فقل ما بدا لك وليقل ما بدا له. قال: قلت فإني أشهد أني سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول: إن عليك وعلى صاحبك الذي بايعته مثل ذنوب أمته إلى يوم القيامة ومثل عذابهم. وقال: قل ما شئت أليس قد بايع ولم يقر الله عينك بأن يليها صاحبك. قال، قلت فإني أشهد أني قرأت في بعض كتب الله المنزلة آية باسمك ونسبك وصفتك باب من أبواب جهنم. قال: قل ما شئت أليس قد عزلها الله عن أهل البيت الذين قد اتخذتموهم أربابا. قال: قلت فأشهد أني سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول وقد سألته عن هذه الآية " فيومئذ لا يعذب عذابه أحد. ولا يوثق وثاقه أحد " فقال: إنك أنت هو. فقال عمر اسكت: قال: قلت أسكت الله نأمتك أيها العبد يا بن اللخناء. فقال لي علي (عليه السلام) اسكت يا سلمان، فسكت فوالله لولا أنه أمرني بالسكوت لأخبرته بكل شئ نزل فيه وفي صاحبه، فلما رأى ذلك عمر أنه قد سكت قال: إنك له مطيع مسلم وإذا لم يقل أبو ذر والمقداد شيئا كما قال سلمان. قال عمر: يا سلمان ألا تكف عنا كما كف صاحباك، فوالله ما أنت بأشد حبا لأهل هذا البيت منهما ولا أشد تعظيما لهم ولحقهم، فقد كفا كما ترق وبايعا. فقال أبو ذر أفتعيرنا يا عمر بحب آل محمد وتعظيمهم، لعن الله من أبغضهم وابتز عليهم وظلمهم حقهم وحمل الناس على رقابهم ورد الناس على أدبارهم القهقري وقد فعل ذلك بهم. فقال عمر آمين فلعن الله من ظلمهم حقهم، لا والله ما لهم فيها حق وما هم وعرض الناس في هذا الأمر إلا سواء. قال أبو ذر: فلم خاصمتم بحقهم وحجتهم؟ فقال علي (عليه السلام): يا بن صهاك فليس لنا حق وهو لك ولابن آكلة الذباب. فقال عمر: كف الآن يا أبا الحسن إذا بايعت، فإن العامة رضوا بصحابتي ولم يرضوا بك فما ذنبي. قال علي (عليه السلام) لكن الله ورسوله لم يرضيا إلا بي فابشر أنت وصاحبك ومن اتبعكما وآزركما بسخط من الله وعذابه وخزيه، ويلك يا بن الخطاب أو تدري مما خرجت وفيم دخلت وماذا جنيت على نفسك وعلى صاحبك، فقال أبو بكر: يا عمر أما إذا بايع وأمنا شره وفتكه وغائلته فدعه يقول ما شاء. فقال علي (عليه السلام): لست بقائل غير شئ واحد، أذكركم بالله أيها الأربعة - يعنيني والزبير وأبا ذر والمقداد - أسمعتم رسول الله يقول إن تابوتا من نار فيه اثنا عشر رجلا ستة من الأولين وستة من الآخرين في جب في قعر جهنم في تابوت مقفل على ذلك الجب صخرة إذا أراد الله أن يسعر نار جهنم كشف تلك الصخرة عن ذلك الجب فاستعاذت جهنم من وهج ذلك الجب، فسألناه عنهم وأنتم شهود؟ فقال (صلى الله وعليه وآله): أما الأولون فابن آدم الذي قتل أخاه، وفرعون الفراعنة نمرود، والذي حاج إبراهيم في ربه، ورجلان من بني إسرائيل بدلا كتابهم وغير أسنتهم، أما أحدهما فهود اليهود والآخر نصر النصارى، وإبليس سادسهم، والدجال في الآخرين، وهؤلاء الخمسة أصحاب الصحيفة الذين تعاهدوا وتعاقدوا على عداوتك يا أخي والتظاهر عليك بعدي هذا وهذا وهذا حتى عدهم وسماهم. قال سلمان: فقلنا صدقت نشهد أنا سمعنا ذلك من رسول الله (صلى الله وعليه وآله) فقال عثمان: يا أبا الحسن أما عندك وعند أصحابك هؤلاء في حديث؟ فقال: بلى قد سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يلعنك ثم لم يستغفر الله لك مذ لعنك فغضب عثمان فقال، ما لي ولك أما تدعني على حالي على عهد رسول الله ولا بعده. فقال الزبير: نعم فأرغم الله أنفك. فقال عثمان، فوالله لقد سمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول: إن الزبير يقتل مرتدا عن الإسلام، قال سلمان: فقال لي علي (عليه السلام) فيما بيني وبينه صدق عثمان، وذلك أنه يبايعني بعد قتل عثمان ثم ينكث بيعتي فيقتل مرتدا عن الإسلام. قال سليم: ثم أقبل علي سلمان فقال، إن القوم ارتدوا بعد رسول الله (صلى الله وعليه وآله) إلا من عصمه الله بآل محمد، إن الناس بعد رسول الله (صلى الله وعليه وآله) بمنزلة هارون من موسى ومن تبعه وبمنزلة العجل ومن تبعه، فعلي في سنة هارون وعتيق في سنة السامري، وسمعت رسول الله (صلى الله وعليه وآله) يقول " لتركبن أمتي سنة بني إسرائيل حذو القذة بالقذة وحذو النعل بالنعل شبرا بشبر وذراعا بذراع وباعا بباع ".
الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج ١ - الصفحة ٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
وقال الباقر
(عليه السلام): فلما حدث علي بن الحسين (عليه السلام) بهذا الحديث قال له بعض من في مجلسه: يا بن رسول الله كيف يعاتب الله ويوبخ هؤلاء الأخلاف على قبائح أتاها أسلافهم - وهو يقول: (ولا تزروا وازرة وزر أخرى)؟ فقال زين العابدين (عليه السلام): إن القرآن نزل بلغة العرب فهو يخاطب فيه أهل اللسان بلغتهم، يقول الرجل التميمي - قد أغار قومه على بلد وقتلوا من فيه -: أغرتم على بلد كذا، وفعلتم كذا، ويقول العربي: نحن فعلنا ببني فلان، ونحن سبينا آل فلان، ونحن خربنا بلد كذا. لا يريد أنهم باشروا ذلك، ولكن يريد هؤلاء بالعذل وأولئك بالإفتخار: أن قومهم فعلوا كذا، وقول الله عز وجل في هذه الآيات إنما هو توبيخ لأسلافهم، وتوبيخ العذل على هؤلاء الموجودين، لأن ذلك هو اللغة التي نزل بها القرآن، والآن هؤلاء الأخلاف أيضا راضون بما فعل أسلافهم، مصوبون لهم، فجاز أن يقال: أنتم فعلتم أي: إذ رضيتم قبيح فعلهم وعن أبي حمزة الثمالي قال: دخل قاض من قضاة أهل الكوفة على علي بن الحسين (عليه السلام) فقال له: جعلني الله فداك! أخبرني عن قول الله عزو جل: (وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير سيروا فيها ليالي وأياما آمنين) قال له: ما يقول الناس فيها قبلكم؟ قال: يقولون: أنها مكة. فقال: وهل رأيت السرق في موضع أكثر منه بمكة. قال: فما هو؟ قال: إنما عنى الرجال. قال: وأين ذلك في كتاب الله؟ فقال: أو ما تسمع إلى قوله عز وجل: (وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله) وقال: (وتلك القرى أهلكناهم) وقال: (واسأل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها) أفيسأل القرية أو الرجال أو العير؟ قال: وتلا عليه آيات في هذا المعنى. قال: جعلت فداك! فمن هم؟ قال: نحن هم. فقال: أو ما تسمع إلى قوله: (سيروا فيها ليالي وأياما آمنين)؟ قال: آمنين من الزيغ.
الاحتجاج - الشيخ الطبرسي - ج ٢ - الصفحة ٠. — الإمام السجاد عليه السلام
حدثني محمد بن همام قال: حدثني عبد الله بن جعفر الحميري قال: حدثني عمر بن علي العبدي، عن داود بن كثير الرقي، عن يونس ابن ظبيان قال دخلت على الصادق جعفر بن محمد عليه السلام فقلت: يا بن رسول الله إني دخلت على مالك وأصحابه فسمعت بعضهم يقول: إن لله وجها كالوجوه، وبعضهم يقول: له يدان واحتجوا في ذلك بقوله تعالى: * (قال: يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي * استكبرت أم كنت من العالين) * وبعضهم يقول هو كالشاب من أبناء ثلاثين سنة! فما عندك في هذا يا بن رسول الله؟ - وكان متكأ فاستوى جالسا - فقال: " اللهم عفوك عفوك " ثم قال: " يا يونس من زعم أن لله وجها كالوجوه فقد أشرك، ومن زعم أن لله جوارح كجوارح المخلوقين فهو كافر بالله فلا تقبلوا شهادته ولا تأكلوا ذبيحته، تعالى الله عما يصفه المشبهون بصفة المخلوقين، فوجه الله أنبياؤه وأولياؤه، وقوله: * (خلقت بيدي استكبرت) * فاليد القدرة كقوله: * (وأيدكم بنصره) * فمن زعم أن الله في شئ، أو على شئ، أو يحول من شئ إلى شئ، أو يخلو منه شئ أو يشتغل به شئ فقد وصفه بصفة المخلوقين، والله خالق كل شئ، لا يقاس بالمقياس، ولا يشبه بالناس، ولا يخلو منه مكان قريب في بعده، بعيد في قربه، ذلك الله ربنا لا إله غيره، فمن أراد الله وأحبه بهذه الصفة فهو من الموحدين، ومن أحبه بغير هذه الصفة فالله منه برئ ونحن منه براء. ثم قال عليه السلام: إن أولي الألباب الذين عملوا بالفكرة حتى ورثوا منه حب الله فإن حب الله إذا ورثته القلوب استضاء به وأسرع إليه اللطف، فإذا نزل منزلة اللطف صار من أهل الفوائد، فإذا صار من أهل الفوائد تكلم بالحكمة، فإذا تكلم بالحكمة صار صاحب فطنة، فإذا نزل منزلة الفطنة عمل بها في القدرة فإذا عمل بها في الأطباق السبعة فإذا بلغ هذه المنزلة يتقلب في لطف وحكمة وبيان، فإذا بلغ هذه المنزلة جعل شهوته ومحبته في خالقه، فإذا فعل ذلك نزل المنزلة الكبرى، فعاين ربه في قلبه، وورث الحكمة بغير ما ورثه الحكماء. وورث العلم بغير ما ورث العلماء، وورث الصدق بغير ما ورثه الصديقون، إن الحكماء ورثوا الحكمة بالصمت وإن العلماء ورثوا العلم بالطلب، وإن الصديقين ورثوا الصدق بالخشوع وطول العبادة، فمن أخذ بهذه السيرة إما أن يسفل وإما أن يرفع، وأكثرهم الذي يسفل ولا يرفع، فإذا لم يرع حق الله، ولم يعمل بما أمر به فهذه صفة من لم يعرف الله حق معرفته، ولم يحبه حق محبته، فلا يغرنك صلاتهم وصيامهم، ورواياتهم وعلومهم، فإنهم حمر مستنفرة. ثم قال: يا يونس إذا أردت العلم الصحيح فعندنا أهل البيت، فإنا ورثناه وأوتينا شرح الحكمة، وفصل الخطاب "، فقلت: يا بن رسول الله أكل من كان من أهل البيت ورث ما ورثتم؟ من كان من ولد علي وفاطمة عليهما السلام؟ فقال: " ما ورثه إلا الأئمة الاثنا عشر "، فقلت: سمهم يا بن رسول الله؟ فقال: " أولهم علي بن أبي طالب، وبعده الحسن والحسين، وبعده علي بن الحسين، وبعده محمد بن علي الباقر ثم أنا، وبعدي موسى ولدي، وبعد موسى علي ابنه، وبعد علي محمد ابنه، وبعد محمد علي ابنه وبعد علي الحسن ابنه، وبعد الحسن الحجة صلوات الله عليهم اصطفانا الله وطهرنا وآتانا ما لم يؤت أحدا من العالمين ". ثم قلت: يا بن رسول الله إن عبد الله بن مسعود دخل عليك بالأمس فسألك عما سألتك فأجبته بخلاف هذا، فقال: " يا يونس كل امرئ وما يحتمله، ولكل وقت حديثه، وإنك لأهل لما سألت فاكتمه إلا عن أهله ". الحادي والسبعون: ابن بابويه قال: أخبرنا أبو عبد الله بن محمد بن عبد الله قال: حدثنا أبو طالب عبد الله بن أحمد بن يعقوب بن نضر الأنباري قال: حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق قال: حدثنا عبد الله بن شعيب قال: حدثنا محمد بن زياد التميمي قال: حدثنا سفيان بن عيينة قال: حدثنا عمران بن داود قال: حدثنا محمد بن الحنفية قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: " قال الله تبارك وتعالى: لأعذبن كل رعية دانت بطاعة إمام ليس مني وإن كانت الرعية في نفسها برة، ولأرحمن كل رعية دانت بإمام عادل مني وإن كانت الرعية في نفسها غير برة ولا نقية، ثم قال: يا علي أنت الإمام والخليفة بعدي، حربك حربي وسلمك سلمي، وأنت أبو سبطي وزوج ابنتي، من ذريتك الأئمة المطهرون، فأنا سيد الأنبياء وأنت سيد الأوصياء، وأنا وأنت من شجرة واحدة، ولولانا لم يخلق الله الجنة ولا النار ولا الأنبياء ولا الملائكة. قال: قلت يا رسول الله فنحن أفضل من الملائكة؟ قال: يا علي نحن خير خليقة الله على بسيطة الأرض، ونحن خير من الملائكة المقربين، وكيف لا نكون خيرا منهم وقد سبقناهم إلى معرفة الله وتوحيده، فبنا عرفوا الله، وبنا عبدوا الله، وبنا اهتدوا السبيل إلى معرفة الله، يا علي أنت مني وأنا منك، وأنت أخي ووزيري فإذا مت ظهرت لك ضغاين في صدور قوم، وستكون بعدي فتنة صماء صيلم يسقط فيها كل وليجة وبطانة، وذلك عند فقدان شيعتك الخامس من ولد السابع من ولدك يحزن لفقده أهل السماء والأرض، فكم مؤمن ومؤمنة متأسف ومتلهف حيران عند فقده. ثم أطرق مليا ثم رفع رأسه وقال: بأبي وأمي سميي وشبيهي، وشبيه موسى ابن عمران عليه جيوب النور - أو قال: جلابيب النور - يتوقد من شعاع القدس كأني بهم آيس ما كانوا، ثم ينادي بنداء يسمعه من البعيد كما يسمعه من القريب، يكون رحمة على المؤمنين وعذابا على المنافقين: قلت: وما ذاك النداء؟ قال: ثلاثة أصوات في رجب: أولها ألا لعنة الله على الظالمين، والثاني أزفت الآزفة، والثالث يرون بدنا بارزا مع قرن الشمس، ينادي: ألا إن الله قد بعث فلان بن فلان حتى ينسبه إلى علي، فيه هلاك الظالمين، فعند ذلك يأتي الفرج، ويشفي الله صدورهم ويذهب غيظ قلوبهم، قلت: يا رسول الله فكم يكون بعدي من الأئمة؟ قال: بعد الحسين تسعة والتاسع قائمهم ". الثاني والسبعون: ابن بابويه قال: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الله بن أحمد ابن أبي عبد الله البرقي، عن أبيه، عن جده أحمد بن أبي عبد الله، عن أبيه محمد بن خالد، عن محمد بن داود، عن محمد بن الجارود العبدي، عن الأصبغ بن نباتة قال: خرج علينا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ذات يوم ويده في يد ابنه الحسن عليه السلام وهو يقول: " خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وآله ويدي في يده هكذا وهو يقول: خير الخلق بعدي وسيدهم أخي هذا، وهو إمام كل مسلم، ومولى كل مؤمن بعد وفاتي، وإني أقول: إن خير الخلق بعدي وسيدهم ابني هذا وهو إمام كل مؤمن ومولى كل مؤمن بعد وفاتي، ألا وإنه سيظلم بعدي كما ظلمت بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وخير الخلق وسيدهم بعد الحسن ابني أخوه الحسين المظلوم، بعد أخيه، المقتول في أرض كربلاء، أما وإنه وأصحابه من سادات الشهداء يوم القيامة، ومن بعد الحسين تسعة من صلبه خلفاء الله في أرضه وحججه على عباده، وأمناؤه على وحيه، وأئمة المسلمين، وقادة المؤمنين، وسادة المتقين، وتاسعهم القائم الذي يملأ الله به الأرض نورا بعد ظلمتها، وعدلا بعد جورها، وعلما بعد جهلها، والذي بعث محمدا أخي بالنبوة واختصني بالإمامة لقد نزل بذلك الوحي من السماء على لسان الروح الأمين جبرائيل، ولقد سئل رسول الله صلى الله عليه وآله وأنا عنده عن الأئمة بعده فقال للسائل: والسماء ذات البروج إن عددهم بعدد البروج، ورب الليالي والأيام والشهور إن عدتهم كعدة الشهور. فقال السائل: فمن هم يا رسول الله؟ فوضع رسول الله صلى الله عليه وآله يده على رأسي فقال: أولهم هذا وآخرهم المهدي، من والاهم فقد والاني، ومن عاداهم فقد عاداني، ومن أحبهم فقد أحبني، ومن أبغضهم فقد أبغضني، ومن أنكرهم فقد أنكرني، ومن عرفهم فقد عرفني، بهم يحفظ الله دينه، وبهم يعمر بلاده، وبهم يرزق عباده، وبهم ينزل القطر من السماء، وبهم يخرج بركات الأرض، وهؤلاء أصفيائي وخلفائي وأئمة المسلمين وموالي المؤمنين ". الثالث والسبعون: الشيخ محمد بن محمد بن النعمان المفيد في كتاب الاختصاص، عن محمد ابن علي بن بابويه قال: حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل، عن محمد بن أبي عبد الله الكوفي، عن موسى بن عمران، عن عمه الحسين بن يزيد، عن علي بن سالم، عن أبيه، عن سالم بن دينار، عن سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت ابن عباس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ذكر الله عز وجل عبادة، وذكري عبادة، وذكر علي عبادة وذكر الأئمة من ولده عبادة، والذي بعثني بالنبوة وجعلني خير البرية إن وصيي لأفضل الأوصياء، وإنه لحجة الله على عباده، وخليفته على خلقه، ومن ولده الأئمة الهداة بعدي، بهم يحبس الله العذاب عن أهل الأرض، وبهم يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، وبهم يمسك الجبال أن تميد بهم، وبهم يسقي خلقه الغيث، وبهم يخرج النبات، أولئك أولياؤه حقا، وخلفاؤه صدقا عدتهم عدة الشهور وهي اثنا عشر شهرا، وعدتهم عدة نقباء موسى بن عمران، ثم تلا هذه الآية: * (والسماء ذات البروج) * ثم قال: أتقدر يا بن عباس أن الله يقسم بالسماء ذات البروج ويعني به السماء وبروجها، قلت: يا رسول الله فما ذاك؟ قال: فأما السماء فأنا وأما البروج فالأئمة بعدي أولهم علي وآخرهم المهدي صلوات الله عليهم أجمعين ". الرابع والسبعون: ابن بابويه قال: حدثنا محمد بن علي ماجيلويه رضي الله عنه قال: حدثنا محمد بن أبي القاسم عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، عن أبيه، عن عبد الله بن القاسم، عن حيان السراج، عن داود بن سليمان الكسائي عن أبي الطفيل قال: شهدت جنازة أبي بكر يوم مات وشهدت عمر حين بويع وعلي عليه السلام جالس ناحية إذ أقبل غلام يهودي عليه ثياب حسان وهو من ولد هارون حتى وقف على رأس عمر فقال: يا أمير المؤمنين أنت أعلم هذه الأمة بدينهم وأمر نبيهم؟ فطأطأ رأسه، فقال: إياك أعني، وأعاد عليه القول، فقال له عمر: ما شأنك؟ وما ذاك؟ فقال: إني جئتك مرتادا لنفسي، شاكا في ديني فقال: دونك هذا الشاب قال: ومن هذا الشاب؟ قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وآله وهو أبو الحسن والحسين ابني رسول الله، وهذا زوج فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبل اليهودي على علي عليه السلام فقال: كذلك أنت؟ فقال: " نعم "، فقال اليهودي: إني أريد أن أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة، فتبسم علي عليه السلام ثم قال: " يا هاروني ما يمنعك أن تقول: سبعا " قال: أسألك عن ثلاث فإن علمتهن سألتك عما بعدهن وإن لم تعلمهن علمت أنه ليس لك علم، قال علي عليه السلام: " فإني أسألك بالإله الذي تعبده إن أنا أجبتك في كل ما تريد لتدعن دينك ولتدخلن في ديني "؟ قال ما جئت إلا لذلك قال: " سل "، قال: فأخبرني عن أول قطرة دم قطرت على وجه الأرض أي قطرة هي؟ وأول عين فاضت على وجه الأرض أي عين هي؟ وأول شئ اهتز على وجه الأرض أي شئ هو؟ فأجابه أمير المؤمنين عليه السلام فقال:
غاية المرام - السيد هاشم البحراني - ج ١ - الصفحة ٠. — الإمام الصادق عليه السلام
وأخبرنا أبو الحسن محمد بن القاسم بن أحمد الفقيه، حدثنا أبو محمد عبد الله بن أحمد الشعراني، أنبأنا أبو علي أحمد بن علي بن رزين، حدثنا المظفر بن الحسن الأنصاري قال: حدثنا السندي بن علي الفراق، نبأنا يحيى بن عبد الحميد الحماني عن قيس بن الربيع عن الأعمش عن عباية بن ربعي قال: بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم فجعل ابن عباس لا يقول قال رسول الله
صلى الله عليه وآله إلا قال الرجل: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟ قال: فكشف العمامة عن وجهه وقال: يا أيها الناس من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا جندب بن جنادة البدري أبو ذر الغفاري... وذكر الحديث الذي في أول الباب. الخامس عشر: الحمويني قال: أنبأني جلال الدين عبد الحميد بن فخار بن معد الموسوي، أنبأنا النقيب أبو طالب عبد الرحمن بن عبد السميع الهاشمي إجازة، أنبأنا شاذان بن جبرائيل القمي قراءة عليه، أنبأنا أبو عبد الله محمد بن عبد العزيز القمي، أنبأنا أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي التظيري قال: أنبأنا أبو الفتح إسماعيل بن الأخشيد السراج فيما قرأت عليه قال: أنبأنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الرحيم قال: نبأنا أبو محمد بن جبان قال: نبأنا الحسن بن محمد بن أبي هريرة قال: نبأنا عبد الله بن عبد الوهاب قال: نبأنا محمد بن الأسود قال: نبأنا محمد ابن مروان عن محمد ابن السائب عن أبي صالح عن ابن عباس قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه، وذكر الحديث الحادي عشر السابق. السادس عشر: الحمويني قال: أخبرني محمد بن يعقوب بن أبي الفرج إذنا عن عبد الرحمن بن عبد السميع إجازة عن شاذان القمي قراءة عليه عن محمد بن عبد العزيز عن محمد بن أحمد بن علي قال: أنبأنا أبو علي الحسن بن أحمد بن الحسن الحداد المقري بقراءتي عليه، حدثنا أبو نعيم الحافظ قال: نبأنا سليمان بن أحمد في معجمه الأوسط قال: نبأنا محمد بن علي الصايغ قال: نبأنا خالد بن يزيد العمري قال: نبأنا إسحاق بن عبد الله بن محمد بن علي بن الحسن بن علي عن الحسن بن زيد عن أبيه زيد بن الحسن عن جده قال: سمعت عمار بن ياسر (رضي الله عنه) يقول: وقف لعلي ابن أبي طالب عليه السلام سائل وهو راكع في صلاة التطوع فنزع خاتمه وأعطاه السائل، فأتى رسول الله فأعلمه ذلك، فنزلت على النبي صلى الله عليه وآله هذه الآية * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال: " من كنت مولاه فعلي مولاه ". السابع عشر: الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصفهاني في كتابه الموسوم بنزول القرآن في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالإسناد عن ابن صالح عن ابن عباس قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر من قومه فيمن قد آمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله قالوا: يا رسول الله صلى الله عليه وآله إن منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذا المجلس، وإن قومنا لما رأونا آمنا بالله ورسوله وصدقناه رفضونا وآلوا على أنفسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا فشق ذلك علينا فقال لهم النبي صلى الله عليه وآله: * (إنما وليكم الله ورسوله) * الآية. ثم إن النبي صلى الله عليه وآله خرج إلى المسجد والناس من بين يديه ما بين قائم وراكع، فبصر بسائل يسأل فقال النبي صلى الله عليه وآله: هل أعطاك أحد شيئا؟ فقال: نعم خاتم. فقال النبي صلى الله عليه وآله: من أعطاكه؟ قال: ذاك القائم وأومأ بيده إلى علي بن أبي طالب عليه السلام. فقال النبي صلى الله عليه وآله " على أي حال أعطاكه "؟ قال: أعطاني وهو راكع، فكبر النبي صلى الله عليه وآله ثم قرأ: * (من يتول الله ورسوله والذين آمنوا) *. فأنشد حسان بن ثابت يقول في ذلك: أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * * * وكل بطئ في الهواء ومسارع وقد تقدمت الأبيات وقيل في ذلك: أوفى الصلاة مع الزكاة أقامها * * * والله يرحم عبده الصبارا من ذا بخاتمه تصدق راكعا * * * وأسره في نفسه إسرارا من كان بات على فراش محمد * * * ومحمد أسرى يوم الغارا من كان جبرائيل يقوم يمينه * * * يوما وميكال يقوم يسارا من كان في القرآن سمي مؤمنا * * * في تسع آيات جعلن كبارا الثامن عشر: الحافظ أبو نعيم يرفعه إلى زيد بن الحسن عن أبيه قال: سمعت عمار بن ياسر (رضي الله عنه) يقول: وقف لعلي عليه السلام سائل وهو راكع في صلاة التطوع فنزع خاتمه فأعطاه، فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله فأعلمه، فنزلت هذه الآية: * (إنما وليكم الله ورسوله) * الآية. التاسع عشر: الحافظ أبو نعيم بإسناده عن الضحاك عن ابن عباس في قوله عز وجل: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) *، يريد علي بن أبي طالب بالذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون. قال عبد الله بن سلام: يا رسول الله، أنا رأيت علي بن أبي طالب تصدق بخاتمه وهو راكع على محتاج فنحن نتولاه. العشرون: الحافظ أبو نعيم عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وآله يتوضأ للصلاة فنزلت عليه * (إنما وليكم الله ورسوله) * الآية، فتوجه النبي صلى الله عليه وآله وخرج إلى المسجد فاستقبل سائلا فقال: من تركت في المسجد؟ فقال له: رجلا تصدق علي بخاتمه وهو راكع. فدخل النبي صلى الله عليه وآله فإذا هو علي. الحادي والعشرون: أبو نعيم رفعه إلى أبي الزبير عن جابر (رضي الله عنه) قال: جاء عبد الله بن سلام وأنا معه يشكون مجانبة الناس إياهم منذ أسلموا، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ابغوا إلي سائلا، فدخلنا المسجد فدنا سائل إليه فقال له: أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم، مررت برجل راكع فأعطاني خاتمه. قال: فاذهب فأرني. قال: فذهبنا فإذا علي قائم، فقال: هذا، فنزلت: * (إنما وليكم الله ورسوله) * الآية. الثاني والعشرون: الحافظ أبو نعيم بإسناده يرفعه إلى عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس (رضي الله عنه) عن قول الله تعالى: * (إنما وليكم الله ورسوله) *. نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام. الثالث والعشرون: الحافظ أبو نعيم بإسناده يرفعه إلى موسى بن قيس الحضرمي عن سلمة بن كهيل قال: تصدق علي عليه السلام بخاتمه وهو راكع، فنزلت: * (إنما وليكم الله ورسوله) * الآية. الرابع والعشرون: الحافظ أبو نعيم يرفعه إلى عوف بن عبيد بن أبي رافع عن أبيه عن جده قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله وهو نائم إذ يوحى إليه، وإذا حية في جنب البيت فكرهت أن أقتلها وأوقظه، فاضطجعت بينه وبين الحية فإن كان شئ كان في دونه، فاستيقظ وهو يتلو هذه الآية * (إنما وليكم الله ورسوله) *، قال: الحمد لله فإني إلى جانبه فقال: لما اضطجعت هاهنا؟ قلت: لمكان هذه الحية. قال: قم إليها فاقتلها، فقتلتها، ثم أخذ بيدي فقال: يا أبا رافع سيكون بعدي قوم يقاتلون عليا، حق على الله جهادهم فمن لم يستطع جهادهم بيده فبلسانه فمن لم يستطع بلسانه فبقلبه ليس وراء ذلك. قال ابن شهرآشوب في كتاب الفضائل في باب النصوص على إمامة أمير المؤمنين عليه السلام في فصل قوله تعالى: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * الآية. قال: أجمعت الأمة إن هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام، وسيأتي إن شاء الله تعالى مزيد في ذلك في الباب الآتي. الحديث الأول: محمد بن يعقوب عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن أحمد بن محمد بن الحسن بن محمد الهاشمي عن أبيه عن أحمد بن عيسى عن أبي عبد الله عليه السلام في قول الله عز وجل: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) *. قال: إنما يعني أولى بكم، أي أحق بكم وبأموركم وأنفسكم وأموالكم من الله ورسوله، (والذين آمنوا)، يعني عليا وأولاده الأئمة عليهم السلام إلى يوم القيامة، ثم وصفهم الله عز وجل فقال: * (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) *. وكان علي أمير المؤمنين عليه السلام في صلاة الظهر وقد صلى ركعتين وهو راكع، وعليه حلة قيمتها ألف دينار، وكان النبي صلى الله عليه وآله كساه إياها، وكان النجاشي أهداها له، فجاء سائل فقال: السلام عليك يا ولي الله وأولى بالمؤمنين من أنفسهم تصدق على مسكين، فطرح الحلة إليه وأومأ بيده أن احملها، فأنزل الله عز وجل فيه هذه الآية، وصير نعمة أولاده بنعمته فكل من بلغ من أولاده مبلغ الإمامة يكون بهذه النعمة مثله فيتصدقون وهم راكعون، والسائل الذي سأل أمير المؤمنين من الملائكة والذين يسألون الأئمة من أولاده يكونون من الملائكة. الثاني: محمد بن يعقوب عن الحسين بن محمد عن معلى بن محمد عن أحمد بن محمد عن الحسن بن محمد الهاشمي قال: حدثني أبي عن أحمد بن عيسى قال: حدثني جعفر عن أبيه عن جده علي عليهم السلام في قوله عز وجل: * (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) *. قال: لما نزلت: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) *، أجتمع نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد المدينة فقال بعضهم لبعض: ما تقولون في هذه الآية؟ فقال بعضهم: إن كفرنا بهذه الآية نكفر بسايرها وإن آمنا فهذا ذل حين يسلط علينا ابن أبي طالب، فقالوا: قد علمنا إن محمدا صلى الله عليه وآله صادق فيما يقول ولكن نتولاه ولا نطيع عليا فيما أمرنا. فنزلت هذه الآية: * (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) *، يعني ولاية علي بن أبي طالب وأكثرهم الكافرون بالولاية. الثالث: محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن محمد بن عبد الله عن عبد الوهاب بن بشير عن موسى بن قادم عن سليمان عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سألته عن قول الله عز وجل: * (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * قال: إن الله أعظم وأعز وأجل وأمنع من أن يظلم ولكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته حيث يقول: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) * يعني الأئمة منا، ثم قال: في موضع آخر: * (وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * ثم ذكر مثله. الرابع: محمد بن يعقوب بإسناده عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن الحسين بن أبي العلاء قال: ذكرت لأبي عبد الله عليه السلام قولنا في الأوصياء إن طاعتهم مفترضة قال: فقال: " نعم هم الذين قال الله: * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) *، وهم الذين قال الله عز وجل: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) *. الخامس: محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن زرارة والفضيل بن يسار وبكير بن أعين ومحمد بن مسلم وبريد بن معاوية وأبي الجارود جميعا عن أبي جعفر عليه السلام قال: أمر الله عز وجل رسوله بولاية علي وأنزل عليه * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) *، وفرض ولاية أولي الأمر فلم يدروا ما هي، فأمر الله محمدا صلى الله عليه وآله أن يفسر لهم الولاية كما فسر الصلاة والزكاة والصوم والحج، فلما أتاه ذلك من الله، ضاق بذلك صدر رسول الله صلى الله عليه وآله وتخوف أن يرتدوا عن دينهم وأن يكذبوه فضاق صدره وراجع ربه عز وجل، فأوحى الله عز وجل إليه * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) * فصدع بأمر الله تعالى ذكره، فقام بولاية علي عليه السلام يوم غدير خم فنادى الصلاة جامعة وأمر الناس أن يبلغ الشاهد منهم الغائب، قال عمر بن أذينة: قالوا جميعا غير أبي الجارود: قال أبو جعفر عليه السلام: وكانت الفريضة تنزل بعد الفريضة الأخرى وكانت الولاية آخر الفرائض فأنزل الله عز وجل * (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي) *، قال أبو جعفر عليه السلام: يقول الله عز وجل: لا أنزل عليكم بعد هذه فريضة قد أكملت لكم الفرائض. السادس: ابن بابويه قال: حدثنا علي بن حاتم (رضي الله عنه) قال: حدثنا أحمد بن محمد بن سعيد الهمداني قال: حدثنا جعفر بن عبد الله المحمدي قال: حدثنا كثير بن عياش عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عز وجل: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) *. قال: إن رهطا من اليهود أسلموا منهم عبد الله بن سلام وأسد وثعلبة وابن يامين وابن صوريا فأتوا النبي صلى الله عليه وآله فقالوا: يا نبي الله إن موسى عليه السلام أوصى إلى يوشع بن نون فمن وصيك يا رسول الله ومن ولينا بعدك؟ فنزلت هذه الآية: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قوموا فقاموا وأتوا المسجد فإذا سائل خارج فقال: يا سائل أما أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم، هذا الخاتم. قال: من أعطاكه؟ قال: أعطانيه ذلك الرجل الذي يصلي. قال: على أي حال أعطاك؟ قال: كان راكعا فكبر النبي صلى الله عليه وآله وكبر أهل المسجد. فقال النبي صلى الله عليه وآله: " علي وليكم بعدي، قالوا رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبعلي بن أبي طالب وليا، فأنزل الله عز وجل: * (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) *، فروي عن عمر بن الخطاب أنه قال: والله لقد تصدقت بأربعين خاتما وأنا راكع لينزل في ما نزل في علي بن أبي طالب فما نزل. السابع: علي بن إبراهيم في تفسيره قال: حدثني أبي عن صفوان عن أبان بن عثمان عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينا رسول الله جالس وعنده قوم من اليهود فيهم عبد الله بن سلام إذ نزلت عليه هذه الآية، فخرج رسول الله إلى المسجد، فاستقبله سائل فقال: هل أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم، ذلك المصلي. فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا هو علي عليه السلام. الثامن: الشيخ المفيد في الإختصاص عن أحمد بن محمد بن عيسى [ عن محمد بن خالد البرقي ] عن القاسم بن محمد الجوهري عن الحسن بن أبي العلاء قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام الأوصياء طاعتهم مفترضة؟ فقال: نعم هم الذين قال الله * (وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * وهم الذين قال الله * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) *. التاسع: الشيخ الطوسي في أماليه قال: حدثنا محمد بن محمد يعني المفيد قال: حدثني أبو الحسن علي بن محمد الكاتب قال: حدثني الحسن بن علي الزعفراني قال: حدثني أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الثقفي قال: حدثنا محمد بن علي قال: حدثنا العباس بن عبد الله العنبري عن عبد الرحمن بن الأسود الكندي اليشكري عن عون بن عبيد الله عن أبيه عن جده أبي رافع قال: دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله يوما وهو نائم وحية في جانب البيت، فكرهت أن أقتلها فأوقظ النبي صلى الله عليه وآله، وظننت أنه يوحى إليه، فاضطجعت بينه وبين الحية فقلت إن كان منها سوء كان إلي دونه فمكثت هنيئة، فاستيقظ النبي صلى الله عليه وآله وهو يقرأ: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) *. حتى أتى على آخر الآية ثم قال: الحمد لله الذي أتم لعلي نعمته وهنيئا له بفضل الله الذي أتاه، ثم قال لي: ما لك ههنا فأخبرته بخبر الحية، فقال لي: أقتلها، ففعلت ثم قال: يا أبا رافع كيف أنت وقوم يقاتلون عليا وهو على الحق وهم على الباطل، جهادهم حق لله عز اسمه فمن لم يستطع فبقلبه ليس وراءه شئ. فقلت: يا رسول الله أدع الله لي إن أدركتهم أن يقويني على قتالهم، قال: فدعا النبي صلى الله عليه وآله وقال: إن لكل نبي أمينا وإن أميني أبو رافع. قال: فلما بايع الناس عليا بعد عثمان وسار طلحة والزبير ذكرت قول النبي صلى الله عليه وآله فبعت داري بالمدينة وأرضا لي بخيبر، وخرجت بنفسي وولدي مع أمير المؤمنين عليه السلام لأستشهد بين يديه، فلم أزل معه حتى عاد من البصرة وخرجت معه إلى صفين فقاتلت بين يديه بها وبالنهروان أيضا، ولم أزل معه حتى استشهد علي عليه السلام، فرجعت إلى المدينة وليس لي بها دار ولا أرض، فأقطعني الحسن بن علي عليه السلام أرضا بينبع وقسم لي شطر دار أمير المؤمنين عليه السلام فنزلتها وعيالي. العاشر: أبو النصر محمد بن مسعود العياشي في تفسيره بإسناده عن الحسن بن زيد عن أبيه زيد ابن الحسن عن جده قال: سمعت عمار بن ياسر يقول وقف لعلي بن أبي طالب سائل وهو راكع في صلاة تطوع، فنزع خاتمه فأعطاه السائل، فأتى رسول الله فأعلمه بذلك، فنزل على النبي صلى الله عليه وآله هذه الآية * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * إلى آخر الآية، فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله علينا ثم قال: من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه. الحادي عشر: العياشي بإسناده عن ابن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: أعرض عليك ديني الذي أدين الله به. قال: هاته. قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، وأقر بما جاء به من عند الله، ثم وصفت له الأئمة حتى انتهيت إلى أبي جعفر عليه السلام قلت: وأقول فيك ما أقول فيهم. فقال: أنهاك أن تذهب باسمي في الناس. قال أبان: قال ابن أبي يعفور: قلت له: مع الكلام الأول وأزعم أنهم الذين قال الله في القرآن * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) *. فقال أبو عبد الله عليه السلام: والآية الأخرى. قال: قلت له: جعلت فداك أي آية؟ قال: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) *. قال: فقال: رحمك الله. قال: قلت: تقول رحمك الله على هذا الأمر؟ فقال: رحمك الله على هذا الأمر. الثاني عشر: العياشي بإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وآله جالس في بيته وعنده نفر من اليهود قال: خمسة من اليهود فيهم عبد الله بن سالم، فنزلت هذه الآية: * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * بهذا الفتى فتركهم رسول الله صلى الله عليه وآله في منزله وخرج إلى المسجد، فإذا بسائل قال له رسول الله صلى الله عليه وآله: أتصدق عليك [ أحد ] بشئ؟ قال: نعم، هو ذاك المصلي، فإذا هو علي عليه السلام. الثالث عشر: العياشي بإسناده عن المفضل بن صالح عن بعض أصحابه عن أحدهما قال:
غاية المرام - السيد هاشم البحراني - ج ٢ - الصفحة ٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
قال الحسن
بن سعيد قال: لي شريك بن عبد الله: فما أمسى - يعني الأعمش - حتى فارق الدنيا. الخامس: علي بن بابويه القمي أبو عبيد الله في الأحاديث الأربعين عن أربعين شيخا عن أربعين صحابيا قال: أخبرنا أبو علي الحسن بن أبي طالب هموسة الفرزادي المقري قال: حدثنا أبو الحسين يحيى بن الحسين بن إسماعيل الحسيني الحافظ إملاء، أنا أبو نصر أحمد بن مروان بن عبد الوهاب المقري المعروف بالخباز بقراءتي عليه، حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الله الطبري المقري العدل قراءة عليه وأنا أسمع، حدثنا القاضي أبو الحسين عمر بن الحسن بن مالك الشيباني، حدثنا إسحاق بن محمد بن أبان النخعي [ حدثنا يحيى ابن عبد الحميد الحماني، نا شريك بن عبد الله النخعي ] قال: كنا عند الأعمش في المرض الذي مات فيه فدخل عليه أبو حنيفة وابن أبي ليلى، فالتفت أبو حنيفة وكان أكبرهم وقال له: يا محمد اتق الله فإنك في أول يوم من أيام الآخرة وآخر يوم من أيام الدنيا، وقد كنت تحدث في علي بن أبي طالب بأحاديث لو سكت عنها لكان خيرا لك. قال: فقال الأعمش: لمثلي يقال هذا؟ أسندوني، حدثني أبو المتوكل الناجي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة قال الله عز وجل لي ولعلي بن أبي طالب: أدخلا النار من أبغضكما، وأدخلا الجنة من أحبكما، وذلك قوله تعالى * (ألقيا في جهنم في كفار عنيد) * قال: فقام أبو حنيفة وقال: قوموا لا يأتي بأطم من هذا. قال: فوالله ما جزنا بابه حتى مات الأعمش رحمه الله. السادس: شرف الدين النجفي قال: ذكر الشيخ في أماليه بإسناده عن رجاله عن الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله عز وجل ألقيا * (في جهنم كل كفار عنيد) * قال: نزلت في وفي علي بن أبي طالب عليه السلام، وذلك أنه إذا كان يوم القيامة شفعني ربي وشفعك يا علي، وكساني وكساك يا علي، ثم قال لي ولك يا علي: ألقيا في جهنم كل من أبغضكما، وأدخلا الجنة من أحبكما فإن ذلك هو المؤمن. السابع: شرف الدين النجفي قال روي بحذف الإسناد عن محمد بن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن قوله * (ألقيا في جهنم كل كفار عنيد) * فقال: إذا كان يوم القيامة وقف محمد وعلي صلوات الله عليه ما وآلهما على الصراط، فلا يجوز عليه إلا من كان معه براءة، قلت: وما براءة؟ قال: ولاية علي بن أبي طالب والأئمة من ولده عليهم السلام، وينادي مناد: يا محمد ويا علي ألقيا في جهنم كل كفار عنيد لعلي بن أبي طالب والأئمة من ولده. أبو الحسن الفقيه ابن المغازلي الشافعي في مناقبه قال: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله [ ابن أيوب ] المخرمي إملاء من كتابه. قال: حدثنا صالح بن مالك قال: حدثنا عبد الغفور قال: حدثنا أبو هاشم الرماني عن زاذان قال: رأيت عليا عليه السلام يمسك الشسوع بيده ثم يمر في الأسواق، فيناول الرجل الشسع ويرشد الضال ويعين الحمال على الحمولة ويقرأ هذه الآية * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) * ثم يقول: هذه الآية نزلت في الولاة وذوي القدرة من الناس. سعد بن عبد الله القمي في بصاير الدرجات قال: حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد ابن محمد بن أبي نصر عن هشام بن سالم عن سعد بن طريف عن أبي جعفر عليه السلام قال: كنا عنده ثمانية رجال فذكرنا رمضان فقال: لا تقولوا هذا رمضان ولا جاء رمضان وذهب رمضان، فإن رمضان اسم من أسماء الله، لا يجئ ولا يذهب، وإنما يجئ ويذهب الزائل، ولكن قولوا: شهر رمضان فالشهر المضاف إلى الاسم والاسم اسم الله، وهو الشهر الذي أنزل فيه القرآن، جعله مثلا في هذا المكان في الأصل لا يفعل الخروج في شهر رمضان لزيارة الأئمة صلوات الله عليه م وعيدا، ألا ومن خرج في شهر رمضان من بيته في سبيل الله، ونحن سبيل الله الذي من دخل فيه يطاف بالحصن، والحصن هو الإمام فيكبر عند رؤيته، كانت له يوم القيامة صخرة في ميزانه أثقل من السماوات السبع والأرضين السبع وما فيهن وما بينهن وما تحتهن، قلت: يا أبا جعفر وما الميزان؟ فقال: إنك قد ازددت قوة ونظرا، يا سعد، رسول الله صلى الله عليه وآله الصخرة ونحن الميزان، وذلك قول الله عز وجل في الإمام ليقوم الناس بالقسط قال: ومن كبر بين يدي الإمام وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له كتب الله له رضوانه الأكبر ومن كتب له رضوانه الأكبر يجب أن يجمع بينه وبين إبراهيم ومحمد عليهما السلام والمرسلين في دار الجلال، قلت: وما دار الجلال؟ قال: نحن الدار وذلك قول الله عز وجل * (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) * نحن العاقبة يا سعد، وأما مودتنا للمتقين فقول الله عز وجل * (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام) * فنحن جلال الله وكرامته التي أكرم الله تبارك وتعالى العباد بطاعتنا. الأول: الثعلبي في تفسير قوله تعالى: (الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب) قال: روى معاوية بن قرة عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: طوبى شجرة غرسها الله بيده ونفخ فيها من روحه، تنبت بالحلي والحلل، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة. الثاني: الثعلبي قال: قال غندر بن عمير: هي شجرة في جنة عدن أصلها في دار النبي صلى الله عليه وآله، وفي كل دار وغرفة غصن منها، لم يخلق الله لونا ولا زهرة إلا وفيها منها إلا السواد، ولم يخلق الله فاكهة ولا ثمرة إلا وفيها منها، ينبع من أصلها عينان: الكافور والسلسبيل، وبه قال مقاتل، كل ورقة [ منها ] تظل أمة، عليها ملك يسبح بأنواع التسبيح. الثالث: الثعلبي قال: أخبرني عبد الله بن محمد بن عبد الله بن محمد، حدثنا محمد بن عثمان ابن الحسن، حدثنا محمد بن الحسين بن صالح قال: حدثنا علي بن محمد الدهان والحسين بن إبراهيم الجصاص قالا: حدثنا الحسين بن الحكم، حدثنا حسن بن حسين عن حيان عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: طوبى لهم، قال: شجرة أصلها في دار علي عليه السلام في الجنة، وفي كل دار مؤمن منها غصن يقال له طوبى، وحسن مآب حسن المرجع. الرابع: الثعلبي عن أبي صالح، أخبرنا عبد الله بن سواد، حدثنا جندل بن والق النعماني، حدثنا إسماعيل بن أمية القرشي عن داود بن عبد الجبار عن جابر بن أبي جعفر قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وآله عن قوله * (طوبى لهم وحسن مآب) * فقال: شجرة في الجنة أصلها في داري وفرعها على أهل الجنة، فقيل له: يا رسول الله سألناك عنها فقلت شجرة في الجنة أصلها في دار علي وفرعها على أهل الجنة فقال: إن داري ودار علي واحدة غدا في مكان واحد. الخامس: محمد بن سيرين في قوله تعالى * (طوبى لهم) * قال: هي شجرة في الجنة أصلها في حجرة علي، وليس في الجنة حجرة إلا وفيها غصن من أغصانها. الأول: علي بن إبراهيم عن أبيه عن محمد بن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله في عليه السلام حديث الإسراء بالنبي صلى الله عليه وآله: قال: فيما رأى ليلة الإسراء قال: فإذا شجرة لو أرسل طائر في أصلها ما دارها تسعمائة سنة، وليس في الجنة منزل إلا وفيه غصن منها، فقلت: ما هذه يا جبرائيل؟ فقال: هذه شجرة طوبى، قال الله تعالى * (طوبى لهم وحسن مآب) *. الثاني: ابن بابويه قال: حدثنا المظفر بن جعفر بن المظفر العلوي رضي الله عنه قال: حدثنا جعفر بن محمد بن مسعود عن أبيه محمد بن مسعود العياشي عن جعفر بن أحمد عن العمركي البوفكي عن الحسن بن علي بن فضال عن مروان بن سالم عن أبي بصير قال: قال الصادق عليه السلام: طوبى لمن تمسك بأمرنا في غيبة قائمنا، ولم يزغ قلبه بعد الهداية، فقلت له: جعلت فداك وما طوبى؟ قال: شجرة في الجنة أصلها في دار علي بن أبي طالب وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن من أغصانها وذلك قول الله عز وجل * (طوبى لهم وحسن مآب) *. الثالث: محمد بن يعقوب عن عدة من أصحابنا عن أحمد بن محمد بن خالد عن أبيه عن عبد الله بن القاسم عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: إن لأهل الدين علامات يعرفون بها: صدق الحديث وأداء الأمانة ووفاء العهد وصلة الأرحام ورحمة الضعفاء وقلة المراقبة للنساء، أو قال قلة المواتاة للنساء، وبذل المعروف وحسن الخلق وسعة الخلق واتباع العلم وما يقرب إلى الله عز وجل زلفى. * (طوبى لهم وحسن مآب) * وطوبى شجرة في الجنة أصلها في دار النبي صلى الله عليه وآله، وليس من مؤمن إلا وفي داره غصن منها، لا يخطر على قلبه شهوة إلا أتاه به ذلك، فلو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منه، ولو طار من أسفلها غراب ما بلغ أعلاها حتى يسقط هرما، ألا ففي هذا فارغبوا، إن المؤمن من نفسه في شغل والناس منه في راحة، إذا جن عليه الليل افترش وجهه وسجد لله عز وجل بمكارم بدنه، يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته، ألا فهكذا كونوا. الرابع: ابن بابويه في أماليه قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن إدريس قال: حدثنا أبي عن أحمد ابن محمد بن عيسى عن أبيه عن عبد الله بن القاسم عن أبيه عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام عن آبائه قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام، مثل الحديث السابق إلا أن فيه: وقلة مواتاة النساء، وساق الحديث بتغيير يسير في بعض الألفاظ مما يحضرني من نسخة الكتاب، وهو في المجلس التاسع والثلاثين. الخامس: العياشي بإسناده عن أبي حمزة عن أبي جعفر عليه السلام قال طوبى هي شجرة في الجنة غرسها ربنا بيده. السادس: العياشي بإسناده عن أبي قتيبة تميم بن ثابت عن ابن سيرين في قوله طوبى لهم وحسن مآب قال: طوبى شجرة في الجنة، أصلها في حجرة علي، وليس في الجنة حجرة إلا فيها غصن من أغصانها. السابع: العياشي بإسناده عن أبي بصير عن أبي عبد الله عليه السلام قال: إن المؤمن إذا لقي أخاه وتصافحا لم تزل الذنوب تتحات عنهما ما داما متصافحين كحتات الورق عن الشجر، فإذا افترقا قال ملكاهما: جزاكما الله خيرا عن أنفسكما، فإذا التزم كل واحد منهما صاحبه نادى مناد: طوبى لكما وحسن مآب، وطوبى شجرة في الجنة أصلها في دار أمير المؤمنين وفرعها في منازل أهل الجنة، فإذا افترقا ناداهما ملكان كريمان: أبشرا يا وليي الله بكرامة الله والجنة من ورائكما. الثامن: العياشي عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها: صدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وقلة العجز والبخل وصلة الأرحام ورحمة الضعفاء وقلة المواتات للنساء وبذل المعروف وحسن الخلق وسعة الحلم واتباع العلم فيما يقرب إلى الله زلفى لهم، وطوبى لهم وحسن مآب. وطوبى شجرة في الجنة أصلها في دار رسول الله صلى الله عليه وآله، فليس من مؤمن إلا وفي داره غصن من أغصانها، لا ينوي في قلبه شيئا إلا أتاه ذلك الغصن، ولو أن راكبا مجدا سار في ظلها مائة عام ما خرج منها، ولو أن غرابا طار من أصلها ما بلغ أعلاها حتى يبياض هرما، ألا ففي هذا فارغبوا، إن للمؤمن في نفسه شغلا، والناس منه في راحة، إذا جن عليه الليل فرش وجهه وسجد لله بمكارم بدنه يناجي الذي خلقه في فكاك رقبته، ألا فهكذا فكونوا. التاسع: في كتاب صفة الجنة والنار بالإسناد عن عوف عن جابر عن أبي جعفر عليه السلام عن النبي في قول الله تبارك وتعالى * (طوبى لهم وحسن مآب) * يعني وحسن مرجع، فأما طوبى فإنها شجرة في الجنة ساقها في دار محمد صلى الله عليه وآله، ولو أن طائرا طار من ساقها لم يبلغ فرعها حتى يقتله الهرم، على كل ورقة منها ملك يذكر الله، وليس في الجنة دار إلا وفيها غصن من أغصانها، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة، يحمل لهم ما يشاؤون من حليها وحللها وثمارها، لا يؤخذ منها شئ إلا أعاده الله كما كان بأنهم كسبوا طيبا وأنفقوا قصدا وقدموا فضلا، فقد أفلحوا وأنجحوا. العاشر: ابن بابويه بإسناده عن الأصبغ بن نباتة قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وذكر حروف تفسير أبجد إلى آخرها. فقال: فأما الطاء فطوبى لهم وحسن مآب، وهي شجرة غرسها الله عز وجل ونفخ فيها من روحه، وإن أغصانها لترى من وراء سور الجنة تنبت الحلي والحلل متدلية على أفواههم. الحادي عشر: ابن الفارسي في روضة الواعظين قال: قال ابن عباس: طوبى لهم وحسن مآب، طوبى شجرة في الجنة في دار علي، ما في الجنة دار إلا وفيها غصن من أغصانها، ما خلق الله من شئ إلا وهو تحت طوبى، وتحتها مجمع أهل الجنة يذكرون نعمة الله عليهم، لما تحت طوبى من كثبان المسك أكثر مما تحت شجر الدنيا من الرمل. الأول: ابن المغازلي الشافعي في مناقبه قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن عبد الوهاب إجازة، أخبرنا أبو أحمد عمر بن عبيد الله بن شوذب، أخبرنا محمد بن عثمان قال: حدثني محمد بن سليمان بن الحارث قال: حدثنا محمد بن علي بن خلف العطار قال: حدثنا حسين الأشقر قال:
غاية المرام - السيد هاشم البحراني - ج ٤ - الصفحة ٠. — غير محدد
وعن حبة بن جوين عنه عليه السلام قال
" عبدت الله مع رسول الله صلى الله عليه وسلم سبع سنين قبل أن يعبده أحد من هذه الأمة ". وأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ: " اللهم إنك تعلم أن لم يعبدك أحد من هذه الأمة بعد نبيها صلى الله عليه وسلم قبلي، ولقد عبدتك قبل أن يعبدك أحد من هذه الأمة بست سنين ". وقال العباس لابن مسعود عندما رأى علي وخديجة يصلون: " ما على وجه الأرض أحد يعبد الله تعالى بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة ".
غاية المرام - السيد هاشم البحراني - ج ٥ - الصفحة ٠. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الخرائج والجرائح - قطب الدين الراوندي - ج ١ - الصفحة ٤٥٢. — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
-عن علي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال (المهديّ رجل من عترتي يقاتل على سنّتي كما قاتلت أنا على الوحي). -عن محمد بن علي أنه سمع علي بن أبي طالب عليه السّلام يقول: قال رسول الله
صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: (أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبيّاء، فقلنا: يا رسول الله، ما هو؟قال: نصرت بالرعب، و أعطيت مفاتيح الأرض و سمّيت أحمد، و جعل التراب لي طهورا، و جعلت أمّتي خير الأمم). -روى الطبرسي حديثا عن أمير المؤمنين عليه السّلام يذكر فيه من تقدم عليه، فقال عليه السّلام: (مثل ما أتوه من الاستيلاء على أمر الأمّة، كلّ ذلك لتتمّ النّظرة الّتي أوجبها الله تبارك و تعالى لعدوّه إبليس إلى أن يبلغ الكتاب أجله، و يحقّ القول على الكافرين، و يقترب الوعد الحقّ الذي بيّنه الله في كتابه بقوله وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، و ذلك إذا لم يبق من الإسلام إلاّ اسمه، و من القرآن إلاّ رسمه، و غاب صاحب الأمر بإيضاح العذر له في ذلك، لاشتمال غ الفتنة على القلوب، حتّى يكون أقرب النّاس إليه أشدّهّم عداوة له، و عند ذلك يؤيّده الله بجنود لم يروها، و يظهر دين نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم علي يديه، على الدّين كلّه، و لو كره المشركون). -عن جابر بن عبد الله قال: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام و هو خارج من الكوفة فتتبعته من ورائه، حتى إذا صار إلى جبانة اليهود، فوقف في وسطها و نادى: (يهود، فأجابوه من جوف القبور، لبيك لبيك ملطايخ يعنون بذلك يا سيدنا فقال: كيف ترون العذاب فقالوا: بعصياننا لك كهارون، فنحن و من عصاك في العذاب إلى يوم القيامة ثم صاح صيحة كادت السماوات أن ينقلبن، فوقعت مغشيا على وجهي من هول ما رأيت، فلما أفقت رأيت أمير المؤمنين عليه السّلام على سرير من ياقوتة حمراء، على رأسه أكليل من الجوهر، و عليه حلل خضر و صفر و وجهه كدائرة القمر فقلت: يا سيدي هذا ملك عظيم؟قال عليه السّلام: نعم يا جابر إن ملكنا أعظم من ملك سليمان بن داود، و سلطاننا أعظم من سلطانه ثم رجع و دخلنا الكوفة و دخلت خلفه إلى المسجد... فجعل يخطو خطوات و هو يقول: لا و الله لا فعلت، لا و الله لا كان ذلك أبدا، فقلت: يا مولاي لمن تكلم، و لمن تخاطب، و ليس أرى أحدا. فقال: يا جابر كشف لي عن برهوت فرأيت سنبوبة و حبتر و هما يعذبان في جوف تابوت في برهوت، فنادياني يا أبا الحسن، يا أمير المؤمنين ردّنا إلى الدنيا نقرّ بفضلك و نقرّ بالولاية لك، فقلت: لا و الله لا كان ذلك أبدا، ثم قرأ هذه الآية وَ لَوْ رُدُّوا لَعََادُوا لِمََا نُهُوا عَنْهُ وَ إِنَّهُمْ لَكََاذِبُونَ يا جابر و ما أحد خالف وصيّ نبيّ إلا حشره الله يتكبكب في عرصات القيامة). -عن سلمان الفارسي قال: كنت أنا و الحسن و الحسين و محمد ابن الحنفية و محمد بن أبي بكر و عمار بن ياسر و المقداد بن الأسواد الكندي رضي الله عنهم عند علي أمير المؤمنين عليه السّلام فقال له ابنه الحسن عليه السّلام: (يا أمير المؤمنين إن سليمان ابن داود عليه السّلام سأل ربّه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده فأعطاه ذلك. فهل ملكت ممّا ملك سليمان بن داود شيئا؟ فقال عليه السّلام: و الذي فلق الحبة و برأ النسمة إنّ سليمان بن داود سأل الله عزّ و جلّ الملك فأعطاه، و إنّ أباك ملك ما لم يملكه بعد جدّك رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أحد قبله و لا يملكه أحد بعده). -عن أمير المؤمنين عليه السّلام-من حديث طويل-قال فيه: (... كلّ ذلك لتتمّ النّظرة التي أوحاها الله تعالى لعدوّه إبليس، إلى أن يبلغ الكتاب أجله، و يحقّ القول على الكافرين و يقترب الوعد الحقّ، الّذي بيّنه في كتابه بقوله: وَعَدَ اَللََّهُ اَلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا اَلصََّالِحََاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي اَلْأَرْضِ كَمَا اِسْتَخْلَفَ اَلَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ. و ذلك إذا لم يبق من الإسلام إلاّ اسمه، و من القرآن إلا رسمه و غاب صاحب الأمر بإيضاح الغدر في ذلك، لاشتمال الفتنة على القلوب حتّى يكون أقرب النّاس إليه أشدّهم عداوة له، و عند ذلك يؤيّده الله بجنود لم تروها، و يظهر دين نبيّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم على يديه على الدّين كلّه، و لو كره المشركون). -عن الحسن بن علي بن أبى طالب، عن أبيه صلوات الله عليهما قال: (يبعث الله رجلا في آخر الزمان، و كلب من الدهر و جهل من النّاس يؤيّده الله بملائكته، و يعصم أنصاره، و ينصره بآياته، و يظهره على الأرض حتّى يدينوا طوعا أو كرها، يملاء الأرض عدلا و قسطا و نورا و برهانا، يدين له عرض البلاد و طولها لا يبقى كافر إلا آمن، و لا طالح إلا صلح، و تصطلح في ملكه السّباع، و تخرج الأرض نبتها، و تنزل السماء بركتها و تظهر له الكنوز، يملك ما بين الخافقين أربعين عاما فطوبى لمن أدرك أيامه و سمع كلامه). -مسندا إلى الحسين بن علي، عن أبيه علي بن أبي طالب عليهما السّلام في قصة المعراج قال: قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: (فنظرت-و أنا بين يدي ربّي-إلى ساق العرش فرأيت اثني عشر نورا، في كلّ نور سطر أخضر مكتوب عليه اسم كلّ وصيّ من أوصيائي، أولهم عليّ بن أبي طالب و أخرهم مهديّ أمّتي، فقلت: يا ربّ أهؤلاء أوصيائي من بعدي؟ فنوديت يا محمّد هؤلاء أوليائي و أحبائي و أصفيائي، و حججي بعدك على بريّتي، و هم أوصياؤك و خلفاؤك و خير خلقي بعدك، و عزتي و جلالي لأظهرنّ بهم ديني، و لأعلينّ بهم كلمتي، و لأطهرنّ الأرض بآخرهم من أعدائي، و لأملّكنّه مشارق الأرض و مغاربها، و لأسخرنّ له الرياح و لأذللنّ له الرقاب الصعاب و لأرقينّه في الأسباب، و لأنصرنّه بجندي، و لأمدنّه بملائكتي حتّى يعلن دعوتي و يجمع الخلق على توحيدي. ثمّ لأديمنّ ملكه و لأدوالنّ الأيام بين أوليائي إلى يوم القيامة). -عن عناية بن ربعي انه سمع أمير المؤمنين عليه السّلام يقرأ: ( هُوَ اَلَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدىََ وَ دِينِ اَلْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى اَلدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ اَلْمُشْرِكُونَ ف[سئل الإمام علي]أظهر ذلك بعد؟قالوا: نعم. قال: كلاّ و الّذي نفسي بيده، حتّى لا تبقى قرية إلاّ و ينادى فيها بشهادة أن لا إله إلاّ الله، محمدا رسول الله، بكرة و عشيّا). -عن سيد الشهداء الحسين بن علي، عن سيد الأوصياء أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام قال: قال رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: (الأئمّة بعدي اثنا عشر أوّلهم أنت يا عليّ و آخرهم القائم الّذي يفتح الله عزّ و جلّ على يديه مشارق الأرض و مغاربها). -و من الأبيات المنسوبة للإمام علي عليه السّلام أنه قال: فللّه درّه من إمام صميدع # و يرغم أنف المشركين الغواشم و يظهر هذا الدّين في كلّ بقعة # يذلّ جيوش المشركين بصارم فياويل أهل الشّرك من سطوة القنا # و يا ويل كلّ الويل لمن كان ظالم ينقّي بساط الأرض من كلّ آفة # و يرغم فيها كلّ من كان غاشم و يأمر بمعروف و ينهى عن منكر # و يطلع نجم الحقّ بالحقّ قائم و ينشر بساط العدل شرقا و مغربا # و ينصر لدين الله و الحقّ عالم و ما قلت هذا القول فخرا و إنّما # قد أخبرني المختار من آل هاشم -روي مسندا عن الحسين بن علي عليه السّلام قال: خطب أبي أمير المؤمنين عليه السّلام يوما بجامع الكوفة خطبة بليغة، في مدح رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و جاء في أخرها قوله: (فنحن أنوار السّماء و أنوار الأرض و سفن النجاة و فينا مكنون العلم، و إلينا مصير الأمور، و بمهديّنا تنقطع الحجج فهو خاتم الأئمّة، و منقذ الأمّة، و منتهى النّور، فليهنأ من تمسّك بعروتنا، و حشر على محبتنا). -عن عمر بن علي عن علي عن النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: (بنا يختم الدّين كما بنا فتح، و بنا يستنقذون من الشّرك، و قال أحدهما: من الضّلالة، و بنا يؤلف الله بين قلوبهم بعد عداوة الشّرك، و قال أحدهما: الضّلالة و الفتنة). -عن الحارث بن نوفل قال: قال علي عليه السّلام لرسول الله: (يا رسول الله أمنّا الهداة أو من غيرنا؟قال: -و فيه: بل منّا الهداة إلى يوم القيامة، بنا استنقذهم الله من ضلالة الشّرك، و بنا استنقذهم الله من ضلالة الفتنة، و بنا يصبحون إخوانا بعد ضلالة الفتنة، كما أصبحوا إخوانا بعد ضلالة الشّرك، و بنا يختم الله كما بنا فتح الله). -عن علي بن حوشب سمع مكحولا يحدث عن علي بن أبي طالب عليه السّلام قال: (قلت يا رسول الله أمنا آل محمد المهدي أم من غيرنا؟فقال: لا بل منّا، بنا يختم الله به الدّين كما فتح الله بنا، و بنا ينقذون من الفتنة كما أنقذوا من الشّرك، و بنا يؤلّف الله بين قلوبهم بعد عداوة الفتنة إخوانا، كما ألف بين قلوبهم بعد عداوة الشّرك، و بنا يصبحون بعد عداوة الفتنة إخوانا، كما اصبحوا بعد عداوة الشّرك إخوانا في دينهم). -عن أبي عبد الله عليه السّلام قال: حدثني أبي، عن جدي، عن آبائه عليهم السّلام أن أمير المؤمنين عليه السّلام علم أصحابه في مجلس واحد أربع مائة باب مما يصلح للمسلم في دينه و دنياه. قال عليه السّلام: (نحن باب الغوث إذا اتقوا و ضاقت عليهم المذاهب، و نحن باب حطة و هو باب السّلام من دخله نجا و من تخلّف عنه هوى، بنا يفتح الله، و بنا يختم الله، و بنا يمحو ما يشاء، و بنا يثبت، و بنا يدفع الله الزمان الكلب، و بنا ينزل الغيث، فلا يغرنّكم بالله الغرور، ما أنزلت السماء قطرة من ماء منذ حبسه الله عزّ و جلّ، و لو قد قام قائمنا لأنزلت السّماء قطرها، و لأخرجت الأرض نباتها و لذهبت الشّحناء من قلوب العباد، و اصطلحت السّباع و البهائم، حتى تمشي المرأة بين العراق إلى الشّام، لا تضع قدميها إلا على النبات، و على رأسها زنبيلها لا يهيجها سبع و لا تخافه. لو تعلمون ما لكم في مقامكم بين عدوّكم، و صبركم على ما تسمعون من الأذى لقرّت أعينكم، و لو فقدتموني لرأيتم من بعدي أمورا يتمنّى أحدكم الموت، مما يرى من أهل الجحود و العدوان، من أهل الأثرّة و الاستخفاف بحقّ الله تعالى ذكره و الخوف على نفسه، فإذا كان ذلك فاعتصموا بحبل الله جميعا و لا تفرّقوا، و عليكم بالصبر و الصّلاة و التّقيّة اعلموا أنّ الله تبارك و تعالى يبغض من عباده المتلوّن فلا تزولوا عن الحقّ، و ولاية أهل الحقّ فإنّ من استبدل بنا هلك وفاتته الدنيا و خرج منها بحسرة). -عن محمد بن عمر، بن علي، عن أبيه، عن جده عليه السّلام قال: لما نزلت على النبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: ( إِذََا جََاءَ نَصْرُ اَللََّهِ وَ اَلْفَتْحُ قال لي: يا علي إنّه قد جاء نصر الله و الفتح، فإذا رأيت النّاس يدخلون في دين الله أفواجا، فسبّح بحمد ربّك و استغفره إنه كان توّابا. يا عليّ إنّ الله كتب على المؤمنين الجهاد في الفتنة من بعدي، كما كتب عليهم جهاد المشركين معي، فقلت: يا رسول الله و ما الفتنة الّتي كتب علينا فيها الجهاد؟قال: فتنة قوم يشهدون أن لا إله إلا الله، و أنّي رسول الله[و هم]مخالفون لسنّتي و طاعنون في ديني. فقلت: فعلام نقاتلهم يا رسول الله و هم يشهدون: أن لا إله إلا الله و أنك رسول الله؟فقال: على احداثهم في دينهم و فراقهم لأمري و استحلالهم دماء عترتي. قال: فقلت: يا رسول الله إنّك كنت وعدتني الشهادة، فسل الله تعالى أن يعجلها[لي]، فقال: أجل، قد كنت وعدتك الشهادة، فكيف صبرك إذا خضبت هذه من هذا؟-و أومى إلى رأسي و لحيتي.. فقلت: يا رسول الله أما إذا بينت لي ما بينت فليس بموطن صبر، و لكنّه موطن بشرى و شكر، فقال: أجل، فأعد للخصومة، فإنّك مخاصم أمّتي. قلت: يا رسول الله أرشدني الفلج، قال: إذا رأيت قوما قد عدلوا عن الهدى إلى الضّلال فخاصمهم، فإنّ الهدى من الله، و الضّلال من الشّيطان. يا عليّ إنّ الهدى هو اتّباع أمر الله دون الهوى و الرأي، و كأنّك بقوم قد تأوّلوا القرآن، و أخذوا بالشّبهات، و استحلّوا الخمر بالنّبيذ و البخس بالزّكاة، و السّحت بالهديّة. قلت: يا رسول الله فما هم إذا فعلوا ذلك، أهم أهل ردة أم أهل فتنة؟قال: هم أهل فتنة يعمهون فيها إلى أن يدركهم العدل، فقلت: يا رسول الله[يدركهم]العدل منّا أم من غيرنا؟فقال: بل منّا، بنا يفتح الله، و بنا يختم، و بنا ألّف الله بين القلوب بعد الشّرك، و بنا يؤلف الله بين القلوب بعد الفتنة، فقلت: الحمد لله على ما وهب لنا من فضله). -عن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن علي عليه السّلام في تفسير قوله تعالى: ( وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوََارِثِينَ. قال: هم آل محمّد يبعث الله مهديّهم بعد جهدهم فيعزّهم و يذلّ عدوّهم). -قال أبو عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السّلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (لتعطفنّ علينا الدّنيا بعد شماسها عطف الضّروس على ولدها. ثمّ قرأ وَ نُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى اَلَّذِينَ اُسْتُضْعِفُوا فِي اَلْأَرْضِ وَ نَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَ نَجْعَلَهُمُ اَلْوََارِثِينَ ). -عن عباية الأسدي قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السّلام و هو مشتكى و أنا قائم عليه: (لأبنينّ بمصر منبرا، و لأنقضنّ دمشق حجرا حجرا و لأخرجنّ اليهود و النّصارى من كلّ كور العرب و لأسوقنّ العرب بعصاي هذه. قال: قلت له: يا أمير المؤمنين كأنك تخبر أنك تحيى بعد ما تموت؟فقال: هيهات يا عباية ذهبت في غير مذهب يفعله رجل منّي). -عن مكحول قال: قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام: (لقد علم المستحفظون من أصحاب النّبيّ محمد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، أنّه ليس فيهم رجل له منقبة إلاّ و قد شركته فيها و فضلته، ولي سبعون منقبة لم يشركني فيها أحد منهم. قلت: يا أمير المؤمنين فأخبرني بهنّ فقال عليه السّلام:... و أمّا الثّالثة سمعت عليا..، خصائص الأئمة 70، شرح نهج البلاغة 19/29، الحكمة 205. و الخمسون، فإنّ الله تبارك و تعالى لن يذهب بالدّنيا، حتّى يقوم منّا القائم يقتل مبغضينا، و لا يقبل الجزية، و يكسر الصّليب و الأصنام، و تضع الحرب أوزارها، و يدعو إلى أخذ المال فيقسمه بالسّويّة، و يعدل في الرّعيّة). -عن أبي عبد الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنه قال: إن عليا عليه السّلام قال: (كان لي أن أقتل المولّي، و أجهز على الجريح، و لكنّي تركت ذلك للعاقبة من أصحابي، إن جرحوا لم يقتلوا، و القائم له أن يقتل المولّي، و يجهز على الجريح). -عن محمد بن الحنفية أن علي بن أبي طالب عليه السّلام قال يوما في مجلسه: (و الله لقد علمت لتقتلنّني و لتخلفنّي، و لتكفّون إكفاء الإناء بما فيه ما يمنع أشقاكم أن يخضب هذه-يعني لحيته-بدم من فرد هذه-يعني هامته-فو الله إنّ ذلك لفي عهد رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إليّ. و ليدالنّ عليكم هؤلاء القوم باجتماعهم على أهل باطلهم، و تفرّقكم على أهل حقّكم، حتى يملكوا الزّمان الطويل، فيستحلّوا الدم الحرام و الفرج الحرام، و الخمر الحرام، و المال الحرام، فلا غ يبقى بيت من بيوت المسلمين إلا دخلت عليهم مظلمتهم، فيا ويح بني أميّة من ابن أمّتهم!يقتل زنديقهم، و يسير خليفتهم في الأسواق، فإذا كان كذلك ضرب الله بعضهم ببعض. و الّذي فلق الحبة و برأ النّسمة، لا يزال ملك بني أميّة ثابتا لهم حتّى يملك زنديقهم، فإذا قتلوه و ملك ابن أمتهم خمسة أشهر، ألقى الله بأسهم بينهم فيخربون بيوتهم بأيديهم و أيدي المؤمنين، و تعطّل الثغور و تهراق الدماء، و تقع الشحناء في العالم و الهرج سبعة أشهر، فإذا قتل زنديقهم فالويل ثمّ الويل للناس في ذلك الزمان!يسلّط بعض بني هاشم على بعض حتّى من الغيرة، تغير خمسة نفر على الملك، كما يتغاير الفتيان على المرأة الحسناء، فمنهم الهارب و المشؤوم، و منهم السناط الخليع يبايعه جلّ أهل الشام. ثمّ يسير إليه حماز الجزيرة من مدينة الأوثان، فيقاتله الخليع و يغلب على الخزائن، فيقاتله من دمشق إلى حران و يعمل عمل الجبابرة الأولى فيغضب الله من السّماء، لكلّ عمله فيبعث عليه فتى من قبل المشرق يدعو إلى أهل بيت النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، هم أصحاب الرايات السود المستضعفون فيعزّهم الله و ينزل عليهم النّصر، فلا يقاتلهم أحد إلا هزموه و يسير الجيش القحطانيّ حتّى يستخرجوا الخليفة و هو كاره، خائف فيسير معه تسعة آلاف من الملائكة، معه راية النصر، و فتى اليمن في نحر حماز الجزيرة على شاطىء نهر، فيلتقي هو و سّفاح بني هاشم، فيهزمون الحماز و يهزمون جيشه، و يغرقونهم في النّهر، فيسير الحماز حتى يبلغ حران، فيتبعونه فينهزم منهم، فيأخذ على المدائن التي في الشّام على شاطىء البحر، حتّى ينتهي البحرين. و يسير السّفاح و فتى اليمن حتّى ينزلوا دمشق، فيفتحوها أسرع من إلتماع البرق، و يهدموا سورها ثم يبني و يعمر، و يساعدهم عليها رجل من بني هاشم، اسمه أسم نبيّ فيفتحوها من الباب الشرقيّ، قبل أن يمضي من اليوم الثاني أربع ساعات، فيدخلها سبعون ألف سيف مسلول بأيدي أصحاب الرايات السود، شعارهم أمت أمت، أكثر قتلاها فيما يلي المشرق، و الفتى في طلب الحماز فيدركانه فيقتلانه من وراء البحرين من المعرتين و اليمن، و يكمل الله للخليفة سلطانه، ثمّ يثور سميان أحدهما بالشّام و الآخر، بمكة!فيهلك صاحب المسجد الحرام، و يقبل حتى يلقى جموعه جموع صاحب الشّام فيهزموه). -عن الهيثم بن عبد الرّحمن عمّن حدثه عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه قال: (المهديّ.. من أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم اسمه أسم نبيّ، و مهاجره بيت المقدس.. ). -عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن أمير المؤمنين عليه السّلام في خبر طويل ذكر فيه عدد من العلامات فقال: (.. فيتقدّم المهديّ من ذريتي، فيصلّي إلى قبلة جده رسول الله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و يسيرون جميعا إلى أن يأتوا بيت المقدس.. ). -عن الهيثم بن عبد الرحمن، حدثني من سمع عليا يقول: (يسير المهديّ حتّى ينزل بيت المقدس، و تنقل إليه الخزائن، و تدخل العرب و العجم، و أهل الغرب و الرّوم، و غيرهم في طاعته.. ). -عن علي عليه السّلام قال: (سيخرج تابوت السكينة من غار إنطاكية، و من بحيرة طبرية، فيوضع بين يديه-يعني المهدي-ببيت المقدس، فإذا نظر إليه اليهود اسلموا إلا قليلا). -عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السّلام في قصة المهدي قال: (و يتوجّه إلى الآفاق فلا تبقى مدينة وطئها ذو القرنين إلا دخلها و أصلحها، و لا يبقى جبّار إلا هلك على يديه، و يشفّ الله عزّ و جلّ قلوب أهل الإسلام، و يحمل حلىّ بيت المقدس.. ثمّ يتوجّه المهديّ من مدينة القاطع إلى القدس الشريف بألف مركب، فينزلون شام فلسطين بين عكّا و صور و غزّة و عسقلان، فيخرجون ما معهم من الأموال، و ينزل المهديّ بالقدس الشريف، و يقيم إلى أن يخرج الدجّال و ينزل عيسى ابن مريم عليه السّلام فيقتل الدّجّال).
علامات المهدي عليه السلام - — - الصفحة ٢٣٥. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
صلى الله عليه وآله
سيخرج قوم يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية . - اتي النبي ( صلى الله عليه وآله ) بمويل ، فقعد النبي ( صلى الله عليه وآله ) يقسمه ، فكان يأخذ منه بيده ثم يلتفت عن يمينه كأنه يخاطب رجلا ساعة ثم يعطيه من عنده ، وكانوا يرون أن الذي يخاطبه جبرئيل ، فأتاه رجل وهو على تلك الحال أسود طويل مشمر محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود فقال : يا محمد والله ما تعدل . فغضب النبي ( صلى الله عليه وآله ) حتى احمرت وجنتاه فقال : ويحك ! فمن يعدل إذا لم أعدل ؟ ! فقال أصحابه : ألا نضرب عنقه ؟ فقال : لا أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي ، إنه يخرج هذا في أمثاله وفي أشباهه ، وفي ضرباته يأتيهم الشيطان من قبل دينهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، لا يتعلقون من الإسلام بشئ . - إن رجلا أتى النبي ( صلى الله عليه وآله ) يوم حنين وهو يقسم تبرا فقال : يا محمد اعدل ، فقال : ويحك !
ميزان الحكمة — الجزء 1، صفحة 733 — رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
أيضا - : إن يكن الأمر على ما يقول هؤلاء - وهو على ما يقولون ( يعني أهل الطواف ) - فقد سلموا وعطبتم ، وإن يكن الأمر كما تقولون - وليس كما تقولون - فقد استويتم وهم . - دخل رجل من الزنادقة على الرضا ( عليه السلام ) وعنده جماعة ، فقال له أبو الحسن ( عليه السلام ) : أرأيت إن كان القول قولكم - وليس هو كما تقولون - ألسنا وإياكم شرعا سواء ، ولا يضرنا ما صلينا وصمنا وزكينا وأقررنا ؟ فسكت ، فقال أبو الحسن ( عليه السلام ) : إن يكن القول قولنا - وهو كما نقول - ألستم قد هلكتم ونجونا ؟
ميزان الحكمة — الجزء 1، صفحة 778 — الإمام جعفر الصادق عليه السلام
يا إسماعيل ! أرأيت فيما قبلكم إذا كان الرجل ليس له رداء وعند بعض إخوانه فضل رداء يطرحه عليه حتى يصيب رداء ؟ فقلت : لا ، قال : فإذا كان له إزار يرسل إلى بعض إخوانه بإزاره حتى يصيب إزارا ؟ فقلت : لا ، فضرب بيده على فخذه ثم قال : ما هؤلاء بإخوة . [ 2155 ] أصناف الشيعة
ميزان الحكمة — الجزء 2، صفحة 686 — الإمام محمد الباقر عليه السلام
وقد قيل له : هؤلاء يقولون : إن كسب المعلم سحت - : كذبوا أعداء الله ، إنما أرادوا أن لا يعلموا القرآن ، ولو أن المعلم أعطاه رجل دية ولده لكان للمعلم مباحا . [ 2862 ] الحث على التعلم
ميزان الحكمة — الجزء 3، صفحة 288 — الإمام جعفر الصادق عليه السلام
الناس في زماننا على ست طبقات : أسد ، وذئب ، وثعلب ، وكلب ، وخنزير ، وشاة : فأما الأسد فملوك الدنيا يحب كل واحد منهم أن يغلب ولا يغلب ، وأما الذئب فتجاركم يذمو [ ن ] إذا اشتروا ويمدحو [ ن ] إذا باعوا ، وأما الثعلب فهؤلاء الذين يأكلون بأديانهم ولا يكون في قلوبهم ما يصفون بألسنتهم ، وأما الكلب يهر على الناس بلسانه ويكرمه الناس من شر لسانه ، وأما الخنزير فهؤلاء المخنثون وأشباههم لا يدعون إلى فاحشة إلا أجابوا ، وأما الشاة فالمؤمنون ، الذين تجز شعورهم ويؤكل لحومهم ويكسر عظمهم ، فكيف تصنع الشاة بين أسد وذئب وثعلب وكلب وخنزير ؟ ! . - المسيح ( عليه السلام ) : يا عبيد السوء لا تكونوا شبيها بالحداء الخاطفة ، ولا بالثعالب الخادعة ، ولا بالذئاب الغادرة ، ولا بالأسد العاتية
ميزان الحكمة — الجزء 4، صفحة 643 — الإمام زين العابدين عليه السلام
لرجل قال له : أترى هذا الخلق كله من الناس ؟ - : ألق منهم التارك للسواك ، والمتربع في موضع الضيق ، والداخل فيما لا يعنيه ، والمماري فيما لاعلم له ، والمتمرض من غير علة ، والمتشعث من غير مصيبة ، والمخالف على أصحابه في الحق وقد اتفقوا عليه ، والمفتخر يفتخر بآبائه وهو خلو من صالح أعمالهم ، فهو بمنزلة الخلنج يقشر لحاء عن لحاء حتى يوصل إلى جوهريته ، وهو كما قال الله عز وجل : ( إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا ) . [ 3969 ] فضول الرجال - اتي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) وهو بالبصرة برجل يقام عليه الحد ، قال : فلما قربوا ونظر في وجوههم ، قال : فأقبل جماعة من الناس فقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : يا قنبر ! انظر ما هذه الجماعة ؟ قال : رجل يقام عليه الحد . قال : فلما قربوا ونظر في وجوههم قال : لا مرحبا بوجوه لا ترى إلا في كل سوء ، هؤلاء
ميزان الحكمة — الجزء 4، صفحة 647 — الإمام جعفر الصادق عليه السلام
للوصافي - : أرأيت من قبلكم إذا كان الرجل ليس عليه رداء ، وعند بعض إخوانه رداء يطرحه عليه ؟ قال : قلت : لا ، قال : فإذا كان ليس عنده إزار ، يوصل إليه بعض إخوانه بفضل إزاره حتى يجد له إزارا ؟ قال : قلت : لا ، قال : فضرب بيده على فخذه ثم قال : ما هؤلاء بإخوة
ميزان الحكمة — الجزء 4، صفحة 776 — الإمام محمد الباقر عليه السلام
الصفحة 266 قال: لو أنك أكلته لاقمت عليك الحد ولكن سأضربك ضربا فلا تعد فضربه حتى شغر ببوله . 0 10، 14 - 30 الحسين بن محمد، عن علي بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء قال: سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول
شتم رجل على عهد جعفر بن محمد (عليهما السلام) رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاتي به عامل المدينة فجمع الناس فدخل عليه أبوعبدالله (عليه السلام) وهو قريب العهد بالعلة وعليه رداء له مورد فأجلسه في صدر المجلس واستأذنه في الاتكاء وقال لهم: ما ترون؟ فقال له عبدالله ابن الحسن والحسن بن زيد وغيرهما: نرى أن يقطع لسانه فالتفت العامل إلى ربيعة الرأي وأصحابه فقال: ما ترون؟ فقال: يؤدب فقال له أبوعبدالله (عليه السلام): سبحان الله فليس بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين أصحابه فرق. 101، 14 - 31 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان الديلمي، عن هارون بن الجهم، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: اتي أميرالمؤمنين (عليه السلام) بقوم لصوص قد سرقوا فقطع أيديهم من نصف الكف وترك الابهام ولم يقطعها وأمرهم أن يدخلوا دار الضيافة وأمر بأيديهم أن تعالج فأطعمهم السمن والعسل واللحم حتى برئوا فدعاهم وقال: يا هؤلاء إن أيديكم قد سبقت إلى النار فإن تبتم وعلم الله منكم صدق النية تاب الله عليكم وجررتم أيديكم إلى الجنة وإن لم تقلعوا ولم تنتهوا عما أنتم عليه جرتكم أيديكم إلى النار. 102، 14 - 32 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن أسباط، عن علي بن جعفر قال: أخبرني أخي موسى (عليه السلام) قال: كنت واقفا على رأس أبي حين أتاه رسول زياد ابن عبيد الله الحارثي عامل المدينة قال: يقول لك الامير، انهض إلي فاعتل بعلة فعاد إليه الرسول فقال له: قد أمرت أن يفتح لك باب المقصورة فهو أقرب لخطوتك، قال: فنهض أبي واعتمد علي ودخل على الوالي وقد جمع فقهاء المدينة كلهم وبين يديه كتاب فيه شهادة على رجل من أهل وادي القرى فذكر النبي (صلى الله عليه وآله) فنال منه ، فقال له: الوالي
آية الولاية — النوادر — الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
الصفحة 424 ردوه، قال لهم عمر: أمرت به إلى السجن فرددتموه إلي؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين أمرنا علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن نرده إليك وسمعناك وأنت تقول: لا تعصوا لعلي (عليه السلام) أمرا فبيناهم كذلك إذ أقبل علي (عليه السلام) فقال
علي بأم الغلام فأتوا بها فقال علي (عليه السلام): يا غلام ما تقول؟ فأعاد الكلام فقال علي (عليه السلام) لعمر: أتأذن لي أن أقضي بينهم؟ فقال عمر: سبحان الله وكيف لا؟ وقد سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أعلمكم علي بن أبي طالب ثم قال للمرأة: يا هذه ألك شهود؟ قالت: نعم فتقدم الاربعون قسامة فشهدوا بالشهادة الاولى فقال علي (عليه السلام): لاقضين اليوم بقضية بينكما هي مرضاة الرب من فوق عرشه، علمنيها حبيبي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم قال لها: ألك ولي؟ قالت: نعم هؤلاء إخوتي فقال لاخوتها: أمري فيكم وفي اختكم جائز؟ فقالوا: نعم يا ابن عم محمد (صلى الله عليه وآله) أمرك فينا وفي اختنا جائز فقال علي (عليه السلام): اشهد الله واشهد من حضر من المسلمين أني قد زوجت هذا الغلام من هذه الجارية بأربعمائة درهم والنقد من مالي، يا قنبر علي بالدراهم، فأتاه قنبر بها فصبها في يد الغلام قال: خذها فصبها في حجر امرأتك ولا تأتنا إلا وبك أثر العرس يعني الغسل فقام الغلام فصب الدراهم في حجر المرأة ثم تلببها فقال لها: قومي فنادت المرأة النار النار يا ابن عم محمد تريد أن تزوجني من ولدي هذا والله ولدي، زوجني إخوتي هجينا فولدت منه هذا الغلام، فلما ترعرع وشب أمروني أن أنتفي منه وأطرده وهذا والله ولدي وفؤادي يتقلى أسفا على ولدي قال: ثم أخذت بيد الغلام وانطلقت ونادى عمر واعمراه لولا علي لهلك عمر. 7 66، 14 - 7 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن محمد بن علي، عن محمد بن الفضيل عن أبي الصباح الكناني، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: اتي عمر بامرأه تزوجها شيخ فلما أن واقعها مات على بطنها فجاءت بولد فادعى بنوه أنها فجرت وتشاهدوا عليها فأمر بها عمر أن ترجم فمر بها علي (عليه السلام) فقالت: يا ابن عم رسول الله إن لي حجة قال: هاتي حجتك فدفعت إليه كتابا فقرأه فقال: هذه المرأة تعلمكم بيوم تزوجها ويوم واقعها وكيف
آية الولاية — النوادر — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
فيقول للسيئات : كوني حسنات . 275 / 27 - أخبرني محمد بن محمد ، قال : أخبرني أبو الحسن المظفر بن محمد الخراساني ، قال : حدثنا محمد بن جعفر العلوي الحسيني ، قال : حدثنا الحسن ابن محمد بن جمهور العمي ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن أبي عمير ، عن جميل بن دراج ، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ( عليه السلام ) قال
أوحى الله إلى موسى بن عمران ( عليه السلام ) : أتدري يا موسى ، لم انتجبتك من خلقي ، واصطفيتك لكلامي ؟ فقال : لا ، يا رب ، فأوحى الله إليه : أني اطلعت إلى الأرض فلم أجد عليها أشد تواضعا لي منك ، فخر موسى ساجدا وعفر خديه في التراب تذللا منه لربه ( عز وجل ) ، فأوحى الله إليه : ارفع رأسك يا موسى ، وامر يدك موضع سجودك ، وامسح بها وجهك وما نالته من بدنك ، فإنه أمان من كل سقم دواء وآفة وعاهة . 276 / 28 - أخبرنا محمد بن محمد ، قال : أخبرني القاضي أبو بكر محمد بن عمر المعروف بالجعابي ، قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد ، قال : أخبرنا محمد بن يوسف بن إبراهيم الورداني ، قال : حدثنا أبي ، قال : حدثنا وهيب بن حفص ، عن أبي حسان العجلي ، قال : لقيت أمة الله بنت رشيد الهجري فقلت لها : أخبريني بما سمعت من أبيك . قالت : سمعته يقول : قال لي حبيبي أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : يا رشيد ، كيف صبرك إذا أرسل إليك دعي بني أمية فقطع يديك ورجليك ولسانك ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أيكون آخر ذلك إلى الجنة ؟ قال : نعم يا رشيد ، وأنت معي في الدنيا والآخرة . قالت : فوالله ما ذهبت الأيام حتى أرسل إليه الدعي عبيد الله بن زياد ، فدعاه إلى البراءة من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ، فأبى أن يتبرأ منه ، فقال له ابن زياد : فبأي ميتة قال لك صاحبك تموت ؟ قال : أخبرني خليلي صلوات الله عليه أنك تدعوني إلى البراءة منه فلا أتبرأ ، فتقدمني فتقطع يدي ورجلي ولساني . فقال : والله لأكذبن صاحبك ، قدموه فاقطعوا يده ورجله واتركوا لسانه ، فقطعوه ثم حملوه إلى منزلنا فقلت له : يا أبه جعلت فداك ، هل تجد لما أصابك ألما ؟ قال :
الأمالي للشيخ الطوسي — أبي ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : وجدت حفصة — الله تعالى (حديث قدسي)
288 / 40 - أخبرنا محمد بن محمد ، قال : أخبرنا أبو بكر محمد بن عمر ، قال : حدثنا أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد ، قال : أخبرنا الحسن بن القاسم ، قال : حدثنا علي بن إبراهيم بن يعلى التيمي ، قال : حدثنا علي بن سيف بن عميرة ، عن أبيه ، عن أبان بن عثمان ، عن عبد الرحمن بن سيابة ، عن حمران بن أعين ، عن أبي حرب بن أبي الأسود الدؤلي ، عن أبيه ، قال : سمعت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) يقول
والله لأذودن بيدي هاتين القصيرتين عن حوض رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) أعداءنا ، ولأوردنه ( 1 ) أحباءنا . 289 / 41 - أخبرنا محمد بن محمد ، قال : أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عمر ، عن أبي العباس أحمد بن محمد ، عن يحيى بن زكريا بن شيبان ، عن الحسين بن سفيان ، قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا محمد بن المشمعل ، قال : حدثنا أبو حمزة الثمالي ، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين ( عليهم السلام ) قال : من دعا الله بنا أفلح ، ومن دعاه بغيرنا هلك واستهلك . 290 / 42 - أخبرنا محمد بن محمد ، قال : أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد ، عن أبيه ، عن سعد بن عبد الله ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبان بن عثمان الأحمر ، عن أبي عبد الله جعفر بن محمد ( عليه السلام ) ، قال : إذا دعا أحدكم فليبدأ . بالصلاة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) ، فإن الصلاة على النبي ( صلى الله عليه وآله ) مقبولة ، ولم يكن الله ليقبل بعض الدعاء ويرد بعضا . 291 / 43 - حدثنا أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان ، قال : أخبرنا أبو الحسن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد ، عن أبيه محمد بن الحسن ، عن محمد ابن الحسن الصفار ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن الحسن بن محبوب ، عن أبان ابن عثمان ، عن بحر السقاء ، قال : سمعت أبا عبد الله جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) يقول : إن من روح الله ( تعالى ) ثلاثة : التهجد بالليل ، وإفطار الصائم ، ولقاء الاخوان .
الأمالي للشيخ الطوسي — أبي ، عن الزهري ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، قال : وجدت حفصة — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
قال : أخبرني أبو القاسم جعفر بن محمد رحمه الله عن محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري ، عن أبيه ، عن أحمد بن محمد بن عيسى ، عن ابن أبي عمير ، عن عمر بن يزيد ، عن أبي عبد الله عليه السلام قال
مر سلمان رضي الله عنه على الحدادين بالكوفة ، فرأى شابا صعق والناس قد اجتمعوا حوله ، فقالوا له : يا أبا عبد الله هذا الشاب قد صرع ، فلو قرأت في أذنه . قال : فدنا منه سلمان ، فلما رآه الشاب أفاق ، وقال : يا أبا عبد الله ليس بي ما يقول هؤلاء القوم ، ولكني مررت بهؤلاء الحدادين وهم يضربون بالمرزبات ، فذكرت قوله تعالى : " ولهم مقامع من حديد " فذهب عقلي خوفا من عقاب الله تعالى ، فاتخذه سلمان أخا ، ودخل قلبه حلاوة محبته في الله تعالى ، فلم يزل معه حتى مرض الشاب ، فجاءه سلمان فجلس عند رأسه وهو يجود بنفسه ، فقال : يا ملك الموت ارفق بأخي ، فقال : يا أبا عبد الله إني بكل مؤمن رفيق .
الأمالي للشيخ المفيد — أمير المؤمنين عليه السلام : ثلاث خصال لا يموت صاحبهن حتى يرى وبالهن : — الإمام الصادق عليه السلام
203 الباب السابع في إثبات أنّ الرجعة قد وقعت في هذه الاُمّة في الجملة ليزول بها استبعاد الرجعة الموعود بها في آخر الزمان ويدلّ على ذلك أحاديث : الأوّل : ما رواه رئيس المحدِّثين أبو جعفر ابن بابويه في كتاب « عيون الأخبار » ـ في باب ذكر مجلس الرضا (عليه السلام) مع أهل الأديان ـ بالسند السابق ، في الحديث الثاني من الباب الخامس : عن الرضا (عليه السلام) أنّه قال
« لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فسألوه أن يُحيي لهم موتاهم ، فوجّه معهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال له : يا علي ، إذهب إلى الجبّانة فناد هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك : يا فلان ويا فلان يقول لكم محمّد : قوموا بإذن الله. فقاموا ينفضون التراب عن رؤوسهم ، فأقبلت قريش تسألهم عن اُمورهم » الحديث. ورواه الطبرسي مرسلاً في « الاحتجاج » . الثاني : ما رواه ابن بابويه أيضاً في « عيون الأخبار » ـ في باب استسقاء المأمون بالرضا (عليه السلام) ـ : عن محمّد بن القاسم المفسّر ، عن يوسف بن محمّد بن زياد
الإيقاظ من الهجعة — المشيخة . — الإمام الباقر عليه السلام
(ج1) للشيخ الطبرسي الصفحة 41 وأديت هذه الرسالة إلى محمد وهو بظاهر المدينة بحضرة كافة أصحابه وعامة الكفار من يهود بني إسرائيل، وهكذا أمر الرسول ليجبن المؤمنين ويغري بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين. فقال رسول الله
(صلى الله وعليه وآله) للرسول: قد أطريت مقالتك واستكملت رسالتك؟ قال: بلى. قال: فاسمع الجواب، إن أبا جهل بالمكاره والعطب يتهددني ورب العالمين بالنصر والظفر يعدني، وخبر الله أصدق والقبول من الله أحق، لن يضر محمدا من خذله أو يغضب عليه بعد أن ينصره الله ويتفضل بجوده وكرمه عليه، قل له: يا أبا جهل إنك واصلتني بما ألقاه في خلدك الشيطان، وأنا أجيبك بما ألقاه في خاطري الرحمن، إن الحرب بيننا وبينك كائنة إلى تسع وعشرين يوما، وإن الله سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، وستلقى أنت وشيبة وعتبة والوليد وفلان وفلان - وذكر عددا من قريش - في قليب بدر مقتولين أقتل منكم سبعين وآسر منكم سبعين وأحملهم على الفداء الثقيل. ثم نادى جماعة من بحضرته من المؤمنين واليهود وسائر الاخلاط: ألا تحبون أن أريكم [ مصارع هؤلاء المذكورين و ] مصرح كل واحد منهم [ قالوا: بلى. قال: ] هلموا إلى بدر فإن هناك الملتقى والمحشر وهناك البلاء الأكبر لأضع قدمي على مواضع مصارعهم، ثم ستجدونها لا تزيد ولا تنقص ولا تتغير ولا تتقدم ولا تتأخر لحظة ولا قليلا ولا كثيرا فلم يخف ذلك على أحد منهم ولم يجبه إلا علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحده قال: نعم بسم الله. فقال الباقون: نحن نحتاج إلى مركوب وآلات ونفقات ولا يمكننا الخروج إلى هناك وهو مسيرة أيام. فقال رسول الله (صلى الله وعليه وآله) لسائر اليهود: فأنتم ماذا تقولون؟ فقالوا: نحن نريد أن نستقر في بيوتنا ولا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في ادعائه محيل فقال رسول الله (صلى الله وعليه وآله): لا نصب لكم في المسير إلى هناك اخطوا خطوة واحدة فإن الله يطوي الأرض لكم ويوصلكم في الخطوة الثانية إلى
الاحتجاج — الإحتجاج — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
(ج1) للشيخ الطبرسي الصفحة 48 عليا على جميع الورى بعد محمد المصطفى. ويقول مرة: إن ملائكة السماوات والحجب ليشتاقون إلى رؤية علي بن أبي طالب (عليه السلام) كما تشتاق الوالدة الشفيقة إلى ولدها البار الشفيق آخر من بقي عليها بعد عشرة دفنتهم، فكان هؤلاء النصاب يقولون: إلى متى يقول محمد جبرئيل وميكائيل والملائكة كل ذلك تفخيم لعلي وتعظيم لشأنه، ويقول الله تعالى
لعلي خاص من دون سائر الخلق برئنا من رب ومن ملائكة ومن جبرئيل ومن ميكائيل هم لعلي بعد محمد مفضلون وبرئنا من رسل الله الذين هم لعلي بعد محمد مفضلون. وأما ما قاله اليهود فهو إن اليهود أعداء الله، لما قدم رسول الله (صلى الله وعليه وآله) المدينة أتوه بعبد الله بن صوريا فقال: يا محمد كيف نومك فإنا قد أخبرنا عن نوم النبي (صلى الله وعليه وآله) الذي يأتي في آخر الزمان؟ فقال: تنام عيني وقلبي يقظان. قال: صدقت يا محمد. ثم قال: فاخبرني يا محمد الولد يكون من الرجل أو المرأة؟ فقال النبي (صلى الله وعليه وآله): أما العظام والعصب والعروق فمن الرجل وأما اللحم والدم والشعر فمن المرأة. قال: صدقت يا محمد. ثم قال: يا محمد فما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شئ ويشبه أخواله ليس فيه من شبه أعمامه شئ؟ فقال رسول الله (صلى الله وعليه وآله): أيهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له. قال: صدقت يا محمد، فاخبرني عمن لا يولد له ومن يولد له؟ فقال (صلى الله وعليه وآله): إذا مغرت النطفة لم يولد له - أي إذا حمرت وكدرت - فإذا كانت صافية ولد له. فقال: أخبرني عن ربك ما هو؟ فنزلت " قل هو الله أحد " إلى آخرها. فقال ابن صوريا: صدقت خصلة بقيت لي إن قلتها آمنت بك واتبعتك: أي ملك يأتيك بما تقوله عن الله؟ قال: جبرئيل. قال ابن صوريا: ذاك عدونا من بين الملائكة ينزل بالقتل والشدة والحرب ورسولنا ميكائيل يأتي بالسرور والرخاء فلو كان ميكائيل هو الذي يأتيك آمنا بك لأن ميكائيل كان مسدد ملكنا
الاحتجاج — الإحتجاج — الله تعالى (حديث قدسي)
(ج1) للشيخ الطبرسي الصفحة 49 وجبرئيل كان مهلك ملكنا، فهو عدونا لذلك. فقال له سلمان الفارسي رضي الله عنه: وما بدء عداوته لكم؟ قال: نعم يا سلمان عادانا مرارا كثيرة، وكان من أشد ذلك علينا أن الله أنزل على أنبيائه أن بيت المقدس يخرب على يد رجل يقال (بخت نصر) وفي زمانه، وأخبرنا بالحين الذي يخرب فيه، والله يحدث الأمر بعد الأمر فيمحو ما يشاء ويثبت، فلما بلغنا ذلك الخبر الذي يكون فيه هلاك بيت المقدس بعث أوائلنا رجلا من أقوياء بني إسرائيل وأفاضلهم نبيا كان يعد من أنبيائهم يقال له (دانيال) في طلب بخت نصر، ليقتله فحمل معه وقر مال لينفقه في ذلك، فلما انطلق في طلبه لقيه ببابل غلاما ضعيفا مسكينا ليس له قوة ولا منعة، فأخذه صاحبنا ليقتله فدفع عنه جبرائيل وقال لصاحبنا: إن كان ربكم هو الذي أمر بهلاككم فإن الله لا يسلطك عليه وإن لم يكن هذا فعلى أي شئ تقتله، فصدقه صاحبنا وتركه ورجع إلينا فأخبرنا بذلك، وقوى بخت نصر وملك وغزانا وخرب بيت المقدس فلهذا نتخذه عدوا وميكائيل عدو لجبرئيل. فقال سلمان: يا بن صوريا فبهذا العقل المسلوك به غير سبيله ظلمتم، أرأيتم أوائلكم كيف بعثوا من يقتل بخت نصر وقد أخبر الله تعالى في كتبه على ألسنة رسله أنه يملك ويخرب بيت المقدس أرادوا تكذيب أنبياء الله في إخبارهم أو اتهموهم في أخبارهم أو صدقوهم في الخبر عن الله ومع ذلك أرادوا مغالبة الله، هل كان هؤلاء ومن وجهوه إلا كفارا بالله، وآي عداوة يجوز أن يعتقد لجبرئيل وهو يصده عن مغالبة الله عز وجل وينهى عن تكذيب خبر الله تعالى. فقال ابن صوريا: قد كان الله تعالى أخبر بذلك على ألسن أنبيائه ولكنه يمحو ما يشاء ويثبت. قال سلمان: فإذا لا تثقون بشئ مما في التوراة من الأخبار عما مضى وما يستأنف فإن الله يمحو ما يشاء ويثبت، وإذا لعل الله قد كان عزل موسى وهارون عن النبوة وأبطلا في دعواهما لأن الله يمحو ما يشاء ويثبت، ولعل
الاحتجاج — الإحتجاج — غير محدد
(ج1) للشيخ الطبرسي الصفحة 256 وإمام أهل الشام يعصي الله وهم يطيعونه، والله لوددت أن معاوية صارفني بكم صرف الدينار بالدرهم، فأخذ مني عشرة منكم وأعطاني واحدا منهم، والله لوددت أني لم أعرفكم، ولم تعرفوني، فإنها معرفة جرت ندما لقد ورثتم صدري غيظا، وأفسدتم علي أمري بالخذلان والعصيان، حتى لقد قالت قريش إن عليا رجل شجاع لكن لا علم له بالحروب، لله درهم هل كان فيهم أحد أطول لها مراسا مني وأشد بها مقاساة لقد نهضت فيها وما بلغت العشرين، ثم هاأنا ذا قد ذرفت على الستين، لكن لا أمر لمن لا يطاع، أما والله لوددت أن ربي قد أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه، وإن المنية لترصدني فما يمنع أشقاها أن يخضبها؟ - وترك يده على رأسه ولحيته - عهدا عهده إلي النبي الأمي وقد خاب من افترى، ونجا من اتقى وصدق بالحسنى. يا أهل الكوفة قد دعوتكم إلى جهاد هؤلاء ليلا ونهارا، وسرا وإعلانا، وقلت لكم اغزوهم فإنه ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم وثقل عليكم قولي، واستصعب عليكم أمري، واتخذتموه ورائكم ظهريا، حتى شنت عليكم الغارات، وظهرت فيكم الفواحش والمنكرات، تمسيكم وتصبحكم، كما فعل بأهل المثلات من قبلكم، حيث أخبر الله عز وجل عن الجبابرة العتاة الطغاة، المستصعفين الغوات، في قوله تعالى: " يذبحون أبنائكم ويستحيون نسائكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم " أما والذي فلق الحبة وبرئ النسمة لقد حل بكم الذي توعدون. عاتبتكم يا أهل الكوفة بمواعظ القرآن فلم أنتفع بكم، وأدبتكم بالدرة فلم تستقيموا لي، وعاقبتكم بالسوط الذي يقام به الحدود فلم ترعووا، ولقد علمت أن
الاحتجاج — الإحتجاج — غير محدد
313 99-3150/ - العياشي: عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) ، قال
«إن الحكم حكمان: حكم الله، و حكم الجاهلية» . ثم قال: وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اَللََّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ، قال: «فاشهد أن زيدا قد حكم بحكم الجاهلية» يعني في الفرائض. قوله تعالى: فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ -إلى قوله تعالى- نََادِمِينَ[52] 3151/ -قال علي بن إبراهيم: قال الله لنبيه (صلى الله عليه و آله) : فَتَرَى اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسََارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشىََ أَنْ تُصِيبَنََا دََائِرَةٌ و هو قول عبد الله بن أبي لرسول الله (صلى الله عليه و آله) : لا تنقض حكم بني النضير، فإنا نخاف الدوائر، فقال الله: فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلىََ مََا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نََادِمِينَ . 99-3152/ - و قال: عن داود الرقي، قال: سأل أبا عبد الله (عليه السلام) رجل و أنا حاضر عن قول الله: فَعَسَى اَللََّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلىََ مََا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نََادِمِينَ ، فقال: «أذن في هلاك بني امية بعد إحراق زيد بسبعة أيام» . قوله تعالى: وَ يَقُولُ اَلَّذِينَ آمَنُوا أَ هََؤُلاََءِ اَلَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللََّهِ جَهْدَ أَيْمََانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمََالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خََاسِرِينَ[53] 99-3153/ - العياشي: عن أبي بصير، قال: سمعت أبو جعفر (عليه السلام) يقول: «إن الحكم بن عيينة ، و سلمة، و كثير النواء، و أبا المقدام، و التمار-يعني سالما-أضلوا كثيرا ممن ضل من هؤلاء الناس، و إنهم ممن قال الله:
البرهان في تفسير القرآن — في معن السحت — الإمام الباقر عليه السلام
56 أبي ذر و سلمان و عمار و المقداد، و لم ينقضوا العهد وَ آمَنُوا بِمََا نُزِّلَ عَلىََ مُحَمَّدٍ ، أي ثبتوا على الولاية التي أنزلها الله: وَ هُوَ اَلْحَقُّ ، يعني أمير المؤمنين (عليه السلام) : مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئََاتِهِمْ وَ أَصْلَحَ بََالَهُمْ أي حالهم. }ثم ذكر أعمالهم فقال: ذََلِكَ بِأَنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا اِتَّبَعُوا اَلْبََاطِلَ و هم الذين اتبعوا أعداء رسول الله (صلى الله عليه و آله) و أمير المؤمنين (عليه السلام) : وَ أَنَّ اَلَّذِينَ آمَنُوا اِتَّبَعُوا اَلْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ . قوله تعالى: كَذََلِكَ يَضْرِبُ اَللََّهُ لِلنََّاسِ أَمْثََالَهُمْ -إلى قوله تعالى- وَ لَوْ يَشََاءُ اَللََّهُ لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ [3-4] 99-9817/ - علي بن إبراهيم، قال: حدثني أبي، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد الله (عليه السلام) ، قال
: «في سورة محمد (صلى الله عليه و آله) آية فينا و آية في عدونا، و الدليل على ذلك قوله تعالى: كَذََلِكَ يَضْرِبُ اَللََّهُ لِلنََّاسِ أَمْثََالَهُمْ* `فَإِذََا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ إلى قوله تعالى: لاَنْتَصَرَ مِنْهُمْ ، فهذا السيف على مشركي العجم من الزنادقة، و من ليس معه كتاب من عبدة النيران و الكواكب» . 9818/ -و قال أيضا: قوله تعالى: فَإِذََا لَقِيتُمُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ فالمخاطبة للجماعة، و المعنى لرسول الله (صلى الله عليه و آله) و الامام من بعده. 99-9819/ - محمد بن يعقوب: عن علي بن إبراهيم، عن أبيه و علي بن محمد القاساني، جميعا، عن القاسم ابن محمد، عن سليمان بن داود، عن حفص بن غياث، عن أبي عبد الله (صلوات الله عليه) -في حديث الأسياف الخمسة-قال: «و السيف الثالث على مشركي العجم، يعني الترك و الديلم و الخزر، قال الله عز و جل في أول السورة التي يذكر فيها الذين كفروا فقص قصتهم، ثم قال: فَضَرْبَ اَلرِّقََابِ حَتََّى إِذََا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا اَلْوَثََاقَ فَإِمََّا مَنًّا بَعْدُ وَ إِمََّا فِدََاءً حَتََّى تَضَعَ اَلْحَرْبُ أَوْزََارَهََا فأما قوله تعالى: فَإِمََّا مَنًّا بَعْدُ يعني بعد السبي منهم وَ إِمََّا فِدََاءً يعني المفاداة بينهم و بين أهل الإسلام، فهؤلاء لن يقبل منهم إلا القتل أو الدخول في الإسلام، و لا يحل لنا مناكحتهم ما داموا في دار الحرب» .
البرهان في تفسير القرآن — الإمام الصادق عليه السلام
فَدَعَا اللَّهَ سُبْحَانَهُ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ [فصل في مشابهة معجزات النبي و الأئمةعليهم السلاممن سبقهم من الأنبياء أيوب و عزير ع] فصل: و قال
الله تعالى وَ وَهَبْنٰا لَهُ أَهْلَهُ وَ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنّٰا في قصة أيوب على نبينا و (عليه السلام) و قد أصابه الله تعالى بمحن توالت عليه شدائدها ليرفع الله سبحانه بها درجاته ثم كشفها عنه و أعاد عليه النعم ليعتبر المؤمنون و يصطبروا و يشكروا. - وَ قَالَ الصَّادِقُعليه السلامإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ رَدَّ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَ وُلْدَهُ الَّذِينَ هَلَكُوا بِأَعْيَانِهِمْ وَ أَعْطَاهُ مِثْلَهُمْ مَعَهُمْ وَ كَذَلِكَ رَدَّ عَلَيْهِ مَوَاشِيَهُ وَ أَمْوَالَهُ بِأَعْيَانِهَا وَ أَعْطَاهُ مِثْلَهَا مَعَهَا وَ أَمْطَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى أَيُّوبَ فِرَاشاً مِنَ الذَّهَبِ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَأْخُذُ مَا كَانَ خَارِجاً مِنْ دَارِهِ فَيُدْخِلُهُ دَارَهُ فَقَالَ لَهُ جَبْرَئِيلُعليه السلامأَ مَا تَشْبَعُ يَا أَيُّوبُ قَالَ وَ مَنْ يَشْبَعُ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ . و كذلك عزير لما أماته الله تعالى مائة عام ثم بعثه و كان معه التين فكان على حاله لم يتغير و كان أيضا معه اللبن لم يتغير و رأى حماره حيا بعد موته. 934 و كذلك - مَرَّ نَبِيٌّ عَلىٰ قَرْيَةٍ وَ هِيَ خٰاوِيَةٌ عَلىٰ عُرُوشِهٰا وَ رَأَى أَهْلَهَا كُلَّهُمْ مَوْتَى فَعَلِمَ أَنَّهُمْ أُهْلِكُوا بِسَخَطِ اللَّهِ تَعَالَى فَدَعَا اللَّهَ فَقَالَ تَعَالَى رُشَّ عَلَيْهِمُ الْمَاءَ فَفَعَلَ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَ هُمْ أُلُوفٌ وَ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِمْ رَسُولًا وَ عَاشُوا سِنِينَ. فمن أقر بصحة ذلك جميعه كيف ينكر الرجعة في الدنيا على ما ذكرناه. - وَ قَالَ النَّبِيُّصلى الله عليه وآله وسلممَا جَرَى فِي أُمَمِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي شَيْءٌ إِلَّا وَ يَجْرِي فِي أُمَّتِي مِثْلَهُ وَ ذَكَرَ خُرُوجَ الصَّفْرَاءِ بِنْتِ شُعَيْبٍ عَلَى يُوشَعَ وَصِيِّ مُوسَى ثُمَّ قَالَصلى الله عليه وآله وسلملِأَزْوَاجِهِ وَ إِنَّ مِنْكُنَّ مَنْ تَخْرُجُ عَلَى وَصِيِّي وَ هِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ قَالَ يَا حُمَيْرَاءُ لَا تَكُونِيهَا فأخبر بذلك قبل كونه و كان معجزا له ص [فصل في مشابهة معجزات النبي و الأئمةعليهم السلاممن سبقهم من الأنبياء موسى و الخضر ع] فصل: وَ عَنِ الصَّادِقِعليه السلامأَنَّ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عَلَى نَبِيِّنَا وَ (عليه السلام) لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى خَرَجَ ثَمَانُونَ كَذَّاباً وَ فِي الْقَائِمِعليه السلاممِنَّا سُنَّةٌ مِنْ مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَ هُوَ خَفَاءُ مَوْلِدِهِ وَ غَيْبَتُهُ عَنْ قَوْمِهِ وَ فِيهِ سُنَّةٌ مِنْ يُوسُفَ قِيلَ كَأَنَّكَ تَذْكُرُ خَبَرَهُ وَ غَيْبَتَهُ قَالَ وَ مَا يُنْكِرُ هَؤُلَاءِ أَشْبَاهُ الْخَنَازِيرِ مِنْ ذَلِكَ إِنَّ إِخْوَتَهُ وَ هُمْ أَسْبَاطٌ لَمْ يَعْرِفُوهُ حَتَّى قَالَ لَهُمْ أَنَا يُوسُفُ فَمَا تُنْكِرُونَ أَنْ يَسِيرَ الْقَائِمُ فِي أَسْوَاقِهِمْ
الخرائج والجرائح — في أن معجزات النبي — الإمام الصادق عليه السلام
حدثنا جعفر بن محمد بن مسرور رضي الله عنه قال : حدثنا محمد بن جعفر ابن بطة قال : حدثنا أحمد بن أبي عبد الله البرقي ، عن أبيه يرفعه إلى زرارة بن أوفى قال : دخلت على علي بن الحسين عليهم السلام فقال
يا زرارة الناس في زماننا على ست طبقات : أسد وذئب وثعلب وكلب وخنزير وشاة ، فأما الأسد فملوك الدنيا يحب كل واحد منهم أن يغلب ولا يغلب . وأما الذئب فتجاركم يذمو [ ن ] إذا اشتروا ، ويمدحو [ ن ] إذا باعوا ، وأما الثعلب فهؤلاء الذين يأكلون بأديانهم ، ولا يكون في قلوبهم ما يصفون بألسنتهم ، وأما الكلب يهر على الناس بلسانه ويكرمه الناس من شر لسانه . وأما الخنزير فهؤلاء المخنثون وأشباههم لا يدعون إلى فاحشة إلا أجابوا ، وأما الشاة فالمؤمنون الذين تجز شعورهم ويؤكل لحومهم ويكسر عظمهم فكيف تصنع الشاة بن أسد وذئب وثعلب وكلب وخنزير . تم الجزء الأول ويليه الجزء الثاني أوله باب السبعة . بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العاملين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين
الخصال للشيخ الصدوق — الله عز وجل ، وعمارة مساجد الله ، واتخاذ الاخوان في الله عز وجل ، وأما — الإمام السجاد عليه السلام
عليه السلام ذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد و أبو هلال العسكري في كتاب الأوائل خطبعليه السلامعقيب مبايعة الناس له و ذكر فيها تألمه و تظلمه و لعنه على من تقدمه فمنها كانت أمور ملتم فيها عن الحق ميلا كثيرا و كنتم فيها غير محمودين . و في موضع آخر سبق الرجلان و قام الثالث [كالب] كالغيران همه بطنه ويله لو قص جناحه و قطع رأسه لكان خيرا له و في موضع آخر لقد تقمصها ابن أبي قحافة و هو يعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى فقد وضع من قدره بإضافته إلى عضروطه و جعل نفسه كالقطب الذي لا تدور الرحى بدونه. قالوا ليس في إضافته انتقاص من قدره لجريان العادة به قلنا قد كان ألقاب أجمل من هذا كما جرت عادة من يراد تعظيمه. قالوا ليس في تقميصها دليل ظلمه قلنا بلى لورود ذلك في معرض ذمة و اعتضاده بقرائن أخر من كلامه و في خرائج الراوندي أتى إليهعليه السلامأعرابي يتظلم فقال
أنا أعظم ظلامة منك ظلمت المدر و الوبر و لم يبق بيت من العرب إلا و قد دخلت مظلمتي عليهم و ما زلت مظلوما حتى قعدت مقعدي هذا و في خطبة أخرى لقد تقمصها دوني الأشقيان و نازعاني فيها فيما ليس لهما بحق و ركباها ضلالة و اعتقداها جهالة لبئس ما وردا و لبئس ما لأنفسهما مهدا يتلاعنان في مقيلهما إذ يتبرأ كل منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا التقيا يا [وَيْلَتى] لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاناً خَلِيلًا
الصراط المستقيم — في شيء من تظلمات علي — الإمام الجواد عليه السلام
محمد بن الحسن، عن بعض أصحابنا، عن على بن الحكم، عن الحكم ابن مسكين، عن رجل من قريش من أهل مكة قال: قال سفيان الثوري: اذهب بنا إلى جعفر بن محمد، قال: فذهبت معه إليه فوجناه قد ركب دابته، فقال له سفيان: يا أبا عبدالله حدثنا بحديث خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الخيف، قال: دعني حتى أذهب في حاجتى فإني قد ركبت فإذا جئت حدثتك، فقال: أسألك بقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما حدثتني، قال: فنزل، فقال له سفيان: مر لي بدواة وقرطاس حتى اثبته فدعا به ثم قال: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الخيف: " نضر الله عبدا سمع مقالتي فوعاها، وبلغها من لم تبلغه يا أيها الناس ليبلغ الشاهد الصفحة 404 الغائب، فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله والنصيحة لائمة المسليمن واللزوم لجماعتهم، فإن دعوتهم محيطة من ورائهم، المؤمنون إخوة تتكافى دماؤهم وهم يد على من سواهم يسعى بذمتهم أدناهم " فكتبه سفيان ثم عرضه عليه وركب أبوعبدالله (عليه السلام) وجئت أنا وسفيان فلما كنا في بعض الطريق قال لي كما أنت حتى أنظر في هذا الحديث، قلت له: قد والله ألزم أبو عبدالله رقبتك شيئا لا يذهب من رقبتك أبدا فقال: وأي شئ ذلك؟ فقلت له: ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئ مسلم: إخلاص العمل لله قد عرفناه والنصيحة لائمة المسلمين، من هؤلاء الائمة الذين يجب علينا نصيحتهم؟ معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن معاوية ومروان بن الحكم، وكل من لا تجوز الصلاة خلفهم؟ وقوله: واللزوم لجماعتهم فأي الجماعة؟ مرجئ يقول: من لم يصل ولم يصم ولم يغتسل من جنابة وهدم الكعبة ونكح امه فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل ، أو قدري يقول: لا يكون ما شاء الله عزوجل ويكون ما شاء إبليس، أو حروري يتبرأ من علي بن أبي طالب وشهد عليه بالكفر أو جهمي يقول: إنما هي معرفة الله وحده ليس الايمان شئ غيرها؟!! قال: ويحك وأي شئ يقولون؟ فقلت: يقولون: إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) والله الامام الذي وجب علينا نصيحته، ولزوم جماعتهم: أهل بيته، قال: فأخذ الكتاب فخرقه ثم: قال لا تخبر بها أحدا.
الأصول من الكافي — التمحيص والامتحان — الإمام الصادق عليه السلام
الصفحة 169 2 عنه، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن ابن مسكان وسماعة، جميعا، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال
لم تتواخوا على هذا الامر [و] إنما تعارفتم عليه. (باب) * (حق المؤمن على أخيه وأداء حقه) * 1 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن علي بن الحكم، عن سيف ابن عميرة، عن عمرو بن شمر، عن جابر، عن أبي حعفر (عليه السلام) قال: من حق المؤمن على أخيه المؤمن أن يشبع جوعته ويواري عورته ويفرج عنه كربته ويقضي دينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده. 2 عنه، عن علي بن الحكم، عن عبدالله بن بكير الهجري، عن معلى بن خنيس، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قلت له: ما حق المسلم على المسلم؟ قال له؟ سبع حقوق واجبات ما منهن حق إلا وهو عليه واجب، إن ضيع منها شيئا خرج من ولاية الله وطاعته ولم يكن لله فيه من نصيب، قلت له: جعلت فداك وماهي؟ قال: يا معلى إني عليك شفيق أخاف أن تضيع ولا تحفظ وتعلم ولاتعمل، قال: قلت له: لا قوة إلا بالله، قال: أيسر حق منها أن تحب له ماتحب لنفسك وتكرة له ما تكره لنفسك ; والحق الثاني أن تجتنب سخطه وتتبع مرضاته وتطيع أمره ; والحق الثالث أن تعينه بنفسك ومالك ولسانك ويدك ورجلك ; والحق الرابع أن تكون عينه ودليله ومرآته ; والحق الخامس [أن] لا تشبع ويجوع ولا تروى ويظمأ ولا تلبس ويعرى، والحق السادس أن يكون لك خادم وليس لاخيك خادم فواجب أن تبعث خادمك فيغسل ثيابه ويصنع طعامه ويمهد فراشه، والحق السابق أن تبر قسمه وتجيب دعوته، وتعود مريضه، وتشهد جنازته ; وإذا علمت أن له حاجة تبادره إلى قضائها ولا تلجئه أن يسألكها ولكن تبادره مبادرة، فإذا فعلت ذلك وصلت ولايتك بولايته وولايته بولايتك.
الأصول من الكافي — اجلال الكبير — غير محدد
أحمد بن محمد الكوفي، عن جعفر بن عبدالله المحمدي، عن أبي روح فرج بن قرة، عن جعفر بن عبدالله، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله عليه السلام قال
خطب أمير المؤمنين عليه السلام بالمدينة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي وآله ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى الصفحة 64 لم يقصم جباري دهر إلا من بعد تمهيل ورخاء ولم يجبر كسر عظم من الامم إلا بعد أزل وبلاء ، أيها الناس في دون ما استقبلتم من عطب واستدبرتم من خطب معتبر وما كل ذي قلب بلبيب ولا كل ذي سمع بسميع ولا كل ذي ناظر عين ببصير، عباد الله! أحسنوا فيما يعنيكم النظر فيه ، ثم انظرواإلى عرصات من قد أقاده الله بعلمه ، كانوا على سنة من آل فرعون أهل جنات وعيون وزرع ومقام كريم، ثم انظروا بما ختم الله لهم بعد النضرة والسرور والامر والنهي ولمن صبر منكم العاقبة في الجنان والله مخلدون ولله عاقبة الامور. فيا عجبا وما لي لا أعجب من خطأ هذه الفرق على اختلاف حججها في دينها، لا يقتصون أثر نبي ولا يقتدون بعمل وصي ولا يؤمنون بغيب ولا يعفون عن عيب، المعروف فيهم ما عرفوا والمنكر عندهم ما أنكروا وكل امرئ منهم إمام نفسه، آخذ منها فيما يرى بعرى وثيقات وأسباب محكمات فلا يزالون بجور ولن يزدادوا إلا خطأ، لاينالون تقربا ولن يزدادوا إلا بعدا من الله عزوجل، انس بعضهم ببعض وتصديق بعضهم لبعض كل ذلك وحشة مما ورث النبي الامى (صلى الله عليه وآله) ونفورا مما أدى إليهم من أخبار فاطر السماوات والارض أهل حسرات وكهوف شبهات وأهل عشوات وضلالة وريبة، من وكله الله إلى نفسه ورايه فهو مأمون عند من يجهله، غير المتهم عند من لا يعرفه، فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها وواأسفا من فعلات شيعتي من بعد قرب مودتها اليوم كيف يستذل بعدي بعضها بعضا وكيف يقتل بعضها بعضا، المتشتة غدا عن الاصل النازلة بالفرع، المؤملة الفتح من غير جهته، كل حزب منهم آخذ [منه] بغصن، أينما مال الغصن مال معه، مع أن الله - وله الحمد سيجمع هؤلاء لشر يوم لبني امية كما يجمع الصفحة 65 قزع الخريف يؤلف الله بينهم، ثم يجعلهم ركاما كركام السحاب ، ثم يفتح لهم أبوابا يسيلون من مستثارهم كسيل الجنتين سيل العرم حيث بعث عليه فارة فلم يثبت عليه أكمة ولم يرد سننه رض طود يذعذعهم الله في بطون أودية ثم يسلكهم ينابيع في الارض يأخذ بهم من قوم حقوق قوم ويمكن بهم قوما قي ديار قوم تشريدا لبني امية ولكيلا يغتصبوا ما غصبوا، يضعضع الله بهم ركنا وينقض بهم طي الجنادل من إرم ويملا منهم بطنان الزيتون فوالذي فلق الحبة وبرأ النسمة ليكونن ذلك وكأني الصفحة 66 أسمع صهيل خيلهم وطمطمة رجالهم وأيم الله ليذوبن ما في أيديهم بعد العلو و التمكين في البلاد كما تذوب الالية على النار من مات منهم مات ضالا وإلى الله عزوجل يفضي منهم من درج ويتوب الله عزوجل على من تاب ولعل الله يجمع شيعتي بعد التشتت لشر يوم لهؤلاء وليس لاحد على الله عز ذكره الخيرة بل لله الخيرة والامر جميعا. أيها الناس إن المنتحلين للامامة من غير أهلها كثير ولو لم تتخاذلوا عن مر الحق ولم تهنوا عن توهين الباطل لم يتشجع عليكم من ليس مثلكم ولم يقو من قوي عليكم وعلى هضم الطاعة وإزوائها عن أهلها لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل على عهد موسى [بن عمران] عليه السلام ولعمري ليضاعفن عليكم التيه من بعدي أضعاف ما تاهت بنو اسرائيل ولعمري أن لو قد استكملتم من بعدي مدة سلطان بني امية لقد اجتمعتم على سلطان الداعي إلى الضلالة وأحييتم الباطل وخلفتم الحق وراء ظهوركم وقطعتم الادنى من أهل بدر ووصلتم الابعد من أبناء الحرب لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولعمري أن لو قد ذاب ما في أيديهم لدنا التمحيص للجزاء وقرب الوعد وانقضت المدة وبدا لكم النجم ذو الذنب من قبل المشرق ولاح لكم القمر المنير، فإذا كان ذلك فراجعوا التوبة واعلموا أنكم إن اتبعتم طالع المشرق سلك بكم مناهج الرسول (صلى الله عليه وآله) فتداويتم من العمى والصم والبكم وكفيتم مؤونة الطلب والتعسف ونبذتم الثقل الفادح عن الاعناق ولا يبعد الله إلا من أبى وظلم واعتسف وأخذ ماليس له " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون ". الصفحة 67 خطبة لامير المؤمنين (عليه السلام)
الروضة من الكافي — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
أحمد بن محمد، عن سعد بن المنذر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن محمد بن الحسين، عن أبيه، عن جده، عن أبيه قال: خطب أمير المؤمنين (ع) - ورواها غيره بغير هذا الاسناد وذكر أنه خطب بذي قار - فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد فإن الله تبارك وتعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالحق ليخرج عباده من عبادة عباده إلى عبادته، ومن عهود عباده إلى عهوده ومن طاعة عباده إلى طاعته، ومن ولاية عباده إلى ولايته، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، عودا الصفحة 387 وبدء ا وعذرا ونذرا، بحكم قد فصله وتفصيل قد أحكمه وفرقان قد فرقه وقرآن قد بينه ليعلم العباد ربهم إذ جلهوه وليقروا به إذ جحدوه وليثبتوه بعد إذ أنكروه فتجلى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه، فأراهم حلمه كيف حلم و أراهم عفوه كيف عفا وأراهم قدرته كيف قدر، وخوفهم من سطوته وكيف خلق ما خلق من الآيات وكيف محق من محق من العصاة بالمثلات واحتصد من احتصد بالنقمات وكيف رزق وهدى وأعطا، وأراهم حكمه كيف حكم وصبر حتى يسمع ما يسمع ويرى. فبعث الله عزوجل محمدا (صلى الله عليه وآله) بذلك ثم إنه سيأتي عليكم من بعدي زمان ليس في ذلك الزمان شئ أخفى من الحق ولا أظهر من الباطل ولا أكثر من الكذب على الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) وليس عند أهل ذلك الزمان سلعة أبور من الكتاب إذا تلي حق تلاوته ولا سلعة أنفق بيعا ولا أغلى ثمنا من الكتاب إذا حرف عن مواضعه وليس في العباد ولا في البلاد شئ هو أنكر من المعروف ولا أعرف من المنكر وليس فيها فاحشة أنكر ولا عقوبة أنكى من الهدى عند الضلال في ذلك الزمان فقد نبذ الكتاب حملته، وتناساه حفظته حتى تمالت بهم الاهواء وتوارثوا ذلك من الآباء وعملوا بتحريف الكتاب كذبا الصفحة 388 وتكذيبا فباعوه بالبخس وكانوا فيه من الزاهدين، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان طريدان منفيان وصاحبان مصطحبان في طريق واحد لا يأويهما مؤو، فحبذا ذانك الصاحبان واها لهما ولما يعملان له ، فالكتاب وأهل الكتاب في ذلك الزمان في الناس وليسوا فيهم ومعهم وليسوا معهم وذلك لان الضلالة لا توافق الهدى وان اجتمعا، وقد اجتمع القوم على الفرقة وافترقوا عن الجماعة، قد ولوا أمرهم وأمر دينهم من يعمل فيهم بالمكر والمنكر والرشا والقتل كأنهم أئمة الكتاب وليس الكتاب إمامهم، لم يبق عندهم من الحق إلا اسمه ولم يعرفوا من الكتاب إلا خطه وزبره ، يدخل الداخل لما يسمع من حكم القرآن فلا يطمئن جالسا حتى يخرج من الدين ينتقل من دين ملك إلى دين ملك، ومن ولاية ملك إلى ولاية ملك، ومن طاعة ملك إلى طاعة ملك، ومن عهود ملك إلى عهود ملك، فاستدرجهم الله تعالى من حيث لا يعلمون وإن كيده متين بالامل والرجاء حتى توالدوا في المعصية ودانوا بالجور والكتاب لم يضرب عن شئ منه صفحا ضلالا تائهين، قد دانوا بغير دين الله عزوجل وأدانوا لغير الله . مساجدهم في ذلك الزمان عامرة من الضلالة، خربة من الهدى [قد بدل فيها من الهدى] فقراؤها وعمارها أخائب خلق الله وخليقته، من عندهم جرت الصفحة 389 الضلالة وإليهم تعود، فحضور مساجدهم والمشي إليها كفر بالله العظيم إلا من مشى إليها وهو عارف بضلالهم فصارت مساجدهم من فعالهم على ذلك النحو خربة من الهدى عامرة من الضلالة قد بدلت سنة الله وتعديت حدوده ولا يدعون إلى الهدى ولا يقسمون الفئ ولا يوفون بذمة، يدعون القتيل منهم على ذلك شهيدا قد أتوا الله بالافتراء و الجحود واستغنوا بالجهل عن العلم ومن قبل ما مثلوا بالصالحين كل مثلة وسموا صدقهم على الله فرية وجعلوا في الحسنة العقوبة السيئة وقد بعث الله عزوجل إليكم رسولا من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤف رحيم (صلى الله عليه وآله) وأنزل عليه كتابا عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد قرآنا عربيا غير ذي عوج لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين فلا يلهينكم الامل ولا يطولن عليكم الاجل، فإنما أهلك من كان قبلكم أمد أملهم وتغطية الآجال عنهم حتى نزل بهم الموعود الذي ترد عنه المعذرة وترفع عنه التوبة وتحل معه القارعة والنقمة وقد أبلغ الله عزوجل إليكم بالوعد وفصل لكم القول و علمكم السنة وشرح لكم المناهج ليزيح العلة وحث على الذكر ودل على النجاة وإنه من انتصح لله واتخذ قوله دليلا هداه للتي هي أقوم ووفقه للرشاد وسدده الصفحة 390 ويسره للحسنى، فإن جار الله آمن محفوظ وعدوه خائف مغرور، فاحترسوا من الله عزوجل بكثرة الذكر واخشوا منه بالتقى وتقربوا إليه بالطاعة فإنه قريب مجيب قال الله عزوجل: " وإذا سألك عبادي عني فإني قريب اجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون " فاستجيبوا لله وآمنوابه وعظموا الله الذي لا ينبغي لمن عرف عظمة الله أن يتعظم فإن رفعة الذين يعلمون ما عظمة الله أن يتواضعوا له وعز الذين يعلمون ما جلال الله أن يذلوا له وسلامة الذين يعلمون ما قدره الله أن يستسلموا له، فلا ينكرون أنفسهم بعد حد المعرفة ولا يضلون بعد الهدى، فلا تنفروا من الحق نفار الصحيح من الاجرب والبارئ من ذي السقم. واعلموا أنكم لن تعرفوا الرشد حتى تعرفوا الذي تركه ولم تأخذوا بميثاق الكتاب حتى تعرفوا الذي نقضه، ولن تمسكوا به حتى تعرفوا الذي نبذه، ولن تتلوا الكتاب حق تلاوته حتى تعرفوا الذي حرفه، ولن تعرفوا الضلالة حتى تعرفوا الهدى، ولن تعرفوا التقوى حتى تعرفوا الذي تعدى، فإذا عرفتم ذلك عرفتم البدع والتكلف ورأيتم الفرية على الله وعلى رسوله والتحريف لكتابه ورأيتم كيف هدى الله من هدى فلا يجهلنكم الذين لا يعلمون، إن علم القرآن ليس يعلم ما هو إلا من ذاق طعمه، فعلم بالعلم جهله وبصربه عماه وسمع به صممه وأدرك به علم ما فات وحيي به بعد إذ مات الصفحة 391 وأثبت عند الله عز ذكره الحسنات ومحى به السيئات وأدرك به رضوانا من الله تبارك وتعالى فاطلبوا ذلك من عند أهله خاصة فإنهم خاصة نور يستضاء به وأئمة يقتدى بهم وهو عيش العلم وموت الجهل هم الذين يخبركم حكمهم عن علمهم وصمتهم عن منطقهم وظاهرهم عن باطنهم لا يخالفون الذين ولا يختلفون فيه فهو بينهم شاهد صادق وصامت ناطق فهم من شأنهم شهداء بالحق ومخبر صادق لا يخالفون الحق ولا يختلفون فيه، قد خلت لهم من الله السابقة ومضى فيهم من الله عزوجل حكم صادق وفي ذلك ذكرى للذاكرين فاعقلوا الحق إذا سمعتموه عقل رعاية ولا تعقلوه عقل رواية فإن رواة الكتاب كثير ورعاته قليل والله المستعان.
الروضة من الكافي — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن السواك للصائم، فقال
نعم يستاك أي النهار شاء. الصفحة 112 2 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سألته عن الصائم يستاك بالماء، قال: لا بأس به، وقال: لا يستاك بسواك رطب. 3 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه كره للصائم أن يستاك بسواك رطب، وقال: لا يضر أن يبل سواكه بالماء ثم ينفضه حتى لا يبقى فيه شئ. 4 محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى، عن أبي عبدالله عليه السلام في الصائم ينزع ضرسه؟ قال: لا، ولا يدمي فاه ولا يستاك بعود رطب. (باب) * (الطيب والريحان للصائم) * 1 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن يحيى، عن غياث بن إبراهيم، عن جعفر، عن أبيه (عل) أن عليا (صل) كره المسك أن يتطيب به الصائم. 2 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن داود بن إسحاق الحذاء، عن محمد بن الفيض قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام ينهى عن النرجس، فقلت: جعلت فداك لم ذلك؟ فقال: لانه ريحان الاعاجم. الصفحة 113 وأخبرني بعض أصحابنا أن الاعاجم كانت تشمه إذا صاموا وقالوا: إنه يمسك الجوع. 3 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد بن خالد، عن عن أبيه عبدالله بن الفضل النوفلي، عن الحسن بن راشد قال: كان أبوعبدالله عليه السلام إذا صام تطيب بالطيب ويقول: الطيب تحفة الصائم. 4 محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسن، عن علي بن الحكم، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: الصائم يشم الريحان والطيب؟ قال: لا بأس به. وروي أنه لا يشم الريحان لانه يكره له أن يتلذذ به. 5 علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن الحسن بن راشد قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: الحائض تقضي الصلاة؟ قال: لا، قلت: تقضي الصوم؟ قال: نعم، قلت: من أين جاء ذا؟ قال: إن أول من قاس إبليس، قلت: والصائم يستنقع في الماء؟ قال: نعم، قلت: فيبل ثوبا على جسده؟ قال: لا، قلت: من أين جاء ذا؟ قال: من ذاك، قلت: الصائم يشم الريحان؟ قال: لا لانه لذة ويكره له أن يتلذذ. الصفحة 114 (باب) * (مضغ العلك للصائم) * 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت: الصائم يمضغ العلك قال: لا. 2 محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن الحكم، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: قال أبوجعفر عليه السلام: يا محمد إياك أن تمضغ علكا فإني مضغت اليوم علكا وأنا صائم فوجدت في نفسي منه شيئا. (باب) * (في الصائم يذوق القدر ويزق الفرخ) * 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه سئل عن المرأة الصائمة تطبخ القدر فتذوق المرقة تنظر ليه؟ فقال: لا بأس. قال: وسئل عن المرأة لها الصبي وهي صائمة فتمضغ الخبز وتطعمه؟ فقال: لا بأس والطير إن كان لها. 2 الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن الحسين بن زياد، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لا بأس للطباخ والطباخة أن يذوق المرق وهو صائم. 3 علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إن فاطمة صلوات الله عليها كانت تمضغ للحسن ثم للحسين (صلوا) وهي صائمة في شهر رمضان. الصفحة 115 4 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن علي بن النعمان، عن سعيد الاعرج قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الصائم يذوق الشئ ولا يبلعه؟ قال: لا. (باب) * (في الصائم يزدرد نخامته ويدخل حلقه الذباب) * 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن غياث بن إبراهيم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لا بأس بأن يزدرد الصائم نخامته. 2 علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله، عن آبائه (عل) أن عليا (صل) سئل عن الذباب يدخل حلق الصائم، قال: ليس عليه قضاء لانه ليس بطعام. (باب) * (في الرجل يمص الخاتم والحصاة والنواة) * 1 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله عليه السلام في الرجل يعطش في شهر رمضان قال: لا بأس بأن يمص الخاتم. 2 أحمد بن محمد، عن علي بن الحسين، عن محسن بن أحمد، عن يونس بن يعقوب الصفحة 116 قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: الخاتم في فم الصائم ليس به بأس فأما النواة فلا. (باب) * (الشيخ والعجوز يضعفان عن الصوم) * 1 محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله عزوجل: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين) قال: الشيخ الكبير والذي يأخذه العطاش، وعن قوله عزوجل: (فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا) قال: من مرض أو عطاش. 2 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبدالملك بن عتبة الهاشمي قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الشيخ الكبير والعجوز الكبيرة التي تضعف عن الصوم في شهر رمضان، قال: تصدق في كل يوم بمد حنطة. 3 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عبدالله بن المغيرة، عن عبدالله بن سنان قال: سألته عن رجل كبير ضعف عن صوم شهر رمضان قال: يتصدق كل يوم بما يجزئ من طعام مسكين. 4 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الشيخ الكبير والذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان ويتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام ولا قضاء عليهما فإن لم يقدرا فلا شئ عليهما. 5 أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبدالله عليه السلام في قول الله عزوجل: (وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين) قال: الذين كانوا يطيقون الصوم فأصابهم كبر أو عطاش أو شبه ذلك فعليهم لكل يوم مد. الصفحة 117 6 أحمد بن إدريس، وغيره، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن الحسين، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار، عن أبي عبدالله عليه السلام في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه، قال: يشرب بقدر ما يمسك به رمقه ولا يشرب حتى يروى. 7 علي بن إبراهيم، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن المفضل ابن عمر قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: إن لنا فتيات وشبانا لا يقدرون على الصيام من شدة ما يصيبهم من العطش، قال: فليشربوا بقدر ما تروى به نفوسهم وما يحذرون. (باب) * (الحامل والمرضع يضعفان عن الصوم) * 1 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا جعفر عليه السلام يقول: الحامل المقرب والمرضع القليلة اللبن لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان لانهما لا تطيقان الصوم وعليهما أن يتصدق كل واحد منهما في كل يوم يفطر فيه بمد من طعام وعليهما قضاء كل يوم أفطر تا فيه تقضيانه بعد. محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبدالله بن هلال، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر عليه السلام مثله. الصفحة 118 (باب) * (حد المرض الذي يجوز للرجل أن يفطر فيه) * 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن جميل بن دراج، عن الوليد بن صبيح قال: جمعت بالمدينة يوما في شهر رمضان فبعث إلي أبوعبدالله عليه السلام بقصعة فيها خل وزيت وقال: أفطر وصل وأنت قاعد. 2 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن عمر بن أذينة قال: كتبت إلى أبا عبدالله عليه السلام أسأله ماحد المرض الذي يفطر فيه صاحبه والمرض الذي يدع صاحبه الصلاة قائما؟ قال: (بل الانسان على نفسه بصيرة) وقال: ذاك إليه هو أعلم بنفسه. 3 علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس، عن سماعة قال: سألته ماحد المرض الذي يجب على صاحبه فيه الافطار كما يجب عليه في السفر من كان مريضا أو على سفر؟ قال: هو مؤتمن عليه مفوض إليه فإن وجد ضعفا فليفطر وإن وجد قوة فليصمه، كان المرض ما كان. 4 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: الصائم إذا خاف عليه عينه من الرمد أفطر. 5 محمد بن يحيى، وغيره، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن الحسن، عن عمرو بن سعيد، عن مصدق بن صدقة، عن عمار بن موسى، عن أبي عبدالله عليه السلام في الرجل يجد رأسه وجعا من صداع شديد هل يجوز له الافطار؟ قال: إذا صدع صداعا شديدا وإذا حم حمي شديدة وإذا رمدت عيناه رمدا شديدا فقد حل له الافطار. 6 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن بكر بن أبي بكر الحضرمي قال: سألته أبي يعني أبا عبدالله عليه السلام الصفحة 119 وأنا أسمع: ما حد المرض الذي يترك منه الصوم؟ قال: إذا لم يستطع أن يتسحر. 7 أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن الحسبن بن عثمان، عن سليمان ابن عمرو، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: اشتكت أم سلمة رحمة الله عليها عينها في شهر رمضان فأمرها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن تفطر، وقال: عشاء الليل لعينك ردى. 8 علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس، عن شعيب، عن محمد بن مسلم قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: ما حد المريض إذا نقه في الصيام؟ قال: ذلك إليه هو أعلم بنفسه إذا قوي فليصم. (باب) * (من توالى عليه رمضانان) * 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عيسى، عن حريز، عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر وأبي عبدالله صلوات عليهما قال: سألتهما عن رجل مرض فلم يصم حتى أدركه رمضان آخر فقالا: إن كان برء ثم تواني قبل أن يدركه رمضان الآخر صام الذي أدركه وتصدق عن كل يوم بمد من طعام على مسكين و عليه قضاؤه وإن كان لم يزل مريضا حتى أدركه رمضان آخر صام الذي أدركه وتصدق عن الاول لكل يوم مدا على مسكين وليس عليه قضاؤه. 2 علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن جميل، عن زرارة، عن أبي جعفر عليه السلام في الرجل يمرض فيدركه شهر رمضان ويخرج عنه وهو مريض ولايصح حتى يدركه شهر رمضان آخر، قال: يتصدق عن الاول ويصوم الثاني فإن كان صح فيما بينهما ولم يصم حتى أدركه شهر رمضان آخر صامهما جميعا ويتصدق عن الاول. الصفحة 120 3 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن فضيل، عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجل عليه من شهر رمضان طائفة ثم أدركه شهر رمضان قابل، عليه أن يصوم وأن يطعم كل يوم مسكينا فإن كان مريضا فيما بين ذلك حتى أدركه شهر رمضان قابل فليس عليه إلا الصيام إن صح وإن تتابع المرض عليه فلم يصح فعليه أن يطعم لكل يوم مسكينا. (باب) * (قضاء شهر رمضان) * 1 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن أحمد بن أشيم، عن سليمان ابن جعفر الجعفري قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان أيقضيها متفرقة قال: لا بأس بتفريق قضاء شهر رمضان إنما الصيام الذي لا يفرق كفارة الظهار وكفارة الدم وكفارة اليمين. 2 أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عمن يقضي شهر رمضان منقطعا، قال: إذا حفط أيامه فلا بأس. 3 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن عبدالله بن المغيرة، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: من أفطر شيئا من شهر رمضان في عذر فإن قضاه متتابعا أفضل وإن قضاه متفرقا فحسن لا بأس. 4 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا كان على الرجل شئ من صوم شهر رمضان فليقضه في أي الصفحة 121 شهر شاء أياما متتابعة فإن لم يستطع فليقضه كيف شاء وليمحص الايام فإن فرق فحسن وإن تابع فحسن. 5 حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن غير واحد، عن أبان، عن عبدالرحمن بن أبي عبدالله قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قضاء شهر رمضان في ذي الحجة [أ] و [أ] قطعه قال: اقضه في ذي الحجة واقطعه إن شئت. 6 محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبدالله بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبدالله عليه السلام في رجل مرض في شهر رمضان فلما برء أراد الحج كيف يصنع بقضاء الصوم؟ قال: إذا رجع فليصمه. (باب) * (الرجل يصبح وهو يريد الصيام فيفطر ويصبح وهو لا يريد الصوم) * * (فيصوم في قضاء شهر رمضان وغيره) * 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يصبح وهو يريد الصيام ثم يبدو له فيفطر، قال: هو بالخيار ما بينه وبين نصف النهار، قلت: هل يقضيه إذا أفطر؟ قال: نعم لانها حسنة أراد أن يعملها فليتمها، قلت: فإن رجلا أراد أن يصوم ارتفاع النهار أيصوم؟ قال: نعم. الصفحة 122 2 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة ابن أيوب، عن حسين بن عثمان، عن سماعة بن مهران، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الصائم المتطوع تعرض له الحاجة؟ قال: هو بالخيار ما بينه وبين العصر وإن مكث حتى العصر ثم بدا له أن يصوم فإن لم يكن نوى ذلك فله أن يصوم ذلك اليوم إن شاء. 3 أحمد بن محمد، عن العباس بن معروف، عن صفوان بن يحيى، عن ابن سنان، عن عمار بن مروان، عن سماعة بن مهران، عن أبي عبدالله عليه السلام في قوله: " الصائم بالخيار إلى زوال الشمس " قال: ذلك في الفريضة فأما النافلة فله أن يفطر أي ساعة شاء إلى غروب الشمس. 4 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي بصير، عن عبدالرحمن بن الحجاج، عن أبي الحسن صلوات الله عليه في الرجل يبدو له بعد ما يصبح ويرتفع النهار في صوم ذلك اليوم ليقضيه من شهر رمضان ولم يكن نوى ذلك من الليل قال: نعم ليصمه وليعتد به إذا لم يكن أحدث شيئا. 5 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن الحارث ابن محمد، عن بريد العجلي، عن أبي جعفر عليه السلام في رجل أتى أهله في يوم يقضيه من شهر رمضان قال: إن كان أتى أهله قبل زوال الشمس فلا شئ عليه إلا يوم مكان يوم وإن كان أتى أهله بعد زوال الشمس فإن عليه أن يتصدق على عشرة مساكين فإن لم يقدر صام يوما مكان يوم وصام ثلاثة أيام كفارة لما صنع. 6 أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن الحسين بن عثمان، عن سماعة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن المرأة تقضي شهر رمضان فيكرهها زوجها على الافطار، فقال: لا ينبغي له أن يكرهها بعد الزوال. 7 أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن صالح بن عبدالله الخثعمي قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل ينوي الصوم فيلقاه أخوه الذي هو على أمره أيفطر؟ قال: الصفحة 123 إن كان تطوعا أجزء ه وحسب له وإن كان قضاء فريضة قضاه (باب) * (الرجل يتطوع بالصيام وعليه من قضاء شهر رمضان) * 1 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن إسماعيل، عن محمد بن الفضيل، عن أبي الصباح الكناني قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن رجل عليه من شهر رمضان أيام أيتطوع؟ فقال: لا حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان. 2 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل عليه من شهر رمضان طائفة أيتطوع؟ فقال: لا حتى يقضي ما عليه من شهر رمضان. (باب) * (الرجل يموت وعليه من صيام شهر رمضان أوغيره) * 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن حفص بن البختري، عن أبي عبدالله عليه السلام في الرجل يموت و عليه صلاة أو صيام، قال، يقضي عنه أولى الناس بميراثه، قلت: فإن كان أولى الناس به أمرأة؟ فقال: لا إلا الرجال. 2 محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن علي بن الحكم، عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عل) قال: سألته عن رجل أدركه شهر رمضان وهو مريض فتوفي قبل أن يبرء، قال: ليس عليه شئ ولكن يقضي عن الذي يبرء ثم يموت قبل أن يقضي. 3 الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبان بن عثمان، عن أبي مريم الانصاري، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا صام الرجل شيئا من شهر رمضان لم يزل مريضا حتى مات فليس عليه شئ وإن صح ثم مرض ثم الصفحة 124 مات وكان له مال تصدق عنه مكان كل يوم بمد وإن لم يكن له مال صام عنه وليه. 4 الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن حماد ابن عثمان عمن ذكره، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يموت وعليه دين من شهر رمضان من يقضي عنه؟ قال: أولى الناس به، قلت: وإن كان أولى الناس به امرأة؟ قال: لا إلا الرجال. 5 محمد بن يحيى، عن محمد قال: كتبت إلى الاخير عليه السلام رجل مات وعليه قضاء من شهر رمضان عشرة أيام وله وليان هل يجوز لهما أن يقضيا عنه جميعا خمسة أيام أحد الوليين وخمسة أيام الآخر؟ فوقع عليه السلام يقضي عنه أكبر وليه عشرة أيام ولاء إن شاء الله. 6 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سمعته يقول: إذا مات رجل وعليه صيام شهرين متتابعين من علة فعليه أن يتصدق عن الشهر الاول ويقضي الشهر الثاني. (باب) * (صوم الصبيان ومتى يؤخذون به) * 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه [عن ابن أبي عمير]، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إنا نأمر صبياننا بالصيام إذا كانوا بني سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم فإن كان إلى نصف النهار وأكثر من ذلك أو أقل فإذا غلبهم الصفحة 125 العطش والغرث أفطروا حتى يتعودوا الصوم ويطيقوه فمروا صبيانكم إذا كانوا أبناء تسع سنين بما أطاقوا من صيام فإذا غلبهم العطش أفطروا. 2 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن معاوية بن وهب قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام في كم يؤخذ الصبي بالصيام قال: مابينه وبين خمس عشرة سنة وأربع عشرة سنة فإن هو صام قبل ذلك فدعه ولقد صام ابني فلان قبل ذلك فتركته. 3 أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن الصبي متى يصوم؟ قال: إذا قوى على الصيام. 4 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام متتابعة فقد وجب عليه صيام شهر رمضان. (باب) * (من اسلم في شهر رمضان) * 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه سئل عن رجل أسلم في النصف من شهر رمضان ما عليه من صيامه؟ قال: ليس عليه إلا ما أسلم فيه. 2 علي بن إبراهيم، عن هارون بن مسلم، عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبدالله عن آبائه (عل) أن عليا (صل) كان يقول: في رجل أسلم في نصف شهر رمضان أنه ليس عليه إلا ما يستقبل. 3 أبوعلي الاشعري، عن محمد بن الجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن قوم أسلموا في شهر رمضان وقد مضى منه أيام هل عليهم أن يصوموا ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه؟ فقال: ليس عليهم قضاء ولا يومهم الذي أسلموا فيه إلا أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر. الصفحة 126 (ابواب السفر) (باب) * (كراهية السفر في شهر رمضان) * 1 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الخروج إذا دخل شهر رمضان قال: لا إلا فيما أخبرك به: خروج إلى مكة أو غزو في سبيل الله أو مال تخاف هلاكه أو أخ تريد وداعه وإنه ليس أخا من الاب والام. 2 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سألته عن الرجل يدخل شهر رمضان وهو مقيم لا يريد براحا ثم يبدو له بعد ما يدخل شهر رمضان أن يسافر فسكت فسألته غير مرة فقال: يقيم أفضل إلا أن يكون [له] حاجة لابد من الخروج فيها أو يتخوف على ماله. (باب) * (كراهية الصوم في السفر) * 1 عدة من اصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن عبدالعزيز العبدي، عن عبيد بن زرارة قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: قول الله عزوجل: (فمن شهد منكم الشهر فليصمه)؟ قال: ما أبينها من شهد فليصمه ومن سافر فلا يصمه. الصفحة 127 2 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سمعته يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عزوجل تصدق على مرضى أمتي ومسافريها بالتقصير والافطار، أيسر أحدكم إذا تصدق بصدقة أن ترد عليه. 3 أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عبدالملك بن عتبة، عن إسحاق بن عمار، عن يحيى بن أبي العلاء، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: الصائم في السفر في شهر رمضان كالمفطر فيه في الحضر، ثم قال: إن رجلا أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول الله أصوم شهر رمضان في السفر؟ فقال: لا، فقال: يا رسول الله إنه علي يسير؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله عزوجل تصدق على مرضي أمتي ومسافريها بالافطار في شهر رمضان أيعجب أحدكم لو تصدق بصدقة أن يرد عليه. 4 أحمد بن محمد، عن صالح بن سعيد، عن أبان بن تغلب، عن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): خيار أمتي الذين إذا سافروا أفطروا وقصروا وإذا أحسنوا استبشروا وإذا أساؤوا استغفروا، وشرار أمتي الذين ولدوا في النعم وغذوا به يأكلون طيب الطعام ويلبسون لين الثياب وإذا تكلموا لم يصدقوا. 5 أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عيص بن القاسم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا خرج الرجل في شهر رمضان مسافرا أفطر، وقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خرج من المدينة إلى مكة في شهر رمضان ومعه الناس وفيهم المشاة فلما انتهى إلى كراع الغميم دعا بقدح من ماء فيما بين الظهر والعصر فشرب وأفطر ثم أفطر الناس معه وثم أناس على صومهم فسماهم العصاة وإنما يؤخذ بآخر أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله). 6 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن حماد، عن حريز، عن زرارة، عن أبي جعفر الصفحة 128 عليه السلام قال: سمى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قوما صاموا حين أفطر وقصر عصاة وقال: هم العصاة إلى يوم القيامة وإنا لنعرف أبنائهم وأبناء أبنائهم إلى يومنا هذا. 7 محمد بن يحيى، عن سلمة بن الخطاب، عن سليمان بن سماعة، عن علي بن إسماعيل، عن محمد بن حكيم قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: لو أن رجلا مات صائما في السفر ما صليت عليه. (باب) * (من صام في السفر بجهالة) * 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبى، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت له: رجل صام في السفر فقال: إن كان بلغه أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن ذلك فعليه القضاء وإن لم يكن بلغه فلا شئ عليه. 2 أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عيص بن القاسم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: من صام في السفر بجهالة لم يقضه. 3 صفوان بن يحيى، عن عبدالله بن مسكان، عن ليث المرادي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا سافر الرجل في شهر رمضان أفطر وإن صامه بجهالة لم يقضه. (باب) * (من لايجب له الافطار والتقصير في السفر ومن يجب له ذلك) * 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، ومحمد بن إسماعيل، عن الفضل بن شاذان جميعا، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن الحكم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: المكاري والجمال الذي يختلف وليس له مقام يتم الصلاة ويصوم شهر رمضان. 2 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه قال: لا يفطر الصفحة 129 الرجل في شهر رمضان إلا في سبيل حق. 3 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن الحسن بن محبوب، عن أبي أيوب، عن محمد بن مروان، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سمعته يقول: من سافر قصرو أفطر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد أو في معصية الله أو رسولا لمن يعص الله أو في طلب شحناء أو سعاية ضرر على قوم مسلمين. 4 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن علي بن الحكم، عن عمر بن حفص عن سعيد بن يسار قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل يشيع أخاه في شهر رمضان فيبلغ مسيرة يوم أو مع رجل من إخوانه أيفطر أو يصوم؟ قال: يفطر. 5 محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أحدهما (عل) في الرجل يشيع أخاه مسيرة يوم أو يومين أو ثلاثة؟ قال: إن كان في شهر رمضان فليفطر، قلت، أيما أفضل يصوم أو يشيعه؟ قال: يشيعه إن الله عزوجل قد وضعه عنه. 6 الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي الوشاء، عن حماد ابن عثمان قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام رجل من أصحابي قد جاء ني خبره من الاعوص وذلك في شهر رمضان أتلقاه وأفطر؟ قال: نعم قلت: أتلقاه وأفطر أو أقيم وأصوم؟ قال: تلقاه وأفطر. 7 حميد بن زياد، عن ابن سماعة، عن عدة، عن أبان بن عثمان، عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: قلت: الرجل يشيع أخاه في شهر رمضان اليوم واليومين؟ الصفحة 130 قال: يفطر ويقضي، قيل له: فذلك أفضل أو يقيم ولا يشيعه؟ قال: يشيعه ويفطر فإن ذلك حق عليه. (باب) * (صوم التطوع في السفر وتقديمه وقضاؤه) * 1 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن منصور بن العباس، عن محمد بن عبدالله بن واسع، عن إسماعيل بن سهل، عن رجل، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: خرج أبوعبدالله عليه السلام من المدينة في أيام بقين من شعبان فكان يصوم ثم دخل عليه شهر رمضان وهو في السفر فأفطر فقيل له: تصوم شعبان وتفطر شهر رمضان؟ فقال: نعم شعبان إلي إن شئت صمت وإن شئت لا وشهر رمضان عزم من الله عزوجل علي الافطار. 26537 محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن أحمد بن هلال، عن عمرو بن عثمان، عن عذافر قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: أصوم هذه الثلاثة الايام في الشهر فربما سافرت وربما أصابتني علة فيجب علي قضاؤها؟ قال: فقال لي: إنما يجب الفرض فأما غير الفرض فأنت فيه بالخيار، قلت: بالخيار في السفر والمرض؟ قال: فقال: المرض قد وضعه الله عزوجل عنك والسفر إن شئت فاقضه وإن لم تقضه فلاجناح عليك . 36538 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن خالد، عن سعد بن سعد الاشعري، عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: سألته عن صوم ثلاثة أيام في الشهر هل فيه قضاء على المسافر؟ قال، لا. 46539 أحمد بن محمد، عن المرزبان بن عمران قال: قلت للرضا عليه السلام: اريد السفر فأصوم لشهري الذي أسافر فيه؟ قال: لا، قلت: فإذا قدمت أقضيه؟ قال: لا كما لا تصوم كذلك لا تقضي . الصفحة 131 56540 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن علي بن بلال، عن الحسن بن بسام الجمال، عن رجل قال: كنت مع أبي عبدالله عليه السلام فيما بين مكة والمدينة في شعبان وهو صائم ثم رأينا هلال شهر رمضان فأفطر فقلت له: جعلت فداك أمس كان عن شعبان وأنت صائم واليوم من شهر رمضان وأنت مفطر؟ فقال: إن ذاك تطوع ولنا أن نفعل ما شئنا وهذا فرض فليس لنا أن نفعل إلا ما أمرنا. (باب) * (الرجل يريد السفر أو يقدم من سفر في شهر رمضان) * 6541 - 1 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام أنه سئل عن الرجل يخرج من بيته يريد السفر وهو صائم، قال: فقال: إن خرج من قبل أن ينتصف النهار فليفطر وليقض ذلك اليوم وإن خرج بعد الزوال فليتم يومه. 6542 - 2 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ابن بكير، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا خرج الرجل في شهر رمضان بعد الزوال أتم الصيام فإذا خرج قبل الزوال أفطر. 6543 - 3 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبدالله عليه السلام في الرجل يسافر في شهر رمضان يصوم أو يفطر؟ قال: إن خرج قبل الزوال فليفطر وإن خرج بعد الزوال فليصم ; وقال: يعرف ذلك بقول علي عليه السلام: " أصوم وأفطر حتى إذا زالت الشمس عزم علي " يعني الصيام. 6543 - 4 محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن صفوان بن يحيى، عن العلاء بن رزين، عن محمد بن مسلم، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا سافر الرجل في شهر رمضان فخرج بعد نصف النهار فعليه صيام ذلك اليوم ويعتد به من شهر رمضان فإذا دخل أرضا قبل طلوع الفجر وهو يريد الاقامة بها فعليه صوم ذلك اليوم فإن دخل بعد طلوع الصفحة 132 الفجر فلاصيام عليه وإن شاء صام. 6544 - 5 علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن رفاعة بن موسى قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل يقدم في شهر رمضان من سفر حتى يرى أنه سيدخل أهله ضحوة أو ارتفاع النهار، فقال: إذا طلع الفجر وهوخارج ولم يدخل أهله فهو بالخيار إن شاء صام وإن شاء أفطر. 6545 - 6 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر بن سويد، عن عاصم بن حميد، عن محمد بن مسلم، قال: سألت أبا جعفر عليه السلام عن الرجل يقدم من سفر في شهر رمضان فيدخل أهله حين يصبح أو ارتفاع النهار، قال: إذا طلع الفجر وهو خارج ولم يدخل أهله فهو بالخيار إن شاء وإن شاء أفطر. 6546 - 7 عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل قدم من سفر في شهر رمضان ولم يطعم شيئا قبل الزوال قال: يصوم. 6547 - 8 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة قال: سألته عن مسافر دخل أهله قبل زوال الشمس وقد أكل، قال: لا ينبغي له أن يأكل يومه ذلك شيئا ولا يواقع في شهر رمضان إن كان له أهل . 6548 - 9 علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى بن عبيد، عن يونس قال: قال في المسافر الذي يدخل أهله في شهر رمضان وقد أكل قبل دخوله قال: يكف عن الاكل بقية يومه وعليه القضاء ; وقال: في المسافر يدخل أهله وهو جنب قبل الزوال ولم يكن أكل فعليه أن يتم صومه ولا قضاء عليه، يعني إذا كانت جنابته من احتلام. الصفحة 133 (باب) * (من دخل بلدة فأراد المقام بها أو لم يرد) * 16549 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن القاسم بن محمد ; عن بن أبي حمزة، عن أبي بصير قال: إذا قدمت أرضا وأنت تريد أن تقيم بها عشرة أيام فصم وأتم وإن كنت تريد أن تقيم أقل من عشرة أيام فأفطر ما بينك وبين شهر فإذا بلغ الشهر فأتم الصلاة والصيام وإن قلت: أرتحل غدوة. 26550 محمد بن يحيى، عن العمركي بن علي، عن علي بن جعفر، عن أخيه أبي الحسن عليه السلام قال: سألته عن الرجل يدركه شهر رمضان في السفر فيقيم الايام في المكان عليه صوم؟ قال: لا حتى يجمع على مقام عشرة أيام وإذا أجمع على مقام عشرة أيام صام وأتم الصلاة، قال: وسألته عن الرجل يكون عليه أيام من شهر رمضان وهومسافر يقضي إذا أقام في المكان؟ قال: لا حتى يجمع على مقام عشرة أيام. (باب) * (الرجل يجامع أهله في السفر أو يقدم من سفر في شهر رمضان) * 16551 عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن حماد بن عثمان، عمر بن يزيد قال: سألت أبا عبدالله عليه السلام عن الرجل يسافر في شهر رمضان أله أن يصيب من النساء؟ قال: نعم. 26552 أحمد بن محمد، عن محمد بن سهل، [عن أبيه] قال: سألت أبا الحسن عليه السلام عن رجل أتى أهله في شهر رمضان وهو مسافر؟ قال: لا بأس. الصفحة 134
الفروع من الكافي — نادر — غير محدد
الصفحة 121 (باب) * (كسب المعلم) * 8581 - 1 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الفضل ابن كثير، عن حسان المعلم قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن التعليم فقال
لا تأخذ على التعليم أجرا ، قلت الشعر والرسائل وما أشبه ذلك اشارط عليه؟ قال: نعم بعد أن يكون الصبيان عندك سواء في التعليم لا تفضل بعضهم على بعض. 2 858 - 2 - علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن شريف بن سابق، عن الفضل ابن أبي قرة قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): هؤلاء يقولون: إن كسب المعلم سحت، فقال: كذبوا أعداء الله إنما أرادوا أن لا يعلموا القرآن ولو أن المعلم أعطاه رجل دية ولده لكان للمعلم مباحا. (باب) * (بيع المصاحف) * 8583 - 1 - محمد بن يحيى، عن عبدالله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان، عن عبدالرحمن ابن سليمان، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن المصاحف لن تشترى فإذا اشتريت فقل: إنما اشترى منك الورق وما فيه من الادم وحليته وما فيه من عمل يدك بكذاوكذا. 8584 - 2 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن سماعة، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن بيع المصاحف وشرائها، فقال: لاتشتر كتاب الله عزوجل ولكن اشتر الحديد والورق والدفتين وقل: أشتري منك هذا بكذا وكذا. 8585 - 3 - أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن غالب بن عثمان، عن روح بن عبدالرحيم، عن
الفروع من الكافي — الصناعات — غير محدد
وروى عنه أنه قال عليه السلام
من أعيته الحيلة فليعالج الكرسف. 9386 - 7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن محمد بن، خالد عن سعد بن سعد، عن محمد ابن فضيل، عن أبي الحسن عليه السلام قال: كل ما افتتح به الرجل رزقه فهو تجارة. 9387 - 8 - محمد بن يحيى، عن بعض أصحابنا، عن منصور بن العباس، عن الحسن بن علي الصفحة 306 ابن يقطين، عن الحسين بن مياح، عن امية بن عمرو، عن الشعيري، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: كان أمير المؤمنين عليه السلام يقول: إذا نادى المنادي فليس لك أن تزيد وإنما يحرم الزيادة النداء ويحلها السكوت. 9388 - 9 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد أو غيره، عن ابن محبوب، عن عبدالعزيز العبدي، عن عبدالله بن أبي يعفور قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: من زرع حنطة في أرض فلم يزك زرعه أو خرج زرعه كثيرالشعير فبظلم عمله في ملك رقبة الارض أو بظلم لمزارعيه وأكرته لان الله عزوجل يقول: " فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات احلت لهم " يعني لحوم الابل والبقر والغنم وقال: إن إسرائيل كان إذا أكل من لحم الابل هيج عليه وجع الخاصرة فحرم على نفسه لحم الابل وذلك قبل أن تنزل التوراة فلما نزلت التوراة لم يحرمه ولم يأكله. 9389 - 10 - محمد بن يحيى، عن محمد بن أحمد، عن محمد بن عيسى، عن جعفر بن محمد بن أبي الصباح عن أبيه، عن جده قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام فتى صادقته جارية فدفعت إليه أربعة آلاف درهم، ثم قالت له: إذا فسد بيني وبينك رد علي هذه الاربعة آلاف فعمل بها الفتى و ربح ثم إن الفتى تزوج وأراد أن يتوب كيف يصنع؟ قال: يرد عليها الاربعة آلاف درهم والربح له. الصفحة 307 9390 - 11 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن حماد، عن الحلبي، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يؤكل ماتحمل النملة بفيها وقوائمها. 9391 - 12 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أبي الحسن عليه السلام قال: سمعته يقول: حيلة الرجل في باب مكسبه. 9393 - 13 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن الرباطي، عن أبي الصباح مولى آل سام، عن جابر قال: سألت أباعبدالله عليه السلام عن رجل صادقته امرأة فأعطته مالا فمكث في يده ماشاء الله ثم إنه بعد خرج منه قال: يرد إليهاما أخذ منها وإن كان فضل فهوله. 9393 - 14 - محمد بن يحيى قال: كتب محمد إلى أبي محمد عليه السلام: رجل يكون له على رجل مائة درهم فيلزمه فيقول له: أنصرف إليك إلى عشرة أيام وأقضي حاجتك فإن لم أنصرف فلك علي ألف درهم حالة من غير شرط وأشهد بذلك عليه ثم دعاهم إلى الشهادة فوقع عليه السلام: لاينبغي لهم أن يشهدوا إلا بالحق ولا ينبغي لصاحب الدين أن يأخذ إلا الحق إن شاء الله. 9394 - 15 - وعنه، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن عبدالله بن عبدالرحمن، عن يحيى الحلبي، عن الثمالي قال: مررت مع أبي عبدالله عليه السلام في سوق النحاس فقلت: جعلت فداك هذا النحاس أي شئ أصله؟ فقال: فضة إلا أن الارض أفسدتها فمن قدر على أن يخرج الفساد منها انتفع بها. 9395 - 16 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ثعلبة بن ميمون، عن عبدالملك بن عتبة قال: قلت: لا أزال أعطي الرجل المال فيقول: قدهلك أو ذهب فما عندك حيلة تحتالهالي؟ فقال: أعط الرجل ألف درهم وأقرضها إياه وأعطه عشرين درهما يعمل بالمال كله وتقول: هذا رأس مالي وهذا رأس مالك فما أصبت منهما جميعا فهو بيني وبينك فسألت أبا عبدالله عليه السلام عن ذلك، فقال: لا بأس به. 9396 - 17 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن أبيه، عن عبدالله بن الفضل، عن بعض أصحابنا قال: شكونا إلى أبي عبدالله عليه السلام ذهاب ثيابنا عند القصارين فقال: الصفحة 308 اكتبوا عليها بركة لنا ففعلنا ذلك فما ذهب لنا بعدذلك ثوب. 9397 - 18 - محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن إسماعيل بن بزيع، عن الخيبري، عن الحسين بن ثوير، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: إذا أصابتكم مجاعة فاعبثوا بالزبيب . 9398 - 19 - وعنه، عن محمد بن أحمد، عن السندي بن محمد، عن أبي البختري، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين عليه السلام: لا يحل منع الملح والنار. 9399 - 20 - عنه، عن موسى بن جعفر البغدادي، عن عبيدالله بن عبدالله، عن واصل بن سليمان، عن عبدالله بن سنان، عن أبي عبدا لله عليه السلام قال: كان للنبي (صلى الله عليه وآله) خليط في الجاهلية فلما بعث عليه السلام لقيه خليطه فقال للنبي (صلى الله عليه وآله): جزاك الله من خليط خيرا فقد كنت تواتي ولا تماري فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): وأنت فجزاك الله من خليط خيرا فإنك لم تكن ترد ربحا ولا تمسك ضرسا. 9400 - 21 - علي بن إبراهيم (عن أبيه) عن علي بن محمد القاساني، عن القاسم بن محمد، عن سليمان بن داود، عن رجل، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سألته عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهم أو متاعا واللص مسلم هل يرد عليه؟ قال: لايرد عليه فإن أمكنه أن يرد على صاحبه فعل وإلا كان في يده بمنزلة اللقطة يصيبها فيعرفها حولا فإن أصاب صاحبها ردها عليه وإلا تصدق بها فإن جاء صاحبها بعد ذلك خيره بين الاجر والغرم فإذا اختار الاجر فله الاجر وإن اختار الغرم غرم له وكان الاجر له. الصفحة 309 9401 - 22 - علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن يونس بن عبدالرحمن قال: سألت عبدا صالحا فقلت: جعلت فداك منا مرافقين لقوم بمكة فارتحلنا عنهم وحملنا بعض متاعهم بغير علم وقد ذهب القوم ولا نعرفهم ولا نعرف أوطانهم فقد بقي المتاع عندنا فما نصنع به؟ قال: فقال: تحملونه حتى تلحقوهم بالكوفة، فقال يونس: قلت له: لست أعرفهم ولا ندري كيف نسأل عنهم، قال: فقال: بعه وأعط ثمنه أصحابك، قال: فقلت: جعلت فداك أهل الولاية؟ قال: فقال: نعم. 9402 - 23 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الوشاء، عن أحمد بن عائذ، عن أبي خديجة، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: سأله ذريح المحاربي عن المملوك يأخذ اللقطة قال: وما للمملوك واللقطة لايملك من نفسه شيئا فلا يعرض لها المملوك فإنه ينبغي له أن يعرفها سنة فإن جاء طالبها دفعها إليه وإلا كانت في ماله فإن مات كان ميراثا لولده ولمن ورثه فإن لم يجئ لها طالب كانت في أموالهم هي لهم وإن جاء طالبها دفعوها إليه . 3 940 - 24 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن النوفلي، عن السكوني، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن الكشوف وهو أن تضرب الناقة وولدها طفل إلا أن يتصدق بولدها أو يذبح، ونهى أن ينزى حمار على عتيقة. 9405 - 25 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسن بن الحسين اللؤلؤي، عن صفوان بن يحيى، عن عبدالرحمن بن الحجاج قال: كان رجل من أصحابنا بالمدينة فضاق ضيقا شديدا واشتدت حاله فقال له أبو عبدالله عليه السلام: اذهب فخذ حانوتا في السوق وابسط بساطا وليكن عندك جرة من ماء وألزم باب حانوتك قال: ففعل الرجل فمكث ماشاء الله قال: ثم قدمت رفقة من مصر فألقوا متاعهم كل رجل منهم عند معرفته وعند صديقه حتى ملاؤا الحوانيت الصفحة 310 وبقي رجل منهم لم يصب حانوتا يلقى فيه متاعه فقال له أهل السوق: ههنا رجل ليس به بأس وليس في حانوته متاع فلو ألقيت متاعك في حانوته، فذهب إليه فقال له: القي متاعي في حانوتك؟ فقال له: نعم فألقى متاعه في حانوته وجعل يبيع متاعه الاول فالاول حتى إذا حضر خروج الرفقة بقي عندالرجل شئ يسير من متاعه فكره المقام عليه فقال لصاحبنا: أخلف هذا المتاع عندك تبيعه وتبعث إلي بثمنه؟ قال: فقال: نعم فخرجت الرفقة وخرج الرجل معهم وخلف المتاع عنده فباعه صاحبنا وبعث بثمنه أليه قال: فلما أن تهيأ خروج رفقة مصر من مصر بعث أليه ببضاعة فباعها ورد إليه ثمنها فلما رأى ذلك الرجل أقام بمصر وجعل يبعث إليه بالمتاع ويجهز عليه، قال: فأصاب وكثر ماله وأثرى. 9405 - 26 - عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن عبدالحميد بن عواض الطائي قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: إني اتخذت رحا فيها مجلسي ويجلس إلي فيها أصحابي، فقال: ذاك رفق الله عزوجل . 9406 - 27 - الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن الحسن بن علي، عن حمادبن عثمان قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: لجلوس الرجل في دبر صلاة الفجر إلى طلوع الشمس أنفذ في طلب الرزق من ركوب البحر، فقلت: يكون للرجل الحاجة يخاف فوتها فقال: يدلج فيها وليذكرالله عزوجل فإنه في تعقيب مادام على وضوء . 9407 - 28 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، وأحمد بن محمد، عن ابن فضال، عن معاوية بن وهب، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: يأتي على الناس زمان عضوض يعض كل امرء على مافي يديه وينسي الفضل وقد قال الله عزوجل: " ولا تنسوا الفضل بينكم " ينبري في ذلك الزمان قوم يعاملون المضطرين هم شرار الخلق. الصفحة 311 9408 - 29 - سهل بن زياد، عن يعقوب بن يزيد، عن محمد بن مرازم، عن رجل، عن إسحاق ابن عمار قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: من طلب قليل الرزق كان ذلك داعيه إلى اجتلاب كثير من الرزق (ومن ترك قليلا من الرزق كان ذلك داعيه إلى ذهاب كثير من الرزق). 9409 - 30 - علي بن محمد بن بندار، عن أحمد بن أبي عبدالله، عن محمد بن عيسى، عن رجل سماه، عن الحسين الجمال قال: شهدت إسحاق بن عمار يوما وقد شد كيسه وهو يريد أن يقوم فجاء ه إنسان يطلب دراهم بدينار فحل الكيس فأعطاه دراهم بدينار قال: فقلت له: سبحان الله ما كان فضل هذاالدينار؟ فقال إسحاق: ما فعلت هذا رغبة في فضل الدينار ولكن سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: من استقل قليل الرزق حرم الكثير. 9410 - 31 - أحمد بن محمد، عن محمد بن عيسى، عن أبي محمد الغفاري، عن عبدالله بن إبراهيم، عمن حدثه، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أعيته القدرة فليرب صغيرا، زعم محمد بن عيسى أن الغفاري من ولد أبي ذر رضي الله عنه . 9411 - 32 - أحمد بن محمد، عن عثمان بن عيسى، عن أبي زهرة، عن ام الحسن قال: مربي أمير المؤمنين عليه السلام فقال: أي شئ تصنعين يا ام الحسن؟ قلت أغزل: فقال: أما إنه أحل الكسب - أو من أحل الكسب -. 9412 - 33 - أحمد بن محمد، عن محمد بن علي، عن علي بن أسباط، عن حدثه، عن جهم بن حميد الرواسي قال: قال أبوعبدالله عليه السلام إذا رأيت الرجل يخرج من ماله في طاعة الله عزوجل فاعلم أنه أصابه من حلال وإذا أخرجه في معصية الله عزوجل فاعلم أنه أصابه من حرام. 9413 - 34 - أحمد بن محمد بن عيسى، عمن حدثه، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قلت: الرجل يخرج ثم يقدم علينا وقد أفاد المال الكثير فلا ندري اكتسبه من حلال أو حرام فقال: إذا كان ذلك فانظر في أي وجه يخرج نفقاته فإن كان ينفق فيما لاينبغي مما يأثم عليه فهو حرام. الصفحة 312
الفروع من الكافي — النوادر — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
الصفحة 348 9543 - 2 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابه، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله
(صلى الله عليه وآله): شارب الخمر لايزوج إذا خطب. 4 954 - 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن الحسن بن محبوب، عن خالدبن جرير، عن أبي الربيع، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من شرب الخمر بعد ما حرمها الله على لساني فليس بأهل أن يزوج إذا خطب. (باب) * (مناكحة النصاب والشكاك) 9545 - 1 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن عبد الكريم بن عمرو، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: تزوجوا في الشكاك ولاتزوجوهم لان المرأة تأخذ من أدب زوجها ويقهرها على دينه. 9546 - 2 - أبوعلي الاشعري، عن محمد بن عبدالجبار، عن صفوان بن يحيى، عن عبدالله بن مسكان، عن يحيى الحلبي، عن عبدالحميد الطائي، عن زرارة بن أعين قال: قلت لابي عبدالله عليه السلام: أتزوج بمرجئة أو حرورية؟ قال: لا، عليك بالبله من النساء، قال زرارة: فقلت: والله ماهي إلا مؤمنة أو كافرة فقال أبوعبدالله عليه السلام: وأين أهل ثنوى الله عزوجل قول الله عزوجل أصدق من قولك: " إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولايهتدون سبيلا ". 9547 - 3 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن جميل بن صالح، عن فضيل ابن يسار، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: لايتزوج المؤمن الناصبة المعروفة بذلك. 9548 - 4 - محمد بن أسماعيل، عن الفضل بن شاذان، عن ابن أبي عمير، عن ربعي، عن الفضيل ابن يسار، عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال له الفضيل: أتزوج الناصبة؟ قال: لا ولا كرامة، قلت: جلت فداك والله إني لاقول لك هذا ولوجاء ني ببيت ملآن دراهم مافعلت.
الفروع من الكافي — الكفو — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الصفحة 351 (12030 4) عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد، عن بكر بن صالح رفعه، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال
شكا نبي من الانبياء إلى الله عزوجل الغم فأمره الله عزوجل بأكل العنب. (12031 5) محمد بن يحيى، عن موسى بن الحسن، عن بعض أصحابه، عن ابن بقاح، عن هارون بن الخطاب، عن أبي الحسن الرسان قال: كنت أرعى جمالي في طريق الخورنق فبصرت بقوم قادمين فملت إلى بعض من معهم فقلت: من هؤلاء؟ فقال: جعفر بن محمد (عليهما السلام) و عبدالله بن الحسن قدم بهما على المنصور، قال: فسألت عنهم من بعد فقيل لي: إنهم نزلوا بالحيرة فبكرت لا سلم عليهم فدخلت فإذا قدامهم سلال فيها رطب قد اهديت إليهم من الكوفة فكشفت قدامهم فمديده جعفر بن محمد (عليهما السلام) فأكل وقال لي كل، ثم قال لعبدالله بن الحسن: يا أبا محمد ما ترى ما أحسن هذا الرطب ثم التفت إلي جعفر بن محمد (عليه السلام) فقال لي: يا أهل الكوفة فضلتم على الناس في المطعم بثلاث سمككم هذا البناني وعنبكم هذا الرازقي ورطبكم هذا المشان. (12032 6) الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن علي بن السندي قال: حدثني عيسى بن ابن عبدالرحمن، عن أبيه، عن جده قال: دخل أبوعكاشة بن محصن الاسدي على أبي جعفر (عليه السلام) فقدم إليه عنبا وقال له: حبة حبة يأكل الشيخ الكبير والصبي الصغير وثلاثة و أربعة يأكل من يظن أنه لا يشبع، وكله حبتين حبتين فإنه مستحب.
الفروع من الكافي — العنب — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)
خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) بِالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ، وَ لَمْ يَجْبُرْ كَسْرَ عَظْمٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ. أَيُّهَا النَّاسُ! فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ خَطْبٍ وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ، وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ، وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ، وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرِ عَيْنٍ بِبَصِيرٍ. عِبَادَ اللَّهِ! أَحْسِنُوا فِيمَا يُعِينُكُمُ النَّظَرَ فِيهِ، ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَرَصَاتِ مَنْ قَدْ أَفَادَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَانُوا عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَهْلَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ 555 وَ مَقامٍ كَرِيمٍ، ثُمَّ انْظُرُوا بِمَا خَتَمَ اللَّهُ لَهُمْ بَعْدَ النَّضْرَةِ وَ السُّرُورِ، وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ لِمَنْ صَبَرَ مِنْكُمُ الْعَافِيَةُ فِي الْجِنَانِ- وَ اللَّهِ- مُخَلَّدُونَ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ، فَيَا عَجَباً! وَ مَا لِيَ لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَإِ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا لَا يَقْتَفُونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ، وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ، وَ لَا يَعْفُونَ عَنْ عَيْبٍ ، الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا ، وَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى وَثِيقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ، فَلَا يَزَالُونَ بِجَوْرٍ وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا خَطَأً، لَا يَنَالُونَ تَقَرُّباً وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْداً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، أُنْسُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ، وَ تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، كُلُّ ذَلِكَ وَحْشَةً مِمَّا وَرَّثَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ نُفُوراً مِمَّا أَدَّى إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ، أَهْلُ حَسَرَاتٍ، وَ كُهُوفُ شُبُهَاتٍ، وَ أَهْلُ عَشَوَاتٍ وَ ضَلَالَةٍ وَ رِيبَةٍ، مَنْ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ رَأْيِهِ فَهُوَ مَأْمُونٌ عِنْدَ مَنْ يَجْهَلُهُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ، فَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ بِأَنْعَامٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا، وَ وَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِي مِنْ بَعْدِ قُرْبِ مَوَدَّتِهَا الْيَوْمَ، كَيْفَ يَسْتَذِلُّ بَعْدِي بَعْضُهَا بَعْضاً، وَ كَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً، الْمُتَشَتِّتَةِ غَداً عَنِ الْأَصْلِ النَّازِلَةِ بِالْفَرْعِ، الْمُؤَمِّلَةِ الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ، كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ أَخَذَ مِنْهُ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ الْغُصْنُ مَالَ مَعَهُ، مَعَ أَنَّ اللَّهَ- وَ لَهُ الْحَمْدُ- يَسْتَجْمِعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا يَجْمَعُ قَزَعَ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ، ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَشَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ سَيْلِ الْعَرِمِ 556 حَيْثُ بَعَثَ عَلَيْهِ فَأْرَةً فَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْرٍ يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَةٍ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَ يُمَكِّنُ مِنْ قَوْمٍ لِدِيَارِ قَوْمٍ تَشْرِيداً لِبَنِي أُمَيَّةَ وَ لِكَيْلَا يَغْتَصِبُوا مَا غَصَبُوا، يُضَعْضِعُ اللَّهُ بِهِمْ رُكْناً، وَ يَنْقُضُ بِهِمْ طَيَّ الْجَنَادِلِ مِنْ إِرَمَ، وَ يَمْلَأُ مِنْهُمْ بُطْنَانَ الزَّيْتُونِ، فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ، وَ كَأَنِّي أَسْمَعُ صَهِيلَ خَيْلِهِمْ، وَ طَمْطَمَةَ رِجَالِهِمْ، وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمَكُّنِ فِي الْبِلَادِ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ، مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَاتَ ضَالًّا، وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُفْضِي مِنْهُمْ مَنْ دَرَجَ، وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَنْ تَابَ، وَ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شِيعَتِي بَعْدَ التَّشَتُّتِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِهَؤُلَاءِ، وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْخِيَرَةُ، بَلْ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ وَ الْأَمْرُ جَمِيعاً. أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ الْمُنْتَحِلِينَ لِلْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا كَثِيرٌ، وَ لَوْ لَمْ تَخَاذَلُوا عَنْ مُرِّ الْحَقِّ وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَتَشَجَّعْ عَلَيْكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ، وَ لَمْ يَقُومَنَّ قَوِيٌّ عَلَيْكُمْ وَ عَلَى هَضْمِ الطَّاعَةِ وَ إِزْوَائِهَا عَنْ أَهْلِهَا، لَكِنْ تِهْتُمْ كَمَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى (عليه السلام)، وَ لَعَمْرِي أَيْضاً غفر [لَيُضَاعَفَنَّ عَلَيْكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافَ مَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدِ اسْتَكْمَلْتُمْ مِنْ بَعْدِي مُدَّةَ سُلْطَانِ بَنِي أُمَيَّةَ لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى سُلْطَانِ الدَّاعِي إِلَى الضَّلَالَةِ، وَ أَحْيَيْتُمُ الْبَاطِلَ، وَ خَلَّفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ، وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَ وَصَلْتُمُ 557 الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ الْحَرْبِ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ لَدَنَا التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ، وَ قَرُبَ الْوَعْدُ، وَ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ ذُو الذَّنَبِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَ لَاحَ لَكُمُ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ، وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ سَلَكَ بِكُمْ مَنَاهِجَ الرَّسُولِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الْعَمَى وَ الصَّمَمِ وَ الْبَكَمِ، وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ الطَّلَبِ وَ التَّعَسُّفِ، وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْقَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ، وَ لَا يُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَبَى وَ ظَلَمَ وَ اعْتَسَفَ وَ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ، وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ توضيح: في دون ما استقبلتم .. الظاهر أنّ هذه الخطبة كانت بعد قتل عثمان و انعقاد البيعة له (عليه السلام)، و حدوث بعض مبادي الفتن، فالمراد بما استدبروه استيلاء خلفاء الجور و تمكّنهم ثم زوال دولتهم، و بما استقبلوه ما حدث من الفتن بعد خلافته (عليه السلام)، فإنّ التدبّر فيها يورث العلم بأنّ بناء الدنيا على الباطل، و أنّ الحقّ لا يستقيم فيها، و أنّ الحقّ و الباطل كليهما إلى فناء و انقضاء، أو المراد بما استدبروه ما وقع في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) أوّلا و آخرا، و بما استقبلوه ما كان بعده (صلّى اللّه عليه و آله) مطابقا للأحوال السابقة من غلبة الباطل أوّلا ثم مغلوبيّته ثانيا، و يحتمل أن يكون المراد بما يستقبل و ما يستدبر شيئا واحدا فإنّ ما يستقبل قبل وروده يستدبر بعد مضيّه، أو المراد بما يستقبلونه ما أمامهم من أحوال البرزخ و القيامة، و بما استدبروه ما مضى من أيّام عمرهم، و لا يخفى بعده. فيما يعينكم - بالمهملة- .. أي يهمّكم أو بالمعجمة. 558 و قوله (عليه السلام): النظر فيه .. بدل اشتمال لقوله فيما يعينكم أو فاعل لقوله: يعينكم، بتقدير الظرف . من قد أقاده اللّه .. أي جعله قائدا و مكّنه من الملك أو من القود . و في الإرشاد : أباده اللّه بعمله .. و هو أظهر. بما ختم اللّه لهم .. الظرف صلة للختم قدم عليه .. أي انظروا بأيّ شيء ختم لهم، أو الباء بمعنى في، أو إلى، أو زائدة. و اللّه مخلّدون .. خبر محذوف و الجملة مبنيّة و مؤكّدة للسابقة أو استئنافيّة، كأنّه سأل عن عاقبتهم فقيل هم و اللّه مخلّدون. وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ. أي مرجعها إلى حكمه، أو عاقبة الملك و الدولة و العزّة للّه و لمن طلب رضاه. فيا عجبا- بغير تنوين- و أصله: يا عجبي، أو بالتّنوين .. أي يا قوم اعجبوا عجبا، و الأوّل أظهر . في دينها .. متعلّق بالاختلاف، أو بالخطإ، أو بهما على التنازع. و المراد بالحجج : المذاهب و الطرق أو الدلائل عليها. و لا يعفّون- بالتشديد و كسر العين- من العفّة، أو بالتخفيف و السكون من العفو. المعروف فيهم ما عرفوا .. أي المعروف و المنكر تابعان لآرائهم- و إن 559 خالفت الواقع- أو لشهواتهم، و لا يبالون بعدم موافقة الشريعة. و كهوف شبهات .. أي تأوي إليهم . و العشوة: أن يركب أمرا على غير بيان . من وكله اللّه إلى نفسه .. أي بسبب إعراضه عن الحقّ، و هو مبتدأ. و قوله: فهو مأمون خبره، و لعلّ المراد بالموصول أئمّة من قد ذمّهم سابقا لا أنفسهم. من فعلات شيعتي .. أي من يتّبعني اليوم ظاهرا. كلّ حزب منهم أخذ بغصن .. أي لتفرّقهم عن أئمّة الحقّ صاروا شعبا شتّى كلّ منهم أخذ بغصن من أغصان شجرة الحقّ بزعمهم ممّن يدّعي الانتساب إلى أهل البيت (عليهم السلام) مع تركهم الأصل. يستجمع هؤلاء .. إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم لدفع بني أميّة، لكن دفعوا الفاسد بالأفسد . كما يجمع قزع الخريف .. أي قطع السّحاب المتفرّقة، و إنّما خصّ الخريف لأنّه أوّل الشّتاء، و السّحاب يكون فيه متفرّقا غير متراكم و لا مطبق ثمّ يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك . 560 و الرّكام: السّحاب المتراكم بعضه فوق بعض ، و نسبة هذا التأليف إليه تعالى- مع أنّه لم يكن برضاه- على المجاز الشائع في الآيات و الأخبار. ثم يفتح لهم أبوابا .. فتح الأبواب كناية عمّا هيّأ لهم من الأسباب استدراجا، و المستشار موضع ثوراتهم و هيجانهم، و شبّه (عليه السلام) تسلّط هذا الجيش عليهم بسوء أعمالهم بما سلّط اللّه على أهل سبإ بعد إتمام النعمة عليهم لكفرانهم، كما قال تعالى: (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَ رَبٌّ غَفُورٌ فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) . قوله (عليه السلام): حيث بعث عليه فأرة . .. هذا مؤيّد لما قيل: أنّ العرم: الفأرة ، و أضيف السيل إليه لأنّه نقب لهم سكرا ضربت لهم بلقيس. و في النهج: كسيل الجنّتين حيث لم تسلم عليه فارة و لم تثبت له أكمة ، و الفارة: 561 الجبل الصّغير ، و الأكمة: التّلّ . و الحاصل بيان شدّة الشبه به بأنّه أحاط بالجبال و ذهب بالتلال و لم يمنعه شيء. و لم يرد سننه رصّ طود .. السّنن: الطّريق ، و الرّصّ: التصاق الأجزاء بعضها ببعض ، و الطّود: الجبل ، أي لم يرد طريقه طود مرصوص. و في النهج بعده: و لا حداب أرض. و لما فرغ (عليه السلام) من بيان شدّة المشبّه به أخذ في بيان شدّة المشبّه، فقال: يذعذعهم اللّه في بطون أودية. الذّعذعة : التّفريق .. أي يفرّقهم اللّه في السبل متوجّهين إلى البلاد. ثم يسلكهم يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ- هي من ألفاظ القرآن- .. أي كما أنّ اللّه تعالى ينزّل الماء من السماء فيستكنّ في أعماق الأرض ثم يظهر ينابيع إلى ظاهرها، كذلك هؤلاء يفرّقهم اللّه في بطون الأودية و غوامض الأغوار ثم يظهرهم بعد 562 الاختفاء، كذا ذكره ابن أبي الحديد . و يحتمل أن يكون بيانا لاستيلائهم على البلاد و تفرّقهم فيها و ظهورهم في كلّ البلاد و تيسير أعوانهم من سائر العباد، فكما أنّ مياه الأنهار و وفورها توجب وفور مياه العيون و الآبار فكذلك يظهر أثر هؤلاء في كلّ البلاد و تكثر أعوانهم في جميع الأقطار، و كلّ ذلك ترشيح لما سبق من التشبيه. من قوم .. أي بني أميّة. حقوق قوم .. أي أهل البيت (عليهم السلام) للانتقام من أعدائهم و إن لم يصل الحقّ إليهم. و يمكّن من قوم .. أي بني العباس. لديار قوم .. أي بني أميّة، و في بعض النسخ: و يمكّن بهم قوما في ديار قوم، و في النهج: و يمكّن لقوم في ديار قوم .. و هما أظهر. تشريدا لبني أميّة .. أي ليس الغرض إلّا تفريق بني أميّة و رفع ظلمهم. يضعضع اللّه بهم ركنا .. ضعضعه: هدمه حتّى الأرض .. أي يهدم اللّه بهم ركنا وثيقا هو أساس دولة بني أميّة. و ينقض بهم طيّ الجنادل من إرم .. الجنادل- جمع جندل-: و هو ما يقلّه الرّجل من الحجارة .. أي ينقض اللّه الأبنية التي طويت و بنيت بالجنادل. من بلاد إرم .. و هي دمشق و الشام، إذ كان مستقرّ ملكهم في أكثر الأزمان 563 تلك البلاد، و في بعض النسخ: على الجنادل. و يملأ منهم بطنان الزيتون .. بطنان الشيء: وسطه و دواخله . و قال الفيروزآبادي: الزّيتون مسجد دمشق، أو جبال الشّام، و بلد بالصّين ، و الغرض استيلاؤهم على وسط بلاد بني أميّة. و الصّهيل- كأمير-: صوت الفرس . و قال الفيروزآبادي: رجل طمطم و طمطميّ - بكسرهما- و طمطمانيّ بالضّمّ- في لسانه عجمة . انتهى. و أشار (عليه السلام) بذلك إلى أنّ أكثر عسكرهم من العجم- كما كان- إذ عسكر أبي مسلم كان أكثرهم من خراسان. ليذوبنّ ما في أيديهم .. أي بني أميّة. و يحتمل أن يكون إشارة إلى انقراض هؤلاء الغالبين من بني العباس. و إلى اللّه عزّ و جلّ يقضي منهم من درج .. في بعض النسخ: يفضي- بالفاء-. أي يوصل ، و في بعضها بالقاف بمعنى المحاكمة أو الإنهاء 564 و الإيصال . و درج الرّجل .. أي مشى ، و درج أيضا: مات ، و درج القوم: انقرضوا ، و الظاهر أنّ المراد به هنا الموت. أي من رأت منهم مات ضالا و أمره إلى اللّه يعذّبه كيف يشاء، و على الأول المعنى من بقي منهم فعاقبته الفناء و اللّه يقضي فيه بعلمه. و لعلّ اللّه يجمع شيعتي. .. إشارة إلى ظهور القائم (عليه السلام) و لا يلزم اتّصاله بملكهم، لأنّه شرّ لهم، كما سيأتي في الأخبار على كلّ حال. عن مرّ الحقّ .. أي الحقّ الذي هو مرّ، أو خالص الحقّ، فإنّه أمرّ. و في النهج : عن نصر الحقّ. و على هضم الطاعة .. أي كسرها و إزوائها، يقال: زوى الشيء عنه: أي صرفه و نحّاه ، و لم أظفر بهذا البناء . لكن تهتم كما تاهت بنو إسرائيل .. في خارج المصر أربعين سنة في الأرض بسبب عصيانهم و ترك الجهاد فكذا أصحابه (عليه السلام) تحيّروا في أديانهم و أعمالهم لما لم ينصروه على عدوّه. و في النهج : و لكنّكم تهتم متاه بني إسرائيل أضعاف ما 565 تاهت .. أي بحسب الشدّة أو بحسب الزمان. و الداعي إلى الضلالة .. داعي بني العباس. و خلفتم الحقّ .. أي متابعة أهل البيت (عليهم السلام). و قطعتم الأدنى .. أي الأدنين إلى الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) نسبا، الناصرين له في غزوة بدر، يعني نفسه و أولاده (عليهم السلام). و وصلتم الأبعد .. أي أولاد العباس فإنّهم كانوا أبعد نسبا من أهل البيت (عليهم السلام)، و كان جدّهم العباس ممّن حارب النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في غزوة بدر. أن لو قد ذاب ما في أيديهم. .. أي ذهب ملك بني العباس. لذي التمحيص للجزاء .. أي قرب قيام القائم (عليه السلام). و فيه التمحيص و الابتلاء ليجزي الكافرين و يعذّبهم في الدنيا أو القيامة. و قرب الوعد. .. أي وعد الفرج. و انقضت المدّة. .. أي قرب انقضاء مدّة أهل الباطل. و النجم ذو الذنب، من علامات ظهور القائم (عليه السلام). و المراد بالقمر المنير .. القائم (عليه السلام)، و كذا طالع المشرق إذ مكة شرقيّة بالنسبة إلى المدينة أو لأنّ اجتماع العساكر عليه و توجّهه إلى فتح البلاد من الكوفة و هي كالشرقيّة بالنسبة إلى الحرمين، و لا يبعد أن يكون ذكر المشرق ترشيحا للاستعارة أي القمر الطالع من مشرقه، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ظهور السلطان إسماعيل أنار اللّه برهانه. و التّعسّف: الظّلم . 566 و الثّقل الفادح : الديون المثقلة و المظالم أو بيعة أهل الجور و طاعتهم و ظلمهم. إلّا من أبى .. أي عن طاعة القائم (عليه السلام) أو الربّ تعالى. و اعتسف .. أي مال عن طريق الحقّ إلى غيره، أو ظلم على غيره .
بحار الأنوار ج17-35 — نادر — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَعليه السلامالنَّاسَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ وَ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ قَطُّ إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ وَ لَمْ يَجْبُرْ كَسْرَ عَظْمِ أَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ أَيُّهَا النَّاسُ وَ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ خَطْبٍ وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ عَتْبٍ مُعْتَبَرٌ وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرِ عَيْنٍ بِبَصِيرٍ أَلَا فَأَحْسِنُوا النَّظَرَ عِبَادَ اللَّهِ فِيمَا يَعْنِيكُمْ ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَرَصَاتِ مَنْ قَدْ أَبَادَهُ اللَّهُ بعلمه [بِعَمَلِهِ كَانُوا عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَهْلَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ فَهَا هِيَ عَرْصَةُ الْمُتَوَسِّمِينَ وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ تُنْذِرُ مَنْ يأتها [نَابَهَا مِنَ الثُّبُورِ بَعْدَ النَّضْرَةِ وَ السُّرُورِ وَ مُقِيلٌ مِنَ الْأَمْنِ وَ الْحُبُورِ وَ لِمَنْ صَبَرَ مِنْكُمُ الْعَاقِبَةُ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ فَوَاهاً لِأَهْلِ الْعُقُولِ كَيْفَ أَقَامُوا بِمَدْرَجَةِ السُّيُولِ وَ اسْتَضَافُوا غَيْرَ مَأْمُونٍ وَيْساً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْجَائِرَةِ فِي قَصْدِهَا الرَّاغِبَةِ عَنْ رُشْدِهَا لَا يَقْتَفُونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لَا يَقْتَدُونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَ لَا يَرْعَوُونَ مِنْ عَيْبٍ كَيْفَ 44 وَ مَفْزَعُهُمْ فِي الْمُبْهَمَاتِ إِلَى قُلُوبِهِمْ وَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ أَخَذَ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى ثِقَاتٍ لَا يَأْلُونَ قَصْداً وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْداً لِشِدَّةِ أُنْسِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضِهِمْ وَ تَصْدِيقِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً حِيَاداً كُلُّ ذَلِكَ عَمَّا وَرَّثَ الرَّسُولُ وَ نُفُوراً عَمَّا أُدِّيَ إِلَيْهِ مِنْ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرَضِينَ الْعَلِيمِ الْخَبِيرِ فَهُمْ أَهْلُ عَشَوَاتٍ وَ كُهُوفُ شُبُهَاتٍ قَادَةُ حَيْرَةٍ وَ رِيبَةٍ مِمَّنْ وُكِّلَ إِلَى نَفْسِهِ فَاغْرَوْرَقَ فِي الْأَضَالِيلِ هَذَا وَ قَدْ ضَمِنَ اللَّهُ قَصْدَ السَّبِيلِ لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ فَيَا مَا أَشْبَهَهَا مِنْ أُمَّةٍ صَدَرَتْ عَنْ وَلَائِهَا وَ رَغِبَتْ عَنْ رُعَاتِهَا وَ يَا أَسَفاً أَسَفاً يَكْلِمُ الْقَلْبَ وَ يُدْمِنُ الْكَرْبَ مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِنَا بَعْدَ مَهْلِكِي عَلَى قُرْبِ مَوَدَّتِهَا وَ تَأَشُّبِ أُلْفَتِهَا كَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً وَ تَحَوَّلَ أُلْفَتُهَا بُغْضاً فَلِلَّهِ الْأُسْرَةُ الْمُتَزَحْزِحَةُ غَداً عَنِ الْأَصْلِ الْمُخَيِّمَةُ بِالْفَرْعِ الْمُؤَمِّلَةُ الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ الْمُتَوَكِّفَةُ الرَّوْحَ مِنْ غَيْرِ مَطْلَعِهِ كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ مُعْتَصِمٌ بِغُصْنٍ آخِذٌ بِهِ أَيْنَمَا مَالَ الْغُصْنُ مَالَ مَعَهُ مَعَ أَنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ سَيَجْمَعُهُمْ كَقَزَعِ الْخَرِيفِ وَ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُمْ وَ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ يَفْتَحُ اللَّهُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَشَارِهِمْ إِلَيْهَا كَسَيْلِ الْعَرِمِ حَيْثُ لَمْ تَسْلَمْ عَلَيْهِ قَارَةٌ وَ لَمْ تَمْنَعْ مِنْهُ أَكَمَةٌ وَ لَمْ يَرُدَّ رُكْنُ طَوْدٍ سَنَنَهِ يَغْرِسُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَةٍ يُسْلِكُهُمْ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ يَنْفِي بِهِمْ عَنْ حُرُمَاتِ قَوْمٍ وَ يُمَكِّنُ لَهُمْ فِي دِيَارِ قَوْمٍ لِكَيْ لَا يَغْتَصِبُوا مَا غَصَبُوا يُضَعْضِعُ اللَّهُ بِهِمْ رُكْناً وَ يَنْقُضُ بِهِمْ عَلَى الْجَنْدَلِ مِنْ إِرَمَ وَ يَمْلَأُ مِنْهُمْ بُطْنَانَ الزَّيْتُونِ 45 الْخِيَرَةُ بَلْ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ وَ الْأَمْرُ جَمِيعاً . بيان: قولهعليه السلامإلى عرصات من قد أباده الله أي انظروا إلى ديار من قد أهلكه الله بعمله كالخلفاء الثلاثة خصوصا عثمان فها هي أي عرصات هؤلاء عرصة المتوسمين و المتفكرين في الدنيا و عواقبها المعتبرين بها وَ إِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ أي عرصاتهم و منازلهم على سبيلكم تنظرون إليها صباحا و مساء تنذر تلك العرصة من يأتها معتبرا بلسان الحال بالويل و الثبور بعد ما كان أصحابها في النضرة و السرور و الحبور كالسرور لفظا و معنى. و استضافوا أي طلبوا الضيافة أو قبلوها ممن لا يؤمن من الغدر و هو الدنيا. ويسا لهذه الأمة قال الفيروزآبادي في القاموس ويس كلمة تستعمل في موضع رأفة و استملاح للصبي و الويس الفقر. و في بعض النسخ و يا لهذه الأمة أي يا قوم اعجبوا لهم لا يألون قصدا أي لا يقصرون في قصد الخيرات أو في طلب قصد السبيل و وسطه بزعمهم لكن لقصور علمهم لا يزيدون إلا بعدا. و في بعض النسخ لا يأتون و هو أصوب و قد ضمن الله إشارة إلى قوله تعالى وَ عَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ فيا ما أشبهها أي يا قوم ما أشبه هذه الأمة بأمة كذا تعريضا لهم و إعراضا عن التصريح بصدور هذه الأعمال منهم. و الأظهر ما في الكافي فما أشبه هؤلاء بأنعام قد غاب عنها رعاؤها و في الصحاح تأشب القوم اختلطوا و ائتشبوا أيضا يقال جاء فلان فيمن تأشب 46 إليه أي انضم إليه و قال تزحزح تنحى و قال خيم بالمكان أي أقام و التوكف الترقب و الانتظار و الحاصل أنهم تفرقوا عن أئمة الحق و لم ينصروهم و تعلقوا بالأغصان و الفروع التي لا ينفع التعلق بها كمختار و أبي مسلم و زيد و يحيى و إبراهيم و أمثالهم. قولهعليه السلامسيجمعهم إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم لدفع بني أمية و الآنك بضم النون الأسرب. قولهعليه السلامو لعل الله يجمع شيعتي إشارة إلى ظهور القائمعليه السلامو قد مر و سيأتي مزيد توضيح للخطبة عند إيرادها بسند آخر.
بحار الأنوار ج17-35 — 1 باب بيعة أمير المؤمنين — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
أَللَّهُمَّ إِنِّي سَئِمْتُ الْحَيَاةَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ، وَ تَبَرَّمْتُ الْأَمَلَ، فَأَتِحْ لِي صَاحِبِي حَتَّى أَسْتَرِيحَ مِنْهُمْ وَ يَسْتَرِيحُوا مِنِّي، وَ لَنْ يُفْلِحُوا بَعْدِي. بيان: تاح له الشيء و أتيح له الشيء: أي قدّر له. ذكره الجوهري. و المراد بالصاحب ملك الموت. عبّر كذلك لأظهار الاشتياق إلى الموت. و يحتمل [أنّه] أراد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، أو [أراد] ابن ملجم لعنه اللّه، فالمراد بصاحبي من قدّر لقتلي. 155 [967] - شا: رَوَى مَسْعَدَةُ بْنُ صَدَقَةَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقِ (عليه السلام) يَقُولُ: خَطَبَ النَّاسَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ [(عليه السلام)] بِالْكُوفَةِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: أَنَا سَيِّدُ الشِّيبِ، وَ فِيَّ سُنَّةٌ مِنْ أَيُّوبَ، وَ سَيَجْمَعُ اللَّهُ لِي أَهْلِي كَمَا جَمَعَ لِيَعْقُوبَ شَمْلَهُ، وَ ذَلِكَ إِذَا اسْتَدَارَ الْفَلَكُ، وَ قُلْتُمْ: مَاتَ أَوْ هَلَكَ. أَلَا فَاسْتَشْعِرُوا قَبْلَهَا بِالصَّبْرِ وَ بُوءُوا إِلَى اللَّهِ بِالذَّنْبِ، فَقَدْ نَبَذْتُمْ قُدُسَكُمْ، وَ أَطْفَأْتُمْ مَصَابِيحَكُمْ، وَ قَلَّدْتُمْ هِدَايَتَكُمْ مَنْ لَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَ لَا لَكُمْ سَمْعاً وَ لَا بَصَراً، ضَعُفَ وَ اللَّهِ الطَّالِبُ وَ الْمَطْلُوبُ هَذَا وَ لَوْ لَمْ تَتَوَاكَلُوا أَمْرَكُمْ، وَ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ نُصْرَةِ الْحَقِّ بَيْنَكُمْ، وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ، لَمْ يَتَشَجَّعْ عَلَيْكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ، وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ، وَ لا [عَلَى هَضْمِ الطَّاعَةِ وَ إِزْوَائِهَا عَنْ أَهْلِهَا فِيكُمْ. تِهْتُمْ كَمَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى. وَ بِحَقٍّ أَقُولُ: لَيُضَعَّفَنَّ عَلَيْكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي بِاضْطِهَادِكُمْ وُلْدِي، ضِعْفَ مَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَى. وَ بِحَقٍّ قَدِ اسْتَكْمَلْتُمْ نَهَلًا، وَ امْتَلَأْتُمْ عَلَلًا مِنْ سُلْطَانِ الشَّجَرَةِ الْمَلْعُونَةِ فِي الْقُرْآنِ. لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى نَاعِقِ ضَلَالٍ، وَ لَأَجَبْتُمُ الْبَاطِلَ رَكْضاً، ثُمَّ لَغَادَرْتُمْ دَاعِيَ الْحَقِّ، وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ، وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ حَرْبٍ. أَلَا وَ لَوْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ. 156 لَقَدْ دَنَا التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ، وَ كُشِفَ الْغِطَاءُ، وَ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، وَ أَزِفَ الْوَعْدُ، وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ، وَ أَشْرَقَ لَكُمْ قَمَرُكُمْ كَمَلَاءِ شَهْرِهِ، وَ كَلَيْلَةٍ تَمَّ، فَإِذَا اسْتَبَانَ ذَلِكَ، فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ، وَ خَالِفُوا الْحَوْبَةَ، وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنْ أَطَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الصَّمَمِ، وَ اسْتَشْفَيْتُمْ مِنَ الْبَكَمِ، وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ التَّعَسُّفِ وَ الطَّلَبِ، وَ نَبَذْتُمُ الثِّقْلَ الْفَادِحَ عَنِ الْأَعْنَاقِ. فَلَا يُبْعِدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَبَى الرَّحْمَةَ، وَ فَارَقَ الْعِصْمَةَ، وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ [968] - جا: الْكَاتِبُ عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الثَّقَفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ زَيْدِ ابْنِ الْمُعَدِّلِ عَنْ يَحْيَى بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ عَنْ أَبِي صَادِقٍ عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْدِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ [(عليه السلام)] يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ، وَ قَدِ اسْتَنْفَرَهُمْ أَيَّاماً إِلَى الْجِهَادِ فَلَمْ يَنْفِرُوا: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي قَدِ اسْتَنْفَرْتُكُمْ فَلَمْ تَنْفِرُوا، وَ نَصَحْتُ لَكُمْ فَلَمْ تَقْبَلُوا، فَأَنْتُمْ شُهُودٌ كَأَغْيَابٍ وَ صُمٌّ ذَوُو أَسْمَاعٍ، أَتْلُو عَلَيْكُمُ الْحِكْمَةَ، وَ أَعِظُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ أَحُثُّكُمْ عَلَى جِهَادِ عَدُوِّكُمُ الْبَاغِينَ، فَمَا آتِي عَلَى آخِرِ مَنْطِقِي حَتَّى أَرَاكُمْ مُتَفَرِّقِينَ أَيَادِي سَبَا، فَإِذَا أَنَا كَفَفْتُ عَنْكُمْ عُدْتُمْ إِلَى مَجَالِسِكُمْ حَلَقاً عِزِينَ تَضْرِبُونَ الْأَمْثَالَ وَ تَتَنَاشَدُونَ الْأَشْعَارَ وَ تَسْأَلُونَ عَنِ الْأَخْبَارِ، قَدْ نَسِيتُمُ الِاسْتِعْدَادَ لِلْحَرْبِ وَ شَغَلْتُمْ قُلُوبَكُمْ بِالْأَبَاطِيلِ. تَرِبَتْ أَيْدِيكُمُ اغْزُوا الْقَوْمَ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَغْزُوكُمْ! فَوَ اللَّهِ مَا غُزِيَ قَوْمٌ قَطُّ فِي عُقْرِ دِيَارِهِمْ إِلَّا ذَلُّوا. وَ ايْمُ اللَّهِ مَا أَرَاكُمْ تَفْعَلُونَ حَتَّى يَفْعَلُوا، وَ لَوَدِدْتُ أَنِّي لَقِيتَهُمْ عَلَى نِيَّتِي 157 وَ بَصِيرَتِي فَاسْتَرَحْتُ مِنْ مُقَاسَاتِكُمْ، فَمَا أَنْتُمْ إِلَّا كَإِبِلٍ جُمَّةٍ أَضَلَّ رَاعِيَهَا، فَكُلَّمَا ضُمَّتْ مِنْ جَانِبٍ انْتَشَرَتْ مِنْ جَانِبٍ آخَرَ. وَ اللَّهِ لَكَأَنِّي بِكُمْ لَوْ حَمِسَ الْوَغَا وَ أَحَمَّ الْبَأْسُ، قَدِ انْفَرَجْتُمْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ انْفِرَاجَ الرَّأْسِ، وَ انْفِرَاجَ الْمَرْأَةِ عَنْ قُبُلِهَا. فَقَامَ إِلَيْهِ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ الْكِنْدِيُّ فَقَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! فَهَلَّا فَعَلْتَ كَمَا فَعَلَ ابْنُ عَفَّانَ؟ فَقَالَ لَهُ (عليه السلام): يَا عُرْفَ النَّارِ وَيْلَكَ! إِنَّ فِعْلَ ابْنِ عَفَّانَ لَمَخْزَاةٌ عَلَى مَنْ لَا دِينَ لَهُ وَ لَا حُجَّةَ مَعَهُ، فَكَيْفَ وَ أَنَا عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي [وَ] الْحَقُّ فِي يَدِي؟! وَ اللَّهِ إِنَّ امْرَأً يُمَكِّنُ عَدُوَّهُ مِنْ نَفْسِهِ، يُخْذَعُ لَحْمُهُ وَ يُهْشَمُ عَظْمُهُ وَ يُفْرَى جِلْدُهُ وَ يُسْفَكُ دَمُهُ، لَضَعِيفٌ مَا ضُمَّتْ عَلَيْهِ جَوَانِحُ صَدْرِهِ أَنْتَ فَكُنْ كَذَلِكَ إِنْ أَحْبَبْتَ، فَأَمَّا أَنَا فَدُونَ أَنْ أُعْطِيَ ذَلِكَ ضَرْبٌ بِالْمَشْرَفِيِّ، يَطِيرُ مِنْهُ فَرَاشُ الْهَامِ، وَ تَطِيحُ مِنْهُ الْأَكُفُّ وَ الْمَعَاصِمُ، وَ يَفْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ مَا شَاءَ. فَقَامَ أَبُو أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيُّ خَالِدُ بْنُ زَيْدٍ، صَاحِبُ مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ أَسْمَعَ مَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ وَ قَلْبٌ حَفِيظٌ، إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَكُمْ بِكَرَامَةٍ لَمْ تَقْبَلُوهَا حَقَّ قَبُولِهَا، إِنَّهُ نَزَّلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ابْنَ عَمِّ نَبِيِّكُمْ وَ سَيِّدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ بَعْدِهِ، يُفَقِّهُكُمْ فِي الدِّينِ، وَ يَدْعُوكُمْ إِلَى جِهَادِ الْمُحِلِّينَ، فَكَأَنَّكُمْ صُمٌّ لَا تَسْمَعُونَ، أَوْ عَلَى قُلُوبِكُمْ غُلُفٌ، مَطْبُوعٌ عَلَيْهَا، فَأَنْتُمْ لَا تَعْقِلُونَ. أَ فَلَا تَسْتَحْيُونَ عِبَادَ اللَّهِ! أَ لَيْسَ إِنَّمَا عَهِدَكُمْ بِالْجَوْرِ وَ الْعُدْوَانِ أَمْسِ! قَدْ شَمِلَ الْبَلَاءُ وَ شَاعَ فِي الْبِلَادِ، فَذُو حَقٍّ مَحْرُومٌ وَ مَلْطُومٌ وَجْهُهُ وَ مُوَطَّأٌ بَطْنُهُ، وَ مُلْقًى بِالْعَرَاءِ تَسْفِي عَلَيْهِ الْأَعَاصِيرُ، لَا يَكُنُّهُ مِنَ الْحَرِّ وَ الْقُرِّ وَ صِهْرِ الشَّمْسِ وَ الضِّحِّ، إِلَّا الْأَثْوَابُ الْهَامِدَةُ وَ بُيُوتُ الشَّعْرِ الْبَالِيَةِ، حَتَّى جَاءَكُمُ اللَّهُ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، فَصَدَعَ بِالْحَقِّ، وَ نَشَرَ الْعَدْلَ، وَ عَمِلَ بِمَا فِي الْكِتَابِ. 158 يَا قَوْمِ! فَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَ لَا تَوَلَّوْا مُدْبِرِينَ، وَ لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا: سَمِعْنا وَ هُمْ لا يَسْمَعُونَ، اشْحَذُوا السُّيُوفَ، وَ اسْتَعِدُّوا لِجِهَادِ عَدُوِّكُمْ، فَإِذَا دُعِيتُمْ فَأَجِيبُوا، وَ إِذَا أُمِرْتُمْ فَاسْمَعُوا وَ أَطِيعُوا، وَ مَا قُلْتُمْ فَلْيَكُنْ مَا أَضْمَرْتُمْ عَلَيْهِ تَكُونُوا بِذَلِكَ مِنَ الصَّادِقِينَ.. [969] - كِتَابُ الْغَارَاتِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جُنْدَبٍ مِثْلَهُ. بيان: الحلق بفتح الحاء و كسرها و فتح اللام: جمع حلقة. و قال الجوهري: العزة: الفرقة من الناس، و الهاء عوض من الياء، و الجمع عزى على [وزن] فعل. و عزون و عزون أيضا بالضمّ و منه قوله تعالى: عَنِ الْيَمِينِ وَ عَنِ الشِّمالِ عِزِينَ [37- المعارج: 70] قال الأصمعي: يقال: في الدار عزون: أي أصناف من الناس. [قوله (عليه السلام):] «أضلّ راعيها» في بعض النسخ: «ضلّ». [قال الجوهري] في الصحاح: قال ابن السّكّيت: أضللت بعيري: إذا ذهب منك. و ضللت المسجد و الدار: إذا لم تعرف موضعها. و في الحديث «لعلي أضلّ اللّه» يريد أضلّ عنه: أي أخفى عليه. و قال: حمّ الشيء و أحمّ: قدّر و أحمّه أمر: أي أهمّه. و أحمّ خروجنا: أي دنا. و في سائر الروايات: «و حمي البأس». قوله (عليه السلام): «يا عرف النار» لعلّه (عليه السلام) شبّهه بعرف الديك، لكونه رأسا فيما يوجب دخول النار، أو المعنى أنّك من القوم الذين يتبادرون دخول النار من غير رويّة، كقوله تعالى: «وَ الْمُرْسَلاتِ عُرْفاً». و قال [الفيروزآبادي] في القاموس: خذع اللحم و ما لا صلابة فيه- كمنع- خرزه و قطعه في مواضع. و قال: صهرته الشمس- كمنع-: صحرته. 159 و الشيء: أذابه. و الصهر- بالفتح-: الحار. و اصطهر و اصهار: تلألأ ظهره من حرّ الشمس. و قال: الضّحّ- بالكسر-: الشمس و ضوؤها، و البراز من الأرض و ما أصابته الشمس. و قال: الهمود: الموت و تقطع الثوب من طول الطي. و الهامد: البالي المسود المتغيّر. [970] - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام) وَ قَدْ تَوَاتَرَتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ بِاسْتِيلَاءِ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْبِلَادِ، وَ قَدِمَ عَلَيْهِ عَامِلَاهُ عَلَى الْيَمَنِ وَ هُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ وَ سَعِيدُ بْنُ نِمْرَانَ، لَمَّا غَلَبَ عَلَيْهِمَا بُسْرُ بْنُ أَرْطَاةَ، فَقَامَ (عليه السلام) إِلَى الْمِنْبَرِ ضَجِراً بِتَثَاقُلِ أَصْحَابِهِ عَنِ الْجِهَادِ وَ مُخَالَفَتِهِمْ [لَهُ] فِي الرَّأْيِ فَقَالَ: مَا هِيَ إِلَّا الْكُوفَةُ أَقْبِضُهَا وَ أَبْسُطُهَا، إِنْ لَمْ تَكُونِي إِلَّا أَنْتِ تَهُبُّ أَعَاصِيرُكِ فَقَبَّحَكِ اللَّهُ. وَ تَمَثَّلَ [(عليه السلام) بِقَوْلِ الشَّاعِرِ]: لَعَمْرُ أَبِيكَ الْخَيْرِ يَا عَمْرُو إِنَّنِي* * * عَلَى وَضَرٍ مِنْ ذَا الْإِنَاءِ قَلِيلٌ [ثُمَّ قَالَ (عليه السلام)]: أُنْبِئْتُ بُسْراً قَدِ اطَّلَعَ الْيَمَنَ، وَ إِنِّي وَ اللَّهِ لَأَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ سَيُدَالُونَ مِنْكُمْ بِاجْتِمَاعِهِمْ عَلَى بَاطِلِهِمْ وَ تَفَرُّقِكُمْ عَنْ حَقِّكُمْ، وَ بِمَعْصِيَتِكُمْ إِمَامَكُمْ فِي الْحَقِّ وَ طَاعَتِهِمْ إِمَامَهُمْ فِي الْبَاطِلِ، وَ بِأَدَائِهِمُ الْأَمَانَةَ إِلَى صَاحِبِهِمْ وَ خِيَانَتِكُمْ، وَ بِصَلَاحِهِمْ فِي بِلَادِهِمْ وَ فَسَادِكُمْ، فَلَوِ ائْتَمَنْتُ أَحَدَكُمْ عَلَى قَعْبٍ لَخَشِيتُ أَنْ يَذْهَبَ بِعِلَاقَتِهِ! أَللَّهُمَّ إِنِّي قَدْ مَلِلْتُهُمْ وَ مَلُّونِي، وَ سَئِمْتُهُمْ وَ سَئِمُونِي، فَأَبْدِلْنِي بِهِمْ خَيْراً مِنْهُمْ، وَ أَبْدِلْهُمْ بِي شَرّاً مِنِّي. اللَّهُمَّ مِثْ قُلُوبَهُمْ كَإِيمَاثِ الْمِلْحِ فِي الْمَاءِ. 160 أَمَا وَ اللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنَّ لِي بِكُمْ أَلْفَ فَارِسٍ مِنْ بَنِي فِرَاسِ بْنِ غَنْمٍ، [ثُمَّ تَمَثَّلَ (عليه السلام):] هُنَالِكَ لَوْ دَعَوْتَ أَتَاكَ مِنْهُمْ* * * فَوَارِسُ مِثْلُ أَرْمِيَةِ الْحَمِيمِ ثُمَّ نَزَلَ (عليه السلام) مِنَ الْمِنْبَرِ. قال السيّد [الرّضي] رضي اللّه عنه: الأرمية: جمع «رميّ» و هو السحاب. و الحميم هاهنا: وقت الصيف، و إنّما خصّ الشّاعر سحاب الصيف بالذكر؛ لأنّه أشدّ جفولا و أسرع خفوقا، لأنّه لا ماء فيه و إنّما يكون السحاب ثقيل السير، لامتلائه بالماء. و ذلك لا يكون في الأكثر إلّا في زمان الشتّاء. [و إنّما] أراد [الشاعر] وصفهم بالسرعة إذا دعوا، و الإغاثة إذا استغيثوا، و الدليل عليه، قوله: «هنالك لو دعوت أتاك منهم» . بيان: قوله (عليه السلام): «ما هي إلّا الكوفة أقبضها و أبسطها». : أي ما مملكتي إلّا الكوفة أتصرّف فيها كما يتصرّف الإنسان في ثوبه يقبضه و يبسطه. و الكلام في معرض التحقير، أي ما أصنع بتصرّفي فيها مع حقارتها. و يحتمل أن يكون المراد عدم التمكن التامّ من التصرّف فيها لنفاق أهلها، كمن لا يقدر على لبس ثوب بل على قبضه و بسطه. أو المراد بالبسط: بثّ أهلها للقتال عند طاعتهم. و بالقبض: الاقتصار على ضبطهم عند المخالفة. و [الخطاب] في قوله [(عليه السلام):] «إن لم تكوني [إلّا أنت»] التفات. قوله (عليه السلام): «تهبّ أعاصيرك»: الجملة في موضع الحال، و خبر «كان» محذوف، و لفظ الأعاصير على حقيقته، فإنّ الكوفة معروفة بهبوب الإعصار فيها. 161 و يحتمل أن يكون مستعارا لآراء أهلها المختلفة، و التقدير: إن لم تكوني إلّا أنت عدّة لي و جنّة ألقى بها العدوّ، و حظّا من الملك و الخلافة مع ما فيك من المذامّ، فقبحا لك و بعدا. و يمكن أن يقدر المستثنى منه حالا، أي إن لم تكوني على حال إلّا أن تهبّ فيك الأعاصير دون أن يكون فيك من يستعان به على العدوّ. و الإعصار: ريح تهبّ و تمتدّ من الأرض كالعمود نحو السّماء. و قيل: [هو] كلّ ريح فيها العصار، و هو الغبار الشّديد. و الوضر:- بفتح الضاد-: الدرن الباقي في الإناء بعد الأكل، و يستعار لكلّ بقيّة من شيء يقلّ الانتفاع بها. و استعار بلفظ الإناء للدّنيا و بلفظ الوضر للقليل لما فيها لحقارتها. و روي «من ذي الآلاء» فإنّما أراد: أنّي على بقيّة من هذا الأمر كالقدر الحاصل لناظر الآلاء، مع عدم انتفاعه بشيء آخر فإنّ الآلاء كسحاب. [ «و سبا» غير مهموز]: شجر حسن المنظر مرّ الطعم. قوله (عليه السلام): «قد اطّلع اليمن»: أي غلبها و غزاها و أغار عليها. من الاطّلاع و هو الإشراف من مكان عال. قوله (عليه السلام): «سيدالون منكم»: أي يغلبونكم و يكون لهم الدولة عليكم. و لعلّ التفرّق عن الحقّ و معصية الإمام واحد، أتى بهما تأكيدا. و قيل: المراد بالحقّ الذي تفرّقوا عنه [هو] تصرّفهم في الفيء و الغنائم و غيرها بإذن الإمام. و أداء الأمانة: الوفاء بالعهد و البيعة أو مطلقا. و الصلاح في البلاد: ترك التعرّض للناس و تهييج الفتن. و القعب: القدح الضخم. قوله (عليه السلام): «أن يذهب بعلاقته»: الضمير المستتر راجع إلى الأحد [في قوله: «فلو ائتمنت أحدكم»] و الباء للتعدية، أو إلى «القعب» و الباء 162 بمعنى مع. و قوله (عليه السلام): «خيرا منهم و شرّا منّي»: صيغة أفعل فيه بمنزلتها في قوله تعالى: «أَ ذلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ» [51- الفرقان: 25] على سبيل التّنزل أو التهكم، أو أريد بالصيغة أصل الصفة بدون تفضيل. و لعلّ المراد بقوله: «خيرا منهم»: قوم صالحون ينصرونه و يوفّقون لطاعته، أو ما بعد الموت من مرافقة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و غيره من الأنبياء (عليهم السلام). و تمنّيه (عليه السلام) لفوارس [من] فراس بن غنم ربما يؤيّد [الوجه] الأوّل. و يروى أنّ اليوم الذي دعا فيه (عليه السلام) ولد الحجّاج. و روي أنّه ولد بعد ذلك بمدّة يسيرة، و فعل الحجاج بأهل الكوفة مشهور. و يقال: ماث زيد الملح في الماء: أي أذابه. قوله (عليه السلام): «لوددت [أنّ لي بكم» إلى قوله: «هنالك لو دعوت أتاك منهم» ]: البيت لأبي جندب الهذلي، و بنو فراس حيّ مشهور بالشجاعة. و الجفول: الإسراع. و الخفوق: العجلة. [971] - نَهْجٌ: وَ قَالَ (عليه السلام) لَمَّا بَلَغَهُ إِغَارَةُ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ عَلَى الْأَنْبَارِ، فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ مَاشِياً حَتَّى أَتَى النُّخَيْلَةَ فَأَدْرَكَهُ النَّاسُ، وَ قَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَحْنُ نَكْفِيكَهُمْ. فَقَالَ (عليه السلام): وَ اللَّهِ لَا تَكْفُونِّي أَنْفُسَكُمْ فَكَيْفَ تَكْفُونِّي غَيْرَكُمْ! إِنْ كَانَتِ الرُّعَايَا قَبْلِي لَتَشْكُو حَيْفَ رُعَاتِهَا، وَ إِنِّي الْيَوْمَ لَأَشْكُو حَيْفَ رَعِيَّتِي، كَأَنِّي الْمَقُودُ وَ هُمُ الْقَادَةُ، أَوِ الْمَوْزُوعُ وَ هُمُ الْوَزَعَةُ! وَ لَمَّا قَالَ (عليه السلام) هَذَا القَوْلَ- فِي كَلَامٍ طَوِيلٍ قَدْ ذَكَرْنَا مُخْتَارَهُ فِي جُمْلَةِ الْخُطَبِ- تَقَدَّمَ إِلَيْهِ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: «إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا 163 نَفْسِي وَ أَخِي، فَمُرْنَا بِأَمْرِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نُنْفِذْ لَهُ». فَقَالَ [(عليه السلام):] وَ أَيْنَ تَقَعَانِ مِمَّا أُرِيدُ!. بيان: وزعه يزعه: كفّه و منعه. [972- 973] - كِتَابُ الْغَارَاتِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ لِعَلِيٍّ (عليه السلام) صَدِيقٌ يُكَنَّى بِأَبِي مَرْيَمَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا سَمِعَ بِتَشَتُّتِ النَّاسِ عَلَيْهِ أَتَاهُ، فَلَمَّا رَآهُ [عَلِيٌّ (عليه السلام)] قَالَ: أَبُو مَرْيَمَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: مَا جَاءَ بِكَ قَالَ: إِنِّي لَمْ آتِكَ لِحَاجَةٍ، وَ لَكِنِّي [كُنْتُ] أَرَاكَ لَوْ وَلَّوْكَ أَمْرَ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَجْزَأْتَهُ. قَالَ: يَا أَبَا مَرْيَمَ إِنِّي صَاحِبُكَ الَّذِي عَهِدْتُ، وَ لَكِنِّي مُنِيتُ بِأَخْبَثِ قَوْمٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ! أَدْعُوهُمْ إِلَى الْأَمْرِ [الصَّائِبِ] فَلَا يَتَّبِعُونِّي، فَإِذَا تَابَعْتُهُمْ عَلَى مَا يُرِيدُونَ تَفَرَّقُوا عَنِّي. وَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ جَعْدٍ عَنْ مَوْلَى الْأَشْتَرِ قَالَ: شَكَا عَلِيٌّ (عليه السلام) إِلَى الْأَشْتَرِ فِرَارَ النَّاسِ إِلَى مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ الْأَشْتَرُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنَّا قَاتَلْنَا أَهْلَ الْبَصْرَةِ بِأَهْلِ الْبَصْرَةِ، وَ أَهْلَ الْكُوفَةِ، وَ الرَّأْيُ وَاحِدٌ، وَ قَدِ اخْتَلَفُوا بَعْدُ وَ تُعَادُوا، وَ ضَعُفَتِ النِّيَّةُ، وَ قَلَّ الْعَدْلُ، وَ أَنْتَ تَأْخُذُهُمْ بِالْعَدْلِ، وَ تَعْمَلُ فِيهِمْ بِالْحَقِّ، 164 وَ تَنْصُفُ الْوَضِيعَ مِنَ الشَّرِيفِ، وَ لَيْسَ لِلشَّرِيفِ عِنْدَكَ فَضْلُ مَنْزِلَةٍ عَلَى الْوَضِيعِ، فَضَجَّ طَائِفَةٌ مِمَّنْ مَعَكَ عَلَى الْحَقِّ إِذَا عُمُّوا بِهِ، وَ اغْتَمُّوا مِنَ الْعَدْلِ إِذْ صَارُوا فِيهِ، وَ صَارَتْ صَنَائِعُ مُعَاوِيَةَ عِنْدَ أَهْلِ الْغِنَى وَ الشَّرَفِ، فَتَاقَتْ أَنْفُسُ النَّاسِ إِلَى الدُّنْيَا، وَ قَلَّ مِنَ النَّاسِ مَنْ لَيْسَ لِلدُّنْيَا بِصَاحِبٍ، وَ أَكْثَرُهُمْ مَنْ يَجْتَوِي الْحَقَّ وَ يَسْتَمْرِئُ الْبَاطِلَ وَ يُؤْثِرُ الدُّنْيَا . فَإِنْ تَبْذُلِ الْمَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَمِلْ إِلَيْكَ أَعْنَاقُ النَّاسِ، وَ تَصْفُو نَصِيحَتُهُمْ، وَ تَسْتَنْزِلُ وُدَّهُمْ، صَنَعَ اللَّهُ لَكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! وَ كَبَتَ عَدُوَّكَ، وَ فَضَّ جَمْعَهُمْ، وَ وَهَنَ كَيْدَهُمْ وَ شَتَّتَ أُمُورَهُمْ، إِنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَأَجَابَهُ عَلِيٌّ (عليه السلام) فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ قَالَ: أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ عَمَلِنَا وَ سِيرَتِنَا بِالْعَدْلِ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَ مَنْ أَساءَ فَعَلَيْها وَ ما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ وَ أَنَا مِنْ [أَنْ أَكُونَ مُقَصِّراً فِيمَا ذَكَرْتَ أَخْوَفُ. وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَنَّ الْحَقَّ ثَقُلَ عَلَيْهِمْ فَفَارَقُونَا لِذَلِكَ، فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا مِنْ جَوْرٍ، وَ لَمْ يَلْجَئُوا إِلَى عَدْلٍ، وَ لَمْ يَلْتَمِسُوا إِلَّا دُنْيَا زَائِلَةً عَنْهُمْ، كَأَنَّ قَدْ فَارَقُوهَا، وَ لَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَ لِلدُّنْيَا أَرَادُوا أَمْ لِلَّهِ عَمِلُوا؟ وَ أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ بَذْلِ الْأَمْوَالِ وَ اصْطِنَاعِ الرِّجَالِ، فَإِنَّا لَا يَسَعُنَا أَنْ نُؤْتِيَ امْرَأً مِنَ الْفَيْءِ أَكْثَرَ مِنْ حَقِّهِ، وَ قَدْ قَالَ اللَّهُ وَ قَوْلُهُ الْحَقُّ: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَ اللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ وَ [قَدْ] بَعَثَ [اللَّهُ] مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) وَحْدَهُ فَكَثَّرَهُ بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَ أَعَزَّ فِئَتَهُ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ [أَنْ] يُوَلِّيَنَا هَذَا الْأَمْرَ، يُذَلِّلُ لَنَا صَعْبَهُ 165 وَ يُسَهِّلُ لَنَا حَزْنَهُ وَ أَنَا قَابِلٌ مِنْ رَأْيِكَ مَا كَانَ لِلَّهِ [فِيهِ] رِضًا، وَ أَنْتَ مِنْ أَعَزِّ أَصْحَابِي وَ أَوْثَقِهِمْ فِي نَفْسِي وَ أَنْصَحِهِمْ عِنْدِي. [974] - كَنْزُ الْكَرَاجُكِيِّ: رُوِيَ أَنَّ هَذِهِ الْأَبْيَاتَ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام): أَخَذْتُكُمْ دِرْعاً حَصِيناً لِتَدْفَعُوا* * * سِهَامَ الْعِدَى عَنِّي فَكُنْتُمْ نِصَالَهَا فَإِنْ أَنْتُمْ لَمْ تَحْفَظُوا لِمَوَدَّتِي* * * ذِمَاماً فَكُونُوا لَا عَلَيْهَا وَ لَا لَهَا قِفُوا مَوْقِفَ الْمَعْذُورِ عَنِّي بِجَانِبٍ* * * وَ خَلُّوا نِبَالِي لِلْعِدَى وَ نِبَالَهَا . 167 [الباب الثاني و الثلاثون] علّة عدم تغيير أمير المؤمنين (عليه السلام) بعض البدع في زمانه [975] - ج: عَنْ مَسْعَدَةَ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ (عليه السلام) قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ [(عليه السلام)] فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا أُلْبِسْتُمُ الْفِتْنَةَ، يَنْشَأُ فِيهَا الْوَلِيدُ، وَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، وَ تَجْرِي النَّاسُ عَلَيْهَا حَتَّى يَتَّخِذُوهَا سُنَّةً، فَإِذَا غُيِّرَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ: أَتَى النَّاسُ بِمُنْكَرٍ غُيِّرَتِ السُّنَّةُ. ثُمَّ تَشْتَدُّ الْبَلِيَّةُ، وَ تَنْشَأُ فِيهَا الذُّرِّيَّةُ، وَ تَدُقُّهُمُ الْفِتَنُ كَمَا تَدُقُّ النَّارُ الْحَطَبَ، وَ كَمَا تَدُقُّ الرَّحَى بِثِفَالِهَا. يَتَفَقَّهُ النَّاسُ لِغَيْرِ الدِّينِ، وَ يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَ يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِعَمَلِ الْآخِرَةِ. ثُمَّ أَقْبَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، وَ مَعَهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ خَاصٌّ مِنْ شِيعَتِهِ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، 168 ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ عَمِلَتِ [عَمِلَ «خ»] الْوُلَاةُ قَبْلِي بِأُمُورٍ عَظِيمَةٍ، خَالَفُوا فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُتَعَمِّدِينَ لِذَلِكَ، وَ لَوْ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَى تَرْكِهَا وَ حَوَّلْتُهَا إِلَى مَوَاضِعِهَا الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، لَتَفَرَّقَ عَنِّي جُنْدِي! حَتَّى أَبْقَى وَحْدِي إِلَّا قَلِيلًا مِنْ شِيعَتِيَ الَّذِينَ عَرَفُوا فَضْلِي وَ إِمَامَتِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). أَ رَأَيْتُمْ لَوْ أَمَرْتُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) فَرَدَدْتُهُ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي وَضَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِيهِ، وَ رَدَدْتُ فَدَكَ إِلَى وَرَثَةِ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، وَ رَدَدْتُ صَاعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ مُدَّهُ إِلَى مَا كَانَ، وَ أَمْضَيْتُ قَطَائِعَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَقْطَعَهَا لِنَاسٍ مُسَمَّيْنَ، وَ رَدَدْتُ دَارَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى وَرَثَتِهِ وَ هَدَمْتُهَا [وَ أَخْرَجْتُهَا] مِنَ الْمَسْجِدِ، وَ رَدَدْتُ الْخُمُسَ إِلَى أَهْلِهِ، وَ رَدَدْتُ قَضَاءَ كُلِّ مَنْ قَضَى بِجَوْرٍ، وَ سَبْيَ ذَرَارِيِّ بَنِي تَغْلِبَ، وَ رَدَدْتُ مَا قُسِمَ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ، وَ مَحَوْتُ دِيوَانَ الْعَطَاءِ، وَ أَعْطَيْتُ كَمَا كَانَ يُعْطِي رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَمْ أَجْعَلْهَا دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ! وَ اللَّهِ لَقَدْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ لَا يَجْمَعُوا [لَا يَجْتَمِعُوا «خ»] فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ، فَنَادَى بَعْضُ أَهْلِ عَسْكَرِي مِمَّنْ يُقَاتِلُ دُونِي، وَ سَيْفُهُ مَعِي أَتَّقِي بِهِ فِي الْإِسْلَامِ وَ أَهْلِهِ : غُيِّرَتْ سُنَّةُ عُمَرَ وَ نُهِيَ أَنْ يُصَلَّى فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي جَمَاعَةٍ، حَتَّى خِفْتُ أَنْ يَثُورَ بِي نَاحِيَةُ عَسْكَرِي مَا لَقِيَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ مِنْ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَ الدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ!. وَ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ، سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى [فِي حَقِّهِمْ]: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى 169 وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ نَحْنُ وَ اللَّهِ عَنَى بِذَوِي الْقُرْبَى الَّذِينَ قَرَنَهُمُ اللَّهُ بِنَفْسِهِ وَ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَمْ يَجْعَلْ لَنَا فِي الصَّدَقَةِ نَصِيباً، أَكْرَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى نَبِيَّهُ، وَ أَكْرَمَنَا أَنْ يُطْعِمَنَا أَوْسَاخَ أَيْدِي النَّاسِ. فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: إِنِّي سَمِعْتُ مِنْ سَلْمَانَ وَ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَ الْمِقْدَادِ، أَشْيَاءَ مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَ الرِّوَايَةِ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ سَمِعْتُ مِنْكَ تَصْدِيقَ مَا سَمِعْتُ مِنْهُمْ، وَ رَأَيْتُ فِي أَيْدِي النَّاسِ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مِنْ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَ الْأَحَادِيثِ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله)، [وَ] أَنْتُمْ تُخَالِفُونَهُمْ وَ تَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِلٌ، أَ فَتَرَى النَّاسَ يَكْذِبُونَ مُتَعَمِّدِينَ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ يُفَسِّرُونَ الْقُرْآنَ بِآرَائِهِمْ؟ قَالَ: فَأَقْبَلَ [إِلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ] (عليه السلام) فَقَالَ لَهُ: قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمِ الْجَوَابَ: إِنَّ فِي أَيْدِي النَّاسِ حَقّاً وَ بَاطِلًا، وَ صِدْقاً وَ كَذِباً، وَ نَاسِخاً وَ مَنْسُوخاً، وَ عَامّاً وَ خَاصّاً، وَ مُحْكَماً وَ مُتَشَابِهاً، وَ حِفْظاً وَ وَهَماً، وَ قَدْ كُذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ هُوَ حَيٌّ، حَتَّى قَامَ خَطِيباً فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذَّابَةُ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ». وَ إِنَّمَا أَتَاكَ بِالْحَدِيثِ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ لَيْسَ لَهُمْ خَامِسٌ: رَجُلٌ مُنَافِقٌ مُظْهِرٌ لِلْإِيمَانِ مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلَامِ، لَا يَتَأَثَّمُ وَ لَا يَتَحَرَّجُ فِي أَنْ يَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مُتَعَمِّداً، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنَافِقٌ كَاذِبٌ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَ لَمْ يُصَدِّقُوا قَوْلَهُ، وَ لَكِنَّهُمْ قَالُوا: «صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) وَ رَآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ وَ لَقِفَ عَنْهُ» وَ يَأْخُذُونَ [فَيَأْخُذُونَ «خ»] بِقَوْلِهِ وَ قَدْ أَخْبَرَكَ اللَّهُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَكَ وَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ بِهِ لَكَ. ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ (صلّى اللّه عليه و آله) فَتَقَرَّبُوا إِلَى أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ، وَ الدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ بِالزُّورِ وَ الْبُهْتَانِ، فَوَلَّوْهُمُ الْأَعْمَالَ وَ جَعَلُوهُمْ حُكَّاماً عَلَى رِقَابِ النَّاسِ، وَ أَكَلُوا 170 بِهِمُ الدُّنْيَا وَ إِنَّمَا النَّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ وَ الدُّنْيَا إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ. فَهَذَا أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ. وَ [ثَانِي الْأَرْبَعَةِ] رَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) شَيْئاً لَمْ يَحْفَظْهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَوَهِمَ فِيهِ وَ لَمْ يَتَعَمَّدْ كَذِباً، وَ هُوَ فِي يَدَيْهِ يَرْوِيهِ وَ يَعْمَلُ بِهِ وَ يَقُولُ: «أَنَا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)». فَلَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّهُ وَهِمَ فِيهِ لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ، وَ لَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ كَذَلِكَ لَرَفَضَهُ. وَ رَجُلٌ ثَالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) شَيْئاً يَأْمُرُ بِهِ ثُمَّ نَهَى [رَسُولُ اللَّهِ] عَنْهُ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ، أَوْ سَمِعَهُ نَهَى عَنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ، فَحَفِظَ الْمَنْسُوخَ وَ لَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ. فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، وَ لَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ. وَ آخَرُ رَابِعٌ لَمْ يَكْذِبْ عَلَى اللَّهِ وَ لَا عَلَى رَسُولِهِ، مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً لِلَّهِ وَ تَعْظِيماً لِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَمْ يَهُمَّ بِهِ، بَلْ حَفِظَ مَا سَمِعَ عَلَى وَجْهِهِ، فَجَاءَ بِهِ عَلَى مَا سَمِعَهُ، وَ لَمْ يَزِدْ فِيهِ وَ لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ، وَ حَفِظَ النَّاسِخَ فَعَمِلَ بِهِ وَ حَفِظَ الْمَنْسُوخَ فَجَنَبَ عَنْهُ، وَ عَرَفَ الْخَاصَّ وَ الْعَامَّ فَوَضَعَ كُلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَهُ، وَ عَرَفَ الْمُتَشَابِهَ وَ الْمُحْكَمَ. وَ قَدْ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) الْكَلَامُ لَهُ وَجْهَانِ، فَكَلَامٌ خَاصٌّ وَ كَلَامٌ عَامٌّ، فَيَسْمَعُهُ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَا عَنَى اللَّهُ بِهِ، وَ لَا مَا عَنَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، فَيَحْمِلُهُ السَّامِعُ وَ يُوَجِّهُهُ عَلَى غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِمَعْنَاهُ وَ لَا مَا قُصِدَ بِهِ وَ مَا خَرَجَ مِنْ أَجْلِهِ. وَ لَيْسَ كُلُّ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَسْأَلُهُ وَ يَسْتَفْهِمُهُ، حَتَّى إِنْ كَانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِيءَ الْأَعْرَابِيُّ أَوِ الطَّارِي فَيَسْأَلَهُ (صلّى اللّه عليه و آله) حَتَّى يَسْمَعُوا كَلَامَهُ وَ كَانَ لَا يَمُرُّ بِي مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ إِلَّا سَأَلْتُ عَنْهُ وَ حَفِظْتُهُ. فَهَذِهِ وُجُوهُ مَا عَلَيْهِ النَّاسُ فِي اخْتِلَافِهِمْ وَ عِلَلِهِمْ فِي رِوَايَاتِهِمْ. 171 بيان: قد مرّ شرح آخر الخبر و سيأتي شرح أوّله. قوله (عليه السلام): «أتقي به الإسلام» في بعض النسخ: «ينعى الإسلام» [و] النعي: خبر الموت: أي كان ينادي مظهرا أنّه مات الإسلام و أهله بتغيير سنّة عمر. [976] - شي: عَنْ حَرِيزٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحَدِهِمَا قَالَ: لَمَّا كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ [(عليه السلام)] فِي الْكُوفَةِ أَتَاهُ النَّاسُ فَقَالُوا: اجْعَلْ لَنَا إِمَاماً يَؤُمُّنَا فِي [شَهْرِ] رَمَضَانَ. فَقَالَ: لَا. وَ نَهَاهُمْ أَنْ يَجْتَمِعُوا فِيهِ، فَلَمَّا أَمْسَوْا جَعَلُوا يَقُولُونَ: ابْكُوا فِي رَمَضَانَ وَا رَمَضَانَاهْ. فَأَتَاهُ الْحَارِثُ الْأَعْوَرُ فِي أُنَاسٍ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ضَجَّ النَّاسُ وَ كَرِهُوا قَوْلَكَ. فَقَالَ (عليه السلام): دَعُوهُمْ وَ مَا يُرِيدُونَ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ مَنْ شَاءُوا. ثُمَّ قَالَ: «فَمَنْ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً». [977] - جا: الْكَاتِبُ عَنِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنِ الثَّقَفِيِّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ هِشَامٍ عَنِ الصَّبَّاحِ بْنِ يَحْيَى الْمُزَنِيِّ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ حَصِيرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) أَنَّهُ قَالَ يَوْماً: ادْعُوا [لِي] 172 غَنِيّاً وَ بَاهِلَةَ- وَ حَيّاً آخَرَ قَدْ سَمَّاهُمْ- فَلْيَأْخُذُوا عَطَايَاهُمْ، فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ مَا لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ، وَ إِنِّي شَاهِدٌ وَ مَنْزِلِي عِنْدَ الْحَوْضِ وَ عِنْدَ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، أَنَّهُمْ أَعْدَاءٌ لِي فِي الدُّنْيَا وَ الْآخِرَةِ [وَ] لَآخُذَنَّ غَنِيّاً أَخْذَةً يَضْرِطُ بَاهِلَةُ. وَ لَئِنْ ثَبَتَتْ قَدَمَايَ لَأَرُدَّنَّ قَبَائِلَ إِلَى قَبَائِلَ، وَ قَبَائِلَ إِلَى قَبَائِلَ، وَ لَأُبَهْرِجَنَّ سِتِّينَ قَبِيلَةً مَا لَهَا فِي الْإِسْلَامِ نَصِيبٌ. بيان: البهرج: الباطل. و بهرجه: أي جعل دمه هدرا. [978] - كا: [ثِقَةُ الْإِسْلَامِ الْكُلَيْنِيُ] فِي [كِتَابِ] الرَّوْضَةِ [عَنْ] عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ الْيَمَانِيِّ عَنْ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْ سُلَيْمِ بْنِ قَيْسٍ الْهِلَالِيِّ قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) ثُمَّ قَالَ: أَلَا إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ خَلَّتَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَ طُولُ الْأَمَلِ. أَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ. وَ أَمَّا طُولُ الْأَمَلِ فَيُنْسِي الْآخِرَةَ. أَلَا وَ إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً، وَ إِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً، وَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ [مِنْهُمَا] بَنُونَ، فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الْآخِرَةِ، وَ لَا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا، فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَ لَا حِسَابَ، وَ إِنَّ غَداً حِسَابٌ وَ لَا عَمَلَ. وَ إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ مِنْ أَهْوَاءٍ تُتَّبَعُ، وَ أَحْكَامٍ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا حُكْمُ 173 اللَّهِ، يَتَوَلَّى فِيهَا رِجَالٌ رِجَالًا. أَلَا إِنَّ الْحَقَّ لَوْ خَلَصَ لَمْ يَكُنِ اخْتِلَافٌ، وَ لَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ لَمْ يَخْفَ عَلَى ذِي حِجًى، لَكِنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ، فَيُمْزَجَانِ فَيَجْتَمِعَانِ فَيُجَلَّيَانِ مَعاً، فَهُنَاكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ، وَ نَجَا الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ الْحُسْنَى، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يَقُولُ: كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا أَلْبَسَتْكُمْ فِتْنَةٌ يَرْبُو فِيهَا الصَّغِيرُ، وَ يَهْرَمُ فِيهَا الْكَبِيرُ، يَجْرِي النَّاسُ عَلَيْهَا وَ يَتَّخِذُونَهَا سُنَّةً، فَإِذَا غُيِّرَ مِنْهَا شَيْءٌ قِيلَ: قَدْ غُيِّرَتِ السُّنَّةُ وَ أَتَى النَّاسُ مُنْكَراً. ثُمَّ تَشْتَدُّ الْبَلِيَّةُ وَ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ وَ تَدُقُّهُمُ الْفِتْنَةُ كَمَا تَدُقُّ النَّارُ الْحَطَبَ، وَ كَمَا تَدُقُّ الرَّحَى بِثِفَالِهَا، وَ يَتَفَقَّهُونَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَ يَتَعَلَّمُونَ لِغَيْرِ الْعَمَلِ، وَ يَطْلُبُونَ الدُّنْيَا بِأَعْمَالِ الْآخِرَةِ. ثُمَّ أَقْبَلَ [(عليه السلام)] بِوَجْهِهِ وَ حَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَ خَاصَّتِهِ وَ شِيعَتِهِ، فَقَالَ: قَدْ عَمِلَتِ الْوُلَاةُ قَبْلِي أَعْمَالًا خَالَفُوا فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، مُتَعَمِّدِينَ لِخِلَافِهِ، نَاقِضِينَ لِعَهْدِهِ، مُغَيِّرِينَ لِسُنَّتِهِ، وَ لَوْ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَى تَرْكِهَا وَ حَوَّلْتُهَا إِلَى مَوَاضِعِهَا وَ إِلَى مَا كَانَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لَتَفَرَّقَ عَنِّي جُنْدِي، حَتَّى أَبْقَى وَحْدِي أَوْ [مَعَ] قَلِيلٍ مِنْ شِيعَتِيَ الَّذِينَ عَرَفُوا فَضْلِي وَ فَرْضَ إِمَامَتِي مِنْ كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ وَ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله). 174 أَ رَأَيْتُمْ لَوْ أَمَرْتُ بِمَقَامِ إِبْرَاهِيمَ (عليه السلام) فَرَدَدْتُهُ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَهُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ رَدَدْتُ فَدَكَ إِلَى وَرَثَةِ فَاطِمَةَ (عليها السلام)، وَ رَدَدْتُ صَاعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَا كَانَ، وَ أَمْضَيْتُ قَطَائِعَ أَقْطَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) لِأَقْوَامٍ لَمْ تُمْضَ لَهُمْ وَ لَمْ تُنْفَذْ، وَ رَدَدْتُ دَارَ جَعْفَرٍ (عليه السلام) إِلَى وَرَثَتِهِ وَ هَدَمْتُهَا مِنَ الْمَسْجِدِ، وَ رَدَدْتُ قَضَايَا مِنَ الْجَوْرِ قُضِيَ بِهَا، وَ نَزَعْتُ نِسَاءً تَحْتَ رِجَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ فَرَدَدْتُهُنَّ إِلَى أَزْوَاجِهِنَّ، وَ اسْتَقْبَلْتُ بِهِنَّ الْحُكْمَ فِي الْفُرُوجِ وَ الْأَحْكَامِ، وَ سَبَيْتُ ذَرَارِيَّ بَنِي تَغْلِبَ، وَ رَدَدْتُ مَا قُسِمَ مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ، وَ مَحَوْتُ دَوَاوِينَ الْعَطَايَا، وَ أَعْطَيْتُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) يُعْطِي بِالسَّوِيَّةِ، وَ لَمْ أَجْعَلْهَا دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ، وَ أَلْقَيْتُ الْمَسَاحَةَ وَ سَوَّيْتُ بَيْنَ الْمَنَاكِحِ، وَ أَنْفَذْتُ خُمُسَ الرَّسُولِ كَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ وَ فَرَضَهُ، وَ رَدَدْتُ مَسْجِدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ، وَ سَدَدْتُ مَا فُتِحَ فِيهِ مِنَ الْأَبْوَابِ وَ فَتَحْتُ مَا سُدَّ مِنْهُ، وَ حَرَّمْتُ الْمَسْحَ عَلَى الْخُفَّيْنِ، وَ حَدَدْتُ عَلَى النَّبِيذِ، وَ أَمَرْتُ بِإِحْلَالِ الْمُتْعَتَيْنِ، وَ أَمَرْتُ بِالتَّكْبِيرِ عَلَى الْجَنَائِزِ خَمْسَ تَكْبِيرَاتٍ، وَ أَلْزَمْتُ النَّاسَ الْجَهْرَ بِ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*، وَ أَخْرَجْتُ مَنْ أُدْخِلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) فِي مَسْجِدِهِ مِمَّنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَخْرَجَهُ، وَ أَدْخَلْتُ مَنْ أُخْرِجَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) مِمَّنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) أَدْخَلَهُ، وَ حَمَلْتُ النَّاسَ عَلَى حُكْمِ الْقُرْآنِ وَ عَلَى الطَّلَاقِ عَلَى السُّنَّةِ، وَ أَخَذْتُ الصَّدَقَاتِ عَلَى أَصْنَافِهَا وَ حُدُودِهَا، وَ رَدَدْتُ الْوُضُوءَ وَ الْغُسْلَ وَ الصَّلَاةَ إِلَى مَوَاقِيتِهَا وَ شَرَائِعِهَا وَ مَوَاضِعِهَا، وَ رَدَدْتُ أَهْلَ نَجْرَانَ إِلَى مَوَاضِعِهِمْ، وَ رَدَدْتُ سَبَايَا فَارِسَ وَ سَائِرِ الْأُمَمِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَ سُنَّةِ نَبِيِّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، إِذاً لَتَفَرَّقُوا عَنِّي. وَ اللَّهِ لَقَدْ أَمَرْتُ النَّاسَ أَنْ لَا يَجْتَمِعُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَّا فِي فَرِيضَةٍ، وَ أَعْلَمْتُهُمْ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ فِي النَّوَافِلِ بِدْعَةٌ، فَنَادَى بَعْضُ أَهْلِ عَسْكَرِي مِمَّنْ يُقَاتِلُ مَعِي: «يَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ غُيِّرَتْ سُنَّةُ عُمَرَ، يَنْهَانَا عَنِ الصَّلَاةِ فِي شَهْرِ 175 رَمَضَانَ تَطَوُّعاً!». وَ لَقَدْ خِفْتُ أَنْ يَثُورُوا فِي نَاحِيَةِ جَانِبِ عَسْكَرِي! مَا لَقِيتُ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ مِنَ الْفُرْقَةِ وَ طَاعَةِ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَ الدُّعَاةِ إِلَى النَّارِ! وَ [لَوْ] أَعْطَيْتُ مِنْ ذَلِكَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى الَّذِي قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ: إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ فَنَحْنُ وَ اللَّهِ عَنَى بِذِي الْقُرْبَى الَّذِي قَرَنَنَا اللَّهُ بِنَفْسِهِ وَ بِرَسُولِهِ، فَقَالَ: فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ فِينَا [خ: مِنَّا] خَاصَّةً؛ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ. وَ ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَ اتَّقُوا اللَّهَ فِي ظُلْمِ آلِ مُحَمَّدٍ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ لِمَنْ ظَلَمَهُمْ، رَحْمَةً مِنْهُ لَنَا، وَ غِنًى أَغْنَانَا اللَّهُ بِهِ وَ وَصَّى بِهِ نَبِيَّهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ لَمْ يَجْعَلْ لَنَا فِي سَهْمِ الصَّدَقَةِ نَصِيباً، أَكْرَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ (صلّى اللّه عليه و آله)، وَ أَكْرَمَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَنْ يُطْعِمَنَا مِنْ أَوْسَاخِ النَّاسِ، فَكَذَّبُوا اللَّهَ وَ كَذَّبُوا رَسُولَهُ وَ جَحَدُوا كِتَابَ اللَّهِ النَّاطِقَ بِحَقِّنَا، وَ مَنَعُونَا فَرْضاً فَرَضَهُ اللَّهُ لَنَا. مَا لَقِيَ أَهْلُ بَيْتِ نَبِيٍّ مِنْ أُمَّتِهِ مَا لَقِيتُهُ بَعْدَ نَبِيِّنَا ! وَ اللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَ لَا حَوْلَ وَ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَظِيمِ!. تبيين: أقول: وجدت في أصل كتاب سليم مثله. قوله (عليه السلام): «إنّ أخوف» [لفظ: «أخوف»] مشتقّ من المبني للمفعول على خلاف القياس كأشهر. [قوله (عليه السلام):] «قد ترحّلت» قال الفيروزآبادي: ارتحل القوم عن 176 المكان: انتقلوا كترحّلوا. شبّه (عليه السلام) انقضاء العمر في الدنيا شيئا فشيئا، و نقص لذّاتها بترحّلها و إدبارها و قرب الموت يوما فيوما بترحّل الآخرة و إقبالها. [قوله (عليه السلام): اليوم] عمل» قال ابن ميثم: [لفظ «عمل»] قائم مقام الخبر، من قبيل استعمال المضاف إليه مقام المضاف: أي اليوم يوم عمل، أو وقت عمل. [قوله (عليه السلام):] «إنّما بدء وقوع الفتن» إلى آخره قد أورد الكليني (رحمه اللّه)، في كتاب العقل [من الكافي] هذا الجزء من الخبر بسند صحيح عن [الإمام] الباقر (عليه السلام) و فيه: «أيّها النّاس إنما بدء وقوع الفتن أهواء تتّبع، و أحكام تبتدع، يخالف فيها كتاب اللّه». [قوله (عليه السلام):] «من هذا ضغث» الضغث: ملء الكفّ من الشجر و الحشيش و الشماريخ. [قوله (عليه السلام):] «فيجلّيان» و في كتاب العقل [من الكافي:] «فيجيئان معا، فهنالك استحوذ الشيطان على أوليائه، و نجا الذين سبقت لهم من اللّه الحسنى». و هو أظهر. و على ما في هذا الخبر، لعلّ المراد نجا: الذين قال اللّه فيهم سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى، أي سبقت لهم في علم اللّه و قضائه و مشيئته، الخصلة الحسنى و هي السعادة أو التوفيق للطاعة، أو البشرى بالجنّة، أو العاقبة الحسنى. [قوله (عليه السلام):] «لبستم» كذا في بعض النسخ و هو الظاهر و في بعضها: «ألبستم» على بناء المجهول من الأفعال و هو أظهر. و في أكثره: «ألبستكم» فيحتمل المعلوم و المجهول بتكلّف، إمّا لفظا و إمّا معنى. [قوله (عليه السلام):] «يربو فيها الصغير» قال الفيروزآبادي: ربا [المال] ربوّا- كعلوا-: زاد و نما. و الغرض بيان كثرة امتدادها. [قوله (عليه السلام):] «و قد أتى الناس منكرا»: لعلّه داخل تحت القول 177 و يحتمل العدم. [قوله (عليه السلام):] «و كما تدقّ الرحى بثقالها» في أكثر النسخ بالقاف و لعلّه تصحيف. و الظاهر الفاء، قال الجزري: و في حديث عليّ (عليه السلام): «تدقّهم الفتن دقّ الرحى بثفالها». الثفال- بالكسر-: جلدة تبسط تحت رحى اليد، ليقع عليها الدقيق و يسمّى الحجر الأسفل ثفالا بها، و المعنى أنّها تدقّهم دقّ الرّحى بالحبّ إذا كانت مثقلة، و لا تثقل إلّا عند الطحن. و قال الفيروزآبادي: و قول زهير: «فنعرككم عرك الرحى بثفالها» : أي على ثفالها، أي حال كونها طاحنة؛ لأنّهم لا يثفلونها إلّا إذا طحنت انتهى. و على ما في أكثر النسخ، لعلّ المراد مع ثقالها: أي إذا كانت معها ما يثقلها من الحبوب، فيكون أيضا كناية عن كونها طاحنة. [قوله (عليه السلام):] «أو قليل»: أي أو يبقى معي قليل. [قوله (عليه السلام):] «لو أمرت بمقام إبراهيم». إشارة إلى ما فعله عمر من تغيير المقام عن الموضع الذي وضعه فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، إلى موضع كان فيه في الجاهلية. [و قد] رواه الخاصّة و العامّة كما مرّ في بدعه. [قوله (عليه السلام):] «و نزعت نساء» إلخ: كالمطلّقات ثلاثا في مجلس واحد و غيرها مما خالفوا فيه حكم اللّه. «و سبيت ذراري بن تغلب»؛ لأنّ عمر رفع عنهم الجزية كما مرّ في بدعه، فهم ليسوا بأهل ذمّة فيحلّ سبي ذراريهم. [قوله (عليه السلام):] «و محوت دواوين العطايا»: أي التي بنيت على التفضيل بين المسلمين في زمن الثلاثة. [قوله (عليه السلام):] «و لم أجعلها دولة» قال الجزري: في حديث أشراط الساعة: «إذا كان المغنم دولا»: [هي] جمع دولة بالضمّ، و هو ما يتداول من المال فيكون لقوم دون قوم. 178 [قوله (عليه السلام):] «و ألقيت المساحة»: إشارة إلى ما عدّه الخاصّة و العامّة من بدع عمر، أنّه قال: ينبغي أن يجعل مكان هذا العشر و نصف العشر دراهم، نأخذها من أرباب الأملاك، فبعث إلى البلدان من مسح على أهلها فألزمهم الخراج، فأخذه من العراق و ما يليها ما كان أخذه منهم ملوك الفرس على كلّ جريب درهما واحدا، و قفيزا من أصناف الحبوب، و أخذ من مصر و نواحيها دينارا و إردبا عن مساحة جريب، كما كان يأخذ منهم ملوك الإسكندرية. وَ قَدْ رَوَى الْبَغَوِيُّ فِي [كِتَابِ] شَرْحِ السُّنَّةِ وَ غَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ (صلّى اللّه عليه و آله) أَنَّهُ قَالَ: مُنِعَتِ الْعِرَاقُ دِرْهَمَهَا وَ قَفِيزَهَا، وَ مُنِعَتِ الشَّامُ مُدَّهَا وَ دِينَارَهَا، وَ مُنِعَتْ مِصْرُ إِرْدَبَّهَا وَ دِينَارَهَا. و الإردب لأهل مصر أربعة و ستّون منا و فسرّه أكثرهم بأنّه قد محا ذلك شريعة الإسلام. و كان أوّل بلد مسحه عمر بلد الكوفة، و قد مرّ الكلام فيه في باب بدع عمر. [قوله (عليه السلام):] «و سوّيت بين المناكح»: بأن يزوّج الشريف و الوضيع كما فعله رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و زوّج بنت عمّه مقدادا. و عمر نهى عن تزويج الموالي و العجم كما في بعض الروايات. [قوله (عليه السلام):] «و أمرت بإحلال المتعتين»: أي متعة النساء و متعة الحجّ اللّتين حرّمهما عمر. و «خمس تكبيرات»: أي لا أربعا كما ابتدعه العامّة و نسبوه إلى عمر كما مرّ. [قوله (عليه السلام):] «و ألزمت الناس» إلخ. يدلّ ظاهرا على وجوب الجهر بالبسملة مطلقا، و إن أمكن حمله على تأكّد الاستحباب. [قوله (عليه السلام):] «و أخرجت» إلخ: الكلام يحتمل أن يكون المراد إخراج جسدي المعلومين الذين دفنا في بيته [(صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)] بغير إذنه، مع أن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يأذن لهما لخوخة في مسجده، 179 و إدخال جسد فاطمة (عليها السلام) و دفنها عند النّبي (صلّى اللّه عليه و آله)، أو رفع الجدار من بين قبريهما. و يحتمل أن يكون المراد، إدخال من كان ملازما لمسجد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في حياته، كعمّار و أضرابه، و إخراج من أخرجه الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) من المطرودين. و يمكن [أن يكون] تأكيدا لما مر من فتح الأبواب و سدّها. [قوله (عليه السلام):] «و رددت أهل نجران إلى مواضعهم»: لم أظفر إلى الآن بكيفية إخراجهم و سببه و بمن أخرجهم. [قوله (عليه السلام):] «و رددت سبايا فارس»: لعلّ المراد الاسترداد ممن اصطفاهم أو أخذ زائدا من حظّه. [و قوله (عليه السلام):] «ما لقيت»: كلام مستأنف للتعجّب. و [قوله:] «أعطيت»: رجوع إلى الكلام السابق و لعلّ التأخير من الرواة. و في رواية الإحتجاج: «و أعظم من ذلك» كما مرّ و هو أظهر. [قوله:] إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ: هذه من تتمّة آية الخمس، حيث قال تعالى: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قال البيضاوي: [جملة] (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ): متعلّق بمحذوف دلّ عليه [قوله:] «وَ اعْلَمُوا»: أي إن كنتم آمنتم باللّه فاعلموا أنّه جعل الخمس لهؤلاء، فسلّموا إليهم و اقتنعوا بالأخماس الأربعة الباقية، فإنّ العلم المتعلّق بالعمل إذا أمر به لم يرد منه العلم المجرّد؛ لأنّه مقصود بالعرض، و المقصود بالذات هو العمل. وَ ما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا محمد من الآيات و الملائكة و النصر يَوْمَ الْفُرْقانِ يوم بدر فإنّه فرّق فيه بين الحق و الباطل يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ 180 المسلمون و الكفار. أقول: لعلّ نزول حكم الخمس كان في غزاة بدر و [قوله:] «وَ ما أَنْزَلْنا»: إشارة إليه كما يظهر من بعض الأخبار. و فسّر (عليه السلام) «ذي القربى» بالأئمة كما دلّت عليه الأخبار المستفيضة، و عليه انعقد إجماع الشيعة. [قوله:] «كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً»: هذه تتمّة لآية أخرى ورد [ت] في فيئهم (عليهم السلام) حيث قال [تعالى:] ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى وَ الْيَتامى وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ: أي الفيء الذي هو حقّ الإمام (عليه السلام). دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ: (الدّولة- بالضمّ-: ما يتداوله الأغنياء و تدور بينهم كما كان في الجاهلية. [قوله (عليه السلام):] «رحمة لنا»: أي فقرّر الخمس و الفيء لنا رحمة منه لنا، و ليغنينا بهما أوساخ أيدي الناس. [979] - نَهْجٌ: [وَ] قَالَ (عليه السلام): لَوْ قَدِ اسْتَوَتْ قَدَمَايَ مِنْ هَذِهِ الْمَدَاحِضِ لَغَيَّرْتُ أَشْيَاءَ. بيان: المداحض: المزالق. و استواء القدمين كناية عن تمكّنه (عليه السلام) من إجراء الأحكام الشرعية على وجوهها؛ لأنّه (عليه السلام) لم يتمكن من تغيير بعض ما كان في أيّام الخلفاء كما عرفت. [980] - كا: مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْقُمِّيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَكَمِ عَنْ سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ رَفَعَهُ قَالَ: مَرَّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ بِرَجُلٍ يُصَلِّي الضُّحَى فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ، فَغَمَزَ جَنْبَهُ بِالدِّرَّةِ وَ قَالَ: نَحَرْتَ صَلَاةَ الْأَوَّابِينَ نَحَرَكَ اللَّهُ؟ قَالَ: 181 فَأَتْرُكُهَا! قَالَ: فَقَالَ: أَ رَأَيْتَ الَّذِي يَنْهى عَبْداً إِذا صَلَّى فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): وَ كَفَى بِإِنْكَارِ عَلِيٍّ (عليه السلام) نَهْياً. بيان: «أَ رَأَيْتَ الَّذِي»: أي أقول: اتركها، فتقول أنت و أمثالك مثل هذا!؟ أو قال ذلك تقية. [981] - يب: عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ فَضَّالٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْمَدَائِنِيِّ عَنْ مُصَدِّقِ بْنِ صَدَقَةَ عَنْ عَمَّارٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الصَّلَاةِ فِي [شَهْرِ] رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ. قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) الْكُوفَةَ أَمَرَ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ أَنْ يُنَادِيَ فِي النَّاسِ لَا صَلَاةَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي الْمَسَاجِدِ جَمَاعَةً، فَنَادَى فِي النَّاسِ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ (عليه السلام) بِمَا أَمَرَهُ بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام)، فَلَمَّا سَمِعَ النَّاسُ مَقَالَةَ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ (عليه السلام)، صَاحُوا وَا عُمَرَاهْ وَا عُمَرَاهْ. فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) قَالَ لَهُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ؟ فَقَالَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ النَّاسُ يَصِيحُونَ وَا عُمَرَاهْ وَا عُمَرَاهْ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ: قُلْ لَهُمْ: صَلُّوا. [982] - كِتَابُ الْغَارَاتِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ: 182 عَنْ مُخَوَّلِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ إِسْرَائِيلَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ شُرَيْحٍ قَالَ: بَعَثَ إِلَيَّ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَنْ أَقْضِيَ بِمَا كُنْتُ أَقْضِي [سَابِقاً] حَتَّى يَجْتَمِعَ أَمْرُ النَّاسِ. 183 [الباب الثالث و الثلاثون] باب نوادر ما وقع في أيّام خلافته (عليه السلام) و جوامع خطبه و نوادرها [983] - كا: عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْمُؤَدِّبُ عَنِ الْبَرْقِيِّ، وَ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ التَّيْمِيِّ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) النَّاسَ بِصِفِّينَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلَايَةِ أَمْرِكُمْ وَ مَنْزِلَتِيَ الَّتِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ بِهَا مِنْكُمْ، وَ لَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مِثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، وَ الْحَقُّ أَجْمَلُ الْأَشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَ أَوْسَعُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لَا يَجْرِي لِأَحَدٍ إِلَّا جَرَى عَلَيْهِ، وَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِ إِلَّا جَرَى لَهُ، وَ لَوْ كَانَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْرِيَ ذَلِكَ لَهُ وَ لَا يَجْرِيَ 184 عَلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ خَالِصاً دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَ لِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ ضُرُوبُ [صُرُوفُ «خ»] قَضَائِهِ، وَ لَكِنْ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَ جَعَلَ كَفَّارَتَهُمْ عَلَيْهِ بِحُسْنِ الثَّوَابِ تَفَضُّلًا مِنْهُ [وَ تَطَوُّلًا بِكَرَمِهِ] وَ تَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ لَهُ أَهْلًا. ثُمَّ جَعَلَ مِنْ حُقُوقِهِ حُقُوقاً فَرَضَهَا لِبَعْضِ النَّاسِ عَلَى بَعْضٍ، فَجَعَلَهَا تَتَكَافَى فِي وُجُوهِهَا، وَ يُوجِبُ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَ لَا يُسْتَوْجَبُ بَعْضُهَا إِلَّا بِبَعْضٍ. فَأَعْظَمُ مِمَّا افْتَرَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى مِنْ تِلْكَ الْحُقُوقِ، حَقُّ الْوَالِي عَلَى الرَّعِيَّةِ وَ حَقُّ الرَّعِيَّةِ عَلَى الْوَالِي، فَرِيضَةٌ فَرَضَهَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ لِكُلٍّ عَلَى كُلٍّ، فَجَعَلَهَا نِظَامَ أُلْفَتِهِمْ، وَ عِزّاً لِدِينِهِمْ، وَ قِوَاماً لِسَيْرِ الْحَقِّ فِيهِمْ، فَلَيْسَتْ تَصْلُحُ الرَّعِيَّةُ إِلَّا بِصَلَاحِ الْوُلَاةِ، وَ لَا تَصْلُحُ الْوُلَاةُ إِلَّا بِاسْتِقَامَةِ الرَّعِيَّةِ. فَإِذَا أَدَّتِ الرَّعِيَّةُ إِلَى الْوَالِي حَقَّهُ وَ أَدَّى إِلَيْهَا الْوَالِي كَذَلِكَ، عَزَّ الْحَقُّ بَيْنَهُمْ، فَقَامَتْ مَنَاهِجُ الدِّينِ، وَ اعْتَدَلَتْ مَعَالِمُ الْعَدْلِ، وَ جَرَتْ عَلَى أَذْلَالِهَا السُّنَنُ، وَ صَلَحَ بِذَلِكَ الزَّمَانُ وَ طَابَ بِهَا الْعَيْشُ، وَ طُمِعَ فِي بَقَاءِ الدَّوْلَةِ، وَ يَئِسَتْ مَطَامِعُ الْأَعْدَاءِ. وَ إِذَا غَلَبَتِ الرَّعِيَّةُ عَلَى وَالِيهِمْ، وَ عَلَا الْوَالِي الرَّعِيَّةَ اخْتَلَفَتْ هُنَالِكَ الْكَلِمَةُ، وَ ظَهَرَتْ مَطَالِعُ الْجَوْرِ، وَ كَثُرَ الْإِدْغَالُ فِي الدِّينِ، وَ تُرِكَتْ مَعَالِمُ السُّنَنِ، فَعُمِلَ بِالْهَوَى، وَ عُطِّلَتِ الْآثَارُ وَ أُكْثِرَ عِلَلُ النُّفُوسِ، وَ لَا يُسْتَوْحَشُ لِجَسِيمِ حَدٍّ عُطِّلَ، وَ لَا لِعَظِيمِ بَاطِلٍ أُثِّلَ، فَهُنَالِكَ تَذِلُّ الْأَبْرَارُ وَ تَعِزُّ الْأَشْرَارُ وَ تَخْرَبُ الْبِلَادُ وَ تَعْظُمُ تَبِعَاتُ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عِنْدَ الْعِبَادِ. فَهَلُمَّ أَيُّهَا النَّاسُ! إِلَى التَّعَاوُنِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ، وَ الْقِيَامِ بِعَدْلِهِ وَ الْوَفَاءِ بِعَهْدِهِ، وَ الْإِنْصَافِ لَهُ فِي جَمِيعِ حَقِّهِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْعِبَادُ إِلَى شَيْءٍ أَحْوَجَ مِنْهُمْ إِلَى التَّنَاصُحِ فِي ذَلِكَ وَ حُسْنِ التَّعَاوُنِ عَلَيْهِ، وَ لَيْسَ أَحَدٌ وَ إِنِ اشْتَدَّتْ عَلَى رِضَا اللَّهِ حِرْصُهُ وَ طَالَ فِي الْعَمَلِ اجْتِهَادُهُ، بِبَالِغٍ حَقِيقَةَ مَا أَعْطَى اللَّهُ مِنَ الْحَقِّ أَهْلَهُ، وَ لَكِنْ مِنْ وَاجِبِ حُقُوقِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى الْعِبَادِ النَّصِيحَةُ لَهُ بِمَبْلَغِ 185 جُهْدِهِمْ، وَ التَّعَاوُنُ عَلَى إِقَامَةِ الْحَقِّ بَيْنَهُمْ. وَ لَيْسَ امْرُؤٌ- وَ إِنْ عَظُمَتْ فِي الْحَقِّ مَنْزِلَتُهُ وَ جَسُمَتْ فِي الْحَقِّ فَضِيلَتُهُ بِمُسْتَغْنٍ عَنْ أَنْ يُعَاوِنَ عَلَى مَا حَمَّلَهُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ حَقِّهِ، وَ لَا امْرُؤٌ مَعَ ذَلِكَ خَسَأَتْ بِهِ الْأُمُورُ وَ اقْتَحَمَتْهُ الْعُيُونُ بِدُونِ مَا أَنْ يُعِينَ عَلَى ذَلِكَ وَ يُعَانَ عَلَيْهِ، وَ أَهْلُ الْفَضِيلَةِ فِي الْحَالِ وَ أَهْلُ النِّعَمِ الْعِظَامِ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ حَاجَةً، وَ كُلٌّ فِي الْحَاجَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ شَرَعٌ سَوَاءٌ. فَأَجَابَهُ رَجُلٌ مِنْ عَسْكَرِهِ لَا يُدْرَى مَنْ هُوَ، وَ يُقَالُ: إِنَّهُ لَمْ يُرَ فِي عَسْكَرِهِ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَ لَا بَعْدَهُ، فَقَامَ وَ أَحْسَنَ الثَّنَاءَ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِمَا أَبْلَاهُمْ وَ أَعْطَاهُمْ مِنْ وَاجِبِ حَقِّهِ عَلَيْهِمْ، وَ الْإِقْرَارِ [لَهُ] بِمَا ذَكَرَ مِنْ تَصَرُّفِ الْحَالاتِ بِهِ وَ بِهِمْ. ثُمَّ قَالَ: أَنْتَ أَمِيرُنَا وَ نَحْنُ رَعِيَّتُكَ، بِكَ أَخْرَجَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنَ الذُّلِّ، وَ بِإِعْزَازِكَ أَطْلَقَ عِبَادَهُ مِنَ الْغُلِ ، فَاخْتَرْ عَلَيْنَا فَأَمْضِ اخْتِيَارَكَ، وَ ائْتَمِرْ فَأَمْضِ ائْتِمَارَكَ، فَإِنَّكَ الْقَائِدُ الْمُصَدَّقُ، وَ الْحَاكِمُ الْمُوَفَّقُ، وَ الْمَلِكُ الْمُخَوَّلُ، لَا نَسْتَحِلُّ فِي شَيْءٍ مَعْصِيَتَكَ، وَ لَا نَقِيسُ عِلْماً بِعِلْمِكَ، يَعْظُمُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ خَطَرُكَ، وَ يَجِلُّ عَنْهُ فِي أَنْفُسِنَا فَضْلُكَ. فَأَجَابَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ [(عليه السلام) فَقَالَ:] إِنَّ مِنْ حَقِّ مَنْ عَظُمَ جَلَالُ اللَّهِ فِي نَفْسِهِ، وَ جَلَّ مَوْضِعُهُ مِنْ قَلْبِهِ، أَنْ يَصْغُرَ عِنْدَهُ- لِعِظَمِ ذَلِكَ- كُلُّ مَا سِوَاهُ، وَ إِنَّ أَحَقَّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَنْ عَظُمَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَ لَطُفَ إِحْسَانُهُ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَمْ تَعْظُمْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا زَادَ حَقُّ اللَّهِ عَلَيْهِ عِظَماً. وَ إِنَّ مِنْ أَسْخَفِ حَالاتِ الْوُلَاةِ عِنْدَ صَالِحِ النَّاسِ أَنْ يُظَنَّ بِهِمْ حُبُّ الْفَخْرِ، وَ يُوضَعَ أَمْرُهُمْ عَلَى الْكِبْرِ. وَ قَدْ كَرِهْتُ أَنْ يَكُونَ جَالَ فِي ظَنِّكُمْ أَنِّي أُحِبُ 186 الْإِطْرَاءَ وَ اسْتِمَاعَ الثَّنَاءِ، وَ لَسْتُ بِحَمْدِ اللَّهِ كَذَلِكَ، وَ لَوْ كُنْتُ أُحِبُّ أَنْ يُقَالَ ذَلِكَ [لِي] لَتَرَكْتُهُ انْحِطَاطاً لِلَّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ تَنَاوُلِ مَا هُوَ أَحَقُّ بِهِ مِنَ الْعَظَمَةِ وَ الْكِبْرِيَاءِ، وَ رُبَّمَا اسْتُحْلِيَ الثَّنَاءُ بَعْدَ الْبَلَاءِ، فَلَا تُثْنُوا عَلَيَّ بِجَمِيلِ ثَنَاءٍ؛ لِإِخْرَاجِي نَفْسِي إِلَى اللَّهِ وَ إِلَيْكُمْ مِنَ الْبَقِيَّةِ فِي حُقُوقٍ لَمْ أَفْرُغْ مِنْ أَدَائِهَا، وَ فَرَائِضَ لَا بُدَّ مِنْ إِمْضَائِهَا، فَلَا تُكَلِّمُونِي بِمَا تُكَلَّمُ بِهِ الْجَبَابِرَةُ، وَ لَا تَتَحَفَّظُوا مِنِّي بِمَا يُتَحَفَّظُ بِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْبَادِرَةِ، وَ لَا تُخَالِطُونِي بِالْمُصَانَعَةِ، وَ لَا تَظُنُّوا بِي اسْتِثْقَالًا فِي حَقٍّ قِيلَ لِي، وَ لَا الْتِمَاسَ إِعْظَامٍ لِنَفْسِي، فَإِنَّهُ مَنِ اسْتَثْقَلَ الْحَقَّ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَوِ الْعَدْلَ أَنْ يُعْرَضَ عَلَيْهِ، كَانَ الْعَمَلُ بِهِمَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ. فَلَا تَكُفُّوا عَنْ مَقَالَةٍ بِحَقٍّ أَوْ مَشُورَةٍ بِعَدْلٍ، فَإِنِّي لَسْتُ فِي نَفْسِي بِفَوْقِ أَنْ أُخْطِئَ، وَ لَا آمَنُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِي، إِلَّا أَنْ يَكْفِيَ اللَّهُ مِنْ نَفْسِي مَا هُوَ أَمْلَكُ بِهِ مِنِّي، فَإِنَّمَا أَنَا وَ أَنْتُمْ عَبِيدٌ مَمْلُوكُونَ لِرَبٍّ لَا رَبَّ غَيْرُهُ، يَمْلِكُ مِنَّا مَا لَا نَمْلِكُ مِنْ أَنْفُسِنَا، وَ أَخْرَجَنَا مِمَّا كُنَّا فِيهِ إِلَى مَا صَلَحْنَا عَلَيْهِ، فَأَبْدَلَنَا بَعْدَ الضَّلَالَةِ بِالْهُدَى وَ أَعْطَانَا الْبَصِيرَةَ بَعْدَ الْعَمَى. فَأَجَابَهُ الرَّجُلُ الَّذِي أَجَابَهُ مِنْ قَبْلُ، فَقَالَ: أَنْتَ أَهْلُ مَا قُلْتَ، وَ اللَّهِ فَوْقَ مَا قُلْتَهُ، فَبَلَاؤُهُ عِنْدَنَا مَا لَا يُكْفَرُ، وَ قَدْ حَمَّلَكَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى رِعَايَتَنَا، وَ وَلَّاكَ سِيَاسَةَ أُمُورِنَا، فَأَصْبَحْتَ عَلَمَنَا الَّذِي نَهْتَدِي بِهِ، وَ إِمَامَنَا الَّذِي نَقْتَدِي بِهِ، وَ أَمْرُكَ كُلُّهُ رُشْدٌ، وَ قَوْلُكَ كُلُّهُ أَدَبٌ. قَدْ قَرَّتْ بِكَ فِي الْحَيَاةِ أَعْيُنُنَا، وَ امْتَلَأَتْ مِنْ سُرُورٍ بِكَ قُلُوبُنَا، وَ تَحَيَّرَتْ مِنْ صِفَةِ مَا فِيكَ مِنْ بَارِعِ الْفَضْلِ عُقُولُنَا، وَ لَسْنَا نَقُولُ لَكَ: أَيُّهَا الْإِمَامُ الصَّالِحُ تَزْكِيَةً لَكَ، وَ لَا تَجَاوُزَ الْقَصْدِ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْكَ، وَ لَنْ يُكَنَّ فِي أَنْفُسِنَا طَعْنٌ عَلَى يَقِينِكَ، أَوْ غِشٌّ فِي دِينِكَ فَنَتَخَوَّفَ أَنْ تَكُونَ أَحْدَثْتَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى تَجَبُّراً، أَوْ دَخَلَكَ كِبْرٌ، وَ لَكِنَّا نَقُولُ لَكَ مَا قُلْنَا تَقَرُّباً إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِتَوْقِيرِكَ، وَ تَوَسُّعاً بِتَفْضِيلِكَ، وَ شُكْراً بِإِعْظَامِ أَمْرِكَ، فَانْظُرْ لِنَفْسِكَ وَ لَنَا وَ آثِرْ أَمْرَ اللَّهِ عَلَى نَفْسِكَ وَ عَلَيْنَا، فَنَحْنُ طُوَّعٌ فِيمَا أَمَرْتَنَا، نَنْقَادُ مِنَ الْأُمُورِ مَعَ ذَلِكَ فِيمَا يَنْفَعُنَا. فَأَجَابَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَقَالَ: وَ أَنَا أَسْتَشْهِدُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَلَى 187 نَفْسِي لِعِلْمِكُمْ فِيمَا وُلِّيتُ بِهِ مِنْ أُمُورِكُمْ، وَ عَمَّا قَلِيلٍ يَجْمَعُنِي وَ إِيَّاكُمُ الْمَوْقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَ السُّؤَالُ عَمَّا كُنَّا فِيهِ، ثُمَّ يَشْهَدُ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ، فَلَا تَشْهَدُوا الْيَوْمَ بِخِلَافِ مَا أَنْتُمْ شَاهِدُونَ غَداً، فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ إِلَّا مُنَاصَحَةُ الصُّدُورِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ. فَأَجَابَهُ الرَّجُلُ وَ يُقَالُ: لَمْ يُرَ الرَّجُلُ بَعْدَ كَلَامِهِ هَذَا لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) فَأَجَابَهُ، وَ قَدْ عَالَ الَّذِي فِي صَدْرِهِ فَقَالَ وَ الْبُكَاءُ يَقْطَعُ مَنْطِقَهُ، وَ غُصَصُ الشَّجَا تَكْسِرُ صَوْتَهُ إِعْظَاماً لِخَطَرِ مَرْزِئَتِهِ وَ وَحْشَتِهِ مِنْ كَوْنِ فَجِيعَتِهِ فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ شَكَا إِلَيْهِ هَوْلَ مَا أَشْفَى عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَرِ الْعَظِيمِ وَ الذُّلِّ الطَّوِيلِ فِي فَسَادِ زَمَانِهِ وَ انْقِلَابِ حَدِّهِ وَ انْقِطَاعِ مَا كَانَ مِنْ دَوْلَتِهِ، ثُمَّ نَصَبَ الْمَسْأَلَةَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ بِالامْتِنَانِ عَلَيْهِ وَ الْمُدَافَعَةِ عَنْهُ بِالتَّفَجُّعِ وَ حُسْنِ الثَّنَاءِ فَقَالَ: يَا رَبَّانِيَّ الْعِبَادِ وَ يَا سَكَنَ الْبِلَادِ! أَيْنَ يَقَعُ قَوْلُنَا مِنْ فَضْلِكَ! وَ أَيْنَ يَبْلُغُ وَصْفُنَا مِنْ فِعْلِكَ! وَ أَنَّى نَبْلُغُ حَقِيقَةَ حُسْنِ ثَنَائِكَ أَوْ نُحْصِي جَمِيلَ بَلَائِكَ! وَ كَيْفَ وَ بِكَ جَرَتْ نِعَمُ اللَّهِ عَلَيْنَا، وَ عَلَى يَدِكَ اتَّصَلَتْ أَسْبَابُ الْخَيْرِ إِلَيْنَا؟ أَ لَمْ تَكُنْ لِذُلِّ الذَّلِيلِ مَلَاذاً وَ لِلْعُصَاةِ الْكُفَّارِ إِخْوَاناً ؟ فَبِمَنْ إِلَّا بِأَهْلِ بَيْتِكَ وَ بِكَ أَخْرَجَنَا اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ مِنْ فَظَاعَةِ تِلْكَ الْخَطَرَاتِ، أَوْ بِمَنْ فَرَّجَ عَنَّا غَمَرَاتِ الْكُرُبَاتِ! أَوْ بِمَنْ إِلَّا بِكُمْ أَظْهَرَ اللَّهُ مَعَالِمَ دِينِنَا وَ اسْتَصْلَحَ مَا كَانَ فَسَدَ مِنْ دُنْيَانَا، حَتَّى اسْتَبَانَ بَعْدَ الْجَوْرِ ذِكْرُنَا، وَ قَرَّتْ مِنْ رَخَاءِ الْعَيْشِ أَعْيُنُنَا لِمَا وَلِيتَنَا بِالْإِحْسَانِ جَهْدَكَ، وَ وَفَيْتَ لَنَا بِجَمِيعِ عَهْدِكَ، فَكُنْتَ شَاهِدَ مَنْ غَابَ مِنَّا وَ خَلَفَ أَهْلِ الْبَيْتِ لَنَا، وَ كُنْتَ عِزَّ ضَعَائِفِنَا وَ ثِمَالَ فُقَرَائِنَا وَ عِمَادَ عُظَمَائِنَا، يَجْمَعُنَا مِنَ الْأُمُورِ عَدْلُكَ، وَ يَتَّسِعُ لَنَا فِي الْحَقِّ تَأَنِّيكَ، فَكُنْتَ لَنَا أُنْساً إِذَا رَأَيْنَاكَ، وَ سَكَناً إِذَا ذَكَرْنَاكَ. فَأَيَّ الْخَيْرَاتِ لَمْ تَفْعَلْ! وَ أَيَّ الصَّالِحَاتِ لَمْ تَعْمَلْ! وَ لَوْ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي نَخَافُ عَلَيْكَ مِنْهُ يَبْلُغُ تَحْرِيكَهُ جُهْدُنَا وَ تَقْوَى 188 لِمُدَافَعَتِهِ طَاقَتُنَا، أَوْ يَجُوزُ الْفِدَاءُ عَنْكَ عَنْهُ بِأَنْفُسِنَا وَ بِمَنْ نَفْدِيهِ النُّفُوسَ مِنْ أَبْنَائِنَا، لَقَدَّمْنَا أَنْفُسَنَا وَ أَبْنَاءَنَا قِبَلَكَ، وَ لَأَخْطَرْنَاهَا وَ قَلَّ خَطَرُهَا دُونَكَ، وَ لَقُمْنَا بِجُهْدِنَا فِي مُحَاوَلَةِ مَنْ حَاوَلَكَ، وَ فِي مُدَافَعَةِ مَنْ نَاوَاكَ؛ وَ لَكِنَّهُ سُلْطَانٌ لَا يُحَاوَلُ، وَ عِزٌّ لَا يُزَاوَلُ، وَ رَبٌّ لَا يُغَالَبُ، فَإِنْ يَمْنُنْ عَلَيْنَا بِعَافِيَتِكَ، وَ يَتَرَحَّمْ عَلَيْنَا بِبَقَائِكَ، وَ يَتَحَنَّنْ عَلَيْنَا بِتَفْرِيجِ هَذَا مِنْ حَالِكَ إِلَى سَلَامَةٍ مِنْكَ لَنَا وَ بَقَاءٍ مِنْكَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا، نُحَدِّثِ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ بِذَلِكَ شُكْراً نُعَظِّمُهُ، وَ ذِكْراً نُدِيمُهُ، وَ نَقْسِمْ أَنْصَافَ أَمْوَالِنَا صَدَقَاتٍ، وَ أَنْصَافَ رَقِيقِنَا عُتَقَاءَ، وَ نُحْدِثْ لَهُ تَوَاضُعاً فِي أَنْفُسِنَا، وَ نَخْشَعْ فِي جَمِيعِ أُمُورِنَا. وَ إِنْ يَمْضِ بِكَ إِلَى الْجِنَانِ، وَ يُجْرِي عَلَيْكَ حَتْمَ سَبِيلِهِ، فَغَيْرُ مُتَّهَمٍ فِيكَ قَضَاؤُهُ، وَ لَا مَدْفُوعٍ عَنْكَ بَلَاؤُهُ، وَ لَا مُخْتَلِفَةٍ مَعَ ذَلِكَ قُلُوبُنَا بِأَنَّ اخْتِيَارَهُ لَكَ مَا عِنْدَهُ عَلَى مَا كُنْتَ فِيهِ، وَ لَكِنَّا نَبْكِي مِنْ غَيْرِ إِثْمٍ لِعِزِّ هَذَا السُّلْطَانِ أَنْ يَعُودَ ذَلِيلًا، وَ لِلدِّينِ وَ الدُّنْيَا أَكِيلًا، فَلَا نَرَى لَكَ خَلَفاً نَشْكُو إِلَيْهِ، وَ لَا نَظِيراً نَأْمُلُهُ وَ لَا نُقِيمُهُ.. تبيين: أقول: أورد السيّد [الرضي] في [المختار: (216) من باب الخطب من] النهج بعض هذا السؤال و الجواب، و أسقط أكثرها، و سنشير إلى بعض الاختلافات. قوله (عليه السلام): «بولاية أمركم»: أي لي عليكم حقّ الطاعة لأنّ اللّه جعلني واليا عليكم متولّيا لأمركم، و لأنّه أنزلني منكم منزلة عظيمة هي منزلة الإمامة و السلطنة و وجوب الطاعة. قوله (عليه السلام): «و الحقّ أجمل الأشياء في التواصف»: أي وصفه جميل و ذكره حسن. يقال: تواصفوا الشيء: أي وصفه بعضهم لبعض. و في بعض النسخ: «التراصف» بالراء المهملة. و التراصف: تنضيد الحجارة بعضها ببعض: أي [الحقّ] أحسن الأشياء في إحكام الأمور و إتقانها. «و أوسعها في التّناصف»: أي إذا أنصف الناس بعضهم لبعض، فالحقّ 189 يسعه و يحتمله، و لا يقع للناس في العمل بالحقّ ضيق. و في نهج البلاغة: «فالحقّ أوسع الأشياء في التواصف و أضيقها في التناصف». : أي إذا أخذ الناس في وصف الحقّ و بيانه، كان لهم في ذلك مجال واسع، لسهولته على ألسنتهم. و إذا حضر التناصف بينهم فطلب منهم، ضاق عليهم المجال، لشدّة العمل بالحقّ و صعوبة الإنصاف. قوله (عليه السلام): «صروف قضائه»: أي أنواعه المتغيّرة المتوالية. و في بعض النسخ: «ضروب قضائه» [و هو] بمعناه و الحاصل أنّه لو كان لأحد أن يجعل الحقّ على غيره و لم يجعل له على نفسه، لكان هو سبحانه أولى بذلك و على الأولوية بوجهين: الأوّل: القدرة. فإنّ غيره تعالى لو فعل ذلك لم يطعه أحد، و اللّه تعالى قادر على جبرهم و قهرهم. و الثاني: أنّه لو لم يجزهم على أعمالهم و كلّفهم بها لكان عادلا؛ لأنّ له من النعم على العباد ما لو عبدوه أبد الدهر لم يوفوا حقّ نعمة واحدة منها. فالمراد من أوّل الكلام: أنّه سبحانه جعل لكلّ أحد على غيره حقّا حتّى على نفسه. أمّا الحقّ المفروض على الناس فبمقتضى الاستحقاق، و أمّا ما أجرى على نفسه، فللوفاء بالوعد مع لزوم الوعد عليه. فظهر جريان الحقّ على كلّ أحد و إن اختلف الجهة و الاعتبار. قوله (عليه السلام): «و جعل كفّارتهم عليه حسن ثواب»: لعلّ المراد بالكفّارة الجزاء العظيم لستره عملهم، حيث لم يكن له في جنبه قدر، فكأنّه قد محاه و ستره. 190 [و] في أكثر النسخ: «بحسن الثّواب» فيحتمل أيضا أن يكون المراد بها ما يقع منهم لتدارك سيّئاتهم، كالتوبة و سائر الكفّارات: أي أوجب قبول كفّارتهم و توبتهم على نفسه مع حسن الثواب بأن يثيبهم على ذلك أيضا. و لا يبعد أن يكون [لفظ «كفّارتهم»] تصحيف كفاءتهم بالهمز [ة]. و في النهج: «و جعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلا منه و توسّعا بما هو من المزيد أهله». قوله (عليه السلام): «ثمّ جعل من حقوقه»: هذا كالمقدّمة لما يريد أن يبيّنه من كون حقّه عليهم واجبا من قبل اللّه تعالى، و هو حقّ من حقوقه؛ ليكون أدعى لهم على أدائه. و بيّن أنّ حقوق الخلق بعضهم على بعض هي من حقّ اللّه تعالى، من حيث إنّ حقّه على عباده هو الطاعة، و أداء تلك الحقوق طاعات اللّه، كحقّ الوالد على ولده و بالعكس، و حقّ الزوج على الزوجة و بالعكس، و حقّ الوالي على الرعية و بالعكس: قوله (عليه السلام): «فجعلها تتكافأ في وجوهها»: أي جعل كلّ وجه من تلك الحقوق مقابلا بمثله، فحقّ الوالي و هو الطاعة من الرعية مقابل بمثله، و هو العدل فيهم و حسن السيرة. قوله (عليه السلام): «و لا يستوجب بعضها إلّا ببعض»: كما أنّ الوالي إذا لم يعدل لم يستحقّ الطاعة. قوله (عليه السلام): «فريضة فرضها اللّه»: بالنّصب على الحاليّة أو بإضمار فعل، أو بالرفع ليكون خبر مبتدإ محذوف. و قوله (عليه السلام): «نظاما لألفتهم»: فإنّها سبب اجتماعهم و بها يقهرون أعداءهم و يعزّون أولياءهم. قوله (عليه السلام): «و قواما»: أي بها يقوم جريان الحقّ فيهم و بينهم. قوله (عليه السلام): «عزّ الحقّ»: أي غلب. 191 قوله (عليه السلام): «و اعتدلت معالم العدل»: أي مظانّه، أو العلامات التي نصبت في طريق العدل لسلوكه، أو الأحكام التي يعلم بها العدل. قوله (عليه السلام): «على أذلالها» قال الفيروزآبادي: ذلّ الطريق- بالكسر-: محجته. و أمور اللّه جارية على أذلالها: أي طريق [على] مجاريها [هو] جمع ذلّ بالكسر. قوله (عليه السلام): «و كثر الإدغال»: [هو] بكسر الهمزة. و الإدغال: [هو] أن يدخل في الشيء ما ليس منه، و هو الإبداع و التلبيس. أو بفتحها: [و هو] جمع الدغل- بالتحريك-: [و هو] الفساد. قوله (عليه السلام): «علل النّفوس»: أي أمراضها بملكات السوء كالغلّ و الحسد و العداوة و نحوها. و قيل: وجوه ارتكاباتها للمنكرات، فتأتي من كلّ منكر بوجه و علّة و رأي فاسد. قوله [(عليه السلام):] «أثّل» يقال: مال مؤثّل و مجد مؤثّل: أي مجموع ذو أصل، و أثلة الشيء: أصله . ذكره الجزري. و في النهج: « [و لا لعظيم باطل] فعل». قوله (عليه السلام): «تبعات اللّه» قال [الخليل] في [كتاب] العين: التّبعة اسم للشيء الذي لك فيه بغية شبه ظلامة و نحوها. قوله (عليه السلام): «فهلمّ أيّها الناس» قال الجوهري: هلم يا رجل بفتح الميم بمعنى تعال، قال الخليل: أصله «لمّ» من قولهم لمّ اللّه شعثه: أي جمعه كأنّه أراد لمّ نفسك إلينا: أي اقرب. و «ها» للتنبيه. و إنّما حذفت ألفها لكثرة الاستعمال، و جعلا اسما واحدا يستوي فيه الواحد و الجمع و التأنيث في لغة أهل الحجاز. 192 قوله (عليه السلام): «حقيقة ما أعطى اللّه من الحقّ أهله»: أي جزاء ما أعطى اللّه أهل الحقّ من الدين المبين، و سائر ما هداهم اللّه تعالى إليه بأن يكون المراد بالحقيقة الجزاء مجازا، أو يكون في الكلام تقدير مضاف: أي حقيقة جزاء ما أعطي من الحقّ، أو يكون المراد بالبلوغ إليها كونه بإزائها و مكافاة لها. و قيل: المراد بحقيقة ما أعطى اللّه شكر نعمة هدايته تعالى إلى دين الحقّ. و في النهج: «حقيقة ما اللّه أهله من الطاعة له». و في بعض النسخ القديمة من الكتاب «حقيقة ما الحقّ من اللّه أهله». قوله [(عليه السلام)]: «النصيحة له»: أي للّه أو للإمام، أو نصيحة بعضهم لبعض للّه تعالى بأن لا يكون الظرف صلة. و في النهج: «النصيحة بمبلغ [جهدهم]» بدون الصلة و هو يؤيّد الأخير. قال الجزري [في مادّة؛ نصح» من كتاب النهاية]: النصيحة في اللغة: الخلوص، يقال: نصحته و نصحت له. و معنى نصيحة اللّه صحة الاعتقاد في وحدانيته و إخلاص النيّة في عبادته. و [معنى] النصيحة لكتاب اللّه هو التصديق به و العمل بما فيه. و نصيحة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، التصديق بنبوّته و رسالته و الانقياد لما أمر به و نهى عنه. و [معنى] نصيحة الأئمّة أن يطيعهم في الحقّ، و نصيحة عامّة المسلمين إرشادهم إلى مصالحهم. قوله (عليه السلام): «و لا لامرئ مع ذلك»: كأنّه راجع إلى ما حمل اللّه على الوالي، أو إلى الوالي الذي أشير إليه سابقا: أي لا يجوز، أو لا بد لامرئ، 193 أو لا استغناء لامرئ مع الوالي، أو مع كون واليه مكلّفا بالجهاد و غيره من أمور الدين، و إن كان لذلك المرء ضعيفا محقّرا بدون أن يعين على إقامة الدين و يعينه الناس أو الوالي عليه. و في النهج: «و لا امرئ و إن صغرته النفوس و اقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه». . و هو الظاهر. قوله (عليه السلام): «خسأت به الأمور» يقال: خسأت الكلب خسأ: طردته. و خسأ الكلب بنفسه: يتعدّى و لا يتعدى. ذكره الجوهري. فيجوز أن يكون هنا استعمل غير متعدّ بنفسه قد عدّي بالباء: أي طردته الأمور. أو يكون الباء للسببيّة: أي بعدت بسببه الأمور. و في بعض النسخ: «حبست به الأمور»: و على التقادير المراد أنّه يكون بحيث لا يتمشّى أمر من أموره، و لا ينفع سعيه في تحصيل شيء من الأمور. و «اقتحمته العيون»: أي احتقرته. و كلمة «ما» في قوله: «ما أن يعين» زائدة. قوله (عليه السلام): «و أهل الفضيلة في الحال»: المراد بهم الأئمّة و الولاة و الأمراء و العلماء، و كذا أهل النعم العظام فإنّهم لكونهم مكلّفين بعظائم الأمور كالجهاد في سبيل اللّه و إقامة الحدود و الشرائع و الأحكام و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى إعانة الخلق أحوج. و يحتمل أن يكون المراد بأهل الفضيلة العلماء، فإنّهم محتاجون فيما حمل عليهم من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر إلى أعوان، و لا أقلّ إلى من يؤمر و ينهى. و [المراد] بأهل النعم أصحاب الأموال، لأنّ ما حمل عليهم من الحقوق أكثر، كأداء الأخماس و الصدقات، و هم محتاجون إلى الفقير القابل لها، و إلى الشهود و إلى غيرهم و الأوّل أظهر. قوله (عليه السلام): «و كلّ في الحاجة إلى اللّه شرع سواء»: بيان لقوله: 194 «شرع»، و تأكيد، و إنّما ذكر ذلك لئلّا يتوهّم أنّهم يستغنون بإعانة بعضهم بعضا عن ربّهم جلّ و عزّ، بل هو الموفق و المعين لهم في جميع أمورهم، و لا يستغنون بشيء عن اللّه عزّ و جلّ، و إنّما كلّفهم بذلك ليختبر طاعتهم و يثيبهم على ذلك، و اقتضت حكمته البالغة أن يجري الأشياء بأسبابها، و هو المسبّب لها و القادر على إمضائها بلا سبب. قوله (عليه السلام): «فأجابه رجل»: الظاهر أنه كان الخضر (عليه السلام) و قد جاء في مواطن كثيرة و كلمه (عليه السلام) لإتمام الحجّة على الحاضرين، و قد أتى بعد وفاته (عليه السلام) و قام على باب داره و بكى و أبكى و خاطبه (عليه السلام) بأمثال تلك الكلمات و خرج و غاب عن الناس. قوله (عليه السلام): «و الإقرار» الظاهر أنّه معطوف على الثّناء: أي أقرّ إقرارا حسنا بأشياء ذكرها ذلك لرجل، و لم يذكره (عليه السلام) اختصارا أو تقيّة من تغيّر حالاته من استيلاء أئمة الجور عليه و مظلوميته و تغير أحوال رعيته من تقصيرهم في حقّه، و عدم قيامهم بما يحقّ من طاعته و القيام بخدمته. و يمكن أن يكون الواو بمعنى مع، و يحتمل عطفه على [قوله:] «واجب حقّه». قوله: «من الغلّ»: أي أغلال الشرك و المعاصي. و في بعض النسخ القديمة: «أطلق عنّا رهائن الغلّ»: أي ما يوجب أغلال القيامة. قوله [(عليه السلام):] «و ائتمر»: أي اقبل ما أمرك اللّه به فأمضه علينا. قوله «و الملك المخوّل»: أي المملّك الذي أعطاك اللّه الإمرة علينا و جعلنا خدمك و تبعك. قوله (عليه السلام): «لا نستحلّ في شيء من معصيتك»: لعلّه عدّي ب «في» لتضمين معنى الدخول. أو المعنى لا نستحلّ في شيء شيئا من معصيتك. و في بعض النسخ القديمة: «لا يستحلّ في شيء من معصيتك». و هو 195 أظهر. قوله: «في ذلك»: أي في العلم بأن تكون كلمة «في» تعليلية، و يحتمل أن يكون إشارة إلى ما دلّ عليه الكلام من إطاعته (عليه السلام). و الخطر: القدر و المنزلة. قوله: «و يجلّ عنه»: يحتمل إرجاع الضمير إلى القياس: أي فضلك أجلّ في أنفسنا من أن يقاس بفضل أحد. و يمكن إرجاعه إلى العلم فتكون كلمة «عن» تعليلية كما في قوله تعالى: «وَ ما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ»: أي يجلّ و يعظم بسبب ذلك في أنفسنا فضلك. قوله (عليه السلام): «من عظم جلال اللّه»: إمّا على التعليل بنصب «جلال اللّه»، أو بالتخفيف برفعه: يعني من حقّ من عظّم جلال اللّه في نفسه و جلّ موضعه في قلبه، أن يصغر عنده كلّ ما سوى اللّه تعالى، لما ظهر له من جلال اللّه، و أنّ أحقّ من كان كذلك أئمّة الحقّ (عليهم السلام)، لعظم نعم اللّه و كمال معرفتهم بجلال ربّهم، فحقّ اللّه تعالى عليهم أعظم منه على غيرهم، فينبغي أن يصغر عندهم أنفسهم فلا يحبّوا الفخر و الإطراء في المدح، أو يجب أن يضمحلّ في جنب جلال اللّه عندهم غيره تعالى، فلا يكون غيره منظورا لهم في أعمالهم ليطلبوا رضى الناس بمدحهم. قوله (عليه السلام): «و إنّ من أسخف»: السخف: رقّة العيش و رقة العقل. و السخافة: رقّة كلّ شيء. أي أضعف حالات الولاة عند الرعيّة أن يكونوا متهمين عندهم بهذه الخصلة المذمومة. قوله (عليه السلام): «إنّي أحبّ الإطراء»: أي مجاوزة الحدّ في المدح و المبالغة فيه. قوله (عليه السلام): «انحطاطا للّه سبحانه»: أي تواضعا له تعالى. و في بعض النسخ القديمة: «و لو كنت أحبّ أن يقال [لي] ذلك، لتناهيت 196 له أغنانا اللّه و إيّاكم عن تناول ما هو أحقّ به من التعاظم و حسن الثناء». و التناهي: قبول النهي. و الضمير في «له» راجع إلى اللّه تعالى. و في النهج: كما في النسخ المشهورة قوله (عليه السلام): «فربما استحلى الناس». يقال: استحلاه: أي وجده حلوا. قال ابن ميثم (رحمه اللّه): هذا يجري مجرى تمهيد العذر لمن أثنى عليه فكأنّه يقول: و أنت معذور في ذلك حيث رأيتني أجاهد في اللّه، و أحثّ الناس على ذلك، و من عادة الناس أن يستحلوا الثناء عند أن يبلوا بلاء حسنا في جهاد أو غيره من سائر الطاعات. ثمّ أجاب [(عليه السلام):] عن هذا العذر في نفسه بقوله: «فلا تثنوا عليّ بجميل ثناء»: أي لا تثنوا عليّ لأجل ما ترونه منّي من طاعة اللّه، فإنّ ذلك إنّما هو إخراج لنفسي إلى اللّه من حقوقه الباقية عليّ لم أفرغ بعد من أدائها و هي حقوق نعمه و فرائضه التي لا بدّ من المضيّ فيها. و كذلك إليكم من الحقوق التي أوجبها اللّه [عليّ لكم] من النصيحة في الدين و الإرشاد إلى الطريق الأفضل، و التعليم لكيفية سلوكه. [ثم قال:] و في خطّ الرضي (رحمه اللّه) «من التقية» بالتاء: و المعنى فإنّ الذي أفعله من طاعة اللّه، إنّما هو إخراج لنفسي إلى اللّه و إليكم من تقيّة الخلق فيما يجلب عليّ من الحقوق. إذ كان (عليه السلام) إنما يعبد اللّه للّه غير ملتفت في شيء من عبادته، و أداء واجب حقّه إلى أحد سواه خوفا منه أو رغبة إليه. أو المراد بها التّقيّة الّتي كان يعملها في زمن الخلفاء الثلاثة و تركها في أيّام خلافته، و كأنّه قال: لم أفعل شيئا إلّا و هو أداء حقّ واجب عليّ، و إذا كان كذلك، 197 فكيف أستحقّ أن يثنى عليّ لأجل إتيان الواجب بثناء جميل و أقابل بهذا التعظيم؟! [و] هذا من باب التواضع منه [(عليه السلام)] و تعليم كيفيته، و كسر للنفس عن محبة الباطل و الميل إليه. انتهى. و قال ابن أبي الحديد: معنى قوله: «لإخراجي نفسي إلى اللّه و إليكم»: أي لاعترافي بين يدي اللّه و بمحضر منكم أنّ عليّ حقوقا في إيالتكم و رئاستي لم أقم بها بعد و أرجو من اللّه القيام بها. انتهى [كلام ابن أبي الحديد]. فكأنّه جعل قوله [(عليه السلام):] «لإخراجي» تعليلا لترك الثناء لا مثنى عليه و لا يخفى بعده. ثمّ اعلم أنّه يحتمل أن يكون المراد ب «البقيّة»: الإبقاء و الترحم كما قال تعالى: أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ فِي الْأَرْضِ أي إخراجي نفسي من أن أبقى و أترحّم مداهنة في حقوق لم أفرغ من أدائها. قال الفيروزآبادي: و أبقيت ما بيننا: لم أبالغ في كلّ فساده. و الاسم منه البقيّة و «أُولُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسادِ»: أي إبقاء أو فهم. قوله (عليه السلام): «و لا تتحفّظوا عنّي بما يتحفّظ به عند أهل البادرة» البادرة: الحدّة و الكلام الذي يسبق من الإنسان في الغضب: أي لا تثنوا عليّ كما يثنى على أهل الحدّة من الملوك خوفا من سطوتهم، أو لا تحتشموا منّي كما يحتشم من السلاطين و الأمراء، كترك المسارّة و الحديث إجلالا و خوفا منهم، و ترك مشاورتهم أو إعلامهم ببعض الأمور و القيام بين أيديهم. قوله (عليه السلام): «بالمصانعة»: أي الرشوة و المداراة. قوله (عليه السلام): «كان العمل بهما أثقل عليه»: و شأن الولاة العمل بالعدل و الحقّ، أو أنتم تعلمون أنّه لا يثقل عليّ العمل بهما. 198 قوله (عليه السلام): «بفوق أن أخطئ»: هذا من [باب] الانقطاع إلى اللّه و التواضع الباعث لهم على الانبساط معه بقول الحقّ، و عدّ نفسه من المقصّرين في مقام العبودية، و الإقرار بأنّ عصمته من نعمه تعالى عليه، و ليس اعترافا بعدم العصمة كما توهّم، بل ليست العصمة إلّا ذلك. فإنّما هي أن يعصم اللّه العبد عن ارتكاب المعاصي، و قد أشار (عليه السلام) إليه بقوله: «إلّا أن يكفي اللّه». و هذا مثل قول يوسف (عليه السلام): وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إلخ. قوله (عليه السلام): «ما هو أملك به»: أي العصمة من الخطإ فإنّه تعالى أقدر على ذلك للعبد من العبد لنفسه. قوله (عليه السلام): «ممّا كنّا فيه»: أي من الجهالة و عدم العلم و المعرفة و الكمالات التي يسرها اللّه تعالى لنا ببعثة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). قال ابن أبي الحديد: ليس هذا إشارة إلى خاصّ نفسه (عليه السلام)، لأنّه لم يكن كافرا فأسلم، و لكنّه كلام يقوله و يشير به إلى القوم الذين يخاطبهم من أفناء الناس فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا. و يجوز أن يكون معناها: لو لا ألطاف اللّه تعالى ببعثة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) لكنت أنا و غيري على مذهب الأسلاف. انتهى. قوله (عليه السلام): «فبلاؤه عندنا ما لا يكفر»: أي نعمه عندنا وافرة بحيث لا نستطيع كفرها و سترها، أو لا يجوز كفرانها و ترك شكرها. قوله (عليه السلام): «سياسة أمورنا»: [يقال:] سست الرعية سياسة: 199 أمرتها و نهيتها. و «العلم» بالتحريك: ما ينصب في الطريق ليهتدي به السائرون. قوله: «من بارع الفضل» قال الفيروزآبادي: برع [فلان]- و يثلّث براعة: فاق أصحابه في العلم و غيره، أو تمّ في كلّ جمال و فضيلة، فهو بارع و هي بارعة. قوله: «و لم يكن»: على المجهول من [قولهم:] كننت الشيء: سترته. أو بفتح الياء و كسر الكاف من [قولهم:] و كن الطائر بيضه يكنه [على زنة وعد] إذا حضنه. و في بعض النسخ: «لم يكن». و في النسخة القديمة: «لن يكون». قوله: «و توسّعا»: أي في الفضل و الثواب. قوله: «مع ذلك»: أي مع طاعتنا لك: أي نفس الطاعة أمر مرغوب فيه و مع ذلك موجب لحصول ما ينفعنا و ما هو خير لنا في دنيانا و آخرتنا. قوله «إلّا مناصحة الصدور»: أي خلوصها عن غشّ النفاق بأن يطوي فيه ما يظهر خلافه، أو نصح الإخوان نصحا يكون في الصدر لا بمحض اللّسان. قوله: «و قد عال الذي في صدره»: يقال: عالني الشيء أي غلبني. و عال أمرهم: اشتدّ. قوله (عليه السلام): «و غصص الشجا»: الغصّة- بالضمّ-: ما اعترض 200 في الحلق. و كذا الشجا و الشجو الهمّ و الحزن. قوله (عليه السلام): «لخطر مرزئته» الخطر- بالتحريك-: القدر و المنزلة و الإشراف على الهلاك. و المرزئة: المصيبة، و كذا الفجيعة و كونها: أي وقوعها و حصولها و الضميران راجعان إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). و القائل كان عالما بقرب أوان شهادته (عليه السلام) فلذا كان يندب و يتفجّع. و إرجاعهما إلى القائل بعيد. قوله (عليه السلام): «أشفى»: أي أشرف عليه. و الضمير في قوله: «إليه» راجع إلى اللّه تعالى. قوله (عليه السلام): «و انقلاب جدّه» الجدّ: البخت. و التفجّع: التوجّع في المصيبة: أي سأل اللّه دفع هذا البلاء الذي قد ظنّ وقوعه عنه (عليه السلام) مع التفجّع و التضرّع. قوله: «يا ربّاني العباد»: قال الجزري: الربّاني منسوب إلى الربّ بزيادة الألف و النون [للمبالغة]. و قيل: هو من الربّ بمعنى التربية؛ لأنّهم كانوا يربّون المتعلّمين بصغارها و كبارها . و الربّاني: العالم الراسخ في العلم و الدين. أو الذي يطلب بعلمه وجه اللّه [تعالى]. و قيل: العالم العامل المعلّم. قوله: «و يا سكن البلاد» السكن- بالتحريك-: كلّ ما يسكن إليه. قوله: «و بك جرت نعم اللّه علينا»: أي بجهادك و مساعيك الجميلة لترويج الدين و تشييد الإسلام في زمن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و بعده. 201 قوله (عليه السلام): «و للعصاة الكفّار إخوانا»: أي كنت تعاشر من يعصيك و يكفر نعمتك معاشرة الإخوان شفقة منك عليهم. أو المراد الشفقة على الكفّار و العصاة و الاهتمام في هدايتهم. و يحتمل أن يكون المراد المنافقين الذين كانوا في عسكره و كان يلزمه رعايتهم بظاهر الشرع. و قيل: المراد بالإخوان الخوان الذي يؤكل عليه، فإنّه لغة فيه كما ذكره الجزري. و لا يخفى بعده. و في النسخة القديمة: «أ لم نكن» بصيغة المتكلم، و حينئذ فالمراد بالفقرة الأولى أنّه كان ينزل بنا ذلّ كلّ ذليل: أي كنّا نذلّ بكلّ ذلّة و هوان. و هو أظهر و ألصق بقول: «فبمن». قوله (عليه السلام): «من فظاعة تلك الخطرات»: أي شناعتها و شدّتها. قوله [(عليه السلام):] «بعد الحور» قال الجوهري [و في الأثر:] «نعوذ باللّه من الحور بعد الكور» أي من النقصان بعد الزيادة. و في بعض النسخ [ «بالجور»] بالجيم. قوله (عليه السلام): «و ثمال فقرائنا» قال الجزري: الثمال- بالكسر-: الملجأ و الغياث. و قيل: هو المطعم في الشدّة. قوله [(عليه السلام):] «يجمعنا من الأمور عدلك»: أي هو سبب اجتماعنا و عدم تفرّقنا في جميع الأمور، أو من بين سائر الأمور، أو هو سبب لانتظام أمورنا، أو عدلك يحيط بجميعنا في جميع الأمور. قوله (عليه السلام): «و يتّسع لنا في الحقّ تأنيك»: أي صار مداراتك و تأنّيك و عدم مبادرتك في الحكم علينا بما نستحقّه سببا لوسعة الحقّ علينا، و عدم تضيّق الأمر بنا. 202 قوله (عليه السلام): «ليبلغ تحريكه»: أي تغييره و صرفه. و في النسخة القديمة: «تحويله». قوله «و لا خطرناها»: أي جعلناها في معرض المخاطرة و الهلاك. أو صيّرناها خطرا و رهنا و عوضا لك. قال الجزري: [و] فيه: «فإنّ الجنّة لا خطر لها»: أي لا عوض لها و لا مثل. و الخطر- بالتحريك- في الأصل: الرهن و ما يخاطر عليه. و مثل الشيء و عدله، و لا يقال إلّا في الشيء الذي له قدر و مزيّة، و منه الحديث «أ لا رجل يخاطر بنفسه و ماله»: أي يلقيهما في الهلكة بالجهاد. و منه حديث النعمان [بن مقرن يوم نهاوند]: «إنّ هؤلاء يعني المجوس قد أخطروا لكم رثّة و متاعا و أخطرتم لهم الإسلام»: المعنى أنّهم قد شرطوا لكم ذلك و جعلوه رهنا من جانبهم، و جعلتم رهنكم دينكم. قوله (عليه السلام): «حاولك»: أي قصدك. قوله: «من ناواك»: أي عاداك. قوله: «و لكنّه»: أي الربّ تعالى. قوله: «و عزّ»: أي ذو عزّ و غلبة. و «زاوله»: أي حاوله و طالبه. و هذه إشارة إلى أنّ تلك الأمور بقضاء اللّه و تقديره، و المبالغة في دفعها في حكم مغالبة اللّه في تقديراته. و قد سبق تحقيق القضاء و القدر في كتاب العدل. قوله: «نعظّمه»: الضمير في قوله: «نعظمه» و «نديمه» راجعان إلى الشكر و الذكر. [و] قوله: «بلاءه»: يحتمل النعمة أيضا. قوله «ما عنده»: هو خبر «إنّ»، و يحتمل أن يكون الخبر محذوفا: أي خير لك، و المعنى أنّه لا تختلف قلوبنا بل تتّفق على أنّ اللّه اختار لك بإمضائك النعيم و الراحة الدائمة، على ما كنت فيه من المشقّة و الجهد و العناء. قوله: «من غير إثم»: أي لا نأثم على البكاء عليك فإنّه من أفضل 203 الطاعات، أو لا نقول ما يوجب الإثم. قوله: «لعزّ»: متعلّق ب [قوله:] «البكاء» و «أن يعود» بدل اشتمال له: أي نبكي لتبدّل عزّ هذا السلطان ذلا. قوله: «أكيل»: الأكيل يكون بمعنى المأكول، و بمعنى الأكل. و المراد هنا الثاني: أي نبكي لتبدّل هذا السلطان الحقّ بسلطنة الجور فيكون أكلا للدين و الدنيا. و في بعض النسخ: «لعن اللّه هذا الشيطان» فلا يكون مرجع الإشارة سلطنته (عليه السلام)، بل جنسها الشامل للباطل أيضا: أي لعن اللّه السلطنة التي لا تكون صاحبها. و يحتمل أن يكون اللعن مستعملا في أصل معناه لغة، و هو الإبعاد: أي أبعد اللّه هذا السلطان عن أن يعود ذليلا. و لا يخفى بعده. قوله: «و لا نرى لك خلفا»: أي من بين السلاطين لخروج السلطنة عن أهل البيت [(عليهم السلام)]. [984] - كا: عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ وَ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ التَّيْمِيِّ، وَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ خَالِدٍ، جَمِيعاً عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَيْفَرٍ عَنِ الْحَكَمِ بْنِ ظُهَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَرِيزٍ الْعَبْدِيِّ. عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ نُبَاتَةَ قَالَ: أَتَى أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ (عليه السلام) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَ وَلَدُ أَبِي بَكْرٍ وَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ يَطْلُبُونَ مِنْهُ التَّفْضِيلَ لَهُمْ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ وَ مَالَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَقَالَ: 204 الْحَمْدُ لِلَّهِ وَلِيِّ الْحَمْدِ وَ مُنْتَهَى الْكَرَمِ، لَا تُدْرِكُهُ الصِّفَاتُ وَ لَا يُحَدُّ بِاللُّغَاتِ وَ لَا يُعْرَفُ بِالْغَايَاتِ. وَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهُ نَبِيُّ الْهُدَى وَ مَوْضِعُ التَّقْوَى وَ رَسُولُ الرَّبِّ الْأَعْلَى، جَاءَ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِ الْحَقِّ لِيُنْذِرَ بِالْقُرْآنِ الْمُبِينِ وَ الْبُرْهَانِ الْمُسْتَنِيرِ فَصَدَعَ بِالْكِتَابِ الْمُبِينِ وَ مَضَى عَلَى مَا مَضَتْ عَلَيْهِ الرُّسُلُ الْأَوَّلُونَ. أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ! فَلَا تَقُولَنَّ رِجَالٌ قَدْ كَانَتِ الدُّنْيَا غَمَرَتْهُمْ فَاتَّخَذُوا الْعَقَارَ وَ فَجَّرُوا الْأَنْهَارَ وَ رَكِبُوا أَفْرَهَ الدَّوَابِّ وَ لَبِسُوا أَلْيَنَ الثِّيَابِ؛ فَصَارَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَاراً وَ شَنَاراً إِنْ لَمْ يَغْفِرْ لَهُمُ الْغَفَّارُ إِذَا مَنَعْتُهُمْ مَا كَانُوا فِيهِ يَخُوضُونَ، وَ صَيَّرْتُهُمْ إِلَى مَا يَسْتَوْجِبُونَ فَيَفْقِدُونَ ذَلِكَ فَيَسْأَلُونَ: «ظَلَمَنَا ابْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ حَرَمَنَا وَ مَنَعَنَا حُقُوقَنَا». فَاللَّهُ عَلَيْهِمُ الْمُسْتَعَانُ. مَنِ اسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا وَ أَكَلَ ذَبِيحَتَنَا وَ آمَنَ بِنَبِيِّنَا وَ شَهِدَ شَهَادَتَنَا وَ دَخَلَ فِي دِينِنَا، أَجْرَيْنَا عَلَيْهِ حُكْمَ الْقُرْآنِ بِحُدُودِ الْإِسْلَامِ، لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ فَضْلٌ إِلَّا بِالتَّقْوَى. أَلَا وَ إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِنْدَ اللَّهِ أَفْضَلَ الثَّوَابِ وَ أَحْسَنَ الْجَزَاءِ وَ الْمَآبِ، لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى الدُّنْيَا لِلْمُتَّقِينَ ثَوَاباً، وَ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ انْظُرُوا أَهْلَ دِينِ اللَّهِ! فِيمَا أَصَبْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَ تَرَكْتُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ وَ جَاهَدْتُمْ بِهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ، أَ بِحَسَبٍ أَمْ بِنَسَبٍ؟ أَمْ بِعَمَلٍ أَمْ بِطَاعَةٍ أَمْ زَهَادَةٍ؟ وَ فِيمَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ رَاغِبِينَ. فَسَارِعُوا إِلَى مَنَازِلِكُمْ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، الَّتِي أُمِرْتُمْ بِعِمَارَتِهَا الْعَامِرَةِ الَّتِي لَا تَخْرَبُ وَ الْبَاقِيَةِ الَّتِي لَا تَنْفَدُ، الَّتِي دَعَاكُمُ [اللَّهُ] إِلَيْهَا وَ حَضَّكُمْ عَلَيْهَا وَ رَغَّبَكُمْ فِيهَا، وَ جَعَلَ الثَّوَابَ عِنْدَهُ عَنْهَا. فَاسْتَتِمُّوا نِعَمَ اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ بِالتَّسْلِيمِ لِقَضَائِهِ، وَ الشُّكْرِ عَلَى نَعْمَائِهِ، فَمَنْ 205 لَمْ يَرْضَ بِهَذَا فَلَيْسَ مِنَّا وَ لَا إِلَيْنَا، وَ إِنَّ الْحَاكِمَ يَحْكُمُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَ لَا خَشْيَةَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَ فِي نُسْخَةٍ [مِنْ كِتَابِ الْكَافِي] «وَ لَا وَحْشَةَ وَ أُولَئِكَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ». وَ قَالَ [(عليه السلام):] وَ قَدْ عَاتَبْتُكُمْ بِدِرَّتِيَ الَّتِي أُعَاتِبُ بِهَا أَهْلِي فَلَمْ تُبَالُوا، وَ ضَرَبْتُكُمْ بِسَوْطِيَ الَّذِي أُقِيمُ بِهِ حُدُودَ رَبِّي فَلَمْ تَرْعَوُوا، أَ تُرِيدُونَ أَنْ أَضْرِبَكُمْ بِسَيْفِي؟ أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ الَّذِي تُرِيدُونَ وَ يُقِيمُ أَوَدَكُمْ، و لَكِنْ لَا أَشْرِي صَلَاحَكُمْ بِفَسَادِ نَفْسِي، بَلْ يُسَلِّطُ اللَّهُ عَلَيْكُمْ قَوْماً فَيَنْتَقِمُ لِي مِنْكُمْ، فَلَا دُنْيَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا وَ لَا آخِرَةَ صِرْتُمْ إِلَيْهَا، فَبُعْداً وَ سُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ. إيضاح: قوله: «ولد أبي بكر»: هو عبد الرحمن. قوله (عليه السلام): «ولي الحمد»: أي الأولى به، أو المتولّي لحمد نفسه كما ينبغي له بإيجاد ما يدلّ على كماله و اتّصافه بجميع المحامد، و بتلقين ما يستحقّه من الحمد أنبياؤه و حججه (عليهم السلام) و إلهام محبّيه و توفيقهم للحمد. [قوله (عليه السلام):] «و منتهى الكرم»: أي ينتهي إليه كلّ جود و كرم؛ لأنّه موجد النّعم و الموفّق لبذلها، أو هو المتّصف بأعلى مراتب الكرم و المولى بجلائل النّعم. و يحتمل أن يكون الكرم بمعنى الكرامة و الجلالة على الوجهين السابقين. [قوله (عليه السلام):] «لا تدركه الصفات»: أي توصيفات الواصفين أو صفات المخلوقين. [قوله (عليه السلام):] «فلا يعرف بالغايات»: أي بالنهايات و الحدود 206 الجسمانيّة، أو بالحدود العقليّة، إذ حقيقة كلّ شيء و كنهه حدّه و نهايته. أو ليس له نهاية لا في وجوده و لا في علمه و لا في قدرته، و كذا سائر صفاته. أو لا يعرف بما هو غاية أفكار المتفكّرين. [قوله (عليه السلام):] «فصدع بالكتاب المبين» قال الفيروزآبادي: [في شرح] قوله تعالى: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ: أي شقّ جماعتهم بالتوحيد، أو اجهر بالقرآن، أو أظهر أو احكم بالحقّ و افصل بالأمر، أو اقصد بما تؤمر، أو افرق به بين الحقّ و الباطل. [قوله (عليه السلام):] «فلا تقولنّ رجال»: الظاهر أنّ قوله: «رجال» فاعل [لقوله:] «لا تقولنّ» و ما ذكر بعده إلى قوله: «و يقولون» صفات تلك الرجال. و قوله: «ظلمنا ابن أبي طالب»: مقول القول. و قوله: «يقولون» تأكيد للقول المذكور في أوّل الكلام [و] إنّما أتى به لكثرة الفاصلة بين العامل و المعمول. و يحتمل أن يكون مقول القول محذوفا يدلّ عليه قوله: «ظلمنا ابن أبي طالب». و قيل: مفعوله محذوف تقدير الكلام: فلا تقولنّ ما قلتم من طلب التفضيل و غيره رجال كانت الدنيا غمرتهم في زمن الخلفاء الثلاثة إذا منعتهم ما كانوا يأخذون و أعطيتهم ما يستوجبون، فيصرفون ما أعطيتهم و يسألون الزيادة عليه و يقولون: ظلمنا ابن أبي طالب. انتهى. أقول: لا يخفى أنّ ما ذكرناه أظهر. و في بعض النسخ: «رجالا» بالنّصب، و لعلّ فيه حينئذ حذفا: أي لا تقولنّ أنتم نعتقد أو نتولى رجالا صفتهم كذا و كذا، و لعلّه كان «لا تتولّون» فصحّف. 207 [قوله (عليه السلام):] «أفره الدوابّ» يقال: دابّة فارهة: أي نشيطة قويّة نفيسة. و «الشنار» العيب و العار. [قوله (عليه السلام):] «ألا و إنّ للمتّقين»: أي ليس الكرم عند اللّه إلّا بالتقوى، و جزاء التقوى ليس إلّا في العقبى، و لم يجعل اللّه جزاء عملهم التفضيل في عطايا الدنيا. [قوله (عليه السلام):] «فانظروا أهل دين اللّه»: أي يا أهل دين اللّه! كذا في النسخ المصحّحة، و في بعضها: «إلى أهل» و المراد بقوله: «فيما أصبتم في كتاب اللّه» [من] نعوت الأنبياء و الأولياء الذين ذكرهم اللّه في القرآن، أو مواعيده الصادقة على الأعمال الصالحة. و بقوله: «تركتم عند رسول اللّه»: صفاته الحسنة و صفات أصحابه و ما كان يرتضيه (صلّى اللّه عليه و آله) من ذلك، أو ضمان الرسول لهم المثوبات على الصالحات، كأنّه وديعة لهم عنده صلّى عليه و آله. [قوله (عليه السلام):] «و جاهدتم به»: أي بسببه و هو ما رأيتم من فضله و كماله، أو ما سمعتم من المثوبات عليه. [قوله (عليه السلام):] «أ بحسب أم بنسب؟»: أي لم تكن تلك الأمور بالحسب و النسب بل بالعمل و الطاعة و الزهادة. [قوله (عليه السلام):] «و فيما أصبحتم»: أي انظروا فيما أصبحتم راغبين فيه هل يشبه ما رأيتم و عهدتم مما تقدم ذكره، أو انظروا أيّهما أصلح لأن يرغب فيه. [قوله (عليه السلام):] «و جعل الثواب عنده عنها»: كلمة «عن» لعلّها بمعنى «من» للتبعيض. أو قوله: «التي» بدل اشتمال للمنازل، و المراد بها الأعمال التي توصل إليها، و لا يبعد أن يكون في الأصل «و التي» أو «بالتي» فصحّف. [قوله (عليه السلام):] «و لا خشية عليه من ذلك»: أي لا يخشى على 208 الحاكم العدل: أي الإمام أن يترك حكم اللّه و لا يجوز أن يظنّ ذلك به، أو لا يخشى الحاكم بسبب العمل بحكم اللّه من أحد، أو أن يكون معاقبا بذلك عند اللّه. و على نسخة «و لا وحشة»: المعنى أنّه إذا عمل الحاكم بحكم اللّه لا يستوحش من مفارقة رعيّته عنه بسبب ذلك. [قوله (عليه السلام):] «بدرّتي» الدّرّة- بالكسر-: الّتي يضرب بها. و يظهر من الخبر أنّ السوط أكبر و أشدّ منها. و الارعواء: الانزجار عن القبيح. و قيل: الندم على الشيء و الانصراف عنه و تركه. و الأود- بالتحريك-: العوج. [قوله (عليه السلام):] «بفساد نفسي»: أي لا أطلب صلاحكم بالظلم و بما لم يأمرني به ربّي فأكون قد أصلحتكم بإفساد نفسي. و «سحقا»: أي بعدا. [985] - كِتَابُ الْغَارَاتِ لِإِبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الثَّقَفِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ [أَبِي] سَيْفٍ [الْمَدَائِنِيِ] عَنْ أَبِي حُبَابٍ عَنْ رَبِيعَةَ وَ عُمَارَةَ قَالا: إِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ (عليه السلام) مَشَوْا إِلَيْهِ فَقَالُوا: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْطِ هَذِهِ الْأَمْوَالَ وَ فَضِّلْ هَؤُلَاءِ الْأَشْرَافَ مِنَ الْعَرَبِ وَ قُرَيْشٍ عَلَى الْمَوَالِي وَ الْعَجَمِ وَ مَنْ تَخَافُ خِلَافَهُ مِنَ النَّاسِ وَ فِرَارَهُ- قَالَ: وَ إِنَّمَا قَالُوا لَهُ ذَلِكَ لِلَّذِي كَانَ مُعَاوِيَةُ يَصْنَعُ بِمَنْ أَتَاهُ- فَقَالَ لَهُمْ عَلِيٌّ (عليه السلام): أَ تَأْمُرُونِّي أَنْ أَطْلُبَ النَّصْرَ بِالْجَوْرِ؟! وَ اللَّهِ لَا أَفْعَلُ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَ مَا لَاحَ فِي السَّمَاءِ نَجْمٌ، وَ اللَّهِ لَوْ كَانَ مَالُهُمْ لِي لَوَاسَيْتُ بَيْنَهُمْ، فَكَيْفَ وَ مَا هِيَ إِلَّا أَمْوَالُهُمْ؟! 209 قَالَ: ثُمَّ أَزَمَ طَوِيلًا سَاكِناً ثُمَّ قَالَ: مَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَإِيَّاهُ وَ الْفَسَادَ! فَإِنَّ إِعْطَاءَ الْمَالِ فِي غَيْرِ حَقِّهِ تَبْذِيرٌ وَ إِسْرَافٌ، وَ هُوَ ذِكْرٌ لِصَاحِبِهِ فِي النَّاسِ وَ يَضَعُهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَ لَمْ يَضَعْ رَجُلٌ مَالَهُ فِي غَيْرِ حَقِّهِ وَ عِنْدَ غَيْرِ أَهْلِهِ إِلَّا حَرَمَهُ اللَّهُ شُكْرَهُمْ وَ كَانَ لِغَيْرِهِ وُدُّهُمْ، فَإِنْ بَقِيَ مَعَهُ مَنْ يَوَدُّهُ وَ يُظْهِرُ لَهُ الْبِشْرَ فَإِنَّمَا هُوَ مَلَقٌ وَ كَذِبٌ، وَ إِنَّمَا يَنْوِي أَنْ يَنَالَ مِنْ صَاحِبِهِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ يَأْتِي إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، فَإِنْ زَلَّتْ بِصَاحِبِهِ النَّعْلُ فَاحْتَاجَ إِلَى مَعُونَتِهِ وَ مُكَافَأَتِهِ فَشَرُّ خَلِيلٍ وَ أَلْأَمُ خَدِينٍ. وَ مَنْ صَنَعَ الْمَعْرُوفَ فِيمَا آتَاهُ اللَّهُ، فَلْيَصِلْ بِهِ الْقَرَابَةَ، وَ لْيُحْسِنْ فِيهِ الضِّيَافَةَ، وَ لْيَفُكَّ بِهِ الْعَانِيَ، وَ لْيُعِنْ بِهِ الْغَارِمَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ وَ الْفُقَرَاءَ وَ الْمُهَاجِرِينَ، وَ لْيُصَبِّرْ نَفْسَهُ عَلَى النَّوَائِبِ وَ الْخُطُوبِ فَإِنَّ الْفَوْزَ بِهَذِهِ الْخِصَالِ شَرَفُ مَكَارِمِ الدُّنْيَا وَ دَرْكُ فَضَائِلِ الْآخِرَةِ.. [986] - نَهْجٌ: [وَ] قَالَ (عليه السلام) فِي خُطْبَةٍ [لَهُ]: فَأَيْنَ يُتَاهُ بِكُمْ؟! بَلْ كَيْفَ تَعْمَهُونَ وَ بَيْنَكُمْ عِتْرَةُ نَبِيِّكُمْ؟! وَ هُمْ أَزِمَّةُ الْحَقِّ وَ أَلْسِنَةُ الصِّدْقِ، فَأَنْزِلُوهُمْ بِأَحْسَنِ مَنَازِلِ الْقُرْآنِ وَ رِدُوهُمْ وُرُودَ الْهِيمِ الْعِطَاشِ. أَيُّهَا النَّاسُ! خُذُوهَا مِنْ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ (صلّى اللّه عليه و آله) إِنَّهُ يَمُوتُ مَنْ يَمُوتُ مِنَّا وَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ وَ يَبْلَى مَنْ بَلِيَ مِنَّا وَ لَيْسَ بِبَالٍ، فَلَا تَقُولُوا بِمَا لَا تَعْرِفُونَ، فَإِنَّ أَكْثَرَ الْحَقِّ فِيمَا تُنْكِرُونَ، وَ اعْذِرُوا مَنْ لَا حُجَّةَ لَكُمْ عَلَيْهِ وَ أَنَا هُوَ، أَ لَمْ أَعْمَلْ فِيكُمْ بِالثَّقَلِ الْأَكْبَرِ وَ أَتْرُكْ فِيكُمُ الثَّقَلَ الْأَصْغَرَ؟ وَ رَكَزْتُ فِيكُمْ رَايَةَ الْإِيمَانِ، وَ وَقَفْتُكُمْ عَلَى حُدُودِ الْحَلَالِ وَ الْحَرَامِ، وَ أَلْبَسْتُكُمُ الْعَافِيَةَ مِنْ عَدْلِي، وَ فَرَشْتُكُمُ الْمَعْرُوفَ مِنْ قَوْلِي وَ فِعْلِي، وَ أَرَيْتُكُمْ كَرَائِمَ الْأَخْلَاقِ مِنْ نَفْسِي؟ فَلَا تَسْتَعْمِلُوا 210 الرَّأْيَ فِيمَا لَا يُدْرِكُ قَعْرَهُ الْبَصَرُ، وَ لَا يَتَغَلْغَلُ إِلَيْهِ الْفِكْرُ. بيان: تاه فلان: تحيّر. و العمه: التردد على وجه التحيّر. و الواو في قوله: «و بينكم» للحال. و الأزمّة: جمع زمام و هو المقود: أي هم القادة للحقّ يدور معهم حيثما داروا. [قوله (عليه السلام):] «و ألسنة الصدق»: أي هم كاللسان للصدق لا يتكلّم إلّا بهم، أو هم المتكلّمون به و لا يظهر إلّا منهم. [قوله (عليه السلام):] «فأنزلوهم»: أي أنزلوا العترة في صدوركم و قلوبكم بالتعظيم و الانقياد لأوامرهم و نواهيهم و التمسّك بهم بأحسن المنازل التي تنزلون القرآن، أو بأحسن المنازل التي يدلّ عليها القرآن. [قوله (عليه السلام):] «و ردوهم»: من الورود و هو الحضور عند الماء للشرب. و «الهيم»: الإبل العطاش. قوله (عليه السلام): «و اعذروا» قال ابن ميثم: طلب (عليه السلام) منهم العذر فيما يصيبهم و يلحقهم من عذاب اللّه بسبب تقصيرهم في إطاعته (عليه السلام). قوله (عليه السلام): «فيما لا يدرك»: أي فيما ذكر لهم من خصائص العترة الطاهرة و فضلها: أي أمرنا صعب لا تهتدي إليه العقول [الساذجة]. و التغلغل: الدخول. [987] - نَهْجٌ: [وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام):] وَ لَقَدْ أَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ، وَ أَحَطْتُ بِجُهْدِي مِنْ وَرَائِكُمْ، وَ أَعْتَقْتُكُمْ مِنْ رِبَقِ الذُّلِّ وَ حَلَقِ الضَّيْمِ، شُكْراً مِنِّي لِلْبِرِّ الْقَلِيلِ، وَ إِطْرَاقاً عَمَّا أَدْرَكَهُ الْبَصَرُ وَ شَهِدَهُ 211 الْبَدَنُ مِنَ الْمُنْكَرِ الْكَثِيرِ. بيان: الإحاطة من الوراء [هو] دفع من يريدهم بشرّ؛ لأنّ العدوّ الغالب يكون من وراء المحارب. و الحلق- بالتحريك و كعنب-: جمع حلقة. و الضيم: الظلم. و أطرق: أي سكت و أرخى عينيه إلى الأرض، و إطراقه (عليه السلام) عن المنكر الكثير و سكوته عنه لعدم تأثير النهي، أو لانجراره إلى ما هو أعظم منه. [988] - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): اتَّخَذُوا الشَّيْطَانَ لِأَمْرِهِمْ مِلَاكاً، وَ اتَّخَذَهُمْ لَهُ أَشْرَاكاً، فَبَاضَ وَ فَرَّخَ فِي صُدُورِهِمْ، وَ دَبَّ وَ دَرَجَ فِي حُجُورِهِمْ، فَنَظَرَ بِأَعْيُنِهِمْ وَ نَطَقَ بِأَلْسِنَتِهِمْ، فَرَكِبَ بِهِمُ الزَّلَلَ، وَ زَيَّنَ لَهُمُ الْخَطَلَ، فِعْلَ مَنْ قَدْ شَرِكَهُ الشَّيْطَانُ فِي سُلْطَانِهِ، وَ نَطَقَ بِالْبَاطِلِ عَلَى لِسَانِهِ. بيان: ملاك الأمر- بالكسر-: ما يقوم به. و الأشراك إما جمع شريك: أي عدّهم [الشيطان] من شركائه في إضلال النّاس. أو جمع شرك- بالتحريك-: أي جعلهم حبائل لاصطياد الخلق. «فباض و فرخ»: كناية عن طول مكثه للوسوسة في صدورهم. و الدب: المشي الضعيف، و الدرج أقوى منه و هما كنايتان عن تربيتهم الباطل و ملازمة الشيطان لهم حتى صار كالوالدين. و الزلل في الأعمال و الخطل في الأقوال. و الباء في [قوله:] «ركب بهم»: للتعدية. و الضمير في «سلطانه»: راجع إلى «من»: أي من شاركه الشيطان فيما جعله اللّه لهم من السلطان على الأعمال و الأقوال. أو إلى «الشيطان»: أي كأنّهم الأصل في سلطانه و قدرته على الإضلال. 212 [989] - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ [(عليه السلام)]: فِي الْمَلَاحِمِ: أَلَا بِأَبِي وَ أُمِّي مِنْ عِدَّةٍ أَسْمَاؤُهُمْ فِي السَّمَاءِ مَعْرُوفَةٌ وَ فِي الْأَرْضِ مَجْهُولَةٌ. أَلَا فَتَوَقَّعُوا مَا يَكُونُ مِنْ إِدْبَارِ أُمُورِكُمْ وَ انْقِطَاعِ وُصَلِكُمْ، وَ اسْتِعْمَالِ صِغَارِكُمْ ذَاكَ، حَيْثُ تَكُونُ ضَرْبَةُ السَّيْفِ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَهْوَنَ مِنَ الدِّرْهَمِ مِنْ حِلِّهِ. ذَاكَ حَيْثُ يَكُونُ الْمُعْطَى أَعْظَمَ أَجْراً مِنَ الْمُعْطِي. ذَاكَ حَيْثُ تَسْكَرُونَ مِنْ غَيْرِ شَرَابٍ بَلْ مِنَ النِّعْمَةِ وَ النَّعِيمِ! وَ تَحْلِفُونَ مِنْ غَيْرِ اضْطِرَارٍ وَ تَكْذِبُونَ مِنْ غَيْرِ إِحْرَاجٍ. ذَاكَ إِذَا عَضَّكُمُ الْبَلَاءُ كَمَا يَعَضُّ الْقَتَبُ غَارِبَ الْبَعِيرِ. مَا أَطْوَلَ هَذَا الْعَنَاءَ وَ أَبْعَدَ هَذَا الرَّجَاءَ! أَيُّهَا النَّاسُ! أَلْقُوا هَذِهِ الْأَزِمَّةَ الَّتِي تَحْمِلُ ظُهُورُهَا الْأَثْقَالَ مِنْ أَيْدِيكُمْ، وَ لَا تَصَدَّعُوا عَلَى سُلْطَانِكُمْ فَتَذُمُّوا غِبَّ فِعَالِكُمْ، وَ لَا تَقْتَحِمُوا مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ فَوْرِ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَ أَمِيطُوا عَنْ سَنَنِهَا وَ خَلُّوا قَصْدَ السَّبِيلِ لَهَا، فَقَدْ لَعَمْرِي يَهْلِكُ فِي لَهَبِهَا الْمُؤْمِنُ وَ يَسْلَمُ فِيهَا غَيْرُ الْمُسْلِمِ. إِنَّمَا مَثَلِي بَيْنَكُمْ كَمَثَلِ السِّرَاجِ فِي الظُّلْمَةِ، يَسْتَضِيءُ بِهِ مَنْ وَلَجَهَا، فَاسْمَعُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَ عُوا وَ أَحْضِرُوا آذَانَ قُلُوبِكُمْ تَفْهَمُوا!. إيضاح: قال ابن أبي الحديد: قالت الإماميّة: هذه العدّة هم الأئمة الأحد عشر من ولده (عليهم السلام). و قال غيرهم: إنّه عنى الأبدال الذين هم أولياء اللّه. انتهى. 213 [أقول:] و ظاهر أنّ ذكر انتظار فرج الشّيعة- كما اعترف به بعد هذا لا ارتباط له بحكاية الأبدال. و أمّا كون أسمائهم في الأرض مجهولة، فلعلّ المراد به أنّ أكثر الناس لا يعرفون قدرهم و منزلتهم، فلا ينافي معرفة الخواص لهم و إن كانوا أيضا لا يعرفونهم حقّ معرفتهم. أو أراد به جهالة أسمائهم في وقت إيراد [هذا] الكلام، و التخصيص في الاحتمال الأخير أقلّ منه في الأوّل. قوله (عليه السلام): «و انقطاع وصلكم»: جمع وصلة: أي تفرّق أموركم المنتظمة. و المراد باستعمال الصغار تقديمهم على المشايخ و أرباب التجارب في الأعمال و الولايات. قوله (عليه السلام): «حيث يكون المعطى»: على بناء المجهول «أعظم أجرا من المعطي»: على بناء الفاعل؛ لأنّ أكثر الأموال في ذلك الزّمان يكون من الحرام، و أيضا لا يعطونها على الوجه المأمور به [بل] للأغراض الفاسدة. و أمّا المعطى فلمّا كان فقيرا يأخذ المال لسدّ خلّته، لا يلزمه البحث عن المال و حلّه و حرمته فكان أعظم أجرا من المعطي. و قيل: لأنّ صاحب المال لمّا كان يصرفه في أغلب الأحوال في الفساد، فإذا أخذه الفقير فقد فوّت عليه صرفه في القبائح، فقد كفّه بأخذ المال من ارتكاب القبيح. و لا يخلو من بعد. و النعمة- بالفتح-: غضارة العيش. و في بعض النسخ: بالكسر: أي الخفض و الدعة و المال. قوله (عليه السلام): «من غير إخراج»: أي من غير اضطرار إلى الكذب. و روي بالواو. 214 قوله (عليه السلام): «إذا عضّكم البلاء» يقال: عضّ اللقمة- كسمع و منع-: أي أمسكها بأسنانه و عضّ بصاحبه: أي لزمه. و عضّ الزمان و الحرب: شدّتهما. و القتب- بالتحريك معروف. و الغارب: ما بين العنق و السنام. و قال ابن أبي الحديد: هذا الكلام غير متّصل بما قبله كما هو عادة الرضي، و قد [كان (عليه السلام)] ذكر بين ذلك ما ينال من شيعته من البؤس و القنوط و مشقّة انتظار الفرج. و قوله (عليه السلام): «ما أطول هذا العناء و أبعد هذا الرجاء» حكاية كلام شيعته (عليه السلام) انتهى. فيكون المراد بالرجاء: رجاء ظهور القائم (عليه السلام). و قال ابن ميثم: و يحتمل أن يكون الكلام متّصلا و يكون قوله (عليه السلام): «ما أطول هذا العناء» كلاما مستأنفا في معنى التوبيخ لهم على إعراضهم عنه و إقبالهم على الدنيا و إتعابهم أنفسهم في طلبها، و تنفير لهم عنها بذكر طول العناء في طلبها و بعد الرجاء لما يرجى منها. قوله (عليه السلام): «ألقوا»: أي ألقوا من أيديكم أزمّة الآراء الفاسدة و الأعمال الكاسدة الّتي هي كالنوق و المراكب في حمل التبعات و الآثام. «و لا تصدّعوا»: أي لا تتفرّقوا. و السلطان: الأمير و الإمام. و غبّ كلّ شيء: عاقبته. و فور نار الفتنة: وهجها و غليانها. «و أميطوا»: أي تنحّوا. و السّنن: الطّريقة. قوله (عليه السلام): «و خلّوا»: أي دعوها تسلك طريقها و لا تتعرّضوا لها تكونوا حبطا لنارها. [990] - نَهْجٌ: [وَ مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام):] الْحَمْدُ لِلَّهِ النَّاشِرِ فِي الْخَلْقِ 215 فَضْلَهُ، وَ الْبَاسِطِ فِيهِمْ بِالْجُودِ يَدَهُ، نَحْمَدُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ، وَ نَسْتَعِينُهُ عَلَى رِعَايَةِ حُقُوقِهِ، وَ نَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ غَيْرُهُ، وَ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ أَرْسَلَهُ بِأَمْرِهِ صَادِعاً وَ بِذِكْرِهِ نَاطِقاً، فَأَدَّى أَمِيناً وَ مَضَى رَشِيداً وَ خَلَّفَ فِينَا رَايَةَ الْحَقِّ، مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا زَهَقَ، وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ. دَلِيلُهَا مَكِيثُ الْكَلَامِ بَطِيءُ الْقِيَامِ سَرِيعٌ إِذَا قَامَ، فَإِذَا أَنْتُمْ أَلَنْتُمْ لَهُ رِقَابَكُمْ وَ أَشَرْتُمْ إِلَيْهِ بِأَصَابِعِكُمْ جَاءَهُ الْمَوْتُ فَذَهَبَ بِهِ، فَلَبِثْتُمْ بَعْدَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ حَتَّى يُطْلِعَ اللَّهُ لَكُمْ مَنْ يَجْمَعُكُمْ وَ يَضُمُّ نَشْرَكُمْ. فَلَا تَطْمَعُوا فِي غَيْرِ مُقْبِلٍ، وَ لَا تَيْأَسُوا مِنْ مُدْبِرٍ، فَإِنَّ الْمُدْبِرَ عَسَى أَنْ تَزِلَّ إِحْدَى قَائِمَتَيْهِ وَ تَثْبُتَ الْأُخْرَى فَتَرْجِعَا حَتَّى تَثْبُتَا جَمِيعاً. أَلَا وَ إِنَّ مَثَلَ آلِ مُحَمَّدٍ (صلّى اللّه عليه و آله) كَمَثَلِ نُجُومِ السَّمَاءِ إِذَا خَوَى نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ، فَكَأَنَّكُمْ قَدْ تَكَامَلَتْ مِنَ اللَّهِ فِيكُمُ الصَّنَائِعُ، وَ أَرَاكُمْ مَا كُنْتُمْ تَأْمُلُونَ. توضيح: النّشر: التفريق و البسط، و بسط اليد: كناية عن العطاء. و قيل: اليد هنا النعمة في جميع أموره: أي ما صدر منه من النعم و البلايا. و رعاية حقوق اللّه: شكره و طاعته. [قوله (عليه السلام):] «بأمره صادعا»: أي مظهرا مجاهرا. و الرشد: إصابة الصواب. و قيل: الاستقامة على طريق الحقّ مع تصلّب فيه. و راية الحقّ: الثّقلان المخلّفان. و مرق السهم من الرمية: إذا خرج عن المرمي به، و المراد هنا خروج من تقدّمها و لم يعتد بها من الدين. و زهق الشيء- كمنع-: بطل و هلك. و اللّحوق: إصابة الحقّ. و أراد بالدليل: نفسه (عليه السلام). و الضمير راجع إلى الراية. [و] مكيث الكلام: أي بطيئه: أي لا يتكلّم من غير رويّة. و بطيء القيام: كناية عن ترك 216 العجلة و الطّيش. و إلانة الرقاب: كناية عن الإطاعة. و الإشارة بالأصابع [كناية] عن التعظيم و الإجلال. قال ابن أبي الحديد: نقل أنّ أهل العراق لم يكونوا أشدّ اجتماعا عليه من الشهر الذي قتل (عليه السلام) فيه، اجتمع له مائة ألف سيف، و أخرج مقدّمته يريد الشام، فضربه اللعين و انفضّت تلك الجموع كالغنم فقدت رعاتها. و أشار [(عليه السلام)] بمن يجمعهم إلى المهدي (عليه السلام). و النشر: المنشور التفرّق. قوله (عليه السلام): «فلا تطمعوا»: أي من لم يقبل على طلب هذا الأمر ممن هو أهله، فلا تطمعوا فيه؛ فإنّ ذلك لاختلال بعض شرائط الطلب، كما كان شأن أكثر أئمّتنا (عليهم السلام). و قيل: أراد بغير المقبل: من انحرف عن الدين بارتكاب منكر، فإنّه لا يجوز الطمع في أن يكون أميرا لكم. و في بعض النسخ: «فلا تطعنوا في عين»: أي من أقبل على هذا الأمر من أهل البيت فلا تدفعوه عما يريد. و قوله [(عليه السلام):] «و لا تيأسوا»: أي من أدبر عن طلب الخلافة ممن هو أهل لها فلا تيأسوا من عوده و إقباله على الطلب، فإنّ إدباره يكون لفقد بعض الشروط كقلّة الناصر. و زوال إحدى القائمتين كناية عن اختلال بعض الشروط، و ثبات الأخرى [كناية] عن وجود بعضها. و قوله «فيرجعان حتّى يثبتا»: [كناية] عن استكمال الشرائط، و لا ينافي النهي عن الإياس النّهي عن الطّمع؛ لأنّ عدم اليأس هو التجويز، و الطمع فوق التجويز. أو لأنّ النهي عن الطمع في حال عدم الشروط و الإعراض عن 217 الطلب لذلك و النهي عن الإياس لجواز حصول الشرائط. و قيل [في تفسير قوله (عليه السلام):] «و لا تيأسوا من مدبر»: أي إذا ذهب من بينكم إمام و خلّفه إمام آخر فاضطرب أمره، فلا تشكوا فيهم، فإنّ المضطرب الأمر سينتظم أموره. و حينئذ يكون قوله (عليه السلام) «ألا إنّ مثل آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله)» كالبيان لهذا. [قوله (عليه السلام):] «إذا خوى نجم»: أي مال للمغيب. و الصّنائع: جمع صنيعة و هي الإحسان: أي لا تيأسوا عسى أن يأتي اللّه بالفرج عن قريب و المتحقّق الوقوع قريب و إن كان بعيدا. و يمكن أن يكون [أراد] إراءة المخاطبين ما يأملون في الرجعة. [991] - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): أَيُّهَا الْغَافِلُونَ غَيْرُ الْمَغْفُولِ عَنْهُمْ، وَ التَّارِكُونَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُمْ! مَا لِي أَرَاكُمْ عَنِ اللَّهِ ذَاهِبِينَ وَ إِلَى غَيْرِهِ رَاغِبِينَ؟! كَأَنَّكُمْ نَعَمٌ أَرَاحَ بِهَا سَائِمٌ إِلَى مَرْعًى وَبِيءٍ وَ مَشْرَبٍ دَوِيٍّ، [وَ] إِنَّمَا هُوَ كَالْمَعْلُوفَةِ لِلْمُدَى، لَا تَعْرِفُ مَا ذَا يُرَادُ بِهَا، إِذَا أُحْسِنَ إِلَيْهَا تَحْسَبُ يَوْمَهَا دَهْرَهَا وَ شِبَعَهَا أَمْرَهَا. وَ اللَّهِ لَوْ شِئْتُ أَنْ أُخْبِرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْكُمْ بِمَخْرَجِهِ وَ مَوْلَجِهِ وَ جَمِيعِ شَأْنِهِ لَفَعَلْتُ! وَ لَكِنْ أَخَافُ أَنْ تَكْفُرُوا فِيَّ بِرَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله)، أَلَا وَ إِنِّي مُفْضِيهِ إِلَى الْخَاصَّةِ مِمَّنْ يُؤْمَنُ ذَلِكَ مِنْهُ. وَ الَّذِي بَعَثَهُ بِالْحَقِّ وَ اصْطَفَاهُ عَلَى الْخَلْقِ، مَا أَنْطِقُ إِلَّا صَادِقاً، وَ لَقَدْ عَهِدَ إِلَيَّ بِذَلِكَ كُلِّهِ وَ بِمَهْلِكِ مَنْ يَهْلِكُ وَ مَنْجَى مَنْ يَنْجُو وَ مَآلِ هَذَا الْأَمْرِ، وَ مَا أُبْقِيَ شَيْئاً يَمُرُّ عَلَى رَأْسِي إِلَّا أَفْرَغَهُ فِي أُذُنَيَّ وَ أَفْضَى بِهِ إِلَيَّ. أَيُّهَا النَّاسُ! وَ اللَّهِ لَا أَحُثُّكُمْ عَلَى طَاعَةٍ إِلَّا وَ أَسْبِقُكُمْ إِلَيْهَا، وَ لَا أَنْهَاكُمْ 218 عَنْ مَعْصِيَةٍ إِلَّا وَ أَتَنَاهَى قَبْلَكُمْ عَنْهَا. بيان: [قوله (عليه السلام):] «أيّها الغافلون»: الظاهر أنّ الخطاب لعامّة المكلّفين أي الذين غفلوا عمّا يراد بهم و منهم، [و هم] غير المغفول عنهم، فإنّ أعمالهم محفوظة مكتوبة. [قوله:] «و التاركون»: أي لما أمروا به المأخوذ منهم بانتقاص أعمارهم و قواهم و استلاب أحبابهم و أموالهم. و الذهاب عن اللّه التوجه إلى غيره و الإعراض عن جنابه. و النّعم- بالتحريك- جمع لا واحد له من لفظه و أكثر ما يقع على الإبل. [قوله (عليه السلام):] «أراح بها سائم»: شبّههم بالنعم التي تتبع نعما أخرى. سائمة: أي راعية. و إنّما قال ذلك؛ لأنّها إذا اتبعت أمثالها كان أبلغ في ضرب المثل بجهلها من الإبل التي يسيمها راعيها. و ما يظهر من كلام ابن ميثم من أنّ السائم بمعنى الراعي، ففيه ما لا يخفى. و المرعى الوبيء: ذو الوباء و المرض، و أصله الهمز. و الدّوي: ذو الدّاء، و الأصل في الدويّ، دوي- بالتخفيف- و لكنّه شدّد للازدواج. قال الجوهري: رجل دو بكسر الواو: أي فاسد الجوف من داء. و المدى بالضمّ جمع مدية و هي السكين. قوله (عليه السلام): «تحسب يومها»: أي تظنّ أن ذلك العلف كما هو حاصل لها في هذا اليوم حاصل لها أبدا، أو نظرها مقصور على يومها تحسب أنّه دهرها. «و شبعها أمرها»: أي تظن انحصار شأنها و أمرها في الشبع. قوله (عليه السلام): «و اللّه لو شئت أن أخبر»: قال ابن أبي الحديد: [و] هذا كقول المسيح (عليه السلام): وَ أُنَبِّئُكُمْ بِما تَأْكُلُونَ وَ ما تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ 219 [49- آل عمران: 3] [و لكن] قال (عليه السلام)-: إلّا أنّي أخاف عليكم الغلوّ في أمري، و أن تفضّلوني على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، بل أخاف عليكم أن تدّعوا فيّ الإلهيّة كما ادّعت النصارى ذلك في المسيح (عليه السلام) لمّا أخبرهم بالأمور الغائبة. [ثم قال ابن أبي الحديد:] و مع كتمانه (عليه السلام) فقد كفر [فيه] كثير منهم، و ادّعوا فيه النبوّة، و أنّه شريك الرسول في الرسالة و إنّه هو الرسول، و لكنّ الملك غلط، و أنّه هو الذي بعث محمدا (صلّى اللّه عليه و آله)، و ادّعوا فيه الحلول و الاتحاد. و يحتمل أن يكون كفرهم فيه بإسناد التقصير إليه (عليه السلام) في إظهار شأنه و جلالته. و المهلك- بفتح اللام و كسرها- يحتمل المصدر و اسم الزمان و المكان. و المراد بالهلاك إمّا الموت و القتل أو الضلال و الشقاء. و كذلك النجاة. و المراد بالأمر: الخلافة أو الدين و ملك الإسلام. و مآله: انتهاؤه بظهور القائم (عليه السلام) و ما يكون في آخر الزمان. و أفرغه كفرّغه-: صبّه. [992] - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) وَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ يَقْرَأُ كِتَاباً وَ لَا يَدَّعِي نُبُوَّةً وَ لَا وَحْياً، فَقَاتَلَ بِمَنْ أَطَاعَهُ مَنْ عَصَاهُ، يَسُوقُهُمْ إِلَى مَنْجَاتِهِمْ، وَ يُبَادِرُ بِهِمُ السَّاعَةَ أَنْ تَنْزِلَ بِهِمْ. يَحْسِرُ الْحَسِيرُ وَ يَقِفُ الْكَسِيرُ فَيُقِيمُ عَلَيْهِ حَتَّى يُلْحِقَهُ غَايَتَهُ، إِلَّا هَالِكاً لَا خَيْرَ فِيهِ، حَتَّى أَرَاهُمْ مَنْجَاتَهُمْ، وَ بَوَّأَهُمْ مَحَلَّتَهُمْ، فَاسْتَدَارَتْ رَحَاهُمْ، وَ اسْتَقَامَتْ قَنَاتُهُمْ. وَ ايْمُ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ مِنْ سَاقَتِهَا حَتَّى تَوَلَّتْ بِحَذَافِيرِهَا، وَ اسْتَوْسَقَتْ فِي 220 قِيَادِهَا، مَا ضَعُفْتُ وَ لَا جَبُنْتُ، وَ لَا خُنْتُ وَ لَا وَهَنْتُ. وَ ايْمُ اللَّهِ لَأَبْقُرَنَّ الْبَاطِلَ حَتَّى أُخْرِجَ الْحَقَّ مِنْ خَاصِرَتِهِ. بيان: المنجاة: مصدر أو اسم مكان. «و يبادر بهم السّاعة»: أي يسارع إلى هدايتهم و إرشادهم حذرا من أن ينزل بهم السّاعة فتدركه على الضّلالة. و الحسير: المعيي. و إقامته [(صلّى اللّه عليه و آله)] على الحسير و الكسير و مراقبته من تزلزل عقائده، ليدفع شبهه حتّى يبلغه الغاية الّتي خلق لأجلها، إلّا من لم يكن قابلا للهداية. و منهم من حمله على ظاهره من شفقته (صلّى اللّه عليه و آله) على الضعفاء في الأسفار و الغزوات. [قوله (عليه السلام):] «حتّى أراهم منجاتهم»: أي نجاتهم أو محلّ نجاتهم. و محلّتهم: منزلهم و غاية سفرهم الصوري أو المعنوي. و استدار الرّحى و استقامة القناة، كنايتان عن انتظام الأمر كما مرّ. و السّاقة: جمع سائق، و الضّمير لغير مذكور [لفظا] و المراد الجاهليّة، شبّهها (عليه السلام) بكتيبة مصادفة لكتيبة الإسلام فهزمها. و في القاموس: الحذفور- كعصفور-: الجانب- كالحذفار- و الشريف و الجمع الكثير. و أخذه بحذافيره: بأسره. أو بجوانبه أو بأعاليه. و الحذافير: المتهيّئون للحرب. و اشدد حذافيرك: تهيّأ. و استوسقت: أي اجتمعت و انتظمت يعني الملّة الإسلامية أو الدعوة أو ما يجري هذا المجرى أي لمّا ولّت الجاهلية استوسقت هذه في قيادها كالإبل المقودة إلى أعطانها. و يحتمل عوده إلى الجاهلية أي تولّت بحذافيرها و اجتمعت تحت ظلّ المقادة. و البقر: الشقّ. و الخاصرة ما بين أسفل الأضلاع و عظم الورك، شبّه عليه 221 السّلام الباطل بحيوان ابتلع الحقّ. [993] - نَهْجٌ: [وَ مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام):] تَاللَّهِ لَقَدْ عُلِّمْتُ تَبْلِيغَ الرِّسَالاتِ وَ إِتْمَامَ الْعِدَاتِ وَ تَمَامَ الْكَلِمَاتِ، وَ عِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ أَبْوَابُ الْحُكْمِ وَ ضِيَاءُ الْأَمْرِ. أَلَا وَ إِنَّ شَرَائِعَ الدِّينِ وَاحِدَةٌ، وَ سُبُلَهُ قَاصِدَةٌ، مَنْ أَخَذَ بِهَا لَحِقَ وَ غَنِمَ، وَ مَنْ وَقَفَ عَنْهَا ضَلَّ وَ نَدِمَ. اعْمَلُوا لِيَوْمٍ تُذْخَرُ لَهُ الذَّخَائِرُ، وَ تُبْلَى فِيهِ السَّرَائِرُ، وَ مَنْ لَا يَنْفَعُهُ حَاضِرُ لُبِّهِ فَعَازِبُهُ عَنْهُ أَعْجَزُ وَ غَائِبُهُ أَعْوَزُ. وَ اتَّقُوا نَاراً حَرُّهَا شَدِيدٌ، وَ قَعْرُهَا بَعِيدٌ وَ حِلْيَتُهَا حَدِيدٌ وَ شَرَابُهَا صَدِيدٌ. أَلَا وَ إِنَّ اللِّسَانَ الصَّالِحَ يَجْعَلُهُ اللَّهُ لِلْمَرْءِ فِي النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الْمَالِ يُورِثُهُ مَنْ لَا يَحْمَدُهُ. بيان: قال ابن أبي الحديد: [قوله:] «لقد علمت تبليغ الرّسالات»: إشارة إلى قوله تعالى: يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ ... وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ و إلى - قول النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في قصّة براءة: «لا يؤدّي عنّي أنا أو رجل منّي». ، و أنّه علم مواعيد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الّتي وعد بها و إنجازها، فمنها ما هو وعد لواحد من النّاس نحو أن يقول: سأعطيك كذا. و منها ما هو وعد بأمر سيحدث، كأخبار الملاحم و الأمور المتجدّدة. و فيه إشارة إلى قول تعالى: [مِنَ الْمُؤْمِنِينَ] رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ و إلى - قول النّبيّ صلّى اللّه عليه في حقّه (عليه السلام) «قاضي ديني و منجز عداتي». و أنّه علم تمام الكلمات و هو تأويل القرآن و بيانه الذي يتم به. 222 و فيه إشارة إلى قوله تعالى: وَ تَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وَ عَدْلًا. و إلى - قول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) [له]: «اللّهم اهد قلبه و ثبّت لسانه». . و لعلّ المراد ب «أبواب الحكم» بالضمّ أو «الحكم» بكسر الحاء و فتح الكاف- على اختلاف النسخ-: الأحكام الشرعية. و ب «ضياء الأمر» العقائد العقلية أو بالعكس. و قال ابن ميثم: لعلّ المراد ب «شرائع الدين و سبله» أهل البيت (عليهم السلام) فإنّ أقوالهم في الدين واحدة خالية عن الاختلاف. أقول: و يحتمل أن يكون المراد معناه الظاهر، و يكون الغرض نفي الاختلاف في الأحكام بالآراء و المقاييس، و يظهر منه بطلان إمامة غير أهل البيت كما لا يخفي. قوله (عليه السلام): «و من لا ينفعه» فيه وجوه: الأول أنّ من لم يعتبر في حياته بلبّه فأولى بأن لا ينتفع بعد الموت. الثاني أنّ المراد من لم يعمل بما فهم و حكم به عقله وقت إمكان العمل، فأحرى أن لا ينتفع به بعد انقضاء وقته، بل لا يورثه إلّا ندامة و حسرة. الثالث أنّ المراد من لم يكن له من نفسه واعظ و زاجر و لم يعمل بما فهم و عقل، فأحرى بأن لا يرتدع من القبيح بعقل غيره و موعظته له. و «اللسان الصالح»: الذّكر الجميل. و «من لا يحمده» وارثه الذي لا يعدّ ذلك الإيراث فضلا و نعمة. [994] - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَتِهِ [(عليه السلام)] الْمَعْرُوفَةِ بِالْقَاصِعَةِ: 223 أَلَا وَ إِنَّكُمْ قَدْ نَفَضْتُمْ أَيْدِيَكُمْ مِنْ حَبْلِ الطَّاعَةِ، وَ ثَلَمْتُمْ حِصْنَ اللَّهِ الْمَضْرُوبَ عَلَيْكُمْ بِأَحْكَامِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَ إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدِ امْتَنَّ عَلَى جَمَاعَةِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِيمَا عَقَدَ بَيْنَهُمْ مِنْ حَبْلِ هَذِهِ الْأُلْفَةِ الَّتِي يَنْتَقِلُونَ فِي ظِلِّهَا وَ يَأْوُونَ إِلَى كَنَفِهَا، بِنِعْمَةٍ لَا يَعْرِفُ أَحَدٌ مِنَ الْمَخْلُوقِينَ لَهَا قِيمَةً؛ لِأَنَّهَا أَرْجَحُ مِنْ كُلِّ ثَمَنٍ وَ أَجَلُّ مِنْ كُلِّ خَطَرٍ. وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ قَدْ صِرْتُمْ بَعْدَ الْهِجْرَةِ أَعْرَاباً، وَ بَعْدَ الْمُوَالاةِ أَحْزَاباً، مَا تَتَعَلَّقُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِاسْمِهِ، وَ لَا تَعْرِفُونَ مِنَ الْإِيمَانِ إِلَّا رَسْمَهُ، تَقُولُونَ: «النَّارَ وَ لَا الْعَارَ»، كَأَنَّكُمْ تُرِيدُونَ أَنْ تُكْفِئُوا الْإِسْلَامَ عَلَى وَجْهِهِ انْتِهَاكاً لِحَرِيمِهِ، وَ نَقْضاً لِمِيثَاقِهِ الَّذِي وَضَعَهُ اللَّهُ لَكُمْ، حَرَماً فِي أَرْضِهِ وَ أَمْناً بَيْنَ خَلْقِهِ. وَ إِنَّكُمْ إِنْ لَجَأْتُمْ إِلَى غَيْرِهِ حَارَبَكُمْ أَهْلُ الْكُفْرِ، ثُمَّ لَا جَبْرَئِيلُ وَ لَا مِيكَائِيلُ وَ لَا مُهَاجِرُونَ وَ لَا أَنْصَارٌ يَنْصُرُونَكُمْ إِلَّا الْمُقَارَعَةَ بِالسُّيُوفِ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ. وَ إِنَّ عِنْدَكُمُ الْأَمْثَالَ مِنْ بَأْسِ اللَّهِ وَ قَوَارِعِهِ وَ أَيَّامِهِ وَ وَقَائِعِهِ، فَلَا تَسْتَبْطِئُوا وَعِيدَهُ جَهْلًا بِأَخْذِهِ، وَ تَهَاوُناً بِبَطْشِهِ، وَ يَأْساً مِنْ بَأْسِهِ. فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَلْعَنِ الْقَرْنَ الْمَاضِيَ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ إِلَّا لِتَرْكِهِمُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَ النَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ، فَلَعَنَ السُّفَهَاءَ لِرُكُوبِ الْمَعَاصِي، وَ الْحُلَمَاءَ لِتَرْكِ التَّنَاهِي. أَلَا وَ قَدْ قَطَعْتُمْ قَيْدَ الْإِسْلَامِ، وَ عَطَّلْتُمْ حُدُودَهُ وَ أَمَتُّمْ أَحْكَامَهُ. أَلَا وَ قَدْ أَمَرَنِيَ اللَّهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَ النَّكْثِ وَ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ، فَأَمَّا النَّاكِثُونَ فَقَدْ قَاتَلْتُ، وَ أَمَّا الْقَاسِطُونَ فَقَدْ جَاهَدْتُ، وَ أَمَّا الْمَارِقُونَ فَقَدْ دَوَّخْتُ، وَ أَمَّا شَيْطَانُ الرَّدْهَةِ فَقَدْ كُفِيتُهُ بِصَعْقَةٍ سُمِعَتْ لَهَا وَجْبَةُ قَلْبِهِ وَ رَجَّةُ صَدْرِهِ، وَ بَقِيَتْ 224 بَقِيَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ، وَ لَئِنْ أَذِنَ اللَّهُ فِي الْكَرَّةِ عَلَيْهِمْ لَأُدِيلَنَّ مِنْهُمْ إِلَّا مَا يَتَشَذَّرُ فِي أَطْرَافِ الْبِلَادِ تَشَذُّراً. أَنَا وَضَعْتُ [فِي الصِّغَرِ] بِكَلَاكِلِ الْعَرَبِ وَ كَسَرْتُ نَوَاجِمَ قُرُونِ رَبِيعَةَ وَ مُضَرَ. وَ قَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَ الْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ، وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَ أَنَا وَلِيدٌ، يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَ يَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَ يُمِسُّنِي جَسَدَهُ وَ يُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَ كَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ، وَ مَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ وَ لَا خَطْلَةً [خَطِيئَةً «خ»] فِي فِعْلٍ. أقول:: قد مضى تمامها مع شرحها في آخر المجلد الخامس. [995] - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ كَلَامٍ لَهُ (عليه السلام): أَلَا وَ إِنَّ اللِّسَانَ بَضْعَةٌ مِنَ الْإِنْسَانِ، فَلَا يُسْعِدُهُ الْقَوْلُ إِذَا امْتَنَعَ، وَ لَا يُمْهِلُهُ النُّطْقُ إِذَا اتَّسَعَ، وَ إِنَّا لَأُمَرَاءُ الْكَلَامِ، وَ فِينَا تَنَشَّبَتْ عُرُوقُهُ، وَ عَلَيْنَا تَهَدَّلَتْ غُصُونُهُ. وَ اعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّكُمْ فِي زَمَانٍ، الْقَائِلُ فِيهِ بِالْحَقِّ قَلِيلٌ، وَ اللِّسَانُ عَنِ الصِّدْقِ كَلِيلٌ، وَ اللَّازِمُ لِلْحَقِّ ذَلِيلٌ، أَهْلُهُ مُعْتَكِفُونَ عَلَى الْعِصْيَانِ، مُصْطَلِحُونَ عَلَى الْإِدْهَانِ، فَتَاهُمْ عَارِمٌ، وَ شَائِبُهُمْ آثِمٌ، وَ عَالِمُهُمْ مُنَافِقٌ، وَ قَارِئُهُمْ مُمَاذِقٌ، لَا يُعَظِّمُ صَغِيرُهُمْ كَبِيرَهُمْ، وَ لَا يَعُولُ غَنِيُّهُمْ فَقِيرَهُمْ. بيان: قال ابن أبي الحديد: [هذا الكلام] قاله (عليه السلام) في واقعة اقتضت ذلك، و هي أنّه أمر ابن أخته جعدة بن هبيرة المخزومي أن يخطب الناس يوما، فصعد المنبر فحصر و لم يستطع الكلام، فقام أمير المؤمنين (عليه السلام) فتسنّم 225 ذروة المنبر، فخطب خطبة طويلة هذه الكلمات منها. و البضعة: القطعة من اللحم. و الضمير في [قوله (عليه السلام):] «يسعده» و «يمهله» للّسان، و في [قوله:] «امتنع» و «اتّسع» للإنسان. و المعنى أنّ اللسان لمّا كان آلة للإنسان يتصرّف بتصريفه إيّاه، فإذا امتنع الإنسان عن الكلام لشاغل أو صارف، لم يسعد اللّسان القول و لم يواته، و إذا دعاه الدّاعي إلى الكلام و حضره و اتسع الإنسان له، لم يمهله النّطق بل يسارع إليه. و يحتمل أن يعود الضّمير في «امتنع» إلى القول، و في «اتّسع» إلى النّطق: أي فلا يسعد القول اللسان إذا امتنع القول من الإنسان و لم يحضره لوهم أو نحوه، أوجب حصره و عيّه و لم يمهله النّطق إذا اتّسع عليه و حضره . و يحتمل أن يكون الضّمير في «يسعده» و «يمهله» راجعا إلى الإنسان، و في [قوله:] «امتنع» و «اتّسع» إلى اللّسان: أي إذا امتنع اللّسان لعدم جرأة فلا يسعد القول الإنسان، و إذا اتّسع لم يمهل النطق الإنسان. و الأوّل أظهر. و نشب الشيء في الشّيء بالكسر: أي علق و أنشبته أنا فيه: أي أعلقته فانتشب. ذكره الجوهري. و المراد بعروقه: أصوله و موادّه، كالعلم بالمعاني و الملكات الفاضلة. و غصونه: فروعه و أغصانه و آثاره. و تهدّلت أغصان الشجرة: أي تدلّت. [قوله (عليه السلام):] «معتكفون على العصيان»: أي ملازمون [لها] من قولهم: عكف على الشيء: أي حبس نفسه عليه، و منه الاعتكاف. و الاصطلاح: 226 افتعال من الصلح. و الادهان: القول باللّسان بمقتضى مصلحة حالهم دون الاتفاق في القلوب، أو بمعنى الغش. و العرامة: شراسة الخلق و البطر و الفساد و قلّة الأدب. [قوله (عليه السلام):] «و شائبهم آثم»: [أي] لجهله و غفلته شاب في الإثم. قوله (عليه السلام): «مماذق»: أي غير مخلص كما ذكره الجوهري. و «عاله»: أي كفله و قام بأمره و أنفق عليه. [996] - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): وَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى مَدَاحِرِ الشَّيْطَانِ وَ مَزَاجِرِهِ وَ الِاعْتِصَامِ مِنْ حَبَائِلِهِ وَ مَخَاتِلِهِ. وَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَ رَسُولُهُ وَ نَجِيبُهُ وَ صَفْوَتُهُ، لَا يُوَازَى فَضْلُهُ، وَ لَا يُجْبَرُ فَقْدُهُ، أَضَاءَتْ بِهِ الْبِلَادُ بَعْدَ الضَّلَالَةِ الْمُظْلِمَةِ وَ الْجَهَالَةِ الْغَالِبَةِ وَ الْجَفْوَةِ الْجَافِيَةِ، وَ النَّاسُ يَسْتَحِلُّونَ الْحَرِيمَ وَ يَسْتَذِلُّونَ الْحَكِيمَ، يَحْيَوْنَ عَلَى فَتْرَةٍ وَ يَمُوتُونَ عَلَى كَفْرَةٍ. ثُمَّ إِنَّكُمْ مَعْشَرَ الْعَرَبِ! أَغْرَاضُ بَلَايَا قَدِ اقْتَرَبَتْ، فَاتَّقُوا سَكَرَاتِ النِّعْمَةِ، وَ احْذَرُوا بَوَائِقَ النِّقْمَةِ، وَ تَثَبَّتُوا فِي قَتَامِ الْعِشْوَةِ، وَ اعْوِجَاجِ الْفِتْنَةِ عِنْدَ طُلُوعِ جَنِينِهَا، وَ ظُهُورِ كَمِينِهَا، وَ انْتِصَابِ قُطْبِهَا، وَ مَدَارِ رَحَاهَا، تَبْدَأُ فِي مَدَارِجَ خَفِيَّةٍ، وَ تَئُولُ إِلَى فَظَاعَةٍ جَلِيَّةٍ، شِبَابُهَا كَشِبَابِ الْغُلَامِ، وَ آثَارُهَا كَآثَارِ السَّلَامِ، تَتَوَارَثُهَا الظَّلَمَةُ بِالْعُهُودِ، أَوَّلُهُمْ قَائِدٌ لِآخِرِهِمْ، وَ آخِرُهُمْ مُقْتَدٍ بِأَوَّلِهِمْ، يَتَنَافَسُونَ فِي دُنْيَا دَنِيَّةٍ، وَ يَتَكَالَبُونَ عَلَى جِيفَةٍ مُرِيحَةٍ، وَ عَنْ قَلِيلٍ يَتَبَرَّأُ التَّابِعُ مِنَ الْمَتْبُوعِ، وَ الْقَائِدُ مِنَ الْمَقُودِ، فَيَتَزَايَلُونَ بِالْبَغْضَاءِ وَ يَتَلَاعَنُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ. ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ طَالِعُ الْفِتْنَةِ الرَّجُوفِ وَ الْقَاصِمَةِ الزَّخُوفِ، فَتَزِيغُ قُلُوبٌ بَعْدَ اسْتِقَامَةٍ، وَ تَضِلُّ رِجَالٌ بَعْدَ سَلَامَةٍ، وَ تَخْتَلِفُ الْأَهْوَاءُ عِنْدَ هُجُومِهَا، وَ تَلْتَبِسُ 227 الْآرَاءُ عِنْدَ نُجُومِهَا. مَنْ أَشْرَفَ لَهَا قَصَمَتْهُ، وَ مَنْ سَعَى فِيهَا حَطَمَتْهُ، يَتَكَادَمُونَ فِيهَا تَكَادُمَ الْحُمُرِ فِي الْعَانَةِ، قَدِ اضْطَرَبَ مَعْقُودُ الْحَبْلِ، وَ عَمِيَ وَجْهُ الْأَمْرِ، تَغِيضُ فِيهَا الْحِكْمَةُ، وَ تَنْطِقُ فِيهَا الظَّلَمَةُ، وَ تَدُقُّ أَهْلَ الْبَدْوِ بِمِسْحَلِهَا، وَ تَرُضُّهُمْ بِكَلْكَلِهَا. يَضِيعُ فِي غُبَارِهَا الْوُحْدَانُ، وَ يَهْلِكُ فِي طَرِيقِهَا الرُّكْبَانُ، تَرِدُ بِمُرِّ الْقَضَاءِ، وَ تَحْلُبُ عَبِيطَ الدِّمَاءِ، وَ تَثْلِمُ مَنَارَ الدِّينِ، وَ تَنْقُضُ عَقْدَ الْيَقِينِ. تَهْرُبُ مِنْهَا الْأَكْيَاسُ، وَ تَدَبَّرَهَا الْأَرْجَاسُ، مِرْعَادٌ مِبْرَاقٌ، كَاشِفَةٌ عَنْ سَاقٍ، تُقْطَعُ فِيهَا الْأَرْحَامُ، وَ يُفَارَقُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامُ، بَرِيئُهَا سَقِيمٌ، وَ ظَاعِنُهَا مُقِيمٌ. [وَ] مِنْهَا: بَيْنَ قَتِيلٍ مَطْلُولٍ، وَ خَائِفٍ مُسْتَجِيرٍ، يَخْتِلُونَ بِعَقْدِ الْأَيْمَانِ، وَ بِغُرُورِ الْإِيمَانِ، فَلَا تَكُونُوا أَنْصَابَ الْفِتَنِ وَ أَعْلَامَ الْبِدَعِ، وَ الْزَمُوا مَا عُقِدَ عَلَيْهِ حَبْلُ الْجَمَاعَةِ، وَ بُنِيَتْ عَلَيْهِ أَرْكَانُ الطَّاعَةِ، وَ اقْدَمُوا عَلَى اللَّهِ مَظْلُومِينَ وَ لَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ ظَالِمِينَ، وَ اتَّقُوا مَدَارِجَ الشَّيْطَانِ وَ مَهَابِطَ الْعُدْوَانِ، وَ لَا تُدْخِلُوا بُطُونَكُمْ لُعَقَ الْحَرَامِ، فَإِنَّكُمْ بِعَيْنِ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَعْصِيَةَ وَ سَهَّلَ لَكُمْ سَبِيلَ الطَّاعَةِ. توضيح: «مداحر الشيطان»: الأمور التي يدحر و يطرد بها [الشيطان]. و «مزاجره»: الأمور التي يزجر بها. و «حبائله»: مكايده التي يضلّ بها البشر. و «مخاتله»: الأمور التي يختل بها- بالكسر- أي: يخدع بها. [قوله (عليه السلام):] «لا يوازى»: أي لا يساوى. و الأصل فيه الهمزة كما قيل. «و الجهالة الغالبة» بالباء الموحّدة و في بعض النّسخ بالمثنّاة: من الغلاء و هو الارتفاع أو من الغلوّ و هو مجاوزة الحدّ. و الجفوة: غلظ الطبع. و الوصف للمبالغة. [و قوله:] «و الناس»: الواو للحال. و الحريم: حرمات اللّه التي يجب احترامها و محرماته. و قال [ابن الأثير] في النهاية: الفترة: ما بين الرسولين. 228 و أصابني على فترة: أي في حال سكون و تقليل من العبادات و المجاهدات. و الكفرة: المرّة من الكفرات. و المعشر: الجماعة. و الغرض: الهدف. و سكرات النعمة: ما تحدثه النعم عند أربابها من الغفلة المشابهة للسكر. و البوائق: الدواهي. و التّثبّت: التوقّف و ترك اقتحام الأمر. و القتام- بالفتح-: الغبار. و العشو: ركوب الأمر على غير بيان و وضوح. و يروى «و تبيّنوا» كما قرئ في الآية. و كنّى (عليه السلام) عن ظهور المستور المخفي منها بقوله: «عند طلوع جنينها و ظهور كمينها». و الجنين: الولد ما دام في البطن. و الكمين: الجماعة المختفية في الحرب. و المدار مصدر و المكان بعيد. و «انتصاب قطبها و مدار رحاها»: كنايتان عن انتظام أمرها. و المدرجة: المذهب و المسلك: أي إنّها تكون ابتداء يسيرة ثم تصير كثيرة. و الشبّاب- بالكسر-: نشاط الفرس و رفع يديه جميعا. و في بعض النسخ [ذكره] بالفتح. و السّلم: الحجارة أي أربابها يمرحون في أوّل الأمر كما يمرح الغلام، ثمّ يؤول إلى أن يعقب فيهم أو في الإسلام آثار كآثار الحجارة في الأبدان، فيحتمل أن يكون [هذا] كالتفسير لسابقه، أو يكون المراد أنّها في الدنيا كنشاط الغلام و ما أعقبها في الآخرة كآثار السلام. [قوله (عليه السلام):] «تتوارثها الظلمة بالعهود»: الظرف متعلّق بالفعل: أي توارثهم بما عهدوا بينهم من ظلم أهل البيت (عليهم السلام) و غصب حقّهم. أو [هو متعلّق] ب [قوله] «الظلمة»: أي الذين ظلموا عهد اللّه و تركوه. «و يتكالبون»: أي يتواثبون. و «المريحة»: المنتنة من [قولهم:] أراحت [الجيفة] إذا ظهر ريحها، أو من أراح البعير إذا مات. قوله (عليه السلام): «و عن قليل»: أي بعد قليل من الزمان يتبرأ التابع [من المتبوع]. قال ابن أبي الحديد: ذلك التبرّؤ في القيامة كما ورد في الكتاب العزيز، 229 أمّا تبرّؤ التابع من المتبوع [فقد] قال تعالى: قالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً و أمّا تبرّؤ القائد من المقود: أي المتبوع من التابع فقال تعالى: إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا و إمّا الأعمّ كما دلّ عليه قوله (عليه السلام): «فيتزايلون ...» فقال تعالى: و يوم القيامة يكفر بعضهم ببعض و يلعن بعضهم بعضا. و قوله (عليه السلام): «يتزايلون»: أي يفترقون. و طالع الفتنة مقدماتها. و سمّاها رجوفا لشدّة الاضطراب فيها. و لمّا ذكر (عليه السلام) رغبتهم في الدنيا و تكالبهم، أراد أن يذكر ما يؤكّد التعجّب من فعلهم، فأتى بجملة معترضة بين الكلامين فقال: «و عن قليل يتبرّأ التّابع ... إلخ». ثمّ عاد إلى نظام الكلام فقال: «ثمّ يأتي بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف». و قال ابن ميثم: أشار (عليه السلام) إلى منافستهم في الدنيا في إثارة تلك الفتن، ثم أخبر عن انقضائها عن قليل و كنّى عن ذلك بتبرّؤ التابع من المتبوع. قيل: [و كان] ذلك التبرؤ عند ظهور الدولة العباسية، فإنّ العادة جارية بتبرّؤ الناس عن الولاة المعزولين، خصوصا ممن تولّى عزل أولئك أو قتلهم فيتباينون بالبغضاء و يتلاعنون عند اللقاء. [ثم] قال [ابن ميثم:] و قوله (عليه السلام): «ثمّ يأتي [بعد ذلك طالع الفتنة الرجوف»] إشارة إلى فتنة التّتار، إذ الدائرة فيهم كانت على العرب. [ثم] قال: و قال بعض الشارحين: ذلك إشارة إلى الملحمة الكائنة في 230 آخر الزمان، كفتنة الدجّال، و وصفها بالرجوف كناية عن اضطراب الناس، أو أمر الإسلام فيها. و [كنّى] بقصمها عن هلاك الخلق فيها تشبيها لها بالرجل الشجاع الكثير الزحف إلى أقرانه: أي يمشي إليهم قدما. و نجم الشيء ينجم- بالضمّ- نجوما: ظهر و طلع. قوله [(عليه السلام):] «من أشرف لها»: أي صادمها و قابلها. «و من سعى فيها»: أي في تسكينها و إطفائها. و الحطم: الكسر. و التكادم: التّعاض بأدنى الفم. و العانة: القطيع من حمر الوحش، و لعلّ المراد مغالبة مثيري تلك الفتنة بعضهم لبعض، أو مغالبتهم لغيرهم. و معقود الحبل: قواعد التي كلّفوا بها. و في إسناد العمى إلى وجه الأمر تجوّز. و الغيض: القلّة و النقص. و المسحل- كمنبر-: السوهان أو المنحت: أي يفعل بهم ما يفعل بالحديد أو الخشب. و الرضّ: الدق. و الكلكل: الصدر. و الوحدان جمع واحد: أي من كان يسير وحده فإنّه يهلك فيها بالكلية، و إذا كانوا جماعة فهم يضلّون في طريقها فيهلكون. و لفظ الغبار مستعار للقليل اليسير من حركة أهلها: أي إذا أراد القليل من الناس دفعها هلكوا في غبارها من دون أن يدخلوا في غمارها، و أمّا الركبان و هم الكثير من الناس فإنّهم يهلكون في طريقها و عند الخوض فيها. و يجوز أن يكون الوحدان جمع أوحد: أي يضلّ في غبار هذه الفتنة و شبهها فضلاء عصرها، لغموض الشبهة و استيلاء الباطل و يكون الركبان كناية عن أهل القوّة، فهلاك أهل العلم بالضلال، و هلاك أهل القوّة بالقتل. و مرّ القضاء: الهلاك و الاستئصال و البلايا الصّعبة. و عبيط الدّماء: الطري الخالص منها. و تثلم: أي تكسر. [و] منار الدين: أي أعلامه. [قوله (عليه السلام):] «مرعاد مبراق»: أي ذات رعد و برق تشبيها 231 بالسحاب. أو ذات وعيد و تهدّد من [قولهم:] رعد الرجل و برق إذا أوعد و تهدّد. و يحتمل أن يكون [أراد من] الرعد صوت السلاح و [من] البرق ضوءه. و قال [ابن الأثير] في النهاية: السّاق في اللغة: الأمر الشّديد و كشف الساق: مثل في شدّة الأمر، و أصله من كشف الإنسان عن ساقه و تشميره إذا وقع في أمر شديد. قوله (عليه السلام): «بريئها»: أي من يعدّ نفسه بريئا سالما من المعاصي أو الآفات، أو من كان سالما بالنسبة إلى سائر الناس فهو أيضا مبتلى بها، أو المعنى أنّ من لم يكن مائلا إلى المعاصي أو أحبّ الخلاص من شرورها لا يمكنه ذلك. قوله (عليه السلام): «و ظاعنها مقيم»: أي لا يمكنه الخروج عنها. أو من اعتقد أنّه متخلّف عنها فهو داخل فيها لكثرة الشبه و عموم الضلالة. قوله (عليه السلام): «مطلول»: أي مهدر لا يطلب به. [و] «يختلون»: أي يخدعون. [و قوله:] «بعقد الأيمان»: [إمّا] بصيغة المصدر أو كصرد بصيغة الجمع. و [قوله (عليه السلام):] «يختلون»: في بعض النسخ على بناء المجهول، فيكون إخبارا عن حال المخدوعين الذي يختلهم غيرهم بالأيمان المعقودة بينهم، أو بالعهود الذي يشدّونها بمسح أيمانهم. و في بعض النسخ على بناء المعلوم فيكون إخبارا من أهل ذلك الزّمان جميعا، أو الخادعين الخائنين منهم. و «بغرور الإيمان»: أي بالإيمان الذي يظهره الخادعون لهؤلاء الموصوفين فيغرونهم بالمواعيد الكاذبة، أو الذي يظهره هؤلاء الموصوفون فيغرّون الناس به على النّسختين. قوله (عليه السلام): «أنصاب الفتن»: [الأنصاب] جمع نصب و هو- بالفتح أو التحريك-: العلم أو بمعنى الغاية و الحدّ و منه أيضا أنصاب الحرم. 232 و في بعض النسخ: [أنصار الفتن] بالراء. قوله (عليه السلام): « [و الزموا] ما عقد عليه حبل الجماعة» أي القوانين الّتي ينتظم بها اجتماع الناس على الحقّ، و هي التي بنيت عليها أركان الطاعة. [قوله (عليه السلام):] «و اقدموا على اللّه مظلومين»: أي كونوا راضين بالمظلومية أو لا تظلموا الناس و إن استلزم ترك الظلم مظلوميتكم. و «مدارج الشيطان»: مذاهبه و مسالكه. «و مهابط العدوان»: المواضع التي يهبط هو و صاحبه فيها. و اللعق: جمع لعقة بالضمّ، و هي اسم لما تأخذه الملعقة. و اللعقة بالفتح: المرّة منه. فنبّه (عليه السلام) باللّعق على قلّتها بالنسبة إلى متاع الآخرة، أو المراد لا تدخلوا بطونكم القليل منه فكيف بالكثير. قوله (عليه السلام): « [فإنّكم] بعين من حرّم»: أي بعلمه كقوله تعالى: تَجْرِي بِأَعْيُنِنا [997] - نَهْجٌ: [وَ] مِنْ خُطْبَةٍ لَهُ (عليه السلام): فَبَعَثَ مُحَمَّداً (صلّى اللّه عليه و آله) بِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ إِلَى عِبَادَتِهِ، وَ مِنْ طَاعَةِ الشَّيْطَانِ إِلَى طَاعَتِهِ، بِقُرْآنٍ قَدْ بَيَّنَهُ وَ أَحْكَمَهُ، لِيَعْلَمَ الْعِبَادُ رَبَّهُمْ إِذْ جَهِلُوهُ، وَ لِيُقِرُّوا بِهِ إِذْ جَحَدُوهُ، وَ لِيُثْبِتُوهُ بَعْدَ إِذْ أَنْكَرُوهُ. فَتَجَلَّى سُبْحَانَهُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا رَأَوْهُ، بِمَا أَرَاهُمْ مِنْ قُدْرَتِهِ، وَ خَوَّفَهُمْ مِنْ سَطَوَاتِهِ، وَ كَيْفَ مَحَقَ مَنْ مَحَقَ بِالْمَثُلَاتِ وَ احْتَصَدَ مَنِ احْتَصَدَ [وَ اخْتَضَدَ مَنِ اخْتَضَدَ «خ»] بِالنَّقِمَاتِ. وَ إِنَّهُ سَيَأْتِي عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِي زَمَانٌ، لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ أَخْفَى مِنَ الْحَقِّ وَ لَا 233 أَظْهَرَ مِنَ الْبَاطِلِ وَ لَا أَكْثَرَ مِنَ الْكَذِبِ عَلَى اللَّهِ وَ رَسُولِهِ، وَ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ سِلْعَةٌ أَبْوَرَ مِنَ الْكِتَابِ إِذَا تُلِيَ حَقَّ تِلَاوَتِهِ، وَ لَا أَنْفَقَ مِنْهُ إِذَا حُرِّفَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَ لَا فِي الْبِلَادِ شَيْءٌ أَنْكَرَ مِنَ الْمَعْرُوفِ وَ لَا أَعْرَفَ مِنَ الْمُنْكَرِ، فَقَدْ نَبَذَ الْكِتَابَ حَمَلَتُهُ وَ تَنَاسَاهُ حَفَظَتُهُ، فَالْكِتَابُ يَوْمَئِذٍ وَ أَهْلُهُ مَنْفِيَّانِ طَرِيدَانِ، وَ صَاحِبَانِ مُصْطَحِبَانِ فِي طَرِيقٍ وَاحِدٍ، لَا يُؤْوِيهِمَا مُؤْوٍ، فَالْكِتَابُ وَ أَهْلُهُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي النَّاسِ وَ لَيْسَا فِيهِمْ، وَ مَعَهُمْ وَ لَيْسَا مَعَهُمْ، لِأَنَّ الضَّلَالَةَ لَا تُوَافِقُ الْهُدَى وَ إِنِ اجْتَمَعَا. وَ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ عَلَى الْفُرْقَةِ وَ افْتَرَقُوا عَنِ الْجَمَاعَةِ، كَأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الْكِتَابِ وَ لَيْسَ الْكِتَابُ إِمَامَهُمْ، فَلَمْ يَبْقَ عِنْدَهُمْ مِنْهُ إِلَّا اسْمُهُ وَ لَا يَعْرِفُونَ إِلَّا خَطَّهُ وَ زَبْرَهُ. وَ مِنْ قَبْلُ مَا مَثَّلُوا بِالصَّالِحِينَ كُلَّ مُثْلَةٍ، وَ سَمَّوْا صِدْقَهُمْ عَلَى اللَّهِ فِرْيَةً وَ جَعَلُوا فِي الْحَسَنَةِ عُقُوبَةَ السَّيِّئَةِ. وَ إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِطُولِ آمَالِهِمْ وَ تَغَيُّبِ آجَالِهِمْ، حَتَّى نَزَلَ بِهِمُ الْمَوْعُودُ الَّذِي تُرَدُّ عَنْهُ الْمَعْذِرَةُ، وَ تُرْفَعُ عَنْهُ التَّوْبَةُ، وَ تَحُلُّ مَعَهُ الْقَارِعَةُ وَ النَّقِمَةُ. أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ مَنِ اسْتَنْصَحَ اللَّهَ وُفِّقَ، وَ مَنِ اتَّخَذَ قَوْلَهُ دَلِيلًا هُدِيَ لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، فَإِنَّ جَارَ اللَّهِ آمِنٌ وَ عَدُوَّهُ خَائِفٌ. وَ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ عَظَمَةَ اللَّهِ أَنْ يَتَعَظَّمَ، فَإِنَّ رِفْعَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا عَظَمَتُهُ أَنْ يَتَوَاضَعُوا لَهُ، وَ سَلَامَةَ الَّذِينَ يَعْلَمُونَ مَا قُدْرَتُهُ أَنْ يَسْتَسْلِمُوا لَهُ، فَلَا تَنْفِرُوا مِنَ الْحَقِّ نِفَارَ الصَّحِيحِ مِنَ الْأَجْرَبِ وَ الْبَارِي مِنْ ذِي السَّقَمِ. وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ لَنْ تَعْرِفُوا الرُّشْدَ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي تَرَكَهُ، وَ لَنْ تَأْخُذُوا بِمِيثَاقِ الْكِتَابِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَقَضَهُ، وَ لَنْ تَمَسَّكُوا بِهِ حَتَّى تَعْرِفُوا الَّذِي نَبَذَهُ. فَالْتَمِسُوا ذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهِ فَإِنَّهُمْ عَيْشُ الْعِلْمِ وَ مَوْتُ الْجَهْلِ، هُمُ الَّذِينَ 234 يُخْبِرُكُمْ حُكْمُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ، وَ صَمْتُهُمْ عَنْ مَنْطِقِهِمْ، وَ ظَاهِرُهُمْ عَنْ بَاطِنِهِمْ، لَا يُخَالِفُونَ الدِّينَ وَ لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، [فَهُوَ] بَيْنَهُمْ شَاهِدٌ صَادِقٌ وَ صَامِتٌ نَاطِقٌ. بيان: «أحكمه»: أتقنه. و قيل في قوله تعالى: «كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ» [1- هود: 11]: أي أحفظت من فساد المعنى و ركاكته. و يمكن أن يكون المراد بالإقرار باللسان، و بالإثبات: التصديق بالقلب. [قوله (عليه السلام):] «فتجلّى لهم»: أي ظهر و انكشف، و ربّما يفسّر الكتاب هنا بعالم الإيجاد. و المحق: النقض، و المحو و الإبطال. و المثلاث: العقوبات. قوله (عليه السلام): «و احتصد [من احتصد]»: في بعض النسخ بالمهملتين في الموضعين من الحصاد و هو قطع الزرع و النبات فهو كناية عن استئصالهم. و في بعضها بالمعجمتين من [قولهم:] اختضد البعير: أي خطمه ليذلّ. و الأول أظهر. و البوار: الهلاك و كساد السوق. و تلاوة الكتاب إمّا بمعنى قراءته، أو متابعته فإنّ من اتّبع غيره يقال: تلاه. و التحريف بالثاني أنسب. و يقال: تناساه إذا أرى من نفسه أنّه نسيه. و نفى الشيء: أي نحّاه أو جحده. و الطرد: الإبعاد. و أهل الكتاب [هم] أئمّة الدين و أتباعهم العالمون بالكتاب العاملون به. قوله (عليه السلام): «لأنّ الضّلالة»: أي ضلالتهم مضادّة لهدى الكتاب فلم يجتمعا حقيقة و إن اجتمعا ظاهرا. و الزبر بالفتح: الكتابة و بالكسر: الكتاب. 235 قوله (عليه السلام): «و من قبل»: أي من قبل ذلك الزمان و إن كان بعده (عليه السلام). «ما مثلوا» بالتخفيف و التشديد: أي نكّلوا. و الظرف أعني قوله: «على اللّه» متعلّق بالفرية، و يحتمل تعلّقه بالصدق. و المراد بتغيّب آجالهم نسيانهم إيّاها و ترك استعدادهم لها و لما بعدها. و الموعود: الموت فإنّه لا تقبل فيه معذرة و عند نزوله [لا تقبل] توبة. «و القارعة»: المصيبة التي تقرع: أي تلقى بشدّة و قوّة. قوله (عليه السلام) «من استنصح اللّه» قال: [ابن الأثير] في النهاية: أي اتّخذه ناصحا. انتهى. و الاعتقاد بكونه تعالى ناصحا و أنّه لا يريد للعبد إلّا ما هو خير له، يوجب التوفيق بالرغبة في العمل بكلّ ما أمر [به] و الانتهاء عمّا نهى عنه. قوله (عليه السلام): «لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ»: أي للحالة و الطريقة التي اتّباعها و سلوكها أقوم. [قوله (عليه السلام):] «فإنّ جار اللّه [آمن]»: أي من أجاره اللّه أو من كان قريبا منه. و في بعض النسخ: «عظمته» و «قدرته» بالنصب، فكلمة «ما» فيهما زائدة. قوله (عليه السلام): «حتّى تعرفوا الذي تركه»: الغرض منه و مما بعده التنفير من أئمّة الضلال و التنبيه على وجوب البراءة منهم. [قوله (عليه السلام):] «فإنّهم عيش العلم»: أي أسباب لحياته. قوله (عليه السلام): «و صمتهم عن منطقهم»: فإنّ لصمتهم وقتا و هيئة و حالة تكون قرائن دالّة على حسن منطقهم لو نطقوا. 236 قوله (عليه السلام): «و لا يختلفون»: أي لا يخالف بعضهم بعضا فيكون البعض مخالفا للحق. [قوله (عليه السلام):] «فهو بينهم»: الضمير راجع إلى الدين. [و معنى قوله:] «شاهد صادق»: أي يأخذون بما حكم به و دلّ عليه. [قوله (عليه السلام):] «و صامت»: لأنّه لا ينطق في الظاهر [بنفسه و إنّما هو] ناطق بلسان أهله و العالم به.
بحار الأنوار ج17-35 — النوادر. 327 — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
مَا بَدَا لِلَّهِ بَدَاءٌ أَعْظَمُ مِنْ بَدَاءٍ بَدَا لَهُ فِي إِسْمَاعِيلَ ابْنِي. - 70 كِتَابُ حُسَيْنِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ سُلَيْمَانَ الطَّلْحِيِ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍعليه السلامأَخْبِرْنِي عَمَّا أَخْبَرَتْ بِهِ الرُّسُلُ عَنْ رَبِّهَا وَ أَنْهَتْ ذَلِكَ إِلَى قَوْمِهَا أَ يَكُونُ لِلَّهِ الْبَدَاءُ فِيهِ قَالَ أَمَا إِنِّي لَا أَقُولُ لَكَ إِنَّهُ يَفْعَلُ وَ لَكِنْ إِنْ شَاءَ فَعَلَ. بسط كلام لرفع شكوك و أوهام اعلم أن البداء مما ظنّ أن الإمامية قد تفرّدت به 123 و قد شنع عليهم بذلك كثير من المخالفين و الأخبار في ثبوتها كثيرة مستفيضة من الجانبين كما عرفت و لنشر إلى بعض ما قيل في تحقيق ذلك ثم إلى ما ظهر لي من الأخبار مما هو الحق في المقام. اعلم أنه لما كان البداء ممدودا في اللغة بمعنى ظهور رأي لم يكن يقال بدا الأمر بدوا ظهر و بدا له في هذا الأمر بداء أي نشأ له فيه رأي كما ذكره الجوهري و غيره فلذلك يشكل القول بذلك في جناب الحقّ تعالى لاستلزامه حدوث علمه تعالى بشيء بعد جهله و هذا محال و لهذا شنع كثير من المخالفين على الإمامية في ذلك نظرا إلى ظاهر اللفظ من غير تحقيق لمرامهم حتى أن الناصبي المتعصب الفخر الرازي ذكر في خاتمة كتاب المحصل حاكيا عن سليمان بن جرير أن الأئمة الرافضة وضعوا القول بالبداء لشيعتهم فإذا قالوا إنه سيكون لهم أمر و شوكة ثم لا يكون الأمر على ما أخبروه قالوا بدا لله تعالى فيه و أعجب منه أنه أجاب المحقق الطوسي (رحمه الله ) في نقد المحصل عن ذلك لعدم إحاطته كثيرا بالأخبار بأنهم لا يقولون بالبداء و إنما القول به ما كان إلا في رواية رووها عن جعفر الصادقعليه السلامأنه جعل إسماعيل القائم مقامه بعده فظهر من إسماعيل ما لم يرتضه منه فجعل القائم مقامه موسىعليه السلامفسئل عن ذلك فقال بدا لله في إسماعيل و هذه رواية و عندهم أن خبر الواحد لا يوجب علما و لا عملا انتهى. فانظر إلى هذا المعاند كيف أعمت العصبية عينه حيث نسب إلى أئمة الدين الذين لم يختلف مخالف و لا مؤالف في فضلهم و علمهم و ورعهم و كونهم أتقى الناس و أعلاهم شأنا و رفعة الكذب و الحيلة و الخديعة و لم يعلم أن مثل هذه الألفاظ المجازية الموهمة لبعض المعاني الباطلة قد وردت في القرآن الكريم و أخبار الطرفين كقوله تعالى اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ و مَكَرَ اللَّهُ و لِيَبْلُوَكُمْ و لِنَعْلَمَ و يَدُ اللَّهِ و وَجْهُ اللَّهِ و جَنْبِ اللَّهِ إلى غير ذلك مما لا يحصى و قد ورد في أخبارهم ما يدل على البداء بالمعنى الذي قالت به الشيعة أكثر مما ورد في أخبارنا كخبر دعاء النبيصلى الله عليه وآله وسلمعلى اليهودي و أخبار عيسى على نبينا و آله و (عليه السلام) و أن الصدقة و الدعاء يغيّران القضاء و غير ذلك و قال ابن الأثير في النهاية 124 في حديث الأقرع و الأبرص و الأعمى بدا لله عز و جل أن يبتليهم أي قضى بذلك و هو معنى البداء هاهنا لأن القضاء سابق و البداء استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم و ذلك على الله غير جائز انتهى. و قد دلّت الآية على الأجلين و فسّرهما أخيرا بما عرفت و قد قال تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ و قال هذا الناصبي في تفسيرها في هذه الآية قولان الأول أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ قالوا إن الله يمحو من الرزق و يزيد فيه و كذا القول في الأجل و السعادة و الشقاوة و الإيمان و الكفر و هو مذهب عمرو بن مسعود و رواه جابر عن رسول الله ص. و الثاني أنها خاصة في بعض الأشياء دون البعض ففيها وجوه الأول أن المراد من المحو و الإثبات نسخ الحكم المتقدم و إثبات حكم آخر بدلا عن الأول الثاني أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة و لا سيئة لأنهم مأمورون بكتبة كل قول و فعل و يثبت غيره الثالث أنه تعالى أراد بالمحو أن من أذنب أثبت ذلك الذنب في ديوانه فإذا تاب عنه محا عن ديوانه الرابع يمحو الله ما يشاء و هو من جاء أجله و يدع من لم يجئ أجله و يثبته الخامس أنه تعالى يثبت في أول السنة فإذا مضت السنة محيت و أثبت كتاب آخر للمستقبل السادس يمحو نور القمر و يثبت نور الشمس السابع يمحو الدنيا و يثبت الآخرة الثامن أنه في الأرزاق و المحن و المصائب يثبتها في الكتاب ثم يزيلها بالدعاء و الصدقة و فيه حث على الانقطاع إلى الله تعالى التاسع تعير أحوال العبد فما مضى منها فهو المحو و ما حضر و حصل فهو الإثبات العاشر يزيل ما يشاء من حكمه لا يطلع على غيبه أحد فهو المتفرد بالحكم كما يشاء و هو المستقلّ بالإيجاد و الإعدام و الإحياء و الإماتة و الإغناء و الإفقار بحيث لا يطّلع على تلك الغيوب أحد من خلقه. و اعلم أن هذا الباب فيه مجال عظيم فإن قال قائل أ لستم تزعمون أن المقادير سابقة قد جفّ بها القلم فكيف يستقيم مع هذا المعنى المحو و الإثبات قلنا ذلك المحو 125 و الإثبات أيضا مما قد جفّ به القلم فلا يمحو إلا ما سبق في علمه و قضائه محوه ثم قال قالت الرافضة البداء جائز على الله تعالى و هو أن يعتقد شيئا ثم يظهر له أن الأمر بخلاف ما اعتقده و تمسكوا فيه بقوله تعالى يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ انتهى كلامه لعنه الله. و لا أدري من أين أخذ هذا القول الذي افترى عليهم مع أن كتب الإمامية المتقدمين عليه كالصدوق و المفيد و الشيخ و المرتضى و غيرهم (رضوان الله عليهم) مشحونة بالتبرّي عن ذلك و لا يقولون إلا ببعض ما ذكره سابقا أو بما هو أصوب منها كما ستعرف و العجب أنهم في أكثر الموارد ينسبون إلى الربّ تعالى ما لا يليق به و الإمامية (قدس الله أسرارهم) يبالغون في تنزيهه تعالى و يفحمونهم بالحجج البالغة و لما لم يظفروا في عقائدهم بما يوجب نقصا يباهتونهم و يفترون عليهم بأمثال تلك الأقاويل الفاسدة و هل البهتان و الافتراء إلا دأب العاجزين و لو فرض أن بعضا من الجهلة المنتحلين للتشيع قال بذلك فالإمامية يتبرّءون منه و من قوله كما يتبرءون من هذا الناصبي و أمثاله و أقاويلهم الفاسدة فأما ما قيل في توجيه البداء فقد عرفت ما ذكره الصدوق و الشيخ (قدس الله روحهما) في ذلك 126 و قد قيل فيه وجوه أخر الأول ما ذكره السيد الداماد (قدس الله روحه) في نبراس الضياء حيث قال البداء منزلته في التكوين منزلة النسخ في التشريع فما في الأمر التشريعي و الأحكام التكليفية نسخ فهو في الأمر التكويني و المكونات الزمانية بداء فالنسخ كأنه بداء تشريعي و البداء كأنه نسخ تكويني و لا بداء في القضاء و لا بالنسبة إلى جناب القدس 127 الحق و المفارقات المحضة من ملائكته القدسية و في متن الدهر الذي هو ظرف مطلق الحصول القار و الثبات البات و وعاء عالم الوجود كله و إنما البداء في القدر و في امتداد الزمان الذي هو أفق التقضي و التجدد و ظرف التدريج و التعاقب و بالنسبة إلى الكائنات الزمانية و من في عالم الزمان و المكان و إقليم المادة و الطبيعة و كما حقيقة النسخ عند التحقيق انتهاء الحكم التشريعي و انقطاع استمراره لا رفعه و ارتفاعه من وعاء الواقع فكذا حقيقة البداء عند الفحص البالغ انبتات استمرار الأمر التكويني و انتهاء 128 اتصال الإفاضة و مرجعه إلى تحديد زمان الكون و تخصيص وقت الإفاضة لا أنه ارتفاع المعلول الكائن عن وقت كونه و بطلانه في حد حصوله انتهى. الثاني ما ذكره بعض الأفاضل في شرحه على الكافي و تبعه غيره من معاصرينا و هو أن القوى المنطبعة الفلكية لم تحط بتفاصيل ما سيقع من الأمور دفعة واحدة لعدم تناهي تلك الأمور بل إنما ينتقش فيها الحوادث شيئا فشيئا و جملة فجملة مع أسبابها و عللها على نهج مستمر و نظام مستقرّ فإن ما يحدث في عالم الكون و الفساد فإنما هو من لوازم حركات الأفلاك المسخرة لله تعالى و نتائج بركاتها فهي تعلم أنه كلما كان كذا كان كذا فمهما حصل لها العلم بأسباب حدوث أمر ما في هذا العالم حكمت بوقوعه فيه فينتقش فيها ذلك الحكم و ربما تأخر بعض الأسباب الموجب لوقوع الحادث على خلاف ما يوجبه بقية الأسباب لو لا ذلك السبب و لم يحصل لها العلم بذلك بعد لعدم اطلاعها على سبب ذلك السبب ثم لما جاء أوانه و اطلعت عليه حكمت بخلاف الحكم الأول فيمحى عنها نقش الحكم السابق و يثبت الحكم الآخر مثلا لما حصل لها العلم بموت زيد بمرض كذا لأسباب تقتضي ذلك و لم يحصل لها العلم بتصدقه الذي سيأتي به قبل ذلك الوقت لعدم اطلاعها على أسباب التصدق بعد ثم علمت به و كان موته بتلك الأسباب مشروطا بأن لا يتصدق فتحكم أولا بالموت و ثانيا بالبرء و إذا كانت الأسباب لوقوع أمر و لا وقوعه متكافئة و لم يحصل لها العلم برجحان أحدهما بعد لعدم مجيء أوان سبب ذلك الرجحان بعد كان لها التردد في وقوع ذلك الأمر و لا وقوعه فينتقش فيها الوقوع تارة و اللاوقوع أخرى فهذا هو السبب في البداء و المحو و الإثبات و التردد و أمثال ذلك في أمور العالم فإذا اتصلت بتلك القوى نفس النبي أو الإمام عليهما الصلاة و السلام و قرأ فيها بعض تلك الأمور فله أن يخبر بما رآه بعين قلبه أو شاهده بنور بصيرته أو سمع بأذن قلبه و أما نسبة ذلك كله إلى الله تعالى فلأن كل ما يجري في العالم الملكوتي إنما يجري بإرادة الله تعالى بل فعلهم بعينه فعل الله سبحانه حيث إنهم لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَ يَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ إذ لا داعي لهم على الفعل إلا إرادة الله عز و جل لاستهلاك 129 إرادتهم في إرادته تعالى و مثلهم كمثل الحواس للإنسان كلما هم بأمر محسوس امتثلت الحواس لما هم به فكل كتابة تكون في هذه الألواح و الصحف فهو أيضا مكتوب لله عز و جل بعد قضائه السابق المكتوب بقلمه الأول فيصح أن يوصف الله عز و جل نفسه بأمثال ذلك بهذا الاعتبار و إن كان مثل هذه الأمور يشعر بالتغير و السنوح و هو سبحانه منزه عنه فإن كل ما وجد فهو غير خارج عن عالم ربوبيته. الثالث ما ذكره بعض المحققين حيث قال تحقيق القول في البداء أن الأمور كلها عامها و خاصها و مطلقها و مقيدها و ناسخها و منسوخها و مفرداتها و مركباتها و إخباراتها و إنشاءاتها بحيث لا يشذ عنها شيء منتقشة في اللوح و الفائض منه على الملائكة و النفوس العلوية و النفوس السفلية قد يكون الأمر العام المطلق أو المنسوخ حسب ما تقتضيه الحكمة الكاملة من الفيضان في ذلك الوقت و يتأخر المبين إلى وقت تقتضي الحكمة فيضانه فيه و هذه النفوس العلوية و ما يشبهها يعبر عنها بكتاب المحو و الإثبات و البداء عبارة عن هذا التغيير في ذلك الكتاب. الرابع ما ذكره السيد المرتضى (رضوان الله عليه) في جواب مسائل أهل الري و هو و إنه قال المراد بالبداء النسخ و ادعى أنه ليس بخارج عن معناه اللغوي. أقول هذا ما قيل في هذا الباب و قد قيل فيه وجوه أخر لا طائل في إيرادها و الوجوه التي أوردناها بعضها بمعزل عن معنى البداء و بينهما كما بين الأرض و السماء و بعضها مبنية على مقدمات لم تثبت في الدين بل ادعي على خلافها إجماع المسلمين و كلها يشتمل على تأويل نصوص كثيرة بلا ضرورة تدعو إليه و تفصيل القول في كل منها يفضي إلى الإطناب و لنذكر ما ظهر لنا من الآيات و الأخبار بحيث تدل عليه النصوص الصريحة و تأبى عنه العقول الصحيحة. فنقول و بالله التوفيق إنهمعليه السلامإنما بالغوا في البداء ردا على اليهود الذين 130 يقولون إن الله قد فرغ من الأمر و على النظام و بعض المعتزلة الذين يقولون إن الله خلق الموجودات دفعة واحدة على ما هي عليه الآن معادن و نباتا و حيوانا و إنسانا و لم يتقدم خلق آدم على خلق أولاده و التقدم إنما يقع في ظهورها. لا في حدوثها و وجودها و إنما أخذوا هذه المقالة من أصحاب الكمون و الظهور من الفلاسفة و على بعض الفلاسفة القائلين بالعقول و النفوس الفلكية و بأن الله تعالى لم يؤثر حقيقة إلا في العقل الأول فهم يعزلونه تعالى عن ملكه و ينسبون الحوادث إلى هؤلاء فنفواعليه السلامذلك و أثبتوا أنه تعالى كل يوم في شأن من إعدام شيء و إحداث آخر و إماتة شخص و إحياء آخر إلى غير ذلك لئلا يتركوا العباد التضرع إلى الله و مسألته و طاعته و التقرب إليه بما يصلح أمور دنياهم و عقباهم و ليرجوا عند التصدق على الفقراء و صلة الأرحام و بر الوالدين و المعروف و الإحسان ما وعدوا عليها من طول العمر و زيادة الرزق و غير ذلك. ثم اعلم أن الآيات و الأخبار تدل على أن الله خلق لوحين أثبت فيهما ما يحدث من الكائنات أحدهما اللوح المحفوظ الذي لا تغير فيه أصلا و هو مطابق لعلمه تعالى و الآخر لوح المحو و الإثبات فيثبت فيه شيئا ثم يمحوه لحكم كثيرة لا تخفى على أولي الألباب مثلا يكتب فيه أن عمر زيد خمسون سنة و معناه أن مقتضى الحكمة أن يكون عمره كذا إذا لم يفعل ما يقتضي طوله أو قصره فإذا وصل الرحم مثلا يمحى الخمسون و يكتب مكانه ستون و إذا قطعها يكتب مكانه أربعون و في اللوح المحفوظ أنه يصل و عمره ستون كما أن الطبيب الحاذق إذا اطلع على مزاج شخص يحكم بأن عمره بحسب هذا المزاج يكون ستين سنة فإذا شرب سما و مات أو قتله إنسان فنقص من ذلك أو استعمل دواء قوي مزاجه به فزاد عليه لم يخالف قول الطبيب و التغيير الواقع في هذا اللوح مسمى بالبداء إما لأنه مشبه به كما في سائر ما يطلق عليه تعالى من الابتلاء و الاستهزاء و السخرية و أمثالها أو لأنه يظهر للملائكة أو للخلق إذا أخبروا بالأول خلاف ما علموا أولا و أي استبعاد في تحقق هذين اللوحين 131 و أية استحالة في هذا المحو و الإثبات حتى يحتاج إلى التأويل و التكلف و إن لم تظهر الحكمة فيه لنا لعجز عقولنا عن الإحاطة بها مع أن الحكم فيه ظاهرة. منها أن يظهر للملائكة الكاتبين في اللوح و المطلعين عليه لطفه تعالى بعباده و إيصالهم في الدنيا إلى ما يستحقونه فيزدادوا به معرفة. و منها أن يعلم بإخبار الرسل و الحجج عليهم الصلاة و السلام أن لأعمالهم الحسنة مثل هذه التأثيرات في صلاح أمورهم و لأعمالهم السيئة تأثيرا في فسادها فيكون داعيا لهم إلى الخيرات صارفا لهم عن السيئات فظهر أن لهذا اللوح تقدما على اللوح المحفوظ من جهة لصيرورته سببا لحصول بعض الأعمال فبذلك انتقش في اللوح المحفوظ حصوله فلا يتوهم أنه بعد ما كتب في هذا اللوح حصوله لا فائدة في المحو و الإثبات. و منها أنه إذا أخبر الأنبياء و الأوصياء أحيانا من كتاب المحو و الإثبات ثم أخبروا بخلافه يلزمهم الإذعان به و يكون ذلك تشديدا للتكليف عليهم تسبيبا لمزيد الأجر لهم كما في سائر ما يبتلي الله عباده منه من التكاليف الشاقة و إيراد الأمور التي تعجز أكثر العقول عن الإحاطة بها و بها يمتاز المسلمون الذين فازوا بدرجات اليقين عن الضعفاء الذين ليس لهم قدم راسخ في الدين. و منها أن يكون هذه الأخبار تسلية من المؤمنين المنتظرين لفرج أولياء الله و غلبة الحق و أهله كما روي في قصة نوح على نبينا و آله و (عليه السلام) حين أخبر بهلاك القوم ثم أخر ذلك مرارا و كما روي في فرج أهل البيتعليهم السلامو غلبتهم لأنهمعليه السلاملو كانوا أخبروا الشيعة في أول ابتلائهم باستيلاء المخالفين و شدة محنتهم أنه ليس فرجهم إلا بعد ألف سنة ليئسوا و رجعوا عن الدين و لكنهم أخبروا شيعتهم بتعجيل الفرج و ربما أخبروهم بأنه يمكن أن يحصل الفرج في بعض الأزمنة القريبة ليثبتوا على الدين و يثابوا بانتظار الفرج كما مر في خبر أمير المؤمنين (صلوات الله عليه)
بحار الأنوار ج1-16 — 3 البداء و النسخ — الإمام الصادق عليه السلام
بحار الأنوار ج36-54 — 20 سائر ما جرى بينه — غير محدد
فلما كان الغداة أمر الحسينعليه السلامبفسطاطه فضرب و أمر بجفنة فيها مسك كثير فجعل فيها نورة ثم دخل ليطلي فروي أن برير بن خضير الهمداني و عبد الرحمن بن عبد ربه الأنصاري وقفا على باب الفسطاط ليطليا بعده فجعل برير يضاحك عبد الرحمن فقال له عبد الرحمن يا برير أ تضحك ما هذه ساعة باطل فقال برير لقد علم قومي أنني ما أحببت الباطل كهلا و لا شابا و إنما أفعل ذلك استبشارا بما نصير إليه فو الله ما هو إلا أن نلقى هؤلاء القوم بأسيافنا نعاجلهم ساعة ثم نعانق الحور العين . رَجَعْنَا إِلَى رِوَايَةِ الْمُفِيدِ قَالَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِعليه السلام
إِنِّي جَالِسٌ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي قُتِلَ أَبِي فِي صَبِيحَتِهَا- وَ عِنْدِي عَمَّتِي زَيْنَبُ تُمَرِّضُنِي إِذِ اعْتَزَلَ أَبِي فِي خِبَاءٍ لَهُ- وَ عِنْدَهُ فُلَانٌ مَوْلَى أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ وَ هُوَ يُعَالِجُ سَيْفَهُ وَ يُصْلِحُهُ 2 وَ أَبِي يَقُولُ يَا دَهْرُ أُفٍّ لَكَ مِنْ خَلِيلٍ* * * -كَمْ لَكَ بِالْإِشْرَاقِ وَ الْأَصِيلِ مِنْ صَاحِبٍ وَ طَالِبٍ قَتِيلٍ* * * -وَ الدَّهْرُ لَا يَقْنَعُ بِالْبَدِيلِ وَ إِنَّمَا الْأَمْرُ إِلَى الْجَلِيلِ* * * -وَ كُلُّ حَيٍّ سَالِكٌ سَبِيلِي فَأَعَادَهَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً حَتَّى فَهِمْتُهَا- وَ عَلِمْتُ مَا أَرَادَ فَخَنَقَتْنِيَ الْعَبْرَةُ فَرَدَدْتُهَا وَ لَزِمْتُ السُّكُوتَ- وَ عَلِمْتُ أَنَّ الْبَلَاءَ قَدْ نَزَلَ- وَ أَمَّا عَمَّتِي فَلَمَّا سَمِعَتْ مَا سَمِعْتُ وَ هِيَ امْرَأَةٌ- وَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ الرِّقَّةُ وَ الْجَزَعُ- فَلَمْ تَمْلِكْ نَفْسَهَا أَنْ وَثَبَتْ تَجُرُّ ثَوْبَهَا- وَ هِيَ حَاسِرَةٌ حَتَّى انْتَهَتْ إِلَيْهِ وَ قَالَتْ وَا ثُكْلَاهْ- لَيْتَ الْمَوْتَ أَعْدَمَنِيَ الْحَيَاةَ الْيَوْمَ مَاتَتْ أُمِّي فَاطِمَةُ- وَ أَبِي عَلِيٌّ وَ أَخِيَ الْحَسَنُ يَا خَلِيفَةَ الْمَاضِي وَ ثِمَالَ الْبَاقِي- فَنَظَرَ إِلَيْهَا الْحُسَيْنُعليه السلاموَ قَالَ لَهَا يَا أُخْتَهْ لَا يَذْهَبَنَّ حِلْمَكِ الشَّيْطَانُ وَ تَرَقْرَقَتْ عَيْنَاهُ بِالدُّمُوعِ- وَ قَالَ لَوْ تُرِكَ الْقَطَا لَيْلًا لَنَامَ - فَقَالَتْ يَا وَيْلَتَاهْ أَ فَتُغْتَصَبُ نَفْسُكَ اغْتِصَاباً - فَذَلِكَ أَقْرَحُ لِقَلْبِي وَ أَشَدُّ عَلَى نَفْسِي- ثُمَّ لَطَمَتْ وَجْهَهَا وَ هَوَتْ إِلَى جَيْبِهَا- وَ شَقَّتْهُ وَ خَرَّتْ مَغْشِيَّةً عَلَيْهَا- فَقَامَ إِلَيْهَا الْحُسَيْنُعليه السلامفَصَبَّ عَلَى وَجْهِهَا الْمَاءَ- وَ قَالَ لَهَا يَا أُخْتَاهْ اتَّقِي اللَّهَ وَ تَعَزَّيْ بِعَزَاءِ اللَّهِ- وَ اعْلَمِي أَنَّ أَهْلَ الْأَرْضِ يَمُوتُونَ وَ أَهْلَ السَّمَاءِ لَا يَبْقَوْنَ- وَ أَنَ 3 كُلَّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى- الَّذِي خَلَقَ الْخَلْقَ بِقُدْرَتِهِ وَ يَبْعَثُ الْخَلْقَ- وَ يَعُودُونَ وَ هُوَ فَرْدٌ وَحْدَهُ وَ أَبِي خَيْرٌ مِنِّي- وَ أُمِّي خَيْرٌ مِنِّي وَ أَخِي خَيْرٌ مِنِّي- وَ لِي وَ لِكُلِّ مُسْلِمٍ بِرَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ فَعَزَّاهَا بِهَذَا وَ نَحْوِهِ- وَ قَالَ لَهَا يَا أُخْتَاهْ إِنِّي أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ فَأَبِرِّي قَسَمِي- لَا تَشُقِّي عَلَيَّ جَيْباً وَ لَا تَخْمِشِي عَلَيَّ وَجْهاً- وَ لَا تَدْعَيْ عَلَيَّ بِالْوَيْلِ وَ الثُّبُورِ إِذَا أَنَا هَلَكْتُ- ثُمَّ جَاءَ بِهَا حَتَّى أَجْلَسَهَا عِنْدِي- ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ- أَنْ يَقْرِنَ بَعْضُهُمْ بُيُوتَهُمْ مِنْ بَعْضٍ- وَ أَنْ يُدْخِلُوا الْأَطْنَابَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ- وَ أَنْ يَكُونُوا بَيْنَ الْبُيُوتِ فَيُقْبِلُوا الْقَوْمَ فِي وَجْهٍ وَاحِدٍ- وَ الْبُيُوتُ مِنْ وَرَائِهِمْ وَ عَنْ أَيْمَانِهِمْ وَ عَنْ شَمَائِلِهِمْ قَدْ حَفَّتْ بِهِمْ- إِلَّا الْوَجْهَ الَّذِي يَأْتِيهِمْ مِنْهُ عَدُوُّهُمْ وَ رَجَعَعليه السلامإِلَى مَكَانِهِ- فَقَامَ لَيْلَتَهُ كُلَّهَا يُصَلِّي وَ يَسْتَغْفِرُ وَ يَدْعُو وَ يَتَضَرَّعُ- وَ قَامَ أَصْحَابُهُ كَذَلِكَ يُصَلُّونَ وَ يَدْعُونَ وَ يَسْتَغْفِرُونَ وَ قَالَ فِي الْمَنَاقِبِ فَلَمَّا كَانَ وَقْتُ السَّحَرِ خَفَقَ الْحُسَيْنُ بِرَأْسِهِ خَفْقَةً- ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَقَالَ أَ تَعْلَمُونَ مَا رَأَيْتُ فِي مَنَامِي السَّاعَةَ- فَقَالُوا وَ مَا الَّذِي رَأَيْتَ يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ- فَقَالَ رَأَيْتُ كَأَنَّ كِلَاباً قَدْ شَدَّتْ عَلَيَّ- لِتَنْهَشَنِي وَ فِيهَا كَلْبٌ أَبْقَعُ رَأَيْتُهُ أَشَدَّهَا عَلَيَّ- وَ أَظُنُّ أَنَّ الَّذِي يَتَوَلَّى قَتْلِي رَجُلٌ أَبْرَصُ مِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ- ثُمَّ إِنِّي رَأَيْتُ بَعْدَ ذَلِكَ جَدِّي رَسُولَ اللَّهِ ص وَ مَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ هُوَ يَقُولُ لِي- يَا بُنَيَّ أَنْتَ شَهِيدُ آلِ مُحَمَّدٍ- وَ قَدِ اسْتَبْشَرَ بِكَ أَهْلُ السَّمَاوَاتِ وَ أَهْلُ الصَّفِيحِ الْأَعْلَى- فَلْيَكُنْ إِفْطَارُكَ عِنْدِي اللَّيْلَةَ عَجِّلْ وَ لَا تُؤَخِّرْ- فَهَذَا مَلَكٌ قَدْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ- لِيَأْخُذَ دَمَكَ فِي قَارُورَةٍ خَضْرَاءَ- فَهَذَا مَا رَأَيْتُ وَ قَدْ أَزِفَ الْأَمْرُ - وَ اقْتَرَبَ الرَّحِيلُ مِنْ هَذِهِ الدُّنْيَا لَا شَكَّ فِي ذَلِكَ و قال المفيد قال الضحاك بن عبد الله: و مرت بنا خيل لابن سعد تحرسنا و إن حسيناعليه السلامليقرأ وَ لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّما نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً وَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ 4 حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ فسمعها من تلك الخيل رجل يقال له عبد الله ابن سمير و كان مضحاكا و كان شجاعا بطلا فارسا شريفا فاتكا فقال نحن و رب الطيبون ميزنا بكم فقال له برير بن الخضير يا فاسق أنت يجعلك الله من الطيبين قال له من أنت ويلك قال أنا برير بن الخضير فتسابا. و أصبح الحسين فعبأ أصحابه بعد صلاة الغداة و كان معه اثنان و ثلاثون فارسا و أربعون راجلا و قال محمد بن أبي طالب و في رواية أخرى اثنان و ثمانون راجلا و قال السيد- رُوِيَ عَنِ الْبَاقِرِعليه السلامأَنَّهُمْ كَانُوا خَمْسَةً وَ أَرْبَعِينَ فَارِساً وَ مِائَةَ رَاجِلٍ و كذا قال ابن نما و قال المفيد فجعل زهير بن القين في ميمنة أصحابه و حبيب بن مظاهر في ميسرة أصحابه و أعطى رايته العباس أخاه و جعلوا البيوت في ظهورهم و أمر بحطب و قصب كان من وراء البيوت أن يترك في خندق كان قد حفر هناك و أن يحرق بالنار مخافة أن يأتوهم من ورائهم. و أصبح عمر بن سعد في ذلك اليوم و هو يوم الجمعة و قيل يوم السبت فعبأ أصحابه و خرج فيمن معه من الناس نحو الحسين و كان على ميمنته عمرو بن الحجاج و على ميسرته شمر بن ذي الجوشن و على الخيل عروة بن قيس و على الرجالة شبث بن ربعي و أعطى الراية دريدا مولاه و قال محمد بن أبي طالب و كانوا نيفا على اثنين و عشرين ألفا و في رواية عن الصادقعليه السلامثلاثين ألفا. قَالَ الْمُفِيدُ وَ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ قَالَ لَمَّا أَصْبَحَتِ الْخَيْلُ تُقْبِلُ عَلَى الْحُسَيْنِعليه السلامرَفَعَ يَدَيْهِ- وَ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْتَ ثِقَتِي فِي كُلِّ كَرْبٍ وَ رَجَائِي فِي كُلِّ شِدَّةٍ- وَ أَنْتَ لِي فِي كُلِّ أَمْرٍ نَزَلَ بِي ثِقَةٌ وَ عُدَّةٌ- كَمْ مِنْ كَرْبٍ يَضْعُفُ عَنْهُ الْفُؤَادُ- وَ تَقِلُّ فِيهِ الْحِيلَةُ وَ يَخْذُلُ فِيهِ الصَّدِيقُ- وَ يَشْمَتُ فِيهِ الْعَدُوُّ أَنْزَلْتُهُ بِكَ- وَ شَكَوْتُهُ إِلَيْكَ رَغْبَةً مِنِّي إِلَيْكَ عَمَّنْ سِوَاكَ- فَفَرَّجْتَهُ وَ كَشَفْتَهُ فَأَنْتَ وَلِيُّ كُلِّ نِعْمَةٍ- وَ صَاحِبُ كُلِّ حَسَنَةٍ وَ مُنْتَهَى كُلِّ رَغْبَةٍ- قَالَ فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ يَجُولُونَ حَوْلَ بَيْتِ الْحُسَيْنِ- فَيَرَوْنَ الْخَنْدَقَ فِي ظُهُورِهِمْ 5 وَ النَّارُ تَضْطَرِمُ فِي الْحَطَبِ وَ الْقَصَبِ الَّذِي كَانَ أُلْقِيَ فِيهِ- فَنَادَى شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ بِأَعْلَى صَوْتِهِ- يَا حُسَيْنُ أَ تَعَجَّلْتَ بِالنَّارِ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ- فَقَالَ الْحُسَيْنُعليه السلاممَنْ هَذَا كَأَنَّهُ شِمْرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ- فَقَالُوا نَعَمْ فَقَالَ لَهُ يَا ابْنَ رَاعِيَةِ الْمِعْزَى- أَنْتَ أَوْلى بِها صِلِيًّا وَ رَامَ مُسْلِمُ بْنُ عَوْسَجَةَ أَنْ يَرْمِيَهُ بِسَهْمٍ- فَمَنَعَهُ الْحُسَيْنُعليه السلاممِنْ ذَلِكَ- فَقَالَ لَهُ دَعْنِي حَتَّى أَرْمِيَهُ- فَإِنَّ الْفَاسِقَ مِنْ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَ عُظَمَاءِ الْجَبَّارِينَ- وَ قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ- فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُعليه السلاملَا تَرْمِهِ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَهُمْ بِقِتَالٍ . وَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَ رَكِبَ أَصْحَابُ عُمَرَ بْنِ سَعْدٍ فَقُرِّبَ إِلَى الْحُسَيْنِ فَرَسُهُ فَاسْتَوَى عَلَيْهِ وَ تَقَدَّمَ نَحْوَ الْقَوْمِ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ بُرَيْرُ بْنُ خُضَيْرٍ فَقَالَ لَهُ الْحُسَيْنُعليه السلامكَلِّمِ الْقَوْمَ فَتَقَدَّمَ بُرَيْرٌ فَقَالَ يَا قَوْمِ اتَّقُوا اللَّهَ فَإِنَّ ثَقَلَ مُحَمَّدٍ قَدْ أَصْبَحَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُهُ وَ عِتْرَتُهُ وَ بَنَاتُهُ وَ حَرَمُهُ فَهَاتُوا مَا عِنْدَكُمْ وَ مَا الَّذِي تُرِيدُونَ أَنْ تَصْنَعُوهُ بِهِمْ فَقَالُوا نُرِيدُ أَنْ نُمَكِّنَ مِنْهُمُ الْأَمِيرَ ابْنَ زِيَادٍ فَيَرَى رَأْيَهُ فِيهِمْ فَقَالَ لَهُمْ بُرَيْرٌ أَ فَلَا تَقْبَلُونَ مِنْهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي جَاءُوا مِنْهُ وَيْلَكُمْ يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ أَ نَسِيتُمْ كُتُبَكُمْ وَ عُهُودَكُمُ الَّتِي أَعْطَيْتُمُوهَا وَ أَشْهَدْتُمُ اللَّهَ عَلَيْهَا يَا وَيْلَكُمْ أَ دَعَوْتُمْ أَهْلَ بَيْتِ نَبِيِّكُمْ وَ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ دُونَهُمْ حَتَّى إِذَا أَتَوْكُمْ أَسْلَمْتُمُوهُمْ إِلَى ابْنِ زِيَادٍ وَ حَلَّأْتُمُوهُمْ عَنْ مَاءِ الْفُرَاتِ بِئْسَ مَا خَلَّفْتُمْ نَبِيَّكُمْ فِي ذُرِّيَّتِهِ مَا لَكُمْ لَا سَقَاكُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبِئْسَ الْقَوْمُ أَنْتُمْ. فَقَالَ لَهُ نَفَرٌ مِنْهُمْ يَا هَذَا مَا نَدْرِي مَا تَقُولُ فَقَالَ بُرَيْرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي زَادَنِي فِيكُمْ بَصِيرَةً اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِنْ فِعَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ اللَّهُمَّ أَلْقِ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ حَتَّى يَلْقَوْكَ وَ أَنْتَ عَلَيْهِمْ غَضْبَانُ فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَرْمُونَهُ بِالسِّهَامِ فَرَجَعَ بُرَيْرٌ إِلَى وَرَائِهِ. و تقدم الحسينعليه السلامحتى وقف بإزاء القوم فجعل ينظر إلى صفوفهم كأنهم السيل و نظر إلى ابن سعد واقفا في صناديد الكوفة فقال الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ الدُّنْيَا فَجَعَلَهَا دَارَ فَنَاءٍ وَ زَوَالٍ مُتَصَرِّفَةً بِأَهْلِهَا حَالًا بَعْدَ حَالٍ فَالْمَغْرُورُ مَنْ غَرَّتْهُ 6 وَ الشَّقِيُّ مَنْ فَتَنَتْهُ فَلَا تَغُرَّنَّكُمْ هَذِهِ الدُّنْيَا فَإِنَّهَا تَقْطَعُ رَجَاءَ مَنْ رَكِنَ إِلَيْهَا وَ تُخَيِّبُ طَمَعَ مَنْ طَمِعَ فِيهَا وَ أَرَاكُمْ قَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى أَمْرٍ قَدْ أَسْخَطْتُمُ اللَّهَ فِيهِ عَلَيْكُمْ وَ أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَنْكُمْ وَ أَحَلَّ بِكُمْ نَقِمَتَهُ وَ جَنَّبَكُمْ رَحْمَتَهُ فَنِعْمَ الرَّبُّ رَبُّنَا وَ بِئْسَ الْعَبِيدُ أَنْتُمْ أَقْرَرْتُمْ بِالطَّاعَةِ وَ آمَنْتُمْ بِالرَّسُولِ مُحَمَّدٍ ص ثُمَّ إِنَّكُمْ زَحَفْتُمْ إِلَى ذُرِّيَّتِهِ وَ عِتْرَتِهِ تُرِيدُونَ قَتْلَهُمْ لَقَدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْكُمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاكُمْ ذِكْرَ اللَّهِ الْعَظِيمِ فَتَبّاً لَكُمْ وَ لِمَا تُرِيدُونَ إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ فَقَالَ عُمَرُ وَيْلَكُمْ كَلِّمُوهُ فَإِنَّهُ ابْنُ أَبِيهِ وَ اللَّهِ لَوْ وَقَفَ فِيكُمْ هَكَذَا يَوْماً جَدِيداً لَمَا انْقَطَعَ وَ لَمَا حُصِرَ فَكَلَّمُوهُ فَتَقَدَّمَ شِمْرٌ لَعَنَهُ اللَّهُ فَقَالَ يَا حُسَيْنُ مَا هَذَا الَّذِي تَقُولُ أَفْهِمْنَا حَتَّى نَفْهَمَ فَقَالَ أَقُولُ اتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ وَ لَا تَقْتُلُونِي فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لَكُمْ قَتْلِي وَ لَا انْتِهَاكُ حُرْمَتِي فَإِنِّي ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ وَ جَدَّتِي خَدِيجَةُ زَوْجَةُ نَبِيِّكُمْ وَ لَعَلَّهُ قَدْ بَلَغَكُمْ قَوْلُ نَبِيِّكُمْ الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إِلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي بِرِوَايَةِ الْمُفِيدِ. وَ قَالَ الْمُفِيدُ وَ دَعَا الْحُسَيْنُعليه السلامبِرَاحِلَتِهِ فَرَكِبَهَا وَ نَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ وَ جُلُّهُمْ يَسْمَعُونَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي وَ لَا تَعْجَلُوا حَتَّى أَعِظَكُمْ بِمَا يَحِقُّ لَكُمْ عَلَيَّ وَ حَتَّى أَعْذِرَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ أَعْطَيْتُمُونِيَ النَّصَفَ كُنْتُمْ بِذَلِكَ أَسْعَدَ وَ إِنْ لَمْ تُعْطُونِيَ النَّصَفَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَأَجْمِعُوا رَأْيَكُمْ ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَ لا تُنْظِرُونِ إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ ثُمَّ حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ ذَكَرَ اللَّهَ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ عَلَى مَلَائِكَتِهِ وَ عَلَى أَنْبِيَائِهِ فَلَمْ يُسْمَعْ مُتَكَلِّمٌ قَطُّ قَبْلَهُ وَ لَا بَعْدَهُ أَبْلَغُ مِنْهُ فِي مَنْطِقٍ. ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَانْسُبُونِي فَانْظُرُوا مَنْ أَنَا ثُمَّ رَاجِعُوا أَنْفُسَكُمْ وَ عَاتِبُوهُمْ فَانْظُرُوا هَلْ يَصْلُحُ لَكُمْ قَتْلِي وَ انْتِهَاكُ حُرْمَتِي أَ لَسْتُ ابْنَ نَبِيِّكُمْ وَ ابْنَ وَصِيِّهِ وَ ابْنِ عَمِّهِ وَ أَوَّلِ مُؤْمِنٍ مُصَدِّقٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ص بِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ أَ وَ لَيْسَ حَمْزَةُ سَيِّدُ الشُّهَدَاءِ عَمِّي أَ وَ لَيْسَ جَعْفَرٌ الطَّيَّارُ فِي الْجَنَّةِ بِجَنَاحَيْنِ عَمِّي أَ وَ لَمْ 7 يَبْلُغْكُمْ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لِي وَ لِأَخِي هَذَانِ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَإِنْ صَدَّقْتُمُونِي بِمَا أَقُولُ وَ هُوَ الْحَقُّ وَ اللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِباً مُذْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ يَمْقُتُ عَلَيْهِ أَهْلَهُ وَ إِنْ كَذَّبْتُمُونِي فَإِنَّ فِيكُمْ مَنْ إِنْ سَأَلْتُمُوهُ عَنْ ذَلِكَ أَخْبَرَكُمْ اسْأَلُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ وَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ وَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ وَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يُخْبِرُوكُمْ أَنَّهُمْ سَمِعُوا هَذِهِ الْمَقَالَةَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ص لِي وَ لِأَخِي أَ مَا فِي هَذَا حَاجِزٌ لَكُمْ عَنْ سَفْكِ دَمِي. فقال له شمر بن ذي الجوشن هو يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ إن كان يدري ما تقوّل فقال له حبيب بن مظاهر و الله إني لأراك تعبد الله على سبعين حرفا و أنا أشهد أنك صادق ما تدري ما يقول قد طبع الله على قلبك. ثم قال لهم الحسينعليه السلامفَإِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ هَذَا أَ فَتَشُكُّونَ أَنِّي ابْنُ بِنْتِ نَبِيِّكُمْ فَوَ اللَّهِ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ ابْنُ بِنْتِ نَبِيٍّ غَيْرِي فِيكُمْ وَ لَا فِي غَيْرِكُمْ وَيْحَكُمْ أَ تَطْلُبُونِي بِقَتِيلٍ مِنْكُمْ قَتَلْتُهُ أَوْ مَالٍ لَكُمُ اسْتَهْلَكْتُهُ أَوْ بِقِصَاصٍ مِنْ جِرَاحَةٍ فَأَخَذُوا لَا يُكَلِّمُونَهُ فَنَادَى يَا شَبَثَ بْنَ رِبْعِيٍّ يَا حَجَّارَ بْنَ أَبْجَرَ يَا قَيْسَ بْنَ الْأَشْعَثِ يَا يَزِيدَ بْنَ الْحَارِثِ أَ لَمْ تَكْتُبُوا إِلَيَّ أَنْ قَدْ أَيْنَعَتِ الثِّمَارُ وَ اخْضَرَّ الْجَنَابُ وَ إِنَّمَا تَقْدَمُ عَلَى جُنْدٍ لَكَ مُجَنَّدٍ فَقَالَ لَهُ قَيْسُ بْنُ الْأَشْعَثِ مَا نَدْرِي مَا تَقُولُ وَ لَكِنِ انْزِلْ عَلَى حُكْمِ بَنِي عَمِّكَ فَإِنَّهُمْ لَنْ يُرُوكَ إِلَّا مَا تُحِبُّ فَقَالَ لَهُمُ الْحُسَيْنُعليه السلاملَا وَ اللَّهِ لَا أُعْطِيكُمْ بِيَدِي إِعْطَاءَ الذَّلِيلِ وَ لَا أُقِرُّ لَكُمْ إِقْرَارَ الْعَبِيدِ. ثُمَّ نَادَى يَا عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ وَ أَعُوذُ بِرَبِّي وَ رَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ ثم إنه أناخ راحلته و أمر عقبة بن سمعان بعقلها و أقبلوا يزحفون نحوه.
خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَعليه السلامفَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ وَ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ وَ آلِهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى لَمْ يَقْصِمْ جَبَّارِي دَهْرٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ تَمْهِيلٍ وَ رَخَاءٍ وَ لَمْ يَجْبُرْ كَسْرَ عَظْمٍ مِنَ الْأُمَمِ إِلَّا بَعْدَ أَزْلٍ وَ بَلَاءٍ أَيُّهَا النَّاسُ فِي دُونِ مَا اسْتَقْبَلْتُمْ مِنْ عَطْبٍ وَ اسْتَدْبَرْتُمْ مِنْ خَطْبٍ مُعْتَبَرٌ وَ مَا كُلُّ ذِي قَلْبٍ بِلَبِيبٍ وَ لَا كُلُّ ذِي سَمْعٍ بِسَمِيعٍ وَ لَا كُلُّ ذِي نَاظِرِ عَيْنٍ بِبَصِيرٍ عِبَادَ اللَّهِ أَحْسِنُوا فِيمَا يُعِينُكُمُ النَّظَرُ فِيهِ ثُمَّ انْظُرُوا إِلَى عَرَصَاتِ مَنْ قَدْ أَقَادَهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ كَانُوا عَلَى سُنَّةٍ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ أَهْلَ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ ثُمَّ انْظُرُوا بِمَا خَتَمَ اللَّهُ لَهُمْ بَعْدَ النَّظْرَةِ وَ السُّرُورِ وَ الْأَمْرِ وَ النَّهْيِ وَ لِمَنْ صَبَرَ مِنْكُمُ الْعَاقِبَةُ فِي الْجِنَانِ وَ اللَّهِ مُخَلَّدُونَ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ فَيَا عَجَبَا وَ مَا لِي لَا أَعْجَبُ مِنْ خَطَاءِ هَذِهِ الْفِرَقِ عَلَى اخْتِلَافِ حُجَجِهَا فِي دِينِهَا لَا يَقْتَفُونَ أَثَرَ نَبِيٍّ وَ لَا يَعْتَدُّونَ بِعَمَلِ وَصِيٍّ وَ لَا يُؤْمِنُونَ بِغَيْبٍ وَ لَا يَعِفُّونَ عَنْ عَيْبٍ الْمَعْرُوفُ فِيهِمْ مَا عَرَفُوا وَ الْمُنْكَرُ عِنْدَهُمْ مَا أَنْكَرُوا وَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِمَامُ نَفْسِهِ آخِذٌ مِنْهَا فِيمَا يَرَى بِعُرًى وَثِيقَاتٍ وَ أَسْبَابٍ مُحْكَمَاتٍ فَلَا يَزَالُونَ بِجَوْرٍ وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا خَطَأً لَا يَنَالُونَ تَقَرُّباً وَ لَنْ يَزْدَادُوا إِلَّا بُعْداً مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ أُنْسُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَ تَصْدِيقُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ كُلُّ ذَلِكَ وَحْشَةً مِمَّا وَرَّثَ النَّبِيُّصلى الله عليه وآله وسلموَ نُفُوراً مِمَّا أَدَّى إِلَيْهِمْ مِنْ أَخْبَارِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَ الْأَرْضِ أَهْلُ حَسَرَاتٍ وَ كُهُوفُ شُبُهَاتٍ وَ أَهْلُ عَشَوَاتٍ وَ ضَلَالَةٍ وَ رِيبَةٍ مَنْ وَكَلَهُ اللَّهُ إِلَى نَفْسِهِ وَ رَأْيِهِ فَهُوَ مَأْمُونٌ عِنْدَ مَنْ يَجْهَلُهُ غَيْرُ الْمُتَّهَمِ عِنْدَ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَمَا أَشْبَهَ هَؤُلَاءِ بِأَنْعَامٍ قَدْ غَابَ عَنْهَا رِعَاؤُهَا وَ وَا أَسَفَى مِنْ فَعَلَاتِ شِيعَتِنَا مِنْ بَعْدِ قُرْبِ مَوَدَّتِهَا الْيَوْمَ كَيْفَ يَسْتَذِلُّ بَعْدِي بَعْضُهَا بَعْضاً وَ كَيْفَ يَقْتُلُ بَعْضُهَا بَعْضاً الْمُتَشَتِّتَةُ غَداً عَنِ الْأَصْلِ النَّازِلَةُ بِالْفَرْعِ الْمُؤَمِّلَةُ الْفَتْحَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ كُلُّ حِزْبٍ مِنْهُمْ آخِذٌ مِنْهُ بِغُصْنٍ أَيْنَمَا مَالَ الْغُصْنُ مَالَ مَعَهُ مَعَ 123 أَنَّ اللَّهَ وَ لَهُ الْحَمْدُ سَيَجْمَعُ هَؤُلَاءِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِبَنِي أُمَيَّةَ كَمَا يَجْمَعُ قَزَعَ الْخَرِيفِ يُؤَلِّفُ اللَّهُ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَجْعَلُهُمْ رُكَاماً كَرُكَامِ السَّحَابِ ثُمَّ يَفْتَحُ لَهُمْ أَبْوَاباً يَسِيلُونَ مِنْ مُسْتَثَارِهِمْ كَسَيْلِ الْجَنَّتَيْنِ سَيْلَ الْعَرِمِ حَيْثُ نَقَبَ عَلَيْهِ فَأْرَةٌ فَلَمْ تَثْبُتْ عَلَيْهِ أَكَمَةٌ وَ لَمْ يَرُدَّ سَنَنَهُ رَصُّ طَوْدٍ يُذَعْذِعُهُمُ اللَّهُ فِي بُطُونِ أَوْدِيَةٍ ثُمَّ يَسْلُكُهُمْ يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ يَأْخُذُ بِهِمْ مِنْ قَوْمٍ حُقُوقَ قَوْمٍ وَ يُمَكِّنُ بِهِمْ قَوْماً فِي دِيَارِ قَوْمٍ تَشْرِيداً لِبَنِي أُمَيَّةَ وَ لِكَيْ لَا يَغْتَصِبُوا مَا غَصَبُوا يُضَعْضِعُ اللَّهُ بِهِمْ رُكْناً وَ يَنْقُضُ بِهِمْ طَيَّ الْجَنَادِلِ مِنْ إِرَمَ وَ يَمْلَأُ مِنْهُمْ بُطْنَانَ الزَّيْتُونِ فَوَ الَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَ بَرَأَ النَّسَمَةَ لَيَكُونَنَّ ذَلِكَ وَ كَأَنِّي أَسْمَعُ صَهِيلَ خَيْلِهِمْ وَ طَمْطَمَةَ رِجَالِهِمْ وَ ايْمُ اللَّهِ لَيَذُوبَنَّ مَا فِي أَيْدِيهِمْ بَعْدَ الْعُلُوِّ وَ التَّمْكِينِ فِي الْبِلَادِ كَمَا تَذُوبُ الْأَلْيَةُ عَلَى النَّارِ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَاتَ ضَالًّا وَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ يُفْضِي مِنْهُمْ مَنْ دَرَجَ وَ يَتُوبُ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ عَلَى مَنْ تَابَ وَ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْمَعُ شِيعَتِي بَعْدَ التَّشَتُّتِ لِشَرِّ يَوْمٍ لِهَؤُلَاءِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ عَلَى اللَّهِ عَزَّ ذِكْرُهُ الْخِيَرَةُ بَلْ لِلَّهِ الْخِيَرَةُ وَ الْأَمْرُ جَمِيعاً أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الْمُنْتَحِلِينَ لِلْإِمَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا كَثِيرٌ وَ لَوْ لَمْ تَتَخَاذَلُوا عَنْ مُرِّ الْحَقِّ وَ لَمْ تَهِنُوا عَنْ تَوْهِينِ الْبَاطِلِ لَمْ يَتَشَجَّعْ عَلَيْكُمْ مَنْ لَيْسَ مِثْلَكُمْ وَ لَمْ يَقْوَ مَنْ قَوِيَ عَلَيْكُمْ عَلَى هَضْمِ الطَّاعَةِ وَ إِزْوَائِهَا عَنْ أَهْلِهَا لَكِنْ تِهْتُمْ كَمَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ عَلَى عَهْدِ مُوسَىعليه السلاموَ لَعَمْرِي لَيُضَاعَفَنَّ عَلَيْكُمُ التِّيهُ مِنْ بَعْدِي أَضْعَافَ مَا تَاهَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدِ اسْتَكْمَلْتُمْ مِنْ بَعْدِي مُدَّةَ سُلْطَانِ بَنِي أُمَيَّةَ لَقَدِ اجْتَمَعْتُمْ عَلَى سُلْطَانِ الدَّاعِي إِلَى الضَّلَالَةِ وَ أَحْيَيْتُمُ الْبَاطِلَ وَ أَخْلَفْتُمُ الْحَقَّ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَ قَطَعْتُمُ الْأَدْنَى مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَ وَصَلْتُمُ الْأَبْعَدَ مِنْ أَبْنَاءِ الْحَرْبِ لِرَسُولِ اللَّهِصلى الله عليه وآله وسلموَ لَعَمْرِي أَنْ لَوْ قَدْ ذَابَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ لَدَنَا التَّمْحِيصُ لِلْجَزَاءِ وَ قَرُبَ الْوَعْدُ وَ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَ بَدَا لَكُمُ النَّجْمُ ذُو الذَّنَبِ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ وَ لَاحَ لَكُمُ الْقَمَرُ الْمُنِيرُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ فَرَاجِعُوا التَّوْبَةَ وَ اعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنِ اتَّبَعْتُمْ طَالِعَ الْمَشْرِقِ سَلَكَ بِكُمْ مِنْهَاجَ الرَّسُولِصلى الله عليه وآله وسلمفَتَدَاوَيْتُمْ مِنَ الْعَمَى وَ الصَّمَمِ وَ الْبَكَمِ وَ كُفِيتُمْ مَئُونَةَ الطَّلَبِ وَ التَّعَسُّفِ وَ نَبَذْتُمُ الثِّقَلَ الْفَادِحَ 124 عَنِ الْأَعْنَاقِ وَ لَا يُبَعِّدُ اللَّهُ إِلَّا مَنْ أَبَى وَ ظَلَمَ وَ اعْتَسَفَ وَ أَخَذَ مَا لَيْسَ لَهُ وَ سَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ . بيان: الأزل الضيق و الشدة و الخطب الشأن و الأمر و يحتمل أن يكون المراد بما استدبروه ما وقع في زمن الرسولصلى الله عليه وآله وسلممن استيلاء الكفرة أولا و غلبة الحق و أهله ثانيا و بما استقبلوه ما ورد عليهم بعد الرسولصلى الله عليه وآله وسلممن أشباهها و نظائرها من استيلاء المنافقين على أمير المؤمنينعليه السلامثم رجوع الدولة إليه بعد ذلك فإن الحالتين متطابقتان و يحتمل أن يكون المراد بهما شيئا واحدا و إنما يستقبل قبل وروده و يستدبر بعد مضيه و المقصود التفكر في انقلاب أحوال الدنيا و سرعة زوالها و كثرة الفتن فيها فتدعو إلى تركها و الزهد فيها و يحتمل على بعد أن يكون المراد بما يستقبلونه ما هو أمامهم من أحوال البرزخ و أهوال القيامة و عذاب الآخرة و بما استدبروه ما مضى من أيام عمرهم و ما ظهر لهم مما هو محل للعبرة فيها. بلبيب أي عاقل بسميع أي يفهم الحق و يؤثر فيه ببصير أي يبصر الحق و يعتبر بما يرى و ينتفع بما يشاهد فيما يعنيكم أي يهمكم و ينفعكم و في بعض النسخ يغنيكم و النظر فيه الظاهر أنه بدل اشتمال لقوله فيما يعنيكم و يحتمل أن يكون فاعلا لقوله يعنيكم بتقدير النظر قبل الظرف أيضا. من قد أقاده الله يقال أقاده خيلا أي أعطاه ليقودها و لعل المعنى من مكنه الله من الملك بأن خلى بينه و بين اختياره و لم يمسك يده عما أراده بعلمه أي بما يقتضيه علمه و حكمته من عدم إجبارهم على الطاعات و يحتمل أن يكون من القود و القصاص و يؤيده أن في بعض النسخ بعمله فالضمير راجع إلى الموصول على سنة أي طريقة و حالة مشبهة و مأخوذة من آل فرعون من الظلم و الكفر و الطغيان أو من الرفاهية و النعمة كما قال أهل جنات فعلى الأول حال و على الثاني بدل من قوله على سنة أو عطف بيان له بما ختم الله الباء بمعنى في أو إلى أو زائدة و النضرة الحسن و الرونق 125 و قولهعليه السلاممخلدون خبر لمبتدإ محذوف و الجملة مبينة و مؤكدة للسابقة أي هم و الله مخلدون في الجنان وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ أي مرجعها إلى حكمه كما قيل أو عاقبة الملك و الدولة و العز لله و لمن طلب رضاه كما هو الأنسب بالمقام فيا عجبا بغير تنوين و أصله يا عجبي ثم قلبوا الياء ألفا فإن وقفت قلت يا عجباه أي يا عجبي أقبل هذا أوانك أو بالتنوين أي يا قوم اعجبوا عجبا أو أعجب عجبا و الأول أشهر و أظهر في دينها الظرف متعلق بالاختلاف أو بالخطاء أو بهما على التنازع بغيب أي بأمر غائب عن الحس مما أخبر به النبيصلى الله عليه وآله وسلممن الجنة و النار و غيرهما و لا يعفون بكسر العين و تشديد الفاء من العفة و الكف أو بسكون العين و تخفيف الفاء من العفو أي عن عيوب الناس. المعروف إلخ أي المعروف و الخير عندهم ما يعدونه معروفا و يستحسنونه بعقولهم الناقصة و إن كان منكرا في نفس الأمر أو المعنى أن المعروف و المنكر تابعان لإرادتهم و ميول طبائعهم و شهواتهم فما اشتهته أنفسهم و إن أنكرته الشريعة فهو المعروف عندهم بعرى وثيقات أي يظنون أنهم تمسكوا بدلائل و براهين فيما يدعون من الأمور الباطلة. و أسباب محكمات أي يزعمون أنهم تعلقوا بوسائل محكمة فيمن يتوسلون بهم من أئمة الجور أنس بعضهم على الفعل أو المصدر و الثاني أظهر وحشة أي يفعلون كل ذلك لوحشتهم و نفورهم عن العلوم التي ورثها النبيصلى الله عليه وآله وسلمأهل بيته أهل حسرات بعد الموت و في القيامة و في النار و كهوف شبهات أي تأوي إليهم الشبهات لأنهم يقبلون إليها و يفتتنون بها و في بعض النسخ و كفر و شبهات فيكونان معطوفين على حسرات. و قال الجوهري العشوة أن يركب أمرا على غير بيان و يقال أخذت عليهم بالعشوة أي بالسواد من الليل فهو مأمون خبر للموصول و المعنى أن حسن ظن الناس و العوام بهم إنما هو لجهلهم بضلالتهم و جهالتهم و يحتمل أن يكون المراد بالموصول أئمة من قد ذمهم سابقا لا أنفسهم من فعلات شيعتي أي من يتبعني اليوم 126 ظاهرا و اليوم ظرف للقرب المتشتتة أي هم الذين يتفرقون عن أئمة الحق و لا ينصرونهم و يتعلقون بالفروع التي لا ينفع التعلق بها بدون التشبث بالأصل كاتباعهم المختار و أبا مسلم و زيدا و أضرابهم بعد تفرقهم عن الأئمةعليهم السلاممن غير جهته أي من غير الجهة التي يرجى منها الفتح أو من غير الجهة التي أمروا بالاستفتاح منها فإن خروجهم بغير إذن الإمام كان معصية. لشر يوم إشارة إلى اجتماعهم على أبي مسلم لدفع بني أمية و قد فعلوا لكن سلطوا على أئمة الحق من هو شر منهم و قال الجزري و في حديث علي فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف أي قطع السحاب المتفرقة و إنما خص الخريف لأنه أول الشتاء و السحاب يكون فيه متفرقا غير متراكم و لا مطبق ثم يجتمع بعضه إلى بعض بعد ذلك و قال الركام السحاب المتراكم بعضه فوق بعض. أقول نسبة الجمع إليه تعالى مجاز لعدم منعهم عنه و تمكينهم من أسبابه و تركهم و اختيارهم ثم يفتح لهم فتح الأبواب كناية عما هيئ لهم من أسبابهم و إصابة تدبيراتهم و اجتماعهم و عدم تخاذلهم. و المستثار موضع ثورانهم و هيجانهم ثم شبهعليه السلامتسليط هذا الجيش عليهم بسوء أعمالهم بما سلط الله على أهل سبإ بعد إتمام النعمة عليهم لكفرانهم و إنما سمي ذلك بسيل العرم لصعوبته أي سيل الأمر العرم أي الصعب أو المراد بالعرم المطر الشديد أو الجرذ أضاف إليه لأنه نقب عليهم سدا ضربت لهم بلقيس و قيل اسم لذلك السد و قد مرت القصة في كتاب النبوة. و الضمير في عليه إما راجع إلى سيل فعلى تعليلية أو إلى العرم إذا فسر بالسد و في بعض النسخ بعث و في بعضها نقب بالنون و القاف و الباء الموحدة فقوله فأرة مرفوع بالفاعلية و في النهج كسيل الجنتين حيث لم تسلم عليه قارة و لم تثبت له أكمة و القارة الجبل الصغير و الأكمة هي الموضع الذي يكون أشد ارتفاعا مما حوله و هو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرا و الحاصل بيان شدة السيل المشبه به بأنه أحاط بالجبال و ذهب بالتلال و لم يمنعه شيء و السنن الطريق 127 و الرص التصاق الأجزاء بعضها ببعض و الطود الجبل أي لم يرد طريقه طود مرصوص. و لما بينعليه السلامشدة المشبه به أخذ في بيان شدة المشبه فقال يذعذعهم الله أي يفرقهم في السبل متوجهين إلى البلاد ثم يسلكهم يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ من ألفاظ القرآن أي كما أن الله تعالى ينزل الماء من السماء فيسكن في أعماق الأرض ثم يظهره ينابيع إلى ظاهرها كذلك هؤلاء يفرقهم الله في بطون الأودية و غوامض الأغوار ثم يظهرهم بعد الاختفاء كذا ذكره ابن أبي الحديد و الأظهر عندي أنه بيان لاستيلائهم على البلاد و تفرقهم فيها و تيسر أعوانهم من سائر الفرق فكما أن مياه الأنهار و وفورها توجب وفور مياه العيون و الآبار فكذلك يظهر أثر هؤلاء في كل البلاد و تكثر أعوانهم في جميع الأقطار و كل ذلك ترشيح لما سبق من التشبيه يأخذ بهم من قوم أي بني أمية حقوق قوم أي أهل البيتعليهم السلامللانتقام من أعدائهم و إن لم يصل الحق إليهم و يمكن من قوم أي بني العباس لديار قوم أي بني أمية و في بعض النسخ و يمكن بهم قوما في ديار قوم و في النهج و يمكن لقوم في ديار قوم و المال في الكل واحد تشريدا لبني أمية التشريد التفريق و الطرد و الاغتصاب الغصب و لعل المعنى أن الغرض من استيلاء هؤلاء ليس إلا تفريق بني أمية و دفع ظلمهم. و قال الفيروزآبادي ضعضعه هدمه حتى الأرض و الجنادل جمع جندل و هو ما يقله الرجل من الحجارة أي يهدم الله بهم ركنا وثيقا هو أساس دولة بني أمية و ينقض بهم الأبنية التي طويت و بنيت بالجنادل و الأحجار من بلاد إرم و هي دمشق و الشام إذ كان مستقر ملكهم في أكثر زمانهم تلك البلاد لا سيما في زمانه صلوات إليه عليه. و قال الجزري فيه ينادي مناد من بطنان العرش أي من وسطه و قيل من أصله و قيل البطنان جمع بطن و هو الغامض من الأرض يريد من دواخل العرش. و قال الفيروزآبادي الزيتون مسجد دمشق أو جبال الشام و بلد بالصين 128 و المعنى أن الله يملأ منهم وسط مسجد دمشق أو دواخل جبال الشام و الغرض بيان استيلاء هؤلاء القوم على بني أمية في وسط ديارهم و الظفر عليهم في محل استقرارهم و أنه لا ينفعهم بناء و لا حصن في التحرز عنهم. و طمطمة رجالهم الطمطمة اللغة العجمية و رجل طمطمي في لسانه عجمة و أشارعليه السلامبذلك إلى أن أكثر عسكرهم من العجم لأن عسكر أبي مسلم كان من خراسان و ايم الله ليذوبن الظاهر أن هذا أيضا من تتمة بيان انقراض ملك بني أمية و سرعة زواله و يحتمل أن يكون إشارة إلى انقراض هؤلاء الغالبين من بني العباس و إلى الله عز و جل يقضي من القضاء بمعنى المحاكمة أو الإنهاء و الإيصال كما في قوله تعالى وَ قَضَيْنا إِلَيْهِ ذلِكَ الْأَمْرَ و في بعض النسخ يفضي بالفاء أي يوصل و درج الرجل أي مشى و درج أيضا بمعنى مات و يقال درج القوم أي انقرضوا و الظاهر أن المراد به هنا الموت أي من مات مات ضالا و أمره إلى الله يعذبه كيف يشاء و يحتمل أن يكون بمعنى المشي أي من بقي منهم فعاقبته الفناء و الله يقضي فيه بعلمه و لعل الله يجمع إشارة إلى زمن القائم ع. و ليس لأحد على الله عز ذكره الخيرة أي ليس لأحد من الخلق أن يشير بأمر على الله أن هذا خير ينبغي أن تفعله بل له أن يختار من الأمور ما يشاء بعلمه و له الأمر يأمر بما يشاء في جميع الأشياء عن مر الحق أي الحق الذي هو مر أو خالص الحق فإنه مر و اتباعه صعب و في النهج عن نصر الحق و الهضم الكسر و زوى الشيء عنه أي صرفه و نحاه و لم أطلع على الإزواء فيما عندي من كتب اللغة و كفى بالخطبة شاهدا على أنه ورد بهذا المعنى. كما تاهت بنو إسرائيل أي خارج المصر أربعين سنة ليس لهم مخرج بسبب عصيانهم و تركهم الجهاد فكذا أصحابه (صلوات اللّه عليه) تحيروا في أديانهم و أعمالهم لما لم ينصروه و لم يعينوه على عدوه - كَمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّصلى الله عليه وآله وسلمأَنَّهُ قَالَ: لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَذْوَ النَّعْلِ بِالنَّعْلِ وَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ. . 129 أضعاف ما تاهت يحتمل أن يكون المراد بالمشبه به هنا تحير قوم موسى بعده في دينهم و يحتمل أن يكون المراد التحير السابق و على التقديرين إما المراد المضاعفة بحسب الشدة و كثرة الحيرة أو بحسب الزمان فإن حيرتهم كان إلى أربعين سنة و هذه الأمة إلى الآن متحيرون تائهون في أديانهم و أحكامهم الداعي إلى الضلالة أي الداعي إلى بني العباس و قطعتم الأدنى من أهل بدر أي الأدنين إلى النبيصلى الله عليه وآله وسلمنسبا الناصرين له في غزوة بدر و هي أعز غزوات الإسلام يعني نفسه و أولاده (صلوات اللّه عليهم) و وصلتم الأبعد أي أولاد العباس فإنهم كانوا أبعد نسبا من أهل البيتعليهم السلامو كان جدهم عباس ممن حارب الرسولصلى الله عليه وآله وسلمفي غزوة بدر حتى أسر ما في أيديهم أي ملك بني العباس لدنا التمحيص للجزاء أي قرب قيام القائم و التمحيص الابتلاء و الاختبار أي يبتلى الناس و يمتحنون بقيامهعليه السلامليخزي الكافرين و يعذبهم في الدنيا قبل نزول عذاب الآخرة بهم و يمكن أن يكون المراد تمحيص جميع الخلق لجزائهم في الآخرة إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا و قرب الوعد أي وعد الفرج و انقضت المدة أي قرب انقضاء دولة أهل الباطل. و بدا لكم النجم هذا من علامات ظهور القائمعليه السلامكما سيأتي و قيل إنه إشارة إلى ما ظهر في سنة تسع و ثلاثين و ثمانمائة هجرية و الشمس في أوائل الميزان بقرب الإكليل الشمالي كانت تطلع و تغيب معه لا تفارقه ثم بعد مدة ظهر أن لها حركة خاصة بطيئة فيما بين المغرب و الشمال و كان يصغر جرمها و يضعف ضوؤها بالتدريج حتى انمحت بعد ثمانية أشهر تقريبا و قد بعدت عن الإكليل في الجهة المذكورة قدر رمح لكن قولهعليه السلاممن قبل المشرق يأبى عنه إلا بتكلف و قد ظهر في زماننا في سنة خمس و سبعين و ألف ذو ذؤابة ما بين القبلة و المشرق و كان له طلوع و غروب و كانت له حركة خاصة سريعة عجيبة على التوالي لكن لا على نسق و نظام معلوم ثم غاب بعد شهرين تقريبا كان يظهر أول الليل من جانب المشرق و قد ضعف حتى انمحى بعد شهر تقريبا و تطبيقه على هذا يحتاج إلى تكلفين كما 130 لا يخفى و لاح لكم القمر المنير الظاهر أنه استعارة للقائمعليه السلامو يؤيده ما مر بسند آخر و أشرق لكم قمركم و يحتمل أن يكون من علامات قيامهعليه السلامظهور قمر آخر أو شيء شبيه بالقمر. إن اتبعتم طالع المشرق أي القائمعليه السلامو ذكر المشرق إما لترشيح الاستعارة السابقة أو لأن ظهورهعليه السلاممن مكة و هي شرقية بالنسبة إلى المدينة أو لأن اجتماع العساكر عليه و توجههعليه السلامإلى فتح البلاد إنما يكون من الكوفة و هي شرقية بالنسبة إلى الحرمين و كونه إشارة إلى السلطان إسماعيل أنار الله برهانه بعيد و التعسف أي لا تحتاجون في زمانهعليه السلامإلى طلب الرزق و الظلم على الناس لأخذ أموالهم و نبذتم الثقل الفادح أي الديون المثقلة و مظالم العباد أو إطاعة أهل الجور و ظلمهم و لا يبعد الله أي في ذلك الزمان أو مطلقا إلا من أبى أي عن طاعتهعليه السلامأو طاعة الله و ظلم أي نفسه أو الناس و اعتسف أي مال عن طريق الحق أو ظلم غيره.
بحار الأنوار ج36-54 — 2 ما ورد عن أمير المؤمنين — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
سَمِعْتُهُ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَجَدَ فَأَطَالَ السُّجُودَ نَادَى إِبْلِيسُ يَا وَيْلَهُ أَطَاعَ وَ عَصَيْتُ وَ سَجَدَ وَ أَبَيْتُ . توضيح قال في النهاية في حديث أبي هريرة إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان يبكي و يقول يا ويله. 222 الويل الحزن و الهلاك و المشقة من العذاب و كل من وقع في هلكة دعا بالويل و معنى النداء فيه يا ويلي و يا حزني و يا هلاكي و يا عذابي احضر فهذا وقتك و أوانك فكأنه نادى الويل أن يحضره لما عرض له من الأمر الفظيع و الشدة و عدل عن حكاية قول إبليس يا ويلي كراهة أن يضيف الويل إلى نفسه . الْخِصَالُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ عِيسَى عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عُمَرَ عَنْ أَبَانِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ سَيَابَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِعليه السلامقَالَ: لَمَّا هَبَطَ نُوحٌعليه السلاممِنَ السَّفِينَةِ أَتَاهُ إِبْلِيسُ فَقَالَ لَهُ مَا فِي الْأَرْضِ رَجُلٌ أَعْظَمَ مِنْهُ عَلَيَّ مِنْكَ دَعَوْتُ اللَّهَ عَلَى هَؤُلَاءِ الْفُسَّاقِ فَأَرَحْتَنِي مِنْهُمْ أَ لَا أُعَلِّمُكَ خَصْلَتَيْنِ إِيَّاكَ وَ الْحَسَدَ فَهُوَ الَّذِي عَمِلَ بِي مَا عَمِلَ وَ إِيَّاكَ وَ الْحِرْصَ فَهُوَ الَّذِي عَمِلَ بِآدَمَ مَا عَمِلَ .
بحار الأنوار ج55-73 — 3 إبليس لعنه الله و قصصه و بدء خلقه و مكايده و مصايده و أحوال ذريته و الاحتراز عنهم أعاذنا الله من ش — الإمام الصادق عليه السلام
قَالَ خُذِ الزَّبِيبَ وَ صُبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ ثُمَّ صُبَّ عَلَيْهِ عَسَلًا ثُمَّ اطْبُخْهُ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَ يَبْقَى الثُّلُثُ فَقَالَ أَ لَيْسَ هُوَ حُلْوٌ قُلْتُ بَلَى يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ اشْرَبِ الْحُلْوَ حَيْثُ وَجَدْتَهُ أَوْ حَيْثُ أَصَبْتَهُ وَ لَمْ يَزِدْنِي عَلَى هَذَا . تفصيل و تذييل يشتمل على مقاصد الأول اتفق فقهاؤنا (رضوان الله عليهم) على حرمة العصير العنبي بالغليان و الاشتداد و ظاهر الأخبار و أكثر الأصحاب تحقق الحرمة بمجرد الغليان المفسر بالقلب في رِوَايَةِ حَمَّادٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِعليه السلامقَالَ: سَأَلْتُهُ عَنْ شُرْبِ الْعَصِيرِ قَالَ تَشْرَبُ مَا لَمْ يَغْلِ فَإِذَا غَلَى فَلَا تَشْرَبْهُ قَالَ قُلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ أَيُّ شَيْءٍ الْغَلَيَانُ قَالَ الْقَلْبُ . و المراد به كما فسره الأكثر أن يصير أسفله أعلاه و لعله هو المقصود أيضا من النشيش فيما تقدم من الأخبار وَ فِيمَا رُوِيَ عَنْ ذَرِيحٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِعليه السلاميَقُولُ إِذَا نَشَّ الْعَصِيرُ وَ غَلَى حَرُمَ. فإن النشيش هو صوت الماء و غيره عند الغليان فعلى هذا يكون العطف بالواو في الرواية للتفسير و يحتمل أن يكون المراد بالنشيش حالة مقارنة للغليان أو متقدمة عليه فيكون العطف لمحض الجمع أو الترتيب للإشعار بعدم انفكاك أحدهما عن الآخر أو عدم كفاية النشيش بدون الغليان و ما وقع في نسخ التهذيب من لفظة أو بدل الواو مؤيد لعدم الانفكاك و أما ما ضم إليه بعض الفقهاء في هذا المقام من الاشتداد حيث قالوا إذا غلا و اشتد فإن كان المراد به معنى القلب أو النشيش أو معنى الثخانة الحاصلة بمجرد الغليان كما قيل فضمه إلى الغليان من قبيل ضم النشيش إليه في الرواية و إن 511 كان المراد معنى آخر يمكن أن يحصل الغليان بدونه معتبرا معه في تحقق الحرمة فلا دليل عليه في الروايات بل إنها إنما تدل على استقلال مجرد الغليان في علية الحرمة من غير اعتبار غيره فيها إلا على سبيل الدلالة عليه كالقلب و النشيش على ما مر و كإصابة النار فيما رواه عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سِنَانٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِعليه السلامقَالَ: كُلُّ عَصِيرٍ أَصَابَتْهُ النَّارُ فَهُوَ حَرَامٌ حَتَّى يَذْهَبَ ثُلُثَاهُ وَ يَبْقَى ثُلُثُهُ . فإن أصابه النار بعنوان التأثير كما هو المراد من جملة أسباب الغليان فتدل عليه دلالة السبب على المسبب و أما ترتب الحرمة على إصابة النار بخصوصها كما يتوهم من ظاهر الرواية فليس بمقصود لدلالة الروايات الكثيرة على أنها مترتبة على الغليان سواء كان سببا عن الإصابة المذكورة أو عن غيرها و قد صرح جماعة من الأصحاب منهم الشهيد الثاني بالتساوي بين كونه بالنار أو غيره و عد صاحب الوسيلة الغليان بنفسه من موجبات الحرمة. قيل فالوجه في تخصيص المذكور اعتبار الفرد الغالب و خصوصية الغاية المذكورة فإن ذهاب الثلثين هو غاية الحرمة التي تتحقق بهذا السبب الخاص لا غاية الحرمة المطلقة فإن ما يحرم غليانه بنفسه إنما تكون غاية حرمته هي الخلية بدون اعتبار ذهاب الثلث
بحار الأنوار ج55-73 — المسائل، بإسناده عن علي بن جعفر مثلهما بيان قال في الدروس لا يقبل قول من يستحل شرب العصير قبل ذهاب ث — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
قَامَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ هَمَّامٌ وَ كَانَ عَابِداً نَاسِكاً مُجْتَهِداً إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَعليه السلاموَ هُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صِفْ لَنَا صِفَةَ الْمُؤْمِنِ كَأَنَّنَا نَنْظُرُ إِلَيْهِ فَقَالَ يَا هَمَّامُ الْمُؤْمِنُ هُوَ الْكَيِّسُ الْفَطِنُ بِشْرُهُ فِي وَجْهِهِ وَ حُزْنُهُ فِي قَلْبِهِ أَوْسَعُ شَيْءٍ صَدْراً وَ أَذَلُّ شَيْءٍ نَفْساً زَاجِرٌ عَنْ كُلِّ فَانٍ حَاضٌّ عَلَى كُلِّ حَسَنٍ لَا حَقُودٌ وَ لَا حَسُودٌ وَ لَا وَثَّابٌ وَ لَا سَبَّابٌ وَ لَا عَيَّابٌ وَ لَا مُغْتَابٌ يَكْرَهُ الرِّفْعَةَ وَ يَشْنَأُ السُّمْعَةَ طَوِيلُ الْغَمِّ بَعِيدُ الْهَمِّ كَثِيرُ الصَّمْتِ وَقُورٌ ذَكُورٌ صَبُورٌ شَكُورٌ مَغْمُومٌ بِفِكْرِهِ مَسْرُورٌ بِفَقْرِهِ سَهْلُ الْخَلِيقَةِ لَيِّنُ الْعَرِيكَةِ رَصِينُ الْوَفَا قَلِيلُ الْأَذَى لَا مُتَأَفِّكٌ وَ لَا مُتَهَتِّكٌ إِنْ ضَحِكَ لَمْ يَخْرَقْ وَ إِنْ غَضِبَ لَمْ يَنْزَقْ ضِحْكُهُ تَبَسُّمٌ وَ اسْتِفْهَامُهُ تَعَلُّمٌ وَ مُرَاجَعَتُهُ تَفَهُّمٌ كَثِيرٌ عِلْمُهُ عَظِيمٌ حِلْمُهُ كَثِيرُ الرَّحْمَةِ لَا يَنْجَلُ وَ لَا يَعْجَلُ وَ لَا يَضْجَرُ وَ لَا يَبْطَرُ وَ لَا يَحِيفُ فِي حُكْمِهِ وَ لَا يَجُورُ فِي عِلْمِهِ نَفْسُهُ أَصْلَبُ مِنَ الصَّلْدِ وَ مُكَادَحَتُهُ أَحْلَى مِنَ الشَّهْدِ لَا جَشِعٌ وَ لَا هَلِعٌ وَ لَا عَنِفٌ وَ لَا صَلِفٌ وَ لَا مُتَكَلِّفٌ وَ لَا مُتَعَمِّقٌ جَمِيلُ الْمُنَازَعَةِ كَرِيمُ الْمُرَاجَعَةِ عَدْلٌ إِنْ غَضِبَ رَفِيقٌ إِنْ طَلَبَ لَا يَتَهَوَّرُ وَ لَا يَتَهَتَّكُ وَ لَا يَتَجَبَّرُ خَالِصُ الْوُدِّ وَثِيقُ الْعَهْدِ وَفِيُّ الْعَقْدِ شَفِيقٌ وَصُولٌ حَلِيمٌ حَمُولٌ قَلِيلُ الْفُضُولِ رَاضٍ عَنِ اللَّهِ 366 عَزَّ وَ جَلَّ مُخَالِفٌ لِهَوَاهُ لَا يَغْلُظُ عَلَى مَنْ دُونَهُ وَ لَا يَخُوضُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ نَاصِرٌ لِلدِّينِ مُحَامٍ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ كَهْفٌ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَخْرِقُ الثَّنَاءُ سَمْعَهُ وَ لَا يَنْكِي الطَّمَعُ قَلْبَهُ وَ لَا يَصْرِفُ اللَّعِبُ حُكْمَهُ وَ لَا يُطْلِعُ الْجَاهِلَ عِلْمَهُ قَوَّالٌ عَمَّالٌ عَالِمٌ حَازِمٌ لَا بِفَحَّاشٍ وَ لَا بِطَيَّاشٍ وَصُولٌ فِي غَيْرِ عُنْفٍ بَذُولٌ فِي غَيْرِ سَرَفٍ وَ لَا بِخَتَّالٍ وَ لَا بِغَدَّارٍ وَ لَا يَقْتَفِي أَثَراً وَ لَا يُخِيفُ بَشَراً رَفِيقٌ بِالْخَلْقِ سَاعٍ فِي الْأَرْضِ عَوْنٌ لِلضَّعِيفِ غَوْثٌ لِلْمَلْهُوفِ لَا يَهْتِكُ سِتْراً وَ لَا يَكْشِفُ سِرّاً كَثِيرُ الْبَلْوَى قَلِيلُ الشَّكْوَى إِنْ رَأَى خَيْراً ذَكَرَهُ وَ إِنْ عَايَنَ شَرّاً سَتَرَهُ يَسْتُرُ الْعَيْبَ وَ يَحْفَظُ الْغَيْبَ وَ يُقِيلُ الْعَثْرَةَ وَ يَغْفِرُ الزَّلَّةَ لَا يَطَّلِعُ عَلَى نُصْحٍ فَيَذَرَهُ وَ لَا يَدَعُ جُنْحَ حَيْفٍ فَيُصْلِحَهُ أَمِينٌ رَصِينٌ تَقِيٌّ نَقِيٌّ زَكِيٌّ رَضِيٌّ يَقْبَلُ الْعُذْرَ وَ يُجْمِلُ الذِّكْرَ وَ يُحْسِنُ بِالنَّاسِ الظَّنَّ وَ يَتَّهِمُ عَلَى الْغَيْبِ نَفْسَهُ يُحِبُّ فِي اللَّهِ بِفِقْهٍ وَ عِلْمٍ وَ يَقْطَعُ فِي اللَّهِ بِحَزْمٍ وَ عَزْمٍ لَا يَخْرَقُ بِهِ فَرَحٌ وَ لَا يَطِيشُ بِهِ مَرَحٌ مُذَكِّرٌ لِلْعَالِمِ مُعَلِّمٌ لِلْجَاهِلِ لَا يُتَوَقَّعُ لَهُ بَائِقَةٌ وَ لَا يُخَافُ لَهُ غَائِلَةٌ كُلُّ سَعْيٍ أَخْلَصُ عِنْدَهُ مِنْ سَعْيِهِ وَ كُلُّ نَفْسٍ أَصْلَحُ عِنْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ عَالِمٌ بِعَيْبِهِ شَاغِلٌ بِغَمِّهِ لَا يَثِقُ بِغَيْرِ رَبِّهِ قَرِيبٌ وَحِيدٌ حَزِينٌ يُحِبُّ فِي اللَّهِ وَ يُجَاهِدُ فِي اللَّهِ لِيَتَّبِعَ رِضَاهُ وَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ بِنَفْسِهِ وَ لَا يُوَالِي فِي سَخَطِ رَبِّهِ مُجَالِسٌ لِأَهْلِ الْفَقْرِ مُصَادِقٌ لِأَهْلِ الصِّدْقِ مُؤَازِرٌ لِأَهْلِ الْحَقِّ عَوْنٌ لِلْغَرِيبِ أَبٌ لِلْيَتِيمِ بَعْلٌ لِلْأَرْمَلَةِ حَفِيٌّ بِأَهْلِ الْمَسْكَنَةِ مَرْجُوٌّ لِكُلِّ كَرِيهَةٍ مَأْمُولٌ لِكُلِّ شِدَّةٍ هَشَّاشٌ بَشَّاشٌ لَا بِعَبَّاسٍ وَ لَا بِجَسَّاسٍ صَلِيبٌ كَظَّامٌ بَسَّامٌ دَقِيقُ النَّظَرِ عَظِيمُ الْحَذَرِ لَا يَبْخَلُ وَ إِنْ بُخِلَ عَلَيْهِ صَبَرَ عَقَلَ فَاسْتَحْيَا وَ قَنِعَ فَاسْتَغْنَى حَيَاؤُهُ يَعْلُو شَهْوَتَهُ وَ وُدُّهُ يَعْلُو حَسَدَهُ وَ عَفْوُهُ يَعْلُو حِقْدَهُ لَا يَنْطِقُ بِغَيْرِ صَوَابٍ وَ لَا يَلْبَسُ إِلَّا الِاقْتِصَادَ مَشْيُهُ التَّوَاضُعُ خَاضِعٌ لِرَبِّهِ بِطَاعَتِهِ رَاضٍ عَنْهُ فِي كُلِّ حَالاتِهِ نِيَّتُهُ خَالِصَةٌ أَعْمَالُهُ لَيْسَ فِيهَا غِشٌّ وَ لَا خَدِيعَةٌ نَظَرُهُ عِبْرَةٌ وَ سُكُوتُهُ فِكْرَةٌ وَ كَلَامُهُ حِكْمَةٌ مُنَاصِحاً مُتَبَاذِلًا مُتَوَاخِياً نَاصِحٌ فِي 367 السِّرِّ وَ الْعَلَانِيَةِ لَا يَهْجُرُ أَخَاهُ وَ لَا يَغْتَابُهُ وَ لَا يَمْكُرُ بِهِ وَ لَا يَأْسَفُ عَلَى مَا فَاتَهُ وَ لَا يَحْزَنُ عَلَى مَا أَصَابَهُ وَ لَا يَرْجُو مَا لَا يَجُوزُ لَهُ الرَّجَاءُ وَ لَا يَفْشَلُ فِي الشِّدَّةِ وَ لَا يَبْطَرُ فِي الرَّخَاءِ يَمْزُجُ الْحِلْمَ بِالْعِلْمِ وَ الْعَقْلَ بِالصَّبْرِ تَرَاهُ بَعِيداً كَسَلُهُ دَائِماً نَشَاطُهُ قَرِيباً أَمَلُهُ قَلِيلًا زَلَلُهُ مُتَوَقِّعاً لِأَجَلِهِ خَاشِعاً قَلْبُهُ ذَاكِراً رَبَّهُ قَانِعَةً نَفْسُهُ مَنْفِيّاً جَهْلُهُ سَهْلًا أَمْرُهُ حَزِيناً لِذَنْبِهِ مَيِّتَةً شَهْوَتُهُ كَظُوماً غَيْظَهُ صَافِياً خُلُقُهُ آمِناً مِنْهُ جَارُهُ ضَعِيفاً كِبْرُهُ قَانِعاً بِالَّذِي قُدِّرَ لَهُ مَتِيناً صَبْرُهُ مُحْكَماً أَمْرُهُ كَثِيراً ذِكْرُهُ يُخَالِطُ النَّاسَ لِيَعْلَمَ وَ يَصْمُتُ لِيَسْلَمَ وَ يَسْأَلُ لِيَفْهَمَ وَ يَتَّجِرُ لِيَغْنَمَ لَا يُنْصِتُ لِلْخَيْرِ لِيَفْخَرَ بِهِ وَ لَا يَتَكَلَّمُ لِيَتَجَبَّرَ بِهِ عَلَى مَنْ سِوَاهُ نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَ النَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ أَتْعَبَ نَفْسَهُ لآِخِرَتِهِ فَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ إِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ الَّذِي يَنْتَصِرُ لَهُ بُعْدُهُ مِمَّنْ تَبَاعَدَ مِنْهُ بُغْضٌ وَ نَزَاهَةٌ وَ دُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنْهُ لِينٌ وَ رَحْمَةٌ لَيْسَ تَبَاعُدُهُ تَكَبُّراً وَ لَا عَظَمَةً وَ لَا دُنُوُّهُ خَدِيعَةً وَ لَا خِلَابَةً بَلْ يَقْتَدِي بِمَنْ كَانَ قَبْلَهُ مِنْ أَهْلِ الْخَيْرِ فَهُوَ إِمَامٌ لِمَنْ بَعْدَهُ مِنْ أَهْلِ الْبِرِّ قَالَ فَصَاحَ هَمَّامٌ صَيْحَةً ثُمَّ وَقَعَ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ فَقَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَعليه السلامأَمَا وَ اللَّهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ وَ قَالَ هَكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ الْبَالِغَةُ بِأَهْلِهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ فَمَا بَالُكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ- فَقَالَ إِنَّ لِكُلٍّ أَجَلًا لَنْ يَعْدُوَهُ وَ سَبَباً لَا يُجَاوِزُهُ فَمَهْلًا لَا تُعِدْ فَإِنَّمَا نَفَثَ عَلَى لِسَانِكَ شَيْطَانٌ . بيان سيأتي رواية همام نقلا عن نهج البلاغة و مجالس الصدوق باختلاف كثير و فيه أنه قال صف لي المتقين و يمكن أن يكون سأل عن صفات المؤمنين 368 و المتقين معا فاكتفي في بعض الروايات بذكر الأولى و في بعضها بذكر الثانية. و همام بفتح الهاء و تشديد الميم و في القاموس الهمام كغراب الملك العظيم الهمة و السيد الشجاع السخي و كشداد بن الحارث و ابن زيد و ابن مالك صحابيون. و ما ذكر في الروايتين من تثاقلهعليه السلامفي الجواب أنسب بقولهعليه السلامفي آخر الخبر لقد كنت أخافها عليه و في القاموس النسك مثلثة و بضمتين العبادة و كل حق لله عز و جل و قيل المراد هنا المواظب على العبادة و المجتهد المبالغ في العبادة في القاموس جهد كمنع جد كاجتهد و قال الكيس خلاف الحمق و قال الفطنة بالكسر الحذق. و أقول الكيس كسيد و الفطن بفتح الفاء و كسر الطاء و تعريف الخبر باللام و توسيط الضمير للحصر و التأكيد كأن الفرق بينهما أن الكياسة ما كان خلقة و الفطنة ما يحصل بالتجارب أو الأول ما كان في الكليات و الثاني ما كان في الجزئيات و يحتمل التأكيد. و في القاموس البشر بالكسر الطلاقة أوسع شيء صدرا كناية عن كثرة العلم أو وفور الحلم و أذل شيء نفسا أي لا يترفع و لا يطلب الرفعة و يتواضع للناس و يرى نفسه أخس من كل أحد و قيل أي صارت نفسه الأمارة ذليلة لروحه المقدسة و صارت مخالفته للنفس شعاره فعلى الثاني من الذل بالكسر و هو السهولة و الانقياد و على الأول من الذل بالضم بمعنى المضلة و الهوان. زاجرا أي نفسه أو غيره أو الأعم منهما عن كل فان أي عن جميع الأمور الدنيوية فإنها في معرض الفناء و الحض الترغيب و التحريص و هذا أيضا يحتمل النفس و الغير و الأعم و الحقد إمساك العداوة و البغض في القلب و الحقود الكثير الحقد و قيل لا للمبالغة في النفي لا لنفي المبالغة كما قيل في قوله 369 تعالى وَ ما أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ فلا يلزم ثبوت أصل الفعل و كذا في البواقي و يحتمل أن يكون إشارة إلى أن النادر منها لا ينافي الإيمان. و لا وثاب أي لا يثب في وجوه الناس بالمنازعة و المعارضة و في القاموس رفع ككرم رفعة بالكسر شرف و علا قدره و قال شنأه كمنعه و سمعه شنأ و يثلث و شنأة و شنآنا أبغضه و قال الجوهري تقول فعله رئاء و سمعة أي ليراه الناس و يسمعوا به طويل الغم أي لما يستقبله من سكرات الموت و أحوال القبر و أهوال الآخرة بعيد الهم إما تأكيد للفقرة السابقة فإن الغم و الهم متقاربان أي يهتم للأمور البعيدة عنه من أمور الآخرة أو المراد بالهم القصد أي هو عالي الهمة لا يرضى بالدون من الدنيا الفانية أو لا يرضى من السعادات الباقية و الكمالات النفسانية بأدانيها بل يطلب معاليها و قيل أي يتفكر في العواقب في القاموس الهم الحزن و الجمع هموم و ما هم به في نفسه و الهمة بالكسر و يفتح ما هم به من أمر ليفعل. كثير الصمت أي عما لا يعنيه وقور أي ذو وقار و رزانة لا يستعجل في الأمور و لا يبادر في الغضب و لا تجره الشهوات إلى ما لا ينبغي فعله في القاموس الوقار كسحاب الرزانة و رجل وقار و وقور و وقر كندس ذكور كثير الذكر لله و لما ينفعه في الآخرة صبور عند البلاء شكور عند الرخاء. مغموم بفكره أي بسبب فكره في أمور الآخرة مسرور بفقره لعلمه بقلة خطره و يسر الحساب في الآخرة و قلة تكاليف الله فيه سهل الخليقة أي ليس في طبعه خشونة و غلظة و قيل أي سريع الانقياد للحق و في القاموس الخليقة الطبيعة قال الله تعالى وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ لين العريكة هي قريبة من الفقرة السابقة مؤكدة لها في القاموس العريكة كسفينة النفس و رجل لين العريكة سلس الخلق منكسر النخوة و في النهاية في صفته 370 ص أصدق الناس لهجة و ألينهم عريكة العريكة الطبيعة يقال فلان لين العريكة إذا كان سلسا مطاوعا منقادا قليل الخلاف و النفور. رصين الوقار بالراء و الصاد المهملتين و ما في بعض نسخ الكافي بالضاد المعجمة تصحيف أي محكم الوفاء بعهود الله و عهود الخلق في القاموس رصنه أكمله و أرصنه أحكمه و قد رصن ككرم و كأمير المحكم الثابت و الحفي بحاجة صاحبه قليل الأذى إنما ذكر القلة و لم ينف الأذى رأسا لأن الإيذاء قد يكون حسنا بل واجبا كما في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و جهاد الكفار و قيل إنما قال ذلك لأنه يؤذي نفسه و لا يخفى بعده لا متأفك كأنه مبالغة في الإفك بمعنى الكذب أي لا يكذب كثيرا أو المعنى لا يكذب على الناس و في بعض النسخ لا مستأفك أي لا يكذب على الناس فيكذبوا عليه فكأنه طلب منهم الإفك و قيل المتأفك من لا يبالي أن ينسب إليه الإفك و لا متهتك أي ليس قليل الحياء لا يبالي أن يهتك ستره أو لا يهتك ستر الناس في القاموس هتك الستر و غيره يهتكه فانهتك و تهتك جذبه فقطعه من موضعه أو شق منه جزءا فبدا ما وراءه و رجل منهتك و متهتك و مستهتك لا يبالي أن يهتك ستره. إن ضحك لم يخرق أي لا يبالغ فيه حتى ينتهي إلى الخرق و السفه بل يقتصر على التبسم كما سيأتي في القاموس الخرق بالضم و بالتحريك ضد الرفق و أن لا يحسن الرجل العمل و التصرف في الأمور و الحمق و قيل هو من الخرق بمعنى الشق أي لم يشق فاه و لم يفتحه كثيرا. و إن غضب لم ينزق في القاموس نزق الفرس كسمع و نصر و ضرب نزقا و نزوقا نزا أو تقدم خفة و وثب و أنزقه و نزقه غيره و كفرح و ضرب طاش و خف عند الغضب ضحكه تبسم في القاموس بسم يبسم بسما و ابتسم و تبسم و هو أقل الضحك و أحسنه و في المصباح بسم بسما من باب ضرب ضحك قليلا من غير صوت و ابتسم و تبسم كذلك. و استفهامه تعلم أي للتعلم لا لإظهار العلم و مراجعته أي معاودته في السؤال 371 تفهم أي لطلب الفهم لا للمجادلة كثير الرحمة أي ترحمه على العباد كثير لا يبخل بالباء الموحدة ثم الخاء المعجمة كيعلم و يكرم و ربما يقرأ بالنون ثم الجيم من النجل و هو الرمي بالشيء أي لا يرمي بالكلام من غير روية و هو تصحيف . و لا يعجل أي في الكلام و العمل و لا يضجر في القاموس ضجر منه و به كفرح و تضجر تبرم و في الصحاح الضجر القلق من الغم و قال البطر الأشر و هو شدة المرح و قد بطر بالكسر يبطر و البطر أيضا الحيرة و الدهش و في القاموس البطر محركة النشاط و الأشر و قلة احتمال النعمة و الدهش و الحيرة و الطغيان بالنعمة و كراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة فعل الكل كفرح و قال الحيف الجور و الظلم. و لا يجور في علمه أي لا يظلم أحدا بسبب علمه أو لا يظهر خلاف ما يعلم و ربما يقرأ يجوز بالزاي أي لا يتجاوز عن العلم الضروري إلى غيره نفسه أصلب من الصلد أي من الحجر الصلب كناية عن شدة تحمله للمشاق أو عن عدم عدوله عن الحق و تزلزله فيه بالشبهات و عدم ميله إلى الدنيا بالشهوات و في القاموس الصلد و يكسر الصلب الأملس. و مكادحته أحلى من الشهد في القاموس كدح في العمل كمنع سعى و عمل لنفسه خيرا أو شرا و كد و وجهه خدش أو عمل به ما يشينه ككدحه أو أفسده و لعياله كسب كاكتدح و في الصحاح الكدح العمل و السعي و الخدش و الكسب يقال هو يكدح في كذا أي يكد و قوله تعالى إِنَّكَ كادِحٌ إِلى رَبِّكَ كَدْحاً أي تسعى انتهى و الشهد العسل و قيل المكادحة هنا المنازعة أي منازعته لرفعة فيها أحلى من العسل و كأنه أخذه من الكدح بمعنى الخدش و العض استعير هنا لمطلق المنازعة في النهاية كل أثر من خدش أو عض فهو كدح. و أقول يحتمل أن يكون المعنى أن سعيه في تحصيل المعيشة و الأمور الدنيوية لمساهلته فيها حسن لطيف و قيل الكدح الكد و السعي و حلاوة مكادحته 372 لحلاوة ثمرتها فإن التعب في سبيل المحبوب راحة. لا جشع في القاموس الجشع محركة أشد الحرص و أسوؤه و أن تأخذ نصيبك و تطمع في نصيب غيرك و قد جشع كفرح فهو جشع و قال الهلع محركة أفحش الجزع و كصرد الحريص و الهلوع من يجزع و يفزع من الشر و يحرص و يشح على المال أو الضجور لا يصبر على المصائب و قال العنف مثلثة العين ضد الرفق و قال الصلف بالتحريك قلة نماء الطعام و بركته و أن لا تحظى المرأة عند زوجها و التكلم بما يكرهه صاحبك و التمدح بما ليس عندك أو مجاوزة قدر الظرف و الادعاء فوق ذلك تكبرا و هو صلف ككتف و أقول أكثر المعاني مناسبة. و قال المتكلف العريض لما لا يعنيه و نحوه قال الجوهري و قال تكلفت الشيء تجشمته أي ارتكبته على مشقة و لا متعمق أي لا يتعمق و لا يبالغ في الأمور الدنيوية و قيل لا يطول الكلام و لا يسعى في تحسينه لإظهار الكمال قال في القاموس عمق النظر في الأمور بالغ و تعمق في كلامه تنطع و قال تنطع في الكلام تعمق و غالى و تأنق و يحتمل أن يكون المراد عدم التعمق في المعارف الإلهية فإنه أيضا ممنوع لقصور العقول عن الوصول إليها لما مر في كتاب التوحيد بسند صحيح قال سئل علي بن الحسين عن التوحيد فقال إن الله عز و جل علم أنه يكون في آخر الزمان أقوام متعمقون فأنزل الله تعالى قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ و الآيات من سورة الحديد إلى قوله عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ فمن رام وراء ذلك فقد هلك . جميل المنازعة أي إن احتاج إلى منازعة يأتي بها على أحسن الوجوه كريم المراجعة قد مر أن مراجعته في السؤال تفهم و هنا يصفها بالكرم أي يأتي بها في غاية الملاينة و حسن الأدب و قيل المراد بالمراجعة هنا الرجوع عن الذنب أو السهو أو الخطاء عدل إن غضب أي لا يصير غضبه سببا لجوره على من غضب عليه رفيق إن طلب أي إن طلب شيئا من أحد يطلبه برفق سواء كان له عنده حق أم لا و يمكن أن يقرأ على بناء المجهول أي إن طلب أحد رفاقته يصاحبه 373 برفق أو إن طلب أحد منه حقه يجيبه برفق. لا يتهور التهور الإفراط في الشجاعة و هو مذموم قال في القاموس تهور الرجل وقع في الأمر بقلة مبالاة و لا يتهتك قد مر ذلك فهو تأكيد أو المراد هنا هتك ستر الغير فيكون تأسيسا لكن لا يساعده اللغة كما عرفت و لا يتجبر أي لا يتكبر على الغير أو لا يعد نفسه كبيرا خالص الود أي محبته خالصة لله أو مخصوصة بالله أو محبته خالصة لكل من يوده غير مخلوطة بالخديعة و النفاق و كأن هذا أظهر وثيق العهد أي عهده مع الله و مع الخلق محكم. وفي العقد أي يفي بما يصدر عنه من العقود الشرعية كما قال سبحانه أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على بعض الوجوه قال في مجمع البيان اختلف في هذه العقود على أقوال أحدها أن المراد بها العهود التي كان أهل الجاهلية عاهد بعضهم بعضا فيها على النصرة و المؤازرة و المظاهرة على من حاول ظلمهم أو بغاهم سوءا و ذلك هو معنى الحلف. و ثانيها أنها العهود التي أخذ الله سبحانه على عباده بالإيمان به و الطاعة فيما أحل لهم أو حرم عليهم. و ثالثها أن المراد بها العقود التي يتعاقدها الناس بينهم و يعقدها المرء على نفسه كعقد الأيمان و عقد النكاح و عقد العهد و عقد البيع و عقد الحلف. و رابعها أن ذلك أمر من الله سبحانه لأهل الكتاب بالوفاء بما أخذ به ميثاقهم من العمل بما في كتبهم من تصديق نبينا ص و ما جاء به من عند الله و أقوى هذه الأقوال عن ابن عباس أن المراد بها عقود الله التي أوجبها على العباد في الحلال و الحرام و الفرائض و الحدود و يدخل في ذلك جميع الأقوال الأخر فيجب الوفاء بجميع ذلك إلا ما كان عقدا في المعاونة على أمر قبيح انتهى . 374 و العلماء مدارهم في الاستدلال على لزوم العقود بهذه الآية و قد يحمل العقد في هذا الخبر على الاعتقاد. و في القاموس الشفق حرص الناصح على صلاح المنصوح و هو مشفق و شفيق و حاصله أنه ناصح و مشفق على المؤمنين و قيل خائف من الله و الأول أظهر وصول للرحم أو الأعم منهم و من سائر المؤمنين و الحلم الأناة و العقل كما في القاموس و قال الراغب الحلم ضبط النفس و الطبع عن هيجان الغضب و جمعه أحلام قال الله تعالى أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهذا قيل معناه عقولهم و ليس الحلم في الحقيقة هو العقل لكن فسروه بذلك لكونه من مسببات العقل . خمول في أكثر النسخ بالخاء المعجمة و في بعضها بالحاء المهملة فعلى الأول المعنى أنه خامل الذكر غير مشهور بين الناس و كأنه محمول على أنه لا يحب الشهرة و لا يسعى فيها لا أن الشهرة مطلقا مذمومة في القاموس خمل ذكره و صوته خمولا خفي و أخمله الله فهو خامل ساقط لا نباهة له و على الثاني إما المراد به الحلم تأكيدا أو المراد بالحليم العاقل أو أنه يتحمل المشاق للمؤمنين و الأول أظهر في القاموس حمل عنه حلم فهو حمول ذو حلم. قليل الفضول الفضول جمع الفضل و هي الزوائد من القول و الفعل في القاموس الفضل ضد النقص و الجمع فضول و الفضولي بالضم المشتغل بما لا يعنيه مخالف لهواه أي لما تشتهيه نفسه مخالفا للحق قال الراغب الهوى ميل النفس إلى الشهوة و يقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة و قيل سمي بذلك لأنه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كل داهية و في الآخرة إلى الهاوية و قد عظم الله ذم اتباع الهوى فقال أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ و قال وَ لا تَتَّبِعِ 375 الْهَوى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ وَ كانَ أَمْرُهُ فُرُطاً وَ لَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ و قال وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ وَ لا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَواهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ انتهى. لا يغلظ على بناء الإفعال يقال أغلظ له في القول أي خشن أو على بناء التفعيل أو على بناء المجرد ككرم قال في المصباح غلظ الرجل اشتد فهو غليظ و فيه غلظة أي غير لين و لا سلس و أغلظ له في القول إغلاظا و غلظت عليه في اليمين تغليظا شددت عليه و أكدت. على من دونه دينا أو دنيا أو الأعم و لا يخوض أي لا يدخل فيما لا يعنيه أي لا يهمه في القاموس عناه الأمر يعنيه و يعنوه عناية و عناية أهمه و اعتنى به اهتم ناصر للدين أصوله و فروعه قولا و فعلا محام عن المؤمنين أي يدفع الضرر عنهم في القاموس حاميت عنه محاماة و حماء منعت عنه كهف للمسلمين في القاموس الكهف الوزر و الملجأ لا يخرق الثناء سمعته كأن المراد بالخرق الشق و عدمه كناية عن عدم التأثير فيه كأنه لم يسمعه و ما قيل من أنه على بناء الإفعال أي لا يصير سمعه ذا خرق و حمق فلا يخفى بعده. و لا ينكي الطمع قلبه أي لا يؤثر في قلبه و لا يستقر فيه و فيه إشعار بأن الطمع يورث جراحة القلب جراحة لا تبرأ في القاموس نكأ القرحة كمنع قشرها قبل أن تبرأ فنديت و قال في المعتل نكى العدو و فيه نكاية قتل و جرح و القرحة نكأها 376 أقول فهنا يمكن أن يقرأ مهموزا و غير مهموز. و لا يصرف اللعب حكمه أي حكمته و المعنى لا يلتفت إلى اللعب لحكمته كما قال تعالى وَ إِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً أو المعنى أن الأمور الدنيوية لا تصير سببا لتغيير حكمه كما قال تعالى وَ ما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَ لَعِبٌ و لا يطلع الجاهل علمه لا يطلع على بناء الإفعال و المراد بالجاهل المخالفون أي يتقي منهم أو ضعفاء العقول فالمراد بالعلم ما لا يستطيعون فهمه كما مر قوال أي كثير القول لما يحسن قوله عمال كثير الفعل و العمل بما يقوله عالم قيل هو ناظر إلى قوله قوال و حازم ناظر إلى قوله عمال و الحزم رعاية العواقب و في القاموس الحزم ضبط الأمر و الأخذ فيه بالثقة لا بفحاش في القاموس الفحش عدوان الجواب و قال الراغب الفحش و الفحشاء و الفاحشة ما عظم قبحه من الأفعال و الأقوال. و في القاموس الطيش النزق و الخفة طاش يطيش فهو طائش و طياش و ذهاب العقل و الطياش من لا يقصد وجها واحدا. وصول في غير عنف كأن في بمعنى مع أي يعاشر الأرحام و المؤمنين و يحسن إليهم بحيث لا يصير سببا للثقل عليهم أو وصله دائم غير مشوب بعنف أو يصلهم بالمال و لا يعنف عليهم عند العطاء و لا يؤذيهم بالقول و الفعل. بذول في غير سرف أي يبذل المال مع غير إسراف و لا بختار و في بعض النسخ و لا بختال في القاموس الختر الغدر و الخديعة أو أقبح الغدر و هو خاتر و ختار و قال ختله يختله و يختله ختلا و ختلانا خدعه و الذئب الصيد تخفى له فهو خاتل و ختول و خاتله خادعه و تخاتلوا تخادعوا لا يقتفي أثرا أي لا يتبع عيوب الناس أو لا يتبع أثر من لا يعلم حقيقة. 377 و لا يحيف بشرا بالحاء المهملة و في بعض النسخ بالمعجمة فعلى الأول هو من الحيف الجور و الظلم و على الثاني من الإخافة ساع في الأرض أي لقضاء حوائج المؤمنين و عيادة مرضاهم و شهود جنائزهم و هدايتهم و إرشادهم. و الغوث اسم من الإغاثة و هي النصرة و أغاثهم الله برحمته كشف الله شدتهم و في القاموس لهف كفرح حزن و تحسر كتلهف عليه و الملهوف و اللهيف و اللهفان و اللاهف المظلوم المضطر يستغيث و يتحسر انتهى. و هتك الستر إفشاء العيوب و لا يكشف سرا أي سر نفسه أو سر غيره أو الأعم و الشكوى الشكاية إن رأى خيرا بالنسبة إليه أو مطلقا ذكره عند الناس و إن عاين شرا بالنسبة إليه أو مطلقا ستره عن الناس و حفظ الغيب أن يكون في غيبة أخيه مراعيا لحرمته كرعايته عند حضوره. و يقيل العثرة أصل الإقالة هو أن يبيع الإنسان من آخر شيئا فيندم المشتري فيستقيل البائع أي يطلب عنه فسخ البيع فيقيله أي يقبل ذلك منه فيتركه ثم يستعمل ذلك في أن يفعل أحد بغيره ما يستحق تأديبا أو ضررا فيعتذر منه و يطلب العفو فيعفو عنه كأنه وقع بينهما معاوضة فتتاركا و منه قولهم أقال الله عثرته. و غفر الزلة أيضا قريب من ذلك يقال أرض مزلة تزل فيه الأقدام و زل في منطقه أو فعله يزل من باب ضرب زلة أخطأ و يمكن أن تكون الثانية تأكيدا أو تكون إحداهما محمولة على ما يفعل به و الأخرى على الخطاء الذي صدر منه من غير أن يصل ضرره إليه أو تكون إحداهما محمولة على العمد و الأخرى على الخطإ أو إحداهما على القول و الأخرى على الفعل أو إحداهما على نقض العهد و الوعد و الأخرى على غيره. لا يطلع على نصح فيذره لا يطلع بالتشديد على بناء الافتعال أي إذا اطلع على نصح لأخيه لا يتركه بل يذكره له و لا يدع جنح حيف فيصلحه في القاموس الجنح بالكسر الجانب و الكنف و الناحية و من الليل الطائفة منه و يضم و قال الحيف الجور و الظلم و الحاصل أنه لا يدع شيئا من الظلم يقع منه أو من غيره على 378 أحد بل يصلحه أو لا يصدر منه شيء من الظلم فيحتاج إلى أن يصلحه و في بعض النسخ جنف بالجيم و النون و هو محركة الميل و الجور. أمين يأتمنه الناس على مالهم و عرضهم رصين بالصاد المهملة و تقدم و في بعض النسخ بالضاد المعجمة و في القاموس المرضون شبه المنضود من حجارة و نحوها يضم بعضها إلى بعض في بناء و غيره تقي عن المعاصي نقي عن ذمائم الأخلاق أو مختار يقال انتقاه أي اختاره زكي أي طاهر من العيوب أو تام في الكمالات أو صالح في القاموس زكا يزكو زكاء نما كأزكى و زكاه الله و أزكاه و الرجل صلح و تنعم فهو زكي من أزكياء و في بعض النسخ بالذال أي يدرك المطالب العلية من المبادي الخفية بسهولة رضي أي راض عن الله و عن الخلق أو مرضي عندهما كما قال تعالى وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا أي مرضيا عندك قولا و فعلا. و يجمل الذكر على بناء الإفعال أي يذكرهم بالجميل و يتهم على العيب نفسه بالعين المهملة و في بعض النسخ بالمعجمة أي يتهم نفسه غائبا عن الناس لا كالمرائي الذي يظهر ذلك عند الناس و ليس كذلك أو يتهم نفسه على ما يغيب عن الناس من عيوبه الباطنة الخفية. يحب في الله بفقه و علم أي يحب في الله و لله من يعلم أنه محبوب لله و يلزم محبته لا كالجهال الذين يحبون أعداء الله لزعمهم أنهم أولياء الله كالمخالفين و يقطع في الله بحزم و عزم أي يقطع من أعداء الله بحزم و رعاية للعاقبة فإنه قد تلزم مواصلتهم ظاهرا للتقية و هو عازم على قطعهم لا كمن يصل يوما و يقطع يوما. لا يخرق به فرح يخرق كيحسن و الباء للتعدية أي لا يصير الفرح سببا لخرقه و سفهه قال في المصباح الفرح يستعمل في معان أحدها الأشر و البطر و عليه قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ و الثاني الرضا و عليه قوله تعالى 379 كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ و الثالث السرور و عليه قوله تعالى فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ و يقال فرح بشجاعته و بنعمة الله عليه و بمصيبة عدوه فهذا الفرح لذة القلب بنيل ما يشتهي. و لا يطيش به مرح أي لا يصير شدة فرحه سببا لنزقه و خفته و ذهاب عقله أو عدوله عن الحق و ميله إلى الباطل في القاموس الطيش جواز السهم الهدف و أطاشه أماله عن الهدف و قال مرح كفرح أشر و بطر و اختال و نشط و تبختر و قال الجوهري المرح شدة الفرح و النشاط. مذكر العالم الآخرة أو مسائل الدين لا يتوقع له بائقة أي لا يخاف أن يصدر منه داهية و شر في القاموس توقع الأمر انتظر كونه و قال البائقة الداهية و باق جاء بالشر و الخصومات و قال الجوهري فلان قليل الغائلة و المغالة أي الشر الكسائي الغوائل الدواهي. كل سعي أخلص عنده من سعيه أي لحسن ظنه بالناس و اتهامه لنفسه سعي كل أحد في الطاعات أخلص عنده من سعيه و قريب منه الفقرة التالية و قوله عالم بعيبه كالدليل عليها شاغل بغمه أي غمه لآخرته شغله عن أن يلتفت إلى عيوب الناس أو إلى الدنيا و لذاتها. قريب في أكثر النسخ بالقاف أي قريب من الله أو قريب عن الناس لا يتكبر عليهم أو من فهم المسائل و الاطلاع على الأسرار قال في النهاية فيه اتقوا قراب المؤمن فإنه ينظر بنور الله و روي قرابة المؤمن يعني فراسته و ظنه الذي هو قريب من العلم و التحقق لصدق حدسه و إصابته انتهى. و أقول كونه مأخوذا منه ليس بقريب و الأظهر غريب بالغين كما في بعض النسخ أي لا يجد مثله فهو بين الناس غريب و لذا يعيش فردا لا يأنس بأحد قال في النهاية فيه إن الإسلام بدا غريبا و سيعود كما بدا فطوبى للغرباء أي أنه كان 380 في أول أمره كالغريب الوحيد الذي لا أهل له عنده لقلة المسلمين يومئذ و سيعود غريبا كما كان أي يقل المسلمون في آخر الزمان فيصيرون كالغرباء فطوبى للغرباء أي الجنة لأولئك المسلمين الذين كانوا في أول الإسلام و يكونون في آخره و إنما خصهم بها لصبرهم على أذى الكفار أولا و آخرا و لزومهم دين الإسلام انتهى. وحيد أي يصبر على الوحدة أو فريد لا مثل له حزين لضلالة الناس و قلة أهل الحق لا ينتقم لنفسه بنفسه بل يصبر حتى ينتقم الله له في الدنيا أو في الآخرة و لا يوالي في سخط ربه أي ليس موالاته لمعاصي الله و في القاموس الصداقة المحبة و المصادقة و الصداق المخالة كالتصادق و الموازرة و المعاونة. عون أي معاون للغريب النائي عن بلده أو للقرباء من أهل الحق كما ورد أن المؤمن غريب أب لليتيم أي كالأب له و كذا البعل و في الصحاح الأرملة المرأة التي لا زوج لها و في القاموس امرأة رملة محتاجة أو مسكينة و الجمع أرامل و أراملة و الأرمل العزب و هي بهاء أو لا يقال للعزبة الموسرة أرملة. حفي بأهل المسكنة قال الراغب الحفي البر اللطيف في قوله عز ذكره إِنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا و يقال حفيت بفلان و تحفيت به إذا عنيت بإكرامه و الحفي العالم بالشيء. مرجو لكل كريهة أي يرجى لرفع كل كريهة و يأمله الناس لدفع كل شدة و لو بالدعاء إن لم تمكنه الإعانة الظاهرة و في القاموس الكريهة الحرب أو الشدة في الحرب و النازلة و قيل المرجو أقرب إلى الوقوع من المأمول. هشاش بشاش قال الجوهري الهشاشة الارتياح و الخفة للمعروف و قد هششت بفلان بالكسر أهش هشاشة إذا خففت إليه و ارتحت له و رجل هش بش و قال البشاشة طلاقة الوجه و رجل هش بش أي طلق الوجه لا بعباس أي كثير العبوس و لا بجساس أي لا كثير التجسس لعيوب الناس 381 صليب أي متصلب شديد في أمور الدين كظام يكظم الغيظ كثيرا يقال كظم غيظه أي رده و حبسه بسام أي كثير التبسم دقيق النظر أي نافذ الفكر في دقائق الأمور عظيم الحذر عن الدنيا و مهالكها و فتنها لا يبخل بمنع حقوق الناس واجباتها و مندوباتها و إن بخل عليه بمنع حقوقه صبر. عقل أي فهم قبح المعاصي فاستحيا من ارتكابها أو عقل أن الله مطلع عليه في جميع أحواله فاستحيا من أن يعصيه و قنع بما أعطاه الله فاستغنى عن الطلب من المخلوقين حياؤه من الله و من الخلق يعلو شهوته فيمنعه عن اتباع الشهوات النفسانية و وده للمؤمنين يعلو حسده أي يمنعه عن أن يحسدهم على ما أعطاهم الله و عفوه عن زلات إخوانه و ما أصابه منهم من الأذى يعلو حقده عليهم. و لا يلبس إلا الاقتصاد أي يقتصد و يتوسط في لباسه فلا يلبس ما يلحقه بدرجة المسرفين و المترفين و لا ما يلحقه بأهل الخسة و الدناءة فإن الله يحب أن يرى أثر نعمته على خلقه أو يصير سببا لشهرتهم بالزهد كما هو دأب المتصوفة و يحتمل أن يكون المراد جعله الاقتصاد في جميع أموره شعارا و دثارا على الاستعارة. و مشيه التواضع أي لا يختال في مشيه و قيل هو العدل بين رذيلتي المهانة و الكبر. و أقول يحتمل أن يكون المراد مسلكه و طريقته التواضع. بطاعته أي بأن يطيعه أو بسبب طاعته في كل حالاته أي من الشدة و الرخاء و النعمة و البلاء خالصة أي لله سبحانه ليس فيها غش لله أو للخلق أو الأعم في القاموس غشه لم يمحضه النصح أو أظهر له خلاف ما أضمر و الغش بالكسر الاسم منه. نظره إلى المخلوقات عبرة و استدلال على وجود الخالق و علمه و قدرته و لطفه و حكمته و إلى الدنيا عبرة بفنائها و انقضائها و سكوته فكرة أي تفكر في عظمة الله و قدرته و فناء الدنيا و عواقب أموره و الحمل في تلك الفقرات للمبالغة 382 في السببية فإن النظر سبب للعبرة و السكوت سبب للفكرة مناصحا نصبه و أختيه على الحال مما أضيف إليه المبتدأ على القول بجوازه و قيل نصبها على الاختصاص أي ينصح أخاه و يقبل منه النصح متباذلا أي يبذل أخاه من المال و العلم و يقبل منه متواخيا أي يواخي مع خلص المؤمنين لله و في الله. ناصحا في السر و العلانية أي ينصح في السر إن اقتضته المصلحة و في العلانية إن اقتضته الحكمة أو المراد بالسر القلب و بالعلانية اللسان إشارة إلى أن نصحه غير مشوب بالخدعة. لا يهجر أخاه الهجر ضد الوصل أي لا يترك صحبته و لا يأسف على ما فاته أي من النعم في القاموس الأسف محركة أشد الحزن أسف كفرح و عليه غضب و لا يحزن على ما أصابه أي من البلاء و لا يرجو ما لا يجوز له الرجاء كان يرجو البقاء في الدنيا أو درجة الأنبياء و الأوصياء أو الأمور الدنيوية كالمناصب الباطلة. و لا يفشل في الشدة أي لا يكسل في العبادة في حال الشدة أو لا يضطرب و لا يجبن فيها بل يصبر أو يقدم على دفعها بالجهاد و نحوه في القاموس فشل كفرح فهو فشل كسل و ضعف و تراخى و جبن يمزج العلم بالحلم أي بالعفو و كظم الغيظ أو العقل و الأول أظهر لأن العلم يصير غالبا سببا للتكبر و الترفع و ترك الحلم و المزج الخلط و الفعل كنصر و العقل بالصبر أي مع وفور عقله يصبر على جهل الجهال أو يصبر على المصائب لقوة عقله و قيل أي مع عقله و فهمه أحوال الخلائق يصبر عليها. تراه بعيدا كسله أي في العبادات دائما نشاطه أي رغبته في الطاعات في القاموس نشط كسمع نشاطا طابت نفسه للعمل و غيره قريبا أمله أي لا يأمل ما يبعد حصوله من أمور الدنيا أو لا يأمل ما يتوقف حصوله على عمر طويل بل يعد موته قريبا و الحاصل أنه ليس له طول الأمل أو لا يؤخر ما يريده من الطاعة و لا يسوف فيها قليلا زلله لتيقظه و أخذه بالحائطة لدينه متوقعا لأجله أي 383 منتظرا له يعده قريبا منه خاشعا قلبه أي خاضعا منقادا لأمر الله متذكرا له خائفا منه سبحانه قانعة نفسه بما أعطاه ربه منفيا جهله لوفور علمه سهلا أمره أي هو خفيف المئونة أو يصفح عن السفهاء و لا يصر على الانتقام منهم و قيل أي لا يتكلف لأحد و لا يكلف أحدا. ميتة شهوته أي هو عفيف النفس صافيا خلقه عن الغلظ و الخشونة محكما أمره أي أمر دينه أو الأعم ليسلم أي من آفات اللسان و يتجر ليغنم أي ليحصل الغنيمة و الربح لا للفخر و الحرص على جمع الأموال و الذخيرة أو المراد بالغنيمة الفوائد الأخروية أي يتجر لينفق ما يحصل له في سبيل الله فتحصل له الغنائم الأخروية كذا أفاده الوالد (رحمه الله) أو المراد بالتجارة أيضا التجارة الأخروية كما قال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ تُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ لا ينصت للخير ليفخر به أي لا يسكت مستمعا لقول الخير لينقله في مجلس آخر فيفخر به في القاموس نصت ينصت و أنصت و انتصت سكت و أنصته و له سكت له و استمع لحديثه و أنصته أسكته و في بعض النسخ لا ينصب للخير ليفجر به أي لا يقبل المنصب الشرعي ليفجر به و يحكم بالفجور و يرتشي و يقضي بالباطل و لا يتكلم أي بالخير. نفسه منه في عناء لرياضتها في الطاعات و الناس منه في راحة و فسر هذا بقوله أتعب نفسه لآخرته فأراح الناس من نفسه لأن شغله بأمر نفسه يشغله عن التعرض لغيره و ربما يفرق بين الفقرات بأن المراد بالفقرتين الأوليين أن نفسه الأمارة منه في عناء و تعب لمنعها عن هواها و زجرها عن مشتهاها فصار الناس منه في راحة لأن المداومة على الطاعات و الرياضات تصير النفس سليمة حليمة غير مائلة إلى المعارضات الذي ينتصر له أي ينتقم له. 384 بعده ممن تباعد منه بغض و نزاهة أي إنما يبعد عن الكفار و الفساق للبغض في الله و النزاهة و البعد عن أعمالهم و أفعالهم و النزاهة بالفتح التباعد عن كل قذر و مكروه و دنوه ممن دنا منه من المؤمنين لين و رحمة أي ملاينة و ملاطفة و ترحم و لا عظمة أي تجبرا و عد النفس عظيما و قيل المراد بها العظمة الواقعية و في القاموس خلبه كنصره خلبا و خلابا و خلابة بكسرهما خدعه بل يقتدي أي في هذا البعد و الدنو. أقول هذه الصفات قد يتداخل بعضها في بعض و لكن تورد بعبارة أخرى أو تذكر مفردة ثم تذكر ثانية مركبة مع غيرها و هذا النوع من التكرار في الخطب و المواعظ مطلوب لمزيد التذكار. ثم وقع مغشيا عليه كأن المراد به أنه مات من غشيته كما سيأتي في رواية النهج هكذا تصنع المواعظ البالغة هكذا في محل النصب نائب للمفعول المطلق لقوله تصنع و التقديم للحصر و المشار إليه نوع من التأثير صار في همام سبب موته بأهلها أي بمن تؤثر فيه و يتدبرها و يفهمها كما ينبغي. فما بالك يا أمير المؤمنين أي ما حالك حيث لم يفعل العلم بتلك الصفات أو ذكرها أو سماعك من الرسول ص ما فعل بهمام أو لم أتيت بتلك الموعظة مع خوفك عليه فعلى الأول الجواب يحتمل وجوها الأول أن المشار إليه بهكذا التأثير الكامل و صيرورته في همام سبب موته لضعف نفسه و قلة حوصلته و عدم اتصافه ببعض تلك الصفات لا يستلزم صيرورته سببا للموت في كل أحد لا سيما فيه (صلوات الله عليه). الثاني ما ذكره بعض المحققين و هو أنه أجابهعليه السلامبالإشارة إلى السبب البعيد و هو الأجل المحتوم به القضاء الإلهي و هو جواب مقنع للسامع مع أنه حق و صدق و أما السبب القريب الفرق بينه و بين همام و نحوه لقوة نفسه القدسية على قبول الواردات الإلهية و تعوده بها و بلوغ رياضته حد السكينة عند ورود أكثرها و ضعف 385 نفس همام عما ورد عليه من خوف الله و رجائه و أيضا فإنهعليه السلامكان متصفا بهذه الصفات لم يفقدها حتى يتحسر على فقدها. قيل و لم يجبعليه السلامبمثل هذا الجواب لاستلزامه تفضيل نفسه أو لقصور فهم السائل و هذا قريب من الأول لكن الأول أظهر لأنهعليه السلامأشار إلى الفرق إجمالا بأن الآجال منوطة بالأسباب و الأسباب في المواد مختلفة فيمكن أن يؤثر في بعض المواد و لا يؤثر في بعضها. الثالث أن يكون المعنى أن قولنا هكذا تصنع المواعظ على تقدير كون هكذا إشارة إلى الموت ليس كليا بل المراد أنه قد تصنع ذلك إذا صادف قلة ظرف سامعه أو غير ذلك و ليس سببا مستقلا للموت بالنسبة إلى أهلها فإن لكل أحد أجلا منوطا بأسباب و دواعي و مصالح و الوجوه الثلاثة متقاربة. و قيل يمكن أن يكون كلام السائل مبنيا على أن هكذا إشارة إلى الإماتة و حاصل الجواب حينئذ التنبيه على بطلان هذا التوهم و أن المشار إليه التأثير الكامل كما مر. و على الثاني حاصل الجواب أني لم أكن أعلم أنه يفعل به ما فعل و الخوف يحصل بمحض الاحتمال و محض الاحتمال لا يكفي لترك بيان ما أمر الله ببيانه كما قال ابن ميثم. إن قيل كيف جاز منهعليه السلامأن يجيبه مع غلبة ظنه بهلاكه و هو كالطبيب يعطي كلا من المرضى بحسب احتمال طبيعته من الدواء قلت إنه لم يكن يغلب على ظنه إلا الصعقة عن الوجد الشديد فأما أن تلك الصعقة فيها موته فلم يكن مظنونا له انتهى. أقول و يحتمل أن يكون المراد أن هذا كان أجلا مقدرا له و لا يمكن الفرار من الأجل المقدر بترك ما أمر الله به كما قال تعالى قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ على بعض التفاسير 386 و يمكن أن يجوز لهعليه السلامذلك مع العلم بموته لعهد من الرسول ص فيشبه قصة الغلام و صاحب موسى ع. و سببا لا يجاوزه الضمير راجع إلى السبب و قال الجوهري المهل بالتحريك التؤدة و أمهله أنظره و تمهل في أمره أي اتأد و قولهم مهلا يا رجل و كذلك للاثنين و الجمع و المؤنث و هي موحدة بمعنى أمهل و قال النفث شبيه بالنفخ و هو أقل من التفل. أقول و ربما يتوهم التنافي بين ما تضمن هذا الخبر من صيحة همام عند سماع الموعظة و بين ما سيأتي في كتاب القرآن من ذم أبي جعفرعليه السلامقوما إذا ذكروا شيئا من القرآن أو حدثوا به صعق أحدهم و يمكن أن يجاب بأن عروض ذلك نادرا لا ينافي ذمهعليه السلامقوما كان دأبهم ذلك و كانوا متعمدين لفعله رئاء و سمعة كالصوفية. 387 كلمة المحقّق بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله محمّد و آله أمناء الله. و بعد: فمن سعادتي الخالدة- و الشكر لواهبها و منعمها- أن وفّقني الله العزيز لخدمة الدين القويم و الخوض في تراثه الذهبيّ القيّم تحقيقاً لآثار الوحي و الرسالة و تصحيحها و تبريزها بصورة تناسب أدنى شأنها و شأنها أن تكتب بالتبر على ألواح الزبرجد. و في مقدّمتها هذا الموسوعة الكبرى بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار الباحث عن المعارف الإسلاميّة الدائرة بين المسلمين فلله المنّ و الشكر على توفيقه لذلك. و هذا الجزء الذي نقدّمها إلى القرّاء الكرام هو الجزء الأوّل من المجلّد الخامس عشر في بيان الإسلام و الإيمان و شرائطهما و صفات المؤمنين و المتّقين من مكارم الاخلاق و محاسن الأعراق و بيان معاني الكفر و النفاق و موجباتها و علائم الكفار و المنافقين و مقابح خصالهم و مذامّ خلالهم إلى غير ذلك من المباحث النافعة الكثيرة التي ستمرّ عليكم في طيّ أجزائها. و قد اعتمدنا في تصحيح أحاديثها و تحقيقها على النسخة المصحّحة المشهورة بكمبانيّ بعد تخريج أحاديثه من المصادر و تعيين موضع النصّ منها إلّا في المصادر المخطوطة. نرجو من الله العزيز أن يوفّقنا لإتمام ذلك و يعيننا في إخراج سائر أجزائه متواليا متواترا و أن يعصمنا عن الزلل و الخطاء إنّه وليّ العصمة و التوفيق. محمد الباقر البهبودى 388 [كلمة المصحّح] بسمه تعالى إلى هنا انتهى الجزء الأول من المجلّد الخامس عشر و هو الجزء الرابع و الستّون حسب تجزئتنا يحتوي على أربعة عشر باباً و لقد بذلنا الجهد في تصحيحنا فخرج بعون الله و مشيّته نقيّا من الأغلاط إلّا نزرا زهيدا زاغ منه البصر و حسر عنه النظر الّلهمّ ما بنا من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك فوفّقنا لأقرب من هذا رشداً. السيّد إبراهيم الميانجي محمّد الباقر البهبودى 389 فهرس ما في هذا الجزء من الأبواب عناوين الأبواب/ رقم الصفحة أبواب الإيمان و الإسلام و التشيّع و معانيها و فضلها و صفاتها
بحار الأنوار ج55-73 — سليم بن قيس، مثله توضيح إنما كررنا ذكر هذه الخطبة الشريفة لئلا يفوت عن الناظر في الكتاب الفوائد التي — الإمام الصادق عليه السلام
عَزَّ وَ جَلَ فَقالُوا 335 رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ الْآيَةَ فَقَالَ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ كَانَتْ لَهُمْ قُرًى مُتَّصِلَةٌ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ وَ أَنْهَارٌ جَارِيَةٌ وَ أَمْوَالٌ ظَاهِرَةٌ فَكَفَرُوا نِعَمَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ وَ غَيَّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ مِنْ عَافِيَةِ اللَّهِ فَغَيَّرَ اللَّهُ مَا بِهِمْ مِنْ نِعْمَةٍ وَ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ فَغَرَّقَ قُرَاهُمْ وَ خَرَّبَ دِيَارَهُمْ وَ ذَهَبَ بِأَمْوَالِهِمْ وَ أَبْدَلَهُمْ مَكَانَ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ ثُمَّ قَالَ ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَ هَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ . بيان: الآيات في سورة سبإ هكذا لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ و قرأ أكثر القراء في مساكنهم قال الطبرسي (قدّس سرّه) ثم أخبر سبحانه عن قصة سبإ بما دل على حسن عاقبة الشكور و سوء عاقبة الكفور فقال لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ و هو أبو عرب اليمن كلها و قد تسمى بها القبيلة وَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ أَنَّهُ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ص عَنْ سَبَإٍ أَ رَجُلٌ هُوَ أَمِ امْرَأَةٌ فَقَالَ هُوَ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةٌ تَيَامَنَ مِنْهُمْ سِتَّةٌ وَ تَشَاءَمَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ فَأَمَّا الَّذِينَ تَيَامَنُوا فَالْأَزْدُ وَ كِنْدَةُ وَ مَذْحِجٌ وَ الْأَشْعَرُونَ وَ الْأَنْمَارُ وَ حِمْيَرٌ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ مَا أَنْمَارٌ قَالَ الَّذِينَ مِنْهُمْ خَثْعَمٌ وَ بَجِيلَةُ وَ أَمَّا الَّذِينَ تَشَاءَمُوا فَعَامِلَةُ وَ جُذَامُ وَ لَحْمٌ وَ غَسَّانُ. فالمراد بسبإ هاهنا القبيلة الذين هم أولاد سبإ بن يشحب بن يعرب بن قحطان. فِي مَسْكَنِهِمْ أي في بلدهم آيَةٌ أي حجة على وحدانية الله سبحانه و كمال قدرته و علامة على سبوغ نعمه ثم فسر سبحانه الآية فقال جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَ شِمالٍ أي بستانان عن يمين من آتاهما و شماله و قيل عن يمين البلد و شماله و قيل إنه لم يرد جنتين اثنتين و المراد كانت ديارهم على وتيرة واحدة إذ كانت البساتين عن يمينهم و شمالهم 336 متصلة بعضها ببعض و كان من كثرة النعم أن المرء كانت تمشي و المكتل على رأسها فيمتلئ بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا: و قيل الآية المذكورة هي أنه لم تكن في قريتهم بعوضة و لا ذباب و لا برغوث و لا عقرب و لا حية و كان الغريب إذا دخل بلدهم و في ثيابه قمل و دواب ماتت عن ابن زيد و قيل إن المراد بالآية خروج الأزهار و الثمار من الأشجار على اختلاف ألوانها و طعومها. و قيل إنما كانت ثلاث عشرة قرية في كل قرية نبي يدعوهم إلى الله سبحانه يقولون لهم كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَ اشْكُرُوا لَهُ أي كلوا مما رزقكم الله في هذه الجنان و اشكروا له يزدكم من نعمة و استغفروه يغفر لكم. بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ أي هذه بلدة مخصبة نزهة أرضها عذبة تخرج النبات و ليست بسبخة و ليس فيها شيء من الهوام المؤذية و قيل أراد به صحة هوائها و عذوبة مائها و سلامة تربتها و أنه ليس فيها حر يؤذي في القيظ و لا برد يؤذي في الشتاء. وَ رَبٌّ غَفُورٌ أي كثير المغفرة للذنوب فَأَعْرَضُوا عن الحق و لم يشكروا الله سبحانه و لم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ و ذلك أن الماء كان يأتي أرض سبإ من أودية اليمن و كان هناك جبلان يجتمع ماء المطر و السيول بينهما فسدوا ما بين الجبلين فإذا احتاجوا إلى الماء نقبوا السد بقدر الحاجة فكانوا يسقون زرعهم و بساتينهم فلما كذبوا رسلهم و تركوا أمر الله بعث الله جرذا نقبت ذلك الردم و فاض الماء عليهم فأغرقهم . العرم المسناة التي تحبس الماء واحدها عرمة أخذ من عرامة الماء و هو ذهابه كل مذهب و قيل العرم اسم واد كان يجتمع فيه سيول من أودية شتى و قيل العرم هنا اسم الجرذ الذي نقب السكر عليهم و هو الذي يقال له الخلد 337 و قيل العرم المطر الشديد . و قال ابن الأعرابي العرم السيل الذي لا يطاق وَ بَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ اللتين فيهما أنواع الفواكه و الخيرات جَنَّتَيْنِ أخراوين سماهما جنتين لإزدواج الكلام كما قال تعالى وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللَّهُ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَ أَثْلٍ أي صاحبي أكل و هو اسم لثمر كل شجرة و ثمر الخمط هو الأراك و قيل هو شجر الغضا و قيل هو شجر له شوك و الأثل الطرفا عن ابن عباس و قيل ضرب من الخشب و قيل هو السمر وَ شَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ يعني أن الخمط و الأثل كانا أكثر فيهما من السدر و هو النبق قال قتادة كان شجرهم خير شجر فصيره الله شر شجرة بسوء أعمالهم. ذلِكَ أي ما فعلنا بهم جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا أي بكفرهم وَ هَلْ نُجازِي بهذا الجزاء إِلَّا الْكَفُورَ الذي يكفر نعم الله و قيل معناه هل نجازي بجميع سيئاته إلا الكافر لأن المؤمن قد كان يكفر عنه بعض سيئاته و قيل إن المجازاة من التجازي و هو التقاضي أي لا يقتضي و لا يرتجع ما أعطي إلا الكافر فإنهم لما كفروا النعمة اقتضوا ما أعطوا أي ارتجع منهم عن أبي مسلم. وَ جَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَ بَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً أي و قد 338 كان من قصتهم أنا جعلنا بينهم و بين قرى الشام التي باركنا فيها بالماء و الشجر قرى متواصلة و كان متجرهم من أرض اليمن إلى الشام و كانوا يبيتون بقرية و يقيلون بأخرى حتى يرجعوا و كانوا لا يحتاجون إلى زاد من وادي سبإ إلى الشام و معنى الظاهرة أن الثانية كانت ترى من الأولى لقربها منها وَ قَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ أي جعلنا السير من القرية إلى القرية نصف يوم و قلنا لهم سِيرُوا فِيها أي في تلك القرى لَيالِيَ وَ أَيَّاماً أي ليلا شئتم المصير أو نهارا آمِنِينَ من الجوع و العطش و التعب و من السباع و كل المخاوف و في هذا إشارة إلى تكامل نعمه عليهم في السفر كما أنه كذلك في الحضر. ثم أخبر سبحانه أنهم بطروا و بغوا فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا أي اجعل بيننا و بين الشام فلوات و مفاوز لنركب إليها الرواحل و نقطع المنازل و هذا كما قالت بنو إسرائيل لما ملوا النعمة اخرج لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَ قِثَّائِها بدل من المن و السلوى وَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بارتكاب الكفر و المعاصي فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ لمن بعدهم يتحدثون أمرهم و شأنهم و يضربون بهم المثل فيقولون تفرقوا أيادي سبإ إذا تشتتوا أعظم التشتت وَ مَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ أي فرقناهم في كل وجه من البلاد كل تفريق إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ على الشدائد شكور على النعماء و قيل لكل صبار عن المعاصي شكور للنعم بالطاعات. ثم نقل عن الكلبي عن أبي صالح قال ألقت طريفة الكاهنة إلى عمرو بن عامر الذي يقال له مزيقيا بن ماء السماء و كانت قد رأت في كهانتها أن سد مأرب سيخرب و أنه سيأتي سيل العرم فيخرب الجنتين فباع عمرو بن عامر أمواله و سار هو و قومه حتى انتهوا إلى مكة فأقاموا بها و ما حولها فأصابتهم الحمى و كانوا ببلد لا يدرون فيه ما الحمى فدعوا طريفة و شكوا إليها الذي أصابهم فقالت 339 لهم قد أصابني الذي تشتكون و هو مفرق بيننا. قالوا فما ذا تأمرين قالت من كان منكم ذا هم بعيد و جمل شديد و مزاد جديد فليلحق بقصر عمان المشيد فكانت أزد عمان ثم قالت من كان منكم ذا جلد و قسر و صبر على ما أزمات الدهر فعليه بالأراك من بطن مر فكانت خزاعة ثم قالت من كان منكم يريد الراسيات في الوحل المطعمات في المحل فليلحق بيثرب ذات النخل فكانت الأوس و الخزرج ثم قالت من كان منكم يريد الخمر و الخمير و الملك و التأمير و ملابس التاج و الحرير فليلحق ببصرى و غوير و هما من أرض الشام فكان الذين سكنوها آل جفنة بن غسان ثم قالت من كان منكم يريد الثياب الرقاق و الخيل العتاق و كنوز الأرزاق و الدم المهراق فليلحق بأرض العراق فكان الذين يسكنونها آل جزيمة الأبرش و من كان بالحيرة و آل محرق .
بحار الأنوار ج55-73 — 137 الذنوب و آثارها و النهي عن استصغارها — الإمام الصادق عليه السلام
قُلْتُ لَهُ مَا حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ- قَالَ لَهُ سَبْعُ حُقُوقٍ وَاجِبَاتٍ- مَا مِنْهُنَّ حَقٌّ إِلَّا وَ هُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ- إِنْ ضَيَّعَ مِنْهَا شَيْئاً خَرَجَ مِنْ وَلَايَةِ اللَّهِ وَ طَاعَتِهِ- وَ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ مِنْ نَصِيبٍ- قُلْتُ لَهُ جُعِلْتُ فِدَاكَ وَ مَا هِيَ- قَالَ يَا مُعَلَّى إِنِّي عَلَيْكَ شَفِيقٌ- أَخَافُ أَنْ تُضَيِّعَ وَ لَا تَحْفَظَ وَ تَعْلَمَ وَ لَا تَعْمَلَ- قَالَ قُلْتُ لَهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ- قَالَ أَيْسَرُ حَقٍّ مِنْهَا أَنْ تُحِبَّ لَهُ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ- وَ تَكْرَهَ لَهُ مَا تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ- وَ الْحَقُّ الثَّانِي أَنْ تَجْتَنِبَ سَخَطَهُ وَ تَتَّبِعَ مَرْضَاتَهُ- وَ تُطِيعَ أَمْرَهُ- وَ الْحَقُّ الثَّالِثُ أَنْ تُعِينَهُ بِنَفْسِكَ- وَ مَالِكَ وَ لِسَانِكَ وَ يَدِكَ وَ رِجْلِكَ- وَ الْحَقُّ الرَّابِعُ أَنْ تَكُونَ عَيْنَهُ وَ دَلِيلَهُ وَ مِرْآتَهُ وَ الْحَقُّ الْخَامِسُ لَا تَشْبَعُ وَ يَجُوعُ- وَ لَا تَرْوَى وَ يَظْمَأُ وَ لَا تَلْبَسُ وَ يَعْرَى- وَ الْحَقُّ السَّادِسُ أَنْ يَكُونَ لَكَ خَادِمٌ وَ لَيْسَ لِأَخِيكَ خَادِمٌ- فَوَاجِبٌ أَنْ تَبْعَثَ خَادِمَكَ فَيَغْسِلَ ثِيَابَهُ- وَ يَصْنَعَ طَعَامَهُ وَ يَمْهَدَ فِرَاشَهُ- وَ الْحَقُّ السَّابِعُ أَنْ تُبِرَّ قَسَمَهُ وَ تُجِيبَ دَعْوَتَهُ- وَ تَعُودَ مَرِيضَهُ وَ تَشْهَدَ جَنَازَتَهُ- وَ إِذَا عَلِمْتَ أَنَّ لَهُ حَاجَةً تُبَادِرُهُ إِلَى قَضَائِهَا- وَ لَا تُلْجِئُهُ أَنْ يَسْأَلَكَهَا وَ لَكِنْ تُبَادِرُهُ مُبَادَرَةً- فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ وَصَلْتَ وَلَايَتَكَ بِوَلَايَتِهِ وَ وَلَايَتَهُ بِوَلَايَتِكَ . تبيان واجبات بالجر صفة للحقوق و قيل أو بالرفع خبرا للسبع و يمكن حمل الوجوب على الأعم من المعنى المصطلح و الاستحباب المؤكد إذ لا أظن أحدا قال بوجوب أكثر ما ذكر مع تضمنه للحرج العظيم من ولاية الله أي محبته سبحانه أو نصرته و الإضافة إما إلى الفاعل أو إلى المفعول و في النهاية الولاية بالفتح في النسب و النصرة و المعتق و الولاية بالكسر في الإمارة و الولاء في المعتق 239 و الموالاة من والى القوم و في القاموس الولي القرب و الدنو و الولي الاسم منه و المحب و الصديق و النصير و ولي الشيء و عليه ولاية و ولاية أو هي المصدر و بالكسر الخطة و الإمارة و السلطان و تولاه اتخذه وليا و الأمر تقلده و إنه لبين الولاءة و الولية و التولي و الولاء و الولاية و تكسر و القوم على ولاية واحدة و تكسر أي يد انتهى . قوله و لم يكن لله فيه من نصيب أي لا يصل شيء من أعماله إلى الله و لا يقبلها أو ليس هو من السعداء الذين هم حزب الله بل هو من الأشقياء الذين هم حزب الشيطان، و حمل جميع ذلك على المبالغة و أنه ليس من خلص أولياء الله. ثم الظاهر أن هذه الحقوق بالنسبة إلى المؤمنين الكاملين أو الأخ الذي واخاه في الله و إلا فرعاية جميع ذلك بالنسبة إلى جميع الشيعة حرج عظيم بل ممتنع إلا أن يقال إن ذلك مقيد بالإمكان بل السهولة بحيث لا يضر بحاله و بالجملة هذا أمر عظيم يشكل الإتيان به و الإطاعة فيه إلا بتأييده سبحانه قوله إني عليك شفيق أي خائف أن لا تعمل أو متعطف محب من أشفقت على الصغير أي حنوت و عطفت و لذا لا أذكرها لك لأني أخاف أن تضيع و لا تعتني بشأنه و لا تحفظه و تنساه أو لا ترويه أو لا تعمل به فالفقرة الآتية مؤكدة و على التقادير يدل على أن الجاهل معذور و لا ريب فيه إن لم يكن له طريق إلى العلم. لكن يشكل توجيه عدم ذكرهعليه السلامذلك و إبطائه فيه للخوف من عدم عمله به و تجويز مثل ذلك مشكل و إن ورد مثل ذلك في بيان وجوب الغسل على النساء في احتلامهن حيث ورد النهي عن تعليمهن هذا الحكم لئلا يتخذنه علة مع أن ظاهر أكثر الآيات و الأخبار وجوب التعليم و الهداية و إرشاد الضال لا سيما بالنسبة إليهمعليه السلاممع عدم خوف و تقية كما هو ظاهر هذا المقام و قد قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ 240 يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ و أمثالها كثيرة و يمكن الجواب عنه بوجهين الأول أن الظاهر أن غرضهعليه السلاممن هذا الامتناع لم يكن ترك ذكره و الإعراض عنه بل كان الغرض تشويق المخاطب إلى استماعه و تفخيم الأمر عليه و أنه أمر شديد أخاف أن لا تعمل به فتستحق العقاب و لم يصرحعليه السلامبأني لا أذكره لك لذلك و لا أنك مع عدم العلم معذور بل إنما أكد الأمر الذي أراد إلقاءه عليه بتأكيدات لتكون أدعى له على العمل به كما إذا أراد الأمير أن يأمر بعض عبيده و خدمه بأمر صعب فيقول قبل أن يأمره به- أريد أن أوليك أمرا صعبا عظيما و أخاف أن لا تعمل به لصعوبته و ليس غرضه الامتناع عن الذكر بل التأكيد في الفعل. و الثاني أن يكون هذا مؤيدا لاستحباب هذه الأمور و وجوب بيان المستحبات لجميع الناس لا سيما لمن يخاف عليه عدم العمل به غير معلوم خصوصا إذا ذكرهعليه السلاملبعض الناس بحيث يكفي لشيوع الحكم و روايته و عدم صيرورته متروكا بين الناس بل يمكن أن يكون عدم ذكره إذا خيف استهانته بالحكم و استخفافه به أفضل و أصلح بالنسبة إلى السامع إذ ترك المستحب مع عدم العلم به أولى بالنسبة إليه من استماعه و عدم الاعتناء بشأنه و كلا الوجهين اللذين خطرا بالبال حسن و لعل الأول أظهر و أحسن و أمتن. و قوله لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إظهار للعجز عن الإتيان بطاعة الله كما يستحقه و طلب للتوفيق منه تعالى ضمنا أن تجتنب سخطه أي في غير ما يسخط الله و تتبع مرضاته مصدر- أي رضاه فيما لم يكن موجبا لسخط الله و كذا إطاعة الأمر مقيد بذلك و كان عدم التقييد في تلك الفقرات يؤيد كون المراد بالأخ الصالح الذي يؤمن من ارتكاب غير ما يرضى الله غالبا. بنفسك بأن تسعى في حوائجه بنفسك و بمالك بالمواساة و الإيثار و الإنفاق و قضاء الدين و نحو ذلك قبل السؤال و بعده و الأول أفضل و لسانك بأن تعينه 241 بالشفاعة عند الناس و عند الله و الدعاء و دفع الغيبة عنه و ذكر محاسنه في المجالس و إرشاده إلى مصالحه الدينية و الدنيوية و هدايته و تعليمه و يدك و رجلك باستعمالهما في جلب كل خير و دفع كل شر يتوقفان عليهما. و جمل و يجوع و يظمأ و يعرى حالية و في المصباح خدمه يخدمه خدمة فهو خادم غلاما كان أو جارية و الخادمة بالهاء في المؤنث قليل و في القاموس مهده كمنعه بسطه كمهده و أن يبر قسمه من باب الإفعال و بر اليمين من باب علم و ضرب صدق و إبرار المقسم العمل بما ناشده عليه أو تصديقه فيما أقسم عليه كما في الحديث لو أقسم على الله لأبره فقيل أي لو أقسم على وقوع أمر أوقعه الله إكراما له و قيل لو دعا الله على البت لأجابه و في النهاية بر قسمه و أبره أي صدقه و منه الحديث أمرنا بسبع منها إبرار المقسم و قال الجوهري بررت والدي بالكسر أبره برا و فلان يبر خالقه أي يطيعه و بر فلان في يمينه صدق و في القاموس البر الصلة و ضد العقوق بررته أبره كعلمته و ضربته و الصدق في اليمين و قد بررت و بررت و برت اليمين تبر و تبر كيمل و يحل برا و برا و برورا و أبرها أمضاها على الصدق انتهى و المشهور بين الأصحاب استحباب العمل بما أقسمه عليه غيره إذا كان مباحا استحبابا مؤكدا و لا كفارة بالمخالفة على أحدهما - وَ فِي مُرْسَلَةِ ابْنِ سِنَانٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِعليه السلامقَالَ: إِذَا أَقْسَمَ الرَّجُلُ عَلَى أَخِيهِ فَلَمْ يُبِرَّ قَسَمَهُ- فَعَلَى الْمُقْسِمِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. و هو لبعض العامة و حملها الشيخ على الاستحباب و قيل المراد بإبرار القسم أن يعمل بما وعد الأخ لغيره من قبله بأن يقضي حاجته فيفي بذلك و لا يخفى ما فيه. قوله وصلت ولايتك بولايته أي محبته لك بمحبتك له و بالعكس أي صارت المحبة ثابتة مستقرة بينك و بينه و صرت سببا لذلك أو عملت بمقتضى ولايتك له و ولايته لك عملا بقوله تعالى الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ كما يقال وصل الرحم و قطعها و يحتمل أن يكون المراد بولايتهما موالاتهما للأئمة 242 أي أحكمت الأخوة الحاصلة بينكما من جهة الولاية و في الخصال وصلت ولايتك بولايته و ولايته بولاية الله عز و جل.
بحار الأنوار ج55-73 — 15 حقوق الإخوان و استحباب تذاكرهم و ما يناسب ذلك من المطالب — الإمام الصادق عليه السلام
بحار الأنوار ج93-111 — 5 أن زيارته — الإمام الباقر عليه السلام
369 ثلاثين صحيفة، و على إبراهيم الخليل (عليه السلام) عشرين صحيفة، و التوراة، و الإنجيل، و الزبور، و الفرقان، فقلت: صدقت يا سيّدي، قال الإمام
(عليه السلام): يا سلمان، إنّ الشاكّ في امورنا و علومنا كالمستهزئ في معرفتنا و حقوقنا و قد فرض اللّه ولايتنا في كتابه في غير موضع، و بيّن ما أوجب العمل به و هو مكشوف 222 الباب السابع عشر انه إذا قيل في الرجل شيء فلم يكن فيه و كان في ولده أو ولد ولده فانه هو الذي قيل فيه، و فيه: 5- أحاديث 223 التوقف على موسى بن جعفر (عليهما السلام) 223 في أنّ للّه تعالى المشيّة في خلقه يحدث ما يشاء و يفعل ما يريد 224 عن الحسن بن محمّد قال: قلت للرضا عليه آلاف التحية و الثناء: أ يأتي الرسل عن اللّه بشيء ثمّ تأتي بخلافه؟ قال: نعم، و الدليل عن القرآن 225 بيان الحديث 226
بحار الأنوار ج93-111 — حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكّة و نزول جبرئيل 94 — الإمام الكاظم عليه السلام
382 أبواب ولايتهم و حبهم و بغضهم (صلوات الله عليهم) الباب الأوّل وجوب موالاة أوليائهم و معاداة أعدائهم، و فيه: 22- حديثا 51 في أنّ حبّ أولياء اللّه، و الولاية لهم، و البراءة من أعدائهم، و من الّذين ظلموا آل محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) و البراءة من جميع قتلة أهل البيت (عليهم السلام) واجبة 52 عن أبي محمّد العسكريّ عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه
(صلى الله عليه و آله و سلم) لبعض أصحابه ذات يوم: يا عبد اللّه أحبّ في اللّه و أبغض في اللّه و وال في اللّه و عاد في اللّه فانّه لا تنال ولاية اللّه إلّا بذلك، و لا يجد رجل طعم الايمان و إن كثرت صلاته و صيامه حتّى يكون كذلك، و قد صارت مواخاة الناس يومكم هذا أكثرها في الدنيا عليها يتوادّون و عليها يتباغضون، و ذلك لا يغني عنهم من اللّه شيئا فقال له: و كيف لي أن أعلم أنّي قد واليت و عاديت في اللّه عزّ و جلّ؟ و من وليّ اللّه عزّ و جلّ حتّى اواليه؟ و من عدوّه حتّى اعاديه؟ فأشار له
بحار الأنوار ج93-111 — حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكّة و نزول جبرئيل 94 — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
بصائر الدرجات — في الأئمة — الإمام الباقر عليه السلام
وأخيراً نظرة إجمالية كليّة حول جزاء المؤمنين وعقاب الكافرين. وأخيراً تنهي السورة آياتها باسم الله العظيم. فضيلة تلاوة هذه السورة: حول فضيلة تلاوة هذه السورة ذكرت روايات كثيرة في المصادر الإسلامية نقرأ منها حديثاً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث قال: «من قرأ سورة الواقعة لم يكتب من الغافلين» وذلك لأنّ آيات هذه السورة تتّصف بالتحريك والإيقاظ بصورة لا تسمح للإنسان أن يبقى في جوّ الغفلة. وحول هذا المعنى نقرأ حديثاً آخر لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يقول: «شيّبتني هود والواقعة والمرسلات وعمّ يتساءلون» وذلك لأنّ الأخبار التي وردت في هذه السورة أخبار مثيرة عن القيامة والحشر والحوادث المرعبة وعقاب المشركين، وذكر حالة الأقوام السابقة وما حلّ بهم من البلاء. ونقرأ أيضاً في حديث للإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال
«من قرأ في كلّ ليلة جمعة الصفحة 443 الواقعة أحبّه الله وحبّبه إلى الناس أجمعين، ولم يرَ في الدنيا بؤساً أبداً ولا فقراً ولا فاقة، ولا آفة من آفات الدنيا، وكان في رفقاء أمير المؤمنين». وجاء في حديث آخر أنّ عثمان بن عفّان عاد عبدالله بن مسعود في مرضه الذي توفّي فيه فقال له: ماذا تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: فيم ترغب؟ قال: في رحمة ربّي، قال: ألا ألتمس لك طبيباً؟ قال: أمرضني الطبيب؟ قال: ألا آمر لك بعطيّة؟ قال: لم تأمر لي بها إذ كنت أحوج إليها، وتأمر لي الآن وأنا مستغن عنها، قال: فلتكن هي لبناتك، قال: لا حاجة لهنّ بها فإنّي قد أمرتهنّ بقراءة سورة الواقعة، وإنّي سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فاقة يقول: «من قرأ سورة الواقعة كلّ ليلة لم تصبه أبداً». ولهذا السبب سمّيت سورة الواقعة حسب ما ورد في رواية اُخرى بسورة الغنى. ومن الواضح أنّنا لا نستطيع الحصول على جميع البركات التي وردت لهذه السورة بالقراءة السطحية، بل ينبغي بعد تلاوتها التفكّر والتدبّر، ومن ثمّ الحركة والعمل. * * * الصفحة 444 الآيات إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ خَافِضَةٌ رَّافِعَةٌ إِذَا رُجَّتِ الاَْرْضُ رَجّاً وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً فَكَانَتْ هَبَآءً مُّنبَثّاً وَكُنتُمْ أَزْوَجاً ثَلَـثَةً فَأَصْحَـبُ الْمَيْمَنَةِ مَآ أَصْحَـبُ الْمَيْمَنَةِ وَأَصْحَـبُ الْمَشْئَمَةِ مَآ أَصْحَـبُ الْمَشْئَمَةِ وَالسَّـبِقُونَ السَّـبِقُونَ أُوْلَـئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِى جَنَّـتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِّنَ الاَْوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِّنَ الاَْخِرِينَ التّفسير الواقعة العظيمة: إنّ الأحداث المرتبطة بالقيامة تذكر غالباً في القرآن الكريم مقترنة بحوادث أساسيّة عظيمة قاصمة ومدمّرة، وهذا ما يلاحظ في الكثير من السور القرآنية التي الصفحة 445 تتحدّث عن القيامة. وفي سورة الواقعة حيث يدور البحث حول محور المعاد، نجد هذا واضحاً في الآيات الاُولى منها، حيث يبدأ سبحانه بقوله: (إذا وقعت الواقعة). (ليس لوقعتها كاذبة) وذلك لأنّ الحوادث التي تسبقها عظيمة وشديدة بحيث تكون آثارها واضحة في كلّ ذرّات الوجود. «الواقعة» تشير إشارة مختصرة إلى مسألة الحشر، ولأنّ وقوعها حتمي فقد عبّر عنها بـ (الواقعة) واعتبر البعض أنّها إحدى أسماء القيامة. كلمة (كاذبة) هنا أخذت بمعناها المصدري، وهي إشارة إلى أنّ وقوع القيامة ظاهر وواضح إلى حدّ لا يوجد أي مجال لتكذيبه أو بحثه والنقاش فيه. كما أنّ البعض فسّرها بمعناها الظاهري الذي هو اسم الفاعل، حيث قالوا بعدم وجود من يكذّب هذا الأمر. وعلى كلّ حال فإنّ الحشر لا يقترن بتغيير الكائنات فحسب، بل إنّ البشر يتغيّر كذلك كما يقول سبحانه في الآية اللاحقة (خافضة رافعة). أجل، انّها تذلّ المستكبرين المتطاولين، وتعزّ المحرومين المؤمنين وترفع المستضعفين الصادقين بعض يسقط إلى قاع جهنّم، وبعض آخر إلى أعلى عليين في الجنّة. وهذه هي خاصية المبادىء الإلهيّة العظيمة. ولذلك نقرأ في رواية الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) في تفسير هذه الآية أنّه قال: «خافضة خفضت والله أعداء الله في النار، رافعة رفعت والله أولياء الله إلى الصفحة 446 الجنّة». ثمّ يستعرض القرآن الكريم وصفاً أوسع في هذا الجانب حيث يقول: (إذا رجّت الأرض رجّاً). يا له من زلزال عظيم وشديد إلى حدّ أنّ الجبال فيه تندكّ وتتلاشى، قال تعالى: (وبسّت الجبال بسّاً فكانت هباءً منبثّاً). (رُجّت) من مادّة (رجّ) على وزن (حجّ) بمعنى التحرّك الشديد للشيء وتقال رجرجة للإضطراب. «بُسّت» من مادّة (بسّ) على وزن (حجّ). والأصل بمعنى تليّين الطحين وتعجنه بواسطة الماء. «هباءً» بمعنى غبار، و «منبث» بمعنى منتشر. قال البعض: إنّ «هباءً» هو ذرّات الغبار الصغيرة المعلّقة بالفضاء ولا ترى في الحالة الإعتيادية، إلاّ إذا دخل نور الشمس من نافذة إلى مكان مظلم. والآن يجب التفكير بهذه الزلزلة والإنفجار، كم هو عظيم بحيث تتلاشى الجبال مع ما لها من القوّة والصلابة بحيث تتحوّل إلى غبار منتشر، والأعظم هو شدّة الصوت الذي ينتج من هذا الإنفجار الرهيب. وعلى كلّ حال فقد نلاحظ في الآيات القرآنية تعبيرات مختلفة حول وضع الجبال قبل يوم القيامة، وتكشف لنا المراحل المتعدّدة للإنفجار العظيم الذي يطرأ على الجبال، حيث يقول عزّوجلّ في هذا الصدد: (وتسير الجبال سيراً) الطور / 10. (وإذا الجبال نسفت) المرسلات / 10. (فدكّتا دكّة واحدة) الحاقّة / 14. الصفحة 447 (وكانت الجبال كثيباً مهيلا) المزمل / 14 أي كالرمل المتراكم. (فكانت هباءً منثوراً) الواقعة / 6 الآية محلّ البحث. وأخيراً (وتكون الجبال كالعهن المنفوش) القارعة / 2 أي كالصوف المنفوش حيث لا يرى منها إلاّ لونها. ومن الواضح أن لا أحد يعلم إلاّ الله بحقيقة حصول هذه التغيّرات التي لا تحملها الألفاظ، ولا تجسّدها العبارات، اللهمّ إلاّ إشارات معبّرة تحكي عظمة وهول هذا الإنفجار العظيم. وبعد بيان وقوع هذه الظاهرة العظيمة والحشر الكبير يستعرض القرآن المجيد ذكر حالة الناس في ذلك اليوم، حيث قسّم الناس إلى ثلاثة أقسام بقول سبحانه: (وكنتم أزواجاً ثلاثة). لفظ (الزوج) لا يقال دائماً لجنس المؤنث والمذكّر، بل تطلق هذه اللفظة على الاُمور المتقارنة مع بعض، ولكون أصناف الناس في القيامة والحشر والنشر تكون متقارنة مع بعضها، لذا يطلق عليها لفظ أزواج. وحول القسم الأوّل يحدّثنا القرآن الكريم بقوله: (فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة). المقصود من أصحاب الميمنة هم الأشخاص الذين يعطون صحيفة أعمالهم بأيديهم اليمنى، وهذا الأمر رمز لأهل النجاة، ودليل الأمان للمؤمنين والصالحين في يوم القيامة، كما ذكر هذا مراراً في الآيات القرآنية. أو أنّ كلمة (ميمنة) من مادّة (يمن) التي أخذت من معنى السعادة، وعلى هذا التّفسير فإنّ القسم الأوّل هم طائفة السعداء وأهل الحبور والسرور. الصفحة 448 وبالنظر إلى أنّ الآية اللاحقة تعرّف المجموعة الثانية بـ (أصحاب المشئمة)والتي هي مأخوذة من مادّة (شؤم) فإنّ التّفسير الأخير هو الأنسب. عبارة «ما أصحاب الميمنة» هو بيان حقيقة السعادة التي ليس لها حدّ ولا يمكن تصوّرها لهؤلاء المؤمنين، وهذه قمّة الروعة في الوصف لمثل هذه الحالات، ويمكن تشبيه ذلك بقولنا: فلان إنسان يا له من إنسان! ثمّ يستعرض الله تعالى المجموعة الثانية بقوله: (وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة) حيث الشؤم والتعاسة، وإستلام صحائف أعمالهم بأيديهم اليسرى التي هي رمز سوء عاقبتهم وعظيم جرمهم وجنايتهم، نتيجة عمى البصيرة والسقوط في وحل الضلال. والتعبير بـ «ما أصحاب المشئمة» هو الآخر يعكس نهاية سوء حظّهم وشقاوتهم. وأخيراً يصف المجموعة الثالثة أيضاً بقوله سبحانه: (والسابقون السابقوناُولئك المقرّبون). (السابقون) ليسوا الذين سبقوا غيرهم بالإيمان فحسب، بل في أعمال الخير والأخلاق والإخلاص، فهم اُسوة وقدوة وقادة للناس، ولهذا السبب فهم من المقرّبين إلى الحضرة الإلهيّة. وبناءً على هذا، فما نرى من تفسير أسبقية السابقين بالسبق في طاعة الله، أو الصفحة 449 أداء الصلوات الخمس، أو الجهاد والهجرة والتوبة فإنّ كلّ واحد من هذه التفاسير تمثّل جانباً من هذا المفهوم الواسع، وإلاّ فإنّ هذه الكلمة (السابقون) تشمل جميع هذه الأعمال، والطاعات وغيرها. وإذا فسّرت (السابقون) كما في بعض الرّوايات الإسلامية بأنّها تعني الأشخاص الأربعة وهم «هابيل»، و «مؤمن آل فرعون»، و «حبيب النجّار» الذين تميّز كلّ منهم بأسبقيته في قومه، وكذلك «أمير المؤمنين» (عليه السلام) الذي هو أوّل من دخل في الإسلام من الرجال، فإنّ هذا التّفسير في الحقيقة هو بيان للمصاديق الواضحة، وليس تحديداً لمفهوم الآية. وجاء في حديث آخر أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: «أتدرون من السابقون إلى ظلّ الله في يوم القيامة؟ فقال أصحابه: الله ورسوله أعلم، قال (صلى الله عليه وآله وسلم): (الذين إذا أعطوا الحقّ قبلوه، وإذا سألوه بذلوه، وحكموا للناس كحكمهم لأنفسهم». وجاء في بعض الرّوايات أيضاً أنّ المقصود بـ (السابقون) هم الأنبياء المرسلون وغير المرسلين. «ونقرأ في حديث لابن عبّاس أنّه قال: «سألت رسول الله حول هذه الآية فقال: «هكذا أخبرني جبرائيل، ذلك علي وشيعته هم السابقون إلى الجنّة، المقرّبون من الله لكرامته لهم». وكما تقدّم إنّه بيان للمصاديق الواضحة من المفهوم الذي ذكر أعلاه، الذي يشمل جميع (السابقين) في كلّ الاُمم والشعوب. ثمّ يوضّح ـ في جملة قصيرة ـ المقام العالي للمقرّبين حيث يقول سبحانه: الصفحة 450 (في جنّات النعيم). التعبير بـ (جنّات النعيم) يشمل أنواع النعم المادية والمعنوية، ويمكن إعتبار هذا التعبير إشارة إلى أنّ بساتين الجنّة هي وحدها مركز النعمة والراحة في مقابل بساتين الدنيا التي تحتاج إلى الجهد والتعب، كما أنّ حالة المقربين في الدنيا تختلف عن حالة المقرّبين في الآخرة، حيث أنّ مقامهم العالي في الدنيا كان توأماً مع المسؤوليات والطاعات في حين أنّ مقامهم في الآخرة سبب للنعمة فقط. ومن البديهي أنّ المقصود من «القرب» ليس «القرب المكاني» لأنّ الله ليس له مكان، وهو أقرب إلينا من أنفسنا، والمقصود هنا هو «القرب المقامي». ويشير في الآية اللاحقة إلى الحالة العددية في الاُمم السابقة وفي هذه الاُمّة أيضاً حيث يقول سبحانه: (ثلّة من الأوّلين) أي أنّهم جماعة كثيرة في الاُمم السالفة والأقوام الاُولى. (وقليل من الآخرين). (ثلّة) كما يقول الراغب في المفردات تعني في الأصل قطعة مجتمعة من الصوف، ثمّ تحوّلت إلى معنى مجموعة من الأشخاص. وأخذها البعض أيضاً من (ثلّ عرشه) بمعنى سقط وإنهار، يقال (سقط عرشه وإنقلعت حكومته) وإعتبرها البعض (قطعة)، وذلك بقرينة المقابلة بـ (قليل من الآخرين) يكون المعنى القطعة العظيمة. وطبقاً لهاتين الآيتين فإنّ قسماً كبيراً من المقرّبين هم من الاُمم السابقة، وقسم قليل منهم فقط هم من اُمّة محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). ويثار سؤال هنا وهو: كيف يتناسب العدد القليل من مقرّبي اُمّة محمّد مع الأهميّة البالغة لهذه الاُمّة التي وصفها القرآن الكريم بأنّها من أفضل الاُمم؟ قال الصفحة 451 تعالى: (كنتم خير اُمّة اُخرجت للناس ..). وللجواب على هذا السؤال يجدر الإلتفات إلى نقطتين: الاُولى: إنّ المقصود من المقرّبين هم السابقون في الإيمان، ومن المسلّم أنّ السابقين لقبول الإسلام في الصدر الأوّل منه كانوا قلّة، أوّلهم من الرجال الإمام علي (عليه السلام)، ومن النساء خديجة رضي الله عنه، في الوقت الذي نعلم أنّ كثرة الأنبياء السابقين وتعدّد اُممهم، ووجود السابقين في كلّ اُمّة يؤدّي إلى زيادتهم من الناحية العددية. والنقطة الثانية: أنّ الكثرة العددية ليست دليلا على الكثرة النوعية; حيث يمكن أن يكون عدد السابقين في هذه الاُمّة قليلا، إلاّ أنّ مقامهم أفضل كثيراً، كما هو المعروف بين الأنبياء أنفسهم، إذ يختلفون بإختلاف درجاتهم: (تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض). وممّا يلزم ذكره أنّ قسماً من المؤمنين لم يندرجوا في زمرة السابقين في الإيمان، مع توفّر الصفات والخصوصيات فيهم والتي تجعلهم بنفس درجة السابقين من حيث الأجر والجزاء، لذلك فقد نقل في بعض الرّوايات عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنّه قال: «نحن السابقون السابقون ونحن الآخرون». وجاء في رواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه خاطب مجموعة من أصحابه فقال لهم: «أنتم السابقون الأوّلون والسابقون الآخرون، والسابقون في الدنيا إلى ولايتنا، وفي الآخرة إلى الجنّة». ومن الجدير بالملاحظة أنّ بعض المفسّرين فسّر «الأوّلين والآخرين» بـ الصفحة 452 (الأوّلين في الاُمّة الإسلامية والآخرين فيها) وإنسجاماً مع هذا الرأي فإنّ جميع المقرّبين هم من الاُمّة الإسلامية. إلاّ أنّ هذا التّفسير لا يتناسب مع ظاهر الآيات والرّوايات التي وردت في ذيل هذه الآيات، حيث أنّها عرّفت أشخاصاً من الاُمم السابقة بالخصوص بعنوان أنّهم من السابقين الأوّلين. * * * الصفحة 453 الآيات عَلَى سُرُر مَّوْضُونَة مُّتَكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَـبِلِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَنٌ مُّخَلَّدُونَ بِأَكْوَاب وَأَبَارِيقَ وَكَأْس مِّن مَّعِين لاَّ يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلاَ يُنزِفُونَ وَفَـكِهَة مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ وَلَحْمِ طَيْر مِّمَّا يَشْتَهُونَ وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثَـلِ اللَّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لاَ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلاَ تَأْثِيماً إلاَّ قِيلا سَلَـماً سَلَـماً التّفسير الجنّة بإنتظار المقرّبين: هذه الآيات تتحدّث عن أنواع نعم الجنّة التي أعدّها الله سبحانه للقسم الثالث من عباده المقرّبين، والتي كلّ واحدة منها أعظم من اُختها وأكرم .. وقد لخّصت هذه النعم بسبعة أقسام: يقول تعالى في البداية: (على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين). «سرر» جمع سرير من مادّة (سرور) بمعنى التخت الذي يجلس عليه الصفحة 454 المنعّمين في مجالس الاُنس والسرور. (موضون) من مادّة (وضن) على وزن (وزن) وهي في الأصل بمعنى نسج الدرع، ثمّ اُطلقت على كلّ منسوج محكم الخيوط والنسيج. والمقصود هنا هي الأسرة الموضوعة جنباً إلى جنب بصورة متراصّة. أو أنّ لهذه الأسرة حياكة مخصوصة من اللؤلؤ والياقوت وما إلى ذلك، كما قال بعض المفسّرين. وعلى كلّ حال، فإنّ بناء هذه الأسرة وكيفية وضعها، ومجلس الاُنس الذي يتشكّل عليها، وأجواء السرور والفرح التي تغمرها، لا نستطيع وصفه بأي بيان. ونلاحظ إستمرار الأوصاف الرائعة في القرآن الكريم لسرر الجنّة، ومجالس أهلها، ومنتديات أحبّتها ممّا يدلّ على أنّ من أهم نعم وملذّات هؤلاء هي جلسات الاُنس هذه .. أمّا أحاديثهم وما يدور في حفلاتهم فليس هنالك أحد يعلم حقيقتها، فهل هي عن أسرار الخلق وعجائب الكون؟ أو عن اُصول المعرفة وأسماء الله وصفاته الحسنى؟ أو عن الحوادث التي حدثت في هذا العالم؟ أو عن الراحة التي هم عليها بعد التعب والعناء؟ أو عن اُمور اُخرى لا نستطيع إدراكها ...؟ هذا هو سرّ لا يعلمه إلاّ الله. ثمّ يتحدث سبحانه عن نعمة اُخرى لهم حيث يقول: (يطوف عليهم ولدان مخلّدون). التعبير بـ «يطوف» من مادّة (طواف) إشارة إلى إستمرار خدمة هؤلاء (الطوافين) لضيوفهم. والتعبير بـ «مخلّدون» إشارة إلى خلود شبابهم ونشاطهم وجمالهم وطراوتهم، والأصل أنّ جميع أهل الجنّة مخلّدون وباقون. الصفحة 455 أمّا من هم هؤلاء الولدان؟ قال البعض: إنّهم أبناء البشر من هذه الدنيا الذين توفّوا قبل البلوغ، وصحيفة أعمالهم بيضاء لم تدنّس بعد، فقد بلغوا هذه المرتبة بلطف الله سبحانه، وخدمتهم للمقرّبين تقترن بإرتياح عظيم ورغبة عميقة ولذّة من أفضل اللذّات، لأنّهم في خدمة المقرّبين من الحضرة الإلهيّة. وقد ورد في هذا المعنى حديث للإمام علي (عليه السلام). إلاّ أنّنا نقرأ في تفسير آخر أنّهم أطفال المشركين ولأنّهم لم يرتكبوا ذنباً فقد حصلوا على هذه المرتبة; وأطفال المؤمنين يلتحقون بآبائهم واُمّهاتهم. ونقرأ في تفسير ثالث أنّهم خدّام الجنّة، حيث إنّ الله سبحانه قد أعدّهم لهذه المهمّة بشكل خاصّ. ويضيف القرآن أنّ هؤلاء الولدان يقدّمون لأصحاب الجنّة أقداح الخمر وكؤوس الشراب المأخوذ من أنهار الجنّة (بأكواب وأباريق وكأس من معين)وشرابهم هذا ليس من النوع الذي يأخذ لباب العقل والفكر، حيث يقول تعالى: (لا يصدّعون عنها ولا ينزفون). إنّ الحالة التي تنتابهم من النشوة الروحية حين تناولهم لهذا الشراب لا يمكن أن توصف، إذ تغمر كلّ وجودهم بلذّة ليس لها مثيل. ثمّ يشير سبحانه إلى رابع وخامس قسم من النعم المادية التي وهبها الله الصفحة 456 للمقرّبين في الجنّة، حيث يقول سبحانه: (وفاكهة ممّا يتخيّرون) (ولحم طير ممّا يشتهون). إنّ تقديم الفاكهة على اللحم بلحاظ كون الفاكهة أفضل من الناحية الغذائية بالإضافة إلى نكهتها الخاصّة عند أكلها قبل الطعام. والذي يستفاد من بعض الرّوايات أنّ غصون أشجار الجنّة تكون في متناول أيدي أهل الجنّة، بحيث يستطيعون بكلّ سهولة أن يتناولوا أي نوع من الفاكهة مباشرة، وهكذا الحال بالنسبة لبقيّة الأغذية الموجودة في الجنّة. إلاّ أنّ ممّا لا شكّ فيه أنّ تقديم الغذاء من قبل (الولدان المخلّدين) له صفاء خاصّ ولطف متميّز حيث أنّ تقديم الطعام يعبّر عن مزيد الإحترام والإكرام لأهل الجنّة، وتضفي رونقاً وبهاءً أكثر على مجالس أُنسهم. ومن المتعارف عليه إجتماعياً بيننا أنّ تقديم الفاكهة وتقريبها من الضيوف من قبل المضيف نفسه يعبّر عن التقدير والمحبّة والإحترام. وخصّت لحوم الطيور بالذكر هنا لفضلها على بقيّة أنواع اللحوم، لذا فقد تكرّر ذكرها. إنّ إستعمال تعبير «يتخيّرون» بالنسبة لـ (الفاكهة) ويشتهون بالنسبة لـ (اللحوم) لا يدلّل على وجود إختلاف بين التعبيرين كما ذهب إليه بعض المفسّرين، بل هما بمعنى واحد بعبارتين مختلفتين، والمقصود بهما أنّ أي غذاء يشتهيه أهل الجنّة يوضع بإختيارهم من قبل (الولدان المخلّدين). ثمّ يشير سبحانه إلى سادس نعمة وهي الزوجات الطاهرات الجميلات حيث يقول سبحانه: (حور عين) (كأمثال اللؤلؤ المكنون). الصفحة 457 «حور» كما قلنا سابقاً جمع حوراء و أحور، ويقال للشخص الذي يكون سواد عينه شديداً وبياضها شفافاً، و (عين) جمع (عيناء) و أعين، بمعنى العين الواسعة، لأنّ أكثر جمال الإنسان في عيونه، فقد ذكر هذا الوصف خصوصاً. وقال البعض: إنّ «حور» أُخذت من مادّة (حيرة) يعني أنّهنّ جميلات إلى حدّ تصاب العيون بالحيرة عند رؤيتهنّ. «مكنون» بمعنى مستور، والمقصود هنا الإستتار في الصدف، لأنّ اللؤلؤ عندما يكون مختفياً في الصدف وبعيداً عن لمس الأيدي يكون شفّافاً وناصعاً أكثر من أي وقت. وبالإضافة إلى ذلك قد يكون المقصود أنهنّ مستورات عن أعين الآخرين بصورة تامّة، لا يد تصل إليهنّ ولا عين تقع عليهنّ. وبعد الحديث عن هذه المنح، والعطايا المادية الستّة، يضيف سبحانه: (جزاءً بما كانوا يعملون) كي لا يتصوّر أحد أنّ هذه النعم تعطى جزافاً، بل إنّ الإيمان والعمل الصالح هو السبيل لنيلها والحصول عليها، حيث يلزم للإنسان العمل المستمرّ الخالص حتّى تكون هذه الألطاف الإلهيّة من نصيبه. «ويلاحظ بأنّ (يعملون) فعل مضارع يعطي معنى الإستمرار». ويتحدّث القرآن الكريم عن سابع نعمة من نعم أهل الجنّة، وهي التي تتسّم بالطابع الروحي المعنوي حيث يقول تعالى: (لا يسمعون فيها لغواً ولا تأثيماً). فالجوّ هناك جوّ نزيه خالص بعيد عن الدنس، فلا كذب، ولا تهم، ولا إفتراءات، ولا إستهزاء ولا غيبة ولا ألفاظ نابية وعبارات لاذعة .. وليس هنالك لغو ولا كلام فارغ .. بل الموجود هناك هو اللطف والصفاء والجمال والمتعة والأدب والطهارة، وكم هو طاهر ذلك المحيط البعيد عن الأحاديث المدنّسة التي الصفحة 458 هي السبب في أكثر إنزعاجنا وعدم إرتياحنا في هذه الدنيا، حيث اللغو والثرثرة والكلام اللا مسؤول والتعبيرات الجارحة! ثمّ يضيف سبحانه: (إلاّ قيلا سلاماً سلاماً). ويسأل هنا: هل أنّ هذا السلام من قبل الله تعالى؟ أو أنّه من قبل الملائكة؟ أو هو سلام متبادل بين أهل الجنّة، أو كلّ هذه الاُمور؟ الظاهر أنّ الرأي الأخير هو الأنسب، كما أشارت الآيات القرآنية الاُخرى إلى ذلك. نعم إنّهم لا يسمعون شيئاً إلاّ السلام، سلام وتحيّة من الله، ومن الملائكة المقرّبين، وسلامهم وتحيّتهم لبعضهم البعض في تلك المجالس العامرة المملوءة بالصفاء والتي تفيض بالودّ والاُخوّة والصدق. إنّ محيطهم وأجواءهم المغمورة بالسلام والسلامة تسيطر على وجودهم، وإنّ أحاديثهم وحواراتهم المختلفة تنتهي إلى السلام والاُخوّة والصفاء، وأساساً فإنّ الجنّة هي دار السلام وبيت السلامة والأمن والأمان، كما نقرأ في قوله تعالى: (لهم دار السلام عند ربّهم). * * * الصفحة 459 الآيات وَأَصْحَـبُ الَْيمِينِ مَا أَصْحَـبُ الَْيمِينِ فِى سِدْر مَّخْضُود وَطَلْح مَّنضُود وَظِلٍّ مَّمْدُود وَمَآء مَّسْكُوب وَفَـكِهَة كَثِيرَة لاَّ مَقْطُوعَة وَلاَ مَمْنُوعَة وَفُرُش مَّرْفُوعَة إِنَّآ أَنشَأْنَـهُنَّ إِنشَآءً فَجَعَلْنَـهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً لاَِّصْحَـبِ الَْيمِينِ ثُلَّةٌ مِّنَ الاَْوَّلِينَ وَثُلَّةٌ مِّنَ الاَْخِرِينَ التّفسير أصحاب اليمين وهباتهم: بعد بيان الهبات والنعم الماديّة والمعنوية (للمقرّبين) يأتي الدور في الحديث عن (أصحاب اليمين) تلك الجماعة السعيدة التي تستلم صفحة أعمالها في (اليد اليمنى) إشارة لنيل الفوز والنجاح في الإمتحان الربّاني. ويشير سبحانه إلى نعم ستّ، ممّا أنعم به عليهم تمثّل مرحلة أدنى في مقابل سبع نِعم منحها سبحانه إلى المقرّبين من عباده. الصفحة 460 تبدأ الآيات في الحديث عنهم أوّلا من حيث مقامهم العالي، حيث يقول عزّوجلّ: (وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين). إنّ هذا الوصف هو أروع وصف هؤلاء، لأنّ هذا التعبير يستعمل في موارد لا تستطيع الألفاظ التعبير عنه، وهو تعبير عن المقام العالي لأصحاب اليمين. وتشير الآية اللاحقة إلى أوّل نعمة منحت لهذه الجماعة حيث تقول: (في سدر مخضود). وفي الحقيقة أنّ هذا أنسب وأليق وصف توصف به أشجار الجنّة في دائرة ألفاظنا الدنيوية، لأنّ (السدر) كما يقول أئمّة اللغة: شجر قوي معمّر يصل طوله إلى أربعين متراً أحياناً وعمره يقرب من ألفي سنة، ولها ظلّ ظليل ولطيف، والسلبية الموجودة في هذا الشجر أنّه ذو شوك إلاّ أنّ وصفه بـ (مخضود) من مادّة (خضد) ـ على وزن (مجد) ـ بمعنى (إزالة الشوك) تنهي آثار هذه السلبية في شجر سدر الجنّة. وجاء في حديث: كان أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقولون: إنّ الله ينفعنا بالأعراب ومسائلهم، أقبل أعرابي يوماً، فقال: يارسول الله لقد ذكر الله في القرآن شجرة مؤذية وما كنت أرى أنّ في الجنّة شجرة تؤذي صاحبها؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «وما هي» قال: السدر، فإنّ لها شوكاً. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «أليس يقول الله: في سدر مخضود، يخضده الله من شوكه فيجعل مكان كلّ شوكة ثمرة، إنّها تنبت ثمراً يفتق الثمر منها عن إثنين وسبعين لوناً من الطعام ما فيها لون يشبه الآخر». ثمّ يأتي الحديث عن ثاني هبة لهم حيث يقول سبحانه: (وطلح منضود). «الطلح»: شجرة خضراء لطيفة اللون والرائحة، وذكر البعض أنّها شجرة الموز الصفحة 461 التي تتميّز بأوراق عريضة جدّاً وخضراء وجميلة، وفاكهتها حلوة ولذيذة. و «منضود»: من مادّة (نضد) بمعنى متراكم. وممكن أن يشير هذا التعبير إلى تراكم الأوراق أو تراكم الفاكهة أو كليهما، حتّى أنّ البعض قال: إنّ هذه الأشجار مليئة بالفاكهة إلى حدّ أنّها تغطّي سيقان وأوراق الأشجار. وقال بعض المفسّرين: بالنظر إلى أنّ أوراق شجر السدر صغيرة جدّاً، وأوراق شجر الموز كبيرة جدّاً، فإنّ ذكر هاتين الشجرتين إشارة جميلة إلى جميع أشجار الجنّة التي تكون صفاتها بين صفات هاتين الشجرتين. ثمّ يستعرض سبحانه ذكر النعمة الثالثة من نعم أهل اليمين بقوله: (وظلّ ممدود). فسّر البعض هذا (الظلّ الواسع) بحالة شبيهة للظلّ الذي يكون بين الطلوعين من حيث إنتشاره في كلّ مكان، وقد نقل حديث للرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) بهذا المعنى في روضة الكافي. والمقصود هنا أن لا حَرَّ في الجنّة، وأنّ أهلها في ظلال لطيفة واسعة تلطّف الروح. وينتقل الحديث إلى مياه الجنّة حيث يقول سبحانه: (وماء مسكوب). «مسكوب» من مادّة (سكب) على وزن «حرب» وتعني في الأصل الصبّ، ولأنّ صبّ الماء يكون من الأعلى إلى الأسفل بصورة تيّار أو شلاّل فإنّه بذلك يصوّر لنا مشهداً رائعاً حيث إنّ خرير المياه ينعش الروح. ويبهر العيون، وهذه هي إحدى الهبات التي منحها الله لأهل الجنّة، ومن الطبيعي أنّ هذه الجنّة المليئة بالأشجار العظيمة، والمياه الجارية، لابدّ أن تكون فيها فواكه كثيرة، وهذا ما ذكرته الصفحة 462 الآية الكريمة، حيث يقول سبحانه في ذكر خامس نعمة: (وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة). نعم، ليست كفواكه الدنيا من حيث محدوديتها في فصول معيّنة من أسابيع أو شهور، أو يصعب قطفها بلحاظ الأشواك، أو العلو مثل النخيل، أو مانع ذاتي في نفس الإنسان، أو أنّ المضيف الأصلي الذي هو الله والملائكة الموكّلين بخدمة أهل الجنّة يبخلون عليهم .. كلاّ، لا يوجد شيء من هذا القبيل، فالمتقضي موجود بشكل كامل، والمانع بكلّ أشكاله مفقود. ثمّ يشير سبحانه إلى نعمة اُخرى حيث يقول: (وفرش مرفوعة) أي الزوجات الرفيعات القدر والشأن. «فرش»: جمع فراش وتعني في الأصل كلّ فراش يفرش ولهذا التناسب فإنّها تستعمل في بعض الأحيان كناية عن الزوج (سواء كان رجلا أو امرأة) لذا جاء في الحديث عن الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: (الولد للفراش وللعاهر الحجر). وفسّر البعض الفرش بمعناها الحقيقي وليس كناية، وإعتبرها إشارة إلى الفرش الثمينة والتي لها قيمة عظيمة في الجنّة. ولكن إذا فسّرت بهذه الصورة، فسيقطع إرتباط هذه الآية مع الآيات اللاحقة التي تتحدّث عن حوريات وزوجات الجنّة. ويصف القرآن الكريم زوجات الجنّة بقوله تعالى: (إنّا أنشأناهنّ إنشاءً). وهذه الآية لعلّها تشير إلى الزوجات المؤمنات في هذه الدنيا حيث يمنحهنّ الله سبحانه خلقاً جديداً في يوم القيامة، ويدخلن الجنّة وهنّ في قمّة الحيوية والشباب والجمال والكمال الظاهر والباطن، وبشكل يتناسب مع كمال الجنّة وخلوّها من كلّ نقص وعيب. وإذا كان المقصود بذلك (الحوريات) فإنّ الله تعالى خلقهنّ بصورة لا يعتريهنّ فيها غبار العجز والضعف، ويمكن أن يكون التعبير بالإنشاء إشارة إلى الصفحة 463 المعنيين أيضاً. ثمّ يضيف تعالى: (فجعلناهنّ أبكاراً). وإحتمال أن يكون الوصف مستمرّاً، كما صرّح كثير من المفسّرين بذلك، واُشير له في الرّوايات الإسلامية أيضاً، حيث الزواج لا يغيّر وضعهنّ ويبقين أبكار. ويضيف في وصفهنّ بوصف آخر فيقول تعالى: (عُرُباً). (عُرُباً) جمع (عروبة) على وزن (ضرورة) بمعنى المرأة التي يحكي وضع حالها عن مقام عفّتها وطهارتها، وعمّا تكنّه من المحبّة لزوجها، (إعراب): على وزن (إظهار) معناه هو نفس مدلول الإظهار، ويأتي هذا المصطلح أيضاً بمعنى الفصاحة ولطافة الكلام، ويمكن جمع المعنيين في هذه الآية. والوصف الآخر لهن (أتراباً) أي أنّها متماثلات في الجمال وأتراب في الظاهر والباطن، ومتماثلات في العمر مع أزواجهنّ. (أتراب) جمع (ترب) على وزن (ذهن) بمعنى المثل والشبيه، وقال البعض: إنّ هذا المعنى أخذ من الترائب وهي عظام قفص الصدر، لأنّها تتشابه الواحدة مع الاُخرى. إنّ هذا الشبه والتماثل يمكن أن يكون في أعمار الزوجات بالنسبة لأزواجهنّ، كي يدركن إحساسات ومشاعر أزواجهنّ كاملة، وبذلك تصبح الحياة أكثر سعادة وإنسجاماً، بالرغم من أنّ السعادة تحصل مع إختلاف العمر أحياناً، إلاّ أنّ الغالب ليس كذلك. كما يمكن أن يكون المقصود بالتشابه والتساوي في الصفات الجمالية والنفسية وحسن الظاهر والباطن. ثمّ يضيف تعالى: (لأصحاب اليمين). الصفحة 464 وهذا تأكيد جديد على إختصاص هذه الصفات والنعم الإلهيّة بهم. ويحتمل أيضاً أن تكون هذه الجملة مكمّلة لجملة (إنّا أنشأناهنّ إنشاءً). وفي نهاية هذا العرض يقول سبحانه: (ثلّة من الأوّلين وثلّة من الآخرين). «ثلّة»: في الأصل بمعنى قطعة مجتمعة من الصوف، ثمّ اُطلقت على كلّ مجموعة من الناس عظيمة ومتماسكة، وبهذا الترتيب فإنّ مجموعة عظيمة من أصحاب اليمين هم من الاُمم السابقة، ومجموعة عظيمة من الاُمّة الإسلامية، لأنّ بين المجموعتين كثير من الصالحين والمؤمنين. بالرغم من أنّ السابقين للإيمان في الاُمّة الإسلامية أقلّ من السابقين للإيمان في الاُمم السابقة، وذلك لكثرة تلك الاُمم وكثرة أنبيائها. وقال البعض: إنّ هاتين المجموعتين كلاهما من الاُمّة الإسلامية، قسم من أوّلهم وقسم من آخرهم، إلاّ أنّ التّفسير الأوّل أصحّ. * * * الصفحة 465 الآيات وَأَصْحَـبُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَـبُ الشِّمَالِ فِى سَمُوم وَحَمِيم وَظِلٍّ مِّن يَحْمُوم لاَّ بَارِد وَلاَ كَرِيم إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنثِ الْعَظِيمِ وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُراباً وَعِظَماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ أَوَ ءَابَاؤُنَا الاَْوَّلُونَ قُلْ إِنَّ الاَْوَّلِينَ وَالاَْخِرِينَ لََمجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَـتِ يَوْم مَّعْلُوم التّفسير العقوبات المؤلمة لأصحاب الشمال: بعد الإستعراض الذي مرّ بنا حول النعم والهبات العظيمة التي منحها الله سبحانه للمقرّبين من عباده ولأصحاب اليمين من أوليائه، يتطرّق الآن إلى ذكر المجموعة الثالثة (أصحاب الشمال) والعذاب المؤلم والعاقبة السيّئة التي حلّت بهم، في عملية مقارنة لوضع المجموعات الثلاثة حيث يقول الباريء: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال). الصفحة 466 أصحاب الشمال هم الذين يستلمون صحائف أعمالهم بأيديهم اليسرى إشارة إلى سوء عاقبتهم، وأنّهم من أهل المعاصي والذنوب، وممّن تكون النار مصيراً لهم، ويستعمل هذا التعبير عادةً لبيان (حسن) أو (سوء) نهاية الإنسان كما في قولنا: السعادة أقبلت علينا يا لها من سعادة!. أو المصيبة داهمتنا يا لها من مصيبة. وكذلك في قوله تعالى: (وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال). ثمّ يشير سبحانه إلى ثلاثة أنواع من العقوبات التي يواجهونها، الهواء الحارق القاتل من جهة (سموم) والماء المغلي المهلك من جهة اُخرى (وحميم)، وظلّ الدخان الخانق الحارّ من جهة ثالثة (وظلّ من يحموم) هذه الألوان من العذاب تحاصرهم وتطوقهم وتسلب منهم الصبر والقدرة ... إنّها آلام وعذاب لا يطاق، ولو لم يكن غيره من جزاء لكفاهم. «سموم»: من مادّة (سمّ) بمعنى الهواء الحارق الذي يدخل في مسام الجلد فتهلكهم، (ويقال للسمّ سمّاً لأنّه ينفذ في جميع خلايا الجسم). و «حميم»: بمعنى الشيء الحارّ، وهنا جاء بمعنى الماء الحارق والذي اُشير له في آيات قرآنية سابقة كما في قوله تعالى (يصبّ من فوق رؤوسهم الحميم). «يحموم»: من نفس المادّة أيضاً، وهنا بمناسبة الظلّ فسّرت الكلمة بمعنى الظلّ الغليظ الأسود والحارّ. ثمّ يضيف الباريء مؤكّداً فيقول: (لا بارد ولا كريم). المظلّة عادةً تحمي الإنسان من الشمس والمطر والهواء ولها منافع اُخرى، والظلّ المشار إليه في الآية الكريمة ليس له من هذه الفوائد شيء يذكر. والتعبير بـ (كريم) من مادّة (كرامة) بمعنى مفيد فائدة، ولذلك فإنّ المتعارف بين العرب إذا أرادوا أن يعرفوا شيئاً أو شخصاً بانّه غير مفيد يقولون (لا كرامة الصفحة 467 فيه). ومن الطبيعي أنّ مظلّة من الدخان الأسود الخانق لا ينتظر منها إلاّ الشرّ والضرر (لا كرامة). وبالرغم من أنّ أجزاء أهل النار له أنواع مختلفة مرعبة من العذاب، إلاّ أنّ ذكر الأقسام الثلاثة يكفي لإعطاء فكرة عن بقيّة الأهوال. وفي الآيات اللاحقة يذكر الأسباب التي أدّت بأصحاب الشمال إلى هذا المصير المخيف والمشؤوم، وذلك بثلاث جمل، يقول في البداية: (إنّهم كانوا قبل ذلك مترفين). «مترف»: كما ورد في لسان العرب من مادّة ترف ـ على وزن (سبب) ـ بمعنى التنعّم، وتطلق على الشخص الذي ملكته الغفلة وجعلته مغروراً سكران، وجرّته إلى الطغيان. صحيح أنّ أصحاب الشمال ليسوا جميعاً من زمرة المترفين، إلاّ أنّ المقصودين في القرآن الكريم هم أربابهم وأكابرهم. والملاحظ في عصرنا الحاضر أنّ فساد المجتمعات وعوامل الإنحراف ورأس الحروب والدمار ونزيف الدم وأنواع الظلم ومركز الشهوات والفساد في العالم أجمع بيد «الزمرة» المترفة المغرورة، ولهذا فالقرآن الكريم قد شخصّهم وحدّد موقفه منهم إبتداءً. وهنالك رأي ثان وهو: إنّ نعم الله سبحانه واسعة وعديدة ولا تنحصر بالأموال فقط، بل تشمل الصحّة والشباب والعمر .. فإذا كانت هذه النعم أو بعضها مبعثاً للغرور والغفلة، فإنّها ستكون مصدراً أساسياً للذنوب، وهذا المفهوم يسري على أصحاب الشمال. الصفحة 468 ثمّ يشير سبحانه إلى العامل الثاني الذي كان مصدراً وسبباً لعذاب أصحاب الشمال، فيقول سبحانه: (وكانوا يصرّون على الحنث العظيم). «الحنث» في الأصل يعني كلّ نوع من الذنوب، وقد إستعمل هذا المصطلح في كثير من الموارد بمعنى نقض العهد ومخالفة القسم، لكونه مصداقاً واضحاً للذنب، وبناءً على هذا فإنّ خصوصية أصحاب الشمال ليس فقط في إرتكاب الذنوب ولكن في الإصرار عليها، لأنّ الذنب يمكن صدوره من أصحاب اليمين أيضاً، إلاّ أنّهم لا يصرّون عليه أبداً، ويستغفرون ربّهم ويعلنون التوبة إليه عند تذكّره. وفسّر البعض «الحنث العظيم» بمعنى الشرك، لأنّه لا ذنب أعظم من الشرك. قال تعالى: (إنّ الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). وفسّر (الحنث) بالكذب، لأنّه أعظم الذنوب، ومفتاح المعاصي، خصوصاً حينما يكون الكذب توأماً لتكذيب للأنبياء (عليهم السلام) والمعاد. والظاهر أنّ هذه جميعاً تعتبر مصاديق للحنث العظيم. وثالث عمل سبب لهم هذا الويل والعذاب، هو أنّهم قالوا: (وكانوا يقولون أإذا متنا وكنّا تراباً وعظاماً أإنّا لمبعوثون). وعلى هذا فإنّ إنكار القيامة والذي هو بحدّ ذاته مصدر للكثير من الذنوب، هو وصف آخر لأصحاب الشمال، ومصدر لشقائهم. وتعبير (كانوا يقولون)يوضّح لنا أنّهم كانوا يصرّون ويعاندون في إنكار يوم القيامة أيضاً. وهنا مطلبان جديران بالملاحظة وهما: الأوّل: أنّ القرآن الكريم في معرض حديثه عن (المقرّبين) و (أصحاب اليمين) لم يعط توضيحاً عن أعمالهم التي سبّبت لهم تلك النعم وذلك الجزاء، إلاّ ضمن إشارة عابرة. أمّا عندما جاء دور الحديث عن أصحاب الشمال فقد وضّحت الصفحة 469 أفعالهم بصورة كافية، وذلك ليكون إتماماً للحجّة عليهم من جهة، وإظهار أنّ جزاءهم هذا كان إنسجاماً مع مبادىء العدالة تماماً من جهة اُخرى. والمسألة الاُخرى: أنّ الذنوب الثلاثة التي اُشير إليها في الآيات الثلاثة السابقة كانت بمثابة نفي اُصول الدين الثلاثة من قبل أصحاب الشمال. ففي آخر آية تحدّث القرآن الكريم عن تكذيبهم ليوم القيامة، وفي الآية الثانية عن إنكار التوحيد، وفي الآية الاُولى كان الحديث عن المترفين وهي إشارة إلى تكذيب الأنبياء كما جاء في قوله تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نبي إلاّ قال مترفوها إنّا وجدنا آباءنا على اُمّة وإنّا على آثارهم مقتدون). والتعبير بـ (تراباً وعظاماً) لعلّه إشارة إلى أنّ لحومنا تتحوّل إلى تراب، وعظامنا إلى رميم، ومع ذلك فكيف نكون خلقاً جديد؟ ولمّا كانت عودة الحياة إلى التراب أبعد من عودتها إلى العظام لذا ذكر في البداية حيث يقول تعالى: (تراباً وعظاماً). والعجيب أنّ هؤلاء يرون مشاهد المعاد بأعينهم في هذه الدنيا ومع ذلك فإنّهم ينكرونه. ألم يروا إلى الكثير من الموجودات الحيّة كالنباتات تموت وتجفّ وتصبح تراباً ثمّ تلبس لباس الحياة مرّة اُخرى، وأساساً فإنّ الذي خلق الخلق أوّل مرّة لن يعييه إعادة الخلق ثانية، ولن يكون عليه ذلك صعباً وعسيراً ولكنّهم مع ذلك يصرّون على إنكار المعاد. إنّهم لم يكتفوا بما ذكروا وذهبوا إلى أكثر من ذلك حيث قالوا بتعجّب: (أو آباؤنا الأوّلون) الذين لم يبق منهم أثر وتناثرت كلّ ذرّة من تراب أجسادهم في جهة، أو أصبحت جزءاً من بدن كائن آخر؟ الصفحة 470 ولكن، كما قيل مفصّلا في نهاية سورة ياسين، فإنّ هذه التساؤلات وغيرها ليست سوى حجج واهية أمام الدلائل القويّة المتوفّرة حول مسألة المعاد. ثمّ إنّ القرآن الكريم يأمر الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجيبهم: (قل إنّ الأوّلين والآخرين لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم). «ميقات» من مادّة (وقت) بمعنى الزمان الذي يحدّد لعمل ما أو موعد. والمقصود من الميقات هنا هو نفس الوقت المقرّر للقيامة، حيث يجتمع كلّ البشر للحساب، ويأتي أحياناً كناية عن المكان الذي عين لإنجاز عمل معيّن، مثل مواقيت الحجّ، التي هي أسماء أماكن خاصّة للشروع بالإحرام. ويستفاد من التعابير المختلفة التي وردت في الآية السابقة والتأكيدات العديدة حول مسألة الحشر، مثل: (إنّ، اللام، «مجموعون» التي جاءت بصيغة إسم مفعول، ووصف «يوم» بأنّه معلوم) ممّا يكون واضحاً ومؤكّداً أنّ حشر جميع الناس ينجز في يوم واحد، وجاء هذا المعنى في آيات قرآنية اُخرى أيض. ومن هنا يتّضح جيّداً أنّ الذين كانوا يتصوّرون أنّ القيامة تقع في أزمنة متعدّدة حيث إنّ لكلّ اُمّة قيامة، هم غرباء عن آيات الله تماماً. ولابدّ من الإشارة هنا إلى أنّ معلومية يوم القيامة هي عند الله فقط، وإلاّ فإنّ جميع البشر بما فيهم الأنبياء والمرسلون والمقرّبون والملائكة ليس لهم علم بتوقيتها. * * * الصفحة 471 الآيات ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّآلُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لاََكِلُونَ مِن شَجَر مِّن زَقُّوم فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشَـرِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشَـرِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ هَـذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ التّفسير عقوبات جديدة للمجرمين: هذه الآيات إستمرار للأبحاث المرتبطة بعقوبات أصحاب الشمال، حيث يخاطبهم بقوله: (ثمّ إنّكم أيّها الضالّون المكذّبون لآكلون من شجر من زقّوم). كان الحديث في الآيات السابقة حول الأجواء التي تحيط بـ (أصحاب الشمال) وينتقل الحديث في الآيات أعلاه إلى مشربهم ومأكلهم مقارناً بمأكل ومشرب المقرّبين وأصحاب اليمين. والجدير بالذكر أنّ المخاطبين في هذه الآيات هم «الضالّون المكذّبون» الصفحة 472 الذين يتّسمون مضافاً إلى الضلال والإنحراف بأنّ لديهم روح العناد والإصرار على الباطل في مقابل الحقّ. (زقّوم) كما ذكرنا سابقاً: نبات مرّ نتن الرائحة وطعمه غير مستساغ، وفيه عصارة إذا دخلت جسم الإنسان يصاب بالتورّم، وتقال أحياناً لكلّ نوع من الغذاء المنفّر لأهل النار. وللمزيد حول (الزقّوم) يراجع نهاية الآية سورة الصافات، وكذلك نهاية الآية سورة الدخان. والتعبير بـ (فمالئون منها البطون) إشارة إلى الجوع الشديد الذي يصيبهم بحيث إنّهم يأكلون بنهم وشره من هذا الغذاء النتن وغير المستساغ جدّاً فيملؤون بطونهم. وعند تناولهم لهذا الغذاء السيء يعطشون. ولكن ما هو شرابهم؟! يتبيّن ذلك في قوله تعالى: (فشاربون عليه من الحميم فشاربون شرب الهيم). إنّ البعير الذي يبتلى بداء العطش فإنّ شدّة عطشه تجعله يشرب الماء باستمرار حتّى يهلك، وهذا هو نفس مصير (الضالّون المكذّبون) في يوم القيامة. «حميم»: بمعنى الماء الحارّ جدّاً والحارق، وتطلق عبارة (وليّ حميم) على طبيعة العلاقة الصادقة الوديّة الحارّة، و «حمّام» مشتقّ من نفس المادّة أيضاً. (هيم) على وزن (ميم) جمع هائم، وإعتبرها البعض جمع أهيم وهيماء، وهي في الأصل من (هيام) على وزن (فرات) بمعنى مرض العطش الذي يصيب البعير، الصفحة 473 ويستعمل هذا التعبير للعشق الحادّ أو للعشّاق الذين لا يقرّ لهم قرار. ويعتبر بعض المفسّرين أنّ معنى (هيم) هي الأراضي الرملية والتي كلّما سقيت بماء تسرّب منها فتظهر الظمأ دائماً. وفي آخر آية ـ مورد البحث ـ يشير سبحانه إلى طبيعة مأكلهم ومشربهم في ذلك اليوم حيث يقول: (هذا نزلهم يوم الدين). فأين نزلهم ونزل أصحاب اليمين الذين ينعمون بالإستقرار في ظلال الأشجار الوارفة، ويتناولون ألذّ الفواكه وأطيب الأطعمة، وأعذب الشراب الطهور، ويطوف حولهم الولدان المخلّدون وحور العين، وهم سكارى من عشق الباريء عزّوجلّ؟ أين اُولئك؟ وأين هؤلاء؟ مصطلح (نزل) كما قلنا سابقاً بمعنى الوسيلة التي يكرمون بها الضيف العزيز، وتطلق أحياناً على أوّل طعام أو شراب يؤتى به للضيوف، ومن الطبيعي أنّ أهل النار ليسوا ضيوفاً، وأنّ الزقّوم والحميم ليس وسيلة لضيافتهم. بل هو نوع من الطعن فيهم، وأنّه إذا كان كلّ هذا العذاب هو مجرّد إستقبال لهم، فكيف بعد ذلك سيكون حالهم؟ * * * الصفحة 474 الآيات نَحْنُ خَلَقْنَـكُمْ فَلَوْلاَ تُصَدِّقُونَ أَفَرَءَيْتُم مَّا تُمْنُونَ ءَأَنتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَـلِقُونَ نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ عَلَى أَن نُّبَدِّلَ أَمْثَـلَكُمْ وَنُنشِئَكُمْ فِى مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الاُْولَى فَلَوْلاَ تَذَكَّرُونَ التّفسير سبعة أدلّة على المعاد: بما أنّ الآيات السابقة تحدّثت عن تكذيب الضالّين ليوم المعاد، فإنّ الآيات اللاحقة إستعرضت سبعة أدلّة على هذه المسألة المهمّة، كي يتركّز الإيمان وتطمئن القلوب بالوعود الإلهيّة التي وردت في الآيات السابقة حول «المقرّبين وأصحاب اليمين وأصحاب الشمال»، وأساساً فانّ أبحاث هذه السورة تتركّز على بحث المعاد بشكل عامّ. يقول سبحانه في المرحلة الاُولى: (نحن خلقناكم فلولا تصدّقون) أي لِمَ لا الصفحة 475 تصدّقون بالمعاد؟! لماذا تتعجّبون من الحشر والمعاد الجسمي بعد أن تصبح أجسامكم تراباً؟ ألم نخلقكم من التراب أوّل مرّة؟ أليس حكم الأمثال واحداً؟ هذه الإستدلالات في الحقيقة شبيهة بما جاء في قوله تعالى: (وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أوّل مرّة وهو بكلّ خلق عليم). وفي الآية اللاحقة يشير البارىء إلى دليل ثان حول هذه المسألة فيقول: (أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون). من الذي يجعل من هذه النطفة الحقيرة التي لا قيمة لها في كلّ يوم بخلق جديد وشكل جديد، وخلق بعد خلق؟! هذه التطورات العجيبة التي بهرت العقول واُولي الألباب من المفكّرين، هل كانت من خلقكم أم من خلق الله تعالى؟ وهل أنّ القادر على الخلق المتكرّر يعجز عن إحياء الموتى في يوم القيامة؟ إنّ المفاهيم التي وردت في هذه الآية تحكي نفس المفاهيم التي جاءت في قوله تعالى: (ياأيّها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنّا خلقناكم من تراب ثمّ من نطفة ثمّ من علقة ثمّ مضغة مخلّقة وغير مخلّقة لنبيّن لكم ونقرّ في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمّى ثمّ نخرجكم طفلا). وإذا تجاوزنا ذلك وأخذنا بنظر الإعتبار ما يقوله علماء اليوم حول قطرة الماء هذه (النطفة) التي في ظاهر الأمر لا قيمة لها، سوف يتّضح لنا الحال أكثر، الصفحة 476 حيث يقولون: إنّ الحيمن (الأسبر) هو حيوان مجهري صغير جدّاً وإنّ منيّ الرجل يحتوي على عدد هائل من الحيامن في كلّ إنزال تقدّر بين (2 ـ 5) مليون حيمن وهذا يمثّل مقدار مجموع سكّان عدّة (بلدان في العالم) هذا الحيوان المنوي يتّحد مع بويضة المرأة (أوول)، فتتكوّن البيضة المخصّبة التي تنمو بسرعة وتتكاثر بصورة عجيبة، حيث تصنع خلايا جسم الإنسان، ومع أنّ الخلايا متشابهة في الظاهر، إلاّ أنّها تتوزّع بسرعة إلى مجاميع عديدة، فقسم منها يختص بالقلب، والآخر بالأطراف، والثالث بالاذن والحنجرة، وكلّ مجموعة مستقرّة في مكانها المحدّد له، فلا خلايا الكلية تنتقل إلى خلايا القلب، ولا خلايا القلب تتحوّل إلى خلايا العين، ولا العكس. والخلاصة أنّ «النطفة المخصّبة» في المرحلة الجنينيّة تمرّ بعوالم عديدة مختلفة حتّى تصبح جنيناً، وكلّ هذا في ظلّ خالقية إلهيّة مستمرّة، في حين أنّ دور الإنسان في هذه العملية بسيط جدّاً، ويقتصر على وضع النطفة في الرحم، والذي ينجز بلحظة واحدة. أليست هذه المسألة دليلا حيّاً على مسألة المعاد؟ أو ليست هذه القدرة العظيمة تدلّل على قدرة إحياء الموتى أيض. ثمّ يستعرض ذكر الدليل الثالث حيث يقول سبحانه: (نحن قدّرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين). نعم، إنّنا لن نغلب أبداً، وإذا قدّرنا الموت فلا يعني ذلك أنّنا لا نستطيع أن نمنح العمر السرمدي، بل أنّ الهدف هو أن نذهب بقسم من الناس ونأتي بآخرين محلّهم. وأخيراً نعيدكم خلقاً جديداً في عالم لا تعلمون عنه شيئاً (على أن نبدّل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون). الصفحة 477 وفي تفسير هاتين الآيتين هناك وجهة نظر اُخرى وهي: أنّ الآية الثانية لم تأت لبيان هدف الآية الاُولى ولكن تكملة لها، حيث يريد سبحانه أن يبيّن المعنى التالي وهو: أنّنا لسنا بعاجزين ومغلوبين على أن نذهب بقسم ونأتي بآخرين مكانهم. ويوجد تفسيران لجملة (على أن نبدّل أمثالكم). الأوّل: هو نفس التّفسير المذكور أعلاه، والذي هو المشهور بين المفسّرين، وطبقاً لهذا الرأي تكون عملية تبديل الأقوام في هذه الدنيا. والثاني هو: أنّ المقصود من (أمثال) هم نفس البشر الذين يبعثون في يوم القيامة، والتعبير بـ (مثل) لأنّ الإنسان لا يبعث مرّة اُخرى بكلّ خصوصياته التي كان عليها، إذ أنّه سيكون في وقت جديد وكيفيات جديدة من حيث الروح والجسم. إلاّ أنّ التّفسير الأوّل هو الأنسب حسب الظاهر. وعلى كلّ حال، فإنّ الهدف هو الإستدلال على المعاد من خلال مسألة الموت، ويمكن توضيح الدليل بالصورة التالية: إنّ الله الحكيم الذي خلق الإنسان وقدّر له الموت فطائفة يموتون وآخرين يولدون بإستمرار، من البديهي أنّ له هدف. فإذا كانت الحياة الدنيا هي الهدف فالمناسب أن يكون عمر الإنسان خالداً وليس بهذا المقدار القصير المقترن مع ألوان الآلام والمشاكل. وسنّة الموت تشهد أنّ الدنيا معبّراً وليست منزلا وأنّها جسر وليست مقصداً، لأنّها لو كانت مستقرّاً ومقصداً للزم أن تدوم الحياة فيها. جملة (وننشئكم فيما لا تعلمون) ظاهراً إشارة إلى خلق الإنسان يوم القيامة، الصفحة 478 والتي هي الهدف لحياة وفناء هذه الدنيا، ومن البديهي لأي شخص لم يرَ الدار الآخرة أنّه لن يستطيع إدراكها ومعرفة قوانينها والأنظمة المسيطرة عليها من خلال الألفاظ والصور التي تنقل لنا عنها، نعم إنّنا نستطيع أن نرى شبحها وظلالها فقط من التصوير اللفظي لها، ولذا فإنّ الآية أعلاه تعكس هذه الحقيقة، حيث تذكر أنّ الله سيخلقنا في عالم جديد وبأشكال وظروف جديدة لا ندرك أسراره. وفي آخر آية ـ مورد البحث ـ يتحدّث سبحانه عن رابع دليل للمعاد حيث يقول: (ولقد علمتم النشأة الاُولى أفلا تذكّرون). هذا الدليل نستطيع بيانه بصورتين: الاُولى: في المثال التالي: إذا كنا نسير في صحراء وشاهدنا قصراً مهيباً عظيماً مثيراً للإعجاب في محتوياته ومواد بنائه وهندسته، وقيل لنا: إنّ الهدف من هذا القصر هو إستعماله كمحطّة للراحة والهدوء لعدّة ساعات فقط لقافلة صغيرة .. فإنّنا سنحكم في أنفسنا بصورة قاطعة على عدم الحكمة في هذا العمل، إذ من المناسب لمثل الهدف المتقدّم ذكره أن تُعد خيمة صغيرة فقط. وعلى هذا فإنّ خلق هذه الدنيا العظيمة وما فيها من أجرام سماوية وشمس وقمر وأنواع المخلوقات الأرضية الاُخرى، هل يمكن أن يكون لهدف صغير محدود، كأن يعيش الإنسان فيها بضعة أيّام؟ كلاّ ليس كذلك، وإلاّ فانّه يعني أنّ خلق العالم سيكون بدون هدف، ولكن ممّا لا شكّ فيه أنّ هذه المخلوقات العظيمة قد خلقت لموجود شريف ـ مثل الإنسان ـ ليعرف الله سبحانه من خلالها، معرفة تكون رأسماله الوحيد في الدار الآخرة، فالهدف إذن هو الدار الآخرة، وهذا دليل آخر على المعاد. وهذا البيان هو ما نجده في الآية الشريفة: (وما خلقنا السماء والأرض وما الصفحة 479 بينهما باطلا ذلك ظنّ الذين كفروا). الثانية: هو أنّنا نلاحظ مشاهد المعاد في هذا العالم تتكرّر أمامنا في كلّ سنة وفي كلّ زاوية وكلّ مكان، حيث مشهد القيامة والحشر في عالم النبات، فتحيى الأرض الميتة بهطول الأمطار الباعثة للحياة قال تعالى: (إنّ الذي أحياها لمحيّ الموتى)، وقد اُشير إلى هذا المعنى كذلك في الآية 6 من سورة الحجّ. * * * ملاحظة حجيّة القياس: إنّ هذه المسألة تطرح عادةً في اُصول الفقه، وهي أنّنا لا نستطيع إثبات الحكم الشرعي عن طريق القياس كقولنا مثلا: (إنّ المرأة الحائض التي يجب أن تقضي صومها يجب أن تقضي صلاتها كذلك) ـ أي يجب أن تكون إستنتاجاتنا من الكلّي إلى الجزئي، وليس العكس ـ وبالرغم من أنّ علماء أهل السنّة قد قبلوا القياس في الغالب كأحد مصادر التشريع في الفقه الإسلامي، فإنّ قسماً منهم يوافقوننا في مسألة (نفي حجيّة القياس). والظريف هنا أنّ بعض مؤيّدي القياس أرادوا أن يستدلّوا بمقصودهم بالآية التالية: (ولقد علمتم النشأة الاُولى) أي قيسوا النشأة الاُخرى (القيامة) على النشأة الاُولى (الدنيا). إلاّ أنّ هذا الإستدلال عجيب، لأنّه أوّلا: إنّ المذكور في الآية هو إستدلال عقلي وقياس منطقي، ذلك أنّ منكري المعاد كانوا يقولون: كيف تكون لله القدرة على إحياء العظام النخرة؟ فيجيبهم القرآن الكريم بالمفهوم التالي: إنّ القوّة التي الصفحة 480 كانت لها القدرة على خلقكم في البداية هي نفسها ستكون لها القدرة لخلقكم مرّة ثانية، في الوقت الذي لا يكون القياس الظنّي بالأحكام الشرعية بهذه الصورة أبداً، لأنّنا لا نحيط بمصالح ومفاسد كلّ الأحكام الشرعية. وثانياً: إنّ من يقول ببطلان القياس يستثني قياس الأولوية، فمثلا يقول تعالى: (ولا تقل لهما اُف ولا تنهرهما) ونفهم بطريق أولى ألاّ نؤذيهما من الناحية البدنية. والآية مورد البحث من قبيل قياس الأولوية وليس لها ربط بالقياس الظنّي مورد الخلاف والنزاع، لأنّه لم يكن شيء من المخلوقات في البداية، والله عزّوجلّ خلق الوجود من العدم وخلق الإنسان من التراب، ولذا فإنّ إعادة الإنسان إلى الوجود مرّة اُخرى أيسر من خلقه إبتداءاً، وتعكس الآية الكريمة التالية هذا المفهوم حيث يقول تعالى: (وهو الذي يبدأ الخلق ثمّ يعيده وهو أهون عليه). وننهي حديثنا هذا بالحديث التالي: «عجباً كلّ العجب للمكذّب بالنشأة الاُخرى وهو يرى النشأة الاُولى، وعجباً للمصدّق بالنشأة الاُخرى وهو يسعى لدار الغرور». * * * الصفحة 481 الآيات أَفَرَءَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ ءَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّرِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَـهُ حُطَـماً فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ إِنَّا لَمُغْرَمُونَ بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ التّفسير هل أنتم الزارعون أم الله؟ إستعرضنا لحدّ الآن أربعة أدلّة من الأدلّة السبعة التي جاء ذكرها في هذه السورة حول المعاد، والآيات ـ مورد البحث واللاحقة لها ـ تستعرض الأدلّة الاُخرى المتبقّية والتي كلّ منها مصداق لقدرة الله اللا متناهية. فالدليل الأوّل يرتبط بخلق الحبوب الغذائية، والثاني يرتبط بخلق الماء، والثالث يتعلّق بالنار. وهذه المحاور تشكّل الأركان الأساسيّة في الحياة الإنسانية، فالحبوب النباتية أهمّ مادّة غذائية للإنسان، والماء أهمّ عنصر للحياة، والنار أهمّ وسيلة لإصلاح المواد الغذائية وسائر اُمور الحياة الاُخرى. يقول سبحانه في البداية: (أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون). الصفحة 482 الملفت للنظر هنا أنّ الآية إستعملت تعبير (تحرثون) من مادّة (حرث) على وزن (درس) وهو يعني الزراعة ونشر الحبوب وتهيئتها للإنبات، وفي الآية الثانية كان التعبير بـ (تزرعونه) من مادّة «زراعة» بمعنى النمو والنضج. ومن البديهي أنّ عمل الإنسان هو الحرث فقط، أمّا النمو فهو من عمل الله سبحانه فقط، ولذا نقل في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا يقولنّ أحدكم زرعت وليقل حرثت، فإنّ الزارع هو الله». شرح هذا الدليل هو أنّ عمل الإنسان في الزرع كعمله في الإنجاب حيث ينثر البذرة ويتركها، والله سبحانه هو الذي يخلق في وسط هذه البذرة الحياة، فعندما توضع البذرة في محيط مهيّأ من حيث التربة والضوء والماء، فإنّها تستفيد إبتداءاً من المواد الغذائية المخزونة فيها إلى أن تصبح برعماً وتولّد جذراً، ثمّ تنمو بسرعة عجيبة مستفيدة من المواد الغذائية الموجودة في الأرض حيث تعمل أجهزة عظيمة وتحدث تغييرات عميقة في داخل النبات، تتمخّض عن أغصان وسيقان وأوراق وثمار .. وأحياناً تنتج البذرة الواحدة عدّة آلاف من البذور. يقول العلماء: إنّ التركيبات الموجودة في بناء نبات واحد أعجب وأعقد بمراتب من التشكيلات الموجودة في مدينة صناعية عظيمة مع معاملها المتعدّدة. هل أنّ القوّة التي لها مثل هذه القدرة تعجز عن إحياء الموتى مرّة اُخرى؟ وفي الآية اللاحقة يؤكّد الدور الهامشي للإنسان في نمو ورشد النباتات فيقول: (لو نشاء لجعلناه حطاماً فظلتم تفكهون). نعم، يستطيع الباريء أن يرسل رياحاً سامّة تقتل البذور قبل الإنبات الصفحة 483 وتحطّمها، أو يسلّط عليها آفة تتلفها بعد الإنبات كالجراد، أو تنزل عليها صاعقة كبيرة بحيث لا تبقي ولا تذر إلاّ شيئاً من التبن اليابس، وعند ذلك تضطربون وتندمون عند مشاهدتكم لمنظرها. هل كان بالإمكان حدوث مثل هذه الاُمور إذا كنتم أنتم الزارعون الحقيقيون؟ إذاً فاعلموا أنّ كلّ هذه البركات من مصدر آخر. «حطام»: من مادّة (حطم) على وزن (حتم) تعني في الأصل كسر الشيء، وغالباً ما تطلق على كسر الأشياء اليابسة كالعظام النخرة وسيقان النباتات الجافّة، والمقصود هنا هو التبن. ويحتمل أيضاً أنّ المقصود بالحطام هنا هو فساد البذور في التربة وعدم نموّه. «تفكّهون»: من مادّة (فاكهة) بمعناها المتعارف، كما تطلق فكاهة على المزاح وذكر الطرائف التي هي فاكهة جلسات الاُنس، ويأتي هذا المصطلح أحياناً للتعجّب والحيرة، والآية مورد البحث من هذا القبيل. في بعض الأحيان يضحك الإنسان في الحالة العصبية وتسمّى هذه الضحكة بـ (ضحكة الغضب) كما في المزاح الذي يكون عند الظروف الصعبة والمصائب الثقيلة، وبناءً على هذا فالمقصود: بالفكاهة ـ أحياناً ـ هو المزاح المقترن بالألم. نعم تتعجّبون وتغمركم الحيرة وتقولون (إنّا لمغرمون بل نحن محرمون). وإذا كنتم أنتم الزارعين الحقيقيين، فهل بإمكانكم أن تمنعوا وتدفعوا عن زرعكم الأضرار والمصير المدمّر والنتيجة البائسة؟ وهذا التحدّي يؤكّد لنا أنّ جميع اُمور الخلق من الله سبحانه، وكذلك فإنّه هو الذي ينبت من بذرة لا قيمة لها الصفحة 484 نباتات طريّة وأحياناً مئات أو آلاف البذور منها، تلك النباتات التي يتغذّى عليها الإنسان بشكل أساسي ويستفيد من أغصانها وأوراقها وأحياناً جذورها وبقيّة أجزائها غذاء للحيوان ودواء للأمراض والأسقام. * * * الصفحة 485 الآيات أَفَرَءَيْتُمُ الْمَآءَ الَّذِى تَشْرَبُونَ ءَأَنتُمْ أَنزَلُْتمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ لَوْ نَشَآءُ جَعَلْنَـهُ أُجَاجاً فَلَوْلاَ تَشْكُرُونَ أَفَرَءَيْتُمُ النَّارَ الَّتِى تُورُونَ ءَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَآ أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ نَحْنُ جَعَلْنَـهَا تَذْكِرَةً وَمَتَـعاً لِّلْمُقْوِينَ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ التّفسير من الذي خلق الماء والنار؟ يشير سبحانه في هذه الآيات إلى سادس وسابع دليل للمعاد في هذا القسم من آيات سورة الواقعة، التي تبيّن قدرة الله تعالى على إحياء الموتى، بل في كلّ شيء. (أفرأيتم الماء الذي تشربون). (أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون). «مزن»: على وزن (حزن) كما يقول الراغب في المفردات تعني (الغيوم الصفحة 486 البيضاء) وفسّرها البعض بأنّها (الغيوم الممطرة). إنّ هذه الآيات تجعل الوجدان الإنساني أمام إستفسارات عدّة كي تأخذ إقراراً منه، حيث يسأل الله سبحانه: هل فكّرتم بالماء الذي تشربونه بإستمرار والذي هو سرّ حياتكم؟ وهل تدبّرتم من الذي يأمر الشمس بالشروق على صفحات المحيط حيث تفصل جزئيات الماء الخالص الحلو والطاهر من بين المياه المالحة؟ وهل علمتم من الذي يحمل هذا البخار نحو السماء؟ ومن الذي يأمر البخار بالتجمّع وتشكيل غيوم الأمطار؟ ومن الذي يأمر الرياح بالتحرّك وحمل الغيوم إلى الأراضي القاحلة والميتة؟ ومن الذي يمنح للطبقات العليا في الجوّ هذه الخاصيّة من البرودة بحيث تمنح إستمرار صعود البخار نحو الأعلى، كي يتحوّل البخار إلى قطرات صغيرة وملائمة تسقط على الأرض بهدوء وتعاقب؟ وهل نعلم ماذا سيحدث لو إنقطعت الشمس عن الشروق لمدّة سنة واحدة؟ أو توقّفت الرياح عن التحرّك؟ أو رفضت الطبقات العليا حفظ البخار من الصعود إلى الأعلى؟ أو حبسته من النّزول إلى الأرض؟ لا شكّ أنّ الذي سيحدث يمثّل كارثة، حيث يموت الزرع والنخيل وتهلك مزارعكم وحدائقكم وحيواناتكم، بل ستهلكون أنتم من الظمأ أيضاً. إنّ القوّة التي أعطت هذه القدرة ومنحت كلّ هذه النعم والبركات العظيمة، بما أودعته من قوانين ونظم في عالم الخلق، أتظنّون أنّها غير قادرة على إحياء الموتى؟ الصفحة 487 وهل أنّ إحياء الموتى غير هذا؟ أليس إحياء الأراضي الميتة نوعاً من أنواع إحياء الموتى؟ نعم، إنّه دليل على ذلك، وهو دليل على التوحيد وعظمة القدرة الإلهيّة، ودليل أيضاً على الحشر والمعاد. وإذا لاحظنا في الآيات أعلاه عملية إستعراض لماء الشرب ـ فقط ـ وعدم التحدّث عن تأثيره في حياة الحيوانات أو النباتات فإنّ السبب هو الأهميّة البالغة للماء في حياة الإنسان نفسه، بالإضافة إلى أنّه قد اُشير له في الآيات السابقة في الحديث الزرع، لذا لا حاجة لتكرار ذلك. والطريف هنا أنّ أهميّة الماء وتأثيره في حياة الإنسان تزداد مع مرور الزمن وتقدّم الصناعة والعلم والمعرفة الإنسانية، فالإنسان الصناعي يحتاج إلى الماء بصورة متزايدة، لذلك فإنّ كثيراً من المؤسسات الصناعية العظيمة لا تكون لها القدرة على الفاعلية إلاّ حينما تكون على ضفاف الأنهار العظيمة. وأخيراً ـ ولإكمال البحث في الآية اللاحقة ـ يقول سبحانه: (لو نشاء جعلناه اُجاجاً فلولا تشكرون). نعم، لو أراد الله تعالى، للأملاح المذابة في مياه البحار أن تتبخّر مع ذرّات الماء، وتصعد إلى السماء معها وتشكّل غيوماً مالحة ومرّة، وتنزل قطرات المطر مالحة مرّة أيضاً كمياه البحر، فهل هنالك من قوّة تمنعه؟ ولكنّه بقدرته الكاملة لم يسمح للأملاح بذلك، ولا للمكروبات ـ أيضاً ـ أن تصعد إلى السماء مع بخار الماء، ولهذا فإنّ قطرات المطر عندما يكون الجوّ غير ملوّث تعتبر أنقى وأطهر وأعذب المياه. «اُجاج»: من مادّة (أجّ) على وزن (حجّ) وقد أخذت في الأصل من «أجيج الصفحة 488 النار» يعني إشتعالها وإحتراقها، ويقال «اُجاج» للمياه التي تحرق الفمّ عند شربها لشدّة ملوحتها ومرارتها وحرارتها. نختتم حديثنا هذا بحديث لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث ذكر الرواة أنّ النّبي كان إذا شرب الماء قال: «الحمد لله الذي سقانا عذباً فراتاً برحمته، ولم يجعله ملحاً اُجاجاً بذنوبنا». وأخيراً نصل إلى سابع ـ وآخر ـ دليل للمعاد في هذه السلسلة من الآيات الكريمة، وهو خلق النار التي هي أهمّ وسيلة لحياة الإنسان وأكثرها أهميّة له في المجالات الصناعية المختلفة، حيث يقول سبحانه: (أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن). «تورون»: من مادّة (ورى) على وزن (نفى) بمعنى الستر، ويقال للنار التي تكون مخفية في الوسائل التي لها القابلية على الإشتعال والتي تظهر بشرارة «ورى» و «ايراء»، وخروجها يكون عن. وتوضيح ذلك: إنّ لإشعال النار وإيجاد الشرارة الاُولى، والتي تستحصل اليوم بواسطة الكبريت والقداحات وما إلى ذلك، فإنّهم كانوا يحصلون عليها من الحديد والحجر المخصّص للقدح، حيث تظهر الشرارة بضرب الواحد بالآخر، أمّا أعراب الحجاز فكانوا يستفيدون من نوعين من الشجر الخاصّ الذي ينمو في الصحراء وهما (المرخ) و (العفار) حيث يأخذون قطعتي خشب ويضعون الاُولى أسفل والعفار فوقه فتتولّد الشرارة منها كما تتولّد من الحجر المستعمل للقدح. وفسّر أغلب المفسّرين الآية بأنّها دليل آخر على قدرة الله البالغة في النار المخفية في خشب الأشجار الخضراء كمولّد للشرر والنار، في الوقت الذي تكون فيه الأشجار الخضراء مشبّعة بالماء، فأين الماء؟ وأين النار؟ الصفحة 489 هذا الخالق العظيم الذي يتميّز بهذه القدرة، الذي وضع الماء والنار جنباً إلى جنب الواحد داخل الآخر، كيف لا يستطيع أن يلبس الموتى لباس الحياة، ويحييهم في الحشر. وقد ورد دليل شبيه بهذا حول المعاد في آخر آيات سورة «يس» أيضاً يقول تعالى: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون). ولكن كما ذكرنا في تفسير الآية أعلاه فإنّ تعبير القرآن يمكن أن يكون إشارة إلى دليل أظرف، وهو حشر وتحرّر الطاقات وإنطلاقها. وبتعبير آخر: فإنّ الحديث هنا ليس فقط عن (القادحات) بل عن المواد التي لديها قابلية الإشتعال ـ كالخشب والحطب ـ حيث تولّد عند إحتراقها كلّ هذه الحرارة والطاقة. وتوضيح ذلك: أنّه ثبت من الناحية العلمية أنّ النار التي نشاهدها اليوم عند إحتراق الأخشاب هي نفس الحرارة التي أخذتها الأشجار من الشمس على مرّ السنين وادّخرتها في داخلها، فنحن نتصوّر أنّ أشعّة الشمس طيلة إشراقها على الشجر خلال خمسين سنة قد ذهبت آثارها غافلين عن أنّ حرارتها قد ادّخرت في الشجرة، وعندما تصل شرارة النار إلى الأخشاب اليابسة تبدأ بالإحتراق وتطلق الحرارة الكامنة فيها. وبذلك يكون هنا أيضاً معاد ومحشر وتحيا الطاقات من جديد مرّة اُخرى، ولسان حال الأشجار يقول: إنّ الخالق الذي هيّأ لنا الحشر قادر أن يهيّأ لكم حشراً يابني البشر. (ولمزيد من الإطلاع في هذا المجال راجعوا البحث المفصّل الذي بيّناه في الآية من سورة يس). جملة (يورون) ـ بمعنى إشعال النار ـ بالرغم من أنّها فسّرت هنا بما يستفاد الصفحة 490 منه توليد النار، إلاّ أنّه لا مانع من أن تشمل الأشياء المشتعلة أيضاً كالحطب بإعتباره ناراً خفيّة تظهر وقت توفّر الشروط المناسبة لها. ولا تنافي بين المعنيين، حيث المعنى الأوّل يفهمه العامّة من الناس، والثاني أدقّ، يتوضّح مع مرور الزمن وتقدّم العلم والمعرفة. وفي الآية اللاحقة يضيف مؤكّداً الأبحاث أعلاه بقوله سبحانه: (نحن جعلناها تذكرةً ومتاعاً للمقوين). إنّ عودة النار من داخل الأشجار الخضراء تذكّرنا برجوع الأرواح إلى الأبدان في الحشر من جهة، ومن جهة اُخرى تذكّرنا هذه النار بنار جهنّم. يقول الرّسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) «ناركم هذه التي توقدون جزء من سبعين جزءاً من نار جهنّم». أمّا تعبير (متاعاً للمقوين) فإنّه إشارة قصيرة ومعبّرة للفوائد الدنيوية لهذه النار، وقد ورد تفسيران لمعنى المقوين: الأوّل: أنّ (مقوين) من مادّة (قواء) على وزن (كتاب) بمعنى الصحراء اليابسة المقفرة، ولهذا اُطلقت كلمة (المقوين) على الأشخاص الذين يسيرون في الصحاري، ولأنّ أفراد البادية فقراء، لذا فقد جاء هذا التعبير بمعنى «الفقير» أيضاً. والتّفسير الثاني: أنّ (مقوين) من مادّة (قوّة) بمعنى أصحاب القوّة، وبناءً على هذا فإنّ المصطلح المذكور هو من الكلمات التي تستعمل بمعنيين متضادّين. صحيح أنّ النار هي مورد إستفادة الجميع ـ ولكن المسافرين يستفيدون منها ويعتمدون عليها في الدفء والطهي وخاصّة في أسفارهم في الأزمنة القديمة أكثر من الآخرين. وإستفادة «الأقوياء» من النار واضحة أيضاً، وذلك لإتّساع المجالات التي الصفحة 491 يستعملون النار فيها في اُمور حياتهم المختلفة، خصوصاً مع اتّساع دائرة البحث العلمي كما في عالمنا المعاصر، حيث إنّ الحرارة الناشئة من أنواع النار تحرّك عجلة المصانع العظيمة، وإذا ما تعطّلت هذه الوسيلة المهمّة وإنطفأت شعلتها العظيمة ـ والتي جميعها من الشجر ـ بما في ذلك النار المأخوذة من الفحم الحجري أو المواد النفطية حيث ترجع إلى النباتات بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ فإنّها ستتعطّل الحياة المدنية، بل وستنطفيء حياة الإنسان أيضاً. وبدون شكّ فإنّ النار من أهمّ إكتشافات البشر، في حين أنّ الله تعالى هو الذي أوجدها ودور الإنسان فيها بسيط وعادي جدّاً. لقد قفز إكتشاف النار بالإنسانية مرحلة مهمّة حيث بدأت تسير من ذلك الوقت في مراحل جديدة من التمدّن والرقي. نعم هذه الحقائق جميعاً عبّر عنها القرآن الكريم بجملة قصيرة: (نحن جعلناها تذكرة ومتاعاً للمقوين). وممّا يجدر ذكره أنّ الآية أعلاه إستعرضت في البداية الفوائد المعنوية للنار، والتي تذكّرنا بيوم القيامة، والتي هي محور الحديث في هذا البحث، ثمّ إنتقلت إلى ذكر تفاصيل الفوائد الدنيوية لها، لأنّ للناحية الاُولى أهميّة أكثر، بل تمثّل الأصل والأساس في البحث. بعد ذكر النعم الثلاث (الحبوب الغذائية، والماء، والنار) والتي روعي ترتيب أهميّتها وفق تسلسل طبيعي ـ لأنّ إهتمام الإنسان يبدأ أوّلا بالحبوب الغذائية ثمّ يمزجها بالماء ومن ثمّ يطهوها ويهيّؤها للغذاء بواسطة النار ـ يستنتج سبحانه نتيجة مهمّة بعد ما ركّز على أهميّة هذه النعم للإنسان وذلك بتسبيحه والشكر له تعالى بإعتباره المصدر الوحيد لهذه النعم .. فيقول سبحانه في آخر آية مورد الصفحة 492 البحث: (فسبّح باسم ربّك العظيم). نعم، إنّ الله الذي خلق كلّ هذه النعم، والتي كلّ منها تذكّرنا بقدرته وتوحيده وعظمته ومعاده، لائق للتسبيح والتنزيه من كلّ عيب ونقص. إنّه ربّ، وكذلك فإنّه «عظيم» وقادر ومقتدر، وبالرغم من أنّ المخاطب في هذه الآية هو الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) إلاّ أنّ من الواضح أنّ جميع البشر هم المقصودون. * * * تعقيب من المناسب هنا الإشارة إلى بعض الأحاديث الشريفة ـ حول الآيات أعلاه ـ عن الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) وكذلك عن الإمام علي (عليه السلام). أوّلا: نقرأ في تفسير روح المعاني حديثاً للإمام علي (عليه السلام) أنّه في إحدى الليالي كان الإمام يصلّي ويقرأ سورة الواقعة ـ ولمّا وصل إلى الآية: (أفرأيتم ما تمنون أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون) قال ثلاث مرّات: ـ بعد إنتهاء صلاته «بل أنت ياربّ» وعندما وصل إلى الآية: (أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) قال ثلاث مرّات «بل أنت ياربّ» وعندما وصل إلى قوله تعالى: (أأنتم أنزلتموه من المُزن أم نحن المنزلون)قال ثلاث مرّات أيضاً «بل أنت ياربّ» ثمّ تلا قوله تعالى: (أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون) قل ثلاث مرّات «بل أنت ياربّ». وموضع العبرة في هذا الحديث هي ضرورة ملاحظة هذه الآيات التي وردت في القرآن الكريم بعنوان إستفهام تقريري وأن يعطي الإنسان جواباً إيجابياً لله الصفحة 493 سبحانه الذي يتحدّث معه لتركيز هذه الحقائق في روحه ونفسه، وعليه أن يتعمّق في ذلك من خلال القراءة المتدبّرة الواعية، ولا يقتنع بالتلاوة الفارغة. ثانياً: جاء في حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «لا تمنعوا عباد الله فضل ماء ولا كلأ ولا نار فإنّ الله تعالى جعلها متاعاً للمقوين، وقوّة للمستضعفين». ثالثاً: ونقرأ في حديث آخر أنّ الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) قال حينما نزلت الآية الكريمة: (فسبّح باسم ربّك العظيم): «اجعلوها في ركوعكم».، أي قولوا في ركوعكم: سبحان ربّي العظيم وبحمده. * * * الصفحة 494 الآيات فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَقِعِ النُّجُومِ وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ إِنَّهُ لَقُرْءَانٌ كَرِيمٌ فِى كِتَـب مَّكْنُون لاَّ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَـلَمِينَ أَفَبِهَـذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ التّفسير المطهّرون ومعرفة أسرار القرآن: إستمراراً للأبحاث التي جاءت في الآيات السابقة، والتي تركّز الحديث فيها حول الأدلّة السبعة الخاصّة بالمعاد، ينتقل الحديث الآن عن أهميّة القرآن الكريم بإعتباره يشكّل مع موضوع النبوّة ركنين أساسيين بعد مسألة المبدأ والمعاد والتي بمجموعها تمثّل أهمّ الأركان العقائدية، فبالإضافة إلى أنّ للقرآن الكريم أبحاثاً عميقة حول أصلي التوحيد والمعاد، فإنّه يعتبر تحكيماً لهذين الأصلين. يبدأ الحديث بقسم عظيم، حيث يقول سبحانه: (فلا اُقسم بمواقع النجوم). يعتقد الكثير من المفسّرين أن (لا) التي جاءت هنا ليست بمعنى النفي حيث إنّها زائدة وللتأكيد، كما جاء نفس هذا التعبير في الآيات القرآنية الاُخرى حول الصفحة 495 القسم بيوم القيامة والنفس اللوامة وربّ المشارق والمغارب والشفق، وما إلى ذلك. في الوقت الذي اعتبر البعض الآخر أنّ (لا) هنا جاءت للنفي، حيث قالوا: إنّ المطلب (مورد القسم) أهمّ من أن يقسم به، كما نقول في تعبيراتنا اليوميّة: نحن لا نقسم بالموضوع الفلاني، أي نفي القسم وأنّ (لا) هنا جاءت إشارة لذلك. إلاّ أنّ التّفسير الأوّل هو الأنسب حسب الظاهر، لأنّه قد ورد في القرآن الكريم القسم بالله صراحة، فهل أنّ النجوم أفضل من الذات الإلهيّة حتّى لا يقسم بها؟ وحول (مواقع النجوم) فقد ذكر المفسّرون تفسيرات عديدة لها: الأوّل: هو المعنى المتعارف عليه من حيث مداراتها وأبراجها ومسيرها. والآخر: هو أنّ المقصود بذلك مواقع طلوعها وغروبها. والثّالث: هو سقوط النجوم في الحشر والقيامة. وفسّرها آخرون: بأنّ معناه هو غروب النجوم فقط. وإعتبرها آخرون إشارة وإنسجاماً مع قسم من الرّوايات حول نزول آيات وسور القرآن الكريم في فواصل زمنية مختلفة، وذلك لأنّ «النجوم» جمع نجمة تستعمل للأعمال التي تنجز بصورة تدريجيّة. وبالرغم من أنّ المعاني لا تتنافى حيث يمكن جمعها في الآية أعلاه، إلاّ أنّ التّفسير الأوّل هو الأنسب حسب الظاهر، وذلك لأنّ أكثر الناس كانوا لا يعلمون أهميّة هذا القسم عند نزول الآيات، بعكس الحالة اليوم، والتي توضّح لنا أنّ لكلّ نجمة من النجوم مكانها المخصّص ومدارها ومسارها المحدّد لها بدقّة وحساب، وذلك طبقاً لقانون الجاذبية، وإنّ سرعة السير لكلّ منها محدّدة أيضاً وفق قانون معيّن وثابت. وهذه المسألة بالرغم من أنّها غير قابلة للحساب بصورة دقيقة في الأجرام الصفحة 496 السماوية البعيدة، إلاّ أنّ المجاميع الموجودة في المنظومة الشمسية التي تشكّل النجوم القريبة لنا، قد درست بدقّة وتبيّن أنّ نظام مداراتها دقيق إلى حدّ مدهش. وعندما يلاحظ الإنسان ـ طبقاً لتصريحات العلماء ـ أنّ في (مجرّتنا) فقط ألف مليون نجمة، وتوجد في الكون مجرّات كثيرة، وكلّ واحدة منها لها مسار خاصّ، عندئذ ستتوضّح لنا أهميّة هذا القسم القرآني. ونقرأ في كتاب (الله والعلم الحديث) ما يلي: «يعتقد العلماء الفلكيون أنّ هذه النجوم التي تتجاوز الملياردات، والتي نرى قسماً منها بالعين المجرّدة، والقسم الكثير منها لا يمكن رؤيته إلاّ بالتلسكوبات بل إنّ قسماً منها لا نستطيع مشاهدته حتّى بالتلسكوبات، اللهمّ إلاّ بوسائل خاصّة نستطيع أن نصوّرها بها. كلّ من هذه النجوم تدور في مدارها الخاصّ، ولا يوجد أي إحتمال أنّ واحدة منها تكون في حقل الجاذبية لنجمة اُخرى. أو أنّ بعضها يصطدم بالبعض الآخر، وفي الواقع أنّ حالة التصادم المفترضة مثل ما لو إفترضنا أنّ سفينة في المحيط الهاديء تصطدم مع سفينة اُخرى تجري في البحر الأبيض المتوسّط وكلّ منها سائرة بموازاة الاُخرى وبسرعة واحدة ... إنّ هذا الأمر لو لم يكن محالا فهو بعيد جدّاً. كذلك الأمر بالنسبة للنجوم حيث أنّ كلا منها لها مدارها الخاصّ بها ولن تصطدم بالاُخرى رغم السرعة الهائلة لكلّ منها». وبالنظر إلى هذه الإكتشافات العلمية عن وضع النجوم، تتوضّح أهميّة القسم أعلاه، ولهذا السبب فإنّه تعالى يضيف في الآية اللاحقة: (وإنّه لقسم لو تعلمون عظيم). التعبير بـ (لو تعلمون) يوضّح وبشكل جليّ أنّ معرفة البشر في ذلك الزمان الصفحة 497 لم تدرك هذه الحقيقة بصورة كاملة، وهذه بحدّ ذاتها تعتبر إعجازاً علميّاً للقرآن الكريم، حيث في الوقت الذي كانت تعتبر النجوم عبارة عن مسامير فضائية رصّعت السماء بها فانّ مثل هذا البيان القرآني الرائع في ظلّ ظروف وأوضاع يخيّم عليها الجهل، محال أن يصدر من بشر عادي. وتوضّح الآية اللاحقة ما هو المقصود من ذكر هذا القسم؟ حيث يقول سبحانه: (إنّه لقرآن كريم). وبهذه الصورة فإنّه يردّ على المشركين المعاندين الذين يصرّون بإستمرار على أنّ هذه الآيات المباركة هي نوع من التكهّن ـ والعياذ بالله ـ أو أنّه حديث جنوني أو شعر، أو أنّه من قبل الشيطان .. فيردّ عليهم سبحانه بأنّه وحي سماوي وحديث بيّن وعظمته وأصالته لا غبار عليها، ومحتواه يعبّر عن مبدأ نزوله، وأنّ هذا الموضوع واضح بحيث لا يحتاج لبيان المزيد. إنّ وصف القرآن بـ «الكريم» (بما أنّ الكرم بالنسبة لله هو: الإحسان والإنعام، ويستعمل للبشر بمعنى اتّصاف الشخص بالالاخلاق والإحسان، وبصورة عامّة فهو إشارة إلى المحاسن العظيمة) إشارة للجمال الظاهري للقرآن من حيث الفصاحة وبلاغة الألفاظ والجمل، وكذلك فإنّها إشارة لمحتواه الرائع، لأنّه نزل من قبل مبدأ ومنشأ كلّه كمال وجمال ولطف. نعم، إنّ القرآن كريم وقائله كريم ومن جاء به كذلك، وأهدافه كريمة أيضاً. ثمّ يستعرض الوصف الثاني لهذا الكتاب السماوي العظيم حيث يقول تعالى: (في كتاب مكنون). إنّه في «لوح محفوظ» في علم الله، محفوظ من كلّ خطأ وتغيير وتبديل، وطبيعي أنّ الكتاب الذي يستلهم مفاهيمه وأفكاره من المبدأ الأعلى وأصله عند الصفحة 498 الله، فإنّه مصون من كلّ تحريف وخطأ وإشتباه. وفي ثالث وصف له يقول سبحانه: (لا يمسّه إلاّ المطهّرون). ذكر الكثير من المفسّرين ـ تماشياً مع بعض الرّوايات الواردة عن الأئمّة المعصومين ـ بعدم جواز مسّ (كتابة) القرآن الكريم بدون غسل أو وضوء. في الوقت الذي إعتبر بعض آخر أنّها إشارة إلى الملائكة المطهّرين الذين لهم علم بالقرآن، ونزلت بالوحي على قلب الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في مقابل قول المشركين الذين كانوا يقولون: إنّ هذه الكلمات قد نزلت بها الشياطين على محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم). كما إعتبر بعضهم أنّها إشارة إلى أنّ الحقائق والمفاهيم العالية في القرآن الكريم لا يدركها إلاّ المطهّرون، كما في قوله تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدىً للمتّقين). وبتعبير آخر فإنّ طهارة الروح في طلب الحقيقة تمثّل حدّاً أدنى من مستلزمات إدراك الإنسان لحقائق القرآن، وكلّما كانت الطهارة والقداسة أكثر كان الإدراك لمفاهيم القرآن ومحتوياته بصورة أفضل. إنّ التفاسير الثلاثة المارّة الذكر لا تتنافى مع بعضها البعض أبداً ويمكن جمعها في مفهوم الآية مورد البحث. وفي رابع وآخر وصف للقرآن الكريم يقول تعالى: (تنزيل من ربّ العالمين) إنّ الله المالك والباريء لجميع الخلق، قد نزّل هذا القرآن لهداية البشر، وقد أنزله سبحانه على قلب النّبي الطاهر، وكما أنّ العالم التكويني صادر منه وهو تعالى ربّ العالمين فكذلك الحال في المجال التشريعي، فكلّ نعمة وهداية فمن ناحيته ومن عطائه. الصفحة 499 ثمّ يضيف سبحانه: (أفبهذا الحديث أنتم مدهنون) هل أنتم بهذا القرآن وبتلك الأوصاف المتقدّمة تتساهلون، بل تنكرونه وتستصغرونه في حين تشاهدون الأدلّة الصادقة والحقّة بوضوح، وينبغي لكم التسليم والقبول بكلام الله سبحانه بكلّ جديّة، والتعامل مع هذا الأمر كحقيقة لا مجال للشكّ فيها. عبارة «هذا الحديث» في الآية الكريمة إشارة للقرآن الكريم، و «مدهنون» في الأصل من مادّة (دهن) بالمعنى المتعارف عليه، ولأنّ الدهن يستعمل للبشرة واُمور اُخرى، فإنّ كلمة (أدهان) جاءت بمعنى المداراة والمرونة، وفي بعض الأحيان بمعنى الضعف وعدم التعامل بجدية ... ولأنّ المنافقين والكاذبين غالباً ما يتّصفون بالمداراة والمصانعة، لذا إستعمل هذا المصطلح أحياناً بمعنى التكذيب والإنكار، ويحتمل أن يكون المعنيان مقصودان في الآية. والأصل في الإنسان أن يتعامل بجديّة مع الشيء الذي يؤمن به، وإذا لم يتعامل معه بجديّة فهذا دليل على ضعف إيمانه به أو عدم تصديقه. وفي آخر آية ـ مورد البحث ـ يقول سبحانه إنّكم بدلا من أن تشكروا الله تعالى على نعمه ورزقه وخاصّة نعمة القرآن الكبيرة، فانّكم تكذّبون به: (وتجعلون رزقكم أنّكم تكذّبون). قال البعض: إنّ المقصود أنّ إستفادتكم من القرآن هي تكذيبكم فقط، أو أن التكذيب تجعلونه وسيلة لرزقكم ومعاشكم. إلاّ أنّ التّفسير الأوّل مناسب للآيات السابقة ولسبب النّزول أكثر من التّفسيرين الأخيرين. وإنسجاماً مع هذا الرأي فقد نقل كثير من المفسّرين عن ابن عبّاس قوله: الصفحة 500 أصاب الناس عطش في بعض أسفاره (صلى الله عليه وآله وسلم) فسقوا، فسمع رجلا يقول: مطرنا بنوء كذا، فنزلت الآية (لأنّ العرب كانوا يعتقدون في الجاهلية بالأنواء وأنّ لها الأثر في نزول المطر، ويقصد بها النجوم التي تظهر بين آونة واُخرى في السماء، وأنّ ظهورها يصاحبه نزول المطر، كما يعتقدون، ولهذا يقولون: مطرنا بنوء كذا، أي ببركة طلوع النجم الفلاني، وهذا بذاته أحد مظاهر الشرك الجاهلي وعبادة النجوم). والنقطة الجديرة بالملاحظة هنا أنّه جاء في بعض الرّوايات عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قلّما كان يفسّر الآيات، وإجمالا كان يتصدّى للتفسير عندما تستلزم الضرورة، كما في هذا المورد حيث أخبر (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ المقصود من (وتجعلون رزقكم أنّكم تكذّبون) «وتجعلون شكركم أنّكم تكذّبون». * * * تعقيب أوّلا: خصوصية القرآن الكريم يستنتج من الأوصاف الأربعة ـ التي ذكرت في الآيات أعلاه ـ حول القرآن، أنّ عظمة القرآن هي في عظمة محتواه من جهة، وعمق معناه من جهة اُخرى، ومن جهة ثالثة فإنّ القداسة القرآنية لا يستوعبها إلاّ الطاهرون والمؤمنون، ومن جهة رابعة: في الجانب التربوي المتميّز فيه، لأنّه نزل من ربّ العالمين، وكلّ واحدة من هذه الصفات تحتاج إلى بحث مفصّل أوضحناه في نهاية الآيات المناسبة لكلّ موضوع. الصفحة 501 ثانياً: القرآن والطهارة نقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: (لا يمسّه إلاّ المطهّرون) وقلنا: إنّ المسّ يفسّر بالمسّ الظاهري وبالمعنوي كذلك، ولا تضادّ بينهما، وهما مجموعان في المفهوم الكلّي للآية. وفي القسم الأوّل نقلت روايات لأهل البيت (عليهم السلام) عن أبي الحسن الإمام علي بن موسى الرضا (عليه السلام) أنّه قال: (المصحف لا تمسّه على غير طهر، ولا جنب، ولا تمسّ خطّه ولا تعلّقه، إنّ الله تعالى يقول: (لا يمسّه إلاّ المطهّرون). ونقل نفس المعنى في حديث آخر عن الإمام الباقر (عليه السلام) مع إختلاف مختصر. وجاء في مصادر أهل البيت (عليهم السلام) من طرق مختلفة أنّ الرّسول الأعظم (صلى الله عليه وآله وسلم)قال: «لا يمسّ القرآن إلاّ الطاهر». وحول اللمس المعنوي نقل عن ابن عبّاس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّه قال: «إنّه لقرآن كريم في كتاب مكنون» قال: «عند الله في صحف مطهّرة» (لا يمسّه إلاّ المطهّرون)قال: «المقرّبون». وهذا المعنى يمكن الإستدلال عليه بواسطة العقل أيضاً، لأنّه رغم أنّ القرآن الكريم هو كتاب هداية لعموم الناس، ولكنّنا نعلم أنّ الكثير ممّن سمعوا القرآن من فم النّبي الأكرم، ورأوا هذا الماء الزلال في عين الوحي الصافية، إلاّ أنّهم بسبب تلوّثهم بالعصبية والعناد والغرور لم يؤثّر فيهم أي تأثير ولم ينتفعوا به أقلّ إنتفاع، وهناك أشخاص اهتدوا به لمجرّد أنّهم سعوا ولو قليلا لتطهير أنفسهم وتهذيبها الصفحة 502 وجاءوا إلى القرآن بروح باحثة عن الحقّ والحقيقة، فعلى هذا كلّما إزدادت طهارة وتقوى الإنسان فإنّه مرشّح لإستيعاب المفاهيم القرآنية بصورة أعمق، ومن هنا فإنّ الآية تصدق في البعدين (المادّي والمعنوي) و (الجسمي والروحي). وممّا لا شكّ فيه أنّ شخص الرّسول (صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة المعصومين (عليهم السلام) والملائكة المقرّبين هم أوضح مصداق للمقرّبين الذين أدركوا حقائق القرآن الكريم بصورة متميّزة عن الجميع. * * * الصفحة 503 الآيات فَلَوْلاَ إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ وَأَنتُمْ حِينَئِذ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَـكِن لاَّ تُبْصِرُونَ فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَآ إِن كُنتُمْ صَـدِقِينَ التّفسير عندما تصل الروح إلى الحلقوم: من اللحظات الحسّاسة التي تقلق الإنسان دائماً هي لحظة الإحتضار ونهاية العمر، في تلك اللحظة يكون كلّ شيء قد إنتهى، وقد جلس أهله وأحبّاؤه ينظرون إليه بيأس كشمعة قد إنتهى أمدها وستنطفىء رويداً رويداً، حيث يودّع الحياة دون أن يستطيع أحد أن يمدّ إليه يد العون. نعم، إنّ الضعف التامّ للإنسان يتجسّد في تلك اللحظات الحسّاسة ليس في العصور القديمة فحسب بل حتّى في عالمنا المعاصر، فمع توفّر جميع الإمكانات الطبيّة والفنيّة والوسائل العلاجية فإنّ الضعف يتجلّى في ساعة الإحتضار. وتكملة لأبحاث المعاد والردّ على المنكرين والمكذّبين فإنّ القرآن الكريم يرسم لنا صورة معبّرة ومجسّدة لهذه اللحظات حيث يقول سبحانه: (فلولا إذا الصفحة 504 بلغت الحلقوم وأنتم حينئذ تنظرون) ولا تستطيعون عمل شيء من أجله. والمخاطبون هنا هم أقارب المحتضر الذين ينظرون إلى حالته في ساعة الإحتضار من جهة، ويلاحظون ضعفه وعجزه من جهة ثانية، وتتجلّى لهم قدرة الله تعالى على كلّ شيء، حيث أنّ الموت والحياة بيده، وأنّهم ـ أي أقاربه ـ سيلاقون نفس المصير. ثمّ يضيف سبحانه (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون). نعم، نحن الذين نعلم بصورة جيّدة ما الذي يجول في خواطر المحتضر؟ وما هي الإزعاجات التي تعتريه؟ نحن الذين أصدرنا أمرنا بقبض روحه في وقت معيّن، إنّكم تلاحظون ظاهر حاله فقط، ولا تعلمون كيفية إنتقال روحه من هذه الدار إلى الدار الآخرة، وطبيعة المخاضات الصعبة التي يعيشها في هذه اللحظة. وبناءً على هذا فالمقصود من الآية هو: قرب الله عزّوجلّ من الشخص المحتضر، بالرغم من أنّ البعض إحتمل المقصود بالقرب (ملائكة قبض الروح) إلاّ أنّ التّفسير الأوّل منسجم مع ظاهر الآية أكثر. وعلى كلّ حال فإنّ الله سبحانه ليس في هذه اللحظات أقرب إلينا من كلّ أحد، بل هو في كلّ وقت كذلك، بل هو أقرب إلينا حتّى من أنفسنا، بالرغم من أنّنا بعيدون عنه نتيجة غفلتنا وعدم وعينا، ولكن هذا المعنى في لحظة الإحتضار يتجلّى أكثر من أي وقت آخر. ثمّ للتأكيد الأشدّ في توضيح هذه الحقيقة يضيف تعالى: (فلولا إن كنتم غير مدينين ترجعونها إن كنتم صادقين). الصفحة 505 إنّ ضعفكم هذا دليل أيضاً على أنّ مالك الموت والحياة واحد، وأنّ الجزاء بيده، وهو الذي يحي ويميت. «مدينين»: جمع (مدين) من مادّة (دَين) بمعنى الجزاء، وفسّرها البعض بمعنى المربوبين. والمعنى هو: ياأيّها العباد، إن كنتم تحت ربوبية موجود آخر، ومالكي نواصي اُموركم، فارجعوا أرواحكم التي قبضناها، وهيهات تقدرون! وهذا دليل آخر على أنّكم في قبضة الحكومة الإلهية. * * * تعقيب
تأويل ما نزل في النبي وآله — الإمام الصادق عليه السلام
عن الحسن البصري قال خطبنا علي بن أبي طالب صلوات الله عليه على هذا المنبر وذلك بعدما فرغ من أمر طلحة والزبير وعايشة ، صعد المنبر فحمد الله واثنى عليه وصلى على رسوله صلى الله عليه وآله ، ثم قال : أيها الناس والله ما قاتلت هؤلاء بالأمس الا بآية تركتها في كتاب الله ان الله يقول ( وان نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون ) اما والله لقد عهد إلى رسول الله عليه وآله السلام وقال لي يا علي لتقاتلن الفئة الباغية والفئة الناكثة ، والفئة المارقة .
تفسير العياشي — الله ، فإنه في جرايد النخل وفى أكتاف الإبل ، قال عمر : قوموا بنا إليه ، فقام — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
عن أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال
قلت له : أصلحك الله أكان رسول الله صلى الله عليه وآله يتعوذ من البخل ؟ قال : نعم يا با محمد في كل صباح ومساء ، ونحن نعوذ بالله من البخل ، ان الله يقول في كتابه ( ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون ) وسأنبئك عن عاقبة البخل ، ان قوم لوط كانوا أهل قرية بخلاء أشحاء على الطعام فأعقبهم الله داء لا دواء له في فروجهم ، قلت : وما أعقبهم ؟ قال : ان قوم ( قرية خ ل ) لوط كانت على طريق السيارة إلى الشام ومصر ، فكانت المارة تنزل بهم فيضيفونه ، فلما ان كثر ذلك عليهم ضاقوا به ذرعا وبخلا ولوما ، فدعاهم البخل إلى أن كان إذا نزل بهم الضيف فضحوه من غير شهوة بهم إلى ذلك ، وإنما كانوا يفعلون ذلك بالضيف حتى تنكل النازلة عليهم فشاع أمرهم في القرى وحذرتهم المارة فأورثهم البخل بلاء لا يدفعونه عن أنفسهم في شهوة بهم إليه ، حتى صاروا يطلبونه من الرجال في البلاد ، ويعطونهم عليه الجعل ، فأي داء أعدى ( أداى خ ل ) من البخل ، ولا أضر عاقبة ولا أفحش عند الله . قال أبو بصير : فقلت له : أصلحك الله هل كان أهل قرية لوط كلهم هكذا مبتلين ؟ قال : نعم الا أهل بيت من المسلمين ، اما تسمع لقوله : ( فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين ) ثم قال أبو جعفر عليه السلام ان لوطا لبث مع قومه ثلثين سنة يدعوهم إلى الله ويحذرهم عقابه ، قال : وكانوا قوما لا يتنظفون من الغائط ولا يتطهرون من الجنابة ، وكان لوط وآله يتنظفون من الغائط ويتطهرون من الجنابة ، وكان لوط ابن خالة إبراهيم ، وإبراهيم ابن خالة لوط ، وكانت امرأة إبراهيم سارة أخت لوط ، وكان إبراهيم ولوط نبيين عليهما السلام مرسلين منذرين ، وكان لوط رجلا سخيا كريما يقرى الضيف إذا نزل به ويحذر قومه ، قال : فلما ان رأى قوم لوط ذلك قالوا : انا ننهيك عن العالمين لا تقري ضيفا نزل بك ، فإنك ان فعلت فضحنا ضيفك وأخزيناك فيه وكان لوط إذا نزل به الضيف كتم أمره مخافة أن يفضحه قومه ، وذلك أن لوطا كان فيهم لا عشيرة له . قال : وان لوطا وإبراهيم لا يتوقعان نزول العذاب على قوم لوط ، وكانت لإبراهيم ولوط منزلة من الله شريفة ، وان الله تبارك وتعالى كان إذا هم بعذاب قوم لوط أدركته فيهم مودة إبراهيم وخلته ومحبة لوط فيراقبهم فيه فيؤخر عذابهم . قال أبو جعفر : فلما اشتد أسف الله على قوم لوط وقدر عذابهم وقضاه أحب ان يعوض إبراهيم من عذاب قوم لوط بغلام حليم فيسلى به مصابه بهلاك قوم لوط ، فبعث الله رسلا إلى إبراهيم يبشرونه بإسماعيل فدخلوا عليه ليلا ففزع منهم وخاف ان يكونوا سراقا قال : فلما ان رأته الرسل فزعا وجلا قالوا سلاما قال سلام ، قال انا منكم وجلون قالوا لا توجل انا نبشرك بغلام حليم ، قال أبو جعفر عليه السلام : والغلام الحليم هو إسماعيل من هاجر ، فقال إبراهيم للرسل : ( أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين ) فقال إبراهيم للرسل فما خطبكم بعد البشارة ؟ ( قالوا انا أرسلنا إلى قوم مجرمين قوم لوط انهم كانوا قوما فاسقين ) لننذرهم عذاب رب العالمين قال أبو جعفر عليه السلام : فقال إبراهيم للرسل : ( ان فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله الا امرأته كانت من الغابرين ) قال : ( فلما جاء آل لوط المرسلين قال إنكم قوم منكرون قالوا بل جئناك بما كانوا فيه يمترون ) يقول : من عذاب الله لننذر قومك العذاب ، ( فأسر باهلك ) يا لوط إذا مضى من يومك هذا سبعة أيام بلياليها ( بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد الا امرأتك انه مصيبها ما أصابهم ) . قال أبو جعفر فقضوا إلى لوط ذلك الامر ان دابر هؤلاء مقطوع مصبحين ، قال أبو جعفر : فلما كان يوم الثامن مع طلوع الفجر قدم الله رسلا إلى إبراهيم يبشرونه بإسحاق ويعزونه بهلاك قوم لوط وذلك قول الله في سورة هود ( ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما قال سلام فما لبث ان جاء بعجل حنيذ ) يعنى ذكيا مشويا نضيجا ( فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة قالوا لا تخف انا أرسلنا إلى قوم لوط وامرأته قائمة ) قال أبو جعفر عليه السلام : إنما عنى امرأة إبراهيم سارة قائمة ( فبشروها بإسحاق ومن وراء اسحق يعقوب قالت يا ويلتا أألد وأنا عجوز ) إلى قوله : ( انه حميد مجيد ) . قال أبو جعفر عليه السلام : فلما ان جاءت البشارة بإسحاق ذهب عنه الروع واقبل يناجى ربه في قوم لوط ويسئله كشف العذاب عنهم ، قال الله : ( يا إبراهيم اعرض عن هذا انه قد جاء امر ربك وانهم آتيهم عذاب غير مردود ) بعد طلوع الشمس من يومى هذا محتوم غير مردود .
تفسير العياشي — الله ، فإنه في جرايد النخل وفى أكتاف الإبل ، قال عمر : قوموا بنا إليه ، فقام — الإمام الباقر عليه السلام
في كتاب الاحتجاج للطبرسي ( ره ) باسناده إلى الباقر عليه السلام حديث طويل يقول فيه : ان علي بن الحسين عليه السلام كان يذكر حال من مسخهم الله قردة من بني إسرائيل ويحكى قصتهم وفيه قال الباقر
عليه السلام : فلما حدث علي بن الحسين عليه السلام بهذا الحديث قال له بعض من في مجلسه : يا بن رسول الله كيف يعاتب الله ويوبخ هؤلاء الاخلاف على قبايح أتاها أسلافهم وهو يقول : ( ولا تزر وازرة وزر أخرى ، فقال زين العابدين عليه السلام ان القرآن نزل بلغة العرب فهو يخاطب فيه أهل اللسان بلغتهم ، يقول الرجل لتميمي قد أغار قومه على بلد وقتلوا من فيه : أغرتم على بلد كذا أو فعلتم كذا ؟ ويقول العرب نحن فعلنا ببنى فلان ، ونحن سبينا آل فلان ، ونحن خربنا بلد كذا لا يريد انهم باشروا ذلك ، ولكن يريد هؤلاء بالعذل وأولئك بالامتحان ان قومهم فعلوا كذا ، فقول الله عز وجل في هذه الآيات انما هو توبيخ لاسلافهم وتوبيخ العذل على هؤلاء الموجودين ، لان ذلك هو اللغة التي نزل بها القرآن ، ولان هؤلاء الاخلاف أيضا راضون بما فعل أسلافهم ، مصوبون ذلك لهم ، فجاز أن يقال أنتم فعلتم أي رضيتم قبيح فعلهم .
تفسير نور الثقلين — الله الذي لا يؤتي الامنه ، وسبيله الذي من سلك بغيره هلك ، وكذلك يجرى الأئمة الهدى — الإمام السجاد عليه السلام
عن الحسن البصري قال : خطبنا علي بن أبي طالب عليه السلام على هذا المنبر وذلك بعدما فرغ من أمر طلحة والزبير وعايشة صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وصلى على رسول الله صلى الله عليه وآله ثم قال : [ يا ] أيها الناس والله ما قاتلت هؤلاء الا بآية تركتها في كتاب الله ، ان الله يقول : " وان نكثوا ايمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر انهم لا ايمان لهم لعلهم ينتهون " اما والله لقد عهد إلي رسول الله صلى الله عليه وآله وقال : يا علي لتقاتلن الفئة الباغية والفئة الناكثة والفئة المارقة .
تفسير نور الثقلين — الله " . — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
عن إسماعيل الحريري قال : قلت لأبي عبد الله عليه السلام قول الله
" ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي " قال : اقرأ كما أقول لك يا إسماعيل : " ان الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى حفه " قال أداء امام إلى امام بعد امام ، " وينهى عن الفحشاء والمنكر " قال ولاية فلان وفلان .
تفسير نور الثقلين — الله ؟ قالوا : يا أمير المؤمنين في أي موضع ؟ فقال : في قوله عز وجل : ان الله — الإمام الصادق عليه السلام
في كتاب الاحتجاج للطبرسي ( ره ) عن أبي محمد الحسن العسكري عليه السلام قال
قلت لأبي ، علي بن محمد عليهما السلام : هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يناظر اليهود والمشركين إذا عاتبوه ويحاجهم ؟ قال : مرارا كثيرة ، ان رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعدا ذات يوم بمكة بفضاء الكعبة إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش ، منهم الوليد بن المغيرة المخزومي ، وأبو البختري بن هشام وأبو جهل بن هشام والعاص بن وائل السهمي ، وعبد الله بن أمية المخزومي ، وكان معهم جمع ممن يليهم كثير ، ورسول الله صلى الله عليه وآله في نفر من أصحابه يقرء عليهم كتاب الله ويؤدى إليهم عن الله امره ونهيه ، فقال المشركون بعضهم لبعض : لقد استفحم أمر محمد وعظم خطبه ، فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه والاحتجاج عليه ، وابطال ما جاء به ليهون خطبه على أصحابه ، ويصغر قدره ، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه وباطله وتمرده وطغيانه ، فان انتهى والا عاملناه بالسيف الباتر . قال أبو جهل : فمن الذي يلي كلامه ومجادلته ؟ قال عبد الله بن أمية المخزومي : انا إلى ذلك ، أنما ترضاني له قرنا حسيبا ومجادلا كفيا ؟ قال أبو جهل : بلى ، فأتوه بأجمعهم فابتدأ عبد الله بن أمية المخزومي فقال : يا محمد لقد ادعيت دعوى عظيمة وقلت مقالا هائلا ! زعمت أنك رسول رب العالمين ، وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشرا مثلنا يأكل كما نأكل ويمشى في الأسواق كما نمشي ، فهذا ملك الروم ، وهذا ملك الفرس ، لا يبعثان رسولا الا كثير مال عظيم حال ، له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام ، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده ، بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان انما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ، ما أنت يا محمد الا مسحور ولست بنبي . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هل بقي من كلامك شئ ؟ قال : بلى لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجل من فيما بيننا مالا وأحسنه حالا ، فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وابتعثك به رسولا على رجل من القريتين عظيم : اما الوليد ابن المغيرة بمكة ، واما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف ، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : هل بقي من كلامك شئ يا عبد الله ؟ فقال : بلى لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا بمكة هذه ، فإنها ذات أحجار وعرة وجبال تكسح أرضها وتحفرها ، وتجرى منها العيون ، فإننا إلى ذلك محتاجون أو يكون لك جنة من نخيل وعنب ، فتأكل منها وتطعمنا ، " فتفجر الأنهار خلال " تلك النخيل والأعناب " تفجيرا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا " فإنك قلت لنا : " وان يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم " فلعلنا نقول ذلك ثم قال : " أو تأتى بالله والملائكة قبيلا " تأتى به وبهم وهم لنا مقابلون ، أو يكون لك بيت من زخرف تعطينا منه وتعيننا به فلعلنا نطغى ، فإنك قلت : " كلا ان الانسان ليطغى أن رآه استغنى " ثم قال : " أو ترقى في السماء " أي تصعد في السماء " ولن نؤمن لرقيك " أي لصعودك " حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " من الله العزيز الحكيم إلى عبد الله بن أمية المخزومي ومن معه بأن آمنوا بمحمد بن عبد الله بن عبد المطلب فإنه رسولي فصدقوه في مقاله ، فإنه من عندي ثم لا أدرى يا محمد إذا فعلت هذا كله أؤمن بك أو لا نؤمن بك ، بل لو رفعتنا إلى السماء وفتحت أبوابها وأدخلتناها لقلنا : " انما سكرت أبصارنا " أو سحرتنا . فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أما قولك : " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض " إلى آخر ما قلته ، فإنك اقترحت على محمد رسول الله أشياء : منها لو جاءك به لم يكن برهانا لنبوته ، ورسول الله يرتفع من أن يغتنم جهل الجاهلين ويحتج عليهم بما لا حجة فيه ، ومنها لو جاءك به لكان معه هلاكك ، وانما يؤتى بالحجج والبراهين ليلزم عباد الله الايمان بها لا ليهلكوا بها ، فإنما اقترحت هلاكك ورب العالمين ارحم بعباده وأعلم بمصالحهم من أن يهلكهم كما يقترحون ، ومنها المحال الذي لا يصح ولا يجوز كونه ، ورسول رب العالمين يعرفك ذلك ويقطع معاذيرك ، ويضيق عليك سبيل مخالفته ، ويلجأك بحجج الله إلى تصديقه حتى لا يكون لك عنه محيد ولا محيص ومنها ما قد اعترفت على نفسك انك فيه معاند متمرد لا تقبل حجة ولا تصغي إلى برهان ومن كان كذلك فدواؤه عذاب النار النازل من سمائه أو في حميمه أو بسيوف أوليائه . واما قولك يا عبد الله " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " بمكة هذه فإنها ذات أحجار وصخور وجبال تكسح أرضها وتحفرها وتجرى فيها العيون فإننا إلى ذلك محتاجون ، فإنك سألت هذا وأنت جاهل بدلائل الله ، يا عبد الله لو فعلت هذا كنت من أجل هذا نبيا ؟ قال : لا ، قال : أرأيت الطايف التي لك فيها بساتين اما كان هناك مواضع فاسدة صعبة أصلحتها وذللتها وكسحتها وأجريت فيها عيونا استنبطتها قال : بلى ، قال : وهل لك فيها نظراء ؟ قال : بلى ، قال : فصرت بذلك أنت وهم أنبياء ؟ قال : لا ، قال : فكذلك لا يصير هذا حجة لمحمد لو فعلت على نبوته ، فما هو الا كقولك : لن نؤمن لك حتى تقوم وتمشى على الأرض أو حتى تأكل الطعام كما تأكل الناس . واما قولك يا عبد الله : أو تكون لك جنة من نخيل أو عنب فتأكل منها وتطعمنا وتفجر الأنهار خلالها تفجيرا أوليس لأصحابك ولك جنان من نخيل وعنب بالطائف فتأكلون وتطعمون منها وتفجرون الأنهار خلالها تفجيرا ؟ أفصرتم أنبياء بهذا ؟ قال : لا قال : اقتراحكم على رسول الله صلى الله عليه وآله أشياء لو كانت كما تقترحون لما دلت على صدقة ، بل لو تعاطاها لدل تعاطيها على كذبه لأنه يحتج بما لا حجة فيه ويختدع الضعفاء عن عقولهم وأديانهم ، ورسول رب العالمين يجل ويرتفع عن هذا . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : يا عبد الله وأما قولك أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا فإنك قلت : " وان يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم " فان في سقوط السماء عليكم هلاككم وموتكم ، فإنما تريد بهذا من رسول الله أن تهلك ورسول رب العالمين أرحم من ذلك ، لا يهلكك ولكنه يقيم عليك حجج الله وليس حجج الله لنبيه وحده على حسب اقتراح عباده ، لان العباد جهال بما يجوز من الصلاح وما لا يجوز منه ومن الفساد ، وقد يختلف اقتراحهم ويتضاد حتى يستحيل وقوعه ، والله لا يجرى تدبيره على ما يلزمه بالمحال ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله : وهل رأيت يا عبد الله طبيبا كان دوائه للمرضى على حسب اقتراحهم ، وانما يفعل به ما يعلم صلاحه فيه ، أحبه العليل أو كرهه ، فأنتم المرضى والله طبيبكم ، فان انقدتم لدوائه شفاكم ، وان تمردتم أسقمكم ، وبعد فمتى رأيت يا عبد الله مدعى حق من قبل رجل أوجب عليه حاكم من حكامهم فيما مضى بينه على دعواه على حسب اقتراح المدعى عليه ؟ إذا ما كانت تثبت لاحد على أحد دعوى ولا حق ، ولا كان بين ظالم ومظلوم ، ولا بين صادق وكاذب فرق . ثم قال : يا عبد الله واما قولك أو تأتى بالله والملائكة قبيلا يقابلوننا ونعاينهم فان هذا من المحال الذي لا خفاء به ، لان ربنا عز وجل ليس كالمخلوقين يجئ ويذهب ويتحرك ويقابل ، حتى يؤتى به فقد سألتم بهذا المحال الذي دعوت إليه صفة أصنامكم الضعيفة المنقوصة ، التي لا تسمع ولا تبصر ، ولا تغنى عنكم شيئا ، ولا عن أحد ، يا عبد الله أوليس لك ضياع وجنان بالطايف وعقار بمكة وقوام عليها ؟ قال : بلى قال : أفتشاهد جميع أحوالها بنفسك أو بسفراء بينك وبين معامليك ؟ قال : بسفراء ، قال : أرأيت لو قال معاملوك وأكرتك وخدمك لسفرائك : لا نصدقكم في هذه السفارة الا أن تأتوا بعبد الله بن أبي أمية نشاهده فنسمع منه ما تقولون عنه شفاها كنت توسعهم هذا ؟ أو كان يجوز لهم عند ذلك ؟ قال : لا ، قال : فما الذي يجب على سفرائك ؟ أليس ان يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم على صدقهم يجب عليهم أن يصدقهم ؟ قال : بلى ، قال : يا عبد الله أرأيت سفيرك لو أنه لما سمع منهم عاد إليك وقال : قم معي ، فإنهم اقترحوا على مجيئك معي ، أيكون لك أن تقول له : اما أنت رسول مبشر وآمر قال : بلى ، قال : فكيف صرت تقترح على رسول رب العالمين ما لا تسوغ لاكرتك ومعامليك ان يقترحوه على رسولك إليهم ؟ وكيف أردت من رسول رب العالمين ان يستندم إلى ربه بان يأمر عليه وينهى ، وأنت لا تسوغ مثل هذا على رسولك إلى اكرتك وقوامك ، هذه حجة قاطعة لابطال ما ذكرته في كل ما اقترحته يا عبد الله . واما قولك أو يكون لك بيت من زخرف وهو الذهب أما بلغك أن لعظيم مصر بيوتا من زخرف ؟ قال : بلى ، قال : أفصار بذلك نبيا قال : لا قال : فكذلك لا توجب بمحمد صلى الله عليه وآله لو كانت له نبوة ، ومحمد لا يغتنم جهلك بحجج الله . واما قولك يا عبد الله أو ترقى في السماء ثم قلت : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه يا عبد الله الصعود إلى السماء أصعب من النزول منها ، وإذا اعترفت على نفسك انك لا تؤمن إذا صعدت فكذلك حكم النزول ، ثم قلت : " حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه " من بعد ذلك ثم لا أدرى أؤمن بك أو لا أؤمن ، فإنك يا عبد الله مقر انك تعاند حجة الله عليك ، فلا دواء لك الا تأديبه على يد أوليائه البشر ، أو ملائكة الزبانية ، وقد أنزل الله على حكمة جامعة لبطلان كلما اقترحته ، فقال تعالى : قل يا محمد سبحان ربى هل كنت الا بشرا رسولا ما أبعد ربى عن أن يفعل الأشياء على ما تقترحه الجهال بما يجوز وبما لا يجوز ، و " هل كنت الا بشرا رسولا " لا يلزمني الا إقامة حجة الله التي أعطاني ، فليس لي ان آمر على ربى ولا أنهى ولا أشير ، فأكون كالرسول الذي بعثه ملك إلى قوم مخالفيه فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه ، والحديث طويل أخذنا منه موضع الحاجة .
تفسير نور الثقلين — الشيرازي : انها لما ذكرت حالها وسألت جارية بكى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال : — الإمام العسكري عليه السلام
في كتاب التوحيد باسناده إلى عبد العظيم بن عبد الله الحسنى قال : دخلت على سيدي علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين ابن علي بن أبي طالب عليهم السلام فلما بصر بي قال
لي : مرحبا بك يا أبا القاسم أنت ولينا حقا ، قال : فقلت له : يا بن رسول الله انى أريد ان أعرض عليك ديني فإن كان مرضيا ثبت عليه حتى القى الله عز وجل ، فقال : هاتها يا أبا القاسم فقلت : انى أقول : إن الله تبارك وتعالى واحد ليس كمثله شئ ، خارج من الحدين حد الابطال وحد التشبيه وانه ليس بجسم ولا صورة ولا عرض ولا جوهر ، بل هو مجسم الأجسام ومصور الصور ، وخالق الاعراض والجواهر ، ورب كل شئ ومالكه وجاعله ومحدثه ، وأن محمدا عبده ورسوله وخاتم النبيين فلا نبي بعده إلى يوم القيمة وأقول ان الامام والخليفة وولى الامر بعده أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام ، ثم الحسن ثم الحسين ثم علي بن الحسين ثم محمد بن علي ثم جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر ثم علي بن موسى ثم محمد بن علي ثم أنت يا مولاي ، فقال عليه السلام : ومن بعدى الحسن ابني ، فكيف الناس بالخلف من بعده قال : فقلت : وكيف ذاك يا مولاي ؟ قال : لأنه لا يرى شخصه ولا يحل ذكره باسمه حتى يخرج ، فيملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا ، قال : فقلت : أقررت وأقول ان وليهم ولى الله وعدوهم عدو الله ، وطاعتهم طاعة الله ، ومعصيتهم معصية الله ، وأقول إن المعراج حق والمسألة في القبر حق ، وان الجنة حق والنار حق ، والصراط حق والميزان حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور وأقول : ان الفرائض الواجبة بعد الولاية الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فقال علي بن محمد عليهما السلام : يا أبا القاسم هذا والله دين الله الذي ارتضاه لعباده ، فأثبت عليه ثبتك الله بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفى الآخرة .
تفسير نور الثقلين — مما يصلح للمسلم في دينه ودنياه : من خاف منكم الغرق فليقرأ — الإمام الرضا عليه السلام
اشترى رجل سلعة فأصاب بها عيبا ، وقد أحدث بها حدثا أو حدث عنده ، قيل له : رد ما نقض عندك ، وخذ الثمن إن شئت ، أو فخذ ( 1 ) قيمة العيب . ( 119 ) وعن علي ( صلع ) أنه سئل عن الرجل يشترى الجارية فيطؤها ( 2 ) ، ثم يجد فيها عيبا ، قال : تلزمه ، وترد عليه قيمة العيب . ( 120 ) قال جعفر بن محمد
صلى الله عليه وآله وسلم : ذلك إذا لم تكن حبلى ، فإن كانت حبلى وقد وطئها ، ردها ، ورد نصف عشر قيمتها . ( 121 ) وعن عليه السلام أنه قال : من اشترى جارية ، ثم وجد بها عيبا ثم أحدث فيها حدثا بعد ما علم بالعيب ، قال : تلزمه ، وليس له ردها ولا قيمة العيب . ( 122 ) وعن علي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال : العهدة ( 3 ) في الرقيق من الداء الأعظم حول ، ومن مصيبة الموت ثلاثة أيام . ( 123 ) قال جعفر بن محمد صلى الله عليه وآله وسلم : يرد المملوك من أحداث السنة ، من الجنون والجذام والوضح والقرن ( 4 ) إذا حدث فيها . إلا أن يشترط البائع أن لا عهدة عليه ، ولا عهدة في بيع براءة ولا بيع ميراث ( 5 ) ، ولا عهدة السنة ولا خيار الثلاثة الأيام .
دعائم الإسلام — الإمام الصادق عليه السلام
وقال أمير المؤمنين
عليه السلام : صبّوا على المحموم الماء البارد ، فإنه يطفئ حرّها . وعن الصادق عليه السلام ، قال : الماء البارد يطفئ الحرارة ، ويسكن الصفراء ، ويذيب الطعام في المعدة ، ويذهب بالحمى . وعن الرضا عليه السلام ، قال : الماء الساخن ، إذا غليته سبع غليات ، وقلبته من إناء إلى إناء ، فهو يذهب بالحمى ، وينزل القوة في الساقين والقدمين . وقد مرّ في باب لحم القبج ، والكباب ، والسكر ، والتفاح ، والبصل ، وغيرها دواء الحمى . وعن الصادق عليه السلام ، قال : حمّ رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، فأتاه جبريل ، فقال : ( بسم اللّه أرقيك يا محمد ، وبسم اللّه أشفيك وبسم اللّه من كل داء يصيبك ، بسم اللّه شافيك ، بسم اللّه خذها فلتهنيك ، بسم اللّه ، بسم اللّه الرحمن الرحيم ، فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ لتبرأن بإذن اللّه قال بكر : فسألته عن رقية الحمّى ، فحدثني بهذا . وعن أبي محمد عليه السلام : أنه يكتب لحمي الربع ، على ورقة ، ويعلقها على المحموم : يا نارُ كُونِي بَرْداً فإنه يبرأ بإذن اللّه . وفي ( صحيفة الرضا عليه السلام : عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : أنه دخل على عليّ عليه السلام ، وهو محموم ، فأمره أن يأكل الغبيراء . وقال صلى الله عليه وآله وسلم : العنّاب يذهب بالحمى . وقال الشهيد في ( الدروس ) : روي لحرارة الحمى ، يصبّ الماء فإن شق ، فليدخل يده في ماء بارد ، ومن اشتد وجعه ، قرأ على قدح فيه ماء ( الحمد ) أربعين مرة ، ثم يضيّع عليه ، ويجعل المريض عنده فكيلا فيه برّ ، ويناول السائل بيده ، ويأمره أن يدعو له ، فيعافى إن شاء اللّه . وعن سعد بن أبي خالد الباهلي ، أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ، اشتكى وكان محموما ، فدخلنا مع علي عليه السلام ، فقال النبي ( وفي نسخة ) : المّت بي أم ملدم . فحسر علي عليه السلام يده اليمنى ، وحسر رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فوضعها صدر
طب الأئمة — علاج الحمى بأنواعها من الرّيع ، والعنب ، والنافضة ، والشديدة ، وما يتعلق بها — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
مضافا إلى ما في الباب السابق : في ( ثواب الأعمال ) : عن الصادق عليه السلام ، قال
غسل الرأس بالخطمي أمن من الصداع ، وبراءة من الفقر ، وطهور الرأس من الخزاز . وروي : إذا دخل أحدكم الحمام ، وهاجت به الحرارة ، فليصبّ عليه الماء البارد ، ليسكن الحرارة . وقال عليه السلام : غسل الرأس بالخطمي ، يذهب الدرن ، وينقي الدواب . وعن جابر الجعفي ، قال : شكوت إلى أبي جعفر عليه السلام خزازا في رأسي ، فقال : دقّ الآس ، واستخرج ماءه ، واضرب به بخلّ خمر ، أجود ، ما تقدر عليه ، ضربا شديدا ، حتى يزبد ، ثم اغسل به رأسك ولحيتك ، بكل قوة لك ، ثم ادهنه بعد ذلك بدهن شيرج طري تبرأ إن شاء اللّه . ولدفع الجرب ، والخراج ، والبثور ، في الرأس والبدن ، الحنّاء ضمادا ، وطلاء . وعن الصادق عليه السلام ، قال : لا تسرّح شعرك في الحمام ، فإنه يرقّ الشعر . وقال عليه السلام : المشط ينفي الفقر ، ويذهب الداء . وعن أبي الحسن العسكري عليه السلام ، قال : التسريح بمشط العاج ينبت الشعر في الرأس ، ويطرد الدود من الدماغ ، ويطفئ المرار ، وينقي اللثة . وفي ( المكارم ) : عن الصادق عليه السلام ، أنه اشتكى إليه رجل الحكّة ، فقال : احتجم ثلاث مرات في الرجلين جميعا ، فيما بين العرقوب والكعب . ففعل الرجل ذلك ، فذهب عنه .
طب الأئمة — علاج سائر أمراض الرأس من الوجع ، والجرب ، والحكة والخزاز ، وكثرة الوسخ ، وانتشار الشعر ، وغير ذلك — الإمام الصادق عليه السلام
فقال له أبو عبد اللّه عليه السلام : فتصنع ماذا ؟ . فقال : أحملهم على ظهري ! . فوضع أبو عبد اللّه عليه السلام يده على جبهته ، وولى وجهه عنه . فبكى الرجل ، فنظر إليه أبو عبد اللّه عليه السلام ، كأنه رحمه ، فقال
إذا أتيت بلدك ، فاشتر جزورا سمينا ، واعقله عقالا شديدا ، وخذ السيف ، واضرب السنام ضربة تقشر عنه الجلد ، واجلس عليه بحرارته : فقال الرجل : فأتيت بلدي ، فاشتريت جزورا ، فعقلته عقالا شديدا ، وأخذت السيف ، فضربت به السنام ضربة ، وقشرت عنه الجلد ، وجلست عليه بحرارته ، فسقطت مني على ظهر البعير شبه الوزغ ، أصغر من الوزغ ، وسكن ما بي . وفي رواية : شكا رجل إلى الصادق عليه السلام الأبنة ، فمسح أبو عبد اللّه عليه السلام ، على ظهره ، فسقطت منه دودة حمراء ، فبرئ . عن إسحاق بن عمار ، قال : قلت للصادق عليه السلام : هؤلاء المخنثون مبتلون بهذا البلاء ! أفيكون المؤمن مبتلى به ، والناس يزعمون أنه لا يبتلى به أحد للّه فيه حاجة ؟ . فقال : نعم ، قد يكون مبتلى به ، فلا تكلموهم ، فإنه يجدون من كلامكم راحة . قلت : جعلت فداك ! فإنهم ليس يصبرون . قال عليه السلام : هم ليس يصبرون ، ولكن يطلبون بذلك اللّذة ! .
طب الأئمة — علاج خروج المقعدة ، والزحير ، وعلاج الابنة ، وحكة الدبر — الإمام الصادق عليه السلام
علل الشرائع — علل المسوخ و أصنافها — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
(ص 1 - ص 17) صفحة 222 محمد بن علي باقر العلم (عليهما السلام) جمع ولده وفيهم زيد بن علي ثم أخرج كتابا إليهم بخط علي (عليه السلام) وإملاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) مكتوب فيه: " هذا كتاب من الله العزيز الحكيم ". وذكر حديث اللوح إلى الموضع الذي يقول فيه: أولئك هم المهتدون. ثم قال في آخره قال عبد العظيم: العجب كل العجب لمحمد بن جعفر وخروجه إذ سمع أباه (عليه السلام) يقول هكذا ويحكيه، ثم قال
" هذا سر الله ودينه ودين ملائكته فصنه إلا عن أهله وأوليائه ". ثم قال ابن بابويه: حدثنا علي بن الحسين بن شاذويه المؤدب، وأحمد بن هارون الفامي - رضي الله عنهما - قالا: حدثنا محمد بن عبد الله بن جعفر الحميري، عن أبيه، عن جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الكوفي، عن مالك السلولي، عن درست عن عبد الحميد، عن عبد الله بن القاسم، عن عبد الله بن جبلة، عن أبي السفاتج، عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (عليهما السلام)، عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على مولاتي فاطمة ((عليها السلام)) وقدامها لوح يكاد ضوؤه يغشي الأبصار، فيه اثنا عشر اسما ثلاثة في ظاهره، وثلاثة في باطنه، وثلاثة أسماء في آخره وثلاثة أسماء في طرفه، فعددتها فإذا هي اثنا عشر اسما فقلت: أسماء من هؤلاء؟ قالت: " هذه أسماء الأوصياء أولهم ابن عمي وأحد عشر من ولدي، آخرهم المهدي "، قال جابر: فرأيت فيها محمدا محمدا محمدا في ثلاثة مواضع، وعليا وعليا وعليا وعليا في أربعة مواضع. ثم قال ابن بابويه: وحدثنا أحمد بن محمد العطار (رحمه الله) قال: حدثنا أبي، عن محمد بن الحسين ابن أبي الخطاب، عن الحسن بن محبوب، عن أبي الجارود، عن أبي جعفر (عليه السلام)، عن جابر ابن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على فاطمة ((عليها السلام)) وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء، فعددت اثني عشر اسما آخرهم القائم، ثلاثة منهم محمد، وأربعة منهم علي صلوات الله عليهم. قلت: حديث اللوح متكرر بالأسانيد الكثيرة متأول بين العلماء مستفيض الرواية، وقد ذكره الحمويني - وهو أحد أعيان علماء العامة - وقد تقدم من طريقه في الباب الثاني عشر السابق وهو
غاية المرام — غاية المرام وحجة الخصام للسيد هاشم البحراني — الإمام السجاد عليه السلام
(ج5) للسيد هاشم البحراني (ص 1 - ص 16) صفحة 158 معه يطوفان فقلنا: يا أبا الفضل إن هذا الدين لم نكن نعرفه فيكم أو شئ حدث فقال: هذا ابن أخي محمد بن عبد الله والغلام علي بن أبي طالب والمرأة زوجته خديجة بنت خويلد ما على وجه الأرض أحد يعبد الله بهذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة. الخامس والعشرون: موفق بن أحمد، أخبرنا الشيخ الزاهد أبو الفرج الحسن بن علي بن أحمد العاصمي، أخبرنا القاضي زين الإسلام شيخ القضاة إسماعيل بن أحمد الواعظ، أخبرنا والدي شيخ السنة أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي، أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، أخبرنا عبد الله بن جعفر الأصبهاني، حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا شعبة أخبرني عمرو بن مرة قال: سمعت أبا حمزة عن زيد ابن أرقم قال
أول من صلى مع النبي (صلى الله عليه وآله) علي ابن أبي طالب (رضي الله عنه). السادس والعشرون: موفق بن أحمد بهذا الإسناد عن أحمد بن الحسين الحافظ هذا، أخبرنا أبو الحسين محمد بن علي خشيش المقرئ بالكوفة، حدثنا أبو جعفر بن رحيم، حدثنا أحمد بن حازم، حدثنا عبيد الله بن موسى، حدثنا سفيان وشعبة عن سلمة بن كهيل عن حبة العرني قال: سمعت عليا (رضي الله عنه) يقول: " أنا أول من أسلم ". السابع والعشرون: موفق بن أحمد بهذا الإسناد عن أحمد بن الحسين هذا، أخبرنا أبو الحسين ابن الفضل، أخبرنا عبد الله بن جعفر، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا علي بن هاشم عن محمد بن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده أبي رافع قال: صلى النبي (صلى الله عليه وآله) أول يوم الاثنين وصلت خديجة آخر يوم الاثنين وصلى علي يوم الثلاثاء من الغدو صلى مستخفيا قبل أن يصلي مع النبي (صلى الله عليه وآله) أحد سبع سنين وأشهر، قال (رضي الله عنه): هذا الحديث إن صح فتأويله أنه صلى سبع سنين مع النبي قبل جماعة تأخرت في إسلامها لأنه صلى سبع سنين قبل عبد الرحمن بن عوف وعثمان وسعد بن أبي وقاص وغيرهم وطلحة والزبير فإن هذه المدة التي بين إسلام هؤلاء وإسلام علي (عليه السلام) لا تمتد إلى هذه الغاية عند أصحاب التواريخ كلهم.
غاية المرام — غاية المرام وحجة الخصام — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الأول: محمد بن يعقوب في الكافي عن أبي علي الأشعري عن الحسن بن علي الكوفي عن العباس بن عامر عن سيف بن عميرة عن عبد الرحمن العزرمي قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول
" وجد رجل مع رجل في إمارة عمر فهرب أحدهما وأخذ الآخر، فجئ به إلى عمر فقال للناس ما ترون؟ قال: فقال هذا: اصنع كذا، وقال هذا: اصنع كذا قال: فما تقول يا أبا الحسن؟ قال: اضرب عنقه فضرب عنقه قال: ثم أراد أن يحمله فقال: مه إنه قد بقي من حدوده شئ، قال: أدع بحطب، فدعا عمر بحطب فأمر به أمير المؤمنين (عليه السلام) فأحرق به ". الثاني: الشيخ في التهذيب قال: أخبرني الشيخ يعني المفيد أيده الله عن أحمد بن محمد عن أبيه عن الحسين بن الحسن بن أبان عن حسين بن سعيد عن حماد عن ربعي بن عبد الله عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: " جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ما تقولون في الرجل يأتي أهله فيخالطها ولا ينزل؟ فقالت الأنصار: الماء من الماء، وقال المهاجرون: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فقال عمر لعلي (عليه السلام): ما تقول يا أبا الحسن؟ فقال علي (عليه السلام). أتوجبون عليه الحد والرجم ولا توجبون عليه صاعا من ماء؟ إذا التقى الختانان فقد وجب عليه الغسل، فقال عمر: القول ما قال المهاجرون، ودعوا ما قالت الأنصار ". الثالث: محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن الحكم عن موسى بن بكر عن زرارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: " إن الوليد بن عتبة حين شهد عليه بشرب الخمر قال عثمان لعلي (عليه السلام): اقض بينه وبين هؤلاء الذين زعموا أنه شرب الخمر، فأمر به فجلد بسوط له شعبتان أربعين جلدة ".
غاية المرام — غاية المرام وحجة الخصام — الإمام الصادق عليه السلام
(ج7) للسيد هاشم البحراني (ص 1 - ص 14) صفحة 44 الثامن: الشيخ في أماليه قال: أخبرنا محمد بن محمد قال: أخبرني أبو الحسن علي بن محمد الكاتب قال: أخبرني الحسن بن علي الزعفراني عن إبراهيم بن محمد الثقفي قال: حدثنا أبو جعفر السعدي قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدثنا قيس بن الربيع قال: حدثنا سعد بن طريف عن الأصبغ بن نباتة عن أبي أيوب الأنصاري أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) سئل عن الحوض فقال (صلى الله عليه وآله): " أما إذا سألتموني عنه فسأخبركم أن الحوض أكرمني الله به وفضلني على من كان قبلي من الأنبياء، وهو ما بين أيلة وصنعاء فيه من الآنية عدد نجوم السماء، يسيل فيه خليجان من الماء، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، حصاه الزمرد والياقوت، بطحاؤه مسك أذفر، شرط مشروط من ربي لا يرده أحد من أمتي إلا النقية قلوبهم الصحيحة نياتهم المسلمون للوصي من بعدي الذين يعطون ما عليهم في يسر، ولا يأخذون ما عليهم في عسر، يذود عنهم يوم القيامة من ليس من شيعته كما يذود الرجل البعير الأجرب من إبله، من شرب منه لم يظمأ أبدا ". التاسع: الشيخ في أماليه قال: أخبرنا أبو عمر قال: أخبرنا أحمد قال: حدثنا محمد بن أحمد بن الحسين قال: حدثنا خزيمة بن ماهان المروزي قال: حدثنا عيسى بن يونس عن الأعمش عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " يأتي على الناس يوم القيامة وقت ما فيه راكبا إلا نحن أربعة " فقال له العباس بن عبد المطلب عمه: فداك أبي وأمي من هؤلاء الأربعة؟ قال: " أنا على البراق، وأخي صالح على ناقة الله التي عقرها قومه، وعمي حمزة أسد الله وأسد رسوله على ناقتي العضباء، وأخي علي بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنة مدبجة الجنبين، عليه حلتان خضراوان من كسوة الرحمن، على رأسه تاج من نور، لذلك التاج سبعون ركنا، على كل ركن ياقوتة حمراء تضئ للراكب مسيرة ثلاثة أيام، وبيده لواء الحمد ينادي: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، فيقول الخلائق: من هذا؟ ملك مقرب أو نبي مرسل أو حامل عرش، فينادي مناد من بطن العرش: ليس بملك مقرب ولا نبي مرسل ولا حامل عرش، هذا علي بن أبي طالب وصي رسول رب العالمين وأمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين في جنات النعيم ". العاشر: الشيخ في أماليه قال: أخبرنا أبو عمر قال: أخبرنا أحمد قال: حدثنا أحمد قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد الله بن محمد بن عقيل عن حمزة عن أبي سعيد الخدري عن أبيه عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " أتزعمون أن رحم نبي الله لا تنفع يوم القيامة؟ بلى والله إن رحمي لموصولة في الدنيا والآخرة - ثم قال - يا أيها الناس أنا فرطكم على الحوض، فإذا جئت
غاية المرام — غاية المرام وحجة الخصام — الإمام الباقر عليه السلام
وعن سماعة بن مهران قال : « كنت أنا ، وأبو بصير ، ومحمد بن عمران - مولى أبي جعفر عليه السّلام - في منزل بمكة ، فقال
محمد بن عمران : سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول : نحن اثنا عشر مهديا . فقال له أبو بصير : تاللّه ، لقد سمعت ذلك من أبي عبد اللّه عليه السّلام ؟ فحلف مرّة أو مرّتين أنّه سمع ذلك منه ، فقال أبو بصير : لكنّي سمعته من أبي جعفر عليه السّلام » « 2 » . ويستفاد من مجمل هذه الأحاديث أمور ، وهي : الأول : إنّ عدد الخلفاء أو الأمراء أو الأئمة لا يتجاوز الاثني عشر وكلّهم من قريش بلا خلاف بين الفريقين . وهذا العدد منطبق مع ما تعتقده الشيعة الإمامية بعدد الأئمّة ، وهم كلّهم من قريش . وأما التعبير ب ( الأمراء أو الخلفاء ) فهو وإن لم ينطبق في الظاهر على مقولة الإمامية إلّا أنّ المقصود بذلك ليس الإمرة القسرية أو الاستخلاف بالقوة وإنّما المراد بذلك هو من يستمدّ سلطته من الشارع المقدّس ، ولا ينافي ذهاب السلطة عن أهل البيت عليهم السّلام في واقعها الخارجي ؛ لتسلّط الآخرين عليهم . وفي كلام النوربشتي ما يشير إلى هذه الحقيقة ، قال : « السبيل في هذا الحديث وما يتعقّبه في هذا المعنى أنه يحمل على المقسطين منهم ، فإنهم هم المستحقّون لاسم الخليفة على الحقيقة . . » « 1 » . الثاني : إنّ هؤلاء الاثني عشر معنيون بالنصّ كما هو مقتضى تشبيههم بنقباء بني إسرائيل ، قال تعالى : وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً « 2 » . الثالث : إنّ هذه الأحاديث تفترض عدم خلوّ الزمان من الاثني عشر جميعا ، وأنّه لا بدّ من وجود أحدهم ما بقي الدين إلى أن تقوم الساعة . ويؤيّده ما أخرجه البخاري بسنده ، عن عبد اللّه بن عمر ، قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه [ وآله ] وسلّم : لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان » « 3 » . وأخرجه مسلم في صحيحه أيضا وبلفظ : « لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان » « 4 » . وهو كما ترى ينطبق تمام الانطباق على ما تقوله الشيعة الإمامية بأنّ الإمام الثاني عشر ( المهدي عليه السّلام ) حيّ كسائر الأحياء ، وأنّه لا بدّ من ظهوره في آخر الزمان ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا على وفق ما بشّر به جدّه المصطفى صلّى اللّه عليه وآله وآباؤه الأطهار عليهم السّلام . ومن الواضح أنّ جميع علماء العامة لم يتّفقوا على تسمية الاثني عشر خليفة كما نطقت بذلك أحاديثهم ! حتى أنّ بعضهم اضطرّ إلى إدخال يزيد بن معاوية لعنه اللّه وأمثاله من حثالات التاريخ كمروان وعبد الملك ونظرائهم من العتاة المردة وصولا إلى عمر بن عبد العزيز ! ! كلّ ذلك لأجل اكتمال نصاب الاثني عشر ! ! وهذا تفسير خاطىء سقيم لا يسمن ولا يغني من جوع وغير منسجم مع نصّ الحديث من كلّ وجه ؛ إذ يلزم منه خلوّ جميع عصور الإسلام بعد عصر عمر بن عبد العزيز الأموي من الخليفة ، بينما المفروض أنّ الدين لا يزال قائما بوجودهم إلى قيام الساعة . إنّ أحاديث الخلفاء اثنا عشر تبقى بلا تفسير لو تخلّينا عن حملها على هذا المعنى ، لبداهة أنّ السلطة الظاهرية قد تولّاها من قريش أضعاف العدد المنصوص عليه في هذه الأحاديث ، فضلا عن انقراضهم أجمع ، وعدم النصّ على أحد منهم - أمويين أو عباسيين - باتفاق جميع المسلمين . وبهذا الصدد يقول القندوزي الحنفي : « قال بعض المحقّقين : إنّ الأحاديث الدالّة على كون الخلفاء بعده صلّى اللّه عليه وآله اثني عشر ، قد اشتهرت من طرق كثيرة ، فبشرح الزمان وتعريف الكون والمكان علم أنّ مراد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من حديثه هذا : « الأئمّة اثنا عشر » ، من أهل بيته وعترته ، إذ لا يمكن أن يحمل هذا الحديث على الخلفاء بعده من أصحابه لقلّتهم عن اثني عشر ، ولا يمكن أن نحمله على الملوك الامويّة لزيادتهم على اثني عشر ، ولظلمهم الفاحش إلّا عمر بن عبد العزيز ، ولكونهم غير بني هاشم ؛ لأنّ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال : « كلّهم من بني هاشم » في رواية عبد الملك ، عن جابر ، وإخفاء صوته صلّى اللّه عليه وآله في هذا القول يرجّح هذه الرواية : لأنّهم لا يحسنون خلافة بني هاشم . ولا يمكن أن يحمل على الملوك العبّاسية ؛ لزيادتهم على العدد المذكور ، ولقلّة رعايتهم . . . ويؤيد هذا المعنى - أي : أنّ مراد النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : الأئمّة الاثنا عشر من أهل بيته - ويرجّحه حديث الثقلين » « 1 » . ولا يخفى أنّ حديث : « الخلفاء اثنا عشر » قد سبق التسلسل التاريخي للأئمّة الاثني عشر ، وضبط في كتب الصحاح وغيرها قبل تكامل الواقع الإمامي ، فهو ليس انعكاسا لواقع ، وإنّما هو تعبير عن حقيقة ربّانية نطق بها من لا ينطق عن الهوى ، فقال صلّى اللّه عليه وآله : « الخلفاء بعدي اثنا عشر » ليكون ذلك شاهدا ومصدقا لهذا الواقع المبتدىء بأمير المؤمنين عليّ ، والمنتهي بالإمام المهدي عليهم السّلام ، وهو التطبيق الوحيد المعقول لذلك الحديث « 2 » . فالصحيح إذن أن يعتبر الحديث من دلائل النبوّة في صدقها عن الإخبار بالمغيّبات ، أمّا محاولات تطبيقه على من عرفوا بنفاقهم وجرائمهم وسفكهم للدماء من الأمويين والعباسيين وغيرهم فهو يخالف الحديث مفهوما ومنطوقا على الرغم ممّا في ذلك من إساءة بالغة إلى مقام النبيّ صلّى اللّه عليه وآله إذ يعني ذلك أنّه أخبر ببقاء الدين إلى زمان عمر بن عبد العزيز مثلا ، لا إلى أن تقوم الساعة ! ! وقد علمت أنّ الإمام الصادق عليه السّلام قد قطع الطريق أمام كلّ التفسيرات المنحرفة لحديث : « الخلفاء اثني عشر . . » مبيّنا المراد بمصاديق هذا الحديث واقعا كما تقدّم . القاعدة الثالثة : قاعدة التسلسل العمودي للإمامة بعد الإمام الحسين عليه السّلام : تهدف هذه القاعدة إلى الإطاحة بجميع الدعاوى الباطلة التي زعمتها بعض الفرق المندرسة التي أتت عليها حملة التثقيف الواسعة التي قادها الإمام الصادق عليه السّلام وجعلتها هشيما تذروه الرياح ، إذ نسفت تلك القاعدة ما زعمه الكيسانية من إمامة محمد بن الحنفية رضى اللّه عنه ، كما نسفت مزاعم الفطحية بإمامة عبد اللّه الأفطح ، وبددت طموح من قال بإمامة السيد محمد بن الإمام الهادي عليه السّلام ، وكذلك من قال بإمامة جعفر الكذاب ، وزيادة على ذلك فإنها حصرت الإمامة بذرية الحسين عليه السّلام كما سنرى . وعليه لا بدّ وأن يكتمل عدد الأئمة الاثني عشر ، خصوصا وإن هذه القاعدة الشريفة قد عرفت قبل اكتمال التسلسل التاريخي للأئمّة عليهم السّلام كما عرف حديث الخلفاء أو الأئمّة اثنا عشر كلّهم من قريش قبل اكتمال التسلسل التاريخي للأئمّة أيضا . ومن هنا ركّز الإمام الصادق عليه السّلام على هذه القاعدة ، وممّا يؤيد ذلك على لسانه الشريف أحاديث شتّى نكتفي ببعضها ، وهي :
غيبة الإمام المهدي عند الإمام الصادق — اللّه ، وعترته أهل بيته ، الذين أذهب اللّه عنهم الرجس وطهّرهم — الإمام الصادق عليه السلام
أعطيته إلا أنه لا نبي بعدي ( 1 ) . المبحث الخامس والعشرون : في التوعد على بغضه : روى الخوارزمي ( 2 ) عن معمر عن الزهري عن عكرمة عن ابن عباس قال : قال رسول الله
- صلى الله عليه وآله - : إن الله - عز وجل - منع بني إسرائيل قطر السماء بسوء رأيهم في أنبيائهم واختلافهم في دينهم . وإنه آخذ هذه الأمة بالسنين ومانعهم قطر السماء ببغضهم علي بن أبي طالب - عليه السلام - . قال معمر ( 3 ) : حدثني الزهري وقد حدثني في مرضة مرضها ولم أسمعه [ يحدث ] ( 4 ) عن عكرمة قبلها أحسبه ولا بعدها . فلما برئ ( 5 ) من مرضه ندم فقال لي : يا يماني ( 6 ) اكتم هذا الحديث واطوه دوني . فإن هؤلاء يعني : بني أمية لا يعذرون أحدا في تعريض ( 7 ) علي وذكره .
كشف اليقين — علمي وهديي — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
حدثنا محمد بن موسى بن المتوكل رضي الله عنه قال : حدثنا عبد الله بن جعفر الحميري ، عن إبراهيم بن مهزيار قال : قدمت مدينة الرسول صلى الله عليه وآله فبحثت عن أخبار آل أبي محمد الحسن بن علي الأخير عليهما السلام فلم أقع على شئ منها فرحلت منها إلى مكة مستبحثا عن ذلك ، فبينما أنا في الطواف إذ تراءى لي فتى أسمر اللون ، رائع الحسن ، جميل المخيلة ، يطيل التوسم في ، فعدت إليه مؤملا منه عرفان ما قصدت له ، فلما قربت منه سلمت ، فأحسن الإجابة ، ثم قال : من أي البلاد أنت ؟ قلت : رجل من أهل العراق ، قال : من أي العراق ؟ قلت : من الأهواز ، فقال : مرحبا بلقائك هل تعرف بها جعفر بن حمدان الحصيني ، قلت : دعي فأجاب ، قال : رحمة الله عليه ما كان أطول ليله وأجزل نيله ، فهل تعرف إبراهيم بن مهزيار قلت : أنا إبراهيم بن مهزيار فعانقني مليا ثم قال : مرحبا بك يا أبا إسحاق ما فعلت بالعلامة التي وشجت بينك وبين أبي محمد عليه السلام ؟ فقلت : لعلك تريد الخاتم الذي آثرني الله به من الطيب أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام ؟ فقال : ما أردت سواه ، فأخرجته إليه ، فلما نظر إليه استعبر وقبله ، ثم قرأ كتابته فكانت " يا الله يا محمد يا علي " ثم ، قال : بأبي يدا طالما جلت فيها . وتراخى بنا فنون الأحاديث - إلى أن قال لي - : يا أبا إسحاق أخبرني عن عظيم ما توخيت بعد الحج ؟ قلت : وأبيك ما توخيت إلا ما سأستعلمك مكنونه ، قال : سل عما شئت فإني شارح لك إن شاء الله ؟ قلت : هل تعرف من أخبار آل أبي محمد الحسن عليهما السلام شيئا ؟ قال لي : وأيم الله إني لأعرف الضوء بجبين محمد وموسى ابني الحسن ابن علي عليهم السلام ثم أني لرسولهما إليك قاصدا لإنبائك أمرهما فإن أحببت لقاءهما والاكتحال بالتبرك بهما فارتحل معي إلى الطائف وليكن ذلك في خفية من رجالك واكتتام . قال إبراهيم : فشخصت معه إلى الطائف أتخلل رملة فرملة حتى أخذ في بعض مخارج الفلاة فبدت لنا خيمة شعر ، قد أشرفت على أكمة رمل تتلألأ تلك البقاع منها تلألؤا ، فبدرني إلى الاذن ، ودخل مسلما عليهما وأعلمهما بمكاني فخرج علي أحدهما وهو الأكبر سنا " م ح م د " ابن الحسن عليهما السلام وهو غلام أمرد ناصع اللون ، واضح الجبين ، أبلج الحاجب ، مسنون الخدين ، أقنى الانف ، أشم أروع كأنه غصن بان ، وكان صفحة غرته كوكب دري ، بخده الأيمن خال كأنه فتاة مسك على بياض الفضة وإذا برأسه وفرة سحماء سبطة تطالع شحمة أذنه ، له سمت ما رأت العيون أقصد منه ولا أعرف حسنا وسكينة وحياء . فلما مثل لي أسرعت إلى تلقيه فأكببت عليه ألثم كل جارحة منه ، فقال لي : مرحبا بك يا أبا إسحاق لقد كانت الأيام تعدني وشك لقائك والمعاتب بيني وبينك على تشاحط الدار وتراخى المزار ، تتخيل لي صورتك حتى كانا لم نخل طرفة عين من طيب المحادثة ، وخيال المشاهدة ، وأنا أحمد الله ربي ولي الحمد على ما قيض من التلاقي ورفه من وكربة التنازع والاستشراف عن أحوالها متقدمها ومتأخرها . فقلت : بأبي أنت وأمي ما زلت أفحص عن أمرك بلدا فبلدا منذ استأثر الله بسيدي أبي محمد عليه السلام فاستغلق علي ذلك حتى من الله علي بمن أرشدني إليك ودلني عليك ، والشكر لله على ما أوزعني فيك من كريم اليد والطول ، ثم نسب نفسه وأخاه موسى واعتزل بي ناحية ، ثم قال : إن أبي عليه السلام عهد إلي أن لا أوطن من الأرض إلا أخفاها وأقصاها إسرارا لامري ، وتحصينا لمحلي لمكائد أهل الضلال والمردة من أحداث الأمم الضوال ، فنبذني إلى عالية الرمال ، وجبت صرائم الأرض ينظرني الغاية التي عندها يحل الامر وينجلي الهلع . وكان عليه السلام أنبط لي من خزائن الحكم ، وكوامن العلوم ما أن أشعت إليك منه جزء أغناك عن الجملة . [ واعلم ] يا أبا إسحاق إنه قال عليه السلام : يا بني إن الله جل ثناؤه لم يكن ليخلي أطباق أرضه وأهل الجد في طاعته وعبادته بلا حجة يستعلى بها ، وإمام يؤتم به ، ويقتدى بسبيل سنته ومنهاج قصده ، وأرجو يا بني أن تكون أحد من أعد الله لنشر الحق ووطئ الباطل وإعلاء الدين ، وإطفاء الضلال ، فعليك يا بني بلزوم خوافي الأرض ، وتتبع أقاصيها ، فإن لكل ولي لأولياء الله عز وجل عدوا مقارعا وضدا منازعا افتراضا لمجاهدة أهل النفاق وخلاعة أولي الإلحاد والعناد فلا يوحشنك ذلك . واعلم إن قلوب أهل الطاعة والاخلاص نزع إليك مثل الطير إلى أو كارها وهم معشر يطلعون بمخائل الذلة والاستكانة ، وهم عند الله بررة أعزاء ، يبرزون بأنفس مختلة محتاجة ، وهم أهل القناعة والاعتصام ، استنبطوا الدين فوازروه على مجاهدة الأضداد ، خصهم الله باحتمال الضيم في الدنيا ليشملهم باتساع العز في دار القرار ، وجبلهم على خلائق الصبر لتكون لهم العاقبة الحسنى ، وكرامة حسن العقبى . فاقتبس يا بني نور الصبر على موارد أمورك تفز بدرك الصنع في مصادرها ، واستشعر العز فيما ينوبك تحظ بما تحمد غبه إن شاء الله ، وكأنك يا بني بتأييد نصر الله [ و ] قد آن ، وتيسير الفلج وعلو الكعب [ و ] قد حان ، وكأنك بالرايات الصفر والاعلام البيض تخفق على أثناء أعطافك ما بين الحطيم وزمزم ، وكأنك بترادف البيعة وتصافي الولاء يتناظم عليك تناظم الدر في مثاني العقود ، وتصافق الأكف على جنبات الحجر الأسود ، تلوذ بفنائك من ملأ براهم الله من طهارة الولاة ونفاسة التربة ، مقدسة قلوبهم من دنس النفاق ، مهذبة أفئدتهم من رجس الشقاق ، لينة عرائكهم للدين ، خشنة ضرائبهم عن العدوان ، واضحة بالقبول أوجههم ، نضرة بالفضل عيدانهم يدينون بدين الحق وأهله ، فإذا اشتدت أركانهم ، وتقومت أعمادهم فدت بمكانفتهم طبقات الأمم إلى إمام ، إذ تبعتك في ظلال شجرة دوحة تشعبت أفنان غصونها على حافات بحيرة الطبرية فعندها يتلألأ صبح الحق وينجلي ظلام الباطل ، ويقصم الله بك الطغيان ، ويعيد معالم الايمان ، يظهر بك استقامة الآفاق وسلام الرفاق ، يود الطفل في المهد لو استطاع إليك نهوضا ، ونواشط الوحش لو تجد نحوك مجازا ، تهتز بك أطراف الدنيا بهجة ، وتنشر عليك أغصان العز نضرة ، وتستقر بواني الحق في قرارها ، وتؤوب شوارد الدين إلى أو كارها ، تتهاطل عليك سحائب الظفر ، فتخنق كل عدو ، وتنصر كل ولي ، فلا يبقي على وجه الأرض جبار قاسط ولا جاحد غامط ، ولا شانئ مبغض ، ولا معاند كاشح ، ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا . ثم قال : يا أبا إسحاق ليكن مجلسي هذا عندك مكتوما إلا عن أهل التصديق والاخوة الصادقة في الدين ، إذا بدت لك أمارات الظهور والتمكن فلا تبطئ بإخوانك عنا وباهر المسارعة إلى منار اليقين وضياء مصابيح الدين تلق رشدا إن شاء الله قال إبراهيم بن مهزيار : فمكثت عنده حينا أقتبس ما أؤدي إليهم من موضحات الاعلام ونيرات الاحكام ، وأروي نبات الصدور من نضارة ما ادخره الله في طبائعه من لطائف الحكم وطرائف فواضل القسم حتى خفت إضاعة مخلفي بالأهواز لتراخي اللقاء عنهم فاستأذنته بالقفول ، وأعلمته عظيم ما أصدر به عنه من التوحش لفرقته والتجرع للظعن عن محاله ، فأذن وأردفني من صالح دعائه ما يكون ذخرا عند الله ولعقبي وقرابتي إن شاء الله . فلما أزف ارتحالي وتهيأ اعتزام نفسي غدوت عليه مودعا ومجددا للعهد وعرضت عليه مالا كان معي يزيد على خمسين ألف درهم وسألته أن يتفضل بالامر بقبوله مني ، فابتسم وقال : يا أبا إسحاق استعن به على منصرفك فإن الشقة قذفة وفلوات الأرض أمامك جمة ولا تحزن لاعراضنا عنه ، فإنا قد أحدثنا لك شكره ونشره وربضناه عندنا بالتذكرة وقبول المنة فبارك الله فيما خولك وأدام لك ما نولك وكتب لك أحسن ثواب المحسنين وأكرم آثار الطائعين ، فإن الفضل له ومنه ، وأسأل الله أن يردك إلى أصحابك بأوفر الحظ من سلامة الأوبة وأكناف الغبطة بلين المنصرف ولا أوعث الله لك سبيلا ، ولا حير لك دليلا ، واستودعه نفسك وديعة لا تضيع ولا تزول بمنه ولطفه إن شاء الله . يا أبا إسحاق : قنعنا بعوائد إحسانه وفوائد امتنانه ، وصان أنفسنا عن معاونة الأولياء لنا عن الاخلاص في النية ، وإمحاض النصيحة ، والمحافظة على ما هو أنقي وأتقى وأرفع ذكرا . قال : فأقفلت عنه حامدا لله عز وجل على ما هداني وأرشدني ، عالما بأن الله لم يكن ليعطل أرضه ولا يخليها من حجة واضحة ، وإمام قائم ، وألقيت هذا الخبر المأثور والنسب المشهور توخيا للزيادة في بصائر أهل اليقين ، وتعريفا لهم ما من الله عز وجل به من إنشاء الذرية الطيبة والتربة الزكية ، وقصدت أداء الأمانة والتسليم لما استبان ليضاعف الله عز وجل الملة والهادية ، والطريقة المستقيمة المرضية قوة عزم وتأييد نية ، وشدة أزر ، واعتقاد عصمة ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
كمال الدين وتمام النعمة — الله عز وجل في الخبر الذي : — الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
حدثنا أبو العباس أحمد بن الحسين بن عبد الله بن محمد بن مهران الآبي العروضي رضي الله عنه بمر وقال : حدثنا ( أبو ) الحسين ( بن ) زيد بن عبد الله البغدادي قال : حدثنا أبو الحسن علي بن سنان الموصلي قال : حدثني أبي قال : لما قبض سيدنا أبو محمد الحسن بن علي العسكري صلوات الله عليهما وفد من قم والجبال وفود بالأموال التي كانت تحمل على الرسم والعادة ، ولم يكن عندهم خبر وفاة الحسن عليه السلام ، فلما أن وصلوا إلى سر من رأى سألوا عن سيدنا الحسن بن علي عليهما السلام ، فقيل لهم : إنه قد فقد ، فقال
وا : ومن وارثه ؟ قالوا : أخوه جعفر بن علي فسألوا عنه فقيل لهم إنه قد خرج متنزها وركب زورقا في الدجلة يشرب ومعه المغنون ، قال : فتشاور القوم فقالوا : هذه ليست من صفة الامام ، وقال بعضهم لبعض : امضوا بنا حتى نرد هذه الأموال على أصحابها . فقال أبو العباس محمد بن جعفر الحميري القمي : قفوا بنا حتى ينصرف هذا الرجل ونختبر أمره بالصحة . قال : فلما انصرف دخلوا عليه فسلموا عليه وقالوا : يا سيدنا نحن من أهل قم ومعنا جماعة من الشيعة وغيرها وكنا نحمل إلى سيدنا أبي محمد الحسن بن علي الأموال فقال : وأين هي ؟ قالوا : معنا ، قال : احملوها إلي ، قالوا : لا ، إن لهذه الأموال خبرا طريفا ، فقال : وما هو ؟ قالوا : إن هذه الأموال تجمع ويكون فيها من عامة الشيعة الدينار والديناران ، ثم يجعلونها في كيس ويختمون عليه وكنا إذا وردنا بالمال على سيدنا أبي محمد عليه السلام يقول : جملة المال كذا وكذا دينارا ، من عند فلان كذا ومن عند فلان كذا حتى يأتي على أسماء الناس كلهم ويقول ما على الخواتيم من نقش ، فقال جعفر : كذبتم تقولون على أخي ما لا يفعله ، هذا علم الغيب ولا يعلمه إلا الله . قال : فلما سمع القوم كلام جعفر جعل بعضهم ينظر إلى بعض فقال لهم : احملوا هذا المال إلي ، قالوا : إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب المال ولا نسلم المال إلا بالعلامات التي كنا نعرفها من سيدنا الحسن بن علي عليهما السلام فإن كنت الامام فبرهن لنا وإلا رددناها إلى أصحابها ، يرون فيها رأيهم . قال : فدخل جعفر على الخليفة - وكان بسر من رأى - فاستعدى عليهم ، فلما احضروا قال الخليفة : احملوا هذا المال إلى جعفر ، قالوا : أصلح الله أمير المؤمنين إنا قوم مستأجرون وكلاء لأرباب هذه الأموال وهي وداعة لجماعة وأمرونا بأن لا نسلمها إلا بعلامة ودلالة ، وقد جرت بهذه العادة مع أبي محمد الحسن بن علي عليهما السلام . فقال الخليفة : فما كانت العلامة التي كانت مع أبي محمد . قال القوم : كان يصف لنا الدنانير وأصحابها والأموال وكم هي ؟ فإذا فعل ذلك سلمناها إليه ، وقد وفدنا إليه مرارا فكانت هذه علامتنا معه ودلالتنا ، وقد مات ، فإن يكن هذا الرجل صاحب هذا الامر فليقم لنا ما كان يقيمه لنا أخوه ، وإلا رددناها إلى أصحابها . فقال جعفر : يا أمير المؤمنين إن هؤلاء قوم كذابون يكذبون على أخي وهذا علم الغيب فقال الخليفة : القوم رسل وما على الرسول إلا البلاغ المبين قال : فبهت جعفر ولم يرد جوابا ، فقال القوم : يتطول أمير المؤمنين بإخراج أمره إلى من يبدرقنا حتى نخرج من هذه البلدة ، قال : فأمر لهم بنقيب فأخرجهم منها ، فلما أن خرجوا من البلد خرج إليهم غلام أحسن الناس وجها ، كأنه خادم ، فنادى يا فلان بن فلان ويا فلان ابن فلان أجيبوا مولاكم ، قال : فقالوا : أنت مولانا ، قال : معاذ الله : أنا عبد مولاكم فسيروا إليه ، قالوا : فسرنا ( إليه ) معه حتى دخلنا دار مولانا الحسن بن علي عليهما السلام ، فإذا ولده القائم سيدنا عليه السلام قاعد على سرير كأنه فلقة قمر ، عليه ثياب خضر ، فسلمنا عليه ، فرد علينا السلام ، ثم قال : جملة المال كذا وكذا دينارا ، حمل فلان كذا ، ( وحمل ) فلان كذا ، ولم يزل يصف حتى وصف الجميع . ثم وصف ثيابنا ورحالنا وما كان معنا من الدواب ، فخررنا سجدا لله عز - وجل شكرا لما عرفنا ، وقبلنا الأرض بين يديه ، وسألناه عما أردنا فأجاب ، فحملنا إليه الأموال ، وأمرنا القائم عليه السلام أن لا نحمل إلى سر من رأى بعدها شيئا من المال ، فإنه ينصب لنا ببغداد رجلا يحمل إليه الأموال ويخرج من عنده التوقيعات ، قالوا : فانصرفنا من عنده ودفع إلى أبي العباس محمد بن جعفر القمي الحميري شيئا من الحنوط والكفن فقال له : أعظم الله أجرك في نفسك ، قال : فما بلغ أبو العباس عقبة همدان حتى توفي رحمه الله . وكان بعد ذلك نحمل الأموال إلى بغداد إلى النواب المنصوبين بها ويخرج من عندهم التوقيعات . قال مصنف هذا الكتاب رضي الله عنه : هذا الخبر يدل على أن الخليفة كان يعرف هذا الامر كيف هو ( وأين هو ) وأين موضعه ، فلهذا كف عن القوم عما معهم من الأموال ، ودفع جعفرا الكذاب عن مطالبتهم ولم يأمرهم بتسليمها إليه إلا أنه كان يحب أن يخفى هذا الامر ولا ينشر لئلا يهتدي إليه الناس فيعرفونه ، وقد كان جعفر الكذاب حمل إلى الخليفة عشرين ألف دينار لما توفي الحسن بن علي عليهما السلام وقال : يا أمير المؤمنين تجعل لي مرتبة أخي الحسن ومنزلته . فقال الخليفة : اعلم أن منزلة أخيك لم تكن بنا إنما كانت بالله عز وجل ونحن كنا نجتهد في حط منزلته والوضع منه ، وكان الله عز وجل يأبى إلا أن يزيده كل يوم رفعة لما كان فيه من الصيانة وحسن السمت والعلم والعبادة ، فان كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا ، وإن لم تكن عندهم بمنزلته ولم يكن فيك ما كان في أخيك لم نغن عنك في ذلك شيئا . 44 ( باب ) * ( علة الغيبة ) *
كمال الدين وتمام النعمة — أبي رضي الله عنه قال : حدثنا محمد بن أحمد الطوال ، عن أبيه ، عن الحسن بن - — الإمام الحسن المجتبى عليه السلام
السيّد الرضي في الخصائص أيضا: روي أنّ أمير المؤمنين عليّا- (عليه السلام)- كان جالسا في المسجد، إذ دخل عليه رجلان فاختصما إليه، 309 و كان أحدهما من الخوارج، فتوجّه الحكم على الخارجيّ، فحكم عليه أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، فقال
له الخارجيّ: و اللّه ما حكمت بالسويّة، و لا عدلت في القضيّة، و ما قضيّتك عند اللّه بمرضيّة، فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و أومأ (بيده) إليه: اخسأ عدوّ اللّه، فاستحال كلبا أسود. فقال من حضر: فو اللّه لقد رأينا ثيابه تطاير عنه في الهواء، و جعل يبصبص لأمير المؤمنين، و دمعت عيناه في وجهه، و رأينا أمير المؤمنين- (عليه السلام)- و قد رقّ له فلحظ السماء، و حرّك شفتيه بكلام لم نسمعه، فو اللّه لقد رأيناه و قد عاد إلى حال الإنسانيّة، و تراجعت ثيابه من الهواء حتى سقطت على كتفيه، فرأيناه و قد خرج من المسجد و إنّ رجليه لتضطربان. فبهتنا ننظر إلى أمير المؤمنين، فقال لنا: ما لكم تنظرون و تعجبون؟ فقلنا: يا أمير المؤمنين كيف لا نتعجّب و قد صنعت ما صنعت. فقال: أ ما تعلمون أنّ آصف بن برخيا وصيّ سليمان بن داود- (عليه السلام)- قد صنع ما هو قريب من هذا الأمر، فقصّ اللّه جلّ اسمه قصّته حيث يقول: أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِها قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ. قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَ إِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ الآية . فأيّما أكرم على اللّه نبيّكم أم سليمان؟ فقالوا: بل نبيّنا أكرم يا أمير المؤمنين. قال: فوصيّ نبيّكم أكرم من وصيّ سليمان، و إنّما كان عند 310 وصيّ سليمان- (عليه السلام)- من اسم اللّه الأعظم حرف واحد، فسأل اللّه جلّ اسمه، فخسف له الأرض ما بينه و بين سرير بلقيس فتناوله في أقلّ من طرف العين، و عندنا من اسم اللّه الأعظم اثنان و سبعون حرفا، و حرف عند اللّه تعالى استأثر به دون خلقه. فقالوا [له] : يا أمير المؤمنين فإذا كان هذا عندك فما حاجتك إلى الأنصار في قتال معاوية و غيره، و استنفارك الناس إلى حربه ثانية فقال: بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ إنّما أدعو هؤلاء القوم إلى قتاله ليثبت المحجّة، و كمال الحجّة ، و لو أذن لي في إهلاكه لما تأخّر، لكنّ اللّه تعالى يمتحن خلقه بما شاء، قالوا: فنهضنا من حوله و نحن نعظّم ما أتى به- (عليه السلام)-. الثامن و التسعون رجل مسخ كلبا
مدينة معاجز الأئمة — دلائل الأئمّة- — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
قال عليّ بن الحسين
- (عليهما السلام)-: و لأمير المؤمنين- (عليه السلام)- نظيرها، كان قاعدا ذات يوم فأقبل إليه رجل من اليونانيّين المدّعين للفلسفة و الطبّ، فقال له: يا أبا الحسن بلغني خبر صاحبك و أنّه به جنون، فجئت لاعالجه! فلحقته قد مضى لسبيله، و فاتني ما أردت من ذلك، و قد قيل (لي) : إنّك ابن عمّه و صهره، و أرى اصفرارا قد علاك، و ساقين دقيقين ما أراهما تقلّانك. فأمّا الاصفرار فعندي دواؤه، و [أمّا] الساقان الدقيقان فلا حيلة لي لتغليظهما، و الوجه أن ترفق (بهما و) بنفسك في المشي، تقلّله و لا تكثره، و فيما تحمله على ظهرك، و تحتضنه بصدرك أن تقلّلهما و لا تكثرهما، فإنّ ساقيك دقيقان لا يؤمن عند حمل الثقيل انقصافهما . 353 و أمّا الصفار فدواؤه عندي و هو هذا- و أخرج دواء- و قال: هذا مرّا يؤذيك و لا يحبسك و لكنّه يلزمك حميّة من اللحم أربعين صباحا، ثم يزيل صفارك. فقال [له] عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: قد ذكرت نفع هذا الدواء لصفاري، فهل تعرف شيئا يزيد فيه و يضرّه؟ فقال الرجل: بلى حبّة من هذا- و أشار [بيده] إلى دواء معه- و قال: إن تناوله الإنسان و به صفار أماته من ساعته، و إن كان لا صفار فيه صار به صفرة حتى يموت في يومه. فقال عليّ بن أبي طالب: فأرني هذا الضارّ. فأعطاه [إيّاه] . فقال [له] : كم قدر هذا؟ فقال: قدره مثقالان سمّ ناقع، [قدر] كلّ حبّة منه يقتل رجلا. فتناوله عليّ- (عليه السلام)- فقمحه و عرق عرقا خفيفا، و جعل الرجل يرتعد و يقول في نفسه: الآن اؤخذ بابن أبي طالب و يقال: قتلته و لا يقبل منّي قولي إنّه لهو الجاني على نفسه. 354 فتبسّم عليّ- (عليه السلام)- و قال: يا عبد اللّه أصحّ ما كنت بدنا الآن لم يضرّني ما زعمت أنّه سمّ، فغمّض عينيك. فغمّض، ثمّ قال: افتح عينيك. ففتح، و نظر إلى وجه عليّ- (عليه السلام)- فإذا هو أبيض أحمر مشوب بحمرة ، فارتعد الرجل ممّا رآه. و تبسّم عليّ- (عليه السلام)- و قال: أين الصفار الذي زعمت أنّه بي؟ فقال [الرجل] : و اللّه لكنّك لست من رأيت [قبل] ، كنت مصفارا فأنت الآن مورّد. قال عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)-: فزال عنّي الصفار بسمّك الذي زعمت أنّه قاتلي، و أمّا ساقاي هاتان- و مدّ رجليه و كشف عن ساقيه- فإنّك زعمت أنّي أحتاج إلى أن أرفق ببدني في حمل ما أحمل عليه لئلّا ينقصف الساقان، و أنا ادلّك على طبّ اللّه عزّ و جلّ خلاف طبّك، و ضرب بيده على اسطوانة خشب عظيمة، على رأسها سطح مجلسه الذي هو فيه، و فوقه حجرتان إحداهما فوق الاخرى، و حرّكها و احتملهما فارتفع السطح و الحيطان و فوقهما الغرفتان، فغشي على اليونانيّ. فقال عليّ- (عليه السلام)-: صبّوا عليه الماء [فصبّوا عليه ماء] ، فأفاق و هو يقول: 355 و اللّه ما رأيت كاليوم عجبا. فقال له عليّ- (عليه السلام)-: هذه قوّة الساقين الدقيقين و احتمالهما، أنّى طبّك هذا يا يونانيّ فقال اليونانيّ: أمثلك كان محمّد- (صلى اللّه عليه و آله)-؟ فقال عليّ- (عليه السلام)-: و هل علمي إلّا من علمه، و عقلي إلّا من عقله، و قوّتي إلّا من قوّته؟ لقد أتاه ثقفي كان أطبّ العرب، فقال له: إن كان بك جنون داويتك! فقال له محمّد- (صلى اللّه عليه و آله)-: أ تحبّ أن اريك آية تعلم بها غناي عن طبّك، و حاجتك إلى طبّي؟ قال: نعم. فقال: أيّ آية تريد؟ قال: تدعو ذلك العذق- و أشار إلى نخلة سحوق- فدعاها، فانقلع أصلها من الأرض و هي تخدّ في الأرض خدّا، حتى وقفت بين يديه، فقال له: أكفاك [ذا] ؟ قال: لا. قال: فتريد ما ذا؟ قال: تأمرها [أن] ترجع إلى حيث جاءت [منه] و تستقرّ في مستقرّها الذي انقلعت منه، فأمرها فرجعت و استقرّت في مقرّها . فقال اليونانيّ لأمير المؤمنين- (عليه السلام)-: هذا الذي تذكره عن محمد غائب عنّي، و أنا أقتصر منك على أقلّ من ذلك، أنا أتباعد عنك فادعني، و أنا لا أختار الإجابة، فإن جئت بي إليك فهي آية. قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: هذا إنّما يكون لك آية وحدك لأنّك تعلم من نفسك أنّك لم ترد، و أنّي أزلت اختيارك من غير أن باشرت منّي شيئا، أو ممّن أمرته بأن يباشرك، أو ممّن قصد إلى ذلك و إن لم آمره إلّا ما يكون من قدرة اللّه 356 القاهرة، و أنت (تعلم) يا يونانيّ يمكنك أن تدّعي و يمكن غيرك أن يقول: [إنّي قد] واطأتك على ذلك، فاقترح إن كنت مقترحا ما هو آية لجميع العالمين. فقال له اليونانيّ: إن جعلت الاقتراح إلي ، فأنا أقترح أن تفصل أجزاء تلك النخلة و تفرّقها، و تباعد ما بينها، ثمّ تجمعها و تعيدها كما كانت. فقال عليّ- (عليه السلام)-: هذه آية و أنت رسولي إليها- يعني [إلى] النخلة- فقل لها: إنّ وصيّ محمد رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- يأمر أجزاءك أن تتفرّق و تتباعد. فذهب فقال لها، فتفاصلت و تهافتت و تنثّرت و تصاغرت أجزاؤها، حتى لم ير لها عين و لا أثر، حتى كأن لم يكن هناك [أثر] نخلة [قطّ] ، فارتعدت فرائص اليونانيّ، و قال: يا وصيّ محمّد أعطيتني اقتراحي الأوّل، فاعطني الآخر. فأمرها أن تجتمع و تعود كما كانت. فقال: أنت رسولي إليها فعد فقل لها: يا أجزاء النخلة إنّ وصيّ رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- يأمرك أن تجتمعي (و تكوني) كما كنت تعودي. فنادى اليونانيّ فقال ذلك، فارتفعت في الهواء كهيئة الهباء المنثور، ثمّ جعلت تجتمع جزءا جزءا منها حتى تصوّر لها القضبان و الأوراق و الاصول 357 و السعف و شماريخ الأعذاق، ثمّ تألّفت، و تجمّعت و استطالت و عرضت و استقرّ أصلها في مستقرّها و تمكّن عليها ساقها، و تمكّن على الساق قضبانها، و على القضبان أوراقها، و في أماكنها أعذاقها، و قد كانت في الابتداء شماريخها متجرّدة لبعدها من أوان الرطب و البسر و الخلال. فقال اليونانيّ: و اخرى احبّها أن تخرج شماريخها خلالها، و تقلبها من خضرة إلى صفرة و حمرة و ترطيب و بلوغ أوانه ليؤكل و تطعمني و من حضرك منها. فقال عليّ- (عليه السلام)-: أنت رسولي إليها بذلك، فمرها به. فقال لها اليونانيّ بأمر أمير المؤمنين- (عليه السلام)- فأخلّت و أبسرت، و اصفرّت، و احمرّت و أرطبت و ثقلت أعذاقها برطبها. فقال اليونانيّ: و اخرى احبّ أن تقرّب من يدي أعذاقها، أو تطوّل يدي لتناولها، [و] احبّ شيئا إليّ أن تنزل إليّ إحداهما، و تطوّل يدي (إلى) الاخرى التي هي اختها. 358 فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)- مدّ إليها اليد التي تريد أن تنالها و قل: يا مقرّب البعيد قرّب يدي منها، و اقبض الاخرى التي تريد أن تنزل إليك العذق منها و قل: يا مسهّل العسير سهّل لي تناول ما يبعد عنّي منها ففعل ذلك، و قاله فطالت يمناه فوصلت إلى العذق، و انحطّت الأعذاق الأخر، فسقطت على الأرض قد طالت عراجينها. ثمّ قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: إنّك إن أكلت منها ثم لم تؤمن بمن أظهر لك عجائبها عجّل اللّه عزّ و جلّ [لك] من العقوبة التي يبتليك بها ما يعتبر به عقلاء خلقه و جهّالهم. فقال اليونانيّ: إنّي إن كفرت بعد ما رأيت فقد بالغت في العناد، و تناهيت في التعرّض للهلاك، أشهد أنّك من خاصّة اللّه، صادق في جميع أقاويلك عن اللّه عزّ و جلّ، فأمرني بما تشاء اطعك. قال عليّ- (عليه السلام)-: آمرك أن تقرّ له بالوحدانيّة، و تشهد له بالجود و الحكمة، و تنزّهه عن العبث و الفساد و عن ظلم الإماء و العباد، و تشهد أنّ محمدا- (صلى اللّه عليه و آله)- الذي أنا وصيّه سيّد الأنام، و أفضل رتبة [أهل] 359 دار السلام، و تشهد أنّ عليّا الذي أراك ما أراك، و أولاك من النعم ما أولاك، خير خلق اللّه من بعد محمد رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- و أحقّ خلق اللّه بمقام محمد بعده، و للقيام بشرائعه و أحكامه، و تشهد أنّ أولياءه أولياء اللّه، و [أنّ] أعداءه أعداء اللّه، و أنّ المؤمنين المشاركين لك فيما كلّفتك، المساعدين لك على ما به أمرتك خير أمّة محمّد- (صلى اللّه عليه و آله)- و صفوة شيعة عليّ- (عليه السلام)-. و آمرك أن تواسي إخوانك [المؤمنين] المطابقين لك على تصديق محمد- (صلى اللّه عليه و آله)- و تصديقي، و الانقياد له ولي ممّا رزقك اللّه، و فضّلك على من فضّلك [به منهم] ، تسدّ فاقتهم، و تجبر كسرهم و خلّتهم، و من كان منهم في درجتك في الإيمان ساويته في مالك بنفسك، و من كان منهم فاضلا عليك في دينك آثرته بمالك على نفسك، حتى يعلم اللّه منك أنّ دينه آثر عندك من مالك، و أنّ أولياءه أكرم عليك من أهلك و عيالك. و آمرك أن تصون دينك، و علمنا الذي أودعناك، و أسرارنا التي حمّلناك، فلا تبد علومنا لمن يقابلها بالعناد، و يقابلك من أجلها بالشتم و اللعن و التناول من العرض و البدن، و لا تفش سرّنا إلى من يشنّع علينا عند الجاهلين بأحوالنا، و يعرّض أولياءنا لبوادر الجهّال. و آمرك أن تستعمل التقيّة في دينك فإنّ اللّه يقول لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ 360 إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً . و قد أذنت لك في تفضيل أعدائنا علينا إن ألجأك الخوف إليه، و في إظهارك البراءة [منّا] إن حملك الوجل عليه، و في (شيء من) ترك الصلوات المكتوبات إذا خشيت على حشاشتك الآفات و العاهات، فإنّ تفضيلك أعداءنا علينا عند خوفك لا ينفعهم و لا يضرّنا، و إنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيّتك لا يقدح فينا و لا ينقصنا، و لئن تتبرّأ منّا ساعة بلسانك و أنت موال لنا بجنانك لتبقي على نفسك روحها التي بها قوامها، و مالها الذي به قيامها ، و جاهها الذي به تماسكها، و تصون من عرفت بذلك و عرفك به من أوليائنا و إخواننا [و أخواتنا] من بعد ذلك بشهور و سنين إلى أن تنفرج تلك الكربة، و تزول به تلك الغمّة، فإنّ ذلك أفضل من أن تتعرّض للهلاك، و تنقطع به عن عمل في الدين و صلاح إخوانك المؤمنين. و إيّاك ثمّ إيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك بها، فإنّك شائط بدمك و دماء إخوانك معرّض لنعمتك و نعمتهم للزوال، مذلّ لهم في أيدي أعداء 361 دين اللّه، فقد أمرك اللّه [بإعزازهم] فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على نفسك و إخوانك أشدّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا. الرابع و العشرون و مائة حبّة الرمّان التي وقعت من لحية اليهودي إليه- (عليه السلام)- لأنّها من الجنّة
مدينة معاجز الأئمة — دلائل الأئمّة- — الإمام السجاد عليه السلام
الإمام أبو محمد العسكري- (عليه السلام)-: إنّ اللّه تعالى [قد] أوحى إليه: يا محمد إنّ العليّ الأعلى يقرأ عليك السلام، و يقول لك: إنّ أبا جهل و الملأ من قريش قد دبّروا يريدون قتلك، و آمرك أن تبيت عليّا في موضعك، و قال لك: إنّ منزلته منزلة إسماعيل الذبيح من إبراهيم الخليل، يجعل نفسه لنفسك فداء، و روحه لروحك وقاء، و آمرك أن تستصحب أبا بكر، فإنّه إن آنسك و ساعدك و وازرك و ثبت على ما يعاهدك و يعاقدك كان في الجنّة من رفقائك، و في غرفاتها من خلصائك. فقال رسول اللّه
- (صلى اللّه عليه و آله)- لعليّ: أرضيت أن اطلب فلا اوجد و توجد، فلعلّه أن يبادر إليك الجهّال فيقتلوك؟ قال: بلى يا رسول اللّه رضيت أن تكون روحي لروحك وقاء، و نفسي 457 لنفسك فداء، بل [قد] رضيت أن تكون روحي و نفسي فداء لأخ لك أو قريب أو لبعض الحيوانات تمتهنها، و هل احبّ الحياة إلّا لخدمتك، و التصرّف بين أمرك و نهيك، و لمحبّة أوليائك، و نصرة أصفيائك، و مجاهدة أعدائك؟ لو لا ذلك لما أحببت أن أعيش في هذه الدنيا ساعة واحدة. فأقبل رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- على عليّ- (عليه السلام)- و قال له: يا أبا حسن قد قرأ عليّ كلامك هذا الموكّلون باللوح المحفوظ، و قرءوا عليّ ما أعدّ اللّه [به] لك من ثوابه في دار القرار ما لم يسمع بمثله السامعون، و لا رأى مثله الراءون، و لا خطر مثله ببال المتفكّرين. ثمّ قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- لأبي بكر: أرضيت أن تكون معي يا أبا بكر تطلب كما اطلب، و تعرف بأنّك أنت الذي تحملني على ما أدّعيه، فتحمل عنّي أنواع العذاب؟ قال أبو بكر: يا رسول اللّه أما أنا لو عشت عمر الدنيا اعذّب في جميعها أشدّ عذاب لا ينزل عليّ موت مريح، و لا فرج متيح، و كان ذلك في محبّتك لكان ذلك أحبّ إليّ من أن أتنعّم فيها و أنا مالك لجميع مماليك ملوكها في مخالفتك، ما أهلي و مالي و ولدي إلّا فداؤك. فقال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-: لا جرم إن اطّلع اللّه على قلبك و وجد ما فيه موافقا لما جرى على لسانك، جعلك منّي بمنزلة السمع و البصر، و الرأس من الجسد، و بمنزلة الروح من البدن، كعليّ الذي هو منّي كذلك، و عليّ فوق ذلك لزيادة فضائله و شريف خصاله. 458 يا أبا بكر إنّ من عاهد اللّه ثمّ لم ينكث، و لم يغيّر، و لم يبدّل، و لم يحسد من قد أبانه اللّه بالتفضيل فهو معنا في الرفيق الأعلى، و إذا أنت مضيت على طريقة يحبّها منك ربّك، و لم تتبعها بما يسخطه، و وافيته بها إذا بعثك بين يديه، كنت لولاية اللّه مستحقّا، و لمرافقتنا في تلك الجنان مستوجبا . انظر أبا بكر. فنظر في آفاق السماء، فرأى أملاكا من نار على أفراس من نار، بأيديهم رماح من نار، كلّ ينادي: يا محمد مرنا بأمرك في [أعدائك و] مخالفيك نطحطحهم. ثمّ قال: تسمّع إلى الأرض. فتسمّع فإذا هي تنادي: يا محمد مرني بأمرك في أعدائك أمتثل أمرك. ثمّ قال: تسمّع إلى الجبال. فتسمّعها تنادي: يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نهلكهم. ثمّ قال: تسمّع على البحار فاحضرت البحار بحضرته، و صاحت أمواجها تنادي : يا محمد مرنا بأمرك في أعدائك نمتثله. ثمّ سمع السماء و الأرض و الجبال و البحار كلّ يقول: [يا محمد] ما أمرك ربّك بدخول الغار لعجزك عن الكفّار، و لكن امتحانا و ابتلاء ليتخلّص الخبيث من الطيّب من عباده و إيمائه بأناتك و صبرك و حلمك عنهم، يا محمد من 459 و فى بعهدك فهو من رفقائك في الجنان، و من نكث فإنّما ينكث على نفسه، و هو من قرناء إبليس اللعين في طبقات النيران. ثمّ قال رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- لعليّ: يا عليّ أنت منّي بمنزلة السمع و البصر، و الرأس من الجسد، و الروح من البدن، حيث أنّك إليّ كالماء البارد إلى ذي الغلّة الصادي ، ثمّ قال [له] : يا أبا الحسن تغشّ ببردتي، فإذا أتاك الكافرون يخاطبونك، فإنّ اللّه يقرن بك توفيقه، و به تجيبهم . فلمّا جاء أبو جهل و القوم شاهرون سيوفهم، قال لهم أبو جهل: لا تقعوا به و هو نائم لا يشعر، و لكن ارموه بالأحجار لينتبه بها، ثمّ اقتلوه. فرموه بأحجار ثقال صائبة، فكشف عن رأسه، و قال: ما ذا شأنكم؟ فعرفوه فإذا هو عليّ- (عليه السلام)-. فقال [لهم] أبو جهل: أ ما ترون محمدا كيف أبات هذا و نجا بنفسه لتشتغلوا به فينجو محمد، لا تشتغلوا بعليّ المخدوع لينجو بهلاكه محمد، و إلّا فما منعه أن يبيت في موضعه إن كان ربّه يمنع عنه كما يزعم؟ فقال عليّ- (عليه السلام)-: ألي تقول هذا يا أبا جهل؟ بل اللّه قد أعطاني من العقل ما لو قسّم على جميع حمقاء الدنيا و مجانينها لصاروا به عقلاء، و من القوّة ما لو قسّم على جميع ضعفاء الدنيا لصاروا به أقوياء، و من الشجاعة ما لو قسّم على جميع جبناء الدنيا لصاروا [به] شجعانا، و من الحلم ما لو قسّم على جميع 460 سفهاء الدنيا لصاروا به حلماء. و لو لا أنّ رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- أمرني أن لا احدث حدثا حتى ألقاه لكان لي و لكم شأن و لأقتلنّكم قتلا. ويلك يا أبا جهل- عليك اللعنة- إنّ محمدا قد استأذنه في طريقه السماء و الأرض و البحار و الجبال في إهلاككم فأبى إلّا أن يرفق بكم، و يداريكم ليؤمن من في علم اللّه أنّه يؤمن منكم، و يخرج مؤمنون من أصلاب و أرحام كافرين و كافرات أحبّ اللّه تعالى أن لا يقطعهم عن كرامته باصطلامهم . و لو لا ذلك لأهلككم ربّكم، إنّ اللّه هو الغنيّ و أنتم الفقراء، لا يدعوكم إلى طاعته و أنتم مضطرّون، بل مكّنكم ممّا كلّفكم، فقطع معاذيركم. فغضب أبو البختري بن هشام (أخو أبي جهل) فقصده بسيفه، فرأى الجبال قد أقبلت لتقع عليه، و الأرض قد انشقّت لتخسف به، و رأى أمواج البحار نحوه مقبلة لتغرقه في البحر، و رأى السماء (قد) انحطّت لتقع عليه، فسقط سيفه و خرّ مغشيّا عليه و احتمل، و يقول أبو جهل: دير به الصفراء و هاجت به، يريد أن يلبّس على من معه أمره. فلمّا التقى رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- مع عليّ قال: يا عليّ إنّ اللّه تعالى رفع صوتك في مخاطبتك أبا جهل إلى العلوّ، و بلّغه إلى الجنان، فقال من فيها من الخزّان و الحور الحسان: من هذا المتعصّب لمحمّد إذ قد كذّبوه و هجروه؟ قيل لهم: هذا النائب عنه، و البائت على فراشه، يجعل نفسه لنفسه وقاء، و روحه لروحه فداء. فقال الخزّان و الحور الحسان: يا ربّنا فاجعلنا خزّانه. و قالت 461 الحور (الحسان) : فاجعلنا نساءه. فقال اللّه تعالى لهم: أنتم له، و لمن اختاره [هو] من أوليائه و محبّيه يقسّمكم عليهم- بأمر اللّه- على من هو أعلم به من الصلاح، أرضيتم؟ قالوا: بلى ربّنا و سيّدنا. التاسع و الثمانون و مائة سكون وجعه ليلة مبيته- (عليه السلام)- على الفراش، و ذهاب الورم من أذى المشركين و انقطاع الحديد من رجله لمّا أوثقوه، و غير ذلك
مدينة معاجز الأئمة — دلائل الأئمّة- — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
الديلمي الحسن بن أبي الحسن- (رحمه الله)- و الحضيني: (بإسناده، عن أحمد بن الخطيب، عن أبي المطّلب جعفر بن محمد بن الفضيل، عن محمد ابن سنان الزهري، عن عبد اللّه بن عبد الرحمن الأصمّ، عن مدلج، عن) 244 هارون بن سعيد، قال: سمعت أمير المؤمنين يقول
لعمر (بن الخطّاب) : من علمك الجهالة يا مغرور، أما و اللّه لو كنت بصيرا، أو كنت بما أمرك به رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- خبيرا، أو كنت في دينك تاجرا نحريرا لركبت العقر، و لفرشت القصب، و لما أحببت أن تتمثّل لك الرجال قياما، و لما ظلمت عترة النبيّ- (صلى اللّه عليه و آله)- بقبيح الفعل، غير انّي أراك في الدنيا قتيلا [بجراحة] من عبد أمّ معمر، تحكم عليه بالجور فيقتلك توفيقا يدخل به و اللّه الجنان على الرغم منك. (و اللّه) لو كنت من رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- سامعا و مطيعا لما وضعت سيفك على عاتقك، و لما خطبت على المنبر، و لكأنّي بك و قد دعيت فأجبت، و نودي باسمك فأحجمت، و إنّ لك [بعد القتل] لهتك ستر، و صلبا و لصاحبك الذي اختارك، و قمت مقامه من بعده. فقال له عمر: يا أبا الحسن، أ ما تستحي لنفسك من هذا التهكّن؟ فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: [و اللّه] ما قلت (لك) إلّا ما سمعت (من رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-) ، و ما نطقت إلّا بما علمت. قال: فمتى هذا، يا أمير المؤمنين؟ 245 قال: إذا خرجت جيفتكما عن رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- من قبريكما الذين لم ترقدا فيهما نهارا [و لا ليلا] لئلّا يشكّ [أحد فيكما إذ نبشتما و لو دفنتما بين المسلمين لشكّ] شاكّ، و ارتاب مرتاب، و صلبتما على أغصان دوحات شجرة يابسة فتورق تلك الدوحات بكما، و تفرّع و تخضرّ فيكون علامة لمن أحبّكما و رضي بفعالكما، ليميّز اللّه الخبيث من الطيّب، و لكأنّي أنظر إليكما و الناس يسألون (ربّهم) العافية ممّا قد بليتما به. قال: فمن يفعل ذلك يا أبا الحسن؟ قال: عصابة [قد] فرّقت بين السيوف و أغمادها، و ارتضاهم اللّه لنصرة دينه، فما تأخذهم في اللّه لومة لائم، و لكأنّي أنظر إليكما و قد اخرجتما من قبريكما غضّين طريّين حتى تصلبا على الدوحات، فيكون ذلك فتنة لمن أحبّكما. ثمّ يؤتى بالنار التي [اضرمت] لإبراهيم- (عليه السلام)- و يحيى و جرجيس و دانيال و كلّ نبيّ و صدّيق و مؤمن، ثمّ يؤمر بالنار و هي النار التي أضرمتموها على باب داري لتحرقوني و فاطمة بنت رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-، و ابنيّ الحسن و الحسين، و ابنتيّ زينب و أمّ كلثوم حتى تحرقا بها، و يرسل (اللّه) عليكم 246 ريحا مرّة فتنسفكما في اليمّ نسفا، [بعد أن] يأخذ السيف منكما ما أخذ ، و يصير مصير كما جميعا إلى النار، و تخرجان إلى البيداء إلى موضع الخسف الذي قال اللّه عزّ و جلّ: وَ لَوْ تَرى إِذْ فَزِعُوا فَلا فَوْتَ وَ أُخِذُوا مِنْ مَكانٍ قَرِيبٍ - يعني من تحت أقدامهم-. قال: يا أبا الحسن، يفرّق بيننا و بين رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)-؟ قال: نعم. قال: يا أبا الحسن، إنّك سمعت هذا و إنّه حقّ؟ قال: فحلف أمير المؤمنين- (عليه السلام)- (أنّه سمعه من النبيّ- (صلى اللّه عليه و آله)-) فبكى عمر و قال: إنّي أعوذ باللّه ممّا تقول، فهل لك علامة ؟ قال: نعم، قتل فظيع، و موت رضيع ، و طاعون شنيع، و لا يبقى من الناس في ذلك الزمان إلّا ثلثهم، و ينادي مناد من السماء باسم رجل من ولدي، و تكثر الآيات حتى يتمنّى الأحياء الموت ممّا يرون من الأهوال ، فمن هلك استراح، و من كان له خير عند اللّه نجا، ثمّ يظهر رجل من ولدي فيملأ الأرض عدلا كما ملئت جورا و ظلما، يأتيه اللّه ببقايا قوم موسى، و يحيي له أصحاب الكهف، و يؤيّده اللّه بالملائكة و الجنّ و شيعتنا المخلصين، و ينزل من السماء قطرها، و تخرج الأرض نباتها. 247 فقال له (عمر) : [يا أبا الحسن، أما إنّي أعلم] إنّك لا تحلف إلّا على حقّ، [فو اللّه] لا تذوق أنت و لا أحد من ولدك حلو الخلافة [أبدا] . فقال له أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: (ثمّ) إنّكم لا تزدادون لي و لولدي إلّا عداوة. (قال:) فلمّا حضرت عمر الوفاة أرسل إلى أمير المؤمنين- (عليه السلام)-، فقال له: يا أمير المؤمنين، يا أبا الحسن، اعلم أنّ أصحابي هؤلاء حلّلوني ممّا ولّيت من امورهم، فإن رأيت أن تحلّلني . فقال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: أ رأيتك إن حللتك أنا فهل لك في تحليل من مضى من رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- و ابنته، ثمّ ولّى و هو يقول: وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ [فكان هذا من دلائله] . السبعون و ثلاثمائة علمه- (عليه السلام)- بالكتاب الذي عند أمّ سلمة من رسول اللّه- (صلى اللّه عليه و آله)- 248
مدينة معاجز الأئمة — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
125 .......... استصواب شيء علم بعد أن لم يعلم، و ذلك على الله غير جائز" انتهى". و قد قال سبحانه
" هُوَ الَّذِي. قَضىٰ أَجَلًا وَ أَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ" و قال المحقق الطوسي (ره) في التجريد: أجل الحيوان الوقت الذي علم الله بطلان حياته فيه، و المقتول يجوز فيه الأمران لولاه، و يجوز أن يكون الأجل لطفا للغير لا للمكلف، و قال العلامة (ره) في شرحه: اختلف الناس في المقتول لو لم يقتل، فقالت المجبرة: إنه كان يموت قطعا و هو قول العلاف، و قال بعض البغداديين: إنه كان يعيش قطعا، و قال أكثر المحققين: إنه كان يجوز أن يعيش و يجوز أن يموت ثم اختلفوا فقال قوم منهم: لو كان المعلوم منه البقاء لو لم يقتل له أجلان، و قال الجبائيان و أصحابهما و أبو الحسين: إن أجله هو الوقت الذي قتل فيه ليس له أجل آخر لو لم يقتل، فما كان يعيش إليه ليس بأجل له الآن حقيقي بل تقديري" انتهى" و قال تعالى:" يَمْحُوا اللّٰهُ مٰا يَشٰاءُ وَ يُثْبِتُ وَ عِنْدَهُ أُمُّ الْكِتٰابِ". و قال الناصبي الرازي في تفسيره في هذه الآية قولان: الأول: أنها عامة في كل شيء كما يقتضيه ظاهر اللفظ، قالوا: إن الله يمحو من الرزق و يزيد فيه، و كذا القول في الأجل و السعادة و الشقاوة و الإيمان و الكفر، و هو مذهب عمرو بن مسعود، و رواه جابر عن رسول الله (صلى الله عليه و آله). و الثاني: أنها خاصة في بعض الأشياء دون البعض، ففيها وجوه: " الأول": أن المراد من المحو و الإثبات نسخ الحكم المتقدم و إثبات حكم آخر بدلا عن الأول" الثاني" أنه تعالى يمحو من ديوان الحفظة ما ليس بحسنة و لا سيئة، لأنهم مأمورون بكتبة كل قول و فعل و يثبت غيره" الثالث" أنه تعالى
مرآة العقول — البداء الحديث الأول: صحيح. — غير محدد
تَعَالَى- فَآمِنُوا بِاللّٰهِ وَ رَسُولِهِ وَ النُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنٰا فَقَالَ يَا أَبَا خَالِدٍ النُّورُ وَ اللَّهِ الْأَئِمَّةُعليهم السلاميَا أَبَا تعالى" وَ إِذٰا يُتْلىٰ عَلَيْهِمْ قٰالُوا آمَنّٰا بِهِ" أي بأنه كلام الله" إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنٰا" استئناف لبيان ما أوجب إيمانهم به" إِنّٰا كُنّٰا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ" استئناف آخر للدلالة علي أن إيمانهم به ليس مما أحدثوا حينئذ بل تقادم عهده لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة" أُولٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ" مرة على إيمانهم بكتابهم، و مرة على إيمانهم بالقرآن" بِمٰا صَبَرُوا" بصبرهم و ثباتهم على الإيمانين، أو على الإيمان بالقرآن قبل النزول و بعده، أو على أذى المشركين و أذى من هاجرهم من أهل دينهم. " يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا" قال الطبرسي (ره): أي اعترفوا بتوحيد الله و صدقوا بموسى و عيسى" اتَّقُوا اللّٰهَ وَ آمِنُوا بِرَسُولِهِ" محمد (صلى الله عليه و آله) عن ابن عباس، و قيل: معناه يا أيها الذين آمنوا ظاهرا آمنوا باطنا" يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ" أي يعطكم نصيبين" مِنْ رَحْمَتِهِ" نصيبا لأيمانكم من تقدم من الأنبياء، و نصيبا لأيمانكم بمحمد (صلى الله عليه و آله)" وَ يَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ" أي هدى تهتدون به، و قيل: النور القرآن، انتهى. و أقول: علي تأويله (عليه السلام) لعل المراد آمنوا برسوله فيما أتى به من ولاية الأئمة (عليهم السلام)، و سيأتي تأويل الكفلين بالحسنين (عليهما السلام). الحديث الرابع: ضعيف.
مرآة العقول — الله الناطق، لكونه حامل علم الكتاب و حافظه، و لكونه مستكملا به و موصوفا به و متحدا معه، فكأنه هو، و — الإمام الباقر عليه السلام
200 وَ قُتِلَعليه السلامفَقَالَ
تِ الْمَلَائِكَةُ يَا رَبِّ أَذِنْتَ لَنَا فِي الِانْحِدَارِ وَ أَذِنْتَ لَنَا فِي نُصْرَتِهِ فَانْحَدَرْنَا وَ قَدْ قَبَضْتَهُ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِمْ أَنِ الْزَمُوا قَبْرَهُ حَتَّى تَرَوْهُ وَ قَدْ خَرَجَ فَانْصُرُوهُ وَ ابْكُوا الملائكة عرضوا عليه نصرتهم فلم يقبل، و اختار لقاء الله تعالى، فيمكن أن يكون هذا في المرة الثانية من نزولهم. قال السيد بن طاوس رضي الله عنه في كتاب اللهوف: و روي عن مولانا الصادق (عليه السلام) أنه قال: سمعت أبي يقول: لما التقى الحسين (عليه السلام) و عمر بن سعد لعنه الله و قامت الحرب أنزل النصر حتى رفرف على رأس الحسين (عليه السلام) ثم خير بين النصر على أعدائه و بين لقاء الله تعالى، فاختار لقاء الله. و روي أيضا عن أبي جعفر الطبري عن الواقدي و زرارة بن صالح قالا: لقينا الحسين بن علي (عليه السلام) قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيام فأخبرناه بهوى الناس بالكوفة و أن قلوبهم معه و سيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء و نزلت الملائكة عددا لا يحصيهم إلا الله تعالى، فقال (عليه السلام): لو لا تقارب الأشياء و حبوط الأجر لقاتلتهم بهؤلاء و لكن أعلم يقينا أن هناك مصرعي و مصرع أصحابي و لا ينجو منهم إلا ولدي على. و روى الصدوق في مجالسه عن أبان بن تغلب قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): أربعة آلاف ملك هبطوا يريدون القتال مع الحسين بن علي (صلوات الله عليه) فلم يؤذن لهم في القتال، فرجعوا في الاستئذان و هبطوا و قد قتل الحسين (عليه السلام) فهم عند قبره شعث غبر يبكونه إلى يوم القيامة رئيسهم ملك يقال له منصور. و أقول: الظاهر أن عدم الإذن منه (عليه السلام)، و يحتمل أن يكون من الله لكنه بعيد. قوله (عليه السلام): و قد خرج، أي في الرجعة قبل القيامة بقرينة النصرة. و اعلم أن الرجعة أي رجوع جماعة من المؤمنين إلى الدنيا قبل القيامة في زمن
مرآة العقول — أن الأئمة — الله تعالى (حديث قدسي)
82 .......... قوله تعالى" ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَ خُفْيَةً" و جزم في أوائل سورة الفاتحة بأنه لو قال: أصلي لثواب الله أو الهرب من عقابه فسدت صلاته، و من قال بأن ذلك القصد غير مفسد للعبادة منع خروجها به عن درجة الإخلاص، و قال: إن إرادة الفوز بثواب الله و السلامة من سخطه ليس أمرا مخالفا لإرادة وجه الله سبحانه، و قد قال تعالى
في مقام مدح أصفيائه:" كٰانُوا يُسٰارِعُونَ فِي الْخَيْرٰاتِ وَ يَدْعُونَنٰا رَغَباً وَ رَهَباً" أي للرغبة في الثواب و الرهبة من العقاب، و قال سبحانه:" وَ ادْعُوهُ خَوْفاً وَ طَمَعاً" و قال تعالى: " يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَ اسْجُدُوا وَ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَ افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ" أي حال كونكم راجين للفلاح، أو لكي تفلحوا، و الفلاح هو الفوز بالثواب، نص عليه الشيخ أبو علي الطبرسي. هذا ما وصل إلينا من كلام هؤلاء، و للمناقشة فيه مجال، أما قولهم أن تلك الإرادة ليست مخالفة لإرادة وجه الله تعالى فكلام ظاهري قشري إذ البون البعيد بين إطاعة المحبوب و الانقياد إليه لمحض حبه و تحصيل رضاه و بين إطاعته لأغراض أخر أظهر من الشمس في رائعة النهار، و الثانية ساقطة بالكلية عن درجة الاعتبار عند أولي الأبصار، و أما الاعتضاد بالآيتين الأوليين، ففيه: أن كثيرا من المفسرين ذكروا أن المعنى راغبين في الإجابة، راهبين من الرد و الخيبة، و أما الآية الثالثة فقد ذكر الطبرسي في مجمع البيان أن معنى لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكي تسعدوا. و لا ريب أن تحصيل رضاه سبحانه هو السعادة العظمى، و فسر (ره) الفلاح في قوله تعالى:" أُولٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ*" بالنجاح و الفوز، و قال شيخ الطائفة في التبيان: المفلحون هم المنجحون
مرآة العقول — الإخلاص الحديث الأول: صحيح. — غير محدد
- وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ الخلق و فظاظته و مظظته لمته. و ماظظته مماظة و مماظا شاردته و نازعته، و الخصم لازمته و قال: جامله لم يصفه الإخاء بل ماسحة بالجميل له و أحسن عشرته، قوله: يسمن ذلك عندهم، كذا في أكثر النسخ من قولهم سمن فلان يسمن من باب تعب، و في لغة من باب قرب إذا كثر لحمه و شحمه كناية عن العظمة و النمو و يمكن أن يقرأ على بناء المفعول من الأفعال أو التفعيل، أي يفعل الله ذلك مرضيا محبوبا عندهم، و في بعض النسخ يسمى على بناء المفعول من التسمية أي يذكر عندهم و يحمدونكم بذلك، فيكون مرفوعا بالاستيناف البياني و الحمل على الرقاب كناية عن التسلط و الاستيلاء. الحديث الخامس: مجهول. " و قد قال الله" بيان لعز الآخرة لأنه تعالى قال في سورة آل عمران:" وَ سٰارِعُوا إِلىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَ جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمٰاوٰاتُ وَ الْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرّٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ وَ الْكٰاظِمِينَ الْغَيْظَ" قال البيضاوي: الممسكين عليه، الكافين عن إمضائه مع القدرة، من كظمت القربة إذا ملأتها و شددت رأسها، و عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم): من كظم غيظا و هو يقدر على إنفاذه ملأ الله قلبه أمنا و إيمانا" وَ الْعٰافِينَ عَنِ النّٰاسِ" التاركين عقوبة من استحقوا مؤاخذته" وَ اللّٰهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" يحتمل الجنس و يدخل تحته هؤلاء، و العهد فيكون إشارة إليهم، انتهى.
مرآة العقول — كظم الغيظ الحديث الأول: حسن كالصحيح. — الإمام الصادق عليه السلام
سَمِعْتُهُ يَقُولُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنَانِ مُؤْمِنٌ وَفَى لِلَّهِ بِشُرُوطِهِ الَّتِي شَرَطَهَا عَلَيْهِ فَذَلِكَ مَعَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ الصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً وَ ذَلِكَ مَنْ يَشْفَعُ وَ لَا يُشْفَعُ لَهُ وَ ذَلِكَ مِمَّنْ لَا تُصِيبُهُ أَهْوَالُ الدُّنْيَا وَ لَا أَهْوَالُ الْآخِرَةِ وَ مُؤْمِنٌ زَلَّتْ بِهِ قَدَمٌ فَذَلِكَ كَخَامَةِ الزَّرْعِ و بقيامه استقامته على طريق الحق و مخالفته للأهواء و الوساوس الشيطانية، و قد مر الكلام في أهوال الدنيا" و لا يشفع" أي لا يؤذن له في الشفاعة. الحديث الثاني: كالأول. و خضر بكسر الخاء و سكون الضاد أو بفتح الخاء و كسر الضاد صحح بهما في القاموس و غيره" و في لله بشروطه" العهود داخلة تحت الشروط هنا" فذلك مع النبيين" إشارة إلى قوله تعالى:" وَ مَنْ يُطِعِ اللّٰهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَدٰاءِ وَ الصّٰالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً" و هذا مبني على ما ورد في الأخبار الكثيرة أن الصديقين و الشهداء و الصالحين هم الأئمة (عليهم السلام)، و المراد بالمؤمن في المقسم هنا غيرهم من المؤمنين و قد مر عن أبي- جعفر (عليه السلام) أنه قال بعد قراءة هذه الآية فمنا النبي و منا الصديق و الشهداء و الصالحون، و في تفسير علي بن إبراهيم قال: النبيين رسول الله و الصديقين علي، و الشهداء الحسن و الحسين، و الصالحين الأئمة" وَ حَسُنَ أُولٰئِكَ رَفِيقاً" القائم من آل محمد (صلى الله عليه و آله و سلم)، فلا يحتاج إلى ما قيل: أن الظاهر أنه كان من النبيين لأن الصنف الأول إما نبي أو صديق أو شهيد أو صالح، و الصنف الثاني يكون مع هؤلاء بشفاعتهم" زلت به قدم" كان الباء للتعدية، أي أزلته قدم و أقدام على المعصية، و قيل: الباء للسببية أي زلت بسببه قدمه أي فعله عمدا من غير نسيان
مرآة العقول — في أن المؤمن صنفان الحديث الأول: ضعيف على المشهور. — الإمام الصادق عليه السلام
صلى الله عليه وآله وسلمقَالَ و تطبيقه على ما يناسب المقام لا يخلو من تكلف، في القاموس: صد عنه صدودا أعرض و فلانا عن كذا صدا منعه و صرفه، و صد يصد و يصد صديدا ضج، و التصدد التعرض و في النهاية: الصد الصرف و المنع، يقال: صده و أصده و صد عنه و الصد الهجران و منه الحديث: فيصد هذا و يصد هذا، أي يعرض بوجهه عنه و في المصباح: صد من كذا من باب ضرب ضحك. و أقول: أكثر المعاني مناسبة لكن بتضمين معنى التعرض و نحوه للتعدية باللام، فالصدود بالضم جمع صاد و في بعض النسخ المؤذون لأوليائي فلا يحتاج إلى تكلف. و قال الجوهري: نصبت لفلات نصبا إذا عاديته، و ناصبته الحرب مناصبة. و قال: التعنيف و التعيير اللوم و قيل: لعل خلو وجوههم من اللحم لأجل أنه ذاب من الغم و خوف العقوبة، أو من خدشه بأيديهم تحسرا و تأسفا، و يؤيده ما رواه العامة عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: مررت ليلة أسري بي بقوم لهم أظفار من نحاس يخدشون وجوههم و صدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرئيل؟ قال: هم الذين يأكلون لحوم الناس و يقعون في أعراضهم، و قيل: إنما سقط لحم وجوههم لأنهم كاشفوهم بوجوههم الشديدة من غير استحياء من الله و منهم. و أقول: أو لأنهم لما أرادوا أن يقبحوهم عند الناس في الدنيا قبحهم الله في الآخرة عند الناس في أظهر أعضائهم و أحسنها. الحديث الثالث: مجهول.
مرآة العقول — من أذى المسلمين و احتقرهم الحديث الأول: صحيح. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
عَزَّ وَ جَلَّ- وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ قَالَ تَرْكُ الْعَمَلِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ " إِنّٰا هَدَيْنٰاهُ السَّبِيلَ" قال البيضاوي: أي بنصف الدلائل و إنزال الآيات" إِمّٰا شٰاكِراً وَ إِمّٰا كَفُوراً" حالان من الهاء، و إما للتفصيل أو التقسيم، أي هديناه في حالية جميعا أو مقسوما إليهما، بعضهم شاكر بالاهتداء و الأخذ فيه، و بعضهم كفور بالإعراض عنه أو من السبيل، و وصفه بالشكر و الكفر مجاز، و لعله لم يقل كافرا ليطابق قسيمه محافظة على الفواصل و إشعارا بأن الإنسان لا يخلو عن كفران غالبا و إنما المأخوذ به المتوغل فيه، انتهى. و الخبر يدل على أن المراد بالكفور الكافر، فيدل على أن من لم يأخذ السبيل هداه الله إليه من الإقرار به و برسوله، و بما جاء الرسول به من المعاد و ولاية أئمة الدين فهو كافر، و يحتمل شموله لترك العمل أيضا فيأول الكفر بما مر مرارا و سيأتي، و فيها دلالة على كمال لطفه تعالى بأن الإقرار و العمل و إن كانا شكرين لنعمة الهداية و الخلق و إعطاء العقل و سائر الآلات و الألطاف و الهدايات يجازيهم عليها نعيم الأبد. الحديث الخامس: ضعيف على المشهور. " وَ مَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمٰانِ" قيل الياء للعوض كقوله تعالى:" اشْتَرَوُا الضَّلٰالَةَ بِالْهُدىٰ*" أو للمصاحبة نحو" اهْبِطْ بِسَلٰامٍ" فعلى الأول المعنى الكفر بعد
مرآة العقول — الكفر الحديث الأول: مختلف فيه، و صحته أرجح عندي. — الإمام الصادق عليه السلام
نَعَمْ وَ أُمَّهُ الأجانب تلك الأعضاء. الحديث الثامن: صحيح. و يظهر من بعض الأصحاب المنع من تغسيل الرجل محارمه في حال الاختيار، و جوزه في المنتهى من فوق الثياب، و ذهب بعض المتأخرين إلى الجواز مطلقا. و قال في الحبل المتين: بعد إيراد هذا الخبر يدل على جواز تغسيل الرجل زوجته و جميع محارمه إن جعلنا قوله (عليه السلام):" و نحو هذا" منصوبا بالعطف على أمه و أخته بمعنى أنه يغسل أمه و أخته و من هو مثل كل من هذين الشخصين في المحرمية، و حينئذ يكون قوله (عليه السلام):" يلقي على عورتها خرقة" جملة مستأنفة، لكن الأظهر أنه مرفوع بالابتداء و جملة- يلقي- خبره و الإشارة بهذا إلى الرجل، و المعنى أن مثل هذا الرجل المغتسل كلا من هؤلاء يلقي على عورتها خرقة و على هذا فتعدية الحكم إلى بقية المحارم لعدم القائل بالفرق، و ربما يوجد في بعض نسخ الكافي" و نحوهما" بدل" و نحو هذا". ثم لا يخفى أن هذا الحديث كالصريح في أن تغسيل الرجل زوجته و محارمه لا يجب أن يكون من وراء الثياب، و إن ستر العورة كاف، و شيخنا الشهيد في الذكرى و قبله العلامة في المنتهى و جعلاه دليلا على كونه من وراء الثياب، و هو كما ترى، نعم صحيحة محمد بن مسلم و حسنة [و صحيحة] الحلبي يدلان على أن تغسيل الرجل زوجته يكون من وراء الثياب و هو المشهور بين الأصحاب، و أما تغسيل المحارم فقد قطعوا بكونه من وراء الثياب، و المراد بالمحارم من حرم نكاحه
مرآة العقول — الرجل يغسل المرأة و المرأة تغسل الرجل الحديث الأول: حسن. — الإمام الصادق عليه السلام
يُقَدِّمُونَ رَجُلًا آخَرَ وَ يَعْتَدُّونَ بِالرَّكْعَةِ وَ يَطْرَحُونَ الْمَيِّتَ خَلْفَهُمْ وَ يَغْتَسِلُ مَنْ مَسَّهُ [الحديث 10] 10 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مَرْوَكِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ النَّضْرِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍعليه السلامقَالَ قَالَ أَيَّ شَيْءٍ يَقُولُ هَؤُلَاءِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي و قال: الفاضل التستري (ره) كان فيه دلالة على عدم اشتراط موافقة صلاة المأموم لصلاة الإمام من باب الأولى. الحديث التاسع: حسن. و الأمر بالاغتسال مجهول على ما إذا مس جسده و قد برد كما رواه في كتاب الاحتجاج عن عبد الله بن جعفر الحميري أنه كتب إلى الناحية المقدسة روي لنا عن العالم (عليه السلام) أنه سئل عن إمام قوم صلى بهم بعض صلاتهم و حدثت عليه حادثة كيف يعمل من خلفه؟ فقال يؤخر و يتقدم بعضهم و يتم صلاتهم و يغتسل من مسه فخرج التوقيع ليس على من نحاه إلا غسل اليد و إذا لم تحدث حادثة تقطع الصلاة تمم صلاته مع القوم، و كتب أيضا روي عن العالم (عليه السلام) إن من مس ميتا بحرارته غسل يده و من مسه و قد برد فعليه الغسل، و هذا الميت في هذه الحالة لا يكون مسه إلا بحرارته و العمل في ذلك على ما هو؟ و لعله ينحيه بثيابه و لا يمسه فكيف يجب عليه الغسل فخرج التوقيع إذا مسه على هذه الحال لم يكن عليه إلا غسل يده انتهى. الحديث العاشر: مرسل. قال: في التهذيب قال: محمد بن الحسن قول السائل يقولون يقرأ في الركعتين
مرآة العقول — الرجل يدرك مع الإمام بعض صلاته و يحدث الإمام فيقدمه الحديث الأول: صحيح. — الإمام الباقر عليه السلام
سَأَلْتُهُ عَنْ مَمْلُوكٍ أُعْتِقَ سَائِبَةً قَالَ يَتَوَلَّى مَنْ شَاءَ وَ عَلَى مَنْ تَوَلَّاهُ جَرِيرَتُهُ وَ لَهُ مِيرَاثُهُ قُلْتُ فَإِنْ سَكَتَ حَتَّى يَمُوتَ قَالَ يُجْعَلُ مَالُهُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ [الحديث 9] 9 مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَ غَيْرُهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍعليه السلامقَالَ قَضَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَعليه السلامفِيمَنْ نَكَّلَ بِمَمْلُوكِهِ أَنَّهُ حُرٌّ لَا سَبِيلَ لَهُ عَلَيْهِ سَائِبَةٌ يَذْهَبُ فَيَتَوَلَّى إِلَى مَنْ أَحَبَّ فَإِذَا ضَمِنَ جَرِيرَتَهُ فَهُوَ يَرِثُهُ العتق عن المعتق عنه إحداث ولاء له بعد موته، فامتنع كما امتنع إلحاق نسب به لمساواته لولاء النسب، و تبعه ابن حمزة و أثبته على المنذور عتقه، و نفوا الولاء عن المعتق في الكفارة، صرح به الشيخ في مواضع، و هو في صحيحة بريد بن معاوية عن الصادق (عليه السلام) و فيها أن العتق الواجب لا ولاء فيه و أن الولاء للمتبرع بالعتق عن أبيه بعد موته. الحديث الثامن: صحيح. الحديث التاسع: صحيح. قوله (عليه السلام):" فإذا ضمن جريرته" عليه الأصحاب.
مرآة العقول — ولاء السائبة الحديث الأول: مرسل. — الإمام الباقر عليه السلام
وَصَلْتُمْ وَ قَطَعَ النَّاسُ وَ أَحْبَبْتُمْ وَ أَبْغَضَ النَّاسُ وَ عَرَفْتُمْ وَ أَنْكَرَ النَّاسُ وَ هُوَ الْحَقُّ إِنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مُحَمَّداًصلى الله عليه وآله وسلمعَبْداً قَبْلَ أَنْ يَتَّخِذَهُ نَبِيّاً وَ إِنَّ عَلِيّاًعليه السلامكَانَ عَبْداً نَاصِحاً لِلَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَنَصَحَهُ وَ أَحَبَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ فَأَحَبَّهُ إِنَّ حَقَّنَا فِي كِتَابِ اللَّهِ بَيِّنٌ لَنَا صَفْوُ الْأَمْوَالِ وَ لَنَا الْأَنْفَالُ وَ إِنَّا قَوْمٌ فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَ جَلَّ طَاعَتَنَا وَ إِنَّكُمْ تَأْتَمُّونَ بِمَنْ لَا يُعْذَرُ النَّاسُ بِجَهَالَتِهِ وَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وآله وسلممَنْ مَاتَ وَ لَيْسَ لَهُ إِمَامٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً عَلَيْكُمْ بِالطَّاعَةِ فَقَدْ رَأَيْتُمْ أَصْحَابَ عَلِيٍّعليه السلامثُمَّ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِصلى الله عليه وآله وسلمقَالَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ ادْعُوا لِي خَلِيلِي فَأَرْسَلَتَا إِلَى أَبَوَيْهِمَا فَلَمَّا جَاءَا أَعْرَضَ بِوَجْهِهِ ثُمَّ قَالَ الحديث الثالث و العشرون و المائة: مجهول. و يمكن أن يعد حسنا لأن هذا الخبر يدل على مدح بشير. قوله (عليه السلام):" إن الله اتخذ محمدا (صلى الله عليه و آله و سلم) عبدا" أي عبدا كاملا في العبودية مطيعا لله في جميع أموره، و لذا لم ينسب الله تعالى بالعبودية أحدا إلى نفسه إلا مقربي جنابه من الأنبياء و الأوصياء كما قال:" سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ" و قال:" عَبْداً مِنْ عِبٰادِنٰا" و قال: إلى" عَبْدَنٰا دٰاوُدَ" و مثله كثير، و الغرض أن هذا الكمال الذي كان حاصلا لنبينا قبل بعثته و نبوته، قد كان لعلي (عليه السلام) و كان في جميع الكمالات مشاركا مع الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) سوى النبوة فقد أخذتم بولاية من هو هكذا. قوله (عليه السلام):" لنا صفو المال" أي صفايا الغنيمة. قوله (عليه السلام):" فقد رأيتم أصحاب علي (عليه السلام)" أي المطيعين له أو المخالفين له
مرآة العقول — الروضة قوله:" محمد بن يعقوب" كلام أحد رواة الكليني النعماني أو الصفواني أو غيرهما. — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
كَانَ إِبْلِيسُ يَوْمَ بَدْرٍ يُقَلِّلُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيُنِ الْكُفَّارِ وَ يُكَثِّرُ الْكُفَّارَ فِي أَعْيُنِ الْمُسْلِمِينَ فَشَدَّ عَلَيْهِ قوله (عليه السلام):" إن امرء عمه عينه في القوم" و المراد بالعم أما أبو لهب أو نفسه و الأول أظهر إذ الظاهر أن الغرض حمله على الحمية، و المراد بالعين السيد أو الرقيب و الحافظ، و الحاصل أن من كان عمه مثلك سيد القوم و زعيمهم لا ينبغي أن يكون ذليلا بينهم. قوله:" على ابن أخي" أي على إيذائه و أنتم تفرطون في ذلك، و تريدون قتله أو على محافظته و ترك إيذائه و الأول أظهر. الحديث التاسع عشر و الأربعمائة: موثق، و ضمير عنه راجع إلى ابن أبي عمير. قوله (عليه السلام):" يقلل المؤمنين" إما بأن كان يحول بين بعضهم، أو كان يقول لهم: إن هؤلاء شرذمة قليلون، و أما تكثير الكفار فالظاهر أنه بما أدخل بينهم من جنوده و عساكره، و يحتمل أن يكون بإلقاء الوساوس في قلوب المؤمنين أيضا. قال الشيخ الطبرسي: اختلف في ظهور الشيطان يوم بدر كيف كان، فقيل: إن قريشا لما أجمعت المسير ذكرت الذي بينها و بين بني بكر بن عبد مناف بن كنانة
مَّ اجْعَلْ لِأَبِي جَنْدَلٍ مَخْرَجاً بعد فليس هذا داخلا فيما نقاضي عليه كما مر فيما أورده الطبرسي. و قال الفاضل الأسترآبادي: قصده (صلى الله عليه و آله) إنه ما قاضينا على شيء نافع لك فإنه كان عالما بأن أبا بصير بن أسيد و أبا جندل يتقلبان من المشركين في سبعين راكبا يسلمون على يد أبي جندل و يجتمع عليهم ناس من غفار و أسلم و جهينة حتى يبلغوا ثلاثمائة مقاتل كلهم مسلمون لا يمر عليهم عير لقريش إلا أخذوها و قتلوا أصحابها و هو ما فهم قصد النبي (صلى الله عليه و آله)، انتهى، و لا يخفى بعده. قوله (صلى الله عليه و آله):" و لم أشترط لك" أي ليس هذا شرطا يخصك بل هذا شرط قاضينا عليه لمصلحة عامة المسلمين، و لا بد من ذلك أو المراد لم تكن أنت داخلا في هذا الشرط لمجيئك قبل تمام الكتاب لكن هؤلاء يجبروننا عليه، أو ما كنت اشترطت لك عليهم أن تكون مستثنى من ذلك، فلا يمكننا الغدر معهم، و هذا أظهر و يحتمل على بعد أن يكون إشارة إلى ما وعده (صلى الله عليه و آله) بالخلاص و النجاة على سبيل الاستفهام الإنكاري، أي أ لم أشترط لك بالنجاة. و قال ابن الأثير في الكامل: فبينا رسول الله يكتب الكتاب إذ جاء أبو جندل ابن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد قد انفلت إلى رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلما رأى سهيل ابنه أخذه و قال: يا محمد قد تمت القضية بينك و بيني قبل أن يأتيك هذا، قال: صدقت و أخبره ليرده إلى قريش فصاح أبو جندل أنا معشر المسلمين أرد إلى المشركين ليفتنوني عن ديني، فقال له رسول الله (صلى الله عليه و آله): احتسب، فإن الله جاعل لك و لمن اتبعك من المستضعفين فرجا و مخرجا، إنا قد أعطينا القوم عهودنا على ذلك فلا نغدر بهم.
مرآة العقول — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
589 خُطْبَةٌ لِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عليه السلام [الحديث 586] 586 أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ خَطَبَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَعليه السلامرَوَاهَا غَيْرُهُ بِغَيْرِ هَذَا الْإِسْنَادِ وَ ذَكَرَ أَنَّهُ خَطَبَ بِذِي قَارٍ] فَحَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّداًصلى الله عليه وآله وسلمبِالْحَقِّ لِيُخْرِجَ عِبَادَهُ مِنْ عِبَادَةِ عِبَادِهِ إِلَى عِبَادَتِهِ وَ مِنْ عُهُودِ عِبَادِهِ إِلَى عُهُودِهِ وَ مِنْ طَاعَةِ عِبَادِهِ إِلَى طَاعَتِهِ وَ مِنْ وَلَايَةِ عِبَادِهِ إِلَى وَلَايَتِهِ بَشِيراً وَ نَذِيراً* وَ دٰاعِياً إِلَى اللّٰهِ بِإِذْنِهِ وَ سِرٰاجاً مُنِيراً عَوْداً خطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) الحديث السادس و الثمانون و الخمسمائة: مجهول. قوله:" بذي قار" موضع بين الكوفة و واسط. قوله (عليه السلام):" من عبادة عباده" كعيسى و عزير و الملائكة أو الأصنام أيضا تغليبا أو إطاعة الشياطين، و الطواغيت كما قال تعالى
" أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ" و قد أورد في النهج بعض تلك الخطبة مختصرا و فيه" من عبادة الأوثان إلى عبادته و من طاعة الشيطان إلى طاعته". قوله (عليه السلام):" و من عهود عباده" كالأمراء و السلاطين و الشياطين و المضلين أيضا. قوله (عليه السلام):" و من ولاية عباده" أي محبتهم أو نصرتهم أو طاعتهم. قوله (عليه السلام):" عودا و بدءا" منصوبان بالظرفية أو بالحالية أو بالتميز، و على
مرآة العقول — غير محدد
الصدوق حدثنا محمّد بن موسى بن المتوكل (رحمه الله) قال: حدّثنا عبد اللّه بن جعفر الحميرى عن أحمد بن محمّد بن عيسى، عن الحسن بن محبوب، عن هشام بن سالم عن أبى بصير، قال: قلت لأبى جعفر (عليه السلام): كان رسول اللّه يتعوذ من البخل، فقال
نعم يا با محمّد فى كلّ صباح و مساء و نحن نتعوذ باللّه من البخل، يقول اللّه «وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»* و سأخبرك عن عاقبة البخل ان قوم لوط كانوا أهل قرية اشحاء على الطعام فاعقبهم البخل داء لا دواء له فى فروجهم فقلت و ما أعقبهم. فقال إنّ قريه قوم لوط كانت على طريق السيارة الى الشام و مصر فكانت السيارة تنزل بهم فيضيفونهم فلمّا كثر ذلك عليهم ضاقوا بذلك ذرعا و بخلا و لو ما فدعاهم البخل الى أن كانوا اذا نزل بهم الضيف فضحوه من غير شهوة بهم الى ذلك و انما كانوا يفعلون ذلك بالضيف حتى ينكل النازل عنهم فشاع أمرهم فى القرية و حذرهم النازلة، فأورثهم البخل بلاء لا يستطيعون رفعه عن أنفسهم من غير شهوة لهم الى ذلك حتى صاروا يطلبونه من الرجال فى البلاد و يعطونهم عليه الجعل. ثمّ قال: فأى داء أدأى من البخل و لا اضرّ عاقبة و لا أفحش عند اللّه عزّ و جلّ قال أبو بصير فقلت له: جعلت فداك فهل كان أهل قرية لوط كلهم هكذا 281 يعملون فقال: نعم إلّا أهل بيت منهم من المسلمين أ ما تسمع لقوله تعالى «فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ثمّ قال أبو جعفر (عليه السلام) ان لوطا لبث فى قومه ثلثين سنة يدعوهم الى اللّه عزّ و جلّ و يحذّرهم عذابه و كانوا قوما لا يتنظفون من الغائط و لا يتطهرون من الجنابة. كان لوط ابن خالة ابراهيم و كانت امرأة ابراهيم سارة اخت لوط و كان لوط و ابراهيم نبيّين مرسلين منذرين و كان لوط رجلا سخيا كريما يقرى الضيف اذا نزل به و يحذّرهم قومه قال: فلمّا رأى قوم لوط ذلك منه قالوا له إنا ننهاك عن العالمين لا تقرى ضيفا ينزل بك ان فعلت ذلك فضحنا ضيفك الذي ينزل بك و أخذناك فكان لوط اذا نزل الضيف كتم أمره مخافة أن يفضحه قومه و ذلك انه لم يكن للوط عشيرة. قال و لم يزل لوط و ابراهيم يتوقعان نزول العذاب على قومهم، فكانت لإبراهيم و للوط منزلة من اللّه عز و جل شريفة و أن اللّه عز و جل كان اذا أراد عذاب قوم لوط أدركته مودّة ابراهيم و خلّته و محبة لوط فيراقبهم فيؤخر. عذابهم قال ابو جعفر (عليه السلام) فلما اشتدّ أسف اللّه على قوم لوط و قدر عذابهم و قضى أن يعوض ابراهيم من عذاب قوم لوط بغلام عليم فيسلى به مصابه بهلاك قوم لوط. فبعث اللّه رسلا الى ابراهيم يبشرونه بإسماعيل فدخلوا عليه ليلا ففزع منهم، و خاف أن يكونوا سرّاقا فلما رأته الرسل فزعا مذعورا قالوا: سلاما قال سلام انا منكم و جلون قالوا لا توجل أنّا رسل ربك نبشرك بغلام عليم» قال أبو جعفر (عليه السلام) و الغلام هو إسماعيل بن هاجر فقال ابراهيم للرسل «ا بشرتمونى على أن الكبر فبم تبشرون قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين» فقال ابراهيم فما خطبكم بعد البشارة «قالوا انا أرسلنا الى قوم مجرمين قوم لوط انّهم كانوا قوما فاسقين لننذرهم عذاب رب العالمين». قال أبو جعفر (عليه السلام) فقال ابراهيم للرسل: «ان فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن 282 فيها لننجينه و أهله اجمعين الا امرأته قدرنا انّها لمن الغابرين» قال «فلمّا جاء آل لوط المرسلون قال انّكم قوم منكرون» قالوا بل جئناك بما كانوا فيه قومك من عذاب اللّه يمترون، و اتيناك بالحقّ لتنذر قومك العذاب و انا لصادقون فاسر باهلك يا لوط إذا مضى لك من يومك هذا سبعة أيام و لياليها بقطع من الليل إذا مضى نصف من الليل و لا يلتفت منكم أحد الّا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم و امضوا من تلك الليلة حيث تؤمرون. قال أبو جعفر (عليه السلام): فقضوا ذلك الأمر الى لوط إنّ دابر هؤلاء مقطوع مصبحين قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) فلمّا كان يوم الثامن مع طلوع الفجر قدم اللّه عز و جلّ رسلا الى ابراهيم يبشرونه بإسحاق و يعزونه بهلاك قوم لوط، و ذلك قوله «وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ» يعنى ذكيا مشويا نضيجا «فلما رأى ابراهيم أيديهم لا تصل إليه نكرهم و أوجس فى نفسه منهم خيفة قالوا لا تخف انا أرسلنا الى قوم لوط و امرأته قائمة فبشروها بإسحاق و من وراء إسحاق يعقوب». فضحكت يعنى فتعجبت من قولهم «قالت يا ويلتى أ ألد و أنا عجوز و هذا بعلى شيخا انّ هذا الشيء عجيب» قالوا أ تعجبين من أمر اللّه رحمة اللّه و بركاته عليكم أهل البيت إنه حميد مجيد» قال أبو جعفر (عليه السلام) فلما جاءت ابراهيم البشارة بإسحاق و ذهب عنه الروع أقبل يناجى ربّه فى قوم لوط و يسأله كشف البلاء عنهم، فقال اللّه عزّ و جلّ: «يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ» و أنهم آتيهم عذابى بعد طلوع الشمس من يوم محتوم و غير مردود [1].
مسند الإمام الباقر — الأنبياء — الإمام الباقر عليه السلام
عنه عن أبى بصير، عن أبى جعفر (عليه السلام)، قال
قلت له: أصلحك اللّه أ كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتعوّذ من البخل، قال: نعم يا با محمّد، فى كلّ صباح و مساء، و نحن نعوذ باللّه من البخل إنّ اللّه يقول فى كتابه: «وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ»* و سأنبّئك عن عاقبة البخل، إنّ قوم لوط كانوا أهل قرية بخلاء أشحاء على الطعام، فأعقبهم اللّه داء لا دواء له فى فروجهم قلت و ما أعقبهم قال إن قوم 167 لوط كانت على طريق السيارة إلى الشام، و مصر فكانت المارة تنزل بهم فيضيفونه. فلما أن كثر ذلك عليهم ضاقوا به ذرعا و بخلا و لؤما فدعاهم البخل إلى أن كان إذا نزل بهم الضيف فضحوه من غير شهوة بهم إلى ذلك و انما كانوا يفعلون ذلك بالضيف حتى تنكل النازلة عليهم فشاع أمرهم فى القرى و حذرتهم المارة فأورثهم البخل بلاء لا يدفعونه عن أنفسهم فى شهوة بهم إليه حتى ساروا يطلبونه من الرجال فى البلاد و يعطونهم عليه الجعل فأىّ داه أعدى من البخل و لا أضرّ عاقبة و لا أفحش عند اللّه. قال أبو بصير فقلت له: أصلحك اللّه هل كان أهل قرية لوط كلهم هكذا، مبتلين؟ قال: نعم إلّا أهل بيت من المسلمين أ ما تسمع لقوله: «فَأَخْرَجْنا مَنْ كانَ فِيها مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَما وَجَدْنا فِيها غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ثم قال أبو جعفر (عليه السلام) إنّ لوطا لبث مع قومه ثلثين سنة، يدعوهم إلى اللّه و يحذّرهم عقابه. قال و كانوا قوما لا يتنظفون من الغائط و لا يتطهّرون من الجنابة و كان لوط و آله يتنظفون من الغائط و يتطهّرون من الجنابة، و كان لوط ابن خالة إبراهيم و ابراهيم ابن خالة لوط، و كانت امرأة ابراهيم سارة أخت لوط، و كان ابراهيم و لوط نبيين (عليهما السلام) مرسلين منذرين، و كان لوط رجلا سخيا كريما يقرى الضيف إذا نزل به، و يحذره قومه. قال فلمّا أن رأى قوم لوط ذلك قالوا انا ننهيك عن العالمين لا تقرى ضيفا، نزل بك فانّك ان فعلت فضحنا ضيفك و أخزيناك فيه و كان لوط إذا نزل به الضيف كتم أمره مخافة أن يفضحه قومه، و ذلك أنّ لوطا كان فيهم لا عشيرة له، قال و إن لوطا و ابراهيم لا يتوقّعان نزول العذاب على قوم لوط، و كانت لإبراهيم و لوط منزلة من اللّه شريفة، و أنّ اللّه تبارك و تعالى كان اذا همّ بعذاب قوم لوط أدركته فيهم مودة ابراهيم و خلته و محبة لوط فيراقبهم فيه فيؤخر عذابهم. 168 قال أبو جعفر: فلمّا اشتدّ أسف اللّه على قوم لوط، و قدّر عذابهم، و قضاه أحبّ أن يعوّض إبراهيم من عذاب قوم لوط بغلام حليم، فيسلّى به مصابه، بهلاك قوم لوط، فبعث اللّه رسلا إلى إبراهيم، يبشّرونه بإسماعيل فدخلوا عليه ليلا ففزع منهم، خاف أن يكونوا سراقا، قال: فلما أن رأته الرسل فزعا و جلا «قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ* ... قالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ قالُوا لا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ ... بِغُلامٍ حَلِيمٍ». قال أبو جعفر (عليه السلام): و الغلام الحليم هو إسماعيل من هاجر، فقال إبراهيم للرّسل: «أَ بَشَّرْتُمُونِي عَلى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ قالُوا بَشَّرْناكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُنْ مِنَ الْقانِطِينَ» فقال إبراهيم للرّسل فما خطبكم بعد البشارة: «قالُوا إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ قوم لوط إنّهم كانوا قوما فاسقين» لننذرهم عذاب رب العالمين. قال أبو جعفر (عليه السلام): فقال ابراهيم للرّسل: «إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَ أَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ» قال: «فَلَمَّا جاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ قالُوا بَلْ جِئْناكَ بِما كانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ» يقول من عذاب اللّه لننذر قومك العذاب «فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ» يا لوط اذا مضى من يومك هذا سبعة أيام بلياليها «بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَ لا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُها ما أَصابَهُمْ». قال أبو جعفر فقضوا إلى لوط «ذلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دابِرَ هؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ» قال أبو جعفر فلما كان يوم الثامن مع طلوع الفجر قدم اللّه رسلا إلى ابراهيم يبشّرونه بإسحاق و يعزّونه بهلاك قوم لوط و ذلك قول اللّه فى سورة هود «وَ لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ» يعنى ذكيا شويا نضيجا «فَلَمَّا رَأى أَيْدِيَهُمْ لا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَ أَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنا إِلى قَوْمِ لُوطٍ وَ امْرَأَتُهُ قائِمَةٌ» قال أبو جعفر (عليه السلام) انما عنى امرأة إبراهيم سارة قائمة «فبشروها بِإِسْحاقَ وَ مِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ قالَتْ يا وَيْلَتى أَ أَلِدُ وَ أَنَا عَجُوزٌ» الى قوله: «إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ». 169 قال أبو جعفر (عليه السلام) فلمّا أن جاءت البشارة بإسحاق ذهب عنه الروع، و أقبل يناجى ربّه فى قوم لوط، و يسأله كشف العذاب عنهم، قال اللّه: «يا إِبْراهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هذا إِنَّهُ قَدْ جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَ إِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ» بعد طلوع الشمس من يومى هذا محتوم غير مردود [1].
مسند الإمام الباقر — الإمام الباقر عليه السلام
يا محمد ان الخيوط التي في رأسك هي التي ضيقت عليك مكة و رمت بك الى يثرب، و انها لا تزال بك تنفرك و تحثك على ما يفسدك و يتلفك الى ان تفسدها على اهلها و تصليهم حر نار جهنم و تعديك طورك، و ما ارى ذلك الا و سيؤول الى ان تثور عليك قريش ثورة رجل واحد لقصد اثارك و دفع ضرك و بلائك. فتلقاهم بسفهائك المغترين بك و يساعدك على ذلك من هو كافر بك مبغض لك، فيلجئه الى مساعدتك و مظافرتك خوفه لأن لا يهلك بهلاكك و يعطب عياله بعطبك، 204 و يفتقر هو و من يليه بفقرك و بفقر شيعتك، اذ يعتقدون ان اعداءك اذا قهروك و دخلوا ديارهم عنوة لم يفرقوا بين من والاك و عاداك، و اصطلموهم باصطلامهم لك و اتوا على عيالاتهم و أموالهم بالسبي و النهب، كما يأتون على اموالك و عيالك، و قد اعذر من انذر و بالغ من أوضح. و ادّيت هذه الرسالة الى محمّد و هو بظاهر المدينة بحضرة كافة أصحابه و عامة الكفار من يهود بني اسرائيل، و هكذا، أمر الرسول: ليجبن المؤمنين و يغري بالوثوب عليه سائر من هناك من الكافرين. فقال رسول اللّه
(صلى اللّه عليه و آله)- للرسول-: قد اطريت مقالتك و استكملت رسالتك؟ قال: بلى. قال: فاسمع الجواب، ان ابا جهل بالمكاره و العطب يتهددني، و رب العالمين بالنصر و الظفر يعدني، و خبر اللّه أصدق، و القبول من اللّه احق، لن يضر محمّدا من خذله او يغضب عليه، بعد ان ينصره اللّه و يتفضل بجوده و كرمه عليه. قل له: يا أبا جهل إنّك واصلتني بما ألقاه في خلدك الشيطان، و انا اجيبك بما ألقاه في خاطري الرحمن، ان الحرب بيننا و بينك كائنة الى تسع و عشرين يوما، و ان اللّه سيقتلك فيها بأضعف أصحابي، و ستلقى أنت و شيبة و عتبة و الوليد و فلان و فلان- و ذكر عددا من قريش- في قليب بدر مقتولين، اقتل منكم سبعين و آسر منكم سبعين، و احمّلهم على الفداء الثقيل. ثم نادى جماعة من بحضرته من المؤمنين و اليهود و سائر الأخلاط: أ لا تحبون ان اريكم [مصارع هؤلاء المذكورين و] مصرع كل واحد منهم؟ [قالوا: بلى. قال:] هلموا الى بدر! فان هناك الملتقى و المحشر، و هناك البلاء الأكبر، لأضع قدمي على مواضع مصارعهم. ثم ستجدونها لا تزيد و لا تنقص و لا تتغير و لا تتقدم و لا تتأخر لحظة و لا قليلا و لا كثيرا، فلم يخف ذلك على احد منهم و لم يجبه الا علي بن أبي طالب (عليه السلام) وحده، قال: نعم بسم اللّه. فقال الباقون: نحن نحتاج الى مركوب و آلات و نفقات، 205 و لا يمكننا الخروج الى هناك و هو مسيرة أيام. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لسائر اليهود: فأنتم ما ذا تقولون؟ فقالوا: نحن نريد ان نستقر في بيوتنا و لا حاجة لنا في مشاهدة ما أنت في ادعائه محيل. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لأنصب لكم في المسير الى هناك اخطوا خطوة واحدة! فان اللّه يطوي الأرض لكم و يوصلكم في الخطوة الثانية الى هناك. قال المسلمون: صدق رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فلنشرّف بهذه الآية و قال الكافرون و المنافقون: سوف نمتحن هذا الكذاب لينقطع عذر محمّد و يصير دعواه حجة عليه و فاضحة له في كذبه. قال: فخطا القوم خطوة ثم الثانية، فاذا هم عند بئر بدر، فتعجبوا فجاء رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) فقال: اجعلوا البئر العلامة و اذرعوا من عندها كذا ذراع، فذرعوا فلما انتهوا الى آخرها قال: هذا مصرع أبي جهل يجرحه فلان الانصاري، و يجهز عليه عبد اللّه بن مسعود أضعف اصحابي. ثم قال: اذرعوا من البئر من جانب آخر ثم من جانب آخر ثم من جانب آخر كذا و كذا ذراعا و ذراعا، و ذكر اعداد الأذرع المختلفة، فلما انتهى كل عدد الى آخره، قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): هذا مصرع عتبة، و هذا مصرع شيبة، و ذاك مصرع الوليد، و سيقتل فلان و فلان إلى أن سمى سبعين منهم بأسمائهم [و أسماء آبائهم]، و سيؤسر فلان و فلان الى ان ذكر سبعين منهم بأسمائهم و اسماء آبائهم و صفاتهم، و نسب المنسوبين الى امّهاتهم و آبائهم، و نسب الموالي منهم الى مواليهم. ثم قال (صلى اللّه عليه و آله): أوقفتم على ما أخبرتكم به؟ قالوا: بلى، قال: ان ذلك [من اللّه] لحق كائن بعد ثمانية و عشرين يوما في اليوم التاسع و العشرين وعدا من اللّه مفعولا و قضاء حتما لازما ... تمام الخبر. ثم قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): يا معشر المسلمين و اليهود اكتبوا بما سمعتم. فقالوا: يا رسول اللّه قد سمعنا و وعينا و لا ننسى. فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): 206 الكتابة اذكر لم. فقالوا: يا رسول اللّه فأين الدواة و الكتف؟ فقال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ذلك للملائكة. ثم قال: يا ملائكة ربي اكتبوا ما سمعتم من هذه القصة في الكتاب و اجعلوا في كمّ كل واحد منهم كتفا من ذلك. ثم قال: يا معشر المسلمين تأملوا أكمامكم و ما فيها و اخرجوها و اقرءوها، فتأملوها، و اذا في كلّ كل واحد منهم صحيفة، قرءوها و اذا فيها ذكر ما قاله رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في ذلك سواء لا يزيد و لا ينقص و لا يتقدم و لا يتأخر فقال: اغيضوها في أكمامكم تكن حجة عليكم و شرفا للمؤمنين منكم و حجة على اعدائكم فكانت معهم. فلما كانت يوم بدر جرت الأمور كلها ببدر كما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) لا يزيد و لا ينقص، قابلوها في كتبهم فوجدوها كما كتبها الملائكة لا تزيد و لا تنقص و لا تتقدم و لا تتأخر، فقبل المسلمون ظاهرهم و وكلوا باطنهم الى خالقهم. [1] احتجاجه (صلى اللّه عليه و آله) و سلم على اليهود في جواز نسخ الشرائع و في غير ذلك
مسند الإمام العسكري — النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم
والبعض الآخر من الناس يقف صابرا متحمّلا مستقيما في مواجهتها بوعي ويقظة . والسرّ في وجود هذين الصنفين هو مقدار التعلّق والارتباط بالدنيا . فكل إنسان يكون قلبه متعلّقا باللذات الدنيوية ومظاهرها أكثر يكون مضطربا ومتزلزلا حين حلول الابتلاءات به أكثر . بينما الإنسان الزاهد في الدنيا والراغب عنها تكون مقاومته وصموده أمام الابتلاءات أكثر ، وبالتالي يكون الضغط النفسي عليه أقلّ « 2 » . وقال عليه السّلام
« ينبغي لمن عقل عن اللّه أن لا يستبطئه في رزقه ، ولا يتّهمه في قضائه » « 1 » . فالإنسان العارف باللّه معرفة كاملة إذا أصابه ضيق في معيشته وحياته وابتلي بالنقص في النفس والأموال ونحوهما لا يعترض على اللّه تعالى ولا يسأله لماذا أبطأ عليه بالإجابة والغوث . لأنه يعلم أنّ كثيرا من موارد سعة الرزق والعيش ليست في صلاحه . نظير الطبيب الذي يمنع المريض من تناول بعض المأكولات المحبّبة إليه لأنّها مضرّة به . فالإنسان العارف باللّه واقعا وحقيقة يبقى ثابتا وصامدا في وجه الأحداث والمشاكل التي تواجهه ولا يشتكي من القضاء الإلهي الحتميّ والقطعي بل يسلّم ويتعبّد به ويطيعه . طبعا إنّ التقديرات الإلهية قابلة للتغيير ولكنّها إذا قضيت وصارت حكما ثابتا فلا يجوز له أن يعترض عليها أو يتّهم اللّه تعالى في حكمته « 2 » . في البلاءات نعم إلهية من مواعظ الإمام أبي محمد الحسن بن علي عليه السّلام : « ما من بليّة إلّا فيها نعمة تحيط بها » « 3 » توجد في باطن الأحداث المؤلمة والمصائب التي يبتلى بها المؤمن ، نعمة مخفيّة مغطّاة بداخلها . إنّ أكثر الناس لديهم قصور نظر فيما يرتبط بهذا الأمر ، فهم ينظرون إلى المصائب والابتلاءات من دون أن يدركوا النعم الموجودة فيها . ولكن إذا توجّه الإنسان والتفت إلى ما في البلاءات من نعم في باطنها وأدرك هذا المعنى فسوف تهون وتسهل عليه كل المصائب « 1 » . أثر الصبر على البلاء قال أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام لابن جندب : « . . . وقد عجز من لم يعدّ لكلّ بلاء صبرا ، ولكلّ نعمة شكرا ، ولكلّ عسر يسرا » « 2 » . إنّ ساحة الحياة ومدّة العمر الذي نمضي فيها مرتبطة بساحة التعارض بين الحق المطلق والباطل . والباطل هو الأهواء النفسانية والميول الشيطانية . والحقّ هو الصراط الإلهي المستقيم . ونحن يجب علينا العبور بين هذين التجاذبين والخطين المتعارضين . فإذا استطعنا تجاوز هذا الطريق بمقدرة فكم هي من نعمة . وأما إذا ابتلينا بالعجز عن ذلك فتلك خسارة حقيقية ، وإن كان في الظاهر قد يكون لنا مقدرة وقوة وسطوة . وعليه فكيف يمكننا تحصيل هذه القدرة ؟ والجواب أننا إذا صبرنا على البلاء وشكرنا كل نعمة وتصرّفنا بحكمة وتدبير مقابل الصعوبات والمشقات فحينئذ نحصل على هذه القدرة ، وإلّا فالعجز هو ما نحصل عليه . « 3 » قضية الأسرى قضية كبرى وبلاء عظيم ، ما من شعب استطاع أن يصنع من عامة طبقات الشعب مجموعة من الشبّان المقاتلين الذين حافظوا في أقسى ظروف الأسر على شخصيتهم الثورية والإيمانية وما يتصفون به من روح قتالية مثلما فعل أحرارنا في فترة الأسر . في حين أنّ ما يعرفه الشعب الإيراني المسلم عن الأحداث التي عاشها هؤلاء الأعزّة في مرحلة أسرهم لا يكاد يمثّل إلّا جزءا صغيرا من مجموعة هائلة من الأحداث . وهل من الممكن تبيان هذه الحادثة ؟ وهل تستوعب الكلمات وصف الآلام المريرة التي تمر في كل لحظة من لحظات الأسر ؟ أو هل لغة الفن والأدب قادرة على الافصاح عن ذلك ؟ إذ أنّ السماع ليس كالرؤيا والمعايشة . وهم قد صمدوا وثبتوا . ولعل بعض أحرارنا الأعزاء حينما كانوا يجابهون جنود العدو الغلاظ الشداد في المعسكرات ، كانوا يائسين من الافراج عنهم ، وربما كان بعضهم قد سئم وأخذ يقول : إلى متى ؟ إلّا أنّ السنّة الإلهية هي فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً « 1 » . إذا تحملتم الصعاب ، يفتح لكم اللّه أبواب الفرج . وإذا وطّنتم أنفسكم للمجاهدة في سبيل اللّه فإنّه تعالى سيريكم أنوار الفرج ويمهّد لكم سبل الخلاص وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ « 2 » . فهو سبحانه وتعالى يفتح أبواب الفرج ويمهد السبل بفضل المجاهدة وبشرط الصبر ورباطة الجأش ، خارج دائرة الحسابات العادية للعقول البشرية . ساحة الحرب تكتنفها آلاف المصاعب التي لا يلمسها إلّا من يعيش تلك الظروف - من قبيل الشهادة والإعاقة والمرض والبعد عن الديار والأهل والألاد والأحبة وعن الراحة والرفاه - وتحمّل هذه المصاعب والبلاءات يعد عملا عظيما . وكذلك الصمود في ميادين الحرب ضد العدو ، وفي ظروف الأسر ، وفي فترة التعويق ، يعدّ عملا مجيدا . وليعلم المعوّقون الأعزاء أنّ جهادهم متواصل ، وإنهم في حالة مجاهدة على امتداد فترة التعويق ، وهذه الفضيلة تختص بهم وبذويهم وبزوجاتهم وأسرهم ريثما يستعيدون بإذن اللّه عافيتهم وسلامتهم . هذه التضحيات والمآثر هي التي أوصلت بلدنا إلى هذه المرحلة . هل كان أحد يتصور أن يهب أبناء هذا الشعب صغارا وكبارا وبدون أية مساعدة عالمية أو مساندة من قوة دولية ، ويتسنّى لهم الثبات في ميدان الجهاد المقدس والدفاع عن الذات وعن البناء والاستقلال ومجابهة شتّى ألوان الضغوط من قبل الأعداء ، وإثارة دهشتهم يوما بعد آخر ؟ وهل كان بإمكاننا بلوغ هذه المرحلة لولا هذا التفاني والإيثار والتضحيات والصبر ؟ فكل واحد منكم أنتم ؛ سواء الأحرار الأعزاء ، أم الذين لا زالوا في الأسر ، أم عوائلكم وأبناؤكم وآباؤكم وأمهاتكم وزوجاتكم ، أم عوائل الشهداء والمعوقون ، أم أبناء الشهداء ، وكل الذين ذاقوا الآلام بنحو أو آخر جسميا ونفسيا ، وقدّموا التضحيات وقاموا بدور الإسناد ، قد شارك في صنع هذا الكنز العظيم الذي لا مثيل له ولا ينضب معينه . ولولا أنّ كل واحد منكم قد ضحى بما ضحّى وصبر ، بما صبر لما تحققت هذه المآثر التي يفتخر بها الشعب الإيراني اليوم ، ولما أحرز هذا النجاح . وهذا درس مستخلص من القرآن . إنّ عمر الشعوب لا يشكّل في تاريخ العالم سوى ساعة ، وهو قد يبدو لنا طويل الأمد بيد أننا حين النظر إلى مسار التاريخ نجد هذه الأمم تأتي وتذهب في ساعة ، لكن إطالة أمد هذه الساعة وجعلها بشكل حسن يبعث على الفخر إنما هو رهين إرادة أبناء تلك الأمة . هذا الدرس علّمنا إياه القرآن . إلّا أنّ تطبيق هذا الدرس عسير . ولهذا السبب لا تخوض الشعوب غالبا في تجربته ، فتتحمل نتيجة لبعدها عن هذا المسار الآلام والمصائب . في حين أنّ شعبنا قد جرّب هذا الدرس ، فاعرفوا قيمة هذه التجربة لأنها على قدر كبير من الأهمية . هكذا يمكن معالجة المشاكل التي تعاني منها شعوب العالم ، وبهذا النحو لا غير تعالج مشكلة الشعب الفلسطيني . والذين يتصورون إمكانية استنقاذ شعب كالشعب الفلسطيني عبر المحادثات وبلسان الرجاء والتكدّي إنما هم في وهم كبير ؛ بالمقاومة والصمود والصبر فقط يمكن لأي شعب الوقوف على قدميه ونيل حقوقه ، وتحقيق حياته الكريمة في الدنيا وفي الآخرة « 1 » . وقال عليه السّلام : « إنّ اللّه أنعم على قوم بالمواهب فلم يشكروه ، فصارت عليهم وبالا . وابتلى قوما بالمصائب فصبروا فكانت عليهم نعمة » « 2 » . إذا وهب اللّه تعالى شخصا أو أمّة نعما فلم يؤدوا شكرها ولم يقدّروها فسوف تكون عليهم وبالا وعذابا . والمثال الأبرز لهذه المسألة قوم بني إسرائيل ، فإنّ اللّه تعالى أعطاهم نعمة الحكومة الصالحة ونعمة إرسال وبعث الأنبياء عليهم السّلام لهم كسليمان وداود على نبيّنا وآله وعليهما السّلام ، وكذلك نعمة الغلبة والإنتصار على فرعون ، ولكنهم مع ذلك لم يشكروا هذه النعم بل وقعوا في الغرور والطغيان والتمرّد فكانت النتيجة كما قال اللّه تعالى : ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ « 3 » . ولذلك نحن نسأل اللّه دائما في سورة الحمد المباركة أن يمنّ علينا بالهداية إلى الطريق المستقيم وهو طريق الذين أنعم عليهم ولكن ليس طريق الذين أنعم عليهم فصاروا من الضالين أو من المغضوب عليهم . وعلى عكس هذه المسألة ما إذا ابتلى اللّه شخصا أو أمّة بالمصائب والبلاءات ولكنهم صبروا عليها وظلّوا مستقيمين ، فإنّها سوف تتبدّل من المصائب إلى النعم « 1 » . وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « من ثكل ثلاثة من صلبه فاحتسبهم على اللّه عزّ وجلّ وجبت له الجنة » . « 2 » الشخص الذي يفقد ثلاثة أبناء من صلبه ويثكل بهم بالغم والحزن من أجلهم ولكنه يحتسب هذا المصاب عند اللّه عزّ وجلّ ويرضى بالقضاء الإلهي ويسلم به ، ولا يصدر منه شيء يدل على السخط وعدم الرضا لا قولا ولا فعلا فلا يتكلم بكلام الكفر أو بما لا يليق التكلم به ، فإنّ اللّه سبحانه وتعالى يعطيه مقابل ذلك الجنة ويوجبها له . طبعا هذه الرواية ليس مفادها أنّ هذا الشخص الذي وجبت له الجنة بما ذكر يمكنه أن يفعل ما يشاء فيرتكب المعاصي ويترك الفرائض الإلهية عامدا اتكالا على هذا الوعد الإلهي ، وإنما مفادها أنّ الشخص الذي فقد هؤلاء الأعزاء الذين هم فلذات كبده هناك مقتض لدخوله الجنة ، ولكن بشرط أن لا يزول هذا المقتضي بإيجاد الموانع من تأثيره . وهذه الرواية تعتبر عزاء وبعثا للأمل في نفوس الذين فجعوا وابتلوا بالحوادث والكوارث الرهيبة كالزلازل والفيضانات والسيول والتي ذهبت بأولادهم وأقاربهم . نسأل اللّه تعالى المغفرة للأموات والصبر والأجر للأحياء . « 3 » شروط الابتلاء قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « ما ابتلي المؤمن بشيء أشد عليه من خصال ثلاثة يحرمها . قيل : وما هنّ ؟ قال عليه السّلام : المواساة في ذات يده بالله ، والإنصاف من نفسه ، وذكر اللّه كثيرا . أما إني لا أقول لكم « سبحان والحمد ولا إله إلّا اللّه واللّه أكبر » ولكن ذكر اللّه عندما أحل له وذكر اللّه على ما حرم عليه » « 1 » المستفاد من هذه الرواية أن الابتلاء العظيم بحسب قانون ونظام القيم هو أن لا يكون في الإنسان المؤمن واحدة من هذه الصفات الثلاثة ، وهي :
مكارم الأخلاق — غير محدد
والعجب من الشخص الذي يريد زينة الدنيا كالمال والولد ، طبعا لا يريد المال والولد لأجل الدنيا المذمومة أي التعلق والحب ، كيف لا يلتجىء إلى قوله تعالى ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ . لأن اللّه تعالى يقول بعدها إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَوَلَداً فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ « 1 » . وكلمة عسى هنا للدلالة على الايجاب لا مجرد الرجاء والتوقع بل إجابة هذا الرجاء والتوقع . « 2 » أثر الخوف والرجاء قال الإمام
موسى بن جعفر عليه السّلام لهشام : « يا هشام ، لا يكون الرجل مؤمنا حتى يكون خائفا راجيا . ولا يكون خائفا راجيا حتى يكون عاملا لما يخاف ويرجو » « 1 » . أحد شروط الإيمان في الإنسان أن يمتزج داخله بالخوف والرجاء . ويجب على الإنسان أن يلاحظ أسباب وعلل الخوف يعني القصور والتقصير والضعف في نفسه دائما ، ولا يغفل عنها ليبقى الخوف الإلهي موجودا لديه دائما . طبعا لا يجوز أن يؤدّي الخوف إلى اليأس من رحمة اللّه لأنّ اليأس يمنع من تحرّك الإنسان نحو الإصلاح . وكذلك يجب على الإنسان أن يحي بداخله أسباب وعلل الرجاء ، من قبيل اللّطف والمغفرة الإلهية ، والإستعدادات وسلامة وصفاء النفس والقوى والقدرات التي أعطاها اللّه تعالى له ليسير بها تجاه الكمال . والأهم من ذلك التوبة والندم على الأخطاء والذنوب السالفة والعمل لأجل تلافيها وجبرانها . فإذا تحقق هذان الأمران أي الخوف والرجاء صار إيمانه كاملا . نعم مجرّد وجود هذين الأمرين وحده لا يكفي بل يجب أن يكون لدى الإنسان البواعث والمحركات ليبحث عمّا يوجب الخوف ويقبل نحو موجبات الرجاء « 2 » . وقال أبو عبد اللّه الصادق عليه السّلام : « كفى بخشية اللّه علما ، وكفى بالإغترار جهلا » « 1 » . الخوف والخشية من اللّه تعالى ناشئان من العلم والمعرفة . لأن الإنسان يعلم إجمالا بأنّ اللّه تعالى قد أعطاه من النعم الشيء الكثير ، وأنّ للّه عليه حقا عظيما ، ويدرك جانبا من العظمة الإلهية اللامتناهية ، ويعلم أن اللّه عادل بين مخلوقاته . فحينئذ إذا التفت إلى تقصيره وإهماله وإلى انحرافه وجرائمه وظلمه وطغيانه فطبعا سوف يستقر الخوف الإلهي في قلبه ويخشاه . والشيء المقابل للخشية والخوف هو الاغترار والافتتان والإنخداع ، فالإنسان الذي يطمئن باله بأنه قد أدّى الوظائف والتكاليف الملقاة على عاتقه وأنّ اللّه تعالى لن يحاسبه ويعافيه ، فهذا إنسان مغرور ومخدوع ، ومنشاؤهما الجهل وعدم المعرفة . يقول الإمام السجاد عليه السّلام في هذا المورد : « فأما أنت يا إلهي فأهل أن لا يغترّ بك الصدّيقون » « 2 » . « 3 » . وقال عليه السّلام : « المؤمن بين مخافتين : ذنب قد مضى لا يدري ما يصنع اللّه فيه ، وعمر قد بقي لا يدري ما يكتسب فيه من المهالك . فهو لا يصبح إلّا خائفا ولا يمسي إلّا خائفا ، ولا يصلحه إلّا الخوف » « 4 » . مخافتان ورهبتان تحيطان بالمؤمن دائما : إحداهما : مخافة الذنوب التي ارتكبها ولا يعلم ما ذا سيفعل اللّه بها ، فإنّ الإنسان ينسى كثيرا من ذنوبه التي فعلها ولكنّها محفوظة في الديوان والسجلّ الإلهي . والأخرى : مخافة المستقبل فإنه قلق ولا يعلم ما ذا سيحدث له فيما بقي من عمره ، فهل سيبقى لديه العزم الراسخ والإرادة القوية لطيّ طريق الصراط المستقيم أو أنّ زلّات الحياة سوف تزلزله ؟ إنّ إحياء هذه الحالة أي حالة القلق والخوف والدغدغة من الماضي والمستقبل تسوق المؤمن باتجاه المراقبة والتقوى « 1 » . خوف أمير المؤمنين عليه السلام درس لنا قال الإمام زين العابدين عليه السّلام في وصف علاقة أمير المؤمنين عليه السّلام باللّه وارتباطه تعالى : « وما أطاق أحد عمل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله من هذه الأمّة غيره ، وإن كان ليعمل عمل رجل كان وجهه بين الجنّة والنار » . « 2 » أي على الرغم من كل هذه الأعمال الإيمانية الكبرى كان سلوكه سلوك إنسان يعيش بين الخوف والرجاء ؛ فهو كان يخشى اللّه وكأنه متأرجح بين الجنّة والنار . ثم قال : « يرجو ثواب هذه ويخاف عقاب هذه » . وخلاصة هذا الكلام هي أنه على الرغم من كثرة جهاده وبذله وعبادته إلّا أنه لم يغتر بشيء من ذلك . في حين إذا صلّى أحدنا ركعتي نافلة وقرأ بضعة جمل من الأدعية ، وأراق دمعتين ، يغتر بعمله الضئيل هذا ويتفاخر ويتصور نفسه وكأنه أصبح ( طاووس العلّيين ) . أما أمير المؤمنين عليه السّلام فلم يغتر بكثرة عمله الصالح . أما لماذا يخاف أشخاص كالرسول وكأمير المؤمنين والسجّاد عليهما السّلام - وهم الذين خلق اللّه الجنّة من أجلهم - نار جهنم ويستعيذون بالله منها ، فهو بحث آخر . نحن أناس صغار وضعفاء وقصير والنظر ولا ندرك عظمة اللّه ، ومثلنا في ذلك كمثل طفل صغير يلعب أمام شخصية علمية كبرى ويجيء ويذهب غير آبه لوجود هذه الشخصية ؛ وذلك لأنه لا يعرف حقيقة هذه الشخصية . في حين تجد أن والد ذلك الطفل الذي يفوق عقله عقل طفله مائة مرّة يتواضع لتلك الشخصية . وهكذا حالنا أمام اللّه تعالى ؛ فنحن لا ندرك عظمته وكأننا أطفال أو كأننا أشخاص غافلون وأناس وضيعون . أمّا الذين وصلوا من مرحلة العلم إلى مرحلة الإيمان ، ومن مرحلة الإيمان إلى مرحلة الشهود ، ومن مرحلة الشهود إلى مرحلة الفناء في اللّه ، أولئك تتجلى عظمة اللّه أمام أبصارهم بشكل تتضاءل أمامه قيمة كل عمل صالح يعملونه ، ويشعرون على الدوام وكأنهم لم يعملوا عملا صالحا ، وإنهم مدينون لله تعالى خائفون منه « 1 » . المؤمن بين الخوف والرجاء قال أبو عبد اللّه عليه السّلام لابن جندب : « يا ابن جندب ، يهلك المتّكل على عمله ولا ينجو المجترىء على الذنوب الواثق برحمة اللّه . قلت : فمن ينجو ؟ قال : الذين هم بين الرجاء والخوف ، كأنّ قلوبهم في مخلب طائر شوقا إلى الثواب وخوفا من العقاب » « 1 » . هناك طائفتان من الناس ليسوا من أهل النجاة والخلاص : الأولى : الذين يتجرأون على ارتكاب الذنوب إتّكالا على الأمل الكاذب الواهي في الرحمة والفضل الإلهي . الثانية : الذين يتكلون على الأعمال التي قاموا بها فيطمئنوا بالهم ويرتاح خاطرهم . والسرّ في هلاك هاتين الطائفتين هو أن الإنسان بكل وجوده وحالاته وشؤونه هو من اللّه تعالى ، وحتى عباداته يأتي بها بحول اللّه وقوته . وكما قال الإمام الحسين عليه السّلام في دعاء عرفة ما مضمونه : « إنّه إذا كان لديك مقدار عمر نوح فلا يمكنك أداء شكر نعمة واحدة من النّعم الإلهية » « 2 » . وكلّ الثواب والأجر الذي يعطيه إيّاه اللّه إنّما هو بتفضّل ولطف اللّه المنّان فكيف يمكن أن نتّكل على أعمالنا التي لا تعتبر شيئا ولا قيمة لها في مقابل العظمة الإلهية ؟ إذن فالمؤمنون الصادقون هم الذين يعيشون حالة ما بين الخوف والرجاء ، - نظير العصفور الأسير بين مخالب الصقر الضاري - بحيث يكون قلبه يرتجف خوفا وهلعا من العذاب الإلهي من جهة بينما ينظر إلى الرحمة الإلهية اللامتناهية من جهة أخرى . اللّهم إنّا نقسم عليك ونستحلفك بحقيقة الأئمة الأطهار عليهم السّلام ونور كلماتهم أن تجعلنا من المؤمنين الصادقين « 1 » . وقال عليه السّلام أيضا لابن جندب : « وارج اللّه رجاء لا يجرّيك على معصيته ، وخفه خوفا لا يؤيسك من رحمته ، ولا تغترّ بقول الجاهل ولا بمدحه ، فتكبر وتجبر وتعجب بعملك ، فإنّ أفضل العمل العبادة والتواضع » « 2 » المؤمن يجب أن يكون لديه رجاء بالرحمة الإلهية وخوف من عقاب اللّه تعالى ولكل واحد من هذين الأمرين حدّ وفاصل . فحدّ الرجاء هو أن لا يتجرأ الإنسان على ارتكاب المعاصي ، ولا يظن أنه مشمول للرحمة الإلهية ولا يضرّبه ارتكاب الذنب والمعصية . وحدّ الخوف هو أن لا ييأس من اللطف الإلهي ، لأن اليأس من الرحمة واد خطير جدا في نفسه ، واليأس من رحمة اللّه من المعاصي الكبيرة المساوقة للكفر كما في قوله تعالى لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ « 3 » . فالإنسان لا ينبغي أن ينخدع بمدح الجاهل له لأن الإنسان لحسن ظنّه بنفسه قد يعتقد أن مدح هؤلاء الأشخاص له واقع وحقيقة فيدعوه ذلك للتكبر والغرور والعجب ويقع في ذلك . ومن هنا كان أفضل الأعمال هو العبادة المقترنة بالتواضع « 1 » . وقال عليه السّلام : « و ( قد ) قيل له : قوم يعملون بالمعاصي ويقولون : نرجو ، فلا يزالون كذلك حتى يأتيهم الموت . فقال عليه السّلام : هؤلاء قوم يترجّحون في الأماني ، كذبوا ليس يرجون ، إنّ من رجا شيئا طلبه ، ومن خاف من شيء هرب منه » « 2 » . في جوابه على مقالة بعض الناس الذين يرتكبون المعاصي ويقولون بأنّهم يرجون ويأملون رحمة اللّه تعالى ، يقول عليه السّلام : إنّ هؤلاء غارقون في التوهّمات والتخيّلات ، وهم كاذبون في ادعائهم هذا ليس عندهم أمل ورجاء واقعا وحقيقة . وذلك لأن الشخص إذا كان واقعا يرجو شيئا فإنه يسعى نحوه ويطلبه وإذا كان واقعا يخاف أمرا فإنه يتجنّبه ويهرب منه . إنّ غفران الذنوب من مظاهر الرحمة الإلهية الرحيميّة ، وهذه الرحمة لا تأتي إلى الإنسان بل الإنسان هو الذي يطلبها ويسعى نحوها . وهذا الأمر كان يفعله الأنبياء والأئمة عليهم الصلاة والسّلام والأولياء الربّانيون أيضا ، فإنّهم لأجل خوفهم من الذنوب والمعاصي كانوا يدعون اللّه ويناجونه ويتوسّلون به ويبكون بكاء شديدا من ذلك . فنسأل اللّه أن يجعلنا من الموالين والتابعين الصادقين لهم « 3 » . التودد والمحبة أهمية التحبب عن علي بن أبي طالب عليه السّلام قال : « قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : رأس العقل بعد الأيمان باللّه عزّ وجلّ التحبّب إلى الناس » « 1 » إنّ أشرف وأفضل عضو من أعضاء بدن الإنسان هو الرأس . وفي هذا الحديث يشبّه العقل بجسد الإنسان ، ولمّا كان أشرف عضو في الجسد هو الرأس فهذا يعني أنّ أفضل العقل هو رأسه . ورأس العقل كما في الحديث هو التحبّب إلى الناس بأفعاله وأقوله « 2 » . أهمية التواصل وعدم التباغض من وصية أمير المؤمنين عليه السّلام لولديه الحسنين عليهما السّلام : « وصلاح ذات بينكم » يعني لتكن قلوبكم خالية من الضغائن ، ولتكن كلمتكم واحدة ولا تتفرّقوا وتختلفوا ، ولتكن علاقة بعضكم مع البعض أخوية وحسنة . ثمّ يأتي عليه السّلام بحديث للنبي ( صلّى اللّه عليه وآله ) دعما لوصيّته ، وهذا يكشف عن اهتمامه البالغ بهذا الأمر لا لأنّه أكثر أهمّية من مسألة نظم الأمر ؛ بل لأنّ مسألة « إصلاح ذات البين » معرّضة للضرر أكثر من مسألة نظم الأمر ؛ لذلك فهو يشفع ذلك بحديث لرسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله ) تأكيدا على أهمّية هذا الأمر ، يقول : « فإنّي سمعت من جدّكما يقول صلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام » « 1 » . عندما يريد البعض أن يقوم بأداء صلاة أو صيام ، فهو أمر مطلوب ومهم ، ولكن هناك عمل أفضل من هذه الصلاة وهذا الصيام ، وهو السعي لإصلاح ذات البين . فعند ما ترى تشتّتا واختلافا بين أبناء الأمة الإسلامية عليك أن تسعى لرفع هذه الفرقة والاختلاف ، فإن عملك هذا أفضل من عامة الصلاة والصيام « 2 » . ويقول أمير المؤمنين عليه السّلام في حديث أخر : « وعليكم بالتواصل والتباذل وإيّاكم والتدابر والتقاطع ، ولا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فيولّى عليكم شراركم ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم » « 3 » إذا اعتادت الأمة أن لا تقول للشرير إنّك شرير ، فإنّها ستفتح الطريق أمام الأشرار والمنحرفين لتولّي زمام أمورها ، وعندها لا يستجاب حتى دعاء الأخيار للخلاص من هؤلاء الأشرار الفاسقين « 4 » . المحبة تورث ولا تعلّم عندما تصبح المحبة متجذرة فإنها تورّث ، كالخصال الإنسانية وتنتقل من جيل إلى جيل آخر كما هي محبة الحسين بن علي عليه الصلاة والسّلام أو محبة أهل البيت عليهم السّلام . فهذه أمور لا تكون لدى جيل من الأجيال ، فيأتي جيل آخر ويحاول تعلمها ، كلا ، فهي لا تأتي عن طريق التعليم ، بل يورّثها جيل إلى جيل آخر ، فهي تنتقل عن طريق تربية الآباء ، تربية الأمهات ، ودلال المربين ، وفي مناغاة المرضعات للأطفال ، وبهذا المعنى تتجذر مسألة ما ، وقد كان ولا زال الإعتقاد بالعلماء في مجتمعنا متجذرا « 1 » . أثر الرفق والتودد قال الإمام موسى بن جعفر عليه السّلام لهشام : « يا هشام ، عليك بالرفق فإنّ الرفق يمن والخرق شؤم . إن الرفق والبرّ وحسن الخلق يعمر الديار ويزيد في الرزق » « 1 » يجب على المؤمن في كل المظاهر والعلاقات الاجتماعية مع الآخرين - سواء في القول أم في العمل - أن يتعامل معهم برفق ومداراة وسلوك حسن ، ويجتنب عن الخشونة والقسوة معهم . والأثر المترتب على الرفق والمداراة ليس محصورا بالثواب الأخروي فقط ولا محدودا في العلاقات الفردية ، بل أثره يشمل وضعيّة المجتمع كلّه فيعطي الرونق والزهو للحياة الاجتماعية في كل البقاع المعمورة . وذلك لأنّ اللّطف واللّيونة توجب الإلفة والتعاون بين الناس ، ممّا يؤدّي في النتيجة النهائية إلى تقدّم وتطوّر أمور المجتمع . وفي الوقت الذي يكثر ويزدهر العمران في المجتمع سوف يزداد رزق ومعاش الناس أيضا . « 2 » وقال الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام : « قال الرضا عليه السّلام : لا يكون المؤمن مؤمنا حتى تكون فيه ثلاث خصال : سنّة من ربّه وسنّة من نبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسنّة من وليّه عليه السّلام . فأمّا السنّة من ربّه فكتمان السرّ . وأمّا السنّة من نبيّه صلّى اللّه عليه وآله فمداراة الناس . وأمّا السنّة من وليّه عليه السّلام فالصبر في البأساء والضرّاء » « 1 » . كمال إيمان المؤمن مرتبط بأمور ثلاثة وعدّ منها المداراة . . . : وأمّا المداراة مع الناس فلأنّه يوجد في المجتمع أشخاص منافقون وضعيفو الإيمان والواجب علينا أن نتعامل معهم بمداراة ، وهذا لا يعني أن نعتمد عليهم ونثق بهم ونسند الأعمال والمهام إليهم . ولكن يجب علينا إعطاؤهم حقوقهم واحترامها ونتعايش معهم « 2 » . ثواب التودد عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر عليه السّلام قال : « أربع من كنّ فيه بنى اللّه له بيتا في الجنة : من آوى اليتيم ، ورحم الضعيف ، وأشفق على والديه ، ورفق بمملوكه » « 3 » من كانت فيه هذه الخصال الأربعة بنى اللّه تعالى له بيتا في الجنة . وهي :
مكارم الأخلاق — الإمام الكاظم عليه السلام
بطعام وقع عليه التثاؤب فقام وقمنا معه ، فلما اتيناه قال له : جانب يا عدو الله ولي الله فأنا رسول الله ، فجانبه الشيطان فقام صحيحا . واتاه رجل وبه أدرة عظيمة فقال : هذه الأدرة تمنعني من التطهير والوضوء ، فدعا بماء فبرك فيه ودعا وتفل فيه ثم امره ان يفيض عليه ، ففعل الرجل واغفى إغفاءة وانتبه فإذا هي قد تقلصت وجاءت امرأة ومعها عكة سمن وأقط ومعها ابنة لها فقالت يا رسول الله ولدت هذه كمهاء ، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله عودا فمسح به عينيها فأبصرتا ومنه حديث قتادة بن ربعي ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن أنيس قوله : وأحيي الموتى بإذن الله . قال الكلبي : كان عيسى يحيي الأموات بيا حي يا قيوم . وقيل إنه أحيى أربعة أنفس وهم : عاذر ، وابن العجوز ، وابنة العاشر ، وسام بن نوح . قال الرضا
عليه السلام : لقد اجتمعت قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه ان يحيي لهم موتاهم ، فوجه معهم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال : اذهب إلى الجنانة فناد باسم هؤلاء الرهط الذين يسألون عنهم بأعلى صوتك يا فلان ويا فلان يقول لكم رسول الله قوموا بإذن الله ، فقاموا ينفضون التراب عن رؤسهم ، فأقبلت قريس تسألهم عن أمورهم ثم أخبروهم ان محمدا صلى الله عليه وآله قد بعث نبيا فقالوا وددنا انا أدركناه فنؤمن به . وأحيى صلى الله عليه وآله النفر الذين قتلوا يوم بدر فخاطبهم وكلمهم وعيرهم بكفرهم قوله : وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون ، ومحمد كان ينبئ بأشياء كثيرة . منها قصة خاطب ابن أبي بلتعة وانفاد كتابه إلى مكة ، ومنها قصة عباس وسبب إسلامه ، ابن جريح في قوله ( ويعلمه الكتاب والحكمة ) ان الله تعالى أعطى عيسى تسعة أشياء من الحظ والسائر الناس جزءا ، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله : أوتيت القرآن ومثليه . وأنشد : وإن كان من مات يحيى لكم * يناديه عيسى برب العلى فان الذراع لقد سمها * يهود لأحمد يوم القرى فنادته اني مسمومة * فلا تقربني وقيت الأذى
مناقب آل أبي طالب — : في اللطائف — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَ مَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى الْخَبَرَ . وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ كُنِّيَ ع بِأَبِي تُرَابٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ص قَالَ يَا عَلِيُّ أَوَّلُ مَنْ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْ رَأْسِهِ أَنْتَ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ص أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّا كُنَّا نَمْدَحُ عَلِيّاً إِذَا قُلْنَا لَهُ أَبَا تُرَابٍ . السوسي أنا وجميع من فوق التراب * فدا لتراب نعل أبي تراب إمام مدحه ذكري ودأبي * وقلبي نحوه ما عشت صاب « 1 » وله خدي فداء لنعل كان يلبسها * أبو تراب ومن حذا على الترب « 2 » لو كنت أحسن أن أجذى بمحجنة * لخاصف النعل لم أعدل ولم أغب « 3 » - وسموه أصلع قريش من كثرة لبس الخوذ على الرأس قال ابن عباس كان عليا أنزع من الشرك بطين من العلم وذلك مدح له عِلَلِ الشَّرَائِعِ عَنِ الْقُمِّيِّ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
ع إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْراً رَمَاهُ بِالصَّلَعِ فَتَحَاتُّ الشَّعْرُ مِنْ رَأْسِهِ وَهَا أَنَا ذَا . البختري ذكرتهم سيماه سيما علي * إذ غدا أصلعا عليهم بطينا - أبو نواس ومدامة من خمر حانة قرقف * صفراء ذات تلهب وتشعشع « 4 » رقت كدين الناصبي وقد صفت * كصفا الولي الخاشع المتشيع باكرتها وجعلت أنشق ريحها * وأمص درتها كدرة مرضع في فتية رفضوا العتيق ونعثلا * وعنوا بأروع في العلوم مشفع وتيقنوا أن ليس ينفع في غد * غير البطين الهاشمي الأنزع
مناقب آل أبي طالب لابن شهر آشوب — في تسميته بعلي والمرتضى وحيدرة وأبي تراب وغير ذلك — الإمام أمير المؤمنين علي عليه السلام
الحضينيّ (رحمه الله): عن أبي الحسن محمّد بن يحيى، و أبي داود الطوسيّ، قالا: دخلنا على أبي شعيب ...، فانثنى أبو شعيب إلى عليّ بن أمّ الرقاد، و قال: قم يا عليّ! إلى هذه النخلة، و اجتنى منها رطبا، و ائتنا فقام عليّ إلى النخلة، نخلة في جانب الدار لا حمل فيها، فلم يصل إليها حتّى رأيناها قد تهدّلت أثمارها، فلم يزل يلقط منها ...، ثمّ أتى به و وضعه بين أيدينا، و قال لنا: كلوا، و اعلموا يسيرا في فضل اللّه على سيّدكم أبي محمّد الحسن (عليه السلام) ... و إذا نحن بخادم قد أتى من دار سيّدنا الحسن (عليه السلام) ...، و قال: مولاك، يقول لك: يا أبا شعيب! أغرس هذا النوى في بستانك بالبصرة يخرج منه نخلة واحدة آية لك ... فعدت من قابل، فجاء في نفسي من أمر النخلة ...، فدنونا منها، و أسعافها تحرّكها الرياح، فسمعنا في تخشخشها، ألسنا تنطق و تقول: لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، و عليّ أمير المؤمنين ...، و الحسن بن عليّ [العسكريّ] (عليهم السلام) حجج اللّه على خلقه ...، فقلنا: يا سيّدنا أبا شعيب! إنّ هذا شيء عجيب، هذه ألسن الملائكة تنطق بهذه النخلة، أم ألسن المؤمنين من الجنّ؟ فقال: هذه ألسن من النخلة ... . 231 الثاني- أنّه (عليه السلام) نور في الخميس: (228) 1- الحافظ رجب البرسيّ (رحمه الله): و عنهم (عليهم السلام) أنّهم قالوا: نحن الليالي و الأيّام، من لم يعرف هذه الأيّام لم يعرف اللّه حقّ معرفته، فالسبت، رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) [و له] النبوّة، و لا نبيّ بعده ...، و الخميس، خمسة أنوار، الرضا، و الجواد، و الهادي، و العسكريّ، و المهدي، و الجمعة اجتماع شيعتنا على ولايتنا، و لعنة اللّه على أعدائنا . الثالث- اختصاص يوم الخميس به (عليه السلام):
موسوعة الإمام العسكري — أبو الحسن عليه السلام (الكاظم أو الرضا)